صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : تهذيب الكمال
المؤلف : جمال الدين ابى الحجاج يوسف المزي
مصدر الكتاب : الإنترنت
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]

تهذيب الكمال في أسماء الرجال
للحافظ المتقين جمال الدين ابى يوسف المزى
(654 - 742 هـ)

المجلد الأول

الدكتور بشار عواد معروف
مؤسسة الرسالة

(1/1)


جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الرابعة
1406 - 1985 م

(1/2)


تهذيب الكمال في اسماء الرجال
للحافظ المتقن جمال الدين أبي الحجاج يوسف المزي
(654، 742 هـ)

المجلد الاول

حققه، وضبطه نصه، وعلق عليه
الدكتور بشار عواد معروف
أستاذ ورئيس قسم التاريخ بكلية الآداب جامعة بغداد
موسسة الرسالة

(1/3)


بسم الله الرحمن الرحيم

(1/4)


قالوا في الإمام المزي 1
ووجدت بدمشق من أهل العلم الامام المقدم والحافظ الذي فاق من تأخر من أقرانه ومن تقدم أبا الحجاج المزي، بحر العلم الزاخر، وحبره القائل من رآه: كم ترك الاوائل للاواخر.
ابن سيد الناس اليعمري ت (734) 2 كان خاتمة الحفاظ، وناقد الاسانيد والالفاظ، وهو صاحب معضلاتنا، وموضح مشكلاتنا..ما رأيت أحدا في هذا الشأن أحفظ من الامام أبي الحجاج المزي.
الذهبي ت (748) 3 ولم أر في أشياخي بعد شيخنا أثير الدين في العربية مثله.
الصلاح الصفدي ت (764) 4 هو إمام المحدثين، والله لو عاش الدارقطني، لاستحيى أن يدرس مكانه.
تقي الدين السبكي ت (756) 5 شيخنا وأستاذنا وقدوتنا الشيخ جمال الدين أبو الحجاج المزي، حافظ زماننا، حامل راية السنة والجماعة، والقائم بأعباء هذه الصناعة، والمتدرع جلباب الطاعة، إمام الحفاظ كلمة لا يجحدونها، وشهادة على أنفسهم يؤدونها، ورتبة لو نشر أكابر الاعداء، لكانوا يودونها، واحد عصره بالاجماع، وشيخ زمانه الذي تصغي لما يقول الاسماع.
التاج، السبكي ت (771)

(1/5)


قالوا في التهذيب 1 وصنف كتاب " تهذيب الكمال " في أربعة عشر مجلدا، كسف به الكتب المتقدمة في هذا الشأن، وسارت به الركبان، واشتهر في حياته.
الصلاح الصفدي 2 وصنف تهذيب الكمال المجمع على أنه لم يصنف مثله.
التاج السبكي.
3 كتاب عظيم الفوائد، جم الفرائد، لم يصنف في نوعه مثله، لان مؤلفه أبدع فيما وضع، ونهج للناس منهجا لم يشرع.
علاء الدين مغلطاي ت (763)
4 أتى فيه بكل نفيسة، وبالغ ولم يأل في استيفاء شيوخ الشخص ورواته، وغرائبه وموافقاته، وعدالته وجرحاته، ومناقبه وهناته، وعمره ووفاته، فبقي حسرة على من لم يحصله من الفضلاء، ولهفة على من أعوزه الامكان.
الامام الذهبي

(1/6)


بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة المحقق
الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد: فهذه دراسة تناولت فيها سيرة المزي، وكتابه تهذيب الكمال، وجعلتها في أربعة فصول: خصصت الفصل الاول لحياة المزي ومكانته العلمية، والفصل الثاني لمنهج كتابه تهذيب الكمال ومنزلته بين الكتب التي من بابته، وبيان تفضيله على جميع الكتب السابقة واللاحقة في فنه، والفصل الثالث لعناية العلماء بهذا الكتاب النفيس استدراكا واختصارا، والفصل الرابع وصفت فيه المنهج الذي اتبعته في تحقيق هذا الكتاب، ثم ختمت الدراسة بوصف النسخ المعتمدة، وطباق السماعات التي عليها

(1/7)


الفصل الاول حياة المزي ومكانته العلمية مصادر ترجمته:
تناول المزي جملة كبيرة من المؤرخين، فترجموا له تراجم
تختلف في طولها وقصرها ونوعية المعلومات التي تقدمها.
ونجد بينهم رفاقا له في طلب العلم، وتلامذة، وتلامذة لتلامذته وهلم جرا إلى عصور متأخرة.
وقد ترجم له من معاصريه: ابن سيد الناس اليعمري (ت 734) (1)، وعلم الدين البرزالي (ت 739) (2)، وشمس الدين الذهبي (ت 748) (3)، وابن الوردي (ت 749) (4)، وصلاح الدين الصفدي (ت 764) (5)، وابن شاكر الكتبي (ت 764) (6)، وشمس الدين الحسيني (ت 765) (7)، وتاج الدين السبكي (ت 771) (8)، وجمال
__________
(1) أجوبة ابن سيد الناس (نسختي المصورة عن الاسكوريال رقم 1160).
(2) في معجم شيوخه، ولم يصل إلينا، ولكن وصلت بعض ترجمة المزي منه في المصادر الاخرى منقولة عنه.
(3) تذكرة الحفاظ: 4 / 1498، وذيل دول الاسلام: 2 / 247، ومعجم شيوخه الكبير: 2 / الورقة: 90 من نسختي المصورة، والمعجم المختص بمحدثي العصر، ولم تصل إلينا ترجمته فيه ولكن نقلت منها المصادر الاخرى مثل طبقات السبكي والدرر لابن حجر وغيرهما.
(4) تتمة المختصر: 2 / 332.
(5) أعيان العصر: 12 / الورقة: 128 123 من نسختي المصورة وهي بخطه.
(6) عيون التواريخ، الورقة: 59 (كيمبرج: 2923)، وهو بخطه، وفوات الوفيات: 4 / 353 من طبعة العالم إحسان عباس.
(7) الذيل على ذيل العبر: 229.
(8) طبقات الشافعية الكبرى: 10 / 395.
[ * ]

(1/9)


الدين الاسنوي (ت 772) (9) وتقي الدين ابن رافع السلامي (ت 774) (10)، وصهره عماد الدين ابن كثير (ت 774) (11).
وترجم له بعد عصره جماعة، منهم: ابن ناصر الدين الدمشقي (ت 842) (12)، والمقريزي (ت 845) (13)، وابن قاضي شهبة (ت 851) (14)، وابن حجر العسقلاني (ت 852) (15)، وابن تغري بردي (ت 874) (16)، والسخاوي (ت 902) (17)، والسيوطي (ت 911) (18)، والنعيمي (ت 927) (19)، وابن طولون (ت 953) (20)، وطاش كبري زادة (ت 967) (21)، وابن هداية الله المصنف (ت 1014) (22)، وابن العماد الحنبلي (ت 1089) (23)، والشوكاني (ت 1250) (24)، وغيرهم (25).
__________
(9) طبقات الشافعية: 2 / 464.
(10) الوفيات، الورقة: 44 (الترجمة: 286 بتحقيق تلميذنا الفاضل صالح مهدي عباس، ولم تطبع بعد).
(11) البداية والنهاية: 14 / 191 وفي غير موضع قبل هذه الصفحة.
(12) التبيان، الورقة: 166، والرد الوافر: 128.
(13) السلوك: ج 2 ق 3 ص: 616.
(14) التاريخ، الورقة: 36 (وفيات 742 من نسخة باريس: 1398)، وطبقات الشافعية، الورقة: 119 (دار الكتب: 1568 تاريخ).
(15) الدرر الكامنة: 5 / 233.
(16) المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي، الورقة: 857 (أحمد الثالث: 3018)، والنجوم: 10 / 76 (79) وجيز الكلام في ذيل دول الاسلام: وفيات 742 من نسخة كوبرلي: 1189.
وله ذكر في غير صع من كتابة: الاعلان بالتوبيخ.
(18) طبقات الحفاظ: 517.
(19) الدارس: 1 / 35.
(20) القلائد الجوهرية: 329، والمعزة فيما قيل في المزة: 10.
(21) مفتاح السعادة: 2 / 367.
(22) طبقات الشافعية: 227.
(23) شذرات الذهب: 6 / 136.
(24) البدر الطالع: 2 / 353.
(25) وله ذكر أو ترجمة في كل من: كشف الظنون لحاجي خليفة: 1 / 116، 2 / 1509، 1510، 169، وإيضاح المكنون: 1 / 241، وهدية العارفين للبغدادي: 2 / 556، وإعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء للطباخ: 4 / 579، والرسالة المستطرفة لمحمد بن جعفر الكتاني: 168، 208، وفهرس الفهارس لمحمد عبد الحي الكتاني: 1 / 107، والاعلام للعلامة المرحوم خير الدين الزركلي: 9 / 313، وتاريخ الادب لبروكلمان: 2 / 75، والملحق: 2 / 66 (بالالمانية)، ومقدمة تحفة الاشراف وغيرها.
[ * ]

(1/10)


وغالبا ما ينقل هؤلاء الواحد عن الآخر، لكننا وجدنا أكثر التراجم أصالة ومنفعة هي تراجم الذهبي والصفدي والسبكي وابن كثير وابن حجر لما حوته من معلومات متنوعة.
بيئة المزي ونشأته:
كانت بلاد الشام منذ النصف الثاني من القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي) تعيش في ظل دولة المماليك البحرية التي قامت على أنقاض الدولة الايوبية، وأصبحت من أعظم مراكز القوى في العالم الاسلامي بسبب قدرتها على إيقاف التقدم المغولي المدمر الذي قضى على الخلافة العباسية ببغداد.
وعاشت دمشق آنذاك وهي تشهد عز الاسلام..عيدت أولا في سنة (658) على خير عظيم حينما تمكنت جيوشها من هزيمة جيوش المغول المدمرة شر هزيمة في " عين جالوت " غربي بيسان من أرض فلسطين الصابرة، وتنظيف البلاد الشامية من فلولهم
المدحورة..وعيدت ثانية في السنة نفسها بولاية مجاهد عظيم عليها هو السلطان العظيم الملك الظاهر ركن الدين أبو الفتوح بيبرس " 658 676 "، ثم شهدته بعد ذلك الانتصار وهو يكيل الضربات القوية للعدو الصليبي المخذول يحاول إزاحته من أرض العروبة والاسلام حتى أوهنه وأوهاه وأنحله وأضناه، وحرر القسم الاكبر من السواحل الشامية التي كانت بأيدي الغزاة الصليبيين (26)، فأعاد بذلك سيرة السلطان المجاهد صلاح الدين يوسف الايوبي رضي الله عنه في الجهاد.
ثم شهدت هذه المدينة المجاهدة في سنة (690) تحرير آخر
__________
(1) تاريخ الاسلام للذهبي، الورقة 35 34 (أيا صوفيا: 3014).
[ * ]

(1/11)


شبر من أرض العروبة والاسلام وتنظيف البلاد من الغزاة الصليبيين على عهد السلطان الملك الاشرف صلاح الدين خليل (27)..سمعت المنادي في مستهل ربيع الاول من السنة ينادي للغزاة في سبيل الله إلى عكا، وشاهدت المطوعة، وفيهم المحدثون والفقهاء والمدرسون والصالحون ينضمون إلى الجيش.
قال الامام الذهبي: وكان يومها شابا في السابعة عشرة من عمره: " وجاءت إليه جيوش الشام بأسرها، وأمم لا يحصيهم إلا الله تعالى من المطوعة، فكانوا قدر الجند مرات " (28)..شاهدت هؤلاء الائمة الاعلام، وهم يجرون عجل المنجنيقات يرتلون القرآن الكريم، ويقرؤون أحاديث الجهاد، يتجهون نحو تحرير الارض، وصيانة حرمة الاسلام، فلم يلبث أن فتح المسلمون عكا في يوم واحد، كان يوم الجمعة المبارك السابع عشر من جمادى الاولى من السنة.
وتوالت الانتصارات بعد فتح عكا، ففتحت صور، وصيدا، وبيروت، وغيرها حتى حررت جميع السواحل الشامية ونظفت من دنس الغزاة (29).
وكانت بلاد الشام إلى جانب ذلك قد أصبحت مركزا كبيرا من مراكز الحركة الفكرية، فيها من المدارس العامرة، ودور القرآن والحديث العدد الكثير، عمل على تعميرها حكامها وبعض المياسير من أهلها، ونشطت في عهد الشهيد نور الدين محمود بن زنكي.
وكانت العناية بالدراسات الدينية من تفسير وحديث وفقه وعقائد وما يتصل بها
__________
(27) قال الذهبي في ترجمة من تاريخ الاسلام: " جلس على تخت الملك سنة تسع وثماني وست مئة، واستفتح الملك بالجهاد فسار ونازل عكا وافتتحها ونظف الشام كله من الفرنج..ولو طالت حياته لاخذ العراق وغيرها، فإنه كان بطلا شجاعا مقداما مهيبا عالي الهمة يملا العين ويرجف القلب رأيته مرات.." (الورقة: 225 من مجلد أيا صوفيا ذي الرقم 3014).
(28) تاريخ الاسلام للذهبي، الورقة: 205 من المجلد المذكور.
(29) البرزالي: المقتفي لتاريخ أبي شامة (حوادث سنة 690) من نسختي المصورة عن أحمد الثالث 2951، وتاريخ الاسلام للذهبي: 207 205 من المجلد المذكور، والبداية لابن كثير: 13 / 321.
[ * ]

(1/12)


من علوم العربية هي السمة البارزة لهذا العصر، فأنتجت هذه الحركة أكلها في القرن الثامن الهجري الذي تبوأت فيه دمشق السيادة العلمية والفكرية في جميع أنحاء العالم الاسلامي بما أنتجت من تراث فكري، وأنجبت من علماء بارزين في هذه الميادين.
لكننا لاحظنا، ونحن نرصد هذه الحركة تباينا شديدا في قيمة الانتاج الفكري لهذه الفترة وأصالته، فوجدنا الكثير من المؤلفات
الهزيلة التي لم تكن غير تكرار لما هو موجود في بطون الكتب السابقة، ثم وجدنا بعض المؤلفات التي امتازت بالاصالة والابداع والمناهج العلمية المتميزة.
وقد زاد من صعوبة الابداع وخاصة في العلوم الدينية أن الواحد من العلماء كان يجد أمامه تراثا ضخما ممتدا عبر القرون في الموضوع الذي يوم التأليف فيه، وهو في وضعه هذا يختلف عن المؤلفين الاولين الذي لم يجابهوا مثل هذا التراث الغزير (30).
في هذه البيئة السياسية والفكرية ولد الحافظ جمال الدين أبو الحجاج يوسف ابن الزكي عبد الرحمان بن يوسف بن علي بن عبد الملك بن علي بن أبي الزهر الكلبي القضاعي المزي في ليلة العاشر من شهر ربيع الآخر سنة (654) بظاهر حلب (31) من عائلة عربية الاصل ترجع إلى قبيلة كلب القضاعية التي استوطنت البلاد الشامية منذ فترة مبكرة.
وانتقل جماد الدين إلى دمشق، فسكن المزة (32) القرية الكبيرة الغناء الواقعة في وسط بساتين دمشق جنوب غربيها والظاهر أن الكلبيين كانوا يكونون القسم الاكبر من سكانها منذ العهود الاسلامية الاولى،
__________
(30) ينظر كتابنا: الذهبي ومنهجه: 75 فما بعد (القاهرة: 1976).
(31) الذهبي في معجم الشيوخ: 2 / الورقة: 90، وعيون التواريخ لابن شاكر، الورقة: 59، وأعيان العصر للصفدي، الورقة: 123، وطبقات السبكي: 10 / 400.
(32) انظر عن " المزة " معجم البلدان لياقوت: 4 / 532.
[ * ]

(1/13)


لذلك قيل فيها: " مزة كلب "، قال الشاعرابن قيس الرقيات: حبذا ليلتي بمزة كلب * غال عني بها الكوانين غول
وبها على ما يروى قبر الصحابي دحية بن خليفة بن فروة الكلبي القضاعي (33)، فلعل هذا هو الذي يفسر اختيار هذا المكان من دمشق سكنا له، إذ ربما كان له فيها بعض الاقرباء.
ولا نعلم فيما إذا كان قدم دمشق وحده أم صحبة عائلته حيث تسكت المصادر عن ذلك، كما لا نعلم متى كان قدومه، ولكن يظهر أنه قدم منذ فترة مبكرة لقول تلميذه ورفيقه الامام الذهبي: " نشأ بالمزة " (34).
وقرأ يوسف القرآن الكريم وشيئا من الفقه، لكن عائلته على ما يظهر، لم تعتن به العناية الكافية ولم توجهه إلى طلب الحديث منذ فترة مبكرة كما فعلت عائلة رفيقه وتلميذه الامام الذهبي (35)، ويبدو أنها لم تكن عائلة مشهورة بالعلم والطلب، ولم يكن والده من العلماء المشهورين (36)، فلم يكن له إلا أن يطلبه هو بنفسه حينما بلغ الحادية والعشرين من عمره، فكان أول سماعه في سنة (675) (37)، فلو كان له من يعتني به، ويستجيز له، ويوجهه، لادرك إسنادا عاليا، قال تلميذه
__________
(33) معجم البلدان: 4 / 532، وراجع الاسيتعاب لابن عبد البر: 2 / 461.
(34) تذكرة الحفاظ: 4 / 1498، ومعجم الشيوخ: 2 / الورقة: 90.
(35) انظر كتابنا: الذهبي ومنهجه: 81 78.
ووجدنا أخا الذهبي من الرضاعة أبا الحسن ابن العطار " 724 654 " يستجيز للذهبي جملة من مشايخ عصره في سنة مولده " الدرر لابن حجر: 3 / 426).
وقد انتفع الذهبي بهذه الاجازة انتفاعا شديدا (وراجع معجم شيوخ الذهبي: م 1 / الورقة: 8 و 12 و 18 و 80 و 90 م 2 / الورقة: 6 و 31 و 59 و 60 و 87 و 88 وغيرها).
(36) وصف الذهبي في معجم شيوخه والد المزي بأنه " الشيخ العالم المقرئ زكي الدين عبد الرحمان "، لكن الكتب المعنية بالقراء لم تترجم له ! (37) أعيان العصر: 12 / الورقة: 123، وتذكرة الحفاظ: 4 / 1498، ومعجم الشيوخ: 2 / الورقة:
90.
وذكر الشيخ عبد الصمد شرف الدين في مقدمة تحفة الاشراف أن ذلك كان سنة 674 (1 / 22 من المقدمة) ولم نجد لذلك أصلا.
[ * ]

(1/14)


الصلاح الصفدي: " ولم يتهيأ له السماع من ابن عبد الدائم (38) ولا الكرماني (39) ولا ابن أبي اليسر (40) ونحوهم، ولا أجازوا له، مع إمكان أن تكون له إجازة المرسي (41) والمنذري (42) وخطيب مردا (43) واليلداني (44) وتلك الحلبة " (45)، وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: " ولو كان له من يسمعه صغيرا، لسمع من ابن عبد الدائم والكرماني وغيرهما، ولكنه طلب بنفسه في أول سنه خمس وسبعين " 46 ".
سماعه وشيوخه
كان أول سماعه الحديث على الشيخ المسند المعمر زين الدين أبي العباس أحمد بن أبي الخير سلامة بن إبراهيم الدمشقي الحداد الحنبلي (678 589)، فسمع أول ما سمع كتاب " الحلية " لابي نعيم ثم أكثر عنه (47)، قال إمام المؤرخين شمس الدين الذهبي: " وقرأ عليه المزي شيخنا شيئا كثيرا، وسمع منه " حلية الاولياء "، ورثاه بأبيات بعد موته، وسألته عنه، فقال: شيخ جليل متيقظ، عمر، وتفرد بالرواية عن كثير من مشايخه، وحدث سنين كثيرة وسمعنا منه الكثير، وكان سهلا
__________
(38) زين الدين أبو العباس أحمد بن عبد الدائم بن نعمة المقدسي الحنبلي مسند الشام " 668 575 " (تاريخ الاسلام في سنة وفاته أيا صوفيا 3013، والعبر: 5 / 288) (39) بدر الدين عمر بن محمد بن أبي سعد التاجر " 668 570 ".
(40) مسند الشام تقي الدين أبو محمد إسماعيل بن إبراهيم بن أبي اليسر شاكر التنوخي " 672 589 " (تاريخ الاسلام، الورقة: 9 (أيا صوفيا: 3014)، والعبر: 5 / 299).
(41) شرف الدين أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد بن عبدالله السلمي الاندلسي " 655 570 " (تاريخ الاسلام في سنة وفاته أيا صوفيا: 3013).
(42) زكي الدين عبد العظيم بن عبد القوي بن عبدالله المنذري الشامي الاصل المصري " 656 581 " (ينظر كتابنا: المنذري وكتابه التكملة، النجف: 1968).
(43) أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن أحمد المقدسي الحنبلي " 656 566 " (تاريخ الاسلام، وفيات: 656 من مجلد أيا صوفيا: 3013).
(44) تقي الدين عبد الرحمان بن المنعم بن عبد الرحمان، من أهل يلدان (المعروفة اليوم بيدا في دمشق جنوب شرقيها " " 655 568 " (تاريخ الاسلام، وفيات سنة 655 من مجلد أيا صوفيا: 3013).
(45) أعيان العصر: 12 / الورقة: 123.
(46) الدر لابن حجر: 5 / 233.
(47) تذكرة الحفاظ: 4 / 1498، والدرر: 5 / 233.
[ * ]

(1/15)


في الرواية " (48).
وكانت لاحمد هذا مكانة علمية رفيعة دللت عليها رواية جملة من ثقات العلماء عنه منهم: شرف الدين الدمياطي، وابن الحلوانية، وابن الخباز، وابن العطار، وشيخ الاسلام التقي ابن تيمية، والبرزالي، وطائفة سواهم، بل سمع منه ابن الحاجب الاميني بعرفات سنة (620) وخرج له في معجمه (49)، وعاش ابن سلامة هذا بعد ابن الحاجب ثمانية وأربعين عاما (50).
ومنذ ذلك الحين اتجهت همة المزي إلى سماع الحديث، فسمع من الجم الغفير، سمع عليهم الكتب الكبار الامهات مثل: الكتب الستة، ومسند الامام أحمد، والمعجم الكبير لابي القاسم الطبراني، وتاريخ مدينة السلام بغداد للخطيب البغدادي، وكتاب
النسب للزبير بن بكار، والسيرة لابن هشام، وموطأ الامام مالك، والسنن الكبير، ودلائل النبوة كلاهما للبيهقي بحيث قال تلميذه الصلاح الصفدي: " وأشياء يطول ذكرها، ومن الاجزاء ألوفا " (51).
وذكروا أن مشيخته نحو الالف شيخ (52)، أورد الذهبي الكثير منهم في تاريخ الاسلام، وكان يسأله عن أحوال بعضهم (53).
وتجول المزي في المدن الشامية، فسمع بالقدس الشريف، وحمص، وحماة، وبعلبك، وحج وسمع بالحرمين الشريفين.
ورحل إلى البلاد المصرية، فسمع بالقاهرة، والاسكندرية، وبلبيس، وكانت رحلته إليها في سنة (683) (54)، وكان بالاسكندرية في سنة (684) حيث قرأ فيها على صدر الدين سحنون المتوفى سنة (695) (55).
__________
(48) تاريخ الاسلام، الورقة: 59 (أيا صوفيا: 3014).
(49) معجم شيوخ الذهبي: 1 / الورقة: 6، وتاريخ الاسلام، الورقة: 59 (أيا صوفيا: 3014).
(50) لان ابن الحاجب توفي سنة 630 كما هو معروف، وتوفي ابن سلامة سنة 678.
(51) أعيان العصر: 12 / الورقة: 123.
(52) نفسه، والدرر: 5 / 233.
(53) انظر مقلا تاريخ الاسلام، الورقة: 161، 162، 147 (أيا صوفيا: 3014).
(54) تذكرة الحفاظ: 4 / 1498.
(55) تاريخ الاسلام، الورقة: 247 (أيا صوفيا: 3014).
[ * ]

(1/16)


وقد ذكر الصلاح الصفدي طبقات شيوخه على الاختصار، وذكر أبرزهم، فقال: " سمع من أصحاب ابن طبرزد، والكندي، وابن الحرستاني وحنبل، ثم ابن ملاعب، والرهاوي، وابن البناء، ثم ابن أبي لقمة، وابن البن، وابن مكرم والقزويني.
ثم ابن اللتي، وابن صباح، وابن الزبيدي.
وأعلى ما سمع بإجازة ابن كليب وابن بوش،
والجمال، وخليل بن بدر، والبوصيري وأمثالهم.
ثم المؤيد الطوسي، وزاهر الثقفي، وعبد المعز الهروي.
وسمع أبا العباس ابن سلامة، وابن أبي عمر، وابن علان، والشيخ محيي الدين النووي، والزواوي، والكمال عبدالرحيم، والعز الحراني، وابن الدرجي، والقاسم الاربلي، وابن الصابوني، والرشيد العامري، ومحمد بن القواس، والفخر ابن البخاري، وزينب، وابن شيبان، ومحمد بن محمد بن مناقب، وإسماعيل بن العسقلاني، والمجد ابن الخليلي، والعماد ابن الشيرازي، والمحيي ابن عصرون، وأبا بكر ابن الانماطي، والصفي خليلا، وغازيا الحلاوي، والقطب ابن القسطلاني وطبقتهم.
والدمياطي شرف الدين، والفاروثي، واليونيني، وابن بلبان، والشريشي، وابن دقيق العيد، والظاهري، والتقي الاسعردي وطبقتهم.
وتنازل إلى طبقة سعد الدين الحارثي (56) وابن نفيس (57) " (58).
وعني المزي بدراسة العربية، فأتقنها لغة وتصريفا، ففاق أقرانه في ذلك بحيث قال الصلاح الصفدي فيه: " ولم أر في أشياخي بعد
__________
(56) قاضي القضاة سعد الدين أبو محمد مسعود بن أحمد بن مسعود بن زيد الحارثي العراقي المصري الحنبلي " 711 652 " (تذكرة الحفاظ: 4 / 1495).
(57) أبو الحسن علي بن مسعود ابن نفيس الموصلي " 704 636 " (ذيل العبر للذهبي: 26، والذيل لابن رجب: 2 / 351).
(58) أعيان العصر: 12 / الورقة: 124 123.
[ * ]

(1/17)


شيخنا أثير الدين في العربية مثله خصوصا في التصريف واللغة " (59)
وهذه شهادة عالم عارف نستبين قدرها إذا عرفنا مكانة أثير الدين أبي حيان الغرناطي أعظم علماء العربية في القرن الثامن الهجري غير مدافع (60).
وقد عرف أبو حيان نفسه قدر المزي، فأغدق الثناء عليه، وعلى علمه الجم (61).
تأثره بالفكر السلفي اتصل المزي اتصالا وثيقا بثلاثة من شيوخ ذلك العصر، وترافق معهم، وهم: شيخ الاسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم المعروف بابن تيمية الحراني (728 661)، والمؤرخ المحدث علم الدين أبو محمد القاسم بن محمد البرزالي (665 739)، ومؤرخ الاسلام شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد الذهبي (748 673) (62)، فكان المزي أكبرهم سنا، وكان بعضهم يقرأ على بعض فهم شيوخ وأقران في الوقت نفسه، وقرأ الثلاثة على المزي واعترفوا بأستاذيته، وافتخروا بها.
والظاهر أن المزي اتصل في شبيبته ببعض المتصوفة الغلاة.
وكان التصوف منتشرا في البلاد انتشارا واسعا، وظهر بينهم كثير من المشعوذين الذين أثروا في العوام أيما تأثير (63) وانجذب إليهم بعض الشباب، فاغتر المزي في شبيبته بهم، فصحب الشاعر (64) الصوفي
__________
(59) أعيان العصر: 12 / الورقة: 127.
(60) راجع عنه كتاب العالمة الفاضلة الدكتورة خديجة الحديثي (أبو حيان النحوي بغداد: 1967).
(61) وذلك في كتابه " القطر الحبي في جواب أسئلة الذهبي "، انظر كتابنا: الذهبي: 329، والدرر: 5 / 234.
(62) راجع كتابنا: الذهبي: 99.
(63) راجع مثلا تاريخ الاسلام، الورقة: 75 (أيا صوفيا: 3007)، والورقة: 36 (أيا صوفيا: 3014).
(64) له ديوان شعر مشهور منه نسخة بدار الكتب الظاهرية بدمشق، وأخرى في الاسكوريال منها مصورة في خزانة كتب المجمع العلمي العراقي.
وقال الذهبي: " وله شعر في الطبقة العليا والذروة القصوى لكنه مشوب بالاتحاد في كثير من الاوقات " وأورد طائفة منه في تاريخ الاسلام (الورقة: 188 186 أيا صوفيا: 3014).
[ * ]

(1/18)


عفيف الدين أبا الربيع سليمان بن علي التلمساني (65) (690 610).
وكان العفيف هذا من غلاة الاتحادية القائلين بوحدة الوجود (66) على قاعدة ابن عربي، ونسبه جماعة إلى رقة الدين، وتعاطي المحرمات (67)، فلما تبين للمزي انحلال العفيف واتحاده، تبرأ منه، وحط عليه (68).
ولعل مفارقته للعفيف التلمساني واضرابه كانت نتيجة تأثره بالامام تقي الدين ابن تيمية الذي أعجب به المزي أيما إعجاب، فكان أكثر رفاقه صلة ومحبة بالشيخ الامام (69).
وكانت شخصية الامام ابن تيمية قد اكتملت في نهاية القرن السابع الهجري، فأصبح مجتهدا له آراؤه الخاصة التي تقوم في أصلها على اتباع آثار السلف، ونتقية الدين من الخرافات، والمعتقدات الطارئة عليه، وابتدأ منذ سنة 698 يدخل في خصومات عقائدية حادة مع علماء عصره المخالفين له (70)، ويقيم الحدود بنفسه (71)، ويحارب المشعوذين (72)، ويمنع من تقديم النذور لغير الله (73)، ويريق الخمور (74)، ونحو ذلك من الامر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وظهرت شخصية الامام ابن تيمية السياسية في الحرب الغازانية سنة (699) بعد هزيمة الجيوش المصرية والشامية أمام غزو غازان
سلطان المغول في موقعة الخزندار، فقد قابل ابن تيمية غازان وكلمه
__________
(65) تذكرة الحفاظ: 4 / 1499، وأعيان العصر: 12 / الورقة: 124.
(66) تاريخ الاسلام، الورقة: 186 (أيا صوفيا: 3014).
(67) البداية والنهاية: 13 / 326، وشذرات الذهب: 5 / 412، وتاريخ الاسلام، الورقة: 186 (أيا صوفيا: 3014).
(68) تذكرة الحفاظ: 4 / 1499.
(69) انظر أقوال المزي في ابن تيمية بكتاب " الرد الوافر " لابن ناصر الدين " 130 128.
(70) البداية: 14 / 27، والدرر: 5 / 234.
(71) البداية: 14 / 19.
(72) الوافي بالوفيات: 5 / 18، والبداية: 14 / 33 وفتواه في الصوفية والفقراء (القاهرة: 1348 ه) (73) البداية: 14 / 34.
(74) نفسه: 14 / 11.
[ * ]

(1/19)


كلاما شديدا، وعمل على ثبات البلاد حينما خلت من الجيوش القادرة على رد الغزو المدمر، فكان يدور على الاسوار يحرض الناس على الصبر والقتال، ويتلو عليهم آيات الجهادو الرباط، وأقام معسكرات التدريب في كل مكان ومنها المدارس، فكان المحدثون والفقهاء يتعلمون الرمي، ويستعدون لقتال العدو (75).
ثم سافر إلى مصر يحض الدولة والناس على القتال حتى تمكن في سنة (702) من رص الصفوف، وتوحيد القلوب، وتحديد الهدف مما أدى إلى الانتصار الكبير في وقعة " شقحب " التي شارك الامام ابن تيمية في القتال فيها يصحبه طلبة العلم من المحدثين والفقهاء والصالحين، وكان يحرض الجيش والمطوعة في ساحة القتال على البلاء ويبشرهم بالنصر (76)،
قال ابن كثير: " وجعل يحلف بالله الذي لا إله إلا هو " إنكم منصورون عليهم هذه المرة، فيقول له الامراء: قل إن شاء الله، فيقول: إن شاء الله تحقيقا لا تعليقا، وأفتى الناس بالفطر مدة قتالهم وأفطر هو أيضا " (77).
أقول: إن هذه الشخصية العظيمة جذبت المزي إليها، فأعجب المزي بابن تيمية الاعجاب كله، وترافق معه طيلة حياته، قال الذهبي: " ترافق هو وابن تيمية كثيرا في سماع الحديث، وفي النظر في العلم، وكان يقرر طريقة السلف في السنة، ويعضد ذلك بمباحث نظرية وقواعد كلامية..وما وراء ذلك بحمدالله إلا حسن إسلام وحسبة لله مع أني لم أعلمه ألف في ذلك شيئا " (78)، وقال التاج السبكي: " واعلم أن هذه الرفقة أعني المزي والذهبي والبرزالي وكثيرا من أتباعهم، أضر بهم أبو العباس ابن تيمية إضرارا بينا،
__________
(75) انظر تاريخ الاسلام، الورقة: 334 فما بعد (أيا صوفيا: 3014)، والبداية: 14 / 12 6.
(76) أعيان العصر: 8 / 7 1 من نسختي المصورة عن أيا صوفيا: 2968.
(77) البداية: 14 / 26.
(78) تذكرة الحفاظ: 4 / 1499.
[ * ]

(1/20)


وحملهم من عظائم الامور أمرا ليس هينا، وجرهم إلى ما كان التباعد عنه أولى بهم، وأوقعهم في دكادك من نار المرجو من الله أن يتجاوزها لهم ولاصحابهم " (79).
وهذه النصوص تشير إلى قدم هذه العلاقة التي ابتدأت منذ أيام الطلب، وأخذت تنمو على مرور الايام، فتزيد متانة وصلابة.
وهكذا تكون فكر الحافظ المزي، فهو شافعي المذهب، سلفي العقيدة، أخلص الاخلاص كله لرفيقه ابن تيمية وآرائه التجديدية، وجعله مثله الاعلى، ويظهر ذلك جليا من دراسة سيرتيهما، فقد أوذي المزي بسبب ذلك: أوذي مرة، واختفى مدة من أجل تحديثه بتاريخ بغداد للخطيب البغدادي (80)، وأوذي ثانية في رجب من سنة (705) حينما تناظر ابن تيمية مع الاشاعرة عند نائب السلطنة الافرم، وقرئت عقيدة ابن تيمية الواسطية وحصل البحث في أماكن منها، ثم اضطر المناظرون له إلى قبولها بعد أن أفحمهم شيخ الاسلام، فقعد المزي عندئذ تحت قبة النسر بجامع دمشق، وقرأ فصلا بالرد على الجهمية من كتاب " أفعال العباد " للامام البخاري بعد قراءة ميعاد البخاري، فغضب بعض الفقهاء الشافعية الحاضرون، وقالوا: نحن المقصودون بذلك، وشكوه إلى القاضي الشافعي نجم الدين أحمد ابن صصرى، وكان عدوا للشيخ ابن تيمية، فسجن المزي، فبلغ الشيخ تقي الدين ذلك
__________
(79) الطبقات: 10 / 400 وهذا الكلام جزء من كلامه في هؤلاء الرفقة من الائمة الاعلام ولاسيما في شيخه الذهبي بحيث قال فيه: " والذي أدركنا عليه المشايخ النهي عن النظر في كلامه وعدم اعتبار قوله، ولم يكن يستجري أن يظهر كتبه التاريخية إلا لمن يغلب على ظنه أنه لا ينقل عنه ما يعاب عليه " (الطبقات: 2 / 14 13)، قال ذلك وشحن كتابه الطبقات من كتب الذهبي إذ كان معتمده الرئيس ! وكان السبكي أشعريا جلدا بحيث قال فيه عز الدين الكناني " ت 819 ": " هو رجل قليل الادب، عديم الانصاف جاهل بأهل السنة ورتبهم " (الاعلان للسخاوي: 469 فما بعد، ومعجم الشافعية لابن عبد الهادي، الورقة: 48 47 (الظاهرية)، وانظر مناقشتنا لاقواله في الفصل الذي كتبناه عن " النقد " عند الذهبي من كتابنا: الذهبي ومنهجه، وخاصة: 458 فما بعد).
(80) أعيان العصر: 12 / الورقة: 124.
[ * ]

(1/21)


فتألم لحبس المزي، وذهب إلى السجن، وأخرجه بنفسه، ولم يحفل بالسلطة، وراح إلى القصر، فوجد القاضي ابن صصري هناك، فتقاولا بسبب المزي، فحلف ابن صصرى لا بد أن يعيده إلى السجن وإلا عزل نفسه، وكان الافرم غائبا عن دمشق ذلك اليوم، فأمر نائبه بإعادته تطييبا لقلب القاضي، فحبسه عنده أياما ثم أطلقه (81).
وكان ابن تيمية كثير الاعتماد على المزي وعلمه ومعرفته، فحينما خرج من سجنه بمصر سنة (709) بعد عودة السلطان محمد بن قلاوون وجلس في القاهرة ينشر علمه، احتاج إلى بعض كتبه التي بالشام، فكتب إلى أهله كتابا يطلب جملة من كتب العلم التي له، وطلب منهم أن يستعينوا على ذلك، بجمال الدين المزي " فانه يدري كيف يستخرج له ما يريده من الكتب التي أشار إليها " (82).
وحينما ولي المزي أكبر دار حديث بدمشق هي دار الحديث الاشرفية سنة (718) فرح ابن تيمية فرحا عظيما بذلك وقال: " لم يل هذه المدرسة من حين بنائها إلى الآن أحق بشرط الواقف منه " (83).
وقد وليها عظماء العلماء المحدثين منهم: تقي الدين ابن الصلاح (643 577)، وابن الحرستاني (662 577)، وأبو شامة (665 599) ومحيي الدين النووي (676 631) وغيرهم، فقد اعتمد ابن تيمية قول الواقف: " ان اجتمع من فيه الرواية ومن فيه الدراية قدم من فيه الرواية " (84) ففضله ابن تيمية بذلك على جميع المتقدمين في الرواية.
ولما توفي شيخ الاسلام ابن تيمية مسجونا بقلعة دمشق، لم يسمح لاحد بالدخول أول الامر إلا لخواص أصحابه، قال ابن كثير:
__________
(81) البداية: 14 / 37، وأعيان العصر: 12 / الورقة: 124، والدرر: 5 / 234، والدارس للنعيمي: 1 / 98 97، والبدر الطالع: 14 / 66، 2 / 353.
(82) البداية: 14 / 55 54.
(83) أعيان العصر: 12 / الورقة: 124، والدارس: 1 / 35.
(84) أعيان العصر: 12 / الورقة: 124.
[ * ]

(1/22)


" وكنت فيمن حضر هناك مع شيخنا الحافظ أبي الحجاج المزي رحمه الله وكشفت عن وجه الشيخ، ونظرت إليه وقبلته..ثم شرعوا في غسل الشيخ، وخرجت إلى مسجد هناك، ولم يدعوا عنده إلا من ساعد في غسله، منهم شيخنا الحافظ المزي، وجماعة من كبار الصالحين الاخيار أهل العلم، والايمان " (85).
ولما مات المزي بعد ذلك بأربعة عشر عاما، دفن غربي قبر رفيقه وصديقه ابن تيمية (86) رضي الله عنهما.
وظل الشيخ بعد وفاة ابن تيمية مؤمنا بهذه العقيدة، ولم يفتر عن دوام الايمان بها، فنجده مدافعا منافحا عن عقيدة الاسلام الصحيحة محاربا الخارجين المارقين عنها، فيشاهده الناس في ذي القعدة من سنة (741) وهو في الثامنة والثمانين من العمر يحضر المجلس بدار العدل مع رفيقه في العقيدة الامام الذهبي عند محاكمة عثمان الدكالي، أحد المارقين عن الاسلام، قال ابن كثير: " وتكلما، وحرضا في القضية جدا، وشهدا بزندقة المذكور بالاستفاضة وكذا الشيخ زين الدين أخو الشيخ تقي الدين ابن تيمية، وخرج القضاة الثلاثة المالكي والحنفي والحنبلي وهو نفذوا حكمه في المجلس، فحضروا قتل المذكور، وكنت مباشرا لجميع ذلك من أوله إلى آخره " (87).
ولم يكن الشافعية الاشاعرة، ومنهم قاضيهم تقي الدين السبكي، قد وافقوا على محاكمة هذا الرجل، قال ابن حجر في ترجمة الدكالي هذا: " كان من الخانقاه السميساطية فدعا طائفة إلى مقالات الباجريقي، فشاع أمره، فأمسك، وقامت عليه البينة بالامور المنكرة فحبس، ثم حضر المزي والذهبي، فشهدا عليه بالاستفاضة بما نسب إليه، فحكم القاضي شرف الدين المالكي بإراقة دمه، ولم يكن ذلك
__________
(85) البداية: 14 / 138.
(86) البداية: 14 / 192.
(87) البداية: 14 / 190.
[ * ]

(1/23)


رأي النائب ألطنبغا ولا التقي السبكي " (88).
منزلة المزي العلمية
1 أبرز آثاره
احتل المزي مكانة عظيمة بين علماء القرن الثامن الهجري في الحديث وعلومه، وما يتصل بهما، وقامت شهرته على أعظم كتابين ألفهما في فنهما هما " تحفة الاشراف " " وتهذيب الكمال ".
ويعد كتاب " تحفة الاشراف بمعرفة الاطراف (89) " من أعظم الكتب المؤلفة في أطراف الكتب الستة وبعض لواحقها، كان الغرض الاساس منه جمع أحاديث الكتب الستة وبعض لواحقها بطريق تسهل على القارئ معرفة أسانيدها المختلفة مجتمعة في موضع واحد.
وقد رتبه على الاسانيد دون المتون، فصار معجما مرتبا على تراجم أسماء
الصحابة والتابعين وأتباع التابعين، وفي بعض الاحيان أتباع أتباع التابعين فدونت جميع أحاديث الكتب الستة وبعض لواحقهما على هذه الاسماء، فأصبح يتكون من (1395) مسندا منها (995) مسندا منسوبا إلى الصحابة بعد أن رتب أسماءهم على حروف المعجم، والباقية من المراسيل وعددها أربع مئة منسوبة إلى أئمة التابعين ومن بعدهم على حروف المعجم أيضا، وهو عمل هائل تعجز عنه العصبة (90).
يضاف إلى ذلك أن المزي لم يقتصر فيه على الكتب الستة كما ذكرنا، بل أضاف إليها من لواحق ومؤلفات أصحاب الستة: أ مقدمة صحيح
__________
(88) الدرر: 3 / 56.
(89) يطبع بعناية عبد الصمد شرف الدين طبعة علمية جيدة.
وطريقة كتب الاطراف أن تذكر حديث الصحابي مفردا مثل أهل المسانيد، إلا أنهم يذكرون طرفا من الحديث في الغالب خلاف أصحاب المسانيد فانهم يذكرون الحديث بتمامه.
ومن أعظم فوائدها أن الباحث يكتفي بمطالعة كتاب من كتب الاطراف فيغنيه عن مطالعة جميع الكتب التي كونت مادتها إذا كان يريد معرفة طرق الحديث فيها بسبب تجمعها في مكان واحد.
(90) راجع مقدمة الكتاب.
[ * ]

(1/24)


مسلم.
ب كتاب المراسيل لابي داود.
ج كتاب العلل للترمذي، وهو الذي في آخر كتاب الجامع له.
د كتاب الشمائل للترمذي أيضا.
ه كتاب عمل يوم وليلة للنسائي.
وحينما انتهى من تأليف الكتاب ألحق به بعد ذلك ذيلا سماه.
" لحق الاطراف " تتبع فيه بعض الاحاديث التي لم ترد إلا برواية ابن الاحمر من كتاب النسائي.
وذكر الحافظ ابن حجر أنه شاهده في جزء لطيف، ثم شاهد نسخة ابن كثير من " التحفة " وعليها هذا اللحق بخط
المؤلف (91).
وقد ذكر ابن حجر أنه " قد حصل الانتفاع بهذا الكتاب شرقا وغربا، وتنافس العلماء في تحصيله بعدا وقربا (92) ".
ونظرا لهذه المنزلة التي احتلها في هذا الفن، فقد تناوله العلماء بالاستدراك والتلخيص والتعليق، لانه صار الكتاب المعتمد في هذا الفن.
وقد اختصره تلميذه ورفيقه مؤرخ الاسلام الذهبي في مجلدين على ما ذكر الصفدي (93) وابن شاكر (94) والسبكي (95) والزركشي (96) وسبط ابن حجر (97).
واختصره أبو العباس أحمد بن سعد بن محمد الاندرشي المتوفى سنة (750) وسماه " العمدة في مختصر الاطراف " (98).
وألف العلامة علاء الدين مغلطاي بن قليج الحنفي المتوفى سنة (762) مستدركا على تحفة الاشراف ذكر ابن حجر أن فيه أوهاما منه.
__________
(91) راجع مقدمة كتاب " النكت الظراف " لابن حجر.
(92) نفسه: 1 / 4 (بهامش تحفة الاشراف).
(93) الوافي بالوفيات: 2 / 164، ونكت الهميان: 243.
(94) عيون التواريخ، الورقة: 86.
(95) الطبقات: 9 / 105.
(96) عقود الجمان، الورقة: 79 (نسخة مكتبة فاتح باستانبول ذات الرقم: 4435).
(97) رونق الالفاظ، الورقة: 181 (نسخة الخالدية بالقدس، رقم: 11 تراجم).
(98) كشف الظظنون: 2 / 1560.
[ * ]

(1/25)


وكتب الحافظ زين الدين عبدالرحيم بن الحسين المعروف بالحافظ العراقي المتوفى سنة (806) بعض المستدركات على هامش
نسخته أفاد منها ولده العلامة ولي الدين العراقي المتوفى سنة (826) حينما ألف جزءا مستدركا على المزي بعد أن أضاف إليه بعض ما جمعه مغلطاي (99).
ويبدو أن الثلاثة: الزين العراقي وولده ومغلطاي لم يطلعوا في أول الامر على " لحق الاطراف " الذي استدرك به المزي على نفسه.
ثم جمع الحافظ ابن حجر كل هذه المستدركات، وأضاف إليها وأخرجها في كتاب سماه " النكت الظراف (100) ".
وجمع الحافظ محمد بن فهد المكي المتوفي سنة (871) بين كتابي المزي وابن حجر بكتابه " الاشراف على الجمع بين النكت الظراف وتحفة الاشراف (101) ".
أما كتاب المزي الثاني، فهو " تهذيب الكمال " وهو كتابنا هذا، فإنه يعد أعظم كتاب ألف في فنه غير مدافع أربى فيه على من تقدمه وكسب مؤلفاتهم، ولم يستطع أحد بعده حتى اليوم أن يبلغ شأوه بله أن يأتي بأحسن منه، وسيأتي الكلام عليه مفصلا في الفصل الثاني من هذه المقدمة.
2 مناصبه العلمية
ونتيجة لما بلغه المزي من منزلة مرموقة بين علماء عصره، وما عرف عنه من ديانة متينة وحفظ وإتقان وبراعة في الحديث وعلومه، فقد ولي دار الحديث الاشرفية في يوم الخميس الثالث والعشرين من
__________
(99) مقدمة النكت الظراف لابن حجر، وكشف الظنون: 1 / 117.
(100) يطبع في أسفل تحفة الاشراف.
(101) يراجع في ذلك مقدمة المجلد الثاني من تحفة الاشراف.
[ * ]

(1/26)


ذي الحجة سنة (718) (102)، وليها على الرغم من معارضة الكثيرين بسبب صحبته لشيخ الاسلام ابن تيمية وتأييده لآرائه، لكن علمه وفضله، وهما مما لا يستطيع أن ينكره الاشاعرة ولا غيرهم، جعلهم يضطرون إلى توليته هذه الدار التي كانت تعد من أكبر دور الحديث بدمشق (103).
وعلى الرغم من أنه كتب بخطه حين وليها بأنه أشعري (104)، فقد أبانوا عن سخطهم، فلم يحضروا حفل الافتتاح كما جرت العادة آنذاك، قال العماد ابن كثير: " ولم يحضر عنده كبير أحد، لما في نفوس بعض الناس من ولايته لذلك مع أنه لم يتولها أحد قبله أحق بها منه، وما عليه منهم إذا لم يحضروا ؟ فإنه لا يوحشه إلا حضورهم عنده، وبعدهم آنس، والله أعلم (105) ".
وقد جرت محاولات عدة لاخراجه من مشيخة هذه الدار باءت كلها بالفشل لما كان يتمتع به الحافظ المزي من المكانة الرفيعة بدمشق، تلك المكانة التي اعترف بها المخالف قبل الموافق.
واستمرت المكائد تحاك ضده حتى وهوفي آخر شيخوخته، ففي سنة (739) ولى تقي الدين السبكي قضاء الشافعية بدمشق (106)، وما إن وصل دمشق حتى حضر عنده الشيخ صدر الدين سليمان بن عبد الحكيم المالكي بعد ليلة واحدة من دخوله (107)، وكان صدر الدين
__________
(102) تذكرة الحفاظ: 4 / 1499، وأعيان العصر: 12 / الورقة: 123، والبداية: 14 / 89، 91، والدارس للنعيمي: 1 / 34.
(103) منسوبة إلى الملك الاشرف مظفر الدين موسى ابن العادل الايوبي، ابتدأ عمارتها سنة 628 وافتتحت سنة 630 وأول من وليها محدث عصره الحافظ ابن الصلاح المتوفى سنة 643 (تاريخ الاسلام،
الورقة: 243 أيا صوفيا: 3012، والدارس: 1 / 19 فما بعد).
(104) طبقات السبكي: 10 / 398.
(105) البداية: 14 / 89.
(106) الذيل على العبر للذهبي: 204، وقال: " وفرح المسلمون به " والبداية " 14 / 184، وطبقات السبكي: 10 / 168.
(107) طبقات السبكي: 10 / 398.
[ * ]

(1/27)


أشعريا جلدا متعصبا على المخالفين (108)، ولكن التقي السبكي كان يحبه (109)، فروى التاج السبكي أن والده التقي قال: " دخل إلي وقت العشاء الآخرة، وقال أمورا يريد بها تعريفي بأهل دمشق، قال: فذكر لي البرزالي وملازمته لي، ثم انتهى إلى المزي، فقال: وينبغي لك عزله من مشيخة دار الحديث الاشرفية، قال الشيخ الامام (يعني التقي)، فاقشعر جلدي، وغاب فكري، وقلت في نفسي: هذا إمام المحدثين، الله لو عاش الدارقطني استحيى أن يدرس مكانه.
قال: وسكت، ثم منعت الناس من الدخول علي ليلا، وقلت: هذه بلدة كثيرة الفتن.
فقلت أنا للشيخ الامام: إن صدر الدين المالكي لا ينكر رتبة المزي في الحديث، ولكنه كأنه لاحظ ما هو شرط واقفها، من أن شيخها لابد أن يكون أشعري العقيدة، والمزي وإن كان حين ولي كتب بخطه بأنه أشعري إلا أن الناس لا يصدقونه في ذلك.
فقال: أعرف أن هذا هو الذي لاحظه صدر الدين، ولكن من ذار الذي يتجاسر أن يقول: المزي ما يصلح لدار الحديث، والله ركني ما يحمل هذا الكلام (110) ".
وقد استمر المزي متوليا لهذه الدار طيلة حياته، وكانت مسكنه، فكانت ولايته لها قرابة أربعة وعشرين عاما، ومنها نشر علمه الجم، وفيها حدث بكتابه العظيم تهذيب الكمال وغيره، وسمعها عليه الجلة من شيوخ العصر.
وكان المزي، إضافة إلى ذلك، شيخا لدار الحديث الحمصية المعروفة بحلقة صاحب حمص، وإن كنا لا ندري متى تولاها، ولكنه تنازل عنها لتلميذه الحافظ صلاح الدين خليل بن كيكلدي العلائي
__________
(108) الذيل على ذيل العبر للحسيني: 276، والدرر لابن حجر: 2 / 248، وذيول تذكرة الحفاظ: 119، وتوفي سنة 749.
(109) طبقات السبكي: 10 / 397.
(110) نفسه: 10 / 398 397.
[ * ]

(1/28)


(761 694) فدرس العلائي بها في محرم سنة 728 (111).
وحينما توفي رفيقه وتلميذه علم الدين البرزالي في ذي الحجة من سنة (739) تولى المزي أقدم دار حديث بدمشق وأعرقها هي دار الحديث النورية إلى حين وفاته، فوليها بعده تلميذه ابن رافع السلامي (112).
وكان بدء تدريس المزي في هذه الدار في المحرم سنة (640)، وكتب له تلميذه الصلاح الصفدي التوقيع بمشيختها أورد نصه الكامل في كتابه: أعيان العصر (113).
3 تلاميذه
أصبح الامام المزي حافظ العصر غير مدافع، وفضله الامام الذهبي في الحفظ على جميع من لقي من الحفاظ طيلة حياته، وأتاحت له معرفته الفذة في علم الرجال منزلة مميزة بين أساتيذ العصر، فأمه طلبة العلم من كل حدب وصوب.
وكانت دار الحديث الاشرفية من أعظم الاماكن التي بث منها المزي علمه، وقد متعه الله بالعمر الطويل، وصحة الحواس، وقوة الجسم، فكان وهو في عشر التسعين معتدل القامة، قوي الركب، يصعد إلى الصالحية ماشيا، ولا يركب بغلة ولا حمارا، ويستحم بالماء البارد في الشيخوخة (114)، ويحكم ترقيق الاجزاء وترميمها، ويعتني بكتابة الطباق عليها (115)، فحدث زيادة على خمسين سنة (116)، وقلما نجد عالما دمشقيا من أهل ذلك العصر إلا درس عليه، قال الذهبي: " وغالب المحدثين من دمشق وغيرها قد تلمذوا له، واستفادوا منه، وسألوه عن المعضلات، فاعترفوا بفضيلته، وعلو ذكره " (117)
__________
(111) ذيل العبر للذهبي: 156، والبداية: 14 / 132، والدارس، 1 / 59.
(112) الدارس: 1 / 94، 109، 113.
(113) أعيان العصر: 12 / الورقة: 128.
(114) نفسه: 12 / الورقة: 123.
(115) الدرر: 5 / 235.
(116) طبقات السبكي: 10 / 401.
(117) كما نقل عنه ابن حجر في الدرر: 5 / 234.
[ * ]

(1/29)


وقد حدث بكتبه مرات عديدة، وحدث بصحيح البخاري مرات، وبالمسند للامام أحمد، وبالمعجم الكبير للامام الطبراني، وبدلائل النبوة للبيهقي، وبكتب كثيرة جدا، كما حدث بسائر أجزائه العالية، وبكثير من أجزائه النازلة (118).
ويكفيه فخرا وفضلا أن عظماء العلماء من أساتيذه ورفاقه وتلامذته النجب قد أخذوا عنه، فسمع منه من العلماء الاعلام: شيخ
الاسلام ابن تيمية الحراني (ت 728)، وفتح الدين ابن سيد الناس اليعمري (ت 734)، وإما المؤرخين والمحدثين شمس الدين الذهبي (ت 748) سمع منه سنة (694) وأخذ عنه صحيح البخاري غير مرة، والامام العلامة تقي الدين السبكي (ت 756) وغيرهم.
وبه تخرج أعاظم الرواة والمحدثين والمؤرخين من أعلامهم: علم الدين البرزالي (ت 739)، وشمس الدين أبو عبد الله ابن عبد الهادي (ت 744)، وصلاح الدين خليل بن كيكلدي العلائي (ت 761)، وعلاء الدين مغلطاي الحنفي (ت 762)، وتقي الدين ابن رافع السلامي (ت 774)، والشيخ عماد الدين ابن كثير صهره (ت 774)، وخلق يطول ذكرهم.
4 آراء العلماء فيه
ونرى من المفيد أن نقتطف هنا آراء العلماء والنقاد المعاصرين فيه، لما لذلك من أهمية في توثيقه وبيان فضله ومنزلته.
وقد نقلنا لك قبل قليل رأي شيخ الاسلام ابن تيمية واعترافه له، وأنبأناك بثنائه عليه غير مرة.
وقد اتصل به العلامة فتح الدين ابن سيد الناس اليعمري بعد
__________
(118) أعيان العصر: 12 / الورقة: 126.
[ * ]

(1/30)


سنة 690، فقال في حقه: " ووجدت بدمشق من أهل العلم الامام المقدم والحافظ الذي فاق من تأخر من أقرانه ومن تقدم أبا الحجاج المزي، بحر هذا العلم الزاخر وحبره القائل من رآه: كم ترك الاوائل للاواخر، أحفظ الناس للتراجم، وأعلم الناس بالرواة من أعارب
وأعاجم، لا يخص بمعرفته مصرا دون مصر ولا ينفرد علمه بأهل عصر دون عصر..وهو في اللغة أيضا إمام..فكنت أحرص على فوائده لاحرز منها ما أحرز..وهو الذي حداني على رؤية شيخ الاسلام ابن تيمية " (119).
وترجم له الذهبي في معجم شيوخه الكبير، فقال: " العلامة الحافظ البارع أستاذ الجماعة جمال الدين أبو الحجاج، محدث الاسلام الكلبي القضاعي، المزي الدمشقي، الشافعي..طلب هذا الشأن سنة خمس وسبعين وهلم جرا إلى اليوم، فماونى، ولا فتر، ولا لها ولا قصر، وعني بهذا الشأن أتم عناية، وقرأ العربية، وأفاد، وأكثر من اللغة والتصريف.
وصنف وأفاد..وكتب الكثير ورواه، مع السمت الحسن، والاقتصاد، والتواضع، والحلم، وعدم الشر، والله يصلحه وإياي.
أخبرنا يوسف ابن الزكي الحافظ..(120) ".
وقال في " تذكرة الحفاظ ": شيخنا الامام العالم الحبر الحافظ الاوحد محدث الشام..وأما معرفة الرجال، فهو حامل لوائها، والقائم بأعبائها، لم تر العيون مثله..وأوضح مشكلات ومعضلات ما سبق إليها في علم الحديث ورجاله..وكان ثقة حجة، كثير العلم، حسن الاخلاق، كثير السكوت، قليل الكلام جدا، صادق
__________
(119) أجوبة ابن سيد الناس، وهي مما أجاب به أبالحسين بن أيبك الحسامي الدمياطي المتوفى سنة 749 نسخة الاسكوريال: 1160، ونقل قوله هذا أيضا الصفدي في أعيان العصر: 121 / الورقة: 127، وابن حجر في الدرر: 5 / 235 234.
وعندي نسخة مصورة من أجوبة ابن سيد الناس وهي نسخة نفيسة.
(120) معجم الشيوخ: 2 / الورقة: 90.
[ * ]

(1/31)


اللهجة، لم تعرف له صبوة.
وكان يطالع وينقل الطباق إذا حدث وهو في ذلك لا يكاد يخفى عليه شئ مما يقرأ، بل يرد في المتن والاسناد ردا مفيدا يتعجب منه فضلاء الجماعة (121) ".
وقال الذهبي أيضا في معجمه المختص بمحدثي العصر (122): " كان خاتمة الحفاظ، وناقد الاسانيد والالفاظ، وهو صاحب معضلاتنا، وموضح مشكلاتنا..ولو كان لي رأي للازمته أضعاف ما جالسته، فإنني أخذت عنه هذا الشئ بحسبي لا بحسبه، وكان لا يكاد يعرف قدره إلا من أكثر مجالسته ".
وقال أيضا: " وقد (123) كان مع حسن خطه ذا إتقان قل أن توجد له غلطة، أو تؤخذ عليه لحنة ".
وقال أيضا: " وكان مأمون الصحبة، حسن المذاكرة، خير الطوية، محبا للآثار، معظما لطريقة السلف، جيد المعتقد، وكان اغتر في شبيبته وصحب العفيف التلمساني، فلما تبين له ضلاله، هجره، وتبرأ منه " وكان الامام الذهبي يورد سلسلة أعاظم الحفاظ، وكتبها بخطه وعنه أخذها الصلاح الصفدي، والتاج السبكي، وقراها عليه (124)، قال الذهبي: " ما رأيت أحدا في هذا الشأن أحفظ من الامام أبي الحجاج المزي، وسمعته يقول في شيخنا أبي محمد الدمياطي (125) إنه ما رأى أحفظ منه، وكان الدمياطي يقول: إنه ما رأى شيخا أحفظ من
__________
(121) تذكرة الحفاظ: 4 / 1499 1498.
(122) لم تصل إلينا ترجمته في المعجم المختص لكنها وصلت بما نقل منه الصفدي في أعيان العصر: 12 / الورقة: 125 وابن حجر في الدرر: 5 / 236 235 وان صرح يصرح باسم الكتاب، والتاج السبكي في الطبقات: 10 / 296.
(123) في الدرر: " ولو " وهو تصحيف فاحش غير المعنى بالكلية وانظر ماذا يفعل الناشر الجاهل الذي
يدعي معرفة التحقيق، اللهم نسألك العافية ! (124) أوردها السبكي في ترجمة والده: 10 / 223 220، والصفدي في أعيان العصر: 12 / الورقة: 125.
(125) توفي سنة 705، وهو أشهر من أن يذكر.
[ * ]

(1/32)


زكي الدين عبد العظيم (126)..الخ ".
ونقل الصفدي عن الذهبي قوله: " لم يسألني ابن دقيق العيد إلا عنه " (127).
وقال الذهبي نفسه في ترجمة الضياء المقدسي المتوفي سنة (643) من تاريخ الاسلام: " سألت الحافظ أبا الحجاج المزي، وما رأيت مثله (128).." وقال شمس الدين الحسيني المتوفى سنة (765): " وكان مع تبحره في علم الحديث رأسا في اللغة العربية والتصريف، له مشاركة جيدة في الفقه وغيره، ذا حظ من زهد وتعفف، ويقنع باليسير.
وقد شهد له بالامامة جميع الطوائف، وأثنى عليه الموافق والمخالف (129) ".
وقال الصلاح الصفدي: " الشيخ الامام العالم العلامة الحافظ الفريد الرحلة، إمام المحدثين..خاتمة الحفاظ، ناقد الاسانيد والالفاظ ".
وقال: " كان شيخنا الحجة جمال الدين أبو الحجاج شيخ الزمان، وحافظ العصر، وناقد الاوان، لو عاصره ابن ماكولا، كان له مشروبا وماكولا، وجعل هذا الامر إليه موكولا ".
ثم أطنب في تعداد فضائله ومحاسنه وزهده وقال في حفظه: " وسمعت صحيح مسلم على
البندنيجي وهو حاصر بقراءة ابن طغريل وعدة نسخ صحيحة حاضرة يقابل بها، فيرد الشيخ جمال الدين رحمه الله على ابن طغريل اللفظ، فيقول ابن طغريل: ما في النسخة إلا ما قرأه، فيقول من بيده بعض
__________
(126) يعني المنذري صاحب الترغيب والترهيب، والتكملة لوفيات النقلة الذي حققته ويطبع الآن الطبعة الثانية المنقحة في مؤسسة الرسالة.
(127) أعيان العصر: 12 / الورقة: 125.
(128) وفيات سنة 643 (أيا صوفيا: 3014)، وفي مثل هذا انظر أيضا الاوراق: 111، 161، 162 من مجلد أيا صوفيا 3014.
(129) الذيل على ذيل العبر: 230 229.
[ * ]

(1/33)


تلك النسخ الصحيحة: هو عندي كما قال الشيخ..أو في الحاشية تصحيح ذلك، ولما تكرر ذلك قلت أنا له: ما النسخة الصحيحة إلا أنت ! " (130).
وقال التاج عبد الوهاب السبكي مع مخالفة المزي له في العقائد: " شيخنا وأستاذنا وقدوتنا الشيخ جمال الدين أبو الحجاج المزي، حافظ زماننا، حامل راية السنة والجماعة والقائم بأعباء هذه الصناعة، والمتدرع جلباب الطاعة، إمام الحفاظ، كلمة لا يجحدونها، وشهادة على أنفسهم يؤدونها، ورتبة لو نشر أكابر الاعداء، لكانوا يودونها، واحد عصره بالاجماع، وشيخ زمانه الذي تصغي لما يقول الاسماع (131) ".
ثم أورد طائفة من مناقبه وفضائله، وثناء العلماء عليه، ولاسيما والده التقي السبكي، ثم قال: " وبالجملة كان شيخنا المزي أعجوبة زمانه، يقرأ عليه القارئ نهارا كاملا، والطرق تضطرب
والاسانيد تختلف وضبط الاسماء يشكل، وهو لا يسهو ولا يغفل، يبين وجه الاختلاف، ويوضح ضبط المشكل، ويعين المبهم، يقظ لا يغفل عند الاحتياج إليه، ولقد شاهدته الطلبة ينعس، فإذا أخطأ القارئ، رد عليه كأن شخصا أيقظه، وقال له: قال هذا القارئ كيت وكيت، هل هو صحيح ؟ وهذا من عجائب الامور.
وكان قد انتهت إليه رئاسة المحدثين في الدنيا.
" (132).
وفاته انتاب المزي المرض في أوائل صفر من سنة (742) أياما يسيرة، وكان مرضه في أوله خفيفا لم يشغله عن شهود الجماعة، وحضور الدروس، وإسماع الحديث، وقد وصلت إلينا طبقة سماع
__________
(130) أعيان العصر: 22 / الورقة: 127 123.
(131) الطبقات: 10 / 396 395.
(132) المصدر نفسه: 10 / 397.
[ * ]

(1/34)


الجزء الثالث من " تهذيب الكمال " عليه لجملة من الفضلاء في يوم الخميس العاشر من صفر (133)، فلما كان يوم الجمعة حادي عشره أسمع الحديث إلى قريب وقت الصلاة، ثم دخل منزله ليتوضأ، ويذهب للصلاة، فاعترضه في باطنه مغص عظيم، ظن أنه قولنج، وما كان إلا طاعون، فلم يقدر على حضور الصلاة، قال صهره ابن كثير: " فلما فرغنا من الصلاة، أخبرت بأنه منقطع، فذهبت إليه.
فدخلت عليه، فإذا هو يرتعد رعدة شديدة من قوة الالم الذي هو فيه، فسألته عن حاله، فجعل يكرر " الحمدلله " ثم أخبرني بما حصل له من المرض الشديد، وصلى الظهر بنفسه، ودخل إلى الطهارة، وتوضأ على البركة
وهو في قوة الوجع، ثم اتصل به هذا الحال إلى الغد من يوم السبت، فلما كان وقت الظهر لم أكن حاضره إذ ذاك، لكن أخبرتنا بنته زينب زوجتي أنه لما أذن الظهر، تغير ذهنه قليلا، فقالت: يا أبة أذن الظهر، فذكر الله، وقال: أريد أن أصلي، فتيمم وصلى، ثم اضطجع فجعل يقرأ آية الكرسي حتى جعل لا يفيض بها لسانه، ثم قبضت روحه بين الصلاتين رحمه الله يوم السبت ثاني عشر صفر، فلم يمكن تجهيزه تلك الليله، فلما كان من الغد يوم الاحد ثالث عشر صفر صبيحة ذلك اليوم، غسل وكفن وصلي عليه بالجامع الاموي، وحضر القضاة والاعيان وخلائق لا يحصون كثرة، وخرج بجنازته من باب النصر، وخرج نائب السلطنة الامير علاء الدين ألطنبغا (134) ومعه ديوان السلطان، والصاحب، وكاتب السر وغيرهم من الامراء، فصلوا عليه خارج باب النصر، أمهم عليه القاضي تقي الدين السبكي الشافعي، وهو الذي صلى عليه بالجامع الاموي، ثم ذهب به إلى مقابر الصوفية،
__________
(133) نسخة دار الكتب المصرية: 25 مصطلح الحديث، المجلد الاول: اللوحة: 65 من نسختي المصورة وانظر أيضا أدناه صورتها المنشورة مع النماذج.
(134) في الاصل: " طنبغا " محرف، والتصحيح من مصادر ترجمته في كتب القرن الثامن ومنها الدرر لابن حجر: 1 / 436 وكان قد ولي نيابة دمشق في محرم سنة 741.
[ * ]

(1/35)


فدفن هناك إلى جانب زوجته المرأة الصالحة الحافظة لكتاب الله، عائشة بنت إبراهيم بن صديق غربي قبر الشيخ تقي الدين ابن تيمية " (135).
وكانت زوجته عائشة قد توفيت قبله بتسعة أشهر تقريبا في مستهل جمادى الاولى سنة (741)، وكانت عديمة النظير في نساء
زمانها لكثرة عبادتها وتلاوتها وإقرائها القرآن الكريم بفصاحة وبلاغة وأداء صحيح، وختمت نساءا كثيرات، وقرأ عليها من النساء خلق، وانتفعن بها وبصلاحها ودينها وزهدها في الدنيا، وتقللها منها مع طول العمر حيث بلغت ثمانين سنه، وكان المزي محسنا إليها مطيعا لا يكاد يخالفها لحبه لها طبعا وشرعا (136).
وكانت والدة أمة الرحيم زينب زوج العلامه ابن كثير رحمه الله.
وقد عني المزي بأهل بيته، فكان يحضرهم مجالس السماع لا يستثني من ذلك حتى الجواري (137)، واشتهر من أولاده عبد الرحمان ابن يوسف الذي ولد له سنة (687) وتوفي بالطاعون العام سنة (749) وكان شيخا لشرف الدين الحسيني (138).
وولي مشيخة دار الحديث النورية، ودفن بمقابر الصوفية على والده (139).
__________
(135) البداية 14 / 192، وقد جمع تلميذه الحافظ صلاح الدين خليل بن كيكلدي العلائي جزءا سماه سلوان التعزي عن الحافظ المزي.
ابن حجر الدرر 5 / 237.
(136) البداية: 14 / / 72، 189.
(137) كما هو مثبت في خطه في كثير من أجزاء تهذيب الكمال وانظر أدناه نموذجا من ذلك.
(139) البداية: 14 / 227.
[ * ]

(1/36)


الفصل الثاني تهذيب الكمال في أسماء الرجال منهجه وأهميته توطئة :
عني العلماء منذ فترة مبكرة بتأليف الكتب التي تتناول رواة الحديث للافادة منها في بيان صحيح الحديث من سقيمه.
وحينما وضعت الكتب الستة في الحديث وهي: صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وجامع الترمذي، وسنن النسائي، وسنن أبي داود، وسنن ابن ماجة القزويني، عدها جهابذة المحدثين دواوين الاسلام فعنوا بها وبروايتها وتدقيقها، فاشتهرت في بلاد الاسلام، وذاع صيتها بين الانام.
ونتيجة لذلك ألفوا الكتب المعنية بتناول الرجال الواردين في أسانيدها منذ القرن الرابع الهجري.
ابن عساكر أول من ألف في شيوخ أصحاب الكتب الستة.
ولكن أحدا لم يجمع شيوخ أصحاب الستة على ما حققناه قبل حافظ الشام أبي القاسم ابن عساكر (571 499) (1) في كتابه المختصر النافع " المعجم المشتمل على ذكر أسماء شيوخ الائمة النبل (2) " الذي ألفه بعد كتابه " الاطراف " وسار فيه على المنهج الآتي: 1 اقتصر فيه على شيوخ أصحاب الستة دون الرواة الآخرين.
__________
(1) راجع عن ابن عساكر بحثنا: " ابن عساكر: أخذ وعطاء " مجلة التراث العربي، السنة الاولى، العدد الاول، ص: 17 فما بعد.
(2) نسختي المصورة عن النسخة المحفوظة في مكتبة الاوقاف العراقية، وعندي نسخة محققة غير منشورة منه.
وما ذكرناه عن منهجه متأت عن دراستنا للكتاب نفسه.
[ * ]

(1/37)


2 رتب الكتاب على حروف المعجم المشرقية، وابتدأ كتابه بمن اسمه " أحمد ".
3 أورد التراجم على سبيل الاختصار فذكر اسم المترجم ونسبته، ثم من روى عنه من أصحاب الكتب الستة، ثم توثيقه، وأتبع ذلك بتاريخ وفاته إن وقع له.
وأشار في نهاية الترجمة فيما إذا وقع له من
حديثه ما كان موافقة أو بدلا عاليا ونحو ذلك من رتب العلو في الرواية.
4 ومن أجل التخفيف على النساخ استعمل لاصحاب الستة علامات تدل عليهم، وهي: (خ) للبخاري و (م) لمسلم، و (د) لابي داود، و (ت) للترمذي، و (ن) للنسائي، و (ق) لابن ماجة القزويني.
الكمال في أسماء الرجال.
ثم جاء الحافظ الكبير أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي الجماعيلي الحنبلي (600 544) (3) فألف كتابه " الكمال في أسماء الرجال " وتناول فيه رجال الكتب الستة.
وإذا كان الحافظ أبو القاسم ابن عساكر أول من ألف في شيوخ أصحاب الكتب الستة، فإن الحافظ عبد الغني أول من ألف في رواة الكتب الستة حيث لم يقتصر على شيوخهم بل تناول جميع الرواة المذكورين في هذه الكتب من الصحابة والتابعين وأتباعهم إلى شيوخ أصحاب الكتب الستة.
أما نطاق الكتاب ومنهجه فيمكن تلخيصه بما يأتي: 1 اجتهد أن يستوعب جميع رجال هذه الكتب غاية الامكان، لكنه قال: " غير أنه لا يمكن دعوى الاحاطة بجميع ما فيها، لاختلاف
__________
(3) التقييد لابن نقطة، الورقة: 158، والذيل لابن الدبيثي، الورقة: 179 (مجلد باريس 5922)، والتكملة للمنذري، الترجمة: 778 وتعليقنا عليها.
[ * ]

(1/38)


النسخ، وقد يشذ عن الانسان بعد إمعان النظر وكثرة التتبع ما لا يدخل في وسعه " (4).
2 بين أحوال هؤلاء الرجال حسب طاقته ومبلغ جهده، وحذف
كثيرا من الاقوال والاسانيد طلبا للاختصار " إذ لو استوعبنا ذلك، لكان الكتاب من جملة التواريخ الكبار " (5).
3 استعمل عبارات دالة على وجود الرجل في الكتب الستة أو في بعضها، فكان يقول " روى له الجماعة " إذا كان في الكتب الستة، ونحو قوله: " اتفقا عليه " أو " متفق عليه " إذا كان الراوي ممن اتفق على إخراج حديثه البخاري ومسلم في " صحيحيهما " وأما الباقي فسماه تسمية.
4 ابتدأ كتابه بترجمة قصيرة للرسول صلى الله عليه وسلم أخذها بسنده من كتاب " السيرة " لابن هشام استغرقت صفحة واحدة فقط، وقال في نهايتها " وقد أفردنا لاحواله صلى الله عليه وسلم مختصرا لا يستغني طالب الحديث ولا غيره من المسلمين عن مثله ".
وأتبع ذلك بفصل من أقوال الائمة في أحوال الرواة والنقلة، أورده بالاسانيد المتصلة إليه استغرق ثمان أوراق (6).
5 أفرد الصحابة عن باقي الرواة، فجعلهم في أول الكتاب، وبدأهم بالعشرة المشهود لهم بالجنة، فكان أولهم الصديق أبو بكر رضي الله عنهم، وأفرد الرجال عن النساء، فأورد الرجال أولا، ثم أتبعهم بالنساء، ورتب الرواة الباقين على حروف المعجم، وبدأهم بالمحمدين لشرف هذا الاسم.
وقد امتدحه العلماء، وأثنوا عليه، فقال ياقوت الحموي (ت 626): " جوده جدا (7) ".
وقال الحافظ المزي: " وهو كتاب نفيس،
__________
(4) مقدمة الكمال (نسخة خدابخش).
(5) نفسه.
(6) الكمال: 1 / الورقة: 11 2.
(7) معجم البلدان: 2 / 113.
[ * ]

(1/39)


كثير الفائدة، لكن لم يصرف مصنفه رحمه الله عنايته إليه حق صرفها
ولا استقصى الاسماء التي استملت عليها هذه الكتب استقصاءا تاما، ولا تتبع جميع تراجم الاسماء التي ذكرها في كتابه تتبعا شافيا، فحصل في كتابه بسبب ذلك إغفال وإخلال (8) ".
محاولة فاشلة على " الكمال " قبل المزي: وأشار المزي في مقدمة التهذيب إلى أن أحد أولاد الحافظ عبد الغني " ممن لم يبلغ في العلم مبلغه، ولا نال في الحفظ درجته، رام تهذيب كتابه وترتيبه واختصاره واستدراك بعض ما فاته من الاسماء " فلم ينجح في ذلك، ولم يزد سوى بعض تراجم أخذها من أسماء كتاب " الاطراف " لابي القاسم ابن عساكر، وبعض أسماء التابعين من ذلك الكتاب أيضا، ثم أضاف إليهم بعض شيوخ أصحاب الستة من كتاب " المعجم المشتمل " لابن عساكر أيضا، ولم يزد في عامة ذلك على ما ذكره ابن عساكر، فضلا عن وقوع خلل كثير ووهم شنيع فيما اختصره من كتاب والده (9).
ولم يصرح المزي باسم هذا " الولد " ولا أشار أحد غيره إليه فيما وقفت عليه من مصادر، لكنني وقعت على ثلاثة أولاد للحافظ عبد الغني ممن عني بالحديث وطلبه وروايته، وهم: 1 عز الدين أبو الفتوح محمد بن عبد الغني (613 566) وهو ممن دخل بغداد غير مرة، وسمع بها، كما سمع بدمشق وأصبهان (10).
2 جمال الدين أبو موسى عبدالله بن عبد الغني (581
__________
(8) مقدمة التهذيب.
(9) المصدر نفسه.
(10) الذيل لابن الدبيثي، الورقة: 73 (مجلد باريس 5922)، والتكملة للمنذري، الترجمة: 1501،
والذيل لابي شامة: 99، وتلخيص مجمع الآداب لابن الفوطي: 4 / الترجمة: 436، وتذكرة الحفاظ: 4 / 1401، وتاريخ الاسلام، الورقة: 204 (باريس 1582)، والذيل لابن رجب: 2 / 92 90 وغيرها.
[ * ]

(1/40)


629).
سمع بدمشق وبغداد وأصبهان ومصر، وحدث بدمشق ومصر وغيرهما، فتكلم فيه بعضهم بسبب تقربه من السلطان (11).
3 محيي الدين أبو سليمان عبد الرحمان بن عبد الغني (583 أو 584، 643).
سمع بدمشق وبغداد ومصر، وحدث، وكان فقيها زاهدا (12).
ومن دراسة سير أولاده الثلاثة هؤلاء دراسة مستفيضة في جميع الموارد التي ترجمت لهم لم أجد أحدا ذكر هذا " المختصر " أو " التهذيب " الذي عمله لكتاب والده، ولكنني في الوقت نفسه أرجح أن يكون المقصود بهذا هو عز الدين أبا الفتح محمد بن عبد الغني، لان الذين ترجموا له ذكروا له عناية بهذا الفن، أعني رجال الحديث، قال محدث بغداد الحافظ ابن النجار (ت 643): " وكان من أئمة المسلمين حافظا للحديث متنا وإسنادا، عارفا بمعانيه وغريبه ومشكله، متقنا لاسامي المحدثين وكناهم، ومقدار أعمارهم، وما قيل فيهم من جرح وتعديل، ومعرفة أنسابهم واختلاف أسمائهم (13) " ولم يذكروا لغيره مثل هذه المعرفة.
التهذيب ليس مختصرا للكمال درس الحافظ جمال الدين المزي كتاب " الكمال " للحافظ عبد الغني، فوجد فيه نقصا وإخلالا وإغفالا لكثير من الاسماء التي هي من
__________
(11) مرآة الزمان للسبط: 8 / 675، والتكملة للمنذري، الترجمة: 2416، والذيل لابي شامة: 161،
وتاريخ الاسلام للذهبي، الورقة: 79 (أيا صوفيا: 3012)، وتذكرة الحفاظ: 4 / 1408 ونثر الجمان للفيومي: 2 / الورقة: 43، والذيل لابن رجب: 2 / 187 185، وذيل التقييد للتقي الفاسي، الورقة: 173 وغيرها.
(12) صلة التكملة للعز الحسيني: 1 / الورقة: 25 من نسختي المصورة، وتاريخ الاسلام في وفيات: 643 (أيا صوفيا: 3013)، والذيل لابن رجب: 2 / 231.
(13) لم تصل إلينا ترجمته في تاريخ ابن النجار لضياع هذا القسم منه، ولكن قوله هذا نقله الذهبي في تاريخ الاسلام، وهو في هامش التي بخطه، الورقة: 117 (أيا صوفيا: 3011)، والذيل لابن رجب: 2 / 91 وغيرهما.
[ * ]

(1/41)


شرطه بلغت مئات عديدة، وقرر تأليف كتاب جديد يستند في أسسه على كتاب " الكمال " وسماه " تهذيب الكمال في أسماء الرجال ".
والظاهر أنه اشتغل بمادة الكتاب منذ فترة مبكرة، فقد أشار الذهبي في مقدمة كتابه " تاريخ الاسلام " إلى أنه طالع مسودة كتاب " التهذيب " قبل قيامه بتأليف كتابه، ثم طالع المبيضة كلها (14).
وقد بدأ المزي يضع كتابه بصيغته النهائية المبيضة في اليوم التاسع من محرم سنة (705) ولم ينته منه إلا يوم عيد الاضحى من سنة (712) (15)، وبذلك يكون قد قضى في تبييضه وإعادة النظر فيه ثمانية أعوام إلا شهرا.
وقد ظن بعضهم غلطا أن الحافظ المزي إنما اختصر كتاب " الكمال " لعبد الغني حينما ألف كتابه " تهذيب الكمال " (16)، وكأنهم ربطوا بين كلمتي " الاختصار " و " التهذيب " مع أن الاخيرة تدل في الاغلب على التنقية والاصلاح (17).
والحق أن المزي قد تجاوز كتاب " الكمال " في كتابه هذا تجاوزا أصبح معه التناسب بينهما أمرا بعيدا، سواء أكان ذلك في المحتوى، أم التنظيم، أم الحجم، وإليك بيان
ذلك على وجه الاختصار:
__________
(14) انظر مقدمة تاريخ الاسلام، وقد ابتدأ الذهبي كتابه قبل بدء المزي بإخراج كتابه بصيغته النهائية، راجع كتابنا: الذهبي: 24 فما بعد.
(15) نص المؤلف على ذلك في آخر كتابه، ولعل من أبرز الادلة على أن هذه كانت المبيضة.
1 عدم وجود إضافات ذات بال في حواشي الاصل.
2 أن المؤلف لم يعد النظر في أية مسألة من مسائله طوال ثلاثين عاما مع أنه حدث به خمس مرات.
3 أن ابن المهندس كان ينقل نسخته الاولى حينما ينتهي المؤلف من تبييض قسم منها، وهذا هو الذي يفسر لنا ما يبدو متناقضا لاول وهلة بين ما ذكره المؤلف في ابتداء تأليفه الكتاب وانتهائه منه وبين ما وجدناه بخط ابن المهندس من أنه نسخ المجلد الاول سنة 706.
(16) انظر مثلا مقدمة خلاصة تذهيب تهذيب الكمال للشيخ عبد الفتاح أبي غدة: 6.
(17) راجع " هذب " في معجمات اللغة.
[ * ]

(1/42)


تفضيل التهذيب على الكمال في المحتوى
أولا اقتصر كتاب " الكمال " على رواة الكتب الستة، فاستدرك المزي ما فات المؤلف من رواة هذه الكتب أولا، وهم كثرة، ودقق في الذين ذكرهم، فحذف بعض من هو ليس من شرطه، وهم قلة، ثم أضاف إلى كتابه الرواة الواردين في بعض ما اختاره من مؤلفات أصحاب الكتب الستة، وهي: للبخاري: 1 كتاب القراءة خلف الامام.
2 كتاب رفع اليدين في الصلاة.
3 كتاب الادب المفرد.
4 كتاب خلق أفعال العباد.
5 ما استشهد به في الصحيح تعليقا.
ولمسلم: 6 مقدمة كتابه الصحيح.
ولابي داود: 7 كتاب المراسيل.
8 كتاب الرد على أهل القدر.
9 كتاب الناسخ والمنسوخ.
10 كتاب التفرد (وهو ما تفرد به أهل الامصار من السنن).
11 كتاب فضائل الانصار.
12 كتاب مسائل الامام أحمد (وهي المسائل التي سأل عنها أبا عبدالله أحمد بن محمد بن حنبل).
13 كتاب مسند حديث مالك بن أنس.

(1/43)


وللترمذي: 14 كتاب الشمائل.
وللنسائي: 15 كتاب عمل يوم وليلة.
16 كتاب خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
17 كتاب مسند علي رضي الله عنه.
18 كتاب مسند حديث مالك بن أنس.
ولابن ماجة القزويني 19 كتاب التفسير.
وبذلك زاد في تراجم الاصل أكثر من ألف وسبع مئة ترجمة.
ثانيا: وذكر جملة من التراجم للتمييز، وهي تراجم تتفق مع تراجم الكتاب في الاسم والطبقة، لكن أصحابها لم يكونوا من رجال أصحاب الكتب الستة.
ثالثا: أضاف المزي إلى معظم تراجم الاصل مادة تاريخية جديدة في شيوخ صاحب الترجمة، والرواة عنه، وما قيل فيه من جرح أو تعديل أو توثيق، وتاريخ مولده أو وفاته، ونحو ذلك، فتوسعت معظم التراجم توسعا كبيرا.
رابعا: وأضاف المزي بعد كل هذا أربعة فصول مهمة في آخر كتابه لم يذكر صاحب " الكمال " منها شيئا وهي:
1 - فصل فيمن اشتهر بالنسبة إلى أبيه أو جده أو أمه أو عمه أو نحو ذلك.
2 - فصل فيمن اشتهر بالنسبة إلى قبيلة أو بلدة أو صناعة أو نحو ذلك.

(1/44)


3 - فصل فيمن اشتهر بلقب أو نحوه.
4 - فصل في المبهمات.
وهذه الفصول تيسر الانتفاع بالكتاب تيسيرا عظيما في تسهيل الكشف على التراجم الاصلية، فضلا عن إيراد بعضهم مفردا في هذه الفصول.
خامسا: رجع المزي إلى كثير من الموارد الاصلية التي لم يرجع إليها صاحب " الكمال " يعرف ذلك كل من يلقي نظرة على الكتابين، وكان لا بد للمزي أن يفعل ذلك بعد توسيعه لمادة الكتاب كل هذا التوسيع، فلم يكن ذلك ممكنا إلا بزيادة الموارد المعتمدة.
سادسا: هذا فضلا عن زيادة التدقيق والتحقيق وبيان الاوهام ومواطن الخلل في كل المادة التاريخية التي ذكرها عبد الغني في " الكمال "، فوضح سقيمها، ووثق ما اطمأن إليه، فأورده في كتابه الجديد.
التهذيب ثلاثة أضعاف الكمال
لقد أدت كل هذه الاضافات الاساسية إلى تضخم الكتاب تضخما كبيرا، فصار ثلاثة أضعاف " الكمال " تقريبا، وأصتبح يتكون من مئتين وخمسين جزءا حديثيا، فإذا علمنا أن الجزء الحديثي الذي كتبه المؤلف المزي بخطه يتكون من عشرين ورقة (أربعين صفحة) عرفنا أن المزي وضع كتابه في عشرة آلاف صفحة، في كل صفحة 21 سطرا، فضلا عما كتبه المؤلف من تحقيقات في حواشي نسخته.
تفضيل التهذيب على الكمال في التنظيم
نظم المزي كتابه تنظيما جديدا سواء أكان ذلك في هيكله العام أم في مادة كل ترجمة من التراجم، وابتدع أمورا تنظيمية في بعض

(1/45)


المواضع لم يسبق إليها من قبل، فوضع بذلك أساسا لكثير من الكتب اللاحقة، وإليك مجمل ذلك على وجه الاختصار: أولا: كان صاحب الكمال قد أفرد الصحابة عن باقي المترجمين فذكرهم في أول كتابه، وذكر الرجال منهم ثم النساء ثم اتبعهم بمن بعدهم.
أما المزي قد ذكر الجميع على نسق واحد، وابتدأ بالرجال منهم، فوضع الصحابة في مواضعهم من التراجم، ورتب الجميع على حروف المعجم المشرقية في أسمائهم وأسماء آبائهم وأجدادهم، لكنه بدأ في حرف الالف بالاحمدين، وفي حرف الميم بالمحمدين لشرف هذين الاسمين، وهي سنة اتبعها كثير من المؤلفين في الرجال والتراجم قبله.
ثم رتب في نهاية الاسماء فصول الكنى والانساب والالقاب والمبهمات على حروف المعجم أيضا.
وجعل النساء في آخر كتابه ورتبهم على الترتيب المذكور في الاسماء والكنى والانساب والالقاب والمبهمات.
وقد ذكر المزي في مقدمته سبب خلطه الصحابة بغيرهم من المترجمين خلافا لصاحب " الكمال " فقال: " لان الصحابي ربما روى عن صحابي آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم فيظنه من لا خبرة له تابعيا فيطلبه في أسماء التابعين فلا يجده، وربما روى التابعي حديثا مرسلا عن النبي صلى الله عليه وسلم فيظنه من لا خبرة لا صحابيا، فيطلبه في أسماء الصحابة فلا يجده، وربما تكرر ذكر الصحابي في أسماء الصحابة وفيمن بعدهم، وربما ذكر الصحابي الراوي عن غير النبي صلى الله عليه وسلم في غير الصحابة، وربما ذكر التابعي المرسل عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحابة، فإذا ذكر الجميع على نسق واحد، زال ذلك المحذور وذكر في ترجمة كل إنسان منهم ما يكشف عن حاله إن كان صحابيا أو غير صحابي ".
ثانيا: وعمل المزي إحالات للاسماء الواردة في كتابه بحسب شهرته أو وروده في كتب الحديث، وجعل كثيرا من هذه الاحالات في

(1/46)


صلب كتابه، كما أفاد من فصول الكنى والانساب والالقاب والمبهمات في عمل الاحالات، وهي فهارس قلما نجدها في عصرنا الحديث هذا لصعوبتها، فسهل بذلك على الناظرين في كتابه والمستفيدين منه.
ثالثا: ثم فرق المزي الاسماء التي أضافها إلى تراجم " الكمال " بعلامة تفرزها، فكتب الاسم واسم الاب، أو ما يجري مجراه باللون الاحمر، واقتصر في تراجم الاصل على كتابة الاسم الاول حسب باللون الاحمر.
رابعا: وأعاد المزي تنظيم الترجمة الواحدة ولا سيما شيوخ المترجم والرواة عنه بعد أن زاد فيهم زيادة كبيرة فاقت الاصل في معظم الاحيان عدة مرات.
فنظم شيوخ المترجم على حروف المعجم على نحو ترتيب الاسماء في الاصل، ورتب الرواه عنه على ذلك النحو أيضا، فسهل للمطالع العجل الوقوف على بغيته، وما أظن أحدا سبقه إلى هذا الابتداع المفيد في حين قبله الكثير ممن جاء بعده، فساروا على نهجه.
خامسا: وجعل المزي لكل مصنف علامة مختصرة تدل عليه، وهي سبع وعشرون علامة، منها ست علامات للاصول الستة، وعلامة لما اتفق عليه الستة، وعلامة لما اتفق عليه أصحاب السنن الاربعة، وتسع عشرة علامة لمؤلفات أصحاب الستة الاخرى بينها في مقدمته.
وقد كتب هذه العلامات فوق كل اسم من أسماء المترجمين وجعلها باللون الاسود بسبب كتابته الاسم باللون الاحمر، وبذلك يستطيع
الناظر إلى الترجمة معرفة من أخرج له من هؤلاء الائمة، وفي أي كتاب من هذه الكتب أخرجوا له عند أول نظرة تقع على اسم المترجم.
ولم يكتف بتلك الرموز، بل نص على معانيها نصا صريحا عند انقضاء

(1/47)


الترجمة أو قبل ذلك على حسب ما تقتضيه الحال دفعا لاي التباس.
وزاد الحافظ المزي في التدقيق، فوضع رقوما (علامات)، كما ذكرنا سابقا، فوق كثير من أسماء شيوخ صاحب الترجمة، أو الرواة عنه باللون الاحمر ليعرف الناظر إليها في أي كتاب من تلك الكتب وقعت روايته عن ذلك الاسم المرقوم عليه، ورواية ذلك الاسم المرقوم عليه عنه، ثم ذكر بعد ذلك في تراجمهم روايتهم عنه أو روايته عنهم، وبذلك صارت كل ترجمة من تراجم الكتاب شاهدة للاخرى بالصحة، والاخرى شاهدة لها بذلك أيضا.
ودقق بعد ذلك تدقيقا عظيما ذكره مفصلا في مقدمته.
وهذا عمل من اختراعه وابتداعه ما أظن يستطيع عمله من غير استعانة بأحدث الآلات الحاسبة المحللة في العصر الحديث (الكومبيوتر)، وهو أمر يكفي وحده لتفصيله على سابقيه ولاحقيه.
عظمة تهذيب الكمال من أجل كل هذا الذي قدمنا أصبح كتاب " تهذيب الكمال " أعظم كتاب في موضوعه غير مدافع، قال الصلاح الصفدي (ت 764): " وصنف كتاب تهذيب الكمال في أربعة عشر مجلدا كسف به الكتب المتقدمة في هذا الشأن، وسارت به الركبان، واشتهر في حياته (18) ".
وقال تاج الدين السبكي (ت 1771): " وصنف تهذيب
الكمال المجمع على أنه لم يصنف مثله (19) "، وقال ابن تغري بردي: " وهو في غاية الحسن في معناه (20) "، بل قال العلامة علاء الدين مغلطاي
__________
(18) أعيان العصر: 12 / الورقة: 125، وعيون التواريخ لابن شاكر، الورقة: 59.
(19) الطبقات: 10 / 401.
(20) النجوم الزاهرة: 10 / 77 وقال حاج خليفة: " وهو كتاب كبير لم يؤلف مثله ولا يظن أن يتسطاع ".
[ * ]

(1/48)


الحنفي (ت 762) بعد أن كتب كل ذلك النقد الطويل عليه إنه: " كتاب عظيم الفوائد، جم الفرائد، لم يصنف في نوعه مثله..لان مؤلفه أبدع فيما وضع، ونهج للناس منهجا لم يشرع ".
وقال أيضا: " وقد صار كتاب التهذيب حكما بين طائفتي المحدثين والفقهاء إذا اختلفوا قالوا: بيننا وبينكم كتاب المزي (21) ".
فانظر إلى هذه المرتبة العظيمة التي وصل إليها كتاب " التهذيب " بعد أن أجمع جهابذة الفن على عظمته وفضله على جميع الكتب التي من بابته.
__________
(21) راجع مقدمة إكمال تهذيب الكمال (نسخة الازهر التي بخطه).
[ * ]

(1/49)


الفصل الثالث عناية العلماء بتهذيب الكمال المختصرون والمستدركون
قد بينا فيما سبق أن " التهذيب " أصبح من أعظم الكتب المؤلفة في فنه وأنه فاق جميع المتقدمين المؤلفين في هذا الباب بما تضمنه من سعة في المادة، وتنظيم دقيق في أساليب العرض فضلا عن التدقيق والتمحيص، لذلك تناوله جملة من الحفاظ والعلماء المعنيين بهذا
الفن استدراكا أو تعقيبا أو تلخيصا، أو أساسا لكتب أخرى.
وعلى العكس من ذلك لم نجد بعد ظهور " التهذيب " من عني بكتاب " الكمال " للحافظ عبد الغني مما يشير إلى أفول نجمه، وانعدام أهميته، وإليك من عني بهذا الكتاب منقذ عصر المؤلف على وجه الاختصار: رافع السلامي " 718 668 ": جمال الدين أبو محمد رافع بن أبي محمد هجرس بن شافع السلامي.
ولد في أواخر سنة 668 أو أوائل سنة 669، وعني بالحديث والقراءات، وقرأ ونسخ وسمع (تهذيب الكمال) على مؤلفه وأحضر ولده محمد بن رافع صاحب كتاب (الوفيات) فسمعه معه، وكان محدثا زاهدا مقرئا صالحا أعاد ببعض المدارس، وولي عقود الانكحة، وتوفي في ذي الحجة سنة 718 (1).
__________
(1) انظر الدرر لابن حجر: 2 / 198، والمقتفي لتاريخ أبي شامة للبرزالي (وفيات سنة 718)، وشذرات ابن العماد: 6 / 52 وغيرها.
[ * ]

(1/51)


له كتاب " الكنى المختصر من تهذيب الكمال في أسماء الرجال ": اختصر فيه القسم الاخير من (تهذيب الكمال) الخاص بالكنى، وقفنا على نسخة منه بخطه، قال في أولها: " الحمدلله وسلام على عباده الذين اصطفى.
هذا كتاب مختصر من كتاب الكنى من تهذيب الكمال في أسماء الرجال، يشتمل على ذكر المشهورين بالكنى ممن أخرج حديثه الائمة الستة في كتبهم الستة وغيرها من مصنفاتهم المذكور أسماء رجالها في الكتاب المذكور..ذكرنا ذلك على ترتيب حروف المعجم مبتدئين بالاول فالاول من الحروف، وسمينا من عرفنا
اسمه منهم، وأشرنا إلى بعض ما وقع في ذلك من الخلاف، ولم نذكر ممن رووا عنه وروى عنهم في الغالب سوى راو واحد، وربما ذكرنا الحديث الذي رواه صاحب الترجمة، ومن كان من الصحابة لم ندكر عمن روى في الغالب، لان عامة رواية الصحابي إنما هي عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وما ليس عليه علامة، فمنهم من فيه خلاف، ومنهم من فيه إشكال ومنهم من له ذكر في بعض هذه الكتب من غير رواية، فمن أراد الوقوف على ذلك على طريق الاستقصاء، فلينظر في الاصل المختصر هذا منه ".
وجاء في آخره: " فرغ في ليلة التاسع من ذي القعدة سنة سبع وسبع مئة بدرب الملوخية من القاهرة المعزية، علقه لنفسه رافع بن أبي محمد بن محمد (2) ".
قال بشار: وهذا يدل على أنه اختصره من المسودة، وإلا فإن المزي لم يكمل تبييض الكتاب إلا في أواخر سنة (712).
__________
(2) النسخة في (54) ورقة من القطع الصغير، ومسطرتها: (16) سطرا، وكتب السلامي الكنى بالحمرة، وهي من محفوظات مكتبة أيا صوفيا (الملحقة الآن بالسليمانية في استنبول) برقم (3405)، وفي خزانة كتبي = [ * ]

(1/52)


الذهبي (748 673) عني الامام شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد الذهبي (3) بكتاب " التهذيب " فاستوعب معظم تراجمه في كتابه الحافل " تاريخ الاسلام (4) "، واختصر من التهذيب أربعة كتب هي: 1 تذهيب التهذيب وقد حافظ فيه على ترتيب الاصل، وأضاف إلى مختصره ما رآه حريا بالاضافة، وعلق على كثير من تراجم الاصل من حيث الرواية وضبط الاسماء والوفيات وبعض أقوال العلماء في المترجمين (5)، وكان الانتهاء من الاختصار في سنة 719 واستغرق ثمانية أشهر، وكما صرح به في آخر النسخة.
وقام صفي الدين أحمد بن عبدالله بن أبي الخير بن عبدالعليم
__________
= نسخة مصورة منها.
وفي اثناء رحلتنا إلى استنبول في مطلع سنة (1400) وقلنا على نسخة أخرى وهي غفل من اسم مؤلفها في مكتبة السلطان أحمد الثالث برقم (2947) في مئة ورقة وورقة ومسطرتها (15) سطرا كتبت بخط واضح جلي نفيس كتبها جمال الدين أبو بكر عبدالله ابن العلامة علاء الدين مغلطاي بن قليج الحنفي البكجري (791 719 ه) وفرغ منها في آخر يوم الاحد السادس عشر من صفر سنة (743) وعلى النسخة حواش بخط شيخ الاسلام سراج الدين البلقيني.
(3) كتبنا سيرة مفصلة للذهبي في كتابنا: " الذهبي ومنهجه في كتابه تاريخ الاسلام " المطبوع بالقاهرة سنة 1976، ص: 276 1 (4) انظر مقدمة " تاريخ الاسلام ".
(5) الصفدي في الوافي: 2 / 164 ونكت الهميان: 243، والسبكي في الطبقات: 9 / 104، والزركشي في عقود الجمان، الورقة: 79، وابن تغري بردي في المنهل الصافي، الورقة: 71، وسبط ابن حجر في رونق الالفاظ، الورقة: 180 وكتابنا: الذهبي، ص: 219.
وفي خزانة كتبي نسخة مصورة منه عن نسخة أحمد الثالث باستانبول كتبت في حياة المؤلف سنة 745 وعلى هامشها تصحيحات بخطه.
ووقفت على نسخة أخرى منه بدار الكتب المصرية كتبت سنة 731 فيها المجلدات من الاول إلى الثالث (62 مصطلح الحديث)، ووقفنا في الدار المذكورة على بعض أجزاء متفرقة منه تحمل الرقم (88 مصطلح الحديث).
وفي دار الكتب الظاهرية بدمشق المجلدان الثالث والرابع من نسخة تتكون من أربعة مجلدات كتبت سنة 762 (رقم 282، 383 تاريخ) ورأينا في سنة 1975 المجلد الاول منه في مكتبة أسعد أفندي باستانبول (رقم 292) ورأينا مجلدا منه ضمن كتب الطلب في المكتبة المذكورة لم يكتب اسم مؤلفه (رقم 2461) وهناك نسخ أخرى ذكرها بروكلمان وغيره.
[ * ]

(1/53)


الخزرجي الانصاري سنة 923 بتلخيصه بكتابه المعروف " خلاصة تذهيب الكمال في أسماء الرجال (6) "، وفائدته أنه قيد بعض الاسماء بالحروف.
(2) الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة (7): قال الذهبي في مقدمته: " هذا مختصر نافع في رجال الكتب الستة: الصحيحين والسنن الاربعة، مقتضب من تهذيب الكمال لشيخنا الحافظ أبي الحجاج المزي، اقتصرت فيه على ذكر من له رواية في الكتب، دون باقي تلك التواليف التي في " التهذيب "، ودون من ذكر للتمييز أو كرر للتنبيه.
" وجاء في آخر نسخة التيمورية (رقم 1935 تاريخ) وهي بخط الذهبي: إنه فرغ من اختصاره بعد العصر من يوم الجمعة السابع والعشرين من شهر رمضان سنة 720.
ذكره الصفدي والبكي والزركشي والعيني وسبط ابن حجر والسخاوي.
وقد مر بنا أن الامام الذهبي اختصر التهذيب في كتابه " التهذيب "، وذكر الصفدي (8) والسبكي (9) وابن تغري بردي (10) وابن العماد (11) أن الذهبي اختصر كتاب الكاشف من " التذهيب " وهو وهم منهم، حيث صرح الذهبي في مقدمته أنه اختصره من الاصل، أعني من " تهذيب الكمال "، فضلا عن أن كتاب " الكاشف " اقتصر على
__________
(6) طبع سنة 1301 ه بالقاهرة ثم طبع بعد ذلك سنة 1323 ه وأعيد في سنة 1979 طبعه بالاوفست وكتب له الشيخ عبد الفتاح أبو عدة مقدمة فراجعها.
(7) راجع الكلام عليه مفصلا في كتابي: الذهبي ومنهجه: 230 227.
(8) الوافي: 2 / 164 (9) الطبقات: 9 / 104.
(10) المنهل الصافي، الورقة: 70 (11) شذرات الذهب: 6 / 155.
[ * ]

(1/54)


رجل الكتب الستة في حين كان " التذهيب " كأصله، قد شمل رجال الكتب الستة وغيرها من التواليف.
احتل كتاب " الكاشف " مكانة مميزة بين كتب الذهبي، على الرغم من أنه جاء في عشر الكتاب الاصلي (12)، بحيث قال فيه التاج السبكي: إنه مجلد نفيس (13).
ثم وجدنا العلماء يعنون به، بل أشار الحافظ ابن حجر في مقدمة " تهذيب التهذيب " إلى أن الناس صاروا يعتمدون " الكاشف " في هذا الفن، ونتيجة لاهمية كتاب " الكاشف " فقد ذيل عليه واحد من كبار العلماء هو أبو زرعة أحمد بن عبدالرحيم العراقي المتوفى سنة (826) وذكر تقي الدين بن فهد هذا الذيل (14) ورأيت أنا نسخة منه (15).
كما أن لابراهيم بن محمد بن خليل الطرابلسي ثم الحلبي المعروف بسبط ابن العجمي المتوفى سنة (841) حواشي عليه (16).
واعتمد على " الكاشف " كثيرا شرف الدين الحسين بن محمد بن عبدالله الطيبي المتوفى سنة (743) حينما ألف كتابه في: " أسماء الرجال " (17).
__________
(12) انظر آخر نسخة الخزانة التيمورية (1935 تاريخ).
(13) الطبقات: 9 / 104.
(14) لحظ الالحاظ: 287.
(15) مصورة في خزانة شيخنا المحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الحاج صبحي البدري السامرائي
نزيل بغداد، وهي مصورة عن مكتبة فيض الله باستانبول (رقم 1454) في 142 لوحة.
وقد أضاف العراقي في هذا الذيل بقية التراجم التي ذكرها المزي في التهذيب، كما أضاف رجال مسند الامام أحمد وزيادات ولده عبدالله عليه.
وهذا في رأينا تجوز من العراقي رحمه الله لان الذهبي اقتصر على ذكر من له رواية في الكتب الستة فقط وأسقط متعمدا تراجم الدين لهم رواية في تواليف أصحاب الكتب الستة الاخرى ممن ذكرهم المزي في " التهذيب " وإلا فإنه ذكر الجميع في كتابه " تذهيب التهذيب " فما الفرق بينه وبين الكاشف عندئذ ؟ !.
(16) ابن فهد: لحظ الالحاظ: 314.
(17) الطيبي: أسماء الرجال، الورقة: 47 (نسخة الظاهرية 6164).
[ * ]

(1/55)


3 المجرد من تهذيب الكمال ذكره السبكي (18) وسبط ابن حجر (19) وحاجي خليفة (20) والبغدادي (21)، واقتصر فيه على رجال الكتب الستة أيضا دون التواليف الاخرى، لكنه رتبه على الطبقات فجعله في عشر طبقات، ثم رتب رجال كل طبقة على حروف المعجم (22).
4 المقتضب من تهذيب الكمال قال شمس الدين السخاوي: " وللذهبي أسماء من أخرج لهم أصحاب الكتب الستة في تواليفهم سواها ممن لم يذكرهم في الكاشف " (23).
فالذي يفهم من نص السخاوي أن الذهبي اختصر كتابا آخر من تهذيب الكمال خاصا بأسماء رجال مؤلفات أصحاب الكتب الستة الاخرى، لذلك فهو لا علاقة له بكتابي " الكاشف " و " المجرد " اللذين مر ذكرهما.
وقد ذكره البغدادي بالعنوان الذي ذكرناه (24).
__________
(18) الطبقات: 9 / 105 وسماه: " المجرد في رجال الكتب الستة "
(19) رونق الالفاظ، الورقة: 180.
(20) كشف الظنون: 2 / 1593 (21) هدية العارفين: 2 / 154.
(22) من الكتاب نسخة بخزانة كتب الفاتيكان (رقم 1032)، وكانت منه نسخة ببرلين تحمل الرقم 9938.
وعثرت على نسخة منه في مكتبة الشهيد علي باشا باستانبول (رقم 523) في مئة ورقة وورقتين ينقص من أولها بعض الاوراق، وأول ما فيها: أبو معقل الانصاري الاسدي، وآخرها آخر طبقة البخاري وباقي شيوخ الائمة.
وقد كتبت هذه النسخة سنة 717، وفي حواشيها تعليقات واستدراكات كثيرة، وقوبلت على نسخة الذهبي في التاريخ المذكور.
وصور معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية هذه النسخة وضمها إلى خزانته برقم 576 تاريخ لكنهم لم يعرفوا اسم الكتاب، فذكروا أنه في " أسماء رجال تهذيب الكمال للمزي " ولا عرفوا مؤلفه لذهاب الورقات الاولى منه فاقتضى لذلك التنبيه (انظر فهرس المخطوطات المصورة لفؤاد سيد: ج 2 ق، ص: 10).
(23) الاعلان: 601.
(24) هدية العارفين: 2 / 154.
[ * ]

(1/56)


الاندرشي (بعد 750 690) أبو العباس أحمد بن سعد بن محمد بن أحمد الغساني العسكري الاندرشي الصوفي.
قدم المشرق فحج واستوطن دمشق، وسمع من القاسم ابن عساكر، ودرس العربية على أثير الدين أبي حيان النحوي، فبرع في النحو، وكان زاهدا منجمعا عن الناس (25).
ذكره الذهبي في المعجم المختص، وقال: إنه نسخ " تهذيب الكمال " كله واختصرة (26).
وذكر مختصره هذا السيوطي (27) وحاجي خليفة (28).
وذكر حاجي خليفة أيضا أن للسيوطي (ت 911) زوائد عليه.
علاء الدين مغلطاي (762 689) علاء الدين أبو عبد الله مغلطاي بن قليج بن عبدالله البكجري الحنفي.
ولد بالقاهرة، وسمع بها جملة من مشايخ عصره، منهم: التاج أحمد ابن دقيق العيد، والواني، والختني، والدبوسي، وغيرهم، وتخرج بابن سيد الناس اليعمري.
ورحل إلى دمشق، فسمع بها على شيوخ العصر، وبرع في الحديث والانساب.
وولي التدريس بعدة مدارس بمصر منها المدرسة الظاهرية (29)، وليها بعد شيخه ابن سيد الناس، فتحامل الناس عليه بسبب ذلك، وتكلموا فيه من أجل ادعائه سماع بعض من لا يحتمل سماعه منهم، وهي مسألة أكثروا الكلام فيها، والظاهر أن وراءها دوافع أخرى.
__________
(25) ابن رافع: الوفيات، الورقة: 78.
(26) ابن حجر في الدرر: 1 / 145 (27) بغية الوعاة: 1 / 309.
(28) كشف الظنون: 2 / 1510 وقد جعله حاجي خليفة شخصين، أحدهما: الاندرشي والآخر: العسكري، فقال وهو يذكر مختصرات التهذيب: " وأبو العباس أحمد بن سعد العسكري المتوفى سنة 750..ومختصر التهذيب للحافظ الاندرشي صاحب العمدة في مختصر الاطراف " وهذا وهم مبين فهما واحد.
(29) وفيات ابن رافع، الورقة: 93 92، والبداية لابن كثير، 14 / 281، والدرر لابن حجر: 5 / 122، ولسان الميزان: 6 / 72، ولحظ الالحاظ لابن فهد: 139، والنجوم لابن تغري بردي: 6 / 197، وذيل طبقات الحفاظ للسيوطي: 365.
[ * ]

(1/57)


ويبدو لنا أن علاء الدين مغلطاي صرف جل عنايته لدراسة المؤلفات السابقة ونقدها، وأولع بالرد والاستدراك عليها، ساعده على ذلك كثرة اطلاعه ودأبه وتوافر الكتب والمصادر الكثيرة لديه (30)، فقد ذيل على " إكمال الاكمال " للحافظ ابن نقطة البغدادي (ت 629)، و " تكملة إكمال الاكمال " لابي حامد ابن الصابوني (ت 680)، و " الذيل " على كتاب ابن نقطة الذي ألفه منصور بن سليم الاسكندراني (ت 673)، كما ذيل على كتاب الضعفاء لابن الجوزي (ت 597)، ووضع شيئا على " الروض الانف " للسهيلي (ت 581) (31)، وقال الشهاب ابن رجب: " وعدة تصانيفه نحو المئة أو أزيد، وله مآخذ على أهل اللغة وعلى كثير من المحدثين " (32).
ومن هذا المنطلق عني علاء الدين مغلطاي بالكتابين العظيمين اللذين ألفهما المزي، وهما: تحفة الاشراف، وتهذيب الكمال، فكتب كتابا في " أوهام الاطراف " (33) ثم كتب كتابه العظيم " إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال " (34).
ذكر مغلطاي في مقدمة كتابه أن استدراكه هذا لا ينقص من قيمة كتاب المزي وأهميته، وقال: " ومعتقدي أن لو كان الشيخ حيا لرحب بهذا الاكمال ".
وذكر عظمة كتاب المزي ومنزلته، ثم أخذ عليه جملة أمور من أبرزها: 1 ذكره أشياء لا حاجه إليها مثل الاسانيد التي يذكرها من باب العلو أو الموافقات أو نحو ذلك.
__________
(30) الدرر لابن حجر: 5 / 123.
(31) لحظ الالحاظ لابن فهد: 139.
(32) الدرر: 5 / 123.
(33) ذيل طبقات الحفاظ للسيوطي: 366.
(34) أخذت هذا العنوان من النسخة التي بخط المؤلف وهي مسودته، وعندي مصورتها.
[ * ]

(1/58)


2 ذكره للترجمة النبوية وأخذه معظم ما ذكره فيها من كتاب أبي عمر بن عبد البر.
3 إيراد بعض أخبار المترجمين مما لا ينفع في بيان أحوالهم في التوثيق أو التجريح.
4 محاولة المزي استيعاب شيوخ صاحب الترجمة والرواة عنه، مع أن الاحاطة بذلك متعذرة لا سبيل إليها.
5 مسامحة المزي لصاحب " الكمال " في بعض المواضع التي لم يرد عليه فيها.
ونتيجة دراستنا لكتاب مغلطاي يمكننا تلخيص منهجه بما يأتي:
1 ترك نقد المقدمة، وابتدأ بالاسماء مباشرة.
2 أورد اسم المترجم كما ذكره المزي، ثم أورد تعليقاته على الترجمة، وتتكون هذه التعليقات من نقول كثيره عن المصادر السابقة فيها الغث والسمين مما يتفق مع ما ذكره المزي فيؤيده، أو يختلف عنه، وقلما ترك ترجمة من غير تعليق.
3 أعاد تدقيق جميع النصوص التي أوردها المزي في كتابه، وتكلم على أدنى اختلاف فيما نقله، وهو أمر ليس باليسير، فكأنه بذلك أعاد تحقيق مادة الكتاب.
4 عني بإيراد المزيد من التوثيق والتجريح، ورجع إلى مصادر كثيرة جدا، وعني بذلك عناية فائقة أبانت عن علمه ومعرفته بالكتب، لكن النتيجة لم تكن لتخرج في الاغلب عما ذكر المزي من حال المترجم له سوى زيادة التوثيق أو التجريح.
5 عني بضبط كثير من الاسماء والانساب، وأورد ما يوافق

(1/59)


المؤلف وما يخالفه في هذا الباب، معتمدا في ذلك عددا كبيرا من المصادر.
6 استدرك على المؤلف بعض ما فاته من المترجمين، وأكثر ما استدرك عليه في " التمييز " وهي الاسماء التي تتفق مع أسماء المترجم لهم في هذا الكتاب ومن أهل عصرهم.
ابتدأ مغلطاي بتأليف مسودة كتابه في منتصف سنة (744) وأطال النفس فيه، فجاء في حجم كتاب المزي تقريبا في أربعة عشر مجلدا (35).
وقد توهم الكثيرون، فظنوا أن المزي لم يكمل كتابه، فأكمله مغلطاي.
دفعهم إلى هذه المقالة ما يوهمه اسم الكتاب وما ذكره حاجي خليفة في " كشف الظنون " وعدم دراستهم للكتابين والله أعلم (36).
إن أغلب المادة التاريخية التي أوردها مغلطاي هي مادة إضافية أعتقد جازما أن المؤلف المزي كان عارفا بأكثرها، ولكنه لم يوردها من أجل أن لا يطول كتابه.
والحق أن المزي قد أشار في مقدمة كتابه على
__________
(35) لحظ الالحاظ لابن فهد: 139.
وقال ابن حجر في الدرر: " وله ذيل على تهذيب الكمال يكون في قدر الاصل.
" (5 / 123)، وذكر حاجي خليفة أنه في ثلاثة عشر مجلدا (كشف الظنون: 2 / 1510) وراجع الاعلان للسخاوي: 600 وفي خزانة كتبي المجلدان الاول والثاني من المسودة، يتكون المجلد الاول من عشرة أجزاء حديثية وليس فيه إلا حرف الالف ملئت حواشيها بالاستدراكات.
أما المجلد الثاني فهو بحجم المجلد الاول وينتهي بنهاية الجزء العشرين في أثناء حرف الحاء المهملة.
وفي مكتبة فيض الله مجلدان منه: مجلد فيه الاجزاء: 88 72 تبدأ بعبد الرحمان بن محمد بن سلام بن ناصح البغدادي ثم الطرسوسي وتنتهي
بعمرو بن سعد الفدكي (رقم 1379)، ومجلد فيه الاجزاء من: 119 102 يبدأ بترجمة محمد بن عبدالملك بن زنجويه البغدادي وينتهي بترجمة يحيى بن عثمان بن صالح بن صفوان السهمي المصري (رقم 1378) وهما بخط المؤلف أيضا، ومنهما مصورتان في معهد المخطوطات (فهرس التاريخ: 60) وراجع الملحق لبروكلمان: 1 / 606 (بالالمانية).
وقد حصلت على نسخ مصورة منها.
وحصلت أيضا على مجلدات مبيضة وهي المجلدات: من الاول إلى السادس وبعض المجلد السابع.
(36) كشف الظنون: 2 / 1510، فهرس المخطوطات المصورة في معهد المخطوطات: ج 2 ق 4 ص: 46.
[ * ]

(1/60)


من يريد زيادة الاطلاع ضرورة مراجعة " طبقات ابن سعد " و " تاريخ ابن أبي خيثمة " و " الثقات " لابن حبان، و " تاريخ مصر " لابن يونس، و " تاريخ نيسابور " للحاكم، و " تاريخ أصبهان " لابي نعيم باعتبارها أمهات الكتب المصنفة في هذا الفن (37).
وقد نقل مغلطاي من هذه الكتب وأمثالها كثيرا مما استدرك به على المزي، لذلك قال زين الدين ابن رجب: " وغالب ذلك لا يرد على المزي " (38).
ومع ذلك فإن إضافته من هذه الكتب ومن عشرات غيرها نقلت إلينا ثروة تاريخية كادت تضيع لولا ما نقل هو وأمثاله، بسبب ضياع كثير من أصولها.
وحين انتهى مغلطاي من استدراكه هذا اختصره في مجلدين مقتصرا فيه على المواضع التي ظن أن الحافظ المزي غلط فيها، قال ابن حجر: " واختصره مقتصرا على الاعتراضات على المزي في نحو مجلدين " (39) وقال ابن فهد المكي، وهو يعدد بعض كتب مغلطاي: " وكتاب ذيل به على تهذيب الكمال للمزي وفيه فوائد، غير أن فيه تعصبا كثيرا في أربعة عشر مجلدا ثم اختصره في مجلدين مقتصرا فيه
على المواضع التي زعم أن الحافظ المزي غلط فيها، وأكثر ما غلطه فيه لا يرد عليه، وفي بعضه كان الغلط منه هو فيها " (40)، وسمى السيوطي هذا المختصر " أوهام التهذيب " (41).
ثم ذكر ابن حجر وابن فهد أنه اختصر المختصر في مجلد لطيف (42).
ويبدو لنا أن الكتاب قد اشتهر منذ فترة مبكرة، وأثار جدلا عند المعنيين بهذا الفن، فقد حمل التاج السبكي بعضا مما ظنه الحافظ
__________
(37) انظر مقدمة تهذيب الكمال.
(38) الدرر لابن حجر: 5 / 123.
(39) نفسه.
(40) لحظ الالحاظ: 139.
(41) ذيل طبقات الحفاظ: 366.
(42) الدرر: 5 / 123، ولحظ الالحاظ: 139.
[ * ]

(1/61)


مغلطاي وهما من المزي من القاهرة إلى دمشق، وأعطاه لوالده ليتثبت منه، قال: " وهذه مواقف استدركها بعض محدثي العصر بديار مصر، وهو الشيخ علاء الدين مغلطاي شيخ الحديث بالمدرسة الظاهرية بالقاهرة، وانتقاها مما استدركه على كتاب تهذيب الكمال لشيخنا المزي، وحضرت معي إلى دمشق لما جئت من القاهرة في سنة أربع وخمسين وسبع مئة لاسأل عنها الشيخ الامام الوالد، فأجاب عنها رحمه الله، وقد كتبتها من خطه، قال رحمه الله: أسئلة وردت من الديار المصرية مع ولدي عبد الوهاب في الثامن والعشرين من جمادى الاولى سنة أربع وخمسين وسبع مئة.." (43) ثم أورد التاج السبكي الاجوبة (44) وكان قال قبل ذلك في ترجمة والده وهو يعدد مصنفاته: " أجوبة سؤالات أرسلت إليه من مصر، حديثية، أوردها بعض المشايخ على كتاب تهذيب الكمال للحافظ المزي " (45).
ومهما يكن من أمر، فإن ما كتبه مغلطاي من نقد وفر مادة تاريخية لجميع الذين جاؤوا بعده ممن عني باختصار " التهذيب " أو الاستدراك عليه ولاسيما سراج الدين ابن الملقن " ت 804 " في إكماله، والحافظ ابن حجر في مختصراته ولاسيما " تهذيب التهذيب " فإنه لم يستطع إلا أن يقول في مقدمته: " وقد انتفعت في هذا الكتاب المختصر بالكتاب الذي جمعه الامام العلامة علاء الدين مغلطاي على تهذيب الكمال مع عدم تقليدي له في شئ مما ينقله، وإنما استعنت به في العاجل، وكشفت الاصول التي عزا النقل إليها في الآجل، فما وافق أثبته.
وما باين أهملته، فلو لم يكن في هذا المختصر إلا الجمع بين هذين الكتابين الكبيرين في حجم لطيف، لكان معنى مقصودا " (46).
__________
(43) الطبقات: 10 / 408.
(44) نفسه: 10 / 430 408 وقد أفدنا منها في التعليق على النص.
(45) نفسه: 10 / 314.
(46) تهذيب التهذيب: 1 / 8.
[ * ]

(1/62)


نعم، كانت لمغلطاي أوهام لاسيما وهو من المكثرين، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان ماذا ؟ شمس الدين الحسيني (675 715) شمس الدين أبو المحاسن محمد بن علي بن الحسن بن حمزة الحسيني الدمشقي الشافعي ، سمع من جماعة من الاعيان منهم المزي والذهبي.
وكان ثقة ثبتا إماما مؤرخا حافظا، له مؤلفات كثيرة، وعني بكتاب " تحفة الاشراف " للمزي فاختصره (47).
التذكرة في رجال العشرة: اختصر فيه " تهذيب الكمال " لشيخه المزي، وحذف منه من ليس في الكتب الستة، وأضاف إليهم رجال أربعة كتب هي: الموطأ للامام مالك، والمسند للامام أحمد (48)، ومسند الشافعي، ومسند أبي حنيفة للحارثي.
وذكر في مقدمته سبب إضافته لهذه الكتب الاربعة، وبين أن ذلك متأت من كون أصحابها هم الائمة المقتدى بهم، وأن عمدتهم في استدلالهم لمذاهبهم في الغالب على ما رووه بأسانيدهم في مسانيدهم المذكورة.
ونسخ هذا الكتاب متوفرة في خزائن الكتب، وذكر العلامة المرحوم خير الدين الزركلي أنه رأى الملجد الثاني منه بخطه (49)، ووقفت أنا عليه (50).
__________
(47) وفيات ابن رافع، الورقة: 98، والبداية لابن كثير: 14 / 307، والدرر لابن حجر: 4 / 179، ولحظ الالحاظ لابن فهد: 150، ومقدمة ذيول تذكرة الحفاظ، ومقدمة ذيول العبر لصديقنا المرحوم محمد رشاد عبدالمطلب المصري.
(48) من الجدير بالذكر أن شمس الدين الحسيني قد ألف كتابا مستقلا في رجال مسند الامام أحمد سماه: " الاكمال في ذكر من له رواية في مسند الامام أحمد من الرجال سوى من ذكر في تهذيب الكمال ".
رأيت نسخة مصورة منه عن الجامعة العثمانية بحيدر آباد بالهند في مئة ورقة.
وقد يسمى: " الامتثال بما في مسند أحمد من الرجال ممن ليس في تهذيب الكمال " والمعنى واحد.
(49) الاعلام: 7 / 178 لكنه جعله كتابين فذكره أولا باسم " التذكرة في رجال العشرة " ثم ذكره ثانية باسم " اختصار تهذيب الكمال "، وهما واحد.
(50) وانظر أيضا الاعلان للسخاوي: 603، وكشف الظنون: 1 / 1510.
[ * ]

(1/63)


عماد الدين ابن كثير (774 701) عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصروي ثم الدمشقي العلامة الحافظ المحدث صهر الشيخ أبي الحجاج المزي وترجمته مشهورة، وتصانيفه معروفة مذكورة.
له: " التكميل في الجرح والتعديل ومعرفة الثقات والضعفاء والمجاهيل ".
جمع فيه بين " تهذيب الكمال " للمزي، و " ميزان الاعتدال " لشيخه الذهبي، مع زيادات وتحرير عليهما في الجرح والتعديل.
وقفت على نسخة منه بدار الكتب المصرية، وانتقيت منها بعض الفوائد (51).
ابن بردس البعلبكي (786 720) عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن محمد بن بردس البعلبكي الحنبلي.
ولد ببعلبك، ودرس على والده، وأبي الفتح اليونيني، وسمع جمعا من مسندي عصره، وحدث عنهم، واشتهر باختصاره لجملة من الكتب ونظمها (52).
له: بغية الاريب في اختصار التهذيب: أكمل مسودته في المحرم سنة (779) وهو اختصار ليس فيه
__________
(51) رقم 24227 ب وهي في مجلدين وانظر أيضا ذيل تذكرة الحفاظ للحسيني: 58، والاعلان للسخاوي: 589، 600.
(52) لحظ الالحاظ لابن فهد: 167 166، والدرر لابن حجر: 1 / 404، والتبيان لابن ناصر الدين، [ * ]

(1/64)


إضافات تذكر، ولم يحذف من رجال " التهذيب " أحدا لكنه حذف بعض أنساب المشهورين، وذكر الجرح والتعديل مختصرا، كما حذف الاسانيد (53).
ابن الملقن (804 723) سراج الدين أبو علي عمر بن علي بن أحمد الانصاري الشافعي المعروف بابن الملقن، الامام الكبير صاحب التصانيف المشهورة.
أجازه المزي، وتخرج بالحافظ علاء الدين مغلطاي، وكان أكثر أهل عصره تصنيفا (54).
له: إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال: اختصر فيه " التهذيب " مع التذييل عليه من رجال ستة كتب هي: مسند الامام أحمد، وصحيح ابن خزيمة، وصحيح ابن حبان، والمستدرك للحاكم، والسنن للدارقطني، والسنن للبيهقي (55).
سبط ابن العجمي (841 753) برهان الدين أبو الوفاء إبراهيم بن محمد بن خليل الطرابلسي الاصل، الحلبي المولد والدار والوفاة، الشافعي المعروف بسبط ابن العجمي حافظ حلب في زمانه (56).
له:
__________
(53) في خزانة كتبي نسخة مصورة منه في 574 ورقة.
ورأيت منه نسخة في الازهر ناقصة الاول في 541 ورقة (رواق المغاربة، رقم 894).
(54) لحظ الالحاظ لابن فهد: 197، الضوء اللامع للسخاوي: 6 / 100، وذيل طبقات الحفاظ للسيوطي: 396.
(55) نسخة معروفة وراجع بروكلمان: 1 / 164 (بالالمانية) وفهرس المخطوطات المصورة بمعهد المخطوطات: التاريخ، رقم: 59.
(56) لحظ الالحاظ لابن فهد: 315 308، والبدر الطالع للشوكاني: 1 / 28.
[ * ]

(1/65)


نهاية السول في رواة الستة الاصول: قال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة: " وقد زينه بالفوائد العلمية الحديثية النادرة، والضبوط المحررة الدقيقة للاسماء والكنى والالقاب والانساب والبلدان ونحوها..وقد رأيت في رحلتي إلى الهند وباكستان سنة (1382) نسخة المؤلف التي كتبها بخط يده الناعم الدقيق الجميل في (999) ورقة بالقطع الكبير، وفي مجلد واحد في مكتبة رضا في مدينة رامبور.
ورقمها فيها (1019) " وذكر في آخرها أنه انتهى منه في سنة (829) بحلب (57).
قلت: لم أوفق في الوقوف عليه، ولعله اعتمد فيه على " الكاشف " للذهبي فاتخذه أصلا، ثم أضاف إليه من عنده كما مر بنا عند كلامنا على " الكاشف ".
ابن قاضي شهبة (851 779) تقي الدين أبو بكر بن أحمد بن محمد المعروف بابن قاضي شهبة الاسدي الدمشقي صاحب التاريخ المشهور (58).
ذكر حاجي خليفة أنه اختصر " تهذيب الكمال " (59).
ولا أعرف عنه شيئا.
ابن حجر العسقلاني (852 773) حافظ عصره شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي الكناني العسقلاني صاحب التصانيف المشهورة الذائعة الصيت.
له:
__________
(57) مقدمة خلاصة تذهيب التهذيب: 7 6.
(58) الضوء اللامع: 11 / 21، وشذرات الذهب: 7 / 269.
(59) كشف الظنون: 2 / 1510.
[ * ]

(1/66)


أولا تهذيب التهذيب (60): اختصر فيه " تهذيب الكمال " إلى نحو الثلث، وأبدى في مقدمته عدة ملاحظات على كتاب المزي من أبرزها: 1 طول الكتاب، بحيث قصرت الهمم عن تحصيله فتوجه الناس بسبب ذلك إلى " الكاشف ".
الذي امتازت تراجمه بالاختصار الشديد بحيث لا تفي بالغرض.
2 خلو بعض تراجم " التهذيب " من بيان أحوالهم.
3 محاولة المزي استيعاب شيوخ صاحب الترجمة واستيعاب الرواة عنه، وأنه بالرغم من تمكنه من ذلك في أغلب التراجم " لكنه شئ لا سبيل إلى استيعابه ولا حصره بسبب انتشار الروايات وكثرتها وتشعبها وسعتها، فوجد المتعنت بذلك سبيلا إلى الاستدراك على الشيخ بما لا فائدة جليلة ولا طائلة " (61).
4 أنه أفرد " عمل اليوم والليلة " للنسائي عن " السنن " وهو من جملة كتاب السنن في رواية ابن الاحمر وابن سيار، وكذلك أفرد
" خصائص علي " وهو من جملة المناقب في رواية ابن سيار.
ولم يفرد " التفسير " وهو من رواية حمزة وحده، ولا كتاب " الملائكة " و " الاستعاذة " و " الطب " وغير ذلك، وقد تفرد بذلك راو دون راو عن النسائي فما تبين لي وجه إفراده " الخصائص " و " عمل اليوم والليلة " (62).
__________
(60) طبع بحيدر آباد في اثني عشر مجلدا في السنوات 1327 1325 وأعادت دار صادر طبعه بالاوفست.
(61) تهذيب التهذيب: 1 / 4، ولعل ابن حجر يشير بذلك إلى ما عمله العلامة علاء الدين مغلطاي في إكماله.
(62) تهذيب: 1 / 6.
[ * ]

(1/67)


أما منهجه في كتابه فيمكن إجماله على الوجه الآتي:
1 لم يحذف من رجال " التهذيب " أحدا، بل زاد فيهم من هو على شرطه، كما ذكر بعض التراجم التي تفيد للتمييز مما لم يذكره المزي، وحافظ على العلامات (الرقوم) التي وضعها المزي في الاصل مقتصرا على ما وضعه على أسماء المترجمين دون شيوخ صاحب الترجمة والرواة عنه أما الفصول التي ذكرها المزي في المقدمة وهي التي في شروط الائمة الستة وفي الحث على الرواية عن الثقات وفي الترجمة النبوية، فقد حذفها في مختصره، لوجود مادتها في الكتب المعينة بذلك.
2 أعاد التراجم التي حذفها المزي من أصل " الكمال "، والتي كان الحافظ عبد الغني قد ذكرها بناء على أن بعض الستة أخرج لهم،
وكان المزي قد حذفهم بسبب عدم وقوفه على روايتهم في شئ من الكتب الستة.
وذكر ابن حجر أن ذكرهم على الاحتمال أكثر فائدة من حذفهم، ونبه على ما في تراجمهم من عوز، أو عند وقوفه عند روايتهم في الكتب المذكورة.
3 أما في صياغة الترجمة فقد سار على النهج الآتي:
أ حذف من الترجمة جميع الاحاديث التي خرجها المزي من مروياته العالية من الموافقات والابدال وغير ذلك من أنواع العلو.
ب اقتصر من شيوخ المترجم ومن الرواة عنه على الاشهر والاحفظ والمعروف، وحذف الباقين، إذا كان المترجم من المكثرين وإن كانت الترجمة متوسطة اقتصر على ذكر الشيوخ والرواة الذين عليهم علامة في الاغلب، وإن كانت طويلة اقتصر على من عليه علامة البخاري ومسلم، مع ذكر جماعة غيرهم.
أما إذا كانت الترجمة قصيرة فإنه لم يحذف منها شيئا في الاغلب.

(1/68)


ج لم يلتزم بنهج المزي في ترتيب شيوخ صاحب الترجمة والرواة عنه على حروف المعجم، لان ذلك يؤدي حسب قوله إلى " تقديم الصغير على الكبير "، بل ذكر في أول الترجمة أكثر شيوخ الرجل، وأسندهم، وأحفظهم، إن تيسر له معرفة ذلك، إلا أن يكون للرجل ابن أو قريب فإنه كان يقدمه في الذكر، وحرص أن يختم الرواة عن صاحب الترجمة بمن وصف بأنه آخر من روى عنه، وربما صرح بذلك.
د حذف من الترجمة أغلب الاخبار التي لا تدل على توثيق، ولا
على تجريح، واقتصر على ما يفيد ذلك.
ه حذف كثيرا من الاختلافات المذكورة في وفاة المترجم.
وميز إضافاته على الترجمة أو تصحيحاته بلفظة: (قلت) وجعلها في آخر الترجمة، وأكثر إضافاته ما يفيد التوثيق أو التجريح.
وقد انتفع ابن حجر بالمؤلفات التي سبقته مما وضع على " التهذيب " استداركا أو اختصارا، ولا سيما " تذهيب التهذيب " للامام الذهبي و " إكمال تهذيب الكمال " للعلامة علاء الدين مغلطاي.
والحق أن معظم ما أضافه ابن حجر من توثيق أو تجريح أو اختلاف في الوفيات، أو استدارك في التراجم، سواء أكانت من التراجم التي هي من شرط المزي، وهي قليلة، أم للتمييز، قد أخذها من كتاب مغلطاي بالدرجة الاولى، وعليه كان اعتماده، لكنه انتقى منه ما وجده مهما حريا بالذكر فذكره، وأهمل الباقي فأسقطه، وإن إضافاته الشخصية كانت قليلة جدا.
ثانيا تقريب التهذيب: ثم اختصر الحافظ ابن حجر كتابه هذا بكتاب صغير في مجلدين سماه " تقريب التهذيب " اقتصر فيه على اسم المترجم مختصرا ودرجة

(1/69)


توثيقه وطبقته والعلامات التي ذكرها له المزي، وقيد بعض الاسماء والانساب والكنى بالحروف (63).
ومما تجدر الاشارة إليه أن ابن حجر أفاد من " تهذيب الكمال " في جميع المؤلفات التي وضعها مما يتعلق بهذا الفن.
تقي الدين ابن فهد (871 787)
تقي الدين أبو الفضل محمد بن محمد بن محمد بن فهد الهاشمي المكي الشافعي.
ولد بمصر، وتوفي بمكة، واشتهر بتصانيفه الكثيرة الماتعة (64).
قال في كتابه " لحظ الالحاظ " عند الكلام على " تهذيب التهذيب " لابن حجر: " وهو يشتمل على اختصار تهذيب الكمال للمزي مع زيادات كثيرة عليه تقرب من ثلث المختصر، دمجتها مع زيادات الذهبي في " تذهيبه " وما زدته في التهذيب في كتابه " نهاية التقريب وتكميل التهذيب بالتذهيب (65) ".
وقال الشمس السخاوي: " وجمع بين المزي وشيخنا بنصهما معزيادات، التقي بن فهد وسماه: " نهاية التقريب وتكميل التهذيب بالتذهيب "، وذكر أنه كتاب حافل لو ضم إليه ما عند مغلطاي من الزوائد في مشايخ الراوي والآخذين عنه، لكنه اعتذر بعدم وصول كتاب مغلطاي إلى مكة إذ ذاك (66).
وقد أصبح " تهذيب الكمال " إلى كل ذلك مصدرا لجميع المؤلفين في هذا الفن الجليل طوال العصور اللاحقة، فإنه قلما وجدنا
__________
(63) طبع وهو مشهور بأيدي الناس.
(64) انظر مقدمة ذيل تذكرة الحفاظ.
(65) لحظ الالحاظ: 333.
(66) الاعلان: 600 وانظر مقدمة المجلد الثاني من تحفة الاشراف للمزي.
[ * ]

(1/70)


كتابا ألف في موضوعه لم يتخذه مصدرا رئيسا، ثم صار بعد ذلك معيارا وحدا فاصلا لكثير من المؤلفات، فحينما ذيل الحافظ زين الدين
أبو الفضل عبدالرحيم العراقي (ت 806) على " ميزان " الذهبي ذكر ابن حجر أن معظم هذا الذيل مأخوذ من " تهذيب الكمال " للمزي (67).
وحينما وضع ابن حجر نفسه " لسان الميزان " ذكر أنه اعتمد فيه " ميزان " الذهبي بعد أن حذف منه " من أخرج له الائمة الستة في كتبهم أو بعضهم، فلما ظهر لي ذلك استخرت الله، وكتبت منه ما ليس في تهذيب الكمال (68) ".
وجمع أحدهم " الثقات من تهذيب الكمال (69) " وهلم جرا..
__________
(67) كشف الظنون: 2 / 1917.
(68) انظر مقدمة لسان الميزان: 124 (ط.
الهند) (69) راجع المجلد الاول من فهرس المخطوطات بدار الكتب المصرية الخاص بمصطلح الحديث الذي وضعه صديقنا المرحوم فؤاد سيد.
[ * ]

(1/71)


الفصل الرابع منهجنا في تحقيق تهذيب الكمال
كثرة نسخ التهذيب الخطية: بدأ المزي في وضع كتابه في صيغته النهائية منذ مطلع سنة (705) للهجرة، وبدأ يحدث به منذ سنة (706) (1) على الرغم من أنه لم يتمه إلا في أواخر سنة (712) (2)، فجاء في أربعة عشر مجلدا بخطه (3).
وقد طال عمر المزي، ومتعه الله بالصحة الجيدة، وصحة الحواس إلى آخر عمره، واشتهر كتابه في حياته، وسارت به الركبان، فحدث بكتابه خمس مرات (4) بين سنة (706) وسنة (742)، فسمع الكتاب عليه خلال هذه الستة والثلاثين عاما عدد كبير من المعنيين بهذا
الشأن، واجتهدوا في تثبيت خطه على نسخهم.
ثم نال هذا الكتاب طوال القرون التالية منزلة رفيعة جعلته من أوائل الكتب التي يسعى أصحاب الخزائن إلى استنساخه واقتنائه.
لكل هذه الاسباب توافرت نسخ هذا الكتاب، وانتشرت في بقاع الدنيا.
فقلما نجد خزانة نفيسة من خزائن الكتب العالمية تخلو من
__________
(1) سمع محمد بن علي بن حرمي الدمياطي الجزء الثامن من أصل المؤلف سنة 706 ولعل المؤلف قد حدث بكتابه قبل هذا ولكننا لا نستطيع الجزم لعدم توفر الادلة.
(2) انظر الورقة الاخيرة من المجلد الثاني عشر من نسخة دار الكتب المصرية ذات الرقم: 25 مصطلح الحديث.
(3) أعيان العصر: 12 / الورقة: 126.
(4) على ما ذكر رفيقه وتلميذه الذهبي (أعيان العصر: 12 / الورقة: 125، والدرر: 5 / 234).
[ * ]

(1/73)


مجلد أو مجلدات من هذا الكتاب العظيم، فضلا عما فيها من كتب اختصرت التهذيب، أو استدركت عليه.
ومن سعادة المزي، وسعادة التراث العربي الاسلامي أن نجد اليوم في خزائن الكتب عددا من المجلدات بخط المؤلف نفسه في أعظم مركزين للمخطوطات في العالم وهما: استانبول والقاهرة، وعلى هذه المجلدات طباق السماعات مما سنصفه في صدر هذا المجلد والمجلدات الآتية بعون الله.
وقد يسر الله لي بحمده ومنه عددا من نسخ هذا الكتاب صورتها في رحلاتي المتعددة، وأودعتها خزانة كتبي، ومنها قسم بخط المؤلف المزي رحمه الله إذ كنت قد كلفت بهذا الكتاب
النفيس منذ فترة ليست بالقصيرة.
نسخة ابن المهندس: وقد تبين لي بعد دراسة العديد من النسخ أن من أحسن النسخ التي نسخت عن نسخة المؤلف وقوبلت عليه هي النسخة التي نسخها الامام المحدث المفيد العدل الكبير شمس الدين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن غنائم المعروف بابن المهندس الصالحي الحنفي الشروطي (733 665) (5).
كان ابن المهندس عالما فاضلا، سمع على شيوخ عصره، ورحل في طلب العلم إلى حلب ومصر، وحج مرات، وزار القدس الشريف، وسمع في كل تلك البلاد، وحصل تحصيلا كثيرا.
وكان من أعيان الشهود العدول، لازم الشهادة وكتابة الشروط مدة طويلة، وولي
__________
(5) معجم الشيوخ للذهبي: 2 / الورقة: 29، وتذكرة الحفاظ: 4 / 1502، وذيل العبر: 179، والجواهر المضية للقرشي: 2 / 4، والدرر لابن حجر: 3 / 378، والدارس للنعيمي: 2 / 94، وشذرات ابن العماد: [ * ]

(1/74)


مشيخة الحديث بمشهد ابن عروة، ومشيخة الحديث بالتربة الكاملية الصلاحية بالصالحية، وأخذ عنه فضلاء العلماء، منهم: عز الدين ابن جماعة الكناني، وعلم الدين البرزالي، وإمام المؤرخين شمس الدين الذهبي، وتقي الدين بن رافع السلامي، وغيرهم.
قال علم الدين البرزالي: " وكان رجلا فيه ديانة وخير ومحبة للعلم وأسمع جملة من مسموعاته، ورافقته في الحج، فرأيت فيه حرصا على العبادة والخير " وقال الذهبي في معجم شيوخه الكبير: " محمد بن إبراهيم بن غنائم بن وافد العدل الفقيه المحدث المتقن شمس الدين أبو عبدالله ابن
المهندس الصالحي الحنفي.
ولد سنة خمس وستين وست مئة، وعني بهذا الشأن عناية جيدة، وكتب العالي والنازل، وسمع..وكان صحيح النقل، مليح الاصول..ونسخ الكتب الكبار، وشهد على القضاة، وتميز في الشروط، وفيه خير وتواضع واحتمال.." (6).
وذكر الذهبي أنه نسخ " تهذيب الكمال " مرتين (7).
وقد وصلت إلينا نسخته الاولى وهي في اثنين وعشرين مجلدا (8)، كتبها عن نسخة المؤلف، في الفترة (715 706) وسمعها عليه بعد ذلك كما هو مثبت بخطه في كثير من الاجزاء التي وصلت إلينا من نسخة المؤلف المزي.
اعتماد العلماء نسخة ابن المهندس: وقد أضحت نسخة ابن المهندس هي النسخة المعتمدة عند العلماء منذ عصر المؤلف وفي العصور التالية له، نظرا لدقتها وجودتها وصحة نقل ناسخها وسماعه على المؤلف، فقد تبين لي أن العلامة
__________
(6) معجم الشيوخ: 2 / الورقة: 29.
(7) ذيل العبر: 179.
(8) ينقص من نسخة مكتبة السلطان أحمد الثالث التي صورت عنها نسختي المجلدات: الرابع والعاشر والحادي عشر والتاسع عشر، وأنا مجتهد في العثور على هذا النقص في مكتبات أخر.
[ * ]

(1/75)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية