صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : شرح شافية ابن الحاجب |
سالت هذيل رسول الله فاحشة * ضلت هذيل بما سالت ولم تصب سالوا رسولهم ما ليس معطيهم * حتى الممات وكانوا سبة العرب انتهى. (4/341)
وزاد ابن هشام في السيرة بعدهما بيتين آخرين، وهما: ولن ترى لهذيل داعيا أبدا * يدعو لمكرمة عن منزل الحرب لقد أرداوا الفحش ويحهم * وأن يحلوا حراما ما كان في الكتب وأنشد بعده - وهو الشاهد الخامس والستون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه -: (من الوافر) 165 - وكنت أذل من وتد بقاع * يشجج رأسه بالفهر واجى على أن أصله واجئ - بالهمز - فقلبت الهمزة ياء لضرورة الشعر عند سيبويه كما تقدم نصه واعترض عليه الشارح المحقق تبعا لابن الحاجب بأن هذا القلب جائز في الوقف قياسا، والقلب في مثله إنما يكون ضرورة لو كان في غير الوقف
واعتراض ابن الحاجب في شرح المفصل، قال: " وأصله واجئ، فقلبت الهمزة ياء، وقد أنشده سيبويه أيضا على ذلك، وهو عندي وهم، فان هذه الهمزة موقوف عليها، فالوجه أن تسكن لاجل الوقف، وإذا سكنت جرها حركة ما قبلها، فيجب أن تقلب ياء، فليس لايرادهم لها فيما خرج عن القياس من إبدال الهمزة حرف لين وجه مستقيم، وقد اعتذر لهم عن ذلك بأن القصيدة مطلقة بالياء، وياء الاطلاق لا تكون مبدلة عن همزة، لان المبدل عن الهمزة في حكم الهمزة، فجلعها ياء الاطلاق ضرورة، فصح إيرادهم لها فيما خرج عن القياس في قلب الهمزة حرف لين، والجواب أن ذلك لا يدفع كون التخفيف ياء جائزا على القياس،
لان الضرورة في جعل الياء مبدلة عن الهمزة ياء للاطلاق، لا أن إبدالها على خلاف القياس، لانهما أمران متقاطعان، فتخفيفها إلى الياء أمر، وجعلها ياء للاطلاق أمر آخر، والكلام إنما هو إبدالها ياء، ولا ينفع العدول إلى الكلام في جعلها ياء الاطلاق، فثبت أن قلبها في مثل هذا مثل قياس تخفيف الهمزة، وأن كونها إطلاقا لا يضر في كونها جارية على القياس في التخفيف، نعم يضر في كونه جعل ما لا يصح أن يكون إطلاقا، وتلك قضية ثانية، هذا بعد تسليم أن الياءات والواوات والالفات المنقلبات عن الهمزة لا يصح أن تكون إطلاقا، وهو في التحقيق غير مسلم، إذ لا فرق في حرف الاطلاق بين أن يكون عن همزة وبين أن يكون غير ذلك، كما في حرف الردف وألف التأسيس " هذا آخر كلامه وكأنه لم يقف على ما كتبه الزمخشري هنا من مناهيه على المفصل، وهو قوله: " لا يقال: وقف على الهمزة واجئ ثم قلبها ياء لكسرة ما قبلها، لانه لو وقف لوقف على الجيم الذى هو حرف الروى " انتهى. (4/342)
وهذا تحقيق منه وشرح لمراد سيبويه، لانه إنما منع الوقوف على الهمزة في
واجئ، لانه كان يصير حرف الروى همزة، فيختلف الرويان اختلافا شديدا، بخلاف الاكفاء في نحو قوله: (من الرجز) بنى إلى البر شئ هين * المنطق اللين والطعيم فلا يجوز أن يقال: وقف على الهمزة، وأنه فعل به بعد الوقف على الجيم ما فعل من إسكان الهمزة وقلبها ياء للضرورة، وإنما يقال: أبدل منها إبدالا محضا ولا يخففها التخفيف القياسي، فإن التخفيف القياسي هو إبدالها إذا سكنت بالحرف الذى منه حركة ما قبلها، نحو راس في رأس، وإذا خففت تخفيفا قياسيا كانت في حكم المحققة، وإذا كانت في حكم المحققة اختلف الرويان، ولذلك أبدلوا في الشعر ولم يحققوا، خوفا من انكساره، ومن اختلاف رويه، وهذا البدل
هو الذى ذكره سيبويه في قوله: " وقد يجوز في ذا كله البدل حتى يكون قياسا إذا اضطر الشاعر " وذكر أن البدل في المفتوحة بالالف وفى المكسورة بالياء وفى المضمومة بالواو ليس بقياس (1)، يريد أن القياس أن تجعل بين بين، وقلبها على وجه البدل شاذ وهو من ضرورة الشعر، وقول الزمخشري: " لانه لو وقف لوقف على الجيم إلخ " يريد أنه إذا أدى الامر إلى أن تقلب الهمزة ياء صار واجى كقاضي، وحكمن الوقف على المنقوص المنون في الرفع والجر في الاختيار حذف الياء والوقف على الحرف الذى قبلها، نحو هذا قاض ومرت بقاض، وإن جاز إثبات الياء فيهما، لكن المختار حذفها هذا، والبيت من قصيدة لعبد الرحمن بن حسان بن ثابت رضى الله عنه هجا بها عبد الرحمن بن الحكم بن أبى العاص وكان يهاجيه، وقبله: وأما قولك الخلفاء منا * فهم منعوا وريدك من وداجى ولولاهم لكنت كحوت بحر * هوى في مظلم الغمرات داجى (4/343)
وكنت أذل من وتد بقاع *...البيت افتخر ابن الحكم على ابن حسان بأن الخلفاء منا لا منكم، أن الخلافة في قريش، وبنو أمية منهم، وابن حسان من الانصار، والانصار هم الاوس والخزرج، وهم من أزد غسان من عرب اليمن قحطان.
والوريد: عرق غليظ في العنق، وهما وريدان في صفحتي مقدم العنق، ويقال: له: الودج - بفتحتين - والوداج أيضا بكسر الواو، والودجان: عرقان غليظان يكتنفان نقرة النحر يمينا وشمالا، وقيل: هما عرقان في العنق يتفرعان من الوريدين، ويقال للودج الاخدع أيضا، والاخدعان: الودجان، وقوله " وداجى " كذا جاء بالاضافة إلى الياء، والوداج: مصدر وادج، فاعل،
__________
(1) انظر كتاب سيبويه (ح 2 ص 159) (*)
وليس بمراد، وإنما المراد مصدر وادج كسافر بمعنى سفر، يقال: ودجت الدابة ودجا - من باب وعد - إذا قطعت ودجها، وهو لها كالفصد للانسان، ولو روى وداج، بدون ياء، لحمل على أنه جمع ودج، كجمال جمع جمل، وقدر مضاف: أي صفع وداج، ونحوه، ويكون الجمع باعتبار ما حوله، يقول: لولا أن الخلفاء من قومك وقد احتميت بهم لذبحتك أو لصفعتك على أخدعيك، والغمرات: جمع غمرة: - بالفتح - وهى قطع الماء التى بعضها فوق بعض، وداجى: أسود، من دجا الليل يدجو دجوا إذا أظلم، يريد لولاهم لكنت خاملا لعدم نباهتك مختفيا لا يراك أحد كالحوت في البحر لا يرى لعمقه وتكاثف المياه عليه، ورواه شراح أبيات المفصل * ولولاهم لكنت كعظم حوت * وقالوا: لكنت كعظم سمكة وقع في البحر لا يشعر به. (4/344)
وقوله " وكنت أذل الخ " الوتد: بفتح الواو وكسر التاء، والقاع
المستوى من الارض، ويشجج: مبالغة يشج رأسه، إذا جرحه وشق لحمه، والفهر - بكسر الفاء -: الحجر مل ء الكف، ويؤنث، والواجى: الذى يدق، اسم فاعل من وجأت عنقه - بالهمز - إذا ضربته، وفى أمثال العرب " أذل من وتد بقاع " لانه يدق ومن أمثالهم " أيضا أذل من حمار مقيد " وقد جمعهما الشاعر فقال: (من البسيط) ولا يقيم بدار الذل يألفها * إلا الاذلان عير الدار والوتد هذا على الخسف مربوط برمته * وذا يشج فلا يرثى له أحد وقال المبرد في الكامل: " كانا يتهاجيان، فكتب معاوية إلى مروان بن الحكم أن يؤدبها، وكانا تقاذفا، فضرب ابن حسان ثمانين، وضرب أخاه عشرين، فقيل لابن حسان: قد أمكنك في مروان ما تريد، فأشد بذكره وارفعه إلى
معاوية، فقال: والله إذن لا أفعل وقد حدنى حد الرجال الاحرار وجعل أخاه كنصف عبد، فأوجعه بهذا القول: وأنشد الجار بردى هنا - وهو الشاهد السادس والستون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه -: (من الرجز) 166 - * وأم أوعال كها أو أقرابا * على أن دخول الكاف على الضمير شاذ في الاستعمال، لا في القياس، إذ القياس أن يدخل الكاف على الاسم، ظاهرا كان أو مضمرا، كسائر حروف الجر، والبيت من أرجوزة للعجاج، وقبله: * خلى الذنابات شمالا كثبا * وهذا في وصف حمار الوحش أراد أن يرد الماء مع أتنه فرأى الصياد، وفاعل " خلى " ضمير، وهو مضمن معنى جعل، والذنابات: مفعوله الاول، (4/345)
وشمالا: ضرف في موضع المفعول الثاني، والذنابات: جمع ذنابة - بالكسر - وهو آخر الوادي ينتهى إليه السيل، والكثب - بفتح الكافي والمثلثة -: القرب، وأراد القريب، وأ أوعال: قيل بالنصب معطوف على الذنابات، وقيل مرفوع بالابتداء، و " كها " الجار والمجرور في موضع خبر المبتدأ، و " أقرب " معطوف على مدخول الكاف، وأم أوعال: هضبة في ديار بنى تميم، والهضبة: الجبل المنبسط على وجه الارض، وضمير " كها " للذنابات وقد تكلمنا عليه بأبسط من هذا في الشاهد السادس والثلاثين بعد الثمانمائة من شواهد شرح الكافية.
وأنشد أيضا بعده - وهو الشاهد السابع والستون بعد المائة - (من الطويل): 167 - ويستخرج اليربوع من نافقائه * ومن جحره بالشيحة اليتقصع على أن دخول " أل " على الفعل شاذ مخالف للقياس والاستعمال، إذ هي خاصة بالاسم، وصوابه فيستخرج بالفاء السبيبة، ونصبه بأن مضمرة بعدها، وبالبناء للمفعول، و " اليربوع " نائب الفاعل، وهو دويبة تحفر الارض وله جحران: أحدهما القاصعاء، وهو الذى يدخل فيه، وثانيهما النافقاء، وهو الجحر الذى يكتمه ويظهر غيره، وهو موضع يرققه، فإذا أتى من قبل القاصعاء ضرب النافقاء برأسه، فانتفق: أي خرج، والجحر، - بضم الجيم - يطلق على مأوى اليربوع والضب والحية، وقوله " بالشيحة " رواه أبو عمرو الزاهد وغيره تبعا لابن الاعرابي " ذى الشيحة " وقال: لكل يربوع شيحة عند جحره، ورد عليه أبو محمد الاعرابي في " ضالة الاديب ": صوابه بالشيخة - بالخاء المعجمة - وهى رملة بيضاء في بلاد بنى أسد وحنظلة، وقوله " اليتقطع " رواه الرياشى بالبناء (4/346)
للمفعول، يقال: تقطع اليربوع دخل في قاصعائه، فيكون صفة للجحر، وصلته محذوفة: أي من جحره الذى يتقطع فيه، وروى بالبناء للفاعل، فيكون صفة اليربوع: ورواه أبو زيد في نوادره " المتقصع " باسم المفعول " فيكون من صفة اليربوع أيضا، لكن فيه حذف الصلة.
والبيت من أبيات شرحناها وافيا في أول شاهد من شواهد شرح الكفاية وأنشدب بعده - وهو الشاهد الثامن والستون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه -: (من الطويل)
168 - أيا ضبية الوعساء بين جلاجل * وبين النقا آأنت أم أم سالم على أنه فصل بين الهمزتين بألف قال سيبويه: " ومن العرب ناس يدخلون بين ألف الاستفهام وبين الهمزة ألفا إذا التقتا، وذلك أنهم كرهوا التقاء همزتين ففصلوا، كما قالوا: اخشينان، ففصلوا بالالف كراهية التقاء هذه الحروف المضاعفة، قال ذو الرمة: أيا ضبية الوعساء بين جلاجل...البيت " اه (1) وبزيادة الالف يكون قوله " نقا آأن " مفاعيلين، جزءا سالما، ويجوز أن تحقق الهمزتان بلا زيادة ألف فيكون قوله " نقا أأن " مفاعلن، جزءا مقبوضا، وأورده الشارح والزمخشري في المفصل تبعا لسيبويه بزيادة الالف، لانه معها يمتد الصوت ويكون جزءا سالما، وهو أحسن، وحملا على الاصل، لان الزحاف فرع ومراعاة الاصل أولى، وأما البيت بعده فلا يستقيم إلا بإقحام الالف بين الهمزتين، قال أبو على في كتاب الشعر: فيه حذف خبر المبتدأ، التقدير أأنت هي أم أم سالم، فان قلت: فما وجه هذه المعادلة ؟ وهل يجوز أن يشكل هذا عليه حتى يستفهم عنه، (4/347)
وهو بندائه، لها قد أثبت أنها ظبية الوعساء ؟ ألا ترى أنه لو نادى رجلا بما يوجب القذف لكان في ندائه بذلك كالخبر عنه ؟ فكذلك إذا قال: يا ظبية الوعساء قد أثبتها ظبية الوعساء، وإذا كان كذلك فلا وجه لمعادلته إياها بأم سالم حتى يصير كأنه قال: أيكما أم سالم ؟ فالقول في ذلك أن المعنى على شدة المشابهة من هذه الظبية لام سالم، فكأنه أراد التبستما على واشتبهتما، حتى لا أفصل بينكما، فالمعنى على هذا الذى ذكرناه شدة المشابهة، لانه ليس ظبية الوعساء من أم سالم...إلى آخر ما ذكره " والبيت من قصيدة طويلة لذى الرمة، وقبله:
__________
(1) انظر كتاب سيبويه (ح 2 ص 168) (*)
أقول لدهناوية عوهج جرت * لنا بين أعلى عرفة فالصرائم وبعده: هي الشبه إلا مدرييها وأذنها * سواء وإلا مشقة في القوائم وقوله " أقول لدهناوية " أي: لظبية منسوبة إلى الدهناء - بالمد وبالقصر وهو موضع في بلاد تميم، والعوهج - بفتح العين المهملة وآخره جيم -: الطويلة العنق، وجرت: سنحت، والعرفة - بضم العين المهملة وبالفاء -: القطعة المشرفة من الرمل، والصرائم: قطع من الرمل، جمع صريمة، وقوله " أيا ظبية الخ " هو مقول القول، ويروى " فيا ظبية " - بالفاء - وليس بالوجيه، والوعساء، الرابية اللينة من الرمل، ويقال: الوعساء: الارض اللينة ذات الرمل، والمكان أوعس، و " جلاجل " بجيمين أولاهما مضمومة، وروى بفتحها أيضا، وروى " حلاحل " - بمهملتين أولاهما مضمومة - وهو اسم مكان، والنقا: التل من الرمل، وأم سالم: هي محبوبته، وقوله " هي الشبه إلخ " (4/348)
المدرى - بكسر الميم وسكون الدال المهملة -: القرن، والمشقة: الدقة، يقال: فلان ممشوق الجسم: أي دقيق خفيف، يقول: هي أشبه شئ بأم سالم إلا قرنيها وأذنيها، وإلا حموشة (1) في قوائمها، فأما العنق والعين والملاحة فهى شبيهة بها، قال الاصمعي في شرح ديوانه هنا: " يقال: إن مسعودا أخاه وهشاما عابا عليه كثرة تشبيهه المرأة بالظبية، وقيله: إنها دقيقة القوائم، وغير ذلك، فقال هذه القصيدة، واستثنى هذا الكلام فيها " وأنشد بعده - وهو الشاهد التاسع والستون بعد المائة -: (من الطويل)
__________
(1) الحموشة: الدقة، قال الشاعر يصف براغيث: وحمش القوائم حدب الظهور * طرقن بليل فأرقننى
169 - حزق إذا ما الناس أبدوا فكاهة * تفكر آإياه يعنون أم قردا لما تقدم قبله والبيت أورده أبو زيد في كتاب الهمز، وقال: وبعض العرب يقول: يا زيد، آأعطيت فلانا ؟ فيفرق بين الهمزتين بالالف الساكنة، ويحققهما، قال الشاعر: حزق إذا ما القوم أبدوا فكاهة...البيت وأورده ابن جنى في سر الصناعة، والزمخشري في المفصل و " الحزق " بضمتى الحاء المهملة والزاى المعجمة وتشديد القاف، فسره أبو زيد بالقصير، وكذا في العباب. (4/349)
قال: والحزق والحزقة القصير، قال جامع بن عمرو بن مرخية الكلابي: وليس بجواز لاحلاس رحله * ومزوده كيسا من الرأى أو زهدا حزق إذا ما القوم...البيت وفى حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يرقص الحسن أو الحسين رضى
الله عنهما، ويقول: حزقه حزقه ترق عين بقه، فترقى الغلام حتى وضع قدميه على صدره عليه الصلاة والسلام، قال ابن الانباري: حزقه حزقه: معناها المداعبة والترقيص له، وهى في اللغة الضعيف الى يقارب خطوه من ضعف بدنه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لضعف كان فيه ذلك الوقت، قال: والحزقة في غير هذا الضيق (1)، قالها الاصمعي، وقال أبو عبيدة: الحزقة القصير العظيم البطن الذى إذا مشى أدار أليته، ومعنى ترق: أي اصعد، عين بقه: أي
__________
(1) قد أطلق الضيق في عبارة الاصمعي هنا، ولكن قيده صاحب اللسان فقال: " قال الاصمعي: رجل حزقة، وهو الضيق الرأى من الرجال والنساء وأنشد بيت امرئ القيس: وأعجبني مشى الحزقة خالد * كمشى أتان حلئت بالمناهل (*)
يا ضمير العين، لان عين البقة نهاية في الصغر " انتهى وهذان البيتان من قصيدة لجامع المذكور أورد منها أبو محمد الاعرابي في ضالة الاديب ثلاثة عشر بيتا وهى هذه: تعالى بأيد ذارعات وأرجل * منكبة روح يخدن بنا وخدا سعالى ليل ما تنام وكلفت * عشية خمس القوم هاجرة صخدا فجئن بأغباش وما نزل القطا * قراميص مأواه وكان لها وردا وجئن ينازعن الازمة مقدما * محاويق قد لاقت ملاويحها جهدا إلى طاميات فوقها الدمن لم نجد * لهن بأوراد ولا حاضر عهدا فشن عليها في الازاء بسفرة * فتى ماجد تثنى صحاباته حمدا كأنهم أربابه وهو خيرهم * إذا فزعوا يوما وأوراهم زندا وأجدرهم أن يعمل العيس تشتكى * مناسمها في الحج أو قائدا وفدا (4/350)
خفيف لهم في حاجهم وكأنما * يعدون للابطال ذا لبدة وردا إذا ما دعو للخير أو لحقيقة * دعوا رعشنيا لم يكن خاله عبدا وليس بحواز لاحلاس رحله * ومزوده كيسا من الرأى أو زهدا حزق إذا ما القوم أبدوا فكاهة * تذكر آإياه يعنوم أم قردا ولا هجرع سمج إذا مات لم يجد * به قومه في النائبات له فقدا وقوله " تعالى بأيد " أي: تتعالى وترتفع الابل بأيد، ذارعات: أي مسرعات، والذرع والتذريع: تحريك الذراعين في المشى، و " منكبة " اسم فاعل من نكب تنكبيا، إذا عدل عن الطريق، ويقال: نكب عن الطريق ينكب نكوبا، بالتخفيف أيضا، وروح: جمع أروح، وروحاء، من الروح - بفتحتين ومهملتين - وهو سعه في الرجلين، وهو أن تتباعد صدور القدمين وتتدانى العقبان، والوخد - بالخاء المعجمة -: ضرب من سير الابل، وهو رمى القوائم
كمشى النعام، وقوله " سعالى ليل " أي: كسعالي ليل، شبه الابل بالسعلاة، وهى أنثى الغول وأخبثها، وأضافها إلى الليل لكمال قوتها فيه، و " كلفت " بالبناء للمفعول، والخمس - بالكسر - هو أن ترد الابل الماء يوما ولا ترد بعده إلا في اليوم الخامس، فيكون صبرها عن الماء ثلاثة أيام، والهاجرة: نصف النهار عند اشتداد الحر، وأراد سير هاجرة، والصخد - بالصاد المهملة والخاء المعجمة -: مصدر بمعنى اسم الفاعل، يقال: صخدته الشمس، من باب منع: أي أصابته وأحرقته، وقوله " فجئن بأغباش ": أي جاءت الابل بأغباش جمع غبش - بفتحتين - وهو البقية من الليل، ويقال: ظلمة آخر الليل، والقطا أسبق الطير إلى الماء، والقراميص: حفر صغار يستكن فيها الانسان من البرد، الواحد قرموص، والورد - بالكسر -: ورود الماء، يريد أن الابل سبقت (4/351)
القطا إلى الورد، وقوله " وجئن ينازعن إلخ " أي يجاذبن، والازمة: جمع زمام، والمقدم: اسم فاعل من أقدم إذا جد، وهو المنازع منه، و " محاويق " حال من فاعل ينازعن، وهو جمع محوقة - بالفتح - وهى التى دعكها السفر وأتعبها، اسم مفعول من حاقه يحوقه حوقا، وهو الدلك والتمليس، و " ملاويحها " فاعل لافت، جمع ملواح - بالكسر - وهى الشديدة العطش، من لاح لوحا من باب نصر، إذا عطش، ولاحه السفر: أي غيره، والجهد: المشقة، وقوله " إلى طاميات " أي: جاءت الابل إلى مياه طاسيات: أي مرتفعات في الاحواض، من طما الماء يطمو طموا - بالطاء المهملة - إذا ارتفع وملا النهر، والدمن - بكسر الدال -: البعر، وماء متدمن، إذا سقط فيه أبعار الابل والغنم، وأوراد: جمع ورد - بالكسر - والورد هنا.
القوم الذين يردون الماء، والحاضر: المقيم، يقال: على الماء حاضر، وقوم حضار، إذا حضروا المياه، وقوله " فشن عليها " أي: على الابل، وشن الماء على الشراب: أي فرقه عليه، والازاء - بكسر
الهمزة بعدها زاى معجمة والمد -: مصب الماء في الحوض، قال أبو زيد: هو صخرة، وما جعلت وقاية على مصب الماء حين يفرغ الماء، والسفرة - بالضم - الجلدة التى يؤكل عليها الطعام، و " فتى " فاعل شن، و " تثنى " من الثناء وهو الذكر الجميل، و " أربابه " ساداته، والمناسم: جمع منسم - كمجلس -: طرف خف البعير، وحاج: جمع حاجة، و " يعدون " من أعده لكذا: أي هيأه، و " ذالبدة " مفعوله، أراد به الاسد، واللبدة - بكسر اللام - وهو الشعر المتلبد بين كتفي الاسد، قال صاحب الصحاح: الورد: الذى يشم، وبلونه قيل للاسد ورد، وللفرس ورد، وقوله " إذا ما دعوا إلخ " أراد إذا دعا القوم لبذل الخير أو لحماية حقيقة، وأراد به من يحق عليه حمايته من عشيرة وغيرها، والرعشنى: المسرع، (4/352)
وقوله " وليس بجواز إلخ " هو مبالغة حائز، من حاز الشئ، إذا جمعه، والاحلاس: جمع حلس - بالكسر -: أثاث البيت، والرحل: المنزل والمأوى، ومزوده معطوف على أحلاس، والمزود - بالكسر -: ما يجعل فيه الزاد، وهو طعام السفر، وكيسا: مفعوله لاجله: أي لا يحوز: إما لكيسه وإما لزهده، والكيس: الكياسة، وهى خلاف الحمق، وقوله " حزق " بالجر صفة لحواز، والفكاهة - بالضم - المزاح وانبساط النفس، يقول: هو ليس ممن إذا تمازح القوم تفكر أيعنونه ويريدونه أم يعنون القرد لشبهه به، فيشتبه عليه الامر، وقوله " ولا هجرع " بالجر معطوف على حزق، والهجرع بكسر الهاء والراء (1) وسكون الجيم بينهما، وهو الطويل، و " سمج " صفته من السماجة، أي: ليس بطويل قبيح، وقوله " إذا مات إلخ " يقول: هو ليس ممن لا يبكى عليه قومه في الشدائد بعد موته، بل يبكون عليه، لانه يدفع عنهم نوائب الدهر.
__________
(1) هجرع: فيها لغتان حكاهما صاحب القاموس: إحداهما كدرهم، والثانية كجعفر، وليس فيها كسر الراء كما يتوهم من عبارة المؤلف (*)
الاعلال أنشد فيه - وهو الشاهد السبعون بعد المائة -: (من الوافر) 170 - * أعارت عينه أم لم تعارا * على أنه قد يعل باب فعل من العيوب، فإن عارت أصله عورت - بكسر الواو - فقلبت ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وهو قليل، والكثير عور يعور، لانه في معنى اعور يعور، فلما كان اعور لابد له من الصحة لسكون ما قبل الواو صحت العين في عور وحول ونحوهما، لانها قد صحت فيما هو بمعناها، فجعلت (4/353)
صحة العين في فعل أمارة لانه في معنى افعل قال سيبويه: لم يذهب به مذهب افعل، فكأنه قال: عارت تعور، ومن قال هكذا فالقياس أن يقول: أعار الله عينه، وقد رواه صاحب الصحاح - وتبعه صاحب العباب - بالعين المهملة والغين المعجمة، ومعنى عارت عينه صارت عوراء، وقالا في المعجمة: وغارت عينه تغور غورا وغؤورا: دخلت في الرأس، وغارت تغار لغة فيه، وصدره عنده: * وسائله بظهر الغيب عنى * أي: رب سائلة وأنشده ابن قتيبة في أدب الكاتب: * تسائل بابن احمر من رآه * على أن الباء بمعنى عن قال الجواليقى في شرحه: " عمرو بن أحمر من باهلة، وهو أحد عوران قيس، وهم خمسة شعراء: تميم بن أبى بن مقبل، والراعي، والشماخ، وحميد بن ثور، وابن أحمر، يقول: تسائل هذه المرأة عن ابن أحمر أصارت عينه عوراء أم لم تعور ؟ يقال: عارت العين وعرتها أنا وعورتها، ويروى تعارا - بفتح التاء
وكسرها - وهى لغة فيما كان مثله، وأراد تعارن بالنون الخفيفة - التى للتأكيد فأبدل منها ألفا لينه للوقف " انتهى. (4/354)
وروى ابن دريد صدره في الجمهرة * وربت سائل عنى حفى * قال: وربما قالوا: في معنى رب، وأنشد البيت و " الحفى " بالحاء المهملة والفاء: المستقصى في السؤال
وقال ابن السيد في شرح أدب الكاتب: " هذا البيت لعمرو بن أحمر، وهذا من الشعر الذى يدل على قائله، ويغنى عن ذكره، ووقع في شعره: وربت سائل عنى حفى، وهو الصحيح، لانه ليس قبل هذا البيت مذكور يعود إليه الضمير من قوله: تسائل، ولعل الذى ذكر ابن قتيبة رواية ثانية مخالفة للرواية التى وقعت إلينا من هذا الشعر، وبعد هذا البيت: فإن تفرح بما لاقيت قومي * لئامهم فلم أكثر حوارا والحوار - بالحاء المهملة -: مصدر حاورته في الامر إذا راجعته فيه، يقول: لم أكثر مراجعة من سر بذلك من قومي، ولا أعنفه في سروره لما أصابني، وكان رماه رجل يقال له مخشى بسهم ففقأ عينه، وفى ذلك بقول: (من البسيط) شلت أنامل مخشى فلا جبرت * ولا استعان بضاحى كفه أبدا أهوى لها مشقصا حشرا فشبرقها * وكنت أدعو قذاها الاثمد القردا أعشو بعين وأخرى قد أضربها * ريب الزمان فأمسى ضوءها خمدا وقوله " أم لم تعارا " قياسه أن يقول: أم لم تعر كلم تخف، ولكنه أراد النون الخفيفة " انتهى كلامه واورده ابن عصفور في الضرائر قال: " ومنها رد حرف العلة المحذوف لا لتقاء
الساكنين اعتدادا بتحريك الساكن الذى حذف من أجله وإن كان تحريكه عارضا، كقوله: * أعارت عينه أم لم تعارا * كان الوجه لم تعر، إلا أنه اضطر فرد حرف العلة المحذوف واعتد بتحريك الاخر وإن كان عارضا، ألا ترى أن الراء من تعارا إنما حركت لاجل النون الخفيفة المبدل منها الالف ؟ والاصل لم تعرن، ولحقت النون الخفيفة الفعل المنفى بلم كما (4/355)
لحقته في قول الاخر: * يحسبه الجاهل ما لم يعلما * " انتهى ولم يتصل خبر عور عينه بسهم إلى بعض فضلاء العجم فقال في شرح أبيات المفصل: " وأراد بغؤور العين ما هو سببه، وهو الهزل والنحافة، فسألت عنه أنحف جسمه وضعف بعدى أم هو على حاله ؟ " هذا كلامه، وظن أن هذا الكلام من التغزل، وأجحف ابن المستوفى وظن أن عينيه عورتا فحمل عارت عينه على الواحدة وتعارا على العينين، واعتذر للافراد أولا بأن كل شئ لا يخلو عن قرين يجوز أن يعبر (فيه) بالواحد عن الاثنين، فالالف في " تعارا " على قوله ضمير تثنية، والجزم بحذف النون، وتندفع الضرورتان عنه برد الالف والتوكيد مع لم، لكنه خلاف الواقع وعمرو بن أحمر شاعر مخضرم إسلامى قد ترجمناه في الشاهد الستين بعد الاربعمائة من شواهد شرح الكافية وأنشد الجار بردى هنا - وهو الشاهد الواحد والسبعون بعد المائة -: (من الرجز) 171 - أي قلوص راكب تراها * طاروا علاهن فطر علاها
على أن القياس عليهن وعليها، لكن لغة أهل اليمن قلب الياء الساكنة المفتوح ما قبلها ألفا، وهذا الشعر من كلامهم كذا أوردهما الجوهرى في الصحاح، وهما من رجز أورده أبو زيد في نوادره نقلنا وشرحناه في الشاهد الثامن عشر بعد الخمسمائة من شواهد شرح الكافية وقوله " أي قلوص راكب " باضافة قلوص إلى راكب، و " أي " استفهاميه تعجبية، وقد اكتبست التأنيث من قلوص، ولهذا أعاد الضمير إليها مؤنثا، (4/356)
و " أي " منصوب، من باب الاشتغال، ويجوز رفعه على الابتداء، والقلوص - بفتح القاف -: الناقة الشابة، وطاروا: أسرعوا وأنشد بعده: (من المنسرح) نستوقد النبل بالحضيض ونصطاد نفوسا على الكرم وتقدم شرحه في الشاهد التاسع عشر من هذا الكتاب وأنشد بعده - وهو الشاهد الثاني والسبعون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه -: (من مجزوء الكامل) 172 - عيوا بأمرهم كما * عيت ببيضتها الحمامه جعلت لها عودين من * نشم وآخر من ثمامه على أنه أدغم المثلان جوازا في عيوا قال سيبويه: " وقد قال بعضهم: حيوا وعيوا لما رأوها في الواحد والاثنين والمؤنث، إذ قالوا: حيت المرأة، بمنزلة المضاعف من غير الياء، أجروا الجمع على ذلك، قال الشاعر: * غيرا بأمرهم...البيت (1) * "
__________
(1) انظر الكتاب (ح 2 ص 387) (*)
قال الاعلم: " الشاهد فيه إدغام عيوا وجعله كالمضاعف الصحيح السالم من الاعلال والحذف، لادغامه " والبيتان من قصيدة لعبيد بن الابرص الاسدي خاطب بها حجرا أبا امرئ القيس، واستعطفه لبنى أسد، وذلك أن حجرا كان يأخذ منهم إتاوة فمنعوه إياها فأمر بقتلهم بالعصى، فلذلك سموا عبيد العصى، ونفى من نفى منهم إلى تهامة، وأمسك منهم عمرو بن مسعود وعبيد بن الابرص وحلف أن لا يساكنوه، (4/357)
فلما خاطبه بها رق لهم حجر، وأمر برجوعهم إلى منازلهم، فاضطغنوا عليه ما فعل بهم فقتلوه، وأولها: يا عين ما فابكى بنى أسد * هم أهل الندامة (1) أهل القباب الحمر والنعم المؤبل والمدامه وذوو الجياد الجرد والأسل * المثقفة المقامة (2) حلا أبيت اللعن حللا * إن فيما قلت آمه في كل واد بين يثرب * فالقصور إلى اليمامة تطريب عان أو صيا * ح محرق وزقاء هامه (3) ومنعتهم نجدا فقد * حلوا على وجل تهامه عيوا بأمرهم كما * عيت بيضتها الحمامه (4) جعلت لها عودين من * نشم وآخر من ثمامه
__________
(1) رواية الاغانى " يا عين فابكى ما بنى " (2) رواية الاغانى " وذوى الجياد " (3) رواية الاغانى " أو صوت هامه " (4) رواية الاغانى " برمت بنو أسد كما * برمت ببيضتها الحمامه " (*)
فنمت بها في رأس شا * هقة على فرع البشامه إما ترت تركت عفوا * أو قتلت فلا ملامه أنت المليك عليهم * وهم العبيد إلى القيامة ذلوا وأعطوك القيا * د كذل أدبر ذى حزامه (1) قوله " يا عين ما فابكى " ما: زائدة، والنعم: المال الراعى، وهو جمع لا واحد (4/358)
له من لفظه، وأكثر ما يقع على الابل، قال أبو عبيد: النعم: الجمال فقط، وقيل: الابل خاصة (2)، يؤنث ويذكر، وهو هنا مذكر لوصفه بالمؤبل، باسم المفعول، ومعناه المقتنى، يقال: أبل الرجل تأبيلا: أي اتخذ إبلا واقتناها، والاسل: القنا، والتثقيف: التعديل، والمقامة: اسم المفعول من أقام الشئ بمعنى عدله وسواه، وفى العباب: يقال: حلا: أي استثن، ويا حالف اذكر حلا، قال عبيد بن الابرص لابي امرئ القيس - وحلف أن لا يساكنوه -: حلا أبيت اللعن...البيت و " آمه " وفيه أيضا في مادة (أوم): الامة العيب، وأنشد البيت أيضا، وطرب تطريبا: أي مد صوته، والعانى: الاسير، والزقاء - بضم الزاى المعجمة بعدها قاف -: صياح الديك ونحوه، و " الهامة " تزعم العرب أن روح القتيل الذى لم يدرك بثأره تصير هامة - وهو من طيور الليل - فتزقو تقول: اسقوني اسقوني (3)، فإذا أدرك بثأره طارت، وقوله " عيوا بأمرهم " الضمير لبنى أسد،
__________
(1) فسر المؤلف الحزامة على أنها بالحاء المهملة مفتوحة، والذى في الاغانى: ذلوا بسوطك مثلما * ذل الاشيقر ذى الخزامه والخزامة - بكسر الخاء المعجمة -: برة تجعل في أنف البعير ليذل ويقاد (2) هذا مقابل لقول لم يذكر، وهو: النعم يطلق على الابل والبقر والغنم (3) قال ذو الاصبع العدواني: يا عمرو إلا تدع شتمى ومنقصتي * أضربك حتى تقول الهامة اسقوني
وفى الصحاح: يقال: عى بأمره وعييى إذا لم يهتد لوجهه، والادغام أكثر، وأنشد البيت، والنشم - بفتح النون والشين المعجمة -: شجر يتخذ منه القسى، والثمام - بضم المثلثة -: نبت ضعيف لو خوص أو شبيه بالخصوص، وربما حشى به وسد به خصاص البيوت، الواحدة ثمامة (4/359)
قال ابن السيد في شرح أبيات أدب الكاتب: " أصحاب المعاني يقولون: إنه أراد جعلت لها عودين: عودا من نشم، وآخر من ثمامة، فحذف الموصوف وأقام صفته مقامه، فقوله: وآخر، على هذا التأويل ليس معطوفا على عودين، لانك إن عطفته عليهما كانت ثلاثة، وانما هو معطوف على الموصوف الذى حذف وقامت صفته مقامه، فهو مردود على موضع المجرور، وهذا قبيح في العربية، لان إقامة الصفة مقام الموصوف إنما يحسن في الصفات المحضة، فإذا لم تكن محضة وكانت شيئا ينوب مناب الصفة من مجرور أو جملة أو فعل لم يجز إقامتها مقام الموصوف، لا يجوز جاءني من بنى تميم وأنت تريد رجل من بنى تميم، وقد جاء شئ قليل من ذلك في الشعر، وأما تشبيه أمر بنى أسد بأمر الحمامة فتلخيصه أنه ضرب النشم مثلا لذوى الحزم وصحة التدبير، وضرب الثمام مثلا لذوى العجز والتقصير، فأراد أن ذوى العجز منهم شاركوا ذوى الحزم في آرائهم فأفسدوا عليهم تدبيرهم، فلم يقدر الحكماء على إصلاح ما جناه السفهاء، كما أن الثمام لما خالط النشم في بنيان العش فسد العش وسقط، لو هن الثمام وضعفه، ولم يقدر النشم على إمساكه بشدته وقوته " هذا كلامه وفيه نظر من وجهين: أما أولا: فلانه لا ضرورة في تخريجه على الضرورة، ولا مانع في المعنى من عطف " آخر " على عودين، إذ المراد جعلت عشها من هذين الجنسين: النشم، والثمامة: سواء كان أحدهما أكثر من الاخر أم لا، وليس المراد أنها لم تجعله سوى عودين لعدم، إمكانه بديهة، والمراد من العدد القلة لا ظاهره،
وأما ثانيا: فلانه ليس معنى التشبيه على ما ذكره، وإنما المراد من تشبيههم بها عدم الاهتداء لصلاح الحال قال الاعلم: " وصف خرق قومه وعجزهم عن أمرهم، وضرب لهم مثلا (4/360)
بخرق الحمامة وتفريطها في التمهيد لعشها، لانها لا تتخذ عشها إلا من كسار العيدان، فربما طارت عنها فتفرق عشها وسقطت البيضة فانكسرت، وذلك قالوا في المثل: أخرق من حمامة، وقد بين خرقها في بيت بعده، وهو: جعلت لها عودين...البيت: أي: جعلت لها مهادا من هذين الصنفين من الشجر، ولم يرد عودين فقط ولا ثلاثة كما يتأول بعضهم، لان ذلك غير ممكن " انتهى.
واستدل ابن يسعون والصقلى وجماعة ممن شرح أبيات الايضاح الفارسى على أنه لا بيد من حذف الموصوف بأن العرب فيما زعموا لا تقول: ما رأيت رجلين وآخر، لان آخر إنما يقابل به ما قبله من جنسه: من إفراد أو تثنية أو جمع، فلزم لذلك أن يكون التقدير عودا من نشم وآخر من ثمامة، حتى يكون قد قابل مفردا بمفرد، وهو الذى ذكروا من أنه إنما يكون على وفق ما قبله من إفراد أو تثنية أو جمع، هذا ما قالوه، وهو ليس بصحيح، بدليل قول ربيعة بن مكدم: (من الكامل) * ولقد شفعتهما بآخر ثالث (1) * ألا ترى أنه قابل بآخر اثنين ؟ وقول أبى حية: (من البسيط) وكنت أمشى على رجلين معتدلا * فصرت أمشى على أخرى من الشجر
__________
(1) هذا صدر بيت لربيعة بن مكدم، وعجزه قوله: * وأبى الفرار لى الغداة تكرمي * (*)
وقول امرئ القيس: (من الطويل) فوالى ثلاثا واثنتين وأربعا * وغادرت أخرى في قناة رفيض وقول أبى ذؤيب: (من الطويل) (4/361)
فأبلغ لديك معقل بن خويلد * مالك تهديها إليه هداتها على إثر أخرى قبل ذلك قد أتت * إلينا فجاءت مقشعرا شواتها المآلك: الرسائل، والشواة: جلدة الرأس، وهى أول ما يقشعر من الانسان إذا فزع، وهذا مثل، ألا ترى أن أخرى في البيت مفردة مع أن ما قبلها ليس كذلك ؟ وأما ما ذكروه من أن آخر إنما يقابل به ما قبله من جنسه فأنهم يعنون به أن يكون الاسم الموصوف بآخر في اللفظ والتقدير يصح وقوعه على التقدير الذى قوبل بآخر على جهة التواطئ، نحو جاءني زيد ورجل آخر، وكذلك جاءني زيد وآخر، لان التقدير ورجل آخر، وكذلك جاءني زيد وأخرى، تريد ونسمة أخرى، فكذلك اشتريت فرسا ومركوبا آخر وأنت تريد بالمركوب جملا، لان المركوب يصح وقوعه على الفرس والجمل على جهة التواطئ، وامتنع رأيت المشترى والمشترى الاخر تريد بأحدهما الكوكب وبالاخر عاقد البيع، وإذا قوبل بآخر ما هو من جنسه فهل يشترط مع صحة وقوعه عليهما اتفاقهما في التذكير ؟ فيه خلاف: ذهب المبرد إلى أنه غير شرط، والصحيح أنه شرط، تقول: أتتنى جاريتك وامرأة أخرى، فإن قلت أتتنى جاريتك ورجل آخر لم يجز، وكذلك لو قلت أتانى أخوك وامرأة أخرى، وإن قلت أتانى أخوك وإنسان آخر جاز إن قصدت بالانسان المرأة، وكذا جاءني أخوك وإنسان آخر إن أريد بالانسان الرجل، وهذا الذى ذكروه من أن آخر يقابل به ما قبله من جنسه هو المختار، وقد يستعملونه من غير أن يتقدمه شئ من جنسه، وزعم أبو الحسن في الكبير له: أن ذلك لا يجوز إلا في الشعر، فقال: لو قلت جاءني
آخر من غير أن يتكلم قبله بشئ لم يجز، ولو قلت: أكلت رغيفا وهذا قميص آخر لم يحسن، ثم قال: وهذا جائز في الشعر كقول، أم الضحاك: (من الطويل) (4/362)
فقالوا شفاء الحب حب يزيله * من اخر أو نأى طويل على هجر أي من محبوب آخر، ولم يتقدم ذكر المحبوب، وإنما ذكر الحب الدال عليه، وأحسن من ذلك قوله: (من الوافر) إذا نادى مناد باسم أخرى * على اسمك سرنى ذاك النداء لان أخرى، وإن لم يتقدم قبلها في اللفظ شئ من جنسها فقد تقدم في النية، لانه أراد إذا نادى مناد على اسمك باسم أخرى وروى جماعة: جعلت لها عودين من * ضعة وآخر من ثمامه والضعة - بفتح الضاد المعجمة بعدها عين مهملة -: شجر من الحمض، يقال: ناقة واضعة للتى ترعاها، ونوق واضعات، قال ابن حبيب في أمثاله التى على أفعل من كذا: " يقال: هو أخرق من حمامة، وذلك أنها تجئ إلى الغصن في الشجرة فتبنى عليها عشا وتستودعه بيضها، قال عبيد بين الابرص: جعلت لها عودين من * ضعة...الخ والضعة: شبيه بالاسل، والثمام: فوق الذراع شبيه بالاسل وليس به، وروى الخوارزمي: عودين من نشم " هذا كلامه قال ابن المستوفى: رواية ضعة أجود، لضعف شجره وإن جاز النشم، وقالوا: أحمق من حمامة، لانها تعش بثلاثة أعواد في مهب الريح وبيضها أضيع شئ، وقال ابن السيرافى: " وضعت لها عودين من ضعة...الخ يريد أنهم لم يتوجهوا للخلاص مما وقعو فيه، وإنما جعلهم كالحمامة لان فيها خرقا، وهى قليلة الحيلة، ويقال في الامثال: هو أخرق من حمامة، وذلك
لانها تبيض في شر المواضع وأخوفها على البيض، فان اشتدت الريح وتحركت الشجرة سقط بيضها، والضعة: ضرب من الشجر " انتهى. (4/363)
وقوله " فنمت بها " أي: بالبيضة، والنمو معروف، وأراد في رأس شجرة شاهقة: أي عالية، والفرع: الغصن، والبشامه: شجرة طيبة الريح يستاك بعيدانها، وقوله " كذل ادبر ذى حزامة " الادبر: وصف بمعنى المدبر من الادبار ضد الاقبال، والحزامة - بالفتح -: مصدر حزم الرجل - بالضم - حزامة فهو حازم، والحزم: ضبط الرجل أمره وأخذه بالثقة وعبيد بن الابرص - بفتح العين وكسر الموحدة - شاعر جاهلي ترجمناه في الشاهد السادس عشر بعد المائة من شواهد شرح الكافية.
وأنشد بعده - وهو الشاهد الثالث والسبعون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه -: (من الطويل) 173 - وكنا حسبناهم فوارس كهمس * حيوا بعد ما ما توا من الدهر أعصرا على أنه من أظهر في حيى ولم يدغم قال في الجمع حيوا كخشوا مخففا كما في البيت، وأصلهما حييوا وخشيوا، نقلت ضمة الياء الثانية إلى الياء الاولى بعد حذف كسرتها، فاجتمع ساكنان: الياء الثانية والواو فحذفت الياء، فصار حيوا وخشوا قال سيبويه: " فإذا قلت: فعلوا وأفعلوا قلت: حيوا وأحيوا، لانك قد تحذفها في خشوا وأخشوا، قال الشاعر: * وكنا حسبناهم...البيت * " وقال ابن السراج في الاصول: " فإذا قلت: فعلوا وأفعلوا قلت: حيوا كما تقول: خشوا، فتذهب الياء، لان حركتها قد زالت كما زالت في ضربوا، فتحذف لالتقاء الساكنين ولا تحرك بالضم، لثقل الضمة في الياء، واحيوا مثل
اخشوا " وأنشد البيت أيضا. (4/364)
وقد اشتهر رواية البيت بكنا حسبناهم، واستشهد به جماعة كذا، وصوابه: وحتى حسبناهم، وفيه شاهد آخر وهو جمع فاعل الوصفى على فواعل وهو آخر أبيات أربعة لابي حزابة أوردها الاصبهاني في الاغانى، قال: " أخبرني الحسن بن على قال: حدثنى هارون بن محمد بن عبد الملك قال: حدثنى محمد بن الهيثم الشامي قال: حدثنى عمى أبو فراس عن العذري قال: دخل أبو حزابة على عمارة بن تميم ومحمد بن الحجاج وقد قدما سجستان لحرب عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث، وكان عبد الرحمن لما قدماها هرب ولم يبق بسجستان من أصحابه إلا نحو سبعمائة رجل من بنى تميم كانوا مقيمين بها، فقال لهما أبو حزابة: إن الرجل قد هرب منكما ولم يبق من أصحابه أحد، وإنما بسجستان من كان بها من بنى تميم قبل قدومه، فقالا له: ما لهم عندنا أمان، لانهم قد كانوا مع ابن الاشعث وخلعوا الطاعة، فقال ما خلعوها ولكنه ورد عليهم في جمع عظيم لم يكن لهم بدفعه طاقة، فلم يجيباه إلى ما أراد، وعاد إلى قومه وحاصرهم أهل الشام فاستقتلت بنو تميم، فكانوا يخرجون إليهم في كل يوم فيدافعونهم ويكبسونهم بالليل، وينهبون أطرافهم حتى ضجروا بذلك، فلما رأى عمارة فعلهم صالحم وخرجوا إليه، فلما رأى قلتهم قال: أما كنتم إلا ما أرى ؟ قالوا: لا، فإن شئت أن نقيلك الصلح أقلناك وعدنا للحرب، فقال: أنا غنى عن ذلك، فأمنهم، فقال أبو حزابة في ذلك: فلله عينا من رأى من فوارس * أكر على المكروه منهم وأصبرا وأكرم لو لاقوا سدادا مقاربا * ولكن لقواطما من البحر أخضرا فما برحوا حتى أعضوا سيوفهم * ذرى الهام منهم والحديد المسمرا وحتى حسبناهم فوارس كهمس * حيوا بعد ما ماتوا من الدهر أعصرا " انتهى ما أورده الاصبهاني
و " كهمس " على وزن جعفر، قال صاحب الصحاح: الكهمس: القصير، وكهمس: أبو حى من العرب، وأنشد هذا البيت بلفظ " وكنا حسبناهم "، وكذا قال صاحب العباب، قال ابن برى في أماليه على الصحاح: " البيت لمودود العنبري، وقيل لابي حزابة الوليد بن حنيفة، وكهمس هذا هو كهمس ابن طلق الصريمى، وكان من جملة الخوارج مع بلال بن مرداس، وكانت الخوارج وقعت بأسلم بن زرعة الكلابي، وهم في أربعين رجلا وهو في ألفى رجل، فقتلت قطعة من أصحابه وانهزم إلى البصرة، فقال مودود هذا الشعر في قوم من بنى تميم فيهم شدة، وكانت لهم وقعة بسجستان، فشبههم في شدتهم بالخوارج الذين كان فيهم كهمس ابن طلق، وقوله " حيوا " يعنى الخوارج أصحاب كهمس: أي كأن هؤلاء القوم أصحاب كهمس في شدتهم وقوتهم ونصرتهم، وأنشد الابيات قبله وعلم من هذا أن كهمسا في البيت ليس أبا حى من العرب وإنما هو أحد الخوارج من أصحاب بلال بن مرداس الخارجي قال المبرد في الكامل: " وكان مرداس أبو بلال بن حدير - وهو أحد بنى ربيعة ابن حنظلة - يعظمه الخوارج وكان مجتهدا كثير الصواب في لفظه، وكان مرداس قد شهد صفين مع على بن أبى طالب رضى الله عنه وأنكر التحكيم، وشهد النهروان، ونجا فيمن نجا، وكان حبسه ابن زياد بن أبيه فلما خرج من حبس ابن زياد ورأى جدا ابن زياد في طلب الشراة عزم على الخروج، فاجتمع إليه أصحابه زهاء ثلاثين رجلا، منهم حريث ابن حجل، وكهمس بن طلق الصريمى، فأرادوا أن يولوا أمرهم حريثا فأبى، فولوا أمرهم مرداسا، فلما مضى بأصحابه لقيه عبد الله بن رباح الانصاري - وكان له صديقا - فقال له: يا أخى أين تريد ؟ فقال: أريد أن أهرب بدينى وأديان أصحابي من أحكام هؤلاء الجورة، فقال له: أعلم بكم أحد ؟ قال: لا، (4/365)
قال: فارجع، قال: أو تخاف على مكروها ؟ قال: نعم، وأن يؤتى بك، قال: فلا
تخف، فإنى لا أجرد سيفا ولا أخيف أحدا ولا أقاتل إلا من قاتلني، ثم مضى حتى نزل آسك، وهو ما بين رامهرمز وأرجان، فمر به مال يحمل لابن زياد - وقد قارب أصحابه الاربعين - فحط ذلك المال فأخذ منه عطاءه وأعطية أصحابه ورد الباقي على الرسل، وقال: قولوا لصاحبكم: إنما أخذنا أعطيتنا، فجهز عبيد الله بن زياد أسلم بن زرعة في أسرع وقت، فلما صار إليهم أسلم صاح بهم أبو بلال: اتق الله يا أسلم، فإنا لا نريد قتالا، فما الذى تريده ؟ قال: أريد أن أردكم إلى ابن زياد، قال مرداس: إذا يقتلنا، قال وإن قتلكم ؟ قال تشركه في دمائنا، قال: إنى أدين بأنه محق وأنكم مبطلون، فصاح به حريث ابن حجل: أهو محق وهو يطيع الفجرة - وهو أحدهم - ويقتل بالظنة ويخص بالفئ ويجور في الحكم ؟ ثم حملوا عليه حملة رجل واحد فانهزم هو وأصحابه من غير قتال، فلما ورد على ابن زياد غضب عليه، وقال: ويلك، أتمضى في ألفين فتنهزم لحملة أربعين ؟ ثم ندب ابن زياد لهم الناس فاختار عباد بن أخضر فوجهه في أربعة آلاف والتقوا في يوم جمعة، فلم يزالوا يجتلدون حتى جاء وقت الصلاة، فناداهم أبو بلال: يا قوم هذا وقت الصلاة، فوادعونا حتى نصلى وتصلوا، قالوا: لك ذلك، فرمى القوم أجمعون بأسلحتهم وعمدوا للصلاة، فأسرع عباد ومن معه - والحرورية مبطئون، فهم من بين راكع وساجد وقائم في الصلاة وقاعد - حتى مال عليهم عباد ومن معه فقتلوهم جميعا، وكان فيهم كهمس، روى أنه كان من أبر الناس بأمه فقال لها يوما: يا أمه لولا مكانك لخرجت، فقالت: يا بنى قد وهبتك لله، فخرج مع مرداس فقتل وصلب " هذا ما لخصته من الكامل باختصار (4/366)
وأبو حزابة: بضم الحاء المهملة بعدها زاى معجمة وبعد الالف موحدة، قال صاحب الاغانى: " أبو حزابة اسمه الوليد بن حنيفة، أحد بنى ربيعة بن حنظلة
ابن مالك بن زياد مناة بن تميم، شاعر من شعراء الدولة الاموية القدماء، بدوى حضرى سكن البصرة، واكتتب في الديوان، وضرب عليه البعث إلى سجستان، فكان بها مدة وعاد إلى البصرة، وخرج مع ابن الاشعث لما خرج على عبد الملك، وأظنه قتل معه، وكان شاعرا راجزا خبيث اللسان هجاء ". (4/367)
وروى بسنده إلى العذري قال: " دخل أبو حزابة على طلحة الطلحات الخزاعى وقد استعمله يزيد بن معاوية على سجستان، وكان أبو حزابه قد مدحه فابطأت عليه الجائزة من جهته، ورأى ما يعطى غيره، فأنشده: (من الطويل) وأدليت دلوى في دلاء كثيرة * فجئن ملاء غير دلوى كما هيا وأهلكنى أن لا تزال رغيبة * تقصر دوني أو تحل ورائيا أرانى إذا استمطرت منك سحابة * لتمطرني عادت عجاجا وسافيا قال: فرماه طلحة بحق فيه درة، فأصاب صدره، ووقعت في حجره، ويقال: بل أعطاه أربعة أحجار، وقال: لا تخدع عنها، فباعها بأربعين ألفا، وكان هوى طلحة الطلحات أمويا، وكان بنوا أمية يكرمونه، وأنشده أبو حزابة يوما: (من الرجز) يا طلح يأبى مجدك الاخلافا * والبخل لا يعترف اعترافا إن لنا أحمرة عجافا * يأكلن كل ليلة إكافا فأمر له طلحة بإبل ودراهم، وقال له: هذه مكان أحمرتك " وأنشد بعده - وهو الشاهد الرابع والسبعون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه -: (من الرجز)
174 - * لاث به الاشاء والعبرى * على أن فيه قلبا مكانيا، وأصله لائث
وأورده سيبويه في موضعين من كتابه: الاول في باب تحقير ما كان فيه قلب، قال: " اعلم أن كل ما كان فيه قلب لا يرد إلى الاصل، وذلك لانه اسم بنى على ذلك كما بنى قائل على أن يبدل من الواو الهمزة، ولكن الاسم يثبت على القلب في التحقير كما تثبت الهمزة في أدؤر إذا حقرت، وفى قائل، وإنما قلبوا كراهية الواو والياء، كما همزوا كراهية الواو والياء، فمن ذلك قول العجاج: * لاث به الاشاء والعبرى * إنما أراد لائث، ولكنه أخر الواو وقدم الثاء، وقال طريف بن تميم: (من الكامل) فتعرفوني إننى أنا ذاكم * شاك سلاحي في الحوادث معلم فإنما أراد الشائك فقلب " (1) انتهى. (4/368)
والموضع الثاني في باب ما الهمزة فيه في موضع اللام من ذوات الياء والواو، قال فيه: " وأما الخليل فكان يزعم أن قوله جاء وشاء ونحوهما اللام فيهن مقلوبة، وقال: ألزموا ذلك هذا، واطرد فيه، إذ كانوا يقلبون كراهية الهمزة الواحدة، وذلك نحو قولهم للعجاج: * لاثب به الاشاء والعبرى * وقال: * فتعرفوني إننى...البيت * وأكثر العرب تقول: لاث وشاك سلاحه، فهؤلاء حذفوا الهمزة " انتهى (2).
قال ابن جنى في شرح تصريف المازنى: " ولا ث من لاث يلوث إذا جمع
__________
(1) هذا تلخيص لكلام سيبويه، انظر الكتاب (ح 2 ص 129) (2) انظر الكتاب (ح 2 ص 378) (*)
ولف، وأصله لائث، فقلبوا العين إلى موضع اللام، فزالت الهمزة التى إنما وجبت لمصاحبة العين ألف فاعل، وحكى أنهم يقولون: شاك ولاث، بحذف العين أصلا، وأنشد: * لاث به الاشاء والعبرى * ووجه هذا أنهم لما قالوا في الماضي: شاك، ولاث، وسكنت العين بانقلابها ألفا وجاءت ألف فاعل التقت ألفان، فحذفت الثانية حذفا، ولم يحركها حتى تنقلب همزة كما فعل من يقول: قائم، وبائع " انتهى. (4/369)
وفى العباب: " ونبات لائث ولاث، على القلب، إذا التف والتبس بعضه على بعض، قال العجاج: في أيكه فلا هو الضحى * ولا يلوح نبته الشتى لاث به الاشاء والعبرى * فتم من قوامها قومي " انتهى والايكة: غيضة تنبت السدر والاراك ونحوهما من ناعم الشجر، وقال أيضا في مادة (ع ب ر) بالعين المهملة والباء الموحدة: والعبرى - بالضم -: ما نبت من السدر على شطوط الانهار وعظم، وقال عمارة: العبرى من السدر ضخم الورق قليل الشوك، وهو أطول من الضال.
وقال أبو زياد: العبرى ما لا شوك فيه من السدر، وإنما الشوك في الضال من السدر، ولم يقل أبو زياد إن العبرى من السدر ما نبت على الماء، والرواة على أن العبرى منه ما نبت على الماء، قال العجاج يصف البردى:
لاث به الاشاء والعبرى " انتهى والغيضة: الشجر الملتف، وقوله " في أيكة " أي: ذلك البردى في أيكة، والبردى: نبات ضعيف يعمل من الحصر على لفظ المنسوب إلى البرد، و " هو "
ضمير البردى، والضحى: البارز للشمس، وهو فعيل من ضحى للشمس - بكسر الحاء وفتحها - ضحاء بالمد وفى المستقبل بفتحها لا غير: أي برز إليها، والشتى: فعيل المنسوب إلى الشتاء وفى الصحاح " الاشاء بالفتح والمد صغار النخل الواحدة أشاء، والهمزة فيه منقلبة من الياء لان تصغيرها أشى، ولو كانت الهمزه أصلية لقيل أشيئ، و " تم " فعل ماضى من التمام، والقوام - بالفتح -: الاعتدال، والقومي - بالضم -: القامة وحسن الطول " وقال الاعلم: " وصف مكانا مخصبا كثير الشجر، والاشاء: صغار النخل واحدتها أشاءة، والعبرى: ما نبت من الضال على شطوط الانهار، وهو منسوب إلى العبر، وهو شاطئ النهر، واللائث: الكثير الملتف " وأنشد بعده - وهو الشاهد الخامس والسبعون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه -: (من الكامل) 175 - فتعرفوني إننى أنا ذاكم * شاك سلاحي في الحوادى معلم على أن أصله شائك، فقلبت العين إلى موضع اللام، وتقدم نقل كلام سيبويه والبيت ثانى أبيات لطريف بن تميم العنبري وقبله: أو كلما وردت عكاظ قبيلة * بعثوا إلى عريفهم يتوسم وبعده: (4/370)
تحتي الاغر وفوق جلدى نثرة * زغف ترد السيف وهو مثلم ولكل بكرى لدى عداوة * وأبو ربيعة شانئ ومحرم حولي أسيد والهجيم ومازن * وإذا حللت فحول بيتى خضم
وقوله " أو كلما وردت عكاظ " هو شاهد من شواهد سيبويه، قال: " وقد جاء شئ من هذه الاشياء المتعدية التى هي على فاعل على فعيل حين لم يريدوا به الفعل شبهوه بظريف ونحوه، وقالوا: ضريب قداح، وصريم للصارم، والضريب: الذى يضرب بالقداح بينهم، وأنشد البيت، وقال: يريد عارفهم " انتهى. (4/371)
وقوله " أو كلما " استفهام، وعكاظ: أعظم أسواق العرب قريبة من عرفات، كانت تقوم في النصف من ذى القعدة إلى هلال ذى الحجة، قال صاحب العباب: " العارف والعريف بمعنى، كالعالم والعليم، وأنشد البيت، ثم قال: والعريف هو النقيب، وهو دون الرئيس، وعرف فلان - بالضم - عرافة - بالفتح - أي: صار عريفا، وإذا أردت أنه عمل ذلك قلت عرف فلان علينا سنين يعرف عرافة مثل كتب يكتب كتابة " انتهى ورواه ابن دريد في الجمهرة " بعثوا إلى قبيلهم " قال: قبيل القوم: عريفهم، يقال: نحن في قبالة فلان: أي في عرافته، وأنشد البيت.
وقال: قالوا: معناه عريفهم، ويتوسم: يتفرس ويتطلب الوسم، وهى العلامة، وهو مشروح بأبسط من هذا في الطويل وقوله " فتعرفوني إلخ " أي: فقلت لهم: تعرفوني، وتعرفه: تطلب معرفته بالعلامات، وقوله " إننى " بالكسر استئناف: أي أنا ذاكم الذى حدثتم حديثه، ورى أيضا " فتوسمونى ": أي تطلبوا سمتى وعلامتي
وقوله " شاك سلاحي " الشاكى: التام السلاح، وقيل: معناه الحاد السلاح، شبه بالشوك، روى بكسر الكاف وضمها، فمن كسر جعله منقوصا مثل (قاض) وفيه قولان: قيل: أصله شائك فقلب، كما قالوا: جرف هار، واشتقاقه على هذا من الشوكة، وقيل: أصله شاكك من الشكة وهى
السلاح، كرهوا اجتماع المثلين فأبدلوا الاخر منهما ياء وأعلوه إعلال قاض، ومن ضم الكاف ففيه قولان أيضا: أحدهما أن أصله شوك - بكسر الواو - قلبت ألفا، وقيل: أصله شائك، فحذفت الهمزة كما قالوا: جرف هار - بضم الراء - وفيه لغة ثالثة لا تجوز في هذا البيت، وهى شاك - بتشديد الكاف - وهذا مشتق من الشكة لا غير و " معلم " اسم فاعل من أعلم نفسه في الحرب بعلامة: أي شهر نفسه بها ليعرف، والاغر: اسم فرسه، ومعناه الفرس الذى له غرة، والنثرة - بفتح النون -: الدرع السابغة، وكذلك الزغف - بفتح الزاى وسكون الغين المعجمتين - ومنه يقال: زغف في الحديث، إذا زاد فيه، وقيل: هي اللينة المجسة، وأسيد والهجيم - بتصغيرهما - ومازن: قبائل من تميم، وخضم - بفتح الخاء وتشديد الضاد المعجمتين -: لقب لبنى العنبر بن عمرو بن تميم وسبب هذا الشعر على ما رواه المفضل بن سلمة في الفاخر ومحمد بن حبيب في كتاب المقتولين، وابن عبد ربه في العقد الفريد. (4/372)
قالوا: كانت سوق عكاظ يتوافون بها من كل جهة، ولا يأتيها أحد إلا ببرقع، ويعتم على برقعه خشية أن يؤسر فيكثر فداؤه، فكان أول عربي استقبح ذلك وكشف القناع طريف ابن تميم العنبري لما رآهم يتطلعون في وجهه ويتفرسون في شمائله، قال: قبح الله من وطن نفسه على الاسر، وأنشد يقول:
أو كلما وردت...الابيات وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: كانت الفرسان إذا وردت عكاظ في الاشهر الحرم أمن بعضهم بعضا فتلثموا أو تقنعوا، لئلا تعرف فيقصد إليها في الحرب، وكان طريف بن تميم لا يتقنع مكا يتقنعون، فوافى عكاظ - وقد حشدت بكر بن وائل، وكان طريف قبل ذلك قتل شراحيل أحد بنى أبى ربيعة بن ذهل بن شيبان
ابن ثعلبة، فقال حمصيصة أحد بنى شيبان: أرونى طريفا، فأروه إياه، فجعل كلما مر به طريف تأمله ونظر إليه حتى فطن له طريف فقال: مالك تنظر، قال: أتوسمك لاعرفك فان لقيتك في حرب فلله على أن أقتلك إلا أن تقتلني، فقال طريف في ذلك: أو كلما وردت عكاظ قبيلة...الابيات فمضت مدة، ثم إن عائذة - وهم يقولون: إنهم من قريش يقال لها: عائذة بن لؤى بن غالب، وهم حلفاء لبنى أبى ربيعة - خرج منهم رجلان يتصيدان فعرض لهما رجل من بنى شيبان فذعر صيدا لهما فقتلاه، فتنادت بنو مر بن ذهل فأرادوا قتلهما بصاحبهم، فمنعهم بنو أبى ربيعة، فقال هانئ بن مسعود: يا بنى أبى ربيعة إن إخوتكم قد أرادوا ظلمكم فامتازوا عنهم، فاعتزلتهم بنو أبى ربيعة وساروا حتى نزلوا ماء لهم يقال له: مبائض، فلما نزلوه هرب عبد منهم فأتى بلاد تميم فأخبرهم أن حيا جريدا من بنى بكر بن وائل قد نزلوا على مبائض وهم بنو أبى ربيعة، فقال: طريف هؤلاء من كنت أبغى، إنما هم أكلة رأس، وهو أول من قال هذا المثل، يراد بذلك القلة، أي: عدتهم عدة يسيرة رأس يشبعها، فأقبل طريف في بنى عمرو بن تميم واستغزى قبائل من بنى تميم فأقبلوا متساندين وتقاتلوا وتشاغلت تميم بالغنائم، وأقبل حمصيصة بن جندل وليس له هم غير (4/373)
طريف، فلما رآه طعنه فقلته فانهزمت بنو تميم، وقال حمصيصة يرد على طريف: (من الكامل) ولقد دعوت، طريف، دعوة جاهل * سفها وأنت بمنظر قد تعلم فأتيت حيا في الحروب محلهم * والجيش باسم أبيهم يستهزم فوجدت قوما يمنعون ذمارهم * بسلا إذا هاب الفوارس أقدموا
وإذا دعوت بنى ربيعة أقبلوا * بكتائب دون النساء تلملم سلبوك درعا والاغر كليهما * وبنو أسيد أسلموك وخضم وطريف بن تميم شاعر فارس جاهلي، وقيل: هو ابن عمرو، والعنبر: قبيلة من بنى تميم. (4/374)
وأنشد بعده - وهو الشاهد السادس والسبعون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه -: (من الرجز) 176 - وكحل العينين بالعواور على أن أصله العواوير فحذفت الياء ضرورة وبقيت كسرتها دليلا عليها.
قال الاعلم: " الشاهد فيه تصحيح واو العواور الثانية، لانه ينوى الياء المحذوفة والواو إذا وقعت في هذا الموضع لم تهمز لبعدها من الطريف الذى هو أحق بالتغيير والاعتلال، ولو لم تكن فيه ياء منوية للزم همزها، كما قالوا في جمع أول: أوائل، والاصل أواول، والعواوير، جمع عوار، وهو وجع العين، وهو أيضا ما يسقط في العين، وجعل ذلك كحلا للعين على الاستعارة " انتهى.
والبيت من رجز لجندل بن المثنى الطهوى وقبله: غرك أن تقاربت أباعرى * وأن رأيت الدهر ذا الدوائر
حنى عظامي وأراه ثاغرى * وكحل العينين بالعواور قال ابن السيرافى: " خاطب امرأته وأراد أنه ترك السفر لكبره، وقوله: تقاربت أبا عرى، يريد أنه ترك السفر والرحلة إلى الملوك فإبله مجتمعة لا يفارق بعضها بعضا " ورد عليه أبو محمد الاعرابي في فرحة الاديب بأنه غلط، وإنما معناه قلت: يعنى من قلتها قرب بعضها من بعض، وقال العينى: " معناه قربت من
الدناءة، من قولك: شئ مقارب، إذا كان دونا، وكذلك رجل مقارب " انتهى. (4/375)
وقوله " غرك " بكسر الكاف، وهو من قولهم: ما غرك بفلان غرا، من باب قتل: أي اجترأت عليه ؟ فيكون التقدير هنا غرك بى، و " أن تقاربت " و " أن رأيت " فاعله، ويمكن أن يكون من قولهم غرته الدنيا، من باب قعد: أي خدعته بزينتها.
فهى غرور، مثل رسول، ولا يجوز أن يكون من قولهم: غر الشخص يغر من باب ضرب غرارة - بالفتح - فهو غار، وغر - بالكسر -: أي جاهل بالامور غافل عنها، لانه فعل لازم، و " أباعر " جمع بعير، قال الازهرى: " البعير مثل الانسان يقع على الذكر والانثى، يقال: حلبت بعيرى، والجمل بمنزلة الرجل، والناقة بمنزلة المرأة، والبكر والبكرة، مثل الفتى والفتاة، والقلوص كالجارية، هكذا حكاه جماعة منهم ابن السكيت، وهذا كلام العرب، ولكن لا يعرفه إلا خواص أهل العلم باللغة " وكذا قال ابن جنى والدوائر: جمع دائرة وهى المصيبة والنائبة، و " ذا " صفة الدهر، والرؤية بصرية، وجملة " حتى عظامي " حال من الدهر، وحنيت الشئ: عطفته وأملته، و " عظامي " مفعول حنى، وقوله " وأراه ثاغرى " أرى بالبناء للمفعول من أرانى الله زيدا فاضلا، يتعدى إلى ثلاثة مفاعيل، فلما بنى للمفعول ناب
المفعول الاول - وهو هنا ضمير المتكلم - مناب الفاعل، والهاء من أراه ضمير الدهر هو المفعول الثاني، و " ثاغرى " المفعول الثالث، هذا هو الاصل، ولكن غلب على استعمال المبنى للمفعول بمعنى الظن، وثاغرى - بالثاء المثلثة والغين المعجمة - مضاف إلى الياء، قال الجوهرى: ثغرته: أي كسرت ثغره، وفى المصباح: الثغر: المبسم، ثم أطلق على الثنايا، وإذا كسر ثغر الصبى قيل: ثغر ثغورا، بالبناء للمفعول، وثغرته أثغره - من باب نفع - كسرته، وإذا نبتت
بعد السقوط قيل: أثغر إثغارا مثل أكرم إكراما، وإذا ألقى أسنانه قيل: اثغر - على افتعل - قاله ابن فارس، وبعضهم يقول إذا نبتت أسنانه: قيل اثغر - بالتشديد - وقال أبو زيد: ثغر الصبى بالبناء للمفعول يثغر ثغرا، وهو مثغور، إذا سقط ثغره، وكحلت عينه كحلا - من باب قتل -: أي جعلت فيها الكحل، وأما كحلت عينه كحلا - من باب تعب - فهو سواد يعلو جفونها خلقة، والرجل أكحل والمرأة كحلاء، وجملة " كحل " معطوفة على جملة " حنى عظامي " ورواه أبو محمد الاعرابي: " وكاحل " فيكون معطوفا على ثاغرى، والاول أولى، لانه يصف عجزه وضعف بصره، والعوار - بضم العين المهملة وتشديد الواو - قال الجوهرى: هو القذى في العين، وفان ابن جنى: هو الرمد، وقيل: الرمد الشديد، وقيل: هو وخز يجده الانسان في عينه، يريد أن الدهر جعل في عينيه القذى والرمد بدل الكحل وجندل الطهوى: قال أبو عبيد البكري في شرح أمالى القالى: هو شاعر راجز إسلامى مهاج للراعي، وجندل من بنى تميم، وطهية هي بنت عبد شمس بن سعد بن زيد بن تميم غلب نسبة أولادها إليها. (4/376)
وأنشد بعده - وهو الشاهد السابع والسبعون بعد المائة، وهو من شواهد
سيبويه -: (من الرجز) 177 - فيها عيائيل أسود ونمر على أن أصله عيائل بهمزة مكسورة، والياء حصلت من إشباع كسرتها لضرورة الشعر كياء الصياريف (1)، فلم يعتد بها فصارت الياء بعد الالف
__________
(1) وذلك كقول الفرزدق تنفى يداها الحصا في كل هاجرة * نفى الدارهيم تنقاد الصياريف (*)
في الحكم مجاورة للطرف فهمزت لذلك، كذا في المفصل وشروحه وقال السخاوى في سفر السعادة: " والياء الثانية في عيائيل مثل ياء الصياريف للاشباع، لانه جمع عيل، وإنما يجمع عيل على عيائل، فلهذا يهمز ولا يعتد بياء الاشباع، وتكون الياء فيه كأنها قد وليت الطرف، ومن جعل عياييل جمع عيال من عال يعيل، إذا تمايل في مشيه، كما قال في وصف الاسد: (من البسيط) * كالمرزباني عيال بآصال * فالياء على هذا التقدير بعيدة من الطرف، لان الياء الثانية ليست للاشباع فلا تهمز. (4/377)
فإن قيل: فكيف جمع عيالا على عياييل ؟ قيل: لان فعالا مؤاخ لفعول وفعيل، وهما يجمعان على فعاعيل، والمؤاخاة من أجل وقوع حرف اللين في الثلاثة بين العين واللام " انتهى.
وبهذا فسره ابن السيرافى في شرح أبيات سيبويه، قال: " العيال المتبختر وجمعه عياييل " وكذا في شرحها للاعلم، قال: " العياييل جمع عيال، وهو الذى يتمايل في مشيه لعبا أو تبخترا، يقال: عال في مشيه يعيل، إذا تبختر ".
وتبعهما
ابن برى في حواشى الصحاح.
وحمل الصاغانى في العباب ما في البيت على الاول قال: " وعيال الرجل: من يعوله، وواحد العيال عيل، والجمع عيائل، مثل جيد وجياد وجيائد، وقد جاء عيائيل كما في البيت " وقال ابن السيرافى: " كأنه قال فيها متبخترات أسود، ولم يجعلها جمع عيل، لكن جعلها جمع عيال - بالفتح والتشديد - " انتهى.
وخبط الاندلسي في شرح المفصل خبط عشواء قال: " روى أبو عثمان قال:
سمعت الاصمعي يقول في جمع عيل - بكسر العين - وهو المتبختر: عيائيل، وهو من عال يعيل، إذا افتقر " انتهى وكتب عليه: " عيل: بكسر العين الملفوظ بها عينا المكتوبة صورتها خطا، ولعله أراد بها عين اللفظ التى هي ياء " هذا كلامه. (4/378)
وقد نسب إليه شيئا ولم يقله، وإنما قال أبو عثمان المازنى في تصريفه ما نصه: " وكذلك إذا جمعت سيدا وعيلا (على هذا المثال (1)) قلت: عيائل وسيائد، شبهوا هذا بأوائل، وسألت الاصمعي عن عيل كيف تكسره العرب ؟ فقال: عيائل، يهمزون كما يهمزون في الواوين " انتهى كلامه.
وأنت ترى أنه لم يقيد عيلا بكسر أوله، ولم يقل: إنه بمعنى المتبختر، وكذا أورده ابن جنى في شرحه عيل وعيائل، والكسر في عيل إنما هو في الياء المشددة، والذى هو بمعنى المتبختر إنما هو العيال، وكذا لم يصب صدر الافاضل على ما نقل عنه بعض أفاضل العجم في شرح أبيات المفصل في قوله: عيائيل، تكسير، والمراد به المتبختر، وقول الاندلسي: إنه من عال يعيل إذا افتقر لا يصح، لان المتبختر بعيد من المفتقر، وكان الواجب أن يقول: من عال يعيل إذا
تبختر، أو من عال الفرس يعيل إذا تكفأ في مشيه وتمايل، فهو فرس عيال، وذلك لكرمه، وكذلك الرجل إذا تبختر في مشيه وتمايل، وقد زاد في الطنبور نغمة أبو محمد الاعرابي في فرحة الاديب: " صحف ابن السيرافى في قوله: عيائيل إنه بالعين غير المعجمة، فكذب، والصواب غياييل - بالغين المعجمة - جمع غيل على غير قياس " انتهى.
وهذه مجازفة منه، فإن الائمة الثقات نقلوا كما قال ابن السيرافى، وهو تابع
__________
(1) ما بين القوسين زيادة من تصريف المازنى، ويريد بهذا المثال " فواعل " ولم ينقل المؤلف عبارة المازنى هنا بنصها، وإنما لخصها (*)
لهم فيه، ولم يختلفوا فيه، وإنما اختلفوا في مفرده هل هو عيل أم عيال ؟ وحمله على أنه جمع غيل - بكسر المعجمة - وهى الاجمة لم يرد، ولم يقل به أحد هذا، وقد أورد سيبويه في باب جمع التكسير فيما كان على ثلاثة أحرف وتحركت جميع حروفه، أنشده وقال: " فعل به ما فعل بالاسد حين قالوا: أسد " قال الاعلم: " الشاهد فيه جمع نمر على نمر كما جمع أسد على أسد، لانهما متساويان في عدد الحروف وتحرك جميعها، وحرك الميم بالضم إتباعا للنون في الوقف " انتهى. (4/379)
وحمله الجوهرى على أنه مخفف من نمور، وصحف عيائيل بتماثيل، قال: " النمر سبع، والجمع نمور، وقد جاء في الشعر نمر وهو شاذ، ولعله مقصور منه، قال: * فيها تماثيل أسود ونمر * " وقد نبه على تصحيفه ابن برى في أماليه، والمشهور أن أسودا وما بعده بالرفع، قال الاعلم: والاسود بدل من عيائيل وتبين لها، قال ابن السيرافى:
والذى في شعره أسود مجرورة باضافة عيائيل إليه، وقال صدر الافاضل: " أسود بالرفع عطف بيان لعيائيل، ويروى بالجر بإضافة عيائيل إليه إضافة بيان، وقال العينى: هو من إضافة الصفة إلى موصوفها على قول ابن السيرافى وأقول: هذا جميعه على تقدير عياييل جمع عيال بمعنى المتبختر، ويلزم منه أن يكون عياييل بياءين دون همز، كما تقدم عن سفر السعادة، وأما على قول من جعله جمع عيل واحد العيال فالمراد به أولاد الاسود والنمور إن روى بجر ما بعد عيائيل.
وإن روى بالرفع فالمراد بعيائيل نفس الاسود والنمور، وفيه ركاكة لا تخفى، والجر هي الرواية الجيدة، والاجمة إذا كان فيها أولادها تكون أحمى من غيرها، وضمير " فيها عيائيل " راجع إلى " أشب الغيطان " في بيت
قبله، وروى أيضا " فيه عيائيل " بتذكير الضمير على أنه راجع إلى أشب والبيت من رجز لحكيم بن معية من بنى تميم، وهو: أحمى قناة صلبة ما تنكسر * صماء تمت في نياف مشمخر حفت بأطواد عظام وسمر * في أشب الغيطان ملتف الحظر فيها عيائيل أسود ونمر * خطارة تدمى خياشيم النعر إذا الثقاف عضها لم تناطر وكأن هذه الابيات لم تبلغ الاعلم، زعم أن ضمير " فيها " لفلاة، قال: " وصف فلاة كثرت السباع فيها " هذا كلامه، وقال ابن السيرافى: وصف قناة نبتت في موضع محفوف بالجبال والشجر، وقد أطال لسانه عليه أبو محمد الاعرابي، فقال: قوله " وصف قناة " يهوس الانسان فيتوهم أنه أراد بالقناة رمحا طعن به، وإنما المراد بالقناة هنا العزة القساء والشرف العرد وأقول: هذا بعيد من معنى الشعر، غير دال عليه، وجميع ألفاظه أولى (4/380)
بالدلالة على ما ذكره ابن السيرافى وغيره من العلماء و " أحمى " من حميت المكان من الناس حميا من باب رمى، وحمية - بالكسر - إذا منعته عنهم، والحماية: اسم منه، وأما على قول أبى محمد فهو من حميت القوم حماية، إذا نصرتهم، والقناة: الرمح، والصلبة - بالضم -: وصف من صلب الشئ - بالضم - صلابة إذا اشتد وقوى، فهو صلب وهى صلبة، والصماء: التى جوفها غير فارغ، وتمت: كملت واستوت في منبته، وقوله " في نياف " أي: في جبل نياف، والنياف - بكسر النون -: العالي المرتفع، قال صاحب العباب: وجمل نياف وناقة نياف: أي طويل وطويلة في ارتفاع، والاصل نواف، وكذلك جبل نياف، ومشمخر: اسم فاعل من اشمخر اشمخرارا: أي ارتفع وعلا،
وقوله " حفت - إلخ " قال ابن السيرافى: " يريد حف موضع هذه القناة التى نبتت فيه بأطواد الجبال، الواحد طود، والسمر - بفتح فضم -: جمع سمرة، وهى شجرة عظيمة، والاشب - بفتح الهمزة وكسر الشين -: الموضع الملتف الذى يتداخل حتى لا يمكن أن يدخل فيه إلا بشدة، والغيطان: جمع غائط، وهو المنخفض من الارض، والحظر - بفتح المهملة وكسر المعجمة -: الموضع الذى حوله الشجر مثل الحظيرة، وقوله " فيه " أي: في هذا الموضع أسود تقيل تذهب وتجئ فيه وتتبختر " انتهى كلام ابن السيرافى وقال العينى: الحظر - بضمتين -: جمع حظيرة، وقوله " خطارة " أي: تلك الاسود والنمر خطارة من خطر يخطر - من باب نصر - خطرانا، إذا اهتز في المشى وتبختر، وتدمى: مضارع أدماه، أي: أخرج دمه بالجرح، والنعر - بفتح النون وكسر العين المهملة -: المتكبر، والثقاف - بكسر المثلثة -: ما تسوى به الرماح، وثقفت الرماح تثقيفا، إذا سويتها، وتنأطر: مطاوع (4/381)
أطرته: أي حنيته وثنيته وحكيم بن معية راجز إسلامى معاصر للعجاج وحميد الارقط، ومعية: مصغر معاوية وأنشد بعده - وهو الشاهد الثامن والسبعون بعد المائة -: (من الطويل) 178 - * فما أرق النيام إلا سلامها * على أن النيام أشذ من صيم، لان ألف فعال لما حجزت بين العين واللام قويت العين، فلم يجز قلبها، وصوم لما كان مع قرب واوه من الطرف الوجه فيه التصحيح كان التصحيح إذا تباعدت الواو من الطرف لا يجوز غيره قال ابن جنى في شرح تصريف المازنى: " وقد جاء حرف شاذ، وهو قولهم:
فلان في صيابة قومه، يريدون صوابه: أي في صميمهم وخالصهم، وهو من صاب يصوب، إذا نزل، كأن عرقه فيهم قد ساخ وتمكن، وقياسه التصحيح، ولكن هذا مما هرب فيه من الواو إلى الياء لثقل الواو، وليس ذلك بعلة، وأنشد ابن الاعرابي: ألا طرقتنا مية ابنة منذر * فما أرق النيام إلا سلامها وقال: أنشدنيه أبو الغمر هكذا بالياء، وهو شاذ " انتهى وقوله " أنشدنيه أبو الغمر " هو أبو الغمر الكلابي، وفى مثله يحتمل أن يكون أنشده لنفسه وأن يكون أنشده لغيره، وجزم العينى بأنه لو، وهو خلاف الصواب، فإن البيت من قصيدة لذى الرمة، والرواية في ديوانه كذا: ألا خيلت مى وقد نام صحبتي * فما أرق النيام إلا سلامها وروى أيضا: * فما نفر التهويم إلا سلامها * (4/382)
وهذا لا شاهد فيه، وبعده: طروقا وجلب الرحل مشدودة به * سفينة بر تحت خدى زمامها أنيخت فألقت بلدة فوق بلدة * قليل بها الاصوات إلا بغامها وقوله " ألا خيلت مى " أي بعثت خيالها، ومية: معشوقة ذى الرمة، وأرقة تأريقا: أسهره، والنيام: جمع نائم، ونفره تنفيرا: شرده تشريدا، والتهويم: هز الرأس من النعاس، والسلام: التحية، والطروق، المجئ في الليل، وجلب الرحل - بكسر الجيم وسكون اللام -: خشبه، وأراد بسفينة البر الناقة، وقوله " أنيخت فألقت إلخ " هذا البيت شرحناه في باب الاستثناء من أبيات شرح الكافية قال بعض فضلاء العجم: " قوله: ألا طرقتنا - إلخ، يجوز أن يريد بطروقها
طروق خيالها، فإنهم يقيمون الخيال مقام صاحبته، واستيقاظهم بسلام الخيال لاستعظامهم إياه، والحمل على ظاهره من إتيانها نفسها ظاهر " انتهى كلامه وقد ظهر لك من الرواية الاخرى أن الطارق خيالها، لا هي، وروى العينى " كلامها " بدل سلامها، وهذا بعيد ساقط. (4/383)
وأنشد الجاربردى هنا - وهو الشاهد التاسع والسبعون بعد المائة -: (من الطويل) 179 - وكنت إذا جارى دعا لمضوفة * أشمر حتى ينصف الساق مئزري على أن مضوفة شاذ قال المازنى في التصريف الملوكى (1): أصلها مضيفة، فنقلت الضمة إلى الضاد فانقلبت الياء واوا لسكونها وانضمام ما قبلها، وهو حرف شاذ، لا يعلم له نظير،
فينبغي أن لا يقاس عليه وقال الزمخشري في المفصل: والمضوفة كالقود والقصوى عند سيبويه، وعند الاخفش قياس قال ابن يعيش: " في مضوفة تقوية لمذهب أبى الحسن الاخفش، لانه جاء على قياسه، وعند سيبويه شاذ في القياس والاستعمال، كالشذوذ في القود والقصوى، والقياس مضيفة، والقاد كباب، والقصيا كالدنيا، ومضوفة هنا من ضفت إذا نزلت عنده ضيفا، والمراد بالمضوفة ما ينزل من حوادث الدهر
__________
(1) كذا، والتصريف الملوكى لابن جنى لا للمازني، وللمازني كتاب التصريف، غير موصوف (*)
ونوائب الزمان: أي إذا جارى دعاني لهذا الامر شمرت عن ساقى وقمت في نصرته " انتهى. (4/384)
وقال الزمخشري في مناهيه على المفصل: هي من ضاف يضيف، إذا مال والتجأ، وأضافه ألجأه، وفلان يحمى المضاف: أي الملجأ والمحرج، وقال الاصمعي: أضفت من الامر: أي أشفقت وحذرت، ومنه المضوفة، وهو الامر يشفق منه، كقوله: * وكنت إذا جارى...البين * وفلان يضيف من كذا أي يشفق، والاضافة: الشفقة قال أبو سعيد: والبيت يروى عن ثلاثة أوجه: المضوفة، والمضيفة، والمضافة، وكل من تكلم على هذه الكلمة جعلها يائية، إلا الصاغانى، فانه نظر إلى ظاهر فجعلها واوية، قال في مادة (ض وف): المضوفة الهم، ويقال بى إليك مضوفة: أي حاجة، وأنشد البيت، ولم يذكر هذه المادة غيرها، فان ثبت
أنها واوية فهى على القياس كمقولة، من القول والبيت من أبيات لابي جندب بن مرة الهذلى الجاهلي أخى أبى خراش الهذلى الصحابي، وهى: ألا أبلغا سعد بن ليث وجندبا * وكلبا أثيبوا المن غير المكدر ونهنهت أولى القوم عنكم بضربة * تنفس منها كل حشيان مجحر وكنت إذا جار دعا لمضوفة * أشمر حتى ينصف الساق مئزري فلا تحسبن جارى لدى ظل مرخة * ولا تحسبنه فقع قاع بقرقر ولكننى جمر الغضا من ورائه * يخفرنى سيفى إذا لم أخفر أبى الناس إلا الشر منى فذرهم * وإياى ما جاءوا إلى بمنكر
قوله " أثيبوا " من الاثابة، وهى إعطاء الثواب، يقال: أثابه، أي جازاه وكافأه، والمن: الانعام، ونهنهت: كففت، وأولى الناس: أي الجماعة المتقدمة، والحشيان - بفتح المهملة -: الذى قد حشى جوفه من خوف العدو، والمحجر: المنهزم، وهو اسم مفعول من أجحرته - بتقديم الجيم على الحاء المهملة - أي: ألجأته إلى أن دخل جحره: أي تنفس من ضربتي الذى كان لا يقدر أن يتنفس وقوله " وكنت إذا جار " كذا في شعره بالتنكير، وهو أفخر، ونصف الشئ ينصفه - من باب نصر - إذا بلغ نصفه، والساق: مفعول مقدم، ومئزرى: فاعل مؤخر، يقول: إذا دعاني جار للامر الشاق الذى نزل به شمرت حتى يصل مئزري إلى نصف ساقى، جعله مثلا لاجتهاده في كف ما دعاه جاره إليه، قوله " فلا تحسبن " بنون التوكيد الخفيفة، والمرخة - بالخاء المعجمة -: شجرة صغيرة لا تمنع من لاذ بها، والفقع - بفتح الفاء وسكون القاف -: ضرب ردئ من الكمأة، أي لا يمتنع على من أراده، والقرقر: الصلب، أي: لا تحسبه كالكمأة (4/385)
التى توطأ وتؤخذ ليس عليها ستر فلا شئ أذل منها، وفى شرح إصلاح المنطق: " يقولون: هذا فقع قرقرة، الفقع - بفتح الفاء وكسرها -: الكمأة الابيض، روا أبو زيد والاحمر، والقرقرة: الارض الملساء المستوية، وقيل: القاع من الارض ويقال للذليل: فقع قرقرة، أي أنه بمنزلة الكم ء النابت في السهل، فكلما وطئته القدم شدخته، وإذا نبت في دكادك الرمل لم تكد القدم تأخذه " انتهى وقوله " إلا الشر مني " ويروى " منهم " وما: مصدرية ظرفية وأنشد أيضا بعده - وهو الشاهد الثمانون بعد المائة -: (من الطويل) 180 - تبين لى أن القماءة ذلة * وأن أعزاء الرجال طيالها على أن " طيالها " شاذ قياسا واستعمالا، والقياس طوالها، وهو الكثير
المستعمل، وقوله " لصحتها في المفرد " ليس كذلك، بل لتحركها فيه، ولو كانت ساكنة لاعلت، ولو كانت صحة العين في المفرد سببا لصحتها في الجمع لما أعل نحو حياض وثياب وسياط. (4/386)
والقماءة - بفتح القاف والمد -: مصدر قمؤ الرجل - بضم الميم مهموز اللام - أي: صار قميئا، على وزن فعيل، وهو الصغير الذليل، ويقال: قماء أيضا، بدون الهاء على وزن فعال وفعالة، كذا في الصحاح في نسخة صحيحة، ولم يورد ابن ولاد في المقصور والممدود إلا فعالة، قال: " والقماءة: الذل والمهانة، يقال: قمؤ فهو قمئ بين القماءة " انتهى.
وذكر أبو بكر بن الانباري في كتاب المقصور والممدود همزه على فعل - بفتحتين -، وأورده مع سبأ ونبأ، ومده على فعالة، قال: والقمأ من القماءة، قال الشاعر: * تبين لى أن القماءة ذلة...البيت * ونقله عنه القالى في كتاب المقصور والممدود، قال: باب ما جاء من المقصور
المهموز على مثال فعل من الاسماء والصفات، وعدد أمثلة إلى أن قال: والقمأ من القماءة، وهو الصغير، كذا قال أبو بكر بن الانباري على فعل، قال الشاعر: * تبين لى أن القماءة ذلة...البيت * وقال أبو زيد: " قمؤ الرجل قماءة، إذا صغر، وقمأت الماشية قموا وقمئا وقموءة وقمؤت قماءة، إذا سمنت " انتهى.
فمصدر قمؤ الرجل على كلام أبى زيد فعالة، ومصدر قمأت الماشية - بفتح الميم - فعول وفعولة - بضم وفعل - بفتح الفاء وسكون العين - ومصدر قمؤت - بضم الميم - فعالة.
والعجب من العين أنه قال بعد أن نقل كلام القالى: " الحاصل أن مصدر قمؤ على قمأ، على وزن فعل - بالتحريك - وقمأة - بالتاء - وإنما مد في الشعر
المذكور للضرورة " هذا كلامه. (4/387)
وهو ناشئ من قراءته قماءة على وزن فعالة بسكون الميم والهمز على وزن فعلة، ولم يقل به أحد.
قال ابن المستوفى في شرح أبيات المفصل: البيت من قصيدة لانيف بن زبان النهابى من طى، وهو إسلامى، ومطلعها: تذكرت حبى واعتراك خيالها * وهيهات حبى ليس يرجى وصالها وقد أورد أبو تمام منها بيتين (1) في أوائل الحماسة، وهما: فلما أتينا السفح من بطن حائل * بحيث تلاقى صلحها وسيالها دعوا لنزار وانتمينا لطئ * كأسد الشرى إقدامها ونزالها وأنيف - بضم الهمزة وفتح النون -: مصغر أنف، وزبان بالزاى المعجمة
وتشديد الموحدة، ونبهان بفتح النون وسكون الموحدة.
وأنشد الشارح المحقق من (الكامل): عن مبرقات بالبرين وتبدو * بالاكف اللامعات سور وتقدم شرحه في الشاهد الثالث والستين من هذا الكتاب.
وأنشد بعده - وهو الشاهد الحادى والثمانون بعد المائة -: (من الكامل) 181 - قد كان قومك يحسبونك سيدا * وإخال أنك سيد مغيون
__________
(1) ذكر أبو تمام عشرة أبيات من هذه الكلمة، انظر شرح التبريزي (1: 166) (*)
على أن قوله " مغيون " جاء على لغة تميم، ولغة غيرهم مغين والبيت من أبيات للعباس بن مرداس السلمى، روى صاحب الاغانى بسنده عن أبى عبيدة وأبى عمرو الشيباني: " أن حرب بن أمية لما انصرف من حرب عكاظ هو وإخوته مر بالقرية، وهى غيضة شجر ملتف لا يرام، فقال له مرداس بن أبى عامر: أما ترى هذا الغرس ؟ قال: بلى، فماله ؟ قال: نعم المزدرع هو، فهل لك أن تكون شريكين فيه، ونحرق هذه الغيضة ثم نزدرعه بعد ذلك ؟ فقال: نعم، فأضرما النار في الغيضة، فلما استطارت وعلا لهيبها سمع من الغيضة أنين وصجيج كثير، ثم ظهرت من حيات بيض تطير حيت قطعتها وخرجت منها، وقال مرداس بن أبى عامر: (من البسيط) إنى انتخبت لها حربا وإخوته * إنى بحبل وثيق العهد دساس إنى أقوم قبل الامر حجته * كيما يقال: ولى الامر مرداس قال: فسمعوا هاتفا يقول لما احترقت الغيضة: (من الرجز) ويل لحرب فارسا * مطاعنا مخالسا (4/388)
ويل لعمرو فارسا * إذ لبسوا القوانسا لنقتلن بقتله * جحاجحا عنابسا ولم يلبث حرب بن أمية ومرداس بن أبى عامر أن ماتا، فأما مرداس فدفن بالقرية، ويقال: إن الجن قتلتهما لاحراقهما شجر القرية وازدراعهما إياها، وهذا شئ قد ذكرته العرب في أشعارهم وتواترت الروايات بذكره فذكرته، ثم إن القرية ادعاها بعد ذلك كليب بن عييمة السلمى ثم الظفرى، فقال في ذلك عباس بن مرداس: أكليب مالك كل يوم ظالما * والظلم أنكد غبه ملعون
قد كان قومك يحسبونك سيدا * وإخال أنك سيد مغيون أتريد قومك ما أراد بوائل * يوم القليب سميك المطعون وأظن أنك سوف ينفذ مثلها * في صفحتيك سنانى المسنون إن القرية قد تبين أمرها * إن كان ينفع عندك التبيين حين انطلقت بحظها لى ظالما * وأبو يزيد بجوها مدفون وأبو يزيد: هو مرداس بن أبى عامر " انتهى. (4/389)
قال ابن الشجرى في أماليه: عييمة منقول من محقر العيمة، وهى شهوة اللبن، أو محقر العيمة - بكسر العين - وهى خيار المال، ومنه قولهم: اعتام الرجل: أي أخذ العيمة، وقوله " أكليب " الهمزة للنداء، وقوله " مالك " ما: استفهامية مبتدأ، ولك: الخبر، وكل: ظرف، والنكد: العسر، وخروج الشئ إلى طالبه بشدة، وغبه: عاقبته، واللعن: الطرد والابعاد، وأخال - بفتح الهمزة - وهو الاصل، وإخال بالكسر فيه لغة الذين كسروا حرف المضارعة مما جاء على مثال تفعل نحو تعجب وتعلم وتركب، لتدل كسرته على كسرة العين
من عجب وعلم وركب ونحو ذلك، يقولون: أنا إعجب وأنت تعلم ونحن نركب، واستثقلوا الكسرة على الياء فألزموها الفتح، ومغيون - بالغين المعجمة -: اسم مفعول من قولهم: غين على قلبه، أي: غطى عليه، وفى الحديث " إنه ليغان على قلبى " ولكن الناس ينشدونه بالباء، وهو تصحيف، وقد روى بالعين غير المعجمة: أي مصاب بالعين، والاول هو الوجه، وكلاهما مما جاء فيه التصحيح وإن كان الاعتلال فيه أكثر، كقولهم: طعام مزيوت، وبر مكيول، وثوب مخيوط والقياس مغين ومزين ومكيل ومخيط، حملا على غين وزيت وكيل وخيط.
قال أبو على: " ولو جاء التصحيح فيما كان من الواو لم ينكر،
ألا تراهم قد قالوا: الغؤور، فهو مثل مفعول من الواو لو صح " انتهى. (4/390)
وقد صححوا أحرفا من ذوات الواو، قالوا: مسك مدووف، وثوب مصوون، وفرس مقوود، والغؤور: مصدر غارت عينه تغور غؤورا، وإنما صح اسم المفعول من هذا التركيب فخالف بذلك اسم الفاعل، لان اسم المفعول غير جار على فعله في حركاته وسكونه كما تجرى أسماء الفاعلين على أفعالها، فلما خالف اسم المفعول فعله فيما ذكرناه خالفه في إعلاله.
وقوله " أتريد قومك - إلخ " الهمزة للاستفهام، وأراد بقومك، بدليل ما بعده، ولما حذف الباء ظهر النصب، وفاعل " أراد " سميك، ويوم القليب ويروى يوم الغدير، وهو اليوم الذى قتل فيه كليب وائل، والقليب: البئر وأراد بوائل بكرا وتغلب ابني وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمى ابن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، وأارد بسميه المطعون كليب بن ربيعة بن مرة بن الحارث بن زهير بن خثيم بن حبيب بن تغلب ابن وائل، طعنه جساس بن مرة بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة، فقتله، وكانت
العرب تضرب المثل بكليب في العز، فيقولون: أعز من كليب وائل، وكان سيد ربيعة بن نزار في دهره، هو الذى كان ينزلهم في منازلهم، لم يكونوا يظعنون من منزل ولا ينزلون إلا بأمره، فبلغ من عزه وبغيه أنه اتخذ جرو كلب، وكان إذا نزل منزلا ملكئا قذف بذلك الجرو فيه فيعوى، فلا يقرب أحد ذلك الكلا إلا بإذنه، أو أن يؤذن بحرب، وكذلك كان يفعل في الماء، وفى أرض الصيد، وكان إذا ورد الماء قذف بالجرو، وعند الحوض فلا يقرب أحد ذلك الماء حتى تصدر إبله، وكان يحمى الصيد: فيقول: صيد أرض كذا في جواري، فلا يهاج ذلك الصيد، وكان لا يخوض معه أحد في حديث ولا يمر أحد بين يديه وهو جالس، ولا يحتبى في مجلسه غيره، فصار في العز والبغى مثلا.
وكان سبب قتله أن البسوس - وهى امرأة من غنى، وضربت العرب بها المثل في الشؤم، فقالوا: أشأم من البسوس - كانت في جوار جساس بن مرة، فمرت إبل لكليب تريد الماء، فاختلطت بها ناقة للبسوس، فوردت معها الماء، فرآها كليب، فأنكرها، فقال: لمن هذه الناقة ؟ فقال الرعاء: للبسوس جارة جساس، فرماها بسهم، فانتظم ضرعها، فأقبلت الناقة تعج وضرعها يسيل دما ولبنا، فلما رأتها البسوس قذفت خمارها، ثم صاحت: واذلاه ! وجاراه ! فأغضبت جساسا، فركب فرسه، وأخذ رمحه، وتبعه عمرو بن الحارث ابن ذهل بن شيبان على فرسه، ومعه رمح، فركضا نحو الحمى والخباء، فلقيا رجلا فسألاه: من رمى الناقة ؟ فقال: من حلا كما عن برد الماء وسامكما الخسف، فأقررتما به، فزادهما ذلك حمية وغضبا يقال: حلاه عن الماء: إذا طرده عنه، وسام فلان فلانا الخسف: إذا (4/391)
أولاه الدنية.
فأقبلا حتى وقفا على كليب، فقال له جساس: يا أبا الماجد، أما علمت أنها (ناقة) جارتي ؟ فقال كليب: وإن كانت ناقة جارتك ! فمه ؟ أتراك ما نعى أن أذب عن حماى ؟ فأغضبه ذلك، فحمل عليه، فطعنه وطعنه عمرو، فقتلاه، وفيه هاجت حرب بكر وتغلب ابن وائل أربعين عاما، وقالت الشعراء في بغى كليب، وضربوه مثلا.
وقوله " ينفذ مثلها " أي: مثل الطعنة التى طعنها جساس بن مرة كليب ابن ربيعة، وحسن إضمار الطعنة وإن لم يجر لها ذكر، لان ذكر المطعون دل عليها وتقدمت ترجمة العباس بن مرداس في الشاهد السابع عشر من شواهد شرح الكافية.
وأنشد بعده - وهو الشاهد الثاني والثمانون بعد المائة -: (من الرجز) 182 - ياليت أنا ضمنا سفينه * حتى يعود الوصل كينونه على أن " كينونة " أصلها بياء مشددة، فحذفت الياء الزائدة، وبقيت عين الكلمة، وهى الياء الثانية المنقلبة عن الواو، والاصل كيونونة، فانقلبت الواو ياء لاجتماعها مع الياء الساكنة وأدغمت فيها، ثم حذفت الياء الاولى تخفيفا وجوبا، ولا يجوز ذكرها إلا في الشعر، كما في البيت قال أبو العباس المبرد: أنشدني النهشلي: قد فارقت قرينها القرينه * وشحطت عن دارها الظعينه قوله " يا ليت أنا - إلخ " وقرينها: مفعول مقدم، والقرين: زوج المرأة، والقرينة: فاعل، وهى زوجة الرجل، وشحط الرجل - من باب (1) (4/392)
فرح - إذا بعد، والظعينة: المرأة ما دامت في الهودج، وقوله " يا ليت أنا " بفتح الهمزة - أنا مع اسمها وخبرها في تأويل مصدر ساد مسد معمولي ليت، وضمنا: جمعنا، وسفينة: فاعل، وكينونة: مصدر كان، والمراد به اسم المفعول: أي حتى يعود الوصل موجودا.
والبيتان كذا أنشدهما ابن جنى في شرح تصريف المازنى وابن برى في أماليه على الصحاح.
وأنشد بعده: (من الرجز) * ما بال عينى كالشعيب العين * وتقدم شرحه في الشاهد الخامس والعشرين من هذا الكتاب.
__________
(1) واللغة المشهورة من باب منع (*)
وأنشد الجاربردى هنا - وهو الشاهد الثالث والثمانون بعد المائة -: (من الخفيف) 183 - كل أنثى وإن بدالك منها * آية الحب حبها خيتعور على أن فيعلولا موجود كخيتعور، وما فسره به هو كلام صاحب الصحاح، وفسره بعضهم بالغرور الذى لا يصح منه شئ. (4/393)
وقال صاحب العباب: وربما سموا الذئب خيتعورا، لانه لا عهد له، ولا وفاء، والخيتعور: الغول والداهية والدنيا والاسد.
والبيت من أبيات لجد جد امرئ القيس واسمه حجرا آكل المرار، وقبله (1): إن من غره النساء بشئ * بعد هند لجاهل مغرور حلوة القول واللسان ومر * كل شئ أجن منها الضمير
كل أنثى وإن بدا لك منها *...البيت وحجر: بضم الحاء المهملة وسكون الجيم، والمرار - كغراب -: اسم شجر مر، وحجر: هو ابن عمرو بن معاوية بن الحارث، وينتهى نسبه إلى كندة، ومن كندة إلى يعرب بن قحطان، قال الاصبهاني في الاغانى: " أخبرني ابن دريد إجازة عن عمه عن ابن الكلبى عن أبيه عن الشرقي بن القطامى قال: أقبل تبع حين سار إلى العراق فنزل بأرض معد فاستعمل عليهم حجر بن عمرو، وهو آكل المرار، فلم يزل ملكا حتى خرف، ثم إن زياد بن الهبولة بن عمرو بن عوف
__________
(1) روى صاحب الاغانى قبل هذه الابيات بيتين، وهما: لمن النار أوقدت بحفير * لم ينم عند مصطل مقرور أو قدتها إحدى الهنود وقالت * أنت ذا موثق وثاق الاسير
ابن ضجعم، وهو حماطة بن سعد بن سليح القضاعى أغار على حجر آكل المرار وهو غائب فأخذ مالا كثيرا وسبا امرأة حجر، وهى هند بنت ظالم بن وهب ابن الحارث بن معاوية، وأخذ نسوة من نساء بكر بن وائل، فلما بلغ حجرا وبكر ابن وائل مغاره وما أخذ أقبلوا عليه، ومعه أشراف بكر بن وائل منهم عوف ابن محلم بن ذهل بن شيبان، فأقبل حجر في أصحابه حتى إذا كان بمكان يقرب من عين أباغ (1) بعث سد وسا وصليعا (2) يتجسسان له الخبر، فخرجا حتى هجما على عسكره وقد أوقد نارا ونادى مناد (له) من جاء بحزمة من حطب فله فدرة (3) من تمر، وكان ابن الهبولة قد أصاب في عسكر حجر تمرا كثيرا فضرب قبابة وأجج ناره ونثر التمر بين يديه، فاحتطب سدوس وصليع ثم أتيا به ابن الهبولة فطرحاه بين يديه فناولهما من التمر وجلسا قريبا من القبة، فأما صليع فقال: هذه آية، فانصرف إلى حجر فأعلمه بعسكره وأراه التمر، وأما سدوس (4/394)
فقال: لا أبرح حتى آتيه بخبر جلى، فلما ذهب هزيع من الليل أقبل ناس من أصحابه يحرسونه وقد تفرق أهل العسكر، فقرب سدوس إلى جليس له فقال له: من أنت ؟ مخافة أن يستنكر، فقال: أنا فلان بن فلان، قال: نعم ودنا سدوس من القبة فكان بحيث يسمع الكلام، فدنا ابن الهبولة من هند امرأة حجر فقبلها وداعبها، ثم قال لها: ما ظنك بحجر لو علم بمكانى منك ؟ قالت: ظنى والله أنه لن يدع طلبك حتى يطالع القصور الحمر، وكأني أنظر إليه في فوارس من بنى شيبان وهو شديد الكلب سريع الطلب يزبد شدقاه كأنه بعير آكل مرار، فسمى المرار يومئذ، قال: فرفع يده فلطمها ثم قال: ما قلت هذا إلا
__________
(1) بضم الهمزة وفتحها وكسرها، وهى موضع بين الرقة والكوفة (2) في الاصول " ضبيعا " وهو تحريف والتصحيح عن الاغانى (3) الفدرة: القطعة (*)
من عجبك به وحبك له، فقالت: والله ما أبغضت ذا نسمة قط بغضى له، ولا رأيت رجلا قط أحزم منه نائما ومستيقظا، إن كان لتنام عيناه وبعض أعضائه حى لا ينام، وكان إذا أراد النوم أمرنى أن أجعل عنده عسا (1) مملوءا لبنا، فبينما هو ذات ليلة نائم وأنا قريبة منه أنظر إليه إذ أقبل أسود سالخ (2) فمال إلى العس فشربه ثم مجه، فقلت: يستيقظ فيشرب فأستريح منه، فانتبه من نومه فقال: على بالاناء، فناولته فشمه فاضطربت يداه حتى سقط الاناء فأريق، وكل هذا يسمعه سدوس، فلما نامت الاحراس خرج يسرى ليلته حتى صبح حجرا، فقال: (من الوافر) أتاك المرجفون برجم غيب * على دهش وجئتك باليقين فمن يك قد أتاك بأمر لبس * فقد آتى بأمر مستبين (4/395)
ثم قص عليه ما سمع، فأسف ونادى في الناس بالرحيل، فساروا حتى انتهوا إلى عسكر ابن الهبولة، فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم ابن الهبولة وعرفه سدوس فحمل عليه فاعتنقه وصرعه فقتله، وبصر به عمرو بن أبى ربيعة (3) فشد عليه فأخذ رأسه منه وأخذ سدوس سلبه وأخذ حجر هندا فربطها بين فرسين ثم ركضا بها حتى قطعاها قطعا، هذه رواية ابن الكلبى وأما أبو عبيدة فإنه ذكر أن ابن الهبولة لما غنم عسكر حجر غنم مع ذلك زوجته هند بنت ظالم وأم أناس بنت عوف بن محلم الشيباني - وهى أم الحارث بن حجر - وهند بنت حجر، قال: وكان ابن الهبولة بعد أن غنم يسوق ما معه من السبايا والنعم ويتصيد في المسير لا يمر بواد إلا أقام به يوما أو يومين حتى أتى
__________
(1) العس - بالضم -: القدح العظيم، وجمعه عساس (2) الاسود السالخ: الحية العظيمة تخرج عن قشرها (3) في الاغانى عمرو بن معاوية (*)
على ضرية (1) فوجدها معشبة فأعجبته فأقام بها أياما، وقالت له أم أناس: إنى لارى كأنى قد نظرت إلى رجل أسود أدلم (2) كأن مشافره مشافر بعير آكل مرار قد أخذ برقبتك، فسمى حجر آكل المرار بذلك، وذكر باقى القصة نحو ما مضى، وروى أيضا أنه إنما سمى آكل المرار لان سدوسا لما أتاه بخبر ابن الهبولة ومداعبته لهند وأن رأسه كان في حجرها وحدثه بقولها له، جعل يسمع ذلك وهو يعبث بالمرار - وهو نبت شديد المرارة - وكان جالسا في موضع فيه منه شئ كثير، فجعل يأكل من ذلك المرار غضبا وهو يسمع من سدوس وهو لا يعلم أنه يأكله من شدة الغضب، حتى انتهى سدوس إلى آخر الحديث فعلم حينئذ بذلك، ووجد طعمه، فسمى يومئذ آكل المرار، قال ابن الكلبى: (4/396)
وقال جحر في هند: * إن من غره النساء بشئ...الابيات " انتهى ما ساقه صاحب الاغانى باختصار قليل.
ولا يخفى أن المشهور أن أم أناس زوجة عمرو المقصور بن حجر بن الحارث ابن عمرو (3)، وإنما سميت أم أناس لان أباها عوف بن محلم أمر أمها لما ولدتها أن تئدها، فقالت: قد فعلت، فربتها حتى أدركت فنظر إليها عوف يوما مقبلة فأعجبه شبابها فقال: من هذه يا أمامة ؟ قالت: وصيفة لنا، ثم قالت: أيسرك أنها ابنتك ؟ فقال: كيف لى بذلك ؟ قالت: فانها التى أمرتنى أن أئدها، فقال: دعيها فلعلها أن تلد لنا أناسا، فسميت أم أناس، وهى أم الحارث بن عمرو المقصور بن حجر.
__________
(1) ضرية: بلدة بين البصرة ومكة.
(2) الادلم: الشديد السواد.
(3) يدل على ذلك قول عبيد بن الابرص بعد مقتل حجر: هلا على حجر بن أمم * أناس تبكى لا علينا (*)
وابن الهبولة - بفتح الهاء وضم الموحدة -: هو عمرو بن عوف بن ضجعم، وهو بطن، وهم الضجاعمة، وكانوا الملوك بالشام قبل غسان، وضجعم هو حماطة كما تقدم وأنشد بعده أيضا - وهو الشاهد الرابع والثمانون بعد المائة -: (من الكامل) 184 - درس المنا بتمالع فأبان * فتقادمت بالحبس فالسوبان على أن أبان فيه قيل: وزنه أفعل، وقيل: وزنه فعال والبيت من قصيدة للبيد بن ربيعة الصحابي، وأراد المنازل جمع منزل، وهو حذف قبيح، ودرس يكون فعلا لازما ومتعديا، والمراد هنا الاول، يقال: (4/397)
درس المنزل يدرس دروسا: أي عفى وانمحى أثره، ودرسته الريح، ومتالع - بضم الميم بعدها مثناة فوقية واللام مكسورة والعين مهملة - قال أبو عبيد في معجم ما استعجم: هو جبل لغنى بالحمى قاله الخليل، وأبان قال ياقوت في معجم البلدان: " أبان الابيض وأبان الاسود: فأبان الابيض شرقي الحاجر فيه نخل وماء يقال له: أكرة - وهو العلم - لبنى فزارة (وعبس، وأبان الاسود: جبل لبنى فزارة) (1) خاصة وبينه وبين الارض ميلان، وقال أبو بكر بن موسى: أبان جبل بين فيد والنبهانية أبيض، وأبان جبل أسود: وهما أبانان وكلاهما محدد الرأس كالسنان، وهما لبنى مناف بن دارم بن تميم بن مر، وقال الاصمعي: وادى الرمة يمر بين أبانين، وهما جبلان يقال لاحدهما: أبان الابيض، وهو لبنى فزارة ثم لبنى جريد منهم، وأبان الاسود لبنى أسد، ثم لبنى والبة بن الحارث بن ثعلبة بن دودان بن أسد، وبينهما ثلاثة أميال، وقال آخرون: أبانان تثنية أبان ومتالع، غلب أحدهما
__________
(1) سقطت العبارة التى بين القوسين من أصول الكتاب ولا يتم الكلام إلا بها، وهى في ياقوت.
(*)
كما قالوا: القمران، في الشمس والقمر، وهما بنواحي البحرين، واستدلوا على ذلك بقول لبيد: * درس المنا بمتالع فأبان * أراد درس المنازل، فحذف بعض الاسم ضرورة، وهو من أقبح الضرورات وقال أبو سعيد السكرى في قوله (1): (من الوافر) تؤم بها الحداة مياه نخل * وفيها عن أبانين ازورار " أبان جبل معروف، وقيل: أبانين، لانه يليه جبل نحو منه يقال له: شرورى، فغلبوا أبانا عليه فقالوا: أبانان " انتهى. (4/398)
و " الحبس " قال أبو عبيد في معجم ما استعجم: " بكسر الحاء المهملة، وقد نضم، وسكون الباء الموحدة، وبالسين المهملة: موضع في ديار غطفان، قال لبيد: * درس المنا...البيت * وقال لحارث بن حلزة: (من الكامل) لمن الديار عفون بالحبس * آياتها كمهارق الفرس والاعرف في بيت الحارث ضم الحاء، كما أن الاعرف في بيت لبيد كسرها، ولعلهما موضعان " انتهى، والسوبان - بضم السين المهملة وبعد الواو باء موحدة - اسم واد، كذا في الصحاح، وفى بعض نسخه وسوبان اسم واد، وصوبه ياقوت في هامشه باللام كما في البيت.
__________
(1) هو من كلام بشر بن أبى خازم وقبله: ألا بان الخليط ولم يزاروا * وقلبك في الظعائن مستعار أسائل صاحبي ولقد أرانى * بصيرا بالظعائن حيث صاروا (*)
وأنشد أيضا بعده - وهو الشاهد الخامس والثمانون بعد المائة -: (من الرجز) 185 - يا عجبا لهذه الفليقه * هل تغلبن القوباء الريقه على أن القوباء داء يعالج بالريق قال ابن السيد في شرح أبيات الجمل: " هذا الشعر لاعرابي أصابته القوباء فقيل له: اجعل عليها شيئا من ريقك وتعهدها فإنها تذهب، فتعجب من ذلك واستغربه، وروى " هل تذهبن القوباء " قال ابن السيرافى: " عجب هذا الشاعر من تفل الناس على القوباء ورقيتها لتذهب، قال: كيف تغلب الريقة القوباء ؟ ومن روى القوباء بالرفع فقد أفسد المعنى " وقال التبريزي: ورواية الرفع على القلب، وقال التدميرى: هو على جهة المفاعلة (4/399)
كأن القوباء والريقة يتغالبان، وكل من غالب شيئا فقد غالبه ذلك الشئ، فكل واحد منهما في المعنى فاعل ومفعول، وقال الشمنى: أو على معنى أن الاعرابي كان يعتقد أن الريقة تبرئ من القوباء فسمع قائلا يقول: إن الريقة لا تبرئها، فأنكر ذلك، وفيه نظر، لاقتضائه أن يكون المنكر المتعجب منه أن لا تبرئ، وقال اللخمى في شرح أبيات الجمل: هذا البيتان مجهولا لا يعلم قائلهما والفليقة: الداهية، والريقة: القطعة من الريق، يقول: إن من العجب أن تذهب هذه القوباء الريقة، لانهم يزعمون أن ريقة الصائم إذا نفث بها على القوباء أزالتها وقال الصاغانى في العباب: " الفليق والفليقة: الداهية، والعرب تقول: يا للفليقة: وتقول في مثل هذا: " يا عجبى لهذه الفليقة الخ " ويروى " يا عجبا وهذه الفليقة " قال أبو عمرو: معناه أنه يعجب من تغير العادات، لان الريقة تذهب القوباء على العادة فتفل على قوبائه فما برئب، فتعجب مما تعهده، وجعل القوباء على الفاعلة والريقة على المفعولة " انتهى.
وقال اللخمى: " يروى يا عجبا بالتنوين ويا عجبا بغير تنوين "
أقول: التنوين على وجهين: أحدهما أن يكون عجبا منادى منكرا أو مطولا لطوله بما اتصل به، والثانى أن يكون مفعولا مطلقا والمنادى محذوف، كأنه قال: يا قوم اعجبوا عجبا، وروايته بلا تنوين له أيضا وجهان: أحدهما أن يكون منادى مضافا على لغة من يقول: يا غلاما أقبل، بابدال ياء المتكلم ألفا، وثانيهما أن يريد يا عجباه، واكثر ما يستعمل مثل هذا في الندبة، وقد جاء في غير الندبة، كقول الاخر: (من الرجز) يا مرحباه بحمار ناجيه * إذا أتى قربته للسانيه (4/400)
وقال ابن هشام في المغنى: " ألف يا عجبا لمد الصوت بالمنادى المتعجب منه، ولا يخفى أن المتعجب منه إنما هو قوله: * هل تغلبن القوباء الريقه * " وأنشد الشارح - وهو الشاهد السادس والثمانون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه -: (من الطويل) 186 - أنا الليث معديا عليه وعاديا على أن أصله معدوا عليه، وهو القياس، وقلب الواو ياء في مثله نادر، لانه غير جمع، قال الاعلم: " الشاهد فيه قلب معدو إلى معدى استثقالا للضمة والواو تشبيها له بالجمع، وبعض النحويين يجعل معديا جاريا على عدى في القلب والتغيير، والصحيح ما ذهب إليه سيبويه من شذوذه تشبيها بالجمع، لان مفعولا يجرى على فعلته كما يجرى على فعل، تقول: عدوت عليه فهو معدو عليه كما يقال: عدى عليه فهو معدو عليه، وقد استويا في التغيير مع اختلاف فعليهما فيه " انتهى.
وكذا في شرح تصريف المازنى لابن جنى قال: " وينبغى أن تكون الالف
في آخر أرطى فيمن قال: مرطى منقلبة عن ياء، لانه لو كان من الواو لقالوا: مرطو، وإنما مرطى كمرمى، ولانحمله على قوله: * أنا الليث معديا عليه وعاديا * وهو يريد معدوا عليه، ولا على مسنية، وهم يريدون مسنوة، لان هذا شاذ لا يقاس عليه " انتهى. (4/401)
وكذا قال في سر الصناعة وجعل الزمخشري في المفصل المفرد والمصدر شيئا واحدا مقابلا للجمع، قال ابن يعيش: " ويجوز القلب في الواحد فيقال: مغزى ومدعى قال:
* أنا الليث معديا عليه وعاديا * أنشده أبو عثمان معدوا بالواو على الاصل، ورواه غير معديا " انتهى.
وفيه أن أبا عثمان إنما أنشده في تصريفه بالياء لا غير والمصراع عجزه، وصدره: * وقد علمت عرسي مليكة أننى * والعرس - بالكسر -: زوجة الرجل، ومليكة بالتصغير والبيت من قصيدة لعبد يغوث الحارثى الجاهلي، قالها لما أسرته تيم الرباب، وقد أوردناها برمتها مع سببها في شواهد المنادى من شواهد شرح الكافية.
وقد وقع هذا المصراع عجزا في شعر لحنظلة بن فاتك، وصدره: * تسائلني ماذا تكون بداهتي * والبداهة - بضم الموحدة -: الفجاءة والمباغتة، والاول هو المشهور، وقد أنشده سيبويه وغيره.
وأنشد بعده - وهو الشاهد السابع والثمانون بعد المائة -: (من البسيط) 187 - موالى ككباش العوس سحاح على أن تحريك الياء بالرفع شاذ، كذا في المفصل، وفى فرحة الاديب: وروى موالى بالهمز، وفيهما ضرورة أخرى وهى صرف ما لا ينصرف. (4/402)
قال ابن المستوفى: أنشده أبو بكر السراج في كتابه لجرير رضى الله عنه: قد كاد يذهب بالدنيا ولذتها * موالئ ككباش العوس سحاح ما منهم واحد إلا بحجزته * لبابه من علاج القين مفتاح وقال: أبدل الهمزة في موالئ من الياء في الشعر ضرورة، لانهم يبدلون الحرف من الحرف في الشعر في الموضع الذى لا يبدل مثله في الكلام لمعنى يحاولونه: من
تحريك ساكن، أو تسكين متحرك، ليصح وزن الشعر، أورد شئ إلى أصله أو تشبيه بنظير، لانه لو فعل بها ما فعل بالياء في المنقوص لانكسر البيت.
أقول: يريد لو قال في البيت: موالى، بتسكين الياء، لا نكسر، ولو حركت بالضمة لاستثقلت، قال ابن السيرافى: همزة الياء من موالئ لاستقامة البيت وكذا في الضرائر لان عصفور، قال: " ومنه إبدال الهمزة من الياء حيث لا يجوز ذلك في الكلام نحو قوله: قد كاد يذهب بالدنيا وبهجتها * موالئ ككباش العوس سحاح وقوله: (من الطويل) كمشترئ بالخيل أحمرة بترا وإنما أبدلت الياء من موالى ومشتر للاضطرار إلى التحريك واستثقال الضمة والكسرة في الياء، وكان المبدل همزة إجراء لها في ذلك مجرى الالف لمشابهتها لها في الاعتلال واللين " انتهى.
قوله " قد يذهب إلخ " قال بعض فضلاء العجم: موالى فاعل يذهب وفى كاد ضمير الشأن، و " موالى " جمع مولى، وله معان: المولى السيد والمولى ابن العم، والمولى العصبة، والمولى الناصر، والمولى الحليف وهو الذى يقال له: مولى الموالاة، والمولى المعتق، وهو مولى النعمة، والمولى العتيق، وهم موالى بنى هاشم: أي عتقاؤهم، وكأنه يريد المعنى الاول، يذم رؤساء زمانه، و " كباش " جمع كبش، وهو الفحل من الضأن، و " العوس " بضم العين المهملة، قال الزمخشري في مناهى المفصل: العوس مكان أو قبيلة، يقال: كبش عوسى، وقال أبو سهل الهروي في شرح فصيح ثعلب: يقال كبس عوسى، إذا كان قويا يحمل عليه، وقيل: بل هو منسوب إلى موضع يقال له العوس بناحية الجزيرة، وقيل: بل هو (4/403)
السمين، وما في البيت لا يوافق المعنى الاخير، وفى الصحاح: العوس بالضم ضرب من الغنم و " سحاح " بالضم جم ساح، يقال: سحت الشاة تسح - بالكسر - سحوحا وسحوحة: أي سمنت، وغنم سحاح: أي سمان، وهو - بالرفع - نعت لموالى، شبههم بهذه الكباش لطول رعيهم في مراتع اللذات، و " بحجزته " جار ومجرور خبر مقدم، ومفتاح مبتدأ مؤخر، والحجزة - بضم الحاء المهملة وسكون الجيم بعدها زاى معجمة -: هي معقد الازار، وحجزة السراويل التى فيها التكة، يريد أنهم يحملون مفاتيح أبوابهم، فهى مقفلة لا يدخلها أحد من الضيوف، والقين - بفتح القاف: الحداد، وأراد بعلاج القين صنيعه، يقال: عالجت الشئ معالجة وعلاجا، إذا زاولته فإذا كان المفتاح مما يزاوله القين بعمله فقفله محكم.
وأنشد بعده - وهو الشاهد الثامن والثمانون بعد المائة -: (من الكامل) 188 - كجواري يلعبن بالصحراء
على أن قوما من العرب يجرون الياء مجرى الحرف الصحيح في الاختيار فيحركها بالجر والرفع، وقال في شرح الكافية: إن هذا ضرورة، وهو المشهور، قال ابن عصفور في كتاب الضرائر: " فيه ضرورتان: إحداهما إثبات الياء وتحريكها وكان حقه أن يحذفها فيقول: كجوار، والثانية أنه صرف ما لا ينصرف، وكان الوجه لما أثبت الياء إجراء لها مجرى الصحيح أن يمنع الصرف، فيقول: كجواري " انتهى. (4/404)
وهذا المصراع عجز، وصدره: * ما إن رأيت ولا أرى في مدتي * و " إن " زائدة، وجملة " ولا أرى في مدتي " أي في مدة عمرى معترضة
بين أرى البصرية وبين مفعولها، وهو الكاف من قوله كجواري، فانها اسم، ولا يجوز أن تكون هنا حرفا، والجوارى: جمع جارية وهى الشابة، والصحراء: هي البرية والخلاء وقد تكلمنا عليه بأكثر من هذا في الشاهد الواحد والثلاثين بعد الستمائة من شواهد شرح الكافية.
وأنشد بعده - وهو الشاهد التاسع والثمانون بعد المائة -: (من الطويل) 189 - أبى الله أن أسمو بأم ولا أب على أن تسكين الواو من أسمو مع الناصب شاذ.
قال ابن عصفور في كتاب الضرائر: حذف الفتحة من آخر أسمو إجراء للنصب مجرى الرفع.
والمصراع عجز وصدره:
وما سودتني عامر عن وراثة والبيت من قصيدة لعدو الله ورسوله عامر بن الطفيل العامري، وقوله: " وما سودتني عامر " أي: ما جعلتني سيد قبيلة بنى عامر بالارث عن آبائهم، بل سدت بأفعالى، وقوله " أبى الله " أبى له معنيان: أحدهما كره، وهو المراد هنا، والثانى امتنع، و " أن أسمو " في موضع المفعول لابي، والسمو: العلو والشرف وقد شرحناه شرحا وافيا في الشاهد الثاني والثلاثين بعد الستمائة هناك. (4/405)
وأنشد بعده - وهو الشاهد التسعون بعد المائة -: (من الطويل) 190 - ولو أن واش باليمامة داره * ودارى بأعلى حضرموت اهتدى ليا على أن تسكين الياء من واش مع الناصب شاذ، وحذفت لالتقائها ساكنة
مع نون التنوين، وروى " فلو كان واش " فلا شاهد فيه ولا ضرورة، والواشى: النمام الذى يزوق الكلام ليفسد بين شخصين، وأصله من وشى الثوب يشيه وشيا، إذا نقشه وحسنه، واليمامة: بلد في نجد، وحضرموت: مدينة في اليمن، والبيت من قصيدة طويلة لمجنون بنى عامر أوردنا مع هذا البيت بعضا منها في الشاهد الخامس والثمانين بعد الثمانمائة من شواهد شرح الكافية وأنشد بعده - وهو الشاهد الواحد بعد المائة -: (من الرجز) 191 - كأن أيديهن بالقاع القرق * أيدى جوار (1) يتعاطين الورق
__________
(1) في نسخة " عذارى " بدل جوار، وهى جمع عذراء (*)
على أن تسكين الياء مع الناصب شاذ، كما تقدم. (4/406)
قال ابن الشجرى: " قال المبرد: هذا من أحسن الضروروات، لانهم ألحقوا حالة بحالتين، يعنى أنهم جعلوا المنصوب كالمجرور والمرفوع، مع أن السكون أخف من الحركات، ولذلك اعتزموا على إسكان الياء في ذوات الياء من المركبات، نحو معدى كرب وقالى قلا " انتهى والبيتان من الرجز نسبهما ابن رشيق في العمدة إلى رؤبة بن العجاج، ولم أرهما في ديوانه (1) وضمير " أيديهن " للابل، والقاع: المكان المستوى، والقرق - بفتح القاف وكسر الراء -: الاملس، وقال الشريف المرتضى: هو الخشن الذى فيه الحصا، وجوار - بفتح الجيم -: جمع جارية، ويتعاطين: يناول بعضهن بعضا، والورق - بكسر الراء -: الدراهم، شبه حذف مناسم الابل للحصى بحذف جوار يلعبن بدراهم، وخص الجوارى لانهن أخف يدا من النساء
وقد شرحناه بأكثر مما هنا في الشاهد الثالث والثلاثين بعد الستماية من شواهد شرح الكافية وأنشد بعده - وهو الشاهد الثاني والتسعون بعد المائة -: (من البسيط) 192 - هجوت زبان ثم جئت معتذرا * من هجو زبان لم تهجو ولم تدع على أنه سكنت الواو من تهجو شذوذا مع وجود المقتضى لحذفها وهو الجازم، قال ابن جنى في سر الصناعة: " يجوز أيضا أن يكون ممن يقول في الرفع: هو
__________
(1) رجعنا إلى ديوان رؤبة فلم نجد هما، ولكننا وجدناهما في زيادات الديوان
يهجو، فيضم الواو ويجريها مجرى الصحيح، فإذا جزم سكنها، فيكون علامة الجزم على هذا القول سكون الواو من يهجو، كما أسكن الاخر ياء يأتي في موضع الجزم، فقال: * ألم يأتيك والانباء تنمى * وكأنه ممن يقول: هو يأتيك، بضم الياء، وقد يتوجه عندي أن يكون على إشباع لاضمة، وكأنه أراد لم تهج فحذف الواو للجزم، ثم أشبع ضمة الجيم فنشأت بعدها واو " انتهى. (4/407)
و " هجوت " بالخطاب من الهجو، وهو الذم، و " زبان " - بالزاى المعجمة والباء الموحدة -: اسم رجل، واشتقاقه من الزبب وهو كثرة الشعر وطوله، وثم للترتيب وتراخى الزمان، أشار إلى أن اعتذاره من هجوه إنما حصل بعد مدة، و " من " متعلقة بالحال وهو معتذر، وقوله " لم تهجو ولم تدع " مفعلولهما محذوف: أي لم تهجوه ولم تدعه، وتدع مجزوم، وكسرت العين للقافية، والمعنى أنك هجوت واعتذرت فكأنك لم تهج، على أنك لم تدع الهجو، وقال العينى: والجملتان
كاشفتان لما قبلهما، فلذا ترك العاطف بينهما وأراد بهذا الكلام الانكار عليه في هجوه ثم اعتذاره عنه، حيث لم يستمر على حالة واحدة.
والبيت مع شهرته لم يعرف قائله (1) والله أعلم:
__________
(1) ينسبه بعضهم إلى عمرو بن العلاء، واسمه زبان، يقوله للفرزدق الشاعر المعروف، وكان قد هجاه ثم اعتذر إليه، وروى المرتضى في شرح القاموس: * لم أهجو ولم أدع * وهذا يستدعى أن يكون هجوت وما بعده بتاء المتكلم، فيكون القائل هو من هجا أبا عمر.
(*)
وأنشد بعده - وهو الشاهد الثالث والتسعون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه: (من الوافر) 193 - ألم يأتيك والانباء تنمى * بما لاقت لبون بنى زياد لما تقدم قبله قال ابن جنى في شرح تصريف المازنى: قدر الشاعر ضمة الواو في " لم تهجو " فأسكنها للجزم كما أسكن الياء في ألم يأتيك للجزم، وهذا في الياء أسهل منه في الواو، لان الواو وفيها الضمة أثقل من الياء وفيها الضمة، و " ما " فاعل يأتي، والباء زيدت فيه ضرورة، والانباء: جمع نبأ، وهو الخبر، وتنمى: تشيع من نمى الشئ ينمى إذا ارتفع وزاد، والجملة معترضة بين الفعل وفاعله، واللبون: الابل ذوات اللبن، وهو اسم مفرد أراد به الجنس، وبنو زياد: هم الربيع، وعمارة، وقيس، وأنس، بنو زياد بن سفيان العبسى، والمراد لبون الربيع ابن زياد، وكان سيد عبس. (4/408)
والبيت مطلع قصيدة لقيس بن زهير العبسى، وكان سيد قومه، وحصل بينه
وبين الربيع عداوة في شأن درع ساومه فيها، فلما نظر إليها الربيع وهو على ظهر فرسه وضعها على القربوس (1) ثم ركض بها فلم يردها عليه، فنهب قيس بن زهير إبله وإبل إخوته، فقدم بها مكة، فباعها من عبد الله بن جدعان التيمى القرشى معاوضة بأدراع وسيوف، فافتخر بهذا وبما بعده، وهو: ومحبسها على القرشى تشرى * بأدراع وأسياف حداد ومحبسها: معطوف على فاعل يأتيك، وهو - بكسر الباء - مصدر ميمى، والقرشي: هو ابن جدعان
__________
(1) القربوس - بفتح القاف والراء - حنو السرج (*)
وقد شرحناهما مع القصيدة شرحا لا مزيد عليه في الشاهد السادس والثلاثين بعد الستمائة من شواهد شرح الكافية وأنشد بعده - وهو الشاهد الرابع والتسعون، بعد المائة -: (من الرجز) 194 - * ولا ترضاها ولا تملق * لما تقدم، وقبله: * إذا العجوز غضبت فطلق * قال ابن جنى في شرح تصريف المازنى: " شبهت الالف بالياء في أن ثبتت في موضع الجزم، فإنه قدر الحركة هنا وحذفها للجزم، وهذا بعيد، لان الالف لا يمكن تحريكها أبدا " انتهى. (4/409)
ويجوز تخريجه على أن " لا " فيه نافيه لا ناهية، والتقدير فطلقها غير مترض لها، ويكون قوله " ولا تملق " معطوفا على قوله فطلق، قاله ابن عصفور في كتاب الضرائر.
وقد شرحناه بأكثر من هذا في الشاهد الخامس والثلاثين بعد الستمائة من
شواهد شرح الكافية.
وأنشد الجاربردى هنا - وهو الشاهد الخامس والتسعون بعد المائة -: (من الطويل) 195 - * كمشترى بالخيل أحمرة بترا * لما تقدم في قوله: * موالى ككباش العوس سحاح *
والقياس فيهما كمشتر وموال، بحذف الياء والتنوين، ورواهما ابن عصفور في كتاب الضرائر كمشترئ وموالئ، بالهمز والتنوين، كما تقدم، والمعنى كمن أعطى الخيل وأخذ الحمير بدلها، وهو جمع حمار، والبتر: جمع أبتر، وهو المقطوع الذنب وأنشد أيضا بعده - وهو الشاهد السادس والتسعون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه -: (من البسيط) 196 - يادار هند عفت إلا أثافيها هو صدر، وعجزه: * بين الطوى فصارات فواديها * على أنه كان حق " أثافيها " النصب على الاستنثاء، وسكنت الياء شذوذا قال سيبويه: " وسألت الخليل رحمه الله عن الياءات لم تنصب في موضع النصب، إذا كان الاول مضافا، وذلك قولك: رأيت معدى كرب، واحتملوا أيادى سبا، فقال: شبهوا هذه الياءات بألف مثنى حيث عروها من الجر والرفع، فكما عروا الالف منه عروها من النصب أيضا، فقالت الشعراء حيث اضطروا، قال بعض السعديين: (4/410)
- * يا دار هند عفت إلا أثافيها * ونحو ذلك، وإنما اختصت هذه الياءات في هذا الموضع بذا لانهم يجعلون الشيئين ههنا اسما واحدا، فتكون الياء غير حرف الاعراب، فيسكنونها بياء زائدة ساكنة، نحو ياء دردبيس " إلى آخر ما ذكره قال الاعلم: " الشاهد فيه تسكين الياء من الاثافي في حال النصب، حملا
لها عند الضرورة على الالف، لانها أختها، والالف لا تتحرك " انتهى. (4/411)
وقال صدر الافاضل: " يحتمل أن يكون قوله: إلا أثافيها، من باب الحمل على المعنى، كأنه قال: لم يبق إلا أثافيها، وحينئذ لا يكون البيت شاهدا لا سكان الياء، وهذا تحسر على اندراس الدار معنى، وإن كان لفظه خبرا " انتهى.
وكذا قال ابن المستوفى في شرح أبيات المفصل، وقال: " ولو نصب أثافيها على أن يكون البيت غير مصرع لجاز، وهذا على لغة من يقول: أثافى، بتخفيف الياء، وفيها لغتان: تخفيف الياء، وتشديدها، قال الجوهرى: الاثفية للقدر، تقديره أفعولة، والجمع الاثافي، وإن شئت خففت، وثفيت القدر تثفية: أي وضعتها على الاثافي، وأثفيت القدر: جعلت لها أثافى، وقال الاخفش: قولهم أثاف، لم يسمع من العرب بالتثقيل، وقال الكسائي: سمع، وأنشد: (من الطويل) أثافى سفعا في معرس مرجل والطوى: البئر المطوية بالحجارة، والصارة - بالصاد والراء المهملتين -: رأى الجبل والوادى، معروف، و " بين الطوى " نصب على الحال، والعامل فيها ما في النداء من معنى الفعل، مثل قول النابغة: (من البسيط) يا دار مية بالعلياء فالسند وأنشد أيضا بعده - وهو الشاهد السابع والتسعون بعد المائة -: (من البسيط)
197 - يا بارى القوس بريا ليس يحكمه * لا تفسد القوس أعط القوس باريها على أنه سكن ياء " باريها " شذوذا، والقياس فتحها، لان باريها المفعول الثاني لاعط.
قال الزمخشري في أمثاله: " أعط القوس باريها، قيل: إن الرواية عن العرب باريها بسكون الياء لا غير، يضرب في وجوب تفويض الامر من يحسنه ويتمهر فيه " انتهى. (4/412)
وكذا أورده في المفصل بعد البيت السابق.
وقال الميداني في أمثاله: أي استعن على عملك بأهل المعرفة والحذق فيه، وينشد: يا بارى القوس بريا ليست تحسنها * لا تفسدنها وأعط القوس باريها قال ابن السيرافى: " قرأت هذا البيت على شيخنا أبى الحرم مكى بن زيان في الامثال لابي الفضل أحمد بن محمد الميداني: أعط القوس باريها، بفتح الياء، وكان في الاصل " ليس يحسنه " وجعله " بريا ليست تحسنها "، وهو كذلك في نسخ كتاب الميداني، ولعل الزمخشري إنما أراد بالمثل آخر هذا البيت المذكور فأورده على ما قاله الشاعر، لا على ما ورد من المثل في النثر فانه ليس بمحل ضرورة، ويروى: يا بارى القوس بريا ليس يصلحه * لا تظلم القوس أعط القوس باريها والاول أصح، ويجوز أن يسكن ياء باريها - وإن كان مثلا - برأيه " هذا كلامه.
ولو رأى ما في أمثال الزمخشري لاستغنى عما أورده
وقال المفضل بن سلمة في كتاب الفاخر: يقال: إن أول من قال ذلك المثل هو الحطيئة، وساق حكايته مع سعيد بن العاص أمير المدينة في آخر الفاخر.
وأنشد أيضا بعده - وهو الشاهد الثامن والتسعون بعد المائة -: (من الكامل)
198 - ما أنس لا أنساه آخر عيشتى * مالاح بالمعزاء ريع سراب على أنه أثبت الياء (1) في أنساه شذوذا، كما ثبت الواو في لم تهجو ولم تدع، والقياس لا أنسه ولم تهج، بحذفهما. (4/413)
و " ما " اسم شرط يجزم فعلين، وهو هنا منصوب بشرطه، والمعنى مهما أنس من شئ من الاشياء لا أنس هذا الميت، وهو كثير في الاشعار وغيرها، قال ابن ميادة: (من الطويل) ما أنس م الاشياء لا أنس قولها * وأدمعها يذرين حشو المكاحل تمتع بذا اليوم القصير فإنه رهين بأيام الشهور الاطاول ومعناه مهما أنس من شئ لا أنس قولها، والمكاحل: مواضع الكحل، وآخر عيشتى: منصوب على الظرف، والعيشة: الحياة، والمعنى إلى آخر عيشتى، وما: مصدرية دوامية، والتقدير: مدة دوام لوح المعزاء، وهو ظرف لقوله: لا أنساه، والمراد التأبيد، وهو أعم من قوله آخر عيشتى، وجوز ابن المستوفى أن يكون بدلا من آخر، والمعزاء - بفتح الميم وسكون العين المهملة بعدها زاى معجمة - الارض الصلبة الكثيرة الحصا، ومكان أمعزبين المعز، بفتح العين، والريع - بمهملتين -: مصدر راع السراب يريع: أي جاء وذهب، وكذلك تريع السراب تريعا.
وقال ابن السيرافى: " وأنشده ابن الاعرابي ريع
- بكسر الراء - والريع: الطريق، وكأنه أراد بريع سراب بياضه، وقال ابن دريد: الريع: العلو في الارض حتى يمتنع أن يسلك، وكذلك هو في التنزيل "
__________
(1) كذا، وصوابه الالف (*)
هذا ما سطره..وأورده ابن الاعرابي في نوادره مع بيت قبله، وهو بكر النعى بخير خندف كلها * بعتيبة بن الحارث بن شهاب وقال: هما لحصين بن قعقاع بن معبد بن زرارة، وبكر هنا: بمعنى بادر وسارع، والنعى فعيل بمعنى الناعي، وهو الذى يأتي بخبر الميت، ويكون النعى بالتشديد أيضا مصدرا كالنعى بسكون العين وهو إشاعة مت الميت، قال الاصمعي: كانت العرب إذا مات فيهم ميت له قدر ركب راكب فرسا وجعل يسير في الناس، ويقول: نعاء فلانا، أي انعه وأظهر خبر وفاته، وهى مبنية مثل نزال، بمعنى أنزل، وعتيبة بالتصغير: فارس من فرسان الجاهلية، وهو ابن الحارث بن شهاب بن عبد قيس بن الكباس بن جعفر بن يربوع، اليربوعي وكان قد رأس بيت بنى يربوع، وقتله ذؤاب بن ربيعة لما قاتل بنى نصر بن قعين، وكانت تحت عتيبة يومئذ فرس فيها مراح واعتراض، فأصاب زج غلام من بنى أسد يقال له: ذؤاب بن ربيعة، أرنبة عتيبة، فنزف حتى مات، فحمل ربيع بن عتيبة على ذؤاب فأخذه من سرجه، وقتلوا ثمانية من بنى نصر وبنى غاضرة، واستنقدوا النعم، وساروا إلى منزلهم فقتلوه، فقال ربيعة أبو ذؤاب: (من الكامل) إن يقتلوك فقد ثللت عروشهم * بعتيبة بن الحارث بن شهاب بأشدهم ضرار على أعدائهم * وأعزهم فقدا على الاصحاب والحصين بن القعقاع صاحب الشعر من بنى حنظلة بن دارم التميمي. (4/414)
الابدال أنشد فيه الجاربردى في أوله - وهو الشاهد التاسع والتسعون بعد المائة -: (من الكامل)
199 - تراك أمكنة إذا لم أرضها * أو يرتبط بعض النفوس حمامها على أن أبا عبيدة قال: " بعض " في البيت بمعنى كل، واستدل به لقوله تعالى: (وإن يك صادقا يصبكم بعض الذى يعدكم) ولم يرتضه الزمخشري، قال القاضى: هو مردود، لانه أراد بالبعض نفسه، وقال في الاية: فلا أقل من أن يصيبكم بعضه، وفيه مبالغة في التحذير وإظهار الانتصاف (1) وعدم التعصب، ولذلك قدم كونه كاذبا، أو يصيبكم ما يعدكم من عذاب الدنيا، وهو بعض مواعيده كأنه خوفهم بما هو أظهر احتمالا عندهم، وقال الزمخشري في سورة المائدة عند قوله تعالى (فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم): " يعنى بذنب التولى عن حكم الله وإرادة خلافه، فوضع ببعض ذنوبهم موضع ذلك، وأراد أن لهم ذنوبا جمة كثيرة العدد، وأن هذا الذنب مع عظمة بعظها واحد منها، وهذا الابهام لتظيم التولى، ونحو البعض في هذا الكلام ما في قول لبيد: * أو يرتبط بعض النفوس حمامها * أراد نفسه، وإنما قصد تفخييم شأنها بهذا الامام، كأنه قال: نفسا كبيرة ونفسا أي نفس، فكما أن التنكير يعطى معنى التكبير وهو في معنى البعضية فكذلك إذا صرح بالبعض " انتهى. (4/415)
وكذا قال القاضى والبيت من معلقة لبيد بن ربيعة العامري الصحابي رضى الله عنه، قال الزوزنى في شرحه: " أراد ببعض النفوس هنا نفسه، ومن جعل بعض النفوس
بمعنى كل النفوس فقد أخطأ، لان بعضا لا يفيد العموم والاستيعاب " انتهى.
و " تراك " مبالغة تارك، وأمكنة: جمع مكان، و " إذا " ظرف لتراك لا شرطية - والحمام - بكسر الحاء المهملة - الموت وهو فاعل يرتبط، و " بعض " مفعوله
__________
(1) في نسخة الانصاف (*)
ويرتبط بمعنى يعلق، وأو بمعنى إلا، والفعل بعدها ينتصب بأن، وسكن يرتبط هنا لضرورة الشعر، والمعنى إنى أترك الامكنة إذا رأيت فيها ما أكره، إلا أن يدركنى الموت فيحبسني. (4/416)
قال ابن عصفور في كتاب الضرائر: " ومنه حذفهم الفتحة التى هي علامة الاعراب من آخر الفعل المضارع كقول لبيد: أو يرتبط، ألا ترى أنه أسكن يرتبط وهو في الاصل منصوب لانه بعد أو التى بمعنى " إلا أن " وإذا كانت بمعنى " إلا أن " لم يكن الفعل الواقع بعدها إلا منصوبا باضمار أن وحذفها من آخر الفعل المعتل أحسن، كقوله: أبى الله أن أسمو بأم ولا أب انتهى وهذا مرضى الزوزنى، قال: " معناه إنى تراك أمكنة إذا لم أرضها إلا أن يرتبط نفسه حمامها، فلا يمكنها البراح، هذا أوجه الاقوال وأحسنها، وتحرير المعنى: إنى لاترك الاماكن التى أجتويها وأقليها إلا أن أموت ".
وقال أبو جعفر النحوي في شرحه: " جزم يرتبط عطفا على قوله إذا لم أرضها، وهذا أجود الاقوال، والمعنى على هذا إذا لم أرضها، وإذا لم يرتبط بعض النفوس حمامها، وقيل: إن يرتبط في موضع رفع إلا أنه أسكنه لانه رد الفعل إلى أصله، لان أصل الافعال أن لا تعرب وإنما أعربت للمضارعة، وقيل: يرتبط في موضع
نصب، ومعنى " أو " معنى " إلا أن " أي: إلا أن يرتبط بعض النفوس حمامها، إلا أنه أسكن، لانه رد الفعل أيضا إلى أصله، وإنما اخترنا القول الاول، وهو أن يكون مجزوما، لان أبا العباس قال: لا يجوز للشاعر أن يسكن الفعل المستقبل لانه قد وجب له الاعراب لمضارعته الاسماء وصار الاعراب فيه يفرق بين المعاني " هذا كلامه وعلى مختاره لا ضرورة فيه، إلا أن علة اختياره واهية، لان تسكين المرفوع