صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : شرح الأشمونى على ألفية ابن مالك

وَإنْ خَالَهَا تَخْفَى عَلَى الْنَّاسِ تُعْلَمِ ونحو: {أياماً تدعوا فله الأسماء الحسنى} (الإسراء: 110) وقوله:
1119ــ في أيّ نحوٍ يُمِيْلُوَا دِيْنَهُ يَمِل ونحو قوله:
1120 ـ مَتَى تَأتِهِ تَعْشُو إلَى ضَوْءِ نَارِهِ
تَجِدْ خَيْرَ نَارٍ عِنْدَها خَيْرُ مُوْقِدِ
وقوله:
1121 ـ مَتَى مَا تَلْقَنِي فَرْدَيْن تَرْجُفْ
رَوَانِفُ أَلْيَتَيْكَ وَتُسْتَطَارَا
ونحو قوله:
1122 ـ أيَّانَ نُؤمِنْكَ تَأمَنْ غَيْرَنَا وَإذَا
لَمْ تُدْرِكَ الأمْنَ مِنَّا لَمْ تَزَلْ حَذِرَا
وقوله:
1123ــ فَأيّانَ مَا تَعْدِلْ بِهِ الْرِّيْحْ تَنْزِلِ
ونحو قوله:
1124 ـ أيْنَ تَصْرِفْ بِنَا الْعُدَاةُ تَجِدْنْا
نَصْرِفِ الْعِيْسَ نَحْوَهَا لِلتَّلاَقِي

ونحو قوله تعالى: {أينما تكونوا يدرككم الموت} (النساء: 78) وقوله:
1125 ـ صَعْدَةٌ نَابِتَةٌ فِي حَائِرِ
أيْنَمَا الْرِّيْحُ تُمَيِّلْهَا تَمِلْ
ونحو قوله:
1126 ـ وَإنَّكَ إذْ مَا تَأتِ مَا أنْتَ آمِرٌ
بِهِ تُلْفِ مَنْ إيّاهِ تَأمُرُ آتِيَا
ونحو قوله:
1127 ـ حَيْثُمَا تَسْتَقِمْ يُقَدِّرْ لَكَ اللَّـ
ـهُ نَجَاحاً فِي غَابِرِ الأزْمَانِ
وقوله:
1128 ـ خَلِيْلَيَّ أنَّى تَأتِيَانيَ تَأتِيَا
أخَاً غَيْرَ مَا يُرْضِيْكُمَا لاَ يُحَاوِلُ
---

(1/360)


(وَحَرْفٌ إذْ مَا) أي إذ ما حرف (كَإنْ) معنى وفاقاً لسيبويه، لا ظرف زمان زيد عليها ما كما ذهب إليه المبرد في أحد قوليه، وابن السراج والفارسي (وبَاقِي الأَدَوَاتِ أَسْمَا) أما من وما ومتى وأي وأيان وأين وأنَّى وحيثما: فباتفاق، وأما مهما: فعلى الأصح. وتنقسم هذه الأسماء إلى ظرف وغير ظرف: فغير الظرف من وما ومهما، فمن لتعميم أولى العلم، وما لتعميم ما تدل عليه، وهي موصولة، وكلتاهما مبهمة في أزمان الربط، ومهما بمعنى ما، ولا تخرج عن الاسمية ــ خلافاً لمن زعم أنها تكون حرفاً ــ ولا عن الشرطية ــ خلافاً لمن زعم أنها تكون استفهاماً ــ ولا جر بإضافة ولا بحرف جر بخلاف من وما. وذكر في الكافية والتسهيل أن ما ومهما قد يردان ظرفي زمان. قال في شرح الكافية: جميع النحويين يجعلون ما ومهما مثل من في لزوم التجرد عن الظرفية، مع أن استعمالهما ظرفين ثابت في أشعار الفصحاء من العرب. وأنشد أبياتاً منها ما في قول الفرزدق:
1129 ـ وَمَا تَحْيَ لا أَرْهَبْ وَإنْ كُنْتُ جَارِمَاً
وَلَوْ عَدَّ أعْدَائِي عَلَيَّ لَهُمْ دَخْلاَ
وقول ابن الزبير:
1130 ـ فَمَا تَحْيَ لاَ تُسْأمْ حَيَاةٌ وَإنْ تَمُتْ
فَلاَ خَيْرُ فِي الدُّنْيَا وَلاَ الْعَيْشِ أجْمَعَا
وفي مهما قول حاتم:
1131 ـ وإنك مَهْمَا تُعْطِ بَطْنَكَ سُؤلَهُ
وَفَرْجَكَ نَالاَ مُنْتَهى الْذّمِّ أجْمَعَا
وقول طفيل الغنوي:
نُبِّئتُ أنَّ أبَا شُتَيْمٍ يَدَّعِي
مَهما يَعِشْ يَسْمَعْ بِمَا لَمْ يُسْمَعِ
---

(1/361)


قال ابنه: ولا أرى في هذه الأبيات حجة لأنه يصح تقديرها بالمصدر انتهى. وأصل مهما ماما الأولى شرطية والثانية زائدة، فثقل اجتماعهما، فأبدلت ألف الأولى هاء. هذا مذهب البصريين. ومذهب الكوفيين أصلها مه بمعنى اكفف زيدت عليها ما، فحدث بالتركيب معنى لم يكن. وأجازه سيبويه. وقيل إنها بسيطة. وأما أي فهي عامة في ذوي العلم وغيرهم، وهي بحسب ما تضاف إليه، فإن أضيفت إلى ظرف مكان فهي ظرف مكان، وإن أضيفت إلى ظرف زمان فهي ظرف زمان، وإن أضيفت إلى غيرهما فهي غير ظرف. وأما الظرف فينقسم إلى زماني ومكاني: فالزَّماني متى وأيان ــ وهما لتعميم الأزمنة ــ وكسر همزة أيان لغة سليم. وقرى بها شاذاً. والمكاني: أين وأنَّى وحيثما ــ وهي لتعميم الأمكنة ــ.

تنبيهات: الأولى هذه الأدوات في لحاق ما على ثلاثة أضرب: ضرب لا يجزم إلا مقترناً بها وهو حيث وإذ ــ كما اقتضاه صنيعه ــ وأجاز الفراء الجزم بهما بدون ما. وضرب لا يلحقه ما وهو من وما ومهما وأنَّى، وأجازه الكوفيون في من وأنَّى. وضرب يجوز فيه الأمران، وهو إن وأيّ ومتى وأين وأيان، ومنع بعضهم في أيان، والصحيح الجواز. الثاني ذكر في الكافية والتسهيل: أن إن قد تهمل حملاً على لو كقراءة طلحة: {فإما ترين} (مريم: 26) بياء ساكنة ونون مفتوحة، وأن متى قد تهمل حملاً على إذا، ومثل بالحديث: إن أبا بكر رجل أسيف وأنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس. وفي الارتشاف: ولا تهمل حملاً على إذا خلافاً لمن زعم ذلك يعني متى. الثالث لم يذكر هنا من الجوازم إذا وكيف ولو: أما إذا فالمشهورأنه لا يجزم بها إلا في الشعر، لا في قليل من الكلام ولا في الكلام إذا زيد بعدها ما، خلافاً لزاعم ذلك، وقد صرح بذلك في الكافية فقال:
وشاعَ جزمٌ بإذا حَمْلاً على
متى وذَا في النثر لم يُسْتَعْمَلا
وقال في شرحها: وشاع في الشعر الجزم بإذا حملاً على متى، فمن ذلك إنشاد سيبويه:
---

(1/362)


1132 ـ تَرَفَّعَ لِي خِنْدِفٌ وَاللَّهُ يَرْفَعُ لِي
نَارَاً إذَا خَمَدَتْ نِيْرَانُهُمْ تَقِدِ
وكإنشاد الفراء:
1133 ـ واسْتَغْنَ مَا أغْنَاكَ رَبُّكَ بِالْغِنَى
وَإذَا تُصِبْكَ خَصَاصَةٌ فَتَجَمَّلِ
ولكن ظاهر كلامه في التسهيل جواز ذلك في النثر على قلة، وهو ما صرح به في التوضيح فقال: هو في النثر نادر وفي الشعر كثير، وجعل منه قوله عليه الصَّلاة والسَّلام لعلي وفاطمة رضي ا عنهما: «إذا أخذتما مضاجعكما تُكبرا أربعاً وثلاثين». الحديث. وأما كيف فيجازى بها معنى لا عملاً خلافاً للكوفيين فإنهم أجازوا الجزم بها قياساً مطلقاً ووافقهم قطرب، وقيل يجوز بشرط اقترانها بما، وأما لو فذهب قوم ــ منهم ابن الشجري ــ إلى أنها يجزم بها في الشعر، وعليه مشى المصنف في التوضيح. وورد ذلك في الكافية فقال:
وجَوَّزَ الجزْمَ بِهَا في الشِّعرِ
ذُو حُجَّةٍ ضَعَّفَها مَنْ يَدْرِي
وتأول في شرحها قوله:
1134 ـ لَوْ يَشَأْ طَارَ بِهِ ذُوْ مَيْعَةٍ
وقوله:
1135 ـ تَامَتْ فُؤادَكَ لَوْ يُحْزِنْكَ مَا صَنَعَتْ

إحْدَى نِسَاء بَنِي ذُهْلِ ابن شَيْبَانَا
---

(1/363)


ووقع له في التسهيل كلامان: أحدهما يقتضي المنع مطلقاً. والثاني ظاهره موافقة ابن الشجري (فِعْلَيْنِ يَقْتَضِيْنَ) أي تطلب هذه الأدوات فعلين(شَرْطٌ قُدِّمَا يَتْلُو الْجَزَاءَ) أي يتبعه الجزاء (وَجَوَابَاً وُسِما) أي علم. يعني يسمى الجزاء جواباً أيضاً. وإنما قال فعلين ولم يقل جملتين للتنبيه على أن حق الشرط والجزاء أن يكونا فعلين، وإن كان ذلك لا يلزم في الجزاء. وأفهم قوله يتلو الجزاء أنه لا يتقدم، وإن تقدم على أداة الشرط شبيه بالجواب فهو دليل عليه وليس إياه. هذا مذهب جمهور البصريين. وذهب الكوفيون والمبرد وأبو زيد إلى أنه الجواب نفسه. والصحيح الأول. قوله وأفهم يقتضين: أن أداة الشرط هي الجازمة للشرط والجزاء معاً لاقتضائها لهما: أما الشرط فنقل الاتفاق على أن الأداة جازمة له، وأما الجزاء ففيه أقوال: قيل هي الجازمة له أيضاً كما اقتضاه كلامه، قيل وهو مذهب المحققين من البصريين، وعزاه السيرافي إلى سيبويه. وقيل الجزم بفعل الشرط، وهو مذهب الأخفش واختاره في التسهيل. وقيل بالأداة والفعل معاً ونسب إلى سيبويه والخليل. وقيل بالجوار، وهو مذهب الكوفيين (وَمَاضِيَيْنِ أوْ مُضَارِعَيْنِ تُلْفِهِمَا) أي تجدهما (أوْ مُتَخَالِفيْنِ) هذا ماض وهذا مضارع: فمثال كونهما مضارعين وهو الأصل نحو: {وإن تعودوا نعد} (الأنفال: 19)، وماضيين نحو: {وإن عدتم عدنا} (الإسراء: 8)، وماضياً فمضارعاً نحو: {من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه} (الشورى: 20)، وعكسه قليل،وخصه الجمهور بالضرورة، ومذهب الفراء والمصنف جوازه في الاختيار، وهو الصحيح لما رواه البخاري من قوله عليه الصَّلاة والسَّلام: «من يقم ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له». ومن قول عائشة رضي ا عنها: إن أبا بكر رجل أسيف متى يقم مقامك رقّ. ومنه: «إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت» لأن تابع الجواب جواب. وقوله:
1136 ـ مَنْ يَكِدْني بسَيِّء كُنْتَ مِنْهُ
---

(1/364)


كَالْشَّجَا بَيْنَ حَلْقِهِ وَالْوَرِيْدِ
وقوله:
1137 ـ إنْ تَصْرِمُوْنَا وَصَلْنَاكُمُ وَإنْ تَصِلْوَا
مَلأتُمُ أَنْفُسَ الأعْدَاءِ إرْهَابَا
وقوله:
1138 ـ إنْ يَسْمَعُوَا سُبَّةً طَارُوَا بِهَا فَرَحَاً
مِنِّي وَمَا يَسْمَعُوَا مِنْ صَالِحٍ دَفَنُوا

وأورد له الناظم في توضيحه عشرة شواهد شعرية (وَبَعْدَ مَاضٍ رَفْعُكَ الْجَزَا حَسَنْ) كقوله:
1139 ـ وَإنْ أَتَاهُ خَلِيْلٌ يَوْمَ مَسْغَبَةٍ
يَقُوْلُ لاَ غَائِبٌ مَا لِي وَلاَ حَرِمُ
وقوله:
1140 ـ وَلاَ بِالَّذِي إنْ بَانَ عَنْهُ حَبِيْبُهُ
يَقُوْلُ وَيُخْفِي الْصَّبْرَانِي لَجَازِعُ
ورفعه عند سيبويه على تقدير تقديمه، وكون الجواب محذوفاً. وذهب الكوفيون والمبرد إلى أنه على تقدير الفاء وذهب قوم إلى أنه ليس على التقديم والتأخير ولا على حذف الفاء، بل لما لم يظهر لأداة الشرط تأثير في فعل الشرط لكونه ماضياً ضعفت عن العمل في الجواب.
تنبيهان: الأول مثل الماضي في ذلك المضارع المنفي بلم. تقول إن لم تقم أقوم وقد يشمله كلامه. الثاني ذهب بعض المتأخرين إلى أن الرفع أحسن من الجزم، والصواب عكسه كما أشعر به كلامه. وقال في شرح الكافية الجزم مختار، والرفع جائز كثير (وَرَفْعُهُ) أي رفع الجزاء (بَعْدَ مُضَارِعٍ وَهَنْ) أي ضعيف. من ذلك قوله:
1141 ـ يَا أقْرَعَ بنَ حَابِسٍ يَا أقْرَعُ
إنَّكَ إنْ يُصْرَعْ أخُوْكُ تُصْرَعُ وقوله:
1142 ـ فَقُلْتُ تَحمَّلْ فَوْقَ طَوْقِكَ إنَّهَا
---

(1/365)


مُطَبَّعَةٌ مَنْ يَأتِهَا لاَ يَضِيْرُهَا وقراءة طلحة بن سليمان: {أينما تكونوا يدركُكُم الموت} (النساء: 78)، وقد أشعر كلامه بأنه لا يختص بالضرورة، وهو مقتضى كلامه أيضاً في شرح الكافية وفي بعض نسخ التسهيل، وصرح في بعضها بأنه ضرورة، وهو ظاهر كلام سيبويه، فإنه قال: وقد جاء في الشعر. وقد عرفت أن قوله بعد مضارع ليس على إطلاقه، بل محله في غير المنفي بلم كما سبق.
تنبيهات: الأول اختلف في تخريج الرفع بعد المضارع: فذهب المبرد إلى أنه على حذف الفاء مطلقاً، وفصل سيبويه بين أن يكون قبله ما يمكن أن يطلبه نحو إنك في البيت، فالأولى أن يكون على التقديم والتأخير، وبين أن لايكون: فالأولى أن يكون على حذف الفاء ــ وجوز العكس ــ وقيل إن كانت الأداة اسم شرط فعلى إضمار الفاء، وإلا فعلى التقديم والتأخير. الثاني قال ابن الأنباري: يحسن الرفع هنا إذا تقدم ما يطلب الجزاء قبل إن كقولهم: طعامك إن تزرنا نأكل، تقديره طعامك نأكل إن تزرنا. الثالث ظاهر كلامه موافقة المبرد لتسميته المرفوع جزاء، ويحتمل أن يكون سماه جزاء باعتبار الأصل وهو الجزم وإن لم يكن جزاء إذا رفع (وَاقْرُنِ بِفَا حَتماً) أي وجوباً (جَوَابَاً لَوْ جُعِلْ شَرْطَاً لإنْ أوْ غيرهَا) من أدوات الشرط (لَمْ يَنْجَعِلْ)وذلك الجملة الاسمية نحو: {وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير} (الأنعام: 17)، والطلبية نحو: {إن كنتم تحبون ا فاتبعوني يحببكم ا} (آل عمران: 31)، ونحو: {ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلماً ولا هضماً} (طه: 112) في رواية ابن كثير ــ وقد اجتمعا في قوله تعالى: {وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده} (آل عمران: 16)، والتي فعلها جامد نحو: {إن ترني أنا أقل منك مالاً وولداً فعسى ربي} (الكهف: 39)، أو مقرون بقد نحو: {إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل} (يوسف: 77)، أو تنفيس نحو: {وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم ا} (التوبة: 28) أو لن نحو: {وما يفعلوا

(1/366)


---
من خير فلن يكفروه} (آل عمران: 115)، أو ما نحو: {فإن توليتم فما سألتكم من أجر} (يونس: 72). وقد تحذف للضرورة كقوله:

1143 ـ مَنْ يَفْعَلِ الْحَسَنَاتِ اللَّهُ يَشْكُرُهَا
وقوله:
1144 ـ وَمَنْ لاَ يَزَلْ يَنْقَادُ لِلْغيِّ وَالْصِّبَا
سَيُلْغَى عَلَى طُوْلِ الْسَّلاَمَةِ نَادِمَا
قال الشارح: أو ندور، ومثل للندور بما أخرجه البخاري من قوله لأبيّ بن كعب: «فإن جاء صاحبها وإلا استمتع بها». وعن المبرد إجازة حذفها في الاختيار. وقد جاء حذفها وحذف المبتدأ في قوله:
1145 ـ بَنِي ثُعَلٍ مَنْ يَنْكَعِ الْعَنْزَ ظَالِمُ
وإنما وجب قرن الجواب بالفاء فيما لا يصلح شرطاً ليعلم الارتباط، فإن ما لا يصح للارتباط مع الاتصال أحق بأن لا يصلح مع الانفصال، فإذا قرن بالفاء علم الارتباط. أما إذا كان الجواب صالحاً لجعله شرطاً كما هو الأصل لم يحتج إلى فاء يقترن بها، وذلك إذا كان ماضياً متصرفاً مجرداً من قد وغيرها، أو مضارعاً مجرداً أو منفياً بلا أو لم. قال الشارح: ويجوز اقترانه بها، فإن كان مضارعاً رفع وذلك نحو قوله تعالى: {إن كان قميصه قدّ من قبل فصدقت} (يوسف: 26)، وقوله: {ومن جاء بالسيئة فكبت} (النمل: 90) وقوله: {فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخساً ولا رهقاً} (الجن: 13)، هذا كلامه. وهو معترض من ثلاثة أوجه: الأول أن قوله ويجوز اقترانه بها يقتضي ظاهره أن الفعل هو الجواب مع اقترانه بالفاء والتحقيق حينئذٍ أن الفعل خبر مبتدأ محذوف، والجواب جملة اسمية.
---

(1/367)


قال في شرح الكافية: فإن اقترن بها فعلى خلاف الأصل، وينبغي أن يكون الفعل خبر مبتدأ، ولولا ذلك لحكم بزيادة الفاء، وجزم الفعل إن كان مضارعاً لأن الفاء على ذلك التقدير زائدة في تقدير السقوط، لكن العرب التزمت رفع المضارع بعدها فعلم أنها غير زائدة وأنها داخلة على مبتدأ مقدر كما تدخل على مبتدأ مصرّح به. الثاني ظاهر كلامهجواز اقتران الماضي بالفاء مطلقاً، وليس كذلك، بل الماضي المتصرف المجرد على ثلاثة أضرب: ضرب لا يجوز اقترانه بالفاء، وهو ما كان مستقبلاً معنى ولم يقصد به وعد أو وعيد، نحو إن قام زيد قام عمرو. وضرب يجب اقترانه بالفاء وهو ما كان ماضياً لفظاً ومعنى نحو: {إن كان قميصه قدّ من قبل فصدقت} (يوسف: 26)، وقد معه مقدرة. وضرب يجوز اقترانه بالفاء وهو ما كان مستقبلاً معنى وقصد به وعد أو وعيد، نحو: {ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار} (النمل: 90). قال في شرح الكافية لأنه إذا كان وعداً أو وعيداً حسن أن يقدر ماضي المعنى فعومل معاملة الماضي حقيقة، وقد نص على هذا التفصيل في شرح الكافية. الثالث أنه مثل ما يجوز اقترانه بالفاء بقوله تعالى: {فصدقت} (يوسف: 26) وليس كذلك بل هو مثال الواجب كما مر.
---

(1/368)


تنبيه: هذه الفاء فاء السبب الكائنة في نحو يقوم زيد فيقوم عمرو، وتعينت هنا للربط لا للتشريك. وزعم بعضهم أنها عاطفة جملة على جملة فلم تخرج عن العطف وهو بعيد (وَتَخْلُفُ الْفَاءَ إذَا الْمُفَاجَأة) في الربط إذا كان الجواب جملة اسمية غير طلبية لم يدخل عليها أداة نفي ولم يدخل عليها إن (كإن تَجُدْ إذَا لَنَا مُكافأة) {وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون} (الروم: 36) لأنها مثلها في عدم الابتداء بها، فوجودها يحصل ما تحصل الفاء من بيان الارتباط. فأما نحو إن عصى زيد فويل له، ونحو إن قام زيد فما عمرو قائم، ونحو إن قام زيد فإن عمراً قائم، فيتعين فيها الفاء، وقد أفهم كلامه أن الربط بإذا نفسها لا بالفاء مقدّرة قبلها خلافاً لمن زعمه، وأنها ليست أصلاً في ذلك بل واقعة موقع الفاء، وأنه لا يجوز الجمع بينهما في الجواب.
تنبيهان: الأول أعطى القيود المشروطة في الجملة بالمثال، لكنه لا يعطي اشتراطها، فكان ينبغي أن يبينه. الثاني ظاهر كلامه أن إذا يربط بها بعد إن وغيرها من أدوات الشرط، وفي بعض نسخ التسهيل: وقد تنوب بعد إن إذا المفاجأة عن الفاء فخصه بأن وهو ما يؤذن به تمثيله. قال أبو حيان: ومورد السماع إن، وقد جاءت بعد إذا الشرطية نحو: {فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون} (الروم: 48)، (وَالْفِعْلُ مِنْ بَعْدِ الْجَزَا) وهو أن تأخذ أداة الشرط جوابها (إنْ يَقْتَرِنْ بِالْفَا أَوِ الْوَاوِ بِتَثْلِيْثٍ قَمِنْ) أي حقيق: فالجزم بالعطف والرفع على الاستئناف، والنصب بأن مضمرة وجوباً وهو قليل. قرأ عاصم وابن عامر: {يحاسبكم به ا فيغفر} (البقرة: 284) بالرفع، وباقيهم بالجزم، وابن عباس بالنصب. وقرىء بهن: {من يضلل ا فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم} (الاعراف: 186)، {وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ونكفر} (البقرة: 271). وقد روى بهن نأخذ من قوله:
1146 ـ فَإنْ يَهْلِكْ أبُوْ قَابُوْسَ يَهْلِكْ

(1/369)


---
رَبِيْعُ الناس وَالْبَلَدُ الْحَرَامُ
وَنَأخُذْ بَعْدَهُ بِذَنابِ عَيشٍ
أجبِّ الْظهرِ ليس له سَنامُ
وإنما جاز النصب بعد الجزاء لأن مضمونه لم يتحقق وقوعه، فأشبه الواقع بعده الواقع بعد الاستفهام. أما إذا كان اقتران الفعل بعد الجزاء بثم فإنه يمتنع النصب ويجوز الجزم والرفع، فإن توسط المضارع المقرون بالفاء أو الواو بين جملة الشرط وجملة الجزاء فالوجه جزمه، ويجوز النصب. وإلى ذلك الإشارة بقوله) (وَجَزْمٌ أوْ نَصْبٌ لِفِعْلٍ إثْرَ فَا أوْ وَاوٍ إنْ بالجُمْلَتَين اكْتُنِفَا) فالجزم نحو: {إنه من يتق ويصبر فإن ا لا يضيع أجر المحسنين} (يوسف: 90) وهو الأشهر. ومن شواهد النصب قوله:

1147 ـ وَمَنْ يَقْتَرِبُ مِنَّا وَيَخْضَعَ نُؤوِهِ
ولا يجوز الرفع لأنه لا يصح الاستئناف قبل الجزاء. وألحق الكوفيون ثم بالفاء والواو فأجازوا النصب بعدها، واستدلوا بقراءة الحسن: {ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى ا ورسوله ثم يدركه الموت} (النساء: 100). وزاد بعضهم أو (وَالْشَّرْطُ عَنْ جَوَابٍ قَدْ عُلِمْ) أي بقرينة، نحو: {فإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض} (الأنعام: 35) الآية. أي فافعل. وهذا كثير. ويجب ذلك إن كان الدال عليه ما تقدم مما هو جواب في المعنى نحو: {وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين} (آل عمران: 139)، أو ما تأخر من جواب قسم سابق عليه كما سيأتي (وَالْعَكْسُ) وهو أن يغني الجواب عن الشرط (قَدْ يَأتي) قليلاً (إن المَعْنَى فُهِمْ) أي دلّ الدليل على المحذوف كقوله:
1148 ـ فَطَلِّقَهَا فَلَسْتَ لَهَا بِكُفْء
وَإلاَّ يَعْلُ مَفَرِقَكَ الْحُسَامُ
أي وإلا تطلقها يعل. وقوله:
1149 ـ مَتى تُؤخَذُوَا قَسْرَاً بِظِنَّةِ عَامِرٍ
وَلاَ يَنْجُ إلاَّ في الْصِّفَادِ يَزِيْدُ أراد متى تثقفوا تؤخذوا.
---

(1/370)


تنبيهات: الأول أشار بقد إلى أن حذف الشرط أقل من حذف الجواب كما نص عليه في شرح الكافية، لكنه في بعض نسخ التسهيل سوَّى في الكثرة بين حذف الجواب وحذف الشرط المنفي بلا تالية إن كما في البيت الأول، وهو واضح، فليكن مراده هنا أنه أقل منه في الجملة. الثاني قال في التسهيل: ويحذفان بعد إن في الضرورة يعني الشرط والجزاء كقوله:
1150 ـ قَالَتْ بَنَاتُ الْعَمِّ يَا سَلْمَى وإنِنْ
كَانَ فَقِيْرَاً مُعْدِمَاً قَالَتْ وانِنْ
التقدير: وإن كان فقيراً معدماً رضيته. وكلامه في شرح الكافية يؤذن بجوازه في الاختيار على قلة. وكذا كلام الشارح. ولا يجوز ذلك أعني حذف الجزءين معاً مع غير إن. الثالث إنما يكون حذف الشرط قليلاًإذا حذف وحده كله، فإن حذف مع الأداة فهو كثير: من ذلك قوله تعالى: {فلم تقتلوهم} (الأنفال: 17)، تقديره إن افتخرتُمْ بقتلهم فلم تقتلوهم أنتم ولكن ا قتلهم. وقوله تعالى: {فا هو الولي} (الشورى: 9)، تقديره إن أرادوا ولياً بحق فا هو الولي بالحق ولا وليَّ سواه. وقوله تعالى: {يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون} (العنكبوت: 56)، أصله فإن لم يتأت أن تخلصوا العبادة لي في أرض فإياي في غيرها فاعبدون وكذا إن حذف بعض الشرط نحو: {وإن أحد من المشركين استجارك} (التوبة: 6). ونحو إن خيراً فخير (وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطِ) غير امتناعي (وَقَسَمْ جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ) أي منهما استغناء بجواب المتقدم (فَهْوَ) أي الحذف (مُلْتَزَمْ) فجواب القسم يكون مؤكداً باللامأو إن أو منفياً. وجواب الشرط مقرون بالفاء أو مجزوم: فمثال تقدُّم الشرط إن قام زيد وا أكرمه، وإن يقم وا فلن أقوم. ومثال تقدَّم القسم وا إن قام زيد لأقومنَّ، وا إن لم يقم زيد إن عمراً ليقوم، أو يقوم. وا إن لم يقم زيد ما يقوم عمرو. وأما الشرط الامتناعي نحو لو ولولا فإنه يتعين الاستغناء بجوابه تقدم القسم أو تأخر كقوله:
---

(1/371)


1151 ـ فَأُقْسِمُ لَوْ أنْدَى الْنَّدِيُّ سَوَادَهُ
لَمَّا مَسَحَتْ تِلْكَ الْمُسَالاَتِ عَامِرُ
وكقوله:
1152 ـ وَاللَّهِ لَوْلاَ اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا
نص على ذلك في الكافية والتسهيل وهو الصحيح. وذهب ابن عصفور إلى أن الجواب في ذلك للقسم لتقدمه ولزوم كونه ماضياً لأنه مغن عن جواب لو ولولا، وجوابهما لا يكون إلا ماضياً. وقوله في باب القسم في التسهيل: وتصدر ــ يعني جملة الجواب في الشرط الامتناعي ــ بلو أو لولا، يقتضي أن لو ولولا وما دخلتا عليه جواب القسم. وكلامه في الفصل الأول من باب عوامل الجزم يقتضي أن جواب القسم محذوف استغناء بجواب لو ولولا، والعذر له في عدم التنبيه هنا على لو ولولا أن الباب موضوع للشرط غير الامتناعي، المغاربة لا يسمون لولا شرطاً ولا لو إلا إذا كانت بمعنى إن، وهذا الذي ذكره إذا لم يتقدم على الشرط غير الامتناعي والقسم ذو خبر، فإن تقدَّم جعل الجواب للشرط مطلقاً وحذف جواب القسم تقدَّم أو تأخر، كما أشار إلى ذلك بقوله (وَإنْ تَوَالَيَا وَقَبْلٌ ذُو خَبَرْ فَالْشَّرْطَ رَجِّحْ مُطْلَقَاً بِلاَ حَذَرْ) وذلك نحو زيد إن يقم وا يكرمك، وزيد وا إن يقم يكرمك، وإن زيداً إن يقم وا يكرمك، وإن زيداً وا إن يقم يكرمك. وإنما جعل الجواب للشرط مع تقدم ذي خبر لأن سقوطه مخل بمعنى الجملة التي هو منها، بخلاف القسم فإنه مسوق لمجرد التوكيد. والمراد بذي الخبر ما يطلب خبراً من مبتدأ أو اسم كان ونحوه. وأفهم قوله رجح أنه يجوز الاستغناء بجواب القسم: فتقول زيد وا إن قام أو إن لم يقم لأكرمنه، وهو ما ذكره ابن عصفور وغيره، لكن نص في الكافية والتسهيل على أن ذلك على سبيل التحتم، وليس في كلام سيبويه ما يدل على التحتم (وَرُبَّمَا رُجِّحَ بَعْدَ قَسَمِ شَرْطٌ بِلاَ ذِي خَبَرٍ مُقَدَّمِ) كما ذهب الفراء تمسكاً بقوله:
1153 ـ لَئِنْ مُنِيْتَ بِنَا عَنْ غِبِّ مَعْرَكَةٍ
---

(1/372)


لاَ تُلْفِنَا عَنْ دِمَاءِ الْقَوْمِ تَنْتَفِلُ
وقوله:
1154 ـ لَئِنْ كَانَ مَا حُدِّثْتَهُ الْيَوْمَ صَادِقَاً
أَصُمْ فِي نَهَارِ الْقَيْظِ لِلْشَّمْسِ بَادِيَا
ومنع الجمهور ذلك، وتأولوا ما ورد على جعل اللام زائدة.
تنبيهات: الأول كل موضع استغنى فيه عن جواب الشرط لا يكون فعل الشرط فيه إلا ماضي اللفظ أو مضارعاً مجزوماً بلم نحو: {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن ا} (الزخرف: 87). ونحو: {لئن لم تنته لأرجمنك} (مريم: 46) ولا يجوز أنت ظالم إن تفعل، ولا وا إن تقم لأقومن، وأما قوله:

1155 ـ وَلَدَيْكَ إنْ هُوَ يَسْتَزِدْكَ مَزِيْدُ
وقوله:
1156 ـ لَئِنْ تَكُ قَدْ ضَاقَتْ عَليْكُم بِيُوْتُكُمْ
لَيَعْلَمُ رَبِي أنَّ بَيْتِيَ وَاسِعُ
فضرورة. وأجاز ذلك الكوفيون إلا الفراء. الثاني إذا تأخر القسم وقرن بالفاء وجب جعل الجواب له، والجملة القسمية حينئذٍ هي الجواب. وأجاز ابن السراج أن تنوى الفاء فيعطي القسم المتأخر مع نيتها ما أعطيه مع اللفظ بها، فأجاز إن تقم بعلم ا لأزورنك على تقدير فبعلم ا، ولم يذكر شاهداً. وينبغي أن لا يجوز ذلك لأن حذف فاء جواب الشرط لا يجوز عند الجمهور إلا في الضرورة. الثالث لم ينبه هنا على اجتماع الشرطين فنذكره مختصراً:إذا توالى شرطان دون عطف فالجواب لأولهما، والثاني مقيد للأول كتقييده بحال واقعة موقعه كقوله:
1157 ـ إنْ تَسْتَغِثُوا بِنَا إنْ تُذْعَرُوَا تَجِدُوا
مِنَّا مَعَاقِلَ عِزَ زَانَهَا كَرَمُ
---

(1/373)


وإن تواليا بعطف فالجواب لهما معاً كذا قاله المصنف في شرح الكافية، ومثل له بقوله تعالى: {وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم} (محمد: 36)، الآية. وقال غيره: إن توالي الشرطان بعطف بالواو فالجواب لهما نحو: إن تأتني وإن تحسن إليّ أحسن إليك، أو بأو فالجواب لأحدهما نحو إن جاء زيد أو إن جاءت هند فأكرمه أو فأكرمها، أو بالفاء فنصبوا على أن الجواب للثاني، والثاني وجواب جواب الأول، وعلى هذا فإطلاق المصنف محمول على العطف بالواو.

فصل لو

اعلم أن لو تأتي على خمسة أقسام: الأول أن تكون للعرض، نحو لو تنزل عندنا فتصيب خيراً، ذكره في التسهيل. الثاني أن تكون للتقليل، نحو: تصدقوا ولو بظلفٍ محرَق. ذكره ابن هشام اللخمي وغيره. الثالث أن تكون للتمني، نحو لو تأتينا فتحدثنا. قيل ومنه: {لو أن لنا كرَّة} (البقرة: 167) ولهذا نصب فنكون في جوابها. واختلف في لو هذه فقال ابن الصائغ وابن هشام الخضراوي: هي قسم برأسها لا تحتاج إلى جواب كجواب الشرط، ولكن قد يؤتى لها بجواب منصوب كجواب ليت. وقال بعضهم: هي لو الشرطية أشربت معنى التمني بدليل أنهم جمعوا لها بين جوابين: جواب منصوب بعد الفاء، وجواب باللام كقوله:
1158 ـ فَلَوْ نُبِشَ الْمَقَابِرُ عَنْ كُلَيْبٍ
فَيُخْبَرَ بِالْذَّنَائِبِ أيُّ زِيْرِ
بيوم الشَّعْثَمَيْنِ لَقَرَّ عَيْنَاً
وَكَيْفَ لِقَاءُ مَنْ تَحْتَ الْقُبُوْرِ
---

(1/374)


وقال المصنف: هي لو المصدرية أغنت عن فعل التمني، وذلك أنه أورد قول الزمخشري: وقد تجيء لو في معنى التمني نحو لو تأتيني فتحدثني، فقال: إن أراد أن الأصل وددت لو تأتيني فتحدثني ــ فحذف فعل التمني لدلالة لو عليه فأشبهت ليت في الأشعار بمعنى التمني فكان لها جواب كجوابها ــ فصحيح، أو أنها حرف وضع للتمني كليت فممنوع لاستلزامه منع الجمع بينها وبين فعل التمني كما لايجمع بينه وبين ليت. وقال في التسهيل بعد ذكره المصدرية:وتغني عن التمني فينصب بعدها الفعل مقروناً بالفاء. وقال في شرحه: أشرت إلى نحو قول الشاعر:
1159 ـ سَرَيْنَا إلَيهُم فِي جُمُوْعٍ كَأنَّهَا
جِبَالُ شَرُوْرَى لَوْ تُعَانُ فَتَنْهُدَا
قال فلك في تنهداً أن تقول نصب لأنه جواب تمن إنشائي كجواب ليت لأن الأصل وددنا لو تعان، فحذف فعل التمني لدلالة لو عليه فأشبهت ليت في الإشعار بمعنى التمني دون لفظه، فكان لها جواب كجواب ليت، وهذا عندي هو المختار. ولك أن تقول ليس هذا من باب الجواب بالفاء بل من باب العطف على المصدر، لأن لو والفعل في تأويل مصدر. هذا كلامه. ونص على أن لو في قوله تعالى: {لَوْ أنَّ لَنَا كَرَّة} (البقرة: 167)، مصدرية. واعتذر عن الجمع بينها وبين أن المصدرية بوجهين: أحدهما أن التقدير لو ثبت أن، والآخر أن تكون من باب التوكيد. الرابع أن تكون مصدرية بمنزلة أن إلا أنها لا تنصب، وأكثر وقوع هذه بعد ودّ أو يود، نحو: {ودّوا لو تُدْهِنُ فيدهنون} (القلم: 9)، {يَوَدُّ أحدهُمْ لَوْ يُعمر} (البقرة: 96)، ومن وقوعها بدونهما قول قُتيلة:

1160 ـ مَا كَانَ ضرَّكَ لَوْ منَنْتَ وَرُبَّمَا
منَّ الْفَتَى وَهْوَ الْمَغِيْظُ المُحْنَقُ
وقول الأعشى:
1161 ـ وَرُبَّمَا فَاتَ قَوْمَاً جُلُّ أمْرِهِمُ
مِنَ التَّأنِّي وَكَانَ الْحَزَمُ لَوْ عَجِلُوا
---

(1/375)


وأكثرهم لم يثبت ورود لو مصدرية. وممن ذكرها الفراء وأبو علي، ومن المتأخرين التبريزي أبو البقاء وتبعهم المصنف، وعلامتها أن يصلح في موضعها أن. ويشهد للمثبتين قراءة بعضهم: {وَدُّوا لو تُدْهن فيدهنوا} (القلم: 9) بحذف النون، فعطف يدهنوا بالنصب على تدهن لما كان معناه أن تدهن. ويشكل عليهم دخولها على أن في نحو: {وما عمِلت من سوءٍ تَوَدُّ لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً} (آل عمران: 30)، وجوابه أن لو إنما دخلت على فعل محذوف مقدر بعدها تقديره تود لو ثبت أن بينها وبينه، كما أجاب به المصنف في: {لو أنَّ كَرَّة} (البقرة: 167)، على رأيه كما سبق. وأما جوابه الثاني وهو أن يكون من باب توكيد اللفظ بمرادفه على حد: {فجاجاً سبلاً} (الأنبياء: 31)، ففيه نظر، لأن توكيد المصدر قبل مجيء صلته شاذّ كقراءة زيد بن علي: {والذين مَن قبلهم} (الانفال: 52 وغيرها)، بفتح الميم. الخامس أن تكون شرطية وهي المراد بهذا الفصل، وهي على قسمين: امتناعية، وهي للتعليق في الماضي، وبمعنى إن وهي للتعليق في المستقبل، فأشار إلى القسم الأول بقوله: (لَوْ حَرْفُ شَرْطٍ في مُضِيّ) يعني أن لو حرف يدل على تعليق فعل بفعل فيما مضى، فيلزم من تقدير حصول شرطها حصول جوابها، ويلزم كون شرطها محكوماً بامتناعه، إذ لو قدر حصوله لكان الجواب كذلك. ولم تكن للتعليق في الماضي بل للإيجاب فتخرج عن معناها، وأما جوابها فلا يلزم كونه ممتنعاً على كل تقدير لأنه قد يكون ثابتاً مع امتناع الشرط، نعم الأكثر كونه ممتنعاً. وحاصله أنها تقتضي امتناع شرطها دائماً، ثم إن لم يكن لجوابها سبب غيره لزم امتناعه، نحو: {ولو شِئنا لرَفعنا بها} (الأعراف: 176)، وكقولك: لو كانت الشمس طالعة لكان النهار موجوداً، وإلا لم يلزم نحو لو كانت الشمس طالعة لكان الضوء موجوداً، ومنه: نعم المرء صهيب لو لم يخفف ا لم يعصه فقد بان لك أن قولهم لو حرف امتناع لامتناع فاسد لاقتضائه كون الجواب
---

(1/376)


ممتنعاً في كل موضع وليس كذلك، ولهذا قال في شرح الكافية: العبارة الجيدة في لو أن يقال حرف يدل على امتناع تال يلزم لثبوته ثبوت تاليه، فقيام زيد من قولك لو قام زيد لقام عمرو محكوم بانتفائه فيما مضى وكونه مستلزماً ثبوته لثبوت قيام عمرو؛ وهل لعمرو قيام آخر غير اللازم عن قيام زيد أو ليس له لا يتعرض لذلك، بل الأكثر كون الأول والثاني غير واقعين انتهى. وعبارة سيبويه حرف لما كان سيقع لوقوع غيره،وهي إنما تدل على الامتناع الناشىء عن فقد السبب لا على مطلق الامتناع، على أنه مراد العبارة الأولى: أي أن جواب لو ممتنع لامتناع سببه وقد يكون ثابتاً لثبوت سبب غيره. وأشار إلى القسم الثاني بقوله: (وَيَقِلْ إيلاؤهُ مُسْتَقبَلاً لكِن قُبِلْ) أي يقل إيلاء لو فعلاً مستقبل المعنى، وما كان من حقها أن يليها، لكن ورد السماع به فوجب قبوله، وهي حينئذٍ بمعنى إن كما تقدم، إلا أنها لا تجزم. من ذلك قوله:

1162 ـ وَلَوْ تَلْتَقِي أصْدَاؤُنَا بَعْدَ موْتِنَا
وَمِنْ دُوْنِ رَمْسَيْنَا مِنْ الأرْضِ سَبْسَبُ
لظلَّ صدى صوتي وإنْ كُنتُ رِمَّةً
لِصوتِ صَدى لَيْلَى يَهِشُّ وَيَطْرَبُ
وقوله:
1163 ـ لاَ يُلْفِكَ الْرَّاجُوْكَ إلاَّ مُظْهِرَاً
خُلُقَ الْكِرَامِ وَلَوْ تَكُوْنُ عَدِيْمَاً
وإذا وليها حينئذٍ ماض أوّل بالمستقبل، نحو: {وليخش الذين لو تركوا} (النساء: 9)، الآية. وقوله:
1164 ـ وَلَوْ أَنَّ لَيْلَى الأخْيَلِيَّةَ سَلَّمَتْ
عَلَيَّ وَدُوْنِي جَنْدَلٌ وَصَفَائِحُ
وإن تلاها مضارع تخلص للاستقبال، كما أن إن الشرطية كذلك. وأنكر ابن الحاج في نقده على المقرّب مجيء لو للتعليق في المستقبل، وكذلك أنكره الشارح وتأول ما احتجوا به من نحو: {ولْيَخْشَ الذين لو تركوا} (النساء: 9)، الآية. وقوله:
وَلَوْ أنَّ ليلى الأخيلية سلَّمت
---

(1/377)


وقال لا حجة فيه لصحة حمله على المضي. وما قاله لا يمكن في جميع المواضع المحتج بها. فما لا يمكن ذلك فيه وصرح كثير من النحويين بأن لو فيه بمعنى إن قوله تعالى: {وما أنت بمؤمنٍ لنا ولو كُنَّا صادقين} (يوسف: 17)، {ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون} (التوبة: 33)، {قُل لا يَستوي الخبيثُ والطيِّبُ ولو أَعجبَك كَثرةُ الخبيثِ} (المائدة: 100)، {ولو أعجبتكم} (البقرة: 221)، {ولو أعجبَكم} (البقرة: 221)، {ولو أعكبَك حُسنهنَّ} (الأحزاب: 52). ونحو: أعطوا السائل ولو جاء على فرس. وقوله:
1165 ـ قومٌ إذَا حَارَبُوا شَدُّوَا مَآزِرَهُمْ
دُوْنَ الْنِّسَاءِ وَلَوْ بَاتَتْ بِأطْهَارِ
(وَهْيَ في الاختِصَاص بالفعلِ كإنْ) أي لو مثل إن الشرطية في أنها لا يليها إلا فعل أو معمول فعل مضمر يفسره فعل ظاهر بعد الاسم، كقول عمر رضي ا عنه:لو غيرك قالها يا أبا عبيدة. وقال ابن عصفور: لا يليها فعل مضمر إلا في ضرورة كقوله:
1166 ـ أَخلاّيَ لَوْ غيرُ الْحِمَامِ أصَابَكُمْ
عَتَبْتُ وَلَكِنْ مَا عَلَى الْدّهْرِ مَعْتَبُ أو نادر كلام كقول حاتم: لو ذات سوار لطمتني. والظاهر أنَّ ذلك لا يختص بالضرورة والنادر، بل يكون في فصيح الكلام كقوله تعالى: {لَوْ أنتم تملكون خزائن رحمة رَبِّي} (الإسراء: 100)، حذف الفعل فانفصل الضمير. وأما قوله:

1167 ـ لَوْ بِغَيرِ الْمَاءِ حَلْقِي شرِقٌ
---

(1/378)


كُنْتُ كَالْغَصَّانِ بِالْمَاءِ اعْتِصَارِي فقيل على ظاهره، وأن الجملة الاسمية وليتها شذوذاً. وقال ابن خروف: هو على إضمار كان الشانية: وقال الفارسي: هو من الأول، والأصل لو شرق حلقي هو شرق، فحذف الفعل أولاً والمبتدأ آخراً، ثم نبه على ما تفارق فيه لو إن الشرطيةفقال: (لَكنَّ لَوْ أنَّ بِهَا قَدْ تَقْترِنْ) أي تخص لو بمباشرة أن نحو: {ولو أنهم آمنوا} (البقرة: 103) {ولو أنهم صَبروا} (الحجرات: 5)، {ولو أنَّا كتبنا عليهم} (النساء: 66)، {ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به} (النساء: 66). وقوله:
وَلَوْ أنَّ ما أسعى لأدنَى مَعيشةٍ
وهو كثير. وموضعها عند الجميع رفع، فقال سيبويه وجمهور البصريين بالابتداء، ولا تحتاج إلى خبر لاشتمال صلتها على المسند والمسند إليه. وقيل الخبر محذوف: فقيل يقدر مقدماً أي ولو ثابت إيمانهم، على حد: {وآية لهم أنَّا حملنا} (يس: 41)، وقال ابن عصفور: بل يقدر هنا مؤخراً، ويشهد له أنه يأتي مؤخراً بعد أما، كقوله:
عِنْدِي اصطبارٌ وأمَّا أنني جَزِعٌ
يومَ النَّوى فلوجْدٍ كادَ يَبْرِيني
وذلك لأن لعل لا تقع هنا، فلا تشتبه أن المؤكدة إذا قدمت بالتي بمعنى لعل، فالأولى حينئذٍ أن يقدر الخبر مؤخراً على الأصل: أي ولو إيمانهم ثابت. وقال الكوفيون والمبرد والزجاج والزمخشري فاعل ثبت مقدراً كما قال الجميع في ما وصلتها في لا أكلمه ما أن في السماء نجماً، ومن ثم قال الزمخشري: يجب أن يكون خبر أن فعلاً ليكون عوضاً عن الفعل المحذوف. ورده ابن الحاجب وغيره بقوله تعالى: {ولو أنَّ ما في الأرض من شجرةٍ أقلام} (لقمان: 27)، وقالوا إنما ذلك في الخبر المشتق لا الجامد كالذي في الآية. وفي قوله:
1168 ـ مَا أطْيَبَ الْعَيْشَ لَوْ أنَّ الْفَتَى حَجَرٌ
تَنْبُو الْحَوَادِثُ عَنْهُ وَهْوَ مَلْمُوْمُ
وقوله:
1169 ـ وَلَوْ أنَّهَا عُصْفُوْرَةٌ لَحَسِبْتُهَا
مُسَوَّمَةً تَدْعُو عُبَيْدَاً وَأَزْغَا
---

(1/379)


ورد المصنف قول هؤلاء بأنه قد جاء اسماً مشتقاً كقوله:
1170 ـ لَوْ أنَّ حَيَّا مُدْرِكَ الْفَلاَحِ
أدْرَكَهُ مُلاَعِبُ الْرِّمَاحِ
وقوله:
1171 ـ وَلَوْ أنَّ مَا أبْقِيْتِ مِنَّي مُعَلَّقٌ

بِعُوْدِ ثُمَامٍ مَا تَأوَّدَ عُوْدُهَا
وقوله:
1172 ـ وَلَوْ أنَّ حَيَّا فَائِتْ الْمَوْتِ فَاتَهُ
أخُو الْحَرْبِ فَوْقَ الْقَارِحِ الْعَدَوَانِ
(وإنْ مُضارعٌ تَلاهَا صُرِفَا إلى المُضيِّ نحو لو يَفِي كفَى) أي لو وفي كفى. ومنه قوله:
1173 ـ لَوْ يَسْمَعُوْنَ كَمَا سَمِعْتُ حَدِيْثَهَا
خَرّوَا لِعَزَّةَ رُكَّعاً وسُجُوْدَا
وهذا في الامتناعية. وأما التي بمعنى إن فقد تقدم أنها تصرف الماضي إلى المستقبل، وإذا وقع بعدها مضارع فهو مستقبل المعنى.
تنبيهان: الأول لغلبة دخول لو على الماضي لم تجزم ولو أريد بها معنى إن الشرطية، وزعم بعضهم أن الجزم بها مطرد على لغة، وأجازه جماعة في الشعر منهم ابن الشجري كقوله:
وَلَوْ يَشَأْ طَارَ بِهَا ذُو مَيْعَةٍ
وقوله:
1174 ـ تَامَتْ فُؤَادَكَ لَوْ يَحْزُنْكَ مَا صَنَعَتْ
إحْدَى نِسَاءِ بَنِي ذُهْلِ بنِ شَيْبَانَا
وخرج على أن ضمة الاعراب سكنت تخفيفاً كقراءة أبي عمرو: {ينصركم} (آل عمران: 160)، و{يشعركم} (الأنعام: 109)، و{يأمرْكم} (البقرة: 67)، والأول على لغة من يقول شايشا بالألف، ثم أبدلت همزة ساكنة كما قيل العألم والخأتم. الثاني جواب لوإما ماض معنى نحو: لو لم يخف ا لم يعصه. أو وضعا وهو إما مثبت فاقترانه باللام نحو: {لَوْ نشاء لجعلناه حُطاماً} (الواقعة: 65) أكثر من تركها نحو: {لو نشاء جعلناه أُجاجاً} (الواقعة: 70)، وإما منفي بما فالأمر بالعكس نحو: {ولو شاء ربك ما فعلوه} (الأنعام: 112)، ونحو قوله:
1175 ـ وَلَوْ نُعْطَى الْخِيَارَ لَمَا افْتَرَقْنَا
وَلَكِنْ لاَ خِيْارَ مَعَ الْليَالِي
---

(1/380)


وأما قوله عليه الصَّلاة والسَّلام فيما أخرجه البخاري: «لو كان لي مثل أحُد ذهباً ما يسرني أن لا يمر عليّ ثلاث وعندي منه شيء» فهو على حذف كان: أي ما كان يسرني. قيل وقد تجاب لو بجملة اسميةنحو: {ولو أنهم آمنوا واتَّقوا لمثوبةٌ من عند ا خير} (البقرة: 103)، وقيل الجملة مستأنفة أو جواب لقسم مقدر، ولو في الوجهين للتمني فلا جواب لها.

أمَّا وَلَوْلاَ وَلَوْ مَا

(أمَّا كَمهْمَا يَكُ مِن شيء) أي أما ــ بالفتح والتشديد ــ حرف بسيط فيه معنى الشرط والتفصيل والتوكيد: أما الشرط فبدليل لزوم الفاء بعدها نحو: {فأمَّا الذين آمنوا فيعلمون أنه الحقُّ من ربهم، وأما الذين كفروا فيقولون} (البقرة: 26) الآية، وإلى ذلك الإشارة بقوله (وَفا لِتِلوِ تلوها وُجوباً أُلِفَا) فاء مبتدأ خبره ألف، ولتلو متعلق بألف. ومعنى تلو تال. ووجوباً حال من الضمير في ألف. وأشار بقوله: (وحَذفُ ذي الْفَا قَلَّ في نَثْر لَمْ يَكُ قَوْلٌ معها قد نُبِذَا) ــ أي طرح ــ إلى أنه لا تحذف هذه الفاء إلا إذا دخلت على قول قد طرح استغناء عنه بالمقول فيجب حذفها معه نحو: {فأمَّا الذين اسْودَّت وُجوهُهم أكَفرتم} (آل عمران: 106)، أي فيقال لهم أكفرتم. ولا تحذف في غير ذلك إلا في ضرورة، كقوله:
1176 ـ فَأَمَّا الْقِتَالُ لاَ قِتَالَ لَدَيْكُمُ
وَلَكِنَّ سَيْراً في عِرِاضِ الْمَوَاكِبِ
---

(1/381)


أو ندور نحو ما خرّج البخاري من قوله : «أما بعد ما بال رجال»، وقول عائشة: «أما الذين جمعوا بين الحج والعمرة طافوا طوافاً واحداً». وأما التفصيل فهو غالب أحوالها كما تقدم في آية البقرة، ومنه: {أمَّا السفينةُ فكانت لمساكينَ يعملونَ في البحر} (الكهف: 79)، {وأما الغلامُ} (الكهف: 80)، {وأما الجدار} (الكهف: 82) الآيات. وقد يترك تكرارها استغناء بذكر أحد القسمين عن الآخر أو بكلام يذكر بعدها في موضع ذلك القسم: فالأول نحو: {يأيّهَا الناسُ قد جاءكم برهانٌ مِن ربكم وأنزلنا إليكُم نوراً مبيناً} (النساء: 174)، {فأما الذين آمنوا با واعتصموا به فَسَيُدْخِلهم في رحمة منه وفضل} (النساء: 175)، أي وأما الذين كفروا با فلهم كذا وكذا. والثاني نحو: {هُو الذي أنزل عليك الكتابَ منه آياتٌ محكماتٌ هُنَّ أمُّ الكتاب وأُخرُ مُتشابهاتٌ} (آل عمران: 7)، {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنةِ وابتغاء تأويله} (آل عمران: 7)، أي وأما غيرهم فيؤمنون به ويكلون معناه إلى ربهم. ويدل على ذلك قوله تعالى: {والراسخون في العلمِ يقولون آمنا به كلٌّ من عند ربنا} (آل عمران: 7)، أي كل من المتشابه والمحكم من عند ا تعالى، والإيمان بهما واجب، فكأنه قيل وأما الراسخونَ في العلمِفيقولون وعلى هذا فالوقف على إلا ا، وهذا المعنى هو المشار إليه في آية البقرة السابقة فتأملها. وقد تأتي لغير تفصيل نحو أما زيد فمنطلق، وأما التوكيد فقلّ من ذكره. وقد أحكم الزمخشري شرحه، فإنه قال: فائدة أما في الكلام أن تعطيه فضل توكيد، تقول ذاهب، فإذا قصدت توكيد ذلك، وأنه لا محالة ذاهب، وأنه بصدد الذهاب، وأنه منه عزيمة، قلت: أما زيد فذاهب. ولذلك قال سيبويه في تفسيره: مهما يكن من شيء فزيد ذاهب، وهذا التفسير مدل بفائدتين: بيان كونه توكيداً، وأنه في معنى الشرط انتهى.
---

(1/382)


تنبيهات: الأول ما ذكره من قوله: أما كمهما يك لا يريد به أن معنى أما كمعنى مهما وشرطها، لأن أما حرف فكيف يصح أن تكون بمعنى اسم وفعل، وإنما المراد أن موضعها صالح لهما وهي قائمة مقامهما لتضمنها معنى الشرط. الثاني يؤخذ من قوله لتلو تلوها أنه لا يجوز أن يتقدم الفاء أكثر من اسم واحد، فلو قلت أما زيد طعامه فلا تأكل لم يجز كما نص عليه غيره. الثالث لا يفصل بين أما والفاء بجملة تامة إلا إن كانت دعاء بشرط أن يتقدم الجملة فاصل، نحو أما اليوم رحمك ا فالأمر كذلك. الرابع يفصل بين أما وبين الفاء بواحد من أمور ستة: أحدها المبتدأ كالآيات السابقة. ثانيها الخبر نحو أما في الدار فزيد. ثالثها جملة الشرط نحو: {فأما إن كان من المقربين فرَوْح وريحان} (الواقعة: 89) الآيات رابعها اسم منصوب لفظاً أو محلاً بالجواب نحو: {فأما اليتيمَ فلا تقهر} الآيات. خامسها اسم كذلك معمول لمحذوف يفسره ما بعد الفاء، نحو أما زيداً فاضربه، وقراءة بعضهم: {وأما ثمود فهديناهم} (فصلت: 17) بالنصب. ويجب تقدير العامل بعد الفاء وقبل ما دخلت عليه، لأن أما نائبة عن الفعل فكأنها فعل والفعل لا يلي الفعل. سادسها ظرف معمول لأما لما فيها من معنى الفعل الذي نابت عنه، أو للفعل المحذوف، نحو أما اليوم فإني ذاهب، وأما في الدار فإن زيداً جالس، ولا يكون العامل ما بعد أن لأن خبر أن لا يتقدم عليها فكذلك معموله. هذا قول سيبويه والمازني والجمهور، وخالفهم المبرد وابن درستويه والفراء والمصنف. الخامس سمع أما العبيدَ فذو عبيد بالنصب، وأما قريشاً فأنا أفضلها، وفيه دليل على أنه لا يلزم أن يقدر مهما يكن من شيء، بل يجوز أن يقدر غيره مما يليق بالمحل، إذ التقدير هنا مهما ذكرت، وعلى ذلك فيخرج أما العلم فعالم، وأما علماً فعالم، فهو أحسن مما قيل إنه مفعول مطلق معمول لما بعد الفاء، أو مفعول لأجله إن كان معرفاً، وحال إن كان منكراً. وفيه دليل أيضاً على أن أما

(1/383)


---
ليست العاملة إذ لا يعمل الحرف في المفعول به. السادس ليس من أقسام أما التي في قوله تعالى: {أماذا كُنتم تعملون} (النمل: 84)، ولا التي في قول الشاعر:
1177 ـ أبَا خُرَاشَةَ أمَّا أنْتَ ذَا نَفَرٍ
بل هي فيهما كلمتان، والتي في الآية أم المنقطعة وما الاستفهامية أدغمت الميم في الميم. والتي في البيت هي أن المصدرية وما المزيدة. وقد سبق الكلام عليها في باب كان. السابع قد تبدل ميم أما الأولى ياء استثقالاً للتضعيف كقوله:

1178 ـ رأَتْ رَجُلاً أيْمَا إذَا الْشَّمْسُ عَارَضَتْ
فَيُضْحَى وَأيْمَا بِالْعَشِيِّ فَيَخْصَرُ
(لَوْلاَ وَلَوْمَا يَلْزَمَانِ الابْتِدَا إذَا امْتِنَاعَاً بِوُجُوْدٍ عَقَدَا) أي للولا ولوما استعمالان: أحدهما أن يدلا على امتناع شيء لوجود غيره، وهذا ما أراده بقوله:
إذَا امْتناعاً بوُجُودٍ عَقَدَا
أي إذا ربطا امتناع شيء بوجود غيره ولازماً بينهما ويقتضيان حينئذٍ مبتدأ ملتزماً فيه حذف خبره غالباً، وقد مر بيان ذلك في باب المبتدإ، وجواباً كجواب لو مصدّراً بماض أو مضارع مجزوم بلم، فإن كان الماضي مثبتاً قرن باللام غالباً نحو: {لَوْلاَ أنتم لَكُنَّا مؤمنين} (سبأ: 31)، ونحو قوله:
1179 ـ لَوْلاَ الإصَاخَةُ لِلْوُشَاةِ لَكَانَ لِي
مِنْ بَعْدِ سُخْطِكَ فِي الرِّضَاءِ رَجَاءُ
وإن كان منفياً تجرد منها غالباً نحو: {ولوْلا فضلُ ا عليكم ورحمتهُ ما زكى منكم من أحَدٍ أبداً} (النور: 21) وقوله:
1180 ـ واللَّهِ لَوْلاَ اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا
وقوله:
لَوْلاَ ابنُ أَوْسٍ نَأَى مَا ضيمَ صاحبُهُ
وقد يقترن بها المنفي كقوله:
1181 ـ لَوْلاَ رَجَاءُ لِقَاءِ الظَّاعِنينَ لَمَا
أَبْقَتْ نَوَاهُمْ لَنَا رُوحاً وَلاَ جَسَدا
وقد يخلو منها المثبت كقوله كقوله:
لَوْلاَ زُهيرٌ جَفاني كنتُ مُنْتَصِرا
وقوله:
1182 ـ وَكَمْ مَوْطِنٍ لَوْلاَيَ طِحْتَ كَمَا هَوَى
---

(1/384)


بِأجْرَامِهِ مِنْ قُنَّةِ النِّيْقِ مُنْهوى
وإذا دل على الجواب دليل جاز حذفه نحو: {ولولاَ فضلُ ا عليكم ورَحمتهُ وأنَّ ا توابٌ حكيم} (النور: 10)، والاستعمال الثاني أن يدلا على التخضيض فيختصان بالجمل الفعلية، ويشاركهما في ذلك هلا وألا الموازنة لها، وألا بالتحفيف. وقد أشار إلى ذلك بقوله: (وَبِهما التَّحضيضَ مِزْ وَهَلاَّ ألاَّ ألاَ وأَوْلِيَنْهَا الْفِعْلاَ) أي المضارع أو ما في تأويله، نحو: {لَوْلاَ تستغفرون ا} (النمل: 46)، ونحو: {لولاَ أُنزل علينا الملائكة} (الفرقان: 21)، ونحو: {لو ما تأتينا بالملائكة} (الحجر: 7)، ونحو قوله: هلا تسلم، أو ألاَّ تسلم فتدخل الجنة. ونحو: {ألاَ تقاتلون قوماً نَكثوا أيمانَهم} (التوبة: 13)، والعرض كالتحضيض، إلا أن العرض طلب بلين ورفق، والتحضيض طلب بحث (وقد يَلِيها) أي قد يلي هذه الأدوات (اسمٌ بفعلٍ مُضْمَرٍ عُلِّقَ أو بِظَاهِرٍ مُؤخَّرِ) فالأول نحو قولك: هلا زيداً تضربه، فزيداً علق بفعل مضمر بمعنى أنه مفعول للفعل المضمر. والثاني نحو قولك: هلا زيداً تضرب، فزيداً علق بالفعل الظاهر الذي بعده لأنه مفرغ له.

تنبيهات: الأول ترد هذه الأدوات للتوبيخ والتنديم، فتختص بالماضي أو ما في تأويله، ظاهراً أو مضمراً، نحو: {لَوْلا جاؤوا عليهِ بأربعة شُهداء} (النور: 13)، {فلولا نَصَرَهم الذين اتَّخذوا من دُوْنِ ا قربَانَاً آلهةً} (الأحقاف: 28)، ونحو قوله:
1183 ـ تَعُدُّوْنَ عَقَرَ الْنِّيْبِ أفْضَلَ مَجْدِكُمْ
بَنِي ضَوْطَرَى لَوْلاَ الْكَميَّ الْمُقَنَّعَا
أي لولا تعدون الكمي، بمعنى لولا عددتم، لأن المراد توبيخهم على ترك عده في الماضي، وإنما قال تعدون على حكاية الحال ونحو قوله:
1184 ـ أَتَيْتَ بِعَبْدِ اللَّهِ فِي الْقِدِّ مُوْثِقَا
فَهَلاَ سَعِيْدَاً ذَا الْخِيَانَةِ وَالغَدْرِ
---

(1/385)


أي فهلا أسرت سعيداً. الثاني قد يقع بعد حرف التحضيض مبتدأ وخبر فيقدر المضمر كان الشانية كقوله:
1185 ـ وَنُبِّئْتُ لَيْلَى أَرْسَلَتْ بِشَفَاعَةٍ
إليَّ فَهَلاَّ نَفْسُ لَيْلَى شَفِيْعُهَا
أي فهلا كان الشأن نفس ليلى شفيعها. الثالث المشهور أن حروف التحضيض أربعة وهي: لولا ولوما وهلا وألاَّ بالتشديد، ولهذا لم يذكر في التسهيل والكافية سواهن. وأما ألا بالتخفيف فهي حرف عرض، فذكره لها مع حروف التحضيض يحتمل أن يريد أنها قد تأتي للتحضيض، ويحتمل أن يكون ذكرها معهن لمشاركتها لهن في الاختصاص بالفعل وقرب معناها من معناهنّ؛ ويؤيده قوله في شرح الكافية: وألحق بحروف التحضيض في الاختصاص بالفعل ألا المقصود بها العرض نحو ألا تزورنا.
خاتمة: أصل لولا ولو ما: لو ركبت مع لا وما، وهلا مركبة من: هل ولا، وألا يجوز أن تكون هلا؛ فأبدل من الهاء همزة. وقد يلي الفعل لولا غير مفهمة تحضيضاً كقوله:
1186 ـ أنتَ الْمُبَاركُ وَالْميْمُوْنُ سِيْرَتُهُ
لَوْلاَ تقوِّمُ دَرْءَ الْقَوْمِ لاَخْتَلَفُوا
فتؤول بلو لم: أي لو لم تقوم، أو تجعل المختصة بالأسماء والفعل صلة لأن مقدرة على حد تسمع بالمعيدي. وا تعالى أعلم.

الإخْبَارُ بِالَّذِي والألفِ والَلاَّمِ

الباء في قوله بالذي: للسببية لا للتعدية لدخولها على المخبر عنه، لأن الذي يجعل في هذا الباب مبتدأ لا خبراً كما ستقف عليه، فهو في الحقيقة مخبر عنه، فإذا قيل: أخبر عن زيد من قام زيد، فالمعنى: أخبر عن مسمى زيد بواسطة تعبيرك عنه بالذي؛ وهذا الباب وضعه النحويون للتدريب في الأحكام النحوية، كما وضع التصريفيون مسائل التمرين في القواعد التصريفية. وبعضهم يسمي هذا الباب باب السبك. قال الشارح: وكثيراً ما يصار إلى هذا الإخبار لقصد الاختصاص أو تقوي الحكم أو تشويق السامع أو إجابة الممتحن انتهى.
---

(1/386)


والكلام في هذا الباب في أمرين: الأول في حقيقة ما يخبر عنه، والثاني في شروطه. وقد أشار إلى الأول بقوله: (مَا قِيْلَ أَخْبِرْ عَنْهُ بالَّذِي خَبَرْ عَنِ الَّذِي مُبتدأ قَبْلُ اسْتَقَرْ) ما موصولة مبتدأ، وخبر خبرها، ومبتدأ حال من الذي الثاني، والذي الأول والثاني في البيت لا يحتاجان إلى صلة، لأنه إنما أراد تعليق الحكم على لفظهما لا أنهما موصولان، والتقدير.l ما قيل لك أخبر عنه بهذا اللفظ ــ أعني الذي ــ هو خبر عن لفظ الذي حال كونه مبتدأ مستقراً أولاً (وَمَا سِواهما) أي ما سوى الذي وخبره (فَوَسِّطْهُ صِلَهْ عائِدُهَا) وهو ضمير الموصول (خَلَفُ مُعطِي التَّكْمِلهْ) وهو الخبر فيما كان له من فاعلية أو مفعولية أو غيرهما (نحوُ الذي ضرَبْتُهُ زَيْدٌ فذا ضرَبتُ زيداً كانَ فادْرِ المَأخَذَا) أي إذا قيل لك: أخبر عن زيد من شربت زيداً، قلت: الذي ضربته زيد، فتصدر الجملة بالذي مبتدأ، وتؤخر زيداً وهو المخبر عنه فتجعله خبراً عن الذي، وتجعل ما بينهما صلة الذي، وتجعل في موضع زيد الذي أخرته ضميراً عائداً على الموصول. ولو قيل لك أخبر عن التاء من هذا المثال، قلت الذي ضرب زيداً أنا ففعلت به ما ذكر، إلا أن التاء ضمير متصل لا يمكن تأخيرها مع بقاء الاتصال. وإن قيل أخبر عن زيد من قولك زيد أبوك، قلت الذي هو أبوك زيد، أو عن أبوك قلت الذي هو زيد أبوك (وباللَّذَيْنِ والَّذِيْنَ والتي أَخْبِرْ مُرَاعِيَاً وفَاقَ المُثْبَتِ) وهو ما قيل لك أخبر عنه في التثنية والجمع والتأنيث، كما تراعى وفاقه في الإفراد والتذكير. فإذا قيل لك: أخبر عن الزيدين من نحو بلغ الزيدان العمرين رسالة، قلت: اللذان بلغا العمرين رسالة الزيدان، أو عن العمرين قلت: الذين بلغهم الزيدان رسالة العمرون، أو عن الرسالة قلت: التي بلغها الزيدان العمرين رسالة، فتقدم الضمير وتصله، لأنه إذا أمكن الوصل لم يجز العدول إلى الفصل، وحينئذٍ يجوز حذفه لأنه عائد

(1/387)


---
متصل منصوب بالفعل. ثم أشار إلى الثاني وهو ما في شروط المخبر عنه بقوله: (قَبولُ تأخيرٍ وتعريفٍ لِمَا أخْبِرَ عنهُ هَهنا قَدْ حتِما كذا في الغنى عنهُ بأجنَبِيَ أو بِمُضْمَرٍ شرْطٌ فراعِ ما رَعَوْا) اعلم أن الإخبار إن كان بالذي أو أحد فروعه اشترط للمخبر عنه تسعة أمور:

الأول: قبوله التأخير فلا يخبر عن أيهم من قولك أيهم في الدار لأنك تقول حينئذٍ الذي هو في الدار أيهم، فيخرج الاستفهام عما له من وجوب الصدرية، وكذا القول في جمع أسماء الاستفهام والشرط وكم الخبرية وما التعجبية وضمير الشأن، فلا يخبر عن شيء منها لما ذكرته. وفي التسهيل أن الشرط أن يقبل الاسم أو خلفه التأخير، وذلك لأن الضمير المتصل يخبر عنه مع أنه لا يتأخر ولكن يتأخر خلفه وهو الضمير المنفصل كما مرّ.
الثاني: قبوله التعريف فلا يخبر عن الحال والتمييز لأنهما ملازمان للتنكير فلا يصح جعل المضمر مكانهما لأنه ملازم للتعريف، وهذا القيد لم يذكره في التسهيل.
---

(1/388)


الثالث: قبول الاستغناء عنه بأجنبي، فلا يخبر عن اسم لا يجوز الاستغناء عنه بأجنبيضميراً كان أو ظاهراً. فالضمير كالهاء من نحو زيد ضربته لأنه لا يستغني عنها بأجنبي كعمرو وبكر، فلو أخبرت عنها لقلت الذي زيد ضربته هو، فالضمير المنفصل هو الذي كان متصلاً بالفعل قبل الإخبار، والضمير المتصل الآن خلف عن ذلك الضمير الذي كان متصلاً، ففصلته وأخرته، ثم هذا الضمير المتصل إن قدرته رابطاً للخبر بالمبتدأ الذي هو زيد بقي الموصول بلا عائد وانخرمت قاعدة الباب، وإن قدرته عائداً على الموصول بقي الخبر بلا رابط، والظاهر كاسم الإشارة في نحو: {ولباسُ التقوى ذلك خير} (الأعراف: 26)، وغيره مما حصل به الربط، فإنه لو أخبر عنه لزوم المحذور السابق، وكالأسماء الواقعة في الأمثال، نحو الكلاب في قولهم. الكلاب على البقر، فلا يجوز أن تقول التي هي على البقر الكلاب لأن الكلاب لا يستغنى عنه بأجنبي لأن الأمثال لا تغير.
الرابع: قبوله الاستغناء عنه بالضمير فلا يخبر عن الاسم المجرور بحتى أو بمذ أو بمنذ لأنهن لا يجررن إلا الظاهر، والإخبار يستدعي إقامة ضمير مقام المخبر عنه كما تقدم، ففي نحو قولك: سرّ أبا زيد قرب من عمرو الكريم، ويجوز الإخبار عن زيد ويمتنع عن الباقي لأن الضمير لا يخلفهن، أما الأب فلأن الضمير لا يضاف، وأما القرب فلأن الضمير لا يتعلق به جار ومجرور ولا غيره، وأما عمرو والكريم فلأن الضمير لا يوصف ولا يوصف به. نعم إن أخبرت عن المضاف والمضاف إليه معاً أو عن العامل والمعمول معاً أو عن الموصوف وصفته معاً جاز لصحة الاستغناء حينئذٍ بالضمير عن المخبر عنه، فتقول في الأخبار عن المضاف مع المضاف إليه: الذي سره قرب من عمرو الكريم أبو زيد، وعن العامل مع المعمول الذي سر أبا زيد قرب من عمرو الكريم، وعن الموصوف مع صفته الذي سر أبا زيد قرب منه عمرو الكريم.
---

(1/389)


الخامس: جواز استعماله مرفوعاً، فلا يخبر عن لازم النصب كسبحان وعند.
السادس: جواز وروده في الإثبات فلا يخبر عن أحد وديار وعريب لئلا يخرج عما لزمه من الاستعمال في النفي.
السابع: أن يكون في جملة خبرية فلا يخبر عن اسم في جملة طلبية، لأن الجملة بعد الإخبار تجعل صلة والطلبية لا تكون صلة.
الثامن: أن لا يكون في إحدى جملتين مستقلتين نحو زيد من قولك قام زيد وقعد عمرو، وإلا يلزم بعد الإخبار عطف ما ليسصلة على الذي استقر أنه الصلة بغير الفاء فإن كانتا غير مستقلتين بأن كانتا في حكم الجملة الواحدة كجملتي الشرط والجزاء، وكما لو كان العطف بالفاء أو كان في الأخرى ضمير الاسم المخبر عنه جاز الإخبار لانتفاء المحذور المذكور. ففي نحو أن قام زيد قام عمرو تقول في الإخبار عن زيد: الذي إن قام قام عمرو زيد، وعن عمرو الذي إن قام زيد قام عمرو، وفي نحو قام زيد فقعد عمرو تقول في الإخبار عن زيد: الذي قام فقعد عمرو زيد، وعن عمرو: الذي قام زيد فقعد عمرو، لأن ما في الفاء من معنى السببية نزل الجملتين منزلة الشرط والجزاء. وفي نحو قام زيد وقعد عنده عمرو، تقول في الإخبار عن زيد: الذي قام وقعد عنده عمرو زيد، وعن عمرو: الذي قام زيد وقعد عنده عمرو، وفي نحو ضربني وضربت زيداً، ونحو أكرمني وأكرمته عمرو، تقول في الإخبار عن زيد: الذي ضربني وضربته زيد، وعن عمرو: الذي أكرمني وأكرمته عمرو.
التاسع: إمكان الاستفادة، فلا يخبر عن اسم ليس تحته معنى كثواني الأعلام نحو بكر ــــ من أبي بكر ــــ إذ لا يمكن أن يكون خبراً عن شيء.
---

(1/390)


تنبيهات: الأول الشرط الرابع في كلامهمغن عن اشتراط الثاني لأن ما لا يقبل التعريف لا يقبل الإضمار، وقد نبه في شرح الكافية على أنه ذكره زيادة في البيان. الثاني أو ــــ في قوله أو بمضمر ــــ بمعنى الواو لما بان لك أن الشروط المذكورة في النظم أربعة وأن الثالث والرابع لا يغني أحدهما عن الآخر، وقد عطف في الكافية ثلاثة شروط بأو فقال:
وَشرط الاسم مخبر عنه هنا
جواز تأثير ورفع وغنى
عنه بأجنبي أو بمضمر
أو مثبت أو عادم التنكر
مع عده كلا منها في الشرح شرطاً مستقلاً. الثالث سكت في الكافي أيضاً عن الثلاثة الأخيرة وقد ذكرها في التسهيل (وأخبروا هنا بأل) .
أي الموصولة (عَنْ بعض ما يَكونُ فيهِ الفعلُ قَدْ تَقَدَّمَا) أي يشترط لجواز الإخبار عن أل ثلاثة شروط زيادة على ما سبق في الذي وفروعه: الأول أن يكون المخبر عنه من جملة تقدم فيها الفعل ــ وهي الفعلية ــ وإلى هذا الإشارة بقوله: فيه الفعل قد تقدما. الثاني أن يكون ذلك الفعل متصرفاً. الثالث أن يكون مثبتاً فلا يخبر عن زيد من قولك زيد أخوك ولا من قولك عسى زيد أن يقوم ولا من قولك ما قام زيد، وإلى هذين الشرطين الإشارة بقوله: (إنْ صحَّ صَوْغُ صلَةٍ منهُ لأَلْ) إذ لا يصح صوغ صلة لأل من الجامد ولا من المنفي. ثم مثل لما يصح ذلك منه بقوله: (كصَوْغِ واقٍ مِنْ وَقَى اللَّهُ البطَلْ) فإن أخبرت عن الفاعل قلت: الواقي البطل ا أو عن المفعول قلت: الواقية ا البطل، ولا يجوز لك أن تحذف الهاء لأن عائد الألف واللام لا يحذف إلا في الضرورة كقوله:

1187 ـ مَا المُسْتَفِزُّ الْهَوَى مَحْمُوْدُ عَاقِبَةٍ
---

(1/391)


(وَإنْ يَكُنْ مَا رَفعتْ صِلَةُ أَلْ ضَمِيْرَ غَيْرها) أي غير أل (أُبِيْنَ وانْفَصلْ) وإن رفعت ضمير أل وجب استتاره ففي نحو قولك: بلغت من أخويك إلى الزيدين رسالة، إن أخبرت عن التاء فقلت: المبلغ من أخويك إلى الزيدين رسالة أنا كان في المبلغ ضمير مستتر لأنه في المعنى لأل لأنه خلف من ضمير المتكلم، وأل للمتكلم لأن خبرها ضمير المتكلم والمبتدأ نفس الخبر، وإن أخبرت عن شيء من بقية أسماء المثال وجب إبراز الضمير وانفصاله لجريان رافعه على غير ما هو له، تقول في الإخبار عن الأخوين: المبلغ أنا منهما إلى الزيدين رسالة أخواك، وعن الزيدين: المبلغ أنا من أخويك إليهم رسالة الزيدون، وعن الرسالة: المبلغها أنا من أخويك إلى الزيدين رسالة: فالمبلغ خال من الضمير في هذه الأمثلة لأنه فعل المتكلم وأل فيهن لغير المتكلم لأنها نفس الخبر الذي أخرته، فأنا فاعل المبلغ وضمير الغيبة هو العائد، وكذا تفعل مع ضمير الغيبة فتقول في الإخبار عن ضمير الغائب الفاعل من نحو زيد ضرب جاريته زيد الضارب جاريته هو، ففي الضارب ضمير أل مستتر لجريانه على ما هو له، فإن أخبرت عن الجارية قلت: زيد الضاربها هو جاريته فلا ضمير في الضارب بل فاعله الضمير المنفصل لجريانه على غير ما هو له.
خاتمة: يجوز الإخبار عن اسم كان بأل وغيرها فتقول في نحو كان زيد أخاك: الكائن أو الذي كان أخاك زيد، وأما الخبر ففيه خلاف والصحيح الجواز نحو: الكائنة أو الذي كانه زيد أخوك، وإن شئت جعلته منفصلاً فقلت: الكائن أو الذي كان زيد إياه أخوك، وعن الظرف المتصرف فيجاء مع الضمير الذي يخلفه بفي كقولك مخبراً عن يوم الجمعة من صمت يوم الجمعة: الذي صمت فيه يوم الجمعة، فإن توسعت في الظرف وجعلته مفعولاً به على المجاز جئت بخلفه مجرداً من في، فتقول: الذي صمته يوم الجمعة. واعلم أن باب الإخبار طويل الذيل فليكتف بما تقدم وا أعلم.

العَدَدُ
---

(1/392)


(ثَلاَثَةً بالتَّاءِ قُلْ لِلعْشرَه في عَدِّ مَا آحَادُهُ مُذكَّرَهْ في الضِّدِّ) وهو ما آحاده مؤنثةولو مجازاً (جَرِّدْ) من التاء نحو: {سخَّرها عليهم سبع ليالٍ وثمانية أيام} (الحاقة: 7)، هذا إذا ذكر المعدود، فإن قصد ولم يذكر في اللفظ فالفصيح أن يكون كما لو ذكر، فتقول: صمت خمسة ــ تريد أياماً، وسرت خمساً ــ تريد ليالي ــ ويجوز أن تحذف التاء في المذكر، ومنه: وأتبعه بست من شوال، أما إذا لم يقصد معدود وإنما قصد العدد المطلق كانت كلها بالتاء نحو: ثلاثة نصف ستة، ولا تنصرف لأنها أعلام ــ خلافاً لبعضهم ــ. وأما إدخال أل عليها في قولهم: الثلاثة نصف الستة فكدخولها على بعض الأعلام كقولهم: إلاهة ــ وهو اسم من أسماء الشمس ــ حين قالوا: الإلاهة، وكذلك قولهم شعوب والشعوب للمنية، وهذه لم يشملها كلامه، وشمل الأوليين.
تنبيهات: الأول فهم من قوله ما آحاده أن المعتبر تذكير الواحد وتأنيثه لا تذكير الجمع وتأنيثه، فيقال: ثلاثة حمامات، خلافاً للبغداديين فإنهم يقولون ثلاث حمامات فيعتبرون لفظ الجمع. وقال الكسائي تقول: مررت بثلاث حمامات ورأيت ثلاث سجلات، بغير هاء. وإن كان الواحد مذكراً، وقاس عليه ما كان مثله، ولم يقل به الفراء. الثاني اعتبار التأنيث في واحد المعدود إن كان اسماً فبلفظه تقول ثلاثة أشخُص ــ قاصد نسوة، وثلاث أعين ــ قاصد رجال، لأن لفظ شخص مذكر ولفظ عين مؤنث، هذا ما لم يتصل بالكلام ما يقوي المعنى أو يكثر فيه قصد المعنى، فإن اتصل به ذلك جاز مراعاة المعنى. فالأول كقوله:
1188 ـ ثَلاَثُ شُخُوْصٍ كَاعِبَانِ ومِعْصَرُ
وقوله:
1189 ـ وإنَّ كِلاَبَاً هَذِهِ عَشْرُ أَبْطُنٍ
وَأَنْتَ بَرِيءٌ مِنْ قَبَائِلِهَا الْعَشْرِ
---

(1/393)


وجعل منه في شرح الكافية: {وقطَّعناهم اثنتي عشرَة أسباطاً أمماً} (الأعراف: 160)، قال: فبذكر أمم ترجح حكم التأنيث، لكنه جعل أسباطاً في شرح التسهيل بدلاً من اثنتي عشرة وهو الوجه كما سيأتي. والثاني كقوله ثلاثة أنفس وثلاث ذود، فإن النفس كثر استعمالها مقصوداً بها إنسان، وإن كان صفة فبموصوفها المنوي لا بها نحو: {فله عَشْرُ أمثالها} (الأنعام: 160)، أي عشر حسنات، وتقول: ثلاثة ربعات ــ إذا قصدت رجالاً ــ وكذا تقول: ثلاثة دواب ــ إذا قصدت ذكوراً ــ لأن الدابة صفة في الأصل. الثالث إنما تكون العبرة في التأنيث والتذكير بحال المفرد مع الجمع، أما مع اسمي الجنس والجمع فالعبرة بحالهما فيعطى العدد عكس ما يستحقه ضميرهما فتقول: ثلاثة من القوم وأربعة من الغنم ــ بالتاء ــ لأنك تقول: قوم كثيرون وغنم كثير ــبالتذكير ــ وثلاث من البط ــ بترك التاء ــ لأنك تقول: بط كثيرة ــ بالتأنيث ــ وثلاثة من البقر أو ثلاث لأن في البقر لغتين التذكير والتأنيث: قال تعالى: {إن البقرَ تشابه علينا} (البقرة: 70)، وقرىء تشابهت هذا ما لم يفصل بينه وبين العدد صفة دالة على المعنى، وإلا فالمراعى هو المعنى. أو يكن نائباً عن جمع مذكر، فالأول نحو: ثلاث إناث من الغنم وثلاثة ذكور من البط، ولا أثر للوصف المتأخر كقولك: ثلاثة من الغنم إناث وثلاث من البط ذكور. والثاني نحو ثلاثة رَجلة فرجلة اسم جمع مؤنث إلا أنه جاء نائباً عن تكسير راجل على أرجال فذكر عدده كما كان يفعل بالمنوب عنه. الرابع لا يعتبر أيضاً لفظ المفرد إذا كان علماً فتقول: ثلاثة الطلحات وخمس الهندات. الخامس إذا كان في المعدود لغتان التذكير والتأنيث كالحال جاز الحذف والإثبات تقول ثلاث أحوال وثلاثة أحوال اهـ. (والمُمَيِّزَ اجْرُر جَمعاً بِلَفْظِ قِلَّةٍ في الأكثَرِ) أي مميز الثلاثة وأخواتها لا يكون إلا مجروراً، فإن كان اسم جنس أو اسم جمع جر بمن نحو: {فخذ أربعة من الطير}

(1/394)


---
(البقرة: 260)، ومررت بثلاثة من الرهط. وقد يجر بإضافة العدد نحو: {وكان في المدينة تسعة رهطٍ} (النمل: 48)، وفي الحديث: ليس فيما دون خمس ذود صدقة. وقوله: ثلاثة أنفس وثلاث ذود، والصحيح قصره على السماع. وإن كان غيرهما فبإضافة العدد إليه، وحقه حينئذٍ أن يكون جمعاً مكسراً من أبنية القلة نحو: ثلاثة أعبد وثلاث آمٍ. وقد يتخلف كل واحد من هذه الثلاثة فيضاف للمفرد وذلك إن كان مائة نحو: ثلاثمائة وسبعمائة، وشذ في الضرورة قوله:

1190 ـ ثَلاَثُ مِئْينٍ لِلْمُلُوْكِ وَفَى بِهَا
ويضاف لجمع التصحيح في ثلاث مسائل: إحداها أن يهمل تكسير الكلمة نحو: سبع سموات، وخمس صلوات، وسبع بقرات. والثانية أن يجاور ما أهمل تكسيره نحو سنبلات فإنه في التنزيل مجاور لسبع بقرات. والثالثة أن يقل استعمال غيره نحو ثلاث سعادات فيجوز لقلة سعائد، ويجوز ثلاث سعائد أيضاً، بل المختار في هاتين الأخيرتين التصحيح، ويتعين في الأولى لإهمال غيره، فإن كثر استعمال غيره ولم يجاور ما أهمل تكسيره لم يضف إليه إلا قليلاً نحو: ثلاثة أحمدين وثلاث زينبات. والإضافة إلى الصفة منه ضعيفة نحو ثلاثة صالحين فالأحسن الاتباع على النعت ثم النصب على الحال. ويضاف لبناء الكثرة في مسألتين: إحداهما أن يهمل بناء القلة نحو ثلاث جوار وأربعة رجال وخمسة دراهم. والثانية أن يكون له بناء قلة ولكنه شذ قياساً أو سماعاً فينزل لذلك منزلة المعدوم. فالأول نحو: {ثلاثة قروء} (البقرة: 228)، فإن جمع قرء ــ بالفتح ــ على أقراء شاذ. والثاني نحو: ثلاثة شسوع فإن أشساعاً قليل الاستعمال (ومائةًوالألْفَ لِلْفردِ أَضِفْ) نحو عندي مائة درهم ومائتا ثوب وثلاثمائة دينار وألف عبد وألفا أمة وثلاثة آلاف فرس (ومِائةٌ بالجَمعِ نَزْراً قَدْ رُدِفْ) في قراءة حمزة والكسائي {ثلاثمائة سنين} (الكهف: 25).
تنبيه: شذ تمييز المائة بمفرد منصوب كقوله:
---

(1/395)


1191 ـ إذَا عَاشَ الْفَتَى مِائَتِيْن عَامَاً
فلا يقاس عليه، وأجاز ابن كيسان المائة درهم والألف ديناراً (وأَحَدَ اذْكُرْ وصِلَنْهُ بِعشَرْ) مجرداً من التاء (مُركِّبَاً) لهما (قَاصِدَ مَعْدُوْدٍ ذَكَرْ) نحو: {أحد عشر كوكباً} (يوسف: 4)، وهمزة أحد مبدلة من واو وقد قيل: وحد عشر على الأصل وهو قليل. وقد يقال واحد عشر على أصل العدد. (وقُلْ لَدَى التأنيثِ إحْدى عَشَرَهْ) امرأة بإثبات التاء وقد يقال واحد عشرة (والشِّيْنُ فيها عن تَمِيْمٍ كسَرَه) أي مع المؤنث فيقولون إحدى عشرة واثنتا عشرة بكسر الشين، وبعضهم يفتحها وهو الأصل إلا أن الأفصح التسكين وهو لغة الحجاز. وأما في التذكير فالشين مفتوحة، وقد تسكن عين عشر فيقال: أحد عْشر وكذلك أخواته لتوالي الحركات، وبها قرأ أبو جعفر، وقرأ هبيرة ــ صاحب حفص ــ {اثنا عشر شهراً} (التوبة: 36)، وفيها جمع بين ساكنين(وَ) أما (مَعَ غَيْرِ أحدٍ وإحْدَى مَا مَعْهُمَا فَعَلْتَ) في العشرة من التجريد من التاء مع المذكر وإثباتها مع المؤنث (فَافْعَلْ قَصْدَاً) والحاصل أن للعشرة في التركيب عكس ما لها قبله فتحذف التاء في التذكير وتثبت في التأنيث (ولِثَلاَثَةٍ وتِسْعَةٍ وَمَا بَيْنهُمَا إنْ رُكبَا مَا قُدِّمَا) أي في الإفراد وهو ثبوت التاء مع المذكر وحذفها مع المؤنث (وأَوْلِ عَشْرَة اثْنَتَى وعَشَرَا إثْنَيْ إذَا أُنْثى تَشَا أو ذَكَرَا) فتقول جاءتني اثنتا عشرة امرأة واثنا عشر رجلاً (وَالْيَا لِغيرِ الرَّفْعِ) وهو النصب والجر (وارفعْ بالألِف) كما رأيت، وأما الجزء الثاني فإنه مبني على الفتح مطلقاً (والفتحُ في جُزأيْ سِواهما) أي سوى اثنتي عشرة واثني عشر (أُلِفْ)
---

(1/396)


أما العجز فعلة بنائه تضمنه معنى حرف العطف، وأما الصدر فعلة بنائه وقوع العجز منه موقع تاء التأنيث في لزوم الفتح، ولذلك أعرب صدر اثني عشر واثنتي عشرة لوقوع العجز منهما موقع النون، وما قبل النون محل إعراب لا محل بناء، ولوقوع العجز منهما موقع النون لم يضافا بخلاف غيرهما فيقال أحد عشرك ولا يقال اثنا عشرك.
تنبيهان: الأول قد فهم من كلامه أنه لا يجوز تركيب النيف مع العشرين وبابه بل يتعين العطف فتقول: خمسة وعشرون، ولا يجوز خمسة عشرين. ولعله للإلباس في نحو رأيت خمسة عشرين رجلاً فإنه يحتمل خمسة لعشرين رجلاً وقيل غير ذلك. الثاني أجاز الكوفيون إضافة صدر المركب إلى عجزه فيقولون هذه خمسة عشر واستحسنوا ذلك إذا أضيف نحو خمسة عشرك (وَمَيِّز العشِرين) وبابه (لِلْتِّسْعِيْنَا بِواحدٍ) منكر منصوب (كأرْبَعِيْنَ حِيْنَا) وخمسين شهراً ويقدم النيف بحاليته أي بثبوت التاء في التذكير وسقوطها في التأنيث ثم يذكر العقد معطوفاً على النيف فيقال في المذكر: ثلاثة وعشرون رجلاً وفي المؤنث تسع وتسعون نعجة(ومَيزوا مُركباً بِمِثْلِ مَا مُيِّزَ عِشْرُوْنَ) وبابه، أي بمفرد منكر منصوب (فَسَوِّيَنْهُمَا) نحو: {أحد عشر كوكباً} (يوسف: 4)، واثنتي عشرة عيناً. وأما {وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطاً} (الأعراف: 160) فأسباطاً بدل من اثنتي عشرة والتمييز محذوف أي اثنتي عشرة فرقة، ولو كان أسباطاً تمييزاً لذكر العددان وأفرد التمييز لأن السبط مذكر. وزعم الناظم أنه تمييز وإن ذكر أمماً رجح حكم التأنيث.h
تنبيهات: الأول يجوز في نعت هذا التمييز منهما مراعاة اللفظ نحو عندي أحد عشر درهماً ظاهرياً وعشرون ديناراً ناصرياً، ومراعاة المعنى فتقول ظاهرية وناصرية، ومنه قوله:
1192 ـ فِيْهَا اثْنَتَانِ وَأَرْبَعُوْنَ حَلُوْبَةً
سُوْدَاً كَخَافِيْةِ الْغُرَابِ الأسْحَمِ
---

(1/397)


الثاني قد يضاف العدد إلى مستحق المعدودفيسغتني عن التمييز نحو: هذه عشر وزيد، ويفعل ذلك بجميع الأعداد المركبة إلا اثني عشر فيقال: أحد عشرك وثلاثة عشرك، ولا يقال اثني عشرك لأن عشر من اثني عشر بمنزلة نون الاثنين كما مر فلا تجامع الإضافة، ولا يقال اثناك لئلا يلتبس بإضافة اثنين بلا تركيب. الثالث حكم العدد المميز بشيئين في التركيب لمذكرهما مطلقاً إن وجد العقل نحو عندي خمسة عشر عبداً وجارية وخمسة عشر جارية وعبداً، وإن فقد فللسابق بشرط الاتصال نحو عندي خمسة عشر جملاً وناقة وخمس عشرة ناقة وجملاً وللمؤنث إن فصلا نحو عندي ست عشرة ما بين ناقة وجمل أو ما بين جمل وناقة، وفي الإضافة لسابقهما مطلقاً نحو عندي ثمانية أعبدوآم، وثمان آم وأعبد، ولا يضاف عدد أقل من ستة إلى مميزين مذكر ومؤنث لأن كلا من المميزين جمع، وأقل الجمع ثلاثة. الرابع لا يجوز فصل هذا التمييز. وأما قوله:

1193 ـ عَلَى أنَّنِي بَعْدَ مَا قَدْ مَضَى
ثَلاَثُوْنَ لِلْهَجْرِ حَوْلاً كَمِيْلاَ
---

(1/398)


فضرورة (وإنْ أُضِيْفَ عَدَدٌ مُرَكَّبُ يَبْقَ البِنَا) في الجزءين على حاله نحو أحد عشرك مع أحد عشر زيد بفتح الجزءين. هذا هو الأكثر لأن البناء يبقى مع الألف واللام بالإجماع فكذا مع الإضافة. والثاني أن يعرب عجزه مع بقاء التركيب كبعلبك، حكاه سيبويه عن بعض العرب، نحو أحد عشرك مع أحد عشر زيد، وإليه أشار بقوله: (وَعَجُزٌ قَدْ يُعْرَبُ) واستحسنه الأخفش، واختاره ابن عصفور وزعم أنه الأفصح، ووجه ذلك بأن الإضافة ترد الأشياء إلى أصلها في الاعراب، ومنع في التسهيل القياس عليه. وقال في شرحه: لا وجه لاستحسانه لأن المبني قد يضاف نحو كم رجل عندك: {ومن لَدُنْ حكيم خبير} (هود: 1)، وفيه مذهب ثالث وهو أن يُضاف صدره إلى عجزه مزالاً بناؤهما، حكى الفراء أنه سمع من أبي فقعس الأسدي وأبي الهيثم العقيلي ما فعلت خمسة عشرك، وذكر في التسهيل أنه لا يقاس عليه خلافاً للفراء.
تنبيهات: الأول قال في التسهيل: ولا يجوز بإجماع ثماني عشرة إلا في الشعر، يعني بإضافة الأول إلى الثاني دون إضافة المجموع كقوله:
1194 ـ كَلِفَ مِنْ عَنَائِهِ وَشِقْوَتِهِ
بِنْتَ ثَمَانِي عَشْرَةٍ مِنْ حِجَّتِهْ
أي من عامة ذلك. وفي دعواه الإجماع نظر: فإن الكوفيين يجيزون إضافة صدر المركب إلى عجزه مطلقاً كما سبق التنبيه عليه. الثاني في ثماني إذا ركب أربع لغات: فتح الياء وسكونها وحذفها مع كسر النون وفتحها ومنه قوله:
1195 ـ وَلَقَدْ شَرَيْتُ ثَمَانِيَاً وَثَمَانِيَا
وَثَمَانَ عَشْرَةَ وَاثْنَتيْنِ وَأَرْبَعَا
وقد تحذف ياؤها أيضاً في الإفراد ويجعل إعرابها على النون كقوله:
1196 ـ لَهَا ثَنَايَا أَرْبَعٌ حِسَانُ
وَأَرْبَعٌ فَثُغْرُهَا ثَمَانُ
---

(1/399)


وهو مثل قراءة بعض القراء وله الجوارُ المنشآت ــ بضم الراء ــ. الثالث قال في شرح الكافية: لبضعة وبضع حكم تسعة وتسع في الإفراد والتركيب وعطف عشرين وأخواته عليه، نحو لبثت بضعة أعوام وبضع سنين، وعندي بضعة عشر غلاماً وبضع عشرة أمة، وبضعة وعشرون كتاباً، وبضع وعشرون صحيفة، ويراد ببضعة من ثلاثة إلى تسعة وببضع من ثلاث إلى تسع. انتهى. (وصُغْ مِن اثنين فَمَا فَوْقُ) أي فما فوقهما (إلى عَشَرَةٍ) وصفاً (كَفَاعِلٍ) أي على وزن فاعل (مِنْ فَعَلاَ) كضرب نحو ثان وثالث ورابع إلى عاشر. وأما واحد فليس بوصف بل اسم وضع على ذلك من أول الأمر (واختمه في التأنيثِ بالتَّا ومتى ذَكَّرْتَ) أي صفته لمذكر (فاذْكُرْ فَاعِلاً بغيرِ تَا) فتقول في التأنيث ثانية إلى عاشرة، وفي التذكير ثان إلى عاشر، كما تفعل باسم الفاعل من نحو ضارب وضاربة. وإنما نبه على هذا مع وضوحه لئلا يتوهم أنه يسلك به سبيل العدد الذي صيغ منه (وإنْ تُرِدْ) بالوصف المذكور (بعْضَ) العدد (الَّذِي مِنه بُنِي تُضِفْ إليه مِثْلَ بَعْضٍ بيِّن) أي كما يضاف البعض إلى كله نحو: {إذ أخرجه الذين كفروا ثانيَ اثنين} (التوبة: 40) {لقد كفر الذين قالوا إن ا ثالث ثلاثةٍ} (المائدة: 73) وتقول ثانية اثنتين، وثالثة ثلاث إلى عاشر عشرة وعاشر عشر. وإنما لم ينصب حينئذٍ لأنه ليس في معنى ما يعمل ولا مفرعاً عن فعل فالتزمت إضافته لأن المراد أحد اثنين وإحدى اثنتين وأحد عشرة وإحدى عشر، فتضيفه، كما تقول بعض هذه العدة بالإضافة. هذا مذهب الجمهور. وذهب الأخفش وقطرب والكسائي وثعلب إلى أنه يجوز إضافة الأول إلى الثاني ونصبه إياه كما يجوز في ضارب زيد، فيقولون ثان اثنين وثالث ثلاثة، وفصل بعضهم فقال: يعمل ثان ولا يعمل ثالث وما بعده، وإلى هذا ذهب في التسهيل قال: لأن العرب تقول ثنيت الرجلين إذا كنت الثاني منهما، فمن قال ثان اثنين بهذا المعنى عذر لأن له فعلاً، ومن قال ثالث ثلاثة لم

(1/400)


---
يعذر لأنه لا فعل له، فهذه ثلاثة أقوال.
تنبيه: قال في الكافية:
وَثَعْلَبٌ أجَازَ نَحْوَ رَابعُ
أرْبَعةٍ وَمَا لَهُ مُتَابعُ
وقال في شرحها: ولا يجوز تنوينه والنصب به، وأجاز ذلك ثعلب وحده، ولا حجة له في ذلك. هذا كلامهم فعمم المنع. وقد فصل في التسهيل، وخضّ الجواز بثعلب، وقد نقله فيه عن الأخفش، ونقله غيره عن الكسائي وقطرب كما تقدم اهـ.(وإنْ تُرِدْ جَعْلَ الأقَلِّ مِثْلَ مَا فَوْقُ) أي إذا أردت بالوصف المصوغ من العدد أنه يجعل ما هو تحت ما اشتق منه مساوياً له (فَحُكْمَ جَاعِل لَهُ احْكُمَا) فإن كان بمعنى المضي وجبت إضافته، وإن كان بمعنى الحال أو الاستقبال جازت إضافته وجاز تنوينه وإعماله فتقول: هذا رابع ثلاثةٍ ورابعٌ ثلاثةً: أي هذا مصير الثلاثة أربعة، وتؤنث الوصف مع المؤنث كما سبق، فالوصف المذكور حينئذٍ اسم فاعل حقيقة لأنك تقول ثلثت الرجلين إذا انضممت إليهما فصرتم ثلاثة، وكذلك ربعت الثلاث إلى عشرت التسعة، ففاعل هنا بمعنى جاعل وجار مجراه لمساواته له في المعنى والتفرع على فعل، بخلاف فاعل الذي يراد به معنى أحد ما يضاف إليه فإن الذي هو في معناه لا عمل له ولا تفرع له على فعل، فالتزمت إضافته كما سبق.
---

(1/401)


تنبيهات: الأول الوصف حينئذٍ ليس مصوغاً من ألفاظ العدد، وإنما هو من الثلث والربْع والعشر على وزن الضرب، مصادر ثلَث وربع وعشر على وزن ضرب، ومضارعها على وزن يضرب إلا ما كان لامه عيناً وهو ربع وسبع وتسع فإنه على وزن شفع يشفع. الثاني لا يستعمل هذا لاستعمال ثان فلا يقال ثاني واحد ولا ثان واحداً، وأجازه بعضهم وحكاه عن العرب. الثالث أفهم كلامه جواز صوغ الوصف المذكور من العدد المعطوف عليه عقد للمعنيين المذكورين، فيقال هذا ثالث ثلاثة وعشرين بالإضافة، وهذه رابعة ثلاثاً وثلاثين بالإعمال، ورابعة ثلاث وثلاثين بالإضافة اهـ. (وإنْ أردتَ مِثْلَ ثانِي اثنينِ مُرَكبَا فَجِىء بِتركيبَينِ) أي إذا أردت صوغ الوصف المذكور من العدد المركب ــ بمعنى بعض أصله كثاني اثنين ــ فجيء بتركيبين صدر أولهما فاعل في التذكير وفاعلة في التأنيث، وصدر ثانيهما الاسم المشتق منه، وعجزهما عشر في التذكير وعشرة في التأنيث: فتقول في التذكير ثاني عشر اثني عشر إلى تاسع عشر تسعة عشر، وفي التأنيث ثانية عشرة اثنتي عشرة إلى تاسعة عشرة تسع عشرة بأربع كلمات مبنية، وأول التركيبين مضاف إلى ثانيهما إضافة ثاني إلى اثنين. وهذا الاستعمال هو الأصل، ووراءه استعمالان آخران: الأول منهما أن يقتصر على صدر الأول فيعرب لعدم التركيب ويضاف إلى المركب باقياً بناؤه، وإلى هذا أشار بقوله (أوْ فاعِلاً بحالتَيهِ) يعني التذكير والتأنيث (أَضِف إلى مركَّبٍ بِمَا تَنوي يَفي) يفي جواب أضف فهو مجزوم أشبعت كسرته. والمعنى أنك إذا فعلت ذلك وفي الكلام بالمعنى الأول الذي نويته، فتقول في التذكير: ثاني اثني عشر إلى تاسع تسعة عشر، وفي التأنيث ثانية اثنتي عشرة إلى تاسعة تسع عشرة. والثاني منهما أن يقتصر على صورة التركيب الأول بأن يحذف العقد من الأول والنيف من الثاني وإليه أشار بقوله (وشَاعَ الاسْتِغنَا بِحادي عَشَرَا ونحوِهِ) أي ثاني عشر إلى تاسع عشر. وفي التأنيث

(1/402)


---
حادية عشرة إلى تاسعة عشرة، فتذكر اللفظين مع المذكر وتؤنثهما مع المؤنث. وفيه حينئذٍ وجهان: الأول أن يعرب الأول ويبنى الثاني. حكاه ابن السكيت وابن كيسان والكسائي. ووجهه أنه حذف عجز الأول فأعربه لزوال التركيب، ونوى صدر الثاني فبناه، ولا يقاس على هذا الوجه لقلته. وزعم بعضهم أنه يجوز بناؤهما لحلول كل منهما محل المحذوف من صاحبه. وهذا مردود بأنه لا دليل حينئذٍ على أن هذين الاسمين منتزعان من تركيبين بخلاف ما إذا أعرب الأول. والثاني أن تعربهما معاً مقدراً حذف عجز الأول وصدر الثاني لزوال مقتضى البناء فيهما حينئذٍ، فيجري الأول على حسب العوامل، ويجر الثاني بالإضافة. أما إذا اقتصرت على التركيب الأول بأن استعملت النيف مع العشرة ليفيد الاتصاف بمعناه مقيداً بمصاحبته العشرة كما هو ظاهر النظم وعليه شرح الشارح فإنه يتعين بقاء الجزءين على البناء.
---

(1/403)


تنبيهان: الأول إنما مثل بحادي عشر دون غيره ليتضمن التمثيل فائدة التنبيه على ما التزموه حين صاغوا أحداً وإحدى على فاعل وفاعلة من القلب، وجعل الفاء بعد اللام فقالوا حادي عشر وحادية عشرة، والأصل واحد وواحدة فصار حاد ووحادوة فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها فوزنهما عالف وعالفة. وأما ما حكاه الكسائي من قول بعضهم واحد عشر فشاذ نبه به على الأصل المرفوض. قال في شرح الكافية: ولا يستعمل هذا القلب في واحد إلا في تنييف أي مع عشرة أو مع عشرين وأخواته. الثاني لم يذكر هنا صوغ اسم الفاعل من المركب بمعنى جاعل لكونه لم يسمع، إلا أن سيبويه وجماعة من المتقدمين أجازوه قياساً. وذهب الكوفيون وأكثر البصريين إلى المنع، وعلى الجواز فتقول: هذا رابع عشر ثلاثة عشر أو رابع ثلاثة عشر. ولا يجوز أن تحذف النيف من الثاني مع حذف العقد من الأول للإلباس، ويتعين أن يكون التركيب الثاني في موضع خفض. قال في أوضح المسالك: بالإجماع، لكن قال المرادي: أجاز بعض النحويين هذا ثان أحد عشر وثالث اثني عشر بالتنوين وهو مصادم لحكاية الإجماع (وَقَبْلَ عِشرينَ اذْكُرَا. وبابهِ الفاعِلَ مِنْ لَفْظِ العَدَدْ بحالتيه) من التذكير والتأنيث (قَبْلَ واوٍ يُعْتَمدْ) يعني أن العشرين وبابه إلى التسعين يعطف على اسم الفاعل بحالتيه، فتقول الحادي والعشرون إلى التاسع والتسعين، والحادية والعشرون إلى التاسعة والتسعين، ولا يجوز أن تحذف الواو وتركب فتقول: حادي عشرين كما تقول حادي عشر إلحاقاً لكل فرع بأصله، فإنه يجوز أحد عشر بالتركيب ولا يجوز أحد عشرين بالتركيب كما مر.
تنبيه: لم يذكروا في العشرين وبابه اسماً مشتقاً. وقال بعض أهل اللغة عَشْرَنَ وثَلْثَنَ إذا صار له عشرون أو ثلاثون، وكذلك إلى التسعين واسم الفاعل من هذا مُعَشْرِن ومُتَسْعِن اهـ.
---

(1/404)


خاتمة: يؤرخبالليالي لسبقها، فحق المؤرخ أن يقول في أول الشهر: كتب لأول ليلة منه أو لغرته أو مهله أو مستهله، ثم يقول: كتب لليلة خلت، ثم لليلتين خلتا، ثم لثلاث خلون إلى عشر، ثم لإحدى عشرة خلت إلى النصف من كذا أو منتصفه أو انتصافه،وهو أجود من لخمس عشرة خلت أو بقيت، ثم لأربع عشرة بقيت إلى تسع عشرة، ثم لعشر بقين أو ثمان بقين إلى ليلة بقيت، ثم لآخر ليلة منه أو سَراره أو سَرره، ثم لآخر يوم منه أو سلخه، أو انسلاخه، وقد تخلف النون التاء وبالعكس. وا أعلم.

كَمْ وَكأَيِّنْ وكذا

هذه ألفاظ يكنى بها عن العدد ولهذا أردف بها باب العدد. أما كم فاسم لعدد مبهم الجنس والمقدار، وهي على قسمين: استفهامية بمعنى أيّ عدد، وخبرية بمعنى عدد كثير، وكل منهما يفتقر إلى تمييز: أما الأولى فمميزها كمميز عشرين وأخواته في الإفراد والنصب، وقد أشار إلى ذلك بقوله: (مَيِّز في الاستِفهامِ كم بمثلِ مَا مَيَّزْتَ عِشرينَ كَكم شَخصاً سَما) أما الإفراد فلازم مطلقاً خلافاً للكوفيين فإنهم يجيزون جمعه مطلقاً،وفصل بعضهم فقال: إن كان السؤال عن الجماعات ــ نحو كم غلماناً لك إذا أردت أصنافاً من الغلمان ــ جاز، وإلا فلا، وهو مذهب الأخفش. وأما النصب ففيه أيضاً ثلاثة مذاهب: أحدها أنه لازم مطلقاً، والثاني ليس بلازم بل يجوز جره مطلقاً حملاً على الخبرية، وإليه ذهب الفراء والزجاج والسيرافي، وعليه حمل أكثرهم:
كَمْ عمَّةٍ لكَ يا جَرِيرُ وخالة
---

(1/405)


والثالث أنه لازم إن لم يدخل على كم حرف جر، وراجح على الجر إن دخل عليها حرف جر، وهذا هو المشهور. ولم يذكر سيبويه جره إلا إذا دخل عليها حرف جر وإلى هذا الإشارة بقوله: (وأَجِزَ إنْ تجرَّه مِن مُضْمَرا إنْ وَلِيَتْ كم حرفَ جرَ مُطهرَا) فيجوز في بكم درهم اشتريت النصب وهو الأرجح، والجر أيضاً وفيه قولان: أحدهما أنه يمن مضمرة كما ذكر وهو مذهب الخليل وسيبويه والفراء وجماعة. والثاني أنه بالإضافة وهو مذهب الزجاج. وأما الثانية وهي الخبرية فمميزها يستعمل تارة كمميز عشرة فيكون جمعاً مجروراً وتارة كمميز مائة فيكون مفرداً مجروراً. وقد أشار إلى ذلك بقوله: (واستعِمَلنها مُخبراً كعشَرَه أو مِائة ككم رِجالٍ أو مَرَه) ومن الأول قوله:
1197 ـ كَمْ مُلوكٍ بادَ مُلْكُهُمُ
ومن الثاني قوله:
1198 ـ وَكَمْ لَيْلَةٍ قَدْ بِتّهَا غَيْرَ آثِمٍ
وقوله:
1199 ـ كَمْ عَمَّةٍ لَكَ يَا جَرِيْرُ وَخَالَةٍ
فَدْعَاءَ قَدْ حَلَبَتْ عَلَيّ عِشَارَى
ويروى هذا البيت بالنصب والرفع أيضاً أيضاً: أما النصب فقيل إن لغة تميم نصب تمييز الخبرية إذا كان مفرداً. وقيل على تقديرها استفهامية استهفام تهكم: أي أخبرني بعدد عماتك وخالاتك اللاتي كنّ يخدمنني فقد نسيته، وعليهما فكم مبتدأ خبره قد حلبت، وأفرد الضمير حملاً على لفظ كم. وأما الرفع فعلى أنه مبتدأ وإن كان نكرة لأنها قد وصفت بلك، وبفدعاء محذوفة مدلول عليها بالمذكورة، كما حذفت لك من صفة خالة مدلولاً عليها بلك الأولى،والخبر قد حلبت، ولا بد من تقدير قد حلبت أخرى، لأن المخبر عنه حينئذٍ متعدد لفظاً ومعنى نظير زينب وهند قامت. وكم على هذا الوجه ظرف أو مصدر والتمييز محذوف: أي كم وقت أو حلبة.
---

(1/406)


تنبيهات: الأول إفراد تمييز الخبرية أكثر وأفصح من جمعه، وليس الجمع بشاذ كما زعم بعضهم. الثاني الجر هنا بإضافة كم على الصحيح إذ لا مانع منها. وقال الفراء أنه بمن مقدرة، ونقل عن الكوفيين. الثالث شرط جر تمييز كم الخبرية الاتصال، فإن فصل نصب حملاً على الاستفهامية فإن ذلك جائز فيها في السعة. وقد جاء مجروراً مع الفصل بظرف أو مجرور كقوله:
1200 ـ كَمْ دُوْنَ مَيَّةَ مَوْتَاةٌ يُهَالُ لَهَا
إذَا تَيَمَّمَهَا الخِرِّيْتُ ذُو الْجَلَدِ
وقوله:
1201 ـ كَمْ بِجَوْدٍ مُقْرِفٍ نَالَ العُلاَ
وَكَرِيْمٍ بُخْلُهُ قَدْ وَضَعَهْ
وقوله:
1202 ـ كَمْ في بَنِي بَكْرِ بنِ سَعْدٍ سَيِّدٍ
ضَخْمِ الْدَّسِيْعَةِ مَاجِدٍ نَفَّاعِ
والصحيح اختصاصه بالشعر. ومثله فصل تمييز العدد المركب وشبهه، وقد مر. وذهب الكوفيون إلى جوازه في الاختيار. وقيل إن كان الفصل بناقص نحو كم اليوم جائع أتاني، وكم بك مأخوذ جاءني جاز. وإن كان بتام لا يجوز، وهو مذهب يونس. فإن كان الفصل بجملة كقوله:
1203 ـ كَمْ نَالَنِي مِنْهُمُ فَضَلاً عَلَى عَدَمِ
أو بظرف وجار مجرور معاً كقوله:
1204 ـ تَؤُمُّ سِنَانَاً وَكَمْ دُوْنَهُ
مِنَ الأرْضِ مُحْدَوْدِبَاً غَارُهَا
---

(1/407)


تعين النصب. قاله المصنف. وهو مذهب سيبويه. الرابع الاستفهامية والخبرية يتفقان في سبعة أمور ويفترقان في ثمانية أمور: فيتفقان في أنهما اسمان، ودليله واضح، وأنهما مبنيان، وأن بناءهما على السكون، وقد سبق ذلك في أول الكتاب. وأنهما يفترقان إلى مميز لإبهامهما، وأنهما يجوز حذف مميزهما إذا دل عليه دليل خلافاً لمن منع حذف تمييز الخبرية، وأنهما يلزمان الصدر فلا يعمل فيهما ما قبلهما إلا المضاف وحرف الجر، وأنهما على حد واحد في وجوه الإعراب، فكم بقسميها إن تقدم عليها حرف جر أو مضاف فهي مجرورة. وإلا فإن كانت كناية عن مصدر أو ظرف فهي منصوبة على المصدر أو على الظرف، وإلا فإن لم يلها فعل أو وليها وهو لازم أو رافع ضميرها أو سببيها فهي مبتدأ، وإن وليها فعل متعد ولم يأخذ مفعوله فهي مفعولة، وإن أخذه فهي مبتدأ. إلا أن يكون ضميراً يعود عليها ففيها الابتداء والنصب على الاشتغال. ويفترقان في أن تمييز الاستفهامية أصله النصب وتمييز الخبرية أصله الجر، وفي أن تمييز الاستفهامية مفرد وتمييز الخبرية يكون مفرداً وجمعاً، وفي أن الفصل بين الاستفهامية وبين مميزها جائز في السعة، ولا يفصل بين الخبرية ومميزها إلا في الضرورة على ما مر. وفي أن الاستفهامية لا تدل على تكثير والخبرية للتكثير خلافاً لابن طاهر وتلميذه ابن خروف. وفي أن الخبرية تختص بالماضي كرب: فلا يجوز كم غلمان لي سأملكهم، كما لا يجوز رب غلمان سأملكهم، ويجوز كم عبد سأشتريه، وفي أن الكلام مع الخبرية محتمل للتصديق والتكذيب بخلافه مع الاستفهامية، وفي أن الكلام مع الخبرية لا يستدعي جواباً بخلافه مع الاستفهامية، وفي أن الاسم المبدل من الخبرية لا يقترن بالهمزة بخلاف المبدل من الاستفهامية، فيقال في الخبرية كم عبيد لي خمسون بل ستون، وفي الاستفهامية كم مالك أعشرون أم ثلاثون اهـ. (كَكَمْ) يعني هذه أي الخبرية في الدلالة على تكثير عدد مبهم الجنس والمقدار (كَأيِّنْ

(1/408)


---
وكذا وينتصِبْ تَمييزُ ذَيْنِ أو بِهِ صِلْ مِنْ نُصِبْ) بخلاف تمييز كم الخبرية فتقول كأين رجلاً رأيت، ومنه قوله:

1205 ـ وَكَائِنْ لَنَا فَضْلاَ عَلِيْكُمْ وَمِنَّةً
قَدِيْمَاً وَلاَ تَدْرُوْنَ مَا مَنَّ مُنْعِمُ وقوله:
1206 ـ اطْرُدِ الْيَأسَ بِالْرَّجاءِ فَكَائِنْ
آلِماً حُمَّ يُسْرُهُ بَعْدَ عُسْرِ وتقول كأين من رجل لقيت، ومنه: {وكأيِّنْ من نَبِيَ قاتل معه ربِّيون كثير} (آل عمران: 146)، {وكأيِّنْ من آية في السموات والأرض يمرُّون عليها} (يوسف: 105)، وتقول رأيت كذا رجلاً.
---

(1/409)


تنبيهات: الأول توافق كل واحدة من كأين وكذا كم في أمور وتخالفها في أمور: أما كأين فإنها توافق كم في خمسة أمور وتخالفها في خمسة: فتوافقها في الإبهام، والافتقار إلى التمييز، والبناء، ولزوم التصدير، وإفادة التكثير تارة وهو الغالب والاستفهام أخرى وهو نادر، ولم يثبته إلا ابن قتيبة وابن عصفور والمصنف، واستدل له بقول أبيّ بن كعب لابن مسعود: كأين تقرأ سورة الأحزاب آية؟ فقال ثلاثاً وسبعين.3 وتخالفها في أنها مركبة وكم بسيطة على الصحيح، وتركيبها من كاف التشبيه وأي المنونة، ولهذا جاز الوقف عليها بالنون لأن النوين لما دخل في التركيب أشبه النون الأصلية، ولهذا رسم في المصحف نوناً ومن وقف بحذفه اعتبر حكمه في الأصل وهو الحذف في الوقف، وفي أن مميزها مجرور بمن غالباً حتى زعم ابن عصفور لزوم ذلك، ويرده ما سبق، وفي أنها لا تقع استفهامية عند الجمهور وقد مضى، وفي أنها لا تقع مجرورة خلافاً لابن قتيبة، وابن عصفور أجاز بكائن تبيع هذا الثوب، وفي أن مميزها لا يقع إلا مفرداً. وأما كذا فتوافق كم في أربعة أمور وتخالفها في أربعة: فتوافقها في البناء، والإبهام، والافتقار، إلى المميز، وإفادة التكثير. وتخالفها في أنها مركبة ــ وتركيبها من كاف التشبيه وذا الإشارية ــ وأنها لا تلزم التصدير فتقول قبضت كذا وكذا درهماً. وأنها لا تستعمل غالباً إلا معطوفاً عليها كقوله:
1207 ـ عِدِ الْنَّفْسَ نُعْمَى بَعْدَ بُؤسَاكَ ذَا ذَاكِرَاً
كَذَا وَكَذَا لُطْفَاً بِهِ نُسِيَ الْجُهْدُ
---

(1/410)


وزعم ابن خروف أنهم لم يقولوا كذا درهماً ولا كذا كذا درهماً ــ بدون عطف. وذكر الناظم أن ذلك مسموع ولكنه قليل، وعبارة التسهيل: وقل ورود كذا مفرداً ومكرراً بلا واو وأنها يجب نصب تمييزها، فلا يجوز جره بمن اتفاقاً ولا بالإضافة خلافاً للكوفيين فأنهم أجازوا في غير تكرار ولا عطف أن يقال: كذا ثوب وكذا أثواب، قياساً على العدد الصريح، ولهذا قال فقهاؤهم إنه يلزمه بقوله عندي كذا درهم مائة، وبقوله كذا دراهم ثلاثة، وبقوله كذا كذا درهماً أحد عشر، وبقوله كذا درهماً عشرون، وبقوله كذا وكذا درهماً أحد وعشرون، حملاً على المحقق من نظائرهن من العدد الصريح. ووافقهم على هذه التفاصيل ــ غير مسألتي الإضافة ــ المبرد والأخفش وابن كيسان والسيرافي وابن عصفور، ووهم ابن السيد فنقل اتفاق النحويين على إجازة ما أجازه المبرد ومن ذكر معه، وعبارة التسهيل: وكنى بعضهم بالمفرد المميز بجمع عن ثلاثة وبابه، وبالمفرد المميز بمفرد عن مائة وبابه، وبالمكرر دون عطف عن أحد عشر وبابه، وبالمكرر مع عطف عن أحد وعشرين وبابه. الثاني قد بان لك أن قوله أو به صِل مِن تُصِبْ راجع إلى تمييز كأين دون كذا فلو قال:

ككم كأين وكذا ونصباً
وقيل كائن بعده من وجبا
لكان أحسن من أوجه: أحدها التنصيص على الخلف السابق. ثانيها التنبيه على اختصاص كأين بمن دون كذا. ثالثها إفهام أن وجود من بعد كأين أكثر من عدمها لجريان خلف في وجوبها. رابعها إفادة أن كائن لغة في كأين وفيها خمس لغات: أفصحها كأين وبها قرأ السبعة إلا ابن كثير، ويليها كائن على وزن كاعن وبها قرأ ابن كثير وهي أكثر في الشعر من الأولى وإن كانت الأولى هي الأصل، ومنه البيتان السابقان، وقوله:
1208 ـ وَكَائِنْ بِالأبَاطِحِ مِنْ صَدِيْقٍ
يَرَانِي لَوْ أُصِبْتُ هُوَ الْمُصَابَا
---

(1/411)


والثالثة كأين مثل كعِيْن وبها قرأ الأعمش وابن محيصن. والرابعة كيئن بوزن كيْعِن. والخامسة كأن على وزن كعن، وسبب تلعبهم بهذه الكلمة كثرة الاستعمال. الثالث تأتي كذا هذه أعني المركبة كناية عن غير العدد وهو الحديث مفرده ومعطوفه، ويكنى بها عن المعرفة والنكرة، ومنه الحديث يقال للعبد يوم القيامة: أتذكر يوم كذا وكذا. وتكون كذا أيضاً كلمتين على أصلهما و هما كاف التشبيه وذا الإشارية نحو رأيت زيداً فاضلاً وعمراً كذا. ومنه قوله:
1209 ـ وَأَسْلَمَنِي الْزَّمَانُ كَذَا
فَلاَ طَرَبٌ وَلاَ أُنْسُ
وتدخل عليها ها التنبيه نحو: {أهكذا عرشك} (النمل: 42).
خاتمة: يكنى عن الحديث أيضاً بكَيت وكِيت وذَيت وذِيت ــ بفتح التاء وكسرها والفتح أشهر ــ وهما مخففتان من كية وذية، وقالوا على الأصل: كان من الأمر كية وكية وذية وذية، وليس فيهما حينئذٍ إلا البناء على الفتح، ولا يقال كان من الأمر كيت بل لا بد من تكررها، وكذا ذيت لأنها كناية عن الحديث. والتكرير مشعر بالطول.

الحِكَايَةُ
---

(1/412)


هذا الباب للحكاية بأي وبمن. والعلم بعد من (إحْك بأيَ ما لمنكورٍ سُئِلْ عَنْهُ بِهَا في الوقفِ أوْ حينَ تَصِلْ) أي يحكى بأي وصلاً ووقفاً ما لمنكور مذكور مسؤول عنه بها من إعراب وتذكير وإفراد وفروعهما، فيقال لمن قال رأيت رجلاً وامرأة وغلامين وجاريتين وبنين وبنات: أياً وأية وأيين وأيتين وأيين وأياتِ، هذا في الوقف، وكذا في الوصل فيقال: أياياً هذا وأية يا هذا إلى آخرها. واعلم أنه لا يحكي بها جمع تصحيح إلا إذا كان موجوداً في المسؤول عنه أو صالحاً لأن يوصف به، نحو رجال فإنه يوصف بجمع التصحيح فيقال رجال مسلمون، هذه اللغة الفصحى؛ وفي لغة أخرى يحكى بها ما له من إعراب وتذكير وتأنيث فقط ولا يثنى ولا يجمع فيقال: أيا أو أياياً هذا لمن قال رأيت رجلاً أو رجلين أو رجالاً، وأية أو أية يا هذا لمن قال رأيت امرأة أو امرأتين أو نساء (وَوَقْفَاً احْكِ مَا لِمنكورٍ بِمَنْ والنُّوْنَ حرِّكْ مُطْلَقَاً وأَشْبِعَنْ) فتقول لمن قال قام رجل منو ولمن قال رأيت رجلاً منا، ولمن قال مررت برجل، مني هذا في المفرد المذكر (وقلْ) في المثنى المذكر (مَنانِ ومَنَيْنِ بَعْدَ) قول القائل (لِي إلْفانِ بِابنيْن) وضرب حران عبدين، فمنان لحكاية المرفوع ومنين لحكاية المجرور والمنصوب (وَسَكِّن) آخرهما (تَعْدِلِ) وإنما حرك في النظم للضرورة (وقُلْ) في المفرد المؤنث (لِمَنْ قَالَ أتَتْ بِنْتٌ مَنَهْ) بفتح النون وقلب التاء هاء، وقد يقال منت بإسكان النون وسلامة التاء. وقل في المثنى المؤنث لمن قال لي زوجتان مع أمتين، أو ضربت حرتان رقيقتين، منتان، ومنتين: فمنتان لحكاية المرفوع، ومنتين لحكاية المجرور والمنصوب (والنُّوْنُ قبلَ تَا المُثَنَى مُسْكَّنَه والفتحُ) فيها (نَزْرٌ) أي قليل. وإنما كان الفتح أشهر في المفرد والإسكان أشهر في التثنية لأن التاء في منت متطرفة وهي ساكنة للوقف فحرك ما قبلها لئلا يلتقي ساكنان، ولا كذلك منتان (وَصِلِ

(1/413)


---
التَّا والألِفْ بِمَنْ) في حكاية جمع المؤنث السالم فقل (بإثْرِ) قول القائل (ذَا بِنِسْوعةٍ كَلِفْ): منات بإسكان التاء (وقُلْ) في حكاية جمع المذكر السالم (مَنُوْنَ ومَنِيْنَ مُسْكِنَا) آخرهما (إنْ قِيْلَ جَا قَوْمٌ لِقَوْمٍ فُطَنَا) أو ضرب قوم قوماً. فمنون للمرفوع، ومنين للمجرور والمنصوب.

تنبيه: في الحكاية بمن لغتان: إحداهما ــ وهي الفصحى ــ أن يحكي بها ما للمسؤول عنه من إعراب وإفراد وتذكير وفروعهما على ما تقدم، ولم يذكر المصنف غيرها، والأخرى أن يحكى بها إعراب المسؤول عنه فقط، فيقال لمن قال: قام رجل أو رجلان أو رجال، أو امرأة أو امرأتان أو نساء: منو، وفي النصب منا، وفي الجر مني (وإنْ تَصِل فَلَفْظُ مَنْ لا يَخْتَلِفْ) فتقول: من يا فتى في الأحوال كلها، هذا هو الصحيح. وأجاز يونس إثبات الزوائد وصلاً، منوياً فتى، وتشير إلى الحركة في منت ولا تنوّن، وتكسر نون المثنى وتفتح نون الجمع وتنوّن منات ضماً وكسراً، وهو مذهب حكاه يونس عن بعض العرب، وحمل عليه قول الشاعر:
1210 ـ أتَوْا نَارِي فَقُلْتُ مَنُوْنَ أنْتُمْ وهذا شاذ عند سيبويه والجمهور من وجهين: أحدهما إثبات العلامة وصلاً، والآخر تحريك النون. وقال ابن المصنف والآخر أنه حكى مقدراً غير مذكور، وقد أشار المصنف إلى البيت المذكور بقوله: (ونادِرُ مَنونَ في نَظْمٍ عُرِفْ) وهو لتأبط شراً. ويقال لشِمْر الغساني. وتمامه:
فقالوا الجنُّ قلتُ عِمُوا ظَلاَما ويروى: عموا صباحاً. ويغلَّط المنشد على إحدى الروايتين بالرواية الأخرى، وكذلك فعل الزجاجي فغلط من أنشده صباحاً، وليس الأمر كما يظن بل كل واحدة من الروايتين صحيحة: فهو على رواية عموا ظلاماً من أبيات رواها ابن دريد عن أبي حاتم السختياني عن أبي زيد الأنصاري. أولها:
ونارٍ قد خَضَأتُ بُعَيْدَ وهْنٍ
بِدارٍ مَا أريدُ بِهَا مُقَاما
---

(1/414)


وهي مشهورة. وعلى رواية عموا صباحاً من أبيات معزوة إلى خديج بن سنان الغساني أولها:
أتَوْا نَارِي فَقُلْتُ مَنْونَ أنْتُمْ
فَقَالُوا الجنُّ قلتُ عِمُوا صَبَاحَا
نزلتُ بِشِعْبِ وادي الجنِّ لما
رأيتُ الليلَ قَدْ نَشَرَ الْجَناحَا
قيل: وكلا الشعرين أكذوبة من أكاذيب العرب (والعَلَمَ احْكِيَنَّهُ مِنْ بَعْدِ مَنْ إنْ عَرِيَتْ مِنْ عَاطِفٍ بِهَا اقْتَرَنْ) فتقول لمن قال جاء زيد: من زيد، ورأيت زيداً: من زيداً، أو مررت بزيد: من زيدٍ. وهذه لغة الحجازيين. وأما غيرهم فلا يحكون، بل يجيئون بالعلم المسؤول عنه بعد من مرفوعاً مطلقاً، لأنه مبتدأ خبره من، أو خبر مبتدؤه من، فإن اقترنت بعاطف نحو ومن زيد تعين الرفع عند جميع العرب.
---

(1/415)


تنبيهات: الأول يشترط لحكاية العلم بمن أن لا يكون عدم الاشتراك فيه متيقناً، فلا يقال من الفرزدق ــ بالجر ــ لمن قال سمعت شعر الفرزدق، لأن هذا الاسم تيقن انتفاء الاشتراك فيه. الثاني شمل كلامه العلم المعطوف على غيره، والمعطوف عليه غيره، وفيه خلاف منعه يونس وجوّزه غيره واستحسنه سيبويه، فيقال لمن قال رأيت زيداً وأباه: من زيداً وأباه، ومن قال رأيت أخاً زيد وعمراً: من أخا زيد وعمراً. الثالث أجاز يونس حكاية سائر المعارف قياساً على العلم، والصحيح المنع. الرابع لا يحكى العلم موصوفاً بغير ابن مضاف إلى علم، فلا يقال من زيداً العاقل، ولا من زيداً ابن الأمير، لمن قال: رأيت زيداً العاقل، أو رأيت زيداً ابن الأمير. ويقال من زيد بن عمرو لمن قال رأيت زيد بن عمرو. الخامس فهم من قوله احكينه أن حركاته حركات حكاية، وأن إعرابه مقدر، وقد صرح به في غير هذا الكتاب، والجمهور على أن من مبتدأ والعلم بعدها خبر سواء كانت حركته ضمة أو فتحة أو كسرة، وحركة إعرابه مقدرة لاشتغال آخره بحركة الحكاية. السادس: قد بان لك أن من تخالف أياً في باب الحكاية في خمسة أشياء: أحدها أن من تختص بحكاية العاقل، وأي عامة في العاقل وغيره. ثانيها أن من تختص بالوقف، وأي عامة في الوقف وفي الأصل. ثالثها أن من يجب فيها الإشباع فيقال: منو ومنا ومنى، بخلاف أي. رابعها أن من يحكي بها النكرة ويحكي بعدها العلم، وأي تختص بالنكرة. خامسها أن ما قبل تاء التأنيث في أي واجب الفتح تقول: أية وأيتان، وفي من يجوز الفتح والإسكان على ما سبق.
خاتمة: الحكاية على نوعين: حكاية جملة، وحكاية مفرد: فأما حكاية الجملة فضربان: حكاية ملفوظ وحكاية مكتوب: فالملفوظ نحو قوله تعالى: {وقالوا الحمدُ } (الأعراف: 43)، وقوله:
1211 ـ سَمِعْتُ الْنَّاسُ يَنْتَجِعُوْنَ غَيْثاً
فَقُلْتُ لِصَيْدَحَ انْتَجِعِي بِلاَلا
---

(1/416)


والمكتوب نحو قوله: قرأت على فصه محمد رسول ا ، وهي مطردة ويجوز حكايتها على المعنى فتقول في حكاية زيد قائم: قال قائل قائم زيد، فإن كانت الجملة ملحونة تعين المعنى على الأصح. وأما حكاية المفرد فضربان: ضرب بأداة الاستفهام ويسمى الاستثبات بأي أو بمن وهو ما تقدم، وضرب بغير أداة وهو شاذ كقول بعض العرب ــ وقد قيل له هاتان تمرتان ــ دعنا من تمرتان. قال سيبويه: وسمعت أعرابياً وسأله رجل فقال أنهما قرشيان، فقال: ليسا بقرشيان. وسمعت عربياً يقول لرجل سأله: أليس قرشياً؟ قال ليس بقرشياً. وا أعلم.

التَّأنِيثُ
---

(1/417)


(عَلاَمَةُ التأنيثِ تاءٌ أَوْ أَلِفْ) فالتاء على قسمين: متحركة وتختص بالأسماء كقائمة، وساكنة وتختص بالأفعال كقامت. والألف كذلك مفردة وهي المقصورة كحبلى، وألف قبلها فتقلب هي همزة وهي الممدودة كحمراء. واعلم أن التاء أكثر وأظهر دلالة من الألف لأنها لا تلتبس بغيرها، بخلاف الألف فإنها تلتبس بغيرها فيحتاج إلى تمييزها بما يأتي ذكره ولهذا قدمها في الذكر على الألف. وإنما قال تاء ولم يقل هاء ليشمل الساكنة، ولأن مذهب البصريين أن التاء هي الأصل والهاء المبدلة في الوقف فرعها، وعكس الكوفيون. وإنما لم يوضع للتذكير علامة لأنه الأصل فلم يحتج لذلك (وفي أَسامٍ قَدَّروا التَّا كالكَتِفْ) واليد والعين، ومأخذه السماع (ويُعْرَفُ التقديرُ بِالضميرِ) العائد على الاسم (ونَحْوهِ كالرَّدِّ في التصغير) كيدية إلى ما هي فيه حساً، والإشارة إليه بذي وما في معناها، ووجودها في فعله وسقوطها من عدده، وتأنيث خبره أو نعته أو حاله، والأمثلة واضحة (ولا تَلِي فارقةً فَعُولا أصلاً ولا المِفعالَ والمفعيلاَ) أي لا تلي التاء هذه الأوزان فارقة بين المذكر والمؤنث: فيقال هذا رجل صبور ومهذار ومعطير، وهذه امرأة صبور ومهذار ومعطير. وفهم من قوله ولا تلي فارقة أنها قد تلي غير فارقة كقولهم ملولة وفروقة فإن التاء فيهما للمبالغة، ولذلك تلحق المؤنث والمذكر. واحترز بقوله أصلاً عن فعول بمعنى مفعول فإنه قد تلحقه التاء نحو أكولة بمعنى مأكولة، وركوبة بمعنى مركوبة، وحلوبة بمعنى محلوبة. وإنما كان فعول بمعنى فاعل أصلاً لأن بنية الفاعل أصل. وقال الشارح لأنه أكثر من فعول بمعنى مفعول فهو أصل له (كَذَاك مِفعلٌ) أي لا تليه التاء فارقة، فيقال: رجل مغشم وامرأة مغشم (وَمَا تَلِيْهِ تَا الفرقِ مِنْ ذِي) الأوزان الأربعة (فَشُذُوْذٌ فِيْهِ) نحو عدو وعدوّة، وميقان وميقانة، ومسكين ومسكينة. وسمع امرأة مسكين على القياس، حكاه سيبويه (ومِن فَعِيلٍ) بمعنى

(1/418)


---
مفعول (كَقَتِيْلٍ) بمعنى مقتول وجريح بمعنى مجروح (إنْ تَبِعْ مَوْصُوفَهُ غَالِبَاً التَّا تَمتنعْ) فيقال: رجل قتيل وجريح، وامرأة قتيل وجريح. والاحتراز بقوله كقتيل من فعيل بمعنى فاعل: نحو رحيم وظريف فإنه تلحقه التاء فتقول امرأة رحيمة وظريفة، وبقوله إن تبع موصوفه من أن يستعمل استعمال الأسماء غير جار على موصوف ظاهر ولا منوي لدليل فإنه تلحقه التاء، نحو رأيت قتيلاً وقتيلة، فراراً من اللبس. ولو قال:

ومِن فعِيلٍ كقتيلٍ إن عُرِفْ
موصوفهُ غالباً التَّا تنحَذِفْ
لكان أجود، ليدخل في كلامه نحو رأيت قتيلاً من النساء فإنه مما يحذف فيه التاء للعلم بموصوفه، ولهذا قال في شرح الكافية: فإن قصدت الوصفية وعلم الموصوف جرد من التاء. وأشار بقوله غالباً إلى أنه قد تلحقه تاء الفرق حملاً على الذي بمعنى فاعل، كقول العرب: صفة ذميمة، وخصلة حميدة، كما حمل الذي بمعنى فاعل عليه في التجرد نحو: {إنَّ رحمة ا قريبٌ} (الأعراف: 56)، {قال مَن يحيي العظام وهي رميم} (يس: 78).
---

(1/419)


تنبيه: الأصل في لحاق التاء الأسماء إنما هو تمييز المؤنث من المذكر، وأكثر ما يكون ذلك في الصفات نحو مسلم ومسلمة، وظريف وظريفة، وهو في الأسماء قليل نحو رجل ورجلة، وامرىء وامرأة، وإنسان وإنسانة، وغلام وغلامة، وفتى وفتاة. وتكثر زيادة التاء لتمييز الواحد من الجنس في المخلوقات: نحو تمر وتمرة، ونخل ونخلة، وشجر وشجرة، وقد تزاد لتمييز الجنس من الواحد. نحو جبأة وجبء، وكمأة وكمء، ولتمييز الواحد من الجنس في المصنوعات نحو: جر وجرة، ولبن ولبنة، وقلنسو وقلنسوة، وسفين وسفينة. وقد يجاء بها للمبالغة كراوية لكثير الرواية، ولتأكيد المبالغة كعلاَّمة ونسَّابة. وقد تجيء معاقبة لياء مفاعيل كزنادقة، وجحاجحة. فإذا جيء بالياء لم يجأ بها، بل يقال زناديق، وجحاجيح: فالياء والهاء متعاقبان. وقد يجاء بها دالة على النسب كقولهم: أشعني وأشاعنة،وأزرقي وأزارقة، ومهلبي ومهالبة. وقد يجاء بها دالة على تعريب الأسماء المعجمة نحو كَيْلجة وكيالجة. ومَوْزَج وموازجة. والكيلجة مقدار من الكيل معروف، والموزج: الخف. وقد تكون لمجرد تكثير حروف الكلمة كما هي في نحو قرية وبلدة وغرفة وسقاية، وتجيء عوضاً من فاء نحو عدة، أو من عين نحو إقامة، أو من لام نحو سنة. وقد عوضت من مَدة تفعيل في نحو تزكية وتنمية وتنزية، وقد تكون التاء لازمة فيما يشترك فيه المذكر والمؤنث كربعة للمعتدل القامة من الرجال والنساء، وقد تلازم ما يخص المذكر كرجل بُهمة وهو الشجاع. وقد تجيء في لفظ مخصوص بالمؤنث لتأكيد تأنيثه كنعجة وناقة، ومنه نحو حجارة وصقورة وخؤولة وعمومة فإنها لتأكيد التأنيث اللاحق للجمع (وألِفُ التَّأنِيْثِ ذاتُ قَصْرِوذَاتُ مَدَ نحوُ أُنثى الغُرِّ) أي غراء، والمقصورة هي الأصل فلهذا قدمها (والاشتهارُ في مَبَانِي الأولى) أي المقصورة (يُبديهِ) أي يظهره أوزان: الأول (وزنُ) فعلى بضم الأول وفتح الثاني نحو (أُرَبَى) للداهية، وأُدَمى وشُعَبى لموضعين.

(1/420)


---
وزعم ابن قتيبة أنها لا رابع لها، ويرد عليه أُرَنَى بالنون لحب يعقد به اللبن، وجُنَفى لموضع، وجُعَبى لعظام النمل.

تنبيه: جعل في التسهيل هذا الوزن من المشترك بين المقصورة والممدودة وهو الصواب، ومنه مع الممدودة اسماًخُششاء للعظم الذي خلف الأذن، وصفة ناقة عُشراء، وامرأة نفساء، وهو في الجمع كثير نحو كرماء وفضلاء وخلفاء. الثاني فعلى بضم الأول وسكون الثاني، ومنه اسماً بُهمي لنبت، وصفة نحو حبلى (والطولَى) ومصدراً نحو رُجعى وبُشرى. الثالث فعلى بفتحتين، ومنه اسماً بَرَدَى لنهر بدمشق، وأجلى لموضع، ومصدراً بشكى وجمزى (ومَرَطَى) يقال بَشَكت الناقة، وجَمزَت، ومَرَطتْ: أي أسرعت، وصفة كحيَدي.
---

(1/421)


تنبيه: عد في التسهيل هذا الوزن من المشترك، ومنه مع الممدودة قرَماء وجَنفاء لموضعين، وابن دَأثاء وهي الأمة، ولا يحفظ غيرها. الرابع فعلى بفتح الأول وسكون الثاني، وقد أشار إليه بقوله: (وَوَزْنُ فَعْلَى جَمْعَا) نحو جرحى (أو مَصْدَراً) نحو نجوى (أو صِفةً) لأنثى فعلان (كشَبْعى) فإن كان فعلي اسماً لم يتعين كون ألفه للتأنيث ولا قصرها، بل قد تكون مقصورة كسلمى ورضوى، وتكون ممدودة كالعوَّاء وهي منزلة من منازل القمر، وفيها القصر والمدّ، وتكون للتأنيث كما مر، وللإلحاق؛ ومما فيه الوجهان: أرْطى وعلقى وتترى. الخامس فعالى بضم أوله ويكون اسماً كسُمَانَى (وكَحُبارَى) لطائرين. وجمعاً كُسكارى، وزعم الزبيدي أنه جاء صفة مفرداً، وحكى قولهم جمل عُلادى. السادس فعلى بضم الأول وتشديد الثاني مفتوحاً نحو (سُمَّهَى) للباطل. السابع فعلّى بكسر الأول وفتح الثاني وتسكين الثالث نحو (سِبَطْرَى) ودِفَقَّى لضربين من المشى. الثامن فعلى بكسر الأول وسكون الثاني مصدراً نحو (ذِكْرَى) وجمعاً نحو حِجْلى وظِربى جمع حجلة وظربان ــ على وزن قطران ــ وهي دويبة تشبه الهرة منتنة الفسو، ولا ثالث لهما في الجموع. فإن كان فِعلى غير مصدر أو جمع لم يتعين كون ألفه للتأنيث، بل إن لم ينون في التنكير فهي للتأنيث نحو ضئرى ــ بالهمز ــ وهي القسمة الجائرة، والشيزى وهو خشب يصنع منه الجفان، والدفلى وهو شجر، وإن نوّن فألفه للإلحاق نحو رجل كِيصى وهو المولع بالأكل وحده، وعِزهى وهو الذي لا يلهو.d وإن كان ينوّن في لغة ولا ينوّن في أخرى ففي ألفه وجهان: نحو ذِفرى وهو الموضع الذي يعرق خلف أذن البعير، والأكثر فيه منع الصرف،ومنهم أيضاً من نوّن دفلى، وعلى هذا فتكون ألفه للإلحاق. التاسع فِعِّيلى بكسر الأول. والثاني مشدداً نحو هجِّيرى للعادة (وَحِثِّيثَى) مصدر حث ولم يجىء إلا مصدر.
---

(1/422)


تنبيه: عد هذا الوزن في التسهيل من المشترك، وقد سمع منه مع الممدودة قولهم هو عالم بدخيلائه أي بأمره الباطن، وخصيصاء للاختصاص، وفخيراء للفخر، ومكيناء للتمكن، وهذه الكلمات تمد وتقصر. وجعل الكسائي هذا الوزن مقيساً، والصحيح قصره على السماع. العاشر فعلى بضم الأول والثاني وتشديد الثالث نحو حُذُرَّى وبُذُرَّى من الحذر والتبذير (مَعَ الكفُرَّى) وهو وعاء الطلع، وهو بفتح الثاني أيضاً مع تثليث الكاف.
تنبيه: حكي في التسهيل سُلَحْفاء بالمد، وحكاه ابن القطاع، فعلى هذا يكون من الأوزان المشتركة. وحكى الفراء سلحفاة، وظاهره أن ألف السلحفاة ليست للتأنيث إلا أن يجعل شاذاً مثل بهماة. الحادي عشر فعيلى بضم الأول وفتح الثاني مشدداً نحو قُبَّيطى للناطف (كذاكَ خُلَّيْطَى) للاختلاط، ولُغَّيزى للُّغَزِ.
---

(1/423)


تنبيه: سمع منه مع الممدودة هو عالم بدحيلائه، ولم يسمع غيره. الثاني عشر فعالى بضم الأول وتشديد الثاني نحو خُبَّازى (مَعَ الشُّقَّارَى) لنبتين، وخُضَّارى لطائر (واعْزُ) أي انسب (لغير هذه) الأوزان في مباني المقصورة (اسْتِنداراً) فمما ندر فعْيَلى كخَيْسرى للخسارة، وفعْلَوى كهَرْنَوى لنبت، وفعْوَلى كقَعْوَلى لضرب من مشي الشيخ، وفيْعُولى كفيضوضى، وفَوْعلى كفوضوضى للمفاوضة، وفعلايا كَبَرَحايا للعجب، وأفعلاوى كأربعاوى لضرب من مشي الأرنب، وفعَلوتى كرَهَبوتى للرهبة، وفعْلَلولى ــ كَحَندَقوقى ــ لنبت، وفعَيَّلى ــ كهَبيَّخَى ــ لمشية بتبختر، ويَفْعَلى ــ كَيَهْيَرَى ــ للباطل، وإفْعلى كإيجلّى، ومَفْعلّى كمَكِورَّى للعظيم الأرنبة، ومُفِعلَّى كمُكِورَّى للعظيم الروثة من الدواب، ومِفعلَّى كمِرقِدَّى للكثير الرقاد، وفَوْعَلى كدَوْدَرَى للعظيم الخصيتين، وفِعللَّى ــ كشِفْصِلَّى ــ لحمل نبت، وفَعَلَيَّا كَمَرَحَيَّا للمرح، وفعْلَلايا كَبَرْدَرايا، وفوعالَى كحَوْلايا، وهذان لموضعين. وفي كون هذه كلها نادرة نظر (لِمدِّها) أي لألف التأنيث الممدودة أوزان مشهورة وأوزان نادرة، وقد ذكر من المشهورة سبعة عشر وزناً: الأول (فَعلاَءُ) كيف أتى: اسماً كصحراء، أو مصدراً كرغباء، أو جمعاً في المعنى كطرفاء، أو صفة لأنثى أفعل كحمراء، أو لغيره كديمة هطلاء. والثاني والثالث والرابع (أَفعلاَءُ مُثلَّثَ العْينِ) كأربعاء وأربعاء وأربعاء بفتح الباء وكسرها وضمها للرابع من أيام الأسبوع، نعم هو بفتح العين من المشترك ذكره في التسهيل.ومن المقصورة قولهم أجْفَلى لدعوة الجماعة (و) الخامس (فَعلَلاَءُ) كعقرَباء لمكان، وهو من المشترك. ومن المقصورة فَرتنى اسم امرأة (ثمَّ) السادس (فِعَالاَ) كقصاصاء للقصاص كما حكاه ابن دريد، ولا يحفظ غيره والسابع (فُعْلُلا). بضم الأول كقُرْفُصاء ولم يجيء إلا اسماً، وحكى ابن القطاع أنه يقال: قعد

(1/424)


---
القرفصى بالقصر، فعلى هذا يكون مشتركاً، ويجوز في ثالثه الفتح والضم. والثامن (فَاعُولاَ). كعاشوراء وهو من المشترك. ومن المقصورة بادولى اسم موضع (و) التاسع (فَاعِلاَءُ) كقاصعاء لأحد بابي جحرة اليربوع. والعاشر (فِعلَيا) بكسر الأول وسكون الثاني ككبرياء. والحادي عشر (مَفعولاَء) كمشيوخاء لجماعة الشيوخ. والثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر فعالاء وفعيلاء وفعولاء، وإليها أشار بقوله (ومُطْلَقَ العينِ فَعْالاَ) والفاء مفتوحة فيهنّ: ففعالاء نحو بَرَاساء، يقال ما أدري أي البراساء هو أول أيّ الناس هو. وبَراكاءُ القتال شدته، وقد أثبت ابن القطاع فعالى مقصوراً في ألفاظ. منها خَزازى اسم جبل، فعلى هذا يكون مشتركاً، وفعيلاءُ نحو بَريساءُ بمعنى براساء، وتمر قَريثاء وكَريثاء لنوع منه، وعده في التسهيل من المشترك. ومن المقصورة كثيرى، وفعولاء نحو دَبوقاء للعذرة، وحَروراء لموضع تنسب إليه الحرورية.

تنبيه: عدّ في التسهيل هذا الوزن في المختص بالممدودة، وأثبت ابن القطاع فعولى بالقصر: من ذلك حضورى لموضع، ودبوقى لغة في دبوقاء بالمد، ودقوقى لقرية بالبحرين، وقطورى قبيلة في جرهم. وفي شعر امرىء القيس: عقاب تنوفى. وعلى هذا فهو مشترك وهو الصحيح. والخامس عشر والسادس عشر والسابع عشر فعلاء مثلث الفاء والعين مفتوحة فيها، وإليها أشار بقوله (وكَذَا مُطْلَقَ فَاء فَعَلاَءُ أُخِذَا) فالفتح نحو جَنَفاء اسم موضع، وقد تقدم أن هذا الوزن من المشترك، والكسر نحو سِيَراء وهو ثوب مخطط يعمل من القز، والضم نحو عُشَراءَ ونفساءَ، وقد تقدم أنه من المشترك.
---

(1/425)


تنبيه: كلامه يوهم حصر أوزان الممدودة المشهورة فيما ذكره، وقد بقي منها أوزان ذكرها في غير هذا الكتاب: منها فِيَعلاء نحو دِيَكْساءَ لقطعة من الغنم، ويَفاعِلاء نحو يَنابِعاء لمكان، وتَفعُلاء كتَرْكُضاء لمشية المتبختر، وفَعْنَالاء نحو بَرْناساء بمعنى بَراساء وهم الناس، وفعنلاء نحو برنساء بمعناه أيضاً، وفِعْلِلاء نحو طِرْمِساء لليلة المظلمة، وفُنْعُلاء نحو خُنْفُسَاء وعُنصُلاء وهو بصل البرّ، وفَعْلُولاَء نحو مَعْكوكاء وبَعكوكاء للشر والجلبة، وفَعولاء نحو عَشُوراء لغة في عاشوراء، ومَفِعْلاء نحو مَشِيخاء للاختلاط، وفُعيلياء نحو مُزَيْقياء لعمرو بن عامر ملك اليمن.
خاتمة: الأوزان المشتركة بينهما وفعلاً بفتحتين، وعلاً بضم ثم فتح، وفعللا بفتح الأول والثالث وسكون الثاني، وفعيلاء بفتح الأول وكسر الثاني، وفعيلاء بكسر الأول والثاني مشدداً، وفعيلاء بضم الأول وفتح الثاني مشدداً، وفاعولاء وقد تقدم التنبيه عليها. ومنها أيضاً افعيلى نحو اهجيرى واهجيراء وهي العادة، وفوعلى نحو خوزلى لضرب من المشي، وحوصلى للحوصلة، وفيعلى نحو خيزلى بمعنى خوزلي، ودَيْكَساء بمعنىدِيكِساء، وفعلى بكسر الأولى والثاني وتشديد الثالث نحو زمكى وزمكاء لمثبت ذنب الطائر، وفعنلى بضم الأول وفتح الثاني وسكون الثالث نحو جلندي وجلنداء، وفعاللى نحو جخادبي وجخادباء لضرب من الجراد. وأما فعلاء كعلباء وهو عرق في العنق، وحرباء وهو دويبة، وسيساء وهو حد فقار الظهر، والشيشاء وهو الشيص، وفعلاء كحواء وهو نبت واحده حواءة، ومزاء وهو ضرب من الخمر، وقوباء وهو الحزاز، وخشاء وهو العظم الناتىء خلف الأذن، فكل هذه ألفها للإلحاق بقرطاس وقرناس لأنها منونة.

المَقْصُوْرُ والمَمْدُودُ
---

(1/426)


المقصور هو الذي حرف إعرابه ألف لازمة. والممدود هو الذي حرف إعرابه همزة قبلها ألف زائدة، وكلاهما قياسي وهو وظيفة النحوي، وسماعي وهو وظيفة اللغوي. وقد أشار إلى المقصور القياسي بقوله: (إذا اسمٌ) صحيح (اسْتَوْجَبَ مِن قَبْلِ الطَّرَف فَتحاً وكانَ ذَا نظيرٍ) من المعتل (كالأسف) مثال للصحيح (فَلنظيرِه المُعَلِّ الآخِرِ ثُبوتُ قصرٍ بقياسٍ ظاهرٍ) نحو جوى جوي، وعمى عمي، وهوى هوي فهذه وما أشبهها مقصورة لأن نظيرها من الصحيح مستوجب فتح ما قبل آخره نحو أسف أسفاً، وفرح فرحاً، وأشر أشراً لما علمت في باب أبنية المصادر أن فعل المكسور العين اللازم باب فعل بفتح العين، وأما قوله:
1212 ـ إذَا قُلْتُ مَهْلاً غَارَتِ الْعِيْنُ بِالْبُكَا
غِرَاءً وَمدَّتْهَا مَدَامِعُ نُهَّلُ
---

(1/427)


فغراء مصدر غاريت بين الشيئين غراء إذا واليت، كما قاله أبو عبيدة، لا مصدر غريت بالشيء أغرَى به إذا تماديت فيه في غضبك (كفِعَلٍ) بكسر الفاء (وَفُعَلٍ) بضمها، والعين مفتوحة فيهما (في جَمعِ ما كفِعْلَةٍ) بكسر الفاء (وفُعْلةٍ) بضمها والعين ساكنة فيهما: الأول للأول والثاني للثاني: فالأول نحو فِرية وفرى، ومِرية ومرى، والثاني (نَحْوُ) الدمية و(الدُّمَى) ومدية ومدى، فإن نظيرهما من الصحيح قربة وقرب بكسر القاف، وقربة وقرب بضمها، وهو مستوجب فتح ما قبل آخره، وكذا اسم مفعول ما زاد على ثلاثة أحرف نحو معطى ومقتنى، فإن نظيرهما من الصحيح مكرم ومحترم وهو مستوجب ذلك، وكذلك أفعل صفة لتفضيل كان كالأقصى أو لغير تفضيل كأعمى وأعشى، فإن نظيرهما من الصحيح الأبعد والأعمش، وكذلك ما كان جمعاً للفعلى أنثى الأفعل كالقصوى والقصى، والدنيا والدنى فإن نظيرهما من الصحيح الكبرى والكبر، والأخرى والأخر، وكذلك ما كان من أسماء الأجناس دالاً على الجمعية بالتجرد من التاء كائناً على وزن فعل بفتحتين وعلى الوحدة بمصاحبة التاء كحصاة وحصا وقطاة وقطا، فإن نظيرهما من الصحيح شجرة وشجر، ومدرة ومدر، وكذلك المفعل مدلولاً به على مصدر أو زمان أو مكان نحو ملهى ومسعى، فإن نظيرهما من الصحيح مذهب ومسرح، وكذلك المفعل مدلولاً به على آلة نحو مِرمى ومِهدى وهو وعاء الهدية فإن نظيرهما من الصحيح مخصف ومغزل. ثم أشار إلى الممدودة القياسي بقوله (وَمَا اسْتَحَقَّ) أي من الصحيح (قَبْلَ آخرِ ألفْ فالمَدُّ في نظيرِهِ) من المعتل (حَتْمَاً عُرِفْ) وذلك (كَمَصْدَرِ الفِعلِ الذي قَدْ بُدِئَا بِهَمْزِ وصلٍ كَارْعَوَى) ارعواء (وكَارْتأى) ارتياء وكاستقصى استقصاء فإن نظيرهما من الصحيح انطلق انطلاقاً، واقتدر اقتداراً، واستخرج استخراجاً، وكمصدر افعل نحو أعطى إعطاء، فإن نظيره من الصحيح أكرم إكراماً، وكمصدر فَعلَ دالاً على صوت أو مرض كالرُّغاء والثُّغَاء

(1/428)


---
والمُشاء فإن نظيرها من الصحيح البُغام والدوار، وكفعال مصدر فاعل نحو ولى ولاء وعادى عداء، فإن نظيرهما من الصحيح ضارب ضراباً وقاتل قتالاً، وكمفرد أفعلة نحو كساء وأكسية ورداء وأردية، فإن نظيره من الصحيح حِرار وأحرّة وسلاح وأسلحة، ومن ثم قال الأخفش: أرجية وأقفية من كلام المولدين لأن رحى وقفا مقصوران، وأما قوله:

1213 ـ فِي لَيْلَةٍ مِنْ جُمَادَى ذَاتِ أنْدِيَةٍ
لاَ يُبْصِرُ الْكَلْبُ مِنْ ظَلْمَائِهَا الْطُّنُبَا
والمفرد ندى بالقصر ــ فضرورة. وقيل جمع ندى على نداء كجمل وجمال، ثم جمع نداء على أندية، ويبعده أنه لم يسمع نداء جمعاً، وكذا ما صيغ من المصادر على تَفعال، ومن الصفات أو مفعال لقصد المبالغة كالتعداد والعداء والمعطاء لأن نظيرها من الصحيح التذكار والخباز والمهذار (وَالعَادِمُ النَّظِيْرِ ذَا قَصْرٍ وَذَا مَدَ بنقلٍ كالحِجَا وكالحذَا) العادم مبتدأ وبنقل خبره، وذا قصر وذا مد حالان من الضمير المستتر في الخبر، وهو من تقديم الحال على عاملها المعنوي، وفيه ما عرف في موضعه. والمعنى أن ما ليس له نظير اطرد فتح ما قبل آخره فقصره سماعي، وما ليس له نظير اطرد زيادة ألف قبل آخره فمده سماعي، فمن المقصور سماعاً الفتى واحد الفتيان، والسنا الضوء، والثرى التراب، والحجا العقل، ومن الممدود سماعاً الفتاء حداثة السن، والسناء الشرف، والثراء كثرة المال، والحذاء النعل (وقَصْرُ ذِي المدِّ اضطِرَارَاً مُجَمَعُ عليه) لأنه رجوع إلى الأصل إذ الأصل القصر، ومنه قوله:
1214 ـ لاَ بُدّ مِنْ صَنْعَا وإنْ طَالَ الْسَّفَرْ
وقوله:
1215 ـ فَهُمْ مِثَلُ الْنَّاسِ الَّذِي يَعْرِفُوْنهُ
وَأهْلُ الْوَفَا مِنْ حَادِثٍ وَقَدِيْمِ
تنبيه: منع الفراء قصر ما له قياس يوجب مده نحو فعلاء أفعل، فقول المصنف: وقصرُ ذِي المدِّ اضطراراً مُجمعُ عليه، يعني في الجملة ويرد مذهب الفراء قوله:
---

(1/429)


1216 ـ وَأنْتِ لَوْ بَاكَرْتِ مَشْمُوَلَةً
صَفْرَاً كَلَوْنِ الْفَرَسِ الأشْقَرِ
وقوله:
1217 ـ والْقَارِحُ وَكلُّ طِمِرَّةٍ
مَا إنْ يَنَالُ يَدُ الْطَّوِيْلِ قَذَالَهَا
(والعكسُ) وهو مد المقصور اضطراراً (بِخلْفٍ يَقعُ) فمنعه جمهور البصريين مطلقاً، وأجازه جمهور الكوفيين مطلقاً، وفصل الفراء: فأجاز مد ما لا يخرجه المد إلى ما ليس في أبنيتهم، فيجيز مد مقلى بكسر الميم فيقول مقلاء لوجود مفتاح، ويمنع مد مولى لعدم مفعال بفتح الميم، وكذا يمد لحى بكسر اللام فيقول لحاء لوجود جبال، ويمنعه في لحى بضم اللام لأنه ليس في أبنية الجموع إلا نادراً، والظاهر جوازه مطلقاً لوروده، من ذلك قوله:

1218 ـ وَالْمرْءُ يُبْلِيْهِ بِلاَءَ الْسِّرْبَالْ
تُعَاقُبُ الإهْلاَلِ بَعْدَ الإهْلاَلْ
وقوله:
1219 ـ سَيُغْنِيْني الَّذِي أغْنَاكَ عَنِّي
فَلاَ فَقْرٌ يَدُوْمُ وَلاَ غِنَاءُ
وليس هو من غانيته إذا فاخرته بالغنى، ولا من الغناء بالفتح بمعنى النفع كما قيل لاقترانه بالفقر. وقوله:
1220 ـ يَا لَكَ مِنْ تَمْرٍ وَمِنْ شِيْشَاءِ
يَنْشَبُ فِي المَسْعَلِ وَاللَّهَاءِ
وممن وافق الكوفيين على جواز ذلك ابن ولاد وابن خروف، وزعما أن سيبويه استدلَّ على جوازه في الشعر بقوله: وربما مدوا فقالوا منابير. قال ابن ولاد: فزيادة الألف قبل آخر المقصور كزيادة هذه الياء.
تنبيه: الكلام في هذه المسألة هو الكلام في صرف ما لا ينصرف للضرورة وعكسه.

كيفِية تَثنيةِ المَقصورِ والمَمدودِ وجَمعهما تَصْحيحاً
---

(1/430)


إنما اقتصر عليهما لوضوح تثنية غيرهما وجمعه (آخِرَ مَقصورٍ تُثَنِّي اجْعَلْهُ يَا إنْ كَانَ عَنْ ثَلاَثَةٍ مُرْتَقَبَا) ياء كان أصله أو واواً، رابعاً كان نحو حبلى ومعطى، أو خامساً نحو مصطفى وحبارى، أو سادساً نحو مستدعى وقبعثرى. تقول جبليان ومعطيان. ومصطفيان وحباريان. ومستدعيان وقبعثريان. وشذ من الرباعي قولهم لطرفى الألية: مذروان، والأصل مذريان لأنه تثنية مذرى في التقدير. ومن الخماسي قولهم قهقران وخوزلان بالحذف في تثنية قهقرى وخوزلى (كَذَا الَّذِي اليَا أَصلهُ) أي أصل ألفه (نَحْوُ الفتَى) قال تعالى: {ودَخَلَ معه السجن فَتيان} (يوسف: 46)، وشذ قولهم في حمى: حموان بالواو (والجامِدُ الذي أُمِيلَ كَمتى) وبلى إذا سمي بهما فإنك تقول في تثنيتهما متيان وبليان. و (في غيرِ ذَا) المذكور أنه تقلب ألفه ياء (تُقلَبُ واواً الألِفْ) وذلك شيئان: الأول أن تكون ألفه ثالثة بدلاً من واو نحو عصا وقفا، ومنا ــ لغة في المن الذي يوزن به ــ فتقول عصوان وقفوان ومنوان. قال:
1221 ـ وَقَدْ أَعْدَدتُ لِلْعُذَّالِ عِنْدِي
عَصَاً فِي رَأسِهَا مَنَوا حَدِيْدِ
وشذ قولهم في رضا رضيان بالياء مع أنه من الرضوان. والثاني أن تكون غير مبدلة ولم تمل نحو ألا الاستفتاحية وإذا، تقول إذا سميت بهما ألوان وإذوان.
---

(1/431)