صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : سورة القصص دراسة تحليلية
تأليف الكتور محمد مطني

وقال أبو المعالي : وأهل المعاني وأهل الحق يقولون : من كلمه الله تعالى وخصه بالرتبة العليا والغاية القصوى ، فيدرك كلامه القديم المتقدس عن مشابهة الحروف والأصوات والعبارات والنغمات وضروب اللغات ، كما أن من خصه الله بمنازل الكرامات وأكمل عليه نعمته ، ورزقه رؤيته ، يرى الله سبحانه وتعالى منزها عن مماثلة الأجسام وأحكام الحوادث ، ولا مثيل له سبحانه في ذاته وصفاته .
وقال الأستاذ أبو إسحاق : واتفق أهل الحق على أن الله تعالى خلق في موسى ( - عليه السلام - ) معنى من المعاني أدرك به كلامه ، وكان اختصاصه في سماعه وانه قادر على مثله في جميع خلقه .
وقال عبد الله بن سعد بن كلاب : " أن موسى ( - عليه السلام - ) فهم كلام الله القديم من أصوات مخلوقة أثبتها الله تعالى في بعض الأجسام "( (1) ).
ونقل الآلوسي رحمه الله عن الشيخ الأشعري ، والإمام الغزالي أنه " سمع كلامه تعالى النفسي القديم بلا صوت ولا حرف ، وهذا كما ترى ذاته عز وجل بلا كيف ولا كم . وذكر بعض العارفين أنه إنما سمع كلامه تعالى اللفظي بصوت ، وكان ذلك بعد ظهوره عز وجل بما شاء من المظاهر التي تقتضيها الحكمة ، وهو سبحانه مع ظهوره تعالى كذلك باق على إطلاقه حتى عن قيد الإطلاق "( (2) ) .
قال تعالى : { فلما أتاها نودي } . هل هو نداء الوحي أم نداء الكلام ؟
نقل الرازي اختلاف أهل العلم في ذلك " قال الحسن أن موسى ( - عليه السلام - ) نودي نداء الوحي لا نداء الكلام ، والدليل عليه قول تعالى : { فاستمع لما يوحى } ( (3) ) .
__________
(1) الجامع لأحكام القرآن : 6/ 4998 .
(2) روح المعاني : 20/74 .
(3) سورة ( طه ) : الآية 13 .

(1/413)


وقال الجمهور : " إن الله تعالى كلمه من غير واسطة بدليل قوله تعالى :
{ وكلم الله موسى تكليما } ( (1) ) ، وسائر الآيات ، وأما الذي تمسك به الحسن فضعيف ، لأن قوله تعالى : { فاستمع لما يوحى } ( (2) ) لم يكن بالوحي ، لأنه لو كان ذلك أيضا بالوحي لانتهى أخر الأمر إلى كلام يسمعه المكلف لا بالوحي والإلزام المتسلسل ، بل المراد من قوله تعالى : { فاستمع لما يوحى } وصيته بأن يتشدد في الأمور التي تصل إليه في مستقبل الزمان بالوحي "( (3) ).
{ وأن ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين }
قال ابن عطية : " أمره الله تعالى بإلقاء العصا فألقاها ، فانقلبت حية عظيمة ولها اضطراب الجان ـ وهو صغير الحيات ـ فجمعت هول الثعبان ، ونشاط الجان . وهذا قول بعضهم . قالت فرقة : بل الجان يعم الكبير والصغير ، وإنما شبه بالجان جملة العصا لاضطرابها فقط ، وولى موسى ( - عليه السلام - ) فزعا منها ولم يعقب معناه : لم يرجع على عقبه من توليه فقال الله تعالى : يا موسى اقبل ، فأقبل وقد آمن بتأمين الله إياه "( (4) ).
فانقلاب العصا حية أحد المعجزات التي أيد الله بها نبيه موسى ( - عليه السلام - ).
وذكر الرازي عدة روايات في تبيان العصا سنذكر أهمها :
__________
(1) سورة النساء : الآية 164 .
(2) سورة ( طه ) : الآية 13 .
(3) مفاتيح الغيب : 12/ 245 .
(4) المحرر الوجيز : 12/ 165 .

(1/414)


قالوا : إن شعيبا كانت عنده عصى الأنبياء ـ عليهم السلام ـ فقال لموسى بالليل : إذا دخلت البيت فخذ عصا من تلك العصي ، فأخذ عصا هبط بها آدم ( - عليه السلام - ) من الجنة ، ولم تزل الأنبياء تتوارثها حتى وقفت إلى شعيب ( - عليه السلام - ) ، فقال : أرني العصا ، فلمسها وكان مكفوفا فضن بها فقال : خذ غيرها ، فما وقع في يده إلا هي سبع مرات ، فعلم أن له معها شأنا .
وقال بعضهم : تلك العصا هي عصا آدم ( - عليه السلام - ) ، وأن جبريل ( - عليه السلام - ) أخذ تلك العصا بعد موت آدم ( - عليه السلام - ) ، فكانت معه حتى لقى بها موسى ( - عليه السلام - ) ربه ليلا( (1) ).
وقال الحسن : ما كانت إلا عصا من الشجر اعترضها اعتراضا ، أي : أخذها من عرض الشجر ، يقال : اعتراض ، أي : لم يتخير . وعن الكلبي الشجرة التي منها نودي شجرة العوسج ، ومنها كانت عصاه( (2) ).
والذي أراه أنه لا يمكن ترجيح إحدى هذه الراويات على الأخرى ، لأنه لم يرد نص صحيح صريح في بيان ذلك ، إلا ما ورد في سورة طه قال تعالى : { وما تلك بيمينك يا موسى * قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى } ( (3) ) ، فقد نقل الرازي عدة روايات في معنى سؤال الله عن العصا التي مع سيدنا موسى منها " إنه تعالى لما عرف موسى كمال الألوهية أراد أن يعرفه نقصان البشرية ، فسأله عن منافع العصا ، فذكره بعضها فعرفه الله تعالى أن فيها منافع أعظم مما ذكر "( (4) )
__________
(1) مفاتيح الغيب : 12/ 246- 247 .
(2) ينظر تفسير القرآن . عبد الرزاق بن همام الصنعاني . ( 126 ـ 211 ) . تحقيق : د . مصطفى مسلم محمد . مكتبة الرشد . الرياض . ط2 . 1410 هـ . : 2/ 493 . مفاتيح الغيب : 12/ 247 .
(3) سورة ( طه ) : الآيتان 17 – 18.
(4) مفاتيح الغيب : 12 /25 .

(1/415)


يرى الباحث أن سؤال الله سيدنا موسى ( - عليه السلام - ) عنها فيه دلالة على أن هذه العصا لم تكن عصا عادية ، وأن الله قد أودع فيها مكنونات أسراره .
وقد كانت المعجزة في العصا من عدة وجوه :
أولا ـ تحولها إلى حية تسعى قال تعالى : { فألقاها فإذا هي حية تسعى } ( (1) ) . وقال تعالى : { فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين } ( (2) ). وقول تعالى :
{ وأن ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان } ( (3) ).
ثانيا ـ في تلقفها لحيات السحرة . قال تعالى : { وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا } ( (4) ) . وقال تعالى : { ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون } ( (5) ).

ثالثا ـ ضرب بها البحر فشق طريقا له ولقومه . قال تعالى : { ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى } ( (6) ).
رابعا ـ استخدم العصا في ضرب الحجر . قال تعالى : { فقلنا اضرب بعصاك الحجر } ( (7) ).
ونقل الرازي عن الشيخ أبي القاسم الأنصاري ـ رحمه الله ـ " وذلك الخوف من أقوى الدلائل على صدقه في النبوة ، لأن الساحر يعلم أن الذي أتى به تمويه فلا يخافه البتة "( (8) ).
والمعجزة الثانية بياض اليد من غير سوء :
__________
(1) سورة ( طه ) : الآية 20 .
(2) سورة الأعراف : الآية 107 .
(3) سورة القصص : الآية 31 .
(4) سورة ( طه ) : الآية 69 .
(5) سورة الأعراف : الآية 117 .
(6) سورة ( طه ) : الآية 117 .
(7) سورة البقرة : الآية 77 .
(8) مفاتيح الغيب : 11/ 29 .

(1/416)


قال تعالى : { اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء } وقد جاء هذا الأمر في القرآن الكريم بثلاث عبارات :
أولها ـ في سورة طه : { واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء } (1).
ثانيهما ـ في سورة النمل: { وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء } ( (2) ).
ثالثهما ـ الذي في سورة القصص ، والذي نحن بصدد تفسيره : { اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء } .
" قال قتادة : في جيب قميصك ، كانت له مدرعة من صوف لا كمين لها .
وقال ابن عباس ، ومجاهد : كان كمها إلى بعض يده . وقال السدي : في جيبك ، أي : تحت إبطك "( (3) ).
{ من غير سوء } من غير برص . ونقل الطبري رواية عن الحسن قال : " خرجت كأنها المصباح فأيقن موسى أنه لقى ربه "( (4) ).
قال سيد قطب : " أطاع موسى الأمر وأدخل يده في فتحة ثوبه عند صدره ، ثم أخرجها ، فإذا هي المفاجأة الثانية في اللحظة الواحدة إنها بيضاء لامعة مشعة من غير مرض وقد عهدها أدماء تضرب إلى السمرة إنها إشارة إلى إشراق الحق ، ووضوح الآية ، ونصاعة الدليل ، وأدركت موسى طبيعة ، فإذا هو يرتجف من رهبة الموقف وخوارقه المتتابعة ، ومرة أخرى تدركه الرعاية الحانية بتوجيه يرده إلى السكينة ، ذلك أن يضم يده في على قلبه فتخفض من دقاته وتطامن من خفقاته"(5).
{ واضمم إليك جناحك من الرهب فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه إنهم كانوا قوما فاسقين }
__________
(1) سورة ( طه ) : الآية 22 .
(2) سورة النمل : الآية 12 .
(3) البحر المحيط : 7/ 58 .
(4) جامع البيان : 10/70 .
(5) في ضلال القرآن : 6/ 346 .

(1/417)


" والمعنى إذا هالك أمر يدك وشعاعها ، فأدخلها في جيبك وأرددها إليك تعد كما كانت . وقيل : أمره الله أن يضم يده إلى صدره فيذهب عنه خوف الحية . قال ابن عباس : ليس من أحد يدخله رعب بعد موسى ( - عليه السلام - ) ثم يدخل يده فيضعها على صدره إلا ذهب عنه الرعب . وعن عمر بن عبد العزيز ـ رحمه الله ـ أن كاتبا كان يكتب بين يديه فانفلتت منه فلتة ريح فخجل وانكسر ، فقام وضرب بقلمه الأرض ، فقال له عمر : خذ قلمك واضمم إليك جناحك وليفرغ روعك ، فإني ما سمعتها من أحد اكثر مما سمعتها من نفسي . وقيل : المعنى اضمم يدك إلى صدرك ليذهب الله ما في صدرك من الخوف "( (1) ).
ما يستفاد من النص
دلت الآيات السابقات على جملة من المعاني التي يمكن تلخيصها بما يأتي :
دلت الآيات على أن سيدنا موسى ( - عليه السلام - ) تلقى نداء من الله عز وجل بقوله تعالى : { فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين } ، وهذه الآية من الآيات المتشابهات التي اختلف العلماء في المراد منها مما فتحت الباب واسعا للعلماء لجملة من التساؤلات التي أثارتها الآية ، هل الكلام قديم أم حادث ؟ وكيفية تكليم الله لسيدنا موسى ( - عليه السلام - ) مما بينا آنفا ؟
دلت الآية كذلك على تأييد الله لرسله وأنبياءه بالمعجزات الدالة على صدقهم ، وأن الله كذلك يعين الدعاة بالوسائل والأسباب التي تساعدهم على تنفيذ مهمتهم .
كذلك دلت على صفات فرعون وجنوده وهي ( الفسق ) ، والتي كانت سبب من أسباب إرسال سيدنا موسى ( - عليه السلام - ) إلى فرعون .
__________
(1) الجامع لأحكام القرآن : 6/ 5000 .

(1/418)


ودلت الآية على أنه لا بأس للداعية أن يحذر ما يعتقد أنه يمنعه من تنفيذ مهمته { قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلوني } . والمعنى أخاف أن يذكروا قتلي القبطي فيقتلوني ، فأراد ان يكون في أمن إلهي من أعدائه ، فهذا تعريض بالدعاء ومقدمة لطلب تأييده لهارون أخيه( (1) ) .
المطلب الثالث
تأييد الله لسيدنا موسى ( - عليه السلام - ) بنبوة أخيه هارون ( - عليه السلام - )
{ وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني إني أخاف أن يكذبوني * قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون } ( (2) ) .
المناسبة
لما أمر الله جل وعلا سيدنا موسى ( - عليه السلام - ) في الآيات السابقات بالتوجه إلى فرعون وملأه ودعوتهم إلى عبادة الله وحده وزوده بالمعجزات المناسبة لزمن فرعون وما اشتهروا به من السحر ، وذلك بقلب العصا حية ، وخروج اليد بيضاء من غير سوء ، عرض سيدنا موسى بالدعاء من الله بأن يحميه من أعدائه ، ويكون بمأمن منهم ، ومقدمة لطلب تأييده بهارون أخيه { قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلوني } ( (3) ) ، ولما تسبب عن ذلك طلب الإعانة بشخص فيه كفاية وله عليه شفقة ، وكان أخوه هارون أحق الناس بهذا الوصف ، كان التقدير فأرسل معي أخي هارون ، الخ .
__________
(1) التحرير والتنوير : 20 /115 .
(2) سورة القصص : الآيتان 34 – 35 .
(3) سورة القصص : الآيتان 33 .

(1/419)


غير أنه قدم ذكره اهتماما بشأنه فقال : { وأخي هارون } ، أي : إنه يخاف أن يفوت مقصود الرسالة ، إما بقتله ، أو لعدم بيانه ، فاكتفى بالتلويح في الكفاية من الأول لأنه لا طاقة لأحد غير الله بها ، وصرح بما يكفي من الثانية ، فكان التقدير : إني أخاف أن يقتلوني فيفوت المقصود ولا يحمني من ذلك إلا أنت ، وأن لساني فيه عقده وأخي هارون … الخ . وزاده في تعظيمه بضمير الفصل فقال : { هو أفصح مني لسانا } ، فنلاحظ هنا وجه أخر من وجوه الإعجاز في الآيات القرآنية هو التناسق والتناسب ، فكل حرف وضع بعناية ليؤدي غرضا بعينة بحيث لو وضعنا غيره لما أعطى المعنى المراد . وشاهدنا ترابط الآيات فيما بينها ، وترابط الحروف مع بعضها .
تحليل الألفاظ
1. { أفصح } :
الفصاحة : البيان فصح الرجل فصاحة فهو فصيح من قوم فصحاء وفصاح وفصح وامرأة فصيحة من نسوة فصاح وفصائح . وتقول : رجل فصيح ، وكلام فصيح ، أي : بليغ ، ولسان فصيح ، أي : طلق( (1) ).
2. { ردءا } :
ردأ ردأ الشي بالشيء ، جعله له ردءا .
وأردأه : أعانه وترادأ القوم : تعاونوا ، وأردأته بنفسي إذا كنت له ردءا ، وهو العون ، وفلان ردء لفلان ، أي : ينصره ويشد ظهره( (2) ).
3. { عضدك } :
__________
(1) لسان العرب : مادة ( فصح ) 2/ 544 .
(2) لسان العرب : مادة ( ردء ) 1/ 84 .

(1/420)


العضد والعضد والعضد من الإنسان وغيره الساعد ، وهو ما بين المرفق إلى الكتف ، والكلام الأكثر العضد والعضد : القوة ، لأن الإنسان إنما يقوي بعضده فسميت القوة به . وقال الزجاج في معنى قوله تعالى : { سنشد عضدك بأخيك } ، أي : سنعينك بأخيك. وكل معين فهو عضد ( (1) ).
القراءات القرآنية
1. { ردءا } :
هذه قراءة الجمهور . وقرأ نافع ، والمدنيان بحذف الهمزة ، ونقل حركتها إلى الدال ( ردا ) والمشهور عن أبى جعفر بالنقل ولا همز ولا تنوين ، ووجهه أنه أجرى الوصل مجرى الوقف( (2) ).
2. { يصدقني } :
قرأ عاصم ، وحمزة بضم القاف فاحتمل الصفة لـ( ردأ ) ، والحال احتمل الاستئناف . وقرأ الكسائي ، وابن عامر ، وأبو عمرو ، وابن كثير ، ونافع ، وأبو جعفر ، وخلف ، ويعقوب بالإسكان : ( يصدقني ) . وقرأ أبي ، وزيد بن علي :
( يصدقوني ) والضمير لفرعون وقومه . وقال ابن خالويه : هذا شاهد لمن جزم لأنه لو كان رفعا لقال : يصدقونني( (3) ) .
3. { إني أخاف } :
قرأ نافع ، وابن كثير ، وأبو عمرو ، وأبو جعفر : ( إني )( (4) ).
4. { يكذبوني } :
قرأ يعقوب وصلا ( يكذبوني )( (5) ) .
5. { عضدك } :
__________
(1) لسان العرب : مادة ( عضد ) 3/ 292- 293 .
(2) ينظر الكشاف : 3/ 176 . البحر المحيط : 7/ 118 . إتحاف فضلاء البشر : ص 342. غيث النفع : ص 316 .
(3) ينظر السبعة في القراءات : ص 494. التيسير في القراءات السبع : ص 171. الكشاف : 3/ 176 . البحر المحيط : 7/ 118 .
(4) النشر في القراءات العشر : 2/ 242 . الكشف عن وجوه القراءات : 2 /176 . غيث النفع : ص 316 .
(5) النشر في القراءات العشر : 2/ 342 . إتحاف فضلاء البشر : ص 343.

(1/421)


قرأ الحسن ، وعيسى بالفتح : ( عضدك ) . وقرأ زيد بن علي ، وقرأ الحسن أيضا بالضم ( عضدك ) . وعن الحسن أيضا بضم العين وإسكان الضاد
(عضدك). وعن بعضهم بفتح العين وكسر الضاد وإسكانها (عضدك، عضدك )( (1).
القضايا البلاغية
1.الإسناد المجازي في قوله تعالى : { ردءا يصدقني } قال الزمخشري : " ليس الغرض بتصديقه أن يقول له صدقت أو يقول للناس صدق موسى ، وإنما هو أن يلخص بلسانه الحق ، ويبسط القول فيه ، ويجادل به الكفار كما يفعل الرجل المنطيق ذو العارضة ، فذلك جار مجرى التصديق المفيد كما يصدق القول بالبرهان ، ألا ترى إلى قوله : { وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي } ، وفضل الفصاحة إنما يحتاج إليه لذلك ، لا لقوله صدقت ، فإن سحبان وباقلا يستويان فيه ، أو يصل جناح كلامه بالبيان حتى يصدقه الذي يخاف تكذيبه ، فأسند التصديق إلى هارون ، لأنه السبب فيه إسنادا مجازيا ، ومعنى الإسناد المجازي : أن التصديق حقيقة في المصدق ، فإسناده إليه حقيقية ، وليس في السبب تصديق ، ولكن استعير له الإسناد لأنه لابس التصديق بالتسبب كما لابسه الفاعل بالمباشرة ، والدليل على ذلك قوله : { إني أخاف أن يكذبوني } "( (2) ) .
2.الاستعارة التمثيلية في قوله تعالى : { سنشد عضدك بأخيك } " شبه حال موسى ( - عليه السلام - ) في تقويته بأخيه بحال اليد في تقويتها بعضد شديد ، ويجوز أن يكون هناك مجاز مرسل من باب إطلاق السبب على المسبب بمرتبتين بأن يكون الأصل سنقويك به ، ثم نؤيدك ، ثم سنشد عضدك به "( (3) ).
المعنى العام
__________
(1) ينظر المحتسب : 2 /152 . البحر المحيط : 7/ 118 .إتحاف فضلاء البشر : ص 343 غيث النفع : ص 316 .
(2) الكشاف : 3 /176 .
(3) محاسن التأويل : 13/ 4706 وينظر الجدول في إعراب القران : 20/ 256- 258 .

(1/422)


{ وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني إني أخاف أن يكذبوني }
قال : رب إني قتلت من قوم فرعون نفسا فأخاف إن أتيتهم ولم أبن عن نفسي بحجة أن يقتلوني ، لأن ما في لساني من عقدة يحول بيني وبين ما أريد من الكلام ، وأخي هارون هو أفصح مني لسانا واحسن بيانا فأرسله معي عونا يلخص بلسانه الفصيح وجوه الدلائل ويجنب الشبهات ويجادل هؤلاء الجاحدين المعاندين ، وإني أخاف أن يكذبوني ولساني لا يطاوعني حين المحاجة ، فأجابه سبحانه وتعالى : سنقويك ونعينك بأخيك ونجعل لكما سلطانا عظيما وغلبة على عدوكما ، فلا يصلون إليكما بوسيلة من وسائل الغلبة( (1) ).
هل كان سيدنا هارون نبيا :
لقد وردت آيات كثيرة في القران الكريم تؤكد على نبوة هارون ( - عليه السلام - ) منها:
قال تعالى : { إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داوود زبورا } ( (2) ).
قال تعالى : { ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري } ( (3) ) ، فإرشاده لهم باتباعه يدل على أنه نبي .
__________
(1) تفسير المراغي : 20/ 57 .
(2) سورة النساء : الآية 163 .
(3) سورة ( طه ) : الآية 90 .

(1/423)


قال تعالى : { قال رب إني أخاف أن يكذبوني * ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى هارون } ، فهذه الدعوة من سيدنا موسى بأن يرسل إلى أخيه هارون كما أرسله فاستجاب الله لدعائه وأعطاه ما أراد بقوله : { قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون } ( (1) ).
قال تعالى : { ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين } ( (2) ) ، ففي هذه الآية دلالة واضحة على إرسال سيدنا هارون ( - عليه السلام - ) .
قال تعالى : { ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا } ( (3) ).
{ ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين } ( (4) ).
قوله تعالى: { قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلوني(33) وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني إني أخاف أن يكذبوني(34) قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون } ( (5) ).
فقد نقل الرازي أقوال العلماء فيها :
" قال مقاتل : المعنى كي يصدقني فرعون ، والمعنى أرسل معي أخي هارون حتى يعاضدني على إظهار الحجة والبيان ، فعند اجتماع البرهانين ربما حصل المقصود من تصديق فرعون .
قال السدي : إن نبيين وآيتين أقوى من نبي واحد وآية واحدة .
__________
(1) سورة الشعراء : الآية 13-15 .
(2) سورة المؤمنون : الآية 45 .
(3) سورة مريم : الآية 53 .
(4) سورة الأنبياء : الآية 48 .
(5) سورة القصص : الآيات 33- 35 .

(1/424)


وقال القاضي : والذي قاله من جهة العادة أقوى ، فأما من حيث الدلالة فلا فرق بين معجزة ومعجزتين ونبي ونبيين لأن المبعوث إليه إن نظر في أيهما كان علم وإن لم ينظر فالحالة واحدة ، هذا إذا كانت طريقة الدلالة في المعجزتين واحدة ، فأما إذا اختلفت وأمكن في أحدهما إزالة الشبه ، ما لا يمكن في الأخرى فغير ممتنع أن يختلفا ، ويصلح عند ذلك أن يقال : إنها بمجموعها أقوى من إحداهما على ما قاله السدي ، لكن ذلك لا يتأتى في موسى وهارون ـ عليهما السلام ـ لأن معجزتهما كانت واحدة لا متغايرة )( (1) ).
والذي أراه :
إنه بعد استعراضنا الآيات القرآنية تبين لنا بما لا يقبل الشك أن سيدنا هارون ( - عليه السلام - ) قد كان رسولا إلى فرعون وملائه وبني إسرائيل ، ومن ذلك يتبين لنا حجم المهمة التي اضطلع بها سيدنا موسى وأخيه ، فقد أرسله الله إلى ملك متجبر طاغية ضرب به المثل في الظلم والتكبر حتى أداه تكبره إلى ادعاء الربوبية. قال تعالى : { وقال فرعون ياأيها الملا ما علمت لكم من إله غيري } ( (2) ) .
فإن رسالتها رسالة واحدة ، قال تعالى في سورة طه : { فأتياه فقولا إنا رسولا ربك } ( (3) ) . وفي الشعراء: { فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين } ( (4) ) . وقال في سورة طه : { قد جئناك بآية } ( (5) ) ، ففي هذه الآيات وآيات آخر دلالة على أن مهمتهما كانت مهمة واحدة .
ما يستفاد من النص
نستطيع أن نستنبط المعاني الآتية مما مر من الآيات القرآنية.
__________
(1) مفاتيح الغيب : 12/ 249- 250 .
(2) سورة القصص : الآية 38 .
(3) سورة ( طه ) : الآية 47 .
(4) سورة الشعراء : الآية 16 .
(5) سورة ( طه ) : الآية 47 .

(1/425)


أولا ـ إذا كلف والي أمر المسلمين أحدا بمهمة ما ، أو أسند إليه مسؤولية ما ، لا ضير عليه أن يطلب إشراك غيره معه في المهمة إذا كانت نيته خالصة لله ، ويريد الإخلاص والنجاح في مهمته ، حتى ولو كان ذلك المستعان به أخوه ، أو ابنه ، إذا كان ينطبق عليه الشرط السابق للعمل { إن خير من استأجرت القوي الأمين } ( (1) )، وشرط أن يكون العمل المكلف به مما يرضي الله أولا .
ثانيا ـ وكذلك على المكلف بواجب أو مهمة أن يبين لمن كلفه ويصارحه بكل شيء يمكن أن يفسد عليه مهمته ويقترح ما يعتقده كاف في إزالة هذه العوائق { قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلوني * وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني إني أخاف أن يكذبوني } وقد أجابه الله تعالى بإرسال هارون معه إلى فرعون وملائه( (2) ).

المطلب الرابع
المقارنة بين سورة النمل وسورة القصص
من خلال الآيات الخاصة ببعثة
سيدنا موسى ( - عليه السلام - )

سورة النمل
سورة القصص

إني آنست نارا
------
سآتيكم منها بخبر
أو آتيكم بشهاب قبس
فلما جاءها
نودي أن بورك
وسبحان الله رب العالمين
ياموسى
إنه أنا الله العزيز الحكيم
وألق عصاك
يا موسى لا تخف
إني لا يخاف لدي المرسلون
إلا من ظلم
وأدخل يدك في جيبك
في تسع آيات
-------
إلى فرعون وقومه
آنس من جانب الطور نارا
امكثوا
لعلي آتيكم منها بخبر
أو جذوة من النار
فلما أتاها
نودي من شاطئ الوادي الأيمن
__________
(1) سورة القصص : الآية 26.
(2) ينظر المستفاد من قصص القران : 1/ 373 .

(1/426)


------
أن ياموسى
إني أنا الله رب العالمين
وأن ألق عصاك
يا موسى أقبل ولا تخف
إنك من الآمنين
------
اسلك يدك
فذانك برهانان
واضمم إليك جناحك من الرهب
إلى فرعون وملئه

من خلال استعرضنا لقصة سيدنا موسى ( - عليه السلام - ) في القران الكريم نلاحظ أنها ذكرت مرات عديدة وبصيغ مختلفة ، وقد تكلمنا في الفصل التمهيدي عن فوائد وأغراض التكرار في القصة القرآنية ، وسنتكلم الآن عن الأوجه المناسبة والاختلاف في بعض الألفاظ بين سورتي النمل والقصص فيما يخص بعثة سيدنا موسى ( - عليه السلام - ) ، فقد لا حظنا هناك اختلاف في الزيادة والنقصان في بعض الكلمات ، وسنبين أسباب هذا الاختلاف وماذا يعني ذلك .
فكما نعرف أن سورة القصص قد استوعبت تقريبا كل مراحل حياة سيدنا موسى ( - عليه السلام - ) تقريبا ابتداء من اللحظات التي سبقت ولادته إلى بعثته وما بعدها من أحداث ، أما ما ورد في سورة النمل فلم يكن بهذا التوسع ، وورد بصورة مجملة .
وقد درسها الدكتور فاضل صالح السامرائي بالتفصيل في كتابه لمسات بيانية في نصوص من التنزيل( (1) ) . وفيما يأتي بعض من هذه المقومات :
قال تعالى في سورة النمل { إني آنست نارا } وقال في سورة القصص : { آنس من جانب الطور } . في سورة القصص زاد { من جانب الطور } ، وذلك لمقام التفصيل الذي بنيت عليه القصة في سورة القصص .
قال في سورة النمل : { إذ قال موسى لأهله إني آنست نارا } وقال في سورة القصص : { قال لأهله امكثوا إني آنست نارا } بزيادة { امكثوا } وذلك لمقام التفصيل في سورة القصص أيضا.
__________
(1) لسمات بيانية في نصوص من التنزيل : ص 69- 86

(1/427)


قال في سورة النمل : { سآتيكم منها بخبر } ، وقال في القصص :
{ لعلي آتيكم منها بخبر } ، فبنى الكلام في سورة النمل على القطع
{ سآتيكم } وفي القصص { لعلي آتيكم منها بخبر } إن مقام الخوف في القصص لم يدعه يقطع بالأمر ، فإن الخائف لا يستطيع القطع بما سيفعل بخلاف الأمن ، ولما لم يذكر الخوف في سورة النمل بناه على الوثوق والقطع بالأمر.
إن الترجي من سمات سورة القصص ، والقطع من سمات سورة النمل واليك الشواهد .
قال تعالى : { عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا } ( (1) ) وهو ترجي
{ عسى ربي أن يهديني سواء السبيل } ( (2) ) وهو ترج أيضا .
{ لعلي آتيكم منها بخبر } ( (3) ) .
{ لعلكم تصطلون } ( (4) ) .
{ لعلي أطلع إلى إله موسى } ( (5) ) .
{ لعلهم يتذكرون } ( (6) ) .
{ فعسى أن يكون من المفلحين } ( (7) ) .
وقال : { ولعلكم تشكرون } ( (8) ) .
أما سورة النمل لم يرد ترجي إلا في موطنين وهما :
قوله : { لعلكم تصطلون } ( (9) ) .
وقوله : { لعلكم ترحمون } ( (10) ) .
فناسب الترجي ما ورد في القصص ، وناسب القطع واليقين ما ورد في سورة النمل .
__________
(1) سورة القصص : الآية 9 .
(2) سورة القصص : الآية 22 .
(3) سورة القصص : الآية 29 .
(4) سورة القصص : الآية 29 .
(5) سورة القصص : الآية 38 .
(6) سورة القصص : الآيات 43 ، 46 ، 51 .
(7) سورة القصص : الآية 67 .
(8) سورة القصص : الآية 73 .
(9) سورة النمل : الآية 7 .
(10) سورة النمل : الآية 46 .

(1/428)


وكذلك كرر فعل الإتيان في سورة النمل فقال : { سآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب } ، ولم يكرر في القصص بل قال : { لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة } ، فأكد الإتيان في سورة النمل لقوة يقينه في حين لم يكرر فعل الإتيان في القصص مناسبة لجو الخوف .
قال في سورة النمل : { أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون } وقال في القصص : { لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون } . فذكر في سورة النمل أنه يأتيهم بشهاب قبس والشهاب هو شعلة من النار ساطعة ومعنى ( القبس ) : شعلة نار تقتبس من معظم النار . ( والجذوة ) العود الغليظ في رأسه نار(1)، والشهاب الشعلة والقبس : النار المقبوسة( (2) ) .
أولا: المجيء بالشهاب أحسن من المجيء بالجمرة ، لأن الشهاب يدفئ أكثر من الجمرة لما فيها من اللهب الساطع ، كما أنه ينفع في الاستنارة أيضا ، فهو أحسن من الجذوة في الاستضاءة والدفء .
وثانيا: إنه سيأتي بالشهاب مقبوسا من النار ، وليس مختلسا أو محمولا منها ، لأن الشهاب يكون مقبوسا وغير مقبوس( (3) ) ، وهذا أدل على القوة والثبات ، لأن معناه أنه سيذهب إلى النار ويقبس منها شعلة ساطعة ، أما في القصص فقد ذكر أنه ربما أتى بجمرة من النار ولم يقل إنه سيقتبسها منها ، ولا شك أن الحالة الأولى أكمل لما فيها من زيادة دفع كل تعبير في موطنه اللائق به ، ففي موطن الخوف ذكر الجمرة ، وفي غير موطن الخوف ذكر الشهاب القبس .
__________
(1) الكشاف 3/ 244
(2) الكشاف 3/ 137
(3) ينظر : الكشاف : 3 /137. البحر المحيط : 7/55 .

(1/429)


قال في سورة النمل : { فلما جاءها نودي } ، وقال في القصص : { فلما أتاها نودي } ، وقد فرق الراغب بين المجيء والإتيان فقال : " المجيء كالإتيان ، لكن المجيء أعم لأن الإتيان مجيء بسهولة ، والإتيان قد يقال باعتبار القصد وأن لم يكن منه الحصول ، والمجيء يقال اعتبارا بالحصول "( (1) ) ، فإن ما قطعه موسى على نفسه في سورة النمل أصعب مما في سورة القصص ، فقد قطع على نفسه أن يأتيهم بخبر أو بشهاب قبس ، في حين ترجى ذلك في القصص ، والقطع أشق وأصعب من الترجي ، وغالبا ما يستعمل القران الكريم المجيء لما فيه صعوبة ومشقة( (2) ).
ذكر في القصص جهة النداء { نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة } ، ولم يذكر الجهة في سورة النمل ، وذلك لأن موطن القصص موطن تفصيل وموطن النمل موطن إيجاز .
قال في سورة النمل : { نودي أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين } . وقال في القصص : { إني أنا الله رب العالمين } . قال الرازي : " ولا منافاة بين هذه الأشياء فهو تعالى ذكر الكل ، إلا أنه حكى في كل سورة بعض ما اشتمل عليه ذلك النداء "( (3) ) ، ولأن الموقف في سورة النمل موقف تعظيم.
__________
(1) معجم مفردات ألفاظ القران: ص 120 .
(2) ينظر : لمسات بيانية في نصوص من التنزيل . د . فاضل صالح السامرائي . الطبعة الأولى . دار الشؤون الثقافية العامة . بغداد . 1999 م : ص 74 - 80 .
(3) مفاتيح الغيب : 12/ 425 . البحر المحيط : 7/ 117 .

(1/430)


قال في سورة النمل : { يا موسى } ، وقال في القصص : { أن يا موسى } ، فجيء بـ( أن ) المفسرة ، وذلك لأن المقام في سورة النمل مقام تعظيم لله سبحانه وتعالى وتكريم لموسى فشرفه بالنداء المباشر ، في حين ليس المقام كذلك في القصص ، فجاء بما يفسر الكلام ، أي : ناديناه بنحو هذا ، أو بما هذا معناه( (1) ).
قال في سورة النمل : { إنه أنا الله العزيز الحكيم } ، وقال في القصص : { إني أنا الله رب العالمين } ، فجيء بضمير الشان الدال على التعظيم في آية النمل (إنه أنا ) ، ولم يأت به في القصص ، ثم جاء باسميه الكريمين ( العزيز الحكيم ) في سورة النمل زيادة في التعظيم .
قال في سورة النمل : { وألق عصاك } ، وقال في القصص : { وأن ألق عصاك } ، فجيء بـ( أن ) المفسرة أو المصدرية ، ويقال فيها مثل ما قيل في الفقرة العاشرة من النمل { يا موسى } ، وفي القصص { أن يا موسى } .
قال في سورة النمل : { يا موسى لا تخف } . وقال في القصص : { يا موسى أقبل ولا تخف } بزيادة { أقبل } ، وذلك أن مقام الإيجاز في سورة النمل يستدعي عدم الإطالة ، ولأن شيوع جو الخوف في القصص يدل على إيغال موسى في الهرب ، فدعاه إلى الإقبال وعدم الخوف( (2) ).
قال في سورة النمل : { إني لا يخاف لدي المرسلون } ، وقال في القصص : { إنك من الآمنين } ، وذلك أن المقام في سورة القصص مقام الخوف ، والخوف يحتاج إلى الأمن ، فأمنه قائلا : { إنك من الآمنين } ، وأما في سورة النمل فالمقام مقام تكريم وتشريف. فقال : { إني لا يخاف لدي المرسلون } ( (3) ).
__________
(1) لمسات بيانية : ص 80 .
(2) المصدر نفسه : ص 80 .
(3) لمسات بيانية : ص 83 .

(1/431)


قال في القصص : { واضمم إليك جناحك من الرهب } ، ولم يذكر مثل ذلك في سورة النمل ، والرهب هو الخوف ، وهو مناسب لجو الخوف الذي تردد في القصة ، ومناسب لجو التفصيل فيها( (1) ).
يقول الباحث : بعد هذا العرض لأوجه الاختلاف بين هذين النصين يمكن أن نقول أن ذلك يعود إلى ثلاثة أسباب :
السبب الأول ـ هو أن سورة القصص جاءت مفصلة استوعبت كل جوانب حياة سيدنا موسى تقريبا ، بينما وردت هذه القصة بصورة مجملة في سورة النمل ، فكان ذلك سببا من أسباب الاختلاف .
السبب الثاني ـ طابع الخوف الذي كان سمة من سمات سوره القصص فكان سببا أخرا من أسباب الاختلاف .
السبب الثالث ـ إن المقام في سورة النمل مقام تكريم لسيدنا موسى ( - عليه السلام - ) أوضح مما هو في القصص( (2) ) .
ففي سورة القصص كان جو القصة مطبوعا بطابع الخوف ، وفيما يأتي جرد لعبارات الخوف التي جاءت في سورة القصص :
فقد خافت أم موسى ( - عليه السلام - ) على ولدها من فرعون وملائه قال تعالى :
{ وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني } ( (3) ) .
ومن شدة الخوف اصبح فؤادها فارغا من الحزن قال تعالى : { وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها } ( (4) ) .
خوفه بعد قتل القبطي : { فأصبح في المدينة خائفا يترقب } ( (5) ) .
وبعد خروجه من مصر قال تعالى : { فخرج منها خائفا يترقب } ( (6) ).
__________
(1) المصدر نفسه : ص 83 .
(2) المصدر نفسه : ص 70 .
(3) سورة القصص : الآية 7 .
(4) سورة القصص : الآية 10 .
(5) سورة القصص : الآية 18 .
(6) سورة القصص : الآية 21 .

(1/432)


بعد أن ذهب إلى مدين واتصل بالشيخ الكبير والد البنات وقص عليه قصته فطمأنه : { لا تخف نجوت من القوم الظالمين } ( (1) ).
وبعد البعثة طلب المعونة من الله أن يرسل معه أخوه هارون { وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني إني أخاف أن يكذبوني } ( (2) ).
ونلاحظ في سورة النمل أنه لم يرد ذكر للخوف إلا في مقام العصا : { يا يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون } ( (3) ) . وانما اخترنا سورة النمل نموذجا للمقارنة بين القصتين، وقد وضعنا الجدول في أول المطلب لتسهيل المقارنة.

المطلب الأول
اتهام سيدنا موسى بالسحر
{ فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات قالوا ما هذا إلا سحر مفترى وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين * وقال موسى ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ومن تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون } ( (4) ) .
المناسبة
لقد بينت الآيات السابقات أن الله جل وعلا قد وعد سيدنا موسى بأن يجيب طلبه ودعائه بأن يحميه من فرعون وملائه ، وأن يرسل معه أخوه هارون معينا :
{ قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون } ، وليبين جل وعلا سرعة امتثال موسى وهارون لأمر الله قال : { فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات قالوا ما هذا إلا سحر مفترى } .
__________
(1) سورة القصص : الآية 25 .
(2) سورة القصص : الآية 34 .
(3) سورة النمل : الآية 10 .
(4) سورة القصص : الآيتان 36 – 37 .

(1/433)


وقال البقاعي : " ولما كان التقدير فأتاهم كما أمر الله وعاضده أخوه كما أخبر الله ودعواهم إلى الله تعالى ، وأظهر ما أمر به من الآيات بنى عليه قوله مبينا بالفاء سرعة امتثاله { فلما جاءهم } ، أي : فرعون وقومه ، ولما كانت رسالة هارون ( - عليه السلام - ) إنما هي تأييد لموسى ( - عليه السلام - ) أشار إلى ذلك بالتصريح باسم الجائي فقال { موسى بآياتنا } ( (1) ) .
فنلاحظ مرة أخرى إلى روعة التناسق والتناسب في الآيات القرآنية كذلك الروعة في استخدام الحروف للدلالة على معان لا يمكن أن تعبر عنها الجمل الطويلة .
تحليل الألفاظ
1. { سحر } :
قال ابن منظور : هو كل ما لطف مأخذه ودق فهو سحر والجمع أسحار وسحور وسحرة يسحره سحرا وسحرا وسحره. ورجل ساحر من قوم سحرة وسحار من قوم سحارين . وأصل السحر صرف الشيء عن حقيقته إلى غيره ، فكأن الساحر لما أري من الباطل في الحق ، وخيل الشيء على غير حقيقته ـ وقد سحر الشيء عن وجهه ، أي : صرفه( (2) ) وعرف الشافعي السحر بأنه : " عقد ورقى وكلام يتكلم به ، أو يكتبه ، أو يعمل شيئا يؤثر في بدن المسحور وقلبه ، أو عقله من غير مباشرة وله حقيقته "( (3) ).
2. { مفترى } :
الفرية الكذب فرى كذبا فريا وافتراه اختلقه ، ورجل فرى ومفرى وأنه لقبيح الفرية ، قال الليث : يقال فرى فلان الكذب يفريه إذا اختلقه( (4) ).
القراءات القرآنية
1. { وقال موسى } :
__________
(1) نظم الدرر : 5/ 488 .
(2) لسان العرب : مادة ( سحر ) 4/ 348 .
(3) المغني ( ابن قدامة ) : 8/ 28 .
(4) لسان العرب : مادة ( فري ) 15/ 154 .

(1/434)


قرأ ابن كثير : ( قال ) بغير واو لأنها كذلك في مصحف أهل مكة كأنه استئناف كلام . وقرأه الباقون : ( وقال ) بالواو ، كأنه عطف على ما قبله عطف جملة على جملة( (1) ) .
2. { ربي أعلم } :
وقرأ نافع ، وابن كثير ، وأبو عمرو ، وأبو جعفر بالفتح ( ربي ) بالفتح( (2) ).
المعنى العام
{ فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات قالوا ما هذا إلا سحر مفترى وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين }
{ فلما جاءهم موسى بآياتنا } وهي العصا واليد ( بينات ) ، أي واضحات الدلالة على صدقه وأنه أمر خارق معجز ، كفوا عن مقاومته ومعارضته ، فرجعوا إلى البهت والكذب ، ونسبوه إلى السحر ، لأنهم يرون الشيء على حالة ، ثم يرونه على حالة أخرى ، ثم يعود إلى الحالة الأولى ، فزعموا أنه سحر يفتعله موسى ويفتريه على الله ، فليس بمعجز ثم مع دعواهم إنه سحر مفترى وكذبهم في ذلك ، زادوا في الكذب أنهم ما سمعوا بهذا في آباءهم ، أي : في زمان آبائهم وأيامهم( (3) ) .
{ وقال موسى ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ومن تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون }
لما اخبره تعالى بقولهم عطف عليه الأخبار بقول موسى ( - عليه السلام - )
{ وقال موسى ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ومن تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون } ، ليوازن السامع بين الكلامين ويتبصر بعقله ما الفاسد منهما فبضدهما تتبين الأشياء( (4) ) .
__________
(1) الكشف عن وجوه القراءات : 2/ 174 الإقناع في القراءات السبع : 2/ 723 .
(2) الكشف عن وجوه القراءات : 2/ 176 .
(3) ينظر البحر المحيط : 7/ 119 .
(4) ينظر نظم الدرر : 5/ 489 .

(1/435)


وقال الرازي في تفسيره لقوله تعالى : { ومن تكون له عاقبة الدار } :
" من ثواب على تمسكه بالحق أو من عقاب ، وعاقبة الدار هي العاقبة المحمودة ، والدليل عليه قوله تعالى : { أولئك لهم عقبى الدار * جنات عدن } ( (1) ) . وقوله : { وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار } ( (2) ) ، والمراد بالدار الدنيا وعاقبتها وعقابها أن يختم للعبد بالرحمة والرضوان ، وتلقي الملائكة بالبشرى عند الموت ، فإن قيل : العاقبة المحمودة والمذمومة كلتاهما يصح أن تسمى عاقبة الدار ، لأن الدنيا قد تكون خاتمتها خير في حق البعض ، وشر في حق البعض الآخر ، فلم اختصت خاتمتها بالخير في هذه التسمية دون خاتمتها بالشر ؟ قلنا : إنه قد وضع الله سبحانه وتعالى الدنيا مجازا إلى الآخرة ، وأمر عباده أن لا يعملوا فيها إلا الخير ليبلغوا خاتمة الخير وعاقبة الخير ، وأما عاقبة السوء فلا اعتداد بها لأنها من نتائج تحريف الفجار ، ثم إنه ( - عليه السلام - ) أكد ذلك بقوله : { إنه لا يفلح الظالمون } ، أي : لا يظفرون بالفوز والنجاة والمنافع ، بل يحصلون على ضد ذلك ، وهذا نهاية في زجرهم عن العناد الذي ظهر منهم "( (3) ).
ما يستفاد من النص
__________
(1) سورة الرعد: الآيتان 22 –23 .
(2) سورة الرعد: الآية 42 .
(3) مفاتيح الغيب : 12 / 351 .

(1/436)


أولا ـ في هذه الآية بشرى من البشارات القرآنية لانتصار المسلمين على أعدائهم ، وذلك قوله تعالى : { وقال موسى ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ومن تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون } ، وهذه الآية نظير ما جاء في سورة الأعراف من قول موسى لقومه : { استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين } ( (1) ) .
فمن السنن الإلهية التي لا تنتهي أبدا هي أن العاقبة الحسنة للمتقين في الدنيا والآخرة ، وليست مقصورة على الآخرة بدخول الجنان ، وإنما تشمل عاقبتهم الحسنة المرضية في الدنيا ، وتشمل انتصارهم على أعدائهم وإزالة الظلم عنهم ، واسترداد حقوقهم ، وعزتهم وكرامتهم ، وعلو مكانتهم . وهذه العاقبة الحسنة هي للمتقين من عباده ، وهم القائمون بكل مقتضيات ولوازم العبودية لله ، والتي هي عبادة الله وحده لا شريك له ، وتنفيذ ما أمر الله به ، والابتعاد عما نهى عنه ، وتحكيم شرع الله ، وإقامة المجتمع الصالح القائم على الأخلاق الفاضلة التي ربى عليها الإسلام الجيل الأول( (2) ) .
ودلت كذلك على الاستعانة بالله في جميع الأحوال وجمع الكلمة ، ولا ينبغي للمسلم أن ييأس أبدا .
__________
(1) سورة الأعراف : الآية 128 .
(2) ينظر المستفاد من قصص القران : 1/ 375 .

(1/437)


ثانيا ـ نلاحظ التشابه الواضح في رد فعل قوم فرعون من دعوة سيدنا موسى ( - عليه السلام - ) واتهامهم له بالسحر في قوله تعالى : { فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات قالوا ما هذا إلا سحر مفترى } ، ورد فعل كفار قريش من دعوة المصطفى
( - صلى الله عليه وسلم - ) وعجزهم عن معارضته لما رأوا فصاحة القران وبلاغته ، نسبوه إلى السحر قال تعالى : { ولما جاءهم الحق قالوا هذا سحر وإنا به كافرون } ( (1) ) ، فعلى الدعاة أن لا يضجروا من عدم استجابة من يدعونهم إلى الله ، فالناس بطبيعتهم يختلفون في مدى استعدادهم للاستجابة لصوت الحق وفي سرعة هذه الاستجابة ، فمن الناس من يقبل الحق بدون تردد ، ومن الناس من لا يقبل الدعوة إلى الله ويظل يقاومها ثم يقبلها بعد ذلك ، فعلى الداعي أن يفقه ذلك ، ولا يتعجب ولا ييأس من الاستجابة له حتى من أعتى الناس وأشدهم مقاومة للدين( (2) ) .
وكذلك ما ورد أيضا من تشابه بين ما جاء في خطاب سيدنا موسى
( - عليه السلام - ) لقومه : { وقال موسى ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ومن تكون له عاقبة الدار } .
وما ورد من خطاب الرسول محمد ( - صلى الله عليه وسلم - ) للمشركين بقوله : { وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين * قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون * قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم } ( (3) ).
وهو يرجح ما ذهبت إليه .

المطلب الثاني
ادعاء فرعون الألوهية وتكبره وملؤه في الأرض
__________
(1) سورة الزخرف : الآية 30 .
(2) ينظر المستفاد من قصص القران : 1/ 376 .
(3) سورة سبأ : الآيات 24-26 .

(1/438)


{ وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين * واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون } ( (1) ) .
المناسبة
بعد أن بينت الآيات السابقات سرعة امتثال سيدنا موسى لأمر الله بدعوته لفرعون وقومه ، وجاءهم بالمعجزات الدالات على صدقه ، فاتهموه بالسحر ، فقال لهم موسى بكل أدب : { ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ومن تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون } فتضمن رده عليهم ترغيب وترهيب بعد أن قدم لهم المعجزات ، وجاء رده عليهم بأسلوب غاية في الروعة ، وبأسلوب عال من أدب الخطاب والمناظرة " فهو لم يؤكد أن خصمه في ضلال ، كما لم ينسبه إلى نفسه ، بل ردده بينهما وهو يعلم انه لأيهما "( (2) ) ، ثم علل هذا بأن من سنن الله أن المخذول هو الكاذب فقال : { إنه لا يفلح الظالمون } .
__________
(1) سورة القصص : الآيتان 38 – 39 .
(2) تفسير المراغي : 20/ 58 .

(1/439)


ثم يأتي النص القرآني والذي نحن بصدد تحليله ليبين في الجانب الآخر رد فرعون على مقالة موسى بمقالة تدل على الجهل ونقصان العقل ليؤكد النص القرآني على أنه بلغ غاية لا حد لها في الإنكار ، وأنه لا مطمع في إيمانه لعتوه وطغيانه واستكباره في الأرض ، وما جرى له من العذاب في الدنيا والآخرة . قال تعالى : { وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي ياهامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين } ( (1) ) . فأراد النص القرآني في هذا المقطع أن يبين الفرق بين رد أهل الحق المتمثل في قول موسى المتفائل بنصر الله والمتوكل على الله ، ورد فرعون المتكبر الظالم وليبين لنا بوضوح الفرق بين أخلاق الأنبياء ، وبين أخلاق أعداء الله .
تحليل الألفاظ
{ صرحا } :
الصرح بيت واحد يبنى منفردا ضخما طويلا في السماء . وقيل : هو القصر . وقيل : هو كل بناء مرتفع . وقال الزجاج : الصرح في اللغة القصر والصحن( (2) ) . وقال الراغب الأصفهاني : " وهو بيت عالي مزوق سمي بذلك اعتبارا بكونه صرحا عن الشوب ، أي : خالصا "( (3) ) .
وقال الآلوسي هو: " بناء مكشوف عاليا ، من صرح الشيء إذا ظهر "( (4) ) .
وقال ابن عاشور هو : " القصر المرتفع "( (5) ) .
القراءات القرآنية
1. { لعلي } :
قرأ نافع ، وابن كثير ، وأبو عمرو ، وابن عامر ، وأبو جعفر بالفتح :
( لعلى ) ( (6) )
2. { لا يرجعون } :
__________
(1) سورة القصص : الآيتان 38- 39 .
(2) لسان العرب : مادة ( صرح ) 2/ 511 .
(3) معجم مفردات ألفاظ القرآن : ص 287 .
(4) روح المعاني : 20/ 80 .
(5) التحرير والتنوير : 20/ 123 .
(6) ينظر الإقناع في القراءات السبع : 2/ 721 .

(1/440)


قرأ حمزة ، والكسائي ، ونافع : ( لا يرجعون ) مبينا للفاعل والجهور مبينا للمفعول( (1) ) .
القضايا البلاغية
في قوله تعالى : { فأوقد لي يا هامان على الطين } فيها إطناب( (2) ) بديع ، وذلك أنه لم يقل : اطبخ لي الآجر ، وذلك ليتفادى ذكر كلمة الآجر لأن تركيبها على سهولة لفظه ليس فصيحا ، وذلك امر يقرره الذوق وحده ، فعبر عن الآجر بالوقود على الطين لأن هذه العبارة أحسن مطابقة لفصاحة القرآن ، وعلو طبقته ، وأشبه بكلام الجبابرة ، وأمر هامان وهو وزيره ورديفه بالإيقاد على الطين ، منادى باسمه بـ( يا ) في وسط الكلام دليل التعظيم والتجبر ، وقد اشتملت هذه العبارة على الكثير من ألفاظ الجبابرة العتاة ، وذلك على الوجه الآتي :
نادى وزيره بحرف النداء .
توسيط ندائه خلال الأمر وبناء الصرح .
رجاؤه الإطلاع إلى الله .
الغباء الذي يلازم الجبابرة العتاة ، إذ يقعون في التناقض من حيث لا يشعرون ، فقد صرح قبل قليل بقوله : { ما علمت لكم من إله غيري } ، فعرب عن نفي المعلوم بنفي العلم ، وأعلن تصميمه على الجحود ، ثم ما عتم أن أعلن رجاءه الإطلاع ، فهل كان مصمما على الجحود أم لم يكن( (3) ) ؟
المعنى العام
{ وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري }
__________
(1) ينظر الكشاف : 3 /180. البحر المحيط : 7/ 120 .
(2) الإطناب : هو البلاغة في المنطق والوصف مدحا كان أو ذما ، وأطنب في الكلام بالغ فيه . ينظر معجم المصطلحات البلاغية : 1 /224 .
(3) ينظر الكشاف : 3 /179 –180. إعراب القرآن وبيانه وصرفه : 5 /231 .

(1/441)


أي : وقال فرعون منكرا لما أتى به موسى ( - عليه السلام - ) من توحيد الله وحده وعبادته ، فقد اخرج ابن أبى حاتم عن ابن عباس ( رضي الله عنهما ) قال : " لما قال فرعون : { يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري } قال جبريل ( - عليه السلام - ): يا رب طغى عبدك ، فأذن لي في هلاكه ، قال : يا جبريل هو عبدي ولن يسبقني له أجل قد أجلته حتى يجيء ذلك الأجل ، فلما قال : { أنا ربكم الأعلى } ( (1) ) قال جبريل : قد سكنت روعتك بقى عبدي وقد جاء أوان هلاكه "( (2) )
{ فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين }
" أي أطبخ لي يا هامان الآجر ، فعن ابن عباس ( رضي الله عنه ) وقتادة : هو أول من صنع الآجر وبنى به "( (3) ) .
وقد اختلف العلماء في فرعون هل بنى الصرح أم لا ؟
1.فقال قوم : إنه بناه ، " فقالوا إنه لما أمر ببناء الصرح جمع هامان العمال حتى اجتمع خمسون ألف بناء سوى الاتباع والأجراء ، وأمر بطبخ الآجر والجص ، ونجر الخشب وضرب المسامير ، فشيدوه حتى بلغ ما لم يبلغه بنيان أحد من الخلق فبعث الله تعالى جبريل ( - عليه السلام - ) عند غروب الشمس فضربه بجناحيه فقطعه ثلاث قطع "( (4) ) .
ونقل الآلوسي رواية عن السدي " بأنه لما بنى له الصرح ارتقى فوقه ، وأمر بنشابة فرمى بها نحو السماء فردت إليه وهي متلطخة دما فقال : قتلت إله موسى "( (5) ) .
__________
(1) سورة النازعات : الآية 24 .
(2) ينظر تفسير ابن أبي حاتم : 9/ 2979 . والأثر لم أقف عليه في كتب الأحاديث والآثار .
(3) ينظر الجامع لأحكام القرآن : 6/ 5004 وما بعدها .
(4) مفاتيح الغيب : 12 /253 .
(5) روح المعاني : 20 /80 .

(1/442)


2.ومن الناس من قال : إنه لم يبن ذلك الصرح ، لأنه يبعد من العقلاء أن يظنوا أنهم بصعود الصرح يقربون من السماء مع علمهم بأن من على أعلى الجبال الشاهقة يرى السماء كما يراها حين كان على قرار الأرض ، ومن شك في ذلك خرج عن حد العقل ، وهكذا القول فيما يقال من رمى السهم إلى السماء ، وأن من حاول ذلك كان من المجانين ، فلا يليق بالعقل والدين حمل القصة التي حكاها الله تعالى في القرآن على محمل يعرف فساده بضرورة العقل ، فيصير ذلك مشرعا قويا لمن أحب الطعن في القران( (1) ).
والذي أراه أن أمر فرعون لهامان ببناء الصرح لم يكن يقصد البناء حقيقة ، ولكنه أراد الاستهزاء بموسى وتكذيبه بدلالة قوله تعالى حكاية عن فرعون : { وإني لأظنه من الكاذبين } بعد الأمر ببناء الصرح ، فهو إنما أراد أن يبين لهم بطريقة الاستدلال العقلي أنه لا دليل حي على وجود إله موسى ، فأوهمهم بأن الإله لا بد أن يكون محسوسا ، وهذا ما أراده من قوله لقومه : { ما علمت لكم من إله غيري }
أي : ما دمت أنا محسوسا فأنا أحق بالعبادة من إله موسى غير المحسوس وهذا من قلة عقله واستخفافه بعقول قومه .
{ واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق }
__________
(1) المصدر نفسه : 20/ 80 .

(1/443)


أي : رأوا كل من سواهم حقيرا بالإضافة إليهم ، ولم يروا العظمة والكبرياء إلا لأنفسهم ، فنظروا إلى غيرهم نظر الملوك للعبيد في الأرض وقوله : { بغير الحق } ، لأن الاستكبار بالحق إنما هو لله تعالى وهو المتكبر ، أي : المتبالغ في كبرياء الشأن ، فكل مستكبر سواه فاستكباره بغير الحق( (1) ) . قال ( - صلى الله عليه وسلم - ) فيما يحكيه عن ربه : (( الكبرياء ردائي ، والعظمة إزاري ، فمن نازعني في واحدة منهما قذفته في النار ))( (2) ).
{ وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون }
الظن ، قيل : إما على ظاهره، أو عبر عن اعتقادهم به تحقيرا وتمهيلا( (3) ) .
ويقول الرازي في معنى قوله تعالى : { وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون } ، فهذا يدل على أنهم كانوا عارفين بالله تعالى ، إلا أنهم كانوا ينكرون البعث ، فلأجل ذلك تمردوا "( (4) ) .
وقال ابن عاشور : " فذكر ( إلينا ) لحكاية الواقع وليس بقيد ، فلا يتوهم أنهم أنكروا البعث ولم ينكروا وجود الله مثل المشركين ، وبتقديم ( إلينا ) على عامله لأجل الفاصلة ، ويمكن أن يكون المعنى : وظنوا أنهم في منعة من أن يقعوا في قبضة قدرتنا "( (5) ) . أو أنهم كانوا يعتقدون بالبعث ، ولكن الذي يحاسبهم هو فرعون وليس الله سبحانه وتعالى كما هو الواقع بدليل قوله تعالى : { وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون } .
ما يستفاد من النص
__________
(1) ينظر الكشاف : 3/ 181 . روح المعاني : 20/ 82 .
(2) صحيح ابن حبان : 2 /35. المستدرك على الصحيحين : 1 /129 . قال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه . وأخرجه مسلم بغير هذا اللفظ .
(3) روح المعاني : 20/ 83 .
(4) مفاتيح الغيب : 12/ 254 .
(5) التحرير والتنوير : 20/ 124 .

(1/444)


لقد ذم القرآن الكريم في آيات كثيرة الكبر بصورة مباشرة أو من خلال ذكره لقصص المتكبرين في الأرض وذمه لهم ، وتبيان عاقبتهم في الدنيا والآخرة ، وفي هذه الآية يقص علينا القرآن قصة من قصص المتكبرين في الأرض ، وكيف أوصله تكبره إلى ادعاه الألوهية ، فكان عاقبته أنه وقومه في النار .
ودلت كذلك على التشابه بين رد فرعون وقومه من دعوة موسى ( - عليه السلام - ) ورد فراعنة قريش من دعوة المصطفى ( - صلى الله عليه وسلم - ) كأبي جهل ، وأمية بن خلف ، وغيرهم . وفي هذه الآية تحذير واضح لكل من يقف في طريق الدعوة إلى الله من الحكومات والأفراد ، فمهما بلغ من القوة والمنعة فإنه ليس بمأمن من قوة الله وعقابه في الدنيا والآخرة .
المطلب الثالث
عاقبة فرعون وجنوده
{ فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين * وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون * وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين * ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون } ( (1) ) .
المناسبة
__________
(1) سورة القصص : الآيات 40 – 43 .

(1/445)


بعد أن بينت الآيات السابقات الدواعي لاستحقاق فرعون وجنوده العقوبة لادعائه الألوهية وتكبره في الأرض وتهكمه واستهزاءه بموسى أمام قومه ليشكك في صدق مقالته ، جاءت هذه الآيات لتخبر بما نالهم من عقاب الدنيا ، فقال تعالى : { فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم } ، ثم أمر رسوله محمد ( - صلى الله عليه وسلم - ) وقومه بالنظر والاعتبار والتأمل بالعواقب ليعلموا أن هذه سنة الله في كل مكذب برسله( (1) ) . فقال : { فانظر كيف كان عاقبة الظالمين } ، ثم بينت الآيات مصيرهم في النار ، فقال : { ويوم القيامة لا ينصرون } .
" فإن السياق هنا يعجل بالضربة القاضية ، ويختصر حلقة السحرة التي تذكر في سور أخرى بتفصيل أو إجمال ، يختصرها ليصل من التكذيب مباشرة إلى الإهلاك ، ثم لا يقتصر عند الأخذ في الدنيا بل يتابع الرحلة إلى الآخرة ، وهذا الإسراع في هذه الحلقة مقصود متناسق مع اتجاه القصة في السورة ، وهو تدخل القدرة بلا ستار من البشر ، فما أن يواجه موسى فرعون ، حتى يعجل الله بالعاقبة وتضرب يد القدرة ضربتها الحاسمة بلا تفصيل في المواجهة أو تطويل "( (2) ).
تحليل الألفاظ
1. { فنبذناهم } :
" النبذ طرحك الشيء من يدك أمامك أو وراءك ، نبذت الشيء أنبذه نبذا إذا ألقيته من يدك ، ونبذته شدد للكثرة ، ونبذت الشيء أيضا إذا رميته وأبعدته "( (3) ) .
2. { المقبوحين } :
__________
(1) ينظر تفسير المراغي : 20 / 58 .
(2) في ضلال القران : 6/ 348 .
(3) لسان العرب : مادة ( نبذ ) 3/ 511 .

(1/446)


" القبح ضد الحسن يكون في الصورة ، والفعل قبح يقبح قبحا وقبوحا وقباحة وقبوحة وهو قبيح والجمع قبائح وقباحى ، والأنثى قبيحة ، وقال الأزهري : هو نقيض الحسن عام في كل شيء "( (1) ) .
3. { بصائر } :
قال ابن الأثير في أسماء الله تعالى البصير ، وهو الذي يشاهد الأشياء كلها ظاهرها وخافيها بغير جارحة . وقيل : البصر العين إلا أنه مذكر . وقيل : البصر حاسة الرؤية ، وقال ابن الأعرابي : أبصر الرجل إذا خرج من الكفر إلى الإيمان( (2) ) .
القراءات القرآنية
1. { الدنيا } :
قرأ حمزة ، والكسائي ، وخلف ، وورش بالإمالة.
2. { الأولى } :
قرأ حمزة ، والكسائي ، وورش ، وخلف بالإمالة .
3. { للناس } :
قرأ الدوري بالإمالة .
4. { وهدى } :
قرأ كل من حمزة ، والكسائي ، وورش بالإمالة( (3) ) .
القضايا البلاغية
تشبيه بليغ في قوله تعالى : { بصائر للناس } ، أي : أعطيناه التوراة كأنها أنوار لقلوب الناس ، حذف أداة التشبيه ووجه الشبه ، فأصبح بليغا ، قال الشيخ زاده : " أي مشبها بأنوار القلوب من حيث أن القلوب لو كانت خالية عن أنوار التوراة وعلومها لكانت عمياء لا تبصر ولا تعرف حقا من باطل "( (4) ) .
المعنى العام
{ فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم }
أي : طرحناهم في البحر المالح . قال قتادة : بحر من وراء مصر يقال له : أساف ، أغرقهم الله فيه . وقال وهب ، والسدي : المكان الذي أغرقهم الله فيه بناحية القلزم يقال له : بطن مريرة . وقال مقاتل : يعني نهر النيل( (5) ) .
__________
(1) لسان العرب : مادة ( قبح ) 2/ 552 .
(2) لسان العرب : مادة ( بصر ) 4/ 64 .
(3) ينظر معجم القراءات القرآنية : 5/ 25-26 .
(4) حاشية الشيخ زاده : 3 /515 . وينظر الكشاف : 3 /181 .
(5) الجامع لأحكام القرآن : 6/ 5005 .

(1/447)


{ فانظر كيف كان عاقبة الظالمين * وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون }
جعلهم الله عبرة لمن سلك وراءهم وأخذ طريقهم في تكذيب الرسل وتعطيل الصانع ، فأجمع الله عليهم خزي الدنيا موصولا بذل الآخرة( (1) )
{ وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين }
أي أهلكهم الله فلا ناصر لهم من دون الله ، وأتبعهم زيادة في عقوبتهم وخزيهم في الدنيا ، لعنة يلعنون ، ولهم عند الخلق الثناء القبيح والمقت والذم وهذا أمر شاهد فهم أئمة الملعونين في الدنيا ومقدمتهم( (2) ) .
ما يستفاد من النص
بينت الآيات سنة من سنن الله في الطغاة والظلمة بأن مصيرهم الهلاك مهما تحصنوا ، ومهما بلغت قوتهم ، ولتنبهنا الآية على هذه الحقيقة الساطعة جاءت بكلمة ( فانظر ) لتحفز القارئ على الاتعاظ بتأكيدها على عاقبة الظالمين بقوله تعالى : { فانظر كيف كان عاقبة الظالمين } وهي كلمة عامة تشمل كل ظالم من دول وأفراد .
ودلت كذلك الآيات على أن الجزاء من جنس العمل ، ففرعون كما كان في الدنيا إماما من أئمة الظلم والطغيان سيكون يوم القيامة هو وجنوده من أئمة النار.
ودلت الآيات على أن التاريخ لا يذكر الظالمين إلا بسوء لقوله تعالى :
{ وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين } .
ودلت الآيات كذلك على سنة من سنن الله في إرسال الرسل والأنبياء ، فكلما تنقضي فترة من الزمن ويصبح الناس بحاجة إلى رسول يبعث ليعيد الناس إلى عبادة الله الواحد الأحد .

المطلب الرابع
__________
(1) ينظر تفسير القران العظيم : 3/ 390 .
(2) ينظر تفسير الكريم الرحمن : 4/ 20 .

(1/448)


الفرق بين الرواية التوراتية وسفر الخروج وبين الرواية القرآنية في سورة القصص لقصة موسى ( - عليه السلام - )

لقد كان القرآن الكريم ولا زال كتابا مهيمنا على كل الكتب التي سبقته باعتباره أخر الكتب الإلهية المنزلة بعد صحف إبراهيم وموسى والتوراة وزبور داود وإنجيل عيسى ـ عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام ـ فكيف إذا ما حرفت تلك الكتب من بعد أنبيائها على يد اليهود والنصارى ، ونحن في تحليلنا العام لسورة القصص الشريفة استطعنا أن نجد أن الرواية القرآنية ـ إذا جاز لنا استخدام هذا التعبير في وصف كلام الله تعالى ـ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، كانت ولا زالت مهيمنة وشاملة وعالية فوق النصوص التوراتية لقصة موسى ( - صلى الله عليه وسلم - ) منذ طفولته حتى غرق فرعون على يديه بنصر الله سبحانه وتعالى .
وإن ما ذكره القرآن الكريم كان منزها لموسى ( - عليه السلام - ) ، بل وزائدا على ما في العهد القديم المسمى بالتوراة زيادات فيها فائدة وتوجب حقائق تاريخية ألهمها الله تعالى وأوحاها إلى رسوله محمد بن عبد الله النبي الأمي ( - صلى الله عليه وسلم - ) مما لم يكن هو
( - صلى الله عليه وسلم - ) ولا قومه يعرفونه من قبل ، وهو ما جعل اليهود يتميزون من الغيظ حسدا وحقدا على ما آتاهم الله من كتابه ، فنسوه وحرفوه واشتروا بآياته ثمنا قليلا ثم نبذوه وراء ظهورهم ، فأنزل الله تعالى كتابا أخر على الرسول ( - صلى الله عليه وسلم - ) .
ولا ننسى هاهنا أن سورة القصص مكية أنزلت قبل أن يقدم رسول الله
( - صلى الله عليه وسلم - ) المدينة المنورة حتى لا يقول قائل أن أحدا علم رسول الله (- صلى الله عليه وسلم - ) تلك القصة .

(1/449)


وسوف نحاول فيما يلي استعراض الروايتين وفق جداول علمية للمقارنة ، ثم بعد ذلك ـ إن شاء الله العلي العظيم ـ نجري مقارنة نقدية بين الروايتين ، لنرجح أي الروايتين هما الأصح والأدق تاريخيا :
ت
الخروج
سورة القصص
( وقام ملك جديد على مصر … فأقاموا عليهم وكلاء تسخير … فاستخدم المصريون بني إسرائيل ) ( 1 : 14 ) .
{ إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم } ( 4 )
( ولما لم تستطع أن تخفيه بعد أخذت له سفطا من بردى … وجعلت الولد فيه ) ( 2 : 4 )
{ وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم } ( 7 )
( ووقفت أخته من بعيد لتنظر ما يقع له ) ( 5 : 2 )
{ وقالت لأخته قصيه } ( 11 )
( فقالت أخته لابنة فرعون هل أذهب وأدعو لك مرضعا ) ( 2 : 8 )
{ فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم } ( 12 )
( فأخذت المرأة الصبي وأرضعته ) ( 2 : 10 )
{ فرددناه إلى أمه كي تقر عينها } ( 13 )
( إذا برجل مصري يضرب رجلا عبرانيا من اخوته … فقتل العبري ) ( 2:13 )
{ فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه } ( 15 )

( ثم خرج في اليوم الثاني فإذا برجلين عبرانيين يتضاربان ) ( 2 : 14 )
{ فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه } ( 18 )
( أتريد أن تقتلني كما قتلت المصري ) ( 2 : 15 )
{ أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس } ( 19 )

(1/450)


( وسمع فرعون بهذا الخبر فطلب أن يقتل موسى ) ( 2 : 16 )
{ وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك } ( 20 )

( فهرب موسى من وجه فرعون ) ( 2 : 26 )
{ فخرج منها خائفا يترقب } ( 21 )
( وصار إلى أرض مدين وقعد عند البئر )
{ ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل } ( 22)

( وكان لكاهن مدين سبع بنات ) ( 2 : 17 )
{ ووجد من دونهم امرأتين } ( 23 )

( فجئن واستقين وملأن المساقي ليسقين غنم أبيهن فجاء الرعاء وطردوهن فقام موسى ونجدهن وسقى غنمهن ) ( 2 : 118 –19 )
{ فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير } ( 24 )

( فقال لبناته وأين هو لم تتركن الرجل ادعونه ليأكل طعاما ) ( 2 : 21 )
{ فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا } ( 25 )
( فارتضى موسى أن يقيم عند الرجل فزوجه صفورة أبنته ) ( 2 : 22 )
{ قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك } ( 27 )

( وكان موسى يرعى غنم بيثرو حميه كاهن مدين فساق الغنم إلى ما وراء البرية حتى أفضى إلى جبل الله حوريب ) ( 3 : 2 )
{ فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله } ( 29)

( فتجلى له ملاك الرب في لهيب نار من وسط العليقة ) ( 3 :3 )

{ آنس من جانب الطور نارا قال لأهله امكثوا } ( 29 )

(1/451)


( ورأى الرب أنه قد مال لينظر فناداه الله من وسط العليقة وقال : موسى موسى . قال ها أنذا ) ( 3 : 5 )
{ فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة } ( 30 )

( قال لا تدن إلى هاهنا أخلع نعليك من رجلك فإن الموضع الذي انت فيه أرض مقدسة ) ( 3 : 6 )
{ أقبل ولا تخف إنك من الآمنين } ( 31 )

( فالآن تعال أبعثك إلى فرعون وأخرج بني إسرائيل من مصر ) ( 3 : 11 )
{ إلى فرعون وملئه إنهم كانوا قوما فاسقين } ( 32 )
( قال موسى لله من أنا حتى أمضي إلى فرعون ) ( 3 : 12 )
{ إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلوني } ( 33 )
( قال أنا أكون معك ) ( 3 : 12 )
( وقال إنهم لا يصدقوني ) ( 4 : 2 )
{ فلا يصلون إليكما بآياتنا } ( 35 )
{ إني أخاف أن يكذبوني } ( 34 )

( فقال الرب ما تلك التي بيدك قال عصا قال ألقها على الأرض فألقاها على الأرض فصارت حية تسعى فهرب موسى من وجهها فقال الرب لموسى خذ يدك وأمسك بذنبها فمد يده فأمسكها فعادت منا في يده ) ( 4 : 1 – 5 )
{ وأن ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين } (31)

( أدخل يدك في جيبك فأدخل يده في جيبه ثم أخرجها فإذا يده برصاء كالثلج قال أردد يدك في جيبك فرد يده في جيبه ثم أخرجها من جيبه فعادت كسائر بدنه ) ( 4 : 6-8 )
{ اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم إليك جناحك من الرهب } (32)

(1/452)


( فإن لم يصدقوك ولم يسمعوا لصوت الآية الأولى يصدقون صوت الآية الأخرى ) ( 4 : 9 )
{ فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه } (32)

( فقال موسى للرب رحماك يا رب إني لست أحسن الكلام ) ( 4 : 11 )
{ وأخي هارون هو أفصح مني لسانا } ( 34 )
( يا رب أبعث من أنت باعثه ) ( 4 : 14 )
{ فأرسله معي ردءا يصدقني } ( 34 )

( فاتقد غضب الرب على موسى وقال ألست أعلم أن أخاك هارون اللاوي هو فصيح اللسان وهاهو أيضا خارج للقائك ) ( 4 : 15 )
{ قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا } ( 35 )

( فإني أكون مع فيك وأعلمكما ما تصنعان ) ( 4 : 16 )
{ فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون } (35)

( فقال فرعون من هو الرب فاسمع لقوله وأطلق إسرائيل لا أعرف الرب ولا أطلق إسرائيل ) ( 5 : 3 )
{ وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري } ( 38 )

( وأمر فرعون في ذلك مسخري الشعب ومدبريهم قائلا لا تعطوا الشعب ) ( 5 : 6 –7 )
{ واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون } (39)

( فغرق الرب المصريين في وسط البحر ) ( 14 : 28 )
{ فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين } (40)

(1/453)


فحيث نجد في الفقرة الأولى أن الرواية التوراتية تنسب التسخير للمصريين في عهد الملك الجديد ، أما الرواية القرآنية فتجعل إسناد الفعل إلى فرعون وهو الأليق والأصوب لأنه ليس كل المصريين كانوا يضطهدون بني إسرائيل ، وهذا من الحقد اليهودي العام على كل الأمم ، أما الرواية القرآنية في سورة القصص فتجعل الإلقاء عاما في اليم ، وتوضحها آية أخرى إذ تجعل الإلقاء في التابوت ، فالنص القرآني أوضح تاريخيا .
ونجد تقاربا بين الفقرة الثالثة في الروايتين التوراتية والقرآنية في المعنى فقط دون اللفظ ، فالقرآن استخدم كلمة ( قصيه ) أي تتبع الأثر فهي تتبع أثر التابوت إلى أن وصل إلى قصر فرعون ، فهي أبلغ وأدل على الواقع من العبارة العامية لرواية التوراة ، فقد استفاد حاخامات بني إسرائيل من الترجمة العربية للتوراة من النصوص القرآنية التي أعادوا صياغتها .
وتجعل الفقرة الرابعة الخطاب مباشرا بين أخت موسى وابنة فرعون ، وهو ما تبهمه الرواية القرآنية لحكمة إلهية لتجعل النص القرآني أبلغ في التعبير بإبهام المقصود بخطاب الأخت .
أما الفقرة الخامسة فتتشابه الروايتان إلا أن صياغة النص القرآني أجمل وابلغ وأدق في الدلالة ، وهذا وجه من وجوه الإعجاز القرآني في مبناه ومعناه .

(1/454)


وتصرح الفقرة السادسة بالنسب الخاص بالمتشاجرين ، أما النص القرآني فجعل النص مبهما ( من شيعته ) ( من عدوه ) ( يستصرخه ) دون تعيين . والفقرة الثامنة تصرح بأن المقتول مصري ، أما النص القرآني فيستمر في الإبهام ، وذلك لأن آفاق إعجاز الإبهام في القرآن الكريم تتمثل في أن الإبهام لما يأتي بيانه من بعده كون ما قبله أهم منه في الذكر ، فقوله تعالى : { من شيعته } إلهام لهذه الشيعة التي تقدم ذكرها في قوله تعالى : { وجعل أهلها شيعا } وهذا ترابط في النص القرآني ، ولم يقل الله عز وجل : ( وهذا من بني إسرائيل ) ولو قيل ذلك لكان غير بليغ ، وغير دال بل أبهم الله عز وجل الضمير في الخطاب حتى يفسر ما تقدم من تقسيم فرعون لأبناء مصر على شيع ( أي : جماعات ) وفيهم بنو إسرائيل ، فهذا من شيعته أي من بني إسرائيل ، وهذا وجه مهم إدراكه .
ويأتي الإبهام إما تعظيما ، وإما تفخيما ، فجاء النص مبهما في سورة القصص كذلك وفق الأسلوب القرآني ، ولأن الإبهام القرآني قد يراد به في بعض الآراء أن يبحث المسلم في ما أبهم ولا يتكل على الصراحة القرآنية .
وتجعل الفقرة التاسعة فرعون هو الذي يأتمر بقتل موسى ، أما النص القرآني فيجعل الملأ هم الذين يأتمرون بقتل موسى دون تصريح بمن هم أولئك الملأ وهو ما يتعلق بالفقرة العاشرة ، إذ تجعل الرواية التوراتية الهرب من فرعون ، أما الرواية القرآنية فتجعل الهرب بترقب من المدينة .
وفي الفقرة الحادية عشر تتشابه الروايتان إلا أن الفقرة الثانية عشر تجعل نبي الله شعيب ( - عليه السلام - ) كاهن مدين ، وهذا انتقاص منه ( - عليه السلام - ) خلافا للنص القرآني ، أما عدد البنات فتجعله الرواية التوراتية سبعا على عادة اليهود في تقديس الرقم سبعة ، أما الرواية القرآنية في سورة القصص فتجعل عدد بناته اثنين .

(1/455)


وتطيل الرواية التوراتية في الفقرة الثالثة عشر في قصة الاستسقاء بينما توجز ذلك الرواية القرآنية وتجعل موسى ( - عليه السلام - ) في صورة الحيي الكريم ـ عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام ـ .
وفي الفقرة الرابعة عشر يجري الحوار بين شعيب ( - عليه السلام - ) وبين بناته ، أما الرواية القرآنية فهي من الإعجاز الوصفي بمكان عال جدا إذ تقول هذه الرواية الإلهية ـ ومن أصدق من الله قيلا ـ { فجاءته إحداهما تمشي على استحياء } ولا وصف أبلغ من هذا الوصف الإلهي لحياء هذه الفتاة المؤمنة وهو ما أتى بصيغة الحال .
وتظهر الفقرة الخامسة عشر رضا موسى ( - عليه السلام - ) بالمقام عند شعيب
( - عليه السلام - ) ، وتعلن أن نتيجة هذا المقام الزواج . أما الرواية القرآنية فتظهر أن الخاطب هو والد الفتاتين ، أي : شعيب ( - عليه السلام - ) مقابل تأجير موسى ( - عليه السلام - ) لنفسه لديه ثماني أو عشر سنين ، و النص القرآني أبلغ وأفصح وأبين .
أما الفقرة السادسة عشر فهي تتناقض في الرواية التوراتية التي تجعل يوم إنزال الوحي هو يوم سوق الغنم إلى جبل الله حوريب مع الرواية القرآنية التي تجعل ذلك بعد قضاء موسى ( - عليه السلام - ) الأجل وسيره نحو جبل الطور في سيناء ، ولا ريب أن تغيير الحقيقة الواحدة من قبل حاخامات بني إسرائيل الذين يحرفون الكلم عن مواضعه إنما كان لمآرب إسرائيلية . وبذلك يتبين لنا أن التحديد القرآني للطور بأنه يوم بدء الوحي لموسى ( - عليه السلام - ) هو الحقيقة التاريخية المطلقة والمهيمنة على النص والرواية التوراتية في سفر الخروج الذي تعرض لتحريف شديد .
أما الفقرة الثامنة عشر في الرواية التوراتية فتجعل نداء الرب من وسط شجرة العليق ، والرواية القرآنية تجعل النداء الإلهي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة ، وهو تحديد فيه البلاغة كل البلاغة والفصاحة كل الفصاحة .

(1/456)


وهناك تناقض في الفقرة التاسعة عشر إذ تجعل النداء نهيا لموسى ( - عليه السلام - ) عن القدوم ، أما الرواية القرآنية في سورة القصص فتجعل الخطاب الإلهي لموسى ( - عليه السلام - ) أشرف خطاب بطمأنته ودعوته للإقبال في قوله تعالى : { أقبل ولا تخف } وهو نص تكرر في عدة مواضع من القرآن الكريم .
وفي الفقرة العشرين كان سبب الدعوة إخراج بني إسرائيل من مصر ، أما الرواية القرآنية فتبين أن السبب هو دعوة فرعون وملأه للهداية إذ كانوا قوما فاسدين وهذا أسلوب الهداية العالمية القرآنية خلافا لأسلوب الشعب المختار توراتيا .
أما الفقرة الحادية والعشرون فتنسب لموسى ( - عليه السلام - ) خوفه من البعثة واستهانته بنفسه على العموم ، إلا أن الرواية القرآنية تكرم موسى ( - عليه السلام - ) وتجعل سبب خوفه قتله نفسا من عندهم ، وفي هذا قمة التكريم الإلهي لموسى ( - عليه السلام - ) .
وتجعل الفقرة الثانية والعشرون من الله مخاطبا في التوراة لموسى ( - عليه السلام - ) وهو ما يستقيم به النص ، أما التكملة فتجعل الخوف من أن لا يصدق المصريون موسى ، أما الرواية القرآنية فتجعل الخوف من التكذيب ، وكأن الحاخامات اليهود من بني إسرائيل اقتبسوا هذه الفقرة القرآنية هاهنا في رواية سفر الخروج .
ونجد في الفقرة الثالثة والعشرين تشابه بين الرواية التوراتية المأخوذة من الرواية القرآنية في زمن ترجمة التوراة إلى العربية في العصر العباسي على ما حققه التاريخ ، لذلك جاءت الروايتان متشابهتان .
أما الفقرة الرابعة والعشرون فتجعل اليد برصاء بعد خروجها من الجيب بينما تجعلها الرواية القرآنية { بيضاء من غير سوء } أي منيرة وتزيد على الرواية التوراتية بضم الجناح من الرهب ، وهذ معجزة قرآنية في الزيادة على اليهود في توراتهم ما لم يكونوا يعرفونه حتى في مروياتهم .

(1/457)


ونجد الفقرة الخامسة والعشرين تتشابه في معناها العام مع الرواية القرآنية في وجود البرهانين الذين تسميهما الرواية التوراتية آيتين ، وهو من اختلاف الترجمة في النقل من الآرامية والعبرانية إلى العربية ، وهذا ما يعزز ما ذهبنا إليه في هذا البحث من أن حاخامات اليهود اعتمدوا بخفاء على الرواية القرآنية في تنقيح ترجمتهم للتوراة ، وهذا ما استندنا في اكتشافه إلى تحليلنا العام لسورة القصص .
والفقرة السادسة والعشرون تجعل موسى لا يحسن الكلام ، أما الرواية القرآنية فتنسب لموسى ( - عليه السلام - ) من تواضعه أنه جعل أخاه هارون ( - عليه السلام - ) أفصح منه لسانا ، ونلاحظ هاهنا أن الرواية التوراتية في سفر الخروج تتعمد الانتقاص بصورة غير مباشرة من موسى ( - عليه السلام - ) ، وهذه عادة اليهود وديدنهم في الانتقاص من الأنبياء ، فهم قتلتهم ومن رموهم بالكبائر والصغائر ، ومصداق ذلك في الفقرة السابعة والعشرين التي تجعل موسى يخاطب الله تعالى ـ حاشاه ـ خطابا جافا ( أبعث من أنت باعثه ) . أما الرواية القرآنية فتجعل الخطاب ألطف خطاب { فأرسله معي } وهذا دليل على كمال النص القرآني وهيمنته على النص التوراتي .

(1/458)


وكذلك نجد أن الفقرة الثامنة والعشرين من هذه الفقرات تنتقص انتقاصا جد عظيم من نبي الله موسى ( - عليه السلام - ) بسبب حقد بني إسرائيل على أنبياء الله ـ عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام ـ فهي تجعل غضب الرب متعمدا على موسى
( - عليه السلام - ) ـ وحاشاه ـ ويمن عليه بهارون ( - عليه السلام - ) ، وهذا خلاف الحقيقة ، فإن الرواية القرآنية في سورة القصص تجعل الخطاب الإلهي مؤازرا لموسى ( - عليه السلام - )
{ سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا } وهو ما يتناسب مع واقع الحال كل التناسب وليس فيه انتقاص من سيدنا موسى ( - عليه السلام - ) ، بل على العكس ، فإن فيه تكريم له بشد عضده بأخيه .
ونجد في الفقرة التاسعة والعشرين تشابها بين الرواية التوراتية و النص القرآني وإن كان الخطاب القرآني أعمق في الدلالة والأمر . كذلك في الفقرة الثلاثين وإن اختلف الخطاب في الأمر بإطلاق إسرائيل ، ولكن صيغة الخطاب القرآني تجعل إسناد الألوهية لفرعون ، وهو ما أغفل عنه النص التوراتي المحرف المنحول في أساسه كله على ما قدمناه .
أما الفقرة الحادية والثلاثون فتجعل إسناد الأمر من فرعون لأعوانه من مسخري الشعب ، بينما يجعل النص القرآني إسناد الاستكبار لفرعون وجنوده وينسب إليهم الاعتقاد الذي أثبته علم الحفريات من أن فرعون وقومه يومذاك في مصر كانوا يظنون أنهم لا يرجعون إلى الله سبحانه وتعالى ، بل يرجعون إلى دنيا أخرى يحكم فيها فرعون الإله ، فسبق النص القرآني علم الحفريات الحديث في إثباته اعتقاد الفراعنة بعالم آخر ولكنهم لا يرجعون فيه إلى الله ليحاسبهم ، بل إلى فرعون ، وهو ما غفل عنه كتاب التوراة ، وهذا مما يقتضي التنبيه عليه .

(1/459)


أما الفقرة الثانية والثلاثون فتختصر الرواية التوراتية القصة إلى الإغراق ، أما النص القرآني فهو يزيد بلاغة على بلاغة ، إذ يجعل الإغراق بأخذ فرعون وجنوده والتذكير بعاقبة الظالمين ، وهذا أحد أوجه الإعجاز القرآني .
فإذا استبان لنا من خلال الجدول السابق وتحليلنا له الفرق الشاسع بين الروايتين ، فنستطيع أن نؤكد أن العقل السليم يدل على أن الرواية القرآنية أصدق دلالة وأكثر تاريخية من تلك الرواية التوراتية لكل الحقائق التاريخية .

المطلب الأول
دلالة قصة سيدنا موسى (- عليه السلام -) على صدق دعوة الرسول محمد (- صلى الله عليه وسلم -)

(1/460)


{ وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين * ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلوا عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين * وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون * ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين * فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون * قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين* فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين* ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون } ( (1) ) .
المناسبة
__________
(1) سورة القصص : الآيات 44 – 51 .

(1/461)


بعد أن بين الله عز وجل وعلا قصة سيدنا موسى ( - عليه السلام - ) وما جرى فيها من أحداث عظام ، ينتقل السياق القرآني ليوظف هذه القصة كأحد الأدلة على صدق الرسول ( - صلى الله عليه وسلم - ) في دعوته ، فرسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) يتلو هذه الأحداث بتفاصيلها كما يقصها شاهد عيان ، وما كان حاضرا زمانها ، ولم يكن يقرأ ويكتب ، ولكن تنزيل العزيز الرحيم ، فبعد أن بين في قوله تعالى : { ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون } ( (1) ) أنه تعالى أرسل سيدنا موسى بعد أن أهلك القرون الأولى ، ودرست الشرائع واحتيج إلى نبي يرشد الناس إلى ما فيه صلاحهم أردف بقوله تعالى :
{ ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر } لبيان الحاجة إلى إرسال رسوله محمد ( - صلى الله عليه وسلم - ) لمثل تلك الدواعي ، التي دعت إلى إرسال موسى ( - عليه السلام - ) ، لئلا يكون للناس حجة( (2) ) بعد الرسل ، قال تعالى : { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } ( (3) ) .
__________
(1) سورة القصص : الآية 43 .
(2) ينظر تفسير المراغي : 20 /65 .
(3) سورة الإسراء : الآية 15 .

(1/462)


وإن ذكر قصة سيدنا موسى ( - عليه السلام - ) وما جرى للمكذبين له من عقاب بشارة للرسول ( - صلى الله عليه وسلم - ) أن النصر هو حليف المؤمنين مهما عظمت قوة الكافرين . ومن هذا يتبين لنا الإعجاز القرآني في اختيار الآيات والكلمات والمعاني في مواقفها الخاصة بها ، وجاء ذكر سيدنا موسى ( - عليه السلام - ) كدليل على صدق رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، ولوجود توافق كبير بين حياة النبيين الكريمين ـ عليهما الصلاة والسلام ـ وللتشابه في الظروف التي مرت بهم ، وهذا ما سنبينه لاحقا إن شاء الله تعالى .
فمع وجود قصتين في السورة بينهما زمن طويل ، إلا أن السورة جاءت بأحداث القصتين فيها ترابط ، وبين آياتها تناسب في دلالتها بحيث وظفت قصة سيدنا موسى ( - عليه السلام - ) توظيفا رائعا للاستدلال بها على صدق الرسول ( - صلى الله عليه وسلم - ) وصدق دعوته .
أسباب النزول
ذكر الطبري في سبب نزول قوله تعالى : { فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل } عن مجاهد ، قال : اليهود تأمر قريشا أن تسأل محمدا مثل ما أوتي موسى ، يقول الله لمحمد ( - صلى الله عليه وسلم - ) : قل لقريش يقولوا لهم : أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل( (1) ) ؟
__________
(1) جامع البيان : 10 /79.

(1/463)


ونقل القرطبي عن الكلبي : " بعثت قريش إلى اليهود وسألوهم عن بعث محمد وشأنه فقالوا : إنا نجده في التوراة بنعته وصفته ، فلما رجع الجواب إليهم
{ قالوا سحران تظاهرا } ، وقال قوم : إن اليهود علموا المشركين ، وقالوا : قولوا لمحمد لولا أوتيت مثل ما أوتي موسى ، فإنه أوتي التوراة دفعة واحدة ، فهذا الاحتجاج وارد على اليهود ، أي : أو لم يكفر هؤلاء اليهود بما أوتي موسى حين قالوا في موسى وهارون هما ساحران "( (1) ) .
وفي قوله تعالى : { ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون } نقل الطبري عن رفاعة القرظي ، قال : " نزلت هذه الآية في عشرة أنا أحدهم "( (2) ) .
وقال الواحدي : " إن الآية مما اختلف العلماء في سبب نزولها "( (3) ) .
تحليل الألفاظ
1. { قضينا } :
القضاء ، قال ابن منظور : " الحكم وأصله قضاي ، لأنه من قضيت إلا أن الياء لما جاءت بعد الألف همزت والجمع الأقضية ، القضية مثله والجمع القضايا على فعالى ، وأصله فضائل . وقال أبو بكر : قال أهل الحجاز : القاضي معناه في اللغة القاطع للأمور المحكم لها… والقضايا الأحكام واحدتها قضية .
قال ابن السيرافي : قضاهما فرغ من عملها ، والقضاء الحكم والأمر ، وقضى أي حكم ، ومنه القضاء والقدر "( (4) ) .
__________
(1) الجامع لأحكام القرآن : 6 /5010 .
(2) جامع البيان : 10 /79.
(3) أسباب النزول . أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري . ت 468 هـ . ط2 . بإشراف لجنة تحقيق التراث . دار مكتبة الهلال . بيروت . لبنان . 1985 م . : ص 211 وما بعدها .
(4) لسان العرب : مادة ( قضى ) 15 /186 .

(1/464)


وقال الراغب : " القضاء فصل الآمر قولا كان ذلك أو فعلا ، وكل واحد منهما على وجهين إلهي وبشري ، فمن القول الإلهي قوله تعالى : { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه } ( (1) ) ، أي : أمر بذلك ، ومن القول البشري نحو : قضى الحاكم بكذا ، فإن حكم الحاكم يكون بالقول ، ومن الفعل البشري : { فإذا قضيتم مناسككم } ( (2) ) ، فالقضاء هو الحكم من أعلى إلى أدنى على ما قاله أهل اللغة( (3) ) .
2. { قرونا } :
قال الراغب : " القرن القوم المقترنون في زمن واحد وجمعه قرون ومنه قوله تعالى : { ولقد أهلكنا القرون من قبلكم } ( (4) ) "( (5) ) .
وقال ابن منظور : " الأمة تأتى بعد الأمة . قيل : مدته عشر سنين وقيل : عشرون سنة . وقيل : ثلاثون . وقيل : ستون . وقيل : سبعون . وقيل : ثمانون . وقيل : القرن مائة سنة ، والذي يقع عندي إن القرن أهل كل مدة كان فيها نبي ، أو كان فيها طبقة من أهل العلم . قلت السنون أو كثرت " ( (6) ) .
3. { فتطاول } :
يقال : طويل وطوال ، وعريض وعراض للجمع طوال . وقيل : طيال باعتبار الطول . قيل : للحبل المرخي على الدابة : طول وطول فرسك أي أرخ طوله . وقيل : طوال الدهر لمدته الطويلة ، وتطاول فلان " إذا اظهر الطول أو الطول قال تعالى : { فتطاول عليهم العمر } ( (7) ) "( (8) ) .
4. { ثاويا } :
__________
(1) سورة الإسراء : الآية 23 .
(2) سورة البقرة : الآية 200 .
(3) ينظر معجم مفردات ألفاظ القرآن : ص 42 .
(4) سورة يونس : الآية 13 .
(5) معجم مفردات ألفاظ القرآن : ص 417 .
(6) لسان العرب : مادة ( قرن ) 13/ 333 –334 .
(7) سورة القصص : الآية 45 .
(8) لسان العرب : مادة ( طول ) 11 / 412 –413 .

(1/465)


الثواء " طول المقام ثوى يثوي ثواء ، وثويت بالمكان وثويته ثواء وثوايا مثل مضى يمضي مضاء ومضاء ومضيا ، والأخيرة عند سيبويه ، وثويت له أطلت الإقامة به وأثويته أنا وثويته ألزمته الثواء فيه ، وثوى بالمكان نزل فيه ، وبه سمي المنزل مثوى ، والمثوى الموضع الذي يقام به وجمعه المثاوي "( (1) ) .
وقال الراغب : " الثواء الإقامة مع الاستقرار "( (2) ) .
5. { تظاهرا } :
" الظهر الجارحة وجمعه ظهور رجل مظهر شديد الظهر . ويعبر عن المركوب بالظهر ويستعار لمن يتقوى به ظهر عليه غلبه وظاهرته عاونته قال تعالى : { وظاهروا على إخراجكم } ( (3) ) "( (4) ) .

قال الآلوسي : أي تعاونا بتصديق كل واحد منهما الآخر تأييده إياه( (5) ) .
6. { وصلنا } :
قال ابن منظور : " وصلت الشيء وصلا وصلة ، والوصل ضد الهجران . وقال ابن سيده : الوصل خلاف الفصل وفي التنزيل : { وصلنا لهم القول } ، أي : وصلنا ذكر الأنبياء وأقاصيص بعضها ببعض لعلهم يعتبرون "( (6) ) .
وقال الراغب : " أي أكثرنا لهم القول موصولا بعضه البعض "( (7) ) .
7. { ويدرءون } :
" الدرء الدفع درأه يدرؤه درءا درأ هو درأه دفعه تدارأ القوم تدافعوا في الخصومة "( (8) ) .
__________
(1) لسان العرب : مادة ( ثوى ) 14 /125 .
(2) معجم مفردات ألفاظ القرآن : ص 81 .
(3) سورة الممتحنة : الآية 9 .
(4) معجم مفردات ألفاظ القرآن : ص 328 .
(5) روح المعاني : 20/91 .
(6) لسان العرب : مادة ( وصل ) 11/726 .
(7) معجم مفردات ألفاظ القرآن : ص 562 .
(8) لسان العرب : مادة ( درء ) 1/71 .

(1/466)


وقال الراغب : " الدرء الميل إلى أحد الجانبين يقال : قومت درأه ودرأت عنه دفعت عن جانبه ودارأته دافعته "( (1) ) .
8. { نتخطف } :
الخطف : الاستلاب . وقيل : الخطف الأخذ في سرعة استلاب خطفه بالكسر يخطفه خطفا بالفتح "( (2) ) . وقال الراغب : " الخطف والاختطاف الاختلاس بالسرعة يقال خطف يخطف وخطف يخطف وقرئ بهما جميعا "( (3) ) .
القراءات القرآنية
1. { رحمة } :
قرأت رحمة في قوله تعالى : { ولكن رحمة من ربك } بالنصب والرفع ، فقد قرأ الجمهور : ( رحمة ) بالنصب بمعنى جعلناك رحمة وقدر : أعلمناك ونبأناك رحمة . وقرأ عيسى ، وأبو حيوة بالرفع : ( رحمة ) ، وقدر : ولكن هو رحمة ، أو أنت رحمة( (4) ) .
2. { سحران } :
واختلف القراء في قراءة (سحران ) ، فقرأ الجمهور : ( ساحران ) وقرأ عبد الله ، وزيد بن علي ، والكوفيين : ( سحران )( (5) ) .
3. { تظاهرا } :
أصلها تتظاهران ثم أدغمت التاء في الظاء وحذفت النون وروعي ضمير الخطاب ، ولو قريء يظاهرا بالياء حملا على مراعاة ساحران لكان له أوجه ، أو على تقديرهما ساحران تظاهرا( (6) ) .
4. { أتبعه } :
قرأ زيد بن علي، والفراء بالرفع ( اتبعه) لأنه صفة لكتاب وكتاب نكرة( (7) ) .
5. { وصلنا } :
__________
(1) معجم مفردات ألفاظ القرآن : ص 168.
(2) لسان العرب : مادة ( خطف ) 9/75 .
(3) معجم مفردات ألفاظ القرآن : ص 152 .
(4) الكشاف : 3 /182. البحر المحيط : 7/123 .
(5) البحر المحيط : 7 /124 .
(6) البحر المحيط 7/124 . معجم القراءات القرآنية : 5/27 .
(7) الجامع لأحكام القرآن : 6 /5011 .

(1/467)


قرأ الحسن ( وصلنا ) بالتخفيف( (1) ) .
القضايا البلاغية
المجاز العقلي : { أنشأنا قرونا } المراد به الأمم ، لأنهم يخلقون في تلك الأزمنة ، فنسب إلى القرون بطريق المجاز العقلي( (2) ) .
{ تصيبهم مصيبة } جناس الاشتقاق ، ويسمى أيضا جناسا ناقصا( (3) ) ( (4) ) .
{ بما قدمت أيديهم } مجاز مرسل( (5) ) . قال الزمخشري : " لما كانت أكثر الأعمال تزاول بالأيدي جعل كل عمل معبرا عنه باجتراح الأيدي وتقديم الأيدي وإن كان من أعمال القلوب ، وهذا من الاتساع في الكلام وتصير الأقل تابعا للأكثر وتغليب الأكثر على الأقل "( (6) ) ، أي : من باب إطلاق الجزء على الكل ، فالمجاز المرسل بذلك تعلق بما قدمته أيديهم ، والأيدي لا تقدم العمل لأن العمل لا يمسك باليد ، فكان التعبير القرآني { بما قدمت أيديهم } دالا على عظم الصيغة القرآنية في تصوير القضايا البلاغية .
__________
(1) الكشاف : 3 /184. الجامع لأحكام القرآن : 6 /5011. معجم القراءات القرآنية : 5 /28 .
(2) صفوة التفاسير : 2 /443 .
(3) الجناس الناقص ، هو التجنيس الناقص ، أي غير التام والكامل ، وذلك أن يكون نقص في إحدى الكلمتين ، وذلك بأن يكون الاختلاف واقعا في هيئة الحروف . معجم المصطلحات البلاغية : 2/108.
(4) البلاغة القرآنية . د. عبد الله أدهم . الطبعة الثانية . القاهرة . 1990م . : ص 115 .
(5) المجاز المرسل : هو الكلام المستعمل في غير المعنى الذي وضع له لعلاقة غير المتشابه مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي . ينظر تنبيه الوسنان إلى علم البيان . د . عبد الرزاق عبد الرحمن السعدي . دار الأنبار للطابعة والنشر . بغداد . 1997 م : ص 29 .
(6) الكشاف : 3/ 184 .

(1/468)


قوله تعالى : { قل فأتوا بكتاب } فالأمر خرج عن حقيقته إلى معنى التعجيز( (1) ) ، وهذا من أساليب القرآن الكريم البليغة أن يأمر الله تعالى بشيء هو سبحانه وتعالى يعلم أنهم لا يقدرون عليه كقوله تعالى : { قل كونوا حجارة أو حديدا } ( (2) ) ، وهو تعالى يعلم أنهم لا يستطيعون ذلك .
المعنى العام للآيات
{ وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين }
وما كنت يا محمد بجانب غربي الجبل( (3) ) . وقال البقاعي " أي : الوادي من الطور الذي رأى موسى (- عليه السلام - ) فيه النار ، وهو مما يلي البحر منه من جهة الغرب على يمين المتوجه إلى ناحية مكة المشرفة ، ومن ناحية مصر ، فناداه منه العزيز الجبار وهو ذو طوى " ( (4) ) .
والمعنى أنك على ما أخبرتك لم تكن موجودا وقت ذاك { إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين } .
قال أبو حيان : " والأمر . قيل : النبوة والحكم الذي أتاه الله موسى وقيل : الأمر أمر محمد ( - صلى الله عليه وسلم - ) أن يكون من أمته ، وهذا التأويل يستقيم معه مما بعده من قوله تعالى : { ولكنا أنشأنا قرونا } . وقيل : الأمر هلاك فرعون بالماء ، ويحمل الغربي على اليم ، وبدأ أولا بنفي شئ خاص ، وهو أنه لم يحضر ومعه وقت قضاء الله لموسى الأمر ، ثم ثنى بكونه لم يكن من الشاهدين بجميع ما أعلمناك به ، ونفي لشهادة جميع ما جرى لموسى ، فكان عموما بعد خصوص "( (5) ) .
__________
(1) ينظر روح المعاني : 20 /90 .
(2) سورة الإسراء : الآية 50 .
(3) جامع البيان : 10/ 76 .
(4) نظم الدرر : 5/494 .
(5) البحر المحيط : 7/120-121 .

(1/469)


ويجيب الرازي ـ رحمه الله ـ عن سؤال مهم ربما يخطر في البال وهو : أنه تعالى لما قال : { وما كنت بجانب الغربي } ثبت أنه لم يكن شاهدا ، لأن الشاهد لا بد أن يكون معه حاضرا ، فما الفائدة إذا من إعادة قوله تعالى : { وما كنت من الشاهدين } بقوله : " قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ التقدير : لم تحضر الموضع ، ولو حضرت فما شاهدت تلك الوقائع ، فإنه يجوز أن يكون هناك ولا يشهد ويرى "( (1) ) .
وأرى أن ذلك قمة البلاغة في الوصف القرآني ، فيزول بذلك سؤال فخر الدين الرازي ، والإشكال الذي افترضه في تفسيره { ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر } " أي : ولكنا أنشأنا من عهد موسى إلى عهدك قرونا كثيرة ، فتطاول عليهم العمر إلى أن وجد القرن الذي أنت فيه ، فدرست العلوم ، فوجب إرسالك إليهم ، فأرسلناك وعرفناك أحوال الأنبياء وأحوال موسى ، وأرسلناك بما فيه سعادة البشر "( (2) ) .
ونحن نوافق ما أورده القرطبي في الذي ذهب إليه من أن ذكر رسول الله
( - صلى الله عليه وسلم - ) جاء على لسان كل الأنبياء " ظاهرا هذا يوجب أن يكون جرى لنبينا ( - عليه السلام - ) ذكر في ذلك الوقت وان الله سيبعثه ، ولكن طالت المدة وغلبت القسوة فنسى القوم ذلك "( (3) ) .
__________
(1) مفاتيح الغيب : 12/ 257 .
(2) تفسير المراغي : 20/ 65 .
(3) الجامع لأحكام القرآن : 6 /5007 .

(1/470)


ويشير الزملكاني في البرهان عن إشارة لطيفة في تفسير قوله تعالى : { وما كنت بجانب الغربي … } ، فيقول : " فإن مثل هذا يقال لمن جرى له ذكر . وقوله تعالى : { وما كنت من الشاهدين } ، وهو من الشهادة على الشيء ، لا أنه بمعنى الحضور ، إذ قوله تعالى : { وما كنت بجانب الغربي } قد أفاده . وقوله تعالى :
{ ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر } ، من باب { أفطال عليكم العهد } ( (1) ) ، وطول العهد منسي ومؤد إلى الإهمال ، أي : فأهملوا وصيتنا بالإيمان بك ، وهو إشارة إلى ما أوحي إليهم في التوراة من أمر نبينا ( - صلى الله عليه وسلم - ) "( (2) ) .
وفي الآية نكتة بلاغية جديرة بالالتفات إليها هي أن الصيغة القرآنية للخطاب ذكرت رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) بأنه رسول صادق كصدق موسى الرسول ( - عليه السلام - ) باقتضاء الدلالة المفهومة بمقابلة( بجانب الغربي ) برسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) في مكة المكرمة .
__________
(1) سورة ( طه ) : الآية 86 .
(2) البرهان الكاشف عن وجوه إعجاز القرآن : ص 76 .

(1/471)


وقال أبو حيان في البحر المحيط ، والرازي في مفاتيح الغيب : " فإن قلت كيف يتصل قوله : { ولكنا أنشأنا قرونا } بهذا الكلام ، ومن أي جهة يكون استدراكا ؟ قلت : اتصاله به وكونه استدراكا من حيث أن معناه : ولكنا أنشأنا بعد عهد الوحي إلى عهدك قرونا كثيرة ، فتطاول على أخرهم ، وهو القرن الذي أنت فيهم . واندرست العلوم ، فوجب إرسالك ، فأرسلناك وكسبناك العلم بقصص الأنبياء وقصة موسى ، كأنه قال : وما كنت شاهدا لموسى وما جرى عليه ، ولكنا أوحيناه إليك ، فذكر سبب الوحي الذي هو إطالة النظرة ، ودل به على المسبب على عادة الله في اختصاره "( (1) ) .
{ وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلوا عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين }
" أي : وما كنت مقيما في أهل مدين إقامة موسى وشعيب حال كونك { تتلوا عليهم } ، أي : تقرأ على أهل مدين بطريق التعليم منهم { آياتنا } الناطقة بالقصة
{ ولكنا كنا مرسلين } إياك وموحين إليك تلك الآيات "( (2) ) .
ونقل الرازي وجهين في قوله تعالى : { تتلوا عليهم } " الوجه الأول ـ قال مقاتل : يقول لم تشهد أهل مدين فتقرأ على أهل مكة خبرهم ولكنا كنا مرسلين أرسلناك وأنزلنا عليك هذه الأخبار ، ولولا ذلك لما علمتها . الوجه الثاني ـ قال الضحاك : يقول إنك يا محمد لم تكن الرسول إلى أهل مدين تتلو عليهم الكتاب ، وإنما كان غيرك ، ولكنا كنا مرسلين في كل زمان رسولا "( (3) ) .
ونحن نرجح الوجه الأول .
__________
(1) البحر المحيط : 7 /122. وينظر مفاتيح الغيب : 12 /257 .
(2) تنوير الأذهان : 3 /149 .
(3) مفاتيح الغيب : 12 /257.

(1/472)


{ وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون }
" أي : كما لم تحضر جانب المكان الغربي إذ أرسل الله موسى إلى فرعون ، فكذلك لم تحضر جانب الطور إذ نادينا موسى لما أتى الميقات " ( (1) ) .
{ ولكن رحمة من ربك } " أي : لكن أرسلناك بالقرآن الناطق بما ذكر رحمة عظيمة كائنة منا لك وللناس " ( (2) ) .
وذكر الرازي لطيفة من لطائف القرآن الكريم الكثيرة ، وهي " إنه تعالى لما بين قصة موسى ( - عليه السلام - ) قال لرسوله : { وما كنت بجانب الغربي } ، و { وما كنت ثاويا } ، و { وما كنت بجانب الطور } ، فجمع تعالى بين كل ذلك ، لأن هذه الأحوال الثلاثة هي الأحوال العظيمة التي اتفقت لموسى ( - عليه السلام - ) ، إذ المراد بقوله : { وما كنت ثاويا } أول أمره ، والمراد ناديناه وسط أمره ، وهو ليلة المناجاة لما بين تعالى أنه ( - عليه السلام - ) لم يكن في هذه الأحوال حاضرا ، بين تعالى أنه بعثه وعرفه هذه الأحوال رحمة للعالمين ، ثم فسر تلك الرحمة بأن قال : { لتنذر قوما ما أتاهم من نذير } "( (3) ) .
{ لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون }
" أي : لم يأتيهم نذير لوقوعهم في فترة بينك وبين عيسى ، وهي خمسمائة وخمسون سنة "( (4) ) .
وفي الآية اقتضاء لرسالة محمد ( - صلى الله عليه وسلم - ) بتذكيره ( - عليه السلام - ) بإنذاره كفار قريش الذين لم يأتهم نذير ليتذكروا ذلك ، وهذا من بديع الأسلوب القرآني .
__________
(1) الجامع لأحكام القرآن : 6 /5008 .
(2) تنوير الأذهان : 3 /149 .
(3) مفاتيح الغيب : 12 / 258 .
(4) تنوير الأذهان : 3 /149 .

(1/473)


{ ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين }
قال الطبري في تأويل هذه الآية : " لولا أن يقول هؤلاء الذين أرسلناك يا محمد إليهم ، لو حل بهم بأسنا أو أتاهم عذابنا من قبل أن نرسلك إليهم على كفرهم بربهم واكتسابهم الآثام واجتراحهم المعاصي ، ربنا هلا أرسلت إلينا رسولا من قبل أن يحل بنا سخطك والمصيبة في هذا الموضع العذاب والنقمة "( (1) ) .
وذكر القرطبي أنه تعالى " خص الأيدي بالذكر في قوله تعالى : { ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم } ، لأن الغالب من الكسب إنما يقع بها "( (2) ) .
وأرى أن الآية دالة في عمومها على معنى المنة على الكفار من أهل مكة بإرسال رسول الله محمد ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، إذ لو لم يرسل لهم لاحتجوا بأنهم لم يعرفوا رسلا ، وهذه بعض مواطن رحمة الله تعالى بعباده ، وإقامة الحجة عليهم .
{ فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون }
__________
(1) جامع البيان : 10 /79 .
(2) الجامع لأحكام القرآن : 6/ 5009 .

(1/474)


قال أبو حيان " والحق هو الرسول محمد ( - صلى الله عليه وسلم - ) جاء بالكتاب المعجز الذي قطع معاذيرهم . وقيل : القرآن . { مثل ما أوتي موسى } أي : من قبل الكتاب المنزل جملة واحدة ، وانقلاب العصا حية ، وفلق البحر وغيرها من الآيات ، اقترحوا ذلك على سبيل التعنت والعناد ، كما قالوا : لولا أنزل عليه كنز ، وما أشبه ذلك من المقترحات لهم ، وهذه المقالة التي قالوها هي من تعليم اليهود لقريش قالوا لهم ألا يأتي بآية باهرة كآيات موسى ، فرد الله عليهم بأنهم كفروا بآيات موسى ، وقد وقع منهم في آيات موسى ما وقع من هؤلاء في آيات الرسول "( (1) ) .
{ قالوا سحران تظاهرا } نقل الطبري عن قتادة في قوله تعالى : { قالوا سحران } : قالت ذلك أعداء الله اليهود للإنجيل والفرقان فمن قال : ( ساحران ) فيقول ( محمد وعيسى ) ( (2) ) .
وقيل : المراد به " أن موسى ومحمد ـ عليهما الصلاة والسلام ـ تعاونا على السحر " ( (3) ) .
وقيل : المراد به " موسى وهارون قاله مجاهد ، فعلى هذا هو من قول اليهود لهما في ابتداء الرسالة " ( (4) ) .
والذي يبدو لي أن المراد به سيدنا موسى ( - عليه السلام - ) ، وسيدنا محمد ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، وذلك بدلالة قوله تعالى : { فلما جاءهم الحق من عندنا } وهو القرآن ، ومن جاء به هو سيدنا محمد ( - صلى الله عليه وسلم - ) . وقوله تعالى : { أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل } هذا على قراءة ( ساحران ) أو على قراءة ( سحران ) يكون المقصود القرآن والتوراة .
__________
(1) البحر المحيط : 7 /123 .
(2) جامع البيان : 10 /81 .
(3) الجامع لأحكام القرآن : 6/ 5010 .
(4) زاد المسير : 6 /227 .

(1/475)


{ قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين }
أي " قل يا محمد للقائلين للتوراة والإنجيل هما سحران تظاهرا أتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما لطريق الحق ولسبيل الرشاد { أتبعه إن كنتم
صادقين } في زعمكم أن هذين الكتابين سحران ، وأن الحق في غيرهما "( (1) ) .
وذكر أبو حيان " أن تعليق إتيانهم بشرط الصدق أمر متحقق متيقن أنه لا يكون ولا يمكن صدقهم ، كما أنه لا يمكن أن يأتوا بكتاب من عند الله يكون أهدى من الكتابين " ( (2) ) . وهذا من آرائه البليغة .
{ فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين }
قال الآلوسي رحمه الله : " فإن لم يفعلوا ما كلفتهم به من الإتيان بكتاب أهدى منهما ، وإنما عبر عنه بالاستجابة إيذانا بأنه ( - صلى الله عليه وسلم - ) على كمال أمن من أمره ، كان أمره ( - صلى الله عليه وسلم - ) لهم بالإتيان بما ذكر دعاء لهم إلى أمر يريد وقوعه . وقيل : المراد فإن لم يستجيبوا دعاءك إياهم إلى الإيمان بعد ما وضح لهم من المعجزات التي تضمنها كتابك الذي جاءهم ، فالاستجابة على ظاهرها لأن الإيمان أمر يريد ( - صلى الله عليه وسلم - ) حقيقة وقوعه منهم بمعنى الإجابة ونتصدى إلى الداعي باللام " ( (3) ) .
والذي يتوجه عندي في ذلك أنهم خوطبوا بذلك لعجزهم الكلي عن الآتيان بكتاب أهدى من الكتب التي أنزلها الله تعالى، وهذا وجه من أوجه الإعجاز القرآني.
{ ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون }
__________
(1) جامع البيان : 10 / 82 .
(2) البحر المحيط : 7 /124 .
(3) روح المعاني : 20 /93 .وينظر البحر المحيط : 7 /124 .

(1/476)


قال الفراء : " أنزلنا عليهم القرآن يتبع بعضه بعضا "( (1) ) .
وقال ابن عاشور : " للتوصيل أحوال كثيرة فهو باعتبار ألفاظه ووصل بعضه ببعض ، ولم ينزل جملة واحدة ، وباعتبار معانيه ، ووصل أصنافا من الكلام وعدا ووعيدا ، وترغيبا وترهيبا ، وقصصا ومواعظ ، وعبرا ونصائح ، يعقب بعضه بعضا "( (2) ) .
ما يستفاد من النص
بعد تحلينا للنص والوقوف على معانيه يمكن لنا أن نستخلص المعاني والعبر الآتية :
أولا . استدل القرآن الكريم بقصص الأنبياء والأمم السابقة التي جاء ذكرها في القرآن بتفاصيل أحداثها على صدق الرسول( - صلى الله عليه وسلم - ) فيما جاء به فالقرآن الكريم تحدث عن قصة سيدنا موسى ( - عليه السلام - ) مع فرعون وقومه بتفاصيل دقيقة ربما لا يعرفها حتى أهل الكتاب أنفسهم ، وتحدث كذلك عن قصص للأنبياء مع أممهم مما لا علم للنبي (- صلى الله عليه وسلم - ) ولا لأهل جزيرة العرب بها ، مما يؤكد كون القرآن وحيا من عند الله بصدقه في الخطاب التاريخي خلافا لمن زعم أن قصصه للعظة وليست للأخبار التاريخية .
ثانيا . دلت هذه الآيات على حاجة البشرية إلى هدي النبوة في عهد سيدنا موسى
( - عليه السلام - ) بعد أن أهلك القرون الأولى ودرست الشرائع واحتيج إلى نبي يرشد الناس إلى صلاحهم في الدنيا والآخرة بقوله تعالى : { ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون } ( (3) ) .
ثالثا . نستدل من قوله تعالى : { أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل } على تاريخ اليهود المريب تكذيبهم ومحاربتهم لرسل الله ـ عليهم السلام ـ على مر العصور وقتلهم الأنبياء بغير حق .
__________
(1) معاني القرآن ( الفراء ) : 2 /307 .
(2) التحرير والتنوير : 20 /142 .
(3) سورة القصص : الآية 34 .

(1/477)


رابعا . نستدل من سياق الآيات على الحاجة الماسة في حياتنا المعاصرة للأخذ بالوعي الإلهي المنزل على رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) في الدين والدنيا والنفس والمجتمع ، لأن ذلك مما يعين على إدراك الاستقرار الروحي الذي نحن جميعا بأمس الحاجة إليه اليوم .
خامسا . إن تلك المعاني القديمة تدل فيما تدل عليه أن التواصل الحضاري لا زال قائما بين الأمم ، وأن الأمم تنسى بمرور الزمن أحداثا ما كان لها أن تنساها بدلالة قوله تعالى : { فتطاول عليهم العمر } وأن للأمم كلها على اختلافها لهم سنن ثابتة في حياتها الحضارية .
المطلب الثاني
إيمان طوائف من أهل الكتاب بدعوته ( - صلى الله عليه وسلم - )
{ الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون(52) وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين (53) أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرءون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون (54) وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين } ( (1) ) .
المناسبة
نلاحظ أن النص القرآني يعرض في هذه الآيات والتي قبلها صورا مختلفة للإيمان وللسلوك الخلقي .
الصورة الأولى متمثلة في كفر كفار قريش وتكذيبهم للرسول (- صلى الله عليه وسلم - ) مستعينين باليهود على اختلاق الحجج الواهية وزرع الشكوك في نفوس المؤمنين كما مر في الآيات السابقة .
__________
(1) سورة القصص : الآيات 52 – 55 .

(1/478)


والصورة الثانية تقدم نموذجا أخرا ، وصورا أخرى وهي استقامة الطبع وخلوص النية متمثلة في فريق من الذين أوتوا الكتاب الذين كانوا مثلا للعباد الصالحين ، فآمنوا بالنبي محمد ( - صلى الله عليه وسلم - ) وصدقوا بالقرآن وكانوا مثالا في الأخلاق الحميدة ، كما عبر عنه المفسرون من قدماء ومحدثين
فأراد القرآن الكريم بامتداحه الذين آمنوا من أهل الكتاب أن يعيب على كفار قريش عدم إيمانهم بالرسول ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، فكان الأولى بهم أن يصدقوه لأنهم يعرفون صدقه وسيرته الحسنة بينهم ، ونلاحظ الترابط والتناسق بين هذه الآيات والتي قبلها في مدح القرآن الكريم للذين آمنوا من قريش ، بالمقارنة التي استخدمها القرآن .
أسباب النزول
ذكر في سبب نزول قوله تعالى : { الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون } عدة روايات منها ما رواه الطبري عن ابن جريج ، عن عمرو بن دينار ، عن يحيى بن جعدة ، عن علي بن رفاعة ، قال : خرج عشرة رهط من أهل الكتاب ، منهم أبو رفاعة ـ يعني أباه ـ إلى النبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، فآمنوا ، فأوذوا ، فنزلت :
{ الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون } قبل القرآن( (1) ) .
ونقل الماوردي قولين في سبب نزول هذه الآية :
أحدهما ـ نزلت في عبد الله بن سلام ، وتميم الداري ، والجارود العنبري وسلمان الفارسي ، أسلموا ، فنزلت فيهم هذه الآية والتي بعدها ، قاله قتادة .
__________
(1) جامع البيان : 10 /85 .

(1/479)


الآخر ـ إنها نزلت في أربعين رجلا من أهل الإنجيل كانوا مسلمين بالنبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) قبل مبعثه اثنان وثلاثون رجلا من الحبشة أقبلوا مع جعفر بن أبي طالب وقت قدومه ، وثمانية قدموا من الشام منهم بحيرة ، وغبرهة ، والأرشف ، وعامر ، وايمن ، و إدريس ، ونافع ، فأنزل الله فيهم هذه الآية ، والتي بعدها إثر قوله : { أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا } ( (1) ) .
ونقل القرطبي رواية عن عروة بن الزبير أنها نزلت في النجاشي وأصحابه ، ووجه باثني عشر رجلا ، فجلسوا مع النبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، وكان أبو جهل وأصحابه قريبا منهم ، فآمنوا بالنبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، فلما قاموا من عنده تبعهم أبو جهل ومن معه ، فقال لهم : خيبكم الله من ركب ، وقبحكم من وفد ، ولم تلبثوا أن صدقتموه ، وما رأينا ركبا أحمق منكم ولا أجهل ، فقالوا: { سلام عليكم } ، لم نأل أنفسنا رشدا .
{ لنا أعمالنا ولكم أعمالكم } ( (2) ) .
ولا يمكن ترجيح رواية على أخرى ، ولكن الذي أراه مناسبا أنها نزلت عامة فيمن كان قبل رسالة النبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) على دين سماوي ولما جاء المصطفى ( - صلى الله عليه وسلم - ) آمنوا به وأوذوا في سبيل الإسلام أشد الأذى فصبروا .

تحليل الألفاظ
1. { يؤمنون } :
الإيمان ضد الكفر والإيمان بمعنى التصديق ضده التكذيب يقال : آمن به قوم وكذب به قوم .
__________
(1) ينظر النكت والعيون : 3 /232 .
(2) الجامع لأحكام القرآن : 6 /5012 .

(1/480)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية