صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ الصواعق المحرقة - إبن حجر الهيتمي ]
الكتاب : الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة
المؤلف : أبي العباس أحمد بن محمد بن محمد بن علي إبن حجر الهيتمي
الناشر : مؤسسة الرسالة - بيروت
الطبعة الأولى ، 1997
تحقيق : عبدالرحمن بن عبدالله التركي وكامل محمد الخراط
عدد الأجزاء : 2

مركز شبكات الكمبيوتر الصواعق المحرقه على أهل الرفض والضلال و الزندقه ج2 ابن حجر الهيتمي

(2/1)


الباب التاسع في مآثره وفضائله ونبذ من أحواله رضي الله عنه وفيه فصول

(2/349)


الفصل الأول في إسلامه وهجرته وغيرهما
أسلم رضي الله عنه وهو ابن عشر سنين وقيل تسع وقيل ثمان وقيل دون ذلك قديما بل قال ابن عباس وأنس وزيد بن أرقم وسلمان الفارسي وجماعة إنه أول من أسلم ونقل بعضهم الإجماع عليه ومر الجمع بين هذا الإجماع والإجماع على أن أبا بكر أول من أسلم
ونقل أبو يعلى عنه قال بعث رسول الله يوم الاثنين وأسلمت يوم الثلاثاء
وأخرج ابن سعد عن الحسن بن زيد بن الحسن قال لم يعبد الأوثان قط لصغره
أي ومن ثم يقال فيه كرم الله وجهه وألحق به الصديق في ذلك لما قيل إنه لم يعبد صنما قط
وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة وأخو رسول الله بالمؤاخاة وصهره على فاطمة سيدة نساء العالمين وأحد السابقين إلى الإسلام وأحد العلماء

(2/351)


الربانيين والشجعان المشهورين والزهاد المذكورين والخطباء المعروفين وأحد من جمع القرآن وعرضه على رسول الله وعرض عليه أبو الأسود الدؤلي وأبو عبد الرحمن السلمي وعبد الرحمن بن أبي ليلى
ولما هاجر النبي إلى المدينة أمره أن يقيم بعده بمكة أياما حتى يؤدي عنه أمانته والودائع والوصايا التي كانت عند النبي ثم يلحقه بأهله ففعل ذلك
وشهد مع النبي سائر المشاهد إلا تبوك إنه استخلفه على المدينة وقال له حينئذ أنت مني بمنزلة هارون من موسى كما مر
له في جميع المشاهد الآثار المشهورة وأصابه يوم أحد ست عشرة ضربة وأعطاه النبي اللواء في مواطن كثيرة سيما يوم خيبر وأخبر أن الفتح يكون على يده كما في الصحيحين وحمل يومئذ باب حصنها على ظهره حتى صعد المسلمون عليه ففتحوها وأنهم جروه بعد ذلك فلم يحمله إلا أربعون رجلا وفي رواية أنه تناول بابا من الحصن حصن خيبر فتترس به عن نفسه فلم يزل يقاتل وهو في يده حتى فتح الله عليهم ثم ألقاه فأراد ثمانية أن يلقوه فما استطاعوا

(2/352)


الفصل الثاني في فضائله رضي الله عنه وكرم الله وجهه
وهي كثيرة عظيمة شهيرة حتى قال أحمد ما جاء لأحد من الفضائل ما جاء لعلي
وقال إسماعيل القاضي والنسائي وأبو علي النيسابوري لم يرد في حق أحد من الصحابة بالأسانيد الحسان أكثر مما جاء في علي
قال بعض المتأخرين من ذرية أهل البيت النبوي وسبب ذلك والله أعلم أن الله تعالى أطلع نبيه على ما يكون بعده مما ابتلي به علي وما وقع من الاختلاف لما آل إليه أمر الخلافة فاقتضى ذلك نصح الأمة بإشهاره بتلك الفضائل لتحصل النجاة لمن تمسك به ممن بلغته ثم لما وقع ذلك الاختلاف والخروج عليه نشر من سمع من الصحابة تلك الفضائل وبثها نصحا للأمة أيضا ثم لما اشتد الخطب واشتغلت طائفة من بني أمية بتنقيصه وسبه على المنابر ووافقهم الخوارج لعنهم الله بل قالوا بكفره اشتغلت جهابذة الحفاظ من أهل السنة ببث فضائله حتى كثرت نصحا للأمة ونصرة للحق
ثم اعلم أنه سيأتي في فضائل أهل البيت أحاديث مستكثرة من فضائله فلتكن منك على ذكر وإنه مر في كثير من الأحاديث السابقة في فضائل أبي بكر جمل من فضائل علي واقتصرت هنا على أربعين حديثا لأنها من غرر فضائله

(2/353)


الحديث الأول أخرج الشيخان عن سعد بن وقاص وأحمد والبزار عن أبي سعيد الخدري والطبراني عن أسماء بنت عميس وأم سلمة وحبشي ابن جنادة وابن عمر وابن عباس وجابر بن سمرة وعلي والبراء بن عازب وزيد بن أرقم أن رسول الله خلف علي بن أبي طالب في غزوة تبوك فقال يا رسول الله تخلفني في النساء والصبيان فقال أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي
ومر الكلام على هذا الحديث مستوفى في الثاني عشر من الشبه
الحديث الثاني أخرج الشيخان أيضا عن سهل بن سعد والطبراني عن ابن عمر وابن أبي ليلى وعمران بن حصين والبزار عن ابن عباس أن رسول الله قال يوم خيبر لأعطين الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله فبات الناس يذكرون أي يخوضون ويتحدثون ليلتهم أيهم يعطاها فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله كلهم يرجو أن يعطاها فقال أين علي بن أبي طالب فقيل يشتكي عينيه
قال فأرسلوا إليه فأتي به فبصق رسول الله في عينيه ودعا له فبرىء حتى كان لم يكن به وجع فأعطاه الراية
وأخرج الترمذي عن عائشة رضي الله عنها كانت فاطمة أحب الناس إلى رسول الله وزوجها علي أحب الرجال إليه

(2/354)


الحديث الثالث أخرج مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال لما نزلت هذه الآية ندع أبناءنا وأبناءكم آل عمران 61 دعا رسول الله عليا وفاطمة وحسنا وحسينا فقال اللهم هؤلاء أهلي
الحديث الرابع قال يوم غدير خم من كنت مولاه فعلي مولاه
اللهم وال من والاه وعاد من عاداه الحديث وقد مر في حادي عشر الشبه وأنه رواه عن النبي ثلاثون صحابيا وأن كثيرا من طرقه صحيح أو حسن ومر الكلام ثم على معناه مستوفى
وروى البيهقي أنه ظهر علي من البعد
فقال أنا سيد العالمين وهو سيد العرب
ورواه الحاكم في صحيحه عن ابن عباس بلفظ أنا سيد ولد آدم وعلي سيد العرب

(2/355)


وقال إنه صحيح ولم يخرجاه وله شواهد كلها ضعيفة كما بينه بعض محققي المحدثين
بل جنح الذهبي إلى الحكم على ذلك بالوضع وعلى فرض صحته فسيادته لهم إما من حيث النسب أو نحوه فلا يستلزم أفضليته على الخلفاء الثلاثة قبله لما مر من الأدلة الصريحة في ذلك
الحديث الخامس أخرج الترمذي والحاكم وصححه عن بريدة قال قال رسول الله إن الله أمرني بحب أربعة وأخبرني أنه يحبهم
قيل يا رسول الله سمهم لنا
قال علي منهم يقول ذلك ثلاثا وأبو ذر والمقداد وسلمان
الحديث السادس أخرج أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه عن حبشي بن جنادة قال قال رسول الله علي مني وأنا من علي ولا يؤدي عني إلا أنا أو علي

(2/356)


الحديث السابع أخرج الترمذي عن ابن عمر قال آخى النبي بين أصحابه فجاء علي تدمع عيناه فقال يا رسول الله آخيت بين أصحابك ولم تؤاخ بيني وبين أحد
فقال أنت أخي في الدنيا والآخرة
الحديث الثامن أخرج مسلم عن علي قال والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي إلي أنه لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق
وأخرج الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال كنا نعرف المنافقين ببغضهم عليا
الحديث التاسع أخرج البزار والطبراني في الأوسط عن جابر بن عبد الله والطبراني والحاكم والعقيلي في الضعفاء وابن عدي عن ابن عمر والترمذي والحاكم عن علي قال قال رسول الله أنا من مدينة العلم وعلي بابها وفي رواية فمن أراد العلم فليأت الباب وفي أخرى عند الترمذي عن علي أنا

(2/357)


دار الحكمة وعلي بابها
وفي أخرى عند ابن عدي علي باب علمي
وقد اضطرب الناس في هذا الحديث فجماعة على أنه موضوع منهم ابن الجوزي والنووي وناهيك بهما معرفة بالحديث وطرقه حتى قال بعض محققي المحدثين لم يأت بعد النووي من يدانيه في علم الحديث فضلا عن أن يساويه
وبالغ الحاكم على عادته وقال إن الحديث صحيح وصوب بعض محققي المتأخرين المطلعين من المحدثين أنه حديث حسن ومر الكلام عليه
الحديث العاشر أخرج الحاكم وصححه عن علي قال بعثني رسول الله إلى اليمن فقلت يا رسول الله بعثتني وأنا شاب أقضي بينهم ولا أدري ما القضاء
فضرب صدري بيده ثم قال اللهم اهد قلبه وثبت لسانه فوالذي فلق الحبة ما شككت في قضاء بين اثنين
قيل وسبب قوله أقضاكم علي السابق في أحاديث أبي بكر أن

(2/358)


رسول الله كان جالسا مع جماعة من أصحابه فجاء خصمان فقال أحدهما يا رسول الله إن لي حمارا وإن لهذا بقرة وإن بقرته قتلت حماري فبدأ رجل من الحاضرين فقال لا ضمان على البهائم فقال
اقض بينهما يا علي فقال علي لهما أكانا مرسلين أم مشدودين أم أحدهما مشدودا والآخر مرسلا فقال كان الحمار مشدودا والبقرة مرسلة وصاحبها معها فقال علي على صاحب البقرة ضمان الحمار فأقر رسول الله حكمه وأمضى قضاءه
الحديث الحادي عشر أخرج ابن سعد عن علي أنه قيل له مالك أكثر أصحاب رسول الله حديثا قال إني كنت إذا سألته أنبأني وإذا سكت ابتدأني
الحديث الثاني عشر أخرج الطبراني في الأوسط بسند ضعيف عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله الناس من شجر شتى وأنا وعلي من شجرة واحدة
الحديث الثالث عشر أخرج البزار عن سعد قال قال رسول الله لعلي لا يحل لأحد أن يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك

(2/359)


الحديث الرابع عشر أخرج الطبراني والحاكم وصححه عن أم سلمة قالت كان رسول الله إذا غضب لم يحترىء أحد أن يكلمه إلا علي
الحديث الخامس عشر أخرج الطبراني والحاكم عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي قال النظر إلى علي عبادة إسناده حسن
الحديث السادس عشر أخرج أبو يعلى والبزار عن سعد بن أبي وقاص قال قال رسول الله من آذى عليا فقد آذاني
الحديث السابع عشر أخرج الطبراني بسند حسن عن أم سلمة عن رسول الله قال من أحب عليا فقد أحبني ومن أحبني فقد أحب الله ومن أبغض عليا فقد أبغضني ومن أبغضني فقد أبغض الله
الحديث الثامن عشر أخرج أحمد والحاكم وصححه عن أم سلمة قالت سمعت رسول الله يقول من سب عليا فقد سبني

(2/360)


الحديث التاسع عشر أخرج أحمد والحاكم بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله قال لعلي إنك تقاتل عن تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله
الحديث العشرون أخرج البزار وأبو يعلى والحاكم عن علي قال دعاني رسول الله فقال إن فيك مثلا من عيسى أبغضته اليهود حتى بهتوا أمه وأحبته النصارى حتى نزلوه بالمنزلة الذي ليس به ألا وإنه يهلك في اثنان محب مفرط يقرظني بما ليس في ومبغض يحمله شنآني على أن يبهتني
الحديث الحادي والعشرون أخرج الطبراني في الأوسط عن أم سلمة قالت سمعت رسول الله يقول علي مع القرآن والقرآن مع علي لا يفترقان حتى يردا علي الحوض
الحديث الثاني والعشرون أخرج أحمد والحاكم بسند صحيح عن عمار بن ياسر أن النبي قال لعلي أشقى الناس رجلان أحيمر ثمود الذي عقر الناقة والذي يضربك يا علي على هذه يعني قرنه حتى يبل منه هذه يعني لحيته

(2/361)


وقد ورد ذلك من حديث علي وصهيب وجابر بن سمرة وغيرهم
وأخرج أبو يعلى عن عائشة قالت رأيت النبي التزم عليا وقبله وهو يقول بأبي الوحيد الشهيد
وروى الطبراني وأبو يعلى بسند رجاله ثقات إلا واحدا منهم فإنه موثق أيضا أنه قال له يوما من أشقى الأولين قال الذي عقر الناقة يا رسول الله
قال صدقت
قال فمن أشقى الآخرين قال لا علم لي يا رسول الله قال الذي يضربك على هذه وأشار إلى يافوخه كان علي رضي الله عنه يقول لأهل العراق أي عند تضجره منهم وددت أنه قد انبعث أشقاكم فخضب هذه يعني لحيته من هذه ووضع يده على مقدم رأسه
وصح أيضا أن ابن سلام قال له لا تقدم العراق فإني أخشى أن يصيبك بها ذباب السيف
فقال علي وايم الله لقد أخبرني به رسول الله قال أبو الأسود فما رأيت كاليوم قط محاربا يخبر بذا عن نفسه

(2/362)


الحديث الثالث والعشرون أخرج الحاكم وصححه عن أبي سعيد الخدري قال اشتكى الناس عليا فقام رسول الله فينا خطيبا
فقال لا تشكو عليا فوالله إنه لأخيشن في ذات الله أو في سبيل الله
الحديث الرابع والعشرون أخرج أحمد والضياء عن زيد بن أرقم أن رسول الله قال إني أمرت بسد هذه الأبواب غير باب علي فقال فيه قائلكم وإني والله ما سددت شيئا ولا فتحته ولكني أمرت بشيء فاتبعته
ولا يشكل هذا الحديث بما مر في أحاديث خلافة أبي بكر من أمره بسد الخوخ جميعها إلا خوخة أبي بكر لأن ذلك فيه التصريح بأن أمره بالسد كان في مرض موته وهذا ليس فيه ذلك فيحمل هذا على أمر متقدم على المرض فلأجل ذلك اتضح قول العلماء إن ذاك فيه إشارة إلى خلافة أبي بكر على أن ذاك الحديث أصح من هذا وأشهد
الحديث الخامس والعشرون أخرج الترمذي والحاكم عن عمران بن حصين أن رسول الله قال ما تريدون من علي ما تريدون من علي ماتريدون من علي إن عليا مني وأنا منه وهو ولي كل مؤمن بعدي ومر الكلام في حادي عشر الشبه على هذا الحديث وبيان معناه وما فيه

(2/363)


الحديث السادس والعشرون أخرج الطبراني عن أنب مسعود أن النبي قال إن الله تبارك وتعالى أمرني أن أزوج فاطمة من علي
الحديث السابع والعشرون أخرج الطبراني عن جابر والخطيب عن ابن عباس أن النبي قال إن الله جعل ذرية كل نبي في صلبه وجعل ذريتي في صلب علي بن أبي طالب
الحديث الثامن والعشرون أخرج الديلمي عن عائشة أن النبي قال خير إخوتي علي وخير أعمامي حمزة
الحديث التاسع والعشرون أخرج الديلمي أيضا عن عائشة والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس أن النبي قال السبق ثلاثة فالسابق إلى موسى يوشع بن نون والسابق إلى عيسى صاحب يس والسابق إلى محمد علي بن أبي طالب
الحديث الثلاثون أخرج ابن النجار عن ابن عباس أن النبي قال

(2/364)


الصديقون ثلاثة حزقيل مؤمن آل فرعون وحبيب النجار صاحب يس وعلي ابن أبي طالب
الحديث الحادي والثلاثون أخرج أبو نعيم وابن عساكر عن أبي ليلى أن رسول الله قال الصديقون ثلاثة حبيب النجار مؤمن آل يس قال يا قوم اتبعوا المرسلين وحزقيل مؤمن آل فرعون الذي قال أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وعلي بن أبي طالب وهو أ فضلهم
الحديث الثاني والثلاثون أخرج الخطيب عن أنس أن النبي قال عنوان صحيفة المؤمن حب علي بن أبي طالب
الحديث الثالث والثلاثون أخرج الحاكم عن جابر أن النبي قال علي إمام البررة وقاتل الفجرة منصور من نصره مخذول من خذله
الحديث الرابع والثلاثون أخرج الدارقطني في الأفراد عن ابن عباس أن

(2/365)


النبي قال علي باب حطة من دخل منه كان مؤمنا ومن خرج منه كان كافرا
الحديث الخامس والثلاثون أخرج الخطيب عن البراء والديلمي عن ابن عباس أن النبي قال علي مني بمنزلة رأسي من بدني
الحديث السادس والثلاثون أخرج البيهقي والديلمي عن أنس أن النبي قال علي يزهر في الجنة ككوكب الصبح لأهل الدنيا
الحديث السابع والثلاثون أخرج ابن عدي عن علي أن النبي قال علي يعسوب المؤمنين والمال يعسوب المنافقين
الحديث الثامن والثلاثون أخرج البزار عن أنس أن النبي قال علي يقضي ديني
الحديث التاسع والثلاثون أخرج الترمذي والنسائي والحاكم أن النبي

(2/366)


قال إن الجنة لتشتاق إلى ثلاثة علي وعمار وسلمان
الحديث الأربعون أخرج الشيخان عن سهل أن النبي وجد عليا مضطجعا في المسجد وقد سقط رداؤه عن شقه فأصابه تراب فجعل النبي يمسحه عنه ويقول قم أبا تراب
فلذلك كانت هذه الكنية أحب الكنى إليه لأنه كناه بها ومر أن النبي قال أربعة لا يجتمع حبهم في قلب منافق ولا يحبهم إلا مؤمن أبو بكر وعمر وعثمان وعلي
وأخرجه النسائي والحاكم عن علي أن النبي قال إن كل نبي أعطي سبعة نجباء رفقاء وأعطيت أنا أربعة عشر علي والحسن والحسين وجعفر وحمزة وأبو بكر وعمر
الحديث
وأخرج ابن المظفر وابن أبي الدنيا عن أبي سعيد الخدري قال خرج علينا رسول الله في مرضه الذي توفي فيه ونحن في صلاة الغداة فقال إني تركت فيكم كتاب الله عز و جل وسنتي فاستنطقوا القرآن بسنتي فإنه لن تعمى

(2/367)


أبصاركم ولن تزل أقدامكم ولن تقصر أيديكم ما أخذتم بهما ثم قال أوصيكم بهذين خيرا وأشار إلى علي والعباس لا يكف عنهما أحد ولا يحفظهما علي إلا أعطاه الله نورا حتى يرد به علي يوم القيامة
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن عوف قال لما فتح رسول الله مكة انصرف إلى الطائف فحصرها سبع عشرة ليلة أو تسع عشرة ليلة ثم قام خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أوصيكم بعترتي خيرا وإن موعدكم الحوض مني والذي نفسي بيده لتقيمن الصلاة ولتؤتن الزكاة أو لأبعثن إليكم رجلا مني أو كنفسي يضرب أعناقكم ثم أخذ بيد علي رضي الله عنه ثم قال هو هذا وفيه رجل اختلف في تضعيفه وبقية رجاله ثقات
وفي رواية أنه قال في مرض موته أيها الناس يوشك أن أقبض قبضا سريعا قينطلق بي وقد قدمت إليكم القول معذرة إليكم ألا إني مخلف فيكم كتاب ربي عز و جل وعترتي أهل بيتي ثم أخذ بيد علي فرفعها فقال هذا علي مع القرآن والقرآن مع علي لا يفترقان حتى يردا علي الحوض فأسألهما ما خلفت فيهما

(2/368)


وأخرج أحمد في المناقب عن علي قال طلبني النبي في حائط فضربني برجله وقال قم فوالله لأرضيك أنت أخي وأبو ولدي فقاتل على سنتي من مات على عهدي فهو في كنز الجنة ومن مات على عهدك فقد قضى نحبه ومن مات يحبك بعد موتك ختم الله له بالأمن والإيمان ما طلعت شمس أو غربت
وأخرج الدارقطني أن عليا قال للستة الذين جعل عمر الأمر شورى بينهم كلاما طويلا من جملته أنشدكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله يا علي أنت قسيم الجنة والنار يوم القيامة غيري قالوا اللهم لا
ومعناه ما رواه غيره عن علي الرضا أنه قال له أنت قسيم الجنة والنار فيوم القيامة تقول النار هذا لي وهذا لك
وروى ابن السماك أن أبا بكر قال له رضي الله عنهما سمعت رسول الله يقول لا يجوز أحد الصراط إلا من كتب له علي الجواز
وأخرج البخاري عن علي رضي الله عنه أنه قال أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة
قال قيس وفيهم نزلت هذه الآية هذان

(2/369)


خصمان اختصموا في ربهم الحج 19 قال هم الذين بارزوا يوم بدر علي وحمزة وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة

(2/370)


الفصل الثالث في ثناء الصحابة والسلف عليه
أخرج ابن سعد عن أبي هريرة قال قال عمر بن الخطاب علي أقضانا
وأخرج الحاكم عن ابن مسعود قال أقضي أهل المدينة علي وأخرج ابن سعد عن ابن عباس قال إذا حدثنا ثقة عن علي الفتيا لا نعدوها
أي لا نتجاوزها
وأخرج عن سعيد بن المسيب قال كان عمر بن الخطاب يتعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو الحسن يعني عليا
وأخرج عنه قال لم يكن أحد من الصحابة يقول سلوني إلا علي

(2/371)


وأخرج ابن عساكر عن ابن مسعود رضي الله عنه قال أفرض أهل المدينة وأقضاها علي
وذكر عند عائشة رضي الله عنها فقالت إنه أعلم من بقي بالسنة
وقال مسروق انتهى علم أصحاب رسول الله إلى عمر وعلي وابن مسعود
وقال عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة كان لعلي ما شئت من ضرس قاطع في العلم وكان له القدم في الإسلام والصهر برسول الله والفقه في السنة والنجدة في الحرب والجود في المال
وأخرج الطبراني وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال ما أنزل الله يا أيها الذين آمنوا إلا وعلي أميرها وشريفها ولقد عاتب الله أصحاب محمد في غير مكان وما ذكر عليا إلا بخير

(2/372)


وأخرج ابن عساكر عنه قال ما نزل في أحد من كتاب الله تعالى ما نزل في علي
وأخرج ابن عساكر عنه قال نزل في علي ثلاثمائة آية
وأخرج الطبراني عنه قال كانت لعلي ثمان عشرة منقبة ما كانت لأحد من هذه الأمة
وأخرج أبو يعلى عن أبي هريرة قال قال عمر بن الخطاب لقد أعطي علي ثلاث خصال لأن تكون لي خصلة منها أحب إلي من حمر النعم فسئل ما هي قال تزويجه ابنته وسكناه في المسجد لا يحل لي فيه ما يحل له والراية يوم خيبر
وروى أحمد بسند صحيح عن ابن عمر نحوه
وأخرج أحمد وأبو يعلى بسند صحيح عن علي قال ما رمدت ولا صدعت منذ مسح رسول الله وجهي وتفل في عيني يوم خيبر حين

(2/373)


أعطاني الراية
ولما دخل الكوفة دخل عليه حكم من العرب فقال والله يا أمير المؤمنين لقد زينت الخلافة وما زينتك ورفعتها وما رفعتك وهي كانت أحوج إليك منك إليها
وأخرج السلفي في الطيوريات عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال سألت أبي عن علي ومعاوية فقال اعلم أن عليا كان كثير الأعداء ففتش له أعداؤه شيئا فلم يجدوه فجاؤا إلى رجل قد حاربه وقاتله فأطروه كيدا منهم له

(2/374)


الفصل الرابع في نبذ من كلماته وقضاياه الدالة علىعلو قدره علما وحكمة وزهدا ومعرفة بالله تعالى
أخرج ابن سعد عنه قال والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيم نزلت وأين نزلت وعلى من نزلت إن ربي وهب لي قلبا عقولا ولسانا ناطقا
وأخرج ابن سعد وغيره عن أبي الطفيل قال قال علي سلوني عن كتاب الله فإنه ليس من آية إلا وقد عرفت بليل نزلت أم بنهار أم في سهل أم جبل
وأخرج ابن أبي داود عن محمد بن سيرين قال لما توفي رسول الله أبطأ علي عن بيعة أبي بكر فلقيه أبو بكر فقال أكرهت إمارتي فقال لا ولكن آليت لا أرتدي بردائي إلا إلى الصلاة حتى أجمع القرآن فزعموا أنه كتبه على تنزيله قال محمد ابن سيرين لو أصبت ذلك الكتاب كان فيه العلم
ومن كراماته الباهرة أن الشمس ردت علي لما كان رأس النبي في حجره والوحي ينزل عليه وعلي لم يصل العصر فما سري عنه إلا وقد

(2/375)


غربت الشمس فقال النبي اللهم إنه كان في طاعتك وطاعة رسولك فاردد عليه الشمس فطلعت بعدما غربت
وحديث ردها صححه الطحاوي والقاضي في الشفاء وحسنه شيخ الإسلام أبو زرعة وتبعه غيره وردوا علىجمع قالوا إنه موضوع وزعم فوات الوقت بغروبها فلا فائدة لردها في محل المنع
بل نقول كما أن ردها خصوصية كذلك إدراك العصر الآن أداء خصوصية وكرامة على أن في في ذلك أعني أن الشمس إذا غربت ثم عادت هل يعود الوقت بعودها ترددا حكيته مع بيان المتجه منه في شرح العباب في أوائل كتاب الصلاة
قال سبط ابن الجوزي وفي الباب حكاية عجيبة حدثني بها جماعة من مشايخنا بالعراق أنهم شاهدوا أبا منصور المظفر بن أردشير القباوي الواعظ ذكر بعد العصر هذا الحديث ونمقه بألفاظه وذكر فضائل أهل البيت فغطت

(2/376)


سحابة الشمس حتى ظن الناس أنها قد غابت فقام على المنبر وأومأ إلى الشمس وأنشد
لا تغربي يا شمس حتى ينتهي ... مدحي لآل المصطفى ولنجله
واثني عنانك إن أردت ثناءهم ... أنسيت إذ كان الوقوف لأجله
إن كان للمولى وقوفك فليكن ... هذا الوقوف لخيله ولرجله
قالوا فانجاب السحاب عن الشمس وطلعت
وأخرج عبد الرزاق عن حجر المرادي قال قال لي علي كيف بك إذا أمرت أن تلعنني قلت أو كائن ذلك قال نعم
قلت فكيف أصنع قال العني ولا تبرأ مني
قال فأمرني محمد بن يوسف أخو الحجاج وكان أميرا من قبل عبد الملك بن مروان على اليمن أن ألعن عليا فقلت إن الأمير أمرني إن ألعن عليا فالعنوه لعنه الله فما فطن لها إلا رجل
أي لأنه إنما لعن الأمير ولم يلعن عليا فهذا من كرامات علي وإخباره بالغيب
ومن كراماته أيضا أنه حدث بحديث فكذبه رجل فقال له أدعو عليك إن كنت كاذبا قال ادع فدعا عليه فلم يبرح حتى ذهب بصره

(2/377)


وأخرج ابن المدائني عن مجمع أن عليا كان يكنس بيت المال ثم يصلى فيه رجاء أن يشهد له أنه لم يحبس فيه المال عن المسلمين
وجلس رجلان يتغديان مع أحدهما خمسة أرغفة ومع الآخر ثلاثة أرغفة فمر بهما ثالث فأجلساه فأكلوا الأرغفة الثمانية على السواء ثم طرح لهما الثالث ثمانية دراهم عوضا عما أكله من طعامهما فتنازعا فصاحب الخمسة أرغفة يقول إن له خمسة دراهم ولصاحب الثلاثة ثلاثة وصاحب الثلاثة يدعي أن له أربعة ونصفا فاختصما إلى علي فقال لصاحب الثلاثة خذ ما رضي به صاحبك وهو الثلاثة فإن ذلك خير لك
فقال لا رضيت إلا بمر الحق فقال علي ليس لك في مر الحق إلا درهم واحد فسأله عن بيان وجه ذلك فقال علي أليست الثمانية أرغفة أربعة وعشرين ثلثا أكلتموها وأنتم ثلاثة ولا يعلم أكثركم أكلا فتحملون على السواء فأكلت أنت ثمانية أثلاث والذي لك تسعة أثلاث وأكل صاحبك ثمانية أثلاث والذي له خمسة عشر ثلثا فبقي له سبعة ولك واحد فله سبعة بسبعته ولك واحد بواحدك فقال رضيت الآن
وأتى برجل فقيل له زعم هذا أنه احتلم بأمي
فقال اذهب فأقمه في الشمس فاضرب ظله

(2/378)


ومن كلامه الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا الناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم
لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا
ماهلك امرؤ عرف قدره
قيمة كل امرىء ما يحسنه
من عرف نفسه فقد عرف ربه كذا نسب هذا إليه والمشهور أنه من كلام يحيى بن معاذ الرازي المرء مخبوء تحت لسانه
من عذب لسانه كثر إخوانه
بالبر يستعبد الحر
بشر مال البخيل بحادث أو وارث
لا تنظر الذي قال وانظر إلى ما قال
الجزع عند البلاء تمام المحنة
لا ظفر مع البغي
لا ثناء مع الكبر
ولا صحة مع النهم والتخم
لا شرف مع سوء الأدب
لا راحة مع الحسد
لا سؤدد مع الانتقام
لا صواب مع ترك المشورة
لا مروءة للكذوب
لا كرم أعز من التقى
لا شفيع أنجح من التوبة
لا لباس أجمل من العافية
لا داء أعيى من الجهل
المرء عدو ما جهله
رحم الله امرءا عرف قدره ولم يتعد طوره
إعادة الاعتذار تذكير بالذنب
النصح بين الملأ تقريع
نعمة الجاهل كروضة على مزبلة
الجزع أتعب من الصبر
المسؤول حر حتى يعد
أكبر الأعداء أخفاهم مكيدة
الحكمة ضالة المؤمن
البخل جامع لمساوىء العيوب
إذا حلت المقادير ضلت التدابير
عبد الشهوة أذل من عبد الرق
الحاسد مغتاظ على من لا ذنب له
كفى بالذنب شفيعا للمذنب
السعيد من وعظ بغيره
الإحسان يقطع اللسان
أفقر الفقر الحمق

(2/379)


أغنى الغنى العقل
الطامع في وثاق الذل
ليس العجب ممن هلك كيف هلك بل العجب ممن نجا كيف نجا
احذروا نفار النعم فما شارد بمردود
أكثر مصارع العقول تحت بروق الأطماع
إذا وصلت إليكم النعم فلا تنفروا أقصاها بقلة الشكر
إذا قدرت على عدوك فاجعل العفو عنه شكر القدرة عليه ما أضمر أحد شيئا إلا ظهر في فلتات لسانه وعلى صفحات وجهه
البخيل يستعجل الفقر ويعيش في الدنيا عيش الفقراء ويحاسب في الآخرة حساب الأغنياء
لسان العاقل وراء قلبه وقلب الأحمق وراء لسانه العلم يرفع الوضيع والجهل يضع الرفيع
العلم خير من المال
العلم يحرسك وأنت تحرس المال
العلم حاكم والمال محكوم عليه
قصم ظهري عالم متهتك وجاهل متنسك هذا يفتى وينفر الناس بتهتكه وهذا يضل الناس بتنسكه
أقل الناس قيمة أقلهم علما إذ قيمة كل امرىء ما يحسنه
وكلامه رضي الله عنه في هذا الأسلوب البديع كثير تركته خوف الإطالة
ومن كلامه أيضا كونوا في الناس كالنحلة في الطير إنه ليس في الطير شيء إلا وهو يستضعفها ولو يعلم الطير ما في أجوافها من البركة لم يفعلوا ذلك بها
خالطوا الناس بألسنتكم وأجسادكم وزايلوهم بأعمالكم وقلوبكم فإن للمرء ما اكتسب وهو يوم القيامة مع من أحب
ومنه كونوا بقبول العمل أشد اهتماما منكم بالعمل
فإنه لن يقل عمل مع التقوى وكيف يقل عمل متقبل

(2/380)


ومنه يا حملة القرآن اعملوا به فإن العالم من عمل بما علم ووافق علمه عمله وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم تخالف سريرتهم علانيتهم ويخالف عملهم علمهم يجلسون حلقا فيباهي بعضهم بعضا حتى إن الرجل يغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره ويدعه أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى الله
ومنه لا يخافن أحد منكم إلا ذنبه ولا يرجون إلا ربه ولا يستحيي من لا يعلم أن يتعلم ولا يستحيي من يعلم إذا سئل عما لا يعلم أن يقول أعلم
الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد
ومنه الفقيه كل الفقيه من لا يقنط الناس من نفسه رحمة الله ولا يرخص لهم في معاصي الله ولم يؤمنهم عذاب الله ولم يدع القرآن رغبة عنه إلى غيره
ومنه لا خير في عبادة لا علم فيها ولا خير في علم لا فهم معه ولا خير في قراءة لا تدبر فيها
ومنه ما أبردها على كبدي إذا سئلت عما لا أعلم أن أقول الله أعلم
ومنه من أراد أن ينصف الناس من نفسه فليحب لهم ما يحب لنفسه
ومنه سبع من الشيطان شدة الغضب وشدة العطاس وشدة التثاؤب والقيء والرعاف والنجوى والنوم عند الذكر

(2/381)


ومنه الحزم سوء الظن وهو حديث ولفظه إن من الحزم سوء الظن
ومنه التوفيق خير قائد وحسن الخلق خير قرين والعقل خير صاحب والأدب خير ميراث ولا وحشة أشد من العجب
وقال لما سئل عن القدر طريق مظلم لا تسلكه وبحر عميق لا تلجه سر الله قد خفي عليك فلا تفشه
أيها السائل إن الله خلقك كما شاء أو كما شئت قال بل كما شاء
قال فيستعملك كما شاء
وقال إن للنكبات نهايات لا بد لأحد إذا نكب أن ينتهي إليها فينبغي للعاقل إذا أصابته نكبة أن ينام لها حتى تنقضي مدتها فإن في رفعها قبل انقضاء مدتها زيادة في مكروهها
وسئل عن السخاء فقال ما كان منه ابتداء فأما ما كان عن مسألة فحياء وتكرم
وأثنى عليه عدو له فأطراه فقال إني لست كما تقول وأنا فوق ما في نفسك
وقال جزاء المعصية الوهن في العبادة والضيق في المعيشة والنغص في

(2/382)


اللذة قيل وما النغص قال لا ينال شهوة حلال إلا جاءه ما ينغصه إياها
وقال له عدوه ثبتك الله فقال على صدرك
ولما ضربه ابن ملجم قال للحسن وقد دخل عليه باكيا يا بني احفظ عني أربعا وأربعا قال وما هن يا أبت قال إن أغنى الغنى العقل وأكبر الفقر الحمق وأوحش الوحشة العجب وأكرم الكرم حسن الخلق
قال فالأربع الأخر قال إياك ومصاحبة الأحمق فإنه يريد أن ينفعك فيضرك وإياك ومصادقة الكذاب فإنه يقرب عليك البعيد ويبعد عليك القريب وإياك ومصادقة البخيل فإنه يخذلك في ماله أحوج ما تكون إليه وإياك ومصادقة الفاجر فإنه يبيعك بالتافه
وقال له يهودي متى كان ربنا فتغير وجهه قال لم يكن فكان هو كان ولا كينونة كان بلا كيف كان ليس له قبل ولا غاية انقطعت الغايات دونه فهو غاية كل غاية فأسلم اليهودي
وافتقد درعا وهو بصفين فوجدها عند يهودي فحاكمه فيها إلى قاضيه شريح وجلس بجنبه وقال لولا أن خصمي يهودي لاستويت معه في المجلس ولكني سمعت رسول الله يقول لا تسووا بينهم في المجالس وفي رواية اصغروهم من حيث أصغرهم الله ثم ادعى بها فأنكر اليهودي فطلب شريح

(2/383)


بينة من علي فأتى بقنبر والحسن فقال له شريح شهادة الابن لأبيه لا تجوز فقال اليهودي أمير المؤمنين قدمني إلى قاضيه وقاضيه قضى عليه أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله وأن الدرع درعك
وأخرج الواقدي عن ابن عباس قال كان مع علي أربعة دراهم لا يملك غيرها فتصدق بدرهم ليلا وبدرهم نهارا وبدرهم سرا وبدرهم علانية فنزل فيه الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف بم ولا هم يحزنون البقرة 274
وقال معاوية لضرار بن حمزة صف لي عليا فقال اعفني فقال أقسمت عيلك بالله فقال كان والله بعيد المدى شديد القوى يقول فصلا ويحكم عدلا يتفجر العلم من جوانبه وتنطق الحكمة من لسانه يستوحش من الدنيا وزهرتها ويأنس بالليل ووحشته بالنهار وكان غزير الدمعة طويل الفكرة يعجبه من اللباس ما قصر ومن الطعام ما خشن وكان فينا كأحدنا يجيبنا إذا سألناه ويأتينا إذا دعوناه ونحن والله مع تقريبه إيانا وقربه منا لا نكاد نكلمه هيبة له يعظم أهل الدين ويقرب المساكين لا يطمع القوي في باطله ولا ييأس الضعيف من عدله وأشهد لقدر رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله

(2/384)


وغارت نجومه قابضا على لحيته يتململ السليم أي اللديغ ويبكي بكاء الحزين ويقول يا دنيا غري غيري ألي أو إلي تشوفت هيهات هيهات قد باينتك ثلاثا لا رجعة فيها فعمرك قصير وخطرك قليل آه آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق
فبكى معاوية وقال رحم الله أبا الحسن كان والله كذلك
وسبب مفارقة أخيه عقيل له أنه كان يعطيه كل يوم من الشعير ما يكفي عياله فاشتهى عليه أولاده مريسا فصار يوفر كل يوم شيئا قليلا حتى اجتمع عنده ما اشترى به سمنا وتمرا وصنع لهم فدعوا عليا إليه فلما جاء وقدم له ذلك سأل عنه فقصوا عليه ذلك فقال أو كان يكفيكم ذاك بعد الذي عزلتم منه قالوا نعم فنقص عنه مما كان يعطيه مقدار ما كان يعزل كل يوم وقال لا يحل لي أن أزيد من ذلك
فغضب فحمى له حديدة وقربها من خده وهو غافل فتأوه فقال تجزع من هذه وتعرضني لنار جهنم فقال لأذهبن إلى من يعطيني تبرا ويطعمني تمرا فلحق بمعاوية

(2/385)


وقد قال معاوية يوما لولا علم بأني خير له من أخيه ما أقام عندنا وتركه
فقال له عقيل أخي خير لي في ديني وأنت خير لي في دنياي وقد آثرت دنياي وأسأل الله خاتمة خير
وأخرج ابن عساكر أن عقيلا سأل عليا فقال إني محتاج وإني فقير فأعطني قال اصبر حتى يخرج عطاؤك مع المسلمين فأعطيك فألح عليه فقال لرجل خذ بيده وانطلق به إلى حوانيت أهل السوق فقل له دق هذه الأقفال وخذ ما في الحوانيت
قال تريد أن تتخذني سارقا قال وأنت تريد أن تتخذني سارقا أن آخذ أموال المسلمين فأعطيكما دونهم
قال لآتين معاوية
قال أنت قال أنت وذاك فأتى معاوية فسأله فأعطاه مئة ألف ثم قال اصعد على المنبر فاذكر ما أولاك به علي وما أوليتك فصعد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس إني أخبركم إني أردت عليا على دينه فاختار دينه وإني أردت معاوية على دينه فاختارني على دينه
وقال معاوية لخالد بن معمر لم أحببت عليا علينا قال على ثلاث خصال على حلمه إذا غضب وعلى صدقه إذا قال وعلى عدله إذا حكم
ولما وصل إليه فخر من معاوية قال لغلامه اكتب إليه ثم أملى عليه
محمد النبي أخي وصهري ... وحمزة سيد الشهداء عمي

(2/386)


وجعفر الذي يمسي ويضحي ... يطير مع الملائكة ابن أمي
وبنت محمد سكني وعرسي ... منوط لحمها بدمي ولحمي
وسبطا أحمد ابناي منها ... فأيكمو له سهم كسهمي
سبقتكم إلى الإسلام طرا ... غلاما ما بلغت أوان حلمي
قال البيهقي إن هذا الشعر مما يجب على كل أحد متوان في علي حفظه ليعلم مفاخره في الإسلام
ومناقب علي وفضائله أكثر من أن تحصى
ومن كلام الشافعي رضي الله عنه
إن نحن فضلنا عليا فإننا ... روافض بالتفضيل عند ذوي الجهل
وفضل أبي بكر إذا ما ذكرته ... رميت بنصب عند ذكري للفضل
فلا زلت ذا رفض ونصب كلاهما ... بحبهما حتى أوسد في الرمل
وقال أيضا رضي الله عنه
قالوا ترفضت قلت كلا ... ما الرفض ديني ولا اعتقادي
لكن توليت غير شك ... خير إمام وخير هادي
إن كان حب الولي رفضا ... فإنني أرفض العباد

(2/387)


وقال أيضا رضي الله عنه
يا راكبا قف بالمحصب من منى ... واهتف بساكن خيفها والناهض
سحرا إذا فاض الحجيج إلى منى ... فيضا كملتطم الفرات الفائض
إن كان رفضا حب آل محمد ... فليشهد الثقلان إني رافضي
قال البيهقي وإنما قال الشافعي في ذلك حين نسبه الخوارج إلى الرفض حسدا وبغيا
وله أيضا وقد قال له المزني إنك رجل توالي أهل البيت فلو عملت في هذا الباب أبياتا فقال
وما زال كتما منك حتى كأنني ... برد جواب السائلين لأعجم
وأكتم ودي مع صفاء مودتى ... لتسلم من قول الوشاة وأسلم

(2/388)


الفصل الخامس في وفاته رضي الله عنه
سببها أنه لما طال النزاع بينه وبين معاوية رضي الله عنهما انتدب ثلاثة نفر من الخوارج عبد الرحمن بن ملجم المرادي البرك وعمرو التيميين فاجتمعوا بمكة وتعاهدوا وتعاقدوا ليقتلن هؤلاء الثلاثة عليا ومعاوية وعمرو بن العاص ويريحوا العباد منهم فقال ابن ملجم أنا لكم بعلي وقال البرك أنا لكم بمعاوية وقال عمرو أنا لكم بعمرو وتعاهدوا على أن ذلك يكون ليلة حادي عشر أو ليلة سابع عشر رمضان ثم توجه كل منهم إلى مصر صاحبه
فقدم ابن ملجم الكوفة فلقي أصحابه من الخوارج فكاتمهم ما يريد ووافقه منهم شبيب بن عجرة الأشجعي وغيره فلما كانت ليلة الجمعة سابع عشر رمضان سنة أربعين استيقظ علي سحرا وقال لابنه الحسن رأيت الليلة رسول الله فقلت يا رسول الله ما لقيت من أمتك خيرا فقال لي ادع الله عليهم فقلت اللهم أبدلني بهم خيرا لي منهم وأبدلهم بي شرا لهم مني
وأقبل عليه الأوز يصحن في وجهه فطردوهن فقال دعوهن فإنهن نوائح ودخل عليه المؤذن فقال الصلاة فخرج علي من الباب ينادي أيها الناس الصلاة الصلاة فشد عليه شبيب فضربه بالسيف فوقع سيفه بالباب وضربه ابن ملجم

(2/389)


بسيفه فأصاب جبهته إلى قرنه ووصل دماغه وهرب فشبيب دخل منزله فدخل عليه رجل من بني أمية فقتله
وأما ابن ملجم فشد عليه الناس من كل جانب فلحقه رجل من همدان فطرح عليه قطيفة ثم صرعه وأخذ السيف منه وجاء به إلىعلي فنظر إليه وقال النفس بالنفس إن أنا مت فاقتلوه كما قتلني وإن سلمت رأيت فيه رأيي
وفي رواية والجروح قصاص
فأمسك وأوثق وأقام علي الجمعة ولاسبت وتوفي ليلة الأحد وغسله الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر ومحمد بن الحنفية يصب الماء وكفن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص وصلى عليه الحسن وكبر عليه سبعا ودفن بدار الإمارة بالكوفة ليلا أو بالقرى موضع يزار الآن أو بين منزله والجامع الأعظم أقوال
ثم قطعت أطراف ابن ملجم وجعل في قوصرة وأحرقوه بالنار
وقيل بل أمر الحسن بضرب عنقه ثم حرقت جيفته أم الهيثم بنت الأسود النخعية وكان علي في شهر رمضان الذي قتل فيه يفطر ليلة عند الحسن وليلة عند الحسين وليلة عند عبد الله بن جعفر ولا يزيد على ثلاث لقم ويقول أحب أن ألقى الله وأنا خميص فلما كانت الليلة التي قتل في صبيحتها أكثر الخروج والنظر

(2/390)


إلى السماء وجعل يقول والله ما كذبت ولا كذبت وإنها الليلة التي وعدت فلما خرج وقت السحر ضربه ابن ملجم الضربة الموعود بها كما قدمنا في أحاديث فضائله
وعمي قبر علي لئلا ينبشه الخوارج
وقال شريك نقله ابنه الحسن إلى المدينة
وأخرج ابن عساكر أنه لما قتل حملوه ليدفنوه مع رسول الله فبينما هم في مسيرهم ليلا إذ ند الجمل الذي عليه فلم يدر أين ذهب ولم يقدر عليه فلذلك يقول أهل العراق هو في السحاب
وقال غيره إن البعير وقع في بلاد طيء فأخذوه ودفنوه
وكان لعلي حين قتل ثلاث وستون سنة وقيل أربع وستون وقيل خمس وستون وقيل سبع وخمسون وقيل ثمان وخمسون
وسئل وهو على المنبر بالكوفة عن قوله تعالى رجال صدقوا ماعاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا الأحزاب 23 فقال اللهم غفرا هذه الآية نزلت في وفي عمي حمزة وفي ابن عمي عبيدة بن

(2/391)


الحرث بن عبد المطلب فأما عبيدة فقضى نحبه شهيدا يوم بدر وحمزة قضى نحبه شهيدا يوم أحد وأما أنا فأنتظر أشقاها يخضب هذه من هذه وأشار بيده إلى لحيته وراسه عهد عهده إلي حبيبي أبو القاسم
ولما أصيب دعا الحسن والحسين رضي الله عنهم فقال لهما أوصيكما بتقوى الله ولا تبغيا الدنيا وإن بغتكما ولا تبكيا على شيء زوي منها عنكما وقولا الحق وارحما اليتيم وأعينا الضعيف واصنعا للآخرة وكونا للظالم خصما وللمظلوم أنصارا واعملا لله ولا تأخذكما في الله لومة لائم ثم نظر إلى ولده محمد ابن الحنفية فقال له هل حفظت ما أوصيت به أخويك قال نعم
فقال أوصيك بمثله وأوصيك بتوقير أخويك لعظم حقهما عليك ولا توثق أمرا دونهما ثم قال أوصيكما به فإنه أخوكما وابن أبيكما وقد علمتما أن أباكما كان يحبه
ثم لم ينطق إلا بلا إله إلا الله إلى أن قبض كرم الله وجهه
وروي أن عليا جاءه ابن ملجم يستحمله فحمله ثم قال رضي الله عنه
أريد حياته ويريد قتلي ... عذيرك من خليلك من مراد
ثم قال هذا والله قاتلي فقيل له ألا تقتله فقال فمن يقتلني
وفي المستدرك عن السدي قال كان ابن ملجم عشق امرأة من الخوارج يقال

(2/392)


لها قطام فنكحها وأصدقها ثلاثة آلاف درهم وقتل علي وفي ذلك يقول الفرزدق
فلم أر مهرا ساقه ذو سماحة ... كمهر قطام بينا غير معجم
وفي رواية من فصيح وأعجم
ثلاثة آلاف وعبد وقينة ... وضرب علي بالحسام المصمم
فلا مهر أعلى من علي وإن علا ... ولا فتك إلا دون فتك ابن ملجم

(2/393)


الباب العاشر في خلافة الحسن وفضائله ومزاياه وكراماته وفيه فصول

(2/395)


الفصل الأول في خلافته
هو آخر الخلفاء الراشدين بنص جده ولي الخلافة بعد قتل أبيه بمبايعة أهل الكوفة فأقام بها ستة أشهر وأياما خليفة حق وإمام عدل وصدق تحقيقا لما اخبر به جده الصادق المصدوق بقوله الخلافة بعدي ثلاثون سنة
فإن تلك الستة الأشهر هي المكملة لتلك الثلاثين فكانت خلافته منصوصا عليها وقام عليها إجماع من ذكر فلا مرية في حقيتها ولذا أناب معاوية عنه وأقر له معاوية بذلك كما ستعلمه مما يأتي قريبا في خطبته حيث قال إن معاوية نازعني حقا وهو لي دونه
وفي كتاب الصلح والنزول عن الخلافة لمعاوية
وبعد تلك الأشهر الستة سار إلى معاوية في أربعين ألفا وسار إليه معاوية فلما تراءى الجمعان علم الحسن أنه لن يغلب أحد الفئتين حتى يذهب أكثر الأخرى فكتب إلى معاوية بخبر أنه يصير الأمر إليه على ان تكون له الخلافة من بعده

(2/397)


وعلى أن لا يطلب أحدا من أهل المدينة والحجاز والعراق بشيء مما كان أيام أبيه وعلى أن يقضي عنه ديونه فأجابه معاوية إلى طلب إلا عشرة فلم يزل يراجع حتى بعث إليه برق أبيض وقال اكتب ما شئت فيه فأنا ألتزمه
كذا في كتب السير
والذي في صحيح البخاري عن الحسن البصري رضي الله عنه قال استقبل الحسن بن علي معاوية بكتائب لا أمثال الجبال فقال عمرو بن العاص لمعاوية إني لأرى كتائب لا تولي حتى تقتل أقرانها فقال معاوية وكان والله خير الرجلين أي عمرو إن قتل هؤلاء هؤلاء وهؤلاء هؤلاء من لي بأمور المسلمين من لي بنسائهم من لي بضيعتهم فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس عبد الرحمن بن سمرة وعبدالرحمن بن عامر فقال اذهبا إلى هذا الرجل فاعرضا عليه وقولا له واطلبا إليه فدخلا عليه وتكلما وقالا له وطلبا إليه فقال لهما الحسن بن علي رضي الله عنهما إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال وإن هذه الأمة قد عامت في دمائها
قالا له فإنه يعرض عليك كذا وكذا ويطلب إليك ويسألك
قال من لي بهذا قالا نحن لك به
فما سألهما شيئا إلا قالا نحن لك به فصالحه
انتهى
ويمكن الجمع بأن معاوية أرسل إليه أولا فكتب الحسن إليه يطلب ما ذكر

(2/398)


ولما تصالحا كتب به الحسن كتابا لمعاوية صورته
بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما صالح عليه الحسن بن علي رضي الله عنهما معاوية بن أبي سفيان
صالحه على أن يسلم إليه ولاية المسلمين على أن يعمل فيهم بكتاب الله تعالى وسنة رسول الله وسيرة الخلفاء الراشدين المهديين وليس لمعاوية بن أبي سفيان أن يعهد إلى أحد من بعده عهدا بل يكون الأمر من بعده شورى بين المسلمين وعلى أن الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله تعالى في شامهم وعراقهم وحجازهم ويمنهم وعلى أن أصحاب علي وشيعته آمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم حيث كانوا وعلى معاوية بن ابي سفيان بذلك عهد الله وميثاقه وأن لا يبتغي للحسن بن علي ولا لأخيه الحسين ولا لأحد من أهل بيت رسول الله غائلة سرا ولا جهرا ولا يخيف أحدا منهم في أفق من الآفاق
أشهد عليه فلان وفلان بن فلان وكفى بالله شهيدا
ولما انبرم الصلح التمس معاوية من الحسن أن يتكلم بجمع من الناس ويعلمهم أنه قد بايع معاوية وسلم إليه الأمر فأجابه إلى ذلك فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه محمد وقال أيها الناس إن أكيس الكيس التقى وأحمق الحمق الفجور . . . إلى أن قال وقد علمتم أن الله تعالى جل ذكره وعز اسمه هداكم بجدي وأنقذكم من الضلالة وخلصكم من الجهالة وأعزكم به

(2/399)


بعد الذلة وكثركم به بعد القلة إن معاوية نازعني حقا هو لي دونه فنظرت إصلاح الأمة وقطع الفتنة وقد كنتم بايعتموني علىأن تسالموا من سالمني وتحاربوا من حاربني فرأيت أن أسالم معاوية وأضع الحرب بيني وبينه وقد بايعته ورأيت أن حقن الدماء خير من سفكها ولم أرد بذلك إلا صلاحكم وبقاءكم وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين
ومما شرح الله به صدره في هذا الصلح ظهور معجزة النبي في قوله في حق الحسن إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين
رواه البخاري
وأخرج الدولابي أن الحسن قال إن كانت جماجم العرب بيدي يسالمون من سالمت ويحاربون من حاربت فتركتها ابتغاء وجه الله وحقن دماء المسلمين
وكان نزوله عنها سنة إحدى وأربعين في شهر ربيع الأول وقيل الآخر

(2/400)


وقيل في جمادى الأولى فكان أصحابه يقولون له يا عار المؤمنين
فيقول العار خير من النار
وقال رجل السلام عليك يا مذل المؤمنين فقال لست بمذل المؤمنين ولكني كرهت أن أقتلكم على الملك
ثم ارتحل من الكوفة إلىالمدينة وأقام بها

(2/401)


الفصل الثاني في فضائله رضي الله عنه
الحديث الاول أخرج الشيخان عن البراء قال رأيت رسول الله والحسن على عاتقه وهو يقول اللهم إني أحبه فأحبه
الحديث الثاني أخرج البخاري عن أبي بكرة قال سمعت رسول الله على المنبر والحسن إلى جنبه ينظر إلى الناس مرة وإليه مرة ويقول إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين
الحديث الثالث أخرج عن ابن عمر قال قال النبي هما ريحانتاي من الدنيا يعني الحسن والحسين
الحديث الرابع أخرج الترمذي والحاكم عن أبي سعيد الخدري قال قال

(2/403)


رسول الله الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة
الحديث الخامس أخرج الترمذي عن أسامة بن زيد قال رأيت رسول الله والحسن والحسين على وركيه فقال هذان ابناي وابنا ابنتي اللهم إني أحبهما وأحب من يحبهما
الحديث السادس أخرج الترمذي عن أنس قال سئل رسول الله أي أهل بيتك أحب إليك قال الحسن والحسين
الحديث السابع أخرج الحاكم عن ابن عباس قال أقبل النبي وقد حمل الحسن على رقبته فلقيه رجل المركب فقال نعم الركب ركبت يا غلام فقال رسول الله ونعم الراكب هو
الحديث الثامن أخرج ابن سعد عن عبد الله بن الزبير قال أشبه أهل النبي به وأحبهم إليه الحسن رأيته يجيء وهو ساجد فيركب رقبته أو قال ظهره فما ينزله حتى يكون هو الذي ينزل ولقد رأيته وهو راكع فيفرج له بين رجليه

(2/404)


حتى يخرج من الجانب الآخر
الحديث التاسع أخرج ابن سعد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال كان رسول الله يدفع لسانه للحسن بن علي فإذا رأى الصبي حمرة اللسان يهش إليه
الحديث العاشر أخرج الحاكم عن زهير بن الأقمر قال قام الحسن بن علي يخطب فقام رجل من أزد شنوءة فقال أشهد لقد رأيت رسول الله واضعه على حبوته وهو يقول من أحبني فليحبه وليبلغ الشاهد الغائب ولولا كرامة النبي ما حدثت به أحدا
الحديث الحادي عشر أخرج أبو نعيم في الحلية عن أبي بكرة قال كان النبي يصلي بنا فيجيء الحسن وهو ساجد وهو إذ ذاك صغير فيجلس على ظهره مرة ومرة على رقبته فيرفعه النبي رفعا رفيقا فلما فرغ من الصلاة قالوا يا رسول الله إنك تصنع بهذا الصبي شيئا لا تصنعه بأحد
فقال النبي إن هذا وإن هذا رحانتي ابني سيد وحسبي أن يصلح الله تعالى به بين فئتين من المسلمين

(2/405)


الحديث الثاني عشر أخرج الشيخان عن أبي هريرة أن النبي قال اللهم إني أحبه وأحب من يحبه يعني الحسن
وفي رواية اللهم إني إحبه فأحبه وأحب من يحبه
قال أبو هريرة فما كان أحد أحب إلي من الحسن بعد أن قال رسول الله ما قال
وفي حديث أبي هريرة أيضا عند الحافظ السلفي فقال ما رأيت الحسن بن علي قط إلا فاضت عيناي دموعا وذلك أن رسول الله خرج يوما وأنا في المسجد فأخذ بيدي واتكأ علي حتى جئنا سوق بني قينقاع فنظر فيه ثم رجع حتى جلس في المسجد ثم قال ادع ابني قال فأتى الحسن بن علي يشتد حتى وقع في حجره فجعل رسول الله يفتح فمه ثم يدخل فمه في فمه ويقول اللهم إني أحبه فأحبه وأحب من يحبه ثلاث مرات
وروى أحمد من أحبني وأحب هذين يعني حسنا وحسينا وأباهما وأمهما كان معي في درجتي يوم القيامة ورواه الترمذي بلفظ كان معي في الجنة
وقال حديث غريب

(2/406)


وليس المراد بالمعية هنا المعية من حيث المقام بل من جهة رفع الحجاب نظير ما في قوله تعالى فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا النساء 69

(2/407)


الفصل الثالث في بعض مآثره
كان رضي الله عنه سيدا كريما حليما زاهدا ذا سكينة ووقار وحشمة جوادا ممدوحا وسيأتي بسط شيء من ذلك
أخرج أبو نعيم في الحلية أنه قال إني لأستحيي من ربي أن ألقاه ولم أمش إلى بيته
فمشى عشرين حجة
وأخرج الحاكم عن عبد الله بن عمر قال لقد حج الحسن خمسا وعشرين حجة ماشيا وإن النجائب لتقاد بين يديه
وأخرج أبو نعيم أنه خرج من ماله مرتين وقاسم الله تعالى ماله ثلاث مرات حتى أنه كان ليعطي نعلا ويمسك نعلا ويعطي خفا ويمسك خفا
وسمع رجلا يسأل ربه عز و جل عشرة آلاف درهم فبعث بها إليه
وجاءه رجل يشكو إليه حاله وفقره وقلة ذات يده بعد أن كان مثريا فقال يا هذا حق سؤالك يعظم لدي معرفتي بما يجب لك ويكبر علي ويدي تعجز

(2/409)


عن نيلك ما أنت أهله والكثير في ذات الله قليل وما في ملكي وفاء لشكرك فإن قبلت الميسور ورفعت عني مؤنة الاحتفال والاهتمام لما أتكلفه فعلت
فقال يا ابن بنت رسول الله أقبل القليل وأشكر العطية وأعذر على المنع
فأحضر الحسن وكيله وحاسبه وقال هات الفاضل
فأحضر خمسين ألف درهم وقال ما فعلت في الخمسمائة دينار التي معك قال هي عندي قال أحضرها فأحضرها
فدفعها والخمسين ألفا إلى الرجل واعتذر منه
وأضافته هو والحسين وعبد الله بن جعفر عجوز فأعطاها ألف دينار وألف شاة وأعطاها الحسين مثل ذلك وأعطاها عبد الله بن جعفر مثلهما ألفي شاة وألفي دينار
وأخرج البزار وغيره عنه أنه لما استخلف بينما هو يصلي إذ وثب عليه رجل فطعنه بخنجر وهو ساجد ثم خطب الناس فقال يا أهل العراق اتقوا الله فينا فإنا أمراؤكم وضيفانكم ونحن أهل البيت الذين قال الله فيهم إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا الأحزاب 23 فما زال يقولها حتى ما بقي أحد في المسجد إلا وهو يبكي
وأخرج ابن سعد عن عمير بن إسحاق أنه لم يسمع منه كلمة فحش إلا مرة

(2/410)


كان بينه وبين عمرو بن عثمان بن عفان خصومة في أرض فقال ليس له عندنا إلا ما أرغم أنفه
قال فهذه أشد كلمة فحش سمعتها منه
وأرسل إليه مروان يسبه وكان عاملا على المدينة ويسب عليا كل جمعة على المنبر فقال الحسن لرسوله ارجع إليه فقل له إني والله لا أمحو عنك شيئا مما قلت بأن اسبك ولكن موعدي وموعدك الله فإن كنت صادقا فجزاك الله خيرا بصدقك وإن كنت كاذبا فالله أشد نقمة
وأغلظ عليه مروان مرة وهو ساكت ثم امتخط بيمينه فقال له الحسن ويحك أما علمت أن اليمين للوجه والشمال للفرج أف لك
فسكت مروان
وكان رضي الله عنه مطلاقا للنساء وكان لا يفارق امرأة إلا وهي تحبه وأحصن تسعين امرأة
وأخرج ابن سعد عن علي أنه قال يا أهل الكوفة لا تزوجوا الحسن فإنه رجل مطلاق
فقال رجل من همدان لنزوجنه فما رضي أمسك وما كره طلق

(2/411)


ولما مات بكى مروان في جنازته فقال له الحسين أتبكيه وقد كنت تجرعه ما تجرعه فقال إني كنت أفعل ذلك إلى أحلم من هذا وأشار بيده إلى الجبل
وأخرج ابن عساكر أنه قيل له إن أبا ذر يقول الفقر أحب إلي من الغنى والسقم أحب إلى من الصحة إلي فقال رحم الله أبا ذر أما أنا فأقول من اتكل إلى حسن اختيار الله لم يتمن أنه في غير الحالة التي اختار الله له
وكان عطاؤه كل سنة مائة ألف فحبسها عنه معاوية في بعض السنين فحصل له إضافة شديدة
قال فدعوت بداوة لأكتب إلى معاوية لأذكره نفسي ثم أمسكت فرأيت رسول الله في المنام فقال كيف أنت يا حسن فقلت بخير يا ابت وشكوت إليه تأخر المال عني فقال أدعوت بدواة لتكتب إلى مخلوق مثلك تذكره ذلك قلت نعم يا رسول الله فكيف أصنع فقال قل اللهم اقذف في قلبي رجاءك واقطع رجائي عمن سواك حتى لا أرجو أحدا غيرك اللهم وما ضعفت عنه قوتي وقصر عنه عملي ولم تنته إليه رغبتي ولم تبلغه مسألتي ولم يجر على لساني مما أعطيت أحدا من الأولين والآخرين من اليقين فخصني به يا أرحم الراحمين
قال فوالله ما ألححت فيه أسبوعا حتى بعث إلي معاوية بألف ألف وخمسمائة ألف فقلت الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره ولا يخيب من دعاه فرأيت النبي في المنام فقال يا حسن كيف أنت

(2/412)


فقلت بخير يا رسول الله وحدثته بحديثي فقال يا بني هكذا من رجا الخالق ولم يرج المخلوق
ولما احتضر قال لأخيه يا أخي إن أباك قد استشرف لهذا الأمر فصرفه الله عنه ووليها أبو بكر ثم استشرف لها وصرفت عنه إلى عمر ثم لم يشك وقت الشورى أنها لا تعدوه فصرفت عنه إلى عثمان فلما قتل عثمان بويع ثم نوزع حتى جرد السيف فما صفت له وإني والله ما أرى أن يجمع الله فينا النبوة والخلافة فلا أعرفن بما استخفك سفهاء الكوفة فأخرجوك
وقد كنت طلبت إلى عائشة رضي الله عنها أن أدفن مع رسول الله فقالت نعم فإذا مت فأطلب ذلك إليها وما أظن القوم إلا سيمنعونك فإن فعلوا فلا تراجعهم
فلما مات أتى الحسين عائشة رضي الله عنها فقالت نعم وكرامة فمنعهم مروان فلبس الحسين ومن معه السلاح حتى رده أبو هريرة ثم دفن بالبقيع إلى جنب أمه رضي الله عنهما
وكان سبب موته أن زوجته جعدة بنت الأشعث بن قيس الكندي دس إليها يزيد أن تسمه ويتزوجها وبذل لها مائة ألف درهم ففعلت فمرض أربعين يوما فلما مات بعثت إلى يزيد تسأله الوفاء بما وعدها فقال لها إنا لم نرضك للحسن فنرضاك لأنفسنا
وبموته مسموما شهيدا جزم غير واحد من المتقدمين كقتادة وأبي بكر بن

(2/413)


حفص والمتأخرين كالزبن العراقي في مقدمة شرح التقريب
وكانت وفاته سنة بسع وأربعين أو خمسين أو إحدى وخمسين أقوال والأكثرون على الثاني كما قاله جماعة وغلط الواقدي ما عدا الأول سيما من قال سنة ست وخمسين
ومن قال سنة تسع وخمسين
وجهد به أخوه أن يخبره بمن سقاه فلم يخبره وقال الله أشد نقمة إن كان الذي أظن وإلا فلا يقتل بي والله برىء
وفي رواية يا أخي قد حضرت وفاتي ودنا فراقي لك وإني لاحق بربي وأجد كبدي تقطع وإني لعارف من أين دهيت فأنا أخاصمه إلى الله تعالى فبحقي عليك لا تكلمت في ذلك بشيء فأذا أذا قضيت نحبي فقمصني وغسلني وكفني واحملني على سريري إلى قبر جدي رسول الله أجدد به عهدا ثم ردني إلى قبر جدتي فاطمة بنت أسد فاطمة بنت أسد فادفني هناك وأقسم عليك بالله أن لا تريق في أمري محجمة دم
وفي رواية إني يا أخي سقيت السم ثلاث مرات لم أسقه مثل هذه المرة

(2/414)


فقال من سقاك قال ما سؤالك عن هذا تريد أن تقاتلهم أكل أمرهم إلى الله
أخرجه ابن عبد البر
وفي أخرى لقد سقيت السم مرارا ما سقيته مثل هذه المرة ولقد لفظت طائفة من كبدي فرأيتني أقلبها بعود فقال له الحسين أي أخي من سقاك قال وما تريد إليه أتريد أن تقتله قال نعم
قال لئن كان الذي أظن فالله أشد نقمة وإن كان غيره فلا يقتل بي بريء
ورأى كأن مكتوبا بين عينيه قل هو الله أحد فاستبشر به هو وأهل بيته فقصوها على ابن المسيب فقال إن صدقت رؤياه فقل ما بقي من أجله فما بقي إلا أياما حتى مات
وصلى عليه سعيد بن العاص لأنه كان واليا على المدينة من قبل معاوية ودفن عند جدته بنت أسد بقبته المشهورة وعمره سبع وأربعون سنة كان منها مع ريسول الله سبع سنين ثم مع أبيه ثلاثون سنة ثم خليفة ستة أشهر ثم تسع سنين ونصف سنة بالمدينة رضي الله عنه

(2/415)


الباب الحادي عشر في فضائل أهل البيت النبوي وفيه فصول

(2/416)


ولنقدم على ذلك أصله وهو تزويج النبي فاطمة من علي كرم الله وجههما وذلك أواخر السنة الثانية من الهجرة على الأصح وكان سنها خمس عشرة سنة ونحو نصف سنة وسنة إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر ولم يتزوج عليها حتى ماتت وأراده فمنعه خوفا عليها لشدة غيرتها عن أنس كما عند ابن أبي حاتم ولأحمد نحوه قال جاء أبو بكر وعمر يخطبان فاطمة إلى النبي فسكت ولم يرجع إليهما شيئا فانطلقا إلى علي كرم الله وجهه يأمرانه بطلب ذلك
قال علي فنبهاني لأمر فقمت أجر ردائي حتى أتيت إلى النبي فقلت تزوجني فاطمة قال وعندك شيء قلت فرسي وبدني فقال أما فرسك فلا بدلك منها وأما بدنك فبعها فبعتها بأربعمائة وثمانين فجئته بها فوضعها في حجره فقبض منها قبضة فقال أي بلال ابتع لنا بها طيبا وأمرهم أن يجهزوها فجعل لها سرير مشروط ووسادة من أدم حشوها ليف
وقال لعلي إذا أتتك فلا تحدث شيئا حتى آتيك فجاءت مع أم أيمن فقعدت في جانب البيت وأنا في جانب وجاء رسول الله فقال ههنا أخي فقالت أم أيمن أخوك وقد زوجته ابنتك قال نعم ودخل فقال لفاطمة ائتيني بماء فقامت إلى قعب في البيت فأتت فيه بماء فأخذه ومج فيه ثم قال لها تقدمي فتقدمت فنضح بين ثدييها وعلى رأسها وقال اللهم إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ثم قال لها أدبري فأدبرت فصب

(2/417)


بين كتفيها ثم فعل مثل ذلك بعلي ثم قال ادخل بأهلك بسم الله والبركة
وفي رواية أخرى عن أنس أيضا عند أبي الخير القزويني الحاكمي خطبها علي بعد أن خطبها أبو بكر ثم عمر رضي الله عنهم فقال قد أمرني ربي بذلك قال أنس ثم دعاني النبي بعد أيام فقال ادع أبا بكر وعمر وعثمان وعبد الرحمن وعدة من الأنصار فلما اجتمعوا وأخذوا مجالسهم وكان علي غائبا قال الحمد لله المحمود بنعمته المعبود بقدرته المطاع بسلطانه المرهوب من عذابه وسطوته النافذ أمره في سمائه وأرضه الذي خلق الخلق بقدرته وميزهم بأحكامه وأعزهم بدينه وأكرمهم بنبيه محمد إن الله تبارك اسمه وتعالت عظمته جعل المصاهرة سببا لاحقا وأمرا مفترضا أوشج به الأرحام أي ألف بينها وجعلها مختلطة مشتبكة وألزمها الأنام فقال عز من قائل وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا الفرقان 54 فأمر الله تعالى يجري إلى قضائه وقضاؤه يجري إلى قدره ولكل قضاء قدر ولكل قدر أجل ولكل أجل كتاب يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب الرعد 39 ثم إن الله تعالى أمرني أن أزوج فاطمة من علي بن أبي طالب فاشهدوا أني قد زوجته على أربعمائة مثقال فضة إن رضي بذلك علي
ثم دعا

(2/418)


بطبق من بسر ثم قال انتهبوا فانتهبنا ودخل علي فتبسم النبي في وجهه ثم قال إن الله عز و جل أمرني أن أزوجك فاطمة على أربعمائة مثقال فضة أرضيت بذلك قال قد رضيت بذلك يا رسول الله
فقال جمع الله شملكما وأعز جدكما وبارك عليكما وأخرج منكما كثيرا طيبا
قال أنس فوالله لقد أخرج الله منهما الكثير الطيب
تنبيه ظاهر هذه القصة لا يوافق مذهبنا من اشتراط الإيجاب والقبول فورا بلفظ التزويج أو النكاح دون نحو رضيت واشتراط عدم التعليق لكنها واقعة حال محتملة أن عليا قبل فورا لما بلغه الخبر
وعندنا أن من زوج غائبا بإيجاب صحيح كما هنا فبلغه الخبر فقال فورا قبلت تزويجها أو قبلت نكاحها صح
وقوله إن رضي بذلك
ليس تعليقا حقيقيا لأن الأمر منوط برضا الزوج وإن لم يذكر فذكره تصريح بالواقع ووقع لبعض الشافعية ممن لم يتقن الفقه هنا كلام غير ملائم فليجتنب
تنبيه آخر أشار الذهبي في الميزان إلى أن هذه الرواية كذب فقال في ترجمة محمد بن دينار راوي الحديث أتى بحديث كذب ولا ندري من

(2/419)


هو
انتهى
قال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر في لسان الميزان والخبر المذكور أسنده عن أنس قال بينا أنا عند النبي إذ غشيه الوحي فلما سري عنه قال إن ربي أمرني أن أزوج فاطمة من علي فانطلق فادع أبا بكر وعمر وسمى جماعة من المهاجرين وبعددهم من الأنصار فلما أخذوا مجالسهم خطب النبي فقال الحمد لله المحمود بنعمته فذكر الخطبة والعقد وقدر الصداق وذكر البشر والدعاء
أخرجه ابن عساكر في ترجمته عن أبي القاسم النسيب بسند له إلى محمد بن نهار بن أبي المحياة عن عبد الملك بن خيار ابن عم يحيى بن معين عن محمد هذا عن هشيم عن يونس بن عبيد عن الحسن عن أنس
قال ابن عساكر غريب ثم نقل عن محمد بن طاهر أنه ذكره في تكملة الكامل والراوي فيه جهالة
انتهى
وبه يعلم أن إطلاق الذهبي كونه كذبا فيه نظر وإنما هو غريب في سنده مجهول وسيأتي في الآية الثانية عشرة بسط يتعلق بذلك وفيه عن النسائي بسند صحيح ما يرد على الذهبي ويبين أن للقصة أصلا أصيلا فليكن منك على ذكر

(2/420)


الفصل الأول في الآيات الواردة فيهم
الآية الأولى قال الله تعالى إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا الأحزاب 33
أكثر المفسرين على أنها نزلت في علي وفاطمة والحسن والحسين لتذكير ضمير عنكم وما بعده
وقيل نزلت في نسائه لقوله واذكرن ما يتلى في بيوتكن الأحزاب 34 ونسب لابن عباس ومن ثم كان مولاه عكرمة ينادي به في السوق
وقيل المراد النبي وحده وقال آخرون نزلت في نسائه لأنهم في بيت سكناه ولقوله تعالى واذكرن ما يتلى في بيوتكن وأهل بيته نسبة وهم من تحرم الصدقة عليهم
واعتمده جمع ورجحوه وأيده ابن كثير بأنهن سبب النزول وهو داخل قطعا إما وحده على قوله أو مع غيره على الأصح
وورد في ذلك أحاديث منها ما يصلح متمسكا للأول ومنها ما يصلح متمسكا للآخر وهو أكثرها فلذا كان هو المعتمد كما تقرر
ولنذكر من تلك الأحاديث جملة فنقول أخرج أحمد عن أبي سعيد

(2/421)


الخدري أنها نزلت في خمسة النبي وعلي وفاطمة والحسن والحسين
وأخرجه ابن جرير مرفوعا بلفظ أنزلت هذه الآية في خمسة في وفي علي والحسن والحسين وفاطمة
وأخرجه الطبراني أيضا
ولمسلم أنه أدخل أولئك تحت كساء عليه وقرأ هذه الآية
وصح أنه جعل على هؤلاء كساء وقال اللهم هؤلاء أهل بيتي وحامتي أي خاصتي أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا فقالت أم سلمة وأنا معهم قال إنك على خير
وفي رواية أنه قال بعد تطهيرا أنا حرب لمن حاربهم وسلم لمن سالمهم وعدو لمن عاداهم
وفي أخرى ألقى عليهم كساء ووضع يده عليهم ثم قال اللهم إن هؤلاء

(2/422)


آل محمد فاجعل صلواتك وبركاتك على آل محمد إنك حميد مجيد
وفي أخرى أن الآية نزلت ببيت أم سلمة فأرسل إليهم وجللهم بكساء ثم قال نحو ما مر وفي أخرى أنهم جاءوا واجتمعوا فنزلت فإن صحتا حمل على نزولها مرتين
وفي أخرى أنه قال اللهم أهلي اذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ثلاثا وأن أم سلمة قالت له ألست من أهلك قال بلى وأنه أدخلها في الكساء بعدما قضى دعاءه لهم
وفي أخرى أنه لما جمعهم ودعا لهم بأطول مما مر قال واثلة وعلي يا رسول الله فقال اللهم وعلى واثلة
وفي رواية صحيحة قال واثلة وأنا من أهلك قال وأنت من أهلي قال واثلة إنها لمن أرجى ما أرجو

(2/423)


قال البيهقي وكأنه جعله في حكم الأهل تشبيها بمن يستحق هذا الاسم لا تحقيقا
وأشار المحب الطبرى إلى أن هذا الفعل تكرر منه في بيت أم سلمة وبيت فاطمة وغيرهما وبه جمع بين اختلاف الروايات في هيئة اجتماعهم وما جللهم به وما دعا به لهم وما أجاب به واثلة وأم سلمة ويؤيد ذلك رواية أنه قال نحو ذلك لهؤلاء وهم في بيت فاطمة وفي رواية أنه ضم إلى هؤلاء بقية بناته وأقاربه وأزواجه وصح عن أم سلمة فقلت يا رسول الله أما أنا من أهل بيتك فقال بلى إن شاء الله
وذهب الثعلبي إلى أن المراد من أهل البيت في الآية جميع بني هاشم
ويؤيده الحديث الحسن أنه اشتمل على العباس وبنيه بملاءة ثم قال يا رب هذا عمي وصنو أبي وهؤلاء أهل بيتي فاسترهم من الناسر كستري إياهم بملاءتي هذه فأمنت أسكفة الباب وحوائط البيت فقالت آمين ثلاثا

(2/424)


وفي رواية فيها من وثقه ابن معين وضعفه غيره ثم جعل القبائل بيوتا فجعلني في خيرهم بيتا وذلك قوله عز و جل إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا الأحزاب 33
والحاصل أن أهل بيت السكنى داخلون في الآية لأنهم المخاطبون بها ولما كان أهل بيت النسب تخفى إرادتهم منها بين بما فعله مع من مر أن المراد من أهل البيت هنا ما يعم أهل بيت سكناه كأزواجه وأهل بيت نسبه وهم جميع بني هاشم والمطلب وقد ورد عن الحسن من طرق بعضها سنده حسن وأنا من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا
فبيت النسب مراد في الآية كبيت السكنى ومن ثم أخرج مسلم عن زيد ابن أرقم أنه لما سئل أنساؤه من أهل بيته فقال نساؤه من أهل بيته ولكن أهل بيته من حرم الله الصدقة عليهم
فأشار إلى أن نساءه من أهل بيت سكناه الذين امتازوا بكرامات وخصوصيات أيضا لا من أهل بيت نسبه وإنما أولئك من حرمت عليهم الصدقة
ثم هذه الآية منبع فضائل أهل البيت النبوي لاشتمالها على غرر من مآثرهم والاعتناء بشأنهم حيث ابتدئت بإنما المفيدة لحصر إرادته تعالى في

(2/425)


أمرهم على إذهاب الرجس الذي هو الإثم أو الشك فيما يجب الإيمان به عنه وتطهيرهم من سائر الأخلاق والأحوال المذمومة
وسيأتي في بعض الطرق تحريمهم على النار وهو فائدة ذلك التطهير وغايته إذ منه إلهام الإنابة إلى الله تعالى وإدامة الأعمال الصالحة ومن ثم لما ذهبت عنهم الخلافة الظاهرة لكونها صارت ملكا ولذا لم تتم للحسن عوضوا عنها بالخلافة الباطنة حتى ذهب قوم إلى ان قطب الأولياء في كل زمن لا يكون إلا منهم وممن قال يكون من غيرهم الأستاذ أبو العباس المرسي كما نقله عنه تلميذه التاج ابن عطاء الله
ومن تطهيرهم تحريم صدقة الفرض بل والنفل على قول لمالك عليهم لأنها أوساخ الناس مع كونها تنبىء عن ذل الآخذ وعز المأخوذ منه وعوضوا عنها خمس خمس الفيء والغنيمة المنبىء عن عز الآخذ وذل المأخوذ منه ومن ثم كان المعتمد دخول أهل بيت النسب في الآية ولذا اختصوا بمشاركته في تحريم صدقة الفرض والزكاة والنذر والكفارة وغيرها
وخالف بعض المتأخرين فبحث أن النذر كالنفل وليس كما قال وامتاز

(2/426)


بحرمة النفل وإن كان على جهة عامة أو غير متقوم على الأصح واختار الماوردي حل صلاته في المساجد وشربه من سقاية زمزم وبئر رومة واستدل الشافعي رضي الله عنه لحل النفل لهم بقول الباقر لما عوتب في شربه من سقايات بين مكة والمدينة إنما حرم علينا الصدقة المفروضة
ووجهه أن مثله لا يقال من قبل الرأي لتعلقه بالخصائص فيكون مرسلا لأن الباقر تابعي جليل وقد اعتضد مرسله بقول أكثر أهل العلم وتحريم ذلك يعم بني هاشم والمطلب مواليهم قيل وأزواجه وهو ضعيف وإن حكى ابن عبد البر الإجماع عليه ولزوم نفقتهن بعد الموت لا يحرم الأخذ إلا من جهة الفقر والمسكنة بخلافه بجهة أخرى كدين أو سفر كما هو مقرر في الفقه وفي خبر أنها تحل لبعض بني هاشم من بعض لكنه ضعيف مرسل فلا حجة فيه
وشربه من سقاية زمزم واقعة حال تحتمل أن الماء الذي فيها من نزعه أو نزع مأذونه فلم يتحقق أنه من صدقة العباس
وحكمة ختم الآية بتطهير المبالغة في وصولهم لأعلاه وفي رفع التجوز عنه ثم تنويه تنوين التعظيم والتكثير والإعجاز المفيد إلى أنه ليس من جنس ما يتعارف ويؤلف ثم أكد ذلك كله بتكرير طلب ما في الآية لهم بقوله اللهم هؤلاء أهل بيتي إلى آخر ما مر وبإدخاله نفسه معهم في العد لتعود عليهم بركة اندراجهم في سلكه بل في رواية أنه اندرج معهم جبريل وميكائيل إشارة إلى

(2/427)


علي قدرهم وأكده أيضا بطلب الصلاة عليهم بقوله فاجعل صلاتك . . . إلى آخر ما مر وأكده أيضا بقوله أنا حرب لمن حاربهم . . . إلى آخر ما مر أيضا وفي رواية أنه قال بعد ذلك ألا من آذى قرابتي فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله تعالى
وفي أخرى والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد بي حتى يحبني ولا يحبني يحب ذوي قرابتي فأقامهم مقام نفسه ومن ثم صح أنه قال إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي وألحقوا به أيضا في قصة المباهلة في آية قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم آل عمران 61 الآية فغدا محتضنا الحسن آخذا بيد الحسين وفاطمة تمشي خلفه وعلي خلفها
وهؤلاء هم أهل الكساء فهم المراد في آية المباهلة كما أنهم من جملة المراد بآية إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت فالمراد بأهل البيت فيها وفي كل ما جاء في فضلهم أو فضل الآل أو ذوي القربى جميع آله وهم مؤمنو بني هاشم والمطلب وخبر آلي كل مؤمن تقي ضعيف بالمرة ولو صح لتأيد به

(2/428)


جمع بعضهم بين الأحاديث بأن الآل في الدعاء لهم في نحو الصلاة يشمل كل مؤمن تقي وفي حرمة الصدقة عليهم مختص بمؤمن بني هاشم والمطلب وأيد ذلك الشمول بخبر البخاري ما شبع آل محمد من خبز مأدوم ثلاثا
اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا
وفي قول إن الآل هم الأزواج والذرية فقط
الآية الثانية قوله تعالى إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما الأحزاب 56
صح عن كعب بن عجرة قال لما نزلت هذه الآية قلنا يا رسول لله قد علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك فقال قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد إلى آخره وفي رواية الحاكم فقلنا يا رسول الله كيف الصلاة عليكم أهل البيت قال قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد إلى آخره فسؤالهم بعد نزول الآية وإجابتهم باللهم صل على محمد وعلى آل محمد إلى آخره دليل ظاهر على ان الأمر بالصلاة على أهل

(2/429)


بيته وبقية آله عقب نزولها ولم يجابوا بما ذكر فلما أجيبوا به دل على ان الصلاة عليهم من جملة المأمور به وأنه أقامهم في ذلك مقام نفسه لأن القصد من الصلاة عليه مزيد تعظيمه ومنه تعظيمهم ومن ثم لما أدخل من مر في الكساء قال اللهم إنهم مني وأنا منهم فاجعل صلاتك ورحمتك ومغفرتك ورضوانك علي وعليهم
وقضية استجابة هذا الدعاء أن الله صلى عليهم معه فحينئذ طلب من المؤمنين صلاتهم عليهم معه ويروى لا تصلوا علي الصلاة البتراء فقالوا وما الصلاة البتراء قال تقولون اللهم صل على محمد وتمسكون بل قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ولا ينافي ما تقدم حذف الآل في حديث الصحيحين قالوا يا رسول الله كيف نصلي عليك قال قولوا اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم إلى آخره لأن ذكر الآل ثبت في روايات أخر وبه يعلم أنه قال ذلك كله فحفظ بعض الرواة ما لم يحفظه الآخر ثم عطف الأزواج والذرية على الآل في كثير من الروايات يقتضي أنهما ليسا من الآل وهو واضح في الأزواج بناء على الأصح في الآل أنهم مؤمنو بني هاشم والمطلب وأما الذرية فمن الآل على سائر الأقوال فذكرهم

(2/430)


بعد الآل للإشارة إلى عظيم شرفهم
روى أبو داود من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى إذا صلى علينا أهل البيت فليقل اللهم صل على النبي محمد وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد
وقولهم علمنا كيف نسلم عليك
أشاروا به إلى السلام عليه في التشهد كما قال البيهقي وغيره
ويدل له خبر مسلم أمرنا الله أن نصلي عليك فكيف نصلي عليك فسكت النبي حتى تمنينا أننا لم نسأله ثم قال قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد الحديث
وزاد آخره والسلام كما قد علمتم أي من العلم ويروى من التعليم لأنه كان يعلمهم التشهد كما يعلمهم السورة وصح أن رجلا قال يا رسول الله أما السلام عليكم فقد عرفناه فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا صلى الله عليك فصمت حتى أحببنا أن الرجل لم يسأله فقال إذا أنتم صليتم علي فقولوا اللهم صل على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد

(2/431)


الحديث
ولا يقال تفرد به ابن إسحق ومسلم لم يخرج له إلا في المتابعات لأنا نقول الأئمة وثقوه وإنما هو مدلس فقط وقد زالت علة التدليس بتصريحه فيه بالتحديث فاتضح أن ذلك خرج مخرج البيان للأمر الوارد في الآية
ويوافقه قوله قولوا فإنها صيغة أمر وهو للوجوب وما صح عن ابن مسعود بتشهيد الرجل في الصلاة ثم يصلي على النبي ثم يدعو لنفسه فهذا الترتيب منه لا يكون من قبل الرأي فيكون في حكم المرفوع
وصح أيضا أنه سمع رجلا يدعو في صلاته لم يحمد الله ولم يصل على النبي فقال عجل هذا ثم دعاه فقال له أو لغيره إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد ربه والثناء عليه ثم يصلي على النبي ثم يدعو بما شاء
ومحل البداءة بالتحميد والثناء على الله تعالى جلوس التشهد
وبهذا كله اتضح قول الشافعي رضي الله عنه بوجوب الصلاة على النبي في التشهد لما علمت منه أنه صح عنه الأمر بوجوبها فيه ومن أنه صح عن ابن مسعود تعيين محلها وهو بين التشهد والدعاء فكان القول بوجوبها

(2/432)


لذلك الذي ذهب إليه الشافعي هو الحق الموافق لصريح السنة ولقواعد الأصوليين ويدل له أيضا أحاديث صحيحة كثيرة استوعبتها في شرحي الإرشاد والعباب مع بيان الرد الواضح على من شنع على الشافعي وبيان أن الشافعي لم يشذ بل قال به قبله جماعة من الصحابة كابن مسعود وابن عمر وجابر وأبي مسعود البدري وغيرهم والتابعين كالشعبي والباقر وغيرهم كإسحاق بن راهويه وأحمد بل لمالك قول موافق للشافعي رجحه جماعة من أصحابه
قال شيخ الإسلام خاتمة الحفاظ ابن حجر لم أر عن أحد من الصحابة والتابعين التصريح بعدم الوجوب إلا ما نقل عن إبراهيم النخعي من إشعاره بأن غيره كان قائلا بالوجوب انتهى
فزعم أن الشافعي شذ وأنه خالف في ذلك فقهاء الأمصار مجرد دعةباطلة لا يلتفت إليها ولا يعول عليها ومن ثم قال ابن القيم أجمعوا على مشروعية الصلاة عليه في التشهد وإنما أختلفوا في الوجوب والاستحباب ففي تمسك من لم يوجبها بعمل السلف نظر لأنهم كانوا يأتون بها في صلاتهم فإن أريد بعملهم اعتقادهم احتاج إلى نقل صريح عنهم بعدم الوجوب وأنى يوجد ذلك قال وأما قول عياض إن الناس شنعوا على الشافعي
فلا معنى له فأي شناعة في ذلك لأنه لم يخالف في ذلك نصا ولا إجماعا ولا قياسا ولا مصلحة راجحة بل القول بذلك من محاسن مذهبه ولله در القائل حيث قال

(2/433)


وإذا محاسني اللاتي أدل بها ... صارت ذنوبا فقل لي كيف أعتذر
واعلم أن النووي نقل عن العلماء كراهة إفراد الصلاة والسلام عليه ومن ثم قال بعض الحفاظ كنت أكتب الحديث فأكتب الصلاة فقط فرأيت النبي في النوم
فقال لي أما تتم الصلاة في كتابك فما كتبت بعد ذلك إلا صليت عليه وسلمت
ولا يحتج بتعليمهم كيفية الصلاة السابقة لأن السلام سبقها في التشهد فلا إفراد فيه وقد جاء ذكر الصلاة مقرونة بالسلام في مواطن منها عقب ما يقال عند ركوب الدابة كما رواه الطبراني في الدعاء مرفوعا وكذا في غيره وإنما حذف في بعض المواطن اختصارا وكذا حذف الآل
وقد اخرج الديلمي أنه قال الدعاء محجوب حتى يصلى على محمد وأهل بيته اللهم صل على محمد وآله
وكأن قضية الأحاديث السابقة وجوب الصلاة على الآل في التشهد الأخير كما هو قول الشافعي خلافا لما يوهمه

(2/434)


كلام الروضة وأصلها ورجحه بعض أصحابه ومال إليه البيهقي ومن ادعى الإجماع علىعدم الوجوب فقد سها لكن بقية الأصحاب قد ذهبوا إلى أن اختلاف تلك الروايات من أجل أنها وقائع متعددة فلم يوجبوا إلا ما اتفقت الطرق عليه وهو أصل الصلاة عليه وما زاد فهو من قبيل الأكمل ولذا استدلوا على عدم وجوب قوله كما صليت على إبراهيم بسقوطه في بعض الطرق وللشافعي رضي الله عنه
يا أهل بيت رسول الله حبكم ... فرض من الله في القرآن أنزله
كفاكم من عظيم القدر أنكم ... من لم يصل عليكم لا صلاة له
فيحتمل لا صلاة له صحيحة فيكون موافقا لقوله بوجوب الصلاة على الآل ويحتمل لا صلاة له كاملة فيوافق أظهر قوليه
الآية الثالثة قوله تعالى سلام على آل ياسين الصافات 130
فقد نقل جماعة من المفسرين عن ابن عباس رضي الله عنهما أن المراد بذلك سلام على آل محمد
وكذا قاله الكلبي وعليه فهو داخل بطريق الأولى أو النص كما في

(2/435)


اللهم صل على آل أبي أوفى
لكن أكثر المفسرين على أن المراد إلياس عليه السلام وهو قضية السياق
تنبيه لفظ السلام في نحو هذه الجملة خبر مراد به الإنشاء والطلب على الأصح والطلب يستدعي مطلوبا منه وطلبه تعالى من غيره محال فالمراد بسلامه تعالى على عباده إما بشارتهم بالسلامة وإما حقيقة الطلب فكأنه طلب من نفسه إذ سلامه تعالى يرجع لكلامه النفسي الأزلي وتضمنه الطلب منه لإنالة السلامة الكاملة للمسلم عليه غير محال إذ هو طلب نفسي مقتض لتعلق الإرادة به والطلب من النفس معقول يعلمه كل أحد من نفسه فالحاصل أنه تعالى طلب لهم منه إنالتهم السلامة الكاملة فيتعلق ذلك بهم في الوقت الذي أراد الله تعالى تخصيصهم به كما في أمره ونهيه المتعلقين بنا مع قدمهما
وذكر الفخر الرازي أن أهل بيته يساوونه في خمسة أشياء في السلام قال السلام عليك أيها النبي وقال تعالى سلام على آل ياسين الصافات 130
وفي الصلاة عليهم في التشهد
وفي الطهارة قال تعالى طه طه 1 أي يا طاهر وقال ويطهركم تطهيرا الأحزاب 133
وفي تحريم الصدقة

(2/436)


وفي المحبة قال تعالى فاتبعوني يحببكم الله آل عمران وقال قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى الشورى 23
الآية الرابعة قوله تعالى وقفوهم إنهم مسؤولون الصافات 24
أخرج الديلمي عن أبي سعيد الخدري أن النبي قال وقفوهم إنهم مسؤولون عن ولاية علي
وكأن هذا هو مراد الواحدي بقوله روي في قوله تعالى وقفوهم إنهم مسؤولون أي عن ولاية علي وأهل البيت لأن الله أمر نبيه أن يعرف الخلق أنه لا يسألهم على تبليغ الرسالة أجرا إلا المودة في القربى والمعنى أنهم يسألون هل والوهم حق الموالاة كما أوصاهم النبي أم أضاعوها وأهملوها فتكون عليهم المطالبة والتبعة
انتهى
وأشار بقوله كما أوصاهم النبي إلى الأحاديث الواردة في ذلك وهي كثيرة وسيأتي منها جملة في الفصل الثاني
ومن ذلك حديث مسلم عن زيد بن أرقم قال قام فينا رسول الله خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال
أما بعد أيها الناس إنما أنا بشر مثلكم يوشك أن يأتني رسول ربي عز و جل فأجيبه وإني تارك فيكم الثقلين أولهما كتاب الله عز و جل فيه الهدى والنور فتمسكوا بكتاب الله عز و جل وخذوا به وحث فيه ورغب فيه ثم قال وأهل بيتي أذكركم الله عز و جل في أهل بيتي ثلاث مرات فقيل لزيد من

(2/437)


أهل بيته أليس نساؤه من أهل بيته قال بلى إن نساءه من أهل بيته لكن أهل بيته من حرم عليهم الصدقة بعده قال ومن هم قال هم علي وآل جعفر وآل عقيل وآل عباس قال كل هؤلاء حرم عليهم الصدقة قال نعم
وأخرج الترمذي وقال حسن غريب أنه قال إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أحدهما أعظم من الآخر كتاب الله عز و جل حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما
وأخرجه أحمد في مسنده بمعناه ولفظه إني أوشك أن أدعى فأجيب وإني تارك فيكم الثقلين كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي وإن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض فانظروا بم تخلفوني فيهما وسنده لا بأس به
وفي رواية أن ذلك كان في حجة الوداع وفي اخرى مثله يعني كتاب الله كسفينة نوح من ركب فيها نجا ومثلهم أي أهل بيته كمثل باب حطة من

(2/438)


دخله غفرت له الذنوب
وذكر ابن الجوزي لذلك في العلل المتناهية وهم أو غفلة عن استحضار بقية طرقه بل في مسلم عن زيد بن أرقم أنه قال ذلك يوم غدير خم وهو ماء بالجحفة كما مر وزاد أذكركم الله في أهل بيتي قلنا لزيد من أهل بيته نساؤه قال لا وأيم الله إن المرأة تكون من الرجل العصر من الدهر ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها أهل بيته أهله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده
وفي رواية صحيحة إني تارك فيكم أمرين لن تضلوا إن تبعتموهما وهما كتاب الله وأهل بيتي عترتي
زاد الطبراني إني سألت ذلك لهما فلا تقدموهما فتهلكوا ولا تقصروا عنهما فتهلكوا ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم
وفي رواية كتاب الله وسنتي وهي المراد من الأحاديث المقتصرة على الكتاب لأن السنة مبينة له فأغنى ذكره عن ذكرها
والحاصل أن الحث وقع على التمسك بالكتاب وبالسنة وبالعلماء بهما من أهل البيت ويستفاد من مجموع ذلك بقاء الأمور الثلاثة إلى قيام الساعة

(2/439)


ثم اعلم أن لحديث التمسك بذلك طرقا كثيرة وردت عن نيف وعشرين صحابيا ومر له طرق مبسوطة في حادي عشر الشبه وفي بعض تلك الطرق انه قال ذلك بحجة الوداع بعرقة وفي أخرى أنه قاله بالمدينة في مرضه وقد امتلأت الحجرة بأصحابه وفي أخرى أنه قال ذلك بغدير خم وفي أخرى أنه قاله لما قام خطيبا بعد انصرافه من الطائف كما مر ولا تنافي إذ لا مانع من أنه كرر عليهم ذلك في تلك المواطن وغيرها اهمتاما بشأن الكتاب العزيز والعترة الطاهرة
وفي رواية عند الطبراني عن ابن عمر آخر ما تكلم به النبي أخلفوني في أهل بيتي
وفي أخرى عند الطبراني وأبي الشيخ إن لله عز و جل ثلاث حرمات فمن حفظهن حفظ الله دينه ودنياه ومن لم يحفظهن لم يحفظ الله دنياه ولا آخرته قلت ما هن قال حرمة الإسلام وحرمتي وحرمة رحمي
وفي رواية للبخاري عن الصديق رضي الله عنه من قوله يا أيها الناس ارقبوا

(2/440)


محمدا في أهل بيته
أي احفظوه فيهم فلا تؤذوهم
وأخرج ابن سعد والملا في سيرته أنه قال استوصوا بأهل بيتي خيرا فإني أخاصمكم عنهم غدا ومن أكن خصمه أخصمه ومن أخصمه دخل النار
وأنه قال من حفظني في أهل بيتي فقد اتخذ عند الله عهدا
وأخرج الأول أنا وأهل بيتي شجرة في الجنة وأغصانها في الدنيا فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا
والثاني حديث في كل خلف من أمتي عدول من أهل بيتي ينفون عن هذا الدين تحريف الضالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ألا وإن أئمتكم وفدكم إلى الله عز و جل فانظروا من توفدون
وأخرج أحمد خبر الحمد لله الذي جعل فينا الحكمة أهل البيت
وفي خبر حسن ألا إن عيبتي وكرشي أهل بيتي والأنصار فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم
تنبيه سمى رسول الله القرآن وعترته وهي بالمثناة الفوقية الأهل

(2/441)


والنسل والرهط الأدنون ثقلين لأن الثقل كل نفيس خطير مصون وهذان كذلك إذ كل منهما معدن العلوم الدينة والأسرار والحكم العلية والأحكام الشرعية ولذا حث على الاقتداء والتمسك بهم والتعلم منهم وقال الحمد لله الذي جعل فينا الحكمة أهل البيت
وقيل سميا ثقلين لثقل وجوب رعاية حقوقهما ثم الذين وقع الحث عليهم منهم إنما هم العارفون بكتاب الله وسنة رسوله إذ هم الذين لا يفارقون الكتاب إلى الحوض ويؤيده الخبر السابق ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم
وتميزوا بذلك لأنهم عن بقية العلماء لأن الله أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا وشرفهم بالكرامات الباهرة والمزايا المتكاثرة وقد مر بعضها وسيأتي الخبر الذي في قريش تعلموا منهم فإنهم أعلم منكم فإذا ثبت هذا العموم لقريش فأهل البيت منهم أولى منهم بذلك امتازوا عنهم بخصوصيات لا يشاركهم فيها بقية قريش
وفي أحاديث الحث على التمسك بأهل البيت إشارة إلى عدم انقطاع متأهل منهم للتمسك به إلى يوم القيامة كما أن الكتاب العزيز كذلك ولهذا كانوا أمانا لأهل الأرض كما يأتي ويشهد لذلك الخبر السابق في كل خلف من أمتي عدول من أهل بيتي إلى آخره
ثم أحق من يتمسك به منهم إمامهم وعالمهم علي بن أبي طالب كرم الله وجهه لما قدمناه من مزيد علمه ودقائق مستنبطاته ومن ثم قال أبو بكر رضي الله عنه

(2/442)


علي عترة رسول الله
أي الذين حث على التمسك بهم فخصه بما قلنا وكذلك خصه بما مر يوم غدير خم
والمراد بالعيبة والكرش في الخبر السابق آنفا أنهم موضع سره وأمانته ومعادن نفائس معارفه وحضرته إذ كل من العيبة والكرش مستودع لما يخفى فيه مما به القوام والصلاح لأن الأول لما يحرز فيه نفائس الأمتعة والثاني مستقر الغذاء الذي به النمو وقوام البنية وقيل هما مثلان لاختصاصهم بالأمور الظاهرة والباطنة إذ مظروف الكرش باطن والعيبة ظاهر وعلى كل فهذا غاية في التعطف عليهم والوصية بهم
ومعنى وتجاوزوا عن مسيئهم أي في غير الحدود وحقوق الآدميين
وهذا أيضا محمل الخبر الصحيح أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم ومن ثم ورد في رواية إلا الحدود وفسرهم الشافعي بأنهم الذين لا يعرفون بالشر
ويقرب منه قول غيره هم أصحاب الصغائر دون الكبائر وقيل من إذا أذنب تاب
الآية الخامسة قوله تعالى واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا آل عمران 103

(2/443)


أخرج الثعلبي في تفسيرها عن جعفر الصادق رضي الله عنه أنه قال نحن حبل الله الذي قال الله فيه واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا وكان جده زين العابدين إذا تلا قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين التوبة 119 يقول دعاء طويلا يشتمل على طلب اللحوق بدرجة الصادقين والدرجات العلية وعلى وصف المحن وما انتحلته المبتدعة المفارقون لأئمة الدين والشجرة النبوية ثم يقول وذهب آخرون إلى التقصير في أمرنا واحتجوا بمتشابه القرآن فتأولوا بآرائهم واتهموا مأثور الخبر . . . إلى أن قال فإلى من يفزع خلف هذه الأمة وقد درست أعلام هذه الملة ودانت الأمة بالفرقة والاختلاف يكفر بعضهم بعضا والله تعالى يقول ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات آل عمران 105 فمن الموثوق به على إبلاغ الحجة وتأويل الحكم إلى أهل الكتاب وأبناء أئمة الهدى ومصابيح الدجى الذين احتج الله بهم على عباده ولم يدع الخلق سدى من غير حجة هل تعرفونهم أو تجدونهم إلا من فروع الشجرة المباركة وبقايا الصفوة الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا وبرأهم من الآفات وافترض مودتهم في الكتاب
الآية السادسة قوله تعالى أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله النساء 54
أخرج أبو الحسن المغازلي عن الباقر رضي الله عنه أنه قال في هذه الآية نحن الناس والله

(2/444)


الآية السا بعة قوله تعالى وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم الأنفال 33
أشار إلى وجود ذلك المعنى في أهل بيته وإنهم أمان لأهل الأرض كما كان هو أمانا لهم وفي ذلك أحاديث كثيرة يأتي بعضها ومنها النجوم أمان لأهل السماء وأهل بيتي أمان لأمتي أخرجه جماعة كلهم بسند ضعيف وفي رواية ضعيفة أيضا أهل بيتي أمان لأهل الأرض فإذا هلك أهل بيتي جاء أهل الأرض من الآيات ما كانوا يوعدون
وفي أخرى لأحمد فإذا ذهب النجوم ذهب أهل السماء وإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الأرض
وفي رواية صححها الحاكم على شرط الشيخين النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق وأهل بيتي أمان لأمتي من الاختلاف فإذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب إبليس
وجاء من طرق عديدة يقوي بعضها بعضا إنما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا وفي رواية مسلم ومن تخلف عنها غرق وفي رواية

(2/445)


هلك وإنما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطة في بني إسرائيل من دخله غفر له وفي رواية غفر له الذنوب
وقال بعضهم يحتمل أن المراد بأهل البيت الذين هم أمان علماؤهم لأنهم الذين يهتدى بهم كالنجوم والذين إذا فقدوا جاء أهل الأرض من الآيات ما يوعدون وذلك عند نزول المهدي لما يأتي في أحاديثه أن عيسى يصلي خلفه ويقتل الدجال في زمنه وبعد ذلك تتتابع الايات بل في مسلم أن الناس بعد قتل عيسى للدجال يمكثون سبع سنين ثم يرسل الله ريحا باردة من قبل الشام فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال حبة من خير أو إيمان إلا قبضه فيبقى شرار في خفة الطير وأحلام السباع لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا
الحديث
قال ويحتمل وهو الأظهر عندي أن المراد بهم سائر أهل البيت فإن الله لما خلق الدنيا بأسرها من أجل النبي جعل دوامها بدوامه ودوام أهل بيته لأنهم يساوونه في أشياء مر عن الرازي بعضها ولأنه قال في حقهم اللهم إنهم مني وأنا منهم ولأنهم بضعة منه بواسطة أن فاطمة رضي الله عنها أمهم بضعته فأقيموا مقامه في الأمان
انتهى ملخصا
ووجه تشبيههم بالسفينة فيما مر أن من أحبهم وعظمهم شكرا لنعمة

(2/446)


3 - 447
- مشرفهم وأخذ بهدي علمائهم نجا من ظلمة المخالفات ومن تخلف عن ذلك غرق في بحر كفر النعم وهلك في مفاوز الطغيان
ومر في خبر أن من حفظ حرمة الإسلام وحرمة النبي وحرمة رحمه حفظ الله تعالى دينه ودنياه ومن لم يحفظ لم يحفظ الله دنياه ولا آخرته
وورد يرد الحوض أهل بيتي ومن أحبهم من أمتي كهاتين السبابتين ويشهد له خبر المرء مع من أحب
وبباب حطة أن الله تعالى جعل دخول ذلك الباب الذي هو باب أريحاء أو بيت المقدس مع التواضع والاستغفار سببا للمغفرة وجعل لهذه الأمة مودة أهل البيت سببا لها كما سيأتي قريبا
الآية الثامنة قوله تعالى وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى طه 82
قال ثابت البناني اهتدى إلى ولاية أهل بيته
وجاء ذلك عن أبي جعفر الباقر أيضا
وأخرج الديلمي مرفوعا إنما سميت ابنتي فاطمة لأن الله فطمها ومحبيها

(2/447)


عن النار
وأخرج أحمد أنه أخذ بيد الحسنين وقال من أحبني وأحب هذين واباهما وأمهما كان معي في درجتي يوم القيام
ولفظ الترمذي وقال حسن غريب وكان معي في الجنة
ومعنى المعية هنا معية القرب والشهود لا معية المكان والمنزل
وأخرج ابن سعد عن علي أخبرني رسول الله أن أول من يدخل الجنة أنا وفاطمة والحسن والحسين قلت يا رسول الله فمحبونا قال من ورائكم
ومر في فضائل أبي بكر رضي الله عنه أنه أول من يدخل الجنة
وفي فضائل عمر رضي الله عنه ذلك أيضا ومر الجمع بينهما بما يعلم به محمل هذا الحديث
ولا تتوهم الرافضة والشيعة قبحهم الله من هذه الأحاديث أنهم محبوا

(2/448)


أهل البيت لأنهم أفرطوا في محبتهم حتى جرهم ذلك إلى تكفير الصحابة وتضليل الأمة وقد قال علي يهلك في محب مفرط يقرظني بما ليس في
ومر خبر لا يجتمع حب علي وبغض أبي بكر وعمر في قلب مؤمن
وهؤلاء الضالون الحمقى أفرطوا فيه وفي اهل بيته فكانت محبتهم عارا عليهم وبوارا قاتلهم الله أنى يؤفكون
وأخرج الطبراني بسند ضعيف أن عليا أتي يوم البصرة بذهب وفضة فقال ابيضي واصفري غري غيري غري أهل الشام غدا إذا ظهروا عليك
فشق قوله ذلك على الناس فذكر ذلك له فأذن في الناس فدخلوا عليه فقال إن خليلي قال يا علي إنك ستقدم على الله وشيعتك راضين مرضيين ويقدم عليه عدوك غضابا مقمحين ثم جمع علي يده إلى عنقه يريهم الإقماح
وشيعته هم أهل السنة لأنهم الذين أحبوهم كما أمر الله أمرنا ورسوله وأما غيرهم فاعداؤه في الحقيقة لأن المحبة الخارجة عن الشرع الجائرة عن سنن الهدى هي العداوة الكبرى فلذا كانت سببا لهلاكهم كما مر آنفا عن لاصادص المصدوق
وأعداؤهم الخوارج ونحوهم من أهل الشام لا معاوية ونحوه من الصحابة لأنهم متأولون فلهم أجر وله هو وشيعته أجران رضي الله عنهم
ويؤيد ما قلناه من أن أولئك المبتدعة الرافضة والشيعة ونحوهما ليسوا من شيعة

(2/449)


علي وذريته بل من أعدائهم ما أخرجه صاحب المطالب العالية عن علي ومن جملته أنه مر على جمع فأسرعوا إليه قياما فقال من القوم فقالوا من شيعتك يا أمير المؤمنين
فقال لهم خيرا ثم قال يا هؤلاء مالي لا أرى فيكم سمة شيعتنا وحلية أحبتنا فأمسكوا حياء فقال له من معه نسألك بالذي أكرمكم أهل البيت وخصكم وحباكم لما أنبأتنا بصفة شيعتكم
فقال شيعتنا هم العارفون بالله العاملون بأمر الله أهل الفضائل الناطقون بالصواب مأكولهم القوت وملبوسهم الاقتصاد ومشيهم التواضع نجعوا لله بطاعته وخضعوا إليه بعبادته مضوا غاضين أبصارهم عما حرم الله عليهم رامقين أسماعهم على العلم بربهم نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالتي نزلت منهم في الرخاء رضوا عن الله تعالى بالقضاء فلولا الآجال التي كتب الله تعالى لهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقا إلى لقاء الله والثواب وخوفا من أليم العقاب عظم الخالق في انفسهم وصغر ما دونه في أعينهم فهم والجنة كمن رآها فهم على أرائكها متكئون وهم والنار كمن رآها فهم فيها معذبون صبروا أياما قليلة فأعقبتهم راحة طويلة أرادتهم الدنيا فلم يريدوها وطلبتهم فأعجزوها أما الليل فصافون أقدامهم تالون لأجزاء القرآن ترتيلا يعظون أنفسهم بأمثاله ويستشفون لدائهم بدوائه تارة وتارة يفترشون جباههم وأكفهم وركبهم وأطراف أقدامهم تجري دموعهم على خدودهم يمجدون جبارا عظيما ويجأرون

(2/450)


إليه في فكاك رقابهم
هذا ليلهم فأما نهارهم فحكماء علماء بررة أتقياء براهم خوف باريهم فهم كالقداح تحسبهم مرضى أو قد خولطوا وما هم بذلك بل خاسرهم من عظمة ربهم وشدة سلطانه ما طاشت له قلوبهم وذهلت منه عقولهم فإذا أشفقوا من ذلك بادروا إلى الله تعالى بالأعمال الزاكية لا يرضون له بالقليل ولا يستكثرون له الجزيل فهم لأنفسهم متهمون ومن أعمالهم مشفقون ترى لأحدهم قوة في دين وحزما في لين وإيمانا في يقين وحرصا على علم وفهما في فقه وعلما في حلم وكيسا في قصد وقصدا في غنى وتجملا في فاقة وصبرا في شفقة وخشوعا في عبادة ورحمة لمجهود وإعطاء في حق ورفقا في كسب وطلبا في حلال ونشاطا في هدى واعتصاما في شهوة لا يغره ما جهله ولا يدع إحصاء ما عمله يستبطىء نفسه في العلم وهو من صالح عمله على وجل يصبح وشغله الذكر ويمسي وهمه الشكر يبيت حذرا من سنة الغفلة ويصبح فرحا بما أصاب من الفضل والرحمة ورغبته فيما يبقى وزهادته فيما يفنى وقد قرن العلم بالعمل والعلم بالحلم دائما نشاطه بعيدا كسله قريبا أمله قليلا زلله متوقعا أجله عاشقا قلبه شاكرا ربه قانعا نفسه محرزا دينه كاظما غيظه آمنا منه جاره سهلا أمره معدوما كبره بينا صبره كثيرا ذكره لا يعمل شيئا من الخير رياء ولا يتركه حياء
أولئك شيعتنا وأحبتنا ومنا ومعنا ألا هؤلاء شوقا إليهم

(2/451)


فصاح بعض من معه وهو همام بن عباد بن خيثم وكان من المتعبدين صيحة فوقع مغشيا عليه فحركوه فإذا هو فارق الدنيا فغسل وصلى عليه أمير المؤمنين ومن معه
فتأمل وفقك الله لطاعته وأدام عليك من سوابغ نعمه وحمايته هذه الأوصاف الجليلة الرفيعة الباهرة الكاملة المنيعة تعلم أنها لا توجد إلا في أكابر العارفين لأئمة الوارثين فهؤلاء هم شيعة علي رضي الله تعالى عنه وأهل بيته
وأما الرافضة والشيعة ونحوهما إخوان الشياطين وأعداء الدين وسفهاء العقول ومخالفوا الفروع والأصول ومنتحلو الضلال ومستحقو عظيم العقاب والنكال فهم ليسوا بشيعة لأهل البيت المبرئين من الرجس المطهرين من شوائب الدنس لأنهم أفرطوا وفرطوا في جنب الله فاستحقوا منه أن يبقيهم متحيرين في مهالك الضلال والاشتباه وإنما هم شيعة إبليس اللعين وحلفاء أبنائه المتمردين فعليهم لعنة الله وملائكته والناس أجمعين وكيف يزعم محبة قوم من لم يتخلق قط بخلق من أخلاقهم ولا عمل في عمره بقول من أقوالهم ولا تأسى في دهره بفعل من أفعالهم ولا تأهل لفهم شيء من أحوالهم ليست هذه محبة في الحقيقة بل بغضة عند أئمة الشريعة والطريقة إذ حقيقة المحبة طاعة المحبوب وإيثار محابه ومرضاته على محاب النفس ومرضاتها والتأدب بآدابه وأخلاقه ومن ثم قال علي كرم الله وجهه لا يجتمع حبي وبغض أبي بكر وعمر
لأنهما ضدان وهما لا يجتمعان

(2/452)


الآية التاسعة قوله تعالى فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونسائنا منساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين آل عمران 61
قال في الكشاف لا دليل أقوى من هذا على فضل أصحاب الكساء وهم علي وفاطمة والحسنان لأنها لما نزلت دعاهم فاحتضن الحسين وأخذ بيد الحسن ومشت فاطمة خلفه وعلي خلفهما فعلم أنهم المراد من الآية وأن أولاد فاطمة وذريتهم يسمون أبناءه وينسبون إليه نسبة صحيحة نافعة في الدنيا والآخرة
ويوضح ذلك أحاديث نذكرها مع ما يتعلق بها تتميما للفائدة فنقول
صح عنه عليه الصلاة و السلام أنه قال على المنبر ما بال أقوام يقولون إن رحم رسول الله لا ينفع قومه يوم القيامة بلى والله إن رحمي موصولة افي الدنيا والآخرة وإني أيها الناس فرط لكم على الحوض
وفي رواية ضعيفة وإن صححها الحاكم أنه بلغه أن قائلا قال لبريدة إن محمدا لن يغني عنك من الله شيئا
فخطب ثم قال ما بال أقوام يزعمون أن رحمي لا ينفع بل حتى حاء وحكم أي هما قبيلتان من اليمن أني لأشفع فأشفع حتى إن من أشفع له فيشفع حتى إن إبليس ليتطاول طمعا في الشفاعة

(2/453)


وأخرج الدارقطني أن عليا يوم الشورى احتج على أهلها فقال لهم أنشدكم بالله هل فيكم أحد أقرب إلى رسول الله في الرحم مني ومن جعله نفسه وأبناءه أبناءه ونساؤه نساءه غيري قالوا اللهم لا الحديث
وأخرج الطبراني إن الله عز و جل جعل ذرية كل نبي في صلبه وإن الله تعالى جعل ذريتي في صلب علي بن أبي طالب
وأخرج أبو الخير الحاكمي وصاحب كنوز المطالب في بني أبي طالب أن عليا دخل على النبي وعنده العباس فسلم فرد عليه السلام وقام فعانقه وقبل ما بين عينيه وأجلسه عن يمينه فقال له العباس أتحبه قال يا عم والله لله أشد حبا له مني إن الله عز و جل جعل ذرية كل نبي في صلبه وجعل ذريتي في صلب هذا زاد الثاني في روايته إنه إذا كان يوم القيامة دعي الناس بأسماء أمهاتهم سترا من الله عليهم إلا هذا وذريته فإنهم يدعون بأسماء آبائهم لصحة ولادتهم

(2/454)


وأبو يعلى والطبراني أنه قال كل بني أم ينتمون إلى عصبة إلا ولد فاطمة فأنا وليهم وأنا عصبتهم وله طرق يقوي بعضها بعضا وقول ابن الجوزي بعد أن أورد ذلك في العلل المتناهية إنه لا يصح
غير جيد كيف وكثرة طرقه ربما توصله إلى درجة الحسن بل صح عن عمر أنه خطب أم كلثوم من علي فاعتل بصغرها وبأنه أعدها لابن أخيه جعفر فقال له ما أردت الباءة ولكن سمعت رسول الله يقول كل سبب ونسب ينقطع يوم القيامة ما خلا سببي ونسبي وكل بني أنثى عصبتهم لأبيهم ما خلا ولد فاطمة فإني أنا أبوهم وعصبتهم وفي رواية أخرجها البيهقي والدارقطني بسند رجاله من أكابر أهل البيت أن عليا عزل بناته لولد أخيه جعفر فلقيه عمر رضي الله تعالى عنهما فقال له يا أبا الحسن أنكحني ابنتك أم كلثوم بنت فاطمة بنت رسول الله
فقال قد حبستها لولد أخي جعفر
فقال عمر إنه والله ما على وجه الأرض من يرصد من حسن صحبتها ما أرصد فأنكحني يا أبا الحسن فقال

(2/455)


قد أنكحتكها فعاد عمر إلى مجلسه بالروضة مجلس المهاجرين والأنصار فقال رفئوني قالوا بمن يا أمير المؤمنين قال بأم كلثوم بنت علي وأخذ يحدث أنه سمع رسول الله يقول كل صهر أو سبب أو نسب ينقطع يوم القيامة إلا صهري وسببي ونسبي وأنه كان لي صحبة فأحببت أن يكون لي معها سبب
وبهذا الحديث المروي من طريقة أهل البيت يزداد التعجب من إنكار جماعة من جهلة أهل البيت في أزمنتنا تزويج عمر بأم كلثوم
لكن لا عجب لأن أولئك لم يخالطوا العلماء ومع ذلك استولى على عقولهم جهلة الروافض فأدخلوا فيها ذلك فقلدوهم فيه وما دروا أنه عين الكذب ومكابرة للحس إذ من مارس العلم وطالع كتب الأخبار والسنن علم ضرورة أن عليا زوجها له وأن إنكار ذلك جهل وعناد ومكابرة للحس وخبال في العقل وفساد في الدين
وفي رواية للبيهقي أن عمر لما قال فأحببت ان يكون لي من رسول الله سبب ونسب فقام علي للحسنين زوجا عمكما
فقالا هي امرأة من النساء تختار لنفسها
فقام علي مغضبا فأمسك الحسن ثوبه وقال لا صبر لنا على هجرانك يا أبتاه فزوجاه
وفي رواية أن عمر صعد المنبر فقال أيها الناس إنه والله ما حملني على الإلحاح على علي في ابنته إلا أني سمعت رسول الله يقول كل سبب

(2/456)


ونسب وصهر ينقطع إلا سببي وصهري وإنهما يأتيان يوم القيامة فيشفعان لصاحبهما وفي رواية أنه لما أكثر تردده إلى علي اعتل بصغرها فقال له ما حملني على كثرة ترددي إليك إلا أني سمعت رسول الله يقول كل حسب ونسب وسبب وصهر ينقطع يوم القيامة إلا حسبي ونسبي وسببي وصهري فأمر بها علي فزينت وبعث بها إليه فلما رآها قام إليها وأجلسها في حجره وقبلها ودعا لها فلما قامت أخذ بساقها وقال لها قولي لأبيك قد رضيت قد رضيت فلما جاءت قال لها ما قال لك فذكرت له جميع ما فعله وما قاله وأنكحها إياه فولدت له زيدا مات رجلا
وفي رواية أنه لما خطبها إليه قال حتى استأذن فاستأذن ولد فاطمة فأذنوا له
وفي رواية أن الحسين سكت وتكلم الحسن فحمد الله وأثنى عليه ثم قال يا أبتاه من بعد عمر صحب رسول الله وتوفي وهو عنه راض ثم ولي الخلافة فعدل
فقال له أبوه صدقت ولكن كرهت أن أقطع أمرا دونكما ثم قال لها انطلقي إلى أمير المؤمنين فقولي له إن أبي يقرئك السلام ويقول لك إنا قد قضينا حاجتك التي طلبت فأخذها عمر وضمها إليه وأعلم من عنده أنه تزوجها فقيل له إنها صبية صغيرة فذكر الحديث السابق وفي آخره أردت أن يكون بيني وبين رسول الله سبب وصهر
وتقبيله وضمه لها على جهة الإكرام لأنها لصغرها لم تبلغ حدا تشتهى حتى يحرم ذلك ولولا صغرها لما بعث بها أبوها كذلك ثم حديث عمر هذا جاء عن جماعة آخرين من الصحابة كالمنذر

(2/457)


وابن عباس وابن الزبير وابن عمر
قال الذهبي وإسناده صالح
تنبيه علم مما ذكر في هذه الأحاديث عظيم نفع الانتساب إليه ولا ينافيه ما في أحاديث أخر من حثه لأهل بيته على خشية الله واتقائه وطاعته وأن القرب إليه يوم القيامة إنما هو بالتقوى فمن ذلك الحديث الصحيح أنه لما نزل قوله تعالى وأنذر عشيرتك الأقربين الشعراء 214 دعا قريشا فاجتمعوا فعم وخص وطلب منهم أن ينقذوا أنفسهم من النار إلى أن قال يا فاطمة بنت محمد يا صفية بنت عبد المطلب يا بني عبد المطلب لا أملك لكم من الله شيئا غير أن لكم رحما سيأبلها ببلالها
وأخرج أبو الشيخ عن ابن حبان يا بني هاشم لا يأتين الناس يوم القيامة بالآخرة يحملونها على ظهورهم وتأتون بالدنيا على ظهوركم لا أغني عنكم من الله شيئا
وأخرج البخاري في الأدب المفرد إن أوليائي يوم القيامة المتقون وإن كان نسب أقرب من نسب لا تأتي الناس بالأعمال وتأتون بالدنيا تحملونها على رقابكم فتقولون يا محمد فأقول هكذا وهكذا وأعرض في كلا عطفيه

(2/458)


وأخرج الطبراني إن أهل بيتي هؤلاء يرون أنهم أولى الناس بي وليس كذلك إن أوليائي منكم المتقون من كانوا وحيث كانوا
وأخرج الشيخان عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال سمعت رسول الله جهارا غير سر يقول إن آل أبي فلان ليسوا بأوليائي إنما وليي الله وصالح المؤمنين زاد البخاري لكن لهم رحم سأبلها ببلالها
يعني سأصلها بصلتها
ووجه عدم المنافاة كما قاله المحب الطبري وغيره من العلماء أنه لا يملك لأحد شيئا لا نفعا ولا ضرا لكن الله عز و جل يملكه نفع أقاربه وجميع أمته بالشفاعة العامة والخاصة فهو لا يملك إلا ما يملكه له مولاه كما أشار إليه بقوله غير أن لكم رحما سأبلها ببلالها وكذا معنى قوله لا أغني عنكم من الله شيئا أي بمجرد نفسي من غير ما يكرمني به الله من نحو شفاعة أو مغفرة وخاطبهم بذلك رعاية لمقام التخويف والحث على العمل والحرص على أن يكونوا أولى الناس حظا في تقوى الله وخشيته ثم أومأ إلى حق رحمه إشارة إلى

(2/459)


إدخال نوع طمأنينة عليهم
وقيل هذا قبل علمه بأن الانتساب إليه ينفع وبأنه يشفع في إدخال قوم الجنة بغير حساب ورفع درجات آخرين وإخراج قوم من النار ولما خفي ذلك الجمع عن بعضهم حمل حديث كل سبب ونسب على أن المراد أن أمته يوم القيامة ينسبون إليه بخلاف أمم الأنبياء لا ينسبون إليهم وهو بعيد
وإن حكاه وجها في الروضة بل يرده ما مر من استناد عمر إليه في الحرص على تزويجه بأم كلثوم وإقرار علي والمهاجرين والأنصار له على ذلك ويرده على ذلك ويرده أيضا ذكر الصهر والحسب مع السبب والنسب كما مر وغضبه لما قيل إن قرابته لا تنفع
على أن في حديث البخاري ما يقتضي نسبة بقية الأمم إلى أنبيائهم فإن فيه يجيء نوح عليه السلام وأمته فيقول الله تعالى هل بلغت فيقول أي رب نعم فيقول لأمته هل بلغكم . . الحديث
وكذا جاء في غيره
واعلم أنه استفيد من قوله في الحديث السابق إن أوليائي منكم المتقون وقوله إنما وليي الله وصالح المؤمنين أن نفع رحمه وقرابته وشفاعته للمذنبين من أهل بيته وإن لم تنتف لكن ينتفي عنهم بسبب عصيانهم ولاية الله ورسوله لكفرانهم نعمة قرب النسب إليه بارتكابهم ما يسوءه عند عرض عملهم عليه ومن ثم يعرض عمن يقول له منهم يوم القيامة يا محمد

(2/460)


كما في الحديث السابق
وقد قال الحسن بن الحسن السبط لبعض الغلاة فيهم ويحكم أحبونا لله فإن أطعنا الله فأحبونا وإن عصيناه فابغضونا ويحكم لو كل الله نافعا بقرابة من رسول الله بغير عمل بطاعته لنفع بذلك من هو أقرب إليه منا والله إني أخاف أن يضاعف للعاصي منا العذاب ضعفين وإن يؤتى المحسن منا أجره مرتين
وكأنه أخذ ذلك من قوله تعالى يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين الأحزاب 30
خاتمة علم من الأحاديث السابقة اتجاه قول صاحب التلخيص من أصحابنا من خصائصه أن أولاد بناته ينسبون إليه وأولاد بنات غيره لا ينسبون إلى جدهم من الكفاءة وغيرها وأنكر ذلك القفال وقال لا خصوصية بل كان أحد ينسب إليه اولاد بناته
ويرده الخبر السابق كل بني أم ينتمون إلى عصبة إلى آخره ثم معنى الانتساب إليه الذي هو من خصوصياته أنه يطلق عليه أنه أب لهم وأنهم بنوه حتى يعتبر ذلك في الكفاءة فلا يكافىء شريفة هاشمية غير شريف
وقولهم إن بني هاشم والمطلب أكفاء محله فيما عدا هذه الصورة كما بينته بما فيه كفاية في إفتاء طويل مسطر في الفتاوى وحتى

(2/461)


يدخلون في الوقف على أولاده والوصية لهم وأما أولاد بنات غيره فلا تجري فيهم مع جدهم لأمهم هذه الأحكام
نعم يستوي الجد للأب والأم في الانتساب إليهما من حيث تطلق الذرية والنسل والعقب عليهم فأراد صاحب التلخيص بالخصوصية ما مر وأراد القفال بعدمها هذا وحينئذ فلا خلاف بينهما في الحقيقة
ومن فوائد ذلك أيضا أنه يجوز أن يقال للحسنين أبناء رسول الله وهو أب لهما اتفاقا ولا يجري فيه القول الضعيف لأنه لا يجوز أن يقال له أب المؤمنين ولا عبرة بمن منع ذلك حتى في الحسنين من الأمويين للخبر الصحيح الآتي في الحسن إن ابني هذا سيد
ومعاوية وإن نقل القرطبي عنه ذلك لكن نقل عنه ما يقتضي أنه رجع عن ذلك وغير معاوية من بقية الأمويين المانع لذلك لا يعتد به وعلى الأصح فقوله تعالى ما كان محمد أبا أحد من رجالكم الأحزاب 40 إنما سيق لانقطاع حكم التبني لا لمنع هذا الإطلاق المراد به أنه أبو المؤمنين في الاحترام والإكرام
الآية العاشرة قوله تعالى ولسوف يعطيك ربك فترضى الضحى 5
نقل القرطبي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال رضي محمد أن لا يدخل أحد من أهل بيته النار وقاله السدي
انتهى
وأخرج الحاكم وصححه أنه قال وعدني ربي في أهل بيتي

(2/462)


من أقر منهم لله بالتوحيد ولي بالبلاغ أن لا يعذبهم
وأخرج الملا سألت ربي أن لا يدخل النار أحد من أهل بيتي فأعطاني ذلك
وأخرج أحمد في المناقب أنه قال يا معشر بني هاشم والذي بعثني بالحق نبيا لو أخذت بحلقة الجنة ما بدأت إلا بكم
وأخرج الطبراني عن علي قال سمعت رسول الله يقول أول من يرد علي الحوض أهل بيتي ومن أحبني من أمتي
وهو ضعيف والذي صح أول من يرد علي الحوض فقراء المهاجرين فإن صح الأول أيضا حمل على أن أولئك أول من يرد بعد هؤلاء
وأخرج المخلص والطبراني والدارقطني أول من أشفع له من أمتي أهل بيتي ثم

(2/463)


الأقرب فالأقرب من قريش ثم الأنصار ثم من آمن بي واتبعني من اليمن ثم سائر العرب ثم الأعاجم ومن أشفع له أولا أفضل
وعند البزار والطبراني وغيرهما أول من أشفع له من أمتي من أهل المدينة ثم أهل مكة ثم أهل الطائف
ويجمع بينهما بأن ذاك فيه ترتيب من حيث القبائل وهذا فيه ترتيب من حيث البلدان فيحتمل أن المراد البداءة في قريش بأهل المدينة ثم مكة ثم الطائف وكذا في الأنصار ثم من بعدهم ومن أهل مكة بذلك على هذا الترتيب ومن أهل الطائف بذلك كذلك
وأخرج تمام والبزار والطبراني وأبو نعيم أنه قال إن فاطمة أحصنت فرجها فحرم الله ذريتها على النار وفي رواية فحرمها الله وذريتها على النار
وأخرج الحافظ أبو القاسم الدمشقي أنه قال يا فاطمة لم سميت فاطمة قال علي لم سميت فاطمة يا رسول الله قال إن الله قد فطمها

(2/464)


وذريتها من النار
وأخرج النسائي إن ابنتي فاطمة حوراء آدمية لم تحض ولم تطمث إنما سماها فاطمة لأن الله فطمها ومحبيها عن النار
وأخرج الطبراني بسند رجاله ثقات أنه قال لها إن الله غير معذبك ولا أحد من ولدك
وورد أيضا يا عباس إن الله غير معذبك ولا أحد من ولدك
وصح يا بني عبد المطلب وفي رواية يا بني هاشم إني قد سألت الله عز و جل لكم أن يجعلكم رحماء نجباء وسألته أن يهدي ضالكم ويؤمن خائفكم ويشبع جائعكم
وأخرج الديلمي وغيره أنه قال نحن بنو عبد المطلب سادات أهل

(2/465)


الجنة أنا وحمزة وجعفر بن أبي طالب والحسن والحسين والمهدي
وفي حديث ضعيف عن علي شكوت إلى رسول الله حسد الناس فقال لي أما ترضى أن تكون رابع أربعة أول من يدخل الجنة أنا وأنت والحسن والحسين وأزواجنا عن أيماننا وشمائلنا وذريتنا خلف أزواجنا
وأخرج أحمد في المناقب أنه قال لعلي أما ترضى أنك معي في الجنة والحسن والحسين وذريتنا خلف ظهورنا وأزواجنا خلف ذريتنا وشيعتنا عن أيماننا وشمائلنا
ومر عن علي في الآية الثامنة بيان صفة تلك الشيعة فراجع ذلك فإنه مهم وبه تبين لك أن أن الفرقة المسماة بالشيعة الآن إنما هم شيعة إبليس لأنه استولى على عقولهم فأضلها ضلالا مبينا
وأخرج الطبراني أنه قال لعلي أول أربعة يدخلون الجنة أنا وأنت والحسن والحسين وذرياتنا خلف ظهورنا وأزواجنا خلف ذرياتنا وشيعتنا عن

(2/466)


وسنده ضعيف لكن يشهد له ما صح عن ابن عباس إن الله يرفع ذرية المؤمن معه في درجته وإن كانوا دونه في العمل ثم قرأ والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم الطور 21 الآية
وأخرج الديلمي يا علي إن الله قد غفر لك ولذريتك ولولدك ولأهلك ولشيعتك ولمحبي شيعتك فأبشر فإنك الأنزع البطين
وهو ضعيف
وكذا خبر أنت وشيعتك تردون علي الحوض رواة مرويين مبيضة وجوهكم وإن عدوك يردون علي الحوض ظماء مقمحين
ضعيف أيضا
ومر بيان صفات شيعته فاحذر من غرور الضالين وتمويه الجاحدين الرافضة والشيعة ونحوهما قاتلهم الله أنى يؤفكون التوبة 30
الآية الحادية عشرة قوله تعالى إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية البينة 7
أخرج الحافظ جمال الدين الزرندي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن هذه

(2/467)


الآية لما نزلت قال النبي لعلي هو أنت وشيعتك تأتي أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين ويأتي عدوك غضابا مقمحين قال ومن عدوي قال من تبرأ منك ولعنك
وخبر السابقون إلى ظل العرش يوم القيامة طوبى لهم
قيل ومن هم يا رسول الله قال شيعتك يا علي ومحبوك فيه كذاب
واستحضر ما مر في صفات شيعته واستحضر أيضا الأخبار السابقة في المقدمات أول الباب في الرافضة
وأخرج الدارقطني يا أبا الحسن أما أنت وشيعتك في الجنة وإن قوما يزعمون أنهم يحبونك يصغرون الإسلام ثم يلفظونه يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية لهم نبز يقال لهم الرافضة فإن أدركتهم فقاتلهم فإنهم مشركون
قال الدارقطني لهذا الحديث عندنا طرقات كثيرة ثم أخرج عن أم سلمة رضي الله عنها قالت كانت ليلتي وكان النبي عندي فأتته فاطمة فتبعها علي رضي الله عنهما فقال النبي يا علي أنت وأصحابك في الجنة أنت وشيعتك في الجنة إلا أنه ممن يزعم ممن يحبك أقوام يصغرون الإسلام يلفظونه يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم لهم نبز يقال لهم الرافضة فجاهدهم فإنهم مشركون قالوا يا رسول الله ما العلامة فيهم قال لا

(2/468)


يشهدون جمعة ولا جماعة ويطعنون على السلف
ومن ثم قال موسى بن علي بن الحسين بن علي وكان فاضلا عن أبيه عن جده إنما شيعتنا منأطاع الله ورسوله وعمل أعمالنا
الآية الثانية عشرة قوله تعالى وإنه لعلم للساعة الزخرف 61
قال مقاتل بن سليمان ومن تبعه من المفسرين إن هذه الآية نزلت في المهدي وستأتي الأحاديث المصرحة بأنه من أهل البيت النبوي وحينئذ ففي الآية دلالة على البركة في نسل فاطمة رضي الله عنهما وأن الله ليخرج منهما كثيرا طيبا وأن يجعل نسلهما مفاتيح الحكمة ومعادن الرحمة
وسر ذلك أنه أعاذها وذريتها من الشيطان الرجيم
ودعا لعلي بمثل ذلك وشرح ذلك كله يعلم بسياق الأحاديث الدالة عليه
وأخرج النسائي بسند صحيح أن نفرا من الأنصار قالوا لعلي رضي الله عنه لو كانت عندك فاطمة
فدخل على النبي يعني ليخطيها فسلم عليه فقال له ما حاجة ابن أبي طالب قال فذكرت فاطمة
فقال مرحبا وأهلا فخرج إلى الرهط من الأنصار ينتظرونه فقالوا له ما وراءك قال ما أدري غير أنه قال لي مرحبا وأهلا قالوا يكفيك من رسول الله أحدهما قد أعطاك الأهل وأعطاك الرحب فلما كان بعد ما زوجه قال له يا

(2/469)


علي إنه لا بد للعرس من وليمة
قال سعد رضي الله عنه عندي كبش وجمع له رهط من الأنصار آصعا من ذرة فلما كان ليلة البناء قال يا علي لا تحدث شيئا حتى تلقاني فدعا بماء فتوضأ به ثم أفرغه على علي وفاطمة رضي الله تعالى عنهما فقال اللهم بارك فيهما وبارك عليهما وبارك لهما في نسلهما وفي رواية في شملهما وهو بالتحريك الجماع وفي أخرى شبليهما قيل وهو تضعيف فإن صحت فالشبل ولد الأسد فيكون ذلك كشفا واطلاعا منه على أنها تلد الحسنين فأطلق عليهما شبلين وهما كذلك
وأخرج أبو علي الحسن بن شاذان أن جبريل جاء إلى النبي فقال إن الله يأمرك أن تزوج فاطمة من علي فدعا جماعة من أصحابه فقال الحمد لله المحمود بنعمته الخطبة المشهورة ثم زوج عليا وكان غائبا وفي آخرها فجمع الله شملهما وأطاب نسلهما وجعل نسلهما مفاتيح الرحمة ومعادن الحكمة وأمن الأمة فلما حضر علي تبسم وقال له إن الله أمرني أن أزوجك فاطمة على أربعمائة مثقال فضة أرضيت بذلك فقال قد

(2/470)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية