الكتاب: بلوغ الأمل في فن الزجل
    المؤلف: ابن حجة الحموي، تقي الدين أبو بكر بن علي بن عبد الله الحموي الأزراري (المتوفى: 837هـ)
    [الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع]

بطاقة الكتاب   ||   إخفاء التشكيل

بسم الله الرحمن الرحيم
وهو حسبي
الفن الأول والثاني
الزجل والمواليا
الحمد لله الذي علا زجل الملائكة في عالم الملكوت بحمده، ونظمنا في سلك العبودية فوقف كل منا متأدباً عند حده، أحمده حمداً يقوم وزنه بالقسط ولا يخسر الميزان، وأشكره شكراً تقوم لنا بركته بمعرفة قواعد الإيمان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة نترقى بها إلى أعلى الرتب، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المنعوت بحسن الأدب، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه صلاة نترجح بها يوم الحسرة والندامة، وتعمنا بركتها بين يدي الحكم العدل يوم القيامة، وسلم تسليماً كثيراً.
وبعد فإن الأدب جنس يصدق على أنواع عجيبة وفنون غربية، شهرتها تغني عن أن يجلى في هذا الأفق الزاهر بدرها، أو ينفث في عقد الأقلام سحرها، ولكن نعمل هنا بقول القائل:
إذا كان مدح فالنسيب المقدم
ونسيب الشعر هو المقدم بفصاحته، والموشح ببلاغته.
ولما كان لا ينظم إلا باللفظ الصحيح المعرب، لم يصل إليه إلا من تعاطى الآلة في العلوم وتأدب ولعمري هذا مضمار لم يحز قصبات السبق فيه غير الفحول، ولم يدرك شأوه إلا كل ضامر مهزول، ولكن في الناس من في طبعه ذوق الأدب والنكت الأدبية، ولم يعد نفسه من فرسان العربية، منهم الشيخ برهان الدين المعمار رحمه الله تعالى، فإنه نشأ بالديار المصرية ونكت فاستحلوا على زايد النيل زايده، ونقل عن الشيخ جمال الدين بن نباتة أنه قال: قطعنا المعمار بمقاطيعه.
وناهيك بهذه الصلة التي هي على مثله عايدة، واغتفر له أهل عصره اللحن وعدوه له من مطرب التلحين، فإنه أتى في نظمه بنكت تحرك العيدان وتغني عن القوانين، ولهذا عدل قبلة المغرب وهو الامام أبو بكر بن قزمان تغمده الله تعالى برحمته ورضوانه، واخترع فناً سماه الزجل لم يسبق إليه، وجعل إعرابه لحنه، فامتدت إليه الأيدي، وعقدت الخناصر عليه.
ولما نظم بلفظ العوام تمكن منه أديب الطبع، وكان قد حبس عنانه عن العربيات ورأى بيوته واسعة الفنا، فأسكن مخدرات نكته بتلك الأبيات، غير أن مصنفه ومن تابعه من أهل عصره من علماء هذا الفن امروا فيه باجتناب أشياء منها الألفاظ المشرقية، فإن المصنف أو غيره من المغاربة قال:
لله در الزجل ويا ما لقي ... ما يوافق عمرو لسان مشرقي
وكما أن اللفظ المشرقي لا يجوز في الزجل، فاللفظ المغربي لا يجوز في المواليا لكون أنها من مخترعات المشارقة مثاله: إذا قلت في الزجل طلعتك، ووجنتك، وقامتك بسكون التاء لم تجز هذه الألفاظ عند الزجالة بل يعدونها خطأ في الوزن، فأن سكون هذه التاء لا تجوز عندهم، وعكس ذلك لا يجوز عند الموالة لأن تحريك هذه التاء لا يجوز عندهم البتة، وأقل من في الزجالة والموالة لا يجهل هذين العيبين، وكذلك تاء المتكلم مثل قلت وهمت لا يجوز في الزجل وهي ركن من أركان المواليا لأن المشارقة يتلفظون بها على صيغتها كقول الشيخ صفي الدين الحلي في بعض أزجاله:
مااجتمعنا تا أقول كنا ... وازعق فينا غراب البين
أو أقول عين ضد صابتنا ... بعد ما كنت قرير العين
فقوله كنت عيب فاحش عند الزجالة، ولا يجوز استعماله عندهم.
وهو أكبر عيوب الزجل بل محو رسمه وإخراجه عن قاعدة المصنف الإعراب، لأنه قال في خطبة ديوانه:
وقد جردته من الاعراب ... كما تجرد السيف من القراب
وموجب ذلك أن ابن غزلة الشاعر المغربي وهو من أكبر أشياخهم كان ينظم الموشح والزجل فيلحن في الموشح ويعرب في الزجل قصداً واستهتاراً ويقول: القصد من الجميع عذوبة اللفظ وسهولة السبك، وكان ابن سناء الملك يعيب عليه ذلك، ولهذا لم يثبت شيئاً من موشحاته في دار الطراز لكون أنها مزنمة، لأن التزنيم هو ما أعرب من ألفاظ الفنون الأربع، الزجل والمواليا، والكان وكان، والقوما.
وسيأتي الكلام على بقية الفنون بعد الزجل إن شاء الله تعالى.

(1/1)

الصفحة السابقة   ||   الصفحة التالية
بداية الكتاب    ||   محرك البحث