صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ الفقه على المذاهب الأربعة - الجزيري ]
الكتاب : الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف : عبد الرحمن الجزيري
(الصفحات مرقمة آليا)

مباحث الحجر

(2/228)


الحجر معناه في اللغة : المنع يقال : حجر عليه حجرا من باب قتل منعه من التصرف وهو بفتح الحاء وكسرها ولذا سمي الحكيم حجرا لأنه منع من الكعبة وقطع منها وسمي العقل حجرا لأنه يحجر صاحبه ويمنعه من فعل القبيح قال تعالى : { هل في ذلك قسم لذي حجر } أي لذي عقل
وأما معنا في الشرع فإن فيه تفصيلا في المذاهب
( الحنفية - قالوا : الحجر : هو عبارة عن منع مخصوص متعلق بشخص عن تصرف مخصوص أو عن نفاذ ذلك التصرف فالحجر منع للصغير والمجنون ونحوهما عن التصرف في القول رأسا إن كان ضررا محضا فإذا طلق الصبي زوجه أو أعتق عبده فإن قوله هذا لا ينعقد أصلا لأنه ضرر محض فلا ينعقد من أصله ومثله المجنون
أما إن كان نفعا محضا كما إذا وهبه أحد مالا فقال : قبلت ونحو ذلك مما فيه منفعة محققة له فإن قوله ينعقد صحيحا نافذا ولا يتوقف على إذن الولي فإن كان قوله يحتمل النفع والضرر كبعت واشتريت ونحوهما فإن كان يعقل معنى البيع والشراء بحيث يدرك أن السلعة يقابلها الثمن فلا يمكن أن يأخذ السلعة ولا يدفع ثمنها انعقد بيعه وشراؤه موقوفا على إجازة الولي فللولي أن يجيزه بشرك أن لا يكون فيه غبن فاحش وقد تقدم بيانه . أما إن كان الصبي لا يعقل أصلا فإن تصرفه في ذلك لا ينعقد من أصله
أما الحجر في الأفعال فإن الصغر والجنون لا يوجبه فإذا كان الطفل نائما فانقلب على زجاجة وكسرها فعليه ضمانها فإن كان له مال يؤخذ ثمنها من ماله
وكذلك المجنون إذا أتلف شيئا فإنه يكون مسؤولا عنه إذا كان الفعل متعلقا بحكم يدرأ بالشبهة كالحدود والقصاص فإن عدم القصد في الصبي والمجنون يرفع عنهما العقوبة فإذا زنى الصبي أو قتل فإنه لا يحد لأن النية مفقودة كما سيأتي وقد يفسر الحجر بمعنى عدم ثبوت حكم التصرف وعلى هذا فيكون الصبي والمجنون محجورا عليهما بالنسبة لذلك فليس محجورا عليهما بالنسبة لفعل الزنا والقتل ونحوهما من كل ما يوجب الحد . لأن الفعل لا يمكن منعهما منه خصوصا بعد وقوعه وإنما هما محجور عليهما بمعنى أن حكم عملهما هذا معدوم فلا يترتب على عملهما حد وعقوبة
المالكية - قالوا : الحجر : صفة حكمية " يحكم بها الشرع " توجب منع موصوفها من نفوذ تصرفه فيما زاد على قوته كما يوجب منعه من نفوذ تصرفه في تبرعه بزائد على ثلث ماله . فدخل بالأول : الحجر على الصبي والمجنون والسفيه والمفلس ونحوهم فإن هؤلاء يمنعون عن التصرف فيما زاد على قوتهم فإذا باع أحد منهم شيئا أو اشتراه أو تبرع به وقع تصرفه هذا موقوفا ولا ينفذ إلا بإذن الولي كما تقدم في البيع
ودخل بالثاني وهو قولنا : كما يوجب منعه في نفوذ تصرفه في تبرعه بزائد على ثلث ماله " : الحجر على المريض والزوجه فإنهما لا يمنعان من التصرف في البيع والشراء وإنما يمنعان من التبرع بشرط أن يكون زائدا على ثلث مالهما فيصح للمريض أن يتبرع بثلث ماله لغيره . كما يصح للزوجة ذلك . أما ما زاد على ثلث مالهما فإنه لا يصح لهما التبرع به
الشافعية - قالوا : الحرج شرعا : منع التصرف في المال لأسباب مخصوصة فخرج بقوله منع التصرف في المال : التصرف في غيره فلا حجر فيه . فيصح للسفيه والمفلس والمريض أن يتصرفوا في الأمور الأخرى كالخلع والطلاق والظهار والإقرار بما يوجب العقوبة . وكالعبادة البدنية سواء كانت واجبة أو مندوبة . أما العبادة المالية فإنه لا ينفذ منها إلا الواجبة كالحج . بخلاف المندوبة كصدقة التطوع فإنها لا تنفذ منهم . أما الصبي والمجنون فإنهما لا يصح تصرفهما في شيء مطلقا
الحنابلة - قالوا : الحجر هو : منع مالك من تصرفه في ماله سواء كان المنع من قبل الشرع كمنع الصغير والمجنون والسفيه . أو كان من قبل الحاكم كمنع الحاكم المشتري من التصرف في ماله حتى يقضي الثمن الحال عليه )

(2/229)


أسباب الحجر

(2/230)


يرجع سبب الحجر في الشريعة الإسلامية على التحقيق إلى شيء واحد وهو مصلحة النوع الإنساني كما هو الشأن في كل قضية من قضاياها الكريمة فهي دائما ترمي في تشريعها إلى ما فيه سعادة الإنسان جماعة وأفرادا . فمن قواعدها العامة وأسسها القويمة أنها قضت بضرورة التعاون بين الناس فعرضت على القوي أن يعين الضعيف بقدر ما يتاح له وحتمت على الكبير أن يساعد الصغير الذي يتولى أمره ويخلص له كل الإخلاص حتى لا تضيع عليه فرصة ينتفع بها في دينه ودنياه . فمن ابتلاه الله من الأطفال بفقد من يعطف عليه عطفا طبيعيا من والد أو أخ أو قريب كان له في غيره عوضا فقد كلف الله الحاكم أن يختار له من يقوم يأمر تربيته والنظر في مصلحته والعمل على تنمية ثروته كما يقوم بذلك أقرب الناس إليه والصقهم به . وقد أوصى الله تعالى الأولياء والأوصياء على اليتامى والمساكين وحذرهم عاقبة إهمالهم والطمع في أموالهم بما تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ويخافون بطشه وعقابه . وقال تعالى : { وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا } وقال تعالى : { وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم وقال تعالى : { وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف } وفي الآية دلالة على أنه يصح للوصي الفقير أن يأخذ أجر عمله من مال القاصر بما هو معروف بين الناس فانظر كيف حذر الله الأوصياء في الآية الأولى بما هو ممكن قريب الوقوع ؟ وكيف رغبهم في حكم معاملة القاصر ؟ فإن الوصي الذي له أولاد صغار ضعاف قد يموت ويتركهم فلينظر على أي وجه يحب أن يعامل الناس أولاده فيعامل به من أقامه الله وصيا عليه ليعلم أنه إذا اتقى الله تعالى في قوله وفعله كان قدوة حسنة لأبنائه فينقلون عنه الفضيلة فضلا عما في ذلك من ترك حسن الذكرى وطيب الأثر ولذلك في قلوب الناس منزلة رفيعة تحبب إليهم مودة ذريته الضعيفة ويسهل عليهم خدمتهم
ثم انظر إلى الوعيد الشديد للطامعين في أموال اليتامى الذي يقومون عليهم وأي زجر أشد من أن شبه الله ما يأكلون من ذلك بالنار التي توقد في البطون فهم وإن كانوا يجدون في أكله لذة مؤقتة في هذه الحياة الدنيا ولكنهم سيصلون سعيرا يوم القيامة تلتهب في أحشائهم فيعلمون أنهم إنما كانوا يأكلون نارا وجحيما . وفي ذلك منتهى التحذير والتخويف من قربان أموال اليتامى . ولهذا الكلام بقية ذكرناها في حكمة تشريع الحجر في الجزء الثاني من كتاب الأخلاق
وكما أن الشريعة الإسلامية حثت الكبير على أن يعين الصغير كذلك حثت من آتاه الله عقلا على أن يعين من حرم منه وإن كان كبيرا لأن من ابتلاه الله بضعف العقل وفقد ادراك فقد جعله كالأطفال في هذه الحياة وإن كان كبير الجسم والسن فإن العقل هو الذي يمتاز به الإنسان عن الحيوان فإذا ذهب أصبح الإنسان كالأطفال فلا يصح تركه وشأنه حتى يقضي عليه الأشرار فالحجر بسبب الصغر والجنون لمصلحتهما أمر متفق عليه بين أئمة المسلمين : أما الحجر على الكبير العاقبل بسبب سوء التصرف والسفه والتبذير ونحو ذلك مما يأتي فذلك محل خلاف ( الحنفية - قالوا : الذي قال إن السفه ليس سببا من أسباب الحجر هو الإمام أبو حنيفة وحده أما صاحباه فقد قالا كما قال جمهور الأئمة وهو أن السفيه يحجر عليه كالصغير والمجنون ويظهر أن الإمام يميل إلى عدم حبس الأموال فمن كان أهلا للتصرف فأحسن استثمار ماله فذاك ومن لم يكن أهلا وبذر فيه فجزاؤه أن ينتقل المال من يده إلى أيد متصرفة تنتفع به وتنفع الناس
ومن أجل ذلك يقول الإمام : إن الوقف لا يلزم إلا بحكم الحاكم كما سيأتي في بابه
فالحر العاقل لا يحجر عليه سواء كان فاسقا أو مبذرا على أنه يقول : إن من أسباب الحجر على العاقل أن يعمل عملا يتعدى ضرره إلى غيره كالطبيب الجاهل الذي لا يحسن الطب فيضر الناس . ومثله المفتي الجاهل الذي يضلل الناس أو الماجن الذي يفتيهم بالحيل الباطلة . وكذلك الرجل يحتال على الناس فيأخذ أموالهم ومثله له بالمكاري المفلس وهو الذي يكري للناس جمالا ونحوها ويجحذ أجرتها وليس عنده شيء منها حتى إذا جاؤوا ليأخذوها هرب منهم وأضاع عليهم أموالهم
وقد يقال : كيف يقول الإمام بالحجر على هؤلاء الثلاثة مع أنه قرر أنه لا يصح الحجر على الحر العاقل ؟ والجواب : أنه لا يريد الحجر عليهم بمعناه الشرعي المتقدم وهو عدم نفاذ تصرفهم وإنما يريد منعهم بالفعل فالحاكم لا يبيح للطبيب الجاهل أن يزاول مهنة الطب ولا يبيح للمفتي الماجن أن يفتي بين الناس وهكذا . أما إذا وقع منهم تصرف صحيح كما إذا أتفى الماجن بحكم صحيح فإنه ينفذ ) . ولكن جمهو الأئمة وعلماء الإسلام على أنه في حكم المجنون والصغير لأن النتيجة التي شرع من أجلها الحجر متحققة في السفيه فالسفيه الذي لا يحسن التصرف لا يلبث أن يقضي على ماله كما يقضي عليه الصغير والمجنون تماما ومتى كان الحجر لمصلة المحجور عليه كان لزاما أن يحجر على السفيه لمصلحته أيضا بل ولمصلحة الناس لأنه لا بد أن يعامل الناس فيقضي على أموالهم ومن أجل ذلك قال الله تعالى : { ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما } ومن أسباب الحجر لمصلحة الناس : الحجر بسبب الدين
ويتضح من هذا أن أسباب الحجر المعروفة التي عليها العمل غالبا ثلاثة : أحدها : الصغر . ثانيها : الجنون ومثله العته . ثالثها : السفه
وهناك أسباب أخرى كالرق . فإن الرقيق محجور عليه لكونه ليس أهلا للملك فلا يصح له أن يتصرف في ملك غيره إلا بإذنه وغير ذلك

(2/231)


الحجر على الصغير

(2/232)


الصغير وصف في الإنسان من حين ولادته إلى أن يبلغ الحلم وسبب الصغر : عدم تكامل قوى الإنسان البشرية . وهو وإن كان لازما لغالب أفراد الإنسان إلا أن الإنسان قد يوجد كبيرا فيختلف عنه الصغر ولكن ذلك نادر كما في آدم وحواء

(2/233)


ما يعرف به بلوغ الصغير

(2/234)


يعرف بلوغ الصغير تارة بالسن وتارة بعلامات تدل على أنه قد بلغ وإن لم يبلغ حد السن المقرر وفي بيان ذلك تفصيل المذاهب
( الحنفية - قالوا : يعرف البلوغ في الذكر : بالاحتلام وإنزال المني وإحبال المرأة وفي الأنثى : بالحيض والحبل . فإذا لم يعلم شيء من ذلك عنهما فإن بلوغهما يعرف بالسن فمتى بلغ ينهما خمس عشرة سنة فقد بلغا على الحلم على المفتى به وقال أبو حنيفة : إنما يبلغان بالسن إذا أتم الذكر ثماني عشرة سنة والأنثى سبع عشرة سنة
ويستمر الحجر على الصغير إلى أن يبلغ إما بالسن أو بعلامة من العلامات المذكورة ثم ينظر في أمره بعد البلوغ فإن ثبت رشده بعد اختباره فإنه يسلم إليه ماله وإن لم يظهر رشده فإنه لا يسلم غليه . وحد الرشد هو : أن يثبت أنه صالح لإدارة ماله فلا يضيعه إذا سلم إليه . فلو كان فاسقا بترك الصلاة ونحوها فإنه لا يمنع من تسليم ماله أما إذا كان فاسقا بالشهوات التي تذهب بالأموال كالزنا والقمار ونحو ذلك فإنه يحجر عليه لذلك لأنه لم يكن صالحا لإدارة ماله في هذه الحالة ولكن الصاحبين اللذين يقولان بالحجر على السفيه يحكمان باستمرار الحجر عليه ما دام سفيها . وحتى ولو قضى طول حياته وهو على هذه الحالة . أما الإمام أبو حنيفة الذي يقول بعدم الحجر على السفيه فإنه يقول : إنه لا يسلم إليه ماله أيضا إلا بعد خمس وعشرين سنة . وذلك لأنه وإن كان حرا عاقلا وهو ما لا يصح الحجر عليه إلا أنه لما بلغ هذا السن الذي يكون الإنسان فيه كالجد الذي له أحفاد ولم يتأدب فلا أمل في تأديبه بعد ذلك ولا معنى لحبس ماله عنه فليعط ماله يفعل فيه كيف شاء
المالكية - قالوا : يعرف البلوغ بعلامات :
إحداها : إنزال المني مطلقا في اليقظة أو في الحلم
ثانيها : الحيض والحبل وهو خاص بالمرأة
ثالثها : إنبات شعر العانة الخشن . أما الشعر الرقيق " الزغب " فإنه ليس بعلامة وكذلك شعر اللحية والشارب فإنه ليس بعلامة فقد يبلغ الإنسان قبل أن ينبت له شيء من ذلك بزمن طويل ومتى نبت شعر العانة الخشن كان ذلك علامة على التكليف بالنسبة لحقوق الله من صلاة وصوم ونحوهما وحقوق عباد الله على التحقيق
رابعا : نتن الإبط
خامسها : فرق أرنبة الأنف
سادسها : غلظ الصوت فإن لم يظهر شيء من ذلك كان بلوغ الصغير السن وهو أن يتم ثماني عشرة سنة وقيل : يبلغ بمجرد الدخول في السنة الثامنة عشرة
وإذا ادعى الصغير البلوغ أو عدمه فإن له حالتين :
الحالة الأولى : أن يشك في صدقه وفي هذه الحالة ثلاث صور :
الصورة الأولى : أن يدعي البلوغ ليأخذ مالا أو ليثبت عليه مالا للغير فالأول : كأن يدعي البلوغ ليأخذ سهمه في الجهاد . والثاني : كأن يدعي عليه شخص بأنه أتلف مالا اؤتمن عليه وأنه بالغ فأقر بذلك وخالفه الولي . وفي هذه الصورة لا تسمع دعواه مع الشك فيها
الصورة الثانية : أن يدعي البلوغ ليثبت طلاقه من امرأته أو يدعي عدم البلوغ ليفر من إثبات طلاقها وفي هذه الصورة تقبل دعواه إثباتا ونفيا
الصورة الثالثة : أن يدعي البلوغ ليفر من عقاب جناية ارتكبها وفي هذه الصورة تقبل دعواه مع الشك في صدقه لأن الحدود تدرأ بالشبهات . أما إذا ادعى البلوغ ليثبت على نفسه جناية فإنه لا يصدق مع الشك لهذه العلة
الحالة الثانية : أن لا يشك في صدقه . وفي هذه الحالة تقبل دعواه في الأموال أيضا إثباتا ونفيا فإذا أدعى أنه بلغ ليأخذ سهمه في الجهاد . أو ليأخذ مالا مشروطا ببلوغه أو نحو ذلك فإن دعواه تقبل حيث لم يشك في صدقه . وكذلك تقبل في الأمور الدينية المتوقفة على البلوغ كالإمامة وتكملة عدد جماعة الجمعة
الشافعية - قالوا : يعرف بلوغ الذكر والأنثى بتمام خمس عشرة سنة بالتحديد ويعرف بعلامات غير ذلك :
منها : الإمناء ولا يكون علامة على البلوغ إلا إذا أتم الصبي تسع سنين فإذا أمنى قبل ذلك يكون المني ناشئا عن مرض لا عن بلوغ فلا يعتبر
ومنها : الحيض في الأنثى وهو يمكن إذا بلغت تسع سنين تقريبا
الحنابلة - قالوا : يحصل بلوغ الصغير ذكرا كان أو أنثى بثلاثة أشياء :
أحدها : إنزال المني يقظة أو مناما سواء كان باحتلام أو جماع أو غير ذلك
الثاني : نبات شعر العانة الخشن الذي يحتاج في إزالته إلى الموسى . أما الشعر الرقاق " الزغب " فإنه ليس بعلامة
الثالث : بلوغ سنهما خمس عشرة سنة كاملة وتزيد الأنثى على الذكر بشيئين :
أحدهما : الحيض . ثانيهما : الحمل ويقد وقت بلوغها بما قبل وضعها بستة أشهر . ويعرف بلوغ الخنثى " المشكل " بأمور : منها : تمام خمس عشرة سنة أيضا
ومنها : إنبات شعر العانة . ومنها غير ذلك

(2/235)


مبحث إذا بلغ الصبي غير رشيد

(2/236)


وإذا بلغ الصبي غير رشيد فإنه لا يسلم إليه ماله بل يحجر عليه بسبب السفه . وفي ذلك تفصيل المذاهب
( الحنفية - قالوا : اتفق الإمام وصاحباه على أنه لا يسلم إليه ماله بمجرد البلوغ بل لا بد من ثبوت الرشد بعد الاختبار إلا أن الإمام قال : ينتظر إلى أن يبلغ خمسا وعشرين سنة ثم يسلم له ماله ولو لم يرشد . وإذا تصرف يقع تصرفه صحيحا ما دام حرا عاقلا لأنه لا يحجر عليه بالسفه . أما صاحباه فقالا : لا يسلم إليه ماله ولو بقي على ذلك مائة سنة وقد تقدم وسيأتي تفصيله في مبحث الحجر على السفيه
الحنابلة - قالوا : إذا بلغ الصبي غير رشيد " والرشد هو : الصلاح في ماله ودينه وقيل هو الصلاح في ماله فقط " فإن الحجر يستمر عليه ويكون النظر في ماله لوليه قبل البلوغ من أب أو وصي أو الحاكم وإذا فك عنه الحجر فعاوده السفه أعيد الحجر عليه وإن فسق في دينه ولكنه لم يبذر في ماله فإنه لا يحجر عليه خصوصا على القول الرشد هو الصلاح في المال . ولكن لا يحجر عليهما في هذه الحالة إلا الحاكم لأن التبذير الذي حصل ثانيا يتفاوت فيحتاج إلى نظر واجتهاد فلا بد في الحاكم حينئذ كالحجر على المفلس فإنه لا يكون إلا بحكم حاكم ولا ينظر في أموالهما إلا الحاكم ولا يفك الحجر عنهما ثانيا إلا الحاكم
وإذا بلغ الصبي وصار رشيدا أو عقل المجنون رشيدا انفك الحجر عنهما بلا حكم قاض ودفع إليهما مالهما ويستحب أن يكون الدفع فإذن قاض كما يستحب أن يكون ثبوت الرشد ببينة وأن يكون الدفع ببينة ولا ينفك الحجر عنهما قبل البلوغ وثبوت الرشد والعقل ولو بقيا على ذلك حتى هرما
الشافعية - قالوا : فإنه يكون بعدم ارتكابه وإصراره على صغيرة : وأما صلاح المال : فإنه يكون بعدم تبذيره وإنفاقه في الشهوات المحرمة أو تضييعه بغبن فاحش لا يحتمل في المعاملة كأن يبيع أو يشتري بالغبن
أما إذا أنفقه في الصدقة ووجوه الخير والمأكل والملبس اللذين يليقان به فقيل : إنه تبذير وقيل إنه ليس بتبذير وهو الراجح
ويعرف رشد الصغير قبل بلوغه بالاختيار وهو يختلف باختلاف مهنة أهل الصغير فإذا كان أبوه تاجرا فإنه يختبر بالبيع والشراء وإذا كان أبوه زارعا فإنه يختبر بما يناسب حال الزراعة فيكلف الإنفاق على المزارعين الذين يقومون بخدمة أرضه ومراقبة الحصادين ونحو ذلك
وإن كانت صغيرة فإنها تختبر بتدبير المنزل من حفظ طعام وترتيب معيشة وغير ذلك وقيل الاختبار يكون بعد البلوغ والراجح أنه قبله . فعلى القول الأول تكون تصرفات القاصر التي بها الاختبار تمهيدية وعندما يتم الانفاق بينه وبين من يريد التعاقد معهم يتولى العقد وليه لأنه ليس بالغا فلا يصح عقده على الراجح
وأما على القول الثاني : فإنه هو الذي يتولى العقد لكونه بالغا هذا ولا بد من تكرار الاختبار مرتين أو أكثر حتى يغلب على الظن أنه صار رشيدا
ويثبت الحجر عليه ومنعه من التصرف سواء كان ذكرا أو أنثى بدون قضاء قاض وينفك ببلوغه بلا فك قاض لأن ما ثبت بلا قاض لا يتوقف زواله على قاض فينفك الحجر بالأب والجد أما فكه بالقيم والوصي ففيه قولان : وقيل : يتوقف الفك على القضاء لأن الرشد يحتاج إلى نظر واجتهاد فإذا بلغ الصبي رشيدا والرشيد : هو المصلح لماله ودينه فلا حجر أصلا . وإن بلغ غير رشيد دام الحجر عليه لأنه وإن زال الحجر بسبب الصغر لكن خلفه الحجر بسبب السفه والفسق ويتصرف في ماله من كان يتصرف فيه قبل البلوغ
وإذا فك حجره بعد رشده وسلم إليه ماله ثم بذر فيه فإنه يحجر عليه ثانيا وهل يعود عليه بدون أحد أو لا ؟ خلاف : فبعضهم يقول : لا يعود الحجر عليه إلا بالقاضي . وبعضهم يقول يعود الحجر عليه بالأب والجد والوصي كما يعود بالقاضي . وبعضهم يقول : يعود الحجر عليه ولو لم يحجر عليه أحد فإذا لم يبذر في ماله ولكن فسق في دينه فسقا لا يضيع المال كالشح وعدم إخراج الزكاة وترك الصلاة ونحو ذلك فإنه لا يحجر عليه بسبب ذلك على المعتمد
أما الفسق الذي يترتب عليه تبذير كالزنا والمقامرة والتورط في الشهوات المضيعة للمال فإنه يوجب الحجر عليه لأنه تبذير للمال
المالكية - قالوا : إذا بلغ الصبي غير رشيد بأن جن . أو كان غير صالح لحفظ ماله فإنه يستمر الحجر عليه
أما إذا ثبت أنه قادر على حفظ ماله فإن حجره ينفك بمجرد بلوغه وإن لم يفكه الأب أما إذا كان الولي قد أوصى به الأب فإن الحجر لا ينفك إلا إذا فكه الوصي وسيأتي بيان صفة الفك في الحجر على السفيه والفرق بين الحالتين : أن الولاية تثبت للأب بدون واسطة أحد فخروجه لا يحتاج إلى شيء زائد من تحقق صفة الرشد أما الولي الذي أوصى به الأب فإن الولاية تثبت له بواسطة الأب فإخراجه يحتاج إلى أمر زائد على رشدها وهو زوجها والدخول بها فإذا لم تتزوج ولم يبن بها زوجها فإنها لا تستحق أن يسلم إليها مالها وسيأتي للكلام بقية في مبحث الحجر على السفيه )

(2/237)


مبحث الولي أو الوصي

(2/238)


ولي الصبي وغيره من المحجور عليهم : أبوه إن كان له أب أهل للولاية كأن لم يكن مجنونا أو محجورا عليه وأما غير الأب ففيه تفصيل في المذاهب
( الحنفية - قالوا : ولي الصغير في باب الأموال أبوه ثم من بعد موته يكون الولي من أوصى به الأب ثم من بعد موت وصي الأب يكون الولي من أوصى به وصي الأب . ثم من بعد هؤلاء الثلاثة يكون الولي الجد لأب وإن علا . ثم وصي الجد ثم وصي وصي الجد ثم الوالي وهو الذي يليه تقليد القضاء ثم القاضي أو وصيه الذي يقيمه فأيهما يتصرف تصح تصرفاته . وحاصل ذلك : أنه لا ولاية للجد مع وجود وصي الأب ولا ولاية للوالي أو القاضي مع وجود الجد أو وصيه . وبعدذلك لا ترتيب . فيصح أن يكون الولي : الوالي أو القاضي أو الوصي الذي يقيمه القاضي
ولا ولاية للأم في باب المال . فإذا أوصت الأم على ولدها الصغير قبل موتها ثم ماتت لا يكون لذلك الولي حق التصرف في تركه الأم مع وجود الأب أو وصيه أو وصي وصيه أو الجد أو وصيه بأي حال نعم إذا لم يوجد أحد من الأولياء المذكورين فإن لوصي الأم أن يحفظ تركة الأم ويبيع المنقولات لأن في بيعها حفظا لها . ولا يصح أن يتصرف في شيء من مال الصبي غير ذلك سواء كان وارثا له عن أمه أو غيرها
وكذلك لا يكون لأحد من باقي العصبات في باب الأموال ولاية على الصغير فليس للأخ والعم أو غيرهم أن يتصرفوا في مال الصغير مع وجود أحد الأولياء المذكورين على الترتيب المذكور
أما الولاية في النكاح فإنها تثبت بأربعة أمور : القرابة والولاء والإمامة والملك وترتيب الأولياء هكذا : الابن ثم ابن الابن وإن سفل ثم الأب ثم الجد أبو الأب وإن علا ثم الأخ لأب وأم ثم الأخ لأب ثم ابن الأخ لأب وأم ثم الأخ لأب وإن سفلوا ثم العم لأب وأم ثم العم لأب ثم ابن العم لأب وأم ثم ابن العم لأب وإن سفلوا ثم عم الأرب لأب وأم ثم عم الأب لأب ثم بنوهما على هذا الترتيب ثم عم الجد لأب وأم ثم عم الجد لأب ثم بنوهما على هذا الترتيب ثم من يكون أبعد العصبات إلى المرأة وهو ابن عم بعيد فكل هؤلاء لهم ولاية النكاح على الترتيب المذكور ولهم إجبار البنت والذكر على الزواج في حال صغرهما لا في حال كبرهما وعند فقد العصبات تكون الولاية لمن يرث من ذوي الأرحام . وأقرب العصبات : الأم ثم البنت ثم بنت الابن ثم بنت البنت ثم بنت ابن الابن ثم بنت بنت البنت ثم الأخت لأب وأم ثم الأخت لأب ثم الأخ والأخت لأم ثم أولادهم . وبعد أولاد الأخوات : العمات ثم الأخوال ثم الخالات ثم بنات الأعمام ثم بنات العمات وأبو الأم أولى من الأخت عند أبي حنيفة ثم مولى الموالاة ثم السلطان ثم القاضي ومن يقيمه القاضي
وولاية الأب والجد على الصغير في نفسهما ومالهما ثابتة لا تزول إلا بثبوت رشد الصبي بعد بلوغه فإذا بلغ الصبي ثم تبين أنه مجنون أو معتوه استمرت ولاية الأب والجد بدون انقطاع
الشافعية - قالوا : ولي الصبي أبوه ثم أبو أبيه وإن علا فإن اجتمع الأب والجد كان الأب مقدما على الجد طبعا إلا إذا لم يكن أهلا للولاية على الصبي " كأن كان محجورا عليه أو كان مجاهرا بالفسق . ويكفي في الأب والجد أن تكون عدالتهما ظاهرة فإذا مات الأب أو لم يكن أهلا للولاية انتقلت الولاية إلى الجد ثم من بعد الجد تنتقل الولاية لوصي من يتأخر موته من الأب أو الجد فإذا مات الجد بعد الأب وكان وليا انتقلت الولاية لوصي الجد وإذا مات الأب بعد الجد انتقلت الولاية لمن يوصي به الأب
ويصح أن يوصي الأب في حال حياة الجد . فإذا أوصى الأب في حال حياة الجد ثم مات الجد قبل الأب ومات الأب بعد انتقلت الولاية لمن أوصى به الأب في حال حياة الجد إذ لا يلزم أن تكون الوصاية بعد موت الجد ويشترط في الوصي أن يكون عدلا ظاهرا وباطنا على المعتمد ثم من بعد الوصي الذي أوصى به الأب أو الجد تنتقل الولاية للقاضي وهو إما أن يتولى بنفسه أو يقيم أمينا فإذا كان الصبي مقيم في بلد لها قاض وماله في بلد لها قاض كان القيم على المال قاضي البلد الذي فيها المال فعليه حفظه وبيعه وإجارته أما بالنظر لاستثماره فيكون لقاضي بلد الصغير
وهل للأم ولاية أو لا ؟ المعتمد أنها لا ولاية لها إلا إذا أقامها الأب أو الجد أو القاضي والأولى تقديمها على الأجنبي إذا كانت صالحة ومثل الأم غيرها من باقي الأقارب والعصبات ولكن العصبة الإنفاق من مال الصبي في تأديبه وتعليمه وإن لم يكن عليه ولاية لأن مثل ذلك يتسامح فيه عادة
المالكية - قالوا : الولي الذي له حق الحجر عليه هو الأب ومن بعده تكون الولاية لمن أوصى به الأب ثم لمن أوصى به وصي الأب وهكذا فإن لم تكن الولاية للحاكم وإن لم يكن حاكم . فالولاية لجماعة المسلمين
ثم إن الحجر على الصبي مما ذكروا ينقسم إلى قسمين :
الأول : حجر بالنسبة لنفسه
والثاني : حجر بالنسبة لماله
فأما الحجر بالنسبة لنفسه فمعناه : تدبير نفس الصبي وصيانته من موارد الهلكة وحفظه من سلوك سبل الضياع فلا يترك وشأنه فيرتكب ما يقضي على حياته . وأما الحجر بالنسبة إلى ماله فهو : منعه من التصرف على الوجه الذي سيأتي
وليس لحاضن اليتيم من جد وعم وأم ونحوهم أن يتصرف في ماله بدون إيصاء فإذا لم يوص أب اليتيم بأحد منهم أو يوص القاضي فلا يكون لهم الحق في الولاية على أمواله وإذا كان العرف جاريا على أن يكون الكافل من هؤلاء بمنزلة الوصي وإن لم يقم وصيا عمل به فيصح أن يتصرف تصرف الوصي . ونقل بعضهم عن الإمام مالك : أن كافل اليتيم كالوصي وإن لم يكن العرف على ذلك فإذا مات الشخص عن أطفال صغار وكان لهم جد أو عم حاضنا فله أن يتصرف تصرف الولي
الحنابلة - قالوا : الولاية على الصبي والمجنون سواء كان ذكرا أو أنثى تكون للأب الحر الرشيد العدل ولو كانت عدالته ظاهرا فقط . ويصح أن يكون الكافر وليا على ولده بشرط أن يكون عدلا في دينه ثم من بعد الأب تكون الولاية لمن يوصي به الأب ويشترط أن يكون عدلا وتنتقل غليه الولاية ولو كانت بأجر مع وجود من يقوم بها مجانا لأنه نائب عن الأب فأشبه وكيله في حال الحياة فإذا لم يكن الأب موجودا ولم يوص أحدا أو كان موجودا ولكن فقد أهلية الولاية كانت الولاية عليهما للحاكم . والجد أبو الأب لا ولاية له وكذلك الأم لا ولاية لها ومثلهما سائر العصبات :
ولا يجوز للولي أن يتصرف في مالهما إلا بما فيه مصلحتهما فإن تبرع من مالهما بهبة أو صدقة أو غيرهما فإنه يلزم به إذا باع لهما بنقص )

(2/239)


هل للولي أن يبيع عقار الصبي أو لا ؟

(2/240)


في جواز بيع الولي أو وصيه عقار الصبي من دور وأرض زراعية وغيرها خلاف في المذاهب
( الحنفية - قالوا : يجوز للأب أن يبيع ماله لابنه الصغير ويشتري منه لنفسه . فإذا باع الأب لابنه الصغير أو اشترى منه فإنه لا يشترط لتمام ذلك العقد الإيجاب والقبول على الصحيح فلو قال : بعت هذا العقار ونحوه من ولدي صح وإن لم يقل قبلت شراءه وإنما يصح هذا البيع والشراء إذا كان بمثل قيمته أو بغبن يسير يقع عادة بين الناس فإن كان بغبن فاحش فإنه لا يصح . وينفذ البيع إذا أجازه القاضي . فإن رأى القاضي أن نقض البيع خير للصبي كان له نقضه . والثمن الذي اشترى منه الأب لا يبرأ منه حتى ينصب القاضي وكيلا عن الصغير فيقبضه من أبيه ثميرده إليه فيكون وديعة من ابنه في يده
إذا باع الأب لابنه الصغير دارا وهو فيها ساكن لا يصير الابن قابضا حتى يخليها الأب ويستلمها أمين القاضي فإن عاد الأب إليها ثانيا فسكنها هو أو أهله فإنه يكون غاصبا إذا كان موسرا
وكذلك يجوز للأب أن يبيع مال الصغير للأجنبي فإذا كان المال عقارا ثابتا كالدور والأراضي الزراعية وغيرها فإنه يجوز بشرطين :
الأول : أن يكون بمثل القيمة فأكثر
الثاني : أن يكون الأب محمود السيرة بين الناس أو مستور الحال أما إذا كان سيء السيرة فإن البيع لا يجوز ولو كان بمثل القيمة على الصحيح . أما إذا كان المال منقولا وكان الأب سيء السيرة فإنه يجوز بيعه إذا كان في مصلحة الصغير على الأصح وإذا باع الأب مال الصغير وقبض بعض الثمن فإن له الحق في استرداد المبيع وحبسه تحت يده حتى يقبض كل الثمن
أما الوصي فإنه يجوز أن يبيع ماله للصغير القائم عليه ويشتري من الصغير لنفسه على قول الإمام . وقال صاحباه : لا يجوز . وعلى القول بجوازه فإنه يشترط له أمران : الشرط الأول : أن يكون فيه خير للصغير وفسرت الخيرية بأن تزيد السلعة التي يشتريها الوصي من الصغير الثلث عن مثلها إذا اشتراها من غيره فلو كان يشتريها بعشرة من غير الصغير فإنه يلزم أن يشتريها من الصغير بخمسة عشر فإذا نقص عن ذلك لا يكون في شرائه خيلا فلا يجوز . وكذلك إذا باع للصغير سلعة من ماله فإذا كان يمكنه أن يبيعها بخمسة عشر فلا يصح بيعها للصغير إلا بعشرة فقط
الشرط الثاني : أن يشتمل العقد على الإيجاب والقبول بأن يقول : بعت للصغير وقبلت الشراء بخلاف الأب فإنه لا يشترط فيه القبول كما تقدم
وأما بيع الوصي مال الصغير من أجنبي فإنه يصح إذا تحقق واحد من أمور ثلاثة :
الأول : أن يبيع بضعف قيمته
الثاني : أن يكون للصغير حاجة إلى ثمنه
الثالث : أن يكون على الميت دين لا وفاء له إلا بهذا المبيع
وهذا هو الذي عليه الفتوى وينفذ بيعه إذا أجازه القاضي وله رده إن كان الرد خيرا كما تقدم في الأب
وإذا باع الوصي مال اليتيم وأجل قبض الثمن فإذا كان التأجيل طويلا بأن لا يباع مثل هذه السلعة بهذا الأجل فإن البيع لا يجوز وكذلك إذا باعه بأجل قصير يمكنه حصوله في مثل ذلك ولكن يخشى أن ينكر المشتري الثمن أو يضيع عليه فإنه لا يجوز . أما إذا كان الأجل قصيرا والثمن مضمونا فإنه يجوز
وإذا أراد شخص أن يشتري مال الصغير بألف مثلا إلى أجل فجاء آخر وزاد على الأف مائة فإن كان الأول ذا مال أكثر من الثاني فإن على الوصي أن يبيع للأول لزيادة الضمان ولا يبالي بزيادة المائة
وإذا أقام شخص وصيا ثم مات عن أولاد كبار فماذا يكون عمل الوصي في هذه الحالة ؟ والجواب أن ذلك يشمل صورا :
الصورة الأولى : أن تكون تركه الميت خالية من الدين . وأن يكون الأولاد الكبار المذكورين حاضرين وفي هذه الصورة لا يكون للولي عمل في التركة أصلا وإنما يكون له عمل إذا كان للميت دين على الغير فإن للوصي أن يحصل ذلك الدين ويعطيه لأولاد الميت الوارثين
الصورة الثانية : أن يكون على الميت دين مستغرقا لجميع تركته وفي هذه الصورة يكون للوصي عمل في التركة وهو بيعها جميعها لتسديد ذلك الدين وكذلك إذا كان الدين مستغرقا لبعض التركة فإن الوصي يبيع من التركة بقدر الدين إلا إذا قدر الورثة على قضاء الدين فإن الوصي لا يكون له عمل
الصورة الثالثة : أن يكون الميت قد أوصى بثلث ماله أو أقل فإن عمل الوصي بيع ما ينفذ به الوصية إلا إذا نفذها الورثة فإنه لا يكون له عمل
الصورة الرابعة : أن يكون الورثة غائبين في جهة تبعد ثلاثة أيام فإذا كانت التركة خالية من الديون والوصية فإن للوصي أن يبيع المنقولات وليس له أن يبيع العقار الثابت ولو خيف عليه الهلاك على الأصح . وكذلك إذا كانت التركة مشغولة بالدين فإن له أن يبيع المنقولات فقط سواء كانت قدر الدين أو أكثر
ومثل وصي الأب وصي وصيه . ووصي الجد ووصي القاضي ووصي وصيه ووصي القاضي كوصي الأب إلا في شيء واحد وهو : أن القاضي إذا جعل أحدا وصيا في نوع فإنه لا يصح له أن يتعداه أما الأب فإنه إذا جعل أحدا وصيا في نوع كان وصيا في الأنواع كلها . هذا وليس للقاضي أن يبيع ماله من اليتيم أو يشتري لنفسه
المالكية - قالوا : يجوز للأب أن يبيع ماله لولده الصغير ويشتري منه بشرط أن يكون ذلك في مصلحة الصغير فإن كان لمصلحة الأب فإن البيع يفسخ ويرد المبيع إن كان باقيا على حاله . أما إذا ضاع أو تغير حاله فإن الأب يغرم قيمته لا فرق في ذلك بين أن يكون الأب موسرا أو معسرا
وكذلك يجوز للأب أن يبيع مال ولده الصغير " ومثله السفيه " للأجنبي بدون سبب من الأسباب التي سيأتي ذكرها في الوصي لا فرق أن يكون مال الصغير عقارا للأجنبي بدون سبب من الأسباب التي سيأتي ذكرها في الوصي لا فرق أن يكون مال الصغير عقارا ثابتا أو غيره بشرط أن يكون ذلك البيع لمنفعة الصغير وليس له اعتراض عليه بعد رشده إذا كان ذلك . أما إذا باعه لمنفعة نفسه فإنه يفسخ كما تقدم
ولا يجوز للوصي أن يبيع مال الصغير الذي له عليه ولاية إلا إذا تحقق واحد من أمور :
الأول : أن يكون البيع لحاجة كنفقة أو وفاء دين لا قضاء له إلا من ثمن المبيع
الثاني : أن يبيعه بزيادة الثلث على ثمن المثل فأكثر ويشترط أن لا يكون الثمن مالا حراما معروفا أنه حرام . أما المال المجهول أصله فهو في حكم الحلال
الثالث : أن تكون العين المباعة بدل حكر فأراد الوصي أن يبيعها ليشتري بدلها عينا خالصة من الحكر إلا إذا كان ريعها أكثر من غيرها فإنه لا يصح له بيعها في هذه الحالة
الرابع : أن تكون حصة في دار أو أرض أو نحوهما فيصح له أن يبيعها ويستدل بها غيرها تخلصا من ضرر الشركة
الخامس : أن يكون ريعها قليلا أو لا ريع لها أصلا . فتباع ويستبدل بها عينا فائدتها أكثر
السادس : أن يكون له منزل يسكنه بين جيران سوء يخشى ضررهم في الدين أو الدنيا فيباع ويستبدل به منزل بين جيران صالحين
السابع : أن يكون له شريط في عين ويريد شريكه أن يبيع العين ولا مال له يشتري به حصة الشريك ولا يمكن قسمة العين فيصح بيعها وإن لم يستبدل بها غيرها
الثامن : أن يخالف خراب داره ونحوه ولا مال له يعمره به إذا خرب فيبيعه ونحو ذلك
التاسع : أن يكون له دار يخاف خرابها وله مال يمكن تعميرها به ولكن بيعه أولى من تعميرها
العاشر : أن يخشى على العين من ظالم كما إذا كان له أرض بين قوم يقبضونها أو يعتدون على ريعها ولم يستطع ردهم فلا يجوز للوصي الذي أقامه الأب أن يبيع عقار الصغير القائم عليه إلا لسبب من هذه الأسباب . وهل يصدق بمجرد ذكر السبب بلسانه أو لا يصدق بل لا بد من إقامة البينة على ذلك ؟ خلاف . بخلاف الأب فإنه لا يلزم ببيان السبب بل يحمل فعله على السداد كما تقدم . وليس للوصي أن يهب مال اليتيم بعوض " هبة الثواب " . أما الحاكم أو وصيه الذي أقامه فإن له أن يبيع مال اليتيم الذي لم يجعل له أبوه وصيا عنه إذا دعت الضرورة إلى بيعه . بشروط :
أحدها : أن يثبت يقتمه
ثانيها : أن يكون مهملا أي لم يعين له أبوه وصيا حال حياته
ثالثها : أن يثبت ملك اليتيم لما يراد بيعه بأن يشهد شاهدان فكثر بأن هذا العقار مملوك للصغير
رابعها : أن يرسل القاضي جماعة يعاينون هذا العقار ويبحثونه من الداخل والخارج ثم يشهدون أمام القاضي أو أمام من يرسله القاضي من طرفه بأن هذا العقار الذي عاينوه هو ما شهد به أمام القاضي أنه مملوك للصغير . وإذا أبانت البينة الأولى حدود العقار ووصفته وصفا كاملا يستغنى بها عن بينة المعاينة وتسمى بينة " الحيازة "
خامسها : أن يشهر المبيع وينادي عليه ويعلن عنه
سادسها : أن لا يوجد مشتر يرغبه بزيادة على الثمن الذي أعطي فيه
سابعها : أن يكون الثمن المثل فأكثر
ثامنها : أن يكون عينا فلا يصح أن يكون عرض تجارة لجواز أن يطرأ عليه رخص فيضر بمصلحة الصغير
تاسعها : أن يكون حالا لا مؤجلا خوفا من أن يفلس صاحبه فيضيع على الصغير
عاشرها : على القاضي أن يذكر في السجل الذي فيه الوقائع التي حكم فيها أسماء الشهود بأن يذكر في السجل ثبت عندي بشهادة فلان وفلان يتم هذا الصغير وبشهادة فلان وفلان أنه مهمل فلم يقم له أبوه وصيا وبشهادة فلان وفلان أنه مالك لمحل كذا الخ
ومن هذا تعلم أن الحاكم لا يجوز له أن يبيع مال الصغير إلا إذا كان يتيما لا أب له ويقيم له أبوه وصيا ويعبرون عنه بالمهمل . ويشترط لصحة البيع أن يكون لسبب الحاجة لا غير . أما الأسباب الأخرى التي يبيع من أجلها الوصي فإنه لا يصح للقاضي ولا لوصيه أن يبيع من أجلها
فيتحصل من ذلك كله أن الأب يبيع بشرط مصلحة الصغير بلا شرط ولا قيد بعد ذلك والوصي الذي أقامه الأب يبيع لسبب من الأسباب التي ذكرت آنفا والحاكم ووصيه لا يبيعان إلا لسبب واحد وهو الحاجة من نفقة أو سداد ولا وفاء له إلا من ثمنه بالشروط التي ذكرت
هذا وللولي أن يأخذ بالشفعة للقاصر وله أن يترك ذلك حسب المصلحة
الشافعية - قالوا : ويجوز للولي أن يبيع العقار المملوك لمن له عليه ولاية كالدور والأراضي الزراعية ونحوها إذا احقق أحد أمرين :
الأول : أن تدعو الحاجة إلى بيعه كنفقة وكسوة لم تف غلة ملكه بهما
الثاني : أن تكون في بيعه مصلحة ظاهرة للمحجور عليه وذلك بأن تكون صفقة البيع رابحة بأن يبيع بأكثر من ثمن مثله ويمكن الحصول على مثله ببعض الثمن الذي بيع به فإذا لم يوجد واحد من هذين فلا يجوز للولي أن يبيع العقار المملوك للمحجور عليه ومتى تحقق ما ذكر فإنه يصح له أن يبيعه بالنقد وأن يبيعه لأجل ولكن بشرط أن يكون الثمن في حالة البيع لأجل أكثر مما إذا كان البيع نقدا . وعلى الولي أن يعمل ما يحفظ الدين من التوثق فيشهد على البيع ويرتهن به رهنا وافيا فإذا أهمل ذلك كان عليه ضمان الثمن
وعلى كل حال فيجب على الولي أن يتصرف بما فيه مصلحة المحجور عليه
الحنابلة - قالوا : ليس للولي أن يشتري من مال الصغير والمجنون شيئا لنفسه ولا أن يرهن شيئا إلا إن كان أبا فإن له أن يفعل ذلك لأن الأب بطبعه يسعى في مصلحة ابنه فهو لا يفعل إلا ما فيه حظه بخلاف غيره . ويجوز للولي سواء كان أبا أو غيره أن يبيع عقار المحجور عليه لمصلحة ولو لم يحصل زيادة على ثمن مثله وأنواع المصلحة كثيرة :
ومنها : الحاجة إلى نفقة أو كسوة أو قضاء دين ونحو ذلك مما لا بد للصغير أو المجنون بشرط أن لا يكون عند المحجور عليه ما تندفع به الحاجة سوى المبيع
ومنها : أن يخاف على العقار الهلاك بغرق أو خراب أو نحو ذلك
ومنها : أن يكون في بيع العقار صفقة رابحة للقاصر كأن يباع بزيادة كثيرة على ثمن مثله ولا تتقيد بالثلث
ومنها : أن يكون العقار في مكان لا ينتفع به كأن يكون في حي غير عامر أو قذر فيبيعه ليشتري عينا في جهة آهلة بالسكان أو جهة ترتفع فيها الأجرة
ومنها : أن يرى الولي عينا تباع بسعررخيص لا يمكن شراؤها إلا ببيع العقار
ومنها : أن يكون ساكنا في دار بين جيران سوء فيصح بيعها وشراء دار غيرها )

(2/241)


مبحث تصرفات الصبي

(2/242)


في جواز تصرف الصبي في بعض الأمور تفصيل المذاهب
( الحنفية - قالوا : عرفت مما تقدم في شرح تعريف الحجر أن الصبي إذا كان غير مميز لا ينعقد شيء من تصرفه . أما إذا كان مميزا فتصرفه على ثلاثة أقسام :
الأول : أن يتصرف تصرفا ضارا بماله ضررا بينا كالطلاق والعتاق والقرض والصدقة وهذا لا ينعقد أصلا فلا ينفذ ولو أجازه الولي
الثاني : أن يتصرف تصرفا نافعا كقبول الهبة والدخول في الإسلام وهذا ينعقد وينفذ ولو لم يجزه الولي
الثالث : أن يتردد بين النفع والضرر كالبيع والشراء فإن الأصل فيه احتمال كون الصفقة رابحة أو خاسرة فلا ينافي أنه قد تكون الصفقة بينة الربح فتكون من القسم الثاني لأن البيع والشراء في ذاته محتمل للأمرين . وهذا القسم ينعقد موقوفا على إجازة الولي وليس للولي أن يجيزه إذا كان فيه غبن فاحش وقد تقدم بيان الغبن الفاحش في مبحثه
والولي الذي تنفع إجازته هو الولي في باب المال وهو الذي تقدم بيانه . فإذا فقد فالقاضي أو من يقيمه القاضي فإذا كان الأب موجودا أو وصيه فامتنع عن الإجازه القاضي نفذ أمر القاضي ويكون هذا حكما يرفع الحجر عن القاصر فلا يحجر عليه إلا بأمر قاض آخر
ولا يلزم من ذلك أن يكون القاضي مقدما في الرتبة على الأب لأن الأب في حالة امتناعه عن الإذن بما فيه المصلحة كان في حكم العاضل الذي يمنع بنته الزواج فإن من حق القاضي أن يأذن بزواجها في هذه الحالة فكذلك ما هنا
وللقاضي أن يأخذ مال القاصر من الأب المبذر ويضعه في جهة مأمونة كما أن له أن يستغل ماله بما فيه ربح له وله أن يقرض ماله من رجل مالي مأمون إذا تعذر استغلاله بما فيه ربح أما الأب فليس له أن يقرض مال ابنه الصغير وله أن يرهنه في دينه كما تقدم في مباحث الرهن
وما يقع من الصبي والمجنون والمعتوه من الأعمال الضارة المتعلقة بالغير يكونون مؤاخذين بها مسؤولين عنها فإذا أتلف واحد منهم مال غيره كان عليه ضمانه في الحال ويستثنى من هذه القاعدة أمور أربعة :
- 1 - إذا أقرض شخص مالا لواحد من هؤلاء فأكله لا يكون عليه ضمانه
- 2 - إذا أودع شخص عند واحد من هؤلاء شيئا فاضاعه أو أتلفه فقد ضاع على صاحبه ولا ضمان على المودع عنده بخلاف ما إذا أودعها عند الأب أو الوصي فأتلفها واحد من هؤلاء المحجور عليهم فإنه يكون ملزما بها
- 3 - إذا أعار شخص أحد هؤلاء شيئا فأضاعه فإنه يضيع على صاحبه ولا يكون مسؤولا عنه
- 4 - إذا باع شخص لواحد من هؤلاء شيئا فأضاعه فقد ضاع على صاحبه ولا يكون المحجور عليه مسؤولا عنه . ومحل كون المحجور عليه لا يضمن في المسائل الأربعة إذا لم يأذن الولي أما إذا حصلت الوديعة أو القرض أو الإعارة أو البيع بإذن الولي فأهلكه المحجور عليه فإنه يكون ملزما به وعليه ضمانه
وإذا أودع هؤلاء شيئا لا يملكه عند محجور عليه مثله فأهلكه المودع عنده كان مالكه مخيرا بين أن يلزم به من أودعه أو من أودع عنده مثلا : إذا أخذ صبي مال زيد بدون علمه وأودعه عند صبي مثله فأهلكه الصبي الثاني فإن زيدا مخير بين أخذه من الصبي الأول أو من الصبي الثاني . والفرق بين هذه المسألة وبين المسائل الأربع المتقدمة : أن المالك في المسائل الأولى سلط المحجور على ماله باختياره فكان مفرطا أما في المسألة الثانية فإنه لم يسلطه إذ لم يودع عنده فكان المحجور عليه مضيعا لمال الرجل بدون علمه
وإذا جنى المجنون فإن جنايته لا توجب الحد وكذلك الصبي والمعتوه . فإذا قتل واحد منهم فإنه لا يقتل ولكن تجب الدية على عاقلته وعاقلته " هم الذين يتناصرون معه سواء كانوا أهله وعشيرته أو كانوا من أهل حرفته أو أهل قبيلته أو نحو ذلك مما هو مبين في محله "
المالكية - قالوا : إذا تصرف الصبي المميز ببيع وشراء ونحوهما من كل عقد فيه معارضة فإن تصرفه يقع موقوفا ثم إن كانت المصلحة في إجازته تعين على الولي أن يجيزه وإن كانت المصلحة في رده تعين على الولي أن يرجه ويلزم القاضي برد الثمن إن كان باقيا فإن كان قد أنفقه فإنه يؤخذ من ماله الموجود فإن كان ماله الموجود قد نفذ ثم تجدد له مال فإنه لا يؤخذ منه شيء ويكون الثمن قد ضاع على المشتري وهناك قولان آخران :
أحدهما : أن البيع يرد على أي حال والثمن يضيع على المشتري لأنه أهمل في أمر الشراء من القاصر وهو ضعيف
ثانيهما : أن البيع ينفذ على أي حال وهو يعادل القول الأول وعلى كل حال فيشترط في انعقاد بيع المميز وشرائه وشروط :
الأول : أن يكون البيع والشراء بالقيمة فإن باع أو اشترى بغبن فإنه يرد بلا خلاف
الثاني : أن يكون ذلك من أجل نفقته التي لا بد منها فإذا باع واشترى من أجل شهواته التي يستغني عنها فإنه يرد بلا خلاف ويضيع الثمن على المشتري
الثالث : أن تكون السلعة التي باعها هي أحق السلع بالبيع من ماله فإن باع سلعة ينتفع باستغلالها مع وجود سلعة لا تستغل فإن البيع يرد بلا خلاف
فإذا كان الصبي غير مميز فإن تصرفه لا ينعقد على أي حال . وكذلك لا ينعقد تصرف المميز في العقود التي لا عوض فيها كما إذا وهب من ماله شيئا أو تصدق أو نحو ذلك فإن تصرفه في ذلك يرد على أي حال
وإذا تصرف الصبي سواء كان مميزا أو غيره في مال الغير فأضاعه بأن أنفقه على نفسه أو أتلفه فإنه يكون عليه ضمانه في ماله إن كان له مال فإن لم يكن له مال كان عليه دينا في ذمته حتى إذا وجد له مال أخذ منه . مثلا : إذا أودع شخص عند آخر وديعة فاستهلكها ابنه الصغير كان ذلك الابن ملزما بها فيدفعها من ماله إن كان له مال وإلا بقيت دينا في ذمته وإلا إذا كان الصبي ابن شهر فأقل فإنه لا يضمن شيئا . لأنه يكون كالعجماء
أما إذا أمن صاحب المال الصغير فأودع عنده وديعة أو أقرضه مالا فأتلفه الصغير فإنه لا يضمن ويضيع على المالك أو المقرض لأنه هو الذي أهمل في ماله فسلط عليه الصغير إلا إذا صرف الصغير ذلك فيما لا بد له منه فإن في هذه الحالة يؤخذ من ماله بالقدر الذي ينفقه منه مثلا : إذا كان من عادته أن يأكل كل يوم بقرش من ماله فصار ينفق كل يوم قرشين من المال الذي اقترضه في أكله فإنه يحاسب صاحب القرض على قرش واحد في اليوم ويرد له على ذلك الحساب . أما إذا أنفق من القرش أقل من ذلك فإن صاحبه يحاسبه على ذلك على الأقل
وتصح وصية الصبي المميز في حال صحته وفي حال مرضه
الشافعية - قالوا : لا يصح تصرف الصبي سواء كان مميزا أو غير مميز فلا تنعقد منه عبارة ولا تصح له ولاية لأنه مسلوب العبارة والولاية . فإذا نطق الصبي الذي أبواه كافران بالإسلام لا ينفع إسلامه ولو تولى نكاحا لا ينعقد إلا أن الصبي المميز تصح عبادته كما يصح إذنه للغير بدخول الدار بخلاف المجنون فإنه لا تصح منه عبادة ولا غيرها على أنه يصح تملك الصبي والمجنون بالاحتطاب ونحوه فإذا احتطب فقد ملك الحطب الذي جمعه فليس لغيره أن يأخذه منه وكذلك إذا اصطاد فإنه يملك الصيد الذي يظفر به
إذا أتلف الصبي أو المجنون مال غيره فإن ضمانه في ماله . وإذا وطئ المجنون امرأة فأحبلها ثبت نسب الولد منه بذلك الوطء الذي هو زنا في الصورة
الحنابلة - قالوا : تصرف الصبي الذي لا يميز باطل مطلقا . أما الصبي المميز فإنه يصح إذا أذنه الولي فينفك عنه الحجر فيما أذن له فيه من تجارة وغيرها ويصح إقراره فيما أذن له فيه
وللولي أن يدفع مال القاصر إلى أمين يتجر فيه بجزء من الربح كما أن له أن يبيعه بأجل لرجل مليء وله هبته بعوض ورهنه عند ثقة لحاجة وله تعميره بما جرت به عادة أهل البلد )

(2/243)


مبحث الحجر على المجنون

(2/244)


المجنون كالصبي في أحكام الحجر المتقدمة ولكن يتعلق به بعض أحكام مفصلة في المذاهب
( الحنفية - قالوا : المجنون : هو الذي سلب عقله فلا يعقل شيئا أصلا ولا يفيق بحال . أما الذي يعقل بعض الأشياء دون بعض ويكون قليل الفهم مختلط الكلام فاسد التدبير إلا أنه لا يشتم ولا يضرب يعقل بعض الأشياء دون بعض ويكون قليل الفهم مختلط الكلام فاسد التدبير إلا أنه لا يشتم ولا يضرب فإنه يسمى معتوها أما المجنون الذي يفيق أحيانا بحيث يزول ما به بالكلية فإنه في حال إفاقته يكون كالبالغ العاقل فلا يحجر عليه وينفذ تصرفه في هذه الحالة
حكم المجنون الذي لا يعقل أصلا هو كحكم الصبي الذي لا يميز في جميع ما تقدم فكل تصرفاته تقع باطلة سواء كانت نافعة أو ضارة أو غيرهما أما المعتوه فإنه كالصبي المميز في تصرفاته وقد عرفت أنه إن تصرف تصرفا نافعا محضا كقبول هبة من الغير نفذ تصرفه بدون توقف على إجازة الولي وإن تصرف تصرفا ضارا محضا كطلاقه لامرأته وإقراضه ماله أو هبته لغيره لا ينفذ ولو أجازه الولي وإن تصرف في شيء يحتمل النفع والضرر عادة كالبيع والشراء فإنه ينعقد موقوفا على إجازة الولي فللولي أن يجيزه وله أن يرده
المالكية - قالوا : المجنون في أحكام الحجر كالصبي سواء كان مسلوب العقل أصلا بحيث لا يفيق غالبا أو كان مجنونا بالصرع أو كان مجنونا بالوسواس وهو الذي يخيل إليه أنه فعل ولم يفعل ولا فرق بين أن يكون الجنون في الأحوال الثلاثة مطبقا أو متقطعا
ويمتد الحجر على المجنون من حين جنونه إلى أن يفيق رشيدا ثم إن كان جنونه قبل البلوغ كان الحجر عليه من حقوق أبيه أو وصيه إن كان له أي أو وصي فإن لم يكن له أب ولا وصي أو كان ولكن طرأ عليه الجنون بعد البلوغ فإن الحجر عليه حينئذ يكون من حق الحاكم وحده فإن كان جنونه قبل البلوغ ثم أفاق منه قبل البلوغ حجر عليه بسبب الصغر وقد عرفت أن الحجر بسبب الصغر من حقوق الأب والوصي . أما إذا أفاق بعد البلوغ ثم طرأ عليه السفه فإن الحجر عليه يكون من حق الحاكم كما عرفت لأن السفه الذي يطرأ بعد البلوغ فإن الحجر به يكون للحاكم لا للأب والوصي وما أتلفه المجنون من مال الغير فإنه يكون مضمونا عليه . فيؤخذ من ماله إن كان له مال أو يبقى دينا في ذمته فإن اعتدى على أحد في نفسه أو عضو من أعضائه فإن كانت جنايته توجب دية كاملة أو توجب أكثر من ثلث الدية حكم بها على عاقلته وإن كانت أقل من ثلث الدية فإنها تؤخذ من ماله فهو كالمميز في ذلك على الراجح لأن الضمان لا يشترط فيه التكليف
الشافعية - قالوا : متى جن شخص حجر عليه فلا تنفذ تصرفاته في شيء مطلقا ووليه هو ولي الصغير الذي تقدم وقيل : وليه الحاكم فقط . وإذا أتلف شيئا كان ضمانه عليه كما إذا وطئ أجنبية فأحبلها فإن ولدها يثبت نفسه منه ولا يرفع عنه الحجر إلا إذا زال جنونه تماما بحيث لم يبق فيه شائبة
الحنابلة - قالوا : المجنون كالصغير في أحكام الحجر المتقدمة إلا أن الصبي إذا بلغ وهو مجنون أو سفيه لا يحجر عليه إلا بحكم الحاكم ولا ينظر في ماله إلا الحاكم وسيأتي بيان ذلك السفيه )

(2/245)


مبحث الحجر على السفيه

(2/246)


يحجر على السفيه كما يحجر على الصبي والمجنون وفي تعريفه وما يتعلق به تفصيل في المذاهب
( الحنفية - قالوا : الحجر على السفيه هو المفتى به في المذاهب وهو المختار كما تقدم وتعريف السفيه : هو الذي لا يحسن إدارة ماله فينفقه فيما لا يحل وفي البطالة ويعمل فيه بالتبذير والإسراف ومن الإسراف الموجب للحجر : دفع المال إلى المغنين واللعابين وشراء الحمام والديكة ونحوهما بثمن غال " غية " وصرف الأموال في المقامرة وغير ذلك من الأنفاق في غير ما يقتضيه العقل والشرع وكذلك إذا أنفق ماله في عمل من أعمال الخير كبناء مدرسة أو مسجد أو مصح فإنه يعد سفيها ويحجر عليه لأن الله تعالى إنما كلف الإنسان بعمل الخير إذا كانت حالته المالية تسمح بذلك بحيث لا ينفق ماله ويفلس من أجل عمل الخير
ولا يحجر على السفيه إلا بحكم الحاكم على الراجح فإذا تصرف قبله فإن تصرفه ينفذ ويقع صحيحا فإن رشد فإن رشده لا يثبت إلا بحكم الحاكم وقال محمد : إن إفساده في ماله يوجب الحجر عليه وإصلاحه يوجب فكه بقطع النظر عن الحاكم
وقد عرفت أن الإمام يقول : إنه لا يحجر على الحر العاقل وإن كان سفيها إلا أنه إذا لم يثبت رشده بعد بلوغه فإنه لا يسلم إليه ماله حتى يبلغ خمسا وعشرين سنة فإذا تصرف في ماله بعد البلوغ قبل أن يبلغ ذلك السن فإن تصرفه ينفذ لأنه ليس محجورا عليه وإنما هو ممنوع عن ماله تأديبا وزجرا ولكن هذا غير المفتى به
وحكم السفيه المحجور عليه كحكم الصبي المميز في التصرفات التي تحتمل الفسخ ويبطلها الهزل كالبيع والشراء أما التصرفات التي لا تحتمل الفسخ ولا يبطلها الهزل كالنكاح والطلاق والعتق فإنه لا خلاف في أن السفيه البالغ تنفذ تصرفاته فيه
فإذا تزوج فإن زواجه ينعقد ثم إذا سمى مهرا كثيرا فإنه لا يلزم إلا بمهر المثل ويبطل ما زاد عليه وإن طلقها قبل الدخول وجب نصف المسمى وإذا طلق ينفذ طلاقه وإذا أعتق ينفذ عتقه ولكن يلزم العبد بالسعي في قيمته وكذلك تجب عليه العبادات المالية كالزكاة وعلى القاضي أن يدفعها إليه ليفرقها لأنها عبادة لا بد فيها من نية ولكن يبعث معه أمينا كي لا ينفقها في غير وجهها
وكذلك الحج فإنه يجب عليه ويصح منه وكذلك سائر العبادات أما الصبي فإن العبادات وإن كانت تصح منه ولكنها لا تجب عليه
ويصح أن يوصي السفيه من ماله بالثلث إن كان له وارث بشرط أن يوصي بالإنفاق على عمل خيري كالإنفاق على الفقراء والمساكين أو بناء مصح أو قنطرة أو مسجد أو نحو ذلك أما إذا أوصى بملعب أو ناد أو نحو ذلك فإن وصيته تكون باطلة ولا تنفذ أما الصبي فإن وصيته لا تنفذ
وكذلك يعامل بإقراره إذا كسب مالا جديدا بعد الحجر عليه ولو لم يفك عنه الحجر فإذا أقر لشخص بدين بعد الحجر عليه ثم كسب مالا أثناء الحجر . فإن للشخص أن يأخذ دينه من المال الجديد ولو لم يفك حجره
أما السفيه الذي حجر عليه بسبب السفه فإن إقراره حال الحجر لا يعتبر لا بعد الحجر ولا في أثنائه في المال الحاضر وقت الحجر أو المال المكتسب بعده
المالكية - قالوا : السفه هو التبذير وعدم حسن التصرف في المال فمتى اتصف الشخص بذلك سواء كان ذكرا أو أنثى فإنه يكون مستحقا للحجر عليه فإذا عرض له السفه بعد بلوغه بزمن قليل كعام فإن الحجر عليه يكون من حقوق أبيه لأن ذلك الزمن قريب البلوغ فكان في حكم الصبي والحجر على الصبي من حقوق الأب كما تقدم . أما إذا عرض له السفه بعد البلوغ بزمن أكثر من عام فإن الحجر عليه لا يكون إلا بحكم لحاكم
فإذا تصرف السفيه الذكر قبل الحجر عليه فإن ذلك يشمل أمورا :
أحدها : أن يكون السفه قد عرض له قبل البلوغ ثم استمر بعده وله أب أو وصي حكم هذه الصورة قد عرفت مما تقدم وهو أنه يستمر الحجر عليه من غير احتياج إلى فك وحجر جديدين ويكون المرجع في تصرفه للولي كما تقدم
ثانيها : أن يعرض له السفه وهو صغير ثم يبلغ سفيها وكان يتيما لا أب له ولا وصي ولم يقم الحاكم له قيما ويسمى بالسفيه المهمل . وحكم هذا : أن تصرفه قبل الحجر عليه بعد البلوغ يقع نافذا على الراجح لأن العلة في عدم نفاذ التصرف إنما هي الحجر فمتى انتفى الحجر نفذ التصرف فإذا وضع الحجر عليه فلا يرفع إلا بالحكم بفكه ولو صار رشيدا
ثالثها : أن يعرض له السفه بعد البلوغ وتصرفه قبل الحجر عليه وفي هذه الصورة ينفذ تصرفه أيضا
أما إذا تصرف وهو صبي يتيم لا أب له ولا وصي قبل أن يقيم الحاكم له وصيا فإن تصرفه يكون باطلا بلا خلاف
وإذا تصرفت الأنثى البالغة السفيهة التي لا ولي لها " وتسمى بالمهملة " فقال بعضهم : إن أفعالها تنفذ كالذكر . وقال بعضهم : لا تنفذ ما لم تتزوج ويدخل بها زوجها وتقيم معه مدة يحمل أمرها فيها على الرشد واختلف في تقدير هذه المدة وقد نقل بعضهم أن الذي كان عليه العمل في تقديرها هو أن يمضي عليها في بيت زوجها نحو السنتين أو الثلاث فإذا تصرفت قبل هذه المدة فلا ينفذ تصرفها فإذا لم تتزوج فإن أفعالها لا تنفذ إلا إذا بلغت سنا لم تعد صالحة فيه للزواج واختلف فيه فقيل : هو حد الأربعين سنة وقيل : من خمسين إلى ستين
أما الصغيرة التي لها أب أو وصي فقد عرفت أنها محجورة بهما ولا ينفك حجرها إلا إذا توفرت فيها الشروط المتقدمة وهي : البلوغ والرشد - بمعنى حفظ مالها من الضياع - ويزاد على ذلك أن تتزوج ويدخل بها زوجها ويشهد عدلان فأكثر على حسن تصرفها فإن لم يدخل بها الزوج فإن الحجر يستمر عليها ولو شهد عدلان برشدها ومتى تحققت هذه الشروط فإن الحجر يرفع عنها وتنفذ أفعالها على المعتمد . وبعضهم يقول : إن الحجر لا يرفع عنها إلا إذا مضى عليها عام بعد دخولها على زوجها وشهد الشهود بعد العام بصلاحها . وبعضهم يقول غير ذلك
ولا تحتاج في رفع الحجر عنها بعد تحققه إلى أن يفك الحجر أبوها إذا كان وليها وإنما تحتاج إلى ذلك إذا كان الولي غير الأب كما تقدم
وصورة الفك أن يقول الوصي لعدلين أو أكثر : أشهدوا أني فككت الحجر عن فلان ومحجوري وأطلفت له التصرف وملكت له أمره لما قام عندي من رشده وحفظه لماله
وللأب أن يفك الحجر عن بنته بعد البلوغ مطلقا قبل الدخول أو بعده ولو لم يعلم رشدها من الشهود . أما الوصي فإن له أن يفك الحجر بعد الدخول بها ولو لم يعرف رشدها من الشهود وأما الذي أقامه القاضي ويقال له " مقدم القاضي " فالراجح أنه ليس له أن يفك حجرها قبل الدخول مطلقا أما بعد الدخول فإن له أن يفكه إذا عرف رشدها من الشهود
وتصح وصية السفيه كما تصح وصية الصبي المميز . وحكم تصرفه كحكم تصرف الصبي المميز المتقدم
الشافعية - قالوا : السفيه هو المبذر في ماله وهو الذي ينفقه فيما لا يعود عليه بمنفعة عاجلة أو آجلة كأن يقامر به أو ينفقه في اللذات المحرمة الضارة بالبدن والعرض والدين كالزنا وشرب الخمر أو ينفقه في المكروهات كأن يشرب به الدخان أو يضيعه بسوء تصرفه كأن يبيع ويشتري بالغبن الفاحس إذا كان لا يعلم به أما إذا تساهل في بيعه وشرائه وهو عالم فإن ذلك لا يعد سفيها لأنه يكون من باب الصدقة . وكذلك إذا أنفق ماله في وجوده البر والخير كبناء المساجد والمدارس والمصحات والتصدق على الفقراء والمساكين فإنه لا يكون بذلك سفيها . بل لو أنفق ماله في اللذات المباحة كالملبس والمأكل والمشرب ولو توسع في ذلك بما لا يناسب حاله فإنه لا يعد سفيها . ومثل ذلك ما إذا أنفقه في التزوج ونحوه من كل متاع حلال فإنه يكون قد أنفقه في مصرفه لأن المال إنما خلق لينفق في الخير وفي الاستمتاع بما أحله الله
أما السفيه المبذر فإنه لا يخلو : إما أن يكون السفه قد عرض له وهو صغير ثم بلغ سفيها . وفي هذه الحالة يستمر الحجر عليه بدون حكم قاض وتكون تصرفاته غير نافذذة فإذا صار رشيدا فإن الحجر يزول بدون قاض أيضا . وأما إذا بلغ رشيدا ثم عرض له السفه فإن الحجر عليه يكون من حق القاضي وإذا تصرف قبل الحجر يكون تصرفه نافذا لأنه في هذه الحالة يكون مهملا . فإذا تصرف السفيه المحجور عليه ببيع أو شراء أو إعتاق أو نكاح أو هبة فإن تصرفه يقع باطلا ولكن يصح طلاقه ومراجعته كما يصح خلعه ويجب دفع عوض الخلع إلى وليه وغلا فلا يبرأ الدافع إلا إذا خالع بشرط أن يأخذ المال هو لا وليه فإنه في هذه الحالة يبرأ الدافع إليه لأنه علق الخلع على أخذ المال فلا يصح إلا إذا نفذ ذلك . وحكمه في العبادات المالية كالزكاة والحج وغيرهما من العبادات كالرشيد إلا أنه لا يفرق أمثال الزكاة بنفسه ويصح منه النكاح إذا أذنه وليه فإذا تزوج امرأة بإذن وليه وأمهرها مهر المثل فإن العقد يصح أما إذا زاد على مهر المثل فالمشهور أن النكاح يصح أيضا وتلغو الزيادة . وإذا عين الولي له امرأة خاصة فتزوج غيرها فإن العقد لا يصح إلا إذا كانت خيرا منها جمالا وحسبا ولم تزد عليها مهرا ونفقة فإن كانت كذلك فإن العقد يصح على المعتمد
وإذا قال له الولي : إنني أدفع لك مهرا قدره كذا ولم يعين له المرأة التي يتزوجها فإن الإذن يصح وله أن يتزوج بذلك المهر ما يشاء
وإذا تزوج السفيه بلا إذن وليه فإن نكاحه يكون باطلا ويفرق بينهما ولم يلزمه شيء وإن لم تعلم الزوجة أنه سفيه لأنها فرطت في عدم السؤال عنه
وإذا اقترض السفيه شيئا أو اشتراه وقبضه وأتلفه فلا ضمان عليه لا في أثناء الحجر ولا بعد فكه عنه لأن مالكه أهمل ماله وسلطه عليه وجزاء المهمل الخسارة ولا فرق في ذلك بين أن يكون عالما بأنه سفيه أو لا لأنه في حالة عدم العلم يكون مقصرا
إذا أقر السفيه بأنه استدان من شخص مالا قبل الحجر عليه أو بعده فإن إقراره لا يقبل وكذلك إذا أقر بأنه أتلف مال شخص أو قتل دابة ونحو ذلك مما يوجب عوضا ماليا فإنه لا يقبل على الأظهر ولا يعمل بإقراره بعد فك الحجر عنه . أما إذا أقر بما يوجب الحد والقصاص فإنه يعمل بإقراره
ولا يصح إذن الولي في المعاملات سوى النكاح فإذا أذنه في بيع أو شراء أو تجارة فإنه لا ينفعه إذنه ولا يفيده شيئا على الراجح . وقيل : ينفع بشرط أن يقدر الولي العوض كأن يقول له : اشتر السلعة بعشرة جنيهات . أما ما لا عوض له كالهبة فإنه لا ينفع فيه إذن بالاتفاق
الحنابلة - قالوا : السفيه هو الذي لا يحسن التصرف في ماله فإذا كان الشخص البالغ سفيها لا يحسن التصرف فإن الحجر عليه يكون من حق الحاكم فإذا كان السفه صفة له وهو صغير ثم بلغ رشيدا ولكن عاوده السفه بعد البلوغ أعيد الحجر عليه بمعرفة الحاكم . ومثله المجنون كما تقدم ولا يفك الحجر عنه إلا بحكم لأنه حجر ثبت بحكمه فلا يزال إلا به
وإذا حجر على السفيه فإن تصرفاته تكون باطلة وللولي أن يأذنه في بعض التصرفات فتنفذ ومن ذلك الزواج فإن الولي إذا أنذه بأن يتزوج فباشر بنفسه فإنه ينفذ إلا إذا كان السفيه في حاجة إلى الزواج لمتعة أو خدمة فإن له أن يفعل وإن لم يأذنه وليه وسواء طلب منه ومنعه أو لم يمنعه ولكن لا ينفذ زواجه إلا بمهر المثل
ويصح أن يطلق زوجه ويخلعها بمال يأخذه ويلزم السفيه بحكمه في الحال بدون إذن وليه إلا أن مال الخلع لا يصح دفعه إليه فإن دفعته المرأة إليه لا تبرأ منه وإذا أضاعه فقد ضاع عليها
وكذلك يصح منه الظهار واللعان كما يصح إقراره بنسب كأن يقول : إن هذا الغلام ابني ولدته أمه على فراشي تلزمه أحكامه من النفقة وغيرها . وكذلك تصح وصيته كما تصح من الرشيد
وتجب عليه الفرائض الدينية المتعلقة بالأموال كالزكاة ولكنه لا يباشر صرفها بنفسه بل يفرقها وليه سائر تصرفاته المالية ويصح منه نذر كل عبادة بدنية كالحج والصيام والصلاة ولا تصح هبته ولا وقفه لأن ذلك تبرع بمال وهو ليس أهلا للتبرع ولا تصح شركته ولا حوالته ولا الحوالة عليه ولا ضمانه لغيره ولا كفالته
وإذا أقر لغيره فمال فإن إقراره يصح ولكن لا يلزمه ما أقر به في حال حجره بل يلزمه بعد فك الحجر عنه إذا علم الولي صحة إقراره بذلك الدين فإنه يلزمه أن يدفعه
وعلى الولي أن ينفق عليه من مال بما هو متعارف بين الناس وكذلك على من تلزمه مؤونته من زوج ونحوها وحكم ولي السفيه كحكم ولي المجنون المتقدم )

(2/247)


الحجر بسبب الدين

(2/248)


ويحجر على المدين في تصرفاته المالية حتى لا تضيع على الناس حقوقهم وأموالهم التي استدانها منهم وفي ذلك تفصيل مبين في المذاهب
( الحنفية - قالوا : كما أن السفه بالمعنى المتقدم سبب من أسباب الحجر . فكذلك الدين والغفلة فأما الدين الذي يحجر به فهو : أن يستدين الشخص ديونا تستغرق أمواله " وتزيد عنها " فيطلب الدائنون الذين لهم هذه الديون من القاضي أنيحجر عليه كي لا يتصرف في ماله الذي تحت يده فتضيع على الدائنين أموالهم والحجر لا يكون إلا للقاضي فمتى وضع عليه الحجر فلا يصح له أن يتصرف في ماله بصدقة أو هبة أو إقرار بمال لمن له عليه دين غير من حجر عليه بطلبهم . ولكنه يعامل بإقراره هذا بعد فك الحجر عنه . ويصح الحجر على المديون ولو كان غائبا ولكن يشترط لعدم نفاذ تصرفه علمه بالحجر " إعلانه " فإذا لم يعلم به وتصرف فإن تصرفه يقع صحيحا
وللقاضي أن يبيع مال المحجور عليه بالدين لسداد الدائنين إذا امتنع من بيعه ويقسم بينهم بحسب حصة كل واحد في الدين
وإذا تزوج المحجور عليه بسبب الدين صح تزوجه وللمرأة أن تشترك مع الدائنين في مهر المثل أما ما زاد على المثل فإنه يكون دينا في ذمته
وللدائنين أن يلازموا المدين فيذهبوا معه حيث ذهب ولكن ليس لهم منعه من السفر ولا حبسه بمكان خاص وللقاضي أن يحبس المدين بدينه في كل دين التزمه بعقد كالمهر والكفالة فإذا حبسه شهرين أو ثلاثة أشهر ولم يظهر له مال في خلال ذلك فإنه يطلق سراحه وإن أقام البينة على أن لا مال له خلى سبيله لقوله تعالى : { وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة } وتقبل البينة على الإعسار بعد الحبس فيطلق القاضي سراحه إذا شهد الشهود بأنه معسر
ولا يضرب المحبوس بالدين ولا يغل بقيد ولا يخوف ولا يجرد ولا يكلف بالوقوف بين يدين صاحب الدين إهانة له ولا يؤجر ولكن يقيد إذا خيف هربه ولا يخرج المدين لجمعة ولا عيد ولا حج ولا لصلاة مكتوبة ولا لصلاة الجنازة ولا عيادة مريض ويحبس في موضع وحش لا يبسط له فرش ولا يدخل عليه أخذ ليستأنس به وكفى بذلك زجرا للناس عن الديون والتورط فيها لأن شريعتنا السمحة تجعل لصاحب الدين سلطانا على المدين في هذا الموقف الحرج . وقد عرفت أن هذا هو المختار المفتى به من مذهب الحنفية أما الإمام فإنه يقول : لا يحجر على الحر البالغ بسبب الدين وإن استغرق كل ماله وطلب الغرماء الحجر عليه ويعمل الحجر فيه شيئا فيصح أن يتصرف في ماله بجميع أنواع التصرف
ومثل الحجر بسبب الدين : الحجر بسبب الغفلة والغفلة هي : كون الشخص لا يتهدي إلى التصرفات الرائجة في بيعه وشرائه فيغير فيهما لسلامة قلبه وهي غير السفه لأن السفيه هو المفسد لماله بالقصد والاختيار لتغلب الشهوات الفاسدة عليه واتباعه الغي والهوى أما ذو الغفلة " المغفل " فهو لا يفسد ماله قصدا ولا ينقاد لشهواته ولكنه يخدع بسهولة فيستطيع الناس أن يغبنوه في ماله وليس هو المعتوه لأن المعتوه يخلط في كلامه . وقد عرفت أن الإمام لا يرى الحجر على مثل هذا أيضا
الشافعية - قالوا : يحجر على المدين بسبب الدين إن كان الدين أكثر من ماله أما إن كان ماله أكثر أو مساو فإنه لا يصح الحجر عليه ولا يحجر إلا إذا طلب الغرماء الحجر كلهم أو بعضهم أو طلب هو الحجر على نفسه " كالمفلس الذي يشهر إفلاسه " ولا يصح الحجر إلا إذا حل الدين أما إذا كان باقيا عليه مدة فإنه لا يصح
ومتى طلب الغرماء الحجر فإنه يجب على القاضي أن يحجر على المفلس حالا . ومتى حجر عليه تعلق حق الغرماء بماله وصار ممنوعا من التصرف فيه فيبطل تصرفه من بيع وهبة ونحوهما حتى يقبض دينه
ويصح للمفلس المحجور عليه أن يتزوج ويبقى المهر دينا في ذمته لا في المال الذي تحت يده وكذلك يصح خلعه وطلاقه ونحو ذلك وإذا أقر بدين عليه قبل الحجر فالأظهر أنه يقبل إقراره ويكون صاحب الدين شريكا لباقي الدائنين أما إذا قال : إنه استدان بعد الحجر فإن إقراره لا يقبل وإذا أقر بجناية لها عوض مالي بعد الحجر فإنه يقبل منه ويشارك المجني عليه الدائنين
وإذا كان المحجور عليه بسبب الدين قد اشترى سلعة قبل الحجر ثم ظهر بها عيب فله أن يردها إن كانت المصلحة في ردها أما إذا كان العيب لا ينقص قيمتها وتساوؤ أكثر من الثمن الذي اشتراها به مع ذلك العيب فلا يجوز ردها
ويستحب أن يبادر القاضي ببيع مال المفلس ولا يشترط أن يكون المدين حاضرا وكذلك الدائنون وإنما يسن ذلك ويجب أن يكون البيع بثمن المثل وأن يكون الثمن حالا لا مؤجلا فإذا لم يكن كذلك فإنه لا يصح البيع إلا برضاء المدين والدائنين وإذا لم يوجد مشتر بثمن المثل حالا فإنه يجب الصبر إذا كان فيه أمل بأن يوجد له مشتر بثمن الحال وما يتحصل من الثمن بعد البيع يقسم على الدائنين بنسبة ديونهم
وإذا قسم ماله على الدائنين ثم ظهر غيرهم فإنه يشاركهم فيما أخذوه بنسبة دينه فيأخذ من كل واحد منهم نصيبا بنسبة ذلك
المالكية - قالوا : الدين سبب من أسباب الحجر بشرط أن يستغرق الدين مال المدين ويزيد عليه واختلف فيما إذا كان مساويا له فقيل : إنه يكون سببا في الحجر وقيل : لا واستظهر أنه يكون سببا لأن الغرض حفظ حق الدائن فله منع كل ما ينقص دينه فإذا استغرق الدين كل مال المدين فإن لذلك أحوالا ثلاثة :
الحالة الأولى : أ الدائنين لم يطلبوا من الحاكم تفليسه " نزع ماله منه وإعطائه للدائنين " وفي هذه الحالة يكون لهم الحق في منعه من التصرف فيما ينقص أموالهم سواء كان دينهم حالا أو مؤجلا فيمنعونه من التبرع والهبة والصدقة والوقف ويمنعونه من أن يضمن شخصا أو يقرض شخصا معدما ونحو ذلك مما فيه ضياع أموالهم ولا يحل لأحد أن يقبل من المدين المستغرق هبة أو هدية أو نحو ذلك وإذا كان لم يعلم ثم علم فإنه يجب عليه أن يرد ما أخذ لأن ذلك مال الغير وكذلك لهم الحق في منعه من الإقرار بدين لشخص يتهم بأنه إنما أقر له فرارا من الدين كولده وزوجه أما من لا يتهم معه فإن إقراره يعتبر
وليس لهم الحق في منعه مما جرت به العادة كالصدقة القليلة للسائل وكنفقة العيدين والأضحية ونفقة ابنه وأبيه بدون إسراف وكذلك ليس لهم الحق في منعه من البيع والشراء والهبة بعوض ونحو ذلك مما لا يترتب عليه نقص في المال عادة إنما يكون لهم الحق في تفليسه
الحالة الثانية : أن يحكم الحاكم بتفليسه أي بنزع ماله منه وإعطائه للدائنين وهذا لا يكون إلا بثلاثة شروط :
الشرط الأول : أنيطلب الدائن التفليس فلا يصح بدون طلبه فلو طلب المدين تفليس نفس لا يصح وإذا تعدد الدائنون فإنه يكفي تفليسه أن يطلبه بعضهم ومتى فلسه الحاكم فإن الجميع يشتركون في ماله سواء من طلب ومن لم يطلب
الشرط الثاني : أن يكون الدين حالا فلا يصح تفليسه بدين مؤجل
الشرط الثالث : أن يكون الدين زائدا على ماله فإن كان مساويا فإنه لا يصح تفليسه ويترتب على هذه الحال أربعة أمور :
أحدها : منعه من التصرفات المذكورة في الحالة الأولى
ثانيها : منعه من البيع والشراء والتصرفات المالية
ثالثها : قسمة ماله بين الدائنين
رابعها : حلول الدين المؤجل إن كان عليه دين مؤجل . لا يلزم في الحكم بتفليسه أن يكون حاضرا بل يحكم عليه وإن كان غائبا
الحالة الثالثة : أن لا يرفع الغرماء الأمر إلى الحاكم ولكنهم يقومون عليه فيستتر منهم فلا يجدونه فإن لهم أن يحولوا بينه وبين ماله ويمنعوه من التبرعات والتصرفات المالية بالبيع والشراء ونحوهما
ويقسم مال المفلس المتحصل بالنسبة لمجموع الديون فيأخذ كل واحد من دينه بتلك النسبة ولا تتوقف قسمة ماله على معرفة أنه ليس له دائنون غائبون ولا يكلف الدائنون الحاضرون إثبات أنه ليس غيرهم
ويحلف المدين بأنه لم يكتم من ماله شيئا فإذا حلف وانتزع الدائنون أمواله من تحت يده على الوجه المذكور فإن الحجر ينفك عنه ولو بقي عليه دين فإذا اكتسب مالا جديدا بميراث أو ربح تجارة أو هبة أو غير ذلك فإنه يكون مطلق التصرف فيه إلا إذا حجر الحاكم عليه ثانيا . وللدائن أن يمنع المدين من سفره حتى يقتضيه دينه ولو كان الدين غير مستغرق للمال بشروط :
أحدها : أن يكون السفر طويلا بحيث يحل أجل الدين في غيبة المدين : أما إذا كان أمد الدين بعيدا عن المدين فليس للدائن منعه من السفر
الشرط الثاني : أن يكون المدين موسرا أما إذا ثبت إعساره فإنه ليس له منعه من السفر
الشرط الثالث : أن لا يوكل المدين عنه من يقوم بسداد الدين فإذا كان موسرا ووكل عنه من يسدد دينه عند حلوله أو ضمنه موسر فليس له منعه من السفر
ويجوز حبس المدين الذي ثبت عليه الدين إلا إذا ثبت أنه معسر أما إذا ثبت أنه موسر فإنه يحبس حتى يسدد دينه أو يأتي بكفيل مالي . وإذا جهل حال المدين فإنه يحبس حتى يثبت أنه معسر
الحنابلة - قالوا : الدين من أسباب الحجر ولكن بشرط أن يكون الدين أكثر من ماله الموجود ويسمى المدين الذي يستغرق الدين ماله ويزيد عليه مفلسا لأنه ماله الذي تحت يده مستحق للغير فهو معدوم في الواقع فيحجر على المفلس بواسطة الحاكم . ويشترط أن يطلب الدائنون كلهم أو بعضهم الحجر فإذا لم يطلبوا لم يحجر عليه
وجميع تصرفات المدين قبل الحجر عليه من البيع والهبة والإقرار وقضاء بعض الدائنين فافذة أما بعد الحجر فإنه لا ينفذ شيء من تصرفه في ماله ببيع أو غيره . وكل ما يتجدد له من مال بعد الحجر فإنه يكون كالموجود حال الحجر فلا يصح له أن يتصرف فيه أيضا . وكذلك لا يصح الإقرار بشيء من ماله لغير الدائنين الذين حجروا عليه
وبعد الحجر يبيع الحاكم ماله ويقسمه بين الغرماء بحسب ديونهم على الفور . ولا يحتاج الحاكم إلى استئذان المفلس في البيع ولكن يستحب أن يكون حاضرا كما يستحب أن يكون الدائنون حاضرين
وإذا أقرضه أحد شيئا بعد الحجر أو باعه شيئا فليس له المطالبة إلا بعد فك الحجر عنه وللدائن منع المدين من السفر بشروط
الشرط الأول : أن يكون السفر طويلا يحل الدين قبل فراغه
الشرط الثاني : أن يكون مخوفا ولو كان قصيرا أما إن كان مأمونا لكنه قصير يحل الدين بعده فليس له منعه
الشرط الثالث : أن لا يكون للدين رهن يفي به أو كفيل ذو مال فإن كان ذلك فليس له منعه
الشرط الرابع : أن لا يكون السفر لجهاد متعين فإن كان لذلك فليس له منعه . وللحاكم حبس المدين الموسر الذي يمتنع عن الوفاء والحبس للدين من الأمور المحدثة . وأول من حبس عليه شريح وهو مأخوذ من قوله صلى الله عليه و سلم : لي " مطل " الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته وقد فسر عرضه بشكواه للحاكم وعقوبته بحبسه
تم الجزء الثاني - ويليه الجزء الثالث وأوله مباحث المزارعة

(2/249)


مقدمة [ الجزء الثالث ]

(3/2)


- بسم الله الرحمن الرحيم
أحمد الله تعالى حمدا كثيرا وأصلي وأسلم على نبيه محمد خاتم الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين
وبعد
: فإنني لما وفقني الله لصوغ الجزأين الأول والثاني من كتاب الفقه على المذاهب الأربعة " قسمي العبادات والمعاملات " بالعبارة التي ظهرا بها رأيت من الجمهور إقبالا عليهما لسهولة وقوفهم على ما يريدونه من أحكام الفقه في مذاهبهم وجمعهما كثيرا من تلك الأحكام المبعثرة التي يستنفذ الوقوف عليها مجهود أهل العلم الأخصائيين فضلا عن غيرهم من عامة المسلمين فبعثني ذلك الإقبال على النهوض بتكملة سائر أبواب الفقه الإسلامي على المذاهب الأربعة " قسم المعاملات وقسم الأحوال الشخصية " . وصوغه بمثل هذه العبارات أو أوضح منها كي ينشط الناس إلى معرفة أحكام دينهم الحنيف في بيعهم وشرائهم وأقضيتهم وأنكحتهم وما يتعلق بذلك واستبان لهم سماحة الإسلام مع دقته في التشريع وإحاطته بكل صغير وكبير مما يجري في المعاملات بين جميع طوائف البشر مما يتضاءل بإزائه تشريع المشرعين وتقنين المقننين من غربيين وشرقيين فرنسيين ورومانيين دعتهم عظمته وحملتهم دقته وسماحته إلى الأخذ به والتعويل عليه فيعيشوا عيشة راضية مرضية إذ ترتفع من بينهم أسباب الشقاق المفضية إلى ضياع الأموال والأنفس وتوفر عليهم ما ينفقونه من الأموال في المواضع التي نهاهم الله عن الإنفاق فيها كالإنفاق في الخصومات الباطلة وما إليها . قال تعالى : { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام } الآية
ذلك بعض ما ينتجه العلم بأحكام الدين والعمل بها في دار الدنيا أما في الآخرة فإن الله قد وعد العامل بدينه نعيما خالدا وملكا مقيما علىانني رأيت في أول الأمر أن ذلك العمل خطير بالنسبة لرجل ضعيف مثلي . وقد تطغى عليه مظاهر الحياة وتفتنه شواغلها ولكن ثقتي بالله الذي هداني إلى إتمام العمل في الجزأين وأعانني عليه جعلني أقدم على تنفيذ ما فكرت فيه لا أهاب صعوبة ولا أخشى مللا . لأنني لا أريد غير مرضاة ربي الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه يرجع كل شيء ولا أبتغي إلا أن أكون مقبولا لديه في يوم لا ينفع فيه مال ولابنون ومن استعان بربه وحده فإن الله كفيل بمعونته وهو نعم المولى ونعم النصير . فهو وحده المسؤول أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم وأن يقيني شر الإفتتان بمظاهر الحياة الدنيا وأن يحفظني من شر السعي وراء المغانم الدنيوية بوسائل الآخرة وأن ينفع به المسلمين
وبعد
: فقد كنت عزمت على أن أذكر حكمة التشريع بإزاء أحكامها كما أذكر أدلة الأئمة ولكني أعرضت عن ذلك لأنني رايت في مناقشة الأدلة دقة لا تتناسب مع ما اردته من تسهيل للعبارات ورايت في ذكر حكم التشريع تطويلا قد يعوق عن الحصول على الأحكام فوضعت حكمة التشريع في الجزء الثاني من كتاب الأخلاق
أما الأدلة : فقد أفردها كثير من كبار علماء المسلمين بالذكر وكتبوا فيها أسفارا مطولة ولكن مما لا أشك فيه أن الحاجة ماسة إلى وضع كتاب فيها يبين فيه اختلاف وجهة نظر كل واحد منهم بعبارة سهلة وترتيب يقرب إدراك معانيها فلهذا قد عزمت على وضع كتاب في ذلك مستعينا بالله وحده وبذلك تتم الفائدة من جميع جهاتها ويعلم الناس أن أئمة المسلمين قد فهموا الشريعة الإسلامية قد جاءت بما مصلحة الناس جميعا وأنها لم تترك صغيرة ولاكبيرة من دقائق التشريع وعجائب الأحكام إلا وقد أشارت إليه وأنها صالحة لكل زمان ومكان فهي خالدة قائمة مدى الدهور والأزمان لأنها من لدن حكيم عليم
بسم الله الرحمن الرحيم
وماتوفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله

(3/3)


مباحث المزارعة والمساقاة ونحوهما

(3/4)


- المزارعة والمساقاة والمخابرة ونحوها ألفاظها معان اصطلح عليها الفقهاء تتعلق بها أحكام شرعية من حيث الحل والحرمة والصحة والبطلان ولها معان لغوية أصل للمعاني الاصطلاحية وسنذكرلك بيان كل واحد منها فيما يلي :

(3/5)


تعريف المزارعة

(3/6)


- هي في اللغة مفاعلة مشتقة من الزرع والزرع له معنيان : أحدهما : طرح الزرعة - بضم الزاي - وهي البذر والمراد إلقاء البذر على الأرض . الإنبات إلا أن المعنى الأول للزرع مجاز والمعنى الثاني حقيقي ولهذا ورد النهي عن أ ن يقول الإنسان زرعت بل يقول حرثت فقد روى البزار عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " لا يقول أحدكم زرعت وليقل حرثت " ومعنى هذا أنه لا يصح أن يقول زرعت ويريد المعنى الحقيقي للزرع وهو الإنبات لأن المنبت هو الله تعالى كما أشار إلى ذلك سبحانه بقوله : { أفرأيتم ماتحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون } فقد نسب سبحانه لعباده الحرث وهو إلقاء البذرة أما الإنبات فإنهم لا يستطيعون إدعاءه إذ لو كان من عملهم لكان لازما والواقع غير ذلك فقد يلقون البذر ولا ينبت أصلا أو ينبت ثم تجتاحه جائحة كما قال تعالى : { لو نشاء لجعلناه حطاما }
أما إذا قال : زرعت وأراد منه المعنى المجازي أي ألقيت البذر فإنه جائز ولهذا روى مسلم عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : " لا يغرس المسلم غرسا ولا يزرع زرعا فيأكل منه إنسان ولادابة ولاشيء إلا كانت له صدقة " فهذا صريح في جواز نسبة الزرع إلى الإنسان إلا أن الواقع أن عمل الإنسان هو شق الأرض والقاء البذر وتعهدها بالوسائل العادية أما الإنبات فليس لهو فيه عمل ما
ومثل ذلك المعنى كما قال تعالى : { أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون } فخلق الجنين وتكوينه ليس من عمل الإنسان بأي حال
ثم إن المشهور أن مصدر المفاعلة لا يقع إلا بين اثنين كالمشاركة والمضاربة فإن الأشتراك وهو المصدر الذي أخذت منه المضاربة واقع من اثنين
وقد يستعمل مصدر المفاعلة في فعل واحد فيقال إن المفاعلة ليست على بابها فهل الزرع الذي هو مصدر المزارعة مستعمل في فعل العامل الذي يزرع الأرض فقط فتكون المفاعلة ليست على بابها ؟
والجواب أنه يصح استعماله في الأمرين وذلك لأنالزرع مسبب عن شيئين أحدهما : فعل العامل وهو الحرث والبذر والسقي ونحو ذلك . وثانيهما : فعل المالك وهو تمكين العامل من الأرض والآلات التي يزرع بها فالزرع واقع بسبب الإثنبن فالمفاعلة على بابها فإذا قطع النظر عن فعل المالك لظهورنسبة الزرع إلى العامل المباشر كانت المفاعلة على غير بابها
وبعضهم يقول إنه لا يصح قطع النظر عن فعل المالك البتة لأن مصدر المفاعلة يجب أن يكون بين اثنين إلا في أمور مقصورة على السماع كسافر وجاوز وواعد فإن مصدر هذه الأفعال مستعمل في فعل الواحد سماعا فلا يجوز قياس غيرها عليها وحينئذ فلا يصح استعمال ضارب زيد عمرا بمعنى ضربه
ومن هذا يتضح لك أن المزارعة معناها لغة : الشركة في الزرع
أما معنى المزارعة في اصطلاح الفقهاء ففيه تفصيل المذاهب ( 1 )
_________
( 1 ) الحنفية قالوا : المزارعة شرعا هي عقد على الزرع ببعض الخارخ من الأرض ومعنى هذا أن المزارعة عبارة عن عقد بين مالك أرض وعامل يعمل في الأرض يشتمل على أن العمل يستأجر الأرض ليزرعها ببعض المتحصل من الزرع أو أن المالك يستأجر العامل على أن يزرع له أرضه ببعض الخارج المتحصل من الأرض
وهذا النوع من المعاملة مختلف فيه عند الحنفية فأبو حنيفة يقول إنه لا يجوز . وأبو يوسف ومحمد يقولان بجوازه . وقولهم هو المفتى به في المذاهب لأن فيه توسعة على الناس ومصلحة لهم
وهذا النوع من المعاملة مختلف فيه عند الحنفية فأبو حنيفة يقول إنه لا يجوز . وأبو يوسف و محمد يقولان بجوازه . وقولهم هو المفتى به في المذاهب لأن فيه توسعة على الناس ومصلحة لهم
على أن أبا حنيفة قال بجواز المزارعة إذا كانت آلات الزرع والبذر ويكون له بعض الخارج بالتراضي لا في نظير الأجرة وإنما منع أبو حنيفة المزارعة بالمعنى الأولى لورودالنهي عن استئجار العامل ببعضض ما يخرج منعمله كما إذا استأجر إنسانا ليطحن له إردبا من القمح علىأن يأخذ كيلة من الدقيق الذي يطحنه وتسمى هذه المسألة ( بقفيز الطحان )
والمزارعة بالصورة الأولى استئجار للعامل ببعض ما يخرج من عمله على أن الممنوع هو أنيشترط الأخذ من دقيق الغلة التي يطحنها بخصوصها أما إذا شرط له كيلة من الدقيق مطلقا فإنه يصح وله أن يأخذها من الدقيق الذي طحنه ومثل ذلك ما استأجر ثورا من آخر ليطحن له أو استأجر رجلا ليجني له هذا القطن على أنيأخذ منه نصف قنطار مثلا فإنه لا يجوز أما إذا قال له اجن هذا القطن وأعطيك نصف قنطار من القطن الجيد ولم يشر للقطن الذي يجنيه العامل فإنه يصح . وله أن يعطيه منه بعد ذلك
على أنه لاخلاف عندهم في جواز استئجار الأرض بالطعام سواء كان مماكان تنبته الأرض كالقمح والقطن أو كالعسل فكل ما يصلح ثمنا يصلح أجرة كما سيأتي في الإجارة
وأما المخابرة ( بفتح الباء ) فهي مرادفة للمزارعة في المعنى الشرعي فهي عقد على الزرع ببعض ما يخرج من الأرض وأما في اللغة فهي مشتقة منالخبار وهو الأرض اللينة
الحنابلة - قالوا : المزارعة هي أن يدفع صاحب الأرض الصالحة للزراعة أرضه للعامل الذي يقوم بزرعها ويدفع له الحب الذي يبذره أيضا على أن يكون له جزء مشاع معلوم من المحصول كالنصف والثلث . فلا يصح أن يعين له إردبا أو إردبين أو نحو ذلك . ومثل ذلك ما إذا دفع له أرضا بها نبت ليقوم بخدمته حتى يتن نموه ويكون له نظير ذلك جزء معين شائع من ثمرته فإن ذلك يسمى مزارعة أيضا
فالحنابلة يقولون بجواز المزارعة بالصورة التي يقول بها صاحبا أبي حنيفة إلا أنهم يخصون المالك بدفع الحب
ومنا هذا تعلم أن الحنابلة يقولن بحل تأجير الأرض المعلومة مدة معينة ببعض ما يخرج منها كثلث غلتها ونصفها سواء كانت غلتها طعاما كالقمح والشعير أو غير طعام كالقطن و الكتان وحكم الإجازة والمخارة كالمزارعة في المعنى الشرعي
ثم إن الأصل في جوازها هو السنة الصحيحة فمنها ما روى ابن عمرقال : عامل النبي صلى الله عليه و سلم أهل خيبر بشطر ما يخرج من ثمر أو زرع . متفق عليه
المالكية - قالوا : المزارعة شرعا هي الشركة في العقد وتقع باطلة إذا كانت الأرض منطرف أحد الشريكين وهو المالك والبذر والعمل والآلات من الشريك الثاني كما يقول الحنابلة والصاحبان . فما يفعله ملاك الأراضي الصالحة للزراعة في زماننا من إعطاء أرضهم لمن يزرعها وينفق عليها على أن يأخذوا نصف المتحصل من غلتها أو يأخذوه ويأخذوا معه نقودا كأن يسلموا فدانا للعامل ويأخذوا منه ثلاثة جنيهات مثلا ونصف ما يتحصل من زرع الفدان فإنه غير جائز عند المالكية لأنه يكون تأجيرا للأرض أو بعضها بما يخرج منها وهو ممنوع عندهم
فالمزارعة التي تجوز هي أن تجعل للأرض قيمة أجرتها من النقود أو الحيوان أو عروض التجارة كأن يقال إن أجرة هذا الفدان تساوي أربعة جنيهات : أو تساوي ثلاثة ثيران أو تساوي ثوبا من القماش . ولا يجوز تقويم الأرض بغلة أو قطن أو عسل إذ لا يصح تأجير الأرض عندهم بالطعام ولا بما تنبته كما يأتي في الإجارة
فإذا علمت أجرة الأرض فيقوم العمل بأن يجعل له قيمة وكذلك تقوم آلات الزراعة فإذا دفع المالك الأرض وكانت قيمة أجرتها خمسة جنيهات فإنه يصح للعامل أن يحسب قيمة عمله وقيمة نفقات الزرع ويجعلها في مقابل أجرة الأرض بما يخرج منها فالبذر يكون على كل واحد من الشريكين أن مناصفة فإذا بينت أجرة الأرض قيمة أجر العمل وآلات الزرع كان لكل واحد من الشريكين أن يأخذ من الربح بنسبة ما دفعه فإن كانت قيمة الأرض خمسة وقيمة الآلات والعمل خمسة كان لكل واحد منهما نصف الربح وعلى هذا القياس فإذا اشترط أحدهما أن يأخذ أكثر مما يخصه فسدت
هذه صورة المزارعة الجائزة عند المالكية . ومحصل ذلك أن الممنوع عندهم هو أن تشتمل الشركة على أجرة الأرض أو بعضها بما يخرج منها فمتى سلمت من هذا فإنها تحل إذا تساويا في الربح . وهذا هو المشهور عندهم وبعضهم يقول إنه يجوز تأجير الأرض بما يخرج منها ولكنه ضعيف في المذهب . على أن المالكية أجازوا تأجير الأرض تبعا للمساقاة فإذا ساقاه على أرض مغروسة نخلا وصالحة لزراعة غيره فإن له أن يتعاقد معه على زرعها ببعض ما يخرج منها
الشافعية - قالوا : المزارعة هي معاملة العامل في الأرض ببعض ما يخرج منها على أن يكون البذر من المالك والمخابرة هي المزارعة إلا أن البذر فيها يكون على العامل فليس على العامل في المزارعة إلا العمل بخلاف المخابرة وكلاهما ممنوع عندهم لأنه لا يصح تأجير الأرض بما يخرج منها . وهذا هو المعتمد وأ جازها بعضهم
وقد قالوا في علة المنع إن العقد فيها على شيء غير معروف لأن العامل يعمل في الأرض بدون أن يدري ما يصيبه ففيه غرر ويمكن تحصيل منفعة الأرض بتأجيرها إن كان مالكها عاجزا عن زرعها . وفي التأجير حسم للنزاع وبيان لحق كل منهما موضحا فلأي شيء يترك التعاقد الواضح مع إمكانه ويعمل بتعاقد فيه غرر وقد ورد النهي عن الخابرة والمزارعة في السنة لذلك . على أنهم أجازوا المزارعة تبعا للمساقاة كما يأتي

(3/7)


حكم المزارعة وركنها وشروطها وما يتعلق بذلك

(3/8)


- للمزارعة بالمعنى المتقدم أركان وشروط وحكم وكلها مبنية ئفي المذاهب ( 1 )
_________
( 1 ) الحنفية قالوا : ركن المزارعة الذي يتم العقد به هو الأيجاب والقبول بين المالك والعامل فإذا قال صاحب الأرض للعامل دفعت إليك هذه الأرض لتعمل فيها مزارعة بالنصف أو الثلث وقال العامل قبلت فقد تم التعاقد بينهما
وبديهي أن صيغة الإيجاب والقبول المذكورة تتضمن وجود عمل العامل والأرض التي يعمل فيها وآلات الزرع التي يستخدمها والبذر الذي يلقى على الأرض حتى تنبت ولذا عد بعضهم أركانها أربعة وهي : الأرض وعمل العامل والبذر وآلات الزرع
وأما شروطها فهي قسمان قسم يشترط لصحة العقد وقسم إذا وجد يفسد العقد فأما شروط الصحة فأنواع :
النوع الأول : يتعلق بالمتعاقدين وهو العقل فلا تصح المزارعة من مجنون ولا صبي لا يعقل أما الصبي المميز المأذون من وصية فإن مزارعته تصح ولا تشترط فيها الحرية فتصح أيضا من العبد المأذون من سيده
النوع الثاني : يتعلق بالمزروع وهو أن يبين النوع الذي يريد زرعه من قمح أو قطن أو نحوهما إلا إذا قال له صاحب الأرض ازرع ما شيءت فإنه يجوز له أن يزرعها ما شاء إلا أنه ليس له أن يغرس فيها شجرا لأن عقد المزارعة خاص بالنبات . فإن لم يبينا جنس البذر من قمح أو شعير مثلا فإن كان البذر على العامل فسدت المزارعة وإن كان على المالك فإنها لاتفسد وذلك لأن عقد المزارعة لا يتأكد في حق من عليه البذر قبل إلقائه على الأرض فيجوز له فسخه قبل ذلك بدون عذر فإن كان البذر على المالك فلا يلزم ببيان جنس البذر لأنه صاحب الحق في بيان النوع الذي يختار زرعه في أرضه وحيث كان عليه البذر كان العقد صحيحا ويكتفي في إعلام العامل في إلقاء البذر الذي به يتأكد العقد أما إذا كان البذر على العامل فإن العقد يتأكد في حق صاحب الأرض بالإيجاب والقبول فلا بد من بيان نوع البذر إلا إذا فوض صاحب الأرض للعامل له ازرع ما شيءت من زرع الأرض بعد فساد المزارعة فإذا تمكن العامل من زرع الأرض بعد فساد العقد ورضي له المالك فإنها تنقلب صحيحة لأن المالك قد رضي بالضرر الذي لحقه من عدم بيان جنس المزروع وخلى بينه وبين زراعة الأرض وتركها في يده حتى ألقى البذر فزال المفسد بذلك
النوع الثالث : يتعلق بالناتج المتحصل من الزرع وهو ستة :
أحدهما : أن يكون مذكورأ في العقد فلو سكت عن ذكر المتحصل وكيفية استحقاق الشريكين فيه فسد العقد
ثانيها : أن يكون المتحصل لهما معا فإذا اشترطا أن يكون الخارج كله لأحدهما دون الآخر لا يصح عقد المزارعة ثم كان الخارج كله للعامل كان إعارة من المالك وإذا كان الخارج كله للمالك كان إعانة من العامل
ثالثهما : أن تنكون حصة كل من الشريكين من نفس الخارج فلو كان شرطا أن يكون نصيب أحدهما قمحا مع كون الخارج قطنا لا يصح وكذلك لو شرطا أن يكون نصيب أحدهما قطانا من القطن المزروع في أرض أخرى وهكذا
رابعهما : أن يكون نصيب كل منهما من ذلك الخارج معلوما كالبصف أو الثلث أو الربع أو نحو ذكك
خامسهما : أن يكون جزء شائعا كا منهما من ذلك كأن يكون نصفا أو ثلاثا أو نحو ذلك
سادسهما : أن لا يشترط لأحدهما وزيادة معلومة كأن يشترط لأحدهما نصف الخارج مع زيادة أردب أو يشترط له قيمة البزر ثم يقسم الباقي نصفين أو ثلاثا لجواز أن لا تخرج الأرض سوى البذر
النوع الرابع : يتعلقب الأرض التي يراد زرعها وهو ثلاثة : أحدها : أن تون صالحة للزراعة فلو كانت سبخة نزلا يجوز العقد وأما إذا كانت صالحة للزراعة في المدة التي بنيت في العقد ولكن منع من زرعها مانع وقت العقد كعدم الماء فإن العقد يصح
ثانيهما : أن تكون معلومة كان يبين أنه دفع إليه الأرض المحدودة بكذا ليعمل فيها مزارعة فإذا لم تكن الأرض معلومة فلا تصح المزارعة ولو دفع له أبنية من الأرض وقال له الذي يزرع منها قمحا يكون كذا والذي يزرع منها ذرة يكون كذا فلا يصح العقد أيضا إذا لا بد من بيان ما يزرع قمحا بحدوده وما يزرع منها يكون منها ذرة كذلك حتى لا تكون الأرض التى يراد زرعها مجهولة . وكذلك لا يصح العقد إذا قال بعضها يكون ذرة وبعضها يكون قمحا لوجود الجهالة في مقدار ما يزرع من النوعين فلا بد من بيانه
ثالثهما : أن تكون الأرض مسلمة إلى العقائد من كل ما يمنع زرعها وأن يمكن العامل من العمل والتخلية بينه وبين الأرض ومثل ذلك ما إذا اشترط أن يكون العمل بينهما معا فإن العقد لا يصح لعدم التخلية التامة وبين الأرض مسغولة بزرع فإذا كان نباتا صغيرا فإن العقد يصح على أنه معاملة ( مساقاة ) لا مزارعة أما إذا كان الزرع كبيرا قد أدرك فإن العقد لا يصح رأسا لا مزارعة ولا مساقاة إذ لا يكون للعامل حينئذ
النوع الخامس : يتعلق بالمدة وهو شروط ثلاثة :
أحدهما : أن تكون المدة معينة
ثانيهما : أن تكون صالحة لوقوع الزرع فيها
ثالثهما : أن لا تكون ممدة إلى زمن طويل بحيث لا يعيش إليه أحد المتعارفين غلبا
ويصح عقد المزارعة بدون بيان المدة إذا كان وقت الزرع معروفا لا يفاوت وقفه وتقع على أول زرع
النوع السادس : يتعلق بآلة الزرع وهو أن تكون في العقد تابعة فإذا جعل للبقر الذي يحرس مقابلا معينا من عمل أو بذر أو نحوهما فسد
ومن شروط الصحة أيضا بيان من عليه البذر سواء أكان المالك أم العامل لأن البذر إن كان من قبل صاحب الأرض مانت المزارعة استاجارا للعامل وإن كان البذر من قبل العامل كانت استأجارا للأرض فإذا لم يذكر من عليه البذر لم بعلم إم كان العقد إجارة للأرض أو للعامل فيكون المعقود عليه مجهولا فلا يصح العقد
وأما الشروط المفسدة لعقد المزارعة فمنها : اشتراط كون الخارج لواحد منهما . ومنها :
اشتراط العمل على صاحب الأرض فلو اشترط العامل ان يكون العمل على صاحب الأرض فسد الغقد لأن ذلك يمنع تسليم الأرض إلى العامل وهو شرط من شرزط الصحة كما تقدم
ومنها : شرط كون آلة الزرع من حيوان ونحوه على المالك أما شرط الحصاد والتذرية ونحو ذلك فقيل يجوز أن يكون ذلك على العامل إذا كان عرف الناس على هذا وقيل أنه شرط يفسد العقد وذلك هو المفتى به
والذي ينبغى في ذلك هو أن كل ما يحتاج إليه الزرع قبل إدراكه وجفافه من السقي والحراسة وقلع الحشائش الضارة به وحفر الأنهار ونحو ذلك فإنه يكون على المزارع العامل
أما ما يحتاج إليه الزرع بعد جفافه وإدراكه فهو على قسمين :
القسم الأول : ما يحتاج إليه الزرع قبل قسمة الغلة من تخليص الحب من السبل والتبن والتذرية وتنقية الحب ونحو ذلك ونفقات هذا تكون على الشركين بنسبة مالهما من الخارج من النصف أو الثلث وهكذا
القسم الثاني : ما يحتاج إليه الزرع بعد قسمة حبه من الحمل إلى البيت ونحو ذلك ونفقات هذا تكون على كل واحد في نصيبه بمعنى أن كل واحد ينفق على ما خصه بعد القسمة
ومن الشروط المفسدة للمزارعة أن يشترط كون التبن لمن لا يدفع البذر لأن هذا الشرط لا يقتضيه العقد فإن العقد يقتضي أن يكون التبن لصاحب البذر فإذا اشترط كون التبن لصاحب البذر صح الشرط والعقد وكان التبن لصاحب البذر وإذا لم يتعرض للتبن فلم يشترط كونه لهذا ولا لذاك فبعضهم يقول إنه يكون لصاحب البذر لأن التبن ناتج من الحب فهو من حق صاحب الحب بدون شرط وبعضهم يقول أنه يكون بينهما على حسب نصيب كل منهما تبعلا للعرف على أن العامل إذا كان شريكا بالربع فإن الظاهر عندهمأن لاشيء لهم في التبن وإذا كان بالثلث فإنه يستحق نصف التبن
ومنها أن يشترط صاحب الأرض على المزارع أن يحدث بأرض شيءا يستمر بعد انتهاء زرع المدة المتفق عليها كبناء دار أو مصرف ما أو حفر ( ترعة ) أو نحو ذلك فإن شرط شيء من ذلك في العقد فقد فسد وأما كراء الأرض ( وهو قلبها للحرث ) فلا يخلو إما أن يشترط شيء لمصلحة الزرع أو لمصلحة الأرض بحيث تستمر فائدته بعد انتهاء مدة الزرع المتفق عليها من أول شرط صحيح يقتضيه العقد لأن الزرع لا يصلح إلا بالحرث والثاني شرط فاسد مفسد للعقد . ومثال ذلك ان يشترط ( حرث ) الأرض من أجل الزرع وحرثها مرة أخرى بعد حصاد الزرع ليستلمها صاحبها محروثة فإن المرة الثانية في هذه الصورة لا علاقة لها لالزرع فيفسد العقد أما إذا اشترط ( حرثها ) مرتين أثناء مدة الزرع وكانت منفعة المرة الثانية مقصورة على الزرع لا تفيد الأرض بعد انتهاء الزرع فإنه يصح . وإذ قد عرفت معنى المزارعة عند من يجيزها ومن يمنعها وعرفت الشروط المصححة لها والمفسدة فإنه يسهل عليك معرفة الصور الجائزة والمممتنعة منها ولكننا نريد أن نذكر لك هنا ملخص ما ذكره من الصور الجائزة والممتنعة عند الصاحبين بعدما عرفت فيما تقدم الصور الجائزة عند الإمام
فأما الصور الجائزة عندهما فمنها : أن تكون الأرض من أحدهما والبذر والعمل وآلات الزرع من الاخر وشرطا أن يكون لصاحب الأرض شيئا معلوما من المتحصل من الزرع كالنصف أو الثلث أو نحو ذلك لأنه في هذه الحالة يكون العامل مستأجر للأرض بشيء معلوم مما يخرج منها وذلك جائر عندهما كما أن استأجار العامل ببعض الخارج من الأرض جائز كذلك إنما الممتنع هو استأجار غيرهما
ومنها : أن تكون الأرض والبذر وآلات الزرع على المالك ويكون العمل وحده على العامل ويكون له نصيب معين في المتحصل من الزرع كالنصف أو الثلث أو الربع وهذه الصور جائزة أيضا لأنها استئجار العامل ببعض ما يخرج من الأرض وقد علمت جوازه عندهما
ومنها : أن تكون الأرض والبذر من أحدهما والعمل وآلات الزرع على الثاني وهذه أيضا جائزة أيضا لأن صاحب الأرض في هذه الحالة يكون مستأجرا ليعمل في أرضه ببقرة ونحوه من آلات الزرع
وأما الصور الممتنعة فمنها : أن تكون الأرض وآلات الزرع كالبقر وما في معناه من الآلات التى تستعمل لشق الأرض من أحد الشيكين ويكون البذر والأرض من الشريكين الأخر وإنما كانت هذه الصور فاسدة لأن منفعة الأرض لا تجانس منفعة آلات الحرث حتى تنضم إليها ويقدمها اللمالك في نظير البذر والعمل وذلك لأن منفعة الأرض إنبات الزرع ومنفعة البقر وما في معناه العمل ولا تجانس بين المنفعتين حتى يمكن خلطهما وهذا هو الذي عليه الفتوى وقيل بجوار هذه الصورة إذا جرى عليها العرف
ومنها : أن يكون البذر من أحدهما والأرض والعمل وآلات الزرع من الآخر وهذه الصورة فاسدة لأنها عبارة عن كون صاحب البذر قد استأجر الأرض ببذره . وقد عرفت مما تقدم أن من شروط الصحة أن يتتمكن المستأجرلا على الآخر فكيف يمكنه أن يضع يده عليها وهي في يد العامل
ومن أجل ذلك لا يصح أن يشترك في المزارعة ثلاثة على أن يكون على أحدهما وعلى الثانى البذر وعلى الثالث البقر وما في معناه من آلات الزراعة . لأنه في هذه الحالة يكون صاحب البذر مستأجرا للأرض وهي في يد الذي عليه العمل فلا يمكن أن يضع المستأجر عليها يده فيفسد العقد
أما إذا اشترك أربعة على أن يكون البذر على احدهما والأرض على الثانى والقر على الثالث والعمل على الرابع فإن عقد المزارعة يفسد بعلة أخرى وهو أن البقر وحده لا يصح اسئجاره
ببعض الخارج من الأرض وفي هذه الحالة يكون مستأجرا ببعض الخارج لأنه جعل قسما مقابلا . للأقسام الأخرى من البذر والعمل والأرض ولهذا جعل من شروط الصحة أن لا تكون آلة الزرع مقصودة في العقد ببعض الخارج منها كما يصح استأجار العامل ببعض الخارج من الأرض ولا يصح استئجار غيرهما
ومنها : ان يكون البذر والبقر من أحدهما والعمل والأرض من الاخر وهذه الصورة لا تصح لأنك قد عرفت أنه يشترط تجانس منفعة الأمرين المنضمين لبعضهما فيما يدفعه كل واحد من الشريكين ولا تجانس بين منفعة البذر والبقر كما تجانس بين منفعة الأرض والعمل
ومنها : أن تكون الرض على أحدهما والبذر عليهما معا مناصفة واشترطا أن يكون العمل على غير صاحب الأرض وأن يكون الخارج من الأرض بينهما نصفين وهذه الصورة فاسدة لأنها تتضمن أن العامل يزرع نصف الأرض ببذره على أن يأخذه كله فتكون مزارعة بجميع الخارج من الأرض بشرط 'عارة نصفها للعامل وذلك باطل
أما إذا كانت الأرض ملكا لهما معا والبذر عليهما وكذلك العمل واشترطا أن يكون الخارج بينهما نصفين فإنه يجوز لأن كل واحد منهما يكون عاملا في نصف الأرض واشترطا أن يكون الخارج بينهما نصفين فإنه يجوز لأن كل واحد منهما يكون عاملا في نصف الأرض ببذره فكانت هذه إعارة نصف الأرض لا بشرط العمل
وأما حكمها فينقسم إلى قسمين :
القسم الأول : حكم المزارعة الصحيحة وهو ملك منفعة الأرض حالا والشركة في المتحصل من الزرع مالا وذلك لأن صاحب الأرض ملك العامل منفعة أرضه وهو اللزوم تارة وعدمه تارة أخرى فيكون العقد لازما على من لابذر عليه سواء كان صاحب الأرض أو العامل فإذا كان عقد المزارعة مشتملا على يكون البذر على صاحب الأرض فإنه لا يلزم بتنفيذه إلا إذا بذر الحب فعلا فأما قبل بذره فإن له أن يفسخ العقد بدون عذر خوفا من ضياع بذره بدون فائدة أما العامل الذي عليه فإنه يكون ملزما بتنفيذ العقد بمجرد تمامه بالإيجاب والقبول ولا يصح له فسخه بدون عذر فإذا كان العقد مشتملا على أن البذر على العامل كان الأمر بالعكس فلا يلزم بتنفيذه إلا إذا ألقى البذر فعلا فإذالا لم يذكر من عليه البذر صحيحا فإنه يكتفى بذكره ضمنا كأن يقول له دفعت إليك الأرض لتزرعها لى أو استأجرتك لتعمل في أرضي فإن في هذه الحالة
يكون البذر على رب الأرض بخلاف ما إذا قال دفعتها لك لتزرعها لنفسك فإن معنى هذا أن البذر يكون على العامل
القسم الثاني : حكم المزارعة الفاسدة وهو أمور :
أحهما : أن المزارع لا يجب عليه شيء من أعمال المزارعة فلا يلزم بشيء إلا بالعقد الصحيح
( يتبع . . . )

(3/9)


ثانيهما : أن البذر إن كان من قبل رب الأرض كان للعامل عليه أجر المثل وإن كان البذر من العامل لرب الأرض عليه أجر مثل أرضه ثم إن الذي يدفع البذر يكون له كل الخارج من الأرض فإن كان من قبل صاحب الأرض استحق الخارج ومفع للعامل أجر مثله الذي يستحقه على عمله فالخارج كله حلال له فلا بالبصدق بشيء منه أما إن كان البذر من قبل العامل واستحق الخارج من الأرض ودفع لرب الأرض أجرة مثل أرضه فالخارج كله لا يطيب له بل الذي يحل له أخه من الخارج هو قدر بذره وقدر أجرة الأرض التى دفعتها ويتصدق بما عن ذلك
ثالثهما : أن أجر المثل لا يجب في المزارعة الفاسدة مالم يوجد استعمال الأرض . فإذا لم يعمل المزارع في الأرض شيءا فلا يجب له أجر مثل العمل كما لا يجب عليه أجر مثل الأرض فإذا استعملت الأرض وجب أجر المثل وإن لم تخرج شيئا
( وبعد ) فإذا فسد عقد المزارعة في موضع من مواضع سواء كان فاسدا بإجماع أئمة المذاهبأو بعضهم وأراد الشريكين أن يطيب لهما الخارج فإنه يمكنهما ذلك بعمل ما يأتى : وهو أن يعزل كل واحد من الشريكين ( رب الأرض والمزارع ) نصيبه من المتحصل حسبما اتفقا ثم يقول رب الأرض للمزارع : قد وجب لي عليك أجر مثل الأرض ووجب لك علي أجر مثل عملك وعمل ثيرانك وقيمة بذرك فهل صالحتنى هذه الحنطة ( مشيرا إلى نصيب المزارع ) وعلى ما وجب لك علي مما وجب لى عليك ؟ فيقول المزارع : صالحت ثم يقول المزارع لرب الأرض : قد قد وجب لي عليك أجر مثل عملى وثورى وقيمة بذري ووجب لك علي مثل الأرض صالحتنى على هذه الحنطة ؟ ( مشيرا إلى نصيب رب الأرض ) وعما وجب لك على عما وجب لى عليك ؟ فيقول رب الأرض : صالحت
وحاصل ذلك أن يقرر كل منهما لصاحبه فب ما وجب له وما وجب عليه ويطلب منه مصالحته على أخذ النصيب المفروز من الغلة وأن يترك ما وجب له نظير ما وجب علبه وبذالك يطيب لكل منهما نصيبه من الغلة لأن الحق بينهما لا يتعداهما إلى غيرهما فمتى تراضيا فقد حل لكل واحد منهما نصيبه وفي ذلك سعة لا تخفى ويسر عظيم
المالكية - قالوا : ركن المزارعة ما به تنعقد على وجه صحيح وحكمهما الجواز إذا استوفت شرائطها
أما الزرع في ذاته سواء كان في مشاركة أو لا فهو كفاية لاحيساج الإنسان والحيوان إليه وهل يلزم عقد الشركة في المزارعة بمجرد الصيغة أو لا يلزم خلاف فبعضهم يقول : إنه ينعقد لازما بمجرد الصيغة وبعضهم يقول : إنها لا تلزم بمجرد ذلك بل لا بد بعد العقد طرح الحب على الأرض أو شتل الخضر كالبصل والخس أو وضع جذور القلقاس والقصب ونحو ذلك فالكل واحد من الشيركين بعد العقد أن يفسخه ويرجع عنه مالم يطرح الحب ونحوه انه يلزم بعد ذلك وليس له فسخه وبعضهم يقول : إنها تلزم بالعمل فإذا شقت الأرض بالحرث وسويت لزم العقد وإن لم يطرح الحب فالأقوال ثلاثة . الأول : أنها تلزم تلزم بالصيغة وحدها . الثانى : أنها تلزم بالصيغة والعمل من حرث الأرض في الأرض من حرث وتسوية . الثالث : أنها إلا إذا طرح البذر
ويشترط الأول : أن يشتمل العقد على كراء الأرض بشيء ممنوع وذلك بأن تجعل الأرض في مقابل البذر سواء كان طعاما كالقمح والذرة أو لا كالقطن وذلك لأنه يمتنع تأجير الأرض بما ينبت بها مطلقا إلا ما استثنى من الخشب ونحوه كما يأتى في الإجازة وكذلك يمنعون تأجير الأرض بالطعام وإن لم ينبت بها كالعسل وقد تقدم إيضاح ذلك في تعريف المزارعة قريبا
الشرط الثاني : أن يتساوى الشريكان في الربح بأن يأخذ كل واحد منهما بنسبة ما دفع من رأس المال فلا يجوز أن يدفع اصف النفقات الازمة ثم يأخذ الثلث نعم يصح لكل من الشريكين أن يتبرع لصاحبه بشيءمن حصته ولكن لا يصح ذلك إلا بعد أن يخرج كل واحد منهما ما التزم به كاملا وبعد أن يبذر البذر ويشترط أن لا يتقدم ذلك وعد ولا عادة
الشرط الثالث : خلط زريعة كل من الشريكين ببعضها والزريعة بتشديد الراء ( التفاوي ) سواء كانت حبا أو غيره كما تقدم
فإن كانت الزريعة من كلا الشريكين فإن المزارعة لا تصح إلا إذا خلط كل شيء منهما ما يخصه بما يخض صاحبه إما حقيقة بأن يضع كل منهما بذره على بذر الآخر أو حكما بأن يخرج كل منهما ما عليه إلى الأرض ( الغيظ ) ثم يبذر من هذا ومن ذاك بدون تمييز فإذا اختص أحدهما بالبذر من تقاويه في فدان خاص تفسد المزارعة وقال بعضهم : لا يشترط ذلك بل لو اختص كل واحد بفدان ببذره فأخذ الحب ويذره بدون أن يخلطه ببذر صاحبه فإنه يصح والقولان راجحان
الشرط الرابع أن يخرج كل واحد من الشريكين بذره مماثلا لبذر صاحبه في الجنس والنصف فلا يصح أن يخرج أحدهما قمحا والآخر فولا فسدت الشركة وكان لكل واحد ما انبته بذره وعليه يقول : إنه لازم وبعضهم إنه ليس بلازم فيصح أن يخرج أحدهما قمحا والآخر فولا
فالشرط المتفق على رجحانها اثنان : أن لا يشتمل العقد على تأجير الأرض بممنوع وان يتساوى الشريكان في الربح بحسب رأس المال وبعضهم يقول بجوار تاجير الأرض مما يخرج منها فتصح المزارعة عنده مطلقة وفي المالكية وفي ذلك سعة
الصورة الأولى من صور الصحيحة : هي أن يتساوى الشريكان أو الشركاء في الأرض والعمل والبذر وآلة الزرع والثيران وأن يتفقان على ان يأخذ كل واحد من الربح بقدر ما اخرجه وهذه الصورة جائزة بالتفاق وقد تم بيانها وهي جائزة عند الشافعية بلاخلاف
الصورة الثانية : أن تكون الأرض مملوكة لهما معا أو أرضا مباحة ليست ملكا لأحد ثم يتفقان على زرعها شركة وعلى أحدهما البذر وعاى الثانى العمل وهذه أيضا صحيحة وتصح عند الشافعية لو أن صاحب البذر جعل للشريك الآخر بعضا من البذر شائعا نظير عمل شريكه له فيما لصاحب البذر من الرض شائعا
الصورة الثالثة : أن تكون الأرض مملوكة لأحدهما ويكون عليه البذر أيضا نظير أن يكون على الآخر العمل باليد والبقر والآلة فقط . فسيأتى وهذه أيضا جائزة إذا كانت لها قيمة
الصورة الرابعة : أن تكون مملوكة لأحدهما وعليه بعض البذر وعلى الشريك الاخر العمل وبعض البذر وهذه الصورة تصح بشرط أن لا ينقص ما يأخذه العامل من الزرع عن نسبة ما دفعه من البذر بل لا بد أن تكون حصة مستوية لما دفعه أو زائدة عليه
مثال ذلك : أن يخرج رب الأرض ثلثي البذر ويخرج العامل الثث ثم يشترط أن يكون للعامل نصف الربع أو ثلثه فإذا اشترط النصف فقد أخذ أكثر من نسبة بذره لأنه أخرج الثلث ولإذا اشترط الثلث فقد أخذ ما يساوى بذره أما إذا اشترط له الربع فإن المزارعة تفسد
الصورة الخامسة : أن تكون الأرض مملوكة لأحدهما وعليه البذر والبقر والآلة وعلى هذا الشريك الثانى العمل فقط وهذه الصورة نعروفة بمسألة الخماس وقد اختلف في صحتها والراجح أنها تصح إذا كان العقد بلفظ الشركة على أن يكون للعامل جزء من الربح أو الخمس أما إذا كان العقد بلفظ الإجازة أو لم ينص على الشركة والإجازة فإنه يكون فاسدا الإجازة بجزء مجهول لا تجوز وعدم النص يحمل على الإجازة وبعضهم يقول إنها ولو وقعت بلفظ الشركة
وأما صور الفساد فمنها : أن يتفقا على إسقاط الأرض من الحساب ويستويان فيما عدا ذلك من بذر وعمل ونحوهما كما يستويان في الربح . وهذه فاسدة لأن إلغاء الأرض التى لها قيمة توجب التفاوت بين الشريكين فلا يكون أحدهما مساويا لصاحبه في رأس المال أما إذا كانت الأرض رخيصة لا قيمة لها فإن إلغاءها جائز
ومنها : أن يكون لأحدهما أرض رخيصة لا قيمة لها وعليه العمل ويكون على الثاني البذر وهذه فاسدة لأن بعض البذر في هذه الحال يكون واقعا في مقابلة الأرض وقد عرفت أن ذلك ممنوع . وقد يقال إن الأرض الرخيصة يصح إلغاؤها كما ذكر في الصور التى قبلها والجواب أن البذر لم يقع في الصورة الولى مقابل الأرض لأنك قد عرفت أنهما متساويان في البذر وفي كل شيء ما عدا الأرض فإنها أسقطاها من الحساب
ومنها : أن تكون احدهما الأرض وبعض البذر ويخرج الاخر العمل وبعض البذر ويأخذ العامل الربح أنقص من نسبة بذره كما تقدم في الصورة الرابعة
ومنها : أن تكون مملوكة لهما معا وأخرج كل واحد منهما نصيبا من البذر واختص أحدهما بالعمل وهذه الصورة ممنوعة للتفاوت في رأس المال لأن الذي اختص بالعمل وحده يكون زائدا فيما أخرجه عن الآخر فإذا اشترطا التساوى في الربح بعد ذلك كله كان إجحافا بالذي
عليه العمل وقد علمت بطلانه
ومنها : أن يتساوى الشريكان في الجمع ولكن أحدهما يسلف الآخر البذر لأن السلف في هذه الحالة يكون في نظير منفعة المقترض بالزرع والسلف الذي يجر نفعا لا يجوز
أما أحكام المزارعة الفاسدة فهي على وجهين :
الوجه الأول : أن يعرف الفساد قبل الشروع في العمل وحكم هذا الوجه ان العقد يفسخ وتنتهى المسألة
الوجه الثاني : أن لا يعرف الفساد الا بعد العمل ويشتمل هذا الوجه على ست صور :
الصورة الأولى : أن يشترك المتعاقدان معا في العمل سواء كان عمل كل واحد منهما مساويا لعمل الآخر أو كان أكثر أو أقل على المعتمد وأن تكون الأرض من أحدهما والبذر على الاخر وحكم هذه الصورة أن يقسم الزرع بينهما نصفين فيأخذ كل واحد نصفه ثم يرجع كل منهما على صاحبه بنصف ما دفعه من رأس المال فيأخذ صاحب البذر من صاحب الأرض مثل نصف بذره ويأخذ صاحب الأرض من البذر نصف كراء أرضه ولا يخفى أن فساد هذه الصورة إنما جاء من جعل البذر مقابلا للأرض وهو ممنوع لأنه لا يجوز تأخير الأرض بالطعام كما تقدم قريبا
الصورة الثانية : أن يشترك المتعاقدان في العمل ولكن ليس لأحدهما سوى العمل أما البذر والأرض وآلات الزرع فللآخر هذه مسألة الخماس المتقدمة وقد عرفت انها لا تكون فاسدة إىلا إذا كان العقد بلفظ الإجارة لا بلفظ الشركة أو أطلق عن ذكر الشركة والإجارة أما إذا ذكر بلفظ الشركة فإنه يكون صحيحا على الراجح وحكم هذه الصورة إذا كان العقد فاسدا ( بأن ذكر فيه لفظ الإشارة او لم يذكر شيء ) أن لا يكون للعامل من الزرع شيء وإنما يكون له اجر مثله في عمله
الصورة الثالثة : أن ينفرد أحد الشريكين بالعمل وأن يكون له مع عمله البذر أما الأرض فتكون للاخر وحكم هذه الصورة أن يكون الزرع للعامل وعليه أجر مثل الأرض وإنما فسدت هذه الصورة لأن الأرض وقعت في مقابلة العمل والبذر فيكون جزء من الأرض في مقابل العمل والجزء الآخر في مقابل البذر وقد عرفت أنه لا يجوز
الصورة الرابعة : أن ينفرد أحدهما بالعمل وأن يكون له مع عمله الأرض أما البذر فلشريكه وحكم هذه كسابقتها وهو أن الزرع يكون للعامل وعليه أن يدفع مثل بذر لصاحبه
وإنما فسدت هذه الصورة لأن البذر جعل في مقابل الأرض والعمل فكان جزء منه للأرض وجزء مقابلا للعمل وقد علمت أنه لا يجوز
الصورة الخامسة : أن ينفرد أحدهما بالعمل وتكون الأرض والبذر لهما وحكم هذه الصورة أن يكون الزرع للعامل أيضا وعليه أن يدفع لشريكه مثل بذره ومثل أرضه وفساد هذه الصورة أن يكون الزرع للعامل أيضا وعليه أن يدفع لشريكه مثل بذره ومثل كراء أرضه وفساد الصورة أن يكون المساواة لأن الذي ينفرد بالعمل يكون مظلوما كما تقدم
الصورة السادسة : أن ينفرد أحدهما بالعمل ولا يكون له شيء سوى عمله كما تقدم بل تكون الأرض والبذر وآلة الزرع للآخر وفي هذه الحالة لا يكون للعامل سوى أجرة عمله كما تقدم وكل ما تقدم من الصور مبنى على المختار المرتضى وفيه أقوال اخرى لا حاجة بنا إلى إيرادها
الحنابلة - قالوا : ركن المزارعة الإيجاب والقبول فأما الإيجاب فإنه لا يصح بكل لفظ يدل على المعنى المقصود كأن يقول به زارعتك على أراضي هذه أو دفعت إليك لتزرعها بنصف ثمرتها أو نحو ذلك
وتصح المزارعة بلفظ الإجازة فلو قال استاجرتك على أن تعمل في أرضى بنصف الزرع الذي يخرج منه أو على أن تعمل في بستانى بنصف ثمرته . أو زرعه فإنه يصح أيضا بما يدل عليه من قول أو فعل فلو استلم الأرض شرع في العمل بدون أن يتكلم فإن يعد قابلا
وهو عقد جائز غير لازم فيصح لكل من الطرفين فسخه ولو بعد إلقاء البذر فإن فسخها رب الأرض فإنه يلزمه أن يدفع للعامل أجرة عمله
ويشترط لصحة العقد أمور أحدها أهلية العاقد فلا يصح من مجنون وصغير ولا يميز كما تقدم في البيع . ثانيها : معرفة جنس البذر وقدره فلا يصح العقد إذا كان البذر مجهولا . ثالثهما : تعيين الأرض وبيان مساحتها رابعها : تعيين النوع الذي يراد زرعه فلو قال رب الأرض للعامل إن زرعتها شعيرا فلك الربع وإن زرعتها حنطة فلك النصف لم يصح لوجود الجهالة ومثل ذلك ما إذا قال ما زرعته من شعير فلى نصفه وما زرعته من قمح فلى ثلثه ولم يبين مساحة المزروع من كل منها فإنه لا يصح
ولا يشترط أن يكون البذر من صاحب الأرض على الصحيح إنما الشرط أن يدفع كل واحد منها رأس مال فيصح أن يدفع احدهما الأرض فقط ويكون على الاخر البذر والبقر والعمل كما يصح أن يكون البذر أو البقر أو هما على صاحب الأرض وعلى الآخر وهكذا
ويشترط أن يكون نصيب كل منهما شائعا كالنصف أو الثلث أو نحو ذلك فإن شرط أحدهما ان يكون له عدد معبن كإرردبين أو ثلاثا فإنه لا يصح وحكم الفاسدة أن الزرع يكون لصاحب البذر وعليه أجرة العامل
وإذا كان لشخص فدان أرض فأعطاه لعامل على أن يزرعه بنصف غلته ولكن قال له صاحب الأرض إنني آجرتك نصف آجرتك نصف الفدان بنصف البذر اللازم للفدان ونصف منفعتك ومنفعة دوابك فيكون للعامل نصف الفدان في نظير نصف البذر الذي وضع في النصف الثانى ونصف منفعة العامل اللازمة له فإن ذلك لا يصح لأن المنفعة وجهولة نعم إذا أمكن ضبطها وتقديرها فإنه يصح
وإذا شرط المزارع أن يأخذ رب الأرض مثل بذره ثم يقسم الباقى فلا يصح . لأنه بمنزلة اشتراط عدد من الأرادب
( يتبع . . . )

(3/10)


( تابع . . . 2 ) : - للمزارعة بالمعنى المتقدم أركان وشروط وحكم وكلها مبنية ئفي المذاهب
الشافعية - قالوا : المزارعة بمعنى تأجير الأرض بما يخرج منها أو تاجير العامل بما يخرج من الأرض فاسدة فإذا عمل المزارع في أرض بناء على ذلك العقد الفاسد فإن الخارج من غلتها يكون لمالكها وعليه أجر العامل وقيمة ما أنفقه على الأرض
وقد عرفت أن المزارعة أن المزارعة بذلك المعنى يصح تبعا للمساقاة وذلك بأن يدفع أحد الملاك أرضه المغروسة نخلا أو بها كرم عنب للهامل أن يقوم على تنميتها بسقيها والمحافظة عليها في نظير جزء معين من ثمرتها وهذا هو عقد المساقاة فإذا كان بتلك الأرض التى عليها النخل والكوم فراغا صالحا لزرعه حبوبا ونحوها فإنه يصح تأجيره ببعض الخارج من غلته ولكن بشروط :
الأول : أن يكون عقد المساقاة وعقد المزارعة واحد فلو انفراد كل منهما بعقد فسد المزارعة على المعتمد
الثاني : أن لا يفصل بين المزارعة والمساقاة فاصل حال العقد كأن يتعاقدا على المساقاة ثم يصبرا زمنا طويلا يفهم منه أنه قد تم التعاقد بينهما ثم يشرع بعد ذلك في عقد المزارعة
الثالث : أن تتقدم المسافاقاة على المزارعة في العقد كي يعلم أن المساقاة هي المقصودة وان المزارعة تابعة لها
الرابع : أن يكون عامل المساقاة هو بعينه عامل المزارعة وزاد بعضهم شرطا خامسا وهو : أن يتعذر تنفيذ عقد المساواة بدون زرع الأرض وذلك بأن يمكن سقى الشجر أو النخل وحده اما إذا أمكن فإنه يصح تأجير الأرض المتصلة به مزارعة ولكن المعتمد أن هذا الشرط غير لازم
على أنهم قالوا : غن المزارعة يمكن تحصيلها في صور أخرى ليس فيها تأجير الأرض بما يخرج منها
منها : أن يخرج المالك الأرض والبذر ثم يعطى الأرض مشاعا إعارة ويستأجره على العمل في نصف الأرض المشاع الباقي له بنصف البذر العامل في نصف الأرض الذي استعار فإذا عمل العامل في الأرض على هذا التعاقد استحق نصف الخارج منها ولا يكون فيه استاجار الأرض ببعض الخارج . لأن المالك في هذه الحالة يكون قد استأجر بالبذر الذي بذره
ومنها : أن يشترك المالك والعامل في رأس المال كأن يدفع المالك الأرض ويقوم المزارع بالعمل والدواب اللازمة على أن تكون قيمة اجرة الأرض مساوية لما يقوم به المزارع وهذه الصورة إنما تصح بثلاثة شروط
الشرط الأول : أن يكون البذر من منهما وذلك لأن نصيب كل منهما في الغلة يتبع البذر الذي أخرجه
الشرط الثاني : أن يأخذ كال واحد منهما نصيبا مساويا لما دفعه فإذا كانت أجرة الأرض تساوي ثلث الخارج فلا يصح أن يشترط أخذ النصف
الشرط الثالث : أن يقول المالك للعامل قد نصف الأرض بنصف العمل والبقر حتى لا يوجد تاجير الأرض بما يخرج منها
ومنها : أن يقرض المالك العامل نصف البذر مثلا ثم يؤجر له نصف الأرض شائعا بنصف عمله ونصيب منافع دوابه التى تعمل في الزرع وهذه المنافع وإن كانت مجهولة في ظاهرها إلا انها منضبطة في المادة والعرف )

(3/11)


دليل المزارعة

(3/12)


- أما دليل صحة المزارعة فهو مأخوذ من السنة الصحيحة فمن ذلك ما رواه ابن عمر قال : عامل النبي صلى الله عليه و سلم أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع . متفق عليه
وروى عن أبى جعفر محمد بن على بن الحسين بن على ثم أهلوها إلى اليوم يعطون الثلث أو الربع . فقد عمل الخلفاء الراشدون بالمزارعة ولم ينكر عليهم أحد فكان كالإجماع
هذا هو دليل المزارعة المشهور وهو يحتمل أمرين :
الأول : أن يكون ذلك مختصا بالأرض المزروعة نخلا كما هو الشأن في أرض خيبر
الثاني : أن يكون ذلك عاما في كل أرض سواء كانت مغروسة أولا
وقد اختلفت وجهة نظر المجتهدين على بناء هذا الاحتمال فمن منع المزارعة بمعنى تأجير الأرض بما يخرج منها أو تاجير العامل بما يخرج من الأرض تمسك بالأحاديث الدالة على النهى عن تاجير الأرض بما يخرج منها أو تأجير العامل بما ينتج من عمله لأن ذلك تأجير بمجهول لجواز أن لا تخرج الأرض شيئا من الزرع فيضيع على العامل عمله
والشريعة الإسلامية تحث الناس دائما على أن تكون معاملتهم واضحة جلية حتى ترتفع من بينهم أسباب الشكوى والخصام وتحث أيضا على الرفق بالعامل فلا يصح أن تجعل عمله معلقا في ميزان القدر بل لا بد أن يكون ضامنا لشيجة وجهوده وكده وبيان ما سيحصل عليه من أجر
أما ما ورد في حديث ابن عمر ونحو بأرض خيبر وهي مزروعة نخلا له ثمر معروف فكان العامل على تنميتها وسقيها وهو واثق من نتتيجة عمله وهذه هى المسافاة التى سيأتى بيانها ولا خلاف في جوازها فلا يصح أن يقاس عليها الأرض التي لا زرع بها أصلا أو الأرض التي ينبت بها ضعيف
أما من اجاز المزارعة بالمعنى المذكور وهو تأجير الأرض بما يخرج منها فقد رأى أن الحديث عام وليس فيه ما يدل على الجواز خاص بهذه الأرض بدون غيرها ولأن العلة وهي كون الأجرة مجهولة موجودة أيضا في المساقاة فإنه يجوز أن لا يجوز أن لا يثمر النخل أو يشيص أو تجتاحه آفة فيضيع على العامل عمله
على أن الذي منع المزارعة بالمعنى النتقدم أجازها تبعا للمساقاة وفيها تاجير الأرض بمجهول على أى حال . وحينئذ تكون المزارعة مستثناة من منع التأجير بمجهول كالمساقاة لما في ذلك من مصلحة الناس وعدم الحرج فإن بعضهم قد يملك أرضا وليس له قدرة على زرعها ولا يجد من يستأجرها : وبعضهم لا يملك أرضا ولكن له قدرة على الزرع ويرغب في زرع الأرض على أن يكون لكل منهما نصيب شائع معلوم مما يخرج منها فإذا منعنا ذلك فقد أضعنا على الفريقين مصلحة وضيقنا عليهما مما يخرج منها فإذا منعنا ذلك فقد أضعنا على الفريقين مصلحة وضيقنا عليهما ما فيه سعة وليس للشريعة الإسلامية غرض في ذلك إنما غرضها مصلحة الناس وراحتهم والتوسعة عليهم
هذا بيان وجهة نظر كل من الأئمة المتازعين في جواز المزارعة ( أو تأجير الأرض بما يخرج منها ومنعه ) وبديهي أن كل واحد من الفريقين إنما يبحث في تفكيره عن المصلحة التي تنشدها الشريعة الإسلامية ويناضل عن تفكيره عن المصلحة التى تنقضي إلى الحصول على تلك المصلحة والبعد عن الضرر الذي يلحق العامل الضعيف أو يصيب غيره
وإذا كان الحال على ما ذكر فإنه يمكننا أن نطبق رأي الفريقين على ما هو واقع في زماننا وأن نختار ما هو مناسب لمصالح الناس ومنافعهم
فمن الناس من ينتهز فرصة حاجة العامل الشديد إلى العمل فلا يعطي له أرضه إذا غبته غبا
فاحشا وأرهقه إرهاقا شديدا فإذا ما دفعته الحاجة إلى العمل مزارعة في تلك الأرض كانت نتيجة عمله للمالك خاصة فيستولى على غلتها فوق ما يفرضه عليه من مال وعمل وهذا لا يجوز في نظر الشريعة الإسلامية التي توجب مساعدة المضطر ومعونة العامل الضعيف . فلهذا ينبغي تحذير الناس من المزارعة التي يترتب عليها حرمان العامل من كده واستغلال المالك إياه لحاجته . وعند ذلك يفتى برأي المالكية الذين يشترطون المساواة في الربح بنسبة ما قام به كل من الشريكين من عمل أو أرض أو نحوهما حتى لا يطمع أحدهما في صاحبه
أما إذا كانت عاطفة الخير متبادلة بين الناس وكل من الشريكين لا يريد إلا أن ينتفع بما يستحقه من أرض أو عمل فلا ينبغي أحدهما على صاحبه ولا يغنيه في أمر ولا يخونه في عمل وكانت المصلحة تقتضي العمل في الأرض مزارعة بقسمة ما يخرج من غلتها فإنه في هذه الحالة يفتى برأي من أجاز تأجير الأرض بما يخرج منها بدون نظر إلى القيود التي ذكرها الفريق الآخر

(3/13)


مباحث المساقاة

(3/14)


تعريفها وشروطها وأركانها وما يتعلق بها

(3/15)


- المساقاة في اللغة مشتقة من السقي . وهي استعمال شخص في نخيل أو كروم أو غيرها لإصلاحها على سهم معلوم من غلتها ذلك هو المعنى اللغوي وهو مساو للمعنى الشرعي إلا أن المعنى الشرعي يشتمل على شرائط خاصة يترتب عليها صحة العقد بخلاف المعنى اللغوي فالمغايرة بينهما من هذه الناحية ثم إن المساقاة مفاعلة والقياس أن يكون مصدرها وهو السقي واقعا بين اثنين مع أنه هنا واقع من العامل وحده وأجيب بأنها على غير بابها أو أنها لوحظ فيها التعاقد وهو أعماله خصوصا إذا كان بالدلاء من بئر عميق فإن السقي يكون شاقا
كل المشقة فلا تكاد الأعمال الأخرى تذكر بجانبه
أما معنى المساقاة اصطلاحا فهو عقد على خدمة شجر ونخل وزرع ونحو ذلك يشرائط مخصوصة في المذاهب ( 1 )
_________
( 1 ) ( المالكية - قالوا : ما ينبت بالأرض ينقسم إلى خمسة أقسام :
الأول : ان يكون له أصل ثابت وله ثمرة تجنى مع بقاء ذلك الأصل زمنا طويلا كالنخل وشجر العنب والتين والبرتقال والمانجو ونحو ذلك
الثاني : أن يكون له أصل ثابت ليس له ثمر يجنى كاللأثل والصنوبر والصفصاف ونحو ذلك
الثالث : أن يكون له أصل غير ثابت وله ثمر يجنى كالموز والمقشأة ( المقات من بطيخ وعجوز وقثاء ونحو ذلك ) ومن المقثأة القرع ومثلها الباميا وقصب السكر ونحو ذلك
الرابع : أن يكون له أصل غير ثابت يجنى ولكن له زرع وورق يبتفع به وذلك كالورد والياسمين ونحو ذلك
الخامس : الخضر الرطبة التي يقصد الأنتفاع لا بثمرها وهي على قسمين : ما يقلع من جذوره ولا خلفة له كالبصل والثوم والفحل ونحوها مما لا ينبت غيره بعد قلعة . وما له خلفة كالكراث والكزبرة
والجرجير والبقدونس والبرسيم ونحو ذلك مما يقطع وتبقى أصوله فتنبت ثانية ولكل قسم من هذه المساقاة عليه شرطان
الشرط الأول : أن يكون الشجر أو النخل قد غرسه زمن حتى صار بالغا لأن يثمر في عامه الذي وقع فيع العقد سواء كان ذلك الثمر موجودا وقت العقد أو لم يكون موجودا أما إذا كان صغيرا كالنخل الصغير الذي لم ( يطرح ) في العام الذي حصل فيه التعاقد فإن المساواة لا يصح عليه ويسمون النخل الصغير الذي لم يبلغ فهل يصح العقد على الصغير تبعا للكبير ؟
والجواب : أنه إذا كان عدد الصغير قليلا بحيث لا يتجاوز الثلث فإنه يصح . أما إذا كان عدد الصغير أكثر من الثلث فإن العقد يكون فاسدا
الشرط الثاني : أنه إذا كان على النخل أو الشجر ثمر العقد فإنه يشترط أن يكون ذلك الثمر صغيرا لم يظهر صلاحه وظهور الصلاح في كل شيء بحبسه ففي البلح باحمراره أو اصفراره وفي غيره بظهور الحلاوة به فإذا ظهر صلاحه فإنه لا يصح عقد المساقاة عليه في هذه الحالة لأن الشجر يكون مستغنيا عن الخدمة حينئذ
وبعض أئمة المالكية يقول بصحة العقد على أنه إجارة لأن الإجارة عنده بلفظ المساقاة فإذا أراد المالك أن يتعاقد مع العامل على خدمة بستان به شجر قد ظهر صلاح ثمره فهل يصح التعاقد ؟
والجواب أنه يصح بشرطين :
أحدهما : أن يكون الشجر الذي ظهر صلاحه أقل من الذي لم يظهر بحيث لا يزيد عن ثلثه كما تقدم في الذي قبله
ثانيهما : أن يكون الشجر أنواعا مختلفة كنخل ورمان ويكون النوع الذي ظهر صلاحه غير النوع الذي لم يظهر صلاحه فإذا ظهر بعض صلاح البلح مثلا ولم يظهر بعض صلاح الرمان وكان الذي ظهر صلاحه من البلح أقل مما لم يظهر فإنه يصح
أما إذا كان الشجر نوعا واحدا كنخل فقط وظهر بعض صلاح ثمره فإن جميع النخل في هذه الحالة يحل بيعه فالذي لم يظهر صلاحه يكون في حكم ما ظهر صلاحه وكذلك إذا كان الشجر الذي بالبستان نوعين فأكثر ثم ظهر صلاح كل نوع منه سواء كان قليلا فإنه في هذه الحالة يدل على صلاح الجميع
وحكم ما يدل في العقد تبعا أن يكون بين المالك والعامل فإذا شرط أن ينفرد به أحدهما بطل العقد
وهناك شرط ثالثفيما له أصل وله ثمر يجنى وذلك الشرط هو أن يكون الشجر مما لا يخلف والإخلاف له معنيان معنى في الشجر ومعنى في الزرع فمعناه في الشجر هو أن ينبت بجانب الثمرة التي استوت قبل قطعتها شجرة أخرى جديدة مثمرة كالموز فإنه بعد أن تثمر شجرة الموز تنبت إلى جانبها شجرة أخرى تثمر قبل قطع الأولى وهكذا ومعهناه في الزرع هو أن ينبت له خلف بعد قطعة كالبرسيم ونحوه مما تقدم وحكم الشجر الذي يخلف بعد قطعه أنه لا تصح مساقاته لما فيه من الجهالة وعدم معرفة ما يتفرغ من الشجر الذي يخلف بعد القطع كشجر النبق وغيره ( فإن معظم شجره ينبت ثانيا إذا قطع وبقي أصله ) فإن المساقاة تصح عليه وحكم الزرع الذي يخلف أنه لا تصح عليه المساقاة كما ستعرفه
وأما القسم الثاني : وهو ماله أصل ثابت وليس له ثمر يجنى فإن المساقاة لا تصح عليه
واما القسم الثالث : وهو ماله أصل غير ثابت وله ثمر يجنى كالمقثاة وكذلك القسم الخامس وهو الخضر الرطبة فإنه لا تصح المساقاة عليها إلا بخمسة شروط :
الشرط الأول : أن يكون مما لا يخلف مما لا يخلف بعد قطعة المساقاة في البصل والفحل والخس والجزر ( والمقات ) فإنها لا تنبت غيره بعد قطعه وكل ما يقلع من أصول ولا يترك أصله حتى ينبت ثانيا كالبرسيم والكراث والكزبرة والبقل ونحوها فإنه لا تصح عليها المساقاة
الشرط الثاني : أن يعجز صاحبه عن تمام سقيه وخدمته فإن أمكنه أن بخدم مقثأته وبصله وفجله فإنه لا يصح أن يتعاقد مع غيره على أن يتم له خدمته بجزء منه
الشرط الثالث : أن يخاف موته إذا لم يتعاقد مع غيره على سقيه
الشرط الرابع : أن يكون قد برز من الأرض ليكون شبيها بالشجر
الشرط الخامس : أن لا يكون صلاحه قد ظهر فإن لم تتحقق هذه الشروط في ذلك القسم فإنه لا تصح المساقاة عليه
وأما القسم الرابع : وهو ماله أصل غير ثابت ولكن له زهر وورق ينتفع به كالورد والياسمين فإنه كالشجر فلا يشترط فيه عجز صاحبه عن سقيه وإنما يشترط فيه الشروط التي ذكرت أولا في الشجر واختلف في القطن الذي يجنى مرة بعد أخرى وكذلك العصفر فقيل إنه يشترط فيه الشروط الخمسة المتعلقة بالزرع وهو الراجح وقيل هو كالشجر فلا يشترط فيه سوى الشجر
ولا يشترط في المساقاة أن يكون الزرع محتاجا للسقي فلو فرض وكانت الأرض ندية والشجر يشرب بعروقه منها بدون حاجة إلى سقي فإنه يصح عقد المساقاة لأن الشجر يحتاج إلى خدمة كثيرة غير القي وحراسته وخدمة الأرض التي علها وهذا كاف في صحة العقد ويسمى
الزرع الذي لا يجتاج إلى الماء بعلا
وكذلك لا يشترط في المساقاة أن تكون بجزء الثمرة بل تصح بجزء الثمرة وبجميعها فلو اشترط العامل أن تكون الثمرة كلها في نظير خدمته فإنه يصح وكذلك إذا اشترط ذلك المالك إنما الذي يشترط من ذلك أن يعين عدد مخصوص أو يعين ثمرة نخلة مخصوصة كأن يقول المالك للعامل ساقيتك على بستاني هذا بشرط أن يكون لي عشرون كيلة من بلحه أو بشرط أن يكون لي بلح نخلة كذا يصح أن يجعل نصيب أحدهما شائعا في بعض النخل أو الشجر كما لا يصح أن يكون نصيبه مجهولا كأن يكتفي في عينيه بالعرف إذا كان الناس لهم عرف في مثل ذلك
وكذلك يشترط أن يكون الجزء الذي يخص كلا منهما مستويا في جميع أشجار البستان فإذا كان البستان نخل ورمان وعنب واتفقا على خدمته بالثلث فإنه يجب أن يكون الثلث شائعا في الجميع فلا يصح أن يكون في النخل الثلث وفي غيره الربع مثلا ويفي هذا الشرط اشتراط شيوع النصيب في جميع الأشجار لأنه إذا كان له الثلث شائعا فلا بد أن يكون في كل أنواع الشجر بنسبة واحدة ولكن دكرناه لزيادة الإيضاح
فالشروط المختصة بنصيب كل من المالك والعامل ثلاثة :
أحدهما : ان يكون معينا كالربع او الثلث أو نحو ذلك سواء كان تعينه بالنص لفظا أو بعادة أهل البلد
ثانيهما : أن يكون شائعا مستويا في جميع الأشجار
ثالثهما : أن لا يعين قدر مخصوص كعشرين كيلة أو يعين ثمن شجر مخصوص
هذه هي شروط صحة المساقاة
وأما شروط المفسدة لها فمنها : أن يشترط المالك إخراج الخدم أو الدواب الموجود في البستان حين التعاقد فإذا لم يشترط ذلك ثم أخرجها بدون شرط فإن العقد لا يفسد . وكذلك إذا أخرجها قبل التعاقد ولو كان إخراجها بعد العزم على العقد
ومنها : أن يشترط تجديد شيء في البستان لم يكن موجودا حين العقد كبناء حائط أو غرس شجر فإذا جدد أحدهما شيئا من نفسه بدون شرط فإنه لا يضر
ومنها : أن يشترط أحدهما على الآخر القيام بعمل خارج عن خدمة الشجر كأن يشترط أحدهما على صاحبه خدمة بيته او القيام بطحن غلته او نحو ذلك
وعلى العامل أن يقوم بجميع ما يحتاج إليه البستان عرفا ولو بعد انتهاء مدة المساقاة كتلقيح الشجر وتنقية من الحشائش الضارة وإحضار ما رث من حبال ودلاء لازمة للسقي وهكذا وعلى المالك أن يدفع أجرة الخدم الذين كانوا في البستان حين التعاقد وأن يجدد بدل من يمرض منهم
واما أركلنها فهي أربعة : الأول : ما يتعلق بالعقد من شجر وعامل ومالك . الثاني : المشروط للعامل . الثالث : العمل . الرابع : ما به تنعقد من الصيغة وتنعقد بلفظ ساقيت بخصوصه على رأي بعضهم وتنعقد به زبلفظ عاملت ونحوه على رأي البعض الآخر وهو الراجح
الحنفية - قالوا : المساقاة وتسمى المعاملة تصح في كل نبات يبقى في الأرض سنة فأكثر فتصح في الشجر الكبير كشجر النبق ( النخل ) ونحوهما وكذلك تصح في الزرع سواء كان خضرا كالراث والسلق والجرجير ونحو ذلك وتسمى بالبقول . أو كان ( مقثأة ) كالبطيخ والعجور
والقثاء والشمام ونحو ذلك ومنه القرع ومثله الباذنجان والباميا أو كان شجر كروم كالعنب والرمان والسفرجل ونحو ذلك ويسمى ذلك كله بالرطب جمع رطبة كقصعة وقصاع ولا يشترط في الشجر أن يكون مثمرا فتصح في الصفصاف والجوز والصنوبر والأثل ونحوها بشرط
أن تكون في حاجة إلى السقي والحفظ فإذا لم تحتج لذلك فلا تصح عليها المساقاة . وركنها الإيجاب والقبول وذلك بأن يقول له دفعت إليك هذا البستان مساقاة فيقول العامل قبلت
ويشترط لها أمور ومنها : أن يكون العاقدان عاقلين ولو يكونا بالغين
ومنها : انهما إذا تعاقدا على شجر مثمر يزيد بالعمل فيه فإذا كان فيه طلع أو فيه ثمر قد احمر أو اخضر أو اصفر ولكنه لم يستو فإنه تصح مساقاته أما إذا كان قد استوى وأصبح صالحا للجني ولكن ينقصه أن يكون رطبا فإن مساقاته لا تصح
ومنها : أن يكون الخارج من الثمر لهما فلا يصح أن يكون لواحد منهما فقط
ومنها : ان تكون حصة كل واحد منهما معلومة القدر كالثلث أو الربع أو نحوهما
ومنهما : أن تكون شائعة في جميع الشجر
ومنها : التسليم للعامل وهو أن يخلى بينه وبين الشجر فلو اشترطا أن يكون العمل عليهما معا فسد العقد
ولا يشترط في صحة المساقاة بيان المدة فإذا تعاقدا بدون بيان مدة فإن العقد يصح ويقع على أول ثمرة تخرج بعد العقد فإذا تعاقدا على خدمة كرم وليس لثمرته مدة يعرف فيها ابتداؤه وانتهاؤه فإنه لا يصح اما إذا كانت له مدة تعلم فإنه يصح
وأما الشروط المفسدة لعقد المساقاة فمنها : كون الخارج كله لأحدهما . ومنها أن يكون لأحدهما نصيب معلوم العدد أو الكيل العدد أو الكيل كأن يشترط أن يكون كيلة من الثمر ونحو ذلك
ومنها شرط العمل على صاحب الأرض لأو عليهما معا لما عرفت
ومنها : أن يشترط على أحدهما حمل الثمر وحفظه بعد قسمته لأن بعد القسمة يكون كل واحد مسؤولا عن نصيبه
ومنها : شرط قطع الثمر أو قطفه على العامل وحده . ومنها : شرط عمل تبقى منفعته بعد انتهاء مدة المساقاة كبناء حائط أو غرس أشجار أو نحو ذلك ومنها أن يكون نصيب تابعا للعمل فلو تعاقدا على أن يخدم العامل ليأخذ ثلث ثمره ويأخذ المالك الثلث الثاني ويأخذ شخص
ثالث لم يعمل الثلث الآخر لم يصح العقد
ويتعلق بالمساقاة أحكام :
منها : أن ما يحتاج إليه الشجر ونحوه من السقي وإصلاح الترع والحفظ وتلقيح النخل وتنقية الحشائش ونحو ذلك فإنه يلزم به العامل . أما ما يحتاج إليه الشجر من النفقة وما تحتاج إليه الأرض من تقليب ويسمى " عزقا " أو سباخ أو نحو ذلك من النفقات المطلوبة لإصلاح الأرض والشجر لينمو الثمر ويزيد فإنه يكون عليهما بحسب نصيب كل منهما
ومنها : أن يقسم الخارج بينهما بحسب الشرط
ومنها : أنه إذا لم يخرج الشجر شيئا فلا شيء لواحد منهما على الأخر
ومنها : عقد المسا قاة لازم من الجانبين فلا يضح لأحدهما فسخة بعد تمامه من غير رضا صاحبه إلا لعذر كمرض العامل إذا كان يضعه عن العمل أو تبين للمالك أن العامل سارق معروف با لسرقة فإن له أن يفسخ التعاقد معه . وتفسخ بموت المتعاقدين أو أحدهما وبانقضاء المدة
ومنها : أن العامل يجبر على العمل إلا لعذر
ومنها : جواز الزيادة على الشرط والحط منه
وأما المساقاة الفاسدة فحكمها أن الخارج يكون كله للمالك وأن للعامل أجر مثله سواء أخرج الشجر ثمرا أولا . وصفة عقد المساقاة أنه لازم كما عرفت
وبالجملة فشرائط عقد المزارعة إلا فيما لا يمكن وجوده في المساقاة كبيان نوع البذر . وحكمها وهو الصحة على المفتى به خلافا للإمام الذي يقول بعدم صحة المساقاة كالمزارعة
ولكن يفرق بين المساقاة والمزارعة بأربعة أمور :
الأول : أن يعقد المساقاة لزم فلا يصح لأحدهما فسخة بعد الإيجاب والقبول بخلاف عقد المزارعة فإنه لا يلزم في جانب صاحب البذر إلا ألقي بالأرض كما تقدم
( يتبع . . . )

(3/16)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية