صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة
المؤلف : النجم الغزي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

محمد بن محمد بن عمر بن سلطان الشيخ الإمام العلامة، المحقق المدقق الفهامة، شيخ الإسلام، مفتي الأنام، ببلاد الشام، أبو عبد الله قطب الدين، ابن القاضي كمال الدين، المعروف بابن سلطان الدمشقي، الصالحي الحنفي، ميلاده في الليلة الثانية عشرة من ربيع الأول سنة سبعين وثمانمائة، أخذ عن قاضي القضاة، عبد البر بن الشحنة، وغيره، وله مؤلف في الفقه، ورسالة في تحريم الأفيون، وغير ذلك، وذكر ابن طولون في تاريخه مفاكهة الأخوان أن الشيخ قطب الدين ابن سلطان صاحب الترجمة، اجتمع هو والشيخ تقي الدين القاري، يوم الجمعة خامس عشر ربيع الثاني، سنة ثمان وثلاثين وتسعمائة، عند النائب بالشباك.... وعرفه بأن البركة، التي عزم على بنائها، وسط الجامع الأموي، لا يجوز، وقد كان رمى آلتها، وجاء بالحجارة من عمارة جامع بيت لهيا، فقام النائب مغتاظا، فاجتمعوا ثاني يوم، ومعهم الجلال البصروي، وخطيب الجامع، وجاء النائب، والقاضي الكبير، فعضدهم في المنع، فكتب النائب إلى مفتي إسلام بول، يسأل عن جواز ذلك، وصنف القطب، فيها مؤلفا سماه البرق الجامع في المنع من البركة في الجامع، وذكر صاحب الترجمة قال والد شيخنا: الشيخ يونس العيثاوي، وقال: كان من أهل العلم الكبار، جليل المقدار، مهيبا عظيما، نافذ الكلمة، عند الدولة يردون الأمر، إليه في الفتوى، ماسك زمام الفقهاء في التجمل بأحسن الثياب، يعرف مقام الشافعية، وما هو لهم من القدم على غيرهم، ويرفع مقامهم، كان بيده تدريس القصاعية المختصة بالحنفية، وتدريس الظاهرية، التي هي سكنه، والنظر عليها، وكان له تدريس في الجامع الأموي، وغير ذلك من المناصب العلية، وولي القضاء بمصر في زمن الغوري نيابة عن شيخه ابن الشحنة، وكف بصره من بعد مع بقاء جمال عينيه، بحيث يظن أنهما بصيرتان، وكان حسن الوجه، والذات، وكان يملي من الكتب الجواب على الأسئلة التي ترفع إليه، واتخذ خاتما منقوشا يختم به على الفتوى، خوفا من التلبيس عليه، قال: بتحريم القهوة التي حدثت بدمشق، وقال إنها من جملة المصائب التي حدثت بهذا الزمان. قال: وحدثني عن شيخنا السيد كمال الدين يعني ابن حمزة أنه كان يسمي بيت القهوة، الخمارة، وأنه لما سلم عليه حال رجوعه من مصر سأله عن رجل كيف حاله فقال إنه ملازم الخمارة فقال له: كيف جرى؟ قال: حدثت بمصر شرب القهوة، يجتمعون عليها كاجتماعهم على شرب الخمر، وهو معهم قال: وحدثني أن من جملة أشياخه الشب برهان الدين الناجي، أخذ عنه الحديث، وامتنع آخرا من الكتابة على الفتيا، في الطلاق في مسألة الاستثناء، وأصاب لجهل الحالف بشرطه، وداوم على قراءة القرآن مع جماعة يختلفون إليه في آخر أمره، ووقف وقفا على جماعة يجتمعون كل ليلة جمعة في الجامع الأموي يذكرون الله عز وجل، ويصلون على النبي صلى الله عليه وسلم توفي ليلة الثلاثاء سبع عشري ذي القعدة الحرام سنة خمسين وتسعمائة، وصلي عليه في الجامع الأموي، ودفن داخل تربة القلندرية، من باب الصغير ببيت مسقف قديم معد للعلماء، والصلحاء من الموتى، وأوصى أن يلقن بعد دفنه فلقنه أحد السادة الشافعية، وكان يتعبد بمذهب الشافعية رحمه الله تعالى.
محمد بن محمد الخناجري

(1/206)


محمد بن محمد الشيخ الإمام العلامة، العمدة الحجة الفهامة، شمس الدين الخناجري والده ديري الأصل الحلبي الشافعي، المعروف والده بابن عجل، كان له يد طولى في الفقه، والفرائض، والحساب، مع المشاركة في فنون أخر، قرأ في النزهة على العلامة جمال الدين ابن النجار المقدسي الشافعي الوفائي ، صاحب المنظومة المسماة، بغية الرامض، في علم الفرائض، بحق قراءته لها على مؤلفها ابن الهايم، وقرأها على ابن الحنبلي على ابن الخناجري، وكان صاحب الترجمة، لطيف المحاضرة، حسن المعاشرة، كثير المعاطفة، والممازحة، وخفة الروح، وانشراح الصدر، وكان مع ذلك معتقدا في الصوفية سرا، وذكر ابن الحنبلي أنه كان يسمع الآلات ويقول أنا ظاهري، أعمل بقول ابن حزم الظاهري، وقال: ذلك مرة في حضور الموفق ابن أبي ذر، على لسان المباسطة فقال له: إن من الحزم ترك قول ابن حزم، وذكره شيخ الإسلام الوالد في رحلته فقال: الشيخ الإمام، والحبر البحر الهمام، شيخ المسلمين أبو محمد والد محمد شمس الدين الخناجري الشافعي شيخ الفواضل والفضائل، وإمام الأكابر والأفاضل، بدر الإنارة المشرق لسرى القوافل، وشمس الحقائق التي مع ظهورها النجوم أوافل، له المناقب الثواقب، والفوائد الفرائد، والمناهج المباهج، وله بالعلم عناية تكشف العماية، ونباهة تكسب النزاهة، ودراية تقصد الرواية، ومباحثة تشوق، ومناقبه تروق، مع طلاقة وجه، وتمام بشر، وكمال خلق، وحسن سمت، وخير هدي، وأعظم وقار، وكثرة صمت، ثم أنشد:
ملح كالرياض غازلت الشمس ... رباها وأفتر عنها الربيع
فهو للعين منظر مونق الحسن ... وللنفس سؤدد مجموع
ثم قال: وقد كان اجتمع بي، وبوالدي شيخ الإسلام في مصر، ثم في الشام، ووقع بيني وبينه مفاوضة، ومذاكرة، ومباحثة، ومحاورة مع اذعانه لما أذكر، وقبوله لما أقول، وهو يدعو لي ويشكر، وعلى الله تعالى القبول، انتهى ومن لطائف القاضي جابر متغزلا موريا باسم صاحب الترجمة والبدر السيوفي شيخي حلب:
سللن سيوفا من جفون لقتلتي ... وأردفنها من هدبها بخناجر
فقلت أيفتى في دمي قلن لي أجل ... أجاز السيوفي ذاك وابن الخناجر
وكانت وفاته في يوم عرفة سنة أربعين وتسعمائة، بعد وفاة الشيخ شهاب الدين الهندي، بأشهر فقال ابن الحنبلي يرثيهما:
توفي شيخنا الهندي في رحب رمسه ... ففاضت دموعي من نواحي حناجري
ومن بعده مات الإمام الخناجري ... وبان فكم من غصة في الحناجر
وصلي عليه غائبة في الجامع الأموي بدمشق يوم الجمعة خامس المحرم سنة إحدى وأربعين وتسعمائة رحمه الله تعالى رحمة واسعة.
محمد بن محمد الحنفي
محمد بن محمد المولى العلامة محيي الدين ابن بير محمد باشا الحنفي، أحد موالي الرومخ، قرأ على والده، ثم خدم المولى ابن كمال باشا علاء الدين الجمالي، وصار معيدا لدرسه، ثم درس بمدرسة مصطفى باشا بالقسطنطينية، ثم بإحدى المدارس الثمان، ثم صار قاضي أدرنة، ومات قاضيا بها، وكان عالي الهمة، رفيع القدر، له أدب، ووقار، وحظ وافر، من العلوم المتداولة توفي رحمه الله تعالى في سنة إحدى وأربعين وتسعمائة.
محمد بن محمد بن مغوش

(1/207)


محمد بن محمد الشيخ الإمام، المحقق المدقق، العلامة الملقب، بمغوش - بمعجمتين - التونسي المالكي، اشتغل على علماء المغرب، وسمع الصحيحين، والموطأ، والترمذي، والشفاء وقرأ البعض من ذلك على الشيخ العلامة الصدر الكبير المعمر، أبي العباس أحمد الأندلسي المعروف، بالمشاط ، وسمع صحيح البخاري، وصدر مسلم على ولي الله الشيخ أبي عبد الله أحمد البكي المغربي، بحق روايته لذلك عن شيخ الإسلام، ابن حجر المصري، وفضل في بلاده، وبرع، وتميز، وولي قضاء عسكر تونس، في دولة سلطانها مولاي حسن بن محمد بن عثمان بن المنصور بن عبد العزيز الحفصي، ثم قدم من طريق البحر، إلى القسطنطينية، في دولة السلطان سليمان خان بن عثمان خان، فعظمه، وأكرم مثواه، ورتب له علوفة حسنة، وشاع فضله بين أكابرها، وأخذ عنه جماعة من أعيانها حتى صار قاضيا للعسكر إذ ذاك، ولم يزل بها معظما مبجلا، نشر الفوائد، وحرر الفرائد، وأملى بها أمالي على شرح الشاطبية للجعبري، إلى أثنائه، وكان مسكنه بها في عمارة الوزير محمود باشا، ثم استأذن من السلطان، في الرحلة إلى مصر واعتذر بعدم صبره على شتاء الروم، وشدة بردها فأذن له في الرحلة إليها، وأمر أن يستوفي ما عين له، من العلوفة من خزنتها، فتوجه إلى البلاد المصرية، من طريق البر في سنة أربع وأربعين وتسعمائة، فدخل حلب وانتدب للقراءة عليه، والأخذ عنه جماعة، من أهلها منهم ابن الحنبلي، وقرأ عليه في العضد دروسا، ثم توعك بها، وعوفي، ثم سافر من حلب في صحبته الشمس الطبلي ودخلا طرابلس، وأقام بها مدة وانتفع به، أهلها في النحو وغيره، ثم رحلا منها إلى دمشق فدخلاها يوم الثلاثاء رابع جمادى الأولى من السنة المذكورة، ونزل بجامع تنكز، ثم انتقل إلى بيت القاضي زين الدين معروف الصهيوني الشافعي، داخل دمشق فاجتمع به أفاضلها، وشهدوا له بالعلم، والتحقيق خصوصا في التفسر، والعربية، والمنطق، والكلام، والعروض، والقراءات، والمعاني، والبيان وقالوا: لو يرد إلى دمشق من مستحضر كلام السعد التفتازاني، والسيد الشريف، ويقرره، وما يرد عليه، وقرأ عليه الشيخ علاء الدين بن عماد الدين الشافعي، في أوائل تفسير القاضي البيضاوي، فأفاد وأجاد إلى الغاية، حتى أذهل العقول، وقرأ عليه القاضي معروف رسالة الوجود للسيد الشريف، وبعض شرح آداب البحث للمسعودي، وقرأ عليه الشيخ شهاب الدين الطيبي في القراءات، وأجازه إجازة حافلة، ثم سافر من دمشق في يوم الاثنين سادس عشر جمادى الآخرة من السنة المذكوره، وودعه جماعة من الطلبة إلى داريا وألف تلميذه الشيخ شهاب الدين الطيبي مؤلفا في تاريخ سفره، بالكسور العددية، وسماه السكر المرشوش في تاريخ سفر الشيخ مغوش، وقال ابن الحنبلي في ترجمته، كان عالما علامة متفننا مفننا، ذا ادراك عجيب، واستحضار غريب، حتى أنه كان في قوته أن يقريء مثل العضد المرة بعد المرة، من غير مطالعة، قال ولده محمد: وكان من عادته الاستلقاء على القفا، ولو حالة التدريس، وعدم النهوض لمن ورد عليه، من الأكابر إلا لبعض الأفراد، وقليل ما هم كل ذلك لما كان عنده من حب الرفاهية، والراحة، والانبساط، والشهامة، انتهى.

(1/208)


وقال صاحب الشقائق: بعد أن ذكر أنه أخذ عن الشيخ مغوش، وقرأ عليه، وبحث معه، كان رحمه الله تعالى آية كبرى، من آيات الله في الفضل والتدقيق، والحفظ، والتحقيق، وكان يقريء القرآن العظيم للسبعة، بل للعشرة، من حفظه بلا مطالعة كتاب، وكان يعرف علم النحو، والصرف، في غاية ما يمكن، وكان شرح التلخيص، مع حواشيه، للسيد في حفظه، من أوله إلى آخره، مع تحقيقات، وتدقيقات زائدة، من عنده وكذا شرح الطوالع للأصفهاني، وشرح المواقف للسيد الشريف، كانا محفوظين له مع اتقان، وتدقيق، وكذا شرح المطالع للعلامة قطب الدين الرازي، كان في حفظه من أوله إلى آخره، وكانت قواعد المنطق محفوظة، له بحيث لا يغيب منها شيء عن خاطره، وكذا التلويح في شرح التوضيح، وشرح مختصر ابن الحاجب للقاضي عضد الدين الأيجي، مع حواشيه في حفظه، ولم نجد شيئا من قواعد علم الأصول إلا وهي محفوظة، وكذا الكشاف، مع حواشي الطيبي، كان محفوظا من أوله إلى آخره، وبالجملة كان من مفردات الدنيا، إلى أن قال: ومع ذلك كان لين الجانب، طارحا للتكليف، متصفا بالأخلاق الحميدة، وكان مشتغلا بتلاوة القرآن في أعم أوقاته، وكان يطالع في حفظه، كلما أراد من العلوم، ولم يكن عنده كتاب، ولا ورقة، أصلا انتهى.
وكانت وفاته - رحمه الله تعالى - كما ذكره ابن الحنبلي، في تاريخه نقلا عن تلميذ الشيخ مغوش البرهمتوسي الحنفي، وفي العشر الأواخر من شعبان سنة سبع وأربعين، وقيل ثمان وأربعين وتسعمائة، كذا قال ابن الحنبلي: قلت: والظاهر الأول لأن ابن طولون ذكر في تاريخه، أنه صلي عليه غائبة بجامع دمشق، يوم الجمعة سابع شوال، سنة سبع بتقديم السين وأربعين وتسعمائة، قيل: ومطر الناس يوم دفنه، وعمر عليه داود باشا نائب مصر، عمارة بجوار الإمام الشافعي وحدثنا شيخنا شيخ الإسلام، أقضى القضاة، المحب الحنفي، فسح الله في مدته، أنه قرأ على قبره ما نصه:
أيا ملك العلماء يا من ... به في الأرض أثمر كل مغرس
لئن أوحشت تونس بعد بعد ... فأنت لمصر ملك الحسن تونس
قلت: ولقد أحسن الشيخ محمد الفارضي المصري في قوله يرثيه:
تقضى التونسي فقلت بينا ... يروح كل ذي شجن ويونس
أتوحشنا وتونس بطن لحد ... ولكن مثل ما أوحشت تونس
ورثاه ابن الحنبلي، لما بلغه وفاته بقصيدة قال فيها:
أدخل في ظل عفوه الأحد ... من لا يداني مثله أحد
عالم إقليم تونس حرست ... من فرقة للضلال تعتقد
ومن تولى قضاء عسكرها ... فما تولى عن معدم مدد
وانتشرت للورى فواضله ... فما لها مثل فضله عدد
وكان بحرا بجوفه درر ... روية لا تزال تتقد
ومن علوم غدت لفرقته ... ذات أمس ليس دونها جلد
فاللغة اختل نظم مجملها ... كأنما خان روحها الجسد
والنحو ما زال باب ندبته ... يبكى عليه لفرط ما يجد
والشعر لولا رثاؤه انقطعت ... أسبابه بل ولم يكن وتد
ذو دقة في البيان منشاها ... فرط ذكاء وفطنة تقد
ومنهل في البديع باذله ... حلو، وأين النبات والبرد
ذو قدم في الأصول راسخة ... بكى لفقدان مثلها العضدخ
وذو كلام عدت طوالعه ... عواديا حين عاد يفتقد
من مغرب الشمس شمسه بزغت ... ثم اضمحلت بعكس ما نجد
توزن بالساعة التي، قربت ... وأن أهل الكمال قد بعدوا
مضى مغوش لروض تربته ... تاريخه من كان حوضه يرد
وأعطش الواردين حين مضى ... فاحترقت من فراقه الكبد
إلى أن قال:
أدخله الله ظل رحمته ... فهو الرحيم المهمين الصمد
محمد بن محمد أحد موالي الروم

(1/209)


محمد بن محمد، المولى العلامة، محيي الدين الحنفي، أحد موالي الروم، المعروف بابن قطب الدين، قرأ على الشيخ مصطفى العجمي، ثم على المولى سيدي جلبي القوجوي، ثم على المولى يعقوب ابن سيدي، ثم على الفاضل بن المؤيد، ثم صار مدرسا بمدرسة أحمد باشا بمدينة بروسا، ثم ترقى في التداريس، وولي قضاء حلب، ثم بروسا، ثم إسلام بول، ثم ولي قضاء العساكر الأناظولية، ثم عزل عنه، وأعطي تدريس إحدى الثماني، وعين له كل يوم مائة وخمسون عثمانيا، وما مكث إلا يسيرا حتى ترك التدريس، والمناصب، وذهب إلى الحج الشريف، ثم رجع إلى الروم، وتقاعد بالقسطنطينينة، وعين له كل يوم مائة وخمسون عثمانيا، وكان كما قال صاحب الشقائق، عالما فاضلا صالحا، ورعا محبا للصوفية، سالكا لطريقهم، واعتزل الناس، واشتغل بخويصة نفسه، وكان لا يذكر أحدا إلا بخير، وكان له معاملة مع الله تعالى، وقال ابن الحنبلي كان أصيلا عريقا ينسب أباه إلى قاضي زاده الرومي، والعلاء القوشجي، ذا حشمة وسكينة، ووقار، واعتقاد في أهل الصلاح، وشغف بكلام الصوفية، وتبجيل العلماء، وذكر أيضا أنه كان في ولايته بحلب عفيفا عن الرشى صابرا على تلاحي الخصام مسامحا لمن ربما يسمعه غليظ الكلام وكان لا يفصل بين الحكومات المشكلة إلا بعد التروي الكلي، في مدة مديدة، لم يقضي بالحق، وكان يكره أهل التزوير، ويعزرهم، وتعفف في آخر عمره عن أخذ سجلات الحسبة، ومن شعر ابن الحنبلي، مؤرخا لتولية المشار إليه قضاء العسكر:
تولى ابن قطب الدين قاضي عسكر ... على وفق ما ترجو الأعاجم والعرب
فأبديت تاريخ الولاية قائلا: ... يطاع يقينا في ولايته القطب
وكانت وفاته في سنة سبع - بتقديم السين - وخمسين وتسعمائة.
محمد بن محمد إمام الباشورة
محمد بن محمد بن عبيد، الشيخ الفاضل الصالح الواعظ، نجم الدين، ابن الشيخ العالم الصالح المقرىء المجيد، شمس الدين محمد الضرير، إمام مسجد الباشورة، توفي نهار الجمعة، بعد العصر سادس عشري ذي القعدة سنة ستين وتسعمائة، ودفن يوم السبت على والده في تربة باب الصغير رحمه الله تعالى.
محمد بن محمد القرمشي
محمد بن محمد الأمير نجم الدين القرشي، الدمشقي، كان فاضلا يقرأ القرآن، ويبكي عند التلاوة، وكان بينه وبين الشيخ علاء الدين بن عماد الدين الشافعي، مودة ومحبة، مات في سنة ستين أو إحدى وستين، وتسعمائة، ومات بعده ولده الأمير محمد، كنز الدين بتسعة أشهر، وهو والد محمد جلبي ابن القرمشي.
محمد بن إبراهيم البلبيسي
محمد بن إبراهيم بن محمد بن مقبل، الشيخ العلامة شمس الدين البلبيسي، ثم المقدسي، ثم الدمشقي الشافعي الوفائي، واعظ دمشق، أخذ عن الشيخ أبي الفتح السكندري، المزي، وغيره وكان أسن من الإمام الوالد، ومع ذلك أخذ عنه، فذكره الشيخ الوالد، في فهرست تلاميذه، وقال: أجزته بعض مؤلفاتي، وأشعاري وحضر دروسا من دروسي، وسألني في تأليفي منظومتي، المكما المسماة بنظم الدرر، في موافقات عمر، وفي شرحها قال: وقد تعرضت لذلك إشارة فيها، وتصريحا في شرحها انتهى.
وكان الوفائي مجاورا في خلوة بالخانقاه الشميصاتية، لصيق الجامع الأموي، وانقطع بها خمس سنوات، وقد تعطل شقه الأيسر، وفي يوم السبت حادي عشر رجب سنة خمس وثلاثين، دخل عليه اثنان من المناحيس، وهو على هذه الحالة، فأخذا منه منديل النفقة بما فيه، وعدة من كتبه، وذهبا، كان عنده، وكان ذلك قبل صلاة الصبح فأقام الصوت عليهما، فلم يدركا كما ذكره ابن طولون في تاريخه، وكان ذلك زيادة في ابتلائه رحمه الله تعالى فإنه كان من عباد الله الصالحين، وكانت وفاته في رجب سنة سبع وثلاثين وتسعمائة.
محمد بن إبراهيم الشنائي
محمد بن إبراهيم الشيخ الإمام العلامة، شمس الدين أبو عبد الله بن البرهان الشنائي المالكي، قاضي القضاة بالديار المصرية، كان ممن جمع بين العلم، والعمل قواما صواما، له شرح على الرسالة، عظيم وعدة تصانيف مشهورة، وكان ممن أجمع الناس على جلالته، وتحريره لنقول مذهبه، أخذه عنه السيد عبد الرحيم العباسي الإسلابولي وغيره، وكان موجودا في سنة سبع بتقديم السين وثلاثين وتسعمائة.
محمد بن إبراهيم بن بلبان البعلي

(1/210)


محمد بن إبراهيم بن بلبان، الشيخ الصالح شمس الدين البعلي، المعروف بجده مولده، كما قرأته بخطه في إجازته لشيخنا العلامة نور الدين محمد البيلوني الحلبي، تاسع عشر المحرم سنة إحدى وسبعين وثمانمائة، أخذ ورد ابن داود عن الشيخ عبد القادر ابن أبي الحسن البعلي، الحنبلي، بحق روايته، عن ولد المصنف للورد المذكور، سيدي عبد الرحمن بن أبي بكر، ابن داود عن أبيه، وكانت إجازته لشيخنا المذكور بالجامع الجديد بدمشق، سنة ثلاث وستين وتسعمائة رحمه الله تعالى رحمة واسعة.
محمد بن أبي بكر ابن قاضي عجلون
محمد بن أبي بكر، بن عبد الله، بن عبد الرحمن، بن محمد بن شرف، الشيخ العلامة، قاضي قضاة الشافعية، بدمشق نجم الدين ابن شيخ مشايخ الإسلام، تقي الدين ابن قاضي عجلون الشافعي، مولده بدمشق سابع عشر شوال سنة أربع وسبعين وثمانمائة، وقرأ القرآن العظيم، واشتغل على والده في المنهاج، وغيره، ودرس نيابة عن والده بمدرسة شيخ الإسلام، أبي عمر، وولي خطابة جامع يلبغا، وفوض إليه قاضي القضاة شهاب الدين بن الفرفور، نيابة الحكم يوم الخميس حادي عشر جمادى الأولى سنة أربع وتسعمائة، ولما دخل مع أبيه إلى القاهرة، في حادثة محب الدين ناظر الجيوش المتقدمة، في ترجمة السيد كمال الدين بن حمزة، ولاه السلطان الغوري قضاء القضاة بالشام، استقلالا في ثامن عشر جمادى الأولى سنة أربع عشرة وتسعمائة، ودخل دمشق، هو وأبوه ثامن عشري شعبان، منها واعتقل بقلعة دمشق، في جامعها في عشية الخميس تاسع عشري جمادى الآخرة، من سنة خمس عشرة وتسعمائة ثم عزل في ثاني ذي القعدة منها، وأعيد القاضي ولي الدين بن الفرفور، وتوفي القاضي نجم الدين ليلة الثلاثاء عاشر ربيع الثاني سنة خمس وثلاثين وتسعمائة، ودفن عند والده بتربة باب الصغير.
محمد بن أبي الطيب البكري الحلبي
محمد بن أبي الطيب، بن محمود الشيخ شمس الدين البكري الحلبي القلعي الشافعي، ولي خطابة الجامع وإمامة المقام بحلب وتوفي سنة إحدى وخمسين وتسعمائة رحمه الله تعالى.
محمد بن أحمد الكفتي
محمد بن أحمد الشيخ شمس الدين، الدمشقي الكفتي، أحد العدول بدمشق، توفي يوم الثلاثاء خامس عشر رجب سنة خمس وثلاثين وتسعمائة، ودفن بباب الصغير رحمه الله تعالى.
محمد بن أحمد بن الفرفور
محمد بن أحمد، بن محمود، بن عبد الله، بن محمود قاضي القضاة، ولي الدين، ابن قاضي القضاة، شهاب الدين، بن الفرفور الدمشقي، الشافعي، مولده في ثامن عشر جمادى الأولى، سنة خمس وتسعين، بتقديم - التاء - وثمانمائة - وحفظ القرآن العظيم، والمنهج في الفقه لشيخه شيخ الإسلام، زكريا، وجمع الجوامع لابن السبكي، وألفية ابن مالك، وأخذ الفقه بدمشق عن شيخ الإسلام تقي الدين ابن قاضي عجلون، وبالقاهرة عن قاضي القضاة زكريا، المذكور، والبرهان ابن أبي شريف، وأخذ الحديث بدمشق عن الحافظ برهان الدين الناجي، والشيخ أبي الفتح المزي، والشيخ أبي الفضل ابن الإمام، والشيخ جمال الدين بن عبد الهادي، وبمصر عن الشيخ المحدث تقي الدين ابن الشيخ محب الدين، الأوجاقي، وغيره، وأجاز له جماعات في عدة استدعاآت، وولي قضاء قضاة الشافعية، بدمشق بعد وفاة أبيه وعزل عنه وأعيد إليه مرارا آخرها في سنة ثلاثين وتسعمائة، وولي قضاء حلب سنة ست وعشرين وتسعمائة، وعزل عنه في أثناء صفر سنة سبع وعشرين، وعاد إلى دمشق، وكان آخر قاض تولى حلب من قضاة أولاد العرب، ومع توليته بدمشق، وحلب في الدولة العثمانية لم ينتقل عن مذهبه، وصار لنائب الشام عيسى باشا عليه حقد آخرا، فسافر من دمشق يوم الاثنين ثامن عشر رمضان سنة ست وثلاثين، وسافر في صحبته شيخ الإسلام الوالد، قاصدين بلاد الروم، ودخل حلب يوم الأربعاء سابع عشري رمضان المذكور، وعيدوا بها، فلما كان يوم الاثنين ثالث شهر شوال حضر أولاقان ، من جهة عيسى باشا نائب الشام، ومعهما مكاتبات يخبر فيها بحضور مرسوم سلطاني بعود القاضي الفرفور محتفظا للتفتيش عليه، وتحرير ما نسب من المظالم إليه، وأن المتولي عيسى باشا، وقاضي الشام ابن إسرافيل مكانه، فرجع ابن الفرفور إلى دمشق، وسافر شيخ الإسلام الوالد إلى بلاد الروم كما بينه الشيخ الوالد في رحلته:
سارت مشرقة وسرت مغربا ... شتان بين مشرق ومغرب

(1/211)


ووصل ابن الفرفور إلى دمشق يوم الثلاثاء تاسع عشر شوال، ووضع في قلعتها ثم نودي من الغد بالتفتيش عليه، وشرع في ذلك من يوم السبت ثاني عشري شوال واستمر التفتيش عليه أياما في نحو خمسة عشر مجلسا قال الشيخ الوالد: رحمه الله تعالى: وخرج عليه من كان داخلا فيه، وراكنا إليه، وشدد عليه في الحساب، من كان يعده من الأحباب، فأتاه الخوف من جانب الأمن، ومن حيث أمل الربح جاء الغبن، ثم أنشد:
رب من ترجو به دفع الأذى ... عنك يأتيك الأذى من قبله
ريما يرجو الفتى نفع فتى ... خوفه أولى به من أمله
وبقي مسجونا بالقلعة، إلى أن توفي بها في يوم الثلاثاء، سلخ جمادى الآخرة سنة سبع وثلاثين وتسعمائة، ودفن بتربته التي أنشأها شمالي ضريح الشيخ أرسلان، رضي الله تعالى عنه، ورثاه جماعة منهم، الشيخ علاء الدين بن عماد الدين فقال:
إلى الله أشكو ما لقيت من البعد ... وما حل بي يوم الفراق من الوجد
نأى راحلا عن منزلي من أحبه ... وأصبحت ولهانا من البعد والصد
وأهون شيء ما أقاسي من الجوى ... إذا ما صفا عيش الأحبة من بعد
خليلي نوحا وانعيا في الورى فتى ... لقد كان بين الناس كالعلم الفرد
غريق الذرى قاضي القضاة الذي رقى ... إلى الغاية القصوي بالحلم والرشد
أذاب فؤادي بالفراق وهجره ... سقاني أخير العصر من أول الرعد
لقد كان أعلى الناس في المجد مطلقا ... وأوفاهم بالقول والفعل والعهد
وكان إمام الناس شامة جلق ... جزيل العطا مبدي الندى حاتم المجد
لقد أظلم الأكوان فيه فراقه ... وصار ضياء الشمس كالفاحم الجعد
وقد كان قطب الكون والناس حوله ... نجوم وهم في طالع العز والسعد
ألا يا بروحي هل لك اليوم عودة ... فتقري سلامي جيرة العلم الفرد
إذا زمزم الحادي بذكراه في الورى ... يسابقه ركب من الدمع في خد
وصفت بمحمر من الدمع بعده ... من الرمل مبيضا لأرعى به عهدي
وقد كان ذا عزم وحزم وهيبة ... وأولى الندى للناس من كان في المجد
فيا رب بالمختار طه محمد ... تجازي ابن فرفور بجنتك الخلد
تعامله بالغفران والعفو والرضى ... إذا ما أضا برق يجيء بني سعد
محمد بن أحمد الغمري المصري

(1/212)


محمد بن أحمد الشيخ الصالح الورع، سيدي أبو الحسن ابن الشيخ العارف بالله تعالى، سيدي أبي العباس الغمري المصري الشافعي الصوفي، رأى الشيخ محمد الشناوي في منامه، أن نخلة في جامع الغمري قطع رأسها، فطلع لها رأس في الحال، فأول ذلك أن سيدي أبا الحسن يخلف أباه، فكان كذلك قال الشعراوي: جاورت عنده ثلاثين سنة ما رأيت أحدا من أهل العصر على طريقته في التواضع والزهد وخفض الجناح، وكان يقول: إذا سمع أحدا يعد ذهبا يضيق صدري، وكان لا يبيت وعنده دينار ولا درهم، ويعطي السائل ما وجد حتى قميصه الذي عليه، وكان يخدم في بيته ما دام فيه، ويساعد الخدام يقطع العجين، ويغسل الأواني، ويقد تحت القدر، ويغرف للفقراء بنفسه، وكان شديد الحياء لا ينام بحضرة أحد أبدا ويقول: أخاف أن يخرج مني ريح وأنا نائم، وكان حمل المعاشرة خصوصا في السفر لا يتخصص بشيء عن الفقراء، وكان كثير التحمل للبلاء لا يشكو من شيء أصلا، وكان حلسا من أحلاس بيته لا يخرج منه إلا للصلاة وقراءة الجزء أو حاجة ضرورة، وإذا خرج ترك الأكل والشرب لئلا يحتاج إلى قضاء الحاجة في غير منزله، مات - رضي الله تعالى عنه - في سنة تسع - بتقديم التاء - وثلاثين وتسعمائة، ودفن عند والده في المقصورة أخريات الجامع التي من إنشاء أبيه سيدي أبي العباس الغمري رضي الله تعالى عنه. محمد بن أحمد الرملي: محمد بن أحمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن نصر الشيخ أبو الفضل الرملي، أحد العدول بدمشق، والإمام بالجامع الأموي شريكا للشيخ تقي الدين القاري، ذكر ابن طولون أنه كان حسن السياسة، وكان يرجع إليه الناس في المحكمة الكبرى، توفي يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين وتسعمائة عن دنيا واسعة، ومتاجرات، ووظائف قال ابن طولون، وكثر الثناء عليه، واستقر الإمامة عليه بإشارة الأفندي ثم في يوم الجمعة، وصل مكتوب الأمير علي باك الدفتر دار بحلب لشيخ الإسلام الوالد البدر الغزي، وفيه أنه الإمامة عن الشيخ أبي الفضل الرملي، فباشرها شريكه العلامة الشيخ تقي الدين القاري.
محمد بن أحمد البكائي
محمد بن أحمد المولى محمد شاه ابن المولى شمس الدين البكائي الحنفي، أحد الموالي الرومية، كان فاضلا محققا مشتغلا بنفسه لا يذكر أحدا بسوء، قرأ على جماعة ثم صار معيدا لدرس المولى علي الجمال المفتي، ثم صار مدرسا بمدرسة مراد باشا بالقسطنطينية، ثم ترقى إلى إحدى المدارس الثماني، ومات على ذلك في سنة إحدى وأربعين وتسعمائة.
محمد بن أحمد الخالدي
محمد بن أحمد بن محمد بن أبي الفتح ابن مولانا جلال الدين الخالدي البكشي ، ثم السمرقندي الحنفي، المشهور بمنلا محمد شاه كشهرة الذي قبله، غير أن ذاك رومي، وهذا عجمي، والأول مات بالروم، وهذا بحلب، كان شيخا معمرا نحيف البدن محققا مدققا متواضعا سخيا، قرأ على أكابر علماء العجم كالمنلا عبد الغفور اللاري أحد تلامذة منلا عبد الرحمن الجامي، قدم حلب في سنة خمس وأربعين وتسعمائة متوجها إلى مكة هو وولده عبد الرحيم، وكان اشتغاله إذ ذاك بمطالعة شرح الفصوص للجامي، وبكتابة حاشية على شرح الجامي على الكافية قال ابن الحنبلي: اجتمعت به مرارا، واستفدت منه قال: وكانت وفاته في السنة المذكورة يعني سنة خمس وأربعين، ودفن بمقبرة الصالحين بحلب.
محمد بن أحمد بن نقيب الأشراف بحلب
محمد بن أحمد بن يوسف، السيد الشريف الحسني الإسحاقي، ابن نقيب الأشراف بحلب، كان له حشمة، وحسن ملتقى، وانطلاق لسان، واقتدار على لطف العبارة. توفي في ذي الحجة سنة تسع وخمسين وتسعمائة - رحمه الله تعالى - رحمة واسعة.
محمد بن أحمد البابي
محمد بن أحمد بن عمر الشيخ نجم الدين ابن الفقيه الأصولي، شهاب الدين ابن الشيخ الصالح زين الدين البابي، ثم الحلبي الشافعي الخطيب ابن الخطيب ابن الخطيب الشهير في مدينة الباب بابن صليلة، وفي حلب بالنجم الإمام لأنه كان إماما بخيربك الأشرفي كافل حلب، وربما كان يخطب في الأعياد بجامع حلب، وكان له قراءة حسنة، وصوت جهوري مطرب، توفي في أواخر ذي الحجة سنة خمسين وتسعمائة رحمه الله تعالى.
محمد بن أحمد الشويكي الحنبلي

(1/213)


محمد بن أحمد الشيخ العلامة شمس الدين الشويكي الصالحي الحنبلي، كان فقيها وأفتى مدة، ثم امتنع من الإفتاء في الدولة الرومية، وكان إماما في الحاجبية، وكان أستاذا في الفرائض والحساب، وله يد في غير ذلك توفي يوم الاثنين يوم عاشوراء سنة تسع وأربعين وتسعمائة بغتة، عن نحو إحدى وأربعين سنة، وصلي عليه بجامع الحنابلة في سفح قاسيون، ودفن إلى جانب قبر العلامة علاء الدين المرداوي الحنبلي، مؤلف التنقيح عند ظهره شرقي صفة الدعاء بالسفح.
محمد بن أحمد الشهير بالمولى حافظ
محمد بن أحمد بن عادل باشا المولى الفاضل حافظ الدين الحنفي، أحد الموالي الرومية الشهير بالمولى حافظ، أصله من ولاية بردعة في حدود العجم، قرأ في صباه على مولانا يزيد بتبريز، وحصل عنده وبرع عليه واشتهرت فضائله وبعد صيته، ولما وقعت في العجم فتنة إسماعيل بن أردبيل ارتحل إلى الروم، وخدم المولى الفاضل عبد الرحمن بن المؤيد، وبحث معه وعظم اعتقاده فيه وزكاه عند السلطان أبي يزيد خان فأعطاه تدريسا بأنقره، فأكب هناك على الاشتغال، وكان حسن الخط، سريع الكتابة، كتب شرح الوقاية لصدر الشريعة في شهر واحد، ودرس هناك بشرح المفتاح للسيد، وكتب حواشي على بعض من شرح المواقف، وكتب القسم الثاني من المفتاح في خمسة عشر يوما بخط حسن، وكتب على حواشيه ما استحسنه من شرح الفاضل الشريف، وأتم تلك الحواشي، والانتخاب في خمسة أشهر، ثم رحل إلى القسطنطينية، وعرض الحاشية على ابن المؤيد، فوقعت منه الموقع وابتهج بها، ثم صار المولى حافظ مدرسا بمدرسة الوزير علي باشا بالقسطنطينية، وكتب حواشي على شرح المفتاح للسيد، ثم صار مدرسا بمدرسة إزينق، وكتب هناك رسالة في الهيولى عظيمة الشأن، ثم أعطي تدريس إحدى المدارس الثماني، وكتب بها شرحا على التجريد، ثم درس باياصوفية وألف كتابا سماه مدينة العلم، ثم تقاعد عن التدريس، وعين له كل يوم سبعون عثمانيا وأكب على الاشتغال بالعلم ليلا ونهارا لا يفتر عن مطالعة العلم بحيث أتقن العلوم العقلية، ومهر في العلوم الأدبية، ورسخ في التفسير، وألف رسائل أخرى كثيرة منها رسالة سماها نقطة العلم ورسالة سماها السبعة السيارة، وكان له أدب ووقار. توفي في سنة سبع وخمسين وتسعمائة رحمه الله تعالى.
محمد بن أحمد بن الحمزاوي
محمد بن أحمد بن أحمد بن يوسف بن أبي بكر الشيخ شمس الدين ابن الحمزاوي، مولده سنة تسع بتقديم التاء وتسعمائة، وقرأ على شيخ الإسلام الوالد في الفقه، وهو أخو القاضي كمال الدين الحمزاوي.
محمد بن إسماعيل بن الأكرم
محمد بن إسماعيل بن الأكرم، الشيخ الصالح شمس الدين، توفي هو والشيخ أحمد بن سعد الدين، والمحيوي، ولد صالح في يوم واحد قال والد شيخنا ولعله يوم الجمعة من شهر شعبان سنة ثلاث وستين وتسعمائه، ودفن بباب الفرادس، وصلى عليه قاضي القضاة أبو عبد الكريم في جم غفير.
محمد بن إدريس الحنفي
محمد بن إدريس المولى الفاضل السيد الشريف محيي الدين الحنفي، أحد موالي الروم الشهير بمعلول أفندي، دخل إلى دمشق ثالث عشر شعبان سنة أربع وأربعين وتسعمائة ذاهبا إلى مصر متوليا قضاءها.
محمد بن إسماعيل العجلوني
محمد بن إسماعيل بن محمد بن علي بن إدريس الشيخ الإمام العلامة، شمس الدين العجلوني، ابن الشيخ الصالح الإمام العالم الورع، عماد الدين الميموني الشافعي، قاضي عجلون كان من أخص جماعة شيخ الإسلام الوالد، وتلاميذه، قسم عليه المنهاج والمنهج والتنبيه، وغير ذلك، وسمع عليه جانبا من صحيح البخاري، بقراءة الشيخ برهان الدين البقاعي، وقرأ عليه شرح المنفرجة الكبير للقاضي زكريا، وقسم عليه شرح جمع الجوامع هو والشيخ أبو بكر، والشيخ عمر ولدا شيخ الإسلام شمس الدين ابن أبي اللطف المقدسيان، وكتب له الشيخ إجازة مطولة أذن له فيها بالإفتاء والتدريس، وأثنى عليه كثيرا وقال في حقه: إنه من الفضلاء المتمكنين ذو يد طولى في القراءات والفقه، ومشاركة حسنة في الحديث والأصول والنحو وغير ذلك، قلت: وكانت وفاته في سنة خمس أو ست وخمسين وتسعمائة رحمه الله.
محمد بن الياس الرومي جوي زاده

(1/214)


محمد بن الياس، المولى الفاضل العلامة الكامل، محيي الدين الحنفي، أحد الموالي الرومية، الشهير بجوي زاده، قرأ على علماء عصره ووصل إلى خدمة سعدي جلبي ابن الناجي، ثم خدم المولى بالي الأسود، وصار معيدا لدرسه، ثم أعطي تدريس مدرسة أمير الأمراء بمدينة بروسا، ثم ترقى في التدريس حتى أعطي إحدى الثماني، ثم صار قاضيا بمصر، ثم عاد من مصر وقد أعطي قضاء العساكر الأناظولية عوضا عن قادري جلبي، فدخل دمشق يوم الثلاثاء ثامن رجب سنة أربع وأربعين وتسعمائة، ثم صار مفتيا بالقسطنطينية، ثم تقاعد عن الفتوى، وعين له كل يوم مائتا عثماني، وكان تقاعده عن الفتوى في خامس عشري صفر سنة ثمان وأربعين وتسعمائة، ويومئذ توجه السلطان سليمان خان إلى بلاد قزوين وصدوين، وكان سبب عزله عن الفتوى انحراف السلطان عليه بسبب إنكاره على الشيخ محيي الدين بن العربي، وغالب الأروام على اعتقاده فخالفهم في ذلك، ووافقه على ذلك العلامة الشيخ إبراهيم الحلبي، ثم القسطنطيني خطيب عمارة المرحوم السلطان محمد خان بن عثمان، ولكن خالفه في المسح على جوارخ الجوخ غير المجلد والنعل، فقال صاحب الترجمة: بالمنع وقال الشيخ إبراهيم: بالجواز. ذكر ذلك الشيخ شمس الدين ابن طولون في تاريخه مفاكهة الخلان قال: والصواب إن كان خف الجوخ مما يستمسك بنفسه، ويمكن تتابع المشي فيه لغلظه وقوته، صح وإلا فلا، وولى السلطان عن صاحب الترجمة في الفتوى قاضي العساكر قادر جلبي، ثم صار صاحب الترجمة بعد التقاعد مدرسا بإحدى الثماني، ثم قاضيا بالعساكر الرومتلية، وكان مرضي السيرة، محمود الطريقة، طارحا للتكليف، متواضعا مقبلا على الاشتغال بالعلم، مواظبا على الطاعات، مثابرا على العبادات، قوالا بالحق لا يخاف في الله لومة لائم، وكان يحفظ القرآن العظيم، وكان له يد طولى في الفقه والتفسير والأصول، ومشاركة في سائر العلوم، وبالجملة كما قال صاحب الشقائق: كان سيفا من سيوف الحق، قاطعا فاصلا بين الحق والباطل، حسنة من حسنات الأيام، وله تعليقات لكنها لم تشتهر مرض - رحمه الله تعالى - بعد صلاة العشاء، فلم يمض إلا نصف الليل حتى مات، وقيل مرض بعد صلاة العصر، ومات قبل صلاة المغرب، وذلك في سنة أربع وخمسين وتسعمائة.
محمد بن بركات بن الكيال
محمد بن بركات، الشيخ الواعظ الفاضل، شمس الدين ابن الشيخ الواعظ الفاضل زين الدين، بن بركات بن الكيال الشافعي، أسمعه جماعة منهم والده على الشيخ برهان الدين الناجي وزوجه ابنته، واشتغل ووعظ بالجامع الأموي، وغيره وكان خطيب الصابونية، وكان عنده تودد للناس توفي يوم السبت عشري شوال سنة ثمان وثلاثين وتسعمائة.
محمد بن بهاء الدين

(1/215)


محمد بن بهاء الدين، بن لطف الله الشيخ الإمام العلامة المحقق الصوفي، المعمر المنور محيي الدين الحنفي، أحد الموالي الرومية الشهير ببهاء الدين زاده، قرأ على المولى الفاضل مصلح الدين القسطلاني، ثم على معلم السلطان أبي مزيد خان المولى المعروف بابن المعترف، ثم مال إلى التصوف، فخدم الشيخ العارف بالله تعالى محيي الدين الأسكليبي، وبقي عنده حتى أجازه بالإرشاد، وجلس مدة في وطنه بالي كسرى، ثم جاء إلى القسطنطينية، وجلس في زاوية شيخه المذكور بعد وفاة المولى عبد الرحيم بن المؤيد، وربي كثيرا من المريدين، وكان عالما فاضلا في العلوم الشرعية والفرعية ماهرا في العلوم العقلية، عارفا بالتفسير والحديث، والعربية، زاهدا ورعا ملازما لحدود الشريعة، مراعيا لآداب الطريقة، جامعا بين علوم الشرع ومعارف الحقيقة، ولما مرض مفتي التخت السلطاني علاء الدين الجمالي، وطالت مرضته وعجز عن الكتابة قيل له اختر من العلماء من يكون مقامك، فاختار المولى المذكور لوثوقه بفقهه وورعه وتقواه، وكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، لا تأخذه في الله لومة لائم، ووقع منه كلام في حق إبراهيم باشا الوزير بسبب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فحنق عليه الوزير، فخافوا على الشيخ منه، وأشاروا إليه أن يسكت عنه فقال: غاية ما يقدر عليه القتل وهو شهادة، والحبس وهو عزلة وخلوة، والنفي وهو هجر، وله تآليف حسنة منها شرح الأسماء الحسنى وتفسير القرآن العظيم، وشرح الفقه الأكبر للإمام الأعظم أبي حنيفة، جمع فيه بين طريق الكلام وطريق التصوف، وله في التصوف رسائل كثيرة، ومن مكاشفاته ما حكاه صاحب الشقائق عن نفسه أنه لما كان مدرسا في إحدى الثماني رأى في المنام في ثلث الليل الأخير أن النبي صلى الله عليه وسلم أهدى إليه تاجا من المدينة المنورة، فلما صلى الصبح دخل عليه رجل من قبل صاحب الترجمة لم يكن دخل عليه قبل ذلك فقال له الشيخ: أن الواقعة التي رأيتها معبرة بأنك ستصير قاضيا، ثم اجتمع به صاحب الشقائق بعد مدة فذكر له الواقعة، وتعبيره إياها مما تقدم فقال له: نعم هو كذلك فقال له: إنما أطلب القضاء فقال له: لا تطلب، ولكن إذا أعطيته بلا طلب، فلا تزده قال صاحب الشقائق: وكان هذا أحد أسبابه لقبول منصب القضاء، وحج صاحب الترجمة في سنة إحدى وخمسين، فدخل بلاد الشام، ولما رجع في السنة القابلة مات ببلده قيصرية ، ودفن بها عند قبر الشيخ إبراهيم القيصري، وهو شيخ شيخه.
محمد بن حسام قراجلبي
محمد بن حسام المولى محيي الدين أحد الموالي الرومية المعروف بقراجلبي: ترقى في التداريس، حتى صار قاضيا بدمشق، ودخلها في ربيع الأول سنة خمس وخمسين وتسعمائة ولم تطل مدة ولايته بها.
محمد بن حسن بن الحاج حسن
محمد بن حسن المولى الفاضل، محمد شاه ابن المولى الحاج حسن، قرأ والده وغيره، ثم درس بمدرسة داود باشا بالقسطنطينية، ثم بإحدى الثماني، وتوفي وهو مدرس بها، وله شرح على القدوري، وشرح على ثلاثيات البخاري، وكان مكبا على الاشتغال بالعلم في كل أوقاته، وله مهارة في النظم والنثر مات رحمه الله تعالى في سنة تسع - بتقديم التاء - وثلاثين وتسعمائة.
محمد بن حسان الدمشقي
محمد بن حسان الشيخ الصالح، شمس الدين حسان الدمشقي الشافعي، أحد الفضلاء والبارعين قال ابن طولون: وكان غالبا عليه التنزه توفي يوم الاثنين ثالث ذي القعدة سنة خمس وأربعين وتسعمائة، وصلي عليه بمسجد الأقصاب، ودفن بمقبرة باب الفراديس - رحمه الله تعالى.
محمد بن الحسن بن عبادة الحلبي
محمد بن الحسن بن محمد بن عبد الواحد بن علي بن محمد بن يوسف بن محمد ابن الشيخ الإمام شهاب الدين أحمد بن يوسف بن عبد الواحد، الشيخ شمس الدين الأنصاري، المنسوب إلى سعد بن عبادة الحلبي الحنفي، أحد عدول حلب في الدولتين. كان فقيها شروطيا حلو الخط نظيف العرض، له استحضار لتواريخ الناس، وميل إلى مطالعة كتب التواريخ، وكان له حظوة عند قضاة حلب، وقبول عند أهلها، وكان يتعاطى شهادة الجريدة بسوق حلب أيضا، توفي بماء الأسد، ثم بالإسهال، ليلة الاثنين تاسع عشري ربيع الثاني سنة ثلاث وخمسين وتسعمائة، وأوصى أنه لا يملك من المال سوى دينار واحد أعطاه إياه الشيخ محمد الحانوتي فهو يتبرك به.

(1/216)


محمد بن حمدان الدمشقي
محمد بن حمدان، القاضي عز الدين الصالحي، ثم الدمشقي الحنفي، كان ناظرا على كهف جبريل بسفح قاسيون، وكان أحد رؤساء المؤذنين بالجامع الأموي، وناب في الحكم لعدة من القضاة منهم قاضي القضاة ابن يونس، وكان له حشمة وتأدب مع الناس تضعف سنين إلى أن توفي في أوائل ربيع الأول سنة تسع وثلاثين وتسعمائة، ودفن بتربة باب الفراديس رحمه الله تعالى.
محمد بن خليل الصمادي
محمد بن خليل بن علي بن عيسى بن أحمد بن صالح بن عيسى بن محمد بن عيسى بن داود بن مسلم، الشيخ الصالح المعتقد المربي المسلك، ولي الله العارف له شمس الدين الصمادي، ثم الدمشقي، الشافعي القادري شيخ الطائفة الصمادية بالشام، كان - رضي الله تعالى عنه - من أولياء الله تعالى، وكان في حال الذكر يظهر منه أمور خارقة للعادة، وكانت عمامته وشدة من صوف أحمر، فيما ذكره ابن طولون والمعروف عنه من حال الصمادية، وضع الشدود الحمر، والتعمم بالصوف الأبيض، ثم هم الآن يتعممون بالعمائم الخضر لثبوت نسبهم، وكان الشيخ محمد المذكور مجالسه حسنة، وكان للناس فيه اعتقاد خصوصا أعيان الأروام، وسافر إلى الروم، واجتمع بالسلطان سليم خان ابن أبي يزيد خان ابن عثمان، فاعتقده اعتقادا زائدا، وأعطاه قرية كتيبة رأس الماء، ثم استقر الأمر على أن عين له قرية كناكر تابع وادي العجم، وغلاها إلى الآن يستوفيه الصمادية بعضه لزاوية الشيخ محمد المذكور بمحلة الشاغور، وبعضه لذريته، وكان يقرأ في كل سنة مولدا يدعو إليه أعيان دمشق، وطلبتها وصلحاءها، ويمد لهم سماطا، ويكرمهم ويحسن قراهم، واشتهر أمره وأمر آبائه من قبل في دق الطبول، عند هيمان الذاكرين واشتداد الذكر، وأنكر عليهم جماعة، واستفتي شيخ الإسلام شمس الدين بن حامد الصفدي، وشيخ الإسلام تقي الدين ابن قاضي عجلون فأفتيا بإباحته قياسا على طبل الحجيج، وطبل الحرب، ثم استفتي فيه شيخ الإسلام الوالد فأفتى بإباحته، كذلك، وكتب على السؤال مؤلفا بسط القبول فيه على ذلك، مع التحرز والإتقان، واشتهرت عن بعض آباء صاحب الترجمة قصة عجيبة، هي أن جماعة الصمادية كانوا يضربون الطبول قديما بين يدي الشيخ، في حلقتهم يوم الجمعة بعد الصلاة، فأمر بعض الحكام بمنعهم من ذلك، في بعض الأيام وإخراج الطبل إلى خارج الجامع، فدخل الطبل محمولا يضرب عليه، ولا يرون له حاملا، ولا عليه ضاربا، واستمر الطبل في هواء الجامع من باب البريد حتى انصدم ببعض عواميد الجامع، مما يلي باب جيرون، وكان شيخ الإسلام الجد، والوالد يحضران مجالس الصمادية، وذكرهم وبالجملة أن مجالسهم مهيبة عليها الوقار، والأنس تخشع القلوب لسماع طبولهم، وإنشادهم لأنهم خالون عن التصنع، وكان بين صاحب الترجمة، وبين شيخ الإسلام الوالد تردد ومحبة. كما كان بين الجد وبين أبيه الشيخ خليل وجده الشيخ علي المحبة الزائدة، والمودة الأكيدة، تمرض الشيخ محمد مدة وأوصى في مرضه، وجعل الشيخ بدر الدين ابن المزلق وصيا على أولاده، والشيخ الوالد ناظرا عليه، ثم كانت وفاته يوم الجمعة خامس عشر جمادى الأولى سنة ثمان وأربعين وتسعمائة وصلي عليه عقيب صلاة العصر بالجامع الأموي، ثم حمل إلى زاويته ودفن في إيوانها، ولم يدفن في نفس الزاوية لأنه قد وقفها قديما، وخلف ثمانية عشر ولدا ما بين ذكور وإناث، أمثلهم الشيخ محمد أبو سلم، وترك دنيا عريضة.
محمد بن الخليل الحلبي
محمد بن الخليل ابن الحاج علي بن أحمد بن ناصر الدين بن محمد بن قصير العجمي، جده قنبر، واشتهر به الحلبي الشيخ الإمام الفاضل العالم العلامة العامل البارع الأوحد الكامل شمس الدين. مولده سنة إحدى وتسعمائة قال شيخ الإسلام الوالد: حضر بعض مجالس في قراءة الحاوي، ومغني اللبيب في سنة ثلاث وثلاثين وتسعمائة بدمشق، ثم رحل إلى بلد حلب قلت، ثم اجتمع به في رحلته إلى الروم سنة ست وثلاثين وتسعمائة.
محمد بن سالم الطبلاوي

(1/217)


محمد بن سالم بن علي الشيخ الإمام العلامة شيخ الإسلام، بقية السلف الكرام الشيخ ناصر الدين الطبلاوي الشافعي، أحد العلماء الأفراد بمصر أجاز شيخنا العلامة الشيخ محمود البيلوني الحلبي كتابة في مستهل جمادى الأولى سنة اثنتين وتسعين وثمانمائة قال: تلقيت العلم عن أجلة من المشايخ منهم قاضي القضاة زكريا، وحافظ عصرهم الفخر بن عثمان الديلمي ، والسيوطي، والبرهان القلقشندي بسندهم المعروف، وبالإجازة العالية مشافهة عن الشيخ شهاب الدين البيجوري، شارح جامع المختصرات، نزيل الثغر المحروس بدمياط بالإجازة العالية، عن شيخ القراء والمحدثين، محمد بن الجزري وقال الشعراوي: صحبته نحو خمسين سنة ما رأيت في أقرانه أكثر عبادة لدينه لا تكاد تراه إلا في عبادة، إما يقرأ القران، وإما يصلي، وإما يعلم الناس العلم، وانتهت إليه الرئاسة في سائر العلوم بعد موت أقرانه قال: ولما دخلت مصر في سنة إحدى عشرة وتسعمائة، وكان - رضي الله تعالى عنه - مشهورا في مصر برؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبل عليه الخلائق إقبالا كثيرا بسبب ذلك، فأشار عليه بعض الأولياء بإخفاء ذلك، فأخفاه قال وليس في مصر أحد الآن يقرر في بيان العلوم الشرعية، وآلاتها إلا هو حفظا، وقد عدوا ذلك من جملة كراماته، فإنه من المتبحرين في التفسير والقراءات والفقه والحديث والأصول والمعاني والبيان والطب والمنطق والكلام والتصوف، وله الباع الطويل في كل فن من العلوم، وما رأيت أحدا في مصر أحفظ لمنقولات هذه العلوم منه، وجمع على البهجة شرحين، جمع فيهما من شرح البهجة لشيخ الإسلام، وزاده فيها ما في شرح الروض، وغيره وولي تدريس الخشابية، وهي من أجل تدريس في مصر يجتمع في درسه غالب طلبة العلم بمصر، وشهد له الخلائق بأنه أعلم من جميع أقرانه، وأكثرهم تواضعا، وأحسنهم خلقا، وأكرمهم نفسا. لا يكاد أحد يغضبه لما هو درس التمكين إذا حضر ولده يجلس بجانب النعال، فيكون هو صدر المجلس، وله صدقة كثيرة لا يكاد يبيت على دينار ولا درهم مع كثرة دخله تبعا لشيخه الشيخ زكريا قال: وقد عاشرته مدة سنين أطالع أنا وإياه لشيخ الإسلام المذكور، فكنت أطالع من طلوع الشمس إلى الظهر، ويطالع هو من الظهر إلى غروب الشمس، فما كنت أظن أحدا بمصر أكرم مني مجلسا، فكنت إن نظرت إلى وجه شيخ الإسلام سررت، وإن نظرت إلى وجه الشيخ ناصر الدين سررت، وكأنما النهار الطويل يمر كأنه لحظة من أدبه وأدب شيخه، من حلاوة منطقهما وكثرة فوائدهما، لا سيما في علم التأليف والوضع وضم الألفاظ انتهى.
توفي كما بخط والد شيخنا نقلا عن ثقات كانوا بمصر عاشر جمادى الآخرة سنة ست وستين وتسعمائة ودفن في حوش الإمام الشافعي، وكان له جنازة عظيمة، وصلي عليه غائبة بدمشق يوم الجمعة ثالث عشر شعبان قال والد شيخنا: وقيل لي أنه عمر نحو المائة وانتفع به خلق كثير رحمه الله تعالى.
محمد بن خليل إمام جامع الجوزة
محمد بن خليل الشيخ الفاضل الصالح الزاهد أبو اللطف شمس الدين ابن الشيخ صالح غرس الدين، خليل القلعي الدمشقي الشافعي، إمام جامع الجوزة، خارج باب الفراديس بالقرب من قناة العوني، كان رحمه الله تعالى كوالده ورعا زاهدا متعففا، معتزل الناس، ويخدم نفسه، سالكا على طريقة السلف الصالحين، مؤثرا لخشونة العيش، يلبس العبادة، له زاوية يقيم فيها الوقت لذكر الله تعالى على طريقة حسنة، وكان له خطبة بليغة نافعة، وموعظة من القلوب واقعة، توفي نهار الاثنين ثالث جمادى الأولى سنة سبع وخمسين وتسعمائة.
محمد بن رجب البهنسي
محمد بن رجب القاضي شمس الدين البهنسي، الحنفي وهو والد الشيخ نجم الدين البهنسي، مفتي الحنفية بدمشق، ذكر ابن طولون في تاريخه أنه كان نقيب الحكم، ثم فوض إليه قاضي القضاة الحنفية زين الدين ابن يونس نيابة القضاة يوم الخميس تاسع عشري جمادى الأولى سنة اثنتي عشرة وتسعمائة وقرأت بخط الشيخ يحيى بن النعيمي، أنه توفي يوم الأربعاء عشري رجب سنة ثمان وأربعين وتسعمائة رحمه الله تعالى.
محمد بن سحلول البقاعي

(1/218)


محمد بن سحلول - بلامين - الحديثي البقاعي الشافعي، قال ابن طولون: كان صالحا يحفظ القرآن العظيم حفظا جيدا، ويقرأه في كل ثلاثة أيام قال: وقد أفادني عن بعض الصلحاء المصريين في دفع الفواق أن يقبض الإنسان بإبهاميه على ظهر أصلي بنصريه بقوة. توفي فجأة يوم الأحد ثاني عشر جمادى الأولى سنة ثمان وثلاثين وتسعمائة ودفن بمقربة البيمارستان النوري رحمه الله تعالى.
محمد بن سعيد الحلبي
محمد بن سعيد الشيخ الإمام العلامة محيي الدين بن سعيد الحلبي، قدم دمشق الشام، فصار إماما لنائبها قصوره، وقرأ عليه عدة من الأفاضل، وصار له كلمة مسموعة. توفي بحلب سنة أربع وثلاثين وتسعمائة، وصلي عليه غائبة بجامع دمشق يوم الجمعة حادي عشر رجب منها رحمه الله تعالى.
محمد بن سويدان الحلبي
محمد بن سويدان الحلبي، كان شيخا صالحا منورا همداني الخرقة، أدرك السيد عبد الله التستري الهمداني، وتلقن منه الذكر، وذكر في حلقته كوالده الشيخ سويدان. توفي سنة خمس وستين وتسعمائة عن نحو مائة سنة.
محمد بن سيف الدمشقي
محمد بن يوسف القاضي شمس الدين الدمشقي الحنفي، ناب في القضاء عن قاضي ابن الشحنة، وعن قاضي القضاة ابن يونس بدمشق، ثم ثبت عليه وعلى رجل يقال له حسين البعلي البقسماطي عند قاضي دمشق، أنهما رافضيان فحرقا تحت قلعة دمشق بعد أن ربطت رقابهما وأيديهما وأرجلهما في أوتاد، ثم ألقي عليهما القنب والبواري الحطب، ثم أطلقت النار عليهما حتى صارا رمادا، ثم ألقي رمادهما في بردى، وكان ذلك يوم الثلاثاء تاسع رجب سنة اثنتين وأربعين وتسعمائة قال ابن طولون: وسئل الشيخ قطب الدين ابن سلطان، مفتي السادة الحنفية عن قتلهما فقال: لا يجوز في الشرع بل يستتابان.
محمد بن سيف القسطنطيني
محمد بن سيف الشيخ العلامة شمس الدين الحلبي، ثم القسطنطيني الشافعي، إمام عمارة محمود باشا، أخذ عن البدر السيوفي وغيره من علماء حلب، ثم توطن القسطنطينية حتى مات، وكان حسن السمت والملبس، وكان يعظ الموعظة الحسنة، وكان له حظوة تامة عند بعض أكابر الدولة، وذكر ابن الحنبلي أن أباه كان جمالا وقد قيل:
العلم يرفع بيتا لا عماد له ... والجهل يخفض بيت العز والشرف
توفي سنة إحدى وستين وتسعمائة رحمه الله تعالى رحمة واسعة أمين.
محمد بن شعبان الضيروطي

(1/219)


محمد بن شعبان بن أبي بكر بن خلف بن موسى الشيخ الإمام العلامة شمس الدين الضيروطي، المصري الشافعي، المشهور بابن عروس مولده سنة سبعين - بتقديم السين - وثمانمائة، بسنديون تجاه ضيروط، وأخذ العلم عن جماعة منهم الشهاب الشيخ أحمد المغربي التونسي، المعروف بابن شقير. أخذ عنه النحو، وقرأ عليه في التوضيح والوافية، ومنهم الشيخ نور الدين المحلي قرأ عليه شرح جمع الجوامع للمحلي، جميعه مع حاشيته لشيخ الإسلام، الكمال بن أبي شريف، وشرح الشمسية للقطب جميعه، وحاشيته للسيد الشريف، ورحل إلى بيت المقدس، فلزم الكمال ابن أبي شريف، المذكور أحد عشر شهرا، وسمع عليه شرح جمع الجوامع مع حاشيته له، وأجاز له تدريس العلوم المتعارفة، ولقي سيدي أبا العون المغربي صحبة الشيخ نور الدين المحلي، وسأله الشيخ نور الدين أن يدعو له فدعا له أن يزيده الله من فضله، فسأله الشيخ شمس الدين أن يدعو له بمثل ذلك، ففعل وقرأ ثلاثيات البخاري على أمة الخالق بنت العقبي بحق إجازتها من عائشة بنت عبد الهادي، عن الحجار، وكان طارحا للتكيف، متواضعا ذكيا، يصل إلى المدارك الدقيقة بفهم ثاقب، وكان يحفظ كتبا كثيرة يسردها عن ظهر قلب حتى كأنها لم تغب عنه فجمع الله تعالى له بين الفهم والحفظ، وكان مدرسا بمقام الإمام الشافعي بمصر فأخذه عنه رجل أعجمي، فرحل إلى بلاد الروم واسترده مضموما إليه تدريس الخشابية بمصر المشروطة لأعلم علماء الشافعية، وكانت رحلته إلى الروم سنة إحدى وأربعين وتسعمائة، فدخل دمشق وحلب، وأخذ عنه بها جماعة من أهلها منهم ابن الحنبلي، قرأ عليه شرح النخبة لمؤلفها ابن حجر، وأذن له أن يقرئه، وأن يروي عنه صحيحي البخاري ومسلم وسائر مروياته، ثم دخل إلى دمشق عائدا في سنة اثنتين وأربعين فأكرمه علماؤها، واجتمع به ابن طولون عند الشيخ قطب الدين ابن سلطان قال: فسلمت عليه ورأيته يتذاكر معه فتحققت أنه من أهل العلم قال: أخبرني الشيخ قطب الدين أنه اشتغل بفنون لا يعرفها غيره انتهى.
وأضافه شيخ الإسلام الوالد في يوم الخميس تاسع عشري شوال ضيافة حافلة حضرها جماعة من أهل العلم منهم الشموس الثلاثة ابن طولون الحنفي، والعجلوني الشافعي، والشويكي الحنبلي، قال ابن طولون: وكانت ضيافته هائلة وسافر من دمشق يوم الأحد ثاني ذي القعدة من السنة المذكورة، هو والشيخ شرف الدين الرهاوي، وكانت وفاته بالقاهرة ليلة الجمعة سابع عشري شوال سنة تسع وأربعين وتسعمائة قال ابن طولون: إنه صلي عليه وعلى الشيخ شهاب الدين بن النجار الحنبلي المتوفي بمصر أيضا والشيخ شمس الدين بن عبد الرحمن الصهيوني خطيب جامع الأطروش بطرابلس، المتوفي بها صلاة الغائب بدمشق يوم الجمعة يوم عيد الأضحى من السنة المذكورة رحمهم الله تعالى.
محمد بن صالح الكيلاني
محمد بن صالح الشيخ العلامة الخطيب، أبو الفتح ابن الشيخ صلاح الدين الكيلاني الشافعي، خطيب المدينة المنورة وإمامها قدم الشام ودخل دمشق وحلب، وهو ممن اجتمع بشيخ الإسلام الوالد بالمدينة المنورة، ودمشق ولما دخل حلب امتدح اسكندر دفتر دار حلب بهذه الأبيات:
سود العيون هي السيوف البيض ... يومي إلى نفسي بها فتفيض
مقل تضاعف سقمها فنفضته ... فجرى بجسمي سقمها المنفوض
فالحسن ممحوض من الباري لها ... إن زاد فيها الغمز والتفضيض
مرض الجنون محبب بعيونها ... لكنه بجسومنا مبغوض
تلك التي هي جنتي وبخدها ... نار عليها ناظري معروض
وهناك تفاح يزيد غضاضة ... والمجد منه اسكندر ممحوض
ليث يهيج على فراسته ولا ... يثنيه عنها في العرين ربوض
لو عز بحر للجسام لخاضه ... ونجا ولم يبتل حين يخوض
وهو الحليم إذا أتى بكبيرة ... حاف وأزلق أخمصيه دحوض
وله العزائم كالصوارم لم يكن ... ليكلها التهوين والتمريض
ومدبر قد أبرمت أراؤه ... حكما يعز لمثلها التنقيض
وجليس كتب ما خض لعلومها ... ليجي بزبدتها له التمخيض
سود الدفاتر عنده معشوقة ... عشقا تمنته الحسان البيض

(1/220)


فاسلم سلمت لأهل دهرك مالكا ... طول الزمان تسوسهم وتروض
وكانت وفاته بالمدينة سنة ثمان وخمسين وتسعمائة رحمه الله تعالى.
محمد بن عبد الله الشنشوري
محمد بن عبد الله بن علي الشيخ العلامة، أبو عبد الله شمس الدين الشنشوري المصري الشافعي، مولده سنة ثمان وثمانين وثمانمائة، وأخذ عن الجلال السيوطي، والقاضي زكريا، والسعد الذهبي، والكمال الطويل، والنور المحلي، وله مؤلفات في الفرائض وأجاز ابن كسباي في ربيع الأول سنة ثمانين وتسعمائة - رحمه الله تعالى - وتوفي سابع عشر ذي الحجة الحرام سنة ثلاث وثمانين وتسعمائة، وله من العمر سبع وتسعون سنة.
محمد بن عبد الله العسكري
محمد بن عبد الله القاضي شمس الدين، بن الشيخ جمال الدين العسكري الصالحي الحنفي، حفظ القرآن العظيم، وأسمعه والده على جماعة منهم المحدث ناصر الدين بن زريق، وقرأ المختار في فقه الحنفية، وحل قطعة منه على الشيخ شمس الدين بن طولون، وولي القضاء ببعض النواحي قال ابن طولون ولكنه كان ينسب إلى شرب الراح توفي فجأة أوائل جمادى الأولى سنة ثمان وثلاثين وتسعمائة عفا الله عنه.
محمد بن عبد الله الشهير بمحمد بيك
محمد بن عبد الله المولى الفاضل محيي الدين الحنفي، أحد موالي الروم الشهير بمحمد بيك، كان من مماليك السلطان أبي يزيد خان رغب في العلم، وترك طريق الإمارة، وقرأ على جماعة منهم المولى مظفر الدين العجمي، والمولى محيي الدين الفناري، والمولى بير أحمد جلبي، ثم خدم بن كمال باشا، وصار معيدا لدرسه، ثم درس بمدرسة الوزير مراد باشا بالقسطنطينية، ثم ببعض المدارس، ثم بإحدى المدرستين المتجاورتين بأدرنه، ثم اختل دماغه، ثم برأ فسافر إلى مصر في البحر، فأسرته النصارى، فاشتراه بعض أصدقائه منهم، ثم عاد إلى القسطنطينية، فأعطاه السلطان سليمان خان سلطانية بروسا، ثم مدرسة أبي يزيد خان بأدرنة، ثم قضاء دمشق، فدخلها حادي عشر صفر سنة ست وأربعين وتسعمائة، وعزل عنها في صفر سنة تسع وأربعين، فعاد إلى الروم، واختل مزاجه غاية الاختلال، وأعطي في أثناء المرض قضاء مصر، فسافر إليها في أيام الشتاء فأدركته المنية، في الطريق، وكان محبا للعلم، وأهله وللصوفية، وله مهارة في العلوم العقلية، ومعرفة بالعلوم الرياضية، وله تعليقات على بعض الكتب، وملك كتبا كثيرة طالع أكثرها توفي - رحمه الله تعالى - في بلدة كوتاهية سنة خمسين وتسعمائة رحمة واسعة آمين.
محمد بن عبد الله الحميري
محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أحمد بن قاسم الشيخ شمس الدين الحميري، البستي المالكي القاضي بصفد ابن قاضي قضاتها كان عالما فاضلا، وسمع على شيخ الإسلام الوالد شيئا من صحيح مسلم.
محمد بن عبد الأول التبريزي
محمد بن عبد الأول التبريزي أحد موالي الروم رأى الجلال الدواني، وهو صغير، وقرأ على والده قاضي حنيفة بمدينة تبريز، ودخل في حياة والده الروم، وعرضه المولى علي المؤيد على السلطان أبي يزيد خان لسابقة بينه وبين والده، فأعطاه مدرسة، ثم ولي تدريس إحدى المدرستين المتجاورتين بأدرنه، ثم بإحدى الثمان، وعزل، ثم أعطي إحداهن ثانيا، ثم أضرت عيناه فأعطي تقاعدا بثمانين درهما، وكان فاضلا زاهدا صحيح العقيدة، له حاشية على شرح هداية الحكمة لمولانا زاده توفي سنة أربع أو خمس وخمسين وتسعمائة رحمه الله تعالى.
محمد بن عبد الأول الحسيني

(1/221)


محمد بن عبد الأول، السيد الشريف، قاضي القضاة شمس الدين الحسيني الجعفري، التبريزي الشافعي، ثم الحنفي سبط صدر تبريز نعمة الله ابن البواب الشافعي، أحد الموالي الرومية، المعروف بشصلي أمير، اشتغل على والده العلامة منلا عبد الأول بن منلا إسماعيل القمر، أحد أصحاب منلا عبيد الله النقشبندي، وعلى منلا محمد البدليسي الشافعي، وغيرهما ودرس في حياة أبيه الدرس العام، في سنة ست عشرة أو سبع عشرة، ثم دخل الروم، وترقى في التدريس بمدارسها حتى وصل إلى إحدى الثماني، ثم ولي قضاء حلب في أواخر سنة تسع وأربعين وتسعمائة، ومنع وهو قاض بحلب من شرب القهوة على الوجه المحرم، ثم ولي قضاء دمشق فدخلها في ربيع الثاني سنة اثنتين وخمسين وتسعمائة، ووافق القطب ابن سلطان الحنفي، والشيخ يونس العيثاوي، والد شيخنا في القول، بتحريم القهوة البنية، ونادى بإبطالها في يوم الأحد سابع ربيع الأول سنة ثلاث وخمسين، ثم يعرض في إبطالها إلى السلطان سليمان خان فورد أمره الشريف بإبطالها في شوال من السنة المذكورة، فاشتهر النداء بذلك، وكان صاحب الترجمة عالما فصيحا، حسن الخط قال ابن الحنبلي: وكان له ذؤابتان يخضبهما، ولحيته بالسواد، وذكر ابن طولون أنه كان محمود السيرة، وكان له حرمة زائدة، توفي بالقسطنطينية في شهر المحرم سنة ثلاث وستين وتسعمائة رحمه الله تعالى.
محمد بن عبد البر بن الشحنة
محمد بن عبد البر، بن محمد أقضى القضاة، محب الدين ابن قاضي القضاة سري الدين، بن الشحنة، المصري المولد والمنشأ، الحنفي، كان أسمر من سرية أبيه المسماة غزال ، ولي نيابة الحكم عند والده، ثم نيابة الحكم عنه، ثم قدم إلى حلب عند إنقضاء الدولة الجركسية، بعد أن حج وجاور، وكان مقداما محتشما، حسن الملبس، لطيف العمامة، حسن المطارحة، لطيف الممازحة، رقيق الطبع، سريع الشعر، مع حسنه ورقته في الجملة، ومن شعره في مليح اسمه إبراهيم:
يا حبيبي صل معني ... ذاب وجدا وغراما
وارحمن صبا كساه ... غزل عينيك سقاما
ورماه عن قسي الحا ... جب اللحظ سهاما
أنحلته رقة الخصرم ... نحولا حيث هاما
لا يرى إلا خيالا ... إن تقل فيه نظاما
لم يذق من يوم غبتم ... عنه لا أكلا ولاما
أطلقت عيناه نهرا ... طلقت منه المناما
أوقدت حشو حشاه ... نار خديك ضراما
عجبا للنار فيه ... وبه حزت المقاما
إن بعد الوصل عادت ... لك بردا وسلاما
توفي بحلب ليلة الأحد تاسع شعبان سنة إحدى وخمسن وتسعمائة، قبيل الفجر، ودفن بتربة موسى الحاجب، خارج باب المقام رحمه الله تعالى رحمة واسعة.
محمد بن عبد الجليل الزرخوني
محمد بن عبد الجليل بن أبي الخير، محمد المعروف بابن الزرخوني، المصري الأصل، الدمشقي الشافعي، الأستاذ ابن الأستاذ القواس العلامة الفاضل محب الدين، قال شيخ الإسلام، الوالد: ذكر لي أن مولده ثالث عشر ذي الحجة سنة خمس وتسعين وثمانمائة، وطلب الحديث على كبر، وحصل عدة فنون، وكان من أخصاء الشيخ الوالد، ومحبيه، وكان ينوب عنه في إمامه الجامع الأموي. قال الوالد: ولزمني كثيرا، وقرأ علي ما لا يحصى كثرة، وكانت وفاته سنة ثلاث أو أربع وستين وتسعمائة.
محمد بن عبد الرحمن العلقمي

(1/222)


محمد بن عبد الرحمن، بن علي ابن أبي بكر الشيخ الإمام العلامة شمس الدين، أبو عبد الله العلقمي القاهري الشافعي، مولده تقريبا خامس عشر شهر صفر سنة سبع وتسعين وثمانمائة كان أحد المدرسين بجامع الأزهر، وله حاشية حافلة على الجامع الصغير لجلال الدين السيوطي، وكتاب سماه ملتقى البحرين بين الجمع بين كلام الشيخين أخذ عن جماعة منهم شيخ الإسلام الوالد، اجتمع به في رحلته إلى دمشق سنة أربع وثلاثين وتسعمائة، وحضر بعض دروسه، وسمع منه تأليفه المسمى بالدر النضيد، في آداب المفيد والمستفيد، ثم رحل إلى القاهرة، ولما دخل شيخ الإسلام الوالد القاهرة سنة اثنتين وخمسين وتسعمائة لزمه العلقمي، وكان يقوم بمصالح الشيخ كلها، وأخذ أيضا عن الشيخ شهاب الدين الرملي، والشيخ ناصر الدين اللقاني، وغيرهم وأجيز بالإفتاء والتدريس، فدرس، وأفتى، وكان قوالا بالحق، ناهيا عن المنكر، وكان له توجه عظيم في قضاء حوائج إخوانه، وعمر عدة جوامع في بلاد الريف، تأخرت وفاته عن إحدى وستين وتسعمائة لأن الشعراوي ذكره في طبقاته الوسطى في الأحياء في هذه السنة.
محمد بن عبد الرحمن الحلبي
محمد بن عبد الرحمن بن عمر الحلبي، ثم الإسلام بولي أحد الموالي الرومية خدم الفاضل مصلح الدين الشهير بابن البريكي، ثم المولى شمس الدين باشا ابن المولى خضر بك ثم درس بصتوقة ثم صار قاضيا بعدة بلاد وكان فاضلا بنى دارا للتعليم بالقسطنطينية، ووقف كتبه بالمدارس الثماني، ومات قاضيا بكفتة في دولة السلطان سليمان.
محمد بن عبد الرحمن الصهيوني
محمد بن عبد الرحمن، الشيخ الإمام العلامة سري الدين الصهيوني الشافعي، خطيب جامع الأطروش بطرابلس، توفي بها وصلي عليه غائبة بدمشق، يوم الجمعة ليلة عيد الأضحى سنة تسع - بتقديم التاء - وأربعين وتسعمائة، مع الشمس الصفوري والشهاب التنوخي.
محمد بن عبد الرحمن الصفوري
محمد بن عبد الرحمن، الشيخ الإمام الفاضل الصالح، قطب الدين الصفوري الصالحي الشافعي الواعظ، أخذ عن والده وعن الشيخ جلال الدين السيوطي بمصر، وعن غيرهما قال الشيخ يونس والد، شيخنا: كان له وعظ حسن وخطبة بليغة، ووالده كان من الصلحاء، والوعاظ، وهم بيت صلاح ودين توفي - رحمه الله تعالى - في تاسع عشر ربيع الآخر سنة ثمان وخمسين وتسعمائة، ودفن بسفح قاسيون.
محمد بن عبد الرحيم الفصي البعلي
محمد بن عبد الرحيم، الشيخ الإمام العالم العامل الزاهد، ولي الله تعالى العارف به شمس الدين بن المنير البعلي الشافعي، كان صاحبا ورفيقا لشيخ الإسلام، بهاء الدين الفصي، وكان يحضر درسه كثيرا، وكان من أكابر إخوان شيخ الإسلام الجد، وكان يحترف بعمل الإسفيذاج ، والسيرقون، والزنجبار، ويبيع ذلك وسائر أنواع العطارة، وكان يجلس في حانوته ببعلبك، وفي كل يوم يضع من كسبه من الدنانير والدراهم والفلوس، في أوراق ملفوفة عدة، ويضع الأوراق في مكان عنده وإذا وقف عليه الفقراء أعطاهم من تلك الأوراق ما يخرج في يده، لا ينظر في الورقة المدفوعة، ولا في الفقير المدفوع إليه، وكان كثير الصدقة معاونا على البر والتقوى، وكان يعمر المساجد الخراب، ويكفن الفقراء، وكان له مهابة عند الحكام يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وكان ناصحا للطلبة في الإفادة، وله أوراد ومجاهدات، واجتمع به شيخ الإسلام الوالد بمدينة بعلبك، في سنة ست وثلاثين حين مر بها قاصدا بلاد الروم، وأثنى عليه في الرحلة كثيرا، وكان له يد في التصوف، والسلوك قال ابن طولون: وقد وقفت على مصنف لطيف مشهور لمرشده في التصوف، والصفاية سماه رقائق الحقائق. وحدثني شيخنا مرارا قال: حدثني والدي الشيخ يونس قال: حكت لي بنت الشيخ السمير، وكانت صدوقة أن أباها أرسل إلى الشيخ العارف بالله تعالى سيدي محمد بن عراق، وهو في الحجاز ثوبا بعليا مطويا، فلما وصل إله قال لا إله إلا الله هذا الشيخ شمس الدين أرسل إلينا الكفن، ثم أنه أرسل إليه حبات كبارا من يسر فلما وصلت إلى الشيخ شمس الدين تعجب، وقال: هذا ما بقي لنا من الأجل، من السنين، فما كان إلا أن توفي إلى رحمة الله تعالى في مستهل صفر وقال ابن طولون

(1/223)


يوم الأحد ثاني صفر سنة سبع - بتقديم السين وثلاثين - وتسعمائة، ودفن بمدينة بعلبك، وصلي عليه غائبة بدمشق بالأموي يوم الجمعة سابع صفر.
محمد بن عبد الرحمن النبك الحلبي
محمد بن عبد الرحمن بن موسى الملقب بالنبك، ابن محمد الحلبي الهمداني، ابن الشيخ المعمر الصالح، قيم مقصورة جامع حلب لبس الخرقة الهمدانية من الشيخ عبد الله الهمداني، وحج ثلاث مرات وقف في اثنتين منها الجمعة، وزار بيت المقدس وغيره، وكان جده النبك، من مريدي الشيخ أبي بكر الحيشي الكبير، ومن خدام الحافظ البرهان الحلبي، توفي في ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وتسعمائة عن مائة وعشرين سنة.
محمد بن عبد القادر بن الشحام
محمد بن عبد القادر بن أبي بكر، الشيخ شمس الدين بن الشحام العمري الحلبي، أحد الرؤساء بجامع حلب، سمع الحديث المسلسل بالأولية على المحدث عبد العزيز بن عمر بن محدد بن فهد المكي، وكان دينا خيرا فقيها موقتا، وكان إماما بالتغري، ورمشيه بحلب قال ابن الحنبلي: وفيها قرأت عليه في الميقات سافر إلى دمشق، فمرض بها فنقل إلى بيمارستانها. فقال له كاتب البيمارستان: ماذا أكتب لك. ما هو ملك لك. فقال: أكتب إني فقير من فقراء المسلمين لا عليه ولا له، وكانت وفاته بها في سنة أربع وأربعين وتسعمائة رحمه الله تعالى.
محمد بن عبد القادر إمام زاده
محمد بن عبد القادر، أحد موالي الروم المشهور بإمام زاده، تنقل في التدريس، ثم ولي قضاء القضاة بحلب، ذكر ابن الحنبلي في تاريخه أنه كان يستكتب في الوقيع على الوثائق، وأنه نصحه في ذكر حذرا من التلبيس في ذلك، فأظهر له القبول، ثم أصر على ما كان عليه، وأنه كان لا يخرج إلى المحكمة إلا قليلا وأنه عزل عن قضاء حلب سنة اثنتين وستين وتسعمائة.
محمد بن عبد القادر الرومي
محمد بن عبد القادر أحد الموالي الرومية، أيضا أخذ عن جماعة منهم المولى محيي الدين الفناري، والمولى شمس الدين كمال باشا، والمولى حسام جلبي، والمولى نور الدين، ثم خدم خير الدين معلم السلطان سليمان، ثم ولي تدريس مدرسة قاسم باشا ببروسا، ثم مدرس الأفضلية بالقسطنطينية، ثم مدرسة الوزير محمود باشا، ثم سلطانية بروسا، ثم إحدى الثماني، ثم ولي قضاء القضاة بمصر، ثم بالعساكر الأناظولية، ثم تقاعد بمائة درهم لإختلال عرض له برجله منعه عن مباشرة المناصب، ثم ضم له في تقاعده خمسون درهما، وكان عارفا بالعلوم العقلية، والنقلية، وله ثروة بنى دارا للفقراء بالقسطنطينية ودارا للتعليم في قرية قرماته سنة ثلاث وستين وتسعمائة.
محمد بن عبد القادر الطبيب
محمد بن عبد القادر بن محمد بن محمد بن محمد الشيخ العلامة شمس الدين ابن العلامة زين الدين القويضي الصالحي الحنفي، الطبيب. بن الطبيب المشهور في الحذق في صناعة الطب، هو وأبوه بصالحية دمشق، في حارة حمام المقدم سنة تسعين وثمانمائة، وحفظ المختار في الفقه، والبصروية في النحو، وتوضيح الخزرجية في العروض وقرأ على الجمال بن طولون، والنجم محمد بن شكر، وفي القانون على الشمس بن مكي وسمع الحديث على الجمال بن المبرد، وتخرج في الطب والعلاج بوالده، وكان لديه كرم زائد، ومحبة للصوفية، وكان ماهرا في الطب الطبائعي، وسافر إلى الروم فأعطي رئاسة الطب بدمشق، ونظر المرشدة بالصالحية، ثم ولي إحدى الوظيفتين بالبيمارستان القيمري، ثم اقتصر في علاجه على الحكام، والأكابر، وترك الفقراء عكس ما كان عليه والده ودرس في الطب مع المشاركة في غيره، وكان قرأ المختار على الجمال بن طولون ولما قدم منلا حبيب العجمي دمشق، قرأ عليه في المنطق والحكمة، وحبب إليه علم الرمل والزايرجة، ورحل بسببه إلى مصر والإسكندرية، ومهر في ذلك ونسب إلى التعلق على الصنعة، وجمع كتبا نفيسة، وتوفي يوم السبت عاشر ربيع الأول سنة تسع - بتقدم التاء - وسبعين وتسعمائة، ودفن عند والده تجاه تربة السبكين، تحت كهف جبريل من السفح.
محمد بن عبد الكبير اليمني
محمد بن عبد الكبير الشيخ الصالح المجمع على جلالته، بن القطب الكبير سيدي عبد الكبير اليمني الحضرمي، كان أهل مكة يعظمونه، وله حرمة تزيد على حرمة سلطان مكة، وكان موجودا في سنة ثلاث وخمسين وتسعمائة.
محمد بن علي

(1/224)


محمد بن علي الشيخ الإمام العلامة، سعد الدين الذهبي المصري الشافعي، مولده خمسين وثمانمائة، كان من العلماء المشهورين بدمشق، أخذ عنه جماعة منهم الفلوجيان قال الشعراوي: كان ورده كل يوم ختما صيفا وشتاء، وكان خلقه واسعا إذا تجادل عنده الطلبة يشتغل هو بتلاوة القرآن، حتى يقضى جدالهم، وكان يحمل حوائجه بيده، وإذا خرج إلى السوق في حاجة يتلو القرآن سرا ذهابا وإيابا، وكان كثير الصدقة حتى أوصى بمال كثير للفقراء والمساكين، وكان لا يقبل من أحد صدقة توفي في سنة ثمان أو تسع وثلاثين وتسعمائة.
محمد بن عبدو الخاتوني
محمد بن عبدو الشيخ الصالح الزاهد المعمر شمس الدين الخاتوني الأردبيلي الخرقة، الحنفي ولد ببيرة، الفرات، في جمادى الآخرة سنة خمس وستين وثمانمائة وحملته أمه إلى الشيخ محمد الكواكبي الحلبي، فأمر خليفته الشيخ سليمان العيني أن يربيه، ولم يزل يتعاطى الذكر والفكر حتى فتح عليه، وكان يتردد إليه الزوار فلا يرى نفسه إلا ذليلا، ولا يطلب أحد منه الدعاء إلا سبقه إلى طلبه منه، وكان زاهدا متعففا عما في أيدي الناس، وعن أموال عظيمة، كان يدفعها، إليه الحكام، وكان يؤثر العزلة، وشاع عنه أنه كان ينفق من الغيب، وكانت مكاشفاته ظاهرة وكان كثيرا ما يقول: لست بشيخ ولالي خليفة، وتوفي بحلب في أواخر شوال سنة خمسين وتسعمائة رحمه الله تعالى.
محمد بن علي الحلبي الحريري
محمد بن علي الشيخ شمس الدين الحلبي الحريري الحنفي. المعروف بابن السيوفي تعلم القرآن والكتابة، على كبر، ثم تفقه بالزين بن فخر النساء وأخذ عن الزين بن الشماع، قال ابن الحنبلي: وكان يترجى لو عمل كتابا في فقه الحنفية يرتب فيه ذكر المسائل على ترتيب منهاج النووي في فقه الشافعية. قال: وكان عبدا صالحا ملك كتبا جيدة، مات سنة أربع وثلاثين وتسعمائة رحمه الله تعالى.
محمد بن علي الطويل

(1/225)


محمد بن علي الشيخ الإمام العلامة، قاضي القضاة شيخ الإسلام، كمال الدين الطويل القاهري الشافعي، قاضي الشافعية بالديار المصرية، في أواخر الدولة الجركسية ولد سنة ست وأربعين وثمانمائة. قال الشعراوي كان من أولاد الترك وبلغنا أنه كان في صباه يلعب بالحمام في الريدانية، فمر عليه سيدي إبراهيم المتبولي - رضي الله تعالى عنه - وهو ذاهب إلى بركة الحاج فقال له: مرحبا بالشيخ كمال الدين شيخ الإسلام فاعتقد الفقراء أن الشيخ يمزح معه، إذ لم يكن عليه إمارة الفقهاء، ففي ذلك اليوم ترك لعب الحمام، واشتغل بالقراءة والعلم وعاشر جماعة الشيخ إبراهيم الذين ظنوا أنه يمزح معه حين لقبه شيخ الإسلام، حتى رأوه تولى مشيخة الإسلام، وهي عبارة عن قضاء القضاة أخذ الشيخ كمال الدين العلم، والحديث عن الشرف المناوي، والشمس الحجازي، والشيخ محمد بن كتيلة وغيرهم، وسمع صحيح مسلم وغيره على قاضي القضاة قطب الدين الخيضري، وسمع ألفية الحديث للعراقي وجزءا في فضائل... لولده الولوي العراقي على الشرف المناوي عن الولوي العراقي عن والده الحافظ زين الدين العراقي قال الشعراوي: وكان إماما في العلوم والمعارف، متواضعا عفيفا ظريفا، لا يكاد جليسه يمل من مجالسه انتهت إليه الرئاسة في العلم، ووقف الناس عند فتاوبه، وكانت كتب مذهب الشافعي كأنها نصب عينيه، لا سيما كتب الأذرعي والزركشي، وذكر الحمصي في تاريخه أن صاحب الترجمة دخل دمشق صحبة السلطان الغوري، يوم الخميس تاسع عشر جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة وخطب بجامع دمشق يوم الجمعة عشري جمادى الأولى المذكور وقال ابن الحنبلي: قدم حلب سنة اثنتين وعشرين مع الأشرف قانصوه الغوري، فأخذ عنه الشمس السفيري، والمحيوي ابن سعيد، وعاد إلى القاهرة فتوفي بها سنة ست وثلاثين وتسعمائة، ورؤي في ليلة وفاته أن أعمدة مقام الشافعي سقطت قال الشعراوي: ولما دنت وفاة الشيخ كمال الدين رأيت سيدي إبراهيم المتبولي في المنام وقال لي: قل للشيخ كمال الدين يتهيأ للموت، ويكثر من الاستغفار فقد دنا أجله فأعلمته بذلك فقال: سمعا وطاعة فعاش بعد ذلك شهرا ونصف شهر، فأنظر يا أخي ملاحظة سيدي إبراهيم له أول أمره وآخره، ودفن بتربة باب النصر قريبا من المدرسة الحاجية، وصلي عليه غائبة بجامع دمشق يوم الجمعة ثامن عشر ذي الحجة الحرام سنة ست وثلاثين وتسعمائة المذكورة كما ذكره ابن طولون.
محمد بن علي بن فستق
محمد بن علي بن أحمد. الشيخ الفاضل الصالح المقرىء المجود شمس الدين بن علاء الدين بن شهاب الدين الحريري السكري الشهير بابن فستق، الدمشقي الشافعي، الحافظ لكتاب الله تعالى مع الإتقان كان في خدمة الجد شيخ الإسلام رضي الدين الغزي، ومن أخصائه، ثم لازم شيخ الإسلام الوالد، وحضر دروسه كثيرا ومات رحمه الله تعالى سنة ست وثلاثين وتسعمائة رحمة واسعة آمين.
محمد بن علي البصروي

(1/226)


: محمد بن علي بن يوسف بن علي الشيخ الإمام العلامة القاضي جلال الدين ابن القاضي علاء الدين البصروي، الدمشقي الشافعي، شيخ التبريزية بمحلة قبر عاتكة، وخطيب الجامع الأموي، ولد عاشر رجب سنة تسع - بتقديم التاء - وستين وثمانمائة، واشتغل على والده وغيره، وولي خطابة التابتية، وتدريس الغزالية، ثم العادلية وفوض إليه نيابة الحكم قاضي القضاة الولوي ابن الفرفور، حادي عشر ربيع الأول سنة اثنتي عشرة وتسعمائة. قال والد شيخنا: وكان خطيبا وإماما بجامع التبريزي بمحلة قبر عاتكة، ساكنا إلى جانبه وخطابة التابتية كانت بيده أيضا، وبيد والده من قبله، ثم ولي خطابة مدرسة سيباي في حياة الواقف، وبعده مع بقاء ما في يده يستنيب عنه فيهما أولاده وغيرهم، ثم استنابه قاضي القضاة ابن الفرفور في خطابة الأموي حيث كانت الخطابة به يومئذ مشروطة لقاضي قضاة الشافعية، فصار يخطب بالأموي، ويستنيب عنه في مدرسة سيبائي إلى أن اشتغل بها ولده محمود، واستمر الشيخ جلال الدين يخطب في الأموي نيابة، ثم استقلالا إلى أن مات وكانت لخطبته وقعة في القلوب لم يخرج بصوته عن طريقة خطبة أبناء العرب لا يراعي في الخطبة تنغيما، ولا إطرابا بل يخطب وعليه السكينة والوقار، بحيث تخشع لخطبته القلوب، وتذرف منها العيون، وكان يقرأ سيرة ابن هشام في الجامع الأموي في كل عام بعد صلاة الصبح شرقي المقصورة، قال وال شيخنا: وكان من أهل العلم والصلاح والدين له محفوظات في الفقه وغيره وقيام الليل أنه متى منعه مانع من جنابة اشتغل بدلا عنه بقراءة ماضية في المنهاج حتى يغتسل قبل الفجر، ثم يعود إلى التلاوة قلت: وحدثني عنه الشيخ الصالح المعمر الشيخ عبد القادر بن سوار شيخ المحيا الآن بدمشق بمثل ذلك. وقال لي: كان لا يفتر من قراءة القرآن ليلا ونهارا، وكان كثيرا ما تتفق له التلاوة، وهو في الخلاء فقيل له: في ذلك فقال: إن القرآن يجري على لساني إتفاقا من غير قصد. قال والد شيخنا: وفي آخر خطبة خطبها بالأموي وكانت في ثامن ربيع الآخر من سنة ست وأربعين وكان مريضا سقط عن المنبر مغشيا عليه. قال ابن طولون: ولولا أن المرقي اختضنه لسقط إلى أسفل المنبر. قال: ولم يكمل الخطبة الثانية فصلى الجمعة إمام الجامع الشيخ عبد الوهاب الحنفي. وقال والد شيخنا: لما سقط نادى الشيخ عبد الوهاب، ودخل المحراب وصلى الجمعة بالناس من غير نظر إلى تتميم أركان الخطبة والبناء على ما تقدم منها قبل سقوط الخطيب قال: وحمل الشيخ جلال الدين بعد الصلاة إلى منزله المجاور للجامع الأموي من جهة الغرب، وعدناه حينئذ لأنه كان منقطعا قبل ذلك، وجلست عنده وصار يكلمنا، وحكى أن والده كان يتمنى ثلاثا خطابة الأموي، والسكني بقربه، وأن يصلى عليه إذا مات في الجامع. قال: وهذه الثلاث حصلت لي دونه. قال وقال لي: اتخذت لي قبرا عند رجلي شيخه الشيخ أبي الفضل، يعني ابن أبي اللطف المقدسي، قال: ودفن فيه كما قال فإنه توفي ليلة الثلاثاء رابع عشري جمادى الأولى سنة ست وأربعين وتسعمائة، ودفن بمقبرة باب الصغير تجاه الشيخ نصر الله المقدسي، إلى جانب الإمام التغلبي خطيب الأموي في عصره أيضا. قال ابن طولون: وصلى عليه الشيخ محمد الأيجي بوصية منه ونزل في مرضه عن تدريس العادلية للشيخ نجم الدين البهنسي وأحد ولديه.
محمد بن علي الغزي
محمد بن علي الشيخ الإمام العالم العامل نجم الدين ابن النصيل الغزي الشافعي، توفي بالقدس في سنة سبع وأربعين وتسعمائة، وصلى عليه غائبة بالجامع الأموي يوم الجمعة ثالث ربيع الأول.
محمد بن أبي جنغل المالكي

(1/227)


محمد بن علي بن عمر بن علي قاضي القضاة عفيف الدين بن جنغل بضم الجيم والغين المعجمة بينهما نون ساكنة الحلبي المالكي، آخر قضاة القضاة المالكية بحلب، وابن قاضي قضاتها، ولد نهار الأربعاء ثالث عشري شوال سنة أربع وسبعين وثمانمائة، وتفقه على الشيخ المكناسي المغربي المالكي، ثم ولي القضاء من قبل السلطان الأشرف قايتباي تاسع عشري شوال سنة سبع وتسعين وثمانمائة، وهو ابن نيف وعشرين سنة، ثم انكفت عن المناصب في الدولة العثمانية، ولزم بيته آخرا في رفاهية وطيب عيش، والمسلمون سالمون من يده ولسانه، ولم يكن يخرج من بيته إلا لصلاة الجمعة والعيدين، وربما شهد بعض الجنائز وكانت وفاته نهار الأربعاء ثاني شوال سنة إحدى وخمسين وتسعمائة رحمه الله تعالى.
محمد بن علي الفلوجي
محمد بن علي الإمام العلامة شمس الدين بن الفلوجي، ثم الدمشقي الشافعي الواعظ المقرىء، أخو الشيخ أحمد الفلوجي، الآتي في الطبقة الثالثة، وأسن منه إلا أنه توفي شابا، أخذ عن الشيخ الوالد الإرشاد، واللمحة البدرية له في النحو وغير ذلك، وعلى الشيخ تقي الدين القاري، وعن الشيخ سعد الذهبي وغيرهم، ومكث بالقاهرة سنين في الاشتغال، ثم قدم دمشق يوم السبت ثاني عشري رمضان سنة تسع وثلاثين وتسعمائة، ثم شرع يعظ تحت قبة النسر بالأموي عقب صلاة الجمعة، وابتدأ يوم عيد الفطر، وتكلم على أول الأعراف، وكان يجلس على جلد كعادة الوعاظ المصريين، وكان يحض على الواقعة في وعظه. قال والد شيخنا: كان شابا ذكيا واعظا يفتي ويدرس في الشامية البرانية، وأم بمقصورة الأموي شريكا للشيخ شهاب الدين الطيبي، وكان عارفا بالقراءات فقيها حسنا كتابه الإرشاد، كان يثلب أرباب الدولة على ظلمهم سرعة خوفه منهم، واشتهر بين العوام بالوعظ والإفتاء وأقبلوا عليه، وذكر ابن الحنبلي في تاريخه، أنه دخل حلب في سنة اثنتين وأربعين وتسعمائة جرت له بها محنة، وذلك أنه أشيع عنه بحلب أنه يكفر ابن العربي ومن يعتقده، وغالب الدولة والحكام يعتقدونه، فوصل ذلك إلى جماعة من أربابها، فشكوا عليه عند القاضي، وسعوا في قتله فاختفى من حلب، ثم ظهر في مدينة أبيه، وتراءى على عيسى باشا فعرفه الأكابر، فكتبوا له محضرا بعدم التعرض له، لما علموا من حاله أنه حكى كلام المكفرين من غير اعتقاد تكفيره، ثم عاد إلى حلب، ثم رجع إلى دمشق، وتوفي ليلة السبت سادس عشر رمضان سنة اثنتين وخمسين وتسعمائة، وصلي عليه بالجامع الأموي، ودفن بمقبرة باب الصغير وكانت له جنازة عظيمة، وتأسف الناس عليه رحمه الله تعالى رحمة واسعة آمين.
محمد بن علي الجعبري الحلبي
محمد بن علي بن يوسف الجعبري، ثم الحلبي المولد والدار، المتعبد على مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى القصاب بمدينة حلب، المعروف بابن الهويدي، كان شيخا معمرا، كثير التلاوة باللفظ الواضح الجلي، حتى في حال سيره في الطريق، غزير البكاء عند تلاوة القرآن، إذا مر بآية رحمة، أو آية عذاب منفردا عن أبناء حرفته بهذا الشأن، وكان كثير الثناء على الشيخ عبد القادر الأبار، وعلى ما حضره من مواعظه مستحضرا لبعض ما سمعه منه، وكان يحكى عن جده كمال الدين يوسف. أنه كان مع صلاحه قاضيا حنفيا بمدينة جعبر، ثم انتقل إلى مدينة الباب بسبب منام رأى فيه أن الله تعالى تجلى على مدينة جعبر، فلما أخذ في الرحيل عنها قيل له: في ذلك فقال: إنها عن قريب ستخرب لما يشير إليه قوله تعالى: " فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا " سورة الأعراف: الآية 143، فخربت بعد رحيله بقليل، توفي حفيده المذكور في رجب مبطونا سنة اثنتين وخمسين وتسعمائة رحمه الله تعالى رحمة واسعة آمين.
محمد بن علي بن علوان الحموي

(1/228)


محمد بن علي بن عطية، الشيخ الإمام العالم العلامة، الأوحد المدقق المحقق الفهامة، شيخ المسلمين، وعلم العارفين، شمس الدين ابن الشيخ الإمام، شيخ الإسلام، العارف بالله تعالى سيدي الشيخ علوان الحموي الشافعي الصوفي الواعظ أخذ العلوم الظاهرة، والباطنة عن أبيه وعن كثير من الواردين إليه، ولقنه والده الذكر وألبسه الخرقة، وكان قد ابتلي في صغره بسوء الفهم، والحفظ، حتى ناهز الاحتلام، وفهمه في الأدبار، فبينما هو في ليلة من الليالي عند السحر إذا هو بوالده سيدي الشيخ علوان - رضي الله تعالى عنه - وقد أخذت والده حالة، فأخذ في إنشاد شيء من كلام القوم، فلما سري عنه خرج من بيته وأخذ في الوضوء في إناء واسع من نحاس، فلما فرغ والده من وضوئه أخذ الشيخ شمس الدين ماء وضوء والده وشربه، فوجد بركته وتيسر عليه الفهم، والحفظ من يومئذ، ولم يتوقف عليه بعد ذلك شيء من المطالب القلبية كما ذكر ذلك صاحب الترجمة في رسالته التي ألفها في علم الحقيقة، وكملها في سنة ثلاث وأربعين وتسعمائة وسماها تحفة الحبيب، وكان يعظ بحماة بعد أبيه، ويدرس في العلوم الشرعية والعقلية، وتشتكى إليه الخواطر ويجيب عنها، وكان في وعظه آية، وفي الفصاحة والبلاغة غاية، ولما رجع شيخ الإسلام الوالد من الروم في سنة سبع وثلاثين، فمر بحماة بعث الشيخ شمس الدين جماعته إلى لقاء الشيخ الوالد وأنزله عنده، وأضافه ثلاثة أيام كما ذكر الوالد رضي الله تعالى عنه في المطالع البحرية وأثنى فيها على صاحب الترجمة ثناء بالغا. وقال: لم يزل يقطع الليل ساهرا، ويهش للجميل مبادرا، ويجمع إلى شرف الجلال جلال الشرف، ويقيم سرفه في الخير الحجة على من قال: لا خير في السرف، ويعمر بالحسنى سواءه، ويتبع في القربات آباءه، بانيا كما بنوا، وبادئا من حيث انتهوا، فهو حبر الأكارم، وبحر المكارم، وتاج المفاخر وحجة المفاخر، ودليل كم ترك الأول للآخر انتهى.
ثم انتسجت بينه وبين الوالد المحبة وتأكدت الصداقة والصحبة، وكان كل منهما يكاتب الآخر ويراسله، ويتحرى الإطناب في مدح الآخر ويحاوله، وقد أثبت من ذلك نبذة صالحة في كتابي المسمى بلغة الواجد، في ترجمة الإمام الوالد، وذكر ابن الحنبلي في تاريخه، أنه صحب صاحب الترجمة، وأخذ عنه وأنه قدم حلب مرتين نزل في الأولى بالمدرسة الأشرفية، وعمل فيها ميعادا جليلا على كرسي نصب له بإيوانها، فأتى فيه من سحر البلاغة والبراعة، في عين تلك العبارة، بالعجب العجاب، في مقام كان مقام أطناب، وكان ممن حضر هذا الميعاد الشهاب الأنطاكي، والشمس السفيري وابن الخناجر وآخرون من سوى العوام، ثم قدم في المرة الثانية في أوائل سنة أربع وخمسين، فأخذ في أربعين مجلسا بالجامع الكبير على قوله تعالى: " الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب " سورة الشورى: الآية 13، وأشار إلى أنه اقتصر على هذا العدد لموافقته عدد حروف حلب بحساب الجمل، وذكر ابن طولون في تاريخه، أن الشيخ شمس الدين حج هو وأخوه أبو الوفاء في سنة ثمان وثلاثين، فمر بدمشق ولما عاد في سنة تسع وثلاثين إلى دمشق عمل مجلسا يوم الجمة تاسع عشر صفر بجامع مسجد القصب، خارج دمشق في قوله تعالى: " ولله على الناس حج البيت " سورة آل عمران: الآية 97، بسؤال بعض الحاضرين، وحضره أفاضل دمشق، ومنهم القاضي زين الدين معروف البلاطنسي، ثم هرعت أعيان البلد للسلام عليهما حتى قاضي قضاة دمشق، ثم سافر من دمشق بعد خمسة عشرة يوما من وصولهما لدمشق، ثم قال ابن الحنبلي: بعد أن ما من الله تعالى به على صاحب الترجمة من سرعة الإنشاء بحيث لو أخذ في وضوء صلاة الجمعة وطلب منه على البديهة أن يخطب لعمل في سره خطبة عجيبة غريبة، وخطب بها ولم يتوقف على رسمها ورقمها مآلا. قال: وكان دمث الأخلاق، جمالي المشرب، عنده طرف جذب. ثم قال: وبالجملة فقد كان من أخيار الأخيار، وآثاره من بدائع الآثار، ولله دره فيما أنشد فيه من شعره بالسماع منه الشهابي أحمد الشهير بابن المنلا الشافعي حيث قال:
تنفس قلب الصب في كل ساعة ... لا كؤسهم فاء الزمان أدارها
إلى الله أشكو أن كل قبيلة ... من الناس قد أفنى الحمام خيارها

(1/229)


قلت: وهذا من رواية الأكابر عن الأصاغر، والشيوخ عن التلامذة فإن ابن المنلا المذكور كان أحد تلاميذ ابن الحنبلي، وتأخرت وفاته عن رأس القرن الحادي عشر، قتله فلاحوه بقرية له بحلب، كان يتردد إليها، وكانت وفاة الشيخ محمد صاحب الترجمة بمدينة حماة في أوائل رمضان سنه أربع وخمسين وتسعمائة، وورد الخبر بموته إلى دمشق يوم الجمعة ثالث عشر رمضان المذكور، وصلي عليه غائبة بعد صلاة الجمعة رحمه الله تعالى.
محمد بن علي الأنصاري
محمد بن علي، بن يوسف، بن المولى شمس الدين الأنصاري، المولى العلامة محيي الدين الحنفي، أحد موالي الروم، وتقدم ذكر أخيه واسمه في الطبقة الأولى، قرأ على والده في شبابه، وبعد وفاته على المولى خطيب زاده، ثم على المولى أفضل الدين، ثم درس بمدرسة علي باشا بالقسطنطينية، ثم ترقى حتى صار مفتيا أعظم واشتغل بإقراء التفسير، والتصنيف فيه، ولم يكمل وألف عدة رسائل وحواشي على شرح المفتاح للسيد وغير ذلك، وكان آية في الفتوى ماهرا فيها، وله احتياط في المعاملة مع الناس وكان متحرزا عن حقوق العباد، محبا للفقراء والصلحاء، لا يخاف في الله لومة لائم توفي رضي الله تعالى عنه في سنة أربع وخمسين وتسعمائة، ودفن بجوار أبي أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه.
محمد بن علي الجمالي
محمد بن علي، المولى الفاضل، محيي الدين بن المولى علاء الدين الجمالي، الحنفي أحد موالي الروم، قرأ على جده لأمه حسام الدين زاده، ثم على والده، ثم على المولى سويد زاده، ثم درس بمدرسة الوزير مراد باشا بالقسطنطينية، ثم بإحدى الثماني، ثم تقاعد وعين له في كل يوم مائة درهم، وكان مشتغلا بنفسه، حسن السمت والسيرة، محبا للمشايخ والصلحاء، له معرفة تامة بالفقه، والأصول توفي في سنة ست أو سبع وخمسين وتسعمائة رحمه الله تعالى.
محمد بن علي بن طولون

(1/230)


محمد بن علي، بن محمد الشيخ الإمام العلامة المسند المفنن الفهامة، شمس الدين أبو عبد الله، ابن الشيخ علاء الدين، ابن الخواجه شمس الدين الشهير بابن طولون، الدمشقي الصالحي الحنفي، المحدث النحوي، مولده بصالحية دمشق في ربيع الأول سنة ثمانين وثمانمائه تقريبا، وسمع وقرأ على جماعة منهم القاضي ناصر الدين أبو البقاء زريق، والخطيب سراج الدين الصيرفي، والجمال يوسف بن عبد الهادي عرف بابن المبرد، والشيخ أبو الفتح السكندري، المزي، وابن النعيمي في آخرين، وتفقه بعمه الجمال بن طولون وغيره، وأخذ عن السيوطي إجازة مكاتبة في جماعة من المصريين وآخرين، من أهل الحجاز وكان ماهرا في النحو علامة في الفقه، مشهورا بالحديث، وولي تدريس الحنفية بمدرسة شيخ الإسلام أبي عمر وإمامة السليمية بالصالحية، وقصده الطلبة في النحو، ورغب الناس في السماع منه، وكانت أوقاته معمرة بالتدريس والإفادة والتأليف، كتب بخطه كثيرا من الكتب، وعلق ستين جزءا وسماها بالتعليقات، كل جزء منها مشتمل على مؤلفات كثيرة، أكثرها من جمعه وبعضها لغيره، ومنها كثير من تأليفات شيخه السيوطي، وكانت أوقاته معمورة كلها بالعلم، والعبادة، وله مشاركة في سائر العلوم، حتى في التعبير والطب، وحدثني الشيخ المسلك أحمد ابن الشيخ العارف بالله تعالى سليمان الشلاح الصوفي قال: كنت عند والدي فدخل عليه الشيخ شمس الدين بن طولون زائرا، فلما جلس تقدم رجل من الفقراء، فقص على الوالد أنه رأى في منامه النبي صلى الله عليه وسلم وأنه أسود اللون فقال الشيخ سليمان: هنا مولانا الشيخ شمس الدين يعبر لك هذه الرؤيا، فقال الشيخ شمس الدين: هذه الرؤيا تدل على أن الرائي مبتدع مخالف لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، لأن السواد غير صفة النبي صلى الله عليه وسلم، والرؤيا تمل على حال الرائي، فالظاهر أنه على غير السنة، فاستعاذ الرجل من ذلك وقال: ليس في عقيدتي شيء من ذلك فقال له الشيخ: لا بد لك أنك مخالف للسنة في شيء، فلا بد أن تتوب منه فقال: ما أعرف من نفسي شيئا من ذلك إلا أنه ربما تشاغلت عن الصلاة فقال: هو ذلك فإن الصلاة عمود الدين وأي مخالفة للسنة أعظم من ترك الصلاة، فاستعبر الرجل وأخذ عليه الشيخ العهد على التوبة، وقد أخذ عن الشيخ شمس الدين بن طولون جماعة من الأعيان، وبرعوا في حال حياته كالشيخ شهاب الدين الطيبي شيخ الوعاظ، والمحدثين، والشيخ علاء الدين بن عماد الدين، والشيخ نجم الدين البهنسي، خطيب دمشق، وممن أخذ عنه آخرا شيخ الإسلام الشيخ إسماعيل النابلسي، مفتي الشافعية، وشيخنا الشيخ العلامة زين الدين ابن سلطان مفتي الحنفية، وشيخ الإسلام شمس الدين العيثاوي، مفتي الشافعية الآن، فسح الله تعالى في مدته، وشيخ الإسلام شهاب الدين الوفائي مفتي الحنابلة، الآن نفع الله تعالى به وقريبه القاضي أكمل بن مفلح وغيرهم، وكان الشيخ شمس الدين - رحمه الله تعالى - ربما نظم الشعر، وليس شعره بذاك على قلته، ومن جيده قوله ملمحا بالحديث المسلسل بالأولية:
إرحم محبك يا رشا ... ترحم من الله العلي
فحديث دمعي من جفا ... ك مسلسل بالأولي
ورأيت بخط بعض الفضلاء أن من شعره رحمه الله تعالى:
ميلوا عن الدنيا ولذاتها ... فإنها ليست بمحموده
واتبعوا الحق كما ينبغي ... فإنها الأنفاس معدوده
فأطيب المأكول من نحلة ... وأفخر الملبوس من دوده
توفي - رحمه الله تعالى - يوم الأحد حادي عشر أو ثاني عشر جمادى الأولى سنة ثلاث وخمسين وتسعمائة، ودفن بتربتهم، عند عمه القاضي جمال الدين، بالسفح قبلي الكهف الخوارزمية، ولم يعقب أحدا ، ولم يكن له زوجة حين مات.
محمد بن محمد بن عوض

(1/231)


محمد بن محمد ابن الشيخ شرف الدين أبي المكارم، حمزة بن عوض، الواعظ المشهور بالديار الرومية، بمنلا عرب الأنطاكي الحنفي، ولقبه ابن طولون زين العرب، كان جده مما وراء النهر من تلاميذ الفاضل التفتازاني، ثم رحل فاستوطن أنطاكية، وبها ولد محمد هذا، وحفظ القرآن في صغره، ثم حفظ الكنز والشاطبية، وغيرهما وتفقه على أبيه وعميه الشيخ حسن والشيخ أحمد فكانا فاضلين، وقرأ عليهما الأصول والقراءات، والعربية، ثم سار إلى حصن كيفا، وآمد، ثم نزل إلى تبريز وأخذ عن علمائها واشتغل هناك سنين، وممن أخذ عنهم بتبريز مولانا مزيد، ثم رجع إلى أنطاكية، وحلب وأقام مدة ووعظ ودرس وأفتى، ثم رحل إلى مكة فحج ثم إلى مصر فأخذ عن الجلال السيوطي وغيره ووعظ بها وأفتى وحصل له قبول تام حتى طلبه قايتباي الملك الأشرف، فدخل عليه ووعظه وألف له كتابا في الفقه سماه " النهاية " فأحسن جائزته وأكرمه غاية الإكرام، وبقي عنده إلى أن توفي سنة ثلاث وتسعمائة، ثم سافر إلى الروم، ودخل بروسا فأحبه أهلها فأقام عندهم، واشتغل بالوعظ والنهي عن المنكرات، ثم ذهب إلى القسطنطينية فأحبه أهلها، وسمع السلطان أبو يزيد خان وعظه، فمال إليه كل الميل وألف له كتابا سماه تهذيب الشمائل في السيرة النبوية، وكتابا آخر في التصوف وخرج معه إلى السفر، وحضر فتح قلعة متون، وكان ثاني الداخلين إليها أو ثالثهم، ثم رجع إلى القسطنطينية، وبقي بها يأمر بالمعروف، وينهي عن المنكر، لا يخاف في الله لومة لائم وكان ينكر على الملاحدة والرافضة، ثم رجع ومعه أهله إلى حلب، فأكرمه ملك الأمراء خير بك جدا، وقرأ عليه والتزم بجميع مصالحه، فمكث ثماني سنين مشتغلا بالتفسير، والحديث، والوعظ والرد على الملاحدة، والرافضة سيما على طائفة أردبيل، وكانت تلك الطائفة يبغضونه، بحث يلعنونه مع الصحابة في الجامع. قال ابن الحنبلي: واتفق له أن حضر في مجلس وعظه شيعي متسلح من أتباع الإيجي، بعثه شاه إسماعيل إلى الغوري، صاحب مصر، فتوجه إليه وعاد من عنده إلى حلب، فهم بإشهار سيفه فقتله: الحلبيون وحرقوه فتغير الايجي من ذلك، وكاتب الغوري في ذلك، فاضطرب له فإذا محضر خير بك كافل حلب يتضمن إخماد الفتنة، وتسكين غضب الغوري، على الشيخ، ثم بد للغوري فكتب أمرا بخروجه من حلب فاجتمع به خير بك خفية فأخبر به خير بك خفية، فأخبره بما وردت به المكاتبة وأمره بالمهاجرة خفية، فهاجر إلى البلاد الرومية، ثم انتهى.

(1/232)


وذكر صاحب الشقائق أنه لما دخل الروم في هذه المقدمة، كان في زمن السلطان سليم، فاجتمع به وحرضه على قتال عساكر في الرافض قزلباش، وألف له كتابا في الغزو وفضائله، نفيسا جدا، وذهب معه إلى حربهم، وكان يعظ الجند في الطريق، ويحرضهم على الجهاد خصوصا لتلك الطائفة والسلطان يكرمه، ويحسن إليه فلما التقى الجمعان، وحمي الوطيس أمره السلطان بالدعاء، وهو يؤمن، فانهزم العدو وفتحت تبريز حينئذ، ثم سار الشيخ إلى ولاية روم إيلي، فوعظ أهلها، ونهاهم عن المعاصي، وأمرهم بالفرائض، فانصلح به كثير من الناس، وبنى جامعا في مدينة سراي ومسجدا آخر في أسكوب، وأقام هناك عشر سنين، وأسلم على يديه كثير من الكفار، وغزا مع السلطان سليم أيضا، أنكروس في سنة اثنتين وثلاثين وتسعمائة، ودعا له حال القتال، فجاء الفتح، ثم انتقل إلى بروسا، وسكن بها وشرع في بناء جامع كبير فتوفي بها قبل إتمامه، وعمر وولد له قريب من مائة نفس، وألف كتبا ورسائل غير ما تقدم وخصوصا في الكيمياء، ووصل إليها وكان له احتياط في مأكله ومشربه، ونفقته، وكان يختار لذلك ما يفتح به عليه من التجارة، لأنها من أطيب ما أكل الرجل منه، كما في الحديث وكان يحفظ أحاديث كثيرة، وله قدرة على التفسير من غير مطالعة، وكان دأبه في يوم الجمعة أن يتكلم على ما يقرأه الخطيب في الصلاة بخطبة بليغة، ووجوه مختلفة، وعلوم جمة، قال ابن الحنبلي: وكان له قوة حافظة لا نظير لها بحيث حكى لنا شيخنا الشهاب الأنطاكي أنه سأله عن حالته في الحفظ، فذكر له أنه إذا مر على الكراسة التي تكون في خمسة وعشرين سطرا مرة واحدة فإنه يحفظها، ويفهم مضمونها قال: وكان محدثا مفسرا جامعا لفضائل شتى، سالكا طريق السنة في إرخاء العذبة، وكانت عذبته طولى، يرخيها وراء ظهره قال: ومما بلغني أن جده الشيخ حمزة كان يقرأ الكشاف في حلب، وكان إذا أجري ذكر مؤلفه قال رحمه الله: إن كان مستحقا للرحمة انتهى.
وفي نفس الأمر كان صاحب الترجمة آية من آيات الله، وأعجوبة من عجائب الدهر.
أمات بدعا كثيرة، وأحي سننا كثيرة، وانتفع به خلائق كثيرة، وكانت وفاته في رابع المحرم سنة ثمان وثلاثين وتسعمائة ببروسا، وصلي عليه غائبة بدمشق يوم الجمعة حادي عشر رمضان منها رحمه الله تعالى.
محمد بن عمر السفيري
محمد بن عمر، بن أحمد الشيخ العلامة شمس الدين، ابن الشيخ زين الدين، ابن ولي الله الشيخ شهاب الدين السفيري الحلبي الشافعي، ولد بحلب في سنة سبع وسبعين وثمانمائة، ولازم العلاء الموصلي، والبحر السيوفي، في فنون شتى، وقرأ على الكمال ابن أبي شريف في حاشيته على شرح العقائد النسفية ورسالة العذبة له، وقدم مع أخيه الشيخ إبراهيم بن أبي شريف إلى دمشق فأجاز له ولبعض الدمشقيين، ثم إلى حلب فقرأ عليه بها رسالة مختصر الرسالة القشيرية له، وقرأ على البازلي تصديقات القطب وعلى أبي الفضل الدمشقي في شرحه على النزهة في الحساب وعلى الشيخ محمد الداديخي في شرح الشاطبية لابن القاصح، وفي غيره، ودرس بالجامع الكبير بحلب، والعصرونية والسفاحية وجامع تغري بردي ، وسافر إلى القاهرة سنة سبع وعشرين وتسعمائة، واجتمع بها بشيخ الإسلام زكريا الأنصاري، وحضر الصلاة عليه لما مات في تلك السنة، واجتمع بآخرين منهم الشيخ نور الدين البحيري، وصحب في صغره الشيخ عبد القادر الدشطوطي، حين قدم حلب، وفي كبره الشيخ شهاب الدين أنطاكي، إلى أن توفي سنة ست وخمسين وتسعمائة رحمه الله تعالى.
محمد بن عمر المذوخي
محمد بن عمر، الشيخ الفاضل شمس الدين المذوخي البقاعي الشافعي من قرية مذوخا بالمعجمتين، والميم مضمومة من عمل البقاع، من نواحي دمشق، قرأ القران العظيم على الشيخ إبراهيم العيثاوي عم شيخنا، وعلى الشيخ عبد العظيم، وعلى الشيخ شمس الدين القدسي المقريء، ابن الشيخ أحمد القدسي، وحفظ القرآن، واشتغل في العلم وحصل وكره الأكل من الأوقاف، فرجع إلى بلدته المذكورة وتعاطى الزراعة، فأثرى وتمول ورحل إلى مصر، فاشتغل بها مدة يسيرة، ثم رجع إلى بلده قام بها، وخطب وصار يدعو أهلها إلى الطاعة، إلى أن توفي ليلة الجمعة خامس المحرم سنة سبع - بتقديم السين - وخمسين وتسعمائة، ودفن ببلده رحمه الله تعالى.
محمد بن عمر بن سوار العاتكي

(1/233)


محمد بن عمر بن سوار الدمشقي العاتكي، الشافعي العبد الصالح الورع، والد الشيخ عبد القادر بن سوار شيخ المحيا، بدمشق أخذ الطريق عن الشيخ عبد الهادي الصفوري، وكان من جماعته، وكان صواما قواما ينسج القطن، ويأكل من كسب يمينه، وما فضل من كسبه تصدق به وتعاهد الأرامل واليتامى، وأخبرت عنه أنه كان إذا انقطع معه طاق وفركه، ووصله علم عليه بتراب ونحوه فيقال له: لم تفعل ذلك. فيقول: حتى يعلم المشتري أنه طاق موصول، فلا ينغش. وأخبرني بعض جماعته قال: ربما سقى الشاش العشرة أذرع بكرة النهار ونسجه يفرغ من نسجه وقت الغداء، من ذلك اليوم فيمد له في الزمان، وحدثني ولده الشيخ عبد القادر أنه مر يوما على صورة جميلة فنظر إليها ووقعت من قلبه، وكان يميل إلى النظر، فلما دخل عليه والده كاشفه بذلك وعاتبه على النظر، ووعظه فزال من قلبه في الحال، ورجع عن النظر ببركة والده، وأخبرني أن والده توفي في سنة أربع وستين وتسعمائة عن نحو سبعين سنة رحمه الله تعالى.
محمد بن قاسم المالكي
محمد بن قاسم الشيخ الإمام شيخ الإسلام جلال الدين ابن قاسم المالكي قال الشعراوي: كان كثير المراقبة لله تعالى في أحواله، وكانت أوقاته كلها معمورة بذكر الله تعالى، شرح المختصر والرسالة، وانتفع به خلائق لا يحصون، ولاه السلطان الغوري القضاء مكرها، وكان أكثر أيامه صائما، وكان حافظا للسانه في حق أقرانه، لا يسمع أحدا يذكرهم إلا يجلهم، وكان حسن الاعتقاد في الصوفية رحمه الله تعالى.
محمد بن قاسم الرومي
محمد بن قاسم، المولى العلامة، محيي الدين بن الخطيب، قاسم الرومي الحنفي، أحد موالي الروم، ولد بأماسية، وقرأ على المولى المعروف بأخوين ثم على المولى سنان باشا، ثم صار مدرسا بأماسية، ثم ترقى إلى إحدى الثماني، ثم أعطي تدرس مدرسة السلطان أبي يزيد خان بأماسية، ثم السليمانية بجوار أيا صوفية، وهو أول مدرس بها، ثم أعيد إلى إحدى الثماني، ومات وهو مدرسها بثمانين عثماني، وكان عالما صالحا محبا للصوفية: مشتغلا بنفسه، قانعا مقبلا على العلم، والعبادة، وله مهارة في القراءات والتفسير واطلاع على العلوم الغريبة، كالأوفاق والجفر والموسيقي، مع المشاركة في كثير من العلوم وكان له يد في الوعظ، والتذكير، صنف كتاب روضة الأخيار في علوم المحاضرات وحواشي على شرح الفرائض، للسيد وحواشي على أوائل شرح الوقاية لصدر الشريعة ومات في سنة أربعين وتسعمائة وصلي عليه وعلى ابن كمال باشا غائبة في جامع دمشق يوم الجمعة ثاني ذي القعدة من السنة المذكورة.
محمد بن فتيان المقدسي
محمد بن فتيان، الشيخ الإمام العلامة، الواعظ المذكور أبو الفتح ابن فتيان المقدسي الشافعي، كان إماما بالصخرة بالمسجد الأقصى أربعين سنة وتوفي رحمه الله في ربيع الآخر سنة خمس وستين وتسعمائة.
محمد بن محمود الطنيخي
محمد بن محمود الشيخ العالم المجمع على جلالته شهاب الدين الطنيخي، المصري الشافعي، إمام جامع الكبير كان كريم النفس، حافظا للسانه، مقبلا على شأنه. زاهدا، خاشعا، سريع الدمعة، عند ذكر الصالحين، ولم يزاحم قط على شيء من وظائف الدنيا، أخذ عن الشيخ ناصر الدين اللقاني، والشيخ شهاب الدين الرملي، والشيخ شمس الدين البلاطنسي، وأجازوه بالإفتاء والتدريس فدرس، وأفتى وانتفع به خلائق، وكان والده الشيخ محمود عبدا صالحا، من أهل القرآن والخير، ذكر ذلك كله الشيخ عبد الوهاب الشعراوي، وقرأت بخط شيخ الإسلام الوالد، أن صاحب الترجمة حضر بعض دروسه، وسمع عليه بعض شرح المتقدم، على الكافية، قال: وهو رجل فاضل مستحضر لمسائل الفقه، وخلافها وكان ذلك في سنة اثنتين وخمسين وتسعمائة، ويؤخذ من طبقاته أنه كان موجودا في سنة إحدى وستين وتسعمائة.
محمد بن محمود المغلوي

(1/234)


محمد بن محمود أحد الموالي الرومية، المعروف بابن الشيخ محمود المغلوي الوفائي، الحنفي خدم المولى سيدي القراماني، وصار معيدا لدرسه، ثم درس ببعض المدارس، فانتهى إلى مدرسة فرهات باشا بمدينة بروسا، ثم اختار القضاء فوليه بعدة بلاد، ثم عاد إلى التدريس حتى صار مدرسا باحدى الثماني، ثم أعطي قضاء قسطنطينية، ثم تقاعد بمائة عثماني، إلى أن مات وكان عارفا بالعلوم الشرعية، والعربية، وكان له إنشاء بالعربية والفارسية والتركية، وأكثر اهتمامه بالمحسنات اللفظية، وكان يكتب أنواع الخط وله تعليقات على بعض الكتب، وكان له أدب ووقار لا يذكر أحدا إلا بخير توفي في سنة ثلاث وستين وتسعمائة.
محمد بن مصطفى القوجوي
محمد بن مصطفى، المولى العلامة محيي الدين ابن الشيخ العارف بالله تعالى، مصلح الدين القوجوي الحنفي الرومي، أحد الموالي الرومية، اشتغل وحصل،ثم خدم المولى أفضل الدين ، ثم درس بمدرسة خواجه خير الدين بالقسطنطينية، ثم آثر العزلة فترك التدريس، وتقاعد بخمسة عشر عثمانيا، وكان يستكثرها على نفسه ويقول: يكفيني منها عشرة، ولازم بيته وأقبل على العلم والعبادة، وكان متواضعا يحب أهل الصلاح، وكان يشتري حوائجه من السوق بنفسه مع رغبة الناس في خدمته، فلا يرضى إلا بقضائها بنفسه تواضعا، وهضما للنفس، وكان يروي التفسير في مسجده فيجتمع إليه أهل البلد، ويسمعون كلامه ويتبركون بأنفاسه، وانتفع به كثيرون، وكان يقول: إذا شككت في آية من القران أتوجه إلى الله تعالى فيتسع صدري حتى يصير قدر الدنيا، ويطلع به قمران لا أدري هما أي شيء، ثم يظهر نور فيكون دليلا على اللوح المحفوظ فاستخرج منه معنى الآية، وممن أخذ عنه صاحب الشقائق قال: وهو من جملة من افتخرت به، وما اخترت منصب القضاء إلا بوصية منه، وله حواشي على البيضاوي جامعة لما تقرر من الفوائد، في كتب التفسير بعبارات سهلة قريبة، وله شرح على الوقاية في الفقه، وشرح الفرائض السراجية، وشرح المفتاح للسكاكي، وشرح البردة مات في سنة خمسين وتسعمائة، رحمه الله تعالى رحمة واسعة آمين.
محمد بن مغلبائي الحلبي النحاس
محمد بن مغلباي بن عبد الله الحلبي النحاس شيخ الطائفة الهمدانية بحلب، وخليفة الشيخ إبراهيم بن إدريس، كان أبوه جركسيا من عتقاء خير بك نائب القلعة الحلبية، وكان صالحا منورا، لازم الأرواد الفتحية بالمدرسة الرواحية بحلب، في طائفة من أهل طريقته حتى توفي سنة اثنتين وأربعين وتسعمائة.
محمد بن مكي شيخ الأطباء
محمد بن مكي، الشيخ العلامة، شمس الدين الدمشقي، الشافعي شيخ الأطباء بدمشق، بل وغيرها قال ابن طولون: اشتغلت عليه مدة وتلمذ له الأفاضل، ولم تر عيني أمثل منه في تقرير هذا العلم، ولكنه كان قليل الحظ في العلاج قال: وكان ينسب إلى الرفض، ولم أتحقق ذلك، وكان يعرف الهيئة والهندسة، والفلك وبضاعته في غير ذلك مزجاة، توفي بغتة ليلة الأربعاء تاسع جمادى الآخرة سنة ثمان وثلاثين وتسعمائة وقد جاوز الثمانين.
محمد بن ملكا الحموي
محمد بن ملكا الشيخ الصالح الزاهد الحمصي أحد جماعة الشيخ علوان الحموي توفي بحمص في سنة ست وثلاثين وتسعمائة وصلي عليه غائبة بدمشق يوم الجمعة ثالث ربيع الأول منها رحمه الله تعالى.
محمد بن ولي الدين الحلبي
محمد بن ولي الدين، الشيخ شمس الدين الحنفي الحلبي المقرىء المجود والشهير بأبيه الحلبي، كان من تلاميذ العلامة شمس الدين ابن أمير حاج الحلبي الحنفي، ومن مريدي الشيخ عبد الكريم الخافي، وكان له خط حسن، وهيبة مقبولة، وسكينة وصلاح، وكان يؤدب الأطفال داخل باب قنسرين، ويؤذن بزاوية الشيخ عبد الكريم الخافي، ويقرأ بها ميعاد الأحياء، وكان له في كل سنة وصية، وفي سنة موته أوصى مرتين، ومات مسموما سنة ثلاث وأربعين وتسعمائة.
محمد بن يحيى الزحلي
محمد بن يحيى، بن أبي بكر، بن عبد الغني الشيخ الفاضل شمس الدين الزحلي الشافعي، أحد مباشري الجامع الأموي، حضر دروس شيخ الإسلام الوالد، وسمع عليه رسالة القشيري. قال ابن طولون: وكان لا بأس به وكان قد باع عقاره، وخرج إلى الحج عازما على المجاورة، فمات في طريق الحجاز، في الذهاب في أرض الأقيرع المعروف بمفارش الرز سنة أربعين وتسعمائة.

(1/235)


محمد بن يحيى التادفي الحلبي الحنبلي
محمد بن يحيى بن يوسف قاضي القضاة أبو البركات، جلال الدين، الربعي، التادفي، الحلبي، الحنبلي، ولد في عاشر ربيع الأول سنة تسع وتسعين - بتقديم التاء - فيهما - وثمانمائة، وولي قضاء الحنابلة بحلب عن أبيه وعمره تسع عشرة سنة إلى آخر دولة الجراكسة، ثم لم يزل يتولى المناصب السنية في الدولتين بحلب وحماة ودمشق، ثم سافر إلى القاهرة، فناب بمحكمة الحنابلة بالصالحية النجمية، ثم بباب الشعرية، ثم ولي نظر وقف الأشراف بالقاهرة، ثم استقل بقضاء رشيد، ثم تولى قضاء المنزلة مرتين، ثم ولي قضاء حوران من أعمال دمشق، ثم عزل عنه سنة تسع وأربعين وتسعمائة فذهب إلى حماة وألف فيها قلائد الجواهر، في مناقب الشيخ عبد القادر وضمنه أخبار رجال أثنوا عليه وجماعة ممن لهم انتساب إليه من القاطنين بحماة، وغيرهم وقرأ بها قطعة من صحيح البخاري، في سنة خمس وتسعمائة على الشيخ المعمر الفاضل أحمد ابن سراج عمر البازري الشافعي، وأجاز له وكان قبل ذلك اشتغال على الشمس السفيري، والشمس ابالدهن المقرىء، بحلب والشهاب بن النجار الحنبلي، بالقاهرة قرأ عليه بها في كتاب التنقيح للمرداوي، وأخذ عن الشيخ أبي البقاء الساسي الشافعي، شيئا من القرارات ونظم ونثر ومن شعره:
طال نوحي وبكائي والسهر ... من غزال صد عني ونفر
فأسقياني خمرة... الضنا ... أن قلبي من جفاه في ضرر
قتل مثلي في هواكم هين ... فارحمني ما بقي لي مصطبر
يا فتى قد قد قلبي قدة ... وجهك الفضاح قد فاق القمر
وله أيضا:
يا رب قد حال حالي ... والدين أثقل ظهري
وقد تزايد ما بي ... والهم شتت فكري
ولم أجد لي ملاذا ... سواك يكشف ضري
فلا يكلني لنفسي ... واشرح إلهي صدري
وعافني واعف عني ... وامنن بتيسير أمري
بباب عفوك ربي ... أنخت أنيق فقري
فلا ترد سؤالي ... واجبر بحقك كسري
توفي بحلب في سنة ثلاث وستين وتسعمائة قال ابن عمه ابن الحنبلي: في تاريخه ولم يعقب ذكرا.
محمد بن يحيى الحاضري
محمد بن يحيى، بن أحمد بن محمد بن خليل أقضى القضاة حميد الدين الحاضري الأصل الحلبي، ثم القاهري الحنفي جاور بمكة المشرفة، وقرأ بها الفقه، ثم أخذ بحلب عن الشهاب الأنطاكي ثم رحل إلى القاهرة فاستنابه بالمنزلة القاضي جلال الدين التادفي، فأحبه أهلها فاستوطن بها وتزوج من نسائها، وولد له بها بنون، وكان فقيها فاضلا صاحب الشكل، والهيئة ساكنا محتشما، توفي بالمنزلة سنة ست وخمسين وتسعمائة.
محمد بن يعقوب سبط بن حامد الصفدي
محمد بن يعقوب، الشيخ الإمام العلامة شيخ الإسلام شمس الدين سبط بن حامد الصفدي الشافعي، شيخ صفد ومفتيها، قرأ وحصل في بلده وغيرها، ورحل إلى دمشق بقصد تقسيم المنهاج وشرحه للمحلي، على شيخ الإسلام السيد كمال الدين بن حمزة، فقسمه عليه وحضره جماعة من الأجلاء منهم والد شيخنا، وقال في ترجمته: كان شيخ المملكة الصفدية ملاذ الناس من طلبة العلم وغيرهم، يرجع في الإفتاء والتدريس إليه، وله وعظ حسن يقع في القلب، رحل إلى مصر، واشتغل في العلم بها، واجتمع بالأكابر من علمائها، وكان يرحل لدمشق كثيرا لمحبة أهلها، وكان له مهابة وجلالة وكلمة نافذة، وكانت وفاته في أواخر في الحجة سنة أربع وخمسين وتسعمائة بصفد، وورد الخبر بموته إلى دمشق في يوم السبت من مستهل المحرم سنة خمس وخمسين، وصلي عليه غائبة يوم الجمعة سابع المحرم المذكور، وتأسف الناس عليه تأسفا عظيما رحمه الله تعالى.
محمد بن يوسف الأنطاكي

(1/236)


محمد بن يوسف الشيخ الفاضل شمس الدين الحريري الأنطاكي، ثم الحلبي الحنفي عرف بابن الحمصاني، ولد بأنطاكية ليلة السابع والعشرين من رمضان المعظم، سنة تسعين بتقديم التاء وثمانمائة وجود القرآن العظيم، على الشيخ محمد الداديخي وغيره، وقرأ الجزرية على البدر السيوفي وغيره، والسراجية على الزين بن فخر النساء الحنفي، وسمع عليه صدر الشريعة، وقرأ على أبي الهدى النقشواني رسالة أخرى في الفرائض، وعلى الشيخ عبد الحق السنباطي المصري، كتاب الحكم لابن عطاء الله الإسكندري، وعلى منلا إسماعيل الشرواني نزيل مكة الأربعين النووية، وكذا قرأها على ابن فخر النسا، وأجاز له كل منهما، وحج أربع مرات منها ثنتان في المجاورة، وزار بيت المقدس، ودخل القاهرة وغيرها، وطاف البلاد واجتمع بمشاهير العلماء والصوفية، وأدرك من أكابرهم الشيخ أبا العون الغزي وصحبه، بجلجولية، ثم قطن بعد أسفاره العديدة المديدة بحلب، وصحب بها ابن الحنبلي، وقرأ عليه الأربعين النووية، في سنة ثمان وأربعين وتسعمائة، ثم كانت وفاته بالرملة سنة.
محمد بن يوسف الحلبي التادفي
الشافعي محمد بن يوسف بن عبد الرحمن قاضي القضاة، أبو اللطف كمال الدين الربعي، الحلبي، التادفي، الشافعي، ذكره شيخ الإسلام الوالد في الرحلة وقال في وصفه: الشيخ الأوحد، والأصيل الأمجد، ذو النسب الذي طارت مناقب نزاهته كل مطار، وانتظمت أسلاك إصالته في أجياد الأسطار، وسرت سمات فضيلته مسار نسمات باسمات الأزهار، إلى أن قال: تصطفيه الرتب العليه السنية، وتستأنس به الخطط الشرعية السنية، فطورا مقدما في أندية الأمراء والأعيان، وتارة صدرا في قضاة العدل والإحسان، القضائي الكمالي التادفي قاضي حلب، ثم مكة كان صحبني من حلب إلى البلاد الرومية، فأسفر عن أعذب أخلق، وكرم أعراق، وأحسن طوية، وأنشدني من نظمه قصيدة تائية ومقامه أكبر من الشعر، وأعلى في القيمة وأغلى في السعر انتهى.
وولد كما قال ابن أخيه ابن الحنبلي في تاريخه في ربيع الأول سنة أربع وسبعين وثمانمائة، وتفقه على الفخري عثمان الكردي، والجلال النصيبي وغيرهما، وأجاز له باستدعاء والده المحب أبو الفضل بن الشحنة، وولده الأثير محمد، والسري عبد البر بن الشحنة الحنفيون، وقضاة القضاة الشافعية مشايخ الإسلام زكريا الأنصاري، والجمال إبراهيم بن علي القلقشندي، والقطب محمد الخيضري، والحافظ فخر الدين عثمان الديمي الشافعي، والجمال يوسف بن شاهين الشافعي، في آخرين ولبس الخرقة القادرية من الشيخ عبد الرزاق الحموي الشافعي الكيلاني، وتاب في القضاء عن شيخه القاضي حسين بن الشحنة الشافعي وغيره، ثم ترك مخالطة الناس ولف المئزر على رأسه، وأقدم على خشونة اللباس، وأخذ في مخالطة الفقراء والصوفية، فلما بلغ السلطان الغوري ذلك أرسل له توقيعا بأن يكون شيخ الشيوخ بحلب، ثم ولي قضاء الشافعية بطرابلس، ثم عزل عنه، ثم ولاه الغوري قضاء حلب عن القاضي جلال الدين النصيبي، ولما قرىء توقيعه بجامع حلب وتفرق الناس توجه إلى القاضي جلال الدين، واعتذر إليه وفوض إليه الجمال القلقشندي قاضي القضاة بالممالك الإسلامية نيابة الحكم بالديار المصرية، ومضافاتها مضافا إلى قاضي حلب بسؤاله، ثم ولي في الدولة العثمانية تدريس العصرونية بحلب، ثم أضيف إليه نظر أوقاف الشافعية بحلب، ثمتدريس الحاجبية، ثم ولاه خير بك المظفري حين كان كافل الديار المصرية، ثم في الدولة العثمانية قضاء الشافعية بمكة وجدة وسائر أعمالها، ونظر الحرمين عن المحب بن الظهيرة والخدمة، كان مأذونا له في ذلك، فتوجه إلى محل ولايته وكان أول قاض ولي ذلك من غير أهل مكة في الدولة العثمانية، وبقي في وظيفة القضاء حتى مات خير بك واستقر مكانه محمد باشا فنوزع في الوظيفتين بمساعدة أمير مكة لابن ظهيرة، ثم استقر فيها بعناية محمد باشا حين ولي قاسم باشا مكان محمد باشا، فعزله بعد أمور جرت بينه وبين أميرها، ولم يمكنه الله منة، ثم لما خرج القاضي كمال الدين من مكة معزولا سنة إحدى وثلاثين وتسعمائة كتب للشريف أمير مكة أبياتا سماها السهم المهلكة الباري، في الشريف بركات وأتباعه والذراري، ومن جملتها:
يا واليا قطن الحجاز تعسفا ... عزلي بموتك منذر قد عز لي

(1/237)


فاشرب بكأس حمام موتك جرعة ... لمرورها أبدا بعمرك تصطلي
أو ما علمت بأنني شهم له ... سهم مصيب من نأى في المقتل
فابشر بحتفك مع ديارك والتي ... سحب المنايا عنهم لا تنجلي
فمات الشريف بركات في تلك السنة، وهو من الاتفاق الغريب، ومن شعر القاضي كمال الدين:
ترى بعد هذا البين والبعد أسمع ... بأن ليتلات المواصل ترجع
ويهدا فؤاد لا يقر قراره ... وجفن قريح بالبكا ليس يهجع
بدور الحمى يا من سرور حماتهم ... مقيم له بين الأضالع أربع
فميتكم هلا وقفتم سويعة ... أزود طرفي نظرة وأودع
أعلل قلبي بالسلام عليهم ... وأطمع فيما ليس لي فيه مطمع
وله أيضا:
لولا رجائي أن الشمل يجتمع ... ما كان لي في حياتي بعدكم طمع
يا جيرة قطعوا رسلي وما رحموا ... قلبا تقطع وجدا عندما قطعوا
أواه وأطول شوقي للأولى سكنوا ... في الصرح ياليت شعري ما الذي صنعوا
لا عشت إن كنت يوما بعد بعدكم ... أملت أني بطيب العيش أنتفع
هم أطلقوا أدمعي والنار في كبدي ... كذاك نومي وصبري والهوى منعوا
دع يفعلوا ما أرادوا في عبيدهم ... لا وأخذ الله أحبابي بما صنعوا
وقد امتدحه جماعة من أعيان عصره، ولو لم يمدح إلا بالأرجوزة التي نظمها شيخ الإسلام السيد الشريف عبد الرحيم العباسي، الإسلام حين قدم عليهم من بلاد الرومية لكفى وهي:
سعد قدوم مجدك السني ... مؤيد بالصمد العلي
كان له في رتب العلياء ... محل عز شاسع السناء
روى حديث قدره الثقات ... وأثبتت آثاره الأثبات
طوى نسيم جوده الموصوف ... حديث حاتم السخا المعروف
آراؤه على الصواب وقف ... ليس لها من نحو ذاك صرف
أبت معاني مجده إن نولا ... إلا ممهدة السماك في العلا
تبت يدا حساده الأرذال ... فالنقص لا يدنو من الكمال
بينهما ظاهر فرق يعلم ... ليس على صاحب عقل يبهم
يا من له السؤدد والمجد العلي ... والحلم والخلق المذهب الرضي
مقدمك المبارك الآثار ... تجمل بهذه الديار
تاهت بمجده السني الرفيع ... وافتخرت بزهده البديع
تم لها منه لدون فخر ... نور تميد منه شمس الفجر
ناب سنا ضيائه الوهاج ... عن قمر السماء والسراج
هنأت السراء للعلياء ... بما أتاها من حبا النعماء
بروحة.... النجاح ... وغرة تحكي سنا الصباح
أكرم به من قدم ميمون ... محقق الرجاء والظنون
أهدته للروم يد الآلاء ... فالجود من تلك اليد البيضاء
حل به كريم أصل سيد ... له السخاء خلق والسؤدد
ليس له في سلخه عديل ... ولا يرى لمجده مثيل
جمله الله من الصفات ... له سنا يسمو على الندات
ضرائب يعقلها التنبيه ... ليس لها في كرم تشبيه
بدمعة سارت كما الأمثال ... لما بدت في حلية الكمال
أثبت في محدح سنا علياه ... بيتين تعلو بهما الجباه
رمزهما كالدر في الأسلاك ... أو النجوم الزهر في الأفلاك
شم برق أول ثالث يتم ... ما كان من فحواه عنك بالكتم
بخامس ثانيهما إن عدا ... أوفاك ما قد كان منه بدا
تاها بما جاء من المديح ... وأعجزا ذا اللسن الفصيح
رواهما من خص بالإعياء ... منتحل الفطنة والذكاء

(1/238)


هان بما حاز من الكلام ... جواهر الجوهر في النظام
أقبل عليهما بوجه كالقبس ... وأقرأ ألم نشرح ولا تقرأ عبس
يا خير قادم بخير طارف ... وتالد منسحب المطاوف
أنت الذي عندك دون العرض ... مالك ما اسخى امرؤ في الأرض
ليس عن الإتقان فيه تلهو ... ولا عن الراجي نداك تسهو
ظن لك الحمد ذوو البأساء ... معاد في ملابس النعماء
نولك الله من العلياء ... فوق الذي تروم من رجاء
مهنئا بنعم الخلاق ... مجملا بأحسن الأخلاق
لا تشتكي من حادث يضجر ... ولا على صفوك ما يكدر
بدولة مصحوبة الآلاء ... بأحسن المدح مع الثناء
لا ينقضي لدورها أزمان ... ولا كمالها له نقصان
ليس لها في سعدها مثيل ... ولا يرى لغيرها عديل
وقد التزم السيد عبد الرحيم - رحمه الله تعالى - في هذه الأرجوزة التزاما عجيبا، ورمزها رمزا غريبا، وهو أنه تبدأ من أول بيت فيها فتعد ثلاثة أبيات وتأخذ أول البيت الثالث، ثم تعد كذلك ثلاثة وتأخذ أول الثالث، حتى تنتهي إلى آخر الأبيات وتكرر مرة ثانية عليها في العدد كذلك، ثم تجمع الحروف، فيخرج منها هذا البيت:
رأيت بحضرة الملك ابتهاجا ... به انبسطت من البشرى ظلال
ثم تبدأ من أول بيت منها فتعد خمسة أبيات وتأخذ آخر البيت الخامس، ثم تعد كذلك خمسة وتأخذ آخر الخامس وهكذا كما تقدم وتجمع الحروف فيخرج منها هذا البيت:
فرحت مسايلا عنها فقالوا ... لحضرة مجدها وافي الكمال
قال ابن الحنبلي: وهذان البيتان كان غير السيد قد مدح الممدوح بهما بالقاهرة، فاطلع عليهما السيد فأدرجهما في أبياته قلت: لكن في قول السيد رحمه الله تعالى في الأرجوزة:
أثبت في مدح سنا علياه ... بيتين تعلو بهما الجباه
ما يشير إلى أن البيتين المشار إليهما من نظم السيد أيضا: ثم كانت وفاة صاحب الترجمة في أواسط الحجة سنة ست وخمسين وتسعمائة.
محمد بن يونس بن المنقار
محمد بن يونس بن يوسف الأميري المولوي بن شمس الدين بن المنقار الحلبي الأصل، ولي نيابة صفد، ودخل دمشق وقال ابن طولون: كان عنده حشمة، وتوفي بدمشق يوم الثلاثاء رابع ربيع الأول سنة أربعين وتسعمائة ودفن بالخوارزمية بجنب كهف جبريل بسفح قاسيون بوصية منه رحمه الله تعالى.
محمد الزهيري
محمد الشيخ الفاضل نجم الدين الزهيري الحنفي، كان نائب الباب بدمشق، وكان بيده تدريس الريحانية والمرشدية والمقيمية البرانية، والمعزية البرانية، وكان قد عمرها وجدد قاعة الدرس بها، وأقام الجمعة بها، وكان لها سنين بطالة نحو ثلاثين سنة مع إحسانه إلى مستحقيها، ولما مات بطل ذلك، وكانت وفاته في سلخ ربيع الأول سنة أربع وثلاثين وتسعمائة، وولى القاضي نيابة الباب للقاضي معروف البلاطنسي، وهو والد العمل صفي الدين مقيد السجلات بالباب رحمه الله.
محمد بن المعمار
محمد المولى الفاضل محيي الدين الدواني الشهير بابن المعمار خدم المولى محمد بن الحاج حسن، ثم درس بأسكوب، ثم بمدرسة الوزير محمود باشا، ثم بإحدى المدرستين المتجاورتين بأدرنة، ثم بإحدى الثماني، ثم ولي قضاء حلب، ثم أعيد إلى إحدى الثماني وعين له كل يوم ثمانون عثمانيا، ثم أعيد إلى قضاء حلب، ومات بها سنة أربع وثلاثين وتسعمائة.
محمد الحلبي
محمد الشيخ العالم أقضى القضاة، شمس الدين الحلبي المعري، توفي بها وصلي عليه غائبة بجامع دمشق يوم الجمعة رابع عشر ربيع الأول سنة خمس وثلاثين وتسعمائة رحمه الله تعالى.
محمد بن قرطاس

(1/239)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية