الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : الشعر والشعراء
    المؤلف : ابن قتيبة الدينوري
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

هَلْ بالدِّيارِ أنْ تُجِيبَ صَمَمْ ... لَوْ أنَّ حَيًّا نَاطِقاً كَلَّمْ
يَأْبِى الشَّبَابُ الأقُوَرِينَ ولاَ ... تَغبِطْ أَخاكَ أَنْ يُقَالَ حَكَمْ
قال أبو محمد: وهذا يكثر، وفيما ذكرت منه ما دلك على ما أردت من اختيارك أحسن الروى، وأسهل الألفاظ، وأبعدها من التعقيد والاستكراه وأقربها من إفهام العوام. وكذلك أختار للخطيب إذا خطب، والكاتب إذا كتب. فإنه يقال: أسير الشعر والكلام المطمع، يراد الذي يطمع في مثله من سمعه، وهو مكان النجم من يد المتناول.
قال أبو محمد: وقد أودعت كتاب العرب في الشعر أشياء من هذا الفن ومن غيره، وستراها هناك مجموعةٌ كافيةٌ، إن شاء الله عز وجل.
أوائل الشعراء
لم يكن لأوائل الشعراء إلا الأبيات القليلة يقولها الرجل عند حدوث الحاجة. فمن قديم الشعر قول دريد بن نهد القضاعي:
اليَوْمَ يُبْنَى لِدُوَيْدٍ بَيْتُهُ ... لَوْ كان للدَّهْرِ بِلًى أَبْلَيْتُهُ
أَوْ كان قِرْنى واحداً كَفَيْتُهُ ... يا رُبَّ نَهْبٍ صالِحٍ حَوَيْتُهُ
ورُبَّ عَبْل خَشِن لَوَيْتُهُ
وقال الآخر:
أَلْقَى عَلَىَّ الدَّهْرُ رِجْلاً ويَدَا ... والدَّهْرُ ما أَصْلَحَ يوْماً أَفْسَدَا
يُصْلجْهُ اليومَ ويُفْسِدُه غَدَا
وقال أعصر بن سعد بن قيس بن عيلان، واسمه منبه ابن سعد، وهو أبو غنى وباهلة والطفاوة:
قالتْ عُمَيْرَةُ ما لِرَأَسِك بَعْدَ ما ... نَفدَ الشَّبَابُ أَتَى بلَوْن مُنْكَر
أَعُمَيْرَ إِنَّ أَباكِ شَيَبَ رَأَسَه ... مَرُّ الليالِي واخْتِلاَفُ الأَعْصُر
وقال الحرث بن كعب وكان قديماً:
أَكَلْتُ شَبَابي فأَفْنَيْتُهُ ... وأَفْنَيْتُ بَعْدَ شُهُور شُهُورَا
ثلاثةُ أَهْلِينَ صاحبْتُهم ... فبانُوا وأَصْبَحْتُ شَيخْاً كَبِيرَا
قَلِيلَ الطَّعَامِ عَسِيرَ القيا ... مِ قد تَرَكَ القَيْدُ خَطْوِى قَصيَرا
أَبيتُ أُراعي نُجُومَ السماءِ ... أُقَلِّبُ أَمْرِى بُطُوناً ظُهُوراً
تراجم الشعراء
امرؤ القيس بن حجر
هو امرؤ القيس بن حجر بن عمرو الكندي، وهو من أهل نجد، من الطبقة الأولى. وهذه الديار التي وصفها في شعره كلها ديار بني أسد.
قال لبيد بن ربيعة: أشعر الناس ذو القروح، يعني امرأ القيس.
وملك حجرٌ على بني أسد، فكان يأخذ منهم شيئاً معلوماً، فامتنعوا منه، فسار إليهم فأخذ سرواتهم فقتلهم بالعصى، فسموا عبيد العصا وأسر منهم طائفةً، فيهم عبيد بن الأبرص، فقام بين يدي الملك فقال:
يا عيْنِ ما فاَبْكي بَنِي ... أَسَدٍ هُمُ أَهلُ النَّدَامَه
أَهْلَ القِبَابِ الحُمْرِ وال ... نَّعَمِ المُؤَبَّلِ والمُدَامَهْ
مَهلاً أَبَيْتَ اللَّعْنَ مَهْلاً ... إِنَّ فيما قُلْتَ آمهْ
في كُلّ وادٍ بَيْنَ يَثْ ... رِبَ والقُصُورِ إلى اليمَامَهْ
تَطْرِيبُ عانٍ أَوْ صِيَا ... حُ مُحَرَّقٍ وزُقَاءُ هامَهْ
أَنْتَ المَلِيك عليهمُ ... وهُمُ العَبِدُ إلى القِيَامَهْ
فرحمهم الملك وعفا عنهم وردهم إلى بلادهم، حتى إذا كانوا على مسيرة يوم من تهامة، تكهن كاهنهم عوف بن ربيعة الأسدي، فقال: يا عباد قالوا: لبيك ربنا! فقال: والغلاب غير المغلب، في الإبل كأنها الربرب، لا يقلق رأسه الصخب، هذا دمعه يثعب وهو غداً أول من يسلب، قالوا: من هو ربنا؟ قال: لولا تجيش نفسٌ جايشه أنباتكم أنه حجر ضاحيه. فركبت بنو أسد كل صعبٍ وذلول، فما أشرق لهم الضحى حتى انتهوا إلى حجر، فوجدوه نائماً فذبحوه وشدوا على هجائنه فاستاقوها.
وكان امرؤ القيس طرده أبوه لما صنع في الشعر بفاطمة ما صنع، وكان له عاشقا، فطلبها زماناً فلم يصل إليها، وكان يطلب منها غرةً، حتى كان منها يوم الغدير بدارة جلجل ما كان فقال:
قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبيب ومَنْزِلِ

(1/12)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية