صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ تاريخ الطبري - الطبري ]
الكتاب : تاريخ الأمم والملوك
المؤلف : محمد بن جرير الطبري أبو جعفر
الناشر : دار الكتب العلمية - بيروت
الطبعة الأولى ، 1407
عدد الأجزاء : 5

ولاقى بها حجر من الله رحمة ... فقد كان أرضى الله حجر وأعذرا ... ولا زال تهطال ملث وديمة ... على قبر حجر أو ينادى فيحشرا ... فيا حجر من للخيل تدمى نحورها ... وللملك المغزي إذا ما تغشمرا ... ومن صادع بالحق بعدك ناطق ... بتقوى ومن إن قيل بالجور غيرا ... فنعم أخو الإسلام كنت وإنني ... لأطمع أن تؤتى الخلود وتحبرا ... وقد كنت تعطي السيف في الحرب حقه ... وتعرف معروفا وتنكر منكرا ... فيا أخوينا من هميم عصمتما ... ويسرتما للصالحات فأبشرا ... ويا أخوي الخندفيين أبشرا ... فقد كنتما حييتما أن تبشرا ... ويا إخوتا من حضرموت وغالب ... وشيبان لقيتم حسابا ميسرا ... سعدتم فلم أسمع بأصوب منكم ... حجاجا لدى الموت الجليل وأصبرا ... سأبكيكم ما لاح نجم وغرد ال ... حمام ببطن الواديين وقرقرا ... فقلت ولم أظلم أغوث بن طيء ... متى كنت أخشى بينكم أن أسيرا ... هبلتم ألا قاتلتم عن أخيكم ... وقد ذب حتى مال ثم تجورا ... ففرجتم عني فغودرت مسلما ... كأني غريب في إياد وأعصرا ... فمن لكم مثلي لدى كل غارة ... ومن لكم مثلي إذا البأس أصحرا ... ومن لكم مثلي إذا الحرب قلصت ... وأوضع فيها المستميت وشمرا ... فها أنا ذا داري بأجبال طيء ... طريدا ولو شاء الإله لغيرا ... نفاني عدوي ظالما عن مهاجري ... رضيت بما شاء الإله وقدرا ... وأسلمني قومي لغير جناية ... كأن لم يكونوا لي قبيلا ومعشرا ... فإن ألف في دار بأجبال طيء ... وكان معانا من عصير ومحضرا ... فما كنت أخشى أن أرى متغربا ... لحا الله من لاحى عليه وكثرا ... لحا الله قتل الحضرميين وائلا ... ولاقى الفنا من السنان الموفرا ... ولاقى الردى القوم الذين تحزبوا ... علينا وقالوا قول زور ومنكرا ... فلا يدعني قوم لغوث بن طيء ... لأن دهرهم أشقى بهم وتغيرا ... فلم أعزهم في المعلمين ولم أثر ... عليهم عجاجا بالكويفة أكدرا ... فبلغ خليلي إن رحلت مشرقا ... جديلة والحيين معنا وبحترا ... ونبهان والأفناء من جذم طيء ... ألم أك فيكم ذا الغناء العشنزرا ... ألم تذكروا يوم العذيب أليتي ... أمامكم ألا أرى الدهر مدبرا ... وكري علىمهران والجمع حاسر ... وقتلي الهمام المستميت المسورا ... ويوم جلولاء الوقيعة لم ألم ... ويوم نهاوند الفتوح وتسترا ... وتنسونني يوم الشريعة والقنا ... بصفين في أكتافهم قد تكسرا

(3/234)


جزى ربه عني عدي بن حاتم ... برفضي وخذلاني جزاء موفرا ... أتنسى بلائي سادرا يا بن حاتم ... عشية ما أغنت عديك حزمرا ... فدافعت عنك القوم حتى تخاذلوا ... وكنت أنا الخصم الألد العذورا ... فولوا وما قاموا مقامي كأنما ... رأوني ليثا بالأباءة مخدرا ... نصرتكم إذخام القريب وأبعط ال ... بعيد وقد أفردت نصرا مؤزرا ... فكان جزائي أن أجرد بينكم ... سجينا وأن أولى الهوان وأوسرا ... وكم عدة منك أنك راجعي ... فلم تغن بالميعاد عني حبترا ... فأصبحت أرعى النيب طورا وتارة ... أهرهر إن راعى الشويهات هرهرا ... كأني لم أركب جوادا لغارة ... ولم أترك القرن الكمي مقطرا ... ولم أعترض بالسيف خيلا مغيرة ... إذا النكس مشى القهقرى ثم جرجرا ... ولم أستحث الركض في إثر عصبة ... ميممة عليا سجاس وأبهرا ... ولم أذعر الأبلام مني بغارة ... كورد القطاثم انحدرت مظفرا ... ولم أر في خيل تطاعن بالقنا ... بقزوين أو شروين أو أغز كندرا ... فذلك دهر زال عني حميده ... وأصبح لي معروفه قد تنكرا ... فلا يبعدن قومي وإن كنت غائبا ... وكنت المضاع فيهم والمكفرا ... ولا خير في الدنيا ولا العيش بعدهم ... وإن كنت عنهم نائي الدار محصرا ...
فمات بالجبلين قبل موت زياد
وقال عبيدة الكندي ثم البدي وهو يعير محمد بن الأشعث بخذلانه حجرا ... أسلمت عمك لم تقاتل دونه ... فرقا ولولا أنت كان منيعا ... وقتلت وافد آل بيت محمد ... وسلبت أسيافا له ودروعا ... لو كنت من أسد عرفت كرامتي ... ورأيت لي بيت الحباب شفيعا ...
وفي هذه السنة وجه زياد الربيع بن زياد الحارثي أميرا على خراسان بعد موت الحكم بن عمرو الغفاري وكان الحكم قد استخلف على عمله بعد موته أنس بن أبي أناس وأنس هو الذي صلى على الحكم حين مات فدفن في دار خالد بن عبدالله أخي خليد بن عبدالله الحنفي وكتب بذلك الحكم إلى زياد فعزل زياد أنسا وولى مكانه خليد بن عبدالله الحنفي
فحدثني عمر قال حدثني علي بن محمد قال لما عزل زياد أنسا وولي مكانه خليد بن عبدالله الحنفي قال أنس ... ألا من مبلغ عني زيادا ... مغلغلة يخب بها البريد ... أتعزلني وتطعمها خليدا ... لقد لاقت حنيفة ما تريد ... عليكم باليمامة فاحرثوها ... فأولكم وآخركم عبيد

(3/235)


فولى خليدا شهرا ثم عزله وولى خراسان ربيع بن زياد الحارثي في أول سنة إحدى وخمسين فنقل الناس عيالاتهم إلى خراسان ووطنوا بها ثم عزل الربيع
فحدثني عمر قال حدثني علي عن مسلمة بن محارب وعبدالرحمن بن أبان القرشي قالا قدم الربيع خراسان ففتح بلخ صلحا وكانوا قد أغلقوها بعدما صالحهم الأحنف بن قيس وفتح قهستان عنوة وكانت بناحيتها أتراك فقتلهم وهزمهم وكان ممن بقي منهم نيزك طرخان فقتله قتيبة بن مسلم في ولايته
حدثني عمر قال حدثنا علي قال غزا الربيع فقطع النهر ومعه غلامه فروخ وجاريته شريفة فغنم وسلم فأعتق فروخا وكان قد قطع النهر قبله الحكم بن عمرو في ولايته ولم يفتح
فحدثني عمر عن علي بن محمد قال كان أول المسلمين شرب من النهر مولى للحكم اغترف بترسه فشرب ثم ناول الحكم فشرب وتوضأ وصلى من وراء النهر ركعتين وكان أول الناس فعل ذلك ثم قفل
وحج بالناس في هذه السنة يزيد بن معاوية حدثني بذلك أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبي معشر وكذلك قال الواقدي
وكان العامل في هذه السنة على المدينة سعيد بن العاص وعلى الكوفة والبصرة والمشرق كله زياد وعلى قضاء الكوفة شريح وعلى قضاء البصرة عميرة بن يثربي

(3/236)


ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين
فزعم الواقدي أن فيها كانت غزوة سفيان بن عوف الأزدي ومشتاه بأرض الروم وأنه توفي بها واستخلف عبدالله بن مسعدة الفزاري
وقال غيره بل الذي شتا بأرض الروم في هذه السنة بالناس بسر بن أبي أرطاة ومعه سفيان بن عوف الأزدي وغزا الصائفة في هذه السنة محمد بن عبدالله الثقفي
وحج بالناس في هذه السنة سعيد بن العاص في قول أبي معشر والواقدي وغيرهما
وكانت عمال الأمصار في هذه السنة هم العمال عليها كانوا في سنة إحدى وخمسين

(3/237)


ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين
ذكر ما كان فيها من الأحداث
فمما كان فيها من ذلك مشتى عبدالرحمن بن أم الحكم الثقفي بأرض الروم
وفيها فتحت رودس جزيرة في البحر ففتحها جنادة بن أبي أمية الأزدري فنزلها المسلمون فيما ذكر محمد بن عمر وزرعوا واتخذوا بها أموالا ومواشي يرعونهاه حولها فإذا أمسوا أدخلوها الحصن ولهم ناطور يحذرهم ما في البحر ممن يريدهم بكيد فكانوا على حذر منهم وكانوا أشد شيء على ا لروم فيعترضونهم في البحر فيقطعون سفنهم وكان معاوية يدر لهم الأرزاق والعطاء وكان العدو قد خافهم فلما مات معاوية أقفلهم يزيد بن معاوية
وفيها كانت وفاة زياد بن سمية حدثني عمر قال حدثنا زهير قال حدثنا وهيب قال حدثني أبي عن محمد بن إسحاق عن محمد بن الزبير عن فيل مولى زياد قال ملك زياد العراق خمس سنين ثم مات سنة ثلاث وخمسين
حدثني عمر قال حدثنا علي بن محمد قال لما نزل زياد على العراق بقي إلى سنة ثلاث وخمسين ثم مات بالكوفة في شهر رمضان وخليفته على البصرة سمرة بن جندب
ذكر سبب مهلك زياد بن سمية
حدثني عبدالله بن أحمد المروزي قال حدثنا أبي قال حدثني سليمان قال حدثني عبدالله بن المبارك قال أخبرني عبدالله بن شوذب عن كثير بن زياد أن زيادا كتب إلى معاوية إني ضبطت العراق بشمالي ويميني فارغة فضم إليه معاوية العروض وهي اليمامة وما يليها فدعا عليه ابن عمر فطعن ومات فقال ابن عمر حين بلغه الخبر اذهب إليك ابن سمية فلا الدنيا بقيت لك ولا الآخرة أدركت
حدثني عمر قال حدثني علي قال كتب زياد إلى معاوية قد ضبطت لك العراق بشمالي ويميني فارغة فاشغلها بالحجاز وبعث في ذلك الهيثم بن الأسود النخعي وكتب له عهده مع الهيثم فلما بلغ ذلك أهل الحجاز أتى نفر منهم عبدالله بن عمر بن الخطاب فذكروا ذلك له فقال ادعوا الله عليه يكفيكموه فاستقبل القبلة واستقبلوها فدعوا ودعا فخرجت طاعونة على أصبعه فأرسل إلى شريح وكان قاضيه فقال حدث بي ما ترى وقد أمرت بقطعها فأشر علي فقال له شريح إني أخشى أن يكون الجراح

(3/238)


على يدك والألم على قلبك وأن يكون الأجل قد دنا فتلقى الله عز و جل أجذم وقد قطعت يدك كراهية للقائه أو أن يكون في الأجل تأخير وقد قطعت يدك فتعيش أجذم وتعير ولدك فتركها وخرج شريح فسألوه فأخبرهم بما أشار به فلاموه وقالوا هلا أشرت عليه بقطعها فقال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم المستشار مؤتمن
حدثني عبدالله بن أحمد المروزي قال حدثني أبي قال حدثني سليمان قال قال عبدالله سمعت بعض من يحدث أنه أرسل إلى شريح يستشيره في قطع يده فقال لا تفعل إنك إن عشت صرت أجذم وإن هلكت إياك جانيا على نفسك قال أنام والطاعون في لحاف فعزم أن يفعل فلما نظر إلى النار والمكاوي جزع وترك ذلك
حدثني عمر قال حدثنا عبدالملك بن قريب الأصمعي قال حدثني ابن أبي زياد قال لما حضرت زيادا الوفاة قال له ابنه يا أبت قد هيأت لك ستين ثوبا أكفنك فيها قال يا بني قد دنا من أبيك لباس خير من لباسه هذا أو سلب سريع فمات فدفن بالثوية إلى جانب الكوفة وقد توجه يزيد إلى الحجاز واليا عليها فقال مسكين بن عامر بن شريح بن عمرو بن عدس بن زيد بن عبدالله بن دارم ... رأيت زيادة الإسلام ولت ... جهارا حين ودعنا زياد ...
وقال الفرزدق لمسكين ولم يكن هجا زيادا حتى مات ... أمسكين أبكى الله عينك إنما ... جرى في ضلال دمعها فتحدرا ... بكيت امرأ من آل ميسان كافرا ... ككسرى على عدانه أو كقيصرا ... أقول له لما أتاني نعيه ... به لا بظبي بالصريمة أعفرا ...
فأجابه مسكين فقال ... ألا أيها المرء الذي لست ناطقا ... ولا قاعدا في القوم إلا انبرى ليا ... فجئني بعم مثل عمي أو أب ... كمثل أبي أو خال صدق كخاليا ... كعمرو بن عمرو أو زرارة والدا ... أو البشر من كل فرعت الروابيا ... وما زال بي مثل القناة وسابح ... وخطارة غب السرى من عياليا ... فهذا لأيام الحفاظ وهذه ... لرحلي وهذا عدة لارتحاليا ... وقال الفرزدق ... أبلغ زيادا إذا لاقيت مصرعه ... أن الحمامة قد طارت من الحرم ... طارت فما زال ينميها قوادمها ... حتى استغاثت إلى الأنهار والأجم ...
حدثني عبدالله بن أحمد قال حدثني أبي عن سليمان قال حدثني عبدالله عن جرير بن حازم عن جرير بن يزيد قال رأيت زيادا فيه حمرة في عينه اليمنى انكسار أبيض اللحية مخروطها عليه قميص مرقوع وهو على بغلة عليها لجامها قد أرسنها

(3/239)


وفي هذه السنة كانت وفاة الربيع بن زياد الحارثي وهو عامل زياد على خراسان
ذكر الخبر عن سبب وفاته
حدثني عمر قال حدثني علي بن محمد قال ولي الربيع بن زياد خراسان سنتين وأشهرا ومات في العام الذي مات فيه زياد واستخلف ابنه عبدالله بن الربيع فولي شهرين ثم مات عبدالله قال فقدم عهده من قبل زياد على خراسان وهو يدفن واستخلف عبدالله بن الربيع على خراسان خليد بن عبدالله الحنفي
قال علي وأخبرني محمد بن الفضل عن أبيه قال بلغني أن الربيع بن زياد ذكر يوما بخراسان حجر بن عدي فقال لا تزال العرب تقتل صبرا بعده ولو نفرت عند قتله لم يقتل رجل منهم صبرا ولكنها أقرت فذلت فمكث بعد هذا الكلام جمعة ثم خرج في ثياب بياض في يوم جمعة فقال أيها الناس إني قد مللت الحياة وإني داع بدعوة فأمنوا ثم رفع يده بعد الصلاة وقال اللهم إن كان لي عندك خير فاقبضني إليك عاجلا وأمن الناس فخرج فما توارت ثيابه حتى سقط فحمل إلى بيته واستخلف ابنه عبدالله ومات من يومه ثم مات ابنه فاستخلف خليد بن عبدالله الحنفي فأقره زياد فمات زياد وخليد على خراسان وهلك زياد وقد استخلف على عمله على الكوفة عبدالله بن خالد بن أسيد وعلى البصرة سمرة بن جندب الفزاري
فحدثني عمر بن شبة قال حدثني علي قال مات زياد وعلى البصرة سمرة بن جندب خليفة له وعلى الكوفة عبدالله بن خالد بن أسيد فأقر سمرة على البصرة ثمانية عشر شهرا
قال عمر وبلغني عن جعفر بن سليمان الضبعي قال أقر معاوية سمرة بعد زياد ستة أشهر ثم عزله فقال سمرة لعن الله معاوية والله لو أطعت الله كما أطعت معاوية ما عذبني أبدا
حدثني عمر قال حدثني موسى بن إسماعيل قال حدثني سليمان بن مسلم العجلي قال سمعت أبي يقول مررت بالمسجد فجاء رجل إلى سمرة فأدى زكاة ماله ثم دخل فجعل يصلي في المسجد فجاء رجل فضرب عنقه فإذا رأسه في المسجد وبدنه ناحية فمر أبو بكرة فقال يقول الله سبحانه قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى ( 1 ) قال أبي فشهدت ذاك فما مات سمرة حتى أخذه الزمهرير فمات شر ميتة قال وشهدته وأتي بناس كثير وأناس بين يديه فيقول للرجل ما دينك فيقول أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأني بريء من الحرورية فيقدم فيضرب عنقه حتى مر بضعة وعشرون
وحج بالناس في هذه السنة سعيد بن العاص في قول أبي معشر الواقدي وغيرهما
وكان العامل فيها على المدينة سعيد بن العاص وعلى الكوفة بعد موت زياد عبدالله بن خالد بن أسيد وعلى البصرة بعد موت زياد سمرة بن جندب وعلى خراسان خليد بن عبدالله الحنفي

(3/240)


ثم دخلت سنة أربع وخمسين
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
ففيها كان مشتى محمد بن مالك أرض الروم وصائفة معن بن يزيد السلمي
وفيها فيما زعم الواقدي فتح جنادة بن أبي أمية جزيرة في البحر قريبة من قسطنطينية يقال لها أرواد
وذكر محمد بن عمر أن المسلمين أقاموا بها دهرا فيما يقال سبع سنين وكان فيها مجاهد بن جبر قال وقال تبيع بن امرأة كعب ترون هذه الدرجة إذا انقلعت جاءت قفلتنا قال فهاجت ريح شديدة فقلعت الدرجة وجاء نعي معاوية وكتاب يزيد بالقفل فقفلنا فلم تعمر بعد ذلك وخربت وأمن الروم
وفيها عزل معاوية سعيد بن العاص عن المدينة واستعمل عليها مروان بن الحكم
ذكر سبب عزل معاوية سعيدا واستعمال مروان
حدثني عمر قال حدثنا علي بن محمد عن جويرة بن أسماء عن أشياخه أن معاوية كان يغري بين مروان وسعيد بن العاص فكتب إلى سعيد بن العاص وهو على المدينة اهدم دار مروان فلم يهدمها فأعاد عليه الكتاب بهدمها فلم يفعل فعزله وولى مروان
وأما محمد بن عمر فإنه ذكر أن معاوية كتب إلى سعيد بن العاص يأمره بقبض أموال مروان كلها فيجعلها صافية ويقبض فدك منه وكان وهبها له فراجعه سعيد بن العاص في ذلك وقال قرابته قريبة فكتب إليه ثانية يأمره باصطفاء أموال مروان فأبى وأخذ سعيد بن العاص الكتابين فوضعهما عند جارية فلما عزل سعيد عن المدينة فوليها مروان كتب معاوية إلى مروان بن الحكم يأمره بقبض أموال سعيد بن العاص بالحجاز وأرسل إليه بالكتاب مع ابنه عبدالملك فخبره أنه لو كان شيئا غير كتاب أمير المؤمنين لتجافيت فدعا سعيد بن العاص بالكتابين اللذين كتب بهما معاوية إليه في أموال مروان يأمره فيهما بقبض أمواله فذهب بهما إلى مروان فقال هو كان أوصل لنا منا له وكف عن قبض أموال سعيد
وكتب سعيد بن العاص إلى معاوية العجب مما صنع أمير المؤمنين بنا في قرابتنا أن يضغن بعضنا على بعض فأمير المؤمنين في حلمه وصبره على ما يكره من الأجنبين وعفوه وإدخاله القطيعة بيننا والشحناء وتوارث الأولاد ذلك فوالله لو لم نكن بني أب واحد إلا بما جمعنا الله عليه من نصر الخليفة المظلوم واجتماع كلمتنا لكان حقا علينا أن نرعى ذلك والذي أدركنا به خير فكتب إليه يتنصل من ذلك وأنه عائد إلى أحسن ما يعهده

(3/241)


عاد الحديث الى حديث عمر عن علي بن محمد قال فلما ولى مروان كتب اليه اهدم دار سعيد فأرسل الفعلة وركب ليهدمها فقال له سعيد يا أبا عبد الملك أتهدم داري قال نعم كتب الي أمير المؤمنين ولو كتب في هدم داري لفعلت قال ما كنت لأفعل قال بلى والله لو كتب اليك لهدمتها قال كلا أبا عبد الملك وقال لغلامه انطلق فجئني بكتاب معاوية فجاء بكتاب معاوية الى سعيد بن العاص في هدم دار مروان بن الحكم قال مروان كتب اليك يا أبا عثمان في هدم داري فلم تهدم ولم تعلمني قال ما كنت لأهدم دارك ولا أمن عليك وانما أراد معاوية أن يحرض بيننا فقال مروان فداك أبي وأمي وأنت والله أكثر منا ريشا وعقبا ورجع مروان ولم يهدم دار سعيد
حدثني عمر قال حدثنا علي قال حدثنا أبو محمد بن ذكوان القرشي قال قدم سعيد بن العاص على معاوية فقال له يا أبا عثمان كيف تركت أبا عبدالملك قال تركته ضابطا لعملك منفذا لأمرك قال انه كصاحب الخبزة كفي نضجها فأكلها قال كلا والله يا أمير المؤمنين انه لمع قوم لا يحمل بهم السوط ولا يحل لهم السيف يتهادون كوقع النبل سهم لك وسهم عليك قال ما باعد بينك وبينه قال خافني على شرفه وخفته على شرفي قال فماذا له عندك قال أسره غائبا وأسره شاهدا قال تركتنا يا أبا عثمان في هذه الهنات قال نعم يا أمير المؤمنين فتحملت الثقل وكفيت الحزم وكنت قريبا لو دعوت أجبت ولو ذهبت رفعت
وفي هذه السنة كان عزل معاوية سمرة بن جندب عن البصرة واستعمل عليها عبدالله بن عمرو بن غيلان فحدثني عمر قال حدثني علي بن محمد قال عزل معاوية سمرة وولى عبدالله بن عمرو بن غيلان فأقره ستة أشهر فولى عبدالله بن عمرو شرطته عبدالله بن حصن
وفي هذه السنة ولي معاوية عبيد الله بن زياد خراسان ذكر سبب ولاية ذلك
حدثني عمر قال حدثني علي بن محمد قال حدثنا مسلمة بن محارب ومحمد بن أبان القرشي قالا لما مات زياد وفد عبيد الله الى معاوية فقال له من استخلف أخي على عمله بالكوفة قال عبدالله بن خالد بن أسيد قال فمن استعمل على البصرة قال سمرة بن جندب الفزاري فقال له معاوية لو استعملك أبوك استعملتك فقال له عبيد الله أنشدك الله أن يقولها الي أحد من بعدك لو ولاك أبوك وعمك لوليتك
قالا وكان معاوية اذا أراد أن يولي رجلا من بني حرب ولاه الطائف فان رأى منه خبرا وما يعجبه ولاه مكة معها فان أحسن الولاية وقام بما ولي قياما حسنا جمع له معهما المدينة فكان اذا ولي الطائف رجلا قيل هو في أبي جاد فاذا ولاه مكة قيل هو في القرآن فاذا ولاه المدينة قيل هو قد حذق
قالا فلما قال عبيد الله ما قال ولاه خراسان ثم قال له حين ولاه اني قد عهدت اليك مثل عهدي الى عمالي ثم أوصيك وصية القرابة لخاصتك عندي لا تبيعن كثيرا بقليل وخذ لنفسك من نفسك واكتف فيما بينك وبين عدوك بالوفاء تخف عليك المؤؤنة وعلينا منك وافتح بابك للناس تكن في العلم منهم أنت وهم سواء واذا عزمت على أمر فأخرجه الى الناس ولا يكن لأحد فيه مطمع ولا يرجعن عليك وأنت تستطيع

(3/242)


واذا لقيت عدوك فغلبوك على ظهر الأرض فلا يغلبوك على بطنها وان احتاج أصحابك الى أن تؤاسيهم بنفسك فآسهم
حدثني عمر قال حدثني علي قال أخبرنا علي بن مجاهد عن ابن اسحاق قال استعمل معاوية عبيد الله بن زياد وقال ... استمسك الفسفاس ان لم يقطع ...
وقال له اتق الله ولا تؤثرن على تقوى الله شيئا فان في تقواه عوضا وق عرضك من أن تدنسه واذا أعطيت عهدا فف به ولا تبيعن كثيرا بقليل ولا تخرجن منك أمرا حتى تبرمه فاذا خرج فلا يردن عليك واذا لقيت عدوك فكن أكثر من معك وقاسمه على كتاب الله ولا تطمعن أحدا في غير حقه ولا تؤيسن أحدا من حق له ثم ودعه
حدثني عمر قال حدثنا علي قال حدثنا مسلمة قال سار عبيد الله الى خراسان في آخر سنة ثلاث وخمسين وهو ابن خمس وعشرين سنة من الشام وقدم الى خراسان أسلم بن زرعة الكلابي فخرج فخرج معه من الشام الجعد بن قيس النمري يرجز بين يديه بمرثية زياد يقول فيها
وحدثني عمر مرة أخرى في كتابه الذي سماه كتاب أخبار أهل البصرة فقال حدثني أبو الحسن المدائني قال لما عقد معاوية لعبيد الله بن زياد على خراسان خرج وعليه عمامة وكان وضيئا والجعد بن قيس ينشده مرثية زياد ... أبق علي عاذلني من اللوم ... فيما أزيلت نعمتي قبل اليوم ... قد ذهب الكريم والظل الدوم ... والنعم المؤثل الدثر الحوم ... والماشيات مشية بعد النوم ... ليت الجياد كلها مع القوم ... سقين سم ساعة قبل اليوم ... لأربع مضين من شهر الصوم ...
ومنها ... يوم الثلاثاء الذي كان مضى ... يوم قضى فيه المليك ما قضى ... وفاة بر ماجد جلد القوى ... حربه نوال جعد والتظى ... كان زياد جبلا صعب الذرى ... شهما اذا شئتم نقيصات أبي ... لا يبعد الله زيادا اذ ثوى ...
وبكى عبيد الله يومئذ حتى سقطت عمامته عن رأسه قال وقدم عبيد الله خراسان ثم قطع النهر الى جبال بخارى على الابل فكان هو أول من قطع اليهم جبال بخارى في جند ففتح رامثين ونصف بيكند وهما من بخارى فمن ثم أصاب البخارية
قال علي أخبرنا الحسن بن رشيد عن عمه قال لقي عبيد الله بن زياد الترك ببخارى ومع ملكهم امرأته قبج خاتون فلما هزمهم الله أعجلوها عن لبس خفيها فلبست أحدهما وبقي الأخر فأصابه المسلمون فقوم الجورب بمائتي ألف درهم

(3/243)


قال وحدثني محمد بن حفص عن عبيد الله بن زياد بن معمر عن عبادة بن حصن قال ما رأيت أحدا أشد بأسا من عبيد الله بن زياد لقينا زحف من الترك بخراسان فرأيته يقاتل فيحمل عليهم فيطعن فيهم ويغيب عنا ثم يرفع رايته تقطر دما
قال علي وأخبرنا مسلمة أن البخارية الذين قدم بهم عبيد الله بن زياد البصرة ألفان كلهم جيد الرمي بالنشاب
قال مسلمة كان زحف الترك ببخارى أيام عبيد الله بن زياد من زحوف خراسان التي تعد قال وأخبرنا الهذلي قال كانت زحوف خراسان خمسة أربعة لقيها الأحنف بن قيس الذي لقيه بين قهستان وأبرشهر والزحوف الثلاثة التي لقيها بالمرغاب والزحف الخامس زحف قارن فضه عبدالله بن خازم
قال علي قال مسلمة أقام عبيد الله بن زياد بخراسان سنتين
وحج بالناس في هذه السنة مروان بن الحكم كذلك حدثني أحمد بن ثابت عمن حدثه عن اسحاق بن عيسى عن أبي معشر وكذلك قال الواقدي وغيره
وكان على المدينة في هذه السنة مروان بن الحكم وعلى الكوفة عبدالله خالد بن أسيد وقال بعضهم كان عليها الضحاك بن قيس وعلى البصرة عبدالله بن عمرو بن غيلان

(3/244)


ثم دخلت سنة خمس وخمسين
ذكر الخبر عن الكائن فيها من الأحداث
فمما كان فيها من ذلك مشتى سفيان بن عوف الأزدي بأرض الروم في قول الواقدي
وقال بعضهم بل الذي كان شتا بأرض الروم في هذه السنة عمرو بم محرز
وقال بعضهم بل الذي شتا بها عبد الله بن قيس الفزاري
وقال بعضهم بل ذلك مالك بن عبد الله
وفيها عزل معاوية عبد الله بن عمرو بن غيلان عن البصرة وولاها عبيد الله بن زياد
ذكر الخبر عن سبب عزل معاوية عبد الله بن عمرو بن غيلان وتوليته عبيد الله البصرة
حدثني عمر قال حدثنا الوليد بن هشام وعلي بن محمد قال واختلفا في بعض الحديث قالا خطب عبد الله بن عمرو بن غيلان على منبر البصرة فحصبه رجل من بني ضبة قال عمر قال أبو الحسن يدعى جبير بن الضحاك أحد بني ضرار فأمر به فقطعت يده فقال ... السمع والطاعة والتسليم ... خير وأعفى لبني تميم ...
فأتته بنو ضبة فقالوا ان صاحبنا جنى ما جنى على نفسه وقد بالغ الأمير في عقوبته ونحن لا نأمن أن يبلغ خبره أمير المؤمنين فيأتي من قبله عقوبة تخص أو تعم فان رأى الأمير أن يكتب لنا كتابا يخرج به أحدنا الى أمير المؤمنين يخبره أنه قطعه على شبهة وأمر لم يضح فكتب لهم بعد ذلك الى معاوية فأمسكوا الكتاب حتى بلغ رأس السنة وقال أبو الحسن لم يزد على ستة أشهر فوجه الى معاوية ووافاه الضبيون فقالوا يا أمير المؤمنين انه قطع صاحبنا ظلما وهذا كتابه اليك وقرأ الكتاب فقال أما القود من عمالي فلا يصح ولا سبيل اليه ولكن ان شئتم وديت صاحبكم قالوا فده فواده من بيت المال وعزل عبد الله وقال لهم اختاروا من تحبون أن أولي بلدكم قالوا يتخير لنا أمير المؤمنين وقد علم رأي أهل البصرة في ابن عامر فقال هل لكم في ابن عامر فهو من قد عرفتم في شرفه وعفافه وطهارته قالوا أمير المؤمنين أعلم فجعل يردد ذلك عليهم ليسبرهم ثم قال قد وليت عليكم ابن أخي عبيد الله بن زياد

(3/245)


قال عمر حدثني علي بن محمد قال عزل معاوية عبد الله بن عمرو وولى عبيد الله بن زياد البصرة في سنة خمس وخمسين وولى عبيد الله أسلم بن زرعة خراسان فلم يغز ولم يفتح بها شيئا وولى شرطة عبد الله بن حصن والقضاء زرارة بن أوفى ثم عزله وولي القضاء ابن أذينة العبدي
وفي هذه السنة عزل معاوية عبد الله بن خالد بن أسيد عن الكوفة وولاها الضحاك بن قيس الفهري
وحج بالناس في هذه السنة مروان بن الحكم حدثني بذلك أحمد بن ثابت عمن حدثه عن اسحاق بن عيسى عن أبي معشر

(3/246)


ثم دخلت سنة ست وخمسين
ذكر ما كان فيها من الأحداث
ففيها كان مشتى جنادة بن أبي أمية بأرض الروم وقيل عبدالرحمن بن مسعود
وقيل غزا فيها في البحر يزيد بن شجرة الرهاوي وفي البر عياض بن الحارث
وحج بالناس فيما حدثني أحمد بن ثابت عمن حدثه عن اسحاق بن عيسى عن أبي معشر الوليد ابن عتبة بن أبي سفيان
وفيها اعتمر معاوية في رجب وفيها دعا معاوية الناس الى بيعة ابنه يزيد من بعده وجعله ولي العهد
ذكر السبب في ذلك
حدثني الحارث قال حدثنا علي بن محمد قال حدثنا أبو اسماعيل الهمداني وعلي بن مجاهد قالا قال الشعبي قدم المغيرة على معاوية واستعفاه وشكا اليه الضعف فأعفاه وأراد أن يولي سعيد بن العاص وبلغ كاتب المغيرة ذلك فأتى سعيد بن العاص فأخبره وعنده رجل من أهل الكوفة يقال له ربيعة أو الربيع من خزاعة فأتى المغيرة فقال يا مغيرة ما أرى أمير المؤمنين الا قد قلاك رأيت ابن خنيس كاتبك عند سعيد بن العاص يخبره أن أمير المؤمنين يوليه الكوفة قال المغيرة أفلا يقول كما قال الأعشى ... أم غاب ربك فاعترتك خصاصة ... ولعل ربك أن يعود مؤيدا ...
رويدا ادخل على يزيد فدخل عليه فعرض له بالبيعة فأدى ذلك يزيد الى أبيه فرد معاوية المغيرة الى الكوفة فأمره أن يعمل في بيعة يزيد فشخص المغيرة الى الكوفة فأتاه كاتبه ابن خنيس فقال والله ما غششتك ولا خنتك ولا كرهت ولايتك ولكن سعيدا كانت له عندي يد وبلاء فشكرت ذلك له فرضي عنه وأعاده الى كتابته وعمل المغيرة في بيعة يزيد وأوفد في ذلك وافدا الى معاوية
حدثني الحارث قال حدثنا علي عن مسلمة قال لما أراد معاوية أن يبايع ليزيد كتب الى زياد يستشيره فبعث زياد الى عبيد بن كعب النميري فقال ان لكل مستشير ثقة ولكل سر مستودع وان الناس قد أبدعت بهم خصلتان اذاعة السر واخراج النصيحة الى غير أهلها وليس موضع السر الا أحد رجلين رجل يرجو ثوابا ورجل دنيا له شرف في نفسه وعقل يصون حسبه وقد عجمتهما منك فأحمدت الذي قبلك وقد دعوتك لأمر اتهمت عليه بطون الصحف ان أمير المؤمنين كتب الي يزعم أنه قد

(3/247)


عزم على بيعة يزيد وهو يتخوف نفرة الناس ويرجو مطابقتهم ويستشيرني وعلاقة أمر الإسلام وضمانع غظيم ويزيد صاحب رسلة وتهاون مع ما قد أولع به من الصيد فالق أمير المؤمنين مؤديا عني فأخبره عن فعلات يزيد فقال له رويدك بالأمر فأقمن أن يتم لك ما تريد ولا تعجل فإن دركا في تأخير خير من تعجيل عاقبته الفوت فقال عبيد له أفلا غير هذا قال ما هو قال لا تفسد على معاوية رأيه ولا تمقت إليه ابنه وألقى أنا يزيد سرا من معاوية فأخبره عنك أن أمير المؤمنين كتب إليك يستشيرك في بيعته وأنك تخوف خلاف الناس لهنات ينقمونها عليه وأنك ترى له ترك ما ينقم عليه فيستحكم لأمير المؤمنين الحجة على الناس ويسهل لك ما تريد فتكون قد نصحت يزيد وأرضيت أمير المؤمنين فسلمت مما تخاف من علاقة أمر الأمة فقال زياد لقد رميت الأمر بحجره شخص على بركة الله فإن أصبت فما لا ينكر وإن يكن خطأ فغير مستغش وأبعد بك إن شاء الله من الخطأ قال تقول بما ترى ويقضي الله بغيب ما يلعم فقدم على يزيد فذاكره ذلك وكتب زياد إلى معاوية يأمره بالتؤدة وألا يعجل فقبل ذلك معاوية وكف يزيد عن كثير مما كان يصنع ثم قدم عبيد على زياد فأقطعه قطيعة
حدثني الحارث قال حدثنا علي قال لما مات زياد دعا معاوية بكتاب فقرأه على الناس باستخلاف يزيد إن حدث به حدث الموت فيزيد ولي عهد فاستوسق له الناس على البيعة ليزيد غير خمسة نفر
فحدثني يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا إسماعيل بن إبراهيم قال حدثنا ابن عون قال حدثني رجل بنخلة قال بايع الناس ليزيد بن معاوية غير الحسين بن علي وابن عمر وابن الزبير وعبدالرحمن بن أبي بكر وابن عباس فلما قدم معاوية أرسل إلى الحسين بن علي فقال يا بن أخي قد استوسق الناس لهذا الأمر غير خمسة نفر من قريش أنت تقودهم يا بن أخي فما إربك إلى الخلاف قال أنا أقودهم قال نعم أنت تقودهم قال فأرسل إليهم فإن بايعوا كنت رجلا منهم وإلا لم تكن عجلت علي بأمر قال وتفعل قال نعم قال فأخذ عليه ألا يخبر بحديثهم أحدا قال فالتوى عليه ثم أعطاه ذلك فخرج وقد أقعد له ابن الزبير رجلا بالطريق قال يقول لك أخوك ابن الزبير ما كان فلم يزل به حتى استخرج منه شيئا
ثم أرسل بعده إلى ابن الزبير فقال له قد استوسق الناس لهذا الأمر غير خمسة نفر من قريش أنت تقودهم يابن أخي فما إربك إلى الخلاف قال أنا أقودهم قال نعم أنت تقودهم قال فأرسل إليهم فإن بايعوا كنت رجلا منهم وإلا لم تكن عجلت علي بأمر قال وتفعل قال نعم قال فأخذ عليه ألا يخبر بحديثهم أحدا قال يا أمير المؤمنين نحن في حرم الله عز و جل وعهد الله سبحانه ثقيل فأبى عليه وخرج
ثم أرسل بعده إلى ابن عمر فكلمه بكلام هو ألين من كلام صاحبه فقال إني أرهب أن أدع أمة محمد بعدي كالضأن لا راعي لها وقد استوسق الناس لهذا الأمر غير خمسة نفر من قريش أنت تقودهم فما إربك إلى الخلاف قال هل لك في أمر يذهب الذم ويحقن الدم وتدرك به حاجتك قال وددت قال تبرز سريرك ثم أجيء فأبايعك على أني أدخل بعدك فيما تجتمع عليه الأمة فوالله لو أن الأمة اجتمعت بعدك على عبد حبشي لدخلت فيما تدخل فيه الأمة قال وتفعل قال نعم ثم خرج فأتى منزله فأطبق بابه

(3/248)


وجعل الناس يجيئون فلا يأذن لهم
فأرسل إلى عبدالرحمن بن أبي بكر فقال يابن أبي بكر بأية يد أو رجل تقدم على معصيتي قال أرجو أن يكون ذلك خيرا لي فقال والله لقد هممت أن أقتلك قال لو فعلت لأتبعك الله به لعنة في الدنيا وأدخلك به في الآخرة النار
قال ولم يذكر ابن عباس
وكان العامل على المدينة في هذه السنة مروان بن الحكم وعلى الكوفة الضحاك بن قيس وعلى البصرة عبيد الله بن زياد وعلى خراسان سعيد بن عثمان
وكان سبب ولايته خراسان ما حدثني عمر قال حدثني علي قال أخبرني محمد بن حفص قال سأل سعيد بن عثمان معاوية أن يستعمله على خراسان فقال إن بها عبيدالله بن زياد فقال أما لقد اصطنعك أبي ورفاك حتى بلغت باصطناعه المدى الذي لا يجارى إليه ولا يسامى فما شكرت بلاءه ولا جازيته بآلائه وقدمت علي هذا يعني يزيد بن معاوية وبايعت له ووالله لأنا خير منه أبا وأما ونفسا فقال فقال معاوية أما بلاء أبيك فقد يحق على الجزاء به وقد كان من شكري لذلك أني طلبت بدمه حتى تكشفت الأمور ولست بلائم لنفسي في التشمير وأما فضل أبيك على أبيه فأبوك والله خير مني وأقرب برسول الله صلى الله عليه و سلم وأما فضل أمك على أمه فما ينكر امرأة من قريش خير من امرأة من كلب وأما فضلك عليه فوالله ما أحب أن الغوطة دحست ليزيد رجالا مثلك فقال له يزيد يا أمير المؤمنين ابن عمك وأنت أحق من نظر في أمره وقد عتب عليك فأعتبه قال فولاه حرب خراسان وولى إسحاق بن طلحة خراجها وكان إسحاق ابن خالة معاوية أمه أم أبان ابنة عتبة بن ربيعة فلما صار بالري مات إسحاق بن طلحة فولي سعيد خراج خراسان وحربها
حدثني عمر قال حدثني علي قال أخبرنا مسلمة قال خرج سعيد إلى خراسان وخرج معه أوس بن ثعلبة التيمي صاحب قصر أوس وطلحة بن عبد الله بن خلف الخزاعي والمهلب بن أبي صفرة وربيعة بن عسل أحد بني عمرو بن يربوع قال وكان قوم من الأعراب يقطعون الطريق على الحاج ببطن فلج فقيل لسعيد إن ها هنا قوما يقطعون الطريق على الحاج ويخيفون السبيل فلو أخرجتهم معك قال فأخرج قوما من بني تميم منهم مالك بن الريب المازني في فتيان كانوا معه وفيهم يقول الراجز ... الله أنجاك من القصيم ... ومن أبي حردبة الأثيم ... ومن غويث فاتح العكوم ... ومالك وسيفه المسموم ...
قال علي قال مسلمة قدم سعيد بن عثمان فقطع النهر إلى سمرقند فخرج إليه أهل الصغد فتواقفوا يوما إلى الليل ثم انصرفوا من غير قتال فقال مالك بن الريب يذم سعيدا ... مازلت يوم الصغد ترعد واقفا ... من الجبن حتى خفت أن تتنصرا ... وما كان في عثمان شيء علمته ... سوى نسله في رهطه حين أدبرا ... ولولا بنو حرب لظلت دماؤكم ... بطون العظايا من كسير وأعورا

(3/249)


قال فلما كان الغد خرج إليهم سعيد بن عثمان وناهضه الصغد فقاتلهم فهزمهم وحصرهم في مدينتهم فصالحوه وأعطوه رهنا منهم خمسين غلاما يكونون في يده من أبناء عظمائهم وعبر فأقام بالترمذ ولم يف لهم وجاء بالغلمان الرهن معه إلى المدينة
قال وقدم سعيد بن عثمان خراسان وأسلم بن زرعة الكلابي بها من قبل عبيد الله بن زياد فلم يزل أسلم بن زرعة بها مقيماحتى كتب إليه عبيد الله بن زياد بعهده على خراسان الثانية فلما قدم كتاب عبيد الله على أسلم طرق سعيد بن عثمان ليلا فأسقطت جارية له غلاما فكان سعيد يقول لأقتلن به رجلا من بني حرب وقدم على معاوية فشكا أسلم إليه وغضبت القيسية قال فدخل همام بن قبيصة النمري فنظر إليه معاوية محمر العينين فقال يا همام إن عينيك لمحمرتان قال همام كانتا يوم صفين أشد حمرة فغم معاوية ذلك فلما رأى ذلك سعيد كف عن أسلم فأقام أسلم بن زرعة على خراسان واليا لعبيد الله بن زياد سنتين

(3/250)


ثم دخلت سنة سبع وخمسين
وكان فيها مشتى عبدالله بن قيس بأرض الروم
وفيها صرف مروان عن المدينة في ذي القعدة في قول الواقدي وقال غيره كان مروان إليه المدينة في هذه السنة
وقال الواقدي استعمل معاوية على المدينة حين صرف عنها مروان الوليبد بن عتبة بن أبي سفيان
وكالذي قال الواقدي قال أبو معشر حدثني بذلك أحمد بن ثابت الرازي عمن حدثه عن إسحاق ابن عيسى عنه
وكان العامل على الكوفة في هذه السنة الضحاك بن قيس وعلى البصرة عبيد الله بن زياد وعلى خراسان سعيد بن عثمان بن عفان

(3/251)


ثم دخلت سنة ثمان وخمسين
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فيها نزع معاوية مروان عن المدينة في ذي القعدة في قول أبي معشر وأمر الوليد بن عتبة بن أبي سفيان عليها حدثني بذلك أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عنه
وفيها غزا مالك بن عبدالله الخثعمي أرض الروم
وفيها قتل يزيد بن شجرة في البحر في السفن في قول الواقدي قال ويقال عمرو بن يزيد الجهني وكان الذي شتا بأرض الروم وقد قيل إن الذي غزا في البحر في هذه السنة جنادة بن أبي أمية وحج بالناس في هذه السنة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان كذلك حدثني أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبي معشر وكذلك قال الواقدي وغيره
وفي هذه السنة ولى معاوية الكوفة عبدالرحمن بن عبد الله بن عبد الله بن عثمان بن ربيعة الثقفي وهو ابن أم الحكم أخت معاوية بن أبي سفيان وعزل عنها الضحاك بن قيس ففي عمله في هذه السنة خرجت الطائفة الذين كان المغيرة بن شعبة حبسهم في السجن من الخوارج الذين كانوا بايعوا المستورد بن علفة فظفر بهم فاستودعهم السجن فلما مات المغيرة خرجوا من السجن
فذكر هشام بن محمد أنا أبا مخنف حدثه عن عبدالرحمن بن جندب عن عبدالله بن عقبة الغنوي أن حيان بن ظبيان السلمي جمع إليه أصحابه ثم إنه حمد الله وأثنى عليه ثم قال لهم أما بعد فإن الله عز و جل كتب علينا الجهاد فمنا من قضى نحبه ومنا من ينتظر وأولئك الأبرار الفائزون بفضلهم ومن يكن منا من ينتظر فهو من سلفنا القاصين نحبهم السابقين بإحسان فمن كان منكم يريد الله وثوابه فليسلك سبيل أصحابه وإخوانه يؤته الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله مع المحسنين
قال معاذ بن جوين الطائي يا أهل الإسلام إنا والله لو علمنا أنا إذا تركنا جهاد الظلمة وإنكار الجور كان لنا به عند الله عذر لكان تركه أيسر علينا وأخف من ركوبه ولكنا قد علمنا واستيقنا أنه لا عذر لنا وقد جعل لنا القلوب والأسماع حتى ننكر الظلم ونغير الجور ونجاهد الظالمين ثم قال ابسط يدك نبايعك فبايعه وبايعه القوم فضربوا على يد حيان بن ظبيان فبايعوه وذلك في إمارة عبدالرحمن بن عبدالله بن عثمان الثقفي وهو ابن أم الحكم وكان على شرطته زائدة بن قدامة الثقفي
ثم إن القوم اجتمعوا بعد ذلك بأيام إلى منزل معاذ بن جوين بن حصين الطائي فقال لهم حيان بن

(3/252)


ظبيان عباد الله أشيروا برأيكم أين تأمروني أن أخرج فقال له معاذ إني أرى أن تسير بنا إلى حلوان حتى ننزلها فإنها كورة بين السهل والجبل وبين المصر والثغر يعني بالثغر الري فمن كان يرى رأينا من أهل المصر والثغر والجبال والسواد لحق بنا فقال له حيان عدوك معاجلك قبل اجتماع الناس إليك لعمري لا يتركونكم حتى يجتمعوا إليكم ولكن قد رأيت أن أخرج معكم في جانب الكوفة والسبخة أو زرارة والحيرة ثم نقاتلهم حتى نلحق بربنا فإني والله لقد علمت أنكم لا تقدرون وأنتم دون المائة رجل أن تهزموا عدكم ولا أن تشتد نكايتكم فيهم ولكن متى علم الله أنكم قد أجهدتم أنفسكم في جهاد عدوه وعدوكم كان لكم به العذر وخرجتم من الإثم قالوا رأينا رأيك فقال لهم عتريس بن عرقوب أبو سليمان الشيباني ولكن لا أرى رأي جماعتكم فانظروا في رأي لكم إني لا إخالكم تجهلون معرفتي بالحرب وتجربتي بالأمور فقالوا له أجل أنت كما ذكرت فما رأيك قال ما أرى أن تخرجوا على الناس بالمصر إنكم قليل في كثير والله ما تزيدون على أن تجزروهم أنفسكم وتقروا أعينهم بقتلكم وليس هكذا تكون المكايدة إذ آثرتم أن تخرجوا على قومكم فكيدوا عدوكم ما يضرهم قالوا فما الرأي قال تسيرون إلى الكورة التي أشار بنزولها معاذ بن جوين بن حصين يعني حلوان أو تسيرون بنا إلى عين التمر فنقيم بها فإذا سمع بنا إخواننا أتونا من كل جانب وأوب فقال له حيان بن ظبيان إنك والله لو سرت بنا أنت وجميع أصحابك نحو أحد هذين الوجهين ما اطمأننتم به حتى يلحق بكم خيول أهل المصر فأنى تشفون أنفسكم فوالله ما عدتكم بالكثيرة التي ينبغي أن تطمعوا معها بالنصر في الدنيا على الظالمين المعتدين فاخرجوا بجانب من مصركم هذا فقاتلوا عن أمر الله من خالف طاعة الله ولا تربصوا ولا تنتظروا فإنكم إنما تبادرون بذلك إلى الجنة وتخرجون أنفسكم بذلك من الفتنة قالوا أما إذا كان لا بد لنا فإنا لن نخالفك فاخرج حيث أحببت
فمكث حتى إذا كان آخر سنة من سني ابن ام الحكم في أول السنة وهو أول يوم من شهر ربيع الآخر اجتمع أصحاب حيان بن ظبيان إليه فقال لهم يا قوم إن الله قد جمعكم لخير وعلى خير والله الذي لا إله غيره ما سررت بشيء قط في الدنيا بعدما أسلمت سروري لمخرجي هذا على الظلمة الأثمة فوالله ما أحب أن الدنيا بحذافيرها لي وأن الله حرمني في مخرجي هذا الشهادة وإني قد رأيت أن نخرج حتى ننزل جانب دار جرير فإذا خرج إليكم الأحزاب ناجزتموهم فقال عتريس بن عرقوب البكري أما أن نقاتلهم في جوف المصر فإنه يقاتلنا الرجال وتصعد النساء والصبيان والإماء فيرموننا بالحجارة فقال لهم رجل منهم انزلوا بنا إذا من وراء المصر الجسر وهو موضع زرارة وإنما بنيت زرارة بعد ذلك إلا أبياتا يسيرة كانت منها قبل ذلك فقال لهم معاذ بن جوين بن حصين الطائي لا بل سيروا بنا فلننزل بانقيا فما أسرع ما يأتيكم عدوكم فإذا كان ذلك استقبلنا القوم بوجوهنا وجعلنا البيوت في ظهورنا فقاتلناهم من وجه واحد فخرجوا فبعث إليهم جيش فقتلوا جميعا
ثم إن عبدالرحمن بن أم الحكم طرده أهل الكوفة فحدثت عن هشام بن محمد قال استعمل معاوية ابن أم الحكم على الكوفة فأساء السيرة فيهم فطردوه فلحق بمعاوية وهو خاله فقال له أوليك خيرا منها مصر قال فولاه فتوجه إليها وبلغ معاوية بن حديج السكوني الخبر فخرج فاستقبله على مرحلتين من مصر فقال ارجع إلى خالك فلعمري لا تسير فينا سيرتك في إخواننا من أهل الكوفة

(3/253)


قال فرجع إلى معاوية وأقبل معاوية بن حديج وافدا وقال وكان إذا جاء قلست له الطريق يعني ضربت له قباب الرييحان قال فدخل على معاوية وعنده أم الحكم فقالت من هذا يا أمير المؤمنين قال بخ هذا معاوية بن حديج قالت لا مرحبا به تسمع بالمعيدي خير من أن تراه فقال على رسلك يا أم الحكم أما والله لقد تزوجت فما أكرمت وولدت فما أنجبت أردت أن يلي ابنك الفاسق علينا فيسير فينا كما سار في إخواننا من أهل الكوفة ما كان الله ليريه ذلك ولو فعل ذلك لضربناه ضربا يطأطىء منه وإن كره ذلك الجالس فالتفت إليها معاوية فقال كفي
وفي هذه السنة اشتد عبيد الله بن زياد على الخوارج فقتل منهم صبرا جماعة كثيرة وفي الحرب جماعة أخرى وممن قتل منهم صبرا عروة بن أدية أخو أبي بلال مرداس بن أدية
ذكر سبب قتله إياهم
حدثني عمر قال حدثني زهير بن حرب قال حدثنا وهب بن جرير قال حدثني أبي قال حدثني عيسى بن عاصم الأسدي أن ابن زياد خرج في رهان له فلما جلس ينتظر الخيل اجتمع الناس وفيهم عروة بن أدية أخو أبي بلال فأقبل على ابن زياد فقال خمس كن في الأمم قبلنا فقد صرن فينا أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون وإذا بطشتم بطشتم جبارين ( 1 ) وخصلتين آخريين لم يحفظهما جرير فلما قال ذلك ظن ابن زياد أنه لم يجترىء على ذلك إلا ومعه جماعة من أصحابه فقام وركب وترك رهانه فقيل لعروة ما صنعت تعلمن والله ليقتلنك قال فتوارى فطلبه ابن زياد فأتى الكوفة فأخذ بها فقدم به على ابن زياد فامر به فقطعت يداه ورجلاه ثم دعا به فقال كيف ترى قال أرى أنك أفسدت دنياي وأفسدت آخرتك فقتله وأرسل إلى ابنته فقتلها
وأما مرداس بن أدية فإنه خرج بالأهواز وقد كان ابن زياد قبل ذلك حبسه فيما حدثني عمر قال حدثني خلاد بن يزيد الباهلي قال حبس ابن زياد فيمن حبس مرداس بن أدية فكان السجان يرى عبادته واجتهاده وكان يأذن له في الليل فيصرف فإذا طلع الفجر أتاه حتى يدخل السجن وكان صديق لمرداس يسامر ابن زياد فذكر ابن زياد الخوارج ليلة فعزم على قتلهم إذا أصبح فانطلق صديق مرداس إلى منزل مرداس فأخبرهم وقال أرسلوا إلى أبي بلال في السجن فليعهد فإنه مقتول فسمع ذلك مرداس وبلغ الخبر صاحب السجن فبات بليلة سوء أشفاقا من أن يعلم الخبر مرداس فلا يرجع فلما كان الوقت الذي كان يرجع فيه إذا به قد طلع فقال له السجان هل بلغك ما عزم عليه الأمير قال نعم قال ثم غدوت قال نعم ولم يكن جزاؤك مع إحسانك أن تعاقب بسببي وأصبح عبيد الله فجعل يقتل الخوارج ثم دعا بمرداس فلما حضر وثب السجان وكان ظئرا لعبيد الله فأخذدمه ثم قال هب لي هذا وقص عليه قصته فوهبه له وأطلقه
حدثني عمر قال حدثنا زهير بن حرب قال حدثنا وهب بن جرير قال حدثنا أبي قال حدثني يونس بن عبيد قال خرج مرداس أبو بلال وهو من بني ربيعة بن حنظلة في أربعين رجلا إلى

(3/254)


الأهواز فبعث إليهم ابن زياد جيشا عليهم ابن حصن التميمي فقتلوا في أصحابه وهزموه فقال رجل من بني تيم الله بن ثعلبة ... أألفا مؤمن منكم زعمتم ... ويقتلهم بآسك أربعونا ... كذبتم ليس ذاك كما زعمتم ... ولكن الخوارج مؤمنونا ... هي الفئة القليلة قد علمتم ... على الفئة الكثيرة ينصرونا ...
قال عمر البيت الأخير ليس في الحديث أنشدنيه خلاد بن يزيد الباهلي وقيل مات في هذه السنة عميرة بن يثربي قاضي البصرة واستقضي مكانه عليها هشام بن هبيرة
وكان على الكوفة في هذه السنة عبدالرحمن بن أم الحكم وقال بعضهم كان عليها الضحاك بن قيس الفهري وعلى البصرة عبيد الله بن زياد وعلى قضاء الكوفة شريح
وحج بالناس الوليد بن عتبة في هذه السنة كذلك قال أبو معشر والواقدي

(3/255)


ثم دخلت سنة تسع وخمسين
ذكر ما كان فيها من الأحداث
ففيها كان مشتى عمرو بن مرة الجهني أرض الروم في البر قال الواقدي لم يكن عامئذ غزو في البحر وقال غيره بل غزا في البحر جنادة بن أبي
وفيها عزل عبدالرحمن بن أم الحكم عن الكوفة واستعمل عليها النعمان بن بشير الأنصاري وقد ذكرنا قبل سبب عزل ابن أم الحكم عن الكوفة
وفي هذه السنة ولى معاوية عبدالرحمن بن زياد بن سمية خراسان
ذكر سبب استعمال معاوية أياه على خراسان
حدثني الحارث بن محمد قال حدثنا علي بن محمد قال حدثنا أبو عمرو قال سمعت أشياخنا يقولون قدم عبدالرحمن بن زياد وافدا على معاوية فقال يا أمير المؤمنين أما لنا حق قال بلى قال فماذا توليني قال بالكوفة النعمان رشيد وهو رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم وعبيد الله بن زياد على البصرة وخراسان وعباد بن زياد على سجستان ولست أرى عملا يشبهك إلا أن أشركك في عمل أخيك عبيدالله قال أشركني فإن عمله واسع يحتمل الشركة فولاه خراسان
قال علي وذكر أبو حفص الأزدي قال حدثني عمر قال قدم علينا قيس بن الهيثم السلمي وقد وجهه عبدالرحمن بن زياد فأخذ أسلم بن زرعة فحبسه ثم قدم عبدالرحمن فأغرم أسلم بن زرعة ثلاثمائة ألف درهم
قال وذكر مصعب بن حيان عن أخيه مقاتل بن حيان قال قدم عبدالرحمن بن زياد خراسان فقدم رجل سخي حريص ضعيف لم يغز غزوة واحدة وقد أقام بخراسان سنتين
قال علي قال عوانة قدم عبدالرحمن بن زياد على يزيد بن معاوية من خراسان بعد قتل الحسين عليه السلام واستخلف علي خراسان قيس بن الهيثم
قال وحدثني مسلمة بن محارب وأبو حفص قالا قال يزيد لعبد الرحمن بن زياد كم قدمت به معك من المال من خراسان قال عشرين ألف الف درهم قال إن شئت حاسبناك وقبضناها منك ورددناك على عملك وإن شئت سوغناك وعزلناك وتعطي عبدالله بن جعفر خمسمائة ألف درهم قال بل تسوغني ما قلت ويستعمل عليها غيري وبعث عبدالرحمن بن زياد إلى عبدالله بن جعفر بألف ألف درهم وقال

(3/256)


خمسمائة ألف من قبل أمير المؤمنين وخمسمائة ألف من قبلي
وفي هذه السنة وفد عبيد الله بن زياد على معاوية في أشراف أهل البصرة فعزله عن البصرة ثم رده عليها وجدد له الولاية
ذكر من قال ذلك
حدثني عمر قال حدثني علي قال وفد عبيد الله بن زياد في أهل العراق إلى معاوية فقال له ائذن لوفدك على منازلهم وشرفهم فأذن لهم ودخل الأحنف في آخرهم وكان سيء المنزلة من عبيد الله فلما نظر إليه معاوية رحب به وأجلسه معه على سريرة ثم تكلم القوم فأحسنوا الثناء على عبيد الله والأحنف ساكت فقال مالك يا أبا بحر لا تتكلم قال إن تكلمت خالفت القوم فقال انهضوا فقد عزلته عنكم واطلبوا واليا ترضونه فلم يبق في القوم أحد إلا أتى رجلا من بني أمية أو من أشراف أهل الشام كلهم يطل وقعد الأحنف في منزله فلم يأت أحدا فلبثوا أياما ثم بعث إليهم معاوية فجمعهم فلما دخلوا عليه قال من اخترتم فاختلفت كلمتهم وسمى كل فريق منهم رجلا والأحنف ساكت فقال له معاوية مالك يا أبا بحر لا تتكلم قال إن وليت علينا أحدا من أهل بيتك لم نعدل بعبيد الله أحدا وإن وليت من غيرهم فانظر في ذلك قال معاوية فإني قد أعدته عليكم ثم أوصاه بالأحنف وقبح رأيه في مباعدته فلما هاجت الفتنة لم يف لعبيد الله غير الأحنف
وفي هذه السنة كان ما كان من أمر يزيد بن مفرغ الحميري وعباد بن زياد وهجاء يزيد بن زياد
ذكر سبب ذلك
حدثت عن أبي عبيدة معمر بن المثنى أن يزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميري كان مع عباد بن زياد بسجستان فاشتعل عنه بحرب الترك فاستبطأه فأصاب الجند مع عباد ضيق في أعلاف دوابهم فقال ابن مفرغ ... ألا ليت اللحى عادت حشيشا ... فنعلفها خيول المسلمينا ...
وكان عباد بن زياد عظيم اللحية فأنهي شعره إلى عباد وقيل ما أراد غيرك فطلبه عباد فهرب منه وهجاه بقصائد كثيرة فكان مما هجاه به قوله ... إذا أودى معاوية بن حرب ... فبشر شعب قعبك بانصداع ... فأشهد أن أمك لم تباشر ... أبا سفيان واضعة القناع ... ولكن كان أمرا فيه لبس ... على وجل شديد وارتياع ...
وقوله ... ألا أبلغ معاوية بن حرب ... مغلغلة من الرجل اليماني ... أتغضب أن يقال أبوك عف ... وترضى أن يقال أبوك زان ... فأشهد أن رحمك من زياد ... كرحم الفيل من ولد الأتان

(3/257)


فحدثني أبو زيد قال لما هجا ابن المفرغ عبادا فارقه مقبلا إلى البصرة وعبيد الله يومئذ وافد على معاوية فكتب عباد إلى عبيد الله ببعض ما هجاه به فلما قرأ عبيد الله الشعر دخل على معاوية فأنشده إياه واستأذنه في قتل ابن مفرغ فأبى عليه أن يقتله وقال أدبه ولا تبلغ به القتل وقدم ابن مفرغ البصرة فاستجار بالأحنف بن قيس فقال إنا لا نجير على ابن سمية فإن شئت كفيتك شعراء بني تميم قال ذاك ما لا أبالي أن أكفاه فأتى خالد بن عبد الله فوعده وأتى أمية فوعده ثم أتى عمر بن عبيد الله بن معمر فوعده ثم أتى المنذر بن الجارود فأجاره وأدخله داره وكانت بحرية بنت المنذر عند عبيد الله فلما قدم عبيد الله البصرة أخبر بمكان ابن مفرغ عند المنذر وأتى المنذر عبيد الله مسلما فأرسل عبيد الله الشرط إلى دار المنذر فأخذوا ابن مفرغ فلم يشعر المنذر وهو عند عبيد الله إلا بابن مفرغ قد أقيم على رأسه فقام إلى عبيد الله وقال أيها الأمير إني قد أجرته قال والله يا منذر ليمدحنك وأباك ويهجوني أنا وأبي ثم تجيره علي فأمر به فسقي دواء ثم حمل على حمار عليه إكاف فجعل يطاف به وهو يسلح في ثيابه فيمر به في الأسواق فمر به فارسي فرآه فسأل عنه فقال إين جيست ففهمها ابن مفرغ فقال ... آب است نبيذ است ... عصارات زبيب است ... سمية روسييد است ...
ثم هجا المنذر ابن الجارود ... تركت قريشا أن أجاور فيهم ... وجاورت عبد القيس أهل المشقر ... أناس أجارونا فكان جوارهم ... أعاصير من فسو العراق المبذر ... فأصبح جاري من جذيمة نائما ... ولا يمنع الجيران غير المشمر ... وقال لعبيد الله ... يغسل الماء ما صنعت وقولي ... راسخ منك في العظام البوالي ...
ثم حمله عبيد الله إلى عباد بسجستان فكلمت اليمانية فيه بالشام معاوية فأرسل رسولا إلى عباد فحمل ابن مفرغ من عنده حتى قدم على معاوية فقال في طريقه ... عدس ما لعباد عليك إمارة ... نجوت وهذا تحملين طليق ... لعمري لقد نجاك من هوة الردى ... إمام وحبل للأنام وثيق ... سأشكر ما أوليت من حسن نعمة ... ومثلي بشكر المنعمين حقيق ...
فلما دخل على معاوية بكى وقال ركب مني مالم يركب من مسلم على غير حدث ولا جريرة قال أولست القائل ... ألا أبلغ معاوية بن حرب ... مغلغلة من الرجل اليماني ...
القصيدة قال لا والذي عظم حق أمير المؤمنين ما قلت هذا قال أفلم تقل ... فأشهد أن أمك لم تباشر ... أبا سفيان واضعة القناع

(3/258)


في أشعار كثيرة هجوت بها ابن زياد اذهب فقد عفونا لك عن جرمك أما لو إيانا تعامل لم يكن مما كان شيء فانطلق وفي أي أرض شئت فانزل فنزل الموصل ثم إنه ارتاح إلى البصرة فقدمها ودخل على عبيد الله فآمنه
وأما أبو عبيدة فإنه قال في نزول ابن مفرغ الموصل عن الذي أخبرني به أبو زيد قال ذكر أن معاوية لما قال له ألست القائل ... ألا أبلغ معاوية بن حرب ... مغلغلة من الرجل اليماني ... الأبيات حلف ابن مفرغ أنه لم يقله وأنه إنما قاله عبدالرحمن بن أم الحكم أخو مروان واتخذني ذريعة إلى هجاء زياد وكان عتب عليه قبل ذلك فغضب معاوية على عبدالرحمن بن أم الحكم وحرمه عطاءه حتى أضر به فكلم فيه فقال لا أرضى عنه حتى يرضى عبيدالله فقدم العراق على عبيد الله فقال عبدالرحمن له ... لأنت زيادة في آل حرب ... أحب إلي من أحدى بناني ... أراك أخا وعما وابن عم ... ولا أدري بغيب ما تراني ... فقال أراك والله شاعر سوء فرضي عنه فقال معاوية لابن مفرغ ألست القائل ... فأشهد أن أمك لم تباشر ... أبا سفيان واضعة القناع ...
الأبيات لا تعودن إلى مثلها غفونا عنك فأقبل تى نزل الموصل فتزوج امرأة فلما كان في ليلة بنائها خرج حين أصبح إلى الصيد فلقي ذهانا أو عطارا على حمار له فقال له ابن مفرغ من أين أقبلت قال من الأهواز قال وما فعل ماء مسرفان قال على حاله قال فخرج ابن مفرغ فتوجه قبل البصرة ولم يعلم أهله بمسيره ومضى حتى قدم على عبيد الله بن زياد بالبصرة فدخل عليه فآمنه ومكث عنده حتى استأذنه في الخروج إلى كرمان فأذن له في ذلك وكتب إلى عامله هنالك بالوصاة والإكرام له فخرج إليها وكان عامل عبيد الله يومئذ على كرمان شريك ابن الأعور الحارثي
وحج بالناس في هذه السنة عثمان بن محمد بن أبي سفيان حدثني بذلك أحمد بن ثابت عمن حدثه عن إسحاق بن عيسى عن أبي معشر وكذلك قال الواقدي وغيره
وكان الوالي على المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وعلى الكوفة النعمان بن بشير وعلى قضائها شريح وعلى البصرة عبيد الله بن زياد وعلى قضائها هشام بن هبيرة وعلى خراسان عبدالرحمن بن زياد وعلى سجستان عباد بن زياد وعلى كرمان شريك بن الأعور من قبل عبيد الله بن زياد

(3/259)


ثم دخلت سنة ستين
ذكر ما كان فيها من الأحداث
ففي هذه السنة كانت غزوة مالك بن عبدالله سورية ودخول جنادة بن أبي أمية رودس وهدمه مدينتها قول الواقدي
وفيها كان أخذ معاوية على الوفد الذين وفدوا إليه مع عبيد الله بن زياد البيعة لابنه يزيد وعهد إلى ابنه يزيد حين مرض فيها ما عهد إليه في النفرالذين امتنعوا من البيعة ليزيد حين دعاهم إلى البيعة
وكان عهده الذي عهد ما ذكر هشام بن محمد عن أبي مخنف قال حدثني عبدالملك بن نوفل بن مساحق بن عبدالله بن مخرمة أن معاوية لما مرض مرضته التي هلك فيها دعا يزيد ابنه فقال يا بني إني قد كفيتك الرحلة والترحال ووطأت لك الأشياء وذللت لك الأعداء وأخضعت لك أعناق العرب وجمعت لك من جمع واحد وإني لا أتخوف أن ينازعك هذا الأمر الذي استتب لك إلا أربعة نفر من قريش الحسين بن علي وعبدالله بن عمر وعبدالله بن الزبير وعبدالرحمن بن أبي بكر فاما عبدالله بن عمر فرجل قد وقذته العبادة وإذا لم يبق أحد غيره بايعك وأما الحسين بن علي فإن أهل العراق لن يدعوه حتى يخرجوه فإن خرج عليك فظفرت به فاصفح عنه فإن له رحما ماسة وحقا عظيما وأما ابن أبي بكر فرجل إن رأى أصحابه صنعوا شيئا صنع مثلهم ليس له همى إلا في النساء واللهو وأما الذي يجثم لك جثوم الأسد ويراوغك مراوغة الثعلب فإذا أمكنته فرصة وثب فذاك ابن الزبير فإن هو فعلها بك فقدرت عليه فقطعه إربا إربا
قال هشام قال عوانة قد سمعنا في حديث آخر أن معاوية لما حضره الموت وذلك في سنة ستين وكان يزيد غائبا فدعا بالضحاك بن قيس الفهري وكان صاحب شرطته ومسلم بن عقبة المري فأوصى إليهما فقال بلغا يزيد وصيتي انظر أهل الحجاز فإنهم أصلك فأكرم من قدم عليك منهم وتعاهد من غاب وانظر أهل العراق فإن سألوك أن تعزل عنهم كل يوم عاملا فافعل فإن عزل عامل أحب إلي من أن تشهر عليك مائة ألف سيف وانظر أهل الشأم فيكونوا بطانتك وعيبتك فإن نابك شيء من عدوك فانتصر بهم فإذا أصبتهم فاردد أهل الشأم إلى بلادهم فإنهم إن أقاموا بغير بلادهم أخذوا بغير أخلاقهم وإني لست أخاف من قريش إلا ثلاثة حسين بن علي وعبدالله بن عمر وعبدالله بن الزبير فأما ابن عمر فرجل قد وقذه الدين فليس ملتمسا شيئا قبلك وأما الحسين بن علي فإنه رجل خفيف وأرجو أن يكفيكه الله بمن قتل أباه وخذل أخاه وإن له رحما ماسة وحقا عظيما وقرابة من محمد صلى الله عليه و سلم ولا أظن أهل العراق تاركيه حتى يخرجوه فإن قدرت عليه فاصفح عنه فإني لو أني صاحبه عفوت عنه وأما ابن الزبير فإنه خب ضب

(3/260)


فإذا شخص لك فالبد له إلا أن يلتمس منك صلحا فإن فعل فاقبل واحقن دماء قومك ما استطعت
وفي هذه السنة هلك معاوية بن أبي سفيان بدمشق فاختلفت في وقت وفاته بعد إجماع جميعهم على أن هلاكه كان في سنة ستين من الهجرة وفي رجب منها فقال هشام بن محمد مات معاوية لهلال رجب من سنة ستين
وقال الواقدي مات معاوية للنصف من رجب
وقال علي بن محمد مات معاوية بدمشق سنة ستين يوم الخميس لثمان بقين من رجب حدثني بذلك الحارث عنه
ذكر الخبر عن مدة ملكه
حدثني أحمد بن ثابت الرازي قال حدثني من سمع إسحاق بن عيسى يذكر عن أبي معشر قال بويع لمعاوية بأذرح بايعه الحسن بن علي في جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين وتوفي معاوية في رجب سنة ستين وكانت خلافته تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر
وحدثني الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثني يحيى بن سعيد بن دينار السعدي عن أبيه قالوا توفي معاوية ليلة الخميس للنصف من رجب سنة ستين وكانت خلافته تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر وسبعة وعشرين يوما
وحدثني عمر قال حدثنا علي قال بايع اهل الشأم معاوية بالخلافة في سنة سبع وثلاثين في ذي القعدة حين تفرق الحكمان وكانوا قبل بايعوه على الطلب بدم عثمان ثم صالحه الحسن بن علي وسلم له الأمر سنة إحدى وأربعين لخمس بقين من شهر ربيع الأول فبايع الناس جميعا معاوية فقيل عام الجماعة ومات بدمشق سنة ستين يوم الخميس لثمان بقين من رجب وكانت ولايته تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر وسبعة وعشرين يوما
قال ويقال كان بين موت علي عليه السلام وموت معاوية تسع عشرة سنة وعشرى أشهر وثلاث ليال
وقال هشام بن محمد بويع لمعاوية في جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين فولى تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر إلا أياما ثم مات لهلال رجب من سنة ستين
واختلفوا في مدة عمره وكم عاش فقال بعضهم مات يوم مات وهو ابن خمس وسبعين سنة
ذكر من قال ذلك
حدثني عمر قال حدثنا محمد بن يحيى قال أخبرني هشام بن الوليد قال قال ابن شهاب الزهري سألني الوليد عن أعمار الخلفاء فأخبرته أن معاوية مات وهو ابن خمس وسبعين سنة فقال بخ بخ إن هذا لعمر
وقال آخرون مات وهو ابن ثلاث وسبعين سنة
ذكر من قال ذلك

(3/261)


حدثني عمر قال حدثني احمد بن زهير قال قال علي بن محمد مات معاوية وهوابن ثلاث وسبعين قال ويقال ابن ثمانين سنة
وقال آخرون توفي وهو ابن ثمان وسبعين سنة
ذكر من قال ذلك
حدثني الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثني يحيى بن سعيد بن دينار عن أبيه قال توفي معاوية وهو ابن ثمان وسبعين سنة
وقال آخرون توفي وهو ابن خمس وثمانين سنة حدثت بذلك عن هشام بن محمد أنه كان يقوله عن أبيه
حدثني الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال حدثنا أبو عبيدة عن أبي يعقوب الثقفي عن عبدالملك بن عمير قال لما ثقل معاوية وحدث الناس أنه الموت قال لأهله احشوا عيني إثمدا وأوسعوا رأسي دهنا ففعلوا وبرقوا وجهه بالدهن ثم مهد له فجلس وقال أسدوني ثم قال ائذنوا للناس فليسلموا قياما ولا يجلس أحد فجعل الرجل يدخل فيسلم قائما فيراه مكتحلا مدهنا فيقول يقول الناس هو لمآبه وهو أصح الناس فلما خرجوا من عنده قال معاوية ... وتجلدي للشامتين أريهم ... أني لريب الدهر لا أتضعضع ... وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع ...
قال وكان به النفاثات فمات من يومه ذلك
حدثني أحمد بن زهير عن علي بن محمد عن إسحاق بن أيوب عن عبدالملك بن ميناس الكلبي قال قال معاوية لابنتيه في مرضه الذي مات فيه وهما تقلبانه تقلبان حولا قلبا جمع المال من شب إلى دب إن لم يدخل النار ثم تمثل ... لقد سعيت لكم من سعي ذي نصب ... وقد كفيتكم التطواف والرحلا ...
ويقال من جمع ذي حسب
حدثني أحمد بن زهير عن علي عن سليمان بن أيوب عن الأوزاعي وعلي بن مجاهد عن عبد الأعلى بن ميمون عن أبيه أن معاوية قال في مرضه الذي مات فيه إن رسول الله صلى الله عليه و سلم كساني قميصا فرفعته وقلم أظفاره يوما فأخذت قلامته فجعلتها في قارورة فإذا مت فألبسوني ذلك القميص وقطعوا تلك القلامة واسحقوها وذروها في عيني وفي في فعسى الله أن يرحمني ببركتها ثم قال متمثلا بشعر الأشهب بن رميلة النهشلي يمدح به القباع ... إذا مت مات الجود وانقطع الندى ... من الناس إلا من قليل مصرد ... وردت أكف السائلين وأمسكوا ... من الدين والدنيا بخلف مجدد ...
فقالت إحدى بناته أو غيرها كلا يا أمير المؤمنين بل يدفع الله عنك فقال متمثلا

(3/262)


وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع ...
ثم أغمي عليه ثم أفاق فقال لمن حضره من أهله اتقوا الله عز و جل فإن الله سبحانه يقي من أتقاه ولا واقي لمن لا يتقي الله ثم قضى
حدثنا أحمد عن علي عن محمد بن الحكم عمن حدثه أن معاوية لما حضر أوصى بنصف ماله أن يرد إلى بيت المال كان أراد أن يطيب له الباقي لأن عمرقاسم عمالة
ذكر الخبر عمن صلى على معاوية حين مات
حدثني أحمد بن زهير عن علي بن محمد قال صلى على معاوية الضحاك بن قيس الفهري وكان يزيد غائبا حين مات معاوية
وحدثت عن هشام بن محمد عن أبي مخنف قال حدثني عبدالملك بن نوفل بن مساحق بن عبدالله بن مخرمة قال لما مات معاوية خرج الضحاك بن قيس حتى صعد المنبر وأكفان معاوية على يدية تلوح فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إن معاوية كان عود العرب وحد العرب قطع الله عز و جل به الفتنة وملكه على العباد وفتح به البلاد ألا إنه قد مات فهذه أكفانه فنحن مدرجوه فيها ومدخلوه قبره ومخلون بينه وبين عمله ثم هو البرزخ الى يوم القيامة فمن كان منكم يريد أن يشهده فليحضر عند الأولى وبعث البريد إلى يزيد بوجع معاوية فقال يزيد في ذلك ... جاء البريد بقرطاس يخب به ... فأوجس القلب من قرطاسه فزعا ... قلنا لك الويل ماذا في كتابكم ... قالوا الخليفة أمسى مثبتا وجعا ... فمادت الأرض أو كادت تميد بنا ... كأن أغبر من أركانها انقطعا ... من لا تزل نفسه توفي على شرف ... توشك مقاليد تلك النفس أن تقعا ... لما انتهينا وباب الدار منصفق ... وصوت رملة ريع القلب فانصدعا ...
حدثني عمر قال حدثنا علي عن إسحاق بن خليد عن خليد بن عجلان مولى عباد قال مات معاوية ويزيد بحوارين وكانوا كتبوا إليه حين مرض فأقبل وقد دفن فأتى قبره فصلى عليه ودعا له ثم أتى منزله فقال جاء البريد بقرطاس الأبيات
ذكر الخبر عن نسبه وكنيته
أما نسبه فإنه ابن أبي سفيان واسم أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب وأمه هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي وكنيته أبو عبدالرحمن

(3/263)


ذكر نسائه وولده
من نسائه ميسون بنت بحدل بن أنيف بن ولجة بن قنافة بن عدي بن زهير بن حارثة بن جناب الكلبي ولدت له يزيد بن معاوية قال علي ولدت ميسون لمعاوية مع يزيد أمة رب المشارق فماتت صغيرة ولم يذكرها هشام في أولاد معاوية
ومنهن فاخته بنه قرظة بن عبد عمرو بن نوفل بن عبد مناف ولدت له عبدالرحمن وعبدالله بني معاوية وكان عبدالله محمقا ضعيفا وكان يكنى أبا الخير حدثني أحمد عن علي بن محمد قال مر عبدالله بن معاوية يوما بطحان قد شد بغله في الرحا للطحن وجعل في عنقه جلاجل فقال له لم جعلت في عنق بغلك هذه الجلاجل فقال الطحان جعلتها في عنقه لأعلم إن قد قام فلم تدر الرحا فقال له أرأيت إن هو قام وحرك رأسه كيف تعلم أنه لا يدير الرحا فقال له الطحان إن بغلي هذا أصلح الله الأمير ليس له عقل مثل عقل الأمير وأما عبدالرحمن فإنه مات صغيرا
ومنهن نائلة بنت عمارة الكلبية تزوجها فحدثني أحمد عن علي قال لما تزوج معاوية نائلة قال لميسون انطلقي فانظري إلى ابنة عمك فنظرت إليها فقال كيف رأيتها فقالت جميلة كاملة ولكن رأيت تحت سرتها خالا ليوضعن رأس زوجها في حجرها فطلقها معاوية فتزوجها حبيب بن مسلمة الفهري ثم خلف عليها بعد حبيب النعمان بن بشير الأنصاري فقتل ووضع رأسه في حجرها ومنهن كتوة بنت قرظة أخت فاختة فغزا قبرس وهي معه فماتت هنالك
ذكر بعض ما حضرنا من ذكر أخباره وسيره
حدثني أحمد بن زهير عن علي قال لما بويع لمعاوية بالخلافة صير على شرطته قيس بن حمزة الهمداني ثم عزله واستعمل زميل بن عمرو العذري ويقال السكسكي وكان كاتبه وصاحب امره سرجون بن منصور الرومي وعلى حرسه رجل من الموالي يقال له المختار وقيل رجل يقال له مالك ويكنى أبا المخارق مولى لحمير وكان أول من اتخذ الحرس وكان على حجابه سعد مولاه وعلى القضاء فضالة بن عبيد الأنصاري فمات فاستقضى أبا إدريس عائذ الله بن عبدالله الخولاني إلى ها هنا حديث أحمد عن علي
وقال غير علي وكان على ديوان الخاتم عبدالله بن محصن الحميري وكان أول من اتخذ ديوان الخاتم قال وكان سبب ذلك أن معاوية أمر لعمرو بن الزبير في معونته وقضاء دينة بمائة ألف درهم وكتب بذلك إلى زياد بن سمية وهو على العراق ففض عمرو الكتاب وصير المائة مائتين فلما رفع زياد حسابه أنكرها معاوية فأخذ عمرا بردها وحبسه فأداها عنه أخوه عبدالله بن الزبير فاحدث معاوية عنذ ذلك ديوان الخاتم وخزم الكتب ولم تكن تخزم
حدثني عبدالله بن احمد بن شبويه قال حدثني أبي قال حدثني سليمان قال حدثني عبدالله بن المبارك عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري قال قال عمر بن الخطاب تذكرون كسرى

(3/264)


وقيصر ودهاءهما وعندكم معاوية
حدثني عبدالله بن أحمد قال حدثني أبي قال حدثني سليمان قال قرأت على عبدالله عن فليح قال أخبرت أن عمرو بن العاص وفد إلى معاوية ومعه أهل مصر فقال لهم عمرو أنظروا إذا دخلتم على ابن هند فلا تسلموا عليه بالخلافة فإنه أعظم لكم في عينه وصغروه ما استطعتم فلما قدموا عليه قال معاوية لحجابه إني كأني أعرف ابن النابغة وقد صغر أمري عند القوم فانظروا إذا دخل الوفد فتعتعوهم أشد تعتعة تقدرون عليها فلا يبلغني رجل منهم إلا وقد همته نفسه بالتلف فكان أول من دخل عليه رجل من أهل مصر يقال له ابن الخياط فدخل وقد تعتع فقال السلام عليك يا رسول الله فتتابع القوم على ذلك فلما خرجوا قال لهم عمرو لعنكم الله نهيتكم أن تسلموا عليه بالإمارة فسلمتم عليه بالنبوة
قال ولبس معاوية يوما عمامته الحرقانية واكتحل وكان من أجمل الناس إذا فعل ذلك شك عبدالله فيه سمعه أو لم يسمعه
حدثني أحمد بن زهير عن علي بن محمد قال حدثنا أبو محمد الأموي قال خرج عمر بن الخطاب إلى الشأم فرأى معاوية في موكب يتلقاه وراح إليه في موكب فقال له عمر يا معاوية تروح في موكب وتغدو في مثله وبلغني أنك تصبح في منزلك وذوو الحاجات ببابك قال يا أمير المؤمنين إن العدو بها قريب منا ولهم عيون وجواسيس فأردت يا أمير المؤمنين أن يروا للإسلام عزا فقال له عمر إن هذا لكيد رجل لبيب أو خدعة رجل أريب فقال معاوية يا أمير المؤمنين مرني بما شئت أصر إليه قال ويحك ما ناظرتك في أمر أعيب عليك فيه إلا تركتني ما أدري آمرك أم أنهاك
حدثني عبدالله بن أحمد قال حدثني أبي قال حدثني سليمان قال حدثني عبدالله عن معمر عن جعفر بن برقان أن المغيرة كتب إلى معاوية أما بعد فإني قد كبرت سني ودق عظمي وشنفت لي قريش فإن رأيت أن تعزلني فاعزلني
فكتب إليه معاوية جاءني كتابك تذكر فيه أنه كبرت سنك فلعمري ما أكل عمرك غيرك وتذكر أن قريشا شنفت لك ولعمري ما أصبت خيرا إلا منهم وتسألني أن أعزلك فقد فعلت فإن تك صادقا فقد شفعتك وإن تك مخادعا فقد خدعتك
حدثني أحمد عن علي بن محمد عن علي بن مجاهد قال قال معاوية إذا لم يكن الأموي مصلحا لماله حليما لم يشبه من هو منه وإذا لم يكن الهاشمي سخيا جوادا لم يشبه من هو منه ولا يقدمك من الهاشمي اللسان والسخاء والشجاعة
حدثني أحمد عن علي عن عوانة وخلاد بن عيدة قال تغدى معاوية يوما وعنده عبيد الله بن أبي بكرة ومعه ابنه بشير ويقال غير بشير فأكثر من الأكل فلحظه معاوية وفطن عبيد الله بن أبي بكرة فأراد أن يغمز ابنه فلم يمكنه ولم يرفع رأسه حتى فرغ فلما خرج لامه على ما صنع ثم عاد إليه وليس معه ابنه فقال معاوية ما فعل ابنك التلقامة قال اشتكى فقال قد علمت أن أكله سيورثه داء
حدثني أحمد عن علي عن جويرية بن أسماء قال قدم أبو موسى على معاوية فدخل عليه في برنس

(3/265)


أسود فقال السلام عليك يا أمين الله قال وعليك السلام فلما خرج قال معاوية قدم الشيخ لأوليه ولا والله لا أوليه
حدثني عبدالله بن أحمد قال حدثني أبو صالح سليمان بن صالح قال حدثني عبدالله بن المبارك عن سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال عن أبي بردة قال دخلت على معاوية حيث أصابته قرحته فقال هلم يابن أخي نحوي فانظر فنظرت فإذا هي قد سبرت فقلت ليس عليك بأس يا أمير المؤمنين فدخل يزيد فقال معاوية إن وليت من أمر الناس شيئا فاستوص بهذا فإن أباه كان لي خليلا أو نحو ذلك من القول غير أني رأيت في القتال ما لم يره
حدثني أحمد عن علي عن شهاب بن عبيدالله عن يزيد بن سويد قال أذن معاوية للأحنف وكان يبدأ بإذنه ثم دخل محمد بن الأشعث فجلس بين معاوية والأحنف فقال معاوية إنا لم نأذن له قبلك فتكون دونه وقد فعلت فعال من أحسن من نفسه ذلا إنا كما نملك أموركم نملك إذنكم فأريدوا منا ما نريد منكم فإنه أبقى لكم
حدثني أحمد عن علي عن سحيم بن حفص قال خطب ربيعة بن عسل اليربوعي إلى معاوية فقال معاوية اسقوه سويقا وقال له معاوية يا ربيعة كيف الناس عندكم قال مختلفون على كذا وكذا فرقة قال فمن أيهم أنت قال ما أنا على شيء من أمرهم فقال معاوية أراهم أكثر مما قلت قال يا أمير المؤمنين أعني في بناء داري باثني عشر ألف جذع قال معاوية أين دارك قال بالبصرة وهي أكثر من فرسخين في فرسخين قال فدارك في البصرة أو البصرة في دارك فدخل رجل من ولده على ابن هبيرة فقال أصلح الله الأمير أنا ابن سيد قومه خطب أبي إلى معاوية فقال ابن هبيرة لسلم بن قتيبة ما يقول هذا قال هذا ابن أحمق قومه قال ابن هبيرة هل زوج أباك معاوية قال لا قال فلا أرى أباك صنع شيئا
حدثني أحمد عن علي عن أبي محمد بن ذكوان القرشي قال تنازع عتبة وعنبسة ابنا أبي سفيان وأم عتبة هند وأم عنبسة ابنة أبي أزيهر الدوسي فأغلظ معاوية لعنبسة وقال عنبسة وأنت أيضا يا أمير المؤمنين فقال يا عنبسة إن عتبة بن هند فقال عنبسة ... كنا بخير صالحا ذات بيننا ... قديما فأمست فرقت بيننا هند ... فإن تك هند لم تلدني فإنني ... لبيضاء ينميها غطارفة نجد ... أبوها أبو الأضياف في كل شتوة ... ومأوى ضعاف لا تنوء من الجهد ... جفيناته ما إن تزال مقيمة ... لمن خاف من غوري تهامة أو نجد ...
فقال معاوية لا أعيدها عليك أبدا
حدثني عبدالله بن أحمد قال حدثني أبي قال حدثني سليمان قال حدثني عبدالله عن حرملة بن عمران قال أتى معاوية في ليلة أن قيصر قصد له في الناس وأن ناتل بن قيس الجذامي غلب فلسطين وأخذ بيت مالها وأن المصريين الذين ان سجنهم هربوا وأن علي بن ابي طالب قصد له في الناس فقال لمؤذنه

(3/266)


أذن هذه الساعة وذلك نصف الليل فجاءه عمرو بن العاص فقال لم أرسلت إلي قال أنا ما أرسلت إليك قال ما أذن المؤذن هذه الساعة إلا من أجلي قال رميت بالقسي الأربع قال عمرو أما هؤلاء الذين خرجوا من سجنك فإنهم إن خرجوا من سجنك فهم في سجن الله عز و جل وهم قوم شراة لا رحلة بهم فاجعل لمن أتاك برجل منهم أو برأسه ديته فإنك ستؤتى بهم وانظر قيصر فوادعه وأعطه مالا وحللا من حلل مصر فإنه سيرضى منك بذاك وانظر ناتل بن قيس فلعمري ما أغضبه الدين ولا أراد إلا ما أصاب فاكتب إليه وهب له ذلك وهنئه إياه فإن كانت لك قدرة عليه وإن لم تكن لك فلا تأس عليه واجعل حدك وحديدك لهذا الذي عنده دم ابن عمك قال وكان القوم كلهم خرجوا من سجنه غير أبرهة بن الصباح قال معاوية ما منعك من أن تخرج مع أصحابك قال ما منعني منه بغض لعلي ولا حب لك ولكني لم أقدر عليه فخلى سبيله
حدثني عبدالله قال حدثني أبي قال حدثني سليمان قال حدثني عبدالله بن المبارك عن جرير بن حازم قال سمعت محمد بن الزبير يحدث قال حدثني عبدالله بن مسعدة بن حكمة الفزاري من بني آل بدر قال انتقل معاوية من بعض كور الشأم إلى بعض عمله فنزل منزلا بالشأم فبسط له على ظهر إجار مشرف على الطريق فأذن لي فقعدت معه فمرت القطرات والرحائل والجواري والخيول فقال يابن مسعدة رحم الله أبا بكر لم يرد الدنيا ولم ترده الدنيا وأما عمر أو قال ابن حنتمة فأرادته الدنيا ولم يردها وأما عثمان فأصاب من الدنيا وأصابت منه وأما نحن فتمرغنا فيها ثم كأنه ندم فقال والله إنه لملك آتانا الله إياه
حدثني أحمد عن علي بن محمد عن علي بن عبيدالله قال كتب عمرو بن العاص إلى معاوية يسأله لابنه عبدالله بن عمرو ما كان أعطاه أباه من مصر فقال معاوية أراد أبو عبدالله أن يكتب فهدر أشهدكم أني إن بقيت بعده فقد خلعت عهده قال وقال عمرو بن العاص ما رأيت معاوية متكئا قط واضعا إحدى رجليه على الأخرى كاسرا عينه يقول لرجل تكلم إلا رحمته
قال أحمد قال علي بن محمد قال عمرو بن العاص لمعاوية يا أمير المؤمنين ألست أنصح الناس لك قال بذلك نلت ما نلت
قال أحمد قال علي عن جويرية بن أسماء أن بسر بن أبي أرطاة نال من علي عند معاوية وزيد بن عمر بن الخطاب جالس فعلاه بعصا فشجه فقال معاوية لزيد عمدت إلى شيخ من قريش سيد أهل الشأم فضربته وأقبل على بسر فقال تشتم عليا وهو جده وابن الفاروق على رءوس الناس أو كنت ترى أنه يصبر على ذلك ثم أرضاهما جميعا قال وقال معاوية إني لأرفع نفسي من أن يكون ذنب أعظم من عفوي وجهل أكثر من حلمي أو عورة لا أواريها بستري أو إساءة أكثر من إحساني قال وقال معاوية زين الشريف العفاف قال وقال معاوية ما من شيء أحب إلي من عين خرارة في أرض خوارة فقال عمرو بن العاص ما من شيء أحب إلي من أن أبيت عروسا بعقيلة من عقائل العرب فقال وردان مولى عمرو بن العاص ما من شيء أحب إلي من الإفضال على الإخوان فقال معاوية أنا أحق بهذا منك قال ما تحب فافعل
حدثني أحمد عن علي عن محمد بن إبراهيم عن أبيه قال كان عامل معاوية على المدينة إذا أراد أن

(3/267)


يبرد بريدا إلى معاوية أمر مناديه فنادى من له حاجة يكتب إلى أمير المؤمنين فكتب زر بن حبيش أو أيمن بن خريم كتابا لطيفا ورمى به في الكتب وفيه ... إذا الرجال ولدت أولادها ... واضطربت من كبر أعضادها ... وجعلت أسقامها تعتادها ... فهي زروع قد دنا حصادها ...
فلما وردت الكتب عليه فقرأ هذا الكتاب
قال نعى إلي نفسي قال وقال معاوية ما من شيء ألذ عندي من غيظ أتجرعه قال وقال معاوية لعبدالرحمن بن الحكم بن أبي العاص يابن أخي إنك قد لهجت بالشعر فإياك والتشبيب بالنساء فتعر الشريفة والهجاء فتعر كريما وتستثير لئيما والمدح فإنه طعمة الوقاح ولكن افخر بمفاخر قومك وقل من الأمثال ما تزين به نفسك وتؤدب به غيرك
حدثني أحمد عن علي قال قال الحسن بن حماد نظر معاوية إلى الثما في عباءة فازدراه فقال يا أمير المؤمنين إن العباءة لا تكلمك وإنما يكلمك من فيها
حدثني أحمد عن علي عن سليمان قال قال معاوية رجلان إن ماتا لم يموتا ورجل إن مات مات أنا إن مت خلفني ابني وسعيد إن مات خلفه عمرو وعبدالله بن عمرو إن مات مات فبلغ مروان فقال أما ذكر ابني عبدالملك قالوا لا قال ما أحب أن لي بابني ابنيهما
حدثني أحمد عن علي قال حدثنا عبدالله بن صالح قال قال رجل لمعاوية أي الناس أحب إليك قال أشدهم لي تحبيبا إلى الناس قال وقال معاوية العقل والحلم أفضل ما أعطي العبد فإذا ذكر ذكر وإذا أعطي شكر وإذا ابتلي صبر وإذا غضب كظم وإذا قدر غفر وإذا اساء استغفر وإذا وعد أنجز
حدثني أحمد عن علي عن عبدالله وهشام بن سعد عن عبدالملك بن عمير قال أغلظ رجل لمعاوية فأكثر فقيل له أتحلم عن هذا فقال إني لا أحول بين الناس وألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وبين ملكنا
حدثني أحمد عن علي عن محمد بن عامر قال لام معاوية عبدالله بن جعفر على الغناء فدخل يوما على معاوية ومعه بديح ومعاوية واضع رجلا على رجل فقال عبدالله لبديح إيها يا بديح فتغنى فحرك معاوية رجله فقال عبدالله مه يا أمير المؤمنين فقال معاوية إن الكريم طروب
قال وقدم عبدالله بن جعفر على معاوية ومعه سائب خاثر وكان مولى لبني ليث وكان فاجرا فقال له ارفع حوائجك ففعل ورفع فيها حاجة سائب خاثر فقال معاوية من هذا فخبره فقال أدخله فلما قام على باب المجلس غنى ... لمن الديار رسومها قفر ... لعبت بها الأرواح والقطر ... وخلالها من بعد ساكنها ... حجج خلون ثمان أو عشر ... والزعفران على ترائبها ... شرقا به اللبات والنحر

(3/268)


فقال أحسنت وقضى حوائجه
حدثني عبدالله بن أحمد قال حدثني أبي قال حدثني سليمان قال حدثني عبدالله عن معمر عن همام بن منبه قال سمعت ابن عباس يقول ما رأيت أحدا أخلق للملك من معاوية إن كان ليرد الناس منه على أرجاء واد رحب ولم يكن كالضيق الخضخض الحصر يعني ابن الزبير
حدثني عبدالله قال حدثني أبي قال حدثني سليمان قال حدثني عبدالله عن سفيان بن عيينة عن مجالد عن الشعبي عن قبيصة بن جابر الأسدي قال ألا أخبركم من صحبت صحبت عمر بن الخطاب فما رأيت رجلا أفقه فقها ولا أحسن مدارسة منه ثم صحبت طلحة بن عبيدالله فما رأيت رجلا أعطى للجزيل من غير مسألة منه ثم صحبت معاوية فما رأيت رجلا أحب رفيقا ولا أشبه سريرة بعلانية منه ولو أن المغيرة جعل في مدينة لا يخرج من أبوابها كلها إلا بالغدر لخرج منها
خلافة يزيد بن معاوية
وفي هذه السنة بويع ليزيد بن معاوية بالخلافة بعد وفاة أبيه للنصف من رجب في قول بعضهم وفي قول بعض لثمان بقين منه على ما ذكرنا قبل من وفاة والده معاوية فأقر عبيدالله بن زياد على البصرة والنعمان بن بشير على الكوفة
وقال هشام بن محمد عن أبي مخنف ولي يزيد في هلال رجب سنة ستين وأمير المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وأمير الكوفة النعمان بن بشير الأنصاري وأمير البصرة عبيدالله بن زياد وأمير مكة عمرو بن سعيد بن العاص ولم يكن ليزيد همة حين ولي إلا بيعة النفر الذين أبوا على معاوية الإجابة إلى بيعة يزيد حين دعا الناس إلى بيعته وأنه ولي عهده بعده والفراغ من أمرهم فكتب إلى الوليد
بسم الله الرحمن الرحيم من يزيد أمير المؤمنين إلى الوليد بن عتبة أما بعد فإن معاوية كان عبدا من عباد الله أكرمه الله واستخلفه وخوله ومكن له فعاش بقدر ومات بأجل فC فقد عاش محمودا ومات برا تقيا والسلام
وكتب إليه في صحيفة كأنها أذن فأرة
أما بعد فخذ حسينا وعبدالله بن عمر وعبدالله بن الزبير بالبيعة أخذا شديدا ليست فيه رخصة حتى يبايعوا والسلام
فلما أتاه نعي معاوية فظع به وكبر عليه فبعث إلى مروان بن الحكم فدعاه إليه وكان الوليد يوم قدم المدينة قدمها مروان متكارها فلما رأى ذلك الوليد منه شتمه عند جلسائه فبلغ ذلك مروان فجلس عنه وصرمه فلم يزل كذلك حتى جاء نعي معاوية إلى الوليد فلما عظم على الوليد هلاك معاوية وما أمر به من أخذ هؤلاء الرهط بالبيعة فزع عند ذلك إلى مروان ودعاه فلما قرأ عليه كتاب يزيد استرجع وترحم عليه واستشاره الوليد في الأمر وقال كيف ترى أن نصنع قال فإني أرى أن تبعث الساعة إلى هؤلاء النفر فتدعوهم إلى البيعة والدخول في الطاعة فإن فعلوا قبلت منهم وكففت عنهم وإن أبوا قدمتهم فضربت

(3/269)


أعناقهم قبل أن يعلموا بموت معاوية فإنهم إن علموا بموت معاوية وثب كل امرئ منهم في جانب واظهر الخلاف والمنابذة ودعا إلى نفسه لا أدري أما ابن عمر فإني لا أراه يرى القتال ولا يحب أنه يولى على الناس إلا أن يدفع إليه هذا الأمر عفوا فأرسل عبدالله بن عمرو بن عثمان وهو إذ ذاك غلام حدث إليهما يدعوهما فوجدهما في المسجد وهما جالسان فأتاهما في ساعة لم يكن الوليد يجلس فيها للناس ولا يأتيانه في مثلها فقال أجيبا الأمير يدعوكما فقال له انصرف الآن نأتيه ثم أقبل أحدهما على الآخر فقال عبدالله بن الزبير للحسن ظن فيما تراه بعث إلينا في هذه الساعة التي لم يكن يجلس فيها فقال حسين قد ظننت أرى ظاغيتهم قد هلك فبعث إلينا ليأخذنا بالبيعة قبل أن يفشو في الناس الخبر فقال وأنا ما أظن غيره قال فما تريد أن تصنع قال أجمع فتياني الساعة ثم أمشي إليه فإذا بلغت الباب احتبستهم عليه ثم دخلت عليه قال فإني أخافه عليك إذا دخلت قال لا آتيه إلا وأنا على الامتناع قادر فقام فجمع إليه مواليه وأهل بيته ثم أقبل يمشي حتى انتهى إلى باب الوليد وقال لأصحابه إني داخل فإن دعوتكم أو سمعتم صوته قد علا فاقتحموا علي بأجمعكم وإلا فلا تبرحوا حتى أخرج إليكم فدخل فسلم عليه بالإمرة ومروان جالس عنده فقال حسين كأنه لا يظن ما يظن من موت معاوية الصلة خير من القطيعة أصلح الله ذات بينكما فلم يجيباه في هذا بشيء وجاء حتى جلس فأقرأه الوليد الكتاب ونعى له معاوية ودعاه إلى البيعة فقال حسين إنا لله وإنا إليه راجعون ورحم الله معاوية وعظم لك الأجر أما ما سألتني من البيعة فإن مثلي لا يعطي بيعته سرا ولا أراك تجتزئ بها مني سرا دون أن نظهرها على رءوس الناس علانية قال أجل قال فإذا خرجت إلى الناس فدعوتهم إلى البيعة دعوتنا مع الناس فكان أمرا واحدا فقال له الوليد وكان يحب العافية فانصرف على اسم الله حتى تأتينا مع جماعة الناس فقال له مروان والله لئن فارقك الساعة ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها أبدا حتى تكثر القتلى بينكم وبينه احبس الرجل ولا يخرج من عندك حتى يبايع أو تضرب عنقه فوثب عند ذلك الحسين فقال يابن الزرقاء أنت تقتلني أم هو كذبت والله وأثمت ثم خرج فمر بأصحابه فخرجوا معه حتى أتى منزله فقال مروان للوليد عصيتني لا والله لا يمكنك من مثلها من نفسه أبدا قال الوليد وبخ غيرك يا مروان إنك اخترت لي التي فيها هلاك ديني والله ما أحب أن لي ما طلعت عليه الشمس وغربت عنه من مال الدنيا وملكها وأني قتلت حسينا سبحان الله أقتل حسينا أن قال لا أبايع والله إني لا أظن امرأ يحاسب بدم حسين لخفيف الميزان عند الله يوم القيامة فقال له مروان فإذا كان هذا رأيك فقد أصبت فيما صنعت يقول هذا له وهو غير الحامد له على رأيه
وأما ابن الزبير فقال الآن آتيكم ثم أتى داره فكمن فيها فبعث الوليد إليه فوجده مجتمعا في أصحابه متحرزا فألح عليه بكثرة الرسل والرجال في إثر الرجال فأما حسين فقال كف حتى تنظر وننظر وترى ونرى وأما ابن الزبير فقال لا تعجلوني فإني آتيكم أمهلوني فألحوا عليهما عشيتهما تلك كلها وأول ليلهما وكانوا على حسين أشد إبقاء وبعث الوليد إلى ابن الزبير موالي له فشتموه وصاحوا به يابن الكاهلية والله لتأتين الأمير أو ليقتلنك فلبث بذلك نهاره كله وأول ليلة يقول الآن أجيء فإذا استحثوه قال والله لقد استربت بكثرة الإرسال وتتابع هذه الرجال فلا تعجلوني حتى أبعث إلى الأمير من يأتيني برأيه وأمره فبعث إليه أخاه جعفر بن الزبير فقال رحمك الله كف عن عبدالله فإنك قد أفزعته وذعرته بكثرة

(3/270)


رسلك وهو آتيك غدا إن شاء الله فمر رسلك فلينصرفوا عنا فبعث إليهم فانصرفوا وخرج ابن الزبير من تحت الليل فأخذ طريق الفرع هو وأخوه جعفر ليس معهما ثالث وتجنب الطريق الأعظم مخافة الطلب وتوجه نحو مكة فلما أصبح بعث إليه الوليد فوجده قد خرج فقال مروان والله إن أخطأ مكة فسرح في أثره الرجال فبعث راكبا من موالي بني أمية في ثمانين راكبا فطلبوه فلم يقدروا عليه فرجعوا فتشاغلوا عن حسين بطلب عبدالله يومهم ذلك حتى أمسوا ثم بعث الرجال إلى حسين عند المساء فقال أصبحوا ثم ترون ونرى فكفوا عنه تلك الليلة ولم يلحوا عليه فخرج حسين من تحت ليلته وهي ليلة الأحد ليومين بقيا من رجب سنة ستين
وكان مخرج ابن الزبير قبله بليلة خرج ليلة السبت فأخذ طريق الفرع فبينا عبدالله بن الزبير يساير أخاه جعفرا إذ تمثل جعفر بقول صبرة الحنظلي ... وكل بني أم سيمسون ليلة ... ولم يبق من أعقابهم غير واحد ...
فقال عبدالله سبحان الله ما أردت إلى ما أسمع يا أخي قال والله يا أخي ما أردت به شيئا مما تكره فقال فذاك والله أكره إلي أن يكون جاء على لسانك من غير تعمد قال وكأنه تطير منه وأما الحسين فإنه خرج ببنيه وإخوته وبني أخيه وجل أهل بيته إلا محمد بن الحنفية فإنه قال له يا أخي أنت أحب الناس إلي وأعزهم علي ولست أدخر النصيحة لأحد من الخلق أحق بها منك تنح بتبعتك عن يزيد بن معاوية وعن الأمصار ما استطعت ثم ابعث رسلك إلى الناس فادعهم إلى نفسك فإن بايعوا لك حمدت الله على ذلك وإن أجمع الناس على غيرك لم ينقص الله بذلك دينك ولا عقلك ولا يذهب به مروءتك ولا فضلك إني أخاف أن تدخل مصرا من هذه الأمصار وتأتي جماعة من الناس فيختلفون بينهم فمنهم طائفة معك وأخرى عليك فيقتتلون فتكون لأول الأسنة فإذا خير هذه الأمة كلها نفسا وأبا وأما أضيعها دما وأذلها أهلا قال له الحسين فإني ذاهب يا أخي قال فانزل مكة فإن اطمأنت بك الدار فسبيل ذلك وإن نبت بك لحقت بالرمال وشعف الجبال وخرجت من بلد إلى بلد حتى تنظر إلى ما يصير أمر الناس وتعرف عند ذلك الرأي فإنك أصوب ما تكون رأيا وأحزمه عملا حين تستقبل الأمور استقبالا ولا تكون الأمور عليك أبدا أشكل منها حين تستدبرها استدبارا قال يا أخي قد نصحت فأشفقت فأرجو أن يكون رأيك سديدا موفقا
قال أبو مخنف وحدثني عبدالملك بن نوفل بن مساحق عن أبي سعد المقبري قال نظرت إلى الحسين داخلا مسجد المدينة وإنه ليمشي وهو معتمد على رجلين يعتمد على هذا مرة وعلى هذا مرة وهو يتمثل بقول ابن مفرغ ... لا ذعرت السوام في فلق الصب ... ح مغيرا ولا دعيت يزيدا ... يوم أعطى من المهابة ضيما ... والمنايا يرصدنني أن أحيدا ...
قال فقلت في نفسي والله ما تمثل بهذين البيتين إلا لشيء يريد قال فما مكث إلا يومين حتى بلغني أنه سار إلى مكة

(3/271)


ثم إن الوليد بعث إلى عبدالله بن عمر فقال بايع ليزيد فقال إذا بايع الناس بايعت فقال رجل ما يمنعك أن تبايع إنما تريد أن يختلف الناس فيقتتلوا ويتفانوا فإذا جهدهم ذلك قالوا عليكم بعبدالله بن عمر لم يبق غيره بايعوه قال عبدالله ما أحب أن يقتتلوا ولا يختلفوا ولا يتفانوا ولكن إذا بايع الناس ولم يبق غيري بايعت قال فتركوه وكانوا لا يتخوفونه
قال ومضى ابن الزبير حتى أتى مكة وعليها عمرو بن سعيد فلما دخل مكة قال إنما أنا عائذ ولم يكن يصلي بصلاتهم ولا يفيض بإفاضتهم كان يقف هو وأصحابه ناحية ثم يفيض بهم وحده ويصلي بهم وحده قال فلما سار الحسين نحو مكة قال فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين ( 1 ) فلما دخل مكة قال ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل ( 2 )
وفي هذه السنة عزل يزيد الوليد بن عتبة عن المدينة عزله في شهر رمضان فأقر عليها عمرو بن سعيد الأشدق
وفيها قدم عمرو بن سعيد بن العاص المدينة في رمضان فزعم الواقدي أن ابن عمر لم يكن بالمدينة حين ورد نعي معاوية وبيعة يزيد على الوليد وأن ابن الزبير والحسين لما دعيا إلى البيعة ليزيد أبيا وخرجا من ليلتهما إلى مكة فلقيهما ابن عباس وابن عمر جائيين من مكة فسألاهما ما وراءكما قالا موت معاوية والبيعة ليزيد فقال لهما ابن عمر اتقيا الله ولا تفرقا جماعة المسلمين وأما ابن عمر فقدم فأقام أياما فانتظر حتى جاءت البيعة من البلدان فتقدم إلى الوليد بن عتبة فبايعه وبايعه ابن عباس
وفي هذه السنة وجه عمرو بن سعيد عمرو بن الزبير إلى أخيه عبدالله بن الزبير لحربه ذكر الخبر عن ذلك
ذكر محمد بن عمر أن عمرو بن سعيد بن العاص الأشدق قدم المدينة في رمضان سنة ستين فدخل عليه أهل المدينة فدخلوا على رجل عظيم الكبر مفوه
قال محمد بن عمر حدثنا هشام بن سعيد عن شيبة بن نصاح قال كانت الرسل تجري بين يزيد بن معاوية وابن الزبير في البيعة فحلف يزيد ألا يقبل منه حتى يؤتى به في جامعة وكان الحارث بن خالد المخزومي على الصلاة فمنعه ابن الزبير فلما منعه كتب يزيد إلى عمرو بن سعيد أن ابعث جيشا إلى ابن الزبير وكان عمرو بن سعيد لما قدم المدينة ولى شرطته عمرو بن الزبير لما كان يعلم ما بينه وبين عبدالله بن الزبير من البغضاء فأرسل إلى نفر من أهل المدينة فضربهم ضربا شديدا
قال محمد بن عمر حدثني شرحبيل بن أبي عون عن أبيه قال نظر إلى كل من كان يهوى هوى ابن الزبير فضربه وكان ممن ضرب المنذر بن الزبير وابنه محمد بن المنذر وعبدالرحمن بن الأسود بن عبد

(3/272)


يغوث وعثمان بن عبدالله بن حكيم بن حزام وخبيب بن عبدالله بن الزبير ومحمد بن عمار بن ياسر فضربهم الأربعين إلى الخمسين إلى الستين وفر منه عبدالرحمن بن عثمان وعبدالرحمن بن عمرو بن سهل في أناس إلى مكة فقال عمرو بن سعيد لعمرو بن الزبير من رجل نوجه إلى أخيك قال لا توجه إليه رجلا أبدا أنكأ له مني فأخرج لأهل الديوان عشرات وخرج من موالي أهل المدينة ناس كثير وتوجه معه أنيس بن عمرو الأسلمي في سبعمائة فوجهه في مقدمته فعسكر بالجرف فجاء مروان بن الحكم إلى عمرو بن سعيد فقال لا تغز مكة واتق الله ولا تحل حرمة البيت وخلوا ابن الزبير فقد كبر هذا له بضع وستون سنة وهو رجل لجوج والله لئن لم تقتلوه ليموتن فقال عمرو بن الزبير والله لنقاتلنه ولنغزونه في جوف الكعبة على رغم أنف من رغم فقال مروان والله إن ذلك ليسوءني فسار أنيس بن عمرو الأسلمي حتى نزل بذي طوى وسار عمرو بن الزبير حتى نزل بالأبطح فأرسل عمرو بن الزبير إلى أخيه بر يمين الخليفة واجعل في عنقك جامعة من فضة لا ترى لا يضرب الناس بعضهم بعضا واتق الله فإنك في بلد حرام
قال ابن الزبير موعدك المسجد فأرسل ابن الزبير عبدالله بن صفوان الجمحي إلى أنيس بن عمرو من قبل ذي طوى وكان قد ضوى إلى عبدالله بن صفوان قوم ممن نزل حول مكة فقاتلوا أنيس بن عمرو فهزم أنيس بن عمرو أقبح هزيمة وتفرق عن عمرو جماعة أصحابه فدخل دار علقمة فأتاه عبيدة بن الزبير فأجاره ثم جاء إلى عبدالله بن الزبير فقال إني قد أجرته فقال أتجير من حقوق الناس هذا ما لا يصلح
قال محمد بن عمر فحدثت هذا الحديث محمد بن عبيد بن عمير فقال أخبرني عمرو بن دينار قال كتب يزيد بن معاوية إلى عمرو بن سعيد أن استعمل عمرو بن الزبير على جيش وابعثه إلى ابن ا لزبير وابعث معه أنيس بن عمرو قال فسار عمرو بن الزبير حتى نزل في داره عند الصفا ونزل أنيس بن عمرو بذي طوى فكان عمرو بن الزبير يصلي بالناس ويصلي خلفه عبدالله بن الزبير فإذا انصرف شبك أصابعه في اصابعه ولم يبق أحد من قريش إلا أتى عمرو بن الزبير وقعد عبدالله بن صفوان فقال مالي لا أرى عبدالله بن صفوان أما والله لئن سرت إليه ليعلمن أن بني جمح ومن ضوى إليه من غيرهم قليل فبلغ عبدالله بن صفوان كلمته هذه فحركته فقال لعبدالله بن الزبير إني أراك كأنك تريد البقيا على أخيك فقال عبدالله أنا أبقي عليه يا أبا صفوان والله لو قدرت على عون الذر عليه لاستعنت بها عليه فقال ابن صفوان فأنا أكفيك أنيس بن عمرو فاكفني أخاك قال ابن الزبير نعم فسار عبدالله بن صفوان إلى أنيس بن عمرو وهو بذي طوى فلاقاه في جمع كثير من أهل مكة وغيرهم من الأعوان فهزم أنيس بن عمرو ومن معه وقتلوا مدبرهم وأجهزوا على جريحهم وسار معصب بن عبدالرحمن إلى عمرو وتفرق عنه أصحابه حتى تخلص إلى عمرو بن الزبير فقال عبيدة بن الزبير لعمرو تعال أنا أجيرك فجاء عبدالله بن الزبير فقال قد أجرت عمرا فأجره لي فأبى أن يجيره وضربه بكل من كان ضرب بالمدينة وحبسه بسجن عارم
قال الواقدي قد اختلفوا علينا في حديث عمرو بن الزبير وكتبت كل ذلك

(3/273)


حدثني خالد بن إلياس عن أبي بكر بن عبدالله بن أبي الجهم قال لما قدم عمرو بن سعيد المدينة واليا قدم في ذي القعدة سنة ستين فولى عمرو بن الزبير شرطته وقال قد أقسم أمير المؤمنين ألا يقبل بيعة ابن الزبير إلا أن يؤتى به في جامعة فليبر يمين أمير المؤمنين فإني أجعل جامعة خفيفة من ورق أو ذهب ويلبس عليها برنسا ولا ترى ألا أن يسمع صوتها وقال ... خذها فليست للعزيز بخطة ... وفيها مقال لامرىء متذلل ... أعامر إن القوم ساموك خطة ... ومالك في الجيران عذل معذل ...
قال محمد وحدثني رياح بن مسلم عن أبيه قال بعث إلى عبدالله بن الزبير عمرو بن سعيد فقال له أبو شريح لا تغز مكة فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول إنما أذن الله لي في القتال بمكة ساعة من نهار ثم عادت كحرمتها فأبى عمرو أن يسمع قوله وقال نحن أعلم بحرمتها منك أيها الشيخ فبعث عمرو جيشا مع عمرو ومعه أنيس بن عمرو الأسلمي وزيد غلام محمد بن عبد الله بن الحارث بن هشام وكانوا نحو ألفين فقاتلهم أهل مكة فقتل أنيس بن عمرو والمهاجر مولى القلمس في ناس كثير وهزم جيش عمرو فجاء عبيدة بن الزبير فقال لأخيه عمرو أنت في ذمتي وأنا لك جار فانطلق به إلى عبدالله فدخل على ابن الزبير فقال ما هذا الدم الذي في وجهك يا خبيث فقال عمرو ... لسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ... ولكن على أقدامنا تقطر الدما ...
فحبسه وأخفر عبيدة وقال أمرتك أن تجير هذا الفاسق المستحل لحرمات الله ثم أقاد عمرا من كل من ضربه إلا المنذر وابنه فإنهما أبيا أن يستقيدا ومات تحت السياط قال وإنما سمي سجن عارم لعبد كان يقال له زيد عارم فسمي السجن به وحبس ابن الزبير أخاه عمرا فيه
قال الواقدي حدثنا عبدالله بن أبي يحيى عن أبيه قال كان مع أنيس بن عمرو ألفان
وفي هذه السنة وجه أهل الكوفة الرسل إلى الحسين عليه السلام وهو بمكة يدعونه إلى القدوم عليهم فوجه إليهم ابن عمه مسلم بن عقيل بن أبي طالب رضي الله عنه
ذكر الخبر عن مراسلة الكوفيين الحسين عليه السلام للمصير إلى ما قبلهم وأمر مسلم بن عقيل رضي الله عنه
حدثني زكرياء بن يحيى الضرير قال حدثنا أحمد بن جناب المصيصي ويكنى أبا الوليد قال حدثنا خالد بن يزيد بن أسد بن عبدالله القسري قال حدثنا عمار الدهني قال قلت لأبي جعفر حدثني بمقتل الحسين حتى كأني حضرته قال مات معاوية والوليد بن عتبة بن أبي سفيان على المدينة فأرسل إلى الحسين بن علي ليأخذ بيعته فقال له أخرني وارفق فأخره فخرج إلى مكة فأتاه أهل الكوفة ورسلهم إنا قد حبسنا أنفسنا عليك ولسنا نحضر الجمعة مع الوالي فاقدم علينا وكان النعمان بن بشير الأنصاري على الكوفة قال فبعث الحسين إلى مسلم بن عقيل بن أبي طالب ابن عمه فقال له سر إلى

(3/274)


الكوفة فانظر ما كتبوا به إلي فإن كان حقا خرجنا إليهم فخرج مسلم حتى أتى المدينة فأخذ منها دليلين فمرا به في البرية فأصابهم عطش فمات أحد الدليلين وكتب مسلم إلى الحسين يستعفيه فكتب إليه الحسين أن امض إلى الكوفة
فخرج حتى قدمها ونزل على رجل من أهلها يقال له ابن عوسجة قال فلما تحدث أهل الكوفة بمقدمه دبوا إليه فبايعوه فبايعه منهم اثنا عشر ألفا قال فقام رجل ممن يهوى يزيد بن معاوية إلى النعمان بن بشير فقال له إنك ضعيف او متضعف قد فسد البلاد فقال له النعمان أن أكون ضعيفا وأنا في طاعة الله أحب إلي من أن أكون قويا في معصية الله وما كنت لأهتك سترا ستره الله
فكتب بقول النعمان إلى يزيد فدعا مولى له يقال له سرجون وكان يستشيره فأخبره الخبر فقال له أكنت قابلا من معاوية لو كان حيا قال نعم قال فاقبل مني فإنه ليس للكوفة إلا عبيد الله بن زياد فولها إياه وكان يزيد عليه ساخطا وكان هم بعزله عن البصرة فكتب إليه برضائه وأنه قد ولاه الكوفة مع البصرة وكتب إليه أن يطلب مسلم بن عقيل فيقتله إن وجده
قال فأقبل عبيد الله في وجوه أهل البصرة حتى قدم الكوفة متلثما ولا يمر على مجلس من مجالسهم فيسلم إلا قالوا عليك السلام يابن بنت رسول الله وهم يظنون أنه الحسين بن علي عليه السلام حتى نزل القصر فدعا مولى له فأعطاه ثلاثة آلاف وقال له اذهب حتى تسأل عن الرجل الذي يبايع له أهل الكوفة فأعلمه أنك رجل من أهل حمص جئت لهذا الأمر وهذا مال تدفعه إليه ليتقوى فلم يزل يتلطف ويرفق به حتى دل على شيخ من أهل الكوفة يلي البيعة فلقيه فأخبره فقال له الشيخ لقد سرني لقاؤك إياي وقد ساءني فأما ما سرني من ذلك فما هداك الله له وأما ما ساءني فإن أمرنا لم يستحكم بعد فأدخله إليه فأخذ منه المال وبايعه ورجع إلى عبيد الله فأخبره
فتحول مسلم حين قدم عبيد الله بن زياد من الدار التي كان فيها إلى منزل هانىء بن عروة المرادي وكتب مسلم بن عقيل إلى الحسين بن علي عليه السلام يخبره ببيعة اثني عشر ألفا من أهل الكوفة ويأمره بالقدوم وقال عبيد الله لوجوه أهل الكوفة مالي أرى هانىءبن عروة لم يأتني فيمن أتاني قال فخرج إليه محمد بن الأشعث في ناس من قومه وهو على باب داره فقالوا إن الأمير قد ذكرك واستبطأك فانطلق إليه فلم يزالوا به حتى ركب معهم وسار حتى دخل على عبيد الله وعنده شريح القاضي فلما نظر إليه قال لشريح أتتك بحائن رجلاه فلما سلم عليه قال يا هانىء أين مسلم قال ما أدري فأمر عبيدالله مولاه صاحب الدراهم فخرج إليه فلما رآه قطع به فقال أصلح الله الأمير والله ما دعوته إلى منزلي ولكنه جاء فطرح نفسه علي قال ائتني به قال والله لو كان تحت قدمي ما رفعتهما عنه قال أدنوه إلي فأدني فضربه على حاجبه فشجه قال وأهوى هانىء إلى سيف شرطي ليسله فدفع عن ذلك وقال قد أحل الله دمك فأمر به فحبس في جانب القصر
وقال غير أبي جعفر الذي جاء بهانىء بن عروة إلى عبيد الله بن زياد عمرو بن الحجاج الزبيدي
ذكر من قال ذلك
حدثنا عمرو بن علي قال حدثنا أبو قتيبة قال حدثنا يونس بن أبي إسحاق عن العيزار بن

(3/275)


حريث قال حدثنا عمارة بن عقبة بن أبي معيط فجلس في مجلس ابن زياد فحدث قال طردت اليوم حمرا فأصبت منها حمارا فعقرته فقال له عمرو بن الحجاج الزبيدي إن حمارا تعقره أنت لحمار حائن فقال ألا أخبرك بأحين من هذا كله رجل جيء بأبيه كافرا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فأمر به أن يضرب عنقه فقال يا محمد فمن للصبية قال النار فأنت من الصبية وأنت في النار قال فضحك ابن زياد
رجع الحديث إلى حديث عمار الدهني عن أبي جعفر قال فبينا هو كذلك إذ خرج الخبر إلى مذحج فإذا على باب القصر جلبة سمعها عبيد الله فقال ما هذا فقالوا مذحج فقال لشريح اخرج إليهم فأعلمهم أني إنما حبسته لأسائله وبعث عينا عليه من مواليه يسمع ما يقول فمر بهانىء بن عروة فقال له هانىء اتق الله يا شريح فإنه قاتلي فخرج شريح حتى قام على باب القصر فقال لا بأس عليه إنما حبسه الأمير ليسائله فقالوا صدق ليس على صاحبكم بأس فتفرقوا فأتى مسلما الخبر فنادى بشعاره فاجتمع إليه أربعة آلاف من أهل الكوفة فقدم مقدمته وغبى ميمنته وميسرته وسار في القلب إلى عبيد الله وبعث عبيد الله إلى وجوه أهل الكوفة فجمعهم عنده في القصر فلما سار إليه مسلم فانتهى إلى باب القصر أشرفوا على عشائرهم فجعلوا يكلمونهم ويردونهم فجعل أصحاب مسلم يتسللون حتى أمسى في خمسمائة فلما اختلط الظلام ذهب أولئك أيضا
فلما رأى مسلم أنه قد بقي وحده يتردد في الطرق أتى بابا فنزل عليه فخرجت إليه امرأة فقال لها إسقيني فسقته ثم دخلت فمكثت ما شاء الله ثم خرجت فإذا هو على الباب قالت يا عبدالله إن مجلسك مجلس ريبة فقم قال إني أنا مسلم بن عقيل فهل عندك مأوى قالت نعم ادخل وكان ابنها مولى لمحمد بن الأشعث فلما علم به الغلام انطلق إلى محمد فأخبره فانطلق محمد إلى عبيد الله فأخبره فبعث عبيد الله عمرو بن حريث المخزومي وكان صاحب شرطة إليه ومعه عبدالرحمن بن محمد بن الأشعث فلم يعلم مسلم حتى أحيط بالدار فلما رأى ذلك مسلم خرج إليهم بسيفه فقاتلهم فأعطاه عبدالرحمن الأمان فأمكن من يده فجاء به إلى عبيد الله فأمر به فأصعد إلى أعلى القصر فضربت عنقه وألقى جثته إلى الناس وأمر بهانىء فسحب إلى الكناسة فصلب هنالك وقال شاعرهم في ذلك ... فإن كنت لا تدرين ما الموت فانظري ... إلى هانىء في السوق وابن عقيل ... أصابهما أمر الإمام فأصبحا ... أحاديث من يسعى بكل سبيل ... أيركب أسماء الهماليج آمنا ... وقد طلبته مذحج بذحول ...
وأما أبو مخنف فإنه ذكر من قصة مسلم بن عقيل وشخوصه إلى الكوفة ومقتله قصة هي أشبع وأتم من خبر عمار الدهني عن أبي جعفر الذي ذكرناه ما حدثت عن هشام بن محمد عنه قال حدثني عبدالرحمن بن جندب قال حدثني عقبة بن سمعان مولى الرباب ابنة امرىء القيس الكلبية امرأة حسين وكانت مع سكينة ابنة حسين وهو مولى لأبيها وهي إذ ذاك صغيرة قال خرجنا فلزمنا الطريق الأعظم فقال للحسين أهل بيته لو تنكبت الطريق الأعظم كما فعل ابن الزبير لا يلحقك الطلب قال لا والله لا أفارقه حتى يقضي الله ما هو أحب إليه قال فاستقبلنا عبدالله بن مطيع فقال للحسين جعلت فداك أين تريد قال أما الآن فإني أريد مكة وأما بعدها فإن أستخير الله قال خار الله لك وجعلنا فداك فإذا أنت

(3/276)


أتيت مكة فإياك أن تقرب الكوفة فإنها بلدة مشؤومة بها قتل أبوك وخذل أخوك واغتيل بطعنة كادت تأتي على نفسه الزم الحرم فإنك سيد العرب لا يعدل بك والله أهل الحجاز أحدا ويتداعى إليك الناس من كل جانب لا تفارق الحرم فداك عمي وخالي فوالله لئن هلكت لنسترقن بعدك
فأقبل حتى نزل مكة فأقبل أهلها يختلفون إليه ويأتونه ومن كان بها من المعتمرين وأهل الآفاق وابن الزبير بها قد لزم الكعبة فهو قائم يصلي عندها عامة النهار ويطوف ويأتي حسينا فيمن يأتيه فيأتيه اليوميني المتواليين ويأتيه بين كل يومين مرة ولا يزال يشير عليه بالرأي وهو أثقل خلق الله على ابن الزبير قد عرف أن أهل الحجاز لا يبايعونه ولا يتابعونه أبدا ما دام حسين بالبلد وأن حسينا أعظم في أعينهم وأنفسهم منه وأطوع في الناس منه
فلما بلغ أهل الكوفة هلاك معاوية أرجف أهل العراق بيزيد وقالوا قد امتنع حسين وابن الزبير ولحقا بمكة فكتب أهل الكوفة إلى حسين وعليهم النعمان بن بشير
قال أبو مخنف فحدثني الحجاج بن علي عن محمد بن بشر الهمداني قال اجتمعت الشيعة في منزل سليمان بن صرد فذكرنا هلاك معاوية فحمدنا الله عليه فقال لنا سليمان بن صرد إن معاوية قد هلك وإن حسينا قد تقبض على القوم ببيعته وقد خرج إلى مكة وأنتم شيعته وشيعة أبيه فإن كنتم تعلمون أنكم ناصروه ومجاهدو عدوه فاكتبوا إليه وإن خفتم الوهل والفشل فلا تغروا الرجل من نفسه قالوا لا بل نقاتل عدوه ونقتل أنفسنا دونه قال فاكتبوا إليه فكتبوا إليه
بسم الله الرحمن الرحيم لحسين بن علي من سليمان بن صرد والمسيب بن نجبة ورفاعة بن شداد وحبيب بن مظاهر وشيعته من المؤمنين والمسلمين من أهل الكوفة سلام عليك فإنا نحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فالحمد لله الذي قصم عدوك الجبار العنيد الذي انتزى على هذه الأمة فابتزها أمرها وغصبها فيئها وتأمر عليها بغير رضا منها ثم قتل خيارها واستبقى شرارها وجعل مال الله دولة بين جبابرتها وأغنيائها فبعدا له كما بعدت ثمود إنه ليس علينا إمام فأقبل لعل الله أن يجمعنا بك على الحق والنعمان بن بشير في قصر الإمارة لسنا نجتمع معه في جمعة ولا نخرج معه إلى عيد ولو قد بلغنا أنك قد أقبلت إلينا أخرجناه حتى نلحقه بالشأم إن شاء الله والسلام ورحمة الله عليك
قال ثم سرحنا بالكتاب مع عبدالله بن سبع الهمداني وعبدالله بن وال وأمرناهما بالنجاء فخرج الرجلان مسرعين حتى قدما على حسين لعشر مضين من شهر رمضان بمكة ثم لبثنا يومين ثم سرحنا إليه قيس بن مسهر الصيداوي وعبدالرحمن بن عبدالله بن الكدن الأرحبي وعمارة بن عبيد السلولي فحملوا معهم نحوا من ثلاثة وخمسين صحيفة الصحيفة من الرجل والاثنين والأربعة
قال ثم لبثنا يومين آخرين ثم سرحنا إليه هانىء بن هانىء السبيعي وسعيد بن عبدالله الحنفي وكتبنا معهما
بسم الله الرحمن الرحيم لحسين بن علي من شيعته من المؤمنين والمسلمين أما بعد فحيهلا فإن الناس ينتظرونك ولا رأي لهم في غيرك فالعجل العجل والسلام عليك

(3/277)


وكتب شبث بن ربعي وحجار بن أبجر ويزيد بن الحارث بن يزيد بن رويم وعزرة بن قيس وعمرو بن الحجاج الزبيدي ومحمد بن عمير التميمي
أما بعد فقد اخضر الجناب وأينعت الثمار وطمت الجمام فإذا شئت فاقدم على جند لك مجند والسلام عليك
وتلاقت الرسل كلها عنده فقرأ الكتب وسأل الرسل عن أمر الناس ثم كتب مع هانىء بن هانىء السبيعي وسعيد بن عبدالله الحنفي وكانا آخر الرسل
بسم الله الرحمن الرحيم من حسين بن علي إلى الملإ من المؤمنين والمسلمين أما بعد فإن هانئا وسعيدا قدما علي بكتبكم وكانا آخر من قدم علي من رسلكم وقد فهمت كل الذي اقتصصتم وذكرتم ومقالة جلكم إنه ليس علينا إمام فأقبل لعل الله أن يجمعنا بك على الهدى والحق وقد بعثت إليكم أخي وابن عمر وثقتي من أهل بيتي وأمرته أن يكتب إلي بحالكم وأمركم ورأيكم فإن كتب إلي أنه قد أجمع رأي ملئكم وذوي الفضل والحجى منكم على مثل ما قدمت علي به رسلكم وقرأت في كتبكم أقدم عليكم وشيكا إن شاء الله فلعمري ما الإمام إلا العامل بالكتاب والآخذ بالقسط والدائن بالحق والحابس نفسه على ذات الله والسلام
قال أبو مخنف وذكر أبو المخارق الراسبي قال اجتمع ناس من الشيعة بالبصرة في منزل امرأة من عبد القيس يقال لها مارية ابنة سعد أو منقذ أياما وكانت تشيع وكان منزلها لهم مألفا يتحدثون فيه وقد بلغ ابن زياد إقبال الحسين فكتب إلى عامله بالبصرة أن يضع المناظر ويأخذ بالطريق
قال فأجمع يزيد بن نبيط الخروج وهو من عبد القيس إلى الحسين وكان له بنون عشرة فقال أيكم يخرج معي فانتدب معه ابنان له عبدالله وعبيد الله فقال لأصحابه في بيت تلك المرأة إني قد أزمعت على الخروج وأنا خارج فقالوا له إنا نخاف عليك أصحاب ابن زياد فقال إني والله لو قد استوت أخافهما بالجدد لهان علي طلب من طلبني
قال ثم خرج فتقدى في الطريق حتى انتهى إلى الحسين عليه السلام فدخل في رحله بالأبطح وبلغ الحسين مجيئه فجعل يطلبه وجاء الرجل إلى رحل الحسين فقيل له قد خرج إلى منزلك فأقبل في أثره ولما لم يجده الحسين جلس في رحله ينتظره وجاء البصري فوجده في رحله جالسا فقال بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا قال فسلم عليه وجلس إليه فخبره بالذي جاء له فدعا له بخير ثم أقبل معه حتى أتى فقاتل معه فقتل معه هو وابناه ثم دعا مسلم بن عقيل فسرحه مع قيس بن مسهر الصيداوي وعمارة بن عبيد السلولي وعبدالرحمن بن عبدالله بن الكدن الأرحبي فأمره بتقوى الله وكتمان أمره واللطف فإن رأى الناس مجتمعين مستوسقين عجل إليه بذلك
فأقبل مسلم حتى أتى المدينة فصلى في مسجد رسول الله صلى الله عليه و سلم وودع من احب من أهله ثم استأجر دليلين من قيس فأقبلا به فضلا الطريق وجارا وأصابهم عطش شديد وقال الدليلان هذا الطريق حتى تنتهي إلى الماء وقد كادوا أن يموتوا عطشا فكتب مسلم بن عقيل مع قيس بن مسهر الصيداوي إلى حسين وذلك بالمضيق من بطن الخبيت

(3/278)


أما بعد فإني أقبلت من المدينة معي دليلان لي فجارا عن الطريق وضلا واشتد علينا العطش فلم يلبثا ان ماتا وأقبلنا حتى انتهينا إلى الماء فلم ننج إلا بحشاشة أنفسنا وذلك الماء بمكان يدعى المضيق من بطن الخبيت وقد تطيرت من وجهي هذا فإن رأيت أعفيتني منه وبعثت غيري والسلام
فكتب إليه حسين
أما بعد فقد خشيت ألا يكون حملك على الكتاب إلي في الاستعفاء من الوجه الذي وجهتك له إلا الجبن فامض لوجهك الذي وجهتك له والسلام عليك
فقال مسلم لمن قرأ الكتاب هذا ما لست أتخوفه على نفسي فأقبل كما هو حتى مر بماء لطيء فنزل بهم ثم ارتحل منه فإذا رجل يرمي الصيد فنظر إليه قد رمى ظبيا حين أشرف له فصرعه فقال مسلم يقتل عدونا إن شاء الله ثم أقبل مسلم حتى دخل الكوفة فنزل دار المختار بن أبي عبيد وهي التي تدعى اليوم دار مسلم بن المسيب وأقبلت الشيعة تختلف إليه فلما اجتمعت إليه جماعة منهم قرأ عليهم كتاب حسين فأخذوا يبكون
فقام عابس بن أبي شبيب الشاكري فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإني لا أخبرك عن الناس ولا أعلم ما في أنفسهم وما أغرك منهم والله لأحدثنك عما أنا موطن نفسي عليه والله لأجيبنكم إذا دعوتم ولأقاتلن معكم عدوكم ولأضربن بسيف دونكم حتى ألقى الله لا أريد بذلك إلا ما عند الله
فقام حبيب بن مظاهر النقعسي فقال رحمك الله قد قضيت ما في نفسك بواجز من قولك ثم قال وأنا والله الذي لا إله إلا هو على مثل ما هذا عليه
ثم قال الحنفي مثل ذلك فقال الحجاج بن علي فقلت لمحمد بن بشر فهل كان منك أنت قول فقال إن كنت لأحب أن يعز الله أصحابي بالظفر وما كنت لأحب أن أقتل وكرهت أن أكذب
واختلفت الشيعة إليه حتى علم مكانه فبلغ ذلك النعمان بن بشير
قال أبو مخنف حدثني نمير بن وعلة عن أبي الوداك قال خرج إلينا النعمان بن بشير فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فاتقوا الله عباد الله ولا تسارعوا إلى الفتنة والفرقة فإن فيهما يهلك الرجال وتسفك الدماء وتغضب الأموال وكان حليما ناسكا يحب العافية قال إني لم أقاتل من لم يقاتلني ولا أثب على من لا يثب علي ولا أشاتمكم ولا أتحرش بكم ولا أخذ بالقرف ولا الظنة ولا التهمة ولكنكم إن أبديتم صفحتكم لي ونكثتم بيعتكم وخالفتم إمامكم فوالله الذي لا إله غيره لأضربنكم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي ولو لم يكن لي منكم ناصر أما إني أرجو أن يكون من يعرف الحق منكم أكثر ممن يرديه الباطل
قال فقام إليه عبدالله بن مسلم بن سعيد الحضرمي حليف بني أمية فقال إنه لا يصلح ما ترى إلا الغشم إن هذا الذي أنت عليه فيما بينك وبين عدوك رأي المستضعفين فقال أن أكون من المستضعفين في طاعة الله أحب إلي من أن أكون من الأعزين في معصية الله ثم نزل
وخرج عبدالله بن مسلم وكتب إلى يزيد بن معاوية أما بعد فإن مسلم بن عقيل قد قدم الكوفة

(3/279)


فبايعته الشيعة للحسين بن علي فإن كان لك بالكوفة حاجة فابعث إليها رجلا قويا ينفذ أمرك ويعمل مثل عملك في عدوك فإن النعمان بن بشير رجل ضعيف أو هو يتضعف فكان أول من كتب إليه
ثم كتب إليه عمارة بن عقبة بنحو من كتابه ثم كتب إليه عمر بن سعد بن أبي وقاص بمثل ذلك
قال هشام قال عوانة فلما اجتمعت الكتب عند يزيد ليس بين كتبهم إلا يومان دعا يزيد بن معاوية سرجون مولى معاوية فقال ما رأيك فإن حسينا قد توجه نحو الكوفة ومسلم بن عقيل بالكوفة يبايع للحسين وقد بلغني عن النعمان ضعف وقول سيء وأقرأه كتبهم فما ترى من استعمل على الكوفة وكان يزيد عاتبا على عبيد الله بن زياد فقال سرجون أرأيت معاوية لم نشر لك أكنت آخذا برأيه قال نعم فأخرج عهد عبيد الله على الكوفة فقال هذا رأي معاوية ومات وقد أمر بهذا الكتاب فأخذ برأيه وضم المصرين إلى عبيد الله وبعث إليه بعهده على الكوفة
ثم دعا مسلم بن عمرو الباهلي وكان عنده فبعثه إلى عبيد الله بعهده إلى البصرة وكتب إليه معه أما بعد فإنه كتب إلي شيعتي من أهل الكوفة يخبرونني أن ابن عقيل بالكوفة يجمع الجموع لشق عصا المسلمين فسر حين تقرأ كتابي هذا حتى تأتي أهل الكوفة فتطلب ابن عقيل كطلب الخرزة تى تثقفه فتوثقه أو تقتله أو تنفيه والسلام
فأقبل مسلم بن عمرو حتى قدم على عبيد الله بالبصرة فأمر عبيد الله بالجهاز والتهيؤ والمسير إلى الكوفة من الغد
وقد كان حسين كتب إلى أهل البصرة كتابا قال هشام قال أبو مخنف حدثني الصقعب بن زهير عن أبي عثمان النهدي قال كتب حسين مع مولى لهم يقال له سليمان وكتب بنسخة إلى رؤوس الأخماس بالبصرة وإلى الأشراف فكتب إلى مالك بن مسمع البكري وإلى الأحنف بن قيس وإلى المنذر بن الجارود وإلى مسعود بن عمرو وإلى قيس بن الهيثم وإلى عمرو بن عبيد الله بن معمر فجاءت منه نسخة واحدة إلى جميع أشرافها أما بعد فإن الله اصطفى محمدا صلى الله عليه و سلم على خلقه وأكرمه بنبوته واختاره لرسالته ثم قبضه الله إليه وقد نصح لعباده وبلغ ما أرسل به صلى الله عليه و سلم وكنا أهله وأولياءه وأوصياءه وورثته وأحق الناس بمقامه في الناس فاستأثر علينا قومنا بذلك فرضينا وكرهنا الفرقة وأحببنا العافية ونحن نعلم أنا أحق بذلك الحق المستحق علينا ممن تولاه وقد أحسنوا وأصلحوا وتحروا الحق فرحمهم الله وغفر لنا ولهم وقد بعثت رسولي إليكم بهذا الكتاب وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه و سلم فإن السنة قد أميتت وإن البدعة قد أحييت وإن تسمعوا قولي وتطيعوا أمري أهدكم سبيل الرشاد والسلام عليكم ورحمة الله
فكل من قرأ ذلك الكتاب من أشراف الناس كتمه غير المنذر بن الجارود فإنه خشي بزعمه أن يكون دسيسا من قبل عبيد الله فجاءه بالرسول من العشية التي يريد صبيحتها أن يسبق إلى الكوفة وأقرأه كتابه فقدم الرسول فضرب عنقه وصعد عبيد الله منبر البصرة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال
أما بعد فوالله ما تقرن بي الصعبة ولا يقعقع لي بالشنان وإني لنكل لمن عاداني وسم لمن حاربني أنصف القارة من راماها يا أهل البصرة إن أمير المؤمنين ولاني بالكوفة وأنا غاد إليها الغداة وقد

(3/280)


استخلفت عليكم عثمان بن زياد بن أبي سفيان وإياكم والخلاف والإرجاف فوالذي لا إله غيره لئن بلغني عن رجل منكم خلاف لأقتلنه وعريفه ووليه ولآخذن الأدنى بالأقصى حتى تستمعوا لي ولا يكون فيكم مخالف ولا مشاق أنا ابن زياد أشبهته من بين من وطىء الحصى ولم ينتزعني شبه خال ولا ابن عم
ثم خرج من البصرة واستخلف أخاه عثمان بن زياد وأقبل إلى الكوفة ومعه مسلم بن عمرو الباهلي وشريك بن الأعور الحارثي وحشمه وأهل بيته حتى دخل الكوفة وعليه عمامة سوداء وهو متلثم والناس قد بلغهم إقبال حسين إليهم فهم ينتظرون قدومه فظنوا حين قدم عبيد الله أنه الحسين فأخذا لا يمر على جماعة من الناس إلا سلموا عليه وقالوا مرحبا بك يابن رسول الله قدمت خير مقدم فرأى من تباشيرهم بالحسين عليه السلام ما ساءه فقال مسلم بن عمرو لما أكثروا تأخروا هذا الأمير عبيد الله بن زياد فاخذ حين أقبل على الظهر وإنما معه بضعة عشر رجلا فلما دخل القصر وعلم الناس أنه عبيد الله بن زياد دخلهم من ذلك كآبة وحزن شديد وغاظ عبيد الله ما سمع منهم وقال ألا أرى هؤلاء كما أرى
قال هشام قال أبو مخنف فحدثني المعلى بن كليب عن أبي وداك قال لما نزل القصر نودي الصلاة جامعة قال فاجتمع الناس فخرج إلينا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإن أمير المؤمنين أصلحه الله ولاني مصركم وثغركم وأمرني بإنصاف مظلومكم وإعطاء محرومكم وبالإحسان إلى سامعكم ومطيعكم وبالشدة على مريبكم وعاصيكم وأنا متبع فيكم أمره ومنفذ فيكم عهده فأنا لمحسنكم ومطيعكم كالوالد البر وسوطي وسيفي على من ترك أمري وخالف عهدي فليبق امرؤ عل نفسه الصدق ينبىء عنك لا الوعيد ثم نزل
فأخذ العرفاء والناس أخذا شديدا فقال اكتبوا إلي الغرباء ومن فيكم من طلبة أمير المؤمنين ومن فيكم من الحرورية وأهل الريب الذين رأيهم الخلاف والشقاق فمن كتبهم لنا فبرىء ومن لم يكتب لنا أحدا فيضمن لنا ما في عرافته ألا يخالفنا منهم مخالف ولا يبغي علينا منهم باغ فمن لم يفعل برئت منه الذمة وحلال لنا ماله وسفك دمه وأيما عريف وجد في عرافته من بغية أمير المؤمنين أحد لم يرفعه إلينا صلب على باب داره وألقيت تلك العرافة من العطاء وسير إلى موضع بعمان الزارة
وأما عيسى بن يزيد الكناني فإنه قال فيما ذكر عمر بن شبة عن هارون بن مسلم عن علي بن صالح عنه قال لما جاء كتاب يزيد إلى عبيد الله بن زياد انتخب من أهل البصرة خمسمائة فيهم عبدالله بن الحارث بن نوفل وشريك بن الأعور وكان شيعة لعلي فكان أول من سقط بالناس شريك فيقال إنه تساقط غمرة ومعه ناس ثم سقط عبدالله بن الحارث وسقط معه ناس ورجوا أن يلوي عليهم عبيد الله ويسبقه الحسين إلى الكوفة فجعل لا يلتفت إلى من سقط ويمضي حتى ورد القادسية وسقط مهران مولاه فقال أيا مهران على هذه الحال إن أمسكت عنك حتى تنظر إلى القصر فلك مائة ألف قال لا والله ما أستطيع فنزل عبيد الله فأخرج ثيابا مقطعة من مقطعات اليمن ثم اعتجر بمعجرة يمانية فركب بغلته ثم انحدر راجلا وحده فجعل يمر بالمحارس فكلما نظروا إليه لم يشكوا أنه الحسين فيقولون مرحبا بك يابن رسول الله وجعل لا يكلمهم وخرج إليه الناس من دورهم وبيوتهم وسمع بهم النعمان بن بشير فغلق عليه وعلى خاصته وانتهى إليه عبيد الله وهو لا يشك أنه الحسين ومعه الخلق

(3/281)


يضجون فكلمه النعمان فقال أنشدك الله إلا تنحيت عني ما أنا بمسلم إليك أمانتي وما لي في قتلك من أرب فجعل لا يكلمه ثم إنه دنا وتدلى الآخر بين شرفتين فجعل يكلمه فقال افتح لا فتحت فقد طال ليلك فسمعها إنسان خلفه فتكفى إلى القوم فقال أي قوم ابن مرجانة والذي لا إله غيره فقالوا ويحك إنما هو الحسين ففتح له النعمان فدخل وضربوا الباب في وجوه الناس فانفضوا وأصبح فجلس على المنبر فقال أيها الناس إني لأعلم أنه قد سار معي وأظهر الطاعة لي من هو عدو للحسين حين ظن أن الحسين قد دخل البلد وغلب عليه والله ما عرفت منكم أحدا ثم نزل
وأخبر أن مسلم بن عقيل قدم قبله بليلة وأنه بناحية الكوفة فدعا مولى لبني تميم فأعطاه مالا وقال انتحل هذا الأمر وأعنهم بالمال واقصد لهانئ ومسلم وانزل عليه فجاء هانئا فأخبره أنه شيعة وأن معه مالا وقدم شريك بن الأعور شاكيا فقال لهانئ مر مسلما يكن عندي فإن عبيدالله يعودني وقال شريك لمسلم أرأيتك إن أمكنتك من عبيدالله أضاربه أنت بالسيف قال نعم والله وجاء عبيدالله شريكا يعوده في منزل هانئ وقد قال شريك لمسلم إذا سمعتني أقول اسقوني ماء فاخرج عليه فاضربه وجلس عبيدالله على فراش شريك وقام على رأسه مهران فقال اسقوني ماء فخرجت جارية بقدح فرأت مسلما فزالت فقال شريك اسقوني ماء ثم قال الثالثة ويلكم تحموني الماء اسقونيه ولو كانت فيه نفسي ففطن مهران فغمز عبيدالله فوثب فقال شريك أيها الأمير إني أريد أن أوصي إليك قال أعود إليك فجعل مهران يطرد به وقال أراد والله قتلك قال وكيف مع إكرامي شريكا وفي بيت هانئ ويد أبي عنده يد فرجع فأرسل إلى أسماء بن خارجة ومحمد بن الأشعث فقال ائتياني بهانئ فقالا له إنه لا يأتي إلا بالأمان قال وما له وللأمان وهل أحدث حدثا انطلقا فإن لم يأت إلا بأمان فآمناه فأتياه فدعواه فقال إنه إن أخذني قتلني فلم يزالا به حتى جاءا به وعبيدالله يخطب يوم الجمعة فجلس في المسجد وقد رجل هانئ غديرتيه فلما صلى عبيدالله قال يا هانئ فتبعه ودخل فسلم فقال عبيدالله يا هانئ أما تعلم أن أبي قدم هذا البلد فلم يترك أحدا من هذه الشيعة إلا قتله غير أبيك وغير حجر وكان من حجر ما قد علمت ثم لم يزل يحسن صحبتك ثم كتب إلى أمير الكوفة إن حاجتي قبلك هانئ قال نعم قال فكان جزائي أن خبأت في بيتك رجلا ليقتلني قال ما فعلت فأخرج التميمي الذي كان عينا عليهم فلما رآه هانئ علم أن قد أخبره الخبر فقال أيها الأمير قد كان الذي بلغك ولن أضيع يدك عني فأنت آمن وأهلك فسر حيث شئت فكبا عبيدالله عندها ومهران قائم على رأسه في يده معكزة واذلاه هذا العبد الحائك يؤمنك في سلطانك فقال خذه فطرح المعكزة وأخذ بضفيرتي هانئ ثم أقنع بوجهه ثم أخذ عبيدالله المعكزة فضرب بها وجه هانئ وندر الزج فارتز في الجدار ثم ضرب وجهه حتى كسر أنفه وجبينه وسمع الناس الهيعة وبلغ الخبر مذحج فأقبلوا فأطافوا بالدار وأمر عبيدالله بهانئ فألقي في بيت وصيح المذحجيون وأمر عبيدالله مهران أن يدخل عليه شريحا فخرج فأدخله عليه ودخلت الشرط معه فقال يا شريح قد ترى ما يصنع بي قال أراك حيا قال وحي أنا مع ما ترى أخبر قومي أنهم إن انصرفوا قتلني فخرج إلى عبيدالله فقال قد رأيته حيا ورأيت أثرا سيئا قال وتنكر أن يعاقب الوالي رعيته اخرج إلى هؤلاء فأخبرهم فخرج وأمر عبيدالله الرجل فخرج معه فقال لهم شريح ما هذه الرعة

(3/282)


السيئة الرجل حي وقد عاتبه سلطانه بضرب لم يبلغ نفسه فانصرفوا ولا تحلوا بأنفسكم ولا بصاحبكم فانصرفوا
وذكر هشام عن أبي مخنف عن المعلى بن كليب عن أبي الوداك قال نزل شريك بن الأعور على هانئ بن عروة المرادي وكان شريك شيعيا وقد شهد صفين مع عمار
وسمع مسلم بن عقيل بمجيء عبيدالله ومقالته التي قالها وما أخذ به العرفاء والناس فخرج من دار المختار وقد علم به حتى انتهى إلى دار هانئ بن عروة المرادي فدخل بابه وأرسل إليه أن أخرج فخرج إليه هانئ فكره هانئ مكانه حين رآه فقال له مسلم أتيتك لتجيرني وتضيفني فقال رحمك الله لقد كلفتني شططا ولولا دخولك داري وثقتك لأحببت ولسألتك أن تخرج عني غير أنه يأخذني من ذلك ذمام وليس مردود مثلي على مثلك عن جهل ادخل
فآواه وأخذت الشيعة تختلف إليه في دار هانئ بن عروة ودعا ابن زياد مولى له يقال له معقل فقال له خذ ثلاثة آلاف درهم ثم اطلب مسلم بن عقيل واطلب لنا أصحابه ثم أعطهم هذه الثلاثة آلاف فقل لهم استعينوا بها على حرب عدوكم وأعلمهم أنك منهم فإنك لو قد أعطيتها إياهم اطمأنوا إليك ووثقوا بك ولم يكتموك شيئا من أخبارهم ثم اغد عليهم ورح ففعل ذلك فجاء حتى أتى إلى مسلم بن عوسجة الأسدي من بني سعد بن ثعلبة في المسجد الأعظم وهو يصلي وسمع الناس يقولون إن هذا يبايع للحسين فجاء فجلس حتى فرغ من صلاته ثم قال يا عبدالله إني امرؤ من أهل الشأم مولى لذي الكلاع أنعم الله علي بحب أهل هذا البيت وحب من أحبهم فهذه ثلاثة آلاف درهم أردت بها لقاء رجل منهم بلغني أنه قدم الكوفة يبايع لابن بنت رسول الله صلى الله عليه و سلم وكنت أريد لقاءه فلم أجد أحدا يدلني عليه ولا يعرف مكانه فإني لجالس آنفا في المسجد إذ سمعت نفرا من المسلمين يقولون هذا رجل له علم بأهل هذا البيت وإني أتيتك لتقبض هذا المال وتدخلني على صاحبك فأبايعه وإن شئت أخذت بيعتي له قبل لقائه فقال احمد الله على لقائك إياي فقد سرني ذلك لتنال ما تحب ولينصر الله بك أهل بيت نبيه صلى الله عليه و سلم ولقد ساءني معرفتك إياي بهذا الأمر من قبل أن ينمى مخافة هذا الطاغية وسطوته
فأخذ بيعته قبل أن يبرح وأخذ عليه المواثيق المغلظة ليناصحه وليكتمن فأعطاه من ذلك ما رضي به ثم قال له اختلف إلي أياما في منزلي فأنا طالب لك الإذن على صاحبك فأخذ يختلف مع الناس فطلب له الإذن فمرض هانئ بن عروة فجاء عبيدالله عائدا له فقال له عمارة بن عبيد السلولي إنما جماعتنا وكيدنا قتل هذا الطاغية فقد أمكنك الله منه فاقتله قال هانئ ما أحب أن يقتل في داري فخرج فما مكث إلا جمعة حتى مرض شريك بن الأعور وكان كريما على ابن زياد وعلى غيره من الأمراء وكان شديد التشيع فأرسل إليه عبيدالله إني رائح إليك العشية فقال لمسلم إن هذا الفاجر عائدي العشية فإذا جلس فاخرج إليه فاقتله ثم اقعد في القصر ليس أحد يحول بينك وبينه فإن برئت من وجعي هذا أيامي هذه سرت إلى البصرة وكفيتك أمرها
فلما كان من العشي أقبل عبيدالله لعيادة شريك فقام مسلم بن عقيل ليدخل وقال له شريك لا يفوتنك إذا جلس فقام هانئ بن عروة إليه فقال إني لا أحب أن يقتل في داري كأنه استقبح ذلك فجاء

(3/283)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية