صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : جامع الدروس العربية.
المؤلف : الشيخ العلامة مصطفى الغلاييني.
مصدر الكتاب : شبكة مشكاة الإسلامية
www.almeshkat.net
قام بفهرسته : أخوكم أبو عمر غفر الله له ولوالديه.
الكتاب مرقم الكترونيا غير موافق للمطبوع

إن توسطت الهمزة مكسورة، لا تكتب إلا على الياء، سواء أكانت مكسورة بعد فتح، مثل "سئم وبئس ودئب - وملجئين ونظرت إلى رشئه وخطئه ومنشئه".
أم مكسورة بعد ضم، مثل "سئل ورئي ونئي عنه والدئل - ونظرت إلى لؤلئه وبؤبئه، وشقت السفينة الماء يجؤجئها وتقول في جمع من سميته لؤلؤا "مررت باللؤلئين" وبعضهم يكتب التي بعدها ياء بحركة ما قبلها (أي على الواو)، مثل "رؤي ونؤي عنه".
أم مكسورة بعد كسر (وهذا لا يكون إلا في شبه المتوسطة)، مثل "مئين وفئين وقارئين وناشئين ومنشئين ومقرئين وقارئه ومنشئه ولآلئه".
أم مسكورة بعد سكون، مثل "أفئدة وأسئلة ومسئم ومتئم والمرئي والرائي ويسائل وسائل ومسائل - والمقروئين والطائي والكسائي والجزئي وجزئه وعبئه وشيئه وضوئه ووضوئه وضيائه".
(5) رسم المتوسطة مع علامة التأنيث
الهمزة المتوسطة بإلحاق علامة التأنيث بها، لا تكون إلا مفتوحة.
فإن كان ما قبلها مفتوحا أو ساكنا صحيحا، كتبت على الألف، مثل "حدأة وخطأة ونشأة ونبأة وملأى وظمأى".
وإن كان مضموما، كتبت على الواو، مثل "لؤلؤة".
وإن كان مكسورا أو ياء ساكنة، كتبت على الياء، مثل "مئة وفئة وتهنئة ومرزئة وهيئة وبيئة وخطيئة وبريئة".
وإن كان ما قبلها ألفا أو واوا، كتبت منفردة، مثل "ملاءة وقراءة ومرءة وسوءة وسوءى وسوءاء".
(6) رسم المتوسطة مع الف المنون المنصوب
المنون المنصوب تلحقه ألف مد لا تلفظ إلا في الوقف، سواء أكان آخره همزة أم غيرها، مثل "رأيت رجلا وكتابا ولؤلؤا".
فإن كانت الهمزة المنونة تنوين نصب، مرسومة على حرف أبقيتها مرسومة عليه، ورسمت بعدها الألف، مثل رأيت بؤبؤا وأكمؤا وقارئا ومنشئا".

وإن كانت منفردة، غير مرسومة على حرف، فإن كانت بعد حرف انفصال، تركتها على حالها، ورسمت بعدها الألف مثل "رأيت جزءا ورزءا وضوءا. ووضوءا". وإن كانت بعد حرف اتصال كتبتها قبل الألف على شبه ياء، مثل (احتملت عبئا واتخذت دفئا ورأيت شيئا).
غير انهم تركوا كتابتها بعد الهمزة المرتكزة على ألف، كراهية اجتماع ألفين في الخط، مثل (سمعت نبأ ورأيت رشأ) وبعد الهمزة المسبوقة بألف المد اعتباطا، لا لسبب، مثل "لبست رداء، وشربت ماء".
وإنما تكتب هذه الألف، لأن المنون المنصوب لا يجوز أن يوقف عليه بالسكون، بل يجب أن يوقف عليه بفتحة ممدودة، تتولد منها ألف المد. وسواء في ذلك ما لحقته هذه الألف في الخط، وما لم تلحقه لسبب او اعتباطا.

كتابة الألف المتطرفة
الالف المتطرفة، إما أن تكون آخر فعل كدعا ورمى وأعطى، وإما أن تكون آخر اسم معرب عربي كالفتى والعصا والمصطفى. وإما أن تكون آخر اسم مبني كأنا ومهما. وإما أن تكون آخر حرف كعلى ولولا. وإما أن تكون آخر اسم أعجمي كموسيقا.
فهي خمسة أنواع ولكل نوع حكمه في الرسم. وإليك بيان كل نوع منها
(1) و (2) إن تطرفت الألف في فعل او اسم معرب.
فإن كانت رابعة فصاعدا، كتبتها ياء مطلقا. والحرف المشدد يحسب حرفين، وكذلك الهمزة التي فوقها مدة معوض بها عن ألف محذوفة، مثل "حبلى ودعوى وجلى وجمادى ومستشفى - وأعطى وأملى ولبى وحلى وآتى وآخى واهتدى وارتضى واستولى واستعلى". وإلا إذا لزم، من كتابتها ياء، اجتماع ياءين، فتكتب ألفا، مثل "استحيا وأحيا وسجايا ويحيا وزوايا وريا ودنيا. وقد كتبوا "يحيى وريى" علمين، بياءين، للتفرقة بين ما هو علم أو فعل أو صفة. والقول في نحوهما كالقول فيهما.

وإن كانت ثالثة، فإن كانت منقلبة عن الواو، كتبتها ألفا، مثل "العصا والقفا والدجا والربا والذرا والعدا - ودعا وغزا وعفا وعلا وسما وتلا". وإن كانت منقبلة عن ياء كتبتها ياء، مثل "الفتى والهوى والنوى والرحى والحمى - ورمى ومشى وهدى وهوى وقضى".
وما كان من ذلك ممدودا، فقصرته كالبيضاء والجدعاء، أو مهموزا، فسهلته كتوضأ وتجزأ وملجأ وملتجأ، فلا يكتب بالياء، بل يكتب بالألف التي صارت آخرا، مثل "البيضا والجدعا وتوضا وتجزا وملجا وملتجا".
واعلم أن من النحاة من يكتب الباب كله بالألف، حملا للخط على اللفظ، سواء أكانت الألف ثالثة أم فوق الثالثة، وسواء أكانت منقلبة عن واو أم عن ياء. قالوا وهو القياس، وهو أنفى للغلط. وهذا ما اختاره أبو علي الفارسي، كما في شرح أدب الكاتب لابن السيد البطليوسي. وهو مذهب سهل، لكنه لم يشتهر، ولم ينتشر. والكتاب قديما وحديثا على خلافه.

(47/6)


(3) إذا تطرفت الألف في اسم مبني، كتبت ألفا، مثل "أنا ومهما"، إلا خمس كلمات منها، كتبوها فيها بالياء، وهي "أنى ومتى ولدى والألى" (اسم موصول بمعنى الذين) وأولى (اسم إشارة للجمع، كأولاء).
(4) إذا تطرفت الألف في حرف من حروف المعاني، كتبت ألفا، مثل "لولا وكلا وهلا"، إلا أربعة أحرف، كتبوها فيها بالياء. وهي "إلى وعلى وبلى وحتى".

(5) إذا تطرفت الألف في اسم أعجمي، كتبت ألفا مطلقا، ثلاثيا كان، أو فوق الثلاثي. ولا فرق بين أن يكون من أسماء الناس أو البلاد أو غيرهما، مثل "بغا ولوقا وتمليخا وزليخا وبحيرا" (وهي أعلام أناس)، وأريحا ويافا وحيفا وطنطا والرها (وهي أسماء بلدان) وببغا (وهي اسم طير)، وموسيقا وارتماطيقا "وهما من مصطلحات الفنون والعلوم". وكتبوا (بخارى)، من أسماء البلدان، بالياء. وكتبوا أربعة من أعلام الناس بالياء أيضا، وهي موسى وعيسى ومتى وكسرى. ومنهم من يكتب "متى" باللف هكذا "متا".
الوصل والفصل
من الكلمات ما لا يصح الابتداء به، كالضمائر المتصلة ومنها ما لا يصح الوقف عليه، كالحروف الموضوعة على حرف واحد ومنها ما يصح الإبتداء به والوقف عليه، وهو كل الكلمات، إلا قليلا منها.
فما صح الابتداء به والوقفعليه، وجب فصله عن غيره في الكتابة، لأنه يستقل بنفسه في النطق، كالأسماء الظاهرة، والضمائر المنفصلة، والأفعال والحروف الموضوعة على حرفين فأكثر.
وما لا يصح الابتداء به، وجب وصله بما قبله، كالضمائر والمتصلة، ونوني التوكيد، وعلامة التأنيث، وعلامة التثنية، وعلامة الجمع السالم.
وما لا يصح الوقف عليه، وجب وصله بما قبله، كالضمائر، ونوني التوكيد، وعلامة التأنيث، وعلامة التثنية، وعلامة الجمع السالم.
وما لا يصح الوقف عليه، وجب وصله بما بعده، كحروف المعاني الموضوعة على حرف واحد، والمركب المزجي، وما ركب مع المائة من الآحاد كأربعمائة، والظروف المضافة إلى "إذ" المنونة كيومئذ وحينئذ. فإن لم تنون، بأن تذكر الجملة المحذوفة المعوض عنها بالتنوين، وجب الفصل مثل "رأيتك حين إذ كنت تخطب".

وكلا النوعين (أي ما يصح الابتداء به، وما لا يصح الوقف عليه) يجب وصله، كما رأيت، لأنه لا يستقل بنفسه في النطق. والكتابة تكون بتقدير الابتداء بالكلمة والوقف عليها، كما علمت في أول فصل الخط.
وقد وصولا، في بعض المواضع، ما حقه أن يكتب منفصلا، كأنهم اعتبروا الكلمتين كلمة واحدة. وإليك تلك المواضع
(1) وصلوا "ما" الإسمية بكلمة "سي" مثل "أحب أصدقائي، ولا سيما زهير"، وبكلمة "نعم" إذا كسرت عينها، مثل "نعما يعظكم به"، فإن سكنت عينها، وجب الفصل، مثل "نعم ما تفعل".
(2) ووصلوا "ما" الحرفية الزائدة أيا كان نوعها، بما قبلها، مثل "طالما نصحت لك، {إنما إلهكم إله واحد}، أتيت لكنما أسامة لم يأت. {عما قليل ليصبحن نادمين}. {مما خطيئاتهم أغرقوا}. {أيما الأجلين قضيت}. فلا عدوان علي. أينما تجلس إجلس. إما تجتهد تنجح. {إنه لحق مثلما أنكم تنطقون}. اجتهد كيما تنجح".
(3) وصلوا "ما" المصدرية بكلمة "مثل" مثل "اعتصم بالحق مثلما اعتصم به سلفك الصالح"، وبكلمة "ريث"، مثل "انتظرني ريثنما آتيك"، وبكلمة "حين" مثل "جئت حينما طلعت الشمس"، وبكلمة "كل" مثل "{كلما أضاء لهم مشوا فيه}. كلما زرتني أكرمتك". "وما" بعد كل" مصدرية ظرفية.
(4) وصلوا "من" استفهامية كانت، أو موصولية، أو موصوفية، أو شرطية، بمن وعن الجارتين فالاستفهامية مثل "ممن أنت تشكو؟" والموصولية مثل "خذ العلم عمن تثق به". والموصوفية مثل "عجبت ممن محب لك يؤذيك"، أي من رجل محب لك. والشرطية مثل ممن تبتعد ابتعد، وعمن ترض أرض"، أي من تبتعد عنه أنت أبتعد عنه أنا، ومن ترض عنه أرض عنه.
وصلوا (من) الإستفهامية بفي الجارة، مثل "فيمن ترغب أن يكون معك؟. فيمن ترى الخير؟".

(5) وصلوا "لا" بكلمة "أن" الناصبة للمضارع، مثل {لئلا يعلم أهل الكتاب} "ويجب ألا تدع لليأس سبيلا إلى نفسك". ولا فرق بين أن تسبقها لام التعليل الجارة وألا تسبقها، كما رأيت.
هذا مذهب الجمهور. وذهب أبو حيان ومن تابعه إلى وجوب الفصل قال وهو الصحيح، لأنه الأصل، مثل "يجب أن لا تهمل".
فإن لم تكن "أن" ناصبة للمضارع، وجب الفصل، كأن تكون مخففة من "أن" المشددة، مثل "أشهد أن لا إله إلا الله" أي أنه، أن تكون تفسيرية، مثل "قل له أن تخف".
(6) وصلوا "لا" بكلمة "إن" الشرطية الجازمة، مثل {إلا تفعلوه تكن فتنة، إلا تنصروه فقد نصره الله}.

(47/7)


(7) منهم من يصل "لا" بكلمة "كي"، مثل "لكيلا يكون عليك حرج، ومنهم من يوجب الفصل. والأمران جائزان. وقد جاء الوصل والفصل في القرآن الكريم، وقد وصلت في المصحف في أربعة مواضع، منها {لكيلا يكون عليك حرج} ومن الفصل قوله تعالى {لكي لا يكون على المؤمنين حرج} وقوله {كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم}.

(47/8)


( مباحث الفعل الإعرابية ) ضمن العنوان ( المبني والمعرب من الأفعال )
الفعل كله مبني. ولا يعرب منه إلا ما أشبه الاسم، وهو الفعل المضارع الذي لم تتصل به نونا التوكيد ولا نون النسوة.
وهذا الشبه إنما يقع بينه وبين اسم الفاعل. وهو يكون بينهما من جهتي اللفظ والمعنى.
أما من جهة اللفظ، فلأنهما متفقان على عدد الأحرف والحركات والسكنات فيكتب على وزن (كاتب) ومكرم على وزن (يكرم). وأما من جهة المعنى فلأن كلا منهما يكون للحال والاستقبال وباعتبار هذه المشابهة يسمى هذا الفعل (مضارعا)، أي مشابها، فإن المضارعة معناها المشابهة، يقال "هذا يضارع هذا"، أي يشابهه.

فإن اتصلت به نون التوكيد، أو نون النسوة، بني، لأن هذه النونات من خصائص الأفعال، فاتصاله يهن يبعد شبهه باسم الفاعل فيرجع إلى البناء الذي هو أصل في الأفعال.

(48/1)


( مباحث الفعل الإعرابية ) ضمن العنوان ( بناء الفعل الماضي )
يبنى الماضي على الفتح، وهو الأصل في بنائه، نحو "كتب". فإن كان معتل الآخر بالألف، كرمى، ودعا، بني على فتح مقدر على آخره. فإن اتصلت به تاء التأنيث، حذف آخره، لاجتماع الساكنين الألف والتاء، نحو "ردت ودعت" والأصل "رمات ودعات". ويكون بناؤه على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين.
وليست حركة ما قبل تاء التأنيث هنا حركة بناء الماضي على الفتح، لأن حركة البناء - كحركة الإعراب - لا تكون إلا على الأحرف الأخيرة من الكلمة والحرف الأخير هنا محذوف كما رأيت).
وإن كان معتل الآخر بالواو أو الياء، فهو كالصحيح الآخر - مبني على فتح ظاهر كسروت ورضيت.
ويبنى على الضم إن اتصلت به واو الجماعة، لأنها حرف مد وهو يقتضي أن يكون قبله حركة تجانسه، فيبنى على الضم لمناسبة الواو نحو "كتبوا".
فإن كان معتل الآخر بالألف، حذفت لالتقاء الساكنين، وبقي ما قبل الواو مفتوحا، كرموا ودعوا، والأصل "رماوا ودعاوا" ويكون حينئذ مبنيا على ضم مقدر على الألف المحذوفة.
(وليست حركة ما قبل الواو حركة بناء الماضي على الفتح، لأن الماضي مع واو الجماعة يبنى على الضم، ولأن حركة البناء كما قدمنا، إنما تكون على الحرف الأخير والحرف الأخير هنا محذوف كما علمت).
وإن كان معتل الآخر بالواو، أو الياء، حذف آخره وضم ما قبله بعد حذفه، ليناسب واو الجماعة، نحو "دعوا وسروا ورضوا"، والأصل "دعيوا وسرووا ورضيوا" وبوزن "كتبوا وظرفوا وفرحوا".

(استثقلت الضمة على الواو والياء فحذفت، دفعا للثقل، فاجتمع ساكنان حرف العلة و واو الجماعة، فحذف حرف العلة، منعا لالتقاء الساكنين، ثم حرك ما قبل واو الجماعة بالضم ليناسبها. فبناء مثل ما ذكر، إنما هو ضم مقدر على حرف العلة المحذوف لاجتماع الساكنين، فليست حركة ما قبل الواو هنا حركة بناء الماضي على الضم وإنما هي حركة اقتضتها المناسبة للواو، بعد حذف الحرف الأخير. الذي يحمل ضمة البناء.
ويبنى على السكون إن اتصل به ضمير رفع متحرك، كراهية اجتماع أربع حركات متواليات فيما هو كالكلمة الواحدة، نحو كتبت وكتبت وكتبت وكتبن وكتبنا".
(وذلك لأن الفعل والفاعل المضمر المتصل كالشيء الواحد، وإن كانا كلمتين، لأن الضمير المتصل بفعله يحسب كالجزء منه. وأما نحو "أكرمت واستخرجت" مما لا تتولى فيه أربع حركات، أن بني على الفتح مع الرفع المتحرك "فقد حمل في بنائه على السكون على ما تتوالى فيه الحركات الأربع، لتكون قاعدة بناء الماضي مطردة).
وإذا اتصل الفعل المعتل الآخر بالألف، بضمير رفع متحرك، قلبت ألفه ياء، إن كانت رابعة فصاعدا، أو كانت ثالثة أصلها الياء. نحو "أعطيت واستحييت وأتيت. فإن كانت ثالثة اصلها الواو ردت اليها، نحو "علوت وسموت".
فإن كان معتل الآخر بالواو او الياء، بقي على حاله، نحو "سروت ورضيت".

(49/1)


( مباحث الفعل الإعرابية ) ضمن العنوان ( بناء الأمر )
يبنى الأمر على السكون وهو الأصل في بنائه، وذلك إن اتصل بنون النسوة، نحو (اكتبن)، أو كان صحيح الآخر ولم يتصل به شيء كاكتب.
وعلى حذف آخره، إن كان معتل الآخر، ولم يتصل به شيء كانج واسع وارم.
وعلى حذف النون، إن كان متصلا بألف الاثنين، أو واو الجماعة، أو ياء المخاطبة كاكتبا، واكتبوا، واكتبي.
وعلى الفتح، إن اتصلت به إحدى نوني التوكيد كاتبن واكتبن.

وإذا اتصلت نون التوكيد المشددة بضمير التثنية، أو واو الجماعة أو ياء المخاطبة في الأمر ثبتت الألف معها، وكسرت النون نحو "اكتبان"، وحذفت الواو والياء، حذرا من التقاء الساكنين، نحو "اكتبن واكتبن". ويبقى الأمر مبنيا على حذف النون. والضمير المحذوف لالتقاء الساكنين هو الفاعل.
وكذا إن اتصلت النون المخففة بالواو أو الياء، كاكتبن واكتبن. أما بالألف فلا تتصل، فلا يقال اكتبان.

(50/1)


( مباحث الفعل الإعرابية ) ضمن العنوان ( إعراب المضارع وبناؤه )
إذا انتظم الفعل المضارع في الجملة، فهو إما مرفوع أو منصوب، أو مجزوم. وإعرابه إما لفظي، وإما تقديري، وإما محلي.
وعلامة رفعه الضمة ظاهرة، نحو (يفوز المتقون)، أو مقدرة نحو "يعلو قدر من يقضي بالحق"، ونحو "يخشى العاقل ربه".
وعلامة نصبه الفتحة ظاهرة، نحو "لن أقول إلا الحق"، أو مقدرة، نحو "لن أخشى إلا الله".
وعلامة جزمه السكون نحو "لم يلد ولم يولد".
وإنما يعرب المضارع بالضمة رفعا، وبالفتحة نصبا، وبالسكون جزما إن كان صحيح الآخر، ولم يتصل بآخره شيء.
فإن كان معتل الآخر غير متصل به شيء جزم بحذف آخره نحو "لم يسع، ولم يرم، ولم يدع". وتكون علامة جزمه حذف الآخر.
وإن اتصل بآخره ضمير التثنية أو واو الجماعة، أو ياء المخاطبة، فهو معرب بالحرف، بالنون رفعا، نحو "يكتبان ويكتبون وتكتبين" وبحذفها جزما ونصبا، نحو "إن يلزموا معصية الله، فلن يفوزوا برضاه".
وإن اتصلت به إحدى نوني التوكيد، أو نون النسوة، فهو مبني، مع الأوليين على الفتح نحو "يكتبن ويكتبن"، ومع الثالثة على السكون نحو "الفتيات يكتبن ويكون رفعه ونصبه وجزمه حينئذ محليا.

فإن لم يتصل آخره بنون التوكيد مباشرة بل فصل بينهما بضمير التثنية، أو واو الجماعة، أو ياء المخاطبة، لم يكن مبنيا، بل يكون معربا بالنون رفعا، وبحذفها نصبا وجزما. ولا فرق بين أن يكون الفاصل لفظيا، نحو "يكتبان" أو تقديريا نحو "يكتبن وتكتبن، لأن الأصل "تكتبونن وتكتبينن".
(حذفت نون الرفع، كراهية اجتماع ثلاث نونات نون الرفع ونون التوكيد المشددة ثم حذفت واو الجماعة وياء المخاطبة، كراهية اجتماع ساكنين الضمير والنون الأولى من النون المشددة).
واعلم أن نون التوكيد المشددة، إن وقعت بعد ألف الضمير، ثبتت الألف وحذفت نون الرفع، دفعا لتوالي النونات، غير أن نون التوكيد تكسر بعدها تشبيها لها بنون الرفع بعد ضمير المثنى، نحو "يكتبان".
وإن وقعت بعد واو الجماعة، أو ياء المخاطبة، حذفت نون الرفع دفعا لتوالي الأمثال. أما الواو والياء، فإن كانت حركة ما قبلهما الفتح ثبتتا، وضمت واو الجماعة، وكسرت ياء المخاطبة، وبقي ما قبلهما مفتوحا على حاله، فتقول في يخشون وترضين "تخشون وترضين". وإن كان ما قبل الواو مضموما، وما قبل الياء مكسورا حذفتا. حذرا من التقاء الساكنين، وبقيت حركة ما قبلهما، فتقول في تكتبون وتكتبين وتغزون وتغزين "تكتبين وتكتبن وتغزن وتغزن".
وإذا ولي نون النسوة نون التوكيد المشدة وجب الفصل بينهما بألف، كراهية توالي النونات، نحو "يكتبنان" أما النون المخففة فلا تلحق نون النسوة.
وحكم نوني التوكيد، مع فعل الأمر، كحكمهما مع المضارع في كل ما تقدم.

المضارع المرفوع
يرفع المضارع، إذا تجرد من النواصب والجوازم. ورافعه إنما هو تجرده من ناصب أو جازم.

(فالتجرد هو عامل الرفع فيه، فهو الذي أوجب رفعه. وهو عامل معنوي، كما أن العامل في نصبه وجزمه هو عامل لفظي لأنه ملفوظ.
وهو يرفع إما لفظا، وإما تقديرا، كما سلف، وإما محلا، إن كان مبنيا، نحو "لاجتهدن" ونحو "الفتيات يجتهدن"
المضارع المنصوب ونواصبه
ينصب المضارع إذا سبقته إحدى النواصب.
وهو ينصب إما لفظا، وإما تقديرا، كما سلف، وإما محلا، إن كان مبنيا مثل "على الأمهات أن يعنين بأولادهن".
ونواصب المضارع أربعة أحرف، وهي
(1) أن، وهي حرف مصدرية ونصب واستقبال، نحو {يريد الله أن يخفف عنكم}.
وسميت مصدرية، لأنها تجعل ما بعدها في تأويل مصدر، فتأويل الآية "يريد الله التخفيف عنكم" وسميت حرف نصب، لنصبها المضارع. وسميت حرف استقبال، لأنها تجعل المضارع خالصا للاستقبال. وكذلك جميع نواصب المضارع تمحضه الاستقبال بعد أن كان يحتمل الحال والاستقبال".
ولا تقع بعد فعل بمعنى اليقين والعلم الجازم.
فإن وقعت بعد ما يدل على اليقين، فهي مخففة من "أن"، والفعل بعدها مرفوع، نحو {أفلا يرون أن لا يرجع إليهم قولا}، أي أنه لا يرجع.

(51/1)


وإن وقعت بعد ما يدل على ظن أو شبهه، جاز أن تكون ناصبة للمضارع، وجاز أن تكون مخففة من المشددة، فالفعل بعدها مرفوع. وقد قرئت الآية {وحسبوا ألا تكون فتنة}، بنصب "تكون"، على أن "أن" ناصبة للمضارع، وبرفعه على أنها مخففة من "أن". والنصب أرجح عند عدم الفصل بينها وبين الفعل بلا، نحو {أحسب الناس أن يتركوا} والرفع والنصب سواء عند الفصل بها، كالآية الأولى. فإن فصل بينهما بغير "لا" كقد والسين وسوف، تعين الرفع، وأن تكون "أن" محففة من المشددة، نحو "ظننت أن قد تقوم، أو أن ستقوم، أو أن سوف تقوم".

واعلم أن "أن" الناصبة للمضارع، لا تستعمل إلا في مقام الرجاء والطمع في حصولما بعدها، فجاز أن تقع بعد الظن وشبهه، وبعد ما لا يدل على يقين أو ظن، وامتنع وقوعها بعد أفعال اليقين والعلم الجازم، لأن هذه الأفعال إنما تتعلق بالمحقق، لا يناسبها ما يدل على غير محقق، وإنما يناسبها التوكيد، فلذا وجب أن تكون "أن" الواقعة مخففة من المشددة المفيدة للتوكيد.
(2) لن، وهي حرف نفي ونصب واستقبال، فهي في نفي المستقبل كالسين وسوف في إثباته. وهي تفيد تأكيد النفي لا تأييده وأما قوله تعالى لن يخلقوا ذبابا، فمفهوم التأييد ليس من "لن"، وإنما هو من دلالة خارجية، لأن الخلق خاص بالله وحده.
(وهي على الصحيح، مركبة من "لا" النافية و "أن" المصدرية الناصبة للمضارع وصلت همزتها تخفيفا وحذفت خطا تبعا لحذفها. وقد صارتا كلمة واحدة لنفي الفعل في الاستقبال).
(إذن، وهي حرف جواب وجزاء ونصب واستقبال، تقول "إذن تفلح"، جوابا لمن قال "سأجتهد". وقد سميت حرف جواب لأنها تقع في كلام يكون جوابا لكلام سابق. وسميت حرف جزاء، لأن الكلام الداخلة عليه يكون جزاء لمضمون الكلام السابق. وقد تكون للجواب المحض الذي لا جزاء فيه، كأن تقول لشخص "إني أحبك"، فيقول "إذن أظنك صادقا"، فظنك الصدق فيه ليس فيه معنى الجزاء لقوله "إني أحبك".
وأصلها، عند التحقيق، إما "إذا" الشرطية الظرفية، حذف شرطها وعوض عنه بتنوين العوض، فجرت مجرى الحروف بعد ذلك ونصبوا بها المضارع، لأنه إن قيل لك "آتيك"، فقلت "إذن أكرمك"، فالمعنى إذا جئتني، أو إذا كان الأمر كذلك أكرمك. وإما مركبة من "إذ" و "إن" المصدرية، فإن قال قائل "أزورك". فقلت "إذن أكرمك" فالأصل "إذ إن تزورني أكرمك" ثم ضمنت معنى الجواب والجزاء.

أما كتابتها فالشائع أن تكتب بالنون عاملة ومهملة. وقيل تكتب بالنون عاملة. وبالألف منونة مهملة. أما عند الوقف فالصحيح أن تبدل نونها ألفا تشبيها لها بتنوين المنصوب، كما أبدلوا نون التوكيد الخفيفة ألفا عند الوقف كذلك. أما رسمها في المصحف فهو بالألف عاملة ومهملة. ورسم المصحف لا يقاس عليه، كخط العروضيين. وقد سبق الكلام على ذلك).
وهي لا تنصب المضارع إلا بثلاثة شروط.
الأول أن تكون في صدر الكلام، أي صدر جملتها، بحيث لا يسبقها شيء له تعلق بما بعدها. وذلك كأن يكون ما بعدها خبرا لما قبلها ونحو "أنا إذن أكافئك" أو جواب شرط، نحو "إن تزرني إذن أزرك" أو جواب قسم، نحو "والله إذن لا أفعل". فإن قلت "إذن والله لا أفعل"، فقدمت "إذن" على القسم، نصبت الفعل لتصدرها في صدر جملتها.
ومن عدم تصدرها، لوقوعها جواب قسم، قول الشاعر
*لئن جاد لي عبد العزيز بمثلها * وأمكنني منها، إذن لا أقيلها*
(فقد رفع "أقيل" لأن "إذن" لم تتصدر، لكونها في جواب قسم مقدر، دلت عليه اللام التي قبل "إن" الشرطية. والتقدير والله لئن جاد لي". وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه. وقد أهملت "إذن" لوقوعها بين القسم وجوابه، لا بين الشرط وجوابه، كما قاله بعضهم، لأنه إذا اجتمع شرط وقسم، فالجواب للسابق منهما. وجواب المتأخر محذوف، لدلالة جواب الآخر عليه).

(51/2)


وإذا سبقتها الواو أو الفاء، جاز الرفع وجاز النصب. والرفع هو الغالب. ومن النصب قوله تعالى (في قراءة غير السبعة) {وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها، وإذا لا يلبثوا خلافك إلا قليلا"، وقوله {أم لهم نصيب من الملك، فإذا لا يؤتوا الناس نقيرا} وقرأ السبعة {وإذا لا يلبثون ... وإذا لا يؤتون}، بالرفع. وإذا قلت "إن تجتهد تنجح، وإذن تفرح"، جزمت "تفرح"، وألغيت "إذن"، إن أردت عطفه على الجواب "تنجح"، فيكون التقدير "إن تجتهد تنجح وتفرح"، وذلك لعدم تصدرها، ورفعته أو نصبته، إن أردت العطف على جملتي الشرط والجواب معا، لأنهما كالجملة الواحدة. وإنما جاز الوجهان، لوقوعها بعد الواو. ويكون العطف من باب الجمل، لا من باب عطف المفردات. فتكون حينئذ صدر جملة مستقلة مسبوقة بالواو، فيجوز الوجهان. رفع الفعل ونصبه.
فإن كان شيء من ذلك أليغتها ورفعت الفعل بعدها، إلا إن كان جواب شرط جازم، فتجزمه، كما رأيت، ونحو "إن تجتهد إذن تلق خيرا". فعدم التصدير، المانع من إعمالها، إنما يكون في هذه المواضع الثلاثة، لا غير.
الثاني أن يكون الفعل بعدها خالصا للاستقبال، فإن قلت إذن أظنك صادقا" جوابا لمن قال لك "إني أحبك"، رفعت الفعل لأنه للحال.
الثالث ألا يفصل بينهما وبين الفعل بفاصل غير القسم و (لا) النافية، فإن قلت "إذن هم يقومون بالواجب". جوابا لمن قال "يجود الأغنياء بالمال في سبيل العلم"، كان الفعل مضارعا، للفصل بينهما بغير الفواصل الجائزة.
ومثال ما اجتمعت فيه الشروط قولك "إذن أنتظرك"، في جواب من قال لك (سأزورك) فإذن هنا مصدرة، والفعل بعدها خالص للاستقبال. وليس بينها وبينه فاصل.
فإن فصل بينهما بالقسم، أو "لا" النافية، فالفعل بعدها منصوب. فالأول نحو "إذن والله أكرمك" وقول الشاعر

*إذن، والله، نرميهم بحرب * تشيب الطفل من قبل المشيب*
والثاني نحو "إذن لا أجيئك".
وأجاز بعض النحاة الفصل بينهما - في حال النصب - بالنداء، نحو "إذن يا زهير تنجح"، جوابا لقوله "سأجتهد". وأجاز ابن عصفور الفصل أيضا بالظرف والجار والمجرور. فالأول نحو "إذن يوم الجمعة أجيئك" والثاني نحو "إذن بالجد تبلغ المجد". وقد جمع بعضهم شروط إعمالها والفواصل الجائزة بقوله
*أعمل "إذن" إذا أتتك أولا * وسقت فعلا بعدها مستقبلا*
*واحذر، إذا أعملتها، أن تفصلا * إلا بحلف أو نداء أو بلا*
*وافصل بظرف أو بمجرور على * رأي ابن عصفور رئيس النبلا*
وبعضهم يهمل "إذن"، مع استيفائها شروط العمل. حكى ذلك سيبويه عن بعض العرب. وذلك هو القياس. لأن الحروف لا تعمل إلا إذا كانت مختصة. و "إذن" غير مختصة، لأنها تباشر الأفعال، كما علمت، والأسماء، مثل "أأنت تكرم اليتيم؟ إذن أنت رجل كريم".
(4) كي، وهي حرف مصدرية ونصب واستقبال. فهي مثل "أن"، تجعل ما بعدها في تأويل مصدر. فإذا قلت "جئت ليك أتعلم"، فالتأويل "جئت للتعلم" وما بعدها مؤول بمصدر مجرور باللام.
والغالب أن تسبقها لام الجر المفيدة للتعليل، نحو {لكيلا تأسوا على ما فاتكم}. فإن لم تسبقها، فهي مقدرة، نحو "استقم كي تفلح" ويكون المصدر المؤول حينئذ في موضع الجر باللام المقدرة، أ يكون منصوبا على نزع الخافض.
النصب بأن مضمرة
قد اختصت "أن" من بين أخواتها بأنها تنصب ظاهرة، نحو "يريد الله أن يخفف عنكم"، ومقدرة، نحو {يريد الله ليبين لكم} أي لأن يبين لكم.
وإضمارها على ضربين جائز وواجب.
(1) إضمار أن جوازا
تقدر "أن" جوازا بعد ستة أحرف

(1) لام كي (وتسمى لام التعليل أيضا، وهي اللام الجارة، التي يكون ما بعدها علة لما قبلها وسببا له، فيكون ما قبلها مقصودا لحصول ما بعدها، نحو "وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس".
وإنما يجوز إضمار (أن) بعدها إذا لم تقترن بلا النافية أو الزائدة.
فإن اقترنت باحداهما، وجب إظهارها. فالنافية نحو "لئلا يكون للناس على الله حجة" والزائدة نحو "لئلا يعلم أهل الكتاب".
(2) لام العاقبة، وهي "اللام الجارة التي يكون ما بعدها عاقبة لما قبلها ونتيجة له، لا علة في حصوله، وسببا في الإقدام عليه، كما في لام كي. وتسمى لام الصيرورة، ولام المآل، ولام النتيجة أيضا"، نحو "فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا".

(51/3)


(والفعل. بعد هاتين اللامين، في تأويل مصدر مجرور بهما. و "أن" المقدرة هي التي سبكته في المصدر، فتدقير قولك جئت لأتعلم (جئت للتعلم). والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. واعلم أن الكوفيين يقولون إن النصب إنما هو بلام كي ولام العاقبة. لا بأن مضمرة. وهو مذهب سهل خال من التكلف. وعليه مشينا في كتبنا المدرسية، تسهيلا على الطلاب).
(3 و 4 و 5و 6 الواو والفاء وثم وأو العاطفات إنما ينصب الفعل بعدهن بأن مضمرة، إذا لزم عطفه على اسم محض، أي جامد غير مشتق، وليس في تأويل الفعل، كالمصدر وغيره من الأسماء الجامدة، لأن الفعل لا يعطف إلا على الفعل، أو على اسم هو في معنى الفعل وتأويله، كأسماء الأفعال والصفات التي في الفعل فإن وقع الفعل في موضع اقتضى فيه عطفه على اسم محض قدرت (أن) بينه وبين حرف العطف، وكان المصدر المؤول بها هو المعطوف على اسم قبلها.
فمثال الواو "يأبى الشجاع الفرار ويسلم"، أي "وأن يسلم"، والتأويل "يأبى الفرار، والسلامة"، ونحو "لولا الله ويلطف بي لهلكت" أي وأن يلطف بي. والتأويل لولا الله ولطفه بي. ومنه قول ميسون

*ولبس عباءة وتقر عيني * أحب إلي من لبس الشفوف*
أي لبس عباءة وقرة عيني.
ومثال الفاء "تعبك، فتنال المجد، خير من راحتك فتحرم القصد"، أي "خير من راحتك فحرمانك القصد".
ومنه قول الشاعر
*ولولا توقع معتر فأرضيه * ما كنت أوثر إترابا على ترب*
أي لولا توقع معتز فإرضاؤه.
ومثال (ثم) "يرضى الجبان بالهوان ثم يسلم"، أي "يرضى بالهوان ثم السلامة" ومنه قول الشاعر
*إني وقتلي سليكا، ثم اعقله * كالثور يضرب لما عافت البقر*
أي قتلي سليكا ثم عقلي إياه
ومثال (أو) "الموت أو يبلغ الإنسان مأمله أفضل" أي "الموت أو بلوغه الأمل أفضل" ومنه قوله تعالى {ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا، أو من وراء حجاب، أو يرسل رسولا}، أي "إلا وحيا، أو إرسال رسول".
فإن في جميع ما تقدم، مقدرة. والفعل منصوب بها، وهو مؤول بمصدر معطوف على الاسم قبله، كما رأيت.
(2) اضمار "أن" وجوبا
تقدر (أن) وجوبا بعد خمسة أحرف
(1) لام الجحود "وسماها بعضهم لامض النفي، وهي لام الجر التي تقع بعد (ما كان) أو (لم يكن) الناقصتين"، نحو "ما كان الله ليظلمهم"، ونحو {لم يكن الله ليغفر لهم}.
(فيظلم ويغفر منصوبان بأن مضمرة وجوبا، والفعل بعدها مؤول بمصدرمجرور باللام. وخبر كان ويكن مقدر. والجار والمجرور متعلقان بخبرها المقدر والتقدير "ما كان الله مريدا لظلمهم، ولم يكن مريدا لتعذيبهم".
فإن كانتا تامتين، جاز (إظهار (أن) بعدها، لأنها حينئذ لام التعليل نحو "ما كان الإنسان ليعصي ربه، أو لأن يعصيه"، أي ما وجد ليعصيه
(2) فاء السببية "وهي التي تفيد أن ما قبلها سبب لما بعدها، وأن ما بعدها مسبب عما قبلها"، كقوله تعالى {كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي}.

(فإن لم تكن الفاء للسببية، بل كانت للعطف على الفعل قبلها، أو كانت للاستئناف لم ينصب الفعل بعدها بأن مضمرة. بل يعرب في الحالة الأولى باعراب ما عطف عليه، كقوله تعالى {لا يؤذن لهم فيعتذرون}، أي ليس هناك إذن لهم ولا اعتذار منهم ويرفع في الحالة الأخرى، كقوله سبحانه {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} أي "فهو يكون إذا أراده" فجملة "يكون" ليست داخلة في مقول القول، بل هي جملة مستقلة مستأنفة. ومنه قول الشاعر
*ألم تسأل الربع القواء فينطق * وهل تخبرنك اليوم بيداء سملق*
(أي فهو ينطق إن سألته)
(3) واو المعية "وهي التي تفيد حصول ما قبلها مع ما بعدها، فهي بمعنى (مع) تفيد المصاحبة" كقول الشاعر
*لا تنه عن خلق وتأتي مثله * عار عليك، إذا فعلت، عظيم*
(فإن لم تكون الواو للمعية، بل كانت للعطف، أو للاستئناف، فيعرب الفعل بعدها في الحالة الأولى، باعراب ما قبله، نحو "لا تكذب وتعاشر الكاذبين"، أي ولا تعاشرهم. ويرفع في الحالة الأخرى، نحو "لا تعص الله ويراك"، أي وهو يراك. والمعنى هو يراك، فلا تعصه. فالواو ليست لملعية، ولا للعطف، بل هي للاستئناف.

(51/4)


وخلاصة القول إن إعراب الفعل بعد الفاء والواو يتوقف على مراد القائل. فإن أراد السببية، فالنصب. وإن أراد العطف، فالإعراب بحسب المعطوف عليه. وإن لم يرد هذا ولا ذاك، بل أراد استئناف جملة جديدة، فالرفع ليس المراد بالاستئناف قطع الارتباط بين الجمل في المعنى بل المراد الارتباط اللفظي، أي الإعرابي. واعلم ان المروي من ذلك، من آية أو شعر، ينطق به على روايته وقد تحتمل الأوجه الثلاثة في كلام واحد، وقد مثلوا له بقولهم "لا تأكل السمك وتشرب اللبن". فإن أردت النهي عن الجمع بينهما، نصبت ما بعدها، لأنها حينئذ للمعية. وإن أردت النهي عن الأول وحده، وإباحة الآخر، رفعت ما بعدها لأنها حينئذ للاستئناف ويكون المعنى "لا تأكل السمك، ولك أن تشرب اللبن".
والواو والفاء هاتان لا تقدر (أن) بعدهما إلا إذا وقعتا في جواب نفي أو طلب فمثال النفي مع الفاء "لم ترحم فترحم" ومثال الطلب معها "هل ترحمون فترحموا؟". ومثال النفي مع الواو "لا نأمر بالخير ونعرض عنه" ومثال الطلب معها "هل ترحمون فترحموا؟". ومثال النفي مع الواو "لا نأمر بالخير ونعرض عنه" ومثال الطلب معها "لا تأمروا بالخير وتعرضوا عنه".
فإن لم يسبقهما نفي أو طلب، فالمضارع مرفوع، ولا تقدر (أن)، نحو "يكرم الأستاذ المجتهد، فيخجل الكسلان"، ونحو "الشمس طالعة وينزل المطر".
وشرط النفي أن يكون نفيا محضا. فإن كان في معنى الإثبات، لم تقدر بعده (أن) فيكون الفعل مرفوعا، نحو "ما تزال تجتهد فتتقدم" إذ المعنى أنت ثابت على الاجتهاد. ونحو (ما تيجئنا إلا فنكرمك). فالنفي منتقض بإلا، إذ المعنى إثبات المجيء.
ولا فرق بين أن يكون النفي بالحرف، نحو (لم يجتهد فيفلح أو بالفعل، نحو (ليس الجهل محمودا فتقبل عليه)، أو بالإسم، نحو الحلم غير مذموم فتنفر منه.

ويلحق بالنفي التشبيه المراد به النفي والإنكار، نحو كأنك رئيسنا فنطيعك!، أي ما أنت رئيسنا. وكذا ما أفاد التقليل. نحو (قد يجود البخيل فيمدح) أو النفي، نحو (قلما تجتهد فتنجح).
والمراد بالطلب الأمر بالصيغة أو باللام، والنهي، والاستفهام، والتمني والترجي، والعرض، والتحضيض.
أما ما يدل على معنى الأمر بغير صيغة الأمر أو لام الأمر (كاسم فعل الأمر)، نحو (صه، فينام الناس). أو المصدر النائب عن فعل الأمر، نحو (سكوتا، فينام الناس). أو ما لفظه خبر ومعناه الطلب، نحو "حسبك الحديث، فينام الناس")، فلا تقدر "أن" بعده. ويكون الفعل مرفوعا على أصح مذاهب النحاة. وأجاز الكسائي نصبه في كل ذلك. وليس ببعيد من الصواب.
والفعل المنصوب بأن مضمرة وجوبا، بعد الفاء والواو هاتين، مؤول بمصدر يعطف على المصدر المسبوك من الفعل المتقدم. فإذا قلت "زرني فأكرمك، ولا تنه عن خلق وتأتي مثله" فالتقدير "ليكن منك زيارة لي فإكرام مني إياك، ولا يكن منك نهي عن خلق واتيان مثله".
(واعلم أنه إذا سقطت فاء السببية هذه بعد ما يدل على الطلب، يجزم الفعل بعد سقوطها إن قصد بقاء ارتباط ما بعدها بما قبلها ارتباط فعل الشرط بجزائه. فإن اسقطت الفاء في قولك "اجتهد فتنجح"، قتل "اجتهد تنجح". ومنه قوله تعالى {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم}. وقول امرئ القيس
*قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل * بسقط اللوى بين الدخول فحومل*

(فإذا أردت الاستئناف، رفعت الفعل، نحو عدل، ينزل المطر). فليس المراد أن تعجل بنزول المطر. وكذا إذا كانت الجملة نعتا لما قبلها، كقولك "صاحب رجلا يدلك على الله. ومنه قوله {فهب لي من لدنك وليا يرثني} أي وليا وارثا لي. وقد قرئت الآية بالجزم أيضا، على معنى "إن يهب لي وليا يرثني". وكذا إذا كانت الجملة في موضع الحال فإنك ترفع الفعل، نحو "قل الحق لا تبالي اللائمين" أي غير مبال بهم. ومنه قوله تعالى {ولا تمنن تستكثر}، أي مستكثرا).
(4) حتى وهي "حتى الجارة، التي بمعنى "إلى" أو لام التعليل. فالأول نحو "قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى". والثاني نحو "أطع الله حتى تفوز برضاه" أي إلى أن يرجع، ولتفوز. وقد تكون بمعنى "إلا" كقوله
*ليس العطاء من الفضول سماحة * حتى تجود وما لديك قليل*
أي إلا أن تجود. والفعل بعده مؤول بمصدر مجرور بها. ويشترط في نصب الفعل بعدها بأن مضمرة، أن يكون مستقبلا، أما بالنسبة إلى كلام التكلم، واما بالنسبة إلى ما قبلها.

(51/5)


ثم إن كان الاستقبال بالنسبة إلى زمان التكلم وإلى ما قبلها. وجب النصب لأن الفعل مستقبل حقيقة، نحو صم حتى تغيب الشمس" فغياب الشمس مستقبل بالنسبة إلى كلام المتكلم، وهو أيضا مستقبل بالنسبة إلى الصيام, وإن كان الاستقبال بالنسبة إلى ما قبلها فقط، جاز النصب وجاز الرفع. وقد قرئ قوله {وزلزلوا حتى يقول الرسول} بالنصب بأن مضمرة، باعتبار استقبال الفعل بالنسبة إلى ما قبله لأن زلزالهم سابق على قول الرسول. وبالرفع على عدم تقدير "أن"، باعتبار، ان الفعل ليس مستقبلا حقيقة. لأن قول الرسول وقع قبل حكاية قوله، فهو ماض بالنسبة إلى وقت التكلم. لأنه حكاية حال ماضية و "أن" لا تدخل إلا على المستقبل.

فإن أريد بالفعل معنى الحال، فلا تقدر "أن، بل يرفع الفعل بعدها قطعا، لأنها موضوعة للاستقبال، نحو "ناموا حتى ما يستيقظون". ومنه قولهم "مرض زيد حتى ما يرجونه" وتكون "حتى" حينئذ حرف ابتداء والفعل بعدها مرفوع للتجرد من الناصب والجازم. وحتى الابتدائية حرف تبتدأ به الجمل. والجملة بعدها متسأنفة، لا محل لها من الإعراب.
وعلامة كون الفعل للحال أن يصلح وضع الفاء في موضع حتى. فإذا قلت "ناموا فلا يستيقظون، ومرض زيد فلا يرجونه"، صح ذلك.
(5) أو. ولا تضمر بعدها (أن) إلا أن يصلح في موضعها (إلى) أو (إلا) الاسثنائية، فالأول كقول الشاعر
*لأستسهلن الصعب أو أدرك المنى * فما انقادت الآمال إلا لصابر*
أي إلى أن أدرك المنى، والثاني كقول الآخر
*وكنت إذا غمزت قناة قوم * كسرت كعوبها أو تستقيما*
أي إلا أن تستقيم.
والفعل، المنصوب بأن مضمرة بعد (أو)، معطوف على مصدر مفهوم من الفعل المتقدم، وتقديره في البيت الأول (ليكونن مني استسهال للصعب أو إدراك للمنى)، وتقديره في البيت الآخر ليكونن مني كسر لكعوبها أو استقامة منها).
واعلم أن تأويل "أو" بإلى أو إلا. انما هو تقدير يلاحظ فيه المعنى دون الإعراب. أما التقدير الإعرابي باعتبار التركيب فهو أن يؤول الفعل قبل "أو" بمصدر يعطف عليه المصدر المسبوك بعدها بأن المضمرة. كما رأيت وانما أول ما قبل "أو" بمصدر لئلا يلزم عطف الاسم (وهو المصدر المسبوك بأن المقدرة على الفعل. وذلك ممنوع).
شذوذ حذف أن
لا تعمل "أن" مقدرة إلا في المواضع التي سبق ذكرها. وقد ورد حذفها ونصب الفعل بعدها في غير ما سبق الكلام عليه، ومن ذلك قولهم "مره يحفرها" و "خذ اللص قبل يأخذك"، والمثل "تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، وقول الشاعر

*ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى * وأن أشهد اللذات، هل أنت مخلدي؟!*
أي طأن يحفرها، وأن يأخذك، وأن تسمع، وأن أحضر" وذلك شاذ لا يقاس عليه. والفصيح أن يرفع الفعل بعد حذف "أن"، لأن الحرف عامل ضعيف، فإذا حذف بطل عمله. ومن الرفع بعد حذفها قوله تعالى {ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا}، وقوله {قل أفغير الله تأمروني أعبد}، والأصل "أن يريكم، وأن أعبد".
المضارع المجزوم وجوازمه
يجزم المضارع اذا سبقته احدى الجوازم. وهي قسمان. قسم يجزم فعلا واحدا، نحو "لا تيأس من رحمة الله"، وقسم يجزم فعلين، نحو "مهما تفعل تسأل عنه".
وجزمه إما لفظي، إن كان معربا، كما مثل، وإما محلي، إن كان مبنيا، نحو "لا تشتغلن بغير النافع".
الجازم فعلا واحدا
الجازم فعلا واحدا أربعة أحرف وهي "لم ولما ولام الأمر ولا الناهية" وإليك شرحها
لم ولما تسميان حرفي نفي وجزم وقلب، لأنهما تنفيان المضارع، وتجزمانه، وتقلبان زمانه من الحال أو الاستقبال الى المضي، فإن قلت "لم أكتب" أو "لما أكتب"، كان المعنى أنك ما كتبت فيما مضى.
والفرق بين "لم ولما" من أربعة أوجه
(1) أن "لم" للنفي المطلق، فلا يجب استمرار نفي مصحوبها إلى الحال، بل يجوز الاستمرار، كقوله تعالى {لم يلد ولم يولد}، ويجوز عدمه، ولذلك يصح أن تقول "لم أفعل ثم فعلت".
وأما "لما" فهي للنفي المستغرق جميع أجزاء الزمان الماضي، حتى يتصل بالحال، ولذلك لا يصح أن تقول "لما أفعل ثم فعلت"، لأن معنى قولك "لما أفعل" أنك لم تفعل حتى الآن، وقولك "ثم فعلت" يناقض ذلك. لهذا تسمى "حرف استغراق" أيضا لأن النفي بها يستغرق الزمان الماضي كله.

(2) أن المنفي لم لا يتوقع حصوله، والمنفي بلما متوقع الحصول، فإذا قلت "لما أسافر" فسفرك منتظر.
(3) يجوز وقوع "لم" بعد أداة شرط، نحو "إن لم تجتهد تندم". ولا يجوز وقوع "لما" بعدها.
(4) يجوز حذف مجزوم "لما"، نحو "قاربت المدينة ولما"، أي "لوما أدخلها". ولا يجوز ذلك في مجزوم "لم"، إلا في الضرورة، كقول الشاعر

(51/6)


*احفظ وديعتك التي استودعتها * يوم الأعازب، ان وصلت وان لم*
أي "وإن لم تصل" ويروى "إن وصلت" بالمجهول، فيكون التقدير (وإن لم توصل)، قال العيني وهو الصواب.
ولام الأمر يطلب بها إحداث فعل، نحو {لينفق ذو سعة من سعته}.
ولا الناهية يطلب بها تركه، نحو {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك، ولا تبسطها كل البسط، فتقعد ملوما محسورا}.
فوائد
(1) لما، الداخلة على الفعل الماضي، ليست نافية جازمة، وانما هي بمعنى "حين" فإذا قلت "لما اجتهد أكرمته". فالمعنى حين اجتهد أكرمته. ومن الخطأ إدخالها على المضارع اذا أريد بها معنى "حين"، فلا يقال "لما يجتهد أكرمه" بل الصواب أن يقال "حين يجتهد"، لأنها لا تسبق المضارع إلا اذا كانت نافية جازمة.
(2) لام الأمر مكسورة، الا اذا وقعت بعد الواو والفاء فالأكثر تسكينها، نحو فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي". وقد تسكن بعد "ثم".
(3) تدخل لام الأمر على فعل الغائب معلوما ومجهولا، وعلى المخاطب والمتكلم المجهولين وتدخل "لا الناهية على الغائب والمخاطب معلومين ومجهولين. وعلى المتكلم المجهول. ويقل دخولهما على المتكلم المفرد المعلوم. فإن كان مع المتكلم غيره، فدخولهما عليه أهون وأيسر، نحو "ولنحمل خطاياكم" وقول الشاعر
*إذا ما خرجنا من دمشق، فلا نعد * لها أبدا. ما دام فيها الجراضم*

وذلك لأن الواحد لا يأمر نفسه، فإن كان معه غيره هان الأمر لمشاركة غيره له فيما يأمر به، وأقل من ذلك دخول الكلام على المخاطب المعلوم، لأن له صيغة خاصة وهي "إفعل" فيستغنى بها عنه.
(4) اعلم ان طلب الفعل أو تركه، ان كان من الأدنى إلى الأعلى، سمي "دعاء" تأدبا. وسميت اللام و "لا" حرفي دعاء، نحو {ليقض علينا ربك} ونحو {لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا}وكذلك الأمر بالصيغة يسمى فعل دعاء، نحو {رب اغفر لي}.

الجازم فعلين
الذي يجزم فعلين ثلاث عشرة أداة. وهي
(1) إن، نحو {إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله}.
وهي أم الباب. وغيرها مما يجزم فعلين إنما جزمها لتضمنه معناها. فإن قلت (من يزرني أكرمه)، فالمعنى (إن يزرني أحد أكرمه) ولذلك بنيت أدوات الشرط لتضمنها معناها.
(2) إذ ما، كقول الشاعر
*وإنك إذ ما تأت ما أنت آمر * به تلف من تأمر آتيا*
وهي حرف بمعنى (إن). وبقية الأدوات اسماء تضمنت معنى (إن)، فبنيت وجزمت الفعلين. وعملها الجزم قليل. والأكثر أن تهمل ويرفع الفعلان بعدها. وذهب بعضهم إلى أنها لا تجزم إلا في ضرورة الشعر.
(وأصلها "ذا" الظرفية، لحقتها "ما" الزائدة للتوكيد فحملتها معنى "إن"، فصارت حرفا مثلها، لأنها لا معنى لها إلا ربط الجواب بالشرط، بخلاف بقية الأدوات فان لها، غير معنى الربط، معاني أخر، كما ستعلم. ومن النحاة كالمبرد وابن السراج والفارسي - من يجعلها اسما معتبرا فيها معنى الظرفية).
(3) من، وهي اسم مبهم للعاقل، نحو {من يفعل سوءا يجز به}. (4) ما، وهي اسم مبهم لغير العاقل، نحو {وما تفعلوا من خير يعلمه الله}.
(5) مهما، وهي اسم مبهم لغير العاقل أيضا، نحو {وقالوا مهما تأتنا به به من آية لتسحرنا بها، فما نحن لك بمؤمنين}.

(وهي على الصحيح، اما مركبة من "مه" التي هي اسم فعل أمر للزجر والنهي ومعناه "أكفف" ومن "ما" المتضمنة معنى الشرط، ثم جعلا كلمة مواحدة للشرط والجزاء ويدل على هذا أنها أكثر ما تستعمل في مقام الزجر والنهي. واما مركبة من (ما) الشرطية (وما) الزائدة للتوكيد، زيدت عليها كما تزاد على غيرها من أدوات الشرط ثم كرهوا أن يقولوا (ماما) فأبدلوا من ألف الأولى هاء ليختلف اللفظان).
(6) متى، وهي اسم زمان تضمن معنى الشرط، كقول الشاعر
*متى تأته تعشو إلى ضوء ناره * تجد خير نار، عندها خير موقد*
وقد تلحقها "ما" الزائدة للتوكيد كقوله
*متى ما تلقني، فردين، ترجف * روانف أليتيك وتستطارا*
(7) أيان، وهي اسم زمان تضمن معنى الشرط كقول الشاعر
*أيان نؤمنك، تأمن غيرنا، وإذا * لم تدرك الأمن منا لم تزل حذرا*
وكثيرا ما تلحقها "ما" الزائدة للتوكيد، كقول الآخر
*إذا النعجة الأدماء باتت بقفرة * فأيان ما تعدل به الريح ينزل
(وأصلها "أي إن"، فهي مركبة من "أي" المتضمنة معنى الشرط و "آن" بمعنى حين. فصارتا بعد التركيب اسما واحدا للشرط في الزمان المستقبل مبنيا على الفتح).
(8) أين، وهي اسم مكان، تضمن معنى الشرط، نحو "أين تنزل أنزل" وكثيرا ما تلحقها "ما" الزائدة للتوكيد، نحو {أينما تكونوا يدرككم الموت
.
(9) أنى، ولا تلحقمها "ما"، وهي اسم مكان تضمن معنى الشرط، كقول الشاعر
*خليلي، أنى تأتياني تأتيا * أخا غير ما يرضيكما لا يحاول*

(51/7)


(10) حيثما، وهي اسم مكان تضمن معنى الشرط، ولا تجزم إلا مقترنة بما، على الصحيح، كقول الشاعر
*حيثما تستقم يقدر لك الله * نجاحا في غابر الأزمان*

(11) كيفما، وهي اسم مبهم تضمن معنى الشرط، فتقتضي شرطا وجوابا مجزومين عند الكوفيين، سواء ألحقتها "ما"، نحو "كيفما تكن يكن قرينك"، أم لا، نحو "كيف تجلس أجلس".
أما البصريون فهي عندهم بمنزلة "إذ"، تقتضي شرطا وجزاء، ولا تجزم، فهما بعدها مرفوعان غير أنها بالاتفاق تقتضي فعلين متفقي اللفظ والمعنى، كما رأيت سواء أجزمت بها أم لم تجزم.
(فلا يجوز أن يقال "كيفما تجلس أذهب"، لاختلاف لفظ الفعلين ومعناهما. ولا "كيفما تكتب الكتاب أكتب القربة"، أي أخرزها وأخيطها لاختلاف معنى الفعلين وإن اتفق لفظهما. ولا "كيفما تجلس أقعد" لاختلاف لفظ الفعلين وإن اتفق معناهما).
(12) أي. وهي اسم مبهم تضمن معنى الشرط. وهي، من بين أدوات الشرط، معربة بالحركات الثلاث، لملازمتها الإضافة إلى المفرد، التي تبعدها من شبه الحرف، الذي يقتضي بناء الأسماء، فمثالها مرفوعة "أي امريء يخدم أمته تخدمه"، ومثالها منصوبة قوله تعالى {أياما تدعوا فله الأسماء الحسنى}، ومثالها مجرورة بأي قلم تكتب أكتب، وكتاب أي تقرأ أقرأ".
"وهي ملازمة للاضافة إلى المفرد. وقد يحذف المضاف إليه فيلحقها التنوين عوضا منه، كما في الآية الكريمة. إذ التقدير "اي اسم تدعوا" وكما في المثال الرابع، إذ التقدير "كتاب أي رجل".
ويجوز أن تلحقها "ما" الزائدة للتوكيد، كالآية السابقة، وكقوله تعالى {أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي}.
(13) إذا، وقد تلحقها (ما) الزائدة للتوكيد، فيقال (إذا ما). وهي اسم زمان تضمن معنى الشرط. ولا تجزم إلا في الشعر، كقول الشاعر
*إستغن، ما أغناك ربك، بالغنى * وإذا تصبك خصاصة فتجمل*
وقد يجزم بها في النثر على قلة ومنه حديث علي وفاطمة، رضي الله عنهما "إذا أخذتما مضاجعكما، تكبرا أربعا وثلاثين".

والفرق بين (إن) أن الأولى تدخل على ما يشك في حصوله. والثانية تدخل على ما هو محقق الحصول. فإن قلت (إن جئت أكرمتك)، فأنت شاك في مجيئه، وإن قلت (إذا جئت أكرمتك)، فأنت على يقين من مجيئه.
(والجزم باذا شاذ، للمنافاة بينها وبين "إن" الشرطية. وذلك أن أدوات الشرط إنما تجزم لتضمنها معنى "إن" التي هي موضوعة للابهام والشك، وكلمة "إذا" موضوعة للتحقيق فهما متنافيتان).
الشرط والجواب
يجب في الشرط أن يكون فعلا خبريا، متصرفا، غير مقترن بقد، أو لن، أو ما النافية، أو السين أو سوف.
فإن وقع اسم بعد أداة من أدوات الشرط، فهناك فعل مقدر، كقوله تعالى {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره}، فأحد فاعل لفعل محذوف، هو فعل الشرط. وجملة "استجارك" المذكورة مفسرة للفعل المحذوف.
المراد بالفعل الخيري ما ليس أمرا، ولا نهيا ولا مسبوقا بأداة من أدوات الطلب - كالاستفهام والعرض والتحضيض - فلذلك كله لا يقع فعلا للشرط.
والأصل في جواب الشرط أن يكون كفعل الشرط. أي الأصل فيه أن يكون صالحا لأن يكون شرطا. غير أنه قد يقع جوابا ما هو غير صالح لأن يكون شرطا. فيجب حينئذ اقترانه بالفاء لتربطه بالشرط، بسبب فقد المناسبة اللفظية حينئذ بينهما. وتكون الجملة برمتها في محل جزم على أنها جواب الشرط.
وتسمى هذه الفاء "فاء الجواب"، لوقوعها في جواب الشرط، وفاء الربط"، لربطها الجواب بالشرط.
مواضع ربط الجواب بالفاء
يجب ربط جواب الشرط بالفاء في اثني عشر موضعا.
الأول أن يكون الجواب جملة اسمية نحو. {وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير}.
الثاني أن يكون فعلا جامدا، نحو {إن ترني أنا أقل منك مالا وولدا، فعسى ربي أن يؤتيني خيرا من جنتك}.

الثالث أن يكون فعلا طلبيا، نحو {قل إن كنتم تحبون الله، فاتبعوني يحببكم الله}.
الرابع أن يكون ماضيا لفظا ومعنى، وحينئذ يجب أن يكون مقترنا بقد ظاهرة، نحو {إن كان قميصه قد من قبل فصدقت}.
(ولو لم تقدر "قد" لوجب أن يكون الفعل الماضي هنا مستقبل المعنى، وليس الأمر كذلك. ألا ترى أنك ان قلت "إن جئتني أكرمتك"، كان المعنى "إن تجئني أكرمتك" وان قلت "ان جئتني فقد أكرمتك" فالمعنى "إن تجئني فقد سبق إكرامي إياك فيما مضى").
الخامس أن يقترن بقد، نحو "إن تذهب فقد أذهب".
السادس أن يقترن بما النافية، نحو {فإن توليتم فما سألتكم عليه من أجر}.
السابع أن يقترن بلن، نحو {وما تفعلوا من خير فلن تكفروه}.

(51/8)


الثامن أن يقترن بالسين، نحو {ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر، فسيحشرهم إليه جميعا}.
التاسع أن يقترن بسوف، نحو {وإن خفتم عيلة، فسوف يغنيكم الله من فضله}. والعيلة الفقر.
العاشر أن يصدر برب، نحو "إن تجيء فربما أجيء".
الحادي عشر أن يصدر بكأنما، نحو {إنه من قتل نفسا بغير نفس، أو فساد في الأرض، فكأنما قتل الناس جميعا}.
الثاني عشر أن يصدر بأداة شرط، نحو {وإن كان كبر عليك إعراضهم، فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية}، ونحو أن تقول من يجاورك، فإن كان حسن الخلق فتقرب منه".

فإن كان الجواب صالحا لأن يكون شرطا فلا حاجة إلى ربطه بالفاء، لأن بينهما مناسبة لفظية تغني عن ربطه بها. إلا أن يكون مضارعا مثبتا، أو منفيا بلا، فيجوز أن يربط بها وأن لا يربط. وترك الرابط أكثر استعمالا، نحو "إن تعودوا نعد"، ومن الربط بها قوله تعالى {ومن عاد فينتقم الله منه} وقوله {فمن يؤمن بربه، فلا يخاف بخسا ولا رهقا}.
وقد تخلف فاء الجواب "إذا" الفجائية، إن كانت الأداة "إن" أو "إذا" وكان الجواب جملة اسمية خبرية غير مقترنة بأداة نفي أو "إن"، نحو {إن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم، إذا هم يقنطون}، ونحو {فإذا أصاب به من يشاء من عباده، إذا هم يستبشرون}.
حذف فعل الشرط
قد يحذف فعل الشرط بعد "إن" المردفة بلا، نحو "تكلم بخير، وإلا فاسكت قال الشاعر
*فطلقها، فلست لها بكفء * وإلا يعل مفرقك الحسام*
وقد يكون ذلك بعد "من" مردفة بلا، كقولهم "من يسلم عليك فسلم عليه، ومن لا، فلا تعبأ به".
ومما يحذف فيه فعل الشرط أن يقع الجواب بعد الطلب، نحو "جد تسد" والتقدير "جد، فإن تجد تسد".
حذف جواب الشرط
يحذف جواب الشرط إن دل عليه دليل، بشرط أن يكون الشرط ماضيا لفظا، نحو "أنت فائز إن اجتهدت"، أو مضارعا مقترنا بلم، نحو "أنت خاسر إن لم تجتهد".
(ولا يجوز أن يقال "أنت فائز إن تجتهد"، لأن الشرط غير ماض، ولا مقترن بلم).
ويحذف إما جوازا، وإما وجوبا.

فيحذف جوازا، إن لم يكن في الكلام ما يصلح لأن يكون جوابا، وذلك بأن يشعر الشرط نفسه بالجواب، نحو "فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء". أي إن استطعت فافعل، أو بأن يقع الشرط جوابا لكلام، كأن يقول قائل أتكرم سعيدا"، فتقول "إن اجتهد"، أي "إن اجتهد أكرمه".
ويحذف وجوبا، إن كان ما يدل عليه جوابا في المعنى. ولا فرق بين أن يتقدم الدال على جواب الشرط، نحو "أنت فائز إن اجتهدت" أو يتأخر عنه، كأن يتوسط الشرط بين القسم وجوابه، نحو "والله، إن قمت لا أقوم" أو يكتنفه، كأن يتوسط الشرط بين جزءي ما يدل على جوابه نحو "أنت، إن اجتهدت، فائز".
فائدة
الشرط يقتضي جوابا، والقسم كذلك. فإن اجتمع شرط وقسم ولم يسبقهما ما يقتضي خبرا، كالمبتدأ أو ما أصله المبتدأ، كان الجواب للسابق، وكان جواب المتأخر محذوفا، لدلالة جواب الأول عليه. فأن قلت "إن قمت، والله، أقم" فأقم جواب الشرط، وجواب القسم محذوف، لدلالة جواب الشرط عليه. وإن قلت والله، إن قمت لأقومن، فأقومن جواب القسم، وجواب الشرط محذوف، لدلالة جواب القسم عليه، قال تعالى {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن، لا يأتون بمثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا}. فجملة (لا يأتون) جواب القسم المدلول عليه باللام، لأن التقدر "والله لئن اجتمعت". وجواب الشرط محذوف، دل عليه جواب القسم.
وقد يعطى الجواب للشرط، مع تقدم القسم، في ضرورة الشعر كقوله
*لئن كان ما حدثته اليوم صادقا * أصم في نهار القيظ، للشمس باديا*
*وأركب حمارا بين سرج وفروة * وأعر من الخاتام صغرى شماليا*

فإن تقدم عليهما ما يقتضي خبرا، جاز جعل الجواب للشرط، وجاز جعله للقسم. فإن جعلته للقسم. قلت "زهير، والله إن يجتهد، لأكرمنه" وإن أعطيته للشرط، قلت "زهير والله، إن يجتهد أكرمه، ومن العلماء من أوجب إعطاء الجواب للشرط. ولا ريب أن جعله للشرط أرجح، سواء أتقدم الشرط على القسم، أم تأخر عنه. أما إذا لم يتقدمهما ما يقتضي خبرا، فالجواب للسابق منهما، كما أسلفنا.
حذف الشرط والجواب معا
قد يحذف الشرط والجواب معا، وتبقى الأداة وحدها، إن دل عليهما دليل، وذلك خاص بالشعر للضرورة، كقوله
*قالت بنات العم يا سلمى، وإن * كان فقيرا معدما؟ قالت وإن*
أي وإن كان فقيرا معدما فقد رضيته. وقول الآخر

(51/9)


*فإن المنية، من يخشها * فسوف تصادفه أينما*
أي أينما يذهب تصادفه.
وقيل يجوز في النثر على قلة. أما إن بقي شيء من متعلقات الشرط والجواب، فيجوز حذفهما في شعر ونثر، ومنه قولهم "من سلم عليك، فسلم عليه، ومن لا فلا"، أي ومن لا يسلم عليك، لا تسلم عليه، ومنه حديث أبي داود من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا، أي "ومن لم يفعل فما أحسن"، وقولهم "الناس مجزيون بأعمالهم "إن خيرا فخيرا، وإن شرا فشرا"، أي "إن عملوا خيرا، فيجزون خيرا، وإن عملوا شرا فيجزون شرا".
(ويجوز أن تقول "إن خيرا فخيرا وان شرا فشر" برفع ما بعد الفاء على أنه خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير فجزاؤهم خير، فجزاؤهم شر, فتكون الجملة من المبتدأ والخبر في محل جزم على أنها جواب الشرط).
الجزم بالطلب

إذا وقع المضارع جوابا بعد الطلب يجزم كأن يقع بعد أمر أو نهي، أو استفهام أو عرض، أو تحضيض، أو تمن أو ترج، نحو "تعلم تفز" لا تكسل تسد. هل تفعل خيرا، تؤجر. ألا تزورنا تكن مسرورا. هلا تجتهد تنل خيرا، ليتني اجتهدت أكن مسرورا. هلا تجتهد تنل خيرا. ليتني اجتهدت أكن مسرورا. لعلك تطيع اله تفز بالسعادة".
وجزم الفعل بعد الطلب، إنما هو بإن المحذوفة مع فعل الشرط. فتقدير قولك جد تسد "جد، فإن تجد تسد". وتقدير قولك هل تفعل خيرا؟ تؤجر "هل تفعل خيرا؟ فإن تفعل خيرا تؤجر" وقس على ذلك. وقيل إن الجزم بالطلب نفسه لتضمنه معنى الشرط.
واعلم أن الطلب لا يشترط فيه أن يكون بصيغة الأمر، أو النهي، أو الاستفهام، أو غيرها من صيغ الطلب. بل يجزم الفعل بعد الكلام الخبري، إن كان طلبا في المعنى، كقولك "تطيع أبويك، تلق خيرا"، أي أطعهما تلق خيرا. ومنه قولهم "إتقى الله امرؤ فعل خيرا، يثب عليه". أي لتق الله، وليفعل خيرا يثب عليه. ومن ذلك قوله تعالى {هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم؟ تؤمنو بالله ورسوله، وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون، يغفر لكم ذنوبكم}، أي آمنوا وجاهدوا يغفر لكم ذنوبكم. والجزم ليس لأنه جواب الاستفهام، في صدر الآية، لأن غفران الذنوب ليس مرتبطا بالدلالة على التجارة الرابحة، لأنه قد تكون الدلالة على الخير، ولا يكون أثرها من مباشرة فعل الخير. وإنما الجزم لوقوع الفعل جوابا لقوله {تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله}، لأنهما بمعنى آمنوا وجاهدوا.
فالمضارع، في كل ما تقدم، مجزوم لأنه جواب طلب في المعنى، وإن كان خبرا في اللفظ.
فوائد

(1) لا يجب أن يكون الأمر بلفظ الفعل ليصح الجزم بعده، بل يجوز أن يكون أيضا اسم فعل أمر، نحو "صه عن القبيح تؤلف". وجملة خبرية يراد بها الطلب (كما تقدم)، نحو (يرزقني الله مالا انفع به الأمة) أي ليرزقني، "حسبك الحديث ينم الناس".
(2) يشترط لصحة الجزم بعد النهي أن يصح دخول (إن) الشرطية عليه، نحو {لا تدن من الشر تسلم}، إذ يصح أن تقول "إلا تدن من الشر تسلم". فإن لم يصلح دخول إن عليه، وجب رفع الفعل بعده، نحو "لا تدن من الشر تهلك"، برفع تهلك، إذ لا يصح أن نقول "إلا تدن من الشر تهلك"، لفساد المعنى المقصود وأجاز ذلك الكسائي.
(3) لا يجزم الفعل بعد الطلب إلا إذا قصد الجزاء. بأن يقصد بيان أن الفعل مسبب عما قبله، كما أن جزاء الشرط مسبب عن الشرط. فإن لم يقصد ذلك، وجب الرفع إذ ليس هناك شرط مقدر، ومنه قوله تعالى {ولا تمنن تستكثر}، وقوله "فهب لي من لدنك وليا يرثني} وقوله {فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا، لا تخاف دركا ولا تخشى} وقوله {خذ من أموالهم صدة تطهرهم}.
(4) إذا سقطت فاء السببية التي ينصب المضارع بعده، وكانت مسبوقة بما يدل على الطلب، يجزم المضارع إن قصد بقاء ارتباطه بما قبله ارتباط المسبب، كما مر. فإن اسقطت الفاء من قولك "جئني فأكرمك" جزمت ما بعدها، فقلت "جئني أكرمك".
وقد أوضحنا هذا وما قبله، من قبل، في الكلام على "فاء السببية".
اعراب الشرط والجواب
الشرط والجواب يكونان مضارعين، وماضيين، ويكون الأول ماضيا والثاني مضارعا. والأول مضارعا والثاني ماضيا، وهو قليل، ويكون الأول مضارعا أو ماضيا، والثاني جملة مقترنة بالفاء أو بإذا.

فإن كانا مضارعين، وجب جزمهما، نحو {إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} ورفع الجواب ضعيف كقوله
*فقلت تحمل فوق طوقك، إنها * مطبعة، من يأتها لا يضيرها*

(51/10)


وعليه قراءة بعضهم {أينما تكونوا يدرككم الموت" بالرفع.
وإن كان الأول ماضيا، أو مضارعا مسبوقا بلم، والثاني مضارعا، جاز في الجواب الجزم والرفع. فإن رفعت كانت جملته في محل جزم، على أنها جواب الشرط. والجزم أحسن، والرفع حسن. ومن الجزم قوله تعالى {من كان يريد زينة الحياة الدنيا نوف اليهم أعمالهم}. ومن الرفع قول الشاعر
*وإن أتاه خليل يوم مسغبة * يقول لا غائب مالي ولا حرم*
ونقول في المضارع المسبوق بلم "إن لم تقم أقم. إن لم تقم أقوم"، يجزم الجواب ورفعه.
وإن كان الأول مضارعا والثاني ماضيا (وذلك قليل وليس خاصا بالضرورة، كما زعمه بعضهم)، وجب جزم الأول، كحديث "من يقم ليلة القدر ايمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه". ومنه قول الشاعر
*أن يسمعوا سبة طاروا بها فرحا، * عني، وما يسمعوا من صالح دفنوا*
وان وقع الماضي شرطا أو جوابا، جزم محلا نحو {ان أحسنتم أحسنتم لأنفسكم".
وان كان الجواب مضارعا مقترنا بالفاء، نحو "ومن عاد فينتقم الله منه"، امتنع جزمه، لأن العرب التزمت رفعه بعدها. وتكون جملته في محل جزم، على أنها جواب الشرط.
وان كان الجواب جملة مقترنة بالفاء أو (اذا)، كانت الجملة في محل جزم، على أنها جواب الشرط، نحو "{أن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح، وان تنتهوا فهو خير لكم}، ونحو {وان تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم، اذا هم يقنطون}.
فوائد

اذا وقع فعل مقرون بالواو أو الفاء (وزاد بعضهم أو وثم) بعد جواب شرط جازم، جاز فيه الجزم، بالعطف على الجواب. وجاز فيه الرفع على أنه جملة مستأنفة. وجاز النصب بأن مقدرة وجوبا، وهو قليل. وقد قرئت الآية {وان تبدوا ما في أنفسكم، أو تخفوه، يحاسبكم به الله، فيغفر لمن يشاء}، يجزم (يغفر) في قراءة غير عاصم من السبعة، وبرفعه في قراءته، وبالنصب لابن عباس شذوذا. ومن النصب قول الشاعر
*متى ما تلقني فردين ترجف * روانف اليتيك وتستطارا*
(1) اذا وقع الفعل المقرون بالواو أو الفاء بين فعل الشرط وجوابه، جاز فيه الجزم وهو الأكثر، وجاز النصب، وامتنع الرفع نحو "ان تستقم وتجتهد أكرمك"، بجزم (تجتهد)، عطفا على تستقم، وبنصبه بأن مقدرة وجوبا. وانما امتنع الرفع لأنه يقتضي الاستئناف قبل تمام جملة الشرط والجواب، لأن الفعل متوسط بينهما. وذلك ممنوع، لأنه لا معنى للاستئناف حينئذ. ومن النصب قول الشاعر
*ومن يقترب منا، ويخضع، نؤوه * ولا يخش ظلما، ما أقام، ولا هضما*
وقول الآخر
*ومن لا يقدم رجله مطمئنة * فيثبتها في مستوى الأرض، يزلق*
(3) ان وقع فعل مجرد من العاطف بعد فعل الشرط، ولم يقصد به الجواب، أو وقع بعد تمام الشرط والجواب، جاز جزمه، على أنه بدل مما قبله. وجاز رفعه، على أنه جملة في موضع الحال من فاعل ما قبله. فمن الجزم بعد فعل الشرط قول الشاعر
*متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا * تجد حطبا جزلا ونارا تأججا*
ومن الرفع بعده قول الآخر
*متى تأته تعشو إلى ضوء ناره * تجد خير نار، عندها خير موقد*

ومن الجزم والرفع، بعد تمام الشرط والجواب، قوله تعالى "{ومن يفعل ذلك يلق أثاما} يضاعف له العذاب". وقد قريء "يضاعف"، بالجزم على أنه بدل من "يلق". وبالرفع على أنه جملة حالية من فاعل يلق"، أو على أنه جملة مستأنفة.
إعراب أدوات الشرط
أدوات الشرط منها ما هو حرف، وهما "إن وإذ ما" (على خلاف في "إذ ما" كما تقدم). ومنها ما هو اسم مبهم تضمن معنى الشرط، وهي "من وما ومهما وأي وكيفما" ومنها ما هو ظرف زمان تضمن معنى الشرط، وهي "أين وأنى وأيان ومتى وإذ.
ومنها ما هو ظرف مكان تضمن معنى الشرط، وهي "حينما".
فما دل على زمان أو مكان، فهو منصوب محلا على أنه مفعول به لفعل الشرط.
و "من وما ومهما" إن كان فعل الشرط يطلب مفعولا به، فهي منصوبة محلا على انها مفعول به له، نحو "ما تحصل في الصغر ينفعك في الكبر. من تجاور فأحسن إليه. مهما تفعل تسأل عنه". وإن كان لازما أو متعديا استوفى مفعوله، فهي مرفوعة محلا على أنها مبتدأ، وجملة الشرط خبره، نحو "ما يجيء به القدر، فلا مفر منه. من يجد يجد، مهما ينزل بك من خطب فاحتمله ما تفعله تلقه "من تلقه فسلم عليه، مهما تفعلوه تجدوه".
و "كيفما" تكون في موضع نصب على الحال من فاعل فعل الشرط، نحو "كيفما تكن يكن أبناؤك".

(51/11)


و "أي" تكون بحسب ما تضاف إليه، فإن أضيفت إلى زمان أو مكان، كانت مفعولا فيه، نحو "أي يوم تذهب أذهب". اي بلد تسكن أسكن" وإن أضيفت إلى مصدر كانت مفعولا مطلقا، نحو "أي إكرام تكرم أكرم" وإن أضيفت إلى غير الظرف والمصدر، فحكمها حكم "من وما ومهما"، فتكون مفعولا به في نحو "أي كتاب تقرأ تستفد". ومبتدأ في نحو "أي رجل يجد يسد. أي رجل يخدم أمته تخدمه". وكل أدوات الشرط مبنية، إلا "أيا" فهي معربة بالحركات الثلاث، ملازمة للاضافة إلى المفرد، كما رأيت.

(51/12)


( إعراب الأسماء وبناؤها ) ضمن العنوان ( المعرب والمبني من الأسماء )
الأسماء كلها معربة إلا قليلا منها.
ويعرب الاسم إذا سلم من شبه الحرف. ويبنى إذا أشبهه في الوضع أو المعنى، أو الافتقار، أو الاستعمال.
فالشبه على أربعة أضرب
الأول الشبه الوضعي. بأن يكون الإسم موضوعا على حرف واحد، كالتاء من "كتبت"، أو على حرفين، كنا من "كتبنا".
(فالضمائر بنيت لأنها أشبهت الحرف في الوضع، لأن أكثرها موضوع على حرف أو حرفين. وما كان منها موضوعا على أكثر، فإنما بني حملا على أخواته، وذلك لأن أقل ما يبنى منه الاسم ثلاثة أحرف، فما ورد من الأسماء على أقل من ذلك، كان مبنيا لشبهه الحرف في الوضع. وأما نحو "يد و دم"، فهو معرب. لأنه في الأصل ثلاثة أحرف. "دمو ويدي").
الثاني الشبه المعنوي. بأن يشبه الإسم الحرف في معناه. وهو قسمان أحدهما ما أشبه حرفا موجودا، كأسماء الشرط وأسماء الاستفهام. والآخر ما أشبه حرفا غير موجود، حقه أن يوضع فلم يوضع، كأسماء الإشارة.

(فهذه الأسماء بنيت لتضمنها معاني الحروف، لأن ما تحمله من المعنى حقه أن يؤدى بالحرف. فأسماء الشرط أشبهت حرف الشرط، وهو "إن" وأسماء الإستفهام أشبهت حرف الإستفهام، وهو الهمزة، وأسماء الإشارة أشبهت حرفا غير موجود. فبنيت لتضمنها معنى حرف كان ينبغي أن يوضع فلم يضعوه. وذلك لأن الإشارة، من المعاني التي حقها أن تؤدى بالحرف، غير انهم لم يضعوا حرفا للاشارة، كما وضعوا للتمني "ليت"، وللترجي "لعل"، وللاستفهام "الهمزة وهل"، وللشرط "إن".
الثالث الشبه الافتقاري الملازم بأن يحتاج إلى ما بعده احتياجا دائما، ليتمم معناه. وذلك كالأسماء الموصولة وبعض الظروف الملازمة للاضافة إلى الجملة.
(فالأسماء الموصولة بنيت لافتقارها في جميع أحوالها إلى الصلة التي تتمم معناها، كما يفتقر الحرف إلى ما بعده ليظهر معناه، والظروف الملازمة للاضافة إلى الجملة، كحيث وإذا ومنذ الظرفيتين، إنما بنيت لافتقارها إلى جملة تضاف اليها افتقار الحرف إلى ما بعده).
الرابع الشبه الاستعمالي. وهو نوعان نوع يشبه الحرف العامل في الاستعمال، كأسماء الأفعال، فهي تستعمل مؤثرة غير متأثرة، لأنها تعمل عمل الفعل "ولا يعمل فيها غيرها، فهي كحروف الجر وغيرها من الحروف العوامل تؤثر في غيرها ولا يؤثر غيرها فيها. ونوع يشبه الحرف العاطل، (أي غير العامل) في الاستعمال، من حيث إنه مثله لا يؤثر ولا يتأثر، كأسماء الأصوات، فهي كحرفي الاستفهام وحروف التنبيه والتحضيض وغيرها من الحروف العواطل، لا تعمل في غيرها، ولا يعمل غيرها فيها.

(52/1)


( إعراب الأسماء وبناؤها ) ضمن العنوان ( الأسماء المبنية )
الأصل في الأسماء الإعراب، وإنما يبنى منها ما أشبه الحرف كما قدمنا، وهو ألفاظ محصورة.

والأسماء المبنية على نوعين نوع يلازم البناء، ونوع يبنى في بعض الأحوال.
الملازم للبناء من الأسماء
مما يلازم البناء من الأسماء الضمائر وأسماء الإشارة، والأسماء الموصولة، وأسماء الشرط، وأسماء الاستفهام، وأسماء الكناية، وأسماء الأفعال، واسماء الأصوات.
ومنه "لدى ولدن والآن وأمس وقد وعوض"، من الظروف.
و "قط" ظرف للزمان الماضي على سبيل الاستغراق. و "عوض" ظرف للزمان المستقبل كذلك، فهو بمعنى "أبدا"، تقول "ما فعلته قط، ولا أفعله عوض" أي لا أفعله أبدا.
ومنه الظروف الملازمة للاضافة إلى الجملة، كحيث وإذ وإذا ومذ ومنذ، إن جعلا ظرفين.
فحيث، ملازمة للاضافة إلى الجملة، فإن أتى بعدها مفرد رفع على أنه مبتدأ" ونوي خبره، نحو "لا تجلس إلا حيث العلم" أي حيث العلم موجود.
و "مذ ومنذ" معناهما إما ابتداء المدة، نحو "ما رايتك مذ يوم الجمعة"، وإما جميعها، نحو "ما رأيتك منذ يومان". والاسم بعدهما مرفوع على أنه فاعل لفعل محذوف، والتقدير "مذ كان يوم الجمعة، ومنذ كان يومان" (وكان هنا تامة لا ناقصة). فإن جررت بهما كانا حرفي جر، وليسا بظرفين.
و "إذ" ظرف لما مضى من الزمان "وإذا" ظرف للمستقبل منه. وهما مضافان أبدا إلى الجمل، إلا أن "إذ" تضاف إلى كلتا الجملتين، و "إذا" لا تضاف إلى الجملة الفعلية.

ومنه المركب المزجي، الذي تضمن ثانيه معنى حرف العطف، أو كان مختوما بكلمة "ويه". فالأول كأحد عشر إلى تسعة عشر، إلا اثني عشر، ونحو "وقعوا في حيص بيص، وهو جاري بيت بيت، والأمر بين بين، وآتيك صباح مساء وتفرق العدو شذر مذر". وهو مبني على فتح الجزءين. والثاني نحو "جاء سيبويه، ومررت بسيبويه". وحرف التعريف والإضافة لا يخلان ببناء العدد المركب. كالأحد عشر وخمسة عشر.
(وما لم يكن منه متضمنا معنى حرف العطف، ولا مختوما بويه، كان جزؤه الثاني معربا إعراب ما لا ينصرف، للعلمية والتركيب المزجي. أما جزؤه الأول فيبنى على الفتح كبعلبك وحضرموت وبختنصر. ما لم يكن آخره ياء فيبنى على السكون. كمعد يكرب. فان ختم بويه كسيبويه، بني جزؤه الأول على الفتح والثاني على الكسر، كما تقدم).
(وأما اثنا عشر فجزؤه الأول معرب إعراب المثنى. بالألف رفعا وبالياء نصبا وجرا وجزؤه الثاني مبني على الفتح أبدا، ولا محل له من الإعراب. فهو بمنزلة النون من المثنى).
ومنه ما كان على وزن "فعال" علما لأنثى. كحذام ورقاش أو شتما لها. كياخباث ويا كذاب. وهو مبني على الكسر تشبيها له بما كان على هذا الوزن أسماء الأفعال. كنزال وحذار. وكما أشبهه في الوزن. أشبهه في العدل أيضا فخباث معدولة عن خبيثة، وكذاب معدولة عن كاذبة. كما أن "نزال" معدولة عن انزل، و "حذار" عن احذر. وندر أن يستعمل ما كان على وزن "فعال" في شتم الأنثى إلا مع النداء.
ما لا يلزم البناء من الأسماء
من الظروف ما لا يلازم البناء. فهو يبنى في بعض الأحوال، ويعرب في بعض. وذلك كقبل وبعد ودون وأول والجهات الست.

فما قطع منها عن الإضافة لفظا، لا تقديرا (بحيث لا ينسى المضاف إليه) بني على الضم، نحو {لله الأمر من قبل ومن بعد} ونحو "جلست أمام، ورجعت إلى وراء".
وما اضيف منها لفظا، اعرب، نحو "جئت قبل ذلك، وجلست أمام المنبر".
وما عري منها عن الإضافة لفظا وتقديرا (بحيث ينسى المضاف إليه لأنه لا يتعلق به غرض مخصوص) اعرب، نحو "جئت قبلا، وفعلت ذلك من بعد".
ويلحق بهذه الظروف "حسب" عند قطعه عن الإضافة نحو "هذا حسب" أي "حسبي"، بمعنى يكفيني. وقد تزاد الفاء عليه تزيينا للفظ، نحو "الكتاب سميري فحسب" أي هو يكفيني عن غيره. وهو مبني على الضم.
ويلحق بها أيضا "غير" بعد النفي، نحو فعلت هذا لا غير"، أو "ليس غير". وهي مبني على الضم أيضا.

(53/1)


( إعراب الأسماء وبناؤها ) ضمن العنوان ( أنواع إعراب الاسم )
أنواع إعراب الاسم ثلاثة رفع ونصب وجر وعلامة الإعراب فيه إما حركة أو حرف. والأصل فيه أن يعرب بالحركات.
المعرب بالحركات من الأسماء
المعرب بالحركة من الأسماء ثلاثة أنواع الإسم المفرد، وجمع التكسير، وجمع المؤنث السالم.
وهي ترفع بالضمة، وتنصب بالفتحة، وتجر بالكسرة، إلا جمع المؤنث السالم، فينصب بالكسرة بدل الفتحة، نحو "أكرمت الفتيات المجتهدات" والاسم الذي لا ينصرف، فيجر بالفتحة، بدل الكسرة، نحو "ما الفقير القانع بأفضل من الغني الشاكر".
والحركات تكون ظاهرة على آخر الإسم، إن كان صحيح الآخر، غير مضاف إلى ياء المتكلم، نحو "الحق منصور".
فإن كان معتل الآخر بالألف، تقدر على آخره الحركات الثلاث للتعذر، نحو "إن الهدى منى الفتى".

وإن كان معتل الآخر بالياء تقدر على آخره الضمة والكسرة، نحو "حكم القاضي على الجاني" أما الفتحة فتظهر على الياء لخفتها، نحو "أجيبوا الداعي إلى الخير".
الاسم الذي لا ينصرف
الاسم الذي لا ينصرف (ويسمى الممنوع من الصرف أيضا) هو مالا يجوز أن يلحقه تنوين ولا كسرة. كأحمد ويعقوب وعطشان.
وهو على نوعين نوع يمنع لسبب واحد، ونوع يمنع لسببين.
فالممنوع من الصرف لسبب واحد كل اسم كان في آخره ألف التأنيث الممدودة كصحراء وعذراء وزكرياء وأنصباء. أو ألفه المقصورة. كحبلى وذكرى وجرحى. أو كان على وزن منتهى الجموع كمساجد ودراهم ومصابيح وعصافير.
(ولا يشترط فيما كان على وزن منتهى الجموع أن يكون جمعا. بل كل اسم جاء على هذه الصيغة - وإن كان مفردا - فهو ممنوع من الصرف كسراويل وطباشير وشراحيل).
والممنوع من الصرف لسببين إما علم وإما صفة.
العلم الممنوع من الصرف
يمنع العلم من الصرف في سبعة مواضع
(1) أن يكون علما مؤنثا. سواء أكان مؤنثا بالتاء كفاطمة وعزة وطلحة وحمزة، أم مؤنثا معنويا كسعاد وزينب وسقر ولظى. إلا ما كان عربيا ثلاثيا ساكن الوسط، كدعد وهند وجمل، فيجوز منعه وصرفه والأولى صرفه. إلا أن يكون منقولا عن مذكر، كأن تسمي امرأة بقيس أو سعد، فإنك تمنعه من الصرف وجوبا، وإن كان ساكن الوسط. فإن كان الثلاثي الساكن الوسط أعجميا، وجب منعه كماه وجور وحمص وبلخ ونيس وروز.

وإذا سميت مذكرا بنحو "سعاد وزينب وعناق وعقرب وعنكبوت" من الأسماء المؤنثة وضعا، الزائدة على ثلاثة أحرف، منعته من الصرف، العلمية والتأنيث الأصلي. فإن كان على ثلاثة أحرف، كدعد وعنق، صرفته. وإن كان التأنيث عارضا، كدلال ورباب ووداد، أعلاما لأنثى، منعتها من الصرف. فإن سميت بها مذكرا صرفتها، لأنها في الأصل مذكرات. فالدلال والوداد مصدران. والرباب السحاب الأبيض، وبه سميت المرأة. أما إن سميت مذكرا بصفة من صفات المؤنث الخالية من التاء، فانك تصرفه، كأن تسمي رجلا مرضعا أو متئما. والكوفيون يمنعونه من الصرف.
وأسماء القبائل مؤنثة. ولك فيها وجهان منعها من الصرف، باعتبار أنها أعلام لمؤنثات، نحو "رأيت تميم"، تعني القبيلة، ولك صرفها، باعتبار أن هناك مضافا محذوفا نحو "رأيت تميما"، تعني بني تميم. فحذفت المضاف وأقمت المضاف إليه مقامه فإن قلت "جاء بنو تميم" صرفت تميما قولا واحدا. لأنك تعني بتميم أبا القبيلة لا القبيلة نفسها.
وما سمي به مما يجمع بالألف والتاء كعرفات وأذرعات جاز منعه من الصرف، وجاز صرفه وإعرابه كأصله، وهو الأفصح.
وما كان على وزن "فعال" علما لمؤنث، كحذام وقطام ورقاش ونوار فأهل الحجاز يبنونه على الكسر، في جميع أحواله فيقولون قالت حذام، وسمعت حذام، ووعيت قول حذام". قال الشاعر
*إذا قالت حذام فصدقوها * فإن القول ما قالت حذام*
وبنو تميم يمنعونه من الصرف للعمية والتأنيث، فيقولون "قالت حذام"، وسمعت حذام، ووعيت قول حذام".
(ومن العماء من يمنعه للعلمية والعدل، باعتبار عدل هذه الأسماء عن حاذمة وفاطمة وراقشة ونائرة. ومنعها للعلمية والتأنيث أولى).

(2) أن يكون علما أعجميا زائدا على ثلاثة أحرف كإبراهيم وأنطون وإنما يمنع إذا كانت علميته في لغته. فإن كان في لغته اسم جنس، كلجام وفرند ونحوهما مما يستعمل في لغته علما، يصرف إن سميت به.
وما كان منه على ثلاثة أحرف صرف، سواء أكان محرك الوسط، نحو لمك، أم ساكنه، كنوح وجول وجاك.
(وقيل ما كان محرك الوسط يمنع، وما كان ساكنه يصرف، وقيل ما كان ساكنه يصرف ويمنع. وليس بشيء والصرف في كل ذلك هو ما اعتمده المحققون من النحاة).

(54/1)


(3) أن يكون علما موازنا للفعل. ولا فرق بين أن يكون منقولا عن فعل، كيشكر ويزيد وشمر. أو عن اسم على وزنه، كدئل وإستبرق واسعد، مسمى بها.
والمعتبر في المنع إنما هو الوزن المختص بالفعل، أو الغالب فيه. أما الوزن الغالب في الاسم، الكثير فيه، فلا يعتبر، وإن شاركه فيه الفعل. وذلك كأن يكون على وزن "فعل" كحسن ورجب. أو "فعل" ككتف وخصر. أو "فعل" كعضد. أو "فاعل" كصالح. أو "فعلل" كجعفر فإن سميت بما كان على هذه الأوزان انصرف.
والمراد بالوزن المختص بالفعل أن يكون لا نظير له في الأسماء العربية وإن وجد فهو نادر لا يعبأ به. فمثل "دئل" هو على صيغة الماضي المجهول. لكنه نادر في الأسماء. فلم تمنع ندرته أن يكون هذا الوزن من خصائص الفعل ويندرج فيه ما جاء على صيغة الماضي الثلاثي المجهول، الذي لم يعل ولم يدغم كدئل وكأن تسمي رجلا "كتب"، وكل صيغ الأفعال المزيد فيها، معلومة ومجهولة. إلا ما جاء على وزن الأمر من صيغة "فاعل يفاعل" كصالح علما. فانه على وزن "صالح" فعل أمر. فما جاء من الأعلام على وزن مختص بالفعل، منعته من الصرف.

والمراد بالوزن الذي يغلب في الفعل أن يكون في الأفعال أكثر منه في الأسماء. فغلبته في الفعل جعلته أحق به من الاسم وأولى. ويندرج فيه ما جاء على صيغة الأمر من الثلاثي المجرد. كأن تسمي رجلا "إثمد" أو "اصبع" أو "أبلم". فإنها موازنة لقولك "إجلس وافتح وانصر" وما كان على صيغة المضارع المعلوم من الثلاثي المجرد، مما أوله حرف زائد من أحرف المضارعة مثل "أحمد ويشكر وتغلب" أعلاما فما جاء من الأعلام على وزن يغلب في الفعل، منعته من الصرف أيضا.
فائدة
(1) إن ما جاء على وزن الفعل، مما سميت به ثلاثة أنواع نوع منقول عن اسم كدئل واستبرق. ونوع منقول عن صفة كأحمر وأزرق. ونوع منقول عن فعل كيشكر ويزيد. وكلها يشترط في منعها من الصرف أن تكون على وزن يختص بالفعل أو يغلب فيه، كما تقدم. ومن العلماء كعيسى بن عمر - شيخ الخليل وسيبويه - ومن تابعه، من يمنع العلم المنقول عن فعل مطلقا، وإن جاء على ما يغلب في الأسماء. كأن تسمي رجلا "كتب، او حمد او طرف او حوقل". ويصرف ما عداه من المنقول عن اسم كرجب او عن صفة كحسن. وما قوله ببعيد من الصواب. وإن خالفه الجمهور. وفي مقدمتهم تلميذه سيبويه. لأن النقل عن الفعل ليس كالنقل عن اسم او صفة. فهو قوة له في منعه من الصرف.

(2) العلم المنقول عن فعل، يجوز أن تعامله معاملة الأسماء الممنوعة من الصرف فترفعه بالضمة، وتنصبه وتجره بالفتحة. ويجوز أن تعامله معاملة الجملة المحكية. فإن روعي في أصل النقل. أنه منقول من الفعل مجردا عن ضميره، يعرب إعراب ما لا ينصرف، وهذا هو الأكثر في الأفعال المنقولة. فتقول "جاء يشكر وشمر، ورأيت يشكر واشمر، ومررت بيشكر وشمر". وإن كان مراعى فيه أنه منقول عن الجملة. أي عن الفعل مضمرا فيه الفاعل، يعرب إعراب الجملة المحكية فتبقيه على حاله من الحركة أو السكون، رفعا ونصبا وجرا. لأنه نقل عن جملة محكية". فيحكة على ما كان عليه. فإن سميت رجلا "يكتب أو استخرج"، باعتبار أن كل واحد منهما جملة مشتملة على فعل وفاعل مضمر، قلت جاء يكتب واستخرج" ورأيت يكتب واستخرج، ومررت بيكتب واستخرج".
وعليه قوله
*نبئت أخوالي، بني تزيد * ظلما علينا لهم فديد*
وهذا يجري مع المنقول عن فعل يغلب وزنه في الاسماء قولا واحدا. لأن إعرابه إعراب المحكي، لا إعراب ما لا ينصرف. وعليه فتقول فيمن سميته كتب، منقولا إلى العلمية مع ضميره، "جاء كتب، ورأيت كتب، ومررت بكتب".
(3) ما كان مبدوءا بهمزة وصل من الافعال التي سميت بها، فإنك تقطع همزته بعد نقله إلى العلمية. لانه يلتحق بنظائره من الاسماء بعد التسمية به. فإن سميت بانصرف واستخرج ونحوهما، قلت "جاء انطلق واستخرج"، بقطع الهمزة. أما الاسماء المسمى، بها، كانطلاق واستخراج، فلا تقطع همزتها بعد التسمية بها، بل تبقى على حالها. لان نظيرها من الاسماء همزته موصولة.
(4) ان يكون علما مركبا تركيب مزج، غير مختوم بويه كبعلبك وحضرموت ومعدي كرب وقالي قلا.
(5) أن يكون علما مزيدا فيه الألف والنون كعثمان وعمران وغطفان.

(6) أن يكون علما معدولا بأن يكون على وزن "فعل". فيقدر معدولا على وزن "فاعل". وذلك كعمر وزفر وزحل وثعل. وهي معدولة عن عامر وزافر وزاحل وثاعل.
وهذا العدل تقديري لا حقيقي. وذلك ان النحاة وجدوا الأعلام التي على وزن "فعل" غير منصرفة، وليس فيها إلا العلمية. وهي لا تكفي وحدها في منع الصرف فقدروا أنها معدولة عن وزن "فاعل"، لأن صيغة "فعل" وردت كثيرا محولة عن وزن فاعل كغدر وفسق بمعنى غادر وفاسق).
وما سمع منصرفا، مما كان على هذا الوزن، كأدد، لم يحكم بعدله.

(54/2)


وقد أحصى النحاة ما سمع من ذلك غير منصرف فكان خمسة عشر علما. وهي عمر وزفر وزحل وثعل وجشم وجمح وقزح ودلف وعصم وجحى وبلع ومضر وهبل وهذل وقثم" وعدها السيوطي في "همع الهوامع" أربعة عشر، بإسقاط "هذل".
ويلحق بها "جمع وكتع وبصع وبتع". وهي أسماء يؤكد بها الجمع المؤنث، نحو "جاءت النساء جمع وكتع وبصع وبتع" أي جميعهن، و "رأيتهن جمع وكتع وبصع وبتع" و "مررت بهن جمع وكتع وبصع وبتع". فهي ممنوعة من الصرف للتعريف وللعدل.
(أما كونها معرفة، فبدليل أنها تؤكد بها المعرفة. كما رأيت. وتعريفها هو بالإضافة المقدرة إلى ضمر المؤكد، إذ التقدير "جاء النساء جميعهن". وأما كونها معدولة، فلأن مفردها جمعاء وكتعاء وبصعاء وبتعاء. فحقها أن تجمع على "جمعاوات وكتعاوات الخ". لأن ما كان على وزن "فعلاء" اسما، فحقه أن يجمع على "فعلاوات" كصحراء وصحراوات. ولكنهم عدلوا بها عن "فعلاوات" إلى "فعل").
ومما جاء غير مصروف للتعريف والعدل، سحر "مجردا من الألف واللام والإضافة مرادا به سحر يوم بعينه. وإن كان كذلك فلا يكون إلا ظرفا كجئت يوم الجمعة سحر.

(أما كونه معرفة، فلأنه أريد به معين. وأما كونه معدولا، فإنه معدول عن "السحر" بالألف واللام. فإن التقدير "جئت يوم الجمعة السحر").
(7) أن يكون علما مزيدا في آخره الف للالحاق كأرطى وذفرى، إذا سميت بها. وألفها زائدة لألحاق وزنهما بجعفر.
الصفة الممنوعة من الصرف
متنع الصفة من الصرف في ثلاثة مواضع
(1) أن تكون صفة أصلية على وزن "أفعل" كأحمر وأفضل.
ويشترط فيها ألا تؤنث بالتاء، فإن أنثت بها لم تمنع كأرمل، فإن مؤنثه أرملة. والأرمل الفقير.
(فإن كانت الوصفية عارضة لاسم على وزن "أفعل" لم تمنع من الصرف. وذلك كأربع وأرنب في قولك "مررت بنساء أربع ورجل أرنب". فأربع في الأصل اسم للعدد، ثم وصف به، فكأنك قلت بنساء معدودات بأربع. وأرنب للحيوان المعروف. ثم أريد به معنى الجبان والذليل، فالوصف بهما عارض، ومن ثم لم يؤثر في منعهما من الصرف.
وإن كانت الاسمية عارضة للصفة لم يضر عروضها، فتبقى ممنوعة من الصرف - كما لم يضر عروض الوصفية للاسم، فيبقى منصرفا. وذلك كأدهم - للقيد - وأسود - للحية - وأرقم للحية المنقطة - وأبطح - للمسيل فيه دقيق الحصى واجرع - للرملة المستوية لا تنبت شيئا. فهي ممنوعة من الصرف، وإن استعملت استعمال الأسماء، لأنها صفات، فلم يلتفتوا إلى ما طرأ عليها من الاسمية، كما لم يلتفتوا إلى ما طرأ عليها على ما سبق من الوصفية وبعضهم يعتد باسميتها الحاضرة فيصرفها وأما "أجدل" - الصقر - و "أخيل" - لطائر ذي خيلان - و "أفعى" للحية، فهي منصرفة في لغة الأكثر. لأنها أسماء في الأصل والحال. وبعضهم يمنعها من الصرف لامحا فيها معنى الصفة. وهي القوة في أجدل والتلون في أخيل، والإيذاء في أفعى. وعليه قول الشاعر
*كأن العقيليين، حين لقيتهم، * فراخ القطا لاقين أجدل بازيا*
وقول الآخر
*ذريني وعلمي بالأمور وشيمتي * فما طائري يوما علي بأخيلا*

(2) أن تكون صفة على وزن "فعلان" كعطشان وسكران ويشترط في منعها أن لا تؤنث بالتاء. فإن أنثت بها لم تمتنع كسيفان - وهو الطويل - ومصان - وهو اللئيم - وندمان - وهو النديم لأن مؤنثها سيفانة ومصانة وندمانة.
وقد أحصوا ما جاء على وزن "فعلان"، مما يؤنث على "فعلانة"، فكان ثلاث عشرة صفة، وهي "ندمان"، النديم، و "حبلان"، للعظيم البطن و "دخنان"، لليوم المظلم، و "سيفان" للطويل، و "صوجان" لليابس الظهر من الدواب والناس، و "صيحان" لليوم الذي لا غيم فيه، "وسخنان"، لليوم الحار، و "موتان" للضعيف الفؤاد البليد، و "علان"، للكثير النسيان، و "فشوان"، للدقيق الضعيف، و "نصران"، لواحد النصارى، و "مصان"، للئيم، و "اليان"، لكبير الآلية. فهذه كلها منصرفة، لأنها تؤنث بالتاء, وما عداها فممنوع، لأن مؤنثه على وزن "فعلى" كغضبان وغضبى، وعطشان وعطشى، وسكران وسكرى، وجوعان وجوعى. وأما نحو "أرونان" - وهو الصعب من الأيام - فمنصرف لأمرين الأول لأنه ليس على وزن "فعلان"، والثاني لأنه يؤنث بالتاء، فيقالث "يوم أرونان، وليلة أرونانة"، أي صعبة شديدة.
(3) أن تكون صفة معدولة، وذلك بأن تكون الصفة معدولة عن وزن آخر. ويكون العدل مع الوصف في موضعين
الأول الأعداد على وزن "فعال أو مفعل" "كأحاد وموحد، وثناء ومثنى، وثلاث ومثلث، ورباع ومربع.

(54/3)


(وهي معدولة عن واحد واحد واثنين اثنين الخ، فإذا قلت "جاء القوم مثنى"، فالمعنى انهم جاءوا اثنين اثنين. وقد قالوا ان العدل في الأعداد مسموع عن العرب إلى الأربعة. غير أن النحويين قاسوا ذلك إلى العشرة، والحق انه مسموع في الواحد والعشرة وما بينهما).

الثاني أخر، في نحو قولك "مررت بنساء أخر" قال تعالى {فعدة من ايام أخر}. وهي جمع أخرى، مؤنث آخر. وآخر (بفتح الخاء) اسم تفضيل على وزن "أفعل" بمعنى مغاير. وكان القياس أن يقال "مررت بنساء آخر" كما يقال "مررت بنساء أفضل" - بإفراد الصفة وتذكيرها - لا "بنساء أخر"، كما لا يقال "بنساء فضل"، لأن أفعل التفضيل، إن كان مجردا من "أل" والإضافة لا يؤنث ولا يثنى ولا يجمع.
(وقد علمت في مبحث اسم التفضيل، في الجزء الأول، انه إن كان مجردا من "أل" والإضافة وجب استعماله مفردا مذكرا، وإن كان موصوفه مثنى أو مجموعا أو مؤنثا، سواء أريد به معنى التفضيل أولا. كما هي الحال هنا. تقول أخلاقك أطيب، وآدابك أرفع، وشمائلك أحلى" أما آخر فعدلوا به عن هذا الاستعمال، فقد استعملوه موافقا للموصوف. فقالوا "آخر وآخران وآخرون، وأخرى وأخريان وأخر". على خلاف القياس، وكان القياس أن يقال آخر للجميع. فالعدل به عن القياس إحدى العلتين في منعه من الصرف. وإنما اختصت "أخر" في جعل عدلها مانعا من الصرف. لأن آخر ممنوع منه لوزن الفعل. وأخرى لألف التأنيث. وآخران وأخريان وآخرون معربة بالحرف.
واعلم انه لم يسمع شيء من الصفات التي جاءت على وزن "فعل" ممنوعا من الصرف إلا "أخر" فقدروا فيها العدل. ليكون على أخرى مع الوصفية).
حكم الاسم الممنوع من الصرف
حكم الاسم الممنوع من الصرف أن يمنع من التنوين والكسرة، وأن يجر بالفتحة نحو "مررت بأفضل منه"، إلا إذا سبقته "أل" أو أضيف، فيجر بالكسرة، على الأصل، نحو "أحسنت إلى الأفضل أو إلى أفضل الناس".
وقد يصرف (أي ينون ويجر بالكسرة) غير مسبوق بأل ولا مضافا، وذلك في ضرورة الشعر كقول السيدة فاطمة بنت الرسول ترثي أباها، صلى الله عليه وآله وسلم

*ماذا على من شم تربة أحمد * أن لا يشم مدى الزمان غواليا*
والمنقوص المستحق المنع من الصرف، كجوار وغواش تحذف ياؤه رفعا وجرا، وينون، نحو "جاءت جوار، ومررت بجوار". ولو سميت امرأة بناج، قلت "جاءت ناج، ومررت بناج".
ويكون الجر بفتحة مقدرة على الياء المحذوفة، كما يكون الرفع بضكو مقدرة عليها كذلك. أما في حالة النصب، فتثبت الياء مفتوحة نحو "رأيت جواري وناجي".
وقد جاء في الشعر إثبات يائه، في حالة الجر، ظاهرة عليها الفتحة كقوله
*فلو كان عبد الله مولى، هجوته * ولكن عبد الله مولى مواليا*
ومن النحاة من يثبت ياء المنقوص الممنوع من الصرف، إذا كان علما، في أحواله الثلاثة. فيقول "جاءت ناجي، ورأيت ناجي، ومررت بناجي".
واعلم أن تنوين المنقوص، المستحق المنع من الصرف، إنما هو تنوين عوض من الياء المحذوفة، لا تنوين صرف كتنوين الأسماء المنصرفة لأنه ممنوع منه.
(1) أجاز بعضهم صرف ما حقه أن يمنع، مطلقا في نظم أو نثر. وهي لغة حكاها الأخفش وقال كأنها لغة الشعراء. لأنهم اضطروا اليه في الشعر، فجرى على ألسنتهم ذلك في الكلام. ولا ريب أنها لغة ضعيفة، لا يلتفت إليها.

(2) إذا عرض للعلم الممنوع من الصرف التنكير، كأن يراد به واحد لا بعينه ممن سمي به فإنه ينصرف، نحو (جاءني عمر من العمرين، وفاطمة من الفاطمات، وابراهيم من الإبراهيميين، وأحمد من الأحمدين، وعثمان من العثمانين)، ونحو (رب سعاد وعمران ويزيد ويوسف ومعد يكرب لقيت). إلا إذا كان منقولا عن صفة، كمن سميته أحمر ويقظان)، فإنه لا ينصرف على المختار من أقوال النحاة. وهو ما ذهب إليه سيبويه. لأنه قبل نقله من الوصفية إلى العلمية، كان ممنوعا من الصرف. فإذا فقد العلمية رجع إلى أصله من المنع، اعتدادا بهذا الأصل ولم يفعلوا ذلك في غير الصفات الممنوعة، لأنه بزوال العلمية، التي هي أحد سببي المنع، لم يبق إلا سبب واحد فلا يكفي في المنع من الصرف.
(3) أجاز الكوفيون والأخفش وأبو علي الفارسي للشاعر أن يمنع صرف ما حقه أن ينصرف. وعليه قول الأخطل
*طلب الأرزاق بالكتائب، إذ هوت * بشبيب غائلة النفوس، غدور*
وقول العباس بن مرداس
وما كان حصن ولا حابس * يفوقان مرداس في مجمع*
واختاره ابن مالك. وهو الصحيح، كما قال ابن هشام، لكثرة ما ورد منه.
وعن ثعلب أنه أجاز منع المنصرف مطلقا، في نظم أو نثر. وبعضهم خص ذلك بما كان علما. وبعضهم أجاز صرف ما كان على صيغة منتهى الجموع. والحق الاقتصار على ما ذكرنا.
المعرب بالحروف من الأسماء

(54/4)


المعرب بالحروف من الأسماء ثلاثة أنواع المثنى، وجمع المذكر السالم، والأسماء الخمسة.
فالمثنى يرفع بالألف، مثل (أفلح المجتهدان). وينصب ويجر بالياء المفتوح ما قبلها المكسور ما بعدها مثل (أكرمت المجتهدين، وأحسنت إلى المجتهدين).
ومن الرعب من يلزم المثنى الألف، رفعا ونصبا وجرا، وهم بنو الحارث ابن كعب، وخثعم، وزبيد وكنانة وآخرون، فيقولون "جاء الرجلان، ورأيت الرجلان، ومررت بالرجلان". وعليه قول الشاعر

*تزود منا بين أذناه طعنة * دعته إلى هابي التراب، عقيم*
وقول الآخر
*إن أباها وأبا أباها * قد بلغا في المجد غايتاها*
وحملوا على هذه اللغة قراءة من قرأ {إن هذان لساحران} بتشديد "إن". وقرئ "إن هذان"، بتخفيفها، "وإن هذين" بتشديدها ونصب هذين بالياء.
وجمع المذكر السالم يرفع بالواو، مثل "أفلح المجتهدون". وينصب ويجر بالياء المكسور ما قبلها المفتوح ما بعدها، مثل "أكرمت المجتهدين، وأحسنت إلى المجتهدين".
والأسماء الخمسة هي "أب وأخ وحم وفو وذو". وهي ترفع بالواو، مثل "جاء أبو الفضل"، وتنصب بالألف، مثل "أكرم أباك" وتجر بالياء، مثل "عامل الصديق معاملة أخيك".
وهي لا تعرب كذلك إلا إذا كانت مفردة مضافة إلى غير ياء المتكلم. فإن كانت مثناة، أو مجموعة، فتعرب إعراب المثنى أو الجمع، مثل "أكرم أبويك، واقتد بصالح آبائك، واعتصم بذوي الأخلاق الحسنة".
وإن قطعت عن الإضافة كانت معربة بحركات ظاهرة، مثل "هذا أب صالح، وأكرم الفم عن بذيء الكلام، وتمسك بالأخ الصادق".
وإن أضيفت إلى ياء المتكلم كانت معربة بحركات مقدرة على آخرها، يمنع من ظهورها كسرة المناسبة مثل "أبي رجل صالح، وأكرمت أبي، ولزمت طاعة أبي".
ومن العرب من يقول في أب وأخ وحم "هذا أبك، ورأيت أبك، ومررت بأبك". بحذف الآخر، ويعرب الاسم بحركات ظاهرة. ومنه قوله
*بأبه اقتدى عدي في الكرم * ومن يشابه أبه فما ظلم*
ومن قال "هذا أبك" قال في التثنية "هذان أبان". ومن قال "هذا أبوك"، قال هذان أبوان.

ومنهم من يلزم ذلك الألف، في حالات الإعراب الثلاث، ويعربه إعراب الاسم المقصور، بحركات مقدرة على الألف، سواء أأضيف أم لم يضف. فيقول هذا أبا، ورأيت أبا، ومررت بأبا". ويقول هذا الأبا، ورأيت الأبا، ومررت بالأبا، باعتبار أنه اسم مقصور. كما تقول "هذه عصا، وهذه العصا". لأن الأصل "أبو"، قلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، كما قلت في "عصا" وأصلها "عصر". ومنه المثل "مكره أخاك لا بطل"، وقول الشاعر "إن أباها وأبا أباها .... البيت". ومن قال هذا "أبا"، قال في التثنية "هذان أبوان"، كما يقول "هاتان عصوان". يقلب الألف واوا.
إعراب الملحق بالمثنى
يعرب "اثنتان اثنان" إعراب المثنى.
ويعرب "كلا وكلتا" إعراب المثنى، إذا أضيفا إلى ضمير، مثل "جاء الرجلان كلاهما والمرأتان كلتاهما، ورأيت الرجلين كليهما والمرأتين كلتيهما، ومررت بالرجلين كليهما والمرأتين كلتيهما". فإن أضيفتا إلى غير الضمير أعربا إعراب الاسم المقصور، بحركات مقدرة على الألف رفعا ونصبا وجرا، مثل جاء كلا الرجلين وكلتا المرأتين، ورأيت كلا الرجلين وكلتا المرأتين، ومررت بكلا الرجلين وكلتا المرأتين".
وكلا وكلتا اسمان ملازمان للاضافة. ولفظهما مفرد ومعناهما مثنى ولذلك يجوز الإخبار عنهما بما يحمل ضمير المفرد، باعتبار لفظهما، وضمير المثنى باعتبار معناهما، فنقول "كلا الرجلين عالم، وكلاهما عالمان" وقد اجتمعا في قول الشاعر
*كلاهما حين جد الجري بينهما * قد أقلعا، وكلا أنفيهما رابي*
إلا أن اعتبار اللفظ أكثر، وبه جاء القرآن الكريم، قال تعالى {كلتا الجنتين آتت أكلها}، ولم يقل "آتتا".

ويعرب ما سمي به من الأسماء المثناة إعراب المثنى، لأنه ملحق به، فتقول "جاء حسنان وزيدان، ورأيت حسنين وزيدين، ومررت بحسنين وزيدين". ويجوز أن يلزم الألف ويعرب إعراب مالا ينصرف، تشبيها له بنحو عمران وسلمان" تقول "جاء زيدان وحسنان، ورأيت زيدان وحسنان، ومررت بزيدان وحسنان" كما تقول "جاء عمران، ورأيت عمران، ومررت بعمران" ويكون منعه من الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون.
فائدتان

(54/5)


(1) قال ابن هشام في المغني وقد سئلت قديما عن قول القائل "زيد وعمرو كلاهما قائم. أو كلاهما قائمان". فكتبت إن قدر (كلاهما) توكيدا قيل "قائمان" لأنه خبر عن "زيد وعمرو"، وإن قدر مبتدأ، فالوجهان، والمختار الإفراد. وعلى هذا، فإذا قيل "إن زيد وعمرا" فإن قيل "كليهما" قيل "قائمان" أو "كلاهما" فالوجهان. ويتعين مراعاة اللفظ في نحو "كلاهما محب لصاحبه"، لان معناه كل واحد منهما، وقوله
*كلانا غني عن أخيه حياته * ونحن، إذا متنا، أشد تغانيا*
(3) يؤكد بكلا المثنى المذكر. وبكلتا المثنى المؤنث، ويضافان أبدا لفظا ومعنى إلى اسم واحد معرفة، دال على اثنين إما بلفظه، نحو "جاء كلا الرجلين" وإما بمعناه. كقول الشاعر
*إن للخير وللشر مدى * وكلا ذلك وجه وقبل*
أي وكلا ما ذكر من الخير والشر ولا يضافان إلى مفرد، وأما قول الشاعر
*كلا اخي وخليلي واجدي ابدا * في النائبات وإلمام الملمات*
فضرورة نادرة، لا يلتفت اليها ولا يستشهد بها، ولا تباح في شيء من الكلام، حتى الشعر لان الضرورة إنما يستشهد بها، إذا كانت كثيرة. فإن كثرت في كلامهم جاز للشاعر ارتكابها.
إعراب الملحق بجمع المذكر السالم
يعرب الملحق بجمع المذكر السالم "وهو ما جمع هذا الجمع على غير قياس" إعراب جمع المذكر السالم.

ويجوز في نحو "بنين وسنين وعضين وثبين" وما أشبهها أن يعرب إعراب هذا الجمع، وهو الافصح فيقال "مرت علي سنون، واغتربت سنين، وأنجزت هذا العمل في سنين". قال تعالى {ألكم البنات وله البنون؟} ويجوز أن تلزمه الياء مع التنوين، تشبيها له بحين، فيعرب بالضمة رفعا، وبالفتحة نصبا، وبالكسرة جرا. تقول "مرت علي سنين كثيرة. ومكثت مغتربا سنينا كثيرة، أو ثماني سنين". وعليه قول الشاعر
*دعاني من نجد، فإن سنينه * لعبن بنا شيبا وشيبننا مردا*
وقول الآخر
وكان لنا أبو حسن، علي، * أبا برا ونحن له بنين*
ويجوز فيما سمي به من هذا الجمع أن يعرب إعرابه. فنقول "جاء عابدون وزيدون، ورأيت عابدين وزيدين، ومررت بعابدين وزيدين". وهو الأفصح. ويجوز أن يلزم الياء والنون مع التنوين، والإعراب بالحركات الثلاث. فنقول جاء زيدون، ورأيت زيدونا، ومررت بزيدون. ويجوز أن يلزم الواو والنون بلا تنوين، ويعرب إعراب مالا ينصرف، تشبيها له بهارون، فيجري مجراه. ويكون ممنوعا من الصرف للعلمية وشبه العجمة. فنقول جاء عابدون وحمدون وخلدون وزيدون، ورأيت عابدون وحمدون وخلدون وزيدون، ومررت بعابدون وحمدون وخلدون وزيدون" كما تقول جاء هارون، ورأيت هارون، ومررت بهارون.
إعراب الملحق بجمع المؤنث السالم
تعرب "أولات" كجمع المؤنث السالم، بالضمة رفعا، وبالكسرة نصبا وجرا. قال تعالى {وإن كن أولات حمل}. وتقول (أولات الأخلاق الطيبة محبوبات) و (ارج الخير من أولات الحياء والصلاح والعلم).

ويعرب ما سمي به من هذا الجمع إعرابه، فتقول "هذه اذرعات وعرفات، ورأيت اذرعات وعرفات، وسافرت إلى اذرعات وعرفات". هذا هو الفصيح. قال تعالى {فإذا افضتم من عرفات} ويجوز فيه مذهبان آخران احدهما أن يعرب إعراب ما لا ينصرف، للعلمية والتأنيث فيرفع بالضمة، وينصب ويجر بالفتحة. ويمتنع حينئذ من التنوين. فتقول "هذه عرفات، ورأيت عرفات، ومررت بعرفات". والثاني أن يرفع بالضمة، وينصب ويجر بالكسرة، كجمع المؤنث السالم، غير أنه يزال منه التنوين، فتقول "هذه اذرعات، ودخلت اذرعات، وعرجت على اذرعات". ويروى قول امرئ القيس
*تنورتها من أذرعات، وأهلها * بيثرب، أدنى دارها نظر عالي*
بالأوجه الثلاثة كسر التاء منونة، وكسرها بلا تنوين، وفتحها غير منونة.

(54/6)


( مرفوعات الأسماء ) ضمن العنوان ( الفاعل )
الفاعل هو المسند إليه بعد فعل تام معلوم أو شبهه، نحو "فاز المجتهد" و "السابق فرسه فائز".
(فالمجتهد اسند إلى الفعل التام المعلوم، وهو "فاز" والفرس اسند إلى شبه الفعل التام المعلوم، وهو "السابق" فكلاهما فاعل لما أسند إليه).
والمراد بشبه الفعل المعلوم اسم الفاعل، والمصدر. واسم التفضيل، والصفة المشبهة، ومبالغة اسم الفاعل، واسم الفعل. فهي كلها ترفع الفاعل كالفعل المعلوم. ومنه الاسم المستعار، نحو "أكرم رجلا مسكا خلقه".
(فخلقه فاعل لمسك مرفوع به، لأن الاسم المستعارة في تأويل شبه الفعل المعلوم والتقدير "صاحب رجلا كالمسك" وتأويل قولك "رأيت رجلا أسدا غلامه" "رأيت رجلا جريئا غلامه كالأسد").
وفي هذا الفصل خمسة مباحث
(1) أحكام الفاعل
للفاعل سبعة أحكام

(1) وجوب رفعه. وقد يجر لفظا بإضافته إلى المصدر، نحو "إكرام المرء أباه فرض عليه"، أو إلى اسم المصدر، نحو "سلم على الفقير سلامك على الغني"، وكحديث "من قبلة الرجل امرأته الوضوء". او بالباء، او من، او اللام الزائدات. نحو {ما جاءنا من أحد، وكفي بالله شهيدا، وهيهات هيهات لما توعدون}.
(2) وجوب وقوعه بعد المسند، فإن تقدم ما هو فاعل في المعنى كان الفاعل ضميرا مستترا يعود إليه، نحو "علي قام".
(والمقدم إما مبتدأ كما في المثال، والجملة بعده خبره، وإما مفعول لما قبله نحو "رأيت عليا يفعل الخير" وإما فاعل لفعل محذوف، نحو "وإن أحد من المشركين استجارك فأجره، فأحد فاعل لفعل محذوف يفسره الفعل المذكور.
وأجازالكوفيون تقديم الفاعل على المسند إليه. فأجازوا أن يكون "زهير" في قولك "زهير قام" فاعلا لجاء مقدما عليه. ومنع البصريون ذلك. وجعلوا المقدم المبتدأ خبره الجملة بعده. كما تقدم. وتظهر ثمرة الخلاف بين الفريقين في أنه يجوز أن يقال، على رأي الكوفيين "الرجال جاء" على أن الرجال فاعل لجاء مقدم عليه. وأما البصريون فلم يجيزوا هذا التعبير. بل أوجبوا أن يقال "الرجال جاءوا". على أن الرجال مبتدأ، خبره جملة جاءوا، من الفعل وفاعله الضمير البارز. والحق أن ما ذهب إليه البصريون هو الحق وقد تمسك الكوفيون بقول الزباء
*ما للجمال مشيها وئيدا؟ * أجندلا يحملن أم حديدا؟*
فقالوا لا يجوز أن يكون "مشيها" مبتدأ، لأنه يكون بلا خبر، لأن "وئيدا" منصوب على الحال. فوجب أن يكون فاعلا لوئيدا مقدما عليه. وقال البصريون أنه ضرورة. أو إنه مبتدأ محذوف الخبر، وقد سدت الحال مسده. أي ما للجمال مشيها يبدو وئيدا. على انه لا حاجة إلى ذلك. فهذا البيت على فرض صحة الاستشهاد به، شاذ يذوب في بحر غيره من كلام العرب.

ونرى أن الاستشهاد به لا يجوز، لأن الزباء هذه مشكوك في كثير من أخبارها. ثم انها لم تنشأ في بيئة يصح الاستشهاد بكلام اهلها. فانها من أهل "باجرما" وهي قرية من اعمال البليخ، قرب الرقة، من أرض الجزيرة، جزيرة "اقور"، التي بين الفرات ودجلة، وهي مجاورة لديار الشام. والعلماء لا يستشهدون بكلام الفصحاء المجاورين لجزيرة العرب. فكيف يصح الاستشهاد بكلام امرأة من اهل جزيرة "اقور"؟ وقد قالوا إنها كانت ملكة الجزيرة، وكانت تتكلم بالعربية. راجع ترجمتها في شرح الشواهد للعيني، في شرح الشواهد الفاعل. وفي مجمع الأمثال للميداني في شرح المثل "ببقة صرم الرأي". وذكر في جمهرة الأمثال هذه أنها كانت على الشام والجزيرة من قبل الروم. وفي القاموس وشرحه للزبيدي أن الزباء اسم الملكة الرومية، تمد وتقصر، وهي ملكة الجزيرة، وتعد من ملوك الطوائف وهي بنت عمرو بن الظرب أحد أشراف العرب وحكمائهم، خدعه جذيمة الأبرش، وأخذ عليه ملكه وقتله، وقامت هي بأخذ ثأره في قصة مشهورة مشتملة على أمثال كثيرة.
نقول وان تاريخ الزباء يشبه تاريخ زنوبيا، التي يذكرها الروم في اخبارهم ويرجح العلماء انها هي. ويراجع الكلام على "باجرما" مو "جزيرة اقور" في معجم البلدان).
(3) انه لا بد منه في الكلام. فإن ظهر في اللفظ فذاك. وإلا فهو ضمير راجع إما لمذكور، نحو "المتجهد ينجح" أو لما دل عليه الفعل، كحديث "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن. ولا يشرب الخمرة حين يشربها وهو مؤمن". او لما دل عليه الكلام، كقولك في جواب هل جاء سليم؟ "نعم جاء". أو لما دل عليه المقام، نحو {كلا إذا بلغت التراقي}، وقول الشاعر
*إذا ما أعرنا سيدا من قبيلة * ذرا منبر صلى علينا وسلما*
*إذا ما غضبنا غضبة مضرية * هتكنا حجاب الشمس، أو قطرت دما*

أو لما دلت عليه الحال المشاهدة، نحو "إن كان غدا فائتني". وقول الشاعر
*إذا كان لا يرضيك حتى تردني * إلى قطري، لا إخالك راضيا*

(55/1)


(4) أنه يكون في الكلام وفعله محذوف لقرينة دالة عليه كأن يجاب به نفي، نحو (بلى سعيد) في جواب من قال (ما جاء أحد)، ومنه قول الشاعر
*تجلدت، حتى قيل لم يعر قلبه * من الوجد شيء، قلت بل أعظم الوجد*
أواستفهام، نقول (من سافر؟) فيقال "سعيد"، وتقول (هل جاءك أحد؟)، فيقال (نعم خليل)، قال تعالى {لئن سألتهم من خلقهم؟ ليقولن الله}. وقد يكون الاستفهام مقدرا كقوله تعالى {يسبح له فيها بالغدو والآصال، رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله}، في قراءة من قرأ (يسبح) مجهولا، ومنه قول الشاعر
*ليبك يزيد، ضارع لخصومة * ومختبط مما تطيح الطوائح*
ومما جاء فيه حذف الفعل، مع بقاء فاعله، كل اسم مرفوع بعد أداة خاصة بالفعل، والحذف في ذلك واجب، نحو {وإن أحد من المشركين استجارك، فأجره حتى يسمع كلام الله، ثم أبلغه مأمنه} ونحو {إذا السماء انشقت}، ومنه المثلث (لو ذات سوار لطمتني)، وقول امرئ القيس
*إذا المرء لم يخزن عليه لسانه * فليس عل شيء سواه بخزان*
وقول السموأل
*إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه * فكل رداء يرتديه جميل*
فكل من "أحد والسماء وذات والمرء" فاعل لفعل محذوف يفسره الفعل المذكور بعده.
(5) أن الفعل يجب أن يبقى معه بصيغة الواحد، وإن كان مثنى أو مجموعا، فكما تقول "اجتهد التلميذ"، فكذلك تقول "اجتهد التلميذان، واجتهد التلاميذ" إلا على لغة ضعيفة لبعض العرب، فيطابق فيها الفعل الفاعل. فيقال على هذه اللغة أكرماني صاحباك، وأكرموني أصحابك، ومنه قول الشاعر

*نتج الربيع محاسنا * ألقحنها غر السحائب*
وقول الآخر
*تولى قتال المارقين بنفسه * وقد أسلماه مبعد وحميم*
وما ورد من ذلك في فصيح الكلام، فيعرب الظاهر بدلا من المضمر، وعليه قوله تعالى {وأسروا النجوى، الذين ظلموا}. أو يعرب الظاهر مبتدأ، والجملة قبله خبر مقدم. أو يعرب فاعلا لفعل محذوف. فكأنه قيل - بعد قوله "وأسروا النجوى" - من أسرها؟ فيقال أسرها الذين ظلموا. وهو الحق. وأما على تلك اللغة فيعرب الظاهر فاعلا، وتكون الالف والواو والنون أحرفا للدلالة على التثنية أو الجمع، فلا محل لها من الاعراب، فحكمها حكم تاء التأنيث مع الفعل المؤنث.
(6) أن الاصل اتصال الفاعل بفعله، ثم يأتي بعده المفعول. وقد يعكس الامر، فيتقدم المفعول، ويتأخر الفاعل، نحو "أكرم المجتهد أستاذه". (وسيأتي الكلام على ذلك في باب المفعول به).
(7) أنه إذا كان مؤنثا أنث فعله بتاء ساكنة في آخر الماضي، وبتاء المضارعة في أول المضارع، نحو "جاءت فاطمة، وتذهب خديجة".
وللفعل مع الفاعل، من حيث التذكير والتأنيث ثلاث حالات وجوب التذكير، ووجوب التأنيث، وجواز الأمرين.
(2) متى يجب تذكير الفعل مع الفاعل؟
يجب تذكير الفعل مع الفاعل في موضعين
(1) أن يكون الفاعل مذكرا، مفردا أو مثنى أو جمع مذكر سالما. سواء أكان تذكيره معنى ولفظا، نحو "ينجح التلميذ، أو المجتهدان، أو المجتهدون"، أو معنى لا لفظا، نحو "جاء حمزة". وسواء أكان ظاهرا، كما مثل أم ضميرا، نحو "المجتهد ينجح، والمجتهدان ينجحان، والمجتهدون ينجحون، وإنما نجح هو، أو أنت، أو هما، أو أنتم".

(فان كان جميع تكسير كرجال، أو مذكرا مجموعا بالألف والتاء، كطلحات وحمزات، أو ملحقا بجمع المذكر السالم كبنين. جاز في فعله الوجهان تذكيره وتأنيثه كما سيأتي. أما إن كان الفاعل جمع مذكر سالما. فالصحيح وجوب تذكير الفعل معه. وأجاز الكوفيون تأنيثه، وهو ضعيف فقد أجازوا أن يقال "أفلح المجتهدون وأفلحت المجتهدون").
(2) أن يفصل بينه وبين فاعله المؤنث الظاهر بإلا، نحو "ما قام إلا فاطمة".
(وذلك لان الفاعل في الحقيقة إنما هو المستثنى منه المحذوف إذ التقدير "ما قام أحد إلا فاطمة". فلما حذق الفاعل تفرغ الفعل لما بعد (إلا) فرفع ما بعدها على أنه فاعل في اللفظ لا في المعنى. فان كان الفاعل ضميرا منفصلا مفصولا بينه وبين فعله بالا، جاز في الفعل الوجهان كما ستعلم).
وقد يؤنث مع الفصل بها، والفاعل اسم ظاهر، وهو قليل وخصه جمهور النحاة بالشعر كقوله
*ما برئت من ريبة وذم * في حربنا إلا بنات العم*
(3) متى يجب تأنيث الفعل مع الفاعل؟
يجب تأنيث الفعل مع الفاعل في ثلاثة مواضع
(1) أن يكون الفاعل مؤنثا حقيقيا ظاهرا متصلا بفعله، مفردا أو مثنى أو جمع مؤنث سالما نحو "جاءت فاطمة، أو الفاطمتان، أو الفاطمات".

(55/2)


(فإن كان الفاعل الظاهر مؤنثا مجازيا، كشمس، أو جمع تكسير، كفواطم، أو ضميرا منفصلا، نحو "إنما قام هي"، أو ملحقا بجمع المؤنث السالم، كبنات أو مفصولا بينه وبين فعله بفاعل، جاز فيه الوجهان كما سيذكر. أما جمع المؤنث السالم فالأصح تأنيثه. وأجاز الكوفيون وبعض البصريين تذكيره. فيقولون "جاءت الفاطمات. وجاء الفاطمات").
(2) أن يكون الفاعل ضميرا مستترا يعود إلى مؤنث حقيقي أو مجازى، نحو "خديجة ذهبت، والشمس تطلع".

(3) أن يكون الفاعل ضميرا يعود إلى جمع مؤنث سالم، أو جمع تكسير لمؤنث أو لمذكر غير عاقل، غير أنه يؤنث بالتاء أو بنون جمع المؤنث، نحو "الزينبات جاءت، أو جئن، وتجيء أو يجئن" و (الفواطم أقبلت أو أقبلن) و (الجمال تسير أو يسرن).
(4) متى يجوز الأمران تذكير الفعل وتأنيثه
يجوز الأمران تذكير الفعل وتأنيثه في تسعة أمور
(1) أن يكون الفاعل مؤنثا مجازيا ظاهرا (أي ليس بضمير)، نحو (طلعت الشمس، وطلع الشمس). والتأنيث أفصح.
(2) أن يكون الفاعل مؤنثا حقيقيا مفصولا بينه وبين فعله بفاصل غير "إلا" نحو "حضرت، أو حضر المجلس امرأة"، وقول الشاعر
*إن امرءا غره منكن واحدة * بعدي وبعدك في الدنيا لمغرور*
والتأنيث أفصح.
(3) أن يكون ضميرا منفصلا لمؤنث، نحو "إنما قام، أو إنما قامت هي"، ونحو "ما قام، أو ما قامت إلا هي". والاحسن ترك التأنيث.
(4) أن يكون الفاعل مؤنثا ظاهرا، والفعل "نعم" أو "بئس" أو "ساء" التي للذم، نحو "نعمت، أو نعم، وبئست، أو بئس، وساءت، أو ساء المرأة دعد". والتأنيث أجود.
(5) أن يكون الفاعل مذكرا مجموعا بالألف والتاء، نحو "جاء، أو جاءت الطلحات". والتذكير أحسن.
(6) أن يكون الفاعل جمع تكسير لمؤنث أو لمذكر، نحو "جاء، أو جاءت الفواطم، او الرجال". والأفضل التذكير مع المذكر، والتأنيث مع المؤنث.
(7) أن يكون الفاعل ضميرا يعود الى جمع تكسير لمذكر عاقل، نحو (الرجال جاءوا، أو جاءت). والتذكير بضمير الجمع العاقل أفصح.
(8) أن يكون الفاعل ملحقا بجمع المذكر السالم، و بجمع المؤنث السالم. فالاول، نحو (جاء أو جاءت البنون). ومن التأنيث قوله تعالى {آمنت بالذي آمنت به بنو إسرائيل}. والثاني نحو (قامت، أو قام البنات). ومن تذكيره قول الشاعر (وهو عبدة بن الطبيب)

*فبكى بناتي شجوهن وزوجتي * والظاعنون إلي، ثم تصدعوا*
ويرجح التذكير مع المذكر والتأنيث مع المؤنث.
(9) أن يكون الفاعل اسم جمع، أو اسم جنس جمعيا. فالاول نحو (جاء، أو جاءت النساء، أو القوم، أو الرهط، أو الإبل. والثاني نحو "قال، أو قالت العرب، أو الروم، أو الفرس، أو الترك"، ونحو (أوراق أو أروقت الشجر).
(وهناك حالة يجوز فيها تذكير الفعل وتأنيثه. وذلك إذا كان الفاعل المذكر مضافا إلى مؤنث. على شرط أن يغني الثاني عن الاول لو حذف تقول "مر، أو مرت علينا كرور الايام" و "جاء، أو جاءت كل الكاتبات"، بتذكير الفعل وتأنيثه، لانه يصح إسقاط المضاف المذكر وإقامة المضاف إليه المؤنث مقامه، فيقال "مرت الايام" و "جاءت الكاتبات". وعليه قول الشاعر
"كما شرقت صدر القناة من الدم" غير أن تذكير الفعل هو الفصيح والكثير، وإن تأنيثه في ذلك ضعيف. وكثير من الكتاب اليوم يقعون في مثل هذا الاستعمال الضعيف.
أما إذا كان لا يصح إسقاط المضاف المذكور وإقامة المضاف إليه المؤنث مقامه، بحيث يختل أصل المعنى فيجب التذكير، نحو (جاء غلام سعاد) فلا يصح أبدا أن يقال "جاءت غلام سعاد" لانه لا يصح إسقاط المضاف هنا كما صح هناك، فلا يقال "جاءت سعاد". وأنت تعني غلامها.
(5) أقسام الفاعل
الفاعل ثلاثة أنواع صريح وضمير ومؤول.
فالصريح. مثل "فاز الحق".
والضمير، إما متصل كالتاء من (قمت) والواو من (قاموا) والألف من (قاما) والياء من (تقومين)، وإما منفصل كأنا ونحن من قولك (ما قام إلا أنا، وإنما قام نحن) وإما مستتر نحو (أقوم، وتقوم، ونقوم، وسعيد يقوم، وسعاد تقوم).

والمستتر على ضربين مستتر جوازا. ويكون في الماضي والمضارع المسندين الى الواحد الغائب والواحدة الغائبة، ومستتر وجوبا. ويكون في المضارع والأمر المسندين الى الواحد المخاطب، وفي المضارع المسند الى المتكلم، مفردا او جمعا. وفي اسم الفعل المسند الى متكلم كأف أو مخاطب "كصه" وفي فعل التعجب، الذي على وزن (ما أفعل) نحو ما أحسن العلم. وفي أفعال الاستثناء كخلا وعدا وحاشا، ونحو "جاء القوم ما خلا سعيدا".

(55/3)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية