صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : المصنف
مصدر الكتاب : الإنترنت
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]

(48) حدثنا عبيد الله بن موسى قال أخبرنا أسامة بن زيد عن الزهري عن عبد الرحمن بن الازهر قال : رأيت رسول الله (ص) عام الفتح وأنا غلام مثاب يسأل عن منزل خالد بن الوليد ، فأتي بشارب فضربوه بما في أيديهم ، فمنهم من ضرب بالسوط وبالنعل وبالعصي ، وحثا عليه النبي (ص) التراب ، فلما كان أبو بكر أتي بشارب فسأل أصحابه : كم ضرب رسول الله (ص) الذي ضرب ؟ فحرره أربعين فضرب أبو بكر أربعين.
(49) حدثنا يونس بن محمد قال حدثنا ليث بن سعد عن عقيل عن ابن شهاب عن عمرو بن عبد الرحمن بن أمية بن يعلى بن أمية أن أباه أخبره أن يعلى قال : جئت رسول الله (ص) بأبي أمية يوم الفتح فقلت : يا رسول الله بايع أبي الهجرة ، فقال رسول الله (ص) : (بل أبايعه على الجهاد فقد انقطعت الهجرة).
(50) حدثنا عفان قال حدثنا وهيب قال حدثنا عبد الله بن عثمان بن خيثم عن مجاهد عن السائب أنه كان يشارك رسول الله (ص) قبل الاسلام في التجارة ، فلما كان يوم الفتح أتاه فقال : (مرحبا بأخي وشريكي كان لا يداري ولا يماري ، يا سائب ! قد كنت تعمل أعمالا في الجاهلية لا تتقبل منك ، وهي اليوم تتقبل منك) ، وكان ذا سلف وصلة.
(51) حدثنا حسين بن علي عن حمزة الزيات قال : لما كان يوم فتح مكة دخل رسول الله (ص) من أعلى مكة ، ودخل خالد بن الوليد من أسفل مكة ، قال : فقال رسول الله (ص) : (لا تقتلن ، فوضع يده في القتل ، فقال رسول الله (ص) : لا تقتلن ، فوضع يده في القتل فقال : ما حملك على ما صنعت ؟) فقال : يا رسول الله ! ما قدرت على أن لا أصنع إلا الذي صنعت.
(52) حدثنا هوذة بن خليفة قال حدثنا ابن جريح قال : محمد بن جعفر حدثني حديثا رفعه إلى أبي سلمة بن سفيان وعبد الله بن عمرو عن عبد الله بن السائب قال :
حضرت رسول الله (ص) يوم الفتح فصلى في قبل الكعبة ، فخلع نعليه فوضعها عن يساره ، ثم استفتح سورة المؤمنين ، فلما جاء ذكر عيسى أو موسى أخذته سعلة فركع.
(53) حدثنا يزيد بن هارون قال أخبرنا أبو ملك الاشجعي قال حدثنا سالم بن أبي الجعد عن محمد بن الحنفية قال : خرج رسول الله (ص) من بعض حجره فجلس عند بابها ،
__________
(34 / 49) أي لا هجرة بعد فتح مكة.
(*)

(8/542)


وكان إذا جلس وحده لم يأته أحد حتى يدعوه ، قال : ادع لي أبا بكر ، قال : فجاء فجلس بين يديه فناجاه طويلا ، ثم أمره فجلس عن يمينه أو عن يساره ، ثم قال : ادع لي عمر ، فجاء فجلس مجلس أبي بكر فناجه طويلا ، فرفع عمر صوته فقال : يا رسول الله ! هم رأس الكفر ، هم الذين زعموا أنك ساحر ، وأنك كاهن ، وأنك كذاب ، وأنك مفتر ، ولم يدع شيئا مما كان أهل مكة يقولونه إلا ذكره ، فأمره أن يجلس من الجانب الآخر فجلس أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره ، ثم دعا الناس فقال : (ألا أحدثكم بمثل صاحبيكم هذين ؟ قالوا : نعم ، يا رسول الله ، فأقبل بوجهه إلى أبي بكر فقال : إن إبراهيم كان ألين في الله من الدهن في اللبن ، ثم أقبل على عمر فقال : إن نوحا كان أشد في الله من الحجر ، وإن الامر أمر عمر ، فتجهزوا) ، فقاموا فتبعوا أبا بكر فقالوا : يا أبا بكر ! إنا كرهنا أن نسأل عمر ما هذا الذي ناجاك به رسول الله (ص) ، قال : قال لي : كيف تأمروني في غزوة مكة ؟ قال : قلت : يا رسول الله ! هم قومك ، قال : حتى رأيت أنه سيطيعني ، قال : ثم دعا عمر فقال عمر : إنهم رأس الكفر حتى ذكر كل سوء كانوا يذكرونه ، وأيم الله لا تذل العرب حتى يذل أهل مكة ، فأمركم بالجهاد ولتغزوا مكة.
(35) ما ذكروا في الطائف (1) حدثنا أبو بكر قال حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو عن أبي العباس عن عبد الله بن عمرو وقال مرة : عن ابن عمر قال : حاصر رسول الله (ص) أهل الطائف فلم
ينل منهم شيئا ، فقال : (إنا قافلون غدا ، فقال المسلمون : نرجع ولم نفتتحه ، فقال رسول الله (ص) : أغدوا على القتال ، فغدوا ، فأصابتهم جراح ، فقال رسول الله (ص) : إنا قافلون غدا) ، فأعجبهم ذلك ، فضحك رسول الله (ص).
(2) حدثنا عبيدالله بن موسى عن طلحة بن جبر عن المطلب بن عبد الله عن مصعب بن عبد الرحمن عن عبد الرحمن بن عوف قال : لما افتتح رسول الله (ص) مكة انصرف ألى الطائف ، فحاصرهم تسع عشرة أو ثمان عشرة فلم يفتتحها ثم ارتحل روحة أو غدوة ، فنزل ثم قال : (أيها الناس ! إني فرط لكم فأوصيكم بعترتي خيرا ، وإن موعدكم الحوض ، والذي نفسي بيده ليقيمن الصلاة وليؤتن الزكاة أو لابعثن إليهم رجلا مني أو كنفسي فليضربن أعناق مقاتلتهم وليسبين ذراريهم ، قال : فرأى الناس أنه أبو بكر أو عمر ، فأخذ بيد علي فقال : هذا).
__________
(35 / 2) الفرط : هو دليل القوم أو الذي يتقدمهم بحثا عن الماء واكلا.
(*)

(8/543)


(3) حدثنا عبد الوهاب الثقفي عن عبد الله بن عثمان بن خيثم عن أبي الزبير أن رسول الله (ص) حاصر أهل الطائف ، فجاءه أصحابه فقالوا : يا رسول الله ! أحرقتنا نبال ثقيف ، فادع الله عليهم ، فقال : (اللهم ! اهد ثقيفا - مرتين ، قال : وجاءته خولة فقال : إني نبئت أن بنت خزاعة ذات حلى ، فنفلني حليها إن فتح الله عليك الطائف غدا ، قال : إن لم يكن أذن لنا في قتالهم ؟ فقال رجل - نراه عمر - : يا رسول الله ! ما مقامك على قوم لم يؤذن لك في قتالهم ؟ قال : فأذن في الناس بالرحيل ، فنزل الجعرانة ، فقسم بها غنائم حنين ، ثم دخل منها بعمرة ، ثم انصرف إلى المدينة.
(4) حدثنا أبو معاوية عن الحجاج عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال : اعتق رسول الله (ص) يوم الطائف كل من خرج إليه من رقيق المشركين.
(5) حدثنا عبد الرحيم بن سليمان عن الحجاج عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس
قال : خرج غلامان إلى النبي (ص) يوم الطائف فاعتقهما ، أحدهما أبو بكرة فكانا مولييه.
(6) حدثنا أبو أسامة عن كهمس عن عبد الله بن شقيق قال : كان النبي (ص) محاصر وادي القرى.
(7) حدثنا يزيد بن هارون قال أخبرنا قيس عن أبي حصين عن عبد الله بن سنان أن النبي (ص) حاصر أهل الطائف خمسة وعشرين يوما ، يدعوا عليهم في دبر كل صلاة.
(8) حدثنا وكيع عن سعيد بن السائب قال سمعت شيخا من بني عامر أحد بني سواءة يقال له عبيد الله بن معية قال : أصيب رجلان يوم الطائف ، قال : فحملا إلى النبي (ص) ، قال : فأخبر بهما ، فأمر بهما أن يدفنا حيث أصيبا ولقيا.
(9) حدثنا يزيد بن هارون قال أخبرنا نافع بن عمر عن أمية بن صفوان عن أبي بكر بن أبي زهير الثقفي عن أبيه أنه سمع النبي (ص) يقول : في خطبته بالنباة أو بالنباوة والنباوة من الطائف : (توشكون أن تعرفوا أهل الجنة من أهل النار وخياركم من شراركم ، قالوا : بم يا رسول الله ؟ قال : بالثناء الحسن واثناء السئ ، أنتم شهداء الله في الارض).
__________
(35 / 4) لانهم أسلموا قبل أن يسلم أسيادهم ولا ولاية لكافر على مسلم.
(*)

(8/544)


(10) حدثنا حسين بن علي عن زائدة قال : قال عبد الملك : قال النبي (ص) وهو محاصر ثقيفا : (ما رأيت الملك منذ نزلت منزلي هذا ، قال : فانطلقت خولة بنت حكيم السلمية ، فحدثت ذلك عمر ، فأتى عمر النبي (ص) فذكر له قولها فقال : صدقت) ، فأشار عمر على النبي (ص) بالرحيل فارتحل النبي عليه الصلاة والسلام.
(11) حدثنا أبو خالد الاحمر عن يحيى بن سعيد عن عمرو بن شعيب قال : لما انصرف رسول الله (ص) من حنين بعد الطائف قال : (أدوا الخياط والمخيط ، فإن الغلول نار وعار وشنار على أهله يوم القيامة إلا الخمس ، ثم تناول شعرة من بعير فقال : ما لي من مالكم هذا إلا الخمس ، والخمس مردود عليكم).
(12) حدثنا محمد بن الحسن الاسدي قال حدثنا إبراهيم بن طهمان عن أبي الزبير عن عتبة مولى ابن عباس عن ابن عباس قال : لما قدم رسول الله (ص) من الطائف نزل الجعرانة فقسم بها الغنائم ثم اعتمر منها ، وذلك ليلتين بقيتا من شوال.
(13) حدثنا أبو معاوية عن حجاج عن محمد بن عبد الرحمن بن زرارة عن أشياخه عن الزبير أنه ملك يوم الطائف خالات له فاعتقن بملكه إياهن.
(36) ما حفظت في غزوة مؤتة (1) حدثنا أبو بكر قال حدثنا أبو خالد الاحمر عن حجاج عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس أن رسول الله (ص) بعث إلى مؤتة ، فاستعمل زيدا فإن قتل زيد فجعفر ، فإن قتل جعفر فابن رواحة ، فتخلف ابن رواحة يجمع مع النبي (ص) ، فرآه النبي (ص) فقال : (ما خلفك ؟ قال : أجمع معك ، قال : لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها).
(2) حدثنا سليمان بن حرب قال حدثنا الاسود بن شيبان عن خالد بن سمير قال : قدم علينا عبد الله بن رباح الانصاري ، قال : وكانت الانصار تفقهه ، قال : حدثنا أبو قتادة فارس رسول الله (ص) قال : بعث رسول الله (ص) جيش الامراء وقال : (عليكم زيد بن حارثة ، فإن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب ، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن
__________
(36 / 11) الخياط والمخيط : الابرة والخيط.
(36 / 13) وفيه أن من ملك أحدا من أصوله صار الاصل حرا بمجرد وقوع الملكية.
ابن أبي شيبة - ج 8 - م 35

(8/545)


رواحة ، فوثب جعفر فقال : يا رسول الله ! ما كنت أرهب أن تستعمل علي زيدا ، فقال : (امض فإنك لا تدري أي ذلك خير) فانطلقوا فلبثوا ما شاء الله ، ثم إن رسول الله (ص) صعد المنبر وأمر فنودي : الصلاة جامعة ، فاجتمع الناس إلى رسول الله (ص) فقال : ثاب
خير ثاب خير - ثلاثا ، أخبركم عن جيشكم هذا الغازي ، فانطلقوا فلقوا العدو فقتل زيد شهيدا فاستغفروا له ، ثم أخذ اللواء جعفر بن أبي طالب فشد على القوم حتى قتل شهيدا ، اشهدوا له بالشهادة واستغفروا له ، ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة فأثبت قدميه حتى قتل شهيدا فاستغفروا له ، ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد ولم يكن من الامراء ، هو أمر نفسه ، ثم قال رسول الله (ص) : اللهم إنه سيف من سيوفك فأنت تنصره) ، فمن يومئذ سمي سيف الله ، وقال رسول الله (ص) : انفروا فأمدوا إخوانكم ، ولا يتخلفن منكم أحدا ، فنفروا مشاة وركبانا ، وذلك في حر شديد ، فبينما هم ليلة مما يلين عن الطريق إذ نعس رسول الله (ص) حتى مالك عن الرحل ، فأتيته فدعمته بيدي ، فلما وجد مس يد رجل اعتدل فقال : من هذا ؟ فقلت : أبو قتادة ، قال في الثانية أو الثالثة ، قال : ما أراني إلا قد شققت عليك منذ الليلة (1) ، قال : قلت : كلا بأبي أنت وأمي ، ولكن أرى الكرى والنعاس قد شق عليك ، فلو عدلت (2) فنزلت حتى يذهب كراك ، قال : (إني أخاف أن يخذل الناس ، قال : قلت : كلا بأبي وأمي ، قال : فابغنا مكانا خميرا) ، قال : فعدلت عن الطريق ، فإذا أنا بعقدة من شجر ، فجئت فقلت : يا رسول الله ! هذه عقدة من شجر قد أصبتها ، قال : فعدل رسول الله (ص) وعدل معه من يليه من أهل الطريق ، فنزلوا واستتروا بالعقدة من الطريق ، فلما استيقظنا إلا بالشمس طالعة علينا فقمنا ونحن وهلين ، فقال رسول الله (ص) : رويدا رويدا) ، حتى تعالت الشمس ، ثم قال : (من كان يصلي هاتين الركعتين قبل صلاة الغداة فليصلهما) ، فصلاهما من كان يصليهما ، ثم أمر فنودي بالصلاة ، ثم تقدم رسول الله (ص) فصلى بنا ، فلما سلم قال : (إنا نحمد الله ، لم نكن في شئ من أمر الدنيا يشغلنا عن صلاتنا ، ولكن أرواحنا كانت بيد الله ، أرسلها أني شاء ، ألا فمن أدركته هذه الصلاة من عبد صالح فليقض معها مثلها ، قالوا : يا رسول الله ! العطش ، قال : لا عطش يا أبا قتادة ! أرني الميضأة ، قال : فأتيته بها
__________
(36 / 2) شققت عليك : حملتك مشقة.
(1) منذ الليلة : أي من أول الليل.
(2) عدلت : تركت السير ، والمقصود البعد عن الطريق والنزول للراحة والنوم.
= (1) في ضنبه : تحت إبطه.
(*)

(8/546)


فجعلها في ضبنه (1) ، ثم التقم فمها ، فالله أعلم أنفث فيها أم لا ، ثم قال : يا أبا قتادة ! أرني الغمر على الراحلة ، فأتيته بقدح بين القدحين (2) فصب فيه فقال : إسق القوم ، ونادي رسول الله (ص) ورفع صوته : (ألا من أتاه إناؤه فليشربه) ، فأتيت رجلا فسقيته ، ثم رجعت إلى رسول الله (ص) بفضلة القدح ، فذهبت فسقيت الذي يليه حتى سقيت أهل تلك الحلقة ، ثم رجعت إلى رسول الله (ص) بفضلة القدح فذهبت فسقيت حلقة أخرى حتى سقيت سبعة رفق ، وجعلت أتطاول أنظر هل بقي فيها شئ ، فصب رسول الله (ص) في القدح فقال لي : اشرب ، قال : قلت : بأبي أنت وأمي ، إني لا أجد بي كثير عطش ، قال : إليك عني ، فإني ساقي القوم منذ اليوم) ، قال : فصب رسول الله (ص) في القدح فشرب ثم صب في القدح فشرب ثم صب في القدح فشرب ثم ركب وركبنا ، ثم قال : كيف ترى القوم صنعوا حين فقدوا نبيهم وأرهقتهم صلاتهم ، قلنا : الله ورسوله أعلم ، قال : أليس فيهم أبو بكر وعمر ! إن يطيعوهما فقد رشدوا ورشدت أمهم وإن يعصوهما فقد غووا وغوت أمهم قالها ثلاثا ، ثم سار وسرنا حتى إذا كنا في نحر الظهيرة إذا ناس يتبعون ظلال الشجرة فأتيناهم فإذا ناس من المهاجرين فيهم عمر بن الخطاب ، قال : فقلنا لهم : كيف صنعتم حين فقدتم نبيكم وأرهقتكم صلاتكم ؟ قالوا : نحن والله نخبركم ، وثب عمر فقال لابي بكر : إن الله قال في كتابه * (إنك ميت وإنهم ميتون) * (3) وإني والله ما أدري لعل الهل قد توفى نبيه فقم فصل وانطلق ، إني ناظر بعدك ومقاوم ، فإن رأيت شيئا وإلا لحقت بك ، قال : وأقيمت الصلاة ، وانقطع الحديث.
(3) حدثنا عبد الله بن نمير عن يحيى بن سعيد عن عمرة أنها سمعت عائشة تقول :
لما جاء نهي جعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة جلس رسول الله (ص) ويعرف في وجهه الحزن ، فقالت عائشة : وأنا أطلع من شق الباب ، فأتاه رجل فقال : يا رسول الله ! إن نساء جعفر - فذكر بكاءهن ، فأمره رسول الله (ص) أن ينهاهن.
(4) حدثنا عبد الرحيم بن سليمان عن زكريا عن الشعبي زعم أن جعفر بن أبي طالب قتل يوم مؤتة بالبلقاء ، فقال رسول الله (ص) : (اللهم اخلف جعفر في أهله بأفضل ما خلفت عبدا من عبادك الصالحين)
__________
(2) بين القدحين : لا صغيرا ولا كبيرا.
(3) * (إنك ميت وإنهم ميتون) * سورة الزمر الآية (30).
(*)

(8/547)


(5) حدثنا عبدة وابن إدريس ووكيع عن إسماعيل عن قيس قال : سمعت خالد بن الوليد يقول : لقد اندق في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف ، فما صبرت في يدي إلا صفيحة في يمانية.
(6) حدثنا جعفر بن عون عن ابن جريح عن عطاء أن النبي (ص) نعي الثلاثة الذين قتلوا بمؤتة ثم صلى عليهم.
(7) حدثنا عيسى بن يونس عن صفوان بن عمرو السكسكي عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير قال : لما اشتد حزن أصحاب رسول الله (ص) على من أصيب منهم مع زيد يوم مؤتة قال رسول الله (ص) : (ليدركن المسيح من هذه الامة أقوام إنهم لمثلكم أو خير - ثلاث مرات - ولن يخزي الله أمة أنا أولها والمسيح آخرها).
(8) حدثنا عبد الله بن نمير قال حدثنا محمد بن إسحاق عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت : لما أتت وفاة جعفر عرفنا في وجه رسول الله (ص) الحزن ، قالت : فدخل عليه رجل فقال : يا رسول الله ! إن النساء يبكين ، قال : (فارجع إليهن فأسكتهن ، فإن أبين فاحث في وجوههن التراب) ، قال : قالت عائشة : قلت في نفسي : والله ما تركت نفسك ولا أنت مطيع رسول الله.
(9) حدثنا عبد الله بن إدريس عن محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن جده قال : أخبرني الذي أرضعني من بني مرة ، قال : كأني ، أنظر إلى جعفر يوم مؤتة ، نزل عن فوس له شقراء فعرقبها ، ثم مضى فقاتل حتى قتل.
(10) حدثنا أبو أسامة عن مهدي بن ميمون عن محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب عن الحسن بن سعد قال : لما جاء النبي (ص) خبر قتل زيد وجعفر وعبد الله بن رواحة نعاهم إلى الناس وترك أسماء حتى أفاضت من عبرتها : ثم أتاها فعزاها وقال : ادعي لي بني أخي ، قال : فجاءت بثلاثة بنين كأنهم أفراخ ، وقالت : فدعا الحلاق فحلق رؤوسهم ، فقال : أما محمد فشبيه عمنا أبي طالب ، وأما عون الله فشبيه خلقي وخلقي ، وأما عبد
__________
(36 / 5) اندق : انكسر.
صبرت : تحملت شدة الضرب ولم تنكسر.
صفيحة : سيف رقيق الشفرة.
(36 / 7) وفي هذا الحديث إعلام من الرسول أن المسيح سيعود إلى الارض مرة ثانية.
(36 / 9) الذي أرضعني : الذي أرضعتني امرأته.
(*)

(8/548)


الله - فأخذ بيده فشالها ثم قال : اللهم بارك في صفقة يمينه ، قال : فجعلت أمهم تفرح لهم ، فقال لها رسول الله (ص) : (أتخشين عليهم الضيعة ، وأنا وليهم في الدنيا والآخرة).
(11) حدثنا يحيى بن آدم قال حدثنا قطبة عن الاعمش عن عدي بن ثابت عن سالم ابن أبي الجعد قال : أريهم النبي (ص) في النوم فرأى جعفرا ملكا ذا جناحين مضرجا بالدماء ، وزيد مقاله على السرير ، قال : وابن رواحة جالس معهم كأنهم معرضون عنه.
(12) حدثنا عبد الرحيم بن سليمان عن إسماعيل بن أبي خالد عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة أنه لما أتى النبي (ص) قتل جعفر وزيد وعبد الله بن رواحة ذكر أمرهم فقال : اللهم اغفر لزيد ، ثلاثا اغفر لجعفر وعبد الله بن رواحة.
(13) حدثنا يزيد بن هارون قال أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي
حازم قال : جاء أسامة بن زيد بعد قتل أبيه ، فقام بين يدي النبي (ص) فدمعت عيناه ، فلما كان من الغد جاء فقام مقامه ذلك ، فقال النبي (ص) : (ألقى منك اليوم ما لقيت منك أمس).
(14) حدثنا محمد بن عبيد قال حدثنا وائل بن داود قال : سمعت البهي يحدث أن عائشة كانت تقول : مع بعث رسول الله (ص) زيد بن حارثة في جيش قط إلا أمره عليهم ولو بقي بعده لاستخلفه.
(15) حدثنا محمد بن عبيد قال حدثنا إسماعيل عن مجالد بن سعيد عن عامر أن عائشة كانت تقول : لو أن زيدا حي لاستخلفه رسول الله (ص).
(16) حدثنا عبد الرحيم بن سليمان عن هشام بن عروة عن أبيه أن رسول الله (ص) كان قطع بعثا قبل مؤتة وأمر عليهم أسامة بن زيد ، وفي ذلك البعث أبو بكر وعمر ، قال : فكان أناس من الناس يطعنون في ذلك لتأمير رسول الله (ص) أسامة عليهم ، قال : فقال رسول الله (ص) فخطب الناس ثم قال : (إن أناسا منكم قد طعنوا على في تأمير أسامة ، وإنما طعنوا في تأمير أسامة كما طعنوا في تأمير أبيه من قبله ، وأيم الله إن كان لحقيقا للاماره ، وإن كان لمن أحب الناس إلي ، وإن ابنه من أحب الناس إلي من بعده ، وإني أرجو أن يكون من صالحيكم فاستوصوا به خيرا).
__________
(36 / 11) لان ابن رداحة رضي الله عنه أقدم ثم تراجع ثم أقدم فجرح فتراجع ثم أقدم فاستشهد.
(36 / 13) أي أن الايام لم تخفف حزنه على زيد بن حارثة رضي الله عنه.
(*)

(8/549)


(17) حدثنا علي بن مسهر عن الاجلح عن الشعبي قال : لما أتى رسول الله (ص) قتل جعفر بن أبي طالب ترك رسول الله (ص) امرأته أسماء بنت عميس حتى أفاضت عبرتها فذهب بعض حزنها ثم أتاها فعزاها ودعا بني جعفر فدعا لهم ، ودعا لعبد الله بن جعفر أن يبارك له في صفقة يده ، فكان لا يشتري إلا ربح فيه ، فقالت له أسماء : يا رسول الله ، إن
هؤلاء يزعمون أنا لسنا من المهاجرين ، فقال : (كذبوا ، لكم الهجرة مرتين ، هاجرتم إلى النجاشي ، وهاجرتم إلي).
(18) حدثنا أبو إسحاق الازدي قال حدثني أبو أويس عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال : كنت بمؤتة ، فلما فقدنا جعفر بن أبي طالب طلبناه في القتلى فوجدنا فيه بين طعنة ورمية بضعا وتسعين ووجدنا فيما أقبل من جسده.
(37) غزوة حنين وما جاء فيها (1) حدثنا أبو عبد الرحمن حدثنا أبو بكر حدثنا أبو أسامة عن زكريا عن أبي إسحاق قال : قال رجل للبراء : هل كنتم وليتم يوم حنين يا أبا عمارة ؟ فقال : أشهد على النبي (ص) أنه ما ولى ، ولكن انطلق إخفاء من الناس وحسر إلى هذا الحي من هوازن ، وهم قوم رماة فرموهم برشق من نبل كأنها رجل من جراد ، قال : فانكشفوا ، فأقبل القوم هنا لك إلى رسول الله (ص) وأبو سفيان بن الحرث يقود بغلته ، فنزل رسول الله (ص) فاستنصر وهو يقول : أنا النبي لا كذب * أنا ابن عبد المطلب) (اللهم نصرك) قال : كنا والله إذا احمر البأس نتقي به ، وإن الشجاع الذي يحاذي به.
(2) حدثنا شريك عن أبي إسحاق عن أبي إسحاق عن البراء قال : لا والله ما ولى رسول الله يوم حنين دبره ، قال : والعباس وأبو سفيان آخذان بلجام بغلته وهو يقول : أنا النبي لا كذب * أنا ابن عبد المطلب (3) حدثنا يزيد بن هارون عن حميد عن أنس قال : كان من دعاء النبي (ص) يوم حنين : (اللهم إنك إن تشأ لا تعبد بعد هذا اليوم).
__________
(36 / 18) ووجدنا فيما أقبل من جسده : أي وجدنا هذه الضربات المذكروة فيما أقبل من جسده أي في صدره وبطنه الخ..والمقصود أنه تلقى هذه الضربات وهو يهاجم العدو ولم يتلقها في ظهره هاربا.
(*)

(8/550)


(4) حدثنا عفان حدثنا سليم بن أخضر حدثني ابن عون حدثني هشام بن زيد عن
أنس قال : لما كان يوم حنين جمعت هوزان وغطفان للنبي (ص) جمعا كثيرا والنبي عليه الصلاة والسلام يومئذ في عشرة آلاف أو أكثر من عشرة آلاف ، قال : ومعه الطلقاء ، قال : فجاءوا بالنفر والذرية فجعلوا خلف ظهورهم ، قال : فلما التقوا ولى الناس ، والنبى عليه الصلاة والسام يومئذ على بغلة بيضاء ، قال : فنزل فقال : (إني عبد الله ورسوله ، قال : ونادى يومئذ نداءين لم يخلط بينهما كلاما ، فالتفت عن يمينه فقال : أي معشر الانصار ، فقالوا : لبيك يا رسول الله ! نحن معك ثم التفت عن يساره فقال : أي معشر الانصار ! فقالوا : لبيك يا رسول الله ! نحن معك ، ثم نزل إلى الارض فالتقوا فهزموا وأصابوا من الغنائم ، فأعطى النبي (ص) الطلقاء وقسم [ فيهم ] ، فقالت الانصار : ندعى عند الشدة وتقسم الغنيمة لغيرنا ، فبلغ ذلك النبي (ص) فجمعهم وقعد في قبة فقال : أي معشر الانصار ! ما حديث بلغني عنكم ؟ فسكتوا فقال : يا معشر الانصار ! لو أن الناس سلكوا واديا وسلكت الانصار شعبا لاخذت شعب الانصار ، ثم قال : أما ترضون أن يذهب الناس بالدنيا وتذهبوا برسول الله تحوزونه إلى بيوتكم ؟) فقالوا : رضينا يا رسول الله ! قال ابن عون : قال هشام بن زيد : قلت لانس : وأتت شاهد ذلك ؟ قال : وأين أغيب عن ذلك.
(5) حدثنا أبو أسامة عن سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس قال : جاء أبو طلحة يوم حنين يضحك رسول الله (ص) فقال : يا رسول الله ! ألم تر إلى أم سليم معها خنجر ، فقال لها رسول الله (ص) : (يا أم سليم ! ما أردت إليه) ؟ قالت : أردت إن دنا إلى أحد منهم طعنة به.
(6) حدثنا يزيد بن هارون قال أخبرنا حماد بن سلمة عن إسحاق بن عبد الله بن أبى طلحة عن أنس أن النبي (ص) قال يوم حنين : من قتل قتيلا فله سلبه).
فقتل يومئذ أبو طلحة عشرين رجلا ، فأخذ أسلابهم.
(7) حدثنا وكيع عن مالك بن مغول عن طلحة بن مصرف قال : انهزم المسلمون
يوم حنين فنودوا : يا أصحاب سورة البقرة ، قال : فرجعوا ولهم حنين - يعني بكاء.
__________
(37 / 4) الطلقاء : أهل مكة الذين أسلموا في الفتح وبعده وليس لهم هجرة وقد سموا الطلقاء لقول الرسول (ص) لهم : إذهبوا فانتم الطلقاء.
[ فيهم ] في الاصل [ فيها ] وهو خطأ ، والصحيح ما أثبتناه.
(*)

(8/551)


(8) حدثنا الفظل بن دكين قال حدثنا يوسف بن صهيب عن عبد الله بن بردة أن رسول الله (ص) يوم حنين انكشف الناس عنه ، فلم يبق معه إلا رجل يقال له زيد آخذ بعنان بغلته الشهباء ، وهي التي أهداها له النجاشي ، فقال رسول الله (ص) : (ويحك يا زيد ! ادع الناس ، فنادى : أيها الناس ، هذا رسول الله يدعو كم ، فلم يجب أحد عند ذالك ، فقال : ويحك ! حض الاوس والخزرج فقال : يا معشر الاوس والخزرج ، هذا رسول الله يدعو كم ، فلم يجبه أحد عند ذلك ، فقال : ويحك ! ادع المهاجرين فإن لله في أعناقهم بيعة) ، قال : فحدثني بريدة أنه أقبل منهم ألف قد طرحوا الجفون وكسروها ، ثم أتوا رسول الله (ص) حتى فتح عليهم.
(9) حدثنا عبيد الله بن موسى عن موسى بن عبيدة قال أخبرني عمر مولى عمرة قال : نزل النبي (ص) عن بغلة كان عليها فجعل يصرخ بالناس : (يا أهل سورة البقرة ! يا أهل بيعة الشجرة ، أنا رسول الله ونبيه ، فتولوا مدبرين).
(10) حدثنا يزيد بن هارون قال أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد قال : رأيت عبد الله بن أوفى بيده ضربة فقلت : ما هذا ؟ فقال : ضربتها يوم حنين ، قال : قلت له : وشهدت مع رسول الله (ص) حنينا ؟ قال : نعم.
(11) حدثنا عبيد الله بن موسى قال أخبرنا موسى عن أخيه عبد الله عبيدة أن نفرا من هوازن جاءوا بعد الوقعة فقالوا : يا رسول الله ! إنا نرغب في رسول الله ، قال : (في أي ذلك ترغبون ، أفي الحسب أم في المال ؟ قالوا : بل في حسب والامهات
والبنات ، وأما المال فسيرزقنا الله ، قال : أما أنا فأرد ما في يدي وأيدي بني هاشم من عورتكم ، وأما الناس فسأشفع لكم إليهم إذا صليت إن شاء الله ، فقوموا فقولوا كذا وكذا) ، فعلمهم ما يقولون ففعلوا ما أمرهم به وشفع لهم ، فلم يبق أحد من المسلمين إلا رد ما في يديه من عورتهم غير الاقرع بن حابس وعيينة بن حصن ، أمسكا امرأتين كانتا في أيديهما.
(12) حدثنا محمد بن فضيل عن أشعث عن الحكم بن عيينة قال : لما فر الناس عن النبي (ص) يوم حنين جعل النبي (ص) يقول : (أنا النبي لا كذب * أنا ابن عبد المطلب)
__________
(37 / 8) طرحوا الجفون وكسروها رمو الدروع أو كسروها وأقبلوا يقاتلون دون دروع وهذا إقدام على الشهادة ولا يفعله إلا من لا يخشى من الاصابة بضربات السيوف.
(*)

(8/552)


قال : فلم يبق معه إلا أربعة : ثلاثة من بني هاشم ورجل من غيرهم : علي بن أبي طالب والعباس وهما بين يديه وأبو سفيان بن الحرث آخذ بالعنان وابن مسعود من جانبة الايسر قال : فليس يقبل نحوه أحد إلا قتل والمشركون حوله صرعى بحساب الاكليل.
(13) حدثنا يزيد بن هارون قال أخبرنا حميد عن أنس بن مالك قال : أعطى رسول الله (ص) من غنائم حنين الاقرع بن حابس مائة من الابل وعيينة بن حصن مائة من الابل ، فقال ناس من الانصار : يعطي رسول الله غنائما ناسا تقطر سيوفنا من دمائهم أو سيوفهم من دمائنا ، فبلغ ذلك النبي (ص) ، فأرسل إليهم فجاءوا فقال لهم : (هل فيكم غيركم ؟ قالوا : لا إلا ابن اختنا : قال : ابن أخت القوم منهم ، فقال : قلتم كذا وكذا ، أما ترضون أن يذهب الناس بالشاء والبعير وتذهبون بمحمد إلى دياركم ، قالوا : بلى يا رسول الله فقال رسول الله (ص) : الناس دثار والانصار شعار ، الانصار كرشي وعيبتي ، ولولا الهجرة لكنت امرءا من الانصار).
(14) حدثنا عبيد الله بن موسى قال أخبرنا موسى بن عبيدة عن عبد الله بن عبيدة أن أبا سفيان وحكيم بن حزام وصفوان بن أمية خرجوا يوم حنين ينظرون على من تكون الدبرة ، فمر بهم أعرابي فقالوا : يا عبد الله ! ما فعل الناس ؟ قال : يستقبلها محمد أبدا ، قال : وكذلك حين تفرق عنه أصحابه ، فقال بعضهم لبعض : لرب من قريش أحب إلينا من رب الاعراب ، يا فلان اذهب فأتنا بالخبر - لصاحب لهم ، قال : فذهب حتى كان بين ظهراني القوم ، فسمعهم يقولون : يا للاوس يا للخزرج ، وقد علوا القوم ، وكان شعار النبي عليه الصلاة والسلام.
(15) حدثنا ابن إدريس عن محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد عن أبي سعيد الخدري قال : لما قسم رسول الله (ص) السبي بالجعرانة أعطى عطايا قريشا وغيرها من العرب ، ولم يكن في الانصار منها شئ ، فكثرت القالة وفشت حتى قال قائلهم : أما رسول الله فقد لقي قومه ، قال : فأرسل إلى سعد بن عبادة فقال : (ما مقالة بلغتني عن قومك أكثروا فيها ، قال : فقال له سعد : فقد كان ما بلغك.
قال : فأين أنت من ذلك ؟ قال : ما أنا إلا رجل من قومي ، قال : فاشتد غضبه وقال : إجمع قومك ولا يكن معهم غيرهم ، قال : فجمعهم في حظيرة من حظائر النبي (ص) وقام على
__________
(37 / 12) بحساب الاكليل : أي أن أجساد قتلى المشركين حولهم كأنهم الاكليل أي أن الدائرة حولهم كلها من جثث قتلى المشركين.
(*)

(8/553)


بابها وجعل لا يترك إلا من كان من قومه وقد ترك رجالا من المهاجرين ، وزاد أناسا ، قال : ثم جاء النبي (ص) يعرف في وجهه الغضب فقال : (يا معشر الانصار ، ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله ، فجعلوا يقولون : نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله ، يا معشر الانصار ! ألم أجدكم عالة فأغناكم الله ؟ فجعلوا يقولون : نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله ، يا معشر الانصار ! ألم أجدكم أعداء فألف الله بين قلوبكم ، فيقولون :
نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله ، فقال : ألا تجيبون ؟ قالوا : الله ورسوله آمن وأفضل ، فلما سري عنه قال : ولو شئتم لقلتم فصدقتم : ألم نجدك طريدا فآويناك ، ومكذبا فصدقناك ، وعائلا فآسيناك ، ومخذولا فنصرناك ، فجعلوا يبكون ويقولون : الله ورسوله آمن وأفضل ، قال : أوجدتم من شئ من دنيا أعطيتها قوما أتألفهم على الاسلام ووكلتكم إلى إسلامكم ، لو سلك الناس واديا أو شعبا وسلكتم واديا أو شعبا لسلكت واديكم أو شعبكم ، أنتم شعار والناس دثار ، ولولا الهجرة لكنت امرءا من الانصار ، ثم رفع يديه حتى إني لارى ما تحت منكبيه فقال : اللهم اغفر للانصار ولابناء أبناء الانصار ، أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير ، وتذهبون برسول الله إلى بيوتكم).
فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم ، وانصرفوا وهم يقولون : رضينا بالله ربا وبرسوله حظا ونصيبا.
(16) حدثنا عفان قال حدثنا حماد بن سلمة قال أخبرنا يعلى بن عطاء عن أبي همام عبد الله بن يسار عن أبي عبد الرحمن الفهري قال : كنت مع رسول الله (ص) في غزوة حنين ، فسرنا في يوم قائظ شديد الحر ، فنزلنا تحت ظلال الشجر ، فلما زالت الشمس لبست لامتي وركبت فرسي ، فانطلقت إلى رسول الله (ص) وهو في فسطاطه فقلت : السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله ، الرواح حان الرواح ، فقال : أجل ، فقال : يا بلال ! فثار من تحت سمرة كأن ظله ظل طائر ، فقال : لبيك وسعديك وأنا فداؤك ، فقال : أسرج لي فرسي ، فأخرج سرجا دفتاه من ليف ، ليس فيهما أشر ولا بطر ، قال : فأسرج ، قال : فركب وركبنا فصاففناهم عشيتنا وليلتنا ، فتشامت الخيلان ، فولى المسلمون مدبرين كما قال الله ، فقال رسول الله : (يا عباد الله : أنا عبد الله ورسوله ، ثم قال : يا معشر المهاجرين ! أنا عبد الله ورسوله ، ثم اقتحم رسول الله (ص) عن فرسه فأخذ كفا من تراب ، فأخبرني الذي كان أدنى إليه مني أنه ضرب به وجوههم ، وقال : شاهت الوجوه ، قال : فهزمهم الله ، قال يعلى بن عطاء : فحدثني أبناؤهم عن آبائهم أنهم قالوا : لم

(8/554)


يبق منا أحد إلا امتلات عيناه وفمه ترابا ، وسمعنا صلصلة بين السماء والارض كامرار الحديد على الطست الجديد.
(17) حدثنا عفان قال حدثنا حماد بن سلمة عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك أن هوازن جاءت يوم حنين بالصبيان والنساء والابل والغنم ، فجعلوها صفوفا يكثرون على رسول الله (ص) ، فلما التقوا ولى المسلمون كما قال الله ، فقال رسول الله (ص) : (يا عباد الله ! أنا عبد الله ورسوله ثم قال : يا معشر المهاجرين أنا عبد الله ورسوله ، قال : فهزم الله المشركين ولم يضرب بسيف ولم يطعن برمح ، قال : وقال رسول الله (ص) يومئذ : (من قتل كافرا فله سلبه ، قال : فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلا ، فأخذ أسلابهم ، وقال أبو قتادة : يا رسول الله ! إني ضربت رجلا على حبل العاتق وعليه درع له فأجهضت عنه ، وقد قال حماد : فأعجلت عنه ، قال : فانظر من أخذها ، قال : فقام رجل فقال : أنا أخذتها فارضه منها وأعطنيها ، وكان رسول الله (ص) لا يسأل شيئا إلا أعطاه أو سكت ، فسكت رسول الله (ص) ، قال : فقال عمر : لا والله لا يفيئها الله على أسد من أسده ويعطيكها قال : فضحك رسول الله (ص) قال : صدق عمر ، ولقي أبو طلحة أم سليم ومعها خنجر فقال أبو طلحة : يا أم سليم ! ما هذا معك ؟ قالت : أردت إن دنا مني بعض المشركين أن أبعج به بطنه ، فقال أبو طلحة : يا رسول الله ! ألا تسمع ما تقول أم سليم ؟ قالت : يا رسول الله ! قتل من بعدنا من الطلقاء ، انهزموا بك يا رسول الله ، فقال : (إن الله قد كفى وأحسن).
(18) حدثنا هاشم بن القاسم قال حدثنا عكرمة بن عمار قال حدثنا أياس بن سلمة قال حدثني أبي قال : غزوت مع رسول الله (ص) هوازن فبينما نحن نتضحى وعامتنا مشاة فينا ضعفة إذ جاء رجل على جمل أحمر ، فانتزع طلقا من حقبه فقيد به جمله رجل شاب ، ثم جاء يتغدى مع القوم ، فلما رأى ضعفهم وقلة ظهرهم خرج يعدو إلى جمله فأطلقه ثم
أناخه فقعد عليه ثم خرج يركضه ، واتبعه رجل من أسلم من صحابة النبي (ص) على ناقة ورقاء هي أمثل ظهر القوم ، فقعد فاتبعه فخرجت أعدو فأدركته ورأس الناقة عند ورك الجمل وكنت عند ورك الناقة وكنت تقدمت حتى أخذت بخطام الجمل فأنخته ، فلما وضع ركبتيه بالارض اخترطت سيفي فأضرب رأسه ، فندر فجئت براحلته وما عليها أقوده فاستقبل رسول الله (ص) مقبلا فقال : (من قتل الرجل ؟ فقالوا : ابن الاكوع ، فنفله سلبه.

(8/555)


(19) حدثنا عفان قال حدثنا وهيب حدثنا عمرو بن يحيى عن عباد بن تميم عن عبد الله بن زيد قال : لما أفاء الله على رسوله يوم حنين ما أفاء قسم في الناس في المؤلفة قلوبهم ، ولم يقسم ولم يعط الانصار شيئا ، فكأنهم وجدوا إذ يصيبهم لم أصاب الناس فختبهم فقال : (يا معشر الانصار ! ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي ، وكنتم متفرقين فجمعكم الله بي ، وعالة فأغناكم الله بي ، قال : كلما قال شيئا قالوا : الله ورسوله آمن ، قال : فما يمنعكم أن تجيبوا ؟ قالوا : الله ورسوله آمن : قال : لو شئتم قلتم : جئتنا كذا وكذا ، أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون برسول الله إلى رحالكم ، لولا الهجرة لكنت امرءا من الانصار لو سلك الناس واديا أو شعبا لسلكت وادي الانصار وشعبهم ، الانصار شعار والناس دثار ، وإنكم ستلقون بعدي إثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض).
(38) ما جاء في غزوة ذي قرد (1) حدثنا أبو بكر قال حدثنا هاشم بن القاسم أبو النصر قال حدثنا عكرمة بن عمار قال حدثني أياس بن سلمة عن أبيه قال : قدمت المدنية زمن الحديبية مع النبي (ص) ، فخرجت أنا ورباح غلام رسول الله (ص) بعثه رسول الله (ص) مع الابل وخرجت معه بفرس طلحة أبديه مع الابل فلما كان بغلس أغار عبد الرحمن بن عيينة على إبل رسول الله (ص) فقتل راعيها وخرج يطرد بها هو وأناس معه في خيل ، فقلت
يا رباح ، اقعد على هذا الفرس فألحقه بطلحة وأخبر رسول الله (ص) أنه قد أغير على سرحه ، قال : فقمت على تل وجعلت وجهي من قبل المدينة ثم ناديت ثلاث مرات : يا صباحاه ، ثم اتبعت القوم معي سيفي ونبلي فجعلت أرميهم وأعقر بهم ، وذاك حين يكثر الشجر ، قال : فإذا رجع إلى فارس جلست له في أصل شجرة ثم رميت فلا يقبل علي فارس إلا عقرت به ، فجعلت أرميهم وأقول : أنا ابن الاكوع * واليوم يوم الرضع فألحق برجل فأرميه وهو على رحله فيقع سهمي في الرجل ، حتى انتظمت كتفه ، قلت : خذها.
__________
(38 / 1) أبديه : أخرجه إلى البادية إلى المرعى في أصل شجرة : في أعلاها = = [ فولوا المشركين مدبرين كذا في الاصل ، والمقصود أن المشركين هم الذين ولوا مدبرين.
(*)

(8/556)


وأنا ابن الاكوع * واليوم يوم الرضع فإذا كنت في الشجرة أحرقتهم بالنبل ، وإذا تضايقت الثنايا علوت الجبل فرديتهم بالحجارة ، فما زال ذلك شأني وشأنهم أتبعهم وأرتجز حتى ما خلق الله شيئا من ظهر النبي (ص) إلا خلفته وراء ظهري ، واستنقذته من أيديهم ، قال : ثم لم أزل أرميهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين رمحا وأكثرا من ثلاثين بردة ، يستخفون منها ، ولا يلقون من ذلك شيئا إلا جعلت عليه آراما من الحجارة ، وجمعته على طريق رسول الله (ص) ، حتى إذا امتد الضحى أتاهم عيينة بن بدر الفزاري ، ممدا لهم وهم في ثنية ضيقة ، ثم علوت الجبل فأنا فوقهم ، قال عيينة : ما هذا الذي أرى ؟ قالوا : لقينا من هذا البرح ، ما فارقنا بسحر حتى الآن ، وأخذ كل شئ في أيدينا وجعله وراء ظهره ، فقال عيينة : لولا أن هذا يرى أن وراءه طلبا لقد ترككم ، قال : ليقم إليه نفر منكم ، فقام إلى نفر منهم أربعة ، فصعدوا في الجبل ، فلما أسمعتهم الصوت قلت لهم : أتعرفوني ؟ قالوا : ومن أنت ؟ قلت : أنا
ابن الاكوع ، والذي كرم وجه محمد لا يطلبني رجل منكم فيدركني ، ولا أطلبه فيفوتني ، قال رجل منهم : أظن ، قال : فما برحت مقعدي ذاك حتى نظرت إلى فوارس رسول الله (ص) يتخللون الشجر ، وإذا أولهم الاخرم الاسدي وعلى أثره أبو قتادة فارس رسول الله (ص) ، وعلى أثر أبي قتادة المقداد الكندي ، قال : [ فولوا المشركين مدبرين ] ، وأنزل من الجبل فأعرض للاخرم فآخذ عنان فرسه ، قلت : يا أخرم ! أنذر بالقوم ، يعني احذرهم ، فإني لا آمن أن يقطعوك ، فائتد حتى يلحق رسول الله وأصحابه ، قال : يا سلمة ! إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر وتعلم أن الجنة حق والنار حق فلا تحل بيني وبين الشهادة ، قال : فخليت عنان فرسه فيلحق بعبد الرحمن بن عيينة ويعطف عليه عبد الرحمن ، فاختلفا طعنتين فعقر الاخرم بعبد الرحمن ، وطعنه عبد الرحمن فقتله ، وتحول عبد الرحمن على فرس الاخرم ، فيلحق أبو قتادة بعبد الرحمن واختلفا طعنتين فعقر بأبي قتادة ، وقتله أبو قتادة ، وتحول أبو قتادة على فرس الاخرم ، ثم إني خرجت أعدوا في أثر القوم حتى ما أرى من غبار صحابة النبي (ص) شيئا ، ويعرضون قبل غيبوبة الشمس إلى شعب فيه ماء يقال له : ذو قرد ، فأرادوا أن يشربوا منه فأبصروني أعدو وراءهم فعطفوا عنه وشدوا في الثنية ثنية بئر وغربت الشمس فألحق بهم رجلا فأرميه ، فقلت : خذها

(8/557)


وأنا ابن الاكوع * واليوم يوم الرضع فقال : يا ثكلتني أمي أكوعي بكرة ، قلت : نعم أي عدو نفسه ، وكان الذي رميته بكرة فاتبعته بسهم آخر فعلق فيه سهمان ، وتخلفوا فرسين ، فجئت بهما أسوقهما إلى رسول الله (ص) وهو على الماء الذي جليتهم عنه ذي قرد ، فإذا نبي الله (ص) في خمسمائة ، وإذا بلال قد نحر جزورا مما خلفت ، فهو يشوي لرسول الله (ص) من كبدها وسنامها ، فأتيت بلال قد نحر جزورا مما خلفت ، فهو يشوي لرسول الله (ص) من كبدها وسنامها ، فأتيت رسول الله (ص) فقلت : يا رسول الله ! خلني ، فانتخب من أصحابك مائة رجل ، فآخذ
على الكفار بالعشوة فلا يبقى منهم مخبر إلا قتلته ، قال : (أكنت فاعلا ذاك يا سلمة ؟) [ قلت ] ، نعم والذي أكرم وجهك ، فضحك رسول الله (ص) حتى رأيت نواجذه في ضوء النهار ، قال : ثم قال : يقرون الآن بأرض غطفان ، فجاء رجل من غطفان ، قال مروا على فلان الغطفاني ، فنحر لهم جزورا ، فلما أخذوا يكشطون جلدها رأوا غبرة فتركوا وخرجوا هرابا ، فلما أصبحنا قال رسول الله (ص) : (خير فرساننا اليوم أبو قتادة ، وخير رجالتنا سلمة) ، فأعطاني رسول الله (ص) سهم الفارس والراجل جميعا ، ثم أردفني وراءه على العضباء راجعين إلى المدينة ، فلما كان بيننا وبينها قريب من ضحوة ، وفي القوم رجل من الانصار ، كان لا يسبق فجعل ينادي : هل من مسابق ، ألا رجل يسابق ألى المدينة ، فعل ذلك مرارا ، وأنا وراء رسول الله (ص) مردفا ، قلت له : أما تكرم كريما ولا تهاب شريفا ؟ قال : لا إلا رسول الله (ص) ، قلت : يا رسول الله ! بأبي أنت وأمي خلني ، فلاسابق الرجل ، قال : إن شئت قلت : أذهب إليك ، فطفر عن راحلته وثنيت رجلي فطفرت عن الناقة ثم إني ربطت عليها شرفا أو شرفين ، يعني استبقيت نفسي ثم إني عدوت حتى ألحقه فأصك بين كتفيه بيدي ، فقلت سبقتك والله أو كلمة نحوها ، قال : فضحك وقال : أن أظن ، حتى قدمنا المدينة.
(2) حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن أبي بكر بن أبي الجهم بن صخير العدوي عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس قال : صلى رسول الله (ص) صلاة الخوف بذي قرد أرض من أرض بني سليم ، فصف الناس خلفه صفين : صف خلقه ، وصف موازي العدو ، فصلى بالصف الذي يليه ركعة ، ثم نهض هؤلاء إلى مصاف هؤلاء وهؤلاء إلى مصاف هؤلاء فصلى بهم ركعة.
(3) حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن الركين الفزاري عن القاسم بن حسان عن زيد بن ثابت أن رسول الله (ص) صلى صلاة الخوف - فذكر مثل حديث ابن عباس.

(8/558)


(39) ما حفظ أبو بكر في غزوة تبوك (1) حدثنا عبد الله بن المبارك عن معمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب عن أبيه قال : كان رسول الله (ص) إذا أراد غزوة ورى بغيرها حتى كان غزوة تبوك ، سافر رسول الله (ص) في حر شديد واستقبل سفرا بعيدا ، فجلى للمسلمين عن أمرهم وأخبرهم بذلك ليتأهبوا أهبة عدوهم وأخبرهم بالوجه الذي يريد.
(2) حدثنا عفان حدثنا وهيب حدثنا عمرو بن يحيى عن العباس بن سهل بن سعد الساعدي عن أبي حميد الساعدي قال : خرجنا مع رسول الله (ص) عام تبوك حتى جئنا وادي القرى ، وإذا امرأة في حديقة لها ، فقال رسول الله (ص) : إخرصوا ، قال : فخرص القوم ، وخرص رسول الله (ص) عشرة أوسق ، وقال للمرأة : إحصي ما يخرج منها حتى أرجع إليك إن شاء الله ، قال : فخرج رسول الله (ص) : حتى قدم تبوك ، فقال : إنها ستهب عليكم الليلة ريح شديدة ، فلا يقومن رجل فيها ، فمن كان له بعير فليوثق عقاله) ، قال : قال أبو حميد : فعقلناها ، فلما كان من الليل هبت ريح شديدة ، فقام فيها رجل فألقته في جبل طئ ثم جاء رسول الله (ص) إلى ملك أيلة ، فأهدى إلى رسول الله (ص) بغلة بيضاء ، فكساه رسول الله (ص) بردا ، وكتب له رسول الله (ص) ببحرهم ، قال : ثم أقبلو أقبلنا معه حتى جئنا وادي القرى ، فقال للمرأة : (كم حديقتك ؟) قالت عشرة أوسق ، خرص رسول الله (ص) ، قال رسول الله (ص) : (إني متعجل ، فمن أحب منكم أن يتعجل فليفعل) ، قال : فخرج رسول الله (ص) وخرجنا معه حتى إذا أوفى على المدينة قال : (هذه طابة) فلما رأى أحد قال : هذا جبل يحبنا ونحبه).
(3) حدثنا خالد بن مخلد حدثنا عبد الرحمن بن عبد العزيز الانصاري قال حدثني ابن شهاب قال : حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك قال حدثني عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه كعب قال : إن رسول الله (ص) لما هم ببني الاصفر أن يغزوهم جلى للناس أمرهم ، وكان قل ما أراد غزوة إلا ورى عنها بغيرها ، حتى كانت الغزوة ،
فاستقبل حرا شديدا وسفرا وعدوا جديدا ، فكشف للناس الوجه الذي يخرج بهم إليه
__________
(39 / 1) ورى بغيرها : كان إذا أراد الخروج إلى غزوة في مكان ما أظهر أنه يريد الخروج لمكان آخر لكيلا تصل الاخبار للعدو فيستعد لان الناس تتحدث بما تسمع وسوق المدينة يدخله الناس من كل الجزيرة العربية.
(*)

(8/559)


ليتأهبوا أهبة عدوهم ، فتجهز رسول الله (ص) وتجهز الناس معه ، وطفقت أغدو لاتجهز فأرجع ولم أقض شيئا ، حتى فرغ الناس وقيل : إن رسول الله (ص) غاد وخارج إلى وجهه ، فقلت : أتجهز بعده بيوم أو يومين ثم أدركهم ، وعندي راحلتان ، ما اجتمعت عندي راحلتان قط قبلهما ، فأنا قادر ، في نفسي قوي بعدتي ، فما زلت أغدو بعده وأرجع ولم أقض شيئا حتى أمعن القوم وأسرعوا ، وطفقت أغدو للحديث ، وشغلني الرحال ، فأجمعت القعود حتى سبقني القوم ، وطفقت أغدو فلا أرى [ إلاسى ] ، لا أرى إلا رجلا ممن عذر الله أو رجلا مغموصا عليه في النفاق ، فيحزنني ذلك ، فطفقت أعد العذر لرسول الله (ص) إذا جاء وأهئ الكلام ، وقدر رسول الله (ص) أن لا يذكرني حتى نزل تبوك ، فقال في الناس بتبوك وهو جالس : (ما فعل كعب بن مالك ؟) فقام إليه رجل من قومي فقال : شغله برداه والنظر في عطفيه ، قال : فتكلم رجل آخر فقال : والله يا رسول الله ! إن علمنا عليه إلا خيرا ، فصمت رسول الله (ص) ، فلما قيل : إن رسول الله (ص) قد أظل قادما زاح عني الباطل وما كنت أجمع من الكذب والعذر ، وعرفت أنه لن ينجيني منه إلا الصدق ، فأجمعت صدقه ، وصبح رسول الله (ص) المدينة فقدم ، فغدوت إليه فإذا هو في الناس جالس في المسجد وكان إذا قدم من سفر دخل المسجد فركع فيه ركعتين ، ثم دخل على أهله فوجدته جالسا في المسجد فلما نظر إلي دعاني فقال : (هلم يا كعب ما خلفك عني ؟ وتبسم تبسم المغضب قال : قلت : يا رسول الله ! لا عذر لي ، ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك ، وقد جاءه المتخلفون يحلفون فيقبل منهم ويستغفر لهم ويكل سرائرهم في ذلك إلى الله عزوجل ، فلما صدقته قال : أما هذا فقد صدق فقم
حتى يقضي الله فيك ما هو قاض) ، فقمت فقام إلى رجال من بني سلمة فقالوا : والله ما صنعت شيئا ، والله إن كان لكافيك من ذنبك الذي أذنبت استغفار رسول الله (ص) لك كما صنع ذلك لغيرك ، فقد قبل منهم عذرهم واستغفر لهم ، فما زالوا يلومونني حتى هممت أن أرجع فأكذب نفسي ، ثم قلت لهم : هل قال هذه المقالة أحد أو اعتذر بمثل ما اعتذرت به ؟ قالوا : نعم ، قلت : من ؟ قالوا : هلال بن أمية الواقفي وسرارة بن ربيعة العامري ، وذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا قد اعتذرا بمثل الذي اعتذرت به ، وقيل لهما مثل الذي قيل لي ، قال : ونهى رسول الله (ص) عن كلامنا فطفقنا نغدو في الناس ، لا يكلمنا أحد ولا يسلم علينا أحد ولا يرد علينا سلاما ، حتى إذا مضت أربعون
__________
(39 / 3) [ الاسي ] كذا في الاصل والارجح أنها إما [ نفسي ] أو [ لي أسوة ] أي من تشبه حاله حالي وهو الاصح عندنا هنا.
= = (1) لابن عم لي : ابنه عمه المذكور هو أو قتادة.
(2) ركض رجل إلي فرسا : أسرع إلي على فرسه.
(3) حصصت له : وهبته.
ابن أبي شيبة - ج 8 - م 36 (*)

(8/560)


ليلة جاءنا رسول الله (ص) أن اعتزلوا نساءكم ، فأما هلال بن أمية فجاءت امرأته إلى رسول الله (ص) فقالت له : إنه شيخ قد ضعف بصره ، فهل تكره أن أصنع له طعامه ؟ قال : (لا ، ولكن لا يقربنك ، قالت : إنه والله ما به حركة إلى شئ ، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يوم هذا ، قال : فقال لي بعض أهلي ، لو استأذنت رسول الله (ص) في امرأتك كما استأذنت امرأة هلال بن أمية ، فقد أذن لها أن تخدمه ، قال : فقلت : والله لا أستأذنه فيها ، وما أدري ما يقول رسول الله (ص) إن استأذنته ، وهو شيخ كبير وأنا رجل شاب ، فقلت لامرأتي : الحقي بأهلك حتى يقضي الله ما هو قاض ،
وطفقنا نمشي في الناس ولا يكلمنا أحد ولا يرد علينا سلاما ، قال : فأقبلت حتى تسورت جدارا لابن عم لي (1) في حائطه ، فسلمت فما حرك شفتيه يرد علي السلام ، فقلت : أنشدك بالله ! أتعلم أني أحب الله ورسوله ، فما كلمني كلمة ، ثم عدت فلم يكلمني حتى إذا كان في الثالثة أو الرابعة قال : الله ورسوله أعلم ، فخرجت فإني لامشي في السوق إذا الناس يشيرون إلي بأيديهم ، وإذا نبطي من نبط الشام يسأل عني ، فطفقوا يشيرون له إلي حتى جاءني فدفع إلي كتابا من بعض قومي بالشام أنه قد بلغنا ما صنع بك صاحبك وجفوته عنك فالحق بنا ، فإن الله لم يجعلك بدار هوان ولا دار مضيعة ، نواسك في أموالنا ، قال : قلت : إنا لله وإنا إليه راجعون ، قد طمع في أهل الكفر ، فيممت به تنورا فسجرته به ، فو الله إني لعلى تلك الحال التي قد ذكر الله ، قد ضاقت علينا الارض بما رحبت ، وضاقت علينا أنفسنا ، صاحبه خمسين ليلة من نهي عن كلامنا ، أنزلت التوبة على رسول الله (ص) ، ثم أذن رسول الله (ص) بتوبة الله علينا حين صلى الفجر ، فذهب الناس يبشروننا ، وركض رجل إلى فرسا (2) وسعى ساع من أسلم فأوفى على الجبل ، وكان الصوت أسرع من الفرس ، فنادى : يا كعب بن مالك ! أبشر ، فخررت ساجدا وعرفت أن قد جاء الفرج ، فلما جاءني الذي سمعت صوته حصصت (3) له ثوبين ببشراه ، ووالله ما أملك يومئذ ثوبين غيرهما ، واستعرت ثوبين ، فخرجت قبل رسول الله (ص) فلقيني الناس فوجا فوجا يهنئونني بتوبة الله علي حتى دخلت المسجد فقام إلي طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني ، ما قام إلي من المهاجرين غيره ، فكان كعب لا ينساها لطلحة ، ثم أقبلت حتى وقفت على رسول الله (ص) كأن وجهه قطعة قمر ، كان إذا سر استنار وجهه كذلك ، فناداني : هلم يا

(8/561)


كعب ! أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك ، قال : فقلت : أمن عند الله أم من عندك ؟ قال : لا ، بل من عند الله ، إنكم صدقتم الله فصدقكم ، قال : فقلت : إن من توبتي اليوم أن أخرج من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله ، قال رسول الله (ص) : أمسك
عليك بعضى مالك ، قلت : أمسك سهمي بخيبر ، قال كعب : فو الله ما أبلى الله رجلا في صدق الحديث ما أبلاني.
(4) حدثنا غنذر عن شعبة عن الحكم عن مصعب بن سعد عن سعد قال : لما خرج رسول الله (ص) في غزوة تبوك خلف عليا في النساء والصبيان ، فقال : يا رسول الله ! تخلفني في النساء والصبيان ، فقال : (أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي).
(5) حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا سعيد بن أبي عروبة عن موسى عن الحسن أن عثمان أتى رسول الله (ص) بدنانير في غزوة تبوك ، فجعل رسول الله (ص) يقلبها في حجره ويقول : (ما على عثمان بن عفان ما عمل بعد هذا).
(6) حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا حميد عن أنس أن رسول الله (ص) لما رجع من غزوة تبوك ودنا من المدينة قال : (إن بالمدينة لاقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم من واد إلا كانوا معكم فيه ، قالوا : يا رسول الله : وهم بالمدينة ، قال : نعم حبسهم العذر).
(7) حدثنا هشيم أخبرنا داود بن عمرو عن بشر بن عبيد الله الحضرمي عن أبي إدريس الخولاني حدثنا عوف بن مالك الاشجعي أن رسول الله (ص) أمر بالمسح على الخفين في غزوة تبوك ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويوما وليلة للمقيم.
(8) حدثنا جعفر بن عون أخبرنا المسعودي عن إسماعيل بن أوسط عن محمد بن أبي كبشة الانماري عن أبيه قال : لما كان في غزوة تبوك سارع ناس إلى أصحاب الحجر ، فدخلوا عليهم ، فبلغ ذلك رسول الله (ص) ، فأمر فنودي ، إن الصلاة جامعة ، قال : فأتيته وهو ممسك ببعيره وهو يقول : (علام تدخلون على قوم غضب الله عليهم ؟) قال : فناداه رجل تعجبا منهم : يا رسول الله ، فقال رسول الله (ص) : (أفلا أنبئكم بما هو أعجب من ذلك ؟ رجل من أنفسكم يحدثكم بما كان قبلكم وبما يكون بعدكم ، استقيموا
__________
(39 / 6) العذر : أي العذر القاهر كالمرض والشيخوخة ، أو عدم امتلاك الظهر أي دابة الركوب.
(39 / 8) أصحاب الحجر هم قبيلة ثمود قوم صالح عليه السلام سكنوا الحجر بين الحجاز وتبوك.
(*)

(8/562)


وسددوا ، فإن الله لا يعبأ بعذابكم شيئا وسيأتي الله بقوم لا يدفعون عن أنفسهم بشئ).
(40) حديث عبد الله بن أبي حدرد الاسملي (1) حدثنا أبو خالد الاحمر عن ابن إسحاق عن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد الاسلمي عن أبيه عبد الله بن أبي حدرد قال : بعثنا رسول الله (ص) في سرية إلى [ إن ] أضم ، قال : فلقينا عامر بن الاضبط ، قال : فحيا بتحية الاسلام ، فنزعنا عنه ، وحمل عليه محلم بن جثامة فقتله ، فلما قتله سلبه بعيرا له ومتيعا كان له ، فلما قدمنا جئنا بشأنه إلى رسول الله (ص) فأخبرناه بأمره فنزلت هذه الآية * (يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا) * الآية ، قال ابن إسحاق : فأخبرني محمد بن جعفر عن زيد بن ضميرة قال : حدثني أبي وعمي وكانا شهدا حنينا مع رسول الله (ص) قالا : صلى رسول الله (ص) الظهر ، ثم جلس تحت شجرة ، فقام إليه الاقرع بن حابس وهو سيد خندف ، يرد عن أم محلم ، وقام عيينة بن حصن يطلب بدم عامر بن الاضبط القيسي وكان أشجعيا ، قال : فسمعت عيينة بن حصن يقول : لاذيقن نساءه من الحزن مثل ما أذاق نسائي ، فقال النبي (ص) : (تقبلون الدية ؟ فأبوا ، فقام رجل من بني ليث يقال : له مكتيل فقال : والله يا رسول الله ! ما شبهت هذا القتيل في عزة الاسلام إلا كغنم وردت فرميت فنفر آخرها ، أسير اليوم وعير غدا ، قال : فقال النبي (ص) بيديه : لكم خمسون في سفرنا هذا ، وخمسون إذا رجعنا) ، قال : فقبلوا الدية ، قال : فقالوا : ائتوا بصاحبكم يستغفر له رسول الله (ص) ، قال : فجئ به فوصلت حليته وعليه حلة قد تهيأ فيها للقتل حتى أجلس بين يدي النبي (ص) فقال : (ما أسمك ؟ قال : محلم بن جثامة ، فقال النبي (ص) بيديه ووصف أنه رفعهما ، اللهم لا تغفر لمحلم بن
جثامة) ، قال : فتحدثنا بيننا أنه إنما أظهر هذا ، وقد استغفر له في السر ، قال ابن إسحاق : فأخبرني عمرو بن عبيد عن الحسن قال : قال له رسول الله (ص) : (أمنته بالله ثم قتلته) ، فو الله ما مكث إلا سبعا حتى مات محلم ، قال : فسمعت الحسن يحلف بالله : لدفن ثلاث مرات كل ذلك تلفظه الارض ، قال : فجعلوه بين سدي جبل ورصوا عليه من الحجارة ، فأكلته السباع فذكروا أمره لرسول الله (ص) فقال : (أما والله ! إن الارض لتطبق على من هو شر منه ، ولكن الله أراد أن يخبركم بحرمتكم فيما بينكم).
__________
(40 / 1) سورة النساء الآية (94).
(*)

(8/563)


(41) ما ذكروا في أهل نجران وما أراد النبي (ص) (1) حدثنا جرير عن مغيرة عن الشعبي قال : لما أراد رسول الله (ص) أن يلاعن أهل نجران قبلوا الجزية أن يعطوها ، فقال رسول الله (ص) : (لقد أتاني البشير بهلكة أهل نجران لو تموا على الملاعنة حتى الطير على الشجر أو العصفور على الشجر) ، ولما غدا إليهم رسول الله (ص) أخذ بيد حسن وحسين ، وكانت فاطمة تمشي خلفه.
(2) حدثنا عفان حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثنا مجالد بن سعيد عن الشعبي قال : كتب رسول الله (ص) إلى أهل نجران وهم نصارى (أن من بايع منكم بالربا فلا ذمة له).
(3) حدثنا أبو خالد الاحمر عن يحيى بن سعيد أن عمر أجلى أهل نجران اليهود والنصارى ، واشترى بياض أرضهم وكرومهم ، فعامل عمر الناس إن هم جاءوا بالبقر والحديد من عندهم فلهم الثلثان ولعمر الثلث ، وإن جاء عمر بالبذر من عنده فله الشطر ، وعاملهم النخل على أن لهم الخمس ولعمر أربعة أخماس ، وعاملهم الكرم على أن لهم الثلث ولعمر الثلثان.
(4) حدثنا وكيع حدثنا الاعمش عن سالم قال : كان أهل نجران قد بلغوا أربعين ألفا ، قال : وكان عمر يخافهم أن يميلوا على المسلمين فتحاسدوا بينهم ، قال : فأتوا عمر ، فقالوا : إنا قد تحاسدنا بيننا فأجلنا ، قال : وكان رسول الله (ص) قد كتب لهم كتابا أن لا يجلوا ، قال : فاغتنمها عمر فأجلاهم ، فندموا فأتوه فقالوا أقلنا ، فأبى أن يقيلهم ، فلما قدم علي أتوه فقالوا : إنا نسألك بخط يمينك وشفاعتك عند نبيك ألا أقلتنا ، فأبى وقال : ويحكم ، إن عمر كان رشيد الامر ، قال سالم : فكانوا يرون أن عليا لو كان طاعنا على عمر في شئ من أمره طعن عليه في أهل نجران.
__________
(41 / 3) لعمر أي لبيت مال المسلمين وإنما قيل لعمر لانه كان هو القائم بأمر المسلمين في ذلك لانه أمير المؤمنين وخليفة خليفة رسول الله (ص).
(41 / 4) أجلنا : أخرجنا من أرضنا إلى بلاد أخرى.
(*)

(8/564)


(5) حدثنا عبد الرحيم بن سليمان عن زكريا عن أبي إسحاق عن صلة بن زفر عن حذيفة قال : أتى النبي (ص) اسقفا نجران العاقب والسيد فقالا : ابعث معنا رجلا أمينا حق أمين حق أمين ، فقال : (لابعثن معكم رجلا حق أمين ، فأستشرف لها أصحاب محمد ، قال قم يا أبا عبيدة بن الجراح) ، فأرسله معهم.
(6) حدثنا ابن إدريس عن أبيه عن سماك عن علقمة بن وائل عن المغيرة بن شعبة قال : بعثني رسول الله (ص) إلى نجران فقالوا لي : إنكم تقرأون * (يا أخت هارون) * وبين موسى وعيسى ما شاء الله من السنين ؟ فلم أدر ما أجيبهم به ، حتى رجعت إلى النبي (ص) فسألته فقال : (ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين من قبلهم).
(7) حدنثا معمر عن أبيه عن قتادة قال : قال رسول الله (ص) لاسقف نجران : (يا أبا الحارث ! أسلم ، فقال : إني مسلم ، قال : يا أبا الحارث ! أسلم ، قال : قد أسلمت قبلك ، قال نبي الله (ص) : كذبت ، منعك من الاسلام ثلاثة : ادعاؤك لله ولدا ، وأكلك الخنزير ، وشربك الخمر).
(42) ما جاء في وفاة النبي (ص) (1) حدثنا ابن فضيل عن أبيه عن نافع عن ابن عمر قال : لما قبض رسول الله (ص) كان أبو بكر في ناحية المدينة ، فجاء فدخل على رسول الله (ص) وهو مسجى ، فوضع فاه على جبين رسول الله (ص) فجعل يقبله ويبكي ويقول : بأبي وأمي طبت حيا وطبت ميتا ، فلما خرج مر بعمر بن الخطاب وهو يقول : ما مات رسول الله (ص) ولا يموت حتى يقتل الله المنافقين ، قال : وكانوا قد استبشروا بموت رسول الله (ص) ، فرفعوا رؤوسهم ، فقال : أيها الرجل ! اربع على نفسك ، فإن رسول الله قد مات ، ألم تسمع الله يقول : (إنك ميت وإنهم ميتون) * وقال * (وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون) * قال : ثم أتى المنبر فصعده فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس ! إن كان محمد إلهكم الذي تعبدون فإن إلهكم قد مات ، وإن كان إلهكم الذي في السماء فإن إلهكم لم يمت ، ثم تلا
__________
(41 / 5) وقد سمي (ص) أبا عبيدة رضي الله عنه أمين الامة.
(41 / 6) سورة مريم الآية (28).
(42 / 1) * (إنك ميت وإنهم ميتون) * سورة الزمر الآية (30).
* (وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد) * سورة الانبياء الآية (34).
= * (وما محمد إلا رسول) * سورة آل عمران من الآية (144).
(*)

(8/565)


* (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم) * حتى ختم الآية ، ثم نزل وقد استبشر المسلمون بذلك واشتد فرحهم ، وأخذت المنافقين الكآبة قال عبد الله بن عمر : فو الذي نفسي بيده لكأنما كانت على وجوهنا أغطية فكشفت.
(2) حدثنا عيسى بن يونس عن ابن جريح عن أبيه أنهم شكوا في قبر النبي (ص) أين يدفنونه ؟ فقال أبو بكر : سمعت النبي (ص) يقول : (إن النبي لا يحول عن مكانه ،
يدفن حيث يموت) فنحوا فراشه فحفروا له موضع فراشه.
(3) حدثنا ابن إدريس عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير قال : كنت باليمن فلقيت رجلين من أهل اليمن ذا كلاع وذا عمرو ، فجعلت أحدثهما عن رسول الله (ص) فقالا.
إن كان حقا ما تقول فقد مر صاحبك على أجله منذ ثلاث ، فأقبلت وأقبلا معي حتى إذا كنا في بعض الطريق وقع لنا ركب من قبل المدينة ، فسألناهم فقالوا : قبض رسول الله (ص) واستخلف أبو بكر والناس صالحون ، قال : فقالا لي : أخبر صاحبك أنا قد جئنا ، ولعلنا سنعود إن شاء الله ، ورجعا إلى اليمن ، قال : فأخبرت أبا بكر بحديثهم ، قال : أفلا جئت بهم ! قال : فلما كان بعد قال لي ذو عمرو : يا جرير ! إن بك علي كرامة ، وإني مخبرك خبرا ، إنكم معشر العرب لن تزالوا بخير ما كنتم إذا هلك أمير تأمرتم في آخر فإذا كانت بالسيف كانوا ملوكا يغضبون غضب الملوك ويرضون رضي الملوك.
(4) حدثنا جعفر بن عون عن ابن جريج عن عطاء ، قال : بلغنا أن رسول الله (ص) حين مات ، قال : أقبل الناس يدخلون فيصلون عليه ثم يخرجون ويدخل آخرون كذلك ، قال : قلت لعطاء : يصلون ويدعون ؟ قال : يصلون ويستغفرون.
(5) حدثنا حفص عن جعفر عن أبيه قال : لم يؤم على النبي (ص) إمام ، وكانوا يدخلون أفواجا يصلون ويخرجون.
(6) حدثنا أبو أسامة عن سفيان عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال : لما قبض النبي (ص) جعلت أم أيمن تبكي ، فقيل لها : لم تبكين يا أم أيمن ؟ قالت : أبكي على خبر السماء انقطع عنا.
__________
(42 / 6) لان الوحي انقطع بوفاة الرسول (ص).
(*)

(8/566)


(7) حدثنا أبو أسامة عن سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس قال : لما قبض النبي (ص) قال أبو بكر لعمر أو عمر لابي بكر : انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها ، فانطلقا إليها فجعلت تبكي ، فقالا لها : يا أم أيمن ! إن ما عند الله خير لرسول الله (ص) فقالت : قد
علمت أن ما عند الله خير لرسول الله (ص) ، ولكني أبكي على خبر السماء ، انقطع عنا ، فهيجتهما على البكاء ، فجعلا يبكيان معها.
(8) حدثنا حفص عن جعفر عن أبيه قال : خرجت صفية وقد قبض النبي (ص) وهي تلمع بثوبها - يعني تشير به - وهي تقول : قد كان بعدك أنباء وهنبثة * لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب (9) حدثنا عبد الاعلى عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب أن الذي ولي دفن رسول الله (ص) وإجنانه أربعة نفر دون الناس : علي وعباس والفضل وصالح مولى النبي (ص) ، فلحدوا له ونصبوا عليه اللبن نصبا.
(10) حدثنا وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد عن عامر قال : دخل قبر النبي (ص) علي والفضل وأسامة ، قال الشعبي : وحدثني مرحب - أو ابن أبي مرحب - أن عبد الرحمن بن عوف دخل معهم القبر.
(11) حدثنا ابن إدريس عن إسماعيل عن الشعبي قال : غسل النبي (ص) علي والفضل وأسامة ، قال : وحدثني ابن أبي مرحب أن عبد الرحمن بن عوف دخل معهم القبر ، قال : وقال الشعبي : من يلي الميت إلا أهله ، وفي حديث ابن إدريس عن أبي خالد : وجعل علي يقول : بأبي وأمي طبت حيا وميتا.
(12) حدثنا ابن إدريس عن ابن جريح عن محمد بن علي قال : غسل النبي (ص) في قميص ، فولي علي سفلته ، والفضل محتضنه ، والعباس يصب الماء ، قال : والفضل يقول : أرحني قطعت وتيني ، إني لاجد شيئا ينزل علي ، قال : وغسل من بئر سعد بن خيثمة بقباء وهي البئر التي يقال لها : بئر أريس ، قال : وقد والله شربت منها واغتسلت.
(13) حدثنا عبد الاعلى وابن مبارك عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب أن عليا التمس من النبي كرمه الله ما يلتمس من الميت ، فلم يجد شيئا فقال : بأبي وأمي طبت حيا وطبت ميتا.
__________
(42 / 12) سفلته : أي من فخذيه إلى قدميه.
محتضنه : أي جذعه.
(*)

(8/567)


(14) حدثنا يحيى بن سعيد عن جعفر عن أبيه قال : لما أرادوا أن يغسلوا النبي (ص) كان عليه قميص ، فأرادوا أن ينزعوه ، فسمعوا نداء من البيت أن لا تنزعوا القميص.
(15) حدثنا يحيى بن سعيد عن سفيان عن موسى بن أبي عائشة عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عائشة وابن عباس أن أبا بكر قبل النبي (ص) بعد ما مات.
(16) حدثنا عبد العزيز بن أبان بن عثمان عن معمر عن الزهري عن أنس قال : لما قبض رسول الله (ص) بكى الناس ، فقام عمر في المسجد خطيبا ، فقال : لا أسمع أحدا يزعم أن محمدا قد مات ، ولكن أرسل إليه ربه كما أرسل إلى موسى ربه ، فقد أرسل الله إلى موسى فلبث عن قومه أربعين ليلة ، والله إني لارجو أن تقطع أيدي رجال وأرجلهم يزعمون أنه مات.
(17) حدثنا حاتم بن إسماعيل عن أنيس بن أبي يحيى عن أبيه عن أبي سعيد الخدري قال : خرج علينا رسول الله (ص) يوما ونحن في المسجد وهو عاصب رأسه بخرقة في المرض الذي مات فيه ، فأهوى قبل المنبر حتى استوى عليه فاتبعناه ، فقال : (والذي نفسي بيده ! إني لقائم على الحوض الساعة ، وقال : إن عبدا عرضت عليه الدنيا وزينتها فاختار الآخرة) فلم يفطن بها أحد إلا أبو بكر ، فذرفت عيناه فبكى وقال : بأبي أنت وأمي ، بل نفديك بآبائنا وأمهاتنا وأنفسنا وأموالنا ، قال : ثم هبط فما قام عليه حتى الساعة - (ص).
(18) حدثنا حاتم عن جعفر عن أبيه قال : لما ثقل النبي (ص) قال : أين أكون عدا ؟ قالوا : عند فلانة ، قال : أين أكون بعد غد ؟) قالوا : عند فلانة ، فعدفن أزواجه أنه إنما يريد عائشة ، فقلن : يا رسول الله ! قد وهبنا أيامنا لاختنا عائشة.
(19) حدثنا حسين بن علي عن زائدة عن موسى بن أبي عائشة قال : حدثني عبيد الله ابن عبد الله بن عتبة قال : أتيت عائشة فقلت : حدثيني عن مرض رسول الله (ص) ، قالت : نعم ، مرض رسول الله (ص) فثقل فأغمي عليه فأفاق ، فقال : ضعوا لي ماء في المخضب) ، ففعلنا ، قالت : فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمي عليه ثم أفاق فقال : (ضعوا لي
ماء في المخضب) ، ففعلنا ، قالت : فاغتسل ، فذهب لينوء فأغمي عليه ، قالت : ثم أفاق
__________
(42 / 17) هبط فما قام عليه حتى الساعة : أي نزل عن المنبر فلم يصعده مرة ثانية إذ مرض مرض وفاته.
(42 / 19) المخضب : وعاء واسع يجلس فيه من يريد الاغتسال وسمي كذلك لانه كان أصلا لاستعمال النساء إذا أردن الخضاب.
= = الناس عكوف : أي قد جلسوا في المسجد ولم يغادروه.
وجد خفة من نفسه : أحس نفسه نشطا.
(*)

(8/568)


فقال : (ضعوا لي ماء في المخضب) ، قالت : قلت : قد فعلنا ، قالت : فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمي عليه ثم أفاق ، فقال : (أصلى الناس بعد ؟) فقلنا : لا يا رسول الله ! هم ينتظرونك ، قالت : والناس عكوف ينتظرون رسول الله (ص) ليصلي بهم عشاء الآخرة ، قالت : فاغتسل رسول الله (ص) ثم ذهب لينوء فاغمى عليه ثم أفاق فقال : (أصلي الناس بعد ؟) قلت : لا ، فأرسل رسول الله (ص) إلى أبي بكر أن يصلي بالناس ، قالت : فأتاه الرسول فقال : إن رسول الله (ص) يأمرك أن تصلي بالناس ، فقال : يا عمر ! صل بالناس ، فقال : أنت أحق ، إنما أرسل إليك رسول الله (ص) ، قالت : فصلى بهم أبو بكر تلك الايام ، ثم إن رسول الله (ص) ، وجد خفة من نفسه ، فخرج لصلاة الظهر بين العباس ورجل آخر ، فقال لهما : أجلساني عن يمينه) ، فلما سمع أبو بكر حسه ذهب يتأخر ، فأمره أن يثبت مكانه ، قالت : فأجلساه عن يمينه ، فكان أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله (ص) وهو جالس ، والناس يصلون بصلاة أبي بكر ، قال : فأتيت ابن عباس فقلت : ألا أعرض عليك ما حدثتني عائشة ؟ قالت : هات ، فعرضت عليه هذا فلم ينكر منه شيئا إلا أنه قال : أخبرتك من الرجل الآخر ؟ قال : قلت : لا ، فقال : هو علي رحمه الله.
(20) حدثنا عفان حدثنا وهيب حدثنا داود عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال : لما توفي رسول الله (ص) قام خطباء الانصار ، فجعل الرجل منهم يقول : يا معشر المهاجرين !
إن رسول الله (ص) كان إذا استعمل رجلا منكم قرن معه رجلا منا ، فنرى أن يلي هذا الامر رجلان أحدهما منكم والآخر منا ، قال : فتتابعت خطباء الانصار على ذلك ، فقام زيد بن ثابت فقال : إن رسول الله (ص) كان من المهاجرين وإن الامام إنما يكون من المهاجرين ونحن أنصاره كما كنا أنصار رسول الله ، فقام أبو بكر فقال : جزاكم الله خيرا يا معشر الانصار ! وثبت قائلكم ، ثم قال : والله لو فعلتم غير ذلك لما صالحتكم.
(21) حدثنا خالد بن مخلد حدثنا سليمان بن بلال قال حدثني عبد الرحمن بن حرملة قال : سمعت سعيد بن المسيب قال : لما توفي رسول الله (ص) وضع على سريره ، فكان الناس يدخلون زمرا زمرا يصلون عليه ويخرجون ولم يؤمهم أحد ، وتوفي يوم الاثنين ، ودفن يوم الثلاثاء - (ص).

(8/569)


(43) ما جاء في خلافة أبي بكر وسيرته في الردة (1) حدثنا غندر عن شعبة عن سعد بن إبراهيم قال : سمعت عبيد الله بن عبد الله بن عتبة يحدث عن ابن عباس عن عبد الرحمن بن عوف قال : حج عمر فأراد أن يخطب الناس خطبة ، فقال عبد الرحمن بن عوف : إنه قد اجتمع عندك رعاع الناس وسفلتهم ، فأخر ذلك حتى تأتي المدينة ، قال : فلما قدمت المدينة دنوت قريبا من المنبر ، فسمعته يقول : إني قد عرفت أن أناسا يقولون : إن خلافة أبي بكر فلتة ، وإنما كانت فلتة ولكن الله وقى شرها ، إنه لا خلافة إلا عن مشورة.
(2) حدثنا عبد الاعلى عن ابن إسحاق عن عبد الملك بن أبي بكر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس قال : كنت أختلف إلى عبد الرحمن بن عوف ونحن بمنى مع عمر بن الخطاب ، أعلم عبد الرحمن بن عوف القرآن ، فأتيته في المنزل فلم أجده فقيل : هو عند أمير المؤمنين ، فانتظرته حتى جاء فقال لي : قد غضب هذا اليوم غضبا ما رأيته غضب مثله منذ كان ، قال : قلت لم ذلك ؟ قال : بلغه أن رجلين من
الانصار ذكرا بيعة أبي بكر فقالا : والله ما كانت إلا فلتة ، فما يمنع امرءا إن هلك هذا أن يقوم إلى من يحب فيضرب على يده فتكون كما كانت ، قال : فهم عمر أن يكلم الناس ، قال : فقلت : لا تفعل يا أمير المؤمنين ، فإنك ببلد قد اجتمعت إليه أفناء العرب كلها ، وإنك إن قلت مقالة حملت عنك وانتشرت في الارض كلها ، فلم تدر ما يكون في ذلك ، وإنما يعينك من قد عرفت أنه سيصير إلى المدينة ، فلما قدمنا المدينة رحت مهجرا حتى أخذت عضادة المنبر اليمنى ، وراح إلى سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل حتى جلس معي ، فقلت : ليقولن هذا اليوم مقالة ما قالها منذ استخلف ، قال : وما عسى أن يقول ، قلت : ستسمع ذلك ، قال : فلما اجتمع الناس خرج عمر حتى جلس على المنبر ثم حمد الله وأثنى عليه ثم ذكر رسول الله (ص) فصلى عليه ثم قال : إن الله أبقى رسوله بين أظهرنا ينزل عليه الوحي من الله يحل به ويحرم ، ثم قبض الله رسوله فرفع منه ما شاء أن يرفع ، وأبقى منه ما شاء أن يبقي ، فتشبثنا ببعض ، وفاتنا بعض ، فكان مما كنا نقرأ من القرآن (لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم) ونزلت آية الرجم ، فرجم النبي (ص) ورجمنا معه ، والذي نفس محمد بيده ! لقد حفظتها وعلمتها وعقلتها لولا أن يقال : كتب عمر في المصحف ما ليس فيه ، لكتبتها بيدي كتابا ، والرجم على ثلاثة منازل : حمل بين ، أو اعتراف من صاحبه ، أو شهود عدل ، كما أمر الله ، وقد بلغني أن رجالا يقولون في

(8/570)


خلافة أبي بكر أنها كانت فلتة ولعمري إن كانت كذلك ، ولكن الله أعطى خيرها ووقى شرها ، وإياكم هذا الذي تنقطع إليه الاعناق كانقطاعها إلى أبي بكر ، أنه كان من شأن الناس أن رسول الله (ص) توفي فأتينا فقيل لنا : إن الانصار قد اجتمعت في سقيفة بني ساعدة مع سعد بن عبادة يبايعونه ، فقمت وقام أبو بكر وأبو عبيدة بن الجراح نحوهم فزعين أن يحدثوا في الاسلام فتقا ، فلقينا رجلان من الانصار رجل صدق عويم بن ساعدة ومعن بن عدي ، فقالا : أين تريدون ؟ فقلنا : قومكم لما بلغنا من أمرهم ، فقالا : ارجعوا
فإنكم لن تخالفوا ، ولن يؤت شئ تكرهونه ، فأبينا إلا أن نمضى ، وأنا أزوي كلاما أريد أن أتكلم به ، حتى انتهينا إلى القوم وإذا هم عكوف هنالك على سعد بن عبادة وهو على سرير له مريض ، فلما غشيناهم تكلموا فقالوا : يا معشر قريش ! منا أمير ومنكم أمير ، فقام الحباب بن المنذر فقال : أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب ، إن شئتم والله رددناها جذعة ، فقال أبو بكر على رسلكم ، فذهبت لاتكلم فقال : أنصت يا عمر ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : يا معشر الانصار ! إنا والله ما ننكر فضلكم ولا بلاءكم في الاسلام ولا حقكم الواجب علينا ، ولكنكم قد عرفتم أن هذا الحي من قريش بمنزلة من العرب ليس بها غيرهم ، وأن العرب لن تجتمع إلا على رجل منهم ، فنحن الامراء وأنتم الوزراء ، فاتقوا الله ولا تصدعوا الاسلام ، ولا تكونوا أول من أحدث في الاسلام ، ألا وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين لي ولابي عبيدة بن الجراح ، فأيهما بايعتم فهو لكم ثقة ، قال : فو الله ما بقي شئ كنت أحب أن أقوله إلا وقد قاله يومئذ غير هذه الكلمة ، فو الله لان أقتل ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا في غير معصية أحب إلي من أن أكون أميرا على قوم فيهم أبو بكر ، قال : ثم قلت : يا معشر الانصار ! يا معشر المسلمين ! إن أولى الناس بأمر رسول الله (ص) من بعده ثاني إثنين إذ هما في الغار أبو بكر السباق المبين ، ثم أخذت بيده وبادرني رجل
__________
(43 / 2) الجذيل : تصغير جذل وهو عود من الحطب في جدك الابل تحتك به فتستريح.
العذيق ، تصغير عذق النخلة ، والمرجب من الترجيب وهو بناء يساعده لكثرة الحمل فلا ينكسر العذق.
وقد روي هذا الحديث في سيرة ابن هشام عن ابن إسحاق أن عبد الله بن أبي بكر ثني عن ابن شهاب الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عبد الله بن عباس بنفس السياق الموجود هنا مع اختلاف بعض الالفاظ ولا خلاف في المعنى ، ولم يذكر عويم بن ساعدة ومعن بن عدي بالاسم إلا أنه ذكرهما فموضع آخر : قال ابن إسحاق : قال الزهري : أخبرني عروة بن الزبير أن أحد الرجلين لقوا من الانصار حين ذهبوا إلى السقيفة عويم بن ساعدة والآخر معن بن
عدي أخو بني عجلان.
(*)

(8/571)


من الانصار فضرب على يده قبل أن أضرب على يده ثم ضربت على يده وتتابع الناس ، وميل على سعد بن عبادة فقال الناس : قتل سعد ، فقلت : اقتلوه قتله الله ، ثم انصرفنا وقد جمع الله أمر المسلمين بأبي بكر فكانت لعمر الله كما قتلتم ، أعطى الله خيرها ووقى شرها ، فمن دعا إلى مثلها فهو للذي لا بيعة له ولا لمن بايعه.
(3) حدثنا حسين بن علي عن زائدة عن عاصم عن زر عن عبد الله قال : لما قبض رسول الله (ص) قالت الانصار : منا أمير ومنكم أمير ، قال : فأتاهم عمر فقال : يا معاشر الانصار ! ألستم تعلمون أن رسول الله (ص) أمر أبا بكر أن يصلي بالناس ؟ قالوا : بلى ، قال : فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر ، فقالوا : نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر.
(4) حدثنا محمد بن بشر نا عبيد الله بن عمر حدثنا زيد بن أسلم عن أبيه أسلم أنه حين بويع لابي بكر بعد رسول الله (ص) كان علي والزبير يدخلان على فاطمة بنت رسول الله (ص) فيشاورونها ويرتجعون في أمرهم ، فلما بلغ ذلك عمر بن الخطاب خرج حتى دخل على فاطمة فقال : يا بنت رسول الله (ص) ! والله ما من أحد أحب إلينا من أبيك ، وما من أحد أحب إلينا بعد أبيك منك ، وأيم الله ما ذاك بمانعي إن اجتمع هؤلاء النفر عندك ، إن أمرتهم أن يحرق عليهم البيت ، قال : فلما خرج عمر جاءوها فقالت : تعلمون أن عمر قد جاءني وقد حلف بالله لئن عدتم ليحرقن عليكم البيت وأيم الله ليمضين لما حلف عليه ، فانصرفوا راشدين ، فروا رأيكم ولا ترجعوا إلي ، فانصرفوا عنها فلم يرجعوا إليها حتى بايعوا لابي بكر.
(5) حدثنا ابن نمير عن هشام بن عروة عن أبيه أن أبا بكر وعمر لم يشهدا دفن النبي (ص) ، كانا في الانصار فدفن قبل أن يرجعا.
(6) حدثنا ابن إدريس عن ابن عجلان عن زيد بن أسلم عن أبيه قال : دخل عمر
على أبي بكر وهو آخذ بلسانه ينضنضه ، فقال له عمر : الله الله يا خليفة رسول الله ! وهو يقول : هاه إن هذا أوردني الموارد.
(7) حدثنا وكيع عن نافع بن عمر عن ابن أبي مليكة قال : قال رجل لابي بكر : يا خليفة الله ، قال : لست بخليفة الله ، ولكني خليفة رسول الله ، أنا راض بذلك.
(8) حدثنا وكيع عن سفيان عن عبد الملك بن عمير عن مولى لربعني بن حراش عن ربعي عن حذيفة قال : كنا جلوسا عند النبي (ص) فقال : (إني لا أدري ما قدر بقائي

(8/572)


فيكم ، فاقتدوا باللذين من بعدي ، وأشار إلى أبي بكر وعمر ، واهتدوا بهدي عمار وما حدثكم ابن مسعود من شئ فصدقوه).
(9) حدثنا وكيع عن سالم المرادي أبي العلاء عن عمرو بن هرم عن ربعي بن حراش وأبي عبد الله رجل من أصحاب حذيفة عن حذيفة قال : كنا جلوسا عند النبي (ص) - فذكر مثل حديث عبد الملك بن عمير إلا أنه قال : (تمسكوا بعهد ابن أم عبد).
(10) حدثنا أبو أسامة عن ابن عون عن محمد عن رجل من بني زريق قال : لما كان ذلك اليوم خرج أبو بكر وعمر حتى أتيا الانصار ، فقال أبو بكر : يا معشر الانصار ! إنا لا ننكر حقكم ولا ينكر حقكم مؤمن ، وإنا والله ما أصبنا خيرا إلا ما شاركتمونا فيه ، ولكن لا ترضى العرب ولا تقر إلا على رجل من قريش لانهم أفصح الناس ألسنة ، وأحسن الناس وجوها ، وأوسط العرب دارا ، وأكثر الناس [ سجية ] في العرب ، فهلموا إلى عمر فبايعوه ، قال : فقالوا : لا ، فقال عمر : لم ؟ فقالوا : نخاف الاثرة ، قال عمر : أما ما عشت فلا ، قال : فبايعوا أبا بكر ، فقال أبو بكر لعمر : أنت أقوى مني ، فقال عمر : أنت أفضل مني ، فقالاها الثانية ، فلما كانت الثالثة قال له عمر : إن قوتي لك مع فضلك ، قال : فبايعوا أبا بكر ، قال محمد : وأتي الناس عند بيعة أبي بكر أبا عبيدة بن الجراح فقال : أتأتوني وفيكم ثالث ثلاثة - يعني أبا بكر قال ابن عون : فقلت لمحمد : من ثالث ثلاثة
قال : قول الله * (ثاني اثنين إذ هما في الغار) *.
(11) حدثنا جعفر بن عون عن أبي العنبس عن ابن أبي مليكة قال : سمعت عائشة وسئلت : يا أم المؤمنين من كان رسول الله (ص) يستخلف أو استخلف ؟ قالت : أبو بكر قال : ثم قيل لها : ثم من ؟ قالت : ثم عمر ، قيل : من بعد عمر ؟ قالت : أبو عبيدة بن الجراح.
(12) حدثنا ابن نمير عن عبد الملك بن سبع عن عبد خير قال : سمعت عليا يقول : قبض رسول الله (ص) على خير ما قبض عليه نبي من الانبياء ، قال : ثم استخلف أبو بكر فعمل بعمل رسول الله (ص) وبسنته ، ثم قبض أبو بكر على خير ما قبض عليه أحد ،
__________
(43 / 10) [ سجية ] وفي نسخة شجنة.
والسجية : الكرامة والمكانة ، والشجنة : العلائق والارحام وكلا المعنيين ممكن ههنا.
* (ثاني اثنين إذ هما في الغار) * سورة التوبة من الآية (40).
(*)

(8/573)


وكان خير هذه الامة بعد نبيها ، ثم استخلف عمر فعمل بعملها وسنتهما ثم قبض على خير ما قبض عليه أحد ، وكان خير هذه الامة بعد نبيها وبعد أبي بكر.
(13) حدثنا يزيد بن هارون عن سفيان بن حسين عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال : لما ارتد على عهد أبي بكر أراد أبو بكر أن يجاهدهم فقال عمر : أتقاتلهم وقد سمعت رسول الله (ص) يقول : (من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله حرم ماله ودمه إلا بحقه وحسابه على الله ، فقال أبو بكر : أنا لا أقاتل من فرق بين الصلاة والزكاة ؟ والله لاقاتلن من فرق بينهما حتى أجمعهما ، قال عمر : فقاتلنا معه فكان والله رشدا ، فلما ظفر بمن ظفر به منهم قال : اختاروا بين خطتين : إما حرب مجلية ، وإما الخطة المخزية ، قالوا : هذه الحرب المجلية قد عرفناها ، فما الخطة المخزية ؟ قال : تشهدون على قتلانا أنهم في الجنة وعلى قتلاكم أنهم في النار ، ففعلوا.
(14) حدثنا يزيد بن هارون عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة عن عبد الرحمن بن أبي عون عن القاسم بن محمد عن عائشة أنها كانت تقول : توفى رسول الله (ص) فنزل بأبي بكر ما لو نزل بالجبال لهاضها ، اشرأب النفاق بالمدينة ، وارتدت العرب ، فو الله ما اختلفوا في نقطة إلا طار أبي بحظها وفنائها في الاسلام ، وكانت تقول مع هذا : ومن رأى عمر بن الخطاب عرف أنه خلق غناء للاسلام ، كان والله أحوذيا نسج وحده ، قد أعد للامور أقرانها.
(44) ما جاء في خلافة عمر بن الخطاب (1) حدثنا وكيع وابن إدريس عن إسماعيل بن أبي خالد عن زبيد بن الحارث أن أبا بكر حين حضره الموت أرسل إلى عمر يستخلفه ، فقال الناس : تستخلف علينا فظا غليظا ، ولو قد ولينا كان أفظ وأغلظ ، فما تقول لربك إذا لقيته وقد استخلفت علينا عمر ، قال أبو بكر : أبربي تخوفونني ، أقول اللهم استخلفت عليهم خير خلقك ، ثم أرسل إلى عمر فقال : إني موصيك بوصية إن أنت حفظتها : إن لله حقا بالنهار لا يقبله بالليل وإن لله حقا بالليل لا يقبله بالنهار ، وأنه لا يقبل نافلة حتى تؤدي الفريضة ، وإنما ثقلت موازين
__________
(43 / 14) هاضها : هدمها وجعلها قاعا صفصفا.
اشرأب النفاق : ظهر أمره.
قد أعد للامور أقرانها : قد أعد لكل أمر عدته المناسبة.
(*)

(8/574)


من ثقلت موازينه يوم القيامة بإتباعهم في الدنيا الحق وثقله عليهم ، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يكون ثقيلا ، وإنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة بإتباعهم الباطل وخفته عليهم ، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يكون خفيفا ، وأن الله ذكر أهل الجنة بصالح ما عملوا ، وأنه تجاوز عن سيئاتهم ، فيقول القائل : ألا أبلغ هؤلاء ، وذكر أهل النار بأسوإ ما عملوا ، وأنه رد عليهم صالح ما عملوا ، فيقول قائل : أنا خير من هؤلاء ، وذكر آية الرحمة وآية العذاب ، ليكون المؤمن راغبا وراهبا ، لا يتمنى على الله
غير الحق ولا يلقي بيده إلى التهلكة ، فإن أنت حفظت وصيتي لم يكن غائب أحب إليك من الموت ، وإن أنت ضيعت وصيتي لم يكن غائب أبغض إليه من الموت ، ولن تعجزه.
(2) حدثنا وكيع عن إسماعيل عن قيس بن أبي حازم قال : رأيت عمر بن الخطاب وبيده عسيب نخل وهو يجلس الناس ويقول : اسمعوا لقول خليفة رسول الله ، قال فجاء مولى لابي بكر يقال له شديد بصحيفة ، فقرأها على الناس فقال : يقول أبو بكر اسمعوا وأطيعوا لمن في هذه الصحيفة ، فو الله ما ألوتكم ، قال قيس : فرأيت عمر بن الخطاب بعد ذلك على المنبر.
(3) حدثنا وكيع عن سفيان عن أبي إسحاق عن أبي الاحوص عن عبد الله قال : أفرس الناس ثلاثة : أبو بكر حين تفرس في عمر فاستخلفه ، والتي قالت : * (استأجره إن خير من استأجرت القوي الامين) * والعزيز حين قال لامرأته : * (أكرمي مثواه) *.
(4) حدثنا ابن فضيل عن حصين عن عمرو بن ميمون قال : جئت وإذا عمر واقف على حذيفة وعثمان بن حنيف ، فقال : تخافان أن تكونا حملتما الارض ما لا تطيق ، فقال حذيفة : لو شئت لاضعفت أرضي ، وقال عثمان : لقد حملت أرضي أمرا هي له مطيقة ، وما فيها كثير فضل ، فقال : انظرا ما لديكما أن تكونا حملتما الارض ما لا تطيق ، ثم قال : والله لئن سلمني الله لادعن أرامل أهل العراق لا يحتجن بعدي إلى أحد أبدا ، قال : فما أتت عليه إلا أربعة حتى أصيب ، وكان إذا دخل المسجد قام بين الصفوف فقال : استووا ، فإذا استووا تقدم فكبر ، قال : فما كبر طعن مكانه ، قال فسمعته يقول : قتلني الكلب - أو أكلني الكلب ، قال عمرو : ما أدري أيهما قال ؟ قال : وما بيني وبينه غير ابن عباس ، فأخذ
__________
(44 / 2) عسيب النخل : الجريد والمقصود هنا جريد نخل قد أزيل ورقه.
(44 / 3) * (استأجره إن خير من استأجرت) * سورة القصص من الآية (26).
* (إكرمي مثواه) * سورة يوسف من الآية (21).
(*)

(8/575)


عمر بيد عبد الرحمن بن عوف فقدمه وطار العلج وبيده سكين ذات طرفين ، ما يمر برجل يمينا ولا شمالا إلا طعنه حتى أصاب منهم ثلاثة عشر رجلا ، فمات منهم تسعة ، قال فلما رأى ذلك رجل من المسلمين طرح عليه برنسا ليأخذه ، فلما ظن أنه مأخوذ نحر نفسه ، قال : فصلينا الفجر صلاة خفيفة ، قال : فأما نواحي المسجد فلا يدرون ما الامر إلا أنهم حيث فقدوا صوت عمر جعلوا يقولون : سبحان الله - مرتين ، فلما انصرفوا كان أول من دخل عليه ابن عباس فقال : انظر من قتلني ؟ قال : فجال ساعة ثم جاء فقال : غلام المغيرة لصناع ، وكان نجارا ، قال : فقال عمر : الحمد لله الذي لم يجعل منيتي بيد رجل يدعي الاسلام ، قاتله الله ، لقد أمرت به معروفا ، قال : ثم قال لابن عباس : لقد كنت أنت وأبوك تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة ، قال : فقال ابن عباس : إن شئت فعلنا ، فقال : بعدما تكلموا بكلامكم وصلوا صلاتكم ونسكوا نسككم ؟ قال : فقال له الناس : ليس عليك بأس ، قال : فدعا بنبيذ فشرب فخرج من جرحه ، ثم دعا بلبن فشربه فخرج من جرحه ، فظن أنه الموت ، فقال لعبد الله بن عمر : انظر ما علي من الدين فاحسبه ، فقال : ستة وثمانين ألفا ، فقال : إن وفى بها مال آل عمر فأدها عني من أموالهم ، وإلا فسل بني عدي بن كعب ، فإن تفي من أموالهم وإلا فسل قريشا ولا تعدهم إلى غيرهم ، فأدها عني ، اذهب إلى عائشة أم المؤمنين فسلم وقل : يستأذن عمر بن الخطاب - ولا تقل : أمير المؤمنين ، فإني لست لهم اليوم بأمير - أن يدفن مع صاحبيه ، قال : فأتاها عبد الله بن عمر فوجدها قاعدة تبكي ، فسلم ثم قال : يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه ، قالت : قد والله كنت أريده لنفسي ، ولاوثرنه اليوم على نفسي ، فلما جاء قيل : هذا عبد الله بن عمر ، قال : فقال : أرفعاني ، فأسنده رجل إليه فقال : ما لديك ؟ قال : أذنت لك ، قال : فقال عمر : ما كان شئ أهم عندي من ذلك ، ثم قال : إذا أنامت فاحملوني على سريري ثم قف بي على الباب ثم استأذن فقل : يستأذن عمر بن الخطاب ، فإن أذنت لك فأدخلني ، وإن لم تأذن فردني إلا مقابر المسلمين ، قال : فلما حمل كأن الناس لم تصبهم
مصيبة إلا يومئذ ، قال : فسلم عبد الله بن عمر وقال : يستأذن عمر بن الخطاب ، فأذنت له حيث أكرمه الله مع رسول الله (ص) ومع أبي بكر ، فقالوا له حين حضره الموت : استخلف ، فقال : لا أجد أحدا أحق بهذا الامر من هؤلاء النفر الذين توفي رسول الله (ص) وهو عنهم راض ، فأيهم استخلفوا فهو الخليفة بعدي ، فسمى عليا وعثمان وطلحة (44 / 4) الذي طعن عمر رضي الله عنه هو أبو لؤلؤة الفارسي المجوسي وقيل أن ذلك كان مؤامرة منه مع غيره من المجوس الاسرى الذين جئ بهم أسرى إلى المدينة.
(*)

(8/576)


والزبير و عبد الرحمن بن عوف وسعدا ، فإن أصابت سعدا فذلك ، وإلا فأيم استخلف فليستعن به ، فإني لم انزعه عن عجز ولا خيانة ، قال : وجعل عبد الله بن عمر يشاور معهم وليس له من الامر شئ ، قال : فلما اجتمعوا قال عبد الرحمن بن عوف : إجعلوا أمركم إلى ثلاثة نفر ، قال : فجعل الزبير أمره إلى علي وجعل طلحة أمره إلى عثمان ، وجعل سعد أمره إلى عبد الرحمن ، قال : فأتمروا أولئك الثلاثة حين جعل الامر إليهم ، قال : فقال عبد الرحمن : أيكم يتبرأ من الامر ؟ ويجعل الامر إلي ، ولكم الله علي أن لا آلو عن أفضلكم وخيركم للمسلمين ، فأسكت الشيخان علي وعثمان ، فقال عبد الرحمن : تجعلانه إلي وأنا أخرج منها ، فو الله لا آلو عن أفضلكم وخيركم للمسلمين قالوا : نعم ، فخلا بعلي فقال : إن لك من القرابة من رسول الله (ص) والقدم ولي الله عليك لئن استخلف لتعدلن ولئن استخلف عثمان لتسمعن ولتطيعن ، قال : فقال : نعم ، قال : وخلا بعثمان فقال مثل ذلك ، فقال له عثمان : نعم ، ثم قال : يا عثمان ! ابسط يدك ، فبسط يده فبايعه وبايعه علي والناس ، ثم قال عمر : أوصي الخليفة من بعدي بتقوى الله والمهاجرين الاولين أن يعرف لهم حقهم ، ويعرف لهم حرمتهم ، وأوصيه بأهل الامصار خيرا ، فإنهم ردء الاسلام وغيظ العدو وجباة الاموال أن لا يؤخذ منهم فيئهم إلا عن رضا منهم ، وأوصيه بالانصار خيرا : الذين تبوأوا الدار والايمان أن يقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم وأوصيه بالاعراب خيرا فإنهم
أصل العرب ومادة الاسلام ، أن يؤخذ من حواشي أموالهم فترد على فقرائهم ، وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله أن يوفي لهم بعهدهم وأن لا يكلفوا إلا طاقتهم وأن يقاتل من وراءهم.
(5) حدثنا وكيع عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون الاودي أن عمر بن الخطاب لما حضر قال : ادعوا لي عليا وطلحة والزبير وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وسعدا ، قال : فلم يكلم أحدا منهم إلا عليا وعثمان ، فقال : يا علي ! لعل هؤلاء القوم يعرفون قرابتك وما آتاك الله من العلم والفقه ، واتق الله ، وإن وليت هذا الامر فلا ترفعن بني فلان على رقاب الناس ، وقال لعثمان : يا عثمان ! إن هؤلاء القوم لعلهم يعرفون لك صهرك من رسول الله (ص) وصنك وشرفك ، فإن أنت وليت هذا الامر فاتق الله ، ولا ترفع بني فلان على رقاب الناس ، فقال : ادعوا لي صهيبا ، فقال : صل بالناس ثلاثا ، وليجتمع هؤلاء الرهط فليخلوا ، فإن اجمعوا على رجل فاضربوا رأس من خالفهم.
(6) حدثنا ابن إدريس عن طلحة بن يحيى عن عميه عيسى بن طلحة وعروة بن ابن أبي شيبة - ج 8 - م 37

(8/577)


الزبير قالا : قال عمر : ليصل لكم صهيب ثلاثا ، وانظروا فإن كان ذلك وإلا فإن أمر محمد لا يترك فوق ثلاث سدي.
(7) حدثنا ابن علية عن شعبة عن قتادة عن سالم بن أبي الجعد الغطفاني عن معدان بن أبي طلحة اليعمري أن عمر بن الخطاب قام خطيبا يوم جمعة - أو خطب يوم جمعة - فحمد الله وأثنى عليه ، ثم ذكر نبي الله (ص) وأبا بكر ثم قال : أيها الناس ! إني قد رأيت رؤيا كأن ديكا أحمر نقرني نقرتين ، ولا أرى ذلك إلا لحضور أجلي ، وإن الناس بأمرونني أن أستخلف ، وإن الله لم يكن ليضيع دينه وخلافته ، والذي بعث به نبيه فإن عجل بي أمر فالخلافة شورى بين هؤلاء الرهط الستة الذين توفي رسول الله (ص) وهو عنهم راض ، فأيهم بايعتم له فاسمعوا له وأطيعوا ، وقد عرفت أن رجالا سيطعنون في هذا الامر ، وإني قاتلتهم بيدي هذه على الاسلام ، فإن فعلوا ذلك فأولئك أعداء الله الكفرة
الضلال ، إني والله ما أدع بعدي أهم إلي من أمر الكلالة ، وقد سألت رسول الله (ص) ، فما أغلظ لي في شئ ما أغلظ لي فيها حتى طعن باصبعه في جنبي أو صدري ، ثم قال : (يا عمر ! تكفيك آية الصيف التي أنزلت في آخر النساء) ، وإن أعش فسأقضي فيها قضية لا يختلف فيها أحد يقرأ القرآن أو لا يقرأ القرآن ، ثم قال : اللهم إني أشهدك على أمراء الامصار ، فإني إنما بعثتهم ليعلموا الناس دينهم وسنة نبيهم ، ويقسموا فيهم فيئهم.
ويعدلوا فيهم ، فمن أشكل عليه شئ رفعه إلي ، ثم قال : أيها الناس ! إنكم تأكون شجرتين لا أراهما إلا خبيثتين : هذا الثوم وهذا البصل ، لقد كنت أرى الرجل على عهد رسول الله (ص) يوجد ريحه منه فيؤخذ بيده حتى يخرج به إلى البقيع ، فمن كان آكلهما لا بد فليمتهما طبخا ، قال : فخطب بها عمر يوم الجمعة ، وأصيب يوم الاربعاء لاربع بقين لذي الحجة.
(8) حدثنا ابن إدريس عن شعبة عن أبي حمزة عن جارية بن قدامة السعدي قال : حججت العام الذي أصيب فيه عمر ، قال : فخطب فقال : إني رأيت أن ديكا نقرني نقرتين أو ثلاثا ، ثم لم تكن إلا جمعة أو نحوها حتى أصيب ، قال : فأذن لاصحاب رسول الله (ص) ، ثم أذن لاهل المدينة ، ثم أذن لاهل الشام ، ثم أذن لاهل العراق ، فكنا آخر من دخل عليه وبطنه معصوب ببرد أسود والدماء تسيل ، كلما دخل قوم بكوا وأثنوا عليه ، فقلنا له : أوصنا - وما سأله الوصية أحد غيرنا - فقال : عليكم بكتاب الله ، فإنكم لن تضلوا ما اتبعتموه ، وأوصيكم بالمهاجرين فإن الناس يكثرون ويقلون ، وأوصيكم بالانصار فإنهم

(8/578)


شعب الايمان الذي لجأ إليه ، وأوصيكم بالاعراب فإنها أصلكم ومادتكم ، وأوصيكم بذمتكم فإنها ذمة نبيكم ، ورزق عيالكم ، قوموا عني ، فما زادنا على هؤلاء الكلمات.
(9) حدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون قال : لما طعن عمر ماج الناس بعضهم في بعض ، حتى كادت الشمس أن تطلع ، فنادى مناد : الصلاة ، فقدموا
عبد الرحمن بن عوف فصلى بهم ، فقرأ بأقصر سورتين من القرآن * (إنا أعطيناك الكوثر) * و * (إذا جاء نصر الله) * فلما أصبح دخل عليه الطبيب ، وجرحه يسيل دما ، فقال : أي الشراب أحب إليك ؟ قال : النبيذ ، فدعا بنبيذ فشربه فخرج من جرحه ، فقال له الطبيب : أوصه فإني لا أظنك إلا ميتا من يومك أو من غد.
(10) حدثنا إسحاق الرازي عن أبي سنان عن عطاء بن السائب عن عامر قال : أحلف بالله ، لقد طعن عمر وإنه لفي النحل يقرأها.
(11) حدثنا ابن إدريس عن شعبة عن سعد بن إبراهيم عن ابن ميناء عن المسور بن مخرمة قال : سمعت عمر وإن إحدى أصابعي في جرحه هذه أو هذه أو هذه ، وهو يقول : يا معشر قريش ! إني لا أخاف الناس عليكم ، إنما أخافكم على الناس ، إني قد تركت فيكم ثنتين لن تبرحوا بخير ما لزمتموهما : العدل في الحكم ، والعدل في القسم ، وإني قد تركتكم على مثل محرفة النعم إلا أن يتعوج قوم فيعوج بهم.
(12) حدثنا أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن سليمان بن يسار عن المسور بن مخرمة قال : دخلت أنا وابن عباس على عمر بعد ما طعن وقد أغمي عليه ، فقلنا : لا ينتبه لشئ أفرغ له من الصلاة ، فقلنا : الصلاة يا أمير المؤمنين ، فانتبه وقال : ولا حظ في الاسلام لامرئ ترك الصلاة ، فصلى وجرحه ليثعب دما.
(13) حدثنا وكيع عن الاعمش عن إبراهيم التيمي عن عمرو بن ميمون قال : كنت أدع الصف الاول هيبة لعمر ، وكنت في الصف الثاني يوم أصيب ، فجاء قال : الصلاة عباد الله ، استووا ، قال : فصلى بنا فطعنه أبو لؤلؤة طعنتين أو ثلاثا ، قال : وعلى عمر ثوب
__________
(44 / 9) * (إنا أعطيناك الكوثر) * سورة الكوثر.
* (إذا جاء نصر الله) * سورة النصر.
(44 / 11) على مثل محرقة النعم : أي على أمر سوي مستقيم ، ومحرقة النعم : هي قضيب الحديد الذي يشك به اللحم كي يشوي فوق النار.
(44 / 12) يثعب : ينزف نزفا شديدا.
(*)

(8/579)


أصفر ، قال : فجعله على صدره ثم أهوى وهو يقول : * (وكان أمر الله قدرا مقدورا) * فقتل وطعن اثني عشر أو ثلاثة عشر ، قال : [ وما الناس عليه ] فأتكأ على خنجره فقتل نفسه.
(14) حدثنا ابن نمير عن سفيان عن الاسود بن قيس عن عبد الله بن الحارث الخزاعي قال : سمعت عمر يقول في خطبته : إني رأيت البارحة ديكا نقرني ، ورأيته يجليه الناس عني ، وإني أقسم بالله لئن بقيت لاجعلن سفلة المهاجرين في العطاء على ألفين ألفين ، فلم يمكث إلا ثلاثا حتى قتله غلام المغيرة أبو لؤلؤة.
(15) حدثنا جعفر بن عون عن محمد بن شريك عن ابن أبي مليكة قال : ما خص عمر أحدا من أهل الشورى دون أحد إلا أنه خلا بعلي وعثمان ، كل واحد منهما على حدة ، فقال : يا فلان ! اتق الله فإن ابتلاك الله بهذا الامر فلا ترفع بني فلان على رقاب الناس ، وقال للآخر مثل ذلك.
(16) حدثنا وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد عن حسن بن محمد قال : قال عمر لعثمان : اتق الله وإن وليت شيئا من أمور الناس فلا تحمل بني أبي معيط على رقاب الناس ، وقال لعلي : اتق الله وإن وليت شيئا من أمور الناس فلا تحمل بني هاشم على رقاب الناس.
(17) حدثنا ابن إدريس عن عبد العزيز بن عمر عن إبراهيم بن زرعة عالم من علماء أهل الشام قال : قلت له : من صل على عمر ؟ قال : صهيب.
(18) حدثنا ابن نمير عن يحيى بن سعيد عن القاسم ان عمر حيث طعن جاء الناس يثنون عليه ويدعون له فقال عمر رحمه الله : أبالامارة تزكونني ؟ لقد صحبت رسول الله (ص) فقبض وهو عني راضي ، وصحبت أبا بكر فسمعت وأطعت ، فتوفي أبو بكر وأنا
سامع مطيع ، وما أصبحت أخاف على نفسي إلا أمارتكم هذه.
(19) حدثنا محمد بن بشر حدثنا محمد بن عمرو حدثنا أبو سلمة ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب وأشياخ قالوا : رأى عمر بن الخطاب في المنام فقال : رأيت ديكا أحمر نقرني ثلاث نقرات بين الثنة والسرة ، قالت أسماء بنت عميس أم عبد الله بن جعفر :
__________
(44 / 13) سورة الاحزاب من الآية (38).
[ وما الناس عليه ] كذا في الاصل ولعلها ومال الناس عليه.
(*)

(8/580)


قولوا له فليوص ، وكانت تعبر الرؤيا ، فلا أدري أبلغه أم لا ، فجاءه أبو لؤلؤة الكافر المجوسي عبد المغيرة بن شعبة ، فقال : إن المغيرة قد جعل علي من الخراج ما لا أطيق ، قال : كم جعل عليك ؟ قال : كذا وكذا ، قال : وما عملك ؟ قال : أجوب الارحاء ، قال : وما ذاك عليك بكثير ، ليس بأرضنا أحد يعملها غيرك ، ألا تصنع لي رحى ؟ قال : بلى والله لاجعلن لك رحى يسمع بها أهل الآفاق ، فخرج عمر إلى الحج ، فلما صدر اضطجع بالمحصب ، وجعل رداءه تحت رأسه ، فنظر إلى القمر فأعجبه استواءه وحسنه ، فقال : بدأ ضعيفا ثم لم يزل الله يزيده وينميه حتى استوى ، فكان أحسن ما كان ، ثم هو ينقص حتى يرجع كما كان ، وكذلك الخلق كله ، ثم رفع يديه فقال : اللهم إن رعيتي قد كثرت وانتشرت فاقبضني إليك غير عاجز ولا مضيع ، فصدر إلى المدينة فذكر له أن امرأة من المسلمين ماتت بالبيداء مطروحة على الارض يمر بها الناس لا يكفنها أحد ، ولا يواريها أحد حتى مر بها كليب بن البكير الليثي ، فأقام عليها حتى كفنها وواراها ، فذكر ذلك لعمر فقال : من مر عليها من المسلمين ؟ فقالوا : لقد مر عليها عبد الله بن عمر فيمن مر عليها من المسلمين ، فدعاه وقال : ويحك ! مررت على امرأة من المسلمين مطروحة على ظهر الطريق ، فلم توارها ولم تكفنها ؟ قال : ما شعرت بها ولا ذكرها لي أحد ، فقال : لقد خشيت أن لا يكون فيك خير ، فقال : من واراها وكفنها ؟ قالوا : كليب بن بكير الليثي قال : والله لحري أن يصيب كليب خيرا ، فخرج عمر يوقظ الناس بدرته لصلاة الصبح ،
فلقيه الكافر أبو لؤلؤة فطعنه ثلاث طعنات بين الثنة والسرة ، وطعن كليب بن بكير فأجهز عليه وتصايح الناس ، فرمى رجل على رأسه ببرنس ثم اضطبعه إليه ، وحمل عمر إلى الدار فصلى عبد الرحمن بن عوف بالناس ، وقيل لعمر : الصلاة فصلى وجرحه يثعب ، وقال : لا حظ في الاسلام لمن لا صلاة له ، فصلى ودمه يثعب ، ثم انصرف الناس عليه فقالوا : يا أمير المؤمنين ، إنه ليس بك بأس ، وإنا لنرجو أن ينسئ الله في أثرك ويؤخرك إلى حين ، أو إلى خير ، فدخل عليه ابن عباس وكان يعجب به ، فقال : اخرج فانظر من صاحبي ؟ ثم خرج فجاء فقال : أبشر يا أمير المؤمنين ! صاحبك أبو لؤلؤة المجوسي عبد المغيرة بن شعبة ، فكبر حتى خرج صوته من الباب ، ثم قال : الحمد لله الذي لم يجعله رجلا من المسلمين ، يحاجني بسجدة سجدها لله يوم القيامة ، ثم أقبل على القوم فقال : أكان هذا عن ملا منكم ؟ فقالوا : معاذ الله ، والله لوددنا أنا فديناك بآبائنا ، وزدنا في عمرك من
__________
(44 / 19) أجوب الارحاء : أي يقطع الحجارة ويصنع منها الرحى.
(*)

(8/581)


أعمارنا ، إنه ليس بك بأس ، قال : أي يرفأ ، ويحك ، اسقني ، فجاءه بقدح فيه نبيذ حلو فشربه ، فألصق رداءه ببطنه ، قال : فلما وقع الشراب في بطنه خرج من الطعنات ، قالوا : الحمد لله ، هذا دم استكن في جوفك ، فأخرجه الله من جوفك ، قال : أي يرفأ ، ويحك ، اسقني لبنا ، فجاء بلبن فشربه فلما وقع في جوفه خرج من الطعنات ، فلما رأوا ذلك علموا أنه هالك ، قالوا : جزاك الله خيرا ، قد كنت تعمل فينا بكتاب الله وتتبع سنة صاحبيك ، لا تعدل عنها إلى غيرها ، جزاك الله أحسن الجزاء ، قال : بالامارء تغبطونني ، فو الله لوددت أني أنجو منها كفافا لا علي ولا لي ، قوموا فتشاوروا في أمركم ، أمروا عليكم رجلا منكم ، فمن خالفه فاضربوا رأسه ، قال : فقاموا و عبد الله بن عمر مسنده إلى صدره ، فقال عبد الله : أتؤمرون وأمير المؤمنين حي ؟ فقال عمر : لا وليصل صهيب ثلاثا ، وانتظروا طلحة ، وتشاوروا في أمركم ، فأمروا عليكم رجلا منكم ، فإن خالفكم فاضربوا
رأسه ، قال : اذهب إلى عائشة فاقرأ عليها مني السلام ، وقل : إن عمر يقول : إن كان ذلك لا يضر بك ولا يضيق عليك فإني أحب أن أدفن مع صاحبي ، وإن كان يضربك ويضيق عليك فلعمري لقد دفن في هذا البقيع من أصحاب رسول الله (ص) وأمهات المؤمنين من هو خير من عمر ، فجاءها الرسول فقالت : إن ذلك لا يضر ولا يضيق علي ، قال : فادفنوني معهما ، قال عبد الله بن عمر : فجعل الموت يغشاه وأنا أمسكه إلى صدري ، قال : ويحك ضع رأسي بالارض ، قال : فأخذته غشية فوجدت من ذلك ، فأفاق فقال : ضع رأسي بالارض ، فوضعت رأسه بالارض فعفره بالتراب فقال : ويل عمر وويل أمه إن لم يغفر الله له ، قال محمد بن عمرو : وأهل الشورى : علي وعثمان وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف.
(45) ما جاء في خلافة عثمان وقتله (1) حدثنا ابن إدريس عن شعبة عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب قال : حججت في إمارة عمر فلم يكونوا يشكون أن الخلافة من بعده لعثمان.
(2) حدثنا أبو معاوية عن الاعمش عن عبد الله بن سنان قال : قال عبد الله حين استخلف عثمان : ما ألونا عن أعلانا ذا فوق.
__________
(45 / 2) سبق ذكره وشرحه في كتاب الفضائل.
(*)

(8/582)


(3) حدثنا محمد بن بشر عن إسماعيل بن أبي خالد عن حكيم بن جابر قال : سمعت ابن مسعود يقول حين بويع عثمان : ما ألونا عن أعلانا ذا فوق.
(4) حدثنا أبو أسامة عن كهمس عن عبد الله بن شقيق قال : حدثني هرم بن الحارث وأسامة بن حريم ، قال : وكانا يغازيان فحدثاني جميعا ولا يشعر كل واحد منهما أن صاحبه حدثنيه عن مرة البهزي ، قال : بينما نحن مع رسول الله (ص) ذات يوم في طريق من طرق المدينة فقال : (كيف تصنعون في فتنة تثور في أقطار الارض كأنها صياصي
بقر ؟ قالوا : فنصنع ماذا يا نبي الله ؟ قال : عليكم بهذا وأصحابه ، قال : فأسرعت حتى عطفت على الرجل ، فقلت : هذا يا نبي الله ؟ قال : هذا) ، فإذا هو عثمان.
(5) حدثنا إسماعيل بن علية عن ابن عون عن الحسن قال : أنبأني وثاب وكان ممن أدركه عتق أمير المؤمنين عمر ، وكان يكون بعد بين يدي عثمان ، قال : فرأيت في حلقه أثر طعنتين ، كأنهما كيتان طعنهما يوم الدار دار عثمان ، قال : بعثني أمير المؤمنين عثمان ، قال : ادع لي الاشتر فجاء ، قال ابن عون : أظنه قال : فطرحت لامير المؤمنين وسادة وله وسادة فقال : يا أشتر ! ما يريد الناس مني ؟ قال : ثلاثا ليس لك من إحداهن بد ، يخيرونك بين أن تخلع لهم أمرهم وتقول : هذا أمركم ، اختاروا له من شئتم ، وبين أن تقص من نفسك ، فإن أبيت هاتين فإن القوم قاتلوك ، قال : ما من إحداهن بد ؟ قال ما من احداهن بد ، قال : أما أن أخلع لهم أمرهم فما كنت أخلع سربالا سربلنيه الله عزوجل أبدا ، قال ابن عون : وقال غير الحسن : لان أقدم فيضرب عنقي أحب إلي من أن أخلع أمر أمة محمد بعضها عن بعض ، قال ابن عون بكلامه : ولا أن أقص لهم من نفسي ، فو الله لقد علمت ، أن صاحبي بين يدي كانا يقصان من أنفسهما ، وما يقوم بدني بالقصاص ، وأما أن يقتلوني ، فو الله لو قتلوني لا يتحابون بعدي أبدا ، ولا يقاتلون بعدي عدوا جميعا أبدا ، قال : فقام الاشتر وانطلق ، فمكثنا فقلنا : لعل الناس ، ثم جاء رويجل كأنه ذئب ، فاطلع من الباب ، ثم رجع وقام محمد بن أبي بكر في ثلاثة عشر حتى انتهى إلى عثمان ، فأخذ بليحته فقال بها حتى سمعت وقع أضراسه وقال : ما أغنى عنك معاوية ، ما أغنى عنك ابن عامر ، ما اغنت عنك كتبك ، فقال : أرسل لي لحيتي ابن أخي ، أرسل لي لحيتي ابن أخي ، قال : فأنا رأيته استعدى رجلا من القوم يعينه ، فقام إليه بمشقص حتى وجأ به في رأسه فأثبته ، قال : ثم مه ؟ قال : ثم دخلوا عليه حتى قتلوه.
__________
(45 / 3) سبق ذكره وشرحه في كتاب الفضائل.
(45 / 4) كأنها صياصي بقر : كأنها ثوران بقر الوحش إذا اهتاج لانه يندفع لا يلوي على شئ.
(*)

(8/583)


(6) حدثنا أبو أسامة عن عبد الملك بن أبي سليمان قال : سمعت أبا ليلى الكندي قال رأيت عثمان اطلع إلى الناس وهو محصور فقال : أيها الناس ! لا تقتلوني واستعتبوا ، فو الله لئن قتلتموني لا تصلون جميعا أبدا ، ولا تجاهدون عدوا أبدا ، ولتختلفن حتى تصيروا هكذا - وشبك بين أصابعه ، يا قوم ! (لا يجر منكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد) قا ل : وأرسل إلى عبد الله بن سلام فسأله فقال : الكف الكف ، فإنه أبلغ لك في الحجة ، فدخلوا عليه فقتلوه.
(7) حدثنا ابن إدريس عن يحيى بن سعيد عن عبد الله بن عامر قال : سمعت عثمان يقول : إن أعظمكم عندي غنا من كف سلاحه ويده.
(8) حدثنا ابن إدريس عن هشام عن ابن سيرين قال : جاء زيد بن ثابت إلى عثمان فقال : هذه الانصار بالباب ، قالوا : إن شئت أن نكون أنصار الله مرتين ، فقال : أما القتال فلا.
(9) حدثنا أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير قال : قلت لعثمان يوم الدار : اخرج فقاتلهم ! فإن مك من قد نصر الله بأقل منه ، والله إنه لحلال ، قال : فأبى وقال : من كان لي عليه سمع وطاعة فليطع عبد الله بن الزبير ، وكان أمره يومئذ على الدار ، وكان يومئذ صائما.
(10) حدثنا عبد الله بن إدريس عن عبيد الله بن عمر عن نافع أن رجلا يقال له جهجاه تناول عصا كانت في يد عثمان فكسرها بركبته ، فرمى في ذلك الموضع بآكلة.
(11) حدثنا إسحاق الرازي عن أبي جعفر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أن عثمان أصبح يحدث الناس قال : رأيت النبي (ص) الليلة في المنام فقال : يا عثمان ! أفطر عندنا ، فأصبح صائما وقتل من يومه.
(12) حدثنا ابن إدريس عن إسماعيل عن قيس عن سعيد بن زيد قال : لقد رأيتني
موثقي عمر وأخته على الاسلام لو أرفض أحد مما صنعتم بعثمان كان حقيقا.
__________
(45 / 6) حتى تصيروا هكذا : أي حتى تقاتلوا بعضكم بعضا.
الكف : أي كف السلاح واليد.
(45 / 10) الآكلة هي المرض المعروف الان باسم السرطان أنجانا الله وأنجاكم منه.
(*)

(8/584)


(13) حدثنا أبو أسامة عن الاعمس حدثنا أبو صالح قال : قال عبد الله بن سلام لما حصر عثمان في الدار قال : لا تقتلوه فإنه لم يبق من أجله ألا قليل ، والله لئن قتلتموه لا تصلون جميعا أبدا.
(14) حدثنا أبو أسامة عن صدقة بن أبي عمران قال حدثنا أبواليعفور عن أبي سعيد مولى عبد الله بن مسعود قال : قال عبد الله بن مسعود : والله لئن قتلتم عثمان تصيبون منه خلفا.
(15) حدثنا ابن علية عن أيوب عن أبي قلابة أن رجلا من قريش يقال له ثمامة كان على صنعاء ، فلما جاء قتل عثمان بكى فأطال البكاء ، فلما أفاق قال : اليوم انتزعت النبوة - أو قال : - الخلاة من أمة محمد : وصارت ملكا وجبرية ، فمن غلب على شئ أكله.
(16) حدثنا ابن علية عن أيوب عن أبي قلابة قال : لما قتل عثمان قام خطباء إيليا ، فقام من آخرهم رجل من أصحاب النبي (ص) يقال له مرة بن كعب فقال : لولا حديث سمعته من رسول الله (ص) ما قمت ، إن رسول الله (ص) ذكر فتنة - أحسبه قال : فقربها ، فمر رجل مقنع بردائه ، فقال رسول الله (ص) : (هذا يومئذ وأصحابه على الحق ، فانطلقت فأخذت بمنكبيه فأقبلت بوجهه إلى رسول الله (ص) ، فقلت : هذا ؟ فقال : نعم) ، فإذا هو عثمان.
(17) حدثنا ابن إدريس عن ليث عن زياد بن أبي المليح عن أبيه عن ابن عباس قال : لو أن الناس اجتمعوا على قتل عثمان رجموا بالحجارة كما رجم قوم لوط.
(18) حدثنا يزيد بن هارون عن ابن عون عن محمد بن سيرين قال : أشرف عليهم
عثمان من القصر فقال : ائتوني برجل أتاليه كتاب الله ، فأتوه بصعصعة بن صوحان ، وكان شابا ، فقال : أما وجدتم أحدا تأتوني به غير هذا الشاب ، قال : فتكلم صعصعة بكلام ، فقال له عثمان : اتل ، فقال : * (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير) * فقال : كذبت ! ليست لك ولا لاصحابك ، ولكنها لي ولاصحابي ، ثم تلا عثمان * (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير) * حتى بلغ * (وإلى الله عاقبة الامور) *.
__________
(45 / 13) لا تصلون جميعا : أي تفترقون فرقا تصلي كل فرقة على حدة وتكفرون بعضكم بعضا.
(45 / 18) سورة الحج ، والمقصود الآيات من (39 و 41).
(*)

(8/585)


(46) ما جاء في خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه (1) حدثنا وكيع عن الاعمش عن أبي صالح قال : كان الحادي يحدو بعثمان وهو يقول : إن الامير بعده علي * وفي الزبير خلف رضي قال : فقال كعب : ولكنه صاحب البغلة الشهباء - يعني معاوية ، فقيل لمعاوية : إن كعبا يسخر بك ويزعم أنك تلي هذا الامر ، قلا : فأتاه فقال : يا أبا إسحاق ! وكيف وههنا علي والزبير وأصحاب محمد ، قال ، أنت صاحبها.
(2) حدثنا هشيم عن العوام بن إبراهيم التيمي قال : لما بويع أبو بكر قال : قال سلمان : أخطأتم وأصبتم ، أما لو جعلتموها في أهل بيت نبيكم لاكلتموها رغدا.
(3) حدثنا يزيد بن هارون عن عيينة بن عبد الرحمن بن جوشن عن أبيه عن عبد الرحمن بن أبي بكرة قال : ما رزأ علي من بيت مالنا حتى فارقنا ألا جبة محشوة وخميصة درابجردية.
(4) حدثنا غندر عن شعبة عن سعد بن إبراهيم قال : سمعت عبيد الله بن أبي رافع
قال : رأيت عليا حين ازدحموا عليه حتى أدموا رجله ، فقال : اللهم إني قد كرهتهم وكرهوني فأرحني منهم وأرحهم مني.
(5) حدثنا علي بن مسهر عن الاجلح عن الشعبي قال : اكتنف عبد الرحمن بن ملجم وشبيب الاشجعي عليا حين خرج إلى الفجر ، فأما شبيب فضربه فأخطأه وثبت سيفه في الحائط ، ثم أحصر نحو أبواب كندة ، وقال الناس : عليكم صاحب السيف ، فما خشي أن يؤخذ رمى بالسيف ودخل في عرض الناس ، وأما عبد الرحمن فضربه بالسيف على قرنه ، ثم أحصر نحو باب الفيل ، فأدركه عريض أو عويض الحضرمي ، فأخذه فأدخله على علي ، فقال علي : إن أنا مت فاقتلوه وإن شئتم أودعوه ، وإن أنا نجوت كان القصاص.
__________
(46 / 1) الحادي : هو الذي يغني الحداء كي تنشط الابل في مسيرها أثناء السفر.
(46 / 3) رزأ : حمل حملا ، والمقصود لم يأخذ.
(46 / 5) على قرنه : أي على أم رأسه.
(*)

(8/586)


(6) حدثنا وكيع عن الاعمش عن سالم عن عبيد الله بن سبيع قال : سمعت عليا يقول : لتخضبن هذه من هذا - فما ينتظر بالاشقى ، قالوا : فأخبرنا به بنين عترته ، قال : إذا تالله تقتلون غير قاتلي ، قالوا : أفلا تستخلف ، قال : لا ، ولكني أترككم إلى ما ترككم إليه رسول الله (ص) ، قالوا : فما تقول لربك إذا لقيته ؟ قال : أقول : اللهم تركتني فيهم ثم قبضتني إليك وأنت فيهم ، فإن شئت أصلحتهم ، وإن شئت أفسدتهم.
(7) حدثنا هشيم عن أبي حمزة عن أبيه قال : سمعت عليا يقول : يا للدماء ! لتخضبن هذه من هذا - يعني لحيته من دم رأسه.
(8) حدثنا يزيد بن هارون عن هشام بن حسان عن محمد عن عبيدة قال : قال علي : ما يحبس أشقاها أن يجئ فيقتلني ، اللهم إني قد سئمتهم وسئموني فأرحني منهم وأرحهم مني.
(47) ما جاء في ليلة العقبة (1) حدثنا ابن إدريس عن محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر قال : قال رسول الله (ص) ليلة العقبة : (أخرجوا إلي اثني عشر منكم يكونوا كفلاء على قومهم ككفالة الحوارين لعيسى ابن مريم).
، فكان نقيب بني النجار قال ابن إدريس : وهم أخوال رسول الله (ص) : أسعد بن زرارة أبو أمامة ، وكان نقيبي بني الحارث بن الخزرج عبد الله بن رواحة وسعد بن ربيع ، وكان نقيبي بني سلمة عبد الله بن عمرو بن حرام والبراء بن معرور ، وكان نقيبي بني ساعدة سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو ، وكان نقيب بني زريق رافع بن مالك ، وكان نقيب بني عوف بن الخزرج ، وهم القوافل ، عبادة بن الصامت ، وكان نقيبي بني عبد الاشهل أسيد بن الحضير وأبو الهيثم بن التيهان ، وكان نقيب بني عمرو بن عوف سعد بن خيثمة.
(2) حدثنا عبد الرحيم عن مجالد عن الشعبي عن عقبة بن عمرو الانصاري قال : وعدنا رسول الله (ص) أصل العقبة يوم الاضحى ونحن سبعون رجلا : قال عقبة : إني من
__________
(46 / 6) هذه من هذا أي لحيته من دم رأسه.
(47 / 2) أصل العقبة : أدنى مكان فيها.
(*)

(8/587)


أصغرهم ، فأتانا رسول الله (ص) فقال : (أوجزوا في الخطبة فإني أخاف عليكم كفار قريش ، قال : قلنا : يا رسول الله ! سلنا لربك وسلنا لنفسك وسلنا لاصحابك وأخبرنا ما الثواب على الله وعليك ، فقال : أسألكم لربي أن تؤمنوا به ولا تشركوا به شيئا وأسألكم لنفسي أن تطيعوني أهديكم سبيل الرشاد ، وأسألكم لي ولاصحابي أن تواسونا في ذات أيديكم وأن تمنعونا مما منعتم منه أنفسكم ، فإذا فعلتم ذلك فلكم على الله الجنة وعلي) قال : فمددنا أيدينا فبايعناه.
(3) حدثنا ابن نمير عن إسماعيل عن الشعبي قال : انطلق العباس مع النبي (ص) إلى الانصار فقال : (تكلموا ولا تطيلوا الخطبة ، إن عليكم عيونا وإني أخشى عليكم كفار
قريش) ، فتكلم رجل منهم يكنى أبا أمامة ، وكان خطيبهم يومئذ وهو أسعد بن زرارة فقال للنبي (ص) سلنا لربك وسلنا لنفسك وسلنا لاصحابك ، وما الثواب على ذلك ، فقال النبي (ص) : (أسألكم لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا ، ولنفسي أن تؤمنوا بي وتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأبناءكم ولاصحابي المواساة في ذات أيديكم ، قالوا : فما لنا إذا فعلنا ذلك ، قال : لكم على الله الجنة).
(4) حدثنا الفضل بن دكين عن الوليد بن جميع عن أبي الطفيل قال : كان بين حذيفة وبين رجل منهم من أهل العقبة بعض ما يكون بين اللناس ، فقال : أنشدك بالله ، كم كان أصحاب العقبة ؟ فقال القوم : فأخبره فقد سألك ، فقال أبو موسى الاشعري : قد كنا نخبر أنهم أربعة عشر ، فقال حذيفة ، وإن كنت فيهم فقد كانوا خمسة عشر ، أشهد بالله أن إثني عشر منهم حزب الله ورسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الاشهاد ، وعذر ثلاثة ، قالوا : ما سمعنا منادي رسول الله (ص) ولا علمنا ما يريد القوم.
(5) حدثنا عبد الرحيم بن سليمان عن إسماعيل بن أبي خالد قال : سمعت عبد الله بن أبي أوفى ، وكان ممن بايع تحت الشجرة ، يقول : دعا رسول الله (ص) على الاحزاب فقال : (اللهم منزل الكتاب سريع الحساب هازم الاحزاب ، اللهم اهزمهم وزلزلهم).
(6) حدثنا يحيى بن أبي بكير حدثنا عن عمرو بن مرة قال : سمعت ابن أبي أوفى يقول : كان أصحاب النبي (ص) الذين بايعوا تحت الشجرة ألفا وأربع أو ألفا وثلاثمائة ، وكانت أسلم من المهاجرين.

(8/588)


(7) حدثنا عبدة بن سليمان عن مجالد عن عامر قال : أول من بايع تحت الشجرة أبو سنان الاسدي وهب ، أتى النبي (ص) فقال : أبايعك ، قال : (علام تبايعني ؟) قال : على ما في نفسك ، قال : فبايعه ، قال : وأتاه رجل آخر فقال : أبايعك على ما بايعك عليه أبو سنان ، فبايعه ثم بايعه الناس.
(8) حدثنا محمد بن بشر حدثنا إسماعيل عن عامر قال : * (السابقون الاولون) * من أدرك بيعة الرضوان.
__________
(47 / 100) * (السابقون الاولون) * سورة التوبة الآية (100).
(*)

(8/589)


بسم الله الرحمن الرحيم 40 كتاب الفتن (1) من كره الخروج في الفتنة وتعوذ عنها (1) حدثنا أبو عبد الرحمن قال حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة قال : حدثنا أبو معاوية عن الاعمش عن زيد بن وهب عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة ، قال انتهيت إلى عبد الله بن عمرو وهو جالس في ظل الكعبة والناس عليه مجتمعون ، فسمعته يقول : بينما نحن مع رسول الله (ص) في سفر إذ نزلنا منزلا ، فمنا من يضرب خباءه ، ومنا من ينتضل ، ومنا من هو في جشره إذ نادى مناديه : الصلاة جامعة ، فاجتمعنا ، فقام النبي (ص) فخطبنا فقال : (إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حق الله عليه أن يدل أمته على ما هو خير لهم ، وينذرهم ما يعلمه شرا لهم ، وإن أمتكم هذه جعلت عافيتها في أولها ، وإن آخرها سيصيبهم بلاء وأمور تنكرونها ، فمن ثم تجئ الفتنة ، فيقول المؤمن : هذه مهلكتي ثم تنكشف ثم تجئ الفتنة ، فيقول المؤمن : هذه ، ثم تنكشف ، فمن سره منكم أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر ، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يأتوا إليه ، ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه ما استطاع ، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر) ، قال : فأدخلت رأسي من بين الناس ، فقلت : أنشدك بالله ! أسمعت هذا من رسول الله (ص) ؟ قال : - فأشار بيديه إلى أذنيه فقال : فسمعته أذناي ووعاه قلبي ، قال : قلت : هذا ابن عمك ، يأمرنا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل وأن نقتل
أنفسنا ، وقد قال الله : * (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام) * - إلى آخر الآية ، قال : فجمع يديه فوضعهما على جبهته ثم نكس هنيهة ، ثم قال أطعه في طاعة الله ، واعصه في معصية الله.
__________
(1 / 1) * (لا تأكلوا أموالكم بينكم) * سورة البقرة من الآية (188).
(*)

(8/590)


(2) حدثنا وكيع قال حدثنا الاعمش عن زيد بن وهب عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة عن عبد الله بن عمرو عن النبي (ص) بمثله إلا أن وكيعا قال : (وسيصيب آخرها بلاء وفتن يرقق بعضها بعضا ، وقال : (من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته) - ثم ذكر مثله.
(3) حدثنا وكيع عن عثمان الشحام قال حدثنا مسلم بن أبي بكرة عن أبيه قال : قال رسول الله (ص) : (إنها ستكون فتنة المضطجع فيها خير من الجالس ، والجالس خير من القائم ، والقائم خير من الماشي خير من الساعي) ، فقال رجل : يا رسول الله ! ما تأمرنا ؟ قال : (من كانت له إبل فليلحق بإبله ، ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه ، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه ، ومن لم يكن له شئ من ذلك فليعمد إلى سيفه فليضرب بحده على صخرة ثم لينج إن استطاع النجاة).
(4) حدثنا عبد الاعلى وعبيدة بن حميد عن داود عن أبي عثمان عن سعد - رفعه عبيدة ولم يرفعه عبد الاعلى - قال : (تكون فتنة القاعد فيها خير من القائم ، والقائم خير من الماشي ، والماشي خير من الساعي الساعي خير من الراكب ، والراكب خير من الموضع).
(5) حدثنا وكيع عن حماد بن نجيح عن أبي التياح عن صخر بن بدر عن خالد بن سبيع - أو سبيع بن خالد - قال : أتيت الكوفة فجلبت منها دواب ، فإني لفي مسجدها إذ جاء رجل قد اجتمع الناس عليه ، فقلت : من هذا ؟ قالوا : حذيفة بن اليمان ، قال : فجلست إليه
فقال : كان الناس يسألون النبي (ص) عن الخير ، وكنت أسأله عن الشر ، قال : قلت : يا رسول الله ! أرأيت هذا الخير الذي كنا فيه هل كان قبله شر وهل كائن بعهده شر ، قال : (نعم ، قلت : فما العصمة منه ؟ قال : السيف ، قال : فقلت : يا رسول الله ! فهل بعد السيف من بقية ؟ قال : نعم ، هدنة ، قال : قلت : يا رسول الله ! فما بعد الهدنة قال ؟ دعاة الضلالة ، فإن رأيت خليفة فالزمه وإن نهك ظهرك ضربا وأخذ مالك ، فإن لم يكن خليفة فالهرب حتى يأتيك الموت وأنت عاض على شجرة ، قال : قلت : يا رسول الله ! فما بعد ذلك ؟ قال : خروج الدجال ، قال : قلت : يا رسول الله ! فما يجئ به الدجال ؟ قال : يجئ بنار ونهر ، فمن وقع في ناره وجب أجره ، وحط وزره ، ومن وقع في نهره
__________
(1 / 2) يرقق بعضها بعضا : يتبع بعضها بعضا.
(*)

(8/591)


حط أجره ، ووجب وزره ، قال : قلت : يا رسول الله ! فما بعد الدجال ؟ قال : لو أن أحدكم أنتج فرسه ما ركب مهرها حتى تقوم الساعة).
(6) حدثنا أبو أسامة عن سليمان بن المغيرة قال : قال حميد : حدثنا نصر بن عاصم الليثي قال : سمعت حذيفة يقول : كان رسول الله (ص) يسأله الناس عن الخير وكنت أسأله عن الشر ، وعرفت أن الخير لن يسبقني ، قال : قلت : يا رسول الله ! هل بعد هذا الخير من الشر ؟ قال : (يا حذيفة ! تعلم كتاب الله واتبع ما فيه - ثلاثا ، قال : قلت : يا رسول الله ! هل بعد هذا الشر خير ؟ قال : يا حذيفة ! تعلم كتاب الله واتبع ما فيه - ثلاث مرار ، قال : قلت يا رسول الله ! هل بعد هذا الخير شر ؟ قال : فتنة عمياء صماء عليها دعاة على أبواب النار ، فإن تموت يا حذيفة ! وأنت عاض على جذل خير من أن تتبع أحدا منهم).
(7) حدثنا الفضل بن دكين قال حدثنا يونس بن أبي إسحاق عن هلال بن خباب قال حدثني عبد الله بن عمرو قال : بينا نحن حول رسول الله (ص) إذ ذكر الفتنة أو
ذكرت عنده ، قال : فقال : (إذا رأيت الناس مرجت عهودهم وخفت أماناتهم ، وكانوا هكذا - وشبك بين أصابعه - قال : فقمت إليه فقلت : كيف أفعل عند ذلك ؟ جعلني الله فداءك ؟ قال : فقال لي : الزم بيتك وأمسك عليك لسانك وخذ بما تعرف وذر ما تنكر ، وعليك بخاصة نفسك ، وذر عنك أمر العامة).
(8) حدثنا عبد الله بن نمير عن يحيى بن سعيد عن عبد الله بن عبد الرحمن الانصاري عن أبيه أنه سمع أبا سعيد يقول : قال رسول الله (ص) : (يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ، مواقع القطر ، يفر بدينه من الفتن).
(9) حدثنا ابن علية عن أيوب عن حميد بن هلال عن حجير بن الربيع قال : قال لي عمران بن حصين : أئت قومك فانهم أن يخفوا في هذا الامر ، فقلت : إني فيهم لمغموز
__________
(1 / 5) ما ركب مهرها : كناية عن قصر الوقت بين خروج الدجال وقيام الساعة.
(1 / 6) الجذل : جذع الشجرة وسمي كذلك لثباته في مكانه لا يغادره.
(1 / 7) مرجت عهودهم : فسدت.
(1 / 8) شعف الجبال : شعابها.
القطر : المطر.
(1 / 9) يخفوا في هذا الامر : يسرعوا فيه ويشاركوا.
= * أعنز حصبات : قليلة اللبن ولبنها لا زبد له أو لا يخرج زبده من البرد.
(*)

(8/592)


ولما أنا فيهم بالمطاع ، فأبلغهم عني لان أكون عبدا حبشيا في أعنز * حصبات أرعاها في رأس جبل حتى يدركني الموت أحب إلي من أن أرمي في واحد من الصفين بسهم أخطأت أو أصبت.
(10) حدثنا أبو معاوية عن الاعمش عن زيد بن وهب قال : قال حذيفة : إن للفتنة وقفات وبعثات ، فإن استطعت أت تموت في وقفاتها فافعل.
(11) حدثنا عبد الله بن إدريس عن ليث عن طاوس عن زياد سيمين كوش اليماني عن عبد الله بن عمرو قال : تكون فتنة أو فتن تستنطف العرب ، قتلاها في النار ، اللسان فيها أشد من وقع السيف.
(12) حدثنا علي بن مسهر وأبو معاوية عن عاصم عن أبي كبشة السدوسي عن أبي موسى قال : خطبنا فقال : ألا وإن من ورائكم فتنا كقطع الليل المظلم ، يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا ، ويصبح كافرا ويمسي مؤمنا ، القاعد فيها خير من القائم ، والقائم خير من الماشي ، والماشي خير من الراكب ، قالوا فما تأمرنا ؟ قال : كونوا أحلاس البيوت.
(13) حدثنا ابن إدريس عن ليث عن مجاهد قال : قال رسول الله (ص) : (بين يدي الساعة فتن كقطع الليل المظلم ، يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا ، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا ، ويبيع أقوام دينهم بعرض الدنيا).
(14) حدثنا عفان قال حدثنا همام قال حدثنا محمد بن جحادة عن عبد الرحمن بن ثروان عن الهذيل عن أبي موسى عن النبي (ص) قال : (اكسروا قسيكم - يعني في الفتنة ، واقطعوا الاوتار والزموا أجواف البيوت ، وكونوا فيها كالخير من ابني آدم).
(15) حدثنا عبد العزيز بن عبد الصمد العمي عن أبي عمران الجوني عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال : قال لي رسول الله (ص) : (يا أبا ذر ! أرأيت إن اقتتل الناس حتى تغرق حجارة الزيت من الدماء كيف أنت صانع ؟ قال : قلت : الله ورسوله أعلم ، قال : تدخل بيتك ، قال : قلت : أفأحمل السلاح ؟ قال : إذا شاركت ، قال : قلت : فما
__________
(1 / 11) تستنطف العرب : تفنيهم وتقطع ذريتهم.
(1 / 12) كونوا أحلاس البيوت : أي أقيموا في بيوتكم ولازموها.
(1 / 14) كالخير من ابني آدم : أي كونوا كالمقتول منهما ولا تكونوا كالقاتل.
ابن أبي شيبة - ج 8 - م 38 (*)

(8/593)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية