صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : الوسطية في ضوء القرآن الكريم
المؤلف : ناصر بن سليمان العمر
عدد الصفحات : 303
مصدر الكتاب : موقع الإسلام
http://www.al-islam.com
[ ضمن مجموعة كتب من موقع الإسلام ، ترقيمها غير مطابق للمطبوع ، وغالبها مذيلة بالحواشي ]

إذن فكما أن القرآن الكريم يحذر من الإغراق في حب المال، وقضاء الحياة في جمعه وتحصيله دون أداء حق الله فيه، ويبين عاقبة من كانت هذه حاله، فإنه لا يرضى بالرهبنة والتصوف والإعراض عن المال بالكلية. { ولا تنس نصيبك من الدنيا } (القصص: من الآية 77) بل إنه يقر جمع المال وتحصيله، ويشرع السبل الصحيحة لذلك، وهذا ما سيتضح في الفقرة التالية:
(ب) في كسب المال

(1/303)


توصلنا في الفقرة السابقة إلى أن القرآن الكريم بين لنا خطوط الانحراف في جمع المال وحبه، واتضح لنا أن جمع المال مشروع، ولكن الانحراف يكون في الإفراط فيه أو التفريط، وكذلك فإن حب المال ليس رجسا أو عارا، بل هو أمر جبلي فطري، لا ينفي ذلك إلا مكابر أو شاذ، والشذوذ يؤكد القاعدة: وإنما الأمر المنهي عنه هو الغلو في حبه وتقديسه، والتوسط في ذلك هو المشروع: { المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا } (الكهف:46) { زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب } (آل عمران:14).
ومن هنا جاءت الآيات تبين الخطوط العريضة والمنطلقات الشرعية في كسب المال وتحصيله، وجاءت القاعدة التي تفرعت عنها كل القواعد: { وأحل الله البيع وحرم الربا } (البقرة: من الآية 275).

(1/304)


إذن فكسب المال مشروع، ولكن ليس كل طريق يؤدي إلى ذلك جائز ومحمود.
فلا نحرم ما أحل الله من وسائل الكسب المباحة، ولا نبيح ما حرم الله من الوسائل الممنوعة: { ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون } (النحل:116).
وسأذكر بعض ما ورد من آيات تنهي عن بعض أوجه الكسب المحرمة، ليتضح من خلال ذلك أن هناك منهجا وسطا في ذلك لا إفراط ولا تفريط:
فقد نهى الله عن الربا، وبين أنه من الكسب المحرم بل غلظ الله في عقوبة هذا الكسب، الذي أفرط فيه كثير من الناس، - وبخاصة في عصرنا الحاضر - حتى قل أن يسلم أحد من الربا أو من غباره، والله المستعان.

(1/305)


قال - تعالى -: { وأحل الله البيع وحرم الربا } (البقرة: من الآية 275) وقال: { الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس } (البقرة: من الآية 275) وقال: { يمحق الله الربا ويربي الصدقات } (البقرة: من الآية 276) وقال: { ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين } (البقرة:278) وقال: { ياأيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة } (آل عمران: من الآية 130).

(1/306)


وكذلك من طرق الكسب المحرمة: الميسر، وهو القمار، كما قال ابن كثير وغيره (1) . وقد جاءت بعض الآيات تبين حكمه وأن الله قد حرمه. قال - تعالى -: { يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما } (البقرة: من الآية 219) وقال: { إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون }{ إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون } (المائدة:90، 91).
_________
(1) - انظر: تفسير ابن كثير (1 / 255)، وزاد المسير (1 / 240) حيث قال ابن الجوزي : العلماء أجمعوا على أن القمار حرام، وإنما ذكر الميسر من بينه، وجعل كله قياسا على الميسر، والميسر إنما يكون قمارا في الجزر خاصة، وقال: قال ابن عباس وابن عمر والحسن وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة في آخرين: الميسر: هو القمار.

(1/307)


وكذلك من أوجه الكسب المحرمة السرقة. قال - تعالى -: { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا } (المائدة: من الآية 38). وقال: { ياأيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم } (الممتحنة:12).
ومن الكسب المحرم أكل مال اليتيم. قال - سبحانه -: { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا } (النساء:10).

(1/308)


وبالجملة فكل مال أخذ بالباطل فهو محرم، ولذلك جاءت الآيات تنهى عن أكل المال بالباطل. فقال - سبحانه -: { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون } (البقرة:188).
وقال مبينا سبب تحريم الطيبات على بني إسرائيل: { فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا }{ وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما } (النساء:160، 161).
وقال: { إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل } (التوبة: من الآية 34).
وقال - سبحانه -: { ياأيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم } (النساء: من الآية 29).

(1/309)


قال ابن الجوزي مبينا معنى الباطل هنا: لا يأكل بعضكم أموال بعض، قال القاضي أبو يعلى :
والباطل على وجهين: أحدهما أن يأخذه بغير طيب نفس من مالكه، كالسرقة، والغضب، والخيانة.
والثاني: أن يأخذه بطيب نفسه، كالقمار والغناء، وثمن الخمر (1) .
وقال القرطبي : والمعنى: لا يأكل بعضكم مال بعض بغير حق، فيدخل في هذا: القمار والخداع والغصوب وجحد الحقوق، وما لا تطيب به نفس مالكه، أو حرمته الشريعة، وإن طابت به نفس مالكه، كمهر البغي، وحلوان الكاهن، وأثمان الخمور والخنازير وغير ذلك، ثم قال: من أخذ مال غيره لا على وجه إذن الشرع فقد أكله بالباطل، ومن الأكل بالباطل أن يقضي القاضي لك وأنت تعلم أنك مبطل، فالحرام لا يصير حلالا بقضاء القاضي، لأنه إنما يقضي بالظاهر، وهذا إجماع في الأموال (2) .
ومما سبق يتضح أن هناك منهجا وسطا في كسب المال.
فالقول بإباحة جميع المعاملات قول باطل، وهو من التفريط. وكذلك التشديد، وجعل أن الأصل في الاكتساب هو التحريم إلا ما ورد نص في إباحته قول باطل، وهو من الإفراط.
_________
(1) - انظر: زاد المسير (1 / 194).
(2) - انظر: تفسير القرطبي (2 / 338).

(1/310)


والقول الصحيح وهو الوسط أن الأصل في البيوع والمعاملات الحل والإباحة، إلا ما ورد النص بتحريمه ومنعه (1) سواء كان المنع بدليل خاص أو عام، فمن الخاص تحريم الميسر والربا والسرقة ونحوها، ومن العام ما يدخل تحت الضرر أو الظلم أو الغرر ونحو ذلك مما هو مفصل في كتب الفقه والأحكام.
( جـ) إنفاق المال
وبعد أن تبين لنا تقرير القرآن لمنهج الوسطية في جمع المال وكسبه، نقف أخيرا مع المنهج الشرعي في إنفاق المال كما قرره القرآن الكريم.
والناس في هذه المسألة طرفان ووسط:
فهناك القابضون أيديهم، البخلاء بأموالهم، المقترون على أنفسهم وأهليهم، فضلا عمن سواهم.
وعلى النقيض من هؤلاء، آخرون مسرفون مترفون، باسطو أيديهم كل البسط.
وبين هؤلاء وأولئك قلة من الناس سلكوا السبيل القويم، والتزموا العدل والاعتدال، واتخذوا بين ذلك سبيلا (2) .
وقد نزلت الآيات من لدن عليم حكيم، تبين سلامة هذا المنهج، وتأمر به، وتحث عليه، مع النهي عن سلوك أي من المنهجين المنحرفين، وبيان عاقبة ذلك عاجلا وآجلا (3) .
وسأذكر من الآيات ما يبين هذا المنهج ويقرره، دون إيجاز مخل أو إطناب ممل، بل سأتخذ بين ذلك سبيلا:
_________
(1) - للعلماء كلام في هذه القضية، وتفصيل في هذه القاعدة، انظر: مثلا تفسير القرطبي (3 / 356) تجد بيان ذلك.
(2) - أي: بين المنهجين المتطرفين.
(3) - من بيان العاجل قوله تعالى: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا). [سورة الإسراء، آية: 29]. ومن الآجل قوله: (سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة). [سورة آل عمران، الآية : 180].

(1/311)


فبالنسبة للطرف الأول، وهم القابضون أيديهم، البخلاء بأموالهم، جاءت الآيات تبين انحراف هذا المنهج، وتنهى عن هذا المسلك، فقال - سبحانه -: { ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السماوات والأرض } (آل عمران: من الآية 180) وقال - جل وعلا -: { لا يحب كل مختال فخور }{ الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد } (الحديد:23، 24).
وقال مبينا خصلة من خصال المنافقين: { فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون } (التوبة:76).

(1/312)


وقال سبحانه: { هاأنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم } (محمد:38) .
وقال - سبحانه وتعالى -: { قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتورا } (الإسراء:100).
قال ابن كثير في هذه الآية : يقول - تعالى - لرسوله، صلى الله عليه وسلم قل لهم يا محمد لو أنكم أيها الناس تملكون التصرف في خزائن الله لأمسكتم خشية الإنفاق، قال ابن عباس وقتادة : أي: الفقر خشية أن تذهبوها، مع أنها لا تنفد ولا تفرغ أبدا، لأن هذا من طباعكم وسجاياكم، ولهذا قال: { وكان الإنسان قتورا } ". قال ابن عباس وقتادة : أي: بخيلا منوعا.

(1/313)


وقال - تعالى -: { أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا } (النساء:53). أي: لو أن لهم نصيبا في ملك الله ما أعطوا أحدا شيئا ولا مقدار نقير.
والله - تعالى - يصف الإنسان من حيث هو - إلا من وفقه الله وهداه - فإن البخل والجزع والهلع صفة له، ويدل هذا على كرمه وجوده وإحسانه - سبحانه وتعالى - (1) .
وقال القرطبي في قوله - تعالى -: { ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم } (آل عمران: من الآية 180) هذه الآية نزلت في البخل بالمال، والإنفاق في سبيل الله، وأداء الزكاة المفروضة.
والبخل في اللغة: أن يمنع الإنسان الحق الواجب، فأما من منع ما لا يجب عليه فليس ببخيل، لأنه لا يذم بذلك. ثم قال: واختلف في البخل والشح، هل هما بمعنى واحد أو بمعنيين؟ فقيل: البخل: الامتناع من إخراج ما حصل عندك.
والشح: الحرص على تحصيل ما ليس عندك.
_________
(1) - انظر: تفسير ابن كثير (3 / 66).

(1/314)


وقيل: إن الشح هو البخل مع حرص، وهو الصحيح، لما رواه مسلم عن جابر بن عبد الله ، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم قال: « اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم »
وهذا يرد قول من قال: إن البخل منع الواجب، والشح: منع المستحب، إذ لو كان الشح منع المستحب لما دخل تحت هذا الوعيد العظيم، والذم الشديد الذي فيه هلاك الدنيا والآخرة (1) .
وكما جاءت الآيات محذرة من عاقبة البخل والتقتير، فقد جاءت ناهية عن الطرف المقابل وهو الإسراف والتبذير.
فقال - سبحانه -: وآت { ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا }{ إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا } (الإسراء:26، 27).
وقال - جل وعلا -: { وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين } (الأنعام: من الآية 141).
_________
(1) - انظر: تفسير القرطبي (4 / 291-293). والحديث أخرجه مسلم (4 / 1996) رقم (2578).

(1/315)


قال القاسمي في تفسير آية الإسراء: { ولا تبذر تبذيرا } (الإسراء: من الآية 26) أي: بوجه من الوجوه، بالإنفاق في محرم أو مكروه، أو على من لا يستحق، فتحسبه إحسانا إلى نفسك أو غيرك. قال: وفي الكشاف: كانت الجاهلية تنحر إبلها وتتياسر عليها، وتبذر أموالها في الفخر والسمعة، وتذكر ذلك في أشعارها، فأمر الله بالنفقة في وجوهها مما يقرب منه ويزلف.
{ إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين } (الإسراء: من الآية 27) أي: أمثالهم في كفران نعمة المال بصرفه فيما لا ينبغي، وهذا غاية المذمة لأنه لا شر من الشيطان.
وقال: قال أبو السعود : وتخصيص هذا الوصف بالذكر من بين سائر أوصافه القبيحة، للإيذان بأن التبذير الذي هو عبارة عن صرف نعم الله - تعالى - إلى غير مصرفها، من باب الكفران المقابل للشكر الذي هو عبارة عن صرفها إلى ما خلقت هي له، والتعرض لوصف الربوبية للإشعار بكمال عتوه، فإن كفر نعمة الرب، مع كون الربوبية من أقوى الدواعي إلى شكرها، غاية الكفران، ونهاية الضلال والطغيان.
وقال: وقد استدل بالآية مع منع إعطاء المال كله في سبيل الخير، ومن منع الصدقة بكل ماله (1) .
_________
(1) - انظر: تفسير القاسمي (10 / 3921).

(1/316)


وقال الطبري مبينا مدلول آية الأنعام، { ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين } (الأنعام: من الآية 141) قال: بعد أن ذكر أقوال العلماء: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله - تعالى - نهى بقوله: { ولا تسرفوا } (الأنعام: من الآية 141) عن جميع معاني الإسراف، ولم يخصص منها معنى دون معنى.
وإذا كان ذلك كذلك، وكان الإسراف في كلام العرب: الإخطاء بإصابة الحق في العطية، إما بتجاوز حده في الزيادة، وإما بتقصير عن حده الواجب (1) كان معلوما أن المفرق ماله مباراة، والباذله للناس حتى أجحفت به عطيته، مسرف بتجاوزه حد الله إلى ما كيفته له.
وكذلك المقصر في بذله فيما ألزمه الله بذله فيه، وذلك كمنعه ما ألزمه إيتاءه منه أهل سهمان الصدقة، إذا وجبت فيه، أو منعه من ألزمه الله نفقته من أهله وعياله ما ألزمه منها.
وكذلك السلطان في أخذه من رعيته ما لم يأذن الله بأخذه.
كل هؤلاء فيما فعلوا من ذلك مسرفون، داخلون في معنى من أتى ما نهى الله عنه من الإسراف بقوله: { ولا تسرفوا } (الأنعام: من الآية 141) في عطيتكم من أموالكم ما يجحف بكم. (2) .
_________
(1) - ممن قال بذلك وفسر به الإسراف: سعيد بن المسيب ومحمد بن كعب، كما ذكر الطبري في تفسيره (8 / 61). ولكن الإسراف إذا أطلق يراد به التبذير، وما يقابل البخل والتقتير، قال - سبحانه -: (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما). [سورة الفرقان، آية: 67]. وتفسير الإسراف بالبخل فيه نظر. والله أعلم.
(2) - انظر: تفسير الطبري (8 / 61).

(1/317)


وبهذا يتضح لنا أن البخل والإسراف ضدان قد نهى الله عنهما، وحرمهما على عباده، كلا طرفي قصد الأمور ذميم.
وإذا كانت الآيات السابقة، بينت كل واحدة منها أحد طرفي الانحراف وحذرت منه، فإنها تدل بمفهومها على أن طريق الوسط، هو طريق الاستقامة، وبخاصة إذا نظرنا إلى مجموع الآيات السابقة التي تدل على أن الإسراف والبخل لا يمثلان المنهج الصحيح.
ومع ذلك فقد جاءت آيات تدل صراحة على انحراف كل من الطرفين المذكورين، وينص بعضها على طريق الوسط، وأنه المنهج الحق الذي يجب الالتزام به والسير فيه.
قال - تعالى - في وصف المؤمنين: { والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما } (الفرقان:67).
وقال - سبحانه -: { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا } (الإسراء:29).

(1/318)


قال ابن كثير في الآية الفرقان: { والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا } (الفرقان: من الآية 67) أي ليسوا بمبذرين في إنفاقهم، فيصرفون فوق الحاجة، ولا بخلاء على أهليهم، فيقصرون في حقهم، فلا يكفونهم، بل عدلا خيارا، وخير الأمور أوسطها، لا هذا ولا هذا.
{ وكان بين ذلك قواما } (الفرقان: من الآية 67) كما قال - تعالى -: { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط } (الإسراء: من الآية 29) (1) .
وقال الطبري في آية الإسراء: { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك } (الإسراء: من الآية 29).
_________
(1) - انظر: تفسير ابن كثير (3 / 325).

(1/319)


وإنما معنى الكلام: ولا تمسك يا محمد يدك بخلا عن النفقة في حقوق الله، فلا تنفق فيها شيئا، إمساك المغلولة يده إلى عنقه، الذي لا يستطيع بسطها. { ولا تبسطها كل البسط } (الإسراء: من الآية 29) يقول: ولا تبسطها بالعطية كل البسط، فتبقى لا شيء عندك، ولا تجد إذا سئلت شيئا تعطيه سائلك. { فتقعد ملوما محسورا } (الإسراء: من الآية 29) يقول: فتقعد يلومك سائلوك إذا لم تعطهم حين سألوك، وتلوم نفسك على الإسراع في مالك وذهابه (1) .
ومما يدل على الوسطية في النفقة قوله - تعالى -: { لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها } (الطلاق: من الآية 7). وهذا من الوسطية النسبية التي يراعى فيها حال المنفق، وما جرت العادة به ونحو ذلك.
_________
(1) - انظر: تفسير الطبري (15 / 76).

(1/320)


قال القرطبي : فتقدر النفقة بحسب الحالة من المنفق، والحاجة من المنفق عليه بالاجتهاد على مجرى حياة العادة، فينظر المفتي إلى قدر حاجة المنفق عليه، ثم ينظر إلى حالة المنفق، فإن احتملت الحالة أمضاها عليه، وإن اقتصرت حالته على حالة المنفق عليه ردها إلى قدر احتماله (1) .
من خلال ما سبق ظهر لنا منهج الوسطية واضحا جليا في الجمع والكسب، وإنفاق المال.
ودلت الآيات السابقة على النهي على الإفراط والتفريط، ووجوب الالتزام بالمنهج الوسط، وجماع ذلك قول الله العظيم، { والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما } (الفرقان:67). ومن أصدق من الله قيلا.
ومما سبق في تقرير وسطية الإسلام في جمع المال وكسبه وإنفاقه يتضح انحراف كل من المنهج الرأسمالي والمنهج الاشتراكي (2) .
فالنظام الرأسمالي يقوم على حرية الفرد في عمل ما يروق له من الأعمال التجارية.
فهي تعني حرية الاستثمار، وحرية الفرد في التملك، الحرية المطلقة، فهو حر في البحث عن الربح بشتى الوسائل والطرق.
_________
(1) - انظر: تفسير القرطبي (18 / 170).
(2) - انظر: الوسطية في الإسلام د / زيد الزيد ص (56).

(1/321)


والملكية الفردية مقدسة، لا تمس، ولا يحدها ضابط أو قيد، حتى لو أدت هذه الملكية لاحتكار المالك للسلعة.
إن هذه الحرية بل هذه الفوضوية المطلقة - كان لها نتائج عكسية على المجتمع، حيث أوقدت نار الاحتكار والأنانية الفردية.
وبالتالي تحولت الحياة الاقتصادية إلى شريعة غاب، يأكل فيها القوي الضعيف.
وأدى هذا إلى تكدس رءوس الأموال في يد طبقة معينة من أصحاب رءوس الأموال، ويقابلهم طبقة العمال الذين لا حول لهم ولا قوة.
ويقابل المنهج الرأسمالي المنهج الاشتراكي، حيث قام على فكرة وفلسفة انتقال السيطرة على المال من أيدي أصحاب رءوس الأموال إلى أيدي الطبقة العاملة. حيث قامت على أسس من أبرزها:
1- إلغاء الملكية الفردية، وتأميم الممتلكات التجارية والصناعية، بدعوى مصلحة الجميع، والأفراد يؤدون أعمالا للدولة نظير أجور متساوية.
2- توزيع السلع والمنتوجات الاستهلاكية كل وفق حاجته.
فالاقتصاد الاشتراكي يعتمد على - دعوى - تغليب مصلحة المجتمع، ويجعل الدولة مالكة لكل شيء، وموجهة للاقتصاد، فلا يكاد يوجه للأفراد حقوق تذكر، من التملك والتنقل أو اختيار العمل، فأفقر الغني ولم يغن الفقير.

(1/322)


وبهذا فإن في هذين النظامين يتمثل الإفراط والتفريط في أبشع صورة.
أما الإسلام - فكما سبق بيان منهج القرآن في ذلك - يختلف عن هذين النظامين اختلافا جذريا.
فهو آخذ بمصلحة الفرد ومصلحة المجتمع في وقت واحد، فهو يحترم الملكية الفردية ويقرها، لأنها توافق الفطرة الإنسانية، ولكنه لا يقرها مطلقة من كل قيودها، بل جعل لها ضوابط وقيود تحول دون الاعتداء على مصلحة المجتمع، وكذلك يحترم مصلحة المجتمع دون التعدي على مصلحة الفرد.
ففيه الإرث والوصية والزكاة والصدقة وغير ذلك من وجوه الإنفاق المشروعة.
كما حرم الاحتكار والربا والغش وغيرها من وجوه الاكتساب المحرمة (1) .
وبهذا تحققت الوسطية في أبهى صورها، الوسطية التي توافق الفطرة وتنميها: { فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون } (الروم: من الآية 30).
_________
(1) - انظر: الوسطية في الإسلام د / زيد الزيد ص (56) وما بعدها.

(1/323)


مطالب النفس وشهواتها
قال الله - سبحانه وتعالى -: { زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب } (آل عمران:14).
قال سيد قطب : صياغة الفعل للمجهول - هنا - تشير إلى أن تركيبهم الفطري قد تضمن هذا الميل، فهو محبب ومزين، وهذا تقرير للواقع من أحد جانبيه، ففي الإنسان هذا الميل إلى هذه الشهوات، وهو جزء من تكوينه الأصيل، لا حاجة إلى إنكاره، ولا إلى استنكاره في ذاته، فهو ضروري للحياة البشرية، كي تتأصل وتنمو وتطرد (1) .
_________
(1) - انظر: في ظلال القرآن (1 / 373).

(1/324)


وقال رشيد رضا بعد أن بين اختلاف المفسرين في إسناد التزيين في هذا المقام، فأسنده بعضهم إلى الله، وأسنده بعضهم إلى الشيطان. قال: وغفل الجميع عن كون الكلام في طبيعة البشر، وبيان حقيقة الأمر في نفسه، لا في جزئياته، وأفراد وقائعه، فالمراد أن الله - تعالى - أنشأ الناس على هذا وفطرهم عليه، ومثل هذا لا يجوز إسناده إلى الشيطان بحال، وإنما يسند إليه ما قد يعد هو من أسبابه، كالوسوسة التي تزين للإنسان عملا قبيحا، ولذلك لم يسند إليه القرآن إلا تزيين الأعمال، قال - تعالى -: { وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم } (الأنفال: من الآية 48) وقال: { وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون } (الأنعام: من الآية 43).
وأما الحقائق وطبائع الأشياء فلا تسند إلا إلى الخالق الحكيم، الذي لا شريك له، قال عز وجل { إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا } (الكهف:7) (1) .
وبعد أن تقررت هذه الحقيقة: وهي أن الميل إلى شهوات الدنيا أمر فطري مركوز في خلق الإنسان، فإن الناس أمام هذه الحقيقة طرفان ووسط.
_________
(1) - انظر: تفسير المنار (3 / 239).

(1/325)


فهناك من وقف أمام هذا الميل موقفا مغاليا، فحرم على نفسه الطيبات وغيرها، ومنعها من الملاذ، وما فطرت عليه من الزواج والمال وأطايب الملابس والمآكل، وهؤلاء يمثلهم رهبان النصارى وغلاة الصوفية، وابتدع النصارى رهبانية قاسية على النفس، تحرم الزواج، وتكبت الغرائز، وترفض كل أشكال الزينة، وطيبات الرزق، وتراها رجسا من عمل الشيطان، وأصبح هذا النزوع مذهبا رائجا (1) .
فهؤلاء رأوا الجسد سجنا للروح، يحول بينها وبين أشواقها العالية، وشفافيتها السامية، فاخترعوا الرياضيات الروحية الشاقة، التي تقوم على إرهاق الجسد وتعذيبه، وتحوله إلى شبح هزيل، يسكن المغاور والمقابر والكهوف، وينفر من كل الصلات الإنسانية (2) .
وهؤلاء أفرطوا وغلوا، وخرجوا عن سواء السبيل.
والطرف المقابل لهؤلاء، هم الذين انساقوا وراء شهوات أنفسهم، واعتبروا الحياة الدنيا هي الغاية والنهاية، وقالوا: { ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر } (الجاثية: من الآية 24).
فأغرقوا في الشهوات، وعبدوا أنفسهم للماديات، ولم يعرفوا لهم هدفا ساميا يسعون إليه، غير منافع الدنيا العاجلة، ولذائذها الفانية.
_________
(1) - انظر: ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين للندوي ص (186)، والوسطية في الإسلام ص (42).
(2) - انظر: المسلمون بين التشديد والتيسير للعودة ص13، والوسطية في الإسلام ص44.

(1/326)


وأصبحوا كالأنعام، بل هم أضل سبيلا.
وهذا المنهج سقطت فيه الكثير من الأيديولوجيات، وتبعه ملايين البشر، الذين ارتموا في أحضان النفعية الغربية المادية، أو سقطوا في مخالب المادية الماركسية، التي تعيث في الأرض فسادا من حيث يشعرون أو لا يشعرون.
وهؤلاء فرطوا وضيعوا، وضلوا عن سواء السبيل.
وبين هؤلاء وأولئك جاء القرآن بالمنهج العدل الوسط، فاعترف بحاجة الإنسان إلى تلبية فطرته، وتحقيق بعض رغباته، دون حجر أو كبت.
ولكنه لم يترك له الحبل على غاربه، بل وضع الضوابط والحدود، وبين أن له مهمة سامية يسعى إليها أشرف من الدنيا وما فيها.
ونبين الآن ما جاء في القرآن تجاه كل طرف، ثم تقريره للمنهج الوسط.
أما الطرف الأول وهم الذين غلوا وأفرطوا، فقد جاءت بعض الآيات التي ترد هذا المنهج وتبين انحرافه، فقال - سبحانه -: { قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون } (الأعراف:32).

(1/327)


وقال - سبحانه -: { قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } (الأعراف:33).
وقال: { ياأيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا } (البقرة: من الآية 168).
وقال: { ياأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون } (البقرة:172).
قال ابن كثير في قوله - تعالى -: { قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق } (الأعراف: من الآية 32).

(1/328)


يقول - تعالى - ردا على من حرم شيئا من المآكل والمشارب أو الملابس من تلقاء نفسه من غير شرع من الله، قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يحرمون ما يحرمون بآرائهم الفاسدة وابتداعهم: { قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده } (الأعراف: من الآية 32) أي: هي مخلوقة لمن آمن بالله وعبده في الحياة الدنيا، وإن شركهم فيها الكفار حبا في الدنيا، فهي لهم خاصة يوم القيامة، لا يشركهم فيها أحد من الكفار (1) .
وقال الطبري في قوله - تعالى -: { قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن } (الأعراف: من الآية 33).
يقول الله - تعالى - ذكره لنبيه محمد ، صلى الله عليه وسلم قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يتجردون من ثيابهم للطواف بالبيت، ويحرمون أكل طيبات ما أحل الله لهم من رزقه، أيها القوم إن الله لم يحرم ما تحرمونه، بل أحل ذلك لعباده المؤمنين وطيبه لهم، وإنما حرم ربي القبائح من الأشياء، وهي الفواحش، ما ظهر منها فكان علانية، وما بطن منها فكان سرا في خفاء.
_________
(1) - انظر: تفسير ابن كثير (2 / 211).

(1/329)


ثم فسر - قوله تعالى - في آخر الآية : { وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } (الأعراف: من الآية 33) فقال: يقول وأن تقولوا: إن الله أمركم بالتعري والتجرد للطواف بالبيت، وحرم عليكم أكل هذه الأنعام التي حرمتموها وسيبتموها، وجعلتموها وصائل وحوامي، وغير ذلك مما لا تعلمون أن الله حرمه، أو أمر به أو أباحه، فتضيفوا إلى الله تحريمه وحظره والأمر به.
فإن ذلك - أي هذا القول - هو الذي حرمه الله عليكم دون ما تزعمون أن الله حرمه، أو تقولون إن الله أمركم به، جهلا منكم بحقيقة ما تقولون، وتضيفونه إلى الله (1) .
وقال رشيد رضا مفسرا قوله - تعالى -: { قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق } (الأعراف: من الآية 32).
_________
(1) - انظر: تفسير الطبري (8 / 167).

(1/330)


حرمت العرب في جاهليتها زينة اللباس في الطواف تعبدا وقربة، وحرم بعضهم أكل بعض الطيبات من الأدهان وغيرها في حال الإحرام بالحج كذلك، وحرموا من الحرث والأنعام ما بينه - تعالى - في سورة الأنعام، وحرم غيرهم من الوثنيين وأهل الكتاب كثيرا من الطيبات والزينة كذلك، فجاء دين الفطرة الجامع بين مصالح البشر في معاشهم ومعادهم، المطهر المربي لأرواحهم وأجسادهم، ينكر هذا التحكم والظلم للنفس، فالاستفهام في قوله: { قل من حرم } (الأعراف: من الآية 32) إنكاري، يدل على أن هذا التحريم من وساوس الشيطان، لا مما أوحاه - تعالى - إلى من سبق من المرسلين (1) .
وبهذا يتضح انحراف هذا المنهج وبعده عن الصراط المستقيم.
ومثلما جاءت الآيات مبينة حكم الله في هذا الطرف، جاءت كذلك تبين انحراف الطرف المقابل وميله عن الحق، وهم الذين تركوا العنان لأنفسهم تعبث كيفما تشاء، وترتع كالأنعام فيما اشتهت وهوت، دون حسيب أو رقيب أو ضابط.
قال - سبحانه وتعالى -: { فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا } (مريم:59).
_________
(1) - انظر: تفسير المنار (8 / 387).

(1/331)


وقال - جل وعلا -: { والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما } (النساء:27).
وقال عز ذكره: { والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم } (محمد: من الآية 12).
وقال: { ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون } (الحجر:3).
وقال: { ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون } (الأحقاف:20).
وقال - سبحانه -: { فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق } (البقرة: من الآية 200).
فهذه الآيات وأمثالها تدل على ضلال هؤلاء وانحرافهم، حيث فرطوا بركونهم إلى الحياة الدنيا وشهواتها، وتفصيلا لهذا الانحراف أذكر بعض أقوال المفسرين حول معنى هذه الآيات.

(1/332)


قال الطبري في قوله - تعالى -: { ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما } (النساء: من الآية 27) يقول: يريد الذين يطلبون لذات الدنيا وشهوات أنفسهم فيها، أن تميلوا عن أمر الله - تبارك وتعالى - فتجوروا عنه بإتيانكم ما حرم عليكم، وركوبكم معاصيه ميلا عظيما، جورا وعدولا عنه شديدا.
ثم قال بعد أن ذكر أقوال العلماء في المراد بالذين يتبعون الشهوات: فأولى المعاني بالآية ما دل عليه ظاهرها دون باطنها الذين لا شاهد عليه من أصل أو قياس.
وإذا كان ذلك كذلك كان داخلا في الذين يتبعون الشهوات: اليهود والنصارى والزناة، وكل متبع باطلا، لأن كل متبع ما نهاه الله عنه فمتبع شهوة نفسه (1) .
وقال ابن كثير في قوله - تعالى -: { والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام } (محمد: من الآية 12). قال: أي في دنياهم يتمتعون بها ويأكلون منها كأكل الأنعام خضما وقضما، وليس لهم همة إلا ذلك، ولذلك ثبت في الصحيح: « المؤمن يأكل في معي واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء » (2) .
_________
(1) - انظر: تفسير الطبري (5 / 28).
(2) - انظر: تفسير ابن كثير (4 / 175) والحديث أخرجه البخاري (6 / 200).

(1/333)


وقال القرطبي في قوله - تعالى -: { أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها } (الأحقاف: من الآية 20). أي: تمتعتم بالطيبات في الدنيا واتبعتم الشهوات واللذات، يعني المعاصي.
وقيل: أي أفنيتم شبابكم في الكفر والمعاصي.
قال ابن بحر : الطيبات: الشباب والقوة، مأخوذ من قولهم: ذهب أطيباه، أي: شبابه وقوته.
قال القرطبي : قلت: القول الأول أظهر، ثم ساق الأدلة على صحة هذا القول، وذلك بتفسير عمر رضي الله عنه للآية وغيره من السلف (1) .
وقال القرطبي - أيضا - في قوله - تعالى -: { فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات } (مريم: من الآية 59) عن علي، رضي الله عنه هو من بني المشيد، وركب المنظور، ولبس المشهور.
قلت - أي القرطبي -: الشهوات عبارة عما يوافق الإنسان، يشتهيه ويلائمه ولا يتقيه، وفي الصحيح: « حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات » (2) .
وما ذكر عن علي رضي الله عنه جزء من هذا (3) .
_________
(1) - انظر: تفسير القرطبي (16 / 200).
(2) - أخرجه مسلم (4 / 2174) رقم (2822) وهو عند البخاري أيضا (7 / 186) عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ «حجبت النار بالشهوات وحجبت الجنة بالمكاره».
(3) - انظر: تفسير القرطبي (11 / 125).

(1/334)


وأختم أقوال المفسرين بما قاله سيد في تفسير قوله - تعالى -: { أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها } (الأحقاف: من الآية 20) قد كانوا يملكون الطيبات إذن، ولكنهم استنفذوها في الحياة الدنيا، فلم يدخروا للآخرة منها شيئا، واستمتعوا بها غير حاسبين فيها للآخرة حسابا.
استمتعوا بها استمتاع الأنعام للحصول على اللذة بالمتاع، غير ناظرين فيها للآخرة، ولا شاكرين لله نعمته، ولا متورعين فيها عن فاحش أو حرام، ومن ثم كانت لهم دنيا ولم تكن لهم آخرة (1) .
وهذه الآيات وكلام المفسرين حولها بينت أن التفريط مذموم، وعاقبته وخيمة، وأنه مجافاة للطريق السوي، والصراط المستقيم.
وننتهي بعد ذلك إلى نتيجة محددة لا لبس فيها ولا غموض، وهي أن تحريم الطيبات وما أحل الله لعباده غلو وإفراط، ومثل ذلك - في الذم - اتباع الشهوات وعدم منع النفس مما تشتهي حلالا كان أو حراما، فهذا تفريط. والطريق العدل والمنهج الوسط ما بين ذلك، وهو ما تحدده وتبينه الآيات التالية:
_________
(1) - انظر: في ظلال القرآن (6 / 3264).

(1/335)


قال - تعالى -: { يابني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين } (الأعراف:31). فهذه من أوضح الآيات دلالة على المراد، حيث حددت معالم هذا المنهج، فلباس الزينة مشروع، ومثل ذلك الأكل والشرب مما أباح الله، ولو كان فيه زيادة على الحاجة والضرورة، ولكن المنهي عنه أن يكون هناك إسراف وتبذير، سواء كان الإسراف في النوع أو الكم أو العادة.
وما أجمل ما قاله القرطبي في هذا الباب، حيث قال: والذي يضبط هذا الباب ويحفظ قانونه: على المرء أن يأكل ما وجد، طيبا كان أو قفارا، ولا يتكلف الطيب ويتخذه عادة، وقد كان النبي، صلى الله عليه وسلم يشبع إذا وجد، ويصبر إذا عدم، ويأكل الحلوى إذا قدر عليها، ويشرب العسل إذا اتفق له، ويأكل اللحم إذا تيسر، ولا يعتمد أصلا، ولا يجعله ديدنا، ومعيشة النبي، صلى الله عليه وسلم معلومة، وطريقة الصحابة منقولة (1) .
_________
(1) - انظر: تفسير القرطبي (16 / 202).

(1/336)


وقال الطبري في هذه الآية : { يابني آدم خذوا زينتكم } (الأعراف: من الآية 31) من الكساء واللباس، { عند كل مسجد وكلوا } (الأعراف: من الآية 31) من طيبات ما رزقتكم وحللته لكم، { واشربوا } (الأعراف: من الآية 31) من حلال الأشربة، ولا تحرموا إلا ما حرمت عليكم في كتابي، أو على لسان رسولي محمد ، صلى الله عليه وسلم .
ثم قال: عن ابن عباس قال: أحل الله الأكل والشرب ما لم يكن سرفا أو مخيلة.
وروي عن ابن عباس في قوله: { إنه لا يحب المسرفين } (الأعراف: من الآية 31).
قال: في الطعام والشراب.
وقال السدي : لا تسرفوا في التحريم.
وقال ابن زيد : لا تأكلوا حراما، ذلك الإسراف.
وقوله: { إنه لا يحب المسرفين } (الأعراف: من الآية 31) يقول: إن الله لا يحب المتعدين حده، في حلال أو حرام، الغالين فيما أحل الله أو حرم بإحلال الحرام، وبتحريم الحلال، ولكنه يجب أن يحلل ما أحل ويحرم ما حرم، وذلك العدل الذي أمر به (1) .
_________
(1) - انظر: تفسير الطبري (8 / 162).

(1/337)


وقال ابن كثير : قال بعض السلف: جمع الله الطب كله في نصف الآية : { وكلوا واشربوا ولا تسرفوا } (الأعراف: من الآية 31) وقال البخاري قال ابن عباس : كل ما شئت والبس ما شئت، ما أخطأتك خصلتان: سرف ومخيلة (1) .
ومن الأدلة على الوسطية والاعتدال في مطالب النفس قوله - تعالى -: { ياأيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين } (البقرة:168). فقوله: { كلوا } (البقرة: من الآية 168) إباحة لما قد يتوهم من التحريم جهلا أو غلوا. وقوله: { ولا تتبعوا خطوات الشيطان } (البقرة: من الآية 168) نهى عن الحرام، والإسراف حرام، فهو منهي عنه.
قال الطبري في الآية : يا أيها الناس كلوا مما أحللت لكم من الأطعمة على لسان رسولي محمد ، صلى الله عليه وسلم فطيبته لكم، مما تحرمونه على أنفسكم من البحائر والسوائب والوصائل، وما أشبه ذلك، مما لم أحرمه عليكم، دون ما حرمته عليكم من المطاعم والمآكل فنجسته؛ من ميتة ودم ولحم خنزير، وما أهل به لغيري. ودعوا خطوات الشيطان الذي يوبقكم فيهلككم ويوردكم موارد العطب.
_________
(1) - انظر: تفسير ابن كثير (2 / 210). وصحيح البخاري (7 / 33).

(1/338)


ثم قال بعد أن بين أقوال العلماء في المراد بخطوات الشيطان: وهذه الأقوال قريب معنى بعضها من بعض، غير أن حقيقة تأويل الكلمة هو ما بينت من أنها بعد ما بين قدميه، ثم تستعمل في جميع آثاره وطرقه على ما قد بينت (1) .
ومن الأدلة قوله - تعالى -: { ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار }{ أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب } (البقرة:201، 202).
قال ابن كثير في هذه الآية :
جمعت هذه الدعوة كل خير في الدنيا، وصرفت كل شر، فإن كل الحسنة في الدنيا تشمل كل مطلوب دنيوي، من عافية ودار رحبة، وزوجة حسنة، ورزق واسع، وعلم نافع، وعمل صالح، ومركب هين، وثناء جميل، إلى غير ذلك مما اشتملت عليه عبارات المفسرين، ولا منافاة بينها، فإنها كلها مندرجة في الحسنة في الدنيا.
وأما الحسنة في الآخرة، فأعلى ذلك دخول الجنة (2) وتوابعه، من الأمن من الفزع الأكبر في العرصات، وتيسير الحساب، وغير ذلك من أمور الآخرة الصالحة.
_________
(1) - انظر: تفسير الطبري (2 / 76).
(2) - وأعلى منها لذة النظر إلى وجه الله الكريم، ولكنه لا يكون إلا لمن دخل الجنة.

(1/339)


وأما النجاة من النار فهو يقتضي تيسير أسبابه في الدنيا، من اجتناب المحارم والآثام، وترك الشبهات والحرام (1) .
ومن الأدلة التي تصلح في هذا المقام قوله - تعالى -: { والذين هم لفروجهم حافظون }{ إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين }{ فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون } (المؤمنون:5-7).
قال ابن كثير في تفسيره للآية: أي والذين قد حفظوا فروجهم من الحرام، فلا يقعون فيما نهاهم الله عنهم من زنا ولواط، لا يقربون سوى أزواجهم التي أحلها الله لهم، أو ما ملكت أيمانهم من السراري، ومن تعاطى ما أحله الله فلا لوم عليه ولا حرج، ولهذا قال: { فإنهم غير ملومين } (المؤمنون: من الآية 6) (2) .
ووجه الاستدلال من هذه الآية على منهج الوسطية أنه أباح لهم بعض مطالب أنفسهم كالزواج والتسري، وهذا هو الطريق المشروع لإشباع هذه الغريزة، ولكنه - أيضا - حرم التعدي والإسراف والإفراط والتفريط، وذلك بإتيان ما حرم الله من الزنا واللواط، بل والاستمناء على القول الراجح من أقوال العلماء (3) .
_________
(1) - انظر: تفسير ابن كثير (1 / 243).
(2) - انظر: تفسير ابن كثير (3 / 239).
(3) - انظر: تفصيل ذلك في تفسير القرطبي (12 / 105).

(1/340)


وأختم الكلام في هذا المبحث بما قاله سيد قطب أثناء تفسيره لقوله - تعالى -: { زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب } (آل عمران:14) حيث قال:
في الآية واحدة يجمع السياق القرآني أحب شهوات الأرض إلى نفس الإنسان: النساء والبنين والأموال المكدسة والخيل والأرض المخصبة والأنعام، وهي خلاصة للرغائب الأرضية، إما بذاتها، وإما بما تستطيع أن توفره لأصحابها من لذائذ أخرى.
{ زين للناس حب الشهوات } (آل عمران: من الآية 14) فهي شهوات مستحبة مستلذة، وليست مستقذرة ولا كريهة، والتعبير لا يدعو إلى استقذارها وكراهيتها، إنما يدعو فقط إلى معرفة طبيعتها وبواعثها، ووضعها في مكانها لا تتعداه، ولا تطغى على ما هو أكرم في الحياة وأعلى.

(1/341)


وهنا يمتاز الإسلام بمراعاته للفطرة البشرية، وقبوله بواقعها، ومحاولة تهذيبها ورفعها، لا كبتها وقمعها، إننا نرى الإسلام قد ضمن سلامة الكائن الإنساني من الصراع بين شطري النفس البشرية، بين نوازع الشهوة واللذة، وأشواق الارتفاع والتسامي، وحقق لهذه وتلك نشاطها المستمر في حدود التوسط والاعتدال (1) .
هذه هي الوسطية التي رسمها القرآن الكريم فيما يتعلق بمطالب النفس وشهواتها.
وهو بهذا يمثل الواقعية والحكمة، ويوازن بين نوازع النفس البشرية وحقائق العبودية وتكاليفها.
_________
(1) - انظر: في ظلال القرآن (1 / 373).

(1/342)


عاشرا: شواهد أخرى
وبعد أن ذكرت الآيات التي جاءت تقرر منهج الوسطية في إطار الأبواب الماضية، فإن هناك آيات أخرى ليست داخلة في أي باب من الأبواب السابقة دخولا مباشرا. وهي تدل دلالة واضحة على هذا المنهج وتؤكده (1) .
ولذلك سأذكر بعض هذه الآيات دون استطراد في التفسير أو التعليق، وإنما سأكتفي بذكر الآية مع الإشارة إلى وجه الدلالة، وذكر قول لأحد المفسرين أو قولين، بما يؤدي الغرض ويحققه.
1- قال الله - تعالى -: { إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم } (الإسراء: من الآية 9).
قال ابن كثير : يمدح الله - تعالى - كتابه العزيز الذي أنزله على رسوله محمد ، صلى الله عليه وسلم وهو القرآن بأنه يهدي لأقوم الطرق، وأوضح السبل (2) .
وقال القرطبي : ومعنى { للتي هي أقوم } (الإسراء: من الآية 9) أي الطريقة التي هي أسد وأعدل وأصوب (3) .
وبهذا التفسير فإن الوسطية داخلة في هذه الهداية من باب أولى، لأنها متضمنة للعدل والاستقامة.
_________
(1) - قد ترد آيات يبدو منها لأول وهلة دخولها تحت باب من الأبواب السابقة، ولكن عند التأمل سنجد أن هناك فرقا في وجه الدلالة آثرت معه إفرادها هنا، مع وجود شيء من الاشتراك هناك.
(2) - انظر: تفسير ابن كثير (3 / 26).
(3) - انظر: تفسير القرطبي (10 / 225).

(1/343)


2- قال - تعالى -: { إن الإنسان خلق هلوعا }{ إذا مسه الشر جزوعا }{ وإذا مسه الخير منوعا }{ إلا المصلين } (المعارج:19- 22).
قال القرطبي : الهلع في اللغة: أشد الحرص، وأسوأ الجزع وأفحشه.
والمعنى: أنه لا يصبر على خير ولا شر حتى يفعل فيهما ما لا ينبغي.
والمنوع: هو الذي أصاب المال منع منه حق الله - تعالى -.
وقال أبو عبيدة : الهلوع: هو الذي إذا مسه الخير لم يشكر، وإذا مسه الضر لم يصبر (1) .
3- قال - تعالى -: { أما من استغنى }{ فأنت له تصدى }{ وما عليك ألا يزكى }{ وأما من جاءك يسعى }{ وهو يخشى }{ فأنت عنه تلهى } (عبس:5-10).
قال ابن كثير مبينا دلالتها على الوسطية:
{ أما من استغنى }{ فأنت له تصدى } (عبس:5 ،6 ) أي: أما الغني فأنت تعرض له لعله يهتدي، { وما عليك ألا يزكى } (عبس:7) أي: بمطالب منه إذا لم يحصل له زكاة - وهي الهداية -.
_________
(1) - انظر: تفسير القرطبي (18 / 290).

(1/344)


{ وأما من جاءك يسعى }{ وهو يخشى } (عبس:8، 9) أي: يقصدك ويؤمك، ليهتدي بما تقول له، { فأنت عنه تلهى } (عبس:10) أي: تتشاغل.
ومن هنا أمر الله تعالى رسوله، صلى الله عليه وسلم ألا يخص بالإنذار أحدا، بل يساوي فيه بين الشريف والضعيف، والفقير والغني، والسادة والعبيد، والرجال والنساء، والصغار والكبار، ثم الله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة (1) .
4- قال - تعالى -: { فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمني }{ وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانني } (الفجر:15 ،16).
وهذا الأمر فيه إفراط وتفريط، قال ابن كثير مبينا ذلك، وموضحا طريق الاستقامة في ذلك.
_________
(1) - انظر: تفسير ابن كثير (4 / 470).

(1/345)


يقول - تعالى - منكرا على الإنسان في اعتقاده إذا وسع الله عليه في الرزق ليختبره في ذلك، فيعتقد أن ذلك من الله إكرام له، وليس كذلك بل هو ابتلاء وامتحان، كما قال -تعالى-: { أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين }{ نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون } (المؤمنون:55، 56).
وكذلك في الجانب الآخر، إذا ابتلاه وامتحنه وضيق عليه في الرزق يعتقد أن ذلك من الله إهانة له.
(كلا) أي ليس الأمر كما زعم، لا في هذا، ولا في هذا، فإن الله تعالى يعطي المال من يحب ومن لا يحب، ويضيق على من يحب ومن لا يحب، وإنما المدار في ذلك على طاعة الله في كل من الحالين، إذا كان غنيا بأن يشكر الله على ذلك، وإذا كان فقيرا بأن يصبر (1) .
5- قال - تعالى - { ياأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا } (الحجرات: من الآية 6).
والموقف من الخبر إذا جاء من الفاسق إما قبوله مطلقا، وهذا إفراط، أو رده مطلقا، وهذا تفريط، فقد يصدق خبره، وإما التثبت والتبين، وهذا هو الوسط وهو المشروع.
_________
(1) - انظر: تفسير ابن كثير (4 / 509).

(1/346)


قال القرطبي : في الآية دليل على قبول خبر الواحد إذا كان عدلا، لأنه إنما أمر فيها بالتثبيت عند نقل خبر الفاسق، ومن ثبت فسقه بطل قوله في الأخبار إجماعا، لأن الخبر أمانة، والفسق قرينة يبطلها، وقد استثنى الإجماع من ذلك ما يتعلق بالدعوى والجحود، وإثبات حق مقصود على الغير (1) .
وقال ابن كثير : يأمر - تعالى - بالتثبت في خبر الفاسق ليحتاط له، لئلا يحكم بقوله فيكون في نفس الأمر كاذبا أو مخطئا (2) .
6- قال - تعالى -: { ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير }{ وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي } (لقمان: 14، 15) والأمر يدورعلى ثلاثة أوجه:
إما الطاعة وحسن الصحبة والإحسان، وإما البراء منهما مطلقا فلا طاعة ولا صحبة ولا إحسان، وإما التوسط، وهو عدم الطاعة في معصية الله، مع الإحسان إليهما، وحسن الصحبة، وهذا هو الوسط وهو المشروع.
_________
(1) - انظر: تفسير القرطبي (16 / 312).
(2) - انظر: تفسير ابن كثير (4 / 308).

(1/347)


وقريب من هذا المعنى ما جاء في سورة الممتحنة، قال - سبحانه -: { لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين }{ إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون } (الممتحنة: 8: 9).
والدلالة في الآية واضحة جلية.
7- ومشاقة الله ورسوله خروج عن منهج الوسطية، ولذلك جاء ذمها في القرآن في أكثر من موضع، قال - سبحانه -: { ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب } (الأنفال:13). وقال: { ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب } (الحشر:4).

(1/348)


قال سيد قطب في تفسيره للآية الثانية: والمشاقة أن يأخذوا لهم شقا غير شق الله، وجانبا غير جانبه، وقد جعل الله جانبه هو جانب رسوله، صلى الله عليه وسلم حين وصف علة استحقاقهم للعذاب في صدر الآية ، فاكتفى في عجزها بمشاقة الله وحده، فهي تشمل مشاقة الرسول وتتضمنها.
ثم ليقف المشاقون في ناحية أمام الله - سبحانه - وهو موقف فيه تبجح قبيح، حين يقف المخاليق في وجه الخالق يشاقونه (1) .
8- قال - تعالى -: { ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير } (الشورى:27).
قال الطبري : ولو بسط الله الرزق لعباده، فوسعه وكثره عندهم لبغوا، فتجاوزوا الحد الذي حده الله لهم إلى غير ذلك الذي حده لهم في بلاده بركوبهم في الأرض ما حظره عليهم، ولكنه ينزل رزقهم بقدر لكفايتهم الذي يشاء منه (2) .
وقال ابن كثير : أي لو أعطاهم فوق حاجتهم من الرزق لحملهم ذلك على البغي والطغيان، من بعضهم على بعض أشرا وبطرا.
وقال قتادة : كان يقال: خير العيش ما لا يلهيك ولا يطغيك (3) .
_________
(1) - انظر: في ظلال القرآن (6 / 3522).
(2) - انظر: تفسير الطبري (25 / 30).
(3) - انظر: تفسير ابن كثير (4 / 115).

(1/349)


ودلالة هذه الآية : أن وسطية الرزق تؤدي إلى وسطية العمل والعبادة، والإفراط يؤدي إلى الإفراط والتفريط، فأصبحت وسطية الرزق مانعة من الطغيان والبغي.
9- ومما يدل على ذم الإفراط والتفريط قوله - تعالى -: { وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون } (الروم:36). ومثل هذا المعنى قوله - تعالى - عن المنافقين.
{ ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون } (التوبة:58) ثم يبين لهم المنهج الحق الذي يجب أن يسلكوه: { ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون } (التوبة:59).
قال القاسمي في الآية الأولى: { وإذا أذقنا الناس رحمة } (الروم: من الآية 36) أي: نعمة من صحة وسعة { فرحوا بها } (الروم: من الآية 36) أي: بطرا وفخرا، لا حمدا وشكرا.

(1/350)


{ وإن تصبهم سيئة } (الروم: من الآية 36) أي: شدة { بما قدمت أيديهم } (الروم: من الآية 36) أي: من المعاصي والآثام: { إذا هم يقنطون } (الروم: من الآية 36) أي: ييأسون من روح الله.
قال: هذا إنكار على الإنسان من حيث هو، إلا من عصمه الله ووفقه، فإن الإنسان إذا أصابته نعمة بطر وقال: { ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور } (هود: من الآية 10) أي يفرح في نفسه، ويفخر على غيره.
وإذا أصابته شدة قنط وأيس أن يحصل بعد ذلك خير بالكلية، ثم بين المنهج الوسط.
قال الله - تعالى -: { إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات } (هود: من الآية 11) أي: صبروا في الضراء، وعملوا الصالحات في الرخاء، كما ثبت في الصحيح: « عجبا للمؤمن، لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرا له، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرا له » (1) .
_________
(1) - انظر: تفسير القاسمي ص (4780). والحديث أخرجه مسلم (4 / 2295). رقم (2999).

(1/351)


وأشير إلى الآية التي وردت قبل هذه الآية ، وهي تدل على فساد مسلك من خرج عن منهج الاستقامة، وانحراف يمنة ويسرة، قال - سبحانه -: { وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون } (الروم:33).
10- وانظر نتيجة الخروج عن منهج الوسطية والاعتدال وشكر النعمة فيما قصه الله علينا في هذه الآيات: { وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما آمنين }{ فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور } (سبأ:18، 19).

(1/352)


قال ابن كثير : وذلك أنهم بطروا هذه النعمة، وأحبوا مفاوز ومهامة يحتاجون في قطعها إلى الزاد والرواحل والسير والمخاوف، كما طلب بنو إسرائيل من موسى أن يخرج الله لهم مما تنبت الأرض، من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها، مع أنهم كانوا في عيش رغيد، في من وسلوى وما يشتهون من مآكل ومشارب، وملابس مرتفعة، ولهذا قال لهم: { أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير } (البقرة: من الآية 61).
وقال عز وجل { وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها } (القصص: من الآية 58).
وانظر ماذا كانت النتيجة: { فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق } (سبأ: من الآية 19) قال ابن كثير : أي جعلناهم حديثا للناس. وسمرا يتحدثون به من خيرهم، وكيف مكر الله بهم، وفرق شملهم بعد الاجتماع والألفة والعيش الهنيء، تفرقوا في البلاد هاهنا وهاهنا، ولهذا تقول العرب في القوم إذا تفرقوا: تفرقوا أيدي سبأ، وأيادي سبأ، وتفرقوا شذر مذر (1) .
_________
(1) انظر: تفسير ابن كثير (3 / 533).

(1/353)


أما بنو إسرائيل فكان أمرهم كما أخبر الله: { أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله } (البقرة: من الآية 61).
11- الطغيان خروج عن الاستقامة، بل هو مضاد لها ومباين، ولذلك جاءت الآيات تذم الطغاة وتنهى عن الطغيان، وتأمر بالاستقامة:
قال - تعالى - { فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا } (هود: من الآية 112).
وقال عن فرعون : { اذهبا إلى فرعون إنه طغى } (طه:43). وقال: { فأما من طغى }{ وآثر الحياة الدنيا }{ فإن الجحيم هي المأوى } (النازعات:37-39).
وقال: { فلذلك فادع واستقم كما أمرت } (الشورى: من الآية 15).
وقال: { لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا } (الجن:16).
ومن ترك الطغيان واستقام فقد التزم منهج الوسط والاعتدال { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } (البقرة: من الآية 143).

(1/354)


وإلى هنا نصل إلى نهاية بيان القرآن لمنهج الوسطية، وتقريره لذلك والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

(1/355)


الخاتمة
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأشكره شكرا عظيما على ما أولاه من فضل وعون وتوفيق، وأصلي وأسلم على نبينا محمد ، وآله وصحبه أجمعين.
وبعد:
فقد ذكرت في مقدمة هذه الرسالة أن البحث جاء يعالج قضية الوسطية من حيث جهل كثير من الناس بها، وما ترتب على ذلك من إفراط وتفريط.
ولذا فإني أجد من المناسب أن ألخص ما توصلت إليه في هذه الرسالة فيما يلي:
1- ذكرت تعريفات العلماء لكلمة (وسط)، وخلاصة ما ذكروا ما عبر عنه محمد باكريم، حيث قال:
وكيفما تصرفت هذه اللفظة نجدها لا يخرج معناها عن معاني: العدل والفضل والخيرية، والنصف والبينية والتوسط بين الطرفين.
وذكرت - أيضا - ما ذكره فريد عبد القادر ، حيث قال: استقر عند العرب أنهم إذا أطلقوا كلمة (وسط) أرادوا معاني الخير والعدل والنصفة والجودة والرفعة والمكانة العلية.
وختمت ما قيل في معنى (الوسط) بما ذكره ابن عاشور وملخصه:
والوسط اسم للمكان الواقع بين أمكنة تحيط به، أو للشيء الواقع بين أشياء محيطة به، ليس هو إلى بعضها أقرب منه إلى بعض عرفا، ولما كان الوصول إليه لا يقع إلا بعد اختراق ما يحيط به أخذ فيه معنى الصيانة والعزة.

(1/356)


فمن أجل ذلك صار معنى النفاسة والعزة والخيار من لوازم معنى الوسط عرفا، فأطلقوه على الخيار النفيس كناية. أما إطلاق الوسط على الصفة الواقعة عدلا بين خلقين ذميمين فيهما إفراط وتفريط، فذلك مجاز.
وقد شاع هذان الإطلاقان حتى صارا حقيقتين عرفيتين.
2- ذكرت ورود كلمة (وسط) في القرآن الكريم بعدة تصاريف، حيث وردت خمس مرات، في البقرة بلفظ: "وسطا" و "الوسطى".
وفي المائدة بلفظ: "أوسط".
وفي القلم بلفظ: "أوسطهم".
وفي العاديات بلفظ: "فوسطن".
وبينت مدلول كل كلمة في ضوء أقوال المفسرين، وكذلك ذكرت مدى دلالة كل لفظة على معنى الوسطية.
3- استشهدت ببعض الأحاديث التي وردت وفيها لفظ (وسط).
قد ذكرت (12) حديثا شرحت فيها معنى كل لفظة، وهل هي من الوسط أو الوسطية؟
4- وفي ختام تعريف الوسطية حررت معناها، وبينت المراد من هذا المصطلح عند إطلاقه، وكان مما قلت:
وقد تأملت ما ورد في القرآن والسنة والمأثور من كلام العرب فيما أطلق وأريد به مصطلح (الوسطية)، فتوصلت إلى أن هذا المصطلح لا يصح إطلاقه إلا إذا توافر فيه صفتان:
(أ) الخيرية أو ما يدل عليها.

(1/357)


(ب) البينية، سواء كانت حسية أو معنوية. فإذا جاء أحد الوصفين دون الآخر فلا يكون داخلا في مصطلح الوسطية.
5- هناك أسس لا بد منها لفهم الوسطية، وتلك الأسس مطردة مع وصفي الخيرية والبينية، وهي:
(أ) الغلو والإفراط.
(ب) الجفا والتفريط.
(ج) الصراط المستقيم فالصراط المستقيم يمثل الخيرية ويحقق معناها، وهو وسط بين الغلو والجفاء، وهو كذلك وسط بين الإفراط والتفريط.
وقد وقفت مع هذه الأسس الثلاثة مبينا وشارحا، ثم توصلت إلى عدة حقائق أهمها:
أن الصراط المستقيم يمثل قمة الوسطية، وذروة سنامها، وأعلى درجاتها.
أنه يجب عند النظر في أي أمر من الأمور لتحديد علاقته بالوسطية، ومدى قربه أو بعده منها دقة النظر والاعتبار في حقيقة الأمر دون الاقتصار على ظاهره فقط، ثم إلى أي هذه الأسس هو أقرب، مراعاة في ذلك عدة أمور أشرت إليها في ذلك المبحث.
فإذا اتضح قربه في حقيقته ومآله إلى الصراط المستقيم فهو داخل في الوسطية، أما إذا كان إلى الإفراط والتفريط أقرب حقيقة ومآلا، فليس من الوسطية في شيء، وإن حسبه الناس كذلك.
6- للوسطية ملامح وسمات تحف بها وتميزها عن غيرها، بمجموع تلك الملامح لا بآحادها.

(1/358)


وقد توصلت إلى تحديد أهم تلك السمات والملامح باستقراء القرآن الكريم، وما ورد في وسطية هذه الأمة بين الأمم، وكذلك ما كتبه بعض الباحثين في ضوء الكتاب والسنة.
إن تحديد تلك الملامح مهمة أساسية، حتى لا تكون الوسطية مجالا لأصحاب الأهواء وأرباب الشهوات.
وقد توصلت إلى أن أهم سمات الوسطية ما يلي:
1- الخيرية.
2- الاستقامة.
3- اليسر ورفع الحرج.
4- البينية.
5- العدل والحكمة. وكل سمة من هذه السمات يندرج تحتها بعض آحادها. وأشرت إلى أن هذه الملامح تصلح ضابطا لتحديد الوسطية ومعرفتها، بما يجيب على السؤال الذي يرد في الأذهان.
أين ضابط الوسطية؟ وكيف نميزها عن غيرها؟
7- نزل القرآن الكريم هداية للناس ونورا، يخرج الله به من شاء من الظلمات إلى النور، ولزوم منهج الوسطية عين الهداية وجوهرها، ولذلك فقد جاءت الآيات مستفيضة ترسم منهج الوسطية وتدل عليه. والوسطية ليست محصورة في جزئية من الجزئيات، بل ولا في ركن واحد من الأركان، وإنما هي منهج شامل متكامل، لا ينفصل بعضه عن بعض، فالإسلام كله وسط، وهذه الأمة أمة الوسط. { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } (البقرة: من الآية 143).

(1/359)


والذين يغفلون عن هذه الحقيقة يغفلون عن حقيقة القرآن وهداياته.
ومن هذا المنطلق بينت - بالتفصيل - تقرير القرآن لمنهج الوسطية في أبواب كثيرة، أجملها فيما يلي:
1- الاعتقاد.
2- التشريع والتكليف.
3- العبادة.
4- الشهادة والحكم.
5- الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
6- الجهاد في سبيل الله.
7- المعاملة والأخلاق.
8- كسب المال وإنفاقه.
9- مطالب النفس وشهواتها.
وختمت هذه الأبواب بباب ضمنته شواهد متفرقة، تدل على منهج الوسطية وتأمر به. هذا بالإضافة إلى ما ذكرته في أول هذا المبحث من دلالة سورة الفاتحة على هذا المنهج في عدة آيات منها.
ومن خلال هذه الأبواب اتضح لنا أن الوسطية منهج حياة وتشريع متكامل، لا يقبل التجزئة والتفريق، وأن أدلة الوسطية ليست هي التي ورد فيها لفظ (الوسط) فقط، بل أعم من ذلك وأشمل، والآيات التي جاءت تدل دلالة صريحة على منهج الوسطية تربو على العشرات، إذ هي في عداد المئات.
8- وبعد بيان موجز للمسائل العلمية التي توصلت إليها في هذا البحث، أذكر أهم النتائج العملية التي نخرج بها من هذه الدراسة العلمية.

(1/360)


(أ) أن أهم أسباب نشوء جماعات الغلو بين المنتسبين إلى الدعوة في هذا العصر هو الجهل بحقيقة الوسطية، بل الجهل بمكانتها في الإسلام.
(ب) وكذلك أجد من الأسباب الرئيسية لقبول ما يطلقه الأعداء على الدعاة الصادقين من ألقاب وأوصاف: كالتطرف والغلو، والتزمت والتشدد، ونحوها، من أبرز أسباب قبولها ورواجها بين الناس لسببين:
1- الجهل بحقيقة الوسطية الشرعية، وتصور أولئك العامة أن الوسطية التي أمر الله بها تعني التساهل والتنازل واتباع شهوات النفس ورغباتها، ولهذا تجدهم يستخدمون هذا الفهم مقياسا لرمي الدعاة بتلك الأوصاف والألقاب.
2- السبب الثاني وهو أهم من الأول في قوة التأثير: عدم ممارسة الوسطية على وجهها الصحيح من قبل بعض الدعاة والملتزمين، حيث تجد خللا في تطبيقها أتاح للأعداء فرصة اقتناص بعض الأخطاء والهفوات، ومن ثم إقناع كثير من الناس بصحة تلك الدعاوى وتلبيس هذه التهم الباطلة.
(ج) وأخلص إلى حقيقة عملية تكون هي المخرج مما نعانيه تجاه موضوع الوسطية، وتتمثل هذه الحقيقة فيما يلي:

(1/361)


1- بذل الجهود العلمية من قبل العلماء وطلاب العلم في بحث موضوع الوسطية، واستفراغ الوسع في ذلك، حيث أرى أن هناك جوانب مهمة لم تعط حقها من البحث والدراسة.
2- عقد الندوات والمحاضرات لبيان أهمية الموضوع وحقيقته، وأثره الإيجابي في حياة الناس.
3- الممارسة العلمية الواقعية لمنهج الوسطية من قبل العلماء وطلاب العلم والدعاة، مما يتيح للناس أن يروا القدوة الصالحة التي هم في أمس الحاجة إليها.
4- تربية الأمة على هذا المنهج تربية عملية شاملة، مما يقضي على الخلل الموجود في محيط المجتمع المسلم سواء أكان إفراطا أو تفريطا.
5- وأخيرا فإن هناك لبسا في فهم الوسطية وممارساتها من قبل بعض الجماعات والدعاة، وهذا اللبس أدى إلى أنهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، فرأينا التنازل مع الأعداء باسم المصلحة، وضعفا في حقيقة الولاء والبراء بحجة تأليف القلوب والدعوة إلى الله، ومصانعة لبعض الظالمين بدعوى دفع الشر والفتنة، وهكذا.
ولذلك لا بد من تصفية المنهج مما علق به ليكون وفق الكتاب والسنة، ومنهج سلف الأمة، فلن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.

(1/362)


وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
?? ?? ?? ?? الوسطية في ضوء القرآن الكريم
الوسطية في ضوء القرآن الكريم (للشيخ ناصر العمر ) 2
242

(1/363)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية