الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


( 184 ) من أذن له في التعبير فهمت في مسامع الخلق عبارته وجليت إليهم إشارته
أي من أذن الله تعالى له من العارفين في التعبير عن الحقائق وهي العلوم الوهبية فهمت في مسامع الخلق عبارته فلم يفتقروا إلى معاودة ولا تكرار . وجُلِّيت - بضم الجيم وشد اللام - أي ظهرت إشارته إليهم فلم يحتاجوا إلى إطناب ولا إكثار . بخلاف غير المأذون له في ذلك كما قال :
( 185 ) ربما برزت الحقائق مكسوفة الأنوار إذا لم يؤذن لك فيها بالإظهار
أي ربما برزت الحقائق التي هي العلوم الوهبية مكسوفة الأنوار إذا لم يؤذن لك في إظهارها فتمجها الأسماع ولا يحصل بها للسامعين استبصار
وقد كان أبو العباس المرسي يقول : كلام المأذون له يخرج وعليه كسوة وطلاوة وكلام الذي لم يؤذن له يخرج مكسوف الأنوار . حتى أن الرجلين ليتكلمان بالحقيقة الواحدة فتقبل من أحدهما وترد على الآخر
وكان يقول : الولي يكون مشحوناً بالعلوم والمعارف والحقائق لديه مشهودة حتى إذا أعطي العبارة كان كالإذن من الله له في الكلام
( 186 ) عباراتهم إما لفيضان وجد أو لقصد هداية مريد فالأول حال السالكين والثاني حال أرباب المكنة والمحققين
أي عباراتهم التي يعبرون بها عن العلوم والمعارف التي يجدونها في باطنهم لا تكون إلا لأحد أمرين : إما لفيضان وُجد بضم الواو أي لفيضان
ص 129
ما يجدونه في قلوبهم من ذلك فيخرج قهراً عنهم وهذا حال السالكين المهديين . وإما لقصد هداية مريد وهم أرباب المكنة أي التمكين فيلزمهم ذلك لما فيه من الإرشاد إلى سلوك سبيل الرشاد
فإن عبر السالك لا عن غلبة وجد كان في ذلك نوع من الدعوى . وإن عبر المتمكن لغير قصد هداية مريد كان من إفشاء السر الذي لم يؤذن له فيه
( 187 ) العبارات قوت لعائلة المستمعين وليس لك إلا ما أنت له آكل
يعني : أن العبارات التي يعبر بها أهل هذه الطائفة عن العلوم والمعارف هي من حيث معناها قوت لأرواح جماعة المستمعين كما أن الأطعمة الحسية قوت لأبدان المحتاجين لها وهذه الأقوات المعنوية كالأقوات الحسية من حيث إنها تختلف باختلاف الطبائع فكما أن بعض الأطعمة قد يصلح لشخص دون آخر للاختلاف في الطبيعة والمزاج فكذلك الأقوات المعنوية منها ما يصلح لواحد دون آخر . وليس لك إلا ما أنت له آكل أي إلا ما فهمته عنهم لاختلاف المذاهب وتباين المطالب . فقد تلقى العبارة على جماعة فيفهم كل واحد منهم ما لا يفهمه الآخر وقد يفهم بعضهم من الكلام معنى لم يقصده المتكلم ويتأثر باطنه بذلك تأثراً عجيباً وربما فهم منه ضد ما قصده المتكلم كما اتفق أن بعضهم سمع قائلاً يقول :
إذا العشرون من شعبان ولت فواصل شرب ليلك بالنهار
و لا تشرب بأقداح صغار فإن الوقت ضاف عن الصغار
فخرج هائماً على وجهه حتى أتى مكة ولم يزل مجاوراً بها حتى مات
وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى : { قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ } ( 60 ) البقرة

(1/128)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية