الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : موسوعة فقه الابتلاء
    جمع وإعداد
    الباحث في القرآن والسنة
    علي بن نايف الشحود

عند ذلك تحول الكفار إلى فتنة التخويف حيث قاموا بإيذاء المسلمين وتعذيبهم , وقد يبدؤون بفتنة الترهيب قبل المرور بفتنة الترغيب لإدراكهم بأن المسلمين ليسوا طلاب دنيا وأن أي محاولة في ترغيبهم ستبوء بالفشل , أو انطلاقًا من شدة حنقهم على الإسلام ودعاته .
وقد مر بهذه الفتنة أكثر المسلمين سواء في ذلك الأغنياء والفقراء والأحرار والعبيد.
ومن أمثلة ذلك ماذكره ابن سعد من رواية محمد بن عمر الواقدي بإسناده إلى إبراهيم بن محمد بن أبي طلحة قال : قال طلحة بن عبيد الله : حضرت سوق بصرى فإذا راهب في صومعته يقول : سلوا أهل الموسم أفيهم رجل من أهل الحرم ؟ قال طلحة : قلت : نعم أنا . فقال : هل ظهر أحمد بعد ؟ قلت ومن أحمد ؟ قال : ابن عبد الله بن عبد المطلب , هذا شهره الذي يخرج فيه, وهو آخر الأنبياء ومخرجه من الحرم , ومهاجره إلى نخل وحرة وسباخ فإياك أن تسبق إليه.
قال طلحة : فوقع في قلبي ما قال , فخرجت سريعًا حتى قدمت مكة , فقلت: هل كان من حدث ؟ قالوا نعم محمد بن عبد الله الأمين قد تنبأ , وقد اتبعه ابن أبي قحافة , قال: فخرجت حتى دخلت على أبي بكر فقلت : أتَبعت هذا الرجل ؟ قال : نعم فانطلق إليه فاتبعه فإنه يدعو إلى الحق, فأخبره طلحة بما قال الراهب , فخرج أبو بكر بطلحة فدخل به على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم طلحة , وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال الراهب فَسُرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك , فلما أسلم أبو بكر وطلحة أخذهما نوفل بن خويلد بن العدوية فشدهما في حبل واحد , ولم يمنعهما بنو تيم , وكان نوفل بن خويلد يُدْعَى أسد قريش فلذلك سُمِّي أبو بكر وطلحة القرينين .
ورواه الحاكم والبيهقي من طريق الواقدي بهذا الإسناد .
وذكره ابن كثير والذهبي من هذا الطريق , وسكت هؤلاء الأئمة عنه ([1]) .
وهذه الرواية من طريق الواقدي وقد حكم علماء الحديث عليه بالترك ولكن العلماء اعتمدوا رواياته في السيرة والمغازي , ويكفي إقرار هؤلاء الأئمة : ابن سعد والحاكم والبيهقي وابن كثير والذهبي لهذه الرواية .
ومن ذلك ماجرى للزبير بن العوام رضي الله عنه من تعذيب عمه له كما أخرج الحاكم عن أبي الأسود عن عروة قال : أسلم الزبير بن العوام وهو ابن ثمان سنين وهاجر وهو ابن ثمان عشرة سنة وكان عم الزبير يعلق الزبير في حصير ويدخن عليه بالنار ويقول : ارجع إلى الكفر فيقول الزبير: لا أكفر أبدًا .
وسكت عنه الحاكم والذهبي ([2]) .
وقال الهيثمي : رواه الطبراني ورجاله ثقات إلا أنه مرسل ([3]) .
وكذلك ماجرى لعثمان بن عفان من تعذيب عمه له كما أخرج ابن سعد بإسناده عن محمد بن إبراهيم بن حارث التيمي عن أبيه قال : لما أسلم عثمان بن عفان أخذه عمه الحَكَم بن أبي العاص بن أمية فأوثقه رباطًا وقال : أترغب عن ملة آبائك إلى دين محدث ؟ والله لا أحلك أبدًا حتى تدع ماأنت عليه من هذا الدين , فقال عثمان : والله لا أدعه أبدًا ولا أفارقه , فلما رأى الحكم صلابته في دينه تركه ([4]) .
وهكذا جرى التعذيب والإذلال لهؤلاء الكبراء المعروفين في قبيلة قريش من أصحاب النسب الرفيع , ولم يردوا على قومهم الذين آذوهم لأنهم كانوا في المرحلة الأولى التي أمرهم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصبر على الأذى وعدم رد الاعتداء بمثله .
ومن أمثلة الثبات على الدين رغم التعرض للمحن ماجرى لسعد ابن أبي وقاص رضي الله عنه مع أمه , وذلك فيما أخرجه أبو يعلى والطبراني وابن مردويه وابن عساكر عن أبي عثمان النهدي قال : إن سعد بن أبي وقاص قال : نزلت في هذه الآية
(وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) [لقمان :15]
كنت رجلاً برًّا بأمي فلما أسلمت قالت : ياسعد ماهذا الذي أراك قد أحدثت ؟ لَتَدعنَّ دينك هذا أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت فتعيَّر بي فيقال ياقاتل أمه , قلت : يا أُمَّه لاتفعلي فإني لا أدع ديني هذا لشيء , فمكثت يومًا وليلة لاتأكل , فأصبحت قد جهدت,فمكثت يومًا آخر وليلة قد اشتد جهدها, فلما رأيت ذلك قلت يا أمه تعلمين والله لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسًا نفسًا ماتركت ديني هذا لشيء فإن شئت فكلي وإن شئت فلا تأكلي,فلما رأت ذلك أكلت فنزلت هذه الآية([5]).
وأخرجه الإمام مسلم بنحوه ضمن حديث طويل ([6]) .
وقد ظهر بهذا إيمان سعد القوي حيث ثبت على دينه ولم يخضع لهذا الابتلاء الذي جعله في خيار بين طاعة الله وطاعة أمه , ففضل طاعة الله جل وعلا .
أما المستضعفون منهم كالموالي فإنهم تعرضوا لأذًى شديد متواصل , واتفق زعماء المشركين على الاستمرار في إيذائهم حتى يظفروا بمن يرجع منهم عن دينه فيكون ذلك نصرًا لهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم .

(4/336)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية