الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : المناظر
    المؤلف : ابن الهيثم
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وكذلك إذا كان أحد سطوح الجسم مواجهاً للبصر، على أي هيئة كان ذلك السطح، وكانت السطوح المقاطعة لذلك السطح أو أحدها مائلاً على السطح المواجه إلى جهة الاتساع من وراء السطح المواجه، فإن البصر يدرك من هذا الجسم السطح الموجه ويدرك السطح المائل أيضاً أو السطوح المائلة المقاطعة للسطح المواجه، ويدرك تقاطع تلك السطوح. وإذا أدرك التقاطع، وأدرك السطح المواجه، وأدرك السطح المائل أو السطوح المائلة، فهو يدرك انعطاف سطح الجسم في جهة العمق. وإذا أدرك انعطاف الجسم في جهة العمق مع إدراكه لامتداد الجسم في الطول والعرض من السطح المواجه فقد أدرك تجسم الجسم. فالأجسام التي بهذه الصفة أيضاً فإن البصر يدرك تجسمها. وبالجملة فإن كل جسم يدرك البصر من سطحين متقاطعين فإنه يدرك تجسمه.
فأما الجسم الذي فيه سطح محدب إذا كان سطحه المحدب يلي البصر، كان الذي يحيط به سطحاً واحداً أو كان الذي يحيط به سطوحاً كثيرة، مختلفة كانت سطوحه أو متشابهة، فإنه إذا أدركه البصر، وكان سطحه المحدب يلي البصر، وكان البصر يدرك تحديب سطحه، فإنه يدرك تجسمه من إدراكه لتحديب سطحه. وذلك أن السطح المحدب إذا كان مقابلاً للبصر فإن أبعاد أجزائه من البصر تكون مختلفة ويكون وسطه أقرب إلى البصر من حواشيه. وإذا كان البصر يدرك تحديبه فهو يدرك أن وسطه أقرب إليه من أطرافه. فإذا أحس بأن وسطه أقرب من أطرافه وأن أطرافه أبعد أحس بأن السطح منعطف في جهة التباعد. وإذا أحس بانعطاف السطح في جهة التباعد فقد أحس بامتداد الجسم في العمق بالإضافة إلى سطحه المواجه. وهو يدرك امتداد ذلك الجسم في الطول والعرض من إدراكه لامتداد السطح المحدب في الطول والعرض. وكذلك إذا كان سطح آخر من سطوح الجسم غير السطح المواجه للبصر محدباً وأدرك البصر تحديبه، فأنه يدرك امتداده في الأبعاد الثلاثة. فالأجسام التي سطوحها محدبة أو فيها سطح محدب إذا أدرك البصر تحديب سطوحها فإنه يدرك تجسيمها.
فأما الجسم الذي فيه سطح مقعر إذا أدركه البصر وأدرك سطحه المقعر، وأحس البصر مع ذلك بسطح آخر من سطوحه، وأحس بمقاطعته للسطح المقعر، فهو يحس بانعطاف سطح ذلك الجسم. وإذا أحس بانعطاف سطحه فقد أحس بتجسمه. فإن كان سطحه المقعر يلي البصر ولم يظهر للبصر شيء من سطوحه الباقية، فليس يدرك البصر تجسم ذلك الجسم، وليس يدرك البصر من الجسم الذي بهذه الصفة إلا امتداده في بعدين فقط من إدراكه لامتداد السطح المقعر في الطول والعرض. فليس يحس البصر بتجسم ما هذه صفته من الأجسام إلا بتقدم العلم فقط، لا من إحساسه بامتداده في الأبعاد الثلثة. والسطح المقعر يمتد في العمق أيضاً لقرب أطرافه من البصر وبعد وسطه مع امتداده في الطول والعرض. إلا أنه إذا كان التقعير يلي البصر فامتداد السطح المقعر في العمق إنما يدرك منه امتداد الفضاء الذي هو التقعير في العمق، لا امتداد الجسم المبصر الذي ذلك السطح المقعر سطحه.
فإدراك البصر لتجسم الأجسام إنما هو من إدراكه لانعطافات سطوح الأجسام. وانعطافات سطوح الأجسام التي بها يستدل البصر على تجسم الأجسام إنما يدركها البصر من الأجسام التي أبعادها معتدلة التي يتحقق البصر مقادير أبعادها. فأما الأجسام المتفاوتة الأبعاد والأجسام التي ليس يتحقق البصر مقادير أبعادها، فليس يدرك البصر انعطاف سطوحها. وإذا لم يدرك انعطاف سطوحها فليس يدرك تجسمها بحاسة البصر، لأن المبصرات المتفاوتة الأبعاد والتي لا يتحقق البصر مقادير لأبعادها، ليس يدرك البصر أوضاع أجزاء سطوحها بعضها من بعض وليس يدرك سطوحها إلا مسطحة. وإذا لم يدرك البصر أوضاع أجزاء سطوحها بعضها عند بعض فليس يدرك انعطاف سطوحها. وإذا لم يدرك انعطاف سطوحها، ولم يدركها إلا مسطحة، فليس يدرك تجسمها. فليس يدرك البصر تجسم الأجسام المتفاوتة الأبعاد، ولا الأجسام التي لا يتحقق أبعادها ولا يدرك انعطافات سطوحها.
فابصر يدرك تجسم الأجسام من إدراكه لانعطاف سطوح الجسام. وانعطافات سطوح الأجسام من إدراكه لانعطاف سطوح الأجسام. وانعطافات سطوح الأجسام إنما يدركها البصر من المبصرات المعتدلة الأبعاد التي يدرك أوضاع سطوحها بعضها عند بعض. وما سوى ذلك من المبصرات فليس يدرك تجسمها بحاسة البصر، وإنما يدرك تجسمها بتقدم العلم فقط.
إدراك الشكل

(1/108)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية