صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


بحوث في اللغة
المصدر : اتحاد كتاب العرب.

التَّنْغيم ودلالته في العربيَّة - يوسف عبد الله الجوارنة
مقدّمة:
يعد علم الأصوات من بين العلوم التي اهتم بها العلماء اهتماماً واسعاً في هذا العصر، إذ انبرى في ميدانه الباحثون والمتخصصون، بله المؤسسات العلمية المتخصصة، خصوصاً في الدول التي لها باع في مجال التكنولوجيا؛ فالأجهزة الحديثة المتطورة فيها، كانت خير عون للعلماء في القيام بالأبحاث والدراسات المتصلة بعلوم اللغة المختلفة وفي مقدمتها المجالات الصوتية على مستوى الـ
(phonetics)، أو على مستوى ال(phonology)، فوصل العلماء من خلال هذه الأجهزة إلى نتائج دقيقة لا تتوافر في الأبحاث العادية المرتجلة التي يعتورها في غالب الأحيان التخمين والتقريب.
والأصوات اللغوية تدرس بشكل عام من جانبين: جانب الأصوات المجردة التي يُركّز فيها على صفات الأصوات ومخارجها، وجانب الأصوات المتَشكَّلة ويُركز فيها على المقاطع والنبر والتنغيم وغيرها.
وسوف أتناول موضوع التنغيم كونه واحداً من مجالات علم الأصوات الوظيفي المهمة: مفهومه، ودلالته، وأغراضه، مبيناً الفرق بينه وبين النبر من حيث المفهوم والدلالة وارتباط بعضهما ببعض.
وتأتي أهمية التنغيم من تعدد البيئات اللغوية أو اللهجية بتعدد النغمات فيها، فلا تكون هذه النغمات بشكل عام منساقة على وتيرة واحدة في السياقات الكلامية، فمنها ما يكون مستوياً، أو هابطاً، أو صاعداً.
وأرجو أن أكون قد وفقت في الوقوف على هذه الظاهرة الصّوتيّة، فإن كان كذلك فلله الحمد والمنّة، وإن كانت الأخرى فحسبي أنني اجتهدت.. والله ولي التوفيق.
تعريف التنغيم:

(1/1)


كان لتعدّد المناهج النقدية في التحليل الأدبي، أثر واضح في الاهتمام بالنصوص الأدبية وتحليلها، فقد تبنى كل عالم من العلماء منهجاً يكون مجالاً في دراسته وبحثه، بل أنشئت المدارس النقدية ذات المناهج المختلفة؛ فثمة المنهج النفسي الذي يهتم بالدراسات السيكولوجية وأثرها في بيان النص وتشريحه، والمنهج البنيوي الذي يتمثل النص الأدبي وحده بصرف النظر عن سيرة المؤلف وعصره، فهو يتعامل مع البنيّات والمفردات التي تشكّل النّص، وتقود الباحث من خلالها إلى البيئة التي قيل فيها، ومزايا العصر الذي وُجد فيه الشاعر.
وكان من بين المناهج النقدية المنهجُ اللغوي، الذي يهتم بدراسة اللغة والأدب دراسة تحليلية من جوانب اللغة المختلفة، الصوتيةِ والصرفيةِ والنحويةِ وغيرها، فهو يركز على لغة النص الأدبي وحدها، ليبرز الجوانب الجمالية فيه من غير التفات للغة النص المدروسة.
وبما أن التنغيم وثيقُ الصلة باللغة، فهو يُدرَس بمنهج التحليل اللغوي؛ إذْ يكون التنغيمُ العنصرَ البارز الذي يجلّي النص ويوضحه، (هذا إن كانت الدراسة منصبّة على النصوص وحدها، لأنّ التنغيم لا يختص بالأدب من حيثُ هو شكل وإطار، بل يشمل كل مستويات الكلام)، فالنغمةُ "ظاهرة لغوية لا يختص بها الأدب، ولا يتميز بها على لغة الحديث اليومية، فنحن نشاهد في كلماتنا وأحاديثنا أثراً كبيراً للنغمة في إيصال المعنى.
وتغيّر التنغيم يرتبط "ارتباطاً أساسياً بالتغيرات التي تطرأ على تردّد نغمة الأساس أثناء الكلام ". ودراسته تعدّ "من أدقّ جوانب الدراسة اللغوية وأكثرها خطورة، بسبب تعدد النغمات في البيئة اللغوية أو اللهَجية الواحدة، وارتباط هذه النغمات بالمواقف النفسية، وارتباطها بالثقافة والتراث والمستوى الاجتماعي". وإنّ المتبصّر في كتب اللغة والأصوات، خاصة الحديث منها، يلحظ أنه لا يخلو كتاب واحد منها دون أن يتعرض للتنغيم ولو بيسير من الكلام.

(1/2)


والتنغيم كما يعرفه العلماء والباحثون: "مصطلح يدلّ على ارتفاع الصوت وانخفاضه في الكلام، ويسمّى أيضاً موسيقى الكلام، بل هو من الظواهر الصوتية التي تساعد في تحديد المعنى، لأنّ "تغير النغمة قد يتبعه تغير في الدلالة في كثير من اللغات، وتختلف هذه الدلالة من سياق لغويّ لآخر، فوظيفته الدلالية النحوية مثلاً تقتضي منه أن يكون فيصلاً في الحكم بين كون الجملة تقريرية أو استفهامية.
الفونيم وعلاقته بالتّنغيم:
وبينما عرض العلماء لدراسة الفونيمات في المدارس اللغوية، اختلفوا في تحديد مصطلح الفونيم، ولعل هذا الاختلاف يعود إلى المنهج المتبع في كل مدرسة. وعندما قسموا الفونيمات (وهي أصغر وحدات صوتية تغييرها يغير المعنى، ولها أثر في بنية الكلمة وما يصاحب هذه البنية من معاني ودلالات)، جعلوها قسمين:
1-فونيمات رئيسية: وهي "تلك الوحدة الصوتية التي تكون جزءاً من أبسط صيغة لغوية ذات معنى منعزلة عن السياق.
2-فونيمات ثانوية: وهي "ظاهرة أو صفة صوتية ذات مغزى في الكلام المتصل؛ فالفونيم الثانوية لا تكون جزءاً من تركيب الكلمة، وإنّما تظهر وتلاحظ فقط حين تُضمّ كلمة إلى أخرى، أو حين تستعمل الكلمة بصورة خاصة، كأن تستعمل في جملة.
والذي يدقق النظر في مفهوم الفونيم الثانوية، يجد ارتباط التنغيم به واضحاً، فليس التنغيم جزءاً من التركيب اللغوي في الجملة، بل هو حدث طارئ على التركيب يصاحبه، ويتغير نتيجة تغيره في السياق اللغوي الجاري فيه، إذ يربط التنغيم عناصر التركيب بعضها ببعض.
النّبر وعلاقته بالتّنغيم:
النّبر هو صنو التنغيم مثالاً على الفونيم الثانوية، فلا يكون كذلك جزءاً من تركيب معين، إنما يكون بزيادة كمية من الهواء على صوت أو أكثر من أصوات الكلمة في التركيب الواحد، فيعلو هذا الصوت على بقية الأصوات الأخرى التي تشكل مقاطع الكلمة فيحدث التفاوت قوة وضعفاً بين الأصوات.

(1/3)


إذن، فالنبر هو "وضوح نسبي لصوت أو لمقطع إذا قورن بغيره من الأصوات أو المقاطع المجاورة؛ فالصوت أو المقطع الذي ينطق بصورة أقوى يسمى صوتاً منبورا، أو هو "قوة التلفظ النسبية التي تُعطى للصائت في كل مقطع من مقاطع الكلمة، وتؤثر درجة النبرة في طول الصامت وعلو الصوت.
والصوت المنبور عند النطق به "نلحظ أن جميع أعضاء النطق تنشط غاية النشاط؛ إذْ تنشط عضلات الرئتين نشاطاً كبيراً، كما تقوى حركات الوترين الصوتيين ويقتربان أحدهما من الآخر، ليسمحا بتسرب أقل مقدار من الهواء فتعظم لذلك سعة الذبذبات.
وهكذا، فإن للنبر أثراً في تغيير بنية الكلمة من معنى صرفي إلى آخر، فأنت لو نطقت كلمة (كَتَبَ) مثلاً بفتحة على عين الفعل، لوجدت أن الأصوات فيها متساوية نبراً، لكن إذا ما نطقتها ب(كَتَّبَ) بالتضعيف، فإن عين الفعل تفاوت في النبر عن الأصوات الأخرى، مما جعله يَنقل الكلمة إلى بنية أخرى ذاتِ دلالة معينة، وهذا ما أشار إليه الدكتور كمال بشر بقوله: "ومن البديهي أنّ تغيير الصفة الصرفية، يؤدّي إلى نوع من التغير في الوظائف النحوية والدلالية.
من هنا جاءت أهمية النبر والتنغيم في الدراسات اللغوية، فالتنغيم" صلته بالنبر وثيقة، فلا يحدث تنغيم دون نبر للمقطع الأخير من الجملة، أي في الكلمة التي تقع في آخر الجملة، وهما من الوحدات الصوتية التي "لها وظيفة معينة في التركيب الصوتي، لأنها جزء أساسي منه، فهي ليست ظواهر تطريزية وإنما فونيمات أساسية أو أولية.

(1/4)


ويرى بعض الباحثين أن دراسة هذه المباحث الصوتية، فيه نوع من المجازفة والتطاول على اللغة، يقول الدكتور تمّام حسّان: ولا يفوتني هنا أن أشير إلى أن دراسة النبر ودراسة التنغيم في العربية الفصحى، يتطلب شيئاً من المجازفة؛ ذلك لأن العربية الفصحى لم تعرف هذه الدراسة، ولم يُسجّل لنا القدماء شيئاً على هاتين الناحيتين، وأغلب الظن أن ما ننسبه للعربية الفصحى في هذا المقام، إنما يقع تحت نفوذ لهجاتنا العامية، لأن كلّ متكلم بالعربية الفصحى في أيامنا هذه، يفرض عليها من عاداته النطقية العامية الشيء الكثير".
ولعلّ مثل هذا الكلام فيه مجازفة على اللغة العربية؛ ذلك أن العرب وإن لم يُفرِدوا لهذه المسائل أبحاثاً مستقلة، فلا يَعني أنهم أغفلوا الحديث عنها وتركوها طيّ النسيان، فهما (النّبر والتّنغيم) في ذلك مثل الصرف في بداية النحو العربي، كانت مسائله تُدرس مع النحو، وبقيا توأمين مرتبطين إلى أن انفصلا وصار الصرف علماً قائماً بذاته له علماؤه وتصانيفه.
وإنّ نظرة إلى كتب النحاة واللغويين، ترينا عناية هؤلاء العلماء بمثل هذه المباحث، فهذا ابن جني يشير إشاراتٍ لطيفةً إلى النبر والتنغيم عندما عرض لكلام العرب: "سير عليه ليل" بقوله: "وكأن هذا إنما حُذفت فيه الصفة لمّا دل من الحال على موضعها، وذلك أنك تحس في كلام القائل لذلك من التطويح والتطريح (التطويل) والتضخيم والتعظيم، ما يقوم مقام قوله (طويل) أو نحو ذلك.
وأنت تحس هذا من نفسك إذا تأملته، وذلك أنك تكون في مدح إنسان والثناء عليه فتقول: كان والله رجلاً، فتزيد في قوة اللفظ (والله) وتتمكّن من تمطيط اللام وإطالة الصوت بها وعليها؛ أي رجلاً فاضلاً أو شجاعاً أو كريماً أو نحو ذلك.

(1/5)


وكذلك تقول: سألناه فوجدناه إنساناً! وتمكّن الصوت بِ (إنسان) وتفخّمه فتستغني بذلك عن وصفه بقولك: إنساناً سمحاً أو جواداً أو نحو ذلك. وكذلك إذا ذَمَمْته ووصفته بالضّيق قلت: سألناه وكان إنساناً! وتُزري وجهك وتقطّبه فيغني ذلك عن قولك: إنساناً لئيماً أو إنساناً لحِزاً (ضيّق الخلُق) أو نحو ذلك".
ألا تدلّ هذه الأمثلة من كلام ابن جني على أهمية النبر والتنغيم؟! لعل ذلك يُترك للقارئ أو السامع كي يتذوق النص ويفهمه ويُصدر حكمه ثمة عليه. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن العرب وإن لم يضعوا تصانيف في التنغيم فلا يعني بأي حال من الأحوال أن نصرف عنه الاهتمام به؛ فتكاد لا تخلو منه أية لغة من لغات العالم، حيث تَكتسب اللغات الحية رونقها وجمالها إذا اتخذته أساساً في التواصل بين الأفراد خطاباً ومحادثة؛ فالتنغيم يميّز لغة الخطاب عن اللغة المكتوبة، فهو في الأولى كما الترقيم في الثانية، كلّ منهما يقوم بوظيفة دلالية في تحديد المعنى.
دلالة التنغيم:
ذكرنا سابقاً أن دراسة التنغيم من أهم جوانب الدراسة الصوتية خصوصاً واللغوية عموماً، بل من أكثرها خطورة بسبب تعدد النغمات في البيئة أو البيئات اللغوية، فالتنغيم "تغييرات موسيقية تتناوب الصوت من صعود إلى هبوط، أو من انخفاض إلى ارتفاع، تحصل في كلامنا وأحاديثنا لغاية وهدف، وذلك حسب المشاعر والأحاسيس التي تنتابنا من رضى وغضب ويأس وأمل وتأثر ولا مبالاة، وإعجاب واستفهام وشك ويقين، ونفي أو إثبات، فنستعين بهذا التغيير النغمي الذي يقوم بدور كبير في التفريق بين الجمل؛ فنغمة الاستفهام تختلف عن نغمة الإخبار، ونغمة النفي تختلف عن نغمة الإثبات. وهذا ما أشار إليه الدكتور سمير ستيتيّة بقوله: "قد تكون النغمة نغمة تفاؤل ويسميّها بعضهم النغمة الوجدانية، وقد تكون تشكّك أو ضجر أو يأس أو استسلام، أو غير ذلك مما له علاقة بسيكولوجية المتكلم.

(1/6)


هذا ما يحدث في التنغيم، فهو حَكَم في دلالات التراكيب والجمل، إذْ يغيّر الجملة من تركيب إلى آخر ومن باب إلى باب... وبذلك يتمايز عن (النبر)، حيث "يعمل التنغيم على مستوى الجملة وليس على مستوى الكلمة، في حين يكون النبر على الكلمة وحدها ويدل على حدودها.
وهكذا فإن المتتبع لكلام الناس، يلحظ التنغيم ظاهراً في كلامهم؛ فحديث التواصل بينهم وخطابهم بعضهم بعضاً، يكون التنغيم فيه أوسع من الكلام المكتوب.
وهذه بعض الأمثلة يكون فيها هذا النغم الموسيقي ذا دلالة في الكلام:
*قال تعالى: { قالوا: فما جزاؤُه إنْ كنتم كاذبين؟ قالوا: جزاؤُه؟ مَنْ وُجِد في رَحْله فهو جزاؤه } .
(يوسف: 74، 75)
هذه الآية يكون التنغيم في جزئها الثاني محوراً رئيساً في تحديد الأبواب والتراكيب؛ فالجزء الثاني تُقرأ فيه جملة "قالوا: جزاؤه؟" بنغمة الاستفهام، وجملة: "من وُجد في رحله فهو جزاؤه" جملة واحدة على التقرير، وتقرأ أيضاً على التعجب والاستهجان: "قالوا: جزاؤه! من وجد في رحله فهو جزاؤه"، ويمكن أن تُقرأ على التبرّم والانزعاج، ويظهر ذلك جليّاً من خلال الحديث والكلام المنطوق أكثر من الكلام المكتوب الذي يحدد التنغيمَ فيه الترقيمُ.
*قال الشاعر عمر بن أبي ربيعة عند سؤاله عن محبته لمحبوبته:

قالوا: تحبّها. قلت: بَهراً

عدد النجم والحصى والترابِ

فجملة (تحبها) يمكن أن تقرأ على غير وجه، فهي تكون للاستفهام وهو أقواها، وتكون للتقرير وهو ضعيف:
قالوا: تحبها؟ قلت: بهراً…(على الأول)
قالوا: تحبها. قلت: بهراً…(على الثاني)
ويحتمل أن تكون للاستغراب والتعجب، قالوا: تحبها! قلت: بهراً، وهو أضعف الاحتمالات.

(1/7)


*وملاحظة الجانب الصوتي مهم جداً، فلكي يحدّد الشخص معنى الحدث الكلامي، لابد أن يقوم بملاحظة الجانب الصوتي الذي يؤثر على المعنى مثل التنغيم، ولعلّ ما يردده الإمام في الصلاة من تكراره تركيب "الله أكبر" مثل على ذلك، فالصوت هو الذي يتحكم بالمأمومين في الصلاة، فهو حين يرفع من السجود الثاني مثلاً يكون المأموم أمام حالتين:
1-إن رفع الإمام صوته بنغمة صوتية صاعدة، عرف مَن خَلْفه أنه ينبههم إلى القيام (باعتبار هنا أن المأموم يتابع حركات الإمام بصرف النظر عن الخشوع أو عدمه).
2-وإن هو جعل الصوت على وتيرة واحدة وكانت النغمة مستوية، عرف المأمومون بذلك أن الإمام يريد الجلوس للتشهد.
فالتنغيم هو الذي يحكم ذلك، إذْ كنتَ تجد في بعض الأحيان الإمامَ ينتصب قائماً وبعضُ المصلين جلوس، والعكس كذلك صحيح، وكل ذلك نتيجة خطأ الإمام في النغمة الموسيقية الصادرة عنه.
*والتنغيم هو الذي يبرز خصائص بعض الأساليب والتراكيب التي تكون محذوفةً بعضُ عناصرها فمثلاً، هناك التراكيب التي تحتوي على أدوات استفهام وليست استفهامية، وتلك التي لا تحتويها والسياق يشير إلى الاستفهام فيها.
فمثال الأول قوله تعالى: { هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا } (الإنسان:1)، حيث حرف الاستفهام (هل) لا يشير إلى الاستفهام لأن الدلالة عن طريق التنغيم تقتضي التقرير، ويكون الحرف (هل) بمعنى (قد).
ومثال الثاني قوله تعالى: { يا أيها النبي، لمَ تحرّم ما أحل الله لك؟ تبتغي مرضات
أزواجك } (التحريم: 1).
ففي قوله تعالى: { تبتغي مرضات
أزواجك } يُلحظ التقرير؛ فأنت يا محمد تحرّم الحلال ابتغاء مرضات أزواجك، غير أن دلالة التنغيم تشير إلى الاستفهام الإنكاري: "تبتغي مرضات أزواجك؟"، أي لا تحرّم الحلال مرضاة أزواجك.

(1/8)


*ومن الأمثلة التي تبين أثر التنغيم في دلالاتها قولك: أحمدُ أخوك علاّمةٌ. فهذا التركيب يتكون من عدة جمل يفصل بينها جميعها التنغيم، فهو يقرأ بالصور التالية:
1-أحمدُ أخوك علاّمةٌ.…(جملة تقريرية إخبارية ذات نغمة مستوية)
2-أحمدُ أخوك، علاّمةً…(جملتان: الأولى تقريرية والثانية حالية. كأنك تقول: أحمد أخوك، وهو علامة..
فالنغمة على الأولى مستوية، وهي على الثانية تظهر صاعدة لأنك ترفع الصوت عندها).
3-أحمدُ أخوك علامةٌ…(جملة استفهامية ذات نغمة صوتية صاعدة في كل أجزائها)
4-أحمدُ، أخوك علامةٌ. (جملتان: ندائية وخبرية)
5-أحمد، أخوك علامةٌ؟ (جملتان: ندائية واستفهامية)
وهكذا ترى من خلال هذا التركيب، أن للتنغيم أنواعاً من النغمات الصوتية، فقد يكون التنغيم صاعداً كما في الاستفهام والتعجب أو التحذير كقول الشاعر:

أخاك أخاك إنّ من لا أخاً له

كساعٍ إلى الهيجا بغير سلاح

وقد يكون التنغيم مستوياً أو هابطاً أو يتراوح بين الهبوط والصعود في بعض الجمل كما في الخبرية والاستفهامية.
أغراض التنغيم:
للتنغيم أغراض كثيرة منها:
1-الموافقة كما في قول الشاعر:

قالوا: صغيرٌ. قلت: إنّ. وربما

كانت به الحسراتُ غيرَ صغار

فـ(إنّ) بمعنى (نعم) وتدل على الموافقة. ولو قال الشاعر: لا، لانصرفت الدلالة إلى الرفض والانزعاج.
2-الزجر كما في قولك: لا إنسان يشرب الخمر: تنطق (لا) بنغمة صوتية صاعدة يفهم منها النهي والكف عن الفعل.
القرآن والتّنغيم:
إذاً كانت الدلالات في الكتابة تتحدّد بعلامات الترقيم، وتتحدّد في الكلام عن طريق التنغيم، فإنها في القرآن الكريم لا تتحدد إلا بوساطة التجويد، وهو العلم الذي نصون به اللسان عن الخطأ في لفظ القرآن.

(1/9)


ولما كان كلام الله سبحانه وتعالى منزّهاً أن يكون مثلَه كلامُ البشر؛ فإن التنغيم بمفهومه السالف لا يمكن أن يقرأ به القرآن الكريم، وما ورد هنا من آيات قرآنية كان الغرض منها بيان التنغيم باعتبارها شواهد على هذه الظاهرة.
ويبقى التجويد علامة دالّة للقرآن لا تجوز القراءة فيه إلا به، وأعتقد أن تطبيق التنغيم عليه قراءةً من باب المحال، وإن حاولنا ذلك فإننا نخرج عن السّمت الذي اختص به؛ كما لو جرّبت أن تجوّد كلام البشر أو حتى الحديث النبوي الشريف، فإن ذلك يكون نشازاً.
الخلاصة:
وبعد فقد خلصت إلى أن التنغيم:
* دلالته نحوية في المقام الأول، بعكس النبر الذي لا تخرج دلالته عن كونها صرفية؛ لأن مجال التنغيم إنما هو التراكيب، والنبر مجاله الكلمات.
* تستخدمه اللغات الحية بحسب طرائقها الكلامية وخصائصها النطقية والعربيةُ من بين اللغات بل وأقواها استخداماً للتنغيم والنبر على السواء، وهو في اللهجات المحكية أكثر انتشاراً ويحتل القسم الأكبر في حديث الخطاب والتواصل بين الناس.
* عرفه العرب والنبرَ قديما وإن لم يفردوا فيهما تصانيف.
* لا يمكن قراءة القرآن به بالمفهوم اللغوي للتنغيم.

(1/10)


العوامل والعلل في "الردّ على النحاة" ـــ موفق السراج
يرى النحاة أن الظواهر الإعرابية -أي تغير أواخر الكلم من رفع إلى نصب إلى جر إلى جزم- إنما هي نتيجة تأثير الكلام بعضه في بعض. فسموا الكلمة المؤثرة عاملاً، والكلمة المتأثرة معمولاً، والظاهرة الإعرابية الحادثة عملاً. ففي مثل قولنا "لم نسافِرْ" تكون "لم" هي العامل، و "نسافر" هي المعمول، والجزم الحاصل على نسافر هو العمل.ثم أطلقوا فقالوا: ما من ظاهرة إعرابية إلا لها عامل أحدثها(1)، وقد أعملوه في الأسماء والأفعال المعربة ومثلهما الأسماء المبنية(2) وعلى أساس هذه النظرية أرسى الخليل قواعد النحو، ثم توسع فيها تلميذه سيبويه من بعده، فكانت له عمدة في توزيع أبواب الكتاب. فقد عقب على حديثه عن أنواع الإعراب والبناء للكلمات بقوله:
"وإنما ذكرت لك ثمانية مجار، لأفرق بين ما يدخله ضرب من هذه الأربعة، لما يحدث منه العامل وليس شيء منها إلا وهو يزول عنه، وبين ما يبنى عليه الحرف بناء لا يزول عنه لغير شيء أحدث ذلك فيه من العوامل التي لكل عامل منها ضرب من اللفظ في الحرف وذلك الحرف حرف الإعراب"(3).
ونفهم مما تقدم أن العامل –عندهم- هو محدث حركات الإعراب التي تكمن أهميتها في الكلام باعتبارها إبانة عن الوظيفة الذاتية للكلمة، وبكونها كلمة ذات دلالة خاصة.
وقبل أن نناقش هذا الرأي فنثبت أو ننفي، لا بد من إلمامة عجلى بأهم تقسيمات العوامل. فالعامل عندهم قسمان:
1-عامل معنوي.
2-عامل لفظي.
أما الأول فيعمل الرفع في المضارع "لتجرده من النواصب والجوازم، فالتجرد هو عامل الرفع فيه، فهو الذي أوجب رفعه وهو عامل معنوي، كما أن العامل في نصبه وجزمه عامل لفظي لأنه ملفوظ"(4).
كما يعمل الرفع في المبتدأ الابتداء. قال سيبويه "واعلم أن المبتدأ لا بد له من أن يكون المبني عليه –أي الخبر- شيئاً هو هو.. فأما الذي يبنى عليه شيء هو هو فإن المبني عليه يرتفع به كما ارتفع هو بالابتداء"(5).
أما العامل اللفظي فهو الأصل لأنه الأقوى، إذ كان محسوساً يدرك بالسمع(6) ولذا دخل جميع أبواب النحو فمنه: الأفعال، والحروف، والأسماء. لكنها ليست متساوية في العمل، فعلى حين أن الأفعال هي العوامل الأصول، فإن القسمين الآخرين فرعان لها، لأننا لا نجد فعلاً غير عامل إلا الأقل، لإخراجه عن أصله لمعنى عرض له كما بينوه. وهو ضربان:

(1/11)


لازم: وهو ما رفع فاعله ولم ينفذ إلى مفعول. ومتعد: وهو ما تجاوز فاعله فنفذ إلى مفعول فنصبه. وذكر مفعوله مع فاعله جائز لا لازم، ولا واجب، فنقول على هذا:
الرفع في الأفعال عام والنصب فيها خاص(7) ومجمل القول في المتعدي أنه ثلاثة أقسام:
1-متعد إلى مفعول واحد:
بالجار نحو "غضبت من زيد" أو يتنوع بين التعدي بالجار تارة والتعدي بنفسه أخرى كقوله تعالى: (واشكروا نعمة الله( وقوله: (أنِ اشكر لي( وقد يتعدى لواحد بنفسه ولا يتعدى أخرى لا بنفسه ولا بالجارِ نحو "فغر فاه" بمعنى فتحه، و "فُغِرَ فوه" بمعنى انفتح(8).
2-متعد إلى مفعولين:
آ-أصلهما مبتدأ وخبر وهي أفعال الشك واليقين، وتسمى أفعال القلوب.
ب- ليس أصلهما مبتدأ وخبراً. ويمكن اكتفاء هذا الفعل بمفعول واحد ولكن ذكر المفعولين أتم للفائدة(9).
3-متعد إلى ثلاثة مفعولين:
هذا أهم ما يتعلق بنصب الأفعال المتعدية لمفعوليها.. فهل بوسعنا تحديد العوامل في المنصوبات الأخرى كالخبر والتمييز والمفعول المطلق وظروف الزمان والمكان والمفعول له والحال؟
أما الخبر والتمييز فخاصان لا يعمَّان كل الأفعال، ألا ترى أنه لا يلزم في كل فعل أن يكون له خبر ككان وعسى وكاد اللواتي لهن أخبار. وكذا التمييز لا يكون في كل فعل، وجملته أنه اسم، نكرة، بمعنى من، مبين لإبهام اسم أو نسبة(10) والناصب لمبين الاسم هو ذلك الاسم المبهم كـ "عشرين درهماً"، والناصب لمبين النسبة المسند من فعل أو شبهه كـ "طاب نفساً" و "هو طيب أبوَّة"(11).
ولما كان عامله في الأكثر غير متصرف لم يجز فيه التقديم كما جاز في المفعول التقديم والتأخير(12).
أما المنصوبات التي تساوت الأفعال في نصبها فخمسة:
المفعول المطلق، وعامله إما مصدر مثله نحو قوله تعالى: (فإن جهنم جزاؤكم جزاءاً موفوراً" أو ما اشتق من فعل نحو "وكلم الله موسى تكليماً" أو وصف نحو "والصافات صفاً"(13).

(1/12)


والثاني مما تتساوى الأفعال في نصبه، الظرف، وهو اسم الزمان أو المكان لأن الفعل لا يصح وقوعه عارياً منهما، فدل عليهما بمعناه، وقد تعدى الفعل إلى جميع أسماء الزمان لكونها أشبه بالأحداث ولم يتعد من أسماء المكان إلا إلى ما كان منها مبهماً غير مختص، مما في الفعل دلالة عليه كالجهات الست وما أشبهها من ظروف المكان المبهمة(14).
والمفعول له ويكون أبداً مصدراً منصوباً ناصبه فعل من غير لفظه لأن الشيء يتوصل به إلى غيره ولا يتوصل به إلى نفسه، ولا يكون كل مصدر بل أكثر ما يقع من المصادر التي هي من أفعال النفوس كالطمع والرجاء(15).
والحال وأصل العامل فيه الفعل أو معناه. والفعل إما متصرف أو جامد، أما معناه فلفظ مضمن معنى الفعل دون حروفه. ومنه قول الشاعر:
كأن قلوب الطير رطباً ويابساً
فعامل الحالين وصاحبهما قوله "كأن" وهو حرف متضمن معنى الفعل "أشبه" دون حروفه. ويتفرع عنهما عوامل أخرى(16).
أما المفعول معه فناصبه ما سبقه من فعل أو شبهه بوساطة الواو، والواو لم تغير المعنى ولكنها تعمل في الاسم ما قبلها ومثل ذلك ما زلت أسير والنيل أي مع(17).
وكذلك العامل في المستثنى فإن فيه أقوالاً منها قول سيبويه أن العامل فيه الفعل المقدم أو معنى الفعل بوساطة إلا(18) أي أن ما قبلها يعمل في المستثنى بوساطتها كما في المفعول معه.
ومن الأفعال العاملة ما يستعمل استعمال الأدوات، والأدوات هي الحروف، وتختص بأحكام تنفرد بها عن جمهور الأفعال ومن ذلك "كان" وأخواتها. وما يفرقها عن باقي الأفعال أنها تدل على أزمنة مجردة من الأحداث والأفعال موضوعة للدلالة على الأحداث وعلى أزمنتها المعينة.
ومنها أفعال المقاربة مثل عسى وكاد.. أما عسى فجامدة يرتفع بها الاسم ويفتقر إلى خبر منصوب ولا يكون إلا مصدراً مقدراً غير مصرح بلفظه وذلك المصدر هو "أن" والفعل.. وقد تستغني به عن الخبر..

(1/13)


وأما كاد ففعل متصرف، وهو أشد مطالبة للفعل من "عسى" وأقرب إلى الحال منه، ولهذا استغنى عن دخول "أن" في خبره.. وما تبقى منها ما يستعمل استعمال "عسى" ومنها ما يستعمل استعمال "كاد"(19).
ومن تلك الأفعال "نعم وبئس" وما جرى مجراهما من الأفعال مما يقتضي مدحاً أو ذماً، وحكمها في العمل أنها ترفع من الأسماء الظاهرة فاعلين معرفين بأل الجنسية أو بالإضافة إلى ما قارنها، أو مضمرين مستترين مفسرين بتمييز نحو "بئس للظالمين بدلاً" وقوله: نعم امرأً هرم ففي كلا الشاهدين ضمير مستتر فاعل، مفسر لإبهامه بالتمييز(20).
هذا أهم ما يتعلق بالعوامل الأصول.. إلا أن هناك أسماء تعمل عمل أفعالها ولكنها تتخلف عنها ولا تبلغ منزلتها في العمل ومن هذا القسم اسم الفاعل. ومذهب سيبويه والجمهور أن أسماء الفاعلين لما شابهت الأفعال المضارعة أعملت حملاً عليها كما أعرب المضارع لمشابهته أسماء الفاعلين، ولذا منعوا اسم الفاعل من العمل إذا كان يعبر عما مضى(21).
واسم المفعول في العمل كاسم الفاعل في أنه يعمل عمل فعله الجاري عليه فنقول هذا رجل مضروب أخوه، فأخوه مرفوع بأنه اسم ما لم يسمَّ فاعله كما أنه في يضرب أخوه كذلك(22) وتنصبه به أيضاً إن كان فعله متعدياً كقولك: زيد معطى أبوه درهماً كما تقول يعطى أبوه درهماً.

(1/14)


أما الصفات المشبهة فتعمل الرفع خاصة ولا تنصب مفعولاً فإن نصبت فعلى التشبيه بالمفعول لا على المفعول الصريح(23) وإنما عملت لأنها شابهت اسم الفاعل بكونها صفة تثنى وتجمع وتؤنث(24) إلا أنها فروع على أسماء الفاعلين إذ كانت محمولة عليها انحطت عنها ونقص تصرفها عن تصرف أسماء الفاعلين كما انحطت أسماء الفاعلين عن مرتبة الأفعال فلا يجوز تقديم معمولها عليها كما جاز ذلك في اسم الفاعل(25) وأما المصادر العاملة عمل الأفعال فهي كل مصدر قدر بأن أو ما والفعل وإنما عمل المصدر إن كان على هذه الصفة لأنه في معنى الفعل ولفظه متضمن حروف الفعل فجرى مجرى اسم الفاعل فعمل عمله(26).
ومما أعمل عمل الأفعال ألفاظ سميت بها الأفعال أي قامت مقامها ودلت عليها بعملها عملها والفرق بينها وبين مسمياتها من الأفعال أنها وإن عملت عملها فإنها ليست بصريح أفعال لعدمها التصرف الذي هو خاص بالفعل، ولذلك نقص تصرفها في معمولها عن تصرف الفعل وانحطت في ذلك رتبته(27) وهي على ضربين: ضرب لتسمية الأوامر وضرب لتسمية الأخبار والغلبة للأول وهو ينقسم إلى متعد للمأمور وغير متعد له فالمتعدي نحو قولك: عليك زيداً أي: الزمه وغير المتعدي نحو: صه أي اسكت... وأسماء الأخبار نحو هيهات ذاك أي بعُد(28).
وأما القسم الأخير من العوامل فهو العوامل من الحروف... والعامل منها ما اختص بالفعل أو الاسم، والمهمل هو غير المختص بأحدهما... إلا أن بعض الحروف قد تكون مختصة وهي غير عاملة، وعلة ما جاء من هذا الضرب في امتناعه عن العمل أن يتصل بما اختص به اتصالاً شديداً، حتى يتنزل لشدة اتصاله به منزلة الجزء منه(29) وهذه ثلاثة:
ما ينصب الاسم ويرفع الخبر وهي الحروف المشبهة بالفعل... وقد تدخل عليها "ما" فتكف "إن" وأخواتها عن العمل وتزيل اختصاصها بالأسماء..
ثم حروف الجزم وأدوات الشرط.
وأخيراً حروف الخفض... وكلها معروفة.

(1/15)


وقد يضمر العامل لا لثقله لكن لغير ذلك: من التعويض منه، أو لأن الصنعة أدت إلى رفضه، وذلك نحو (أن) مع الفعل إذا كان جواباً للأمر والنهي، وتلك الأماكن السبعة، نحو اذهب فيذهب معك "ولا تفتروا على الله كذباً فيسحتَكِم بعذاب" وذلك أنهم عوضوا من (أن) الناصبة حرف العطف، وكذلك قولهم: لا يسعني شيء ويعجز عنك، وقوله:
نحاول ملكاً أو نموتَ فنعذرا
صارت أو والواو فيه عوضاً من (أن)، وكذلك الواو التي تحذف معها رُب في أكثر الأمر، نحو قول الراجز:
وقاتمِ الأعماق خاوي المخترَق.
غير أن الجر لرب لا للواو، كما أن النصب في الفعل إنما هو لأن المضمرة، لا للفاء ولا للواو ولا (لأو).
ومن ذلك ما حذف من الأفعال وأنيب عنه غيره. مصدراً كان أو غيره... فالعمل الآن إنما هو لهذه الظواهر المقامات مقام الفعل الناصب.
ومن ذلك ما أقيم من الأحوال المشاهدة مقام الأفعال الناصبة، نحو قولك: إذا رأيت قادماً:
خيرَ مقدم، أي قدمت خير مقدم. فنابت الحال المشاهدة مناب الفعل الناصب فهذا ونحوه لم يرفض ناصبه لثقله، بل لأن ما ناب عنه جار عندهم مجراه، ومؤد تأديته(30).
وبعد فقد تبين لنا من هذا العرض المقتضب للعوامل أن الرأي السائد فيها هو أنها محدثة حركات الإعراب وهذه الحركات سبب تنوع معاني الكلم.. كما لاحظنا أن فكرة العامل دخلت جميع أبواب النحو، وأن هذه الأبواب وزعت على أساسها، فهلا ناقشنا هذه الفكرة فتعرفنا جوانب الصواب فيها؟!
لا بأس لدينا من خلال ما جاء في كتاب "الرد على النحاة".
لقد ثار ابن مضاء القرطبي (511-592هـ) في كتابه هذا على قول النحاة بالعامل، ولم يلتفت إليه أحد، ولم يؤبه لرأيه هذا، وظل كتابه قابعاً في زاوية مظلمة، إلى أن قيِّض له الدكتور شوقي ضيف في سنة (1947م) فحققه وقدم له بمقدمة أشاد فيها بهذا الرجل وبكتابه، ونعته بالطرفة البديعة!

(1/16)


وكل ما يعنينا منه أنه دعا إلى إلغاء نظرية العامل، وحجته في ذلك أنها كانت السبب في تعقيد النحو لما خلفته من تقديرات وتأويلات، فلهذا رأى أن يحذف من النحو ما يستغني النحوي عنه، وينبه على ما أجمعوا على الخطأ فيه، وادعى أن رأي سيبويه بيِّن الفساد بتوزيعه أبواب كتابه على فكرة العامل لاعتقاده أن العامل هو محدث الإعراب(31). وقد حاول أن ينقض رأي سيبويه ويدعم رأيه هو باستشهاده بقول ابن جني بعد حديثه عن العامل اللفظي والعامل المعنوي:
"فأما في الحقيقة ومحصول الحديث، فالعمل من الرفع والنصب والجر والجزم إنما هو للمتكلم نفسه لا لشيء غيره"(32).
كما اعترض على تقدير العوامل المحذوفة(33) وليس لمعترض أن يقول بأن النحاة قد أجمعوا على القول بالعامل لأن إجماعهم على القول به ليس حجة(34) واعترض أيضاً على تقدير متعلقات المجرورات(35) وتقدير الضمائر المستترة في المشتقات(36) وفي الأفعال(37) ودعا أيضاً إلى إلغاء العلل الثواني والثوالث(38).

(1/17)


إنه لينتابنا العجب مما احتواه هذا الكتاب بين دفتيه! فهو لم يبق على أصل من أصول النحو.. ودعوته إلى إسقاط نظرية العامل لا يمكن أن يقبل بها مصيب.. بل هي دعوة خرقاء ضلت الطريق القويمة، وانحازت عن السداد.. أو ليس صرح النحو كله قائماً على أساس فكرة العامل؟ فما دامت الدعوة إلى إسقاطها دعوة إلى هدم النحو العربي فليس لنا أن نقبلها بأية حال.. وليس له فيما ذكر ابن جني عن العامل حجة يحتج بها في تحقيق مراده... صحيح أن المتكلم كما ذكر أبو الفتح هو المحدث لتلك المعاني المختلفة الناتجة عن تنوع حركات الإعراب، إلا أنه اتخذ من العوامل وسيلة لإحداث الإعراب الذي هو إبانة لما في نفس المتكلم، ودليل على المعنى الوظيفي للكلمة "فالموجد كما ذكرنا لهذه المعاني هو المتكلم، لكن النحاة جعلوا الآلة كأنها هي الموجدة للمعاني ولعلاماتها. ولهذا سميت الآلات عوامل.. وثبت أن العامل في الاسم ما يحصل بوساطته في ذلك الاسم المعنى المقتضي للإعراب وذلك المعنى كون الاسم عمدة أو فضلة أو مضافاً إليه العمدة أو الفضلة.."(39).
وإذا كان قد احتج على إلغاء العوامل بما جرَّته على النحو من التعقيد، فإن التعقيد جاء من متأخري النحاة، إذ بالغوا بأمر العامل وشعَّبوا وجوه القول فيه، وأسقموا النحو بمصطلحات المنطق وعلم الكلام.. "وقد لا يكون تفسير ا لأمر صعباً إذا عدنا إلى القرن الرابع فوجدنا جواً زاخراً بالعلوم العربية والأعجمية، ورأينا عقلية بلغت من النضج والخصب مبلغاً عظيماً، وأدركنا غلبة المنطق وأساليب الكلام ونفاذها في علوم ذلك العصر"(40).
وليس ما وصلت إليه فكرة العامل عند المتأخرين بمسوغ له أن يدعو إلى إسقاطها وهدمها من الأساس.. فما يهمنا أنها معتدلة عند متقدميهم وفي طليعتهم الخليل بن أحمد الفراهيدي وسيبويه، وإذا أردنا أن نحكم في مسالة علينا أن نردها في منبعها.

(1/18)


أما اعتراضه على تقدير العوامل المحذوفة فليس بشيء بدليل أنهم أجمعوا على تقدير الفعل المنصوب بأن المضمرة بمصدر وجعلوا له محلاً من الإعراب حسب موقعه من الكلام.. وهل نستطيع أن نفسر نصب (زيداً) في قولنا: (زيداً كلمته) إلا على أنه مفعول به لفعل محذوف يفسره ما بعده... وكذلك كلمة (المسكين) مرفوعة في قولنا: مررت به المسكين إلا على أنها خبر لمبتدأ محذوف تقديره (هو) كما ذكر سيبويه. وماذا نقول في ناصب (خيراً) في قوله تعالى: (وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا خيراً) سوى أنه فعل محذوف دل عليه السياق؟ وفيما ذكرناه من كلام ابن جني عن تقدير العوامل المحذوفة ثبت لما نقول (وانظر الخصائص 1/284).
وأما ما ذكره من أن إجماع العلماء على القول بالعامل ليس بحجة فلا يمكن أن يطلق هذا ليكون مبرراً لكل ذي نزوة من نزوات تفكره.. وإلا لكانت العلوم فوضى ولأدلى كل واحد بما يحلو له.. إننا نعارض إغلاق أبواب الاجتهاد في مسائل اللغة، لأننا أحرص ما نكون على تطورها ومواكبة روح العصر.. حتى لو خالف المجتهد الجماعة، ولكننا "مع هذا الذي رأيناه وسوغنا مرتكبه لا نسمح له بالإقدام على مخالفة الجماعة التي قد طال بحثها، وتقدم نظرها... إلا بعد أن يناهضه إتقاناً، ويثابته عرفاناً، ولا يخلد إلى سانح خاطره، ولا إلى نزوة من نزوات تفكره"(41) وما ابن مضاء في مخالفة الجماعة إلا مخلد لسانح خاطره، ونزوة تفكيره.. فما عرف أنه رجل فقه وقضاء أكثر من كونه نحوياً.. فلا حجة له.

(1/19)


وما دام قد دعا إلى إلغاء العلل الثواني والثوالث نود أن نبين العلاقة بين نظرية العوامل وبين "علل النحو" فنقول أولاً إنهما نابعتان كلتاهما من معين واحد هو العقل البشري الذي من طبيعته التساؤل عن الأسباب الكامنة وراء أية ظاهرة مهما كان نوعها، وبالتالي طموحه إلى تفسيرها وإخضاعها لأحكام منطقه. ويبدو لنا أن العلل النحوية بصورتها البسيطة، وهي التي يسميها الزجاجي "العلل التعليمية" قد رافقت في الأساس نظرية العوامل، بل هي امتزجت بها، حتى ليصعب على المرء التمييز بينهما(44) أما ما آلت إليه نظرية العلة النحوية فيما بعد فبعيد عن نظرية العوامل. فلم تعد العلة مفتاحاً يتوسله العلم لشرح معضلة استغلق ذهن الطالب دون فهمها، بل راحت تتلبس على مر العصور بمفروزات المنطق الفلسفي ومركباته، حتى ناءت بها كتب النحو واللغة لكثرة ما عملت فيها نفخاً وإطالة. وهذا ما قصدنا إليه حين قلنا بتعقيد "علل النحو" في العصور المتأخرة وبعدها عن العلة في نشأتها الأولى وبالتالي عن نظرية "العوامل" التي هي صنو لها(43) وهذا ما جعل ابن جني أيضاً يرفض العلل الثواني والثوالث ويكتفي بالعلة الأولى(44) فلم يكن لابن مضاء سبق القول برفضها.
وليس أدل على خطل ما جاء به، كما ذكر الدكتور مازن المبارك، من أن دعوته لم تكن أكثر من صرخة دوَّت في أواخر القرن السادس الهجري ثم خمدت فلم تترك وراءها من الأثر أكثر مما يتركه النجم الهاوي من ذيل يضيء ثم لا يلبث أن يضمحل.

(1/20)


إلا أن الدعوة إلى رفض القول بالعوامل لم تخمد تماماً.. بل ظهرت من جديد في دعوات وصرخات ناشزة تسترت تحت شعارات مختلفة من "تجديد النحو" أو "إحياء" له، بحجة أن قوالبه القديمة لم تعد مناسبة للاستعمال في عصرنا هذا.. وكان في طليعة هؤلاء إبراهيم مصطفى الذي دعا في كتابه "إحياء النحو" إلى إلغاء نظرية العامل لتوزع أبواب النحو على نمط جديد يسهل للطالب الدرس والفائدة.. فلم يزد على ما جاء به ابن مضاء، ولم يكن حظه بأحسن من سلفه.
ويدهش المرء لموقف الدكتور طه حسين المتناقض من هذه المسألة، إذ "كيف يكون ابن مضاء هداماً أكثر منه مصلحاً في رأي من يرى في محاولة إبراهيم مصطفى (إحياء للنحو) ويصر على أن تحمل هذا الاسم، كما ذكر في تقديمه لهذا الكتاب"(45)؟!
وأخيراً، وبعد أن تبينا أنواع العوامل من لفظية ومعنوية وعرفنا أن منها الأصول ومنها الفروع، ودللنا على فساد قول ابن مضاء بإسقاط فكرة العامل نقول:
العمل في الحقيقة إنما هو للمتكلم لا لغيره، إلا أن العوامل اتخذت وسائل لتنوع المعاني عن طريق تنوع حركات الإعراب.. ولا غنى عن هذه الوسيلة للوصول إلى الغاية.
موفق السراج
الحواشي:
(1) المحيط في أصوات العربية ونحوها وصرفها 3/65. محمد الأنطاكي.
(2)المدارس النحوية. ص 38. د. شوقي ضيف.
(3)الكتاب 1/10. سيبويه.
(4)جامع الدروس العربية 1/172. مصطفى الغلاييني.
(5)الكتاب 1/278. سيبويه.
(6)المرتجل ص 114. ابن الخشاب.
(7)المرتجل ص 116.
(8)شذور الذهب ص 356. ابن هشام.
(9)المرتجل ص 155.
(10)أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك. 2/108 ابن هشام.
(11) نفسه 2/109.
(12)المرتجل ص 158.
(13)أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك 20/33.
(14)المرتجل ص157.
(15) نفسه ص 159.
(16) أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك 2/91-92.
(17)الكتاب 1/177.
(18)شرح المفصل 2/76. ابن يعيش.
(19)المرتجل ص 124.
(20)أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك 2/283.
(21)نفسه 2/283.

(1/21)


(22)الكتاب 1/87.
(23)شرح المفصل 6/80.
(24)المرتجل ص239.
(25)شرح الكافية 2/205. رضي الدين الاستراباذي.
(26)شرح المفصل 6/82.
(27)نفسه 6/60.
(28)المفصل ص 61. الزمخشري.
(29)المرتجل ص 168 وص 227.
(30)الخصائص 10/263-264. ابن جني.
(31)الرد على النحاة ص 85. ابن مضاء القرطبي.
(32)الخصائص 1/110.
(33)الرد على النحاة ص 88.
(34)نفسه ص 93.
(35) نفسه ص 99.
(36)نفسه ص 100.
(37) نفسه ص 103.
(38) نفسه ص 151.
(39)شرح الكافية 1/25. رضي الدين الاستراباذي.
(40)النحو العربي ص 98. د. مازن المباوك.
(41)الخصائص 1/190.
(42)تجديد النحو ص 59 د. عفيف دمشقية.
(43)نفسه ص 161-162.
(44)الخصائص 1/173.
(45)النحو العربي ص 157.

(1/22)


اللسان العربي المبين - د. جعفر دك الباب
تعتبر هذه المقالة الثالثة في سلسلة مقالاتي التي تفضلت هيئة تحرير "التراث العربي" بالموافقة على نشرها، ويمكن تسمية السلسلة (التراث اللساني العربي في ضوء اللسانيات الحديثة). كنت قد بدأت هذا الاتجاه في البحث عام 1968 حين شرعت بتحضير رسالة الدكتوراه في جامعة موسكو في اختصاص اللسانيات التاريخية والمقارنة. وفي رسالتي التي كتبتها بالروسية ودافعت عنها عام 1973، عرضت نظرية الإمام الجرجاني اللغوية التي تضمنها كتاب "دلائل الإعجاز في علم المعاني" وقارنتها بالنظرية اللسانية الحديثة(1)، وطالبت بأن تحتل نظرية الجرجاني عن جدارة موقعاً بارزاً في اللسانيات الحديثة. وتابعت السير في اتجاه دراسة التراث اللساني العربي في ضوء اللسانيات الحديثة خلال فترة تدريسي في الدراسات العليا في جامعة دمشق، فحددت الملامح العامة لاتجاه مدرسة أبي علي الفارسي اللغوية الذي بلوره ابن جني في "الخصائص" والإمام الجرجاني في "دلائل الإعجاز في علم المعاني" في نظريتين متتامتين(2).كانت المقالة الأولى في هذه السلسلة بعنوان "إعجاز القرآن وترجمته"(3). عرضت فيها –انطلاقاً من نظرية الإمام الجرجاني اللغوية- رأي الجرجاني في إعجاز القرآن الكريم. وبينت أنه يقول بضرورة عدم التمييز بين معان أصلية ومعان ثانوية للقرآن، لأن القرآن معجز في جميع مواضعه. وأشرت إلى أن الجرجاني يؤكد ضرورة الربط بين النحو والبلاغة، لأن فصل البلاغة عن النحو يؤدي إلى القول إن القرآن الكريم معجز فقط في بعض مواضعه، وقررت في نهاية المقالة أن الترجمة الجيدة للقرآن الكريم يجب أن تكون للمعاني وأن تنطلق من فهم الخصائص البنيوية للغة التي تتم الترجمة منها واللغة التي يترجم إليها.
وكانت المقالة الثانية في هذه السلسلة بعنوان "الخصائص البنيوية للفعل والاسم في العربية"(4). عرضت فيها تميز مفهوم (الكلمة) في علم اللغة العربية عن مفهوم (الكلمة) في علم اللغة الأوروبي، نتيجة لاشتمال النظام اللغوي للعربية على طريقة اندماج (أو اتصال) الكلمات. كما بينت خصائص بنية الفعل والاسم في اللسان العربي، وحددت في ضوء تلك الخصائص أنماط التراكيب في العربية. وقد تطرقت بصدد ذلك إلى العوامل في النحو، وأشرت إلى المنهج البنيوي الوظيفي للإمام الجرجاني في الدراسة النحوية، ولخصت نظرته الوظيفية إلى الإعراب.
وفي هذه المقالة الثالثة من السلسلة والتي تحمل عنوان "اللسان العربي المبين" أطرح السؤال التالي: هل تكفي معرفة الخصائص البنيوية للتراكيب في العربية لفهم معاني القرآن الكريم؟ للإجابة عن هذا السؤال لا بد من العودة مجدداً إلى البحث في إعجاز القرآن البلاغي، وتحديد مزايا اللغة التي أنزل القرآن بها فجعلت جميع العرب يقرون بأنه في أعلى درجة من البيان وبأن لغته قمة في الفصاحة والبلاغة.
آ)نص القرآن الكريم صراحة على أنه (قرآن عربي) في الآيات التالية:
-(إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون( /الزخرف 3/

(1/23)


-( وكذلك أوحينا إليك قرآناً عربياً( /الشورى 7/
-(إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون" /يوسف 2/
-(وكذلك أنزلناه قرآناً عربياً وصرّفنا فيه من الوعيد( /طه 113/.
-(كتاب فصِّلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون( /فصلت 3/.
-(قرآناً عربياً غير ذي عِوَج لعلهم يتقون( /الزمر 28/.
ب)ونص صراحة كذلك على أنه (بلسان عربي مبين) في قوله تعالى:
(وإنه لتنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين، على قلبك لتكون من المنذرين، بلسان عربي مبين( /الشعراء 192-195/.
جـ)كما نص على أنه (بلسان النبي الكريم) في قوله تعالى:
(فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون( /الدخان 58/.
2)ونص على أن (لسان الكتاب عربي) في قوله تعالى:
(...وهذا كتاب مصدق لساناً عربياً...( /الأحقاف 12/
هـ)كما نص في موضع آخر على أنه (لسان عربي مبين) في قوله تعالى:
(...وهذا لسان عربي مبين...( /النحل 103/.
إن النص الصريح على أن (القرآن عربي) وعلى أنه (بلسان عربي مبين) يوجب علينا أن نحدد أولاً المقصود بعبارة (قرآن عربي)، ثم نحدد ما هو (اللسان العربي المبين).
أولاً- القرآن عربي.
نفهم من وصف القرآن بأنه (عربي) أنه أنزل بلسان العرب. لذا فإن تحديد المقصود بعبارة (قرآن عربي) يحيل إلى البحث في تحديد: (من العرب؟) و (ما العربية؟).
صنفت اللسانيات المقارنة اللغات في أسر بحسب قرابتها. وصنفت اللغة العربية في أسرة اللغات السامية. ويعمد بعض العلماء إلى توحيد اللغات السامية والحامية في أسرة واحدة يسمونها أسرة اللغات السامية –الحامية. لم يتم تاريخياً إثبات وجود اللغة- الأصل أم الأم لكل أسرة، بل تم الاكتفاء بفرض وجود اللغة- الأصل ووصف صفاتها العامة المستنبطة من التشابه بين اللغات التي تدخل كل أسرة لغوية(5).
ثم اعتمد المؤرخون فرضية اللغة- الأصل وفرضوا بدورهم وجود شعب تكلم بها.

(1/24)


وعليه فإن فرض وجود لغة سامية- أصل استوجب بالتالي فرض وجود الشعب السامي- الأصل الذي تكلم تلك اللغة. ولكن أين موطن ذلك الشعب السامي؟ وهل تشكل السامية جنساً متميزاً؟ يقول الدكتور فيليب حتي حول موطن الجنس السامي- الحامي ما يلي: "وهذا يجعل إفريقية الموطن المرجح للجنس السامي الحامي، والجزيرة العربية المهد للشعب السامي والمركز الذي تفرعوا منه. أما الهلال الخصيب فهو مربع الحضارة السامية"(6). ويشير الدكتور جواد علي إلى أن السامية ليست عرقاً فيقول: "السامية ليست (RACE) بالمعنى المفهوم من (RACE) عند علماء الأحياء، أي جنس له خصائص جسمية وملامح خاصة تميزه عن الأجناس البشرية الأخرى. فبين الساميين تمايز وتباين في الملامح وفي العلامات الفارقة يجعل إطلاق (RACE) عليهم بالمعنى العلمي الحديث المفهوم في علم الأجناس أو الفروع العلمية الأخرى نوعاً من الإسراف واللغو. كما أننا نرى تبايناً في داخل الشعب الواحد من هذه الشعوب السامية في الملامح والمظاهر الجسمية(7).
وفي العرب والعربية يقول الدكتور جواد علي: "وترى علماء العربية حيارى في تعيين أول من نطق بالعربية، فبينما يذهبون إلى أن (يعرب) كان أول من أعرب في لسانه وتكلم بهذا اللسان العربي فعرف هذا اللسان لذلك باللسان العربي، تراهم يجعلون العربية لسان أهل الجنة ولسان آدم أي أنهم يرجعون عهده إلى مبدأ الخليقة قبل خلق (يعرب) بالطبع بزمان طويل، ثم تراهم يقولون: أول من تكلم بالعربية ونسي لسان أبيه إسماعيل، وقد ألهم إسماعيل هذا اللسان العربي إلهاماً، وكان أول من فتق لسانه بالعربية المُبِنية وهو ابن أربع عشرة سنة. وإسماعيل هو جد العرب المستعربة على حد قولهم.."(8).
ويذكر الدكتور جواد علي أن الرواة وأهل الأخبار اتفقوا أو كادوا يتفقون على تقسيم العرب من حيث القدم إلى طبقات: عرب بائدة وعرب عاربة وعرب مستعربة.

(1/25)


واتفقوا أو كادوا يتفقون على تقسيم العرب من حيث النسب إلى قسمين: قحطانية منازلهم الأولى في اليمن، وعدنانية منازلهم الأولى في الحجاز. واتفقوا أو كادوا يتفقون على أن القحطانيين هم عرب منذ خلقهم الله و وعلى هذا النحو من العربية التي نفهمها ويفقهها من يسمع هذه الكلمة. فهم الأصل والعدنانية الفرع، منهم أخذوا العربية وبلسانهم تكلم أبناء إسماعيل بعد هجرتهم إلى الحجاز. وقد شرح الله صدر جدهم إسماعيل فتكلم بالعربية، بعد أن كان يتكلم بلغة أبيه التي كانت الأرامية أو الكلدانية أو العبرانية على بعض الأقوال(9).
وحول تقسيم اللغة العربية إلى شمالية وجنوبية يكتب الدكتور جواد علي: "وقد اصطلح المستشرقون على رجع اللغات التي ظهرت في جزيرة العرب إلى أصلين: أصل شمالي يقال للغات التي تعود إليه اللغات أو اللغة العربية الشمالية، وأصل جنوبي يقال للغات التي ترجع إليه اللغات أو اللغة العربية الجنوبية. وهذا التقسيم التقليدي للهجات العرب إنما خطر ببال المستشرقين من النظرية العربية الإسلامية التي ترجع العرب إلى أصلين: أصل عدناني وأصل قحطاني. ونظراً إلى عثورهم على كتابات عربية جنوبية تختلف في لغتها وفي خطها عن العربية القرآنية، رسخ في أذهانهم هذا التقسيم وقسموا لغات العرب إلى مجموعتين لسهولة البحث حين النظر في اللغات واللهجات"(10).
قال المستشرقون أن العربية الشمالية والعربية الجنوبية تدخلان في شعبة اللغات السامية الجنوبية. وادعى بعض المستشرقين أن العربية الجنوبية أقرب إلى العبرية.
ولعل السبب في ذلك الادعاء يعود إلى أن المستشرقين الأوائل كانوا –حين يحللون النقوش العربية الجنوبية- يكتبونها أولاً بالحروف العبرية ثم يترجمونها إلى لغاتهم. وأشار الأكاديمي كراتشكوفسكي إلى أن من الأفضل كتابتها بالحروف العربية الشمالية لأنها أكثر ملاءمة من الحروف العبرية لخصائص البنية اللغوية للعربية الجنوبية.

(1/26)


أما الدكتور فيليب حتي فيقول: "يجب علينا أن نفرق بين عرب الجنوب وعرب الشمال الذين يشملون أهل نجد في أواسط الجزيرة. وكما أن سطح الجزيرة ينقسم إلى منطقتين شمالية وجنوبية تفصل بينهما صحراوات غير مطروقة، كذلك ينقسم سكانها إلى جماعتين تتمايز الواحدة عن الأخرى. وعرب الشمال في الغالب من البدو ويعيشون في بيوت من الشعر في نجد والحجاز، أما عرب الجنوب فأكثرهم من الحضر يقطنون اليمن وحضرموت وما جاورهما من السواحل. ولغة الشمال هي لغة القرآن أي اللغة العربية المعروفة، أما أهل الجنوب فلقد كان لهم لغة سامية قديمة –لغة سبأ وحمير- وهي تمت إلى اللغة الحبشية بصلة"(11).
هذا وقد عمد بعض اللغويين العرب إلى التأكيد أن لغات اليمن القديمة مستقلة تمام الاستقلال عن اللغة العربية وتؤلف معها ومع اللغات الحبشية السامية شعبة لغوية واحدة هي الشعبة السامية الجنوبية(12). في حين عمد لغويون آخرون إلى دفع تلك الشبهة وأكدوا أنه لم يكن في جزيرة العرب إلا لسان عربي واحد تكلمه أهل الشمال وأهل الجنوب على حد سواء، وإن الاختلاف بين لهجاته لم يكن أوسع مما تجيزه قوانين اللغة بين لهجات اللسان الواحد(13).

(1/27)


من المعروف أن اللغة العربية (الشمالية) لم تبدأ في الظهور كتابياً إلا كآخر لغة سامية على الإطلاق. وعلى الرغم من ذلك يؤكد علماء الساميات أنه لا يمكن الاستغناء عن العربية لدى كل دراسة لغوية مقارنة للساميات، وأنها ضرورية لتحديد مزايا اللغة السامية الأم التي يفرض وجودها نظرياً. إن المنهج المقارن في دراسة اللغات لا يستطيع أن يكشف الظروف التي أدت إلى تمتع العربية بجملة من الخصائص تجعل معرفة العربية ضرورية ولا غنى عنها لتحديد صفات اللغة السامية الأم. أما المنهج المقارن التاريخي فينظر إلى اللغة الأم أو الأصل على أنها لغة حقيقية كانت موجودة تاريخياً، ولكن ليس بالإمكان إعادة بنائها كلياً ويمكن فقط إعادة بناء الخصائص الأساسية لنظامها الصوتي والقواعدي ولمفرداتها. ويعني هذا أن المنهج المقارن التاريخي لا يستطيع كذلك أن يشرح الظروف التي جعلت العربية تتمتع بخصائص بنيوية مميزة.
إننا نرى أن هذا هو السبب في الارتباك الذي يعاني منه العرب في العصر الحاضر.
فيعمد بعض الباحثين العرب إلى التأكيد على أن اللغة العربية أقدم اللغات السامية على الإطلاق(14). ويعمد آخرون إلى رفض مصطلح (اللغات السامية) ويدعون إلى تصحيح تلك التسمية الخاطئة التي تستبطن اعتبارات ثقافية وسياسية وإقليمية يمكن أن تستغلها الصهيونية، ويقترحون إطلاق تسمية (اللغات العربية القديمة) أو (اللغات الأعرابية) بدلاً منها(15).
إننا ندعو إلى التخفيف من الاندفاع وراء المنهج المقارن التاريخي في دراسة اللغات لأنه عاجز عن إعادة بناء اللغة –الأصل كلياً، ولا يمكِّن بالتالي من إعادة بناء اللغة السامية الأم بشكل كامل. ويعني ذلك أننا لن نتمكن بوساطة المنهج المقارن التاريخي من إثبات هل اللغة العربية أقرب اللغات السامية جميعاً من اللغة السامية الأم. فما العمل؟!

(1/28)


إن دعوتنا إلى عدم الاندفاع وراء المنهج المقارن التاريخي في دراسة اللغات ليست في الواقع سوى خطوة تمهيدية وضرورية للدعوة إلى اعتماد منهج تاريخي علمي. وكنت قد أشرت أعلاه إلى اتجاه مدرسة أبي علي الفارسي اللغوية الذي بلوره ابن جني في (الخصائص) والإمام الجرجاني في (دلائل الإعجاز في علم المعاني) في نظريتين متتامتين. وأضيف هنا أنني استنبطت منهجاً تاريخياً علمياً في الدراسة اللغوية من التتام بين نظريتي ابن جني والجرجاني.
ويقضي المنهج التاريخي العلمي بالنظر إلى اللغة على أنها ظاهرة اجتماعية ترتبط بالتفكير منذ نشأتها، وتؤلف نظاماً متعدد المستويات في حركة مستمرة، لذا يجب أن يدرس النظام اللغوي في وضعه الراهن (المتزامن) وفي تطوره في آن واحد. إن استخدام المنهج التاريخي العلمي لدى دراسة تاريخ اللغة يوجب قبل كل شيء ضرورة الاستناد إلى مادة لغوية للغات موجودة الآن فعلاً أو ثبت بالشواهد أنها كانت موجودة، لا مفروضة الوجود فقط. ويرى المنهج التاريخي العلمي أن مادة أي لغة طبيعية معروفة هي أفضل الشواهد التاريخية ودليل علمي هام. لذا فإننا نرفض القول بوجود الشعب السامي، إذا كان ذلك القول يستند فقط إلى فرض وجود لغة سامية –أم، كما ندعو إلى دراسة لغة القرآن الكريم متسلحين بالمنهج التاريخي العلمي لمدرسة أبي علي الفارسي اللغوية.

(1/29)


تميزت شبه جزيرة العرب باشتمالها على مناطق جغرافية مختلفة تتوسطها الصحراء. وقد ساعدت طبيعة الأرض العربية على احتفاظ الحياة الاجتماعية العربية بسمات قبلية في كثير من جوانبها بالرغم من وجود نمط حياة الاستقرار التي عرفت الاشتغال بالزراعة والعمران في الجنوب (في اليمن) وفي المناطق الساحلية أو القريبة من الساحل التي عرفت الحياة المدنية والاشتغال بالتجارة. ولم تكن المجتمعات العربية ذات درجة واحدة من التطور الاجتماعي، بل كانت متفاوتة بنتيجة عوامل مختلفة. وقد انعكس ذلك التفاوت في درجات التطور الاجتماعي على الوضع اللغوي للعربية. فكانت اللغة العربية –والحالة هذه- بدرجات متباينة من التطور حسب القبائل والمناطق.
يشير الدكتور جواد علي إلى أن "كل لغات العرب هي لغات عربية وإن اختلفت وتباينت وما اللغة التي نزل بها القرآن الكريم إلا لغة واحدة من تلك اللغات، ميزت من غيرها، واكتسبت شرف التقدم والتصدر بفضل الإسلام وبفضل نزول الكتاب بها فصارت (اللغة العربية الفصيحة) ولغة العرب أجمعين. وحكمنا هذا ينطبق على النبط أيضاً وعلى من كان على شاكلتهم، وإن عدهم علماء النسب والتاريخ واللغة والأخبار من غير العرب وأبعدوهم عن العرب والعربية.."(16).
لا بد هنا من التنويه بأن لفظة (لغة) كانت تستعمل بمعنى (لهجة)، فيقال لغات قريش وهذيل وثقيف... ويقصد بذلك لهجاتها. وإني أرى أن لغة القرآن الكريم ليست واحدة من لغات (لهجات) العرب، لأن وصف القرآن في التنزيل بأنه (عربي) يعني أنه أنزل بلسان جميع العرب، وأن لغة القرآن الكريم قد عكست بالضرورة مراحل متفاوتة من التطور اللغوي للعربية. ويؤيد ما ذهبنا إليه أن القرآن، حين نص صراحة على أنه (بلسان عربي مبين) و (لسان عربي)، استخدم لفظة (لسان) بدلاً من (لغة) للتأكيد أن لغته ليست واحدة من لغات (لهجات) العرب، بل هي لسان جميع العرب. فما اللسان العربي؟
ثانياً- اللسان العربي.

(1/30)


لم يقر جميع العرب بأن لغة القرآن الكريم في أعلى درجة من البيان، ولم يعتبروها قمة في الفصاحة والبلاغة، إلا لأنها اللسان العربي الواحد لجميع العرب. ومن الطبيعي أن يشتمل هذا اللسان العربي الواحد على أشكال متنوعة للقراءة، كانت تعكس في الأصل أوجه التغاير بين اللهجات (اللغات) العربية من حيث اللفظ أو المعنى. وقد ورد في الحديث الشريف (أنزل القرآن على سبعة أحرف). وسرد أبو شامة المقدسي في "كتاب المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز"(17) جميع الروايات الصحيحة لهذا الحديث. من الروايات الصحيحة "أقرأني جبريل عليه السلام على حرف واحد فراجعته، فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف". ومنها "إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرؤوا ما تيسر منه".
ونقل أبو شامة قول ابن العربي في كتاب شرح الموطأ: "ولم تتعين هذه السبعة بنص من النبي ( ، ولا بإجماع من الصحابة، وقد اختلفت فيها الأقوال، فقال ابن عباس: اللغات سبع والسموات سبع والأرضون سبع، وعدّد السبعات، وكأن معناه أنه نزل بلغة العرب كلها"(18). وأورد السيوطي في "الإتقان في علوم القرآن"(19) الأقوال المختلفة في معنى هذا الحديث. وأشار إلى أنها بلغت أربعين قولاً. وذكر الأستاذ مناع القطان في كتابه "مباحث في علوم القرآن"(20) أن أكثر العلماء ذهبوا إلى أن المراد بالأحرف السبعة سبع لغات (أي لهجات) من لغات العرب في المعنى الواحد.
إننا نرفض التفسير الذي يرى أن معنى (إنزال القرآن على سبعة أحرف) هو أن (القرآن أنزل بسبع لغات مع اشتراط أن يكون ذلك في المعنى الواحد)، لأن هذا التفسير يؤدي إلى القول بأن القرآن لم ينزل باللسان العربي الذي هو لسان جميع العرب، ويؤدي ذلك بالتالي إلى القول بأن القرآن ليس عربياً (أي ليس لجميع العرب)، بل هو قرآن لسبع قبائل فقط من العرب.

(1/31)


أورد السيوطي القول الخامس في معنى الأحرف السبعة وهو التالي: "إن المراد بها الأوجه التي يقع بها التغاير ذكره ابن قتيبة قال: فأولها ما يتغير حركته ولا يزول معناه ولا صورته مثل (ولا يضار كاتب) بالفتح والرفع. وثانيها ما يتغير بالفعل مثل (بعد وباعد) بلفظ الطلب والماضي. وثالثها ما يتغير باللفظ مثل (ننشرها وننشزها).
ورابعها ما يتغير بإبدال حرف قريب المخرج مثل (طلح منضود، وطلع). وخامسها ما يتغير بالتقديم والتأخير مثل (وجاءت سكرة الموت بالحق، وسكرة الحق بالموت). وسادسها ما يتغير بإبدال كلمة بأخرى مثل (كالعهن المنفوش، وكالصوف المنفوش). وتعقب هذا قاسم بن ثابت بأن الرخصة وقعت وأكثرهم يومئذ لا يكتب ولا يعرف الرسم وإنما كانوا يعرفون الحروف ومخارجها. وأجيب بأنه لا يلزم من ذلك توهين ما قاله ابن قتيبة لاحتمال أن يكون الانحصار المذكور في ذلك وقع اتفاقاً وإنما اطلع عليه بالاستقراء"(21).
يظهر من كلام السيوطي أنه يؤيد رأي ابن قتيبة الذي يرى أن المراد بالأحرف السبعة سعبة أوجه يقع بها التغاير. وكان الإمام السكاكي قد وصف في "مفتاح العلوم" قول ابن قتيبة بهذا الصدد بأنه (أقرب الأقوال إلى الصواب).
وأكد السكاكي أن المراد بسبعة الأحرف سبعة أنحاء من الاعتبار متفرقة في القرآن ترد إلى اللفظ والمعنى دون صورة الكتابة، لأن النبي عليه السلام كان أمياً ما عرف الكتابة ولا صور الكلم.
وصنف السكاكي الأنحاء السبعة التي تقع فيها أوجه التغاير(22) في ثلاث مجموعات:
آ-المجموعة الأولى: إثبات كلمة (لفظة) وإسقاطها. وتشتمل على حالتين:
1-الحالة الأولى: لا يتفاوت المعنى. مثل قراءة (وما عملت أيديهم) في موضع (وما عملته). فالتغاير يظهر هنا في إثبات لفظ الضمير العائد (الهاء) وفي إسقاطه في قوله تعالى: (ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون( /يس، 35/.

(1/32)


2-الحالة الثانية: يتفاوت المعنى. مثل زيادة (من نفسي) في قراءة قوله تعالى: (إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى( /طه، 15/، كما في قراءة بعضهم (إن الساعة آتية أكاد أخفيها من نفسي).
ب-المجموعة الثانية: تغيير الكلمة (اللفظة) نفسها. وتشتمل على ثلاث حالات:
1-الحالة الأولى: تتغير اللفظتان والمعنى واحد: مثل قراءة (البُخل) و (البَخَل) في قوله تعالى: (ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله" /النساء، 37/، وقوله تعالى: (ويأمرون الناس بالبخل ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد" /الحديد، 24/. ومثل قراءة (زقية) في موضع (صيحة) في قوله تعالى: (إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون(/ يس، 29/.
2-الحالة الثانية: تتغير اللفظتان ويتضاد المعنى. مثل قراءة (أُخفيها) بمعنى أكتمها و (أَخفيها) بمعنى أظهرها في قوله تعالى: (إن الساعة آتية أكاد أخفيها" /طه، 15/.
3-الحالة الثالثة: تتغير اللفظتان ويختلف المعنى. مثل قراءة (الصوف) في موضع (العهن) في قوله تعالى: (وتكون الجبال كالعهن المنفوش( /القارعة، 5/. ومثل قراءة (طلع) في موضع (طلح) في قوله تعالى: ( وطلح منضود( /الواقعة، 29/.
جـ-المجموعة الثالثة: أمر عارض للفظ. وتشتمل على حالتين:
1-الحالة الأولى: الموضع. مثل قراءة (سكرة الحق بالموت) في موضع (سكرة الموت بالحق) في قوله تعالى: (وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد"/ ق، 19/.
2-الحالة الثانية: الإعراب. مثل قراءة (أطهرُ) و (أطهرَ) في قوله تعالى:
(قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله..." /هود، 78/.

(1/33)


إنني أرى أن الإمام السكاكي قدم تفسيراً علمياً يحل مشكلة (إنزال القرآن على سبعة أحرف) حين أكد أن المراد بسبعة الأحرف سبعة أنحاء من الاعتبار متفرقة في القرآن ترد إلى اللفظ والمعنى دون صورة الكتابة، لأنه اعتمد المنهج العلمي لمدرسة أبي علي الفارسي اللغوية. وبفضل ذلك المنهج استطاع تحديد الأنحاء السبعة التي تقع فيها أوجه التغاير على الشكل التالي:
1-إثبات لفظة وإسقاطها دون أن يتفاوت المعنى.
2-إثبات لفظة وإسقاطها مع تفاوت المعنى.
3-تغيير اللفظتين والمعنى واحد.
4-تغيير اللفظتين والمعنى متضاد.
5-تغيير اللفظتين والمعنى مختلف.
6-تقديم لفظة وتأخير أخرى.
7-تغيير الوصف الإعرابي للفظة.
وأرى هذا التفسير العلمي الذي قدمه السكاكي لمعنى الأحرف السبعة صحيح من الناحيتين اللسانية والتاريخية.
فمن الناحية اللسانية، كان اللسان العربي الواحد لجميع العرب يشتمل في لهجاته (لغاته) المختلفة على أوجه تغاير في اللفظ قد تؤدي إلى تغاير في المعنى. وإلى جانب وجود اختلاف بين لهجات (لغات) اللسان العربي في طريقة لفظ الكلمات المفردة، كانت توجد بينها أوجه اختلاف في التراكيب تتركز في الأمور التالية:
1-إثبات كلمة وإسقاطها.
2-تغيير الكلمة نفسها.
3-تغيير ترتيب الكلمات.
4-تغيير أوجه الإعراب.
وهذا أمر طبيعي تقره قوانين اللسانيات العامة الحديثة.
ومن الناحية التاريخية، كان العرب المسلمون يقرؤون القرآن على سبعة أحرف كما علمهم الرسول الكريم. واستمر الحال كذلك في عهد أبي بكر وعمر. ثم اقتضت الظروف الموضوعية في عهد الخليفة عثمان تثبيت نص واحد مكتوب للقرآن الكريم. فقام عثمان بجمع القرآن في المصحف الذي عرف باسمه (مصحف عثمان).

(1/34)


كتب السيوطي عن جمع عثمان للقرآن ما يلي: "اختلف هل المصاحف العثمانية مشتملة على جميع الأحرف السبعة. فذهب جماعة من الفقهاء والقراء والمتكلمين إلى غير ذلك، وبنوا عليه أنه لا يجوز على الأمة أن تهمل نقل شيء منها. وقد أجمع الصحابة على نقل المصاحف العثمانية من الصحف التي كتبها أبو بكر وأجمعوا على ترك ما سوى ذلك. وذهب العلماء من السلف والخلف وأئمة المسلمين إلى أنها مشتملة على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة فقط جامعة للعرضة الأخيرة التي عرضها النبي ( على جبريل متضمنة لها لم تترك حرفاً منها. قال ابن الجزري وهذا هو الذي يظهر صوابه. ويجاب عن الأول بما ذكره ابن جرير أن القراءة على الأحرف السبعة لم تكن واجبة على الأمة وإنما كان جائزاً لهم ومرخصاً لهم فيه، فلما رأى الصحابة أن الأمة تفترق وتختلف إذا لم يجمعوا على حرف واحد اجتمعوا على ذلك إجماعاً شائعاً وهم معصومون من الضلالة ولم يكن في ذلك ترك واجب ولا فعل حرام"(23).
إن استخدام المنهج التاريخي العلمي لمدرسة أبي علي الفارسي اللغوية –لدى دراسة لغة القرآن الكريم التي دوّنها مصحف عثمان في صورة من الكتابة واحدة- يؤكد أن جمع عثمان للقرآن الكريم لم يكن على حرف واحد. ولما كانت الكتابة العربية في عهد عثمان لا تعرف الاعجام والشكل، فقد استمر العرب والمسلمون في قراءة القرآن وفق ما تسمح به الاحتمالات الممكنة للنص القرآني المكتوب من الأحرف السبعة.
وقد أفرد أبو شامة المقدسي في "المرشد الوجيز" فصلاً(24) لمناقشة هذه المسألة.

(1/35)


فذكر أن القاضي أبا بكر يميل إلى أن المجموع في المصحف هو جميع الأحرف السبعة، بينما يرى الطبري والأكثرون من بعده أنه حرف منها. ونقل قول أبي العباس أحمد بن عمار المقرئ في "شرح الهداية" من أن (هذه القراءات التي نقرؤها، هي بعض الحروف السبعة التي نزل عليها القرآن، استعملت لموافقتها المصحف الذي اجتمعت عليه الأمة وترك ما سواها من الحروف السبعة لمخالفته لمرسوم خط المصحف). وعقب أبو شامة على ذلك قائلاً (لأن خط المصحف نفى ما كان يقرأ به من ألفاظ الزيادة والنقصان والمرادفة والتقديم والتأخير).
ويعني ذلك أنه بعد جمع عثمان للقرآن بقيت القراءات مختلفة. إلا أن نطاق اختلافها تقلص إلى حدود الاحتمالات الممكنة فقط لنص مصحف عثمان. ثم صنف العلماء المتأخرون في المئة الثالثة للهجرة سبع قراءات على أنها مذاهب أئمة في القراءات. وأضاف آخرون إليها ثلاث قراءات حتى بلغت عشر قراءات. وإنني أرى أن القراءات السبع (أو العشر) تعكس في الأصل أوجه التغاير بين اللهجات (اللغات) العربية نتيجة التفاوت في مراحل التطور التاريخي للسان العربي بلهجاته (لغاته) المختلفة.
لقد بيَّنا أن (القرآن عربي) لأنه أنزل (بلسان العرب). واستندنا في ذلك أولاً إلى النص القرآني الصريح على أنه (قرآن عربي) وعلى أن (هذا كتاب مصدق لساناً عربياً) واستندنا ثانياً إلى الحديث الشريف (أنزل القرآن على سبعة أحرف). ونطرح الآن السؤال التالي: ما سند أصحاب الرأي السائد القائل بأن (القرآن الكريم أنزل بلغة قريش)؟

(1/36)


من المعلوم أن الخليفة عثمان رضي الله عنه كلف أربعة نفر، ثلاثة من قريش (هم عبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام وسعيد بن العاص) ورجلاً من الأنصار (هو زيد بن ثابت) بنسخ القرآن. وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم، وفي رواية أخرى أنه قال لهم: ما اختلفتم فيه أنتم وزيد بن ثابت فاكتبوه على ما تقولون أنتم، فإن القرآن أنزل على لسان قريش.
يرى أبو شامة المقدسي أن "معنى قول عثمان (إن القرآن أنزل بلسان قريش) أي معظمه بلسانهم، فإذا وقع الاختلاف في كلمة فوضعها على موافقة لسان قريش أولى من لسان غيرهم. أو المراد: نزل في الابتداء بلسانهم، ثم أبيح بعد ذلك أن يقرأ بسبعة أحرف"(25).
إنني أرى أن قول الخليفة عثمان المشار إليه لا يعدو أن يكون توجيهات إدارية لأعضاء لجنة نسخ القرآن التي شكلها. ولا يجب أن نحمله على محمل قول الصحابي الملزم في الأمور الفقهية، لأن قول الصحابي يكون ملزماً فقط حين لا يتعارض مع صريح نص القرآن الكريم وصريح نص الحديث الشريف. وأستغرب كيف ترد على لسان الصحابي الجليل عثمان عبارة (لسان قريش) بدلاً من (لغة قريش)، لأنه يوجد لسان عربي واحد مشترك بين جميع العرب وتوجد إلى جانبه لغات (أي لهجات) لمختلف القبائل. لذا ذكر محقق "المرشد الوجيز" أن المقصود من قول عثمان هو التالي: "إذا اختلفتم في رسم كتابته فاكتبوه بالرسم الذي يوافق لغة قريش ولهجتها من نحو همز وغيره، فإنه نزل بها"(26).
وهكذا يتبين أن القول إن (القرآن أنزل بلغة قريش) لا يمكن قبوله ولا يستند إلى أساس فقهي لمعارضته ما نص عليه القرآن والحديث. وما دام الأمر كذلك، فما هو السبب في أن الرأي بأن (القرآن أنزل بلغة قريش) هو السائد؟

(1/37)


صحيح أن النبي الكريم من قريش ولغته قرشية، لكن القرآن الكريم تنزيل من العلي الحكيم، وهو عربي وبلسان عربي. وقد يظن بعضهم أن عبارة (بلسانك) في قوله تعالى: (فإنما يسَّرناه بلسانك( تفيد (بلسان قريش) لأن لسان النبي قرشي. والجواب عليه أن لغة النبي الكريم (أي لهجته) قرشية، ولكن لسانه هو اللسان العربي الواحد لجميع العرب. وعليه يكون معنى الآية (يسَّرناه باللسان العربي( ولعل التأكيد أن لغة القرآن قرشية هو أحد التأثيرات الإسرائيلية في التراث العربي الإسلامي، ويهدف إلى نزع صفة التنزيل عن القرآن الكريم والزعم بأن القرآن هو كلام محمد، لذا فالقرآن بالضرورة بلغة محمد القرشية.
وبما أن جميع العرب أقروا بأن لغة القرآن هي في أعلى درجة من البيان واعتبروها قمة في الفصاحة والبلاغة، فإن أصحاب الرأي القائل أن (القرآن أنزل بلغة قريش) نادوا بأن لغة قريش هي العربية الفصيحة، وأنها لذلك سادت وابتلعت اللغات الأخرى. وبما أن لغة قريش من اللهجات الشمالية، زعم بعض المستشرقين أن لهجات الشمال كانت في العصور القريبة من ظهور الإسلام ذات سلطان قوي ونفوذ واسع وابتلعت اللهجات الجنوبية واحدة تلو الأخرى. ولكن هؤلاء المستشرقين لم يشرحوا الأسباب اللغوية التي جعلت لهجات الشمال تبتلع لهجات الجنوب.
إن ذلك ينقلنا إلى البحث في تحديد ما هي اللغة العربية الفصيحة.
ثالثاً- اللغة العربية الفصيحة
إننا ننطلق في تحديد مفهوم الفصاحة والبلاغة من نظرية الإمام عبد القاهر الجرجاني التي اشتمل عليها كتابه "دلائل الإعجاز في علم المعاني"(27).
تتضمن نظرية الجرجاني اللغوية المبادئ التالية:
1-الألفاظ أوعية للمعاني وخادمة لها، وتكون الفصاحة في المعنى.
2-تحدث الفصاحة في الكلم بعد التأليف أي بعد ضم بعضها إلى بعض في الجملة.
واللفظة قد تكون في غاية الفصاحة في موضع، بينما لا يكون فيها بعينها من الفصاحة قليل أو كثير في مواضع عديدة.

(1/38)


3-معنى الفصاحة في أصل اللغة هو الإبانة عن المعنى. وحين توصف الألفاظ المفردة بالفصاحة، فالمقصود بذلك أنها في اللغة أثبت وفي استعمال الفصحاء أكثر، أو أنها أجرى على مقاييس اللغة وقوانينها.
4-لا نظم ولا ترتيب للكلم حتى يتعلق بعضها ببعض. ولا بد في النظم من أن تتلاقى معاني الكلمات على الوجه الذي يقتضيه العقل.
5-يجب أن يتم النظم وفق قوانين النحو. ومعاني النحو هي المعاني ذات الدلالات العقلية. والمهم معرفة مدلولات النحو وليس العبارات أنفسها.
واستناداً إلى نظرية الجرجاني اللغوية، يمكن تعريف اللغة الفصيحة بأنها اللغة التي تشتمل على نظام لربط الكلمات بعضها ببعض، وفقاً لمقتضيات دلالاتها العقلية التي تتضمنها قواعد النحو، يمكِّنها بالشكل الأيسر والأفضل من التعبير عن المعاني.
وتشتمل نظرية الجرجاني اللغوية أيضاً على المبادئ التالية:
1-الكلام خبر وأمر ونهي واستفهام وتعجب.
2-الخبر وجميع معاني الكلام توصف بأنها مقاصد وأغراض وأعظمها شأناً الخبر.
3-يتحدد معنى الخبر بتأثير عاملين:
آ-السياق الكلامي الفعلي الذي يدخل الخبر فيه.
ب-الموقف أو الحال الذي يقال الخبر فيه.
يظهر ارتباط الخبر بالسياق الكلامي الفعلي في مبدأين أساسيين حددتهما قواعد النحو التي تم وضعها نتيجة للدراسة الوصفية التحليلية الشاملة للمادة اللغوية للعربية، وهما:
1-حين يكون المخبر به اسماً يجب أن يكون من حيث المبدأ منوناً (زيد منطلق)، لأنه لم يذكر في السياق الكلامي من قبل.
2-أما الاسم –المبتدأ المخبر عنه فيجب أن يكون من حيث المبدأ معرفاً بأل (المنطلق زيد) لأنه قد ذكر من قبل في السياق الكلامي.
ويعني ذلك أن الاسم الذي يشتمل على أداة التعريف هو (في الأصل) الاسم الذي ذكر سابقاً في السياق الكلامي الفعلي. أما الاسم الذي يشتمل على التنوين. فهو (في الأصل) الاسم الذي لم يذكر سابقاً في السياق الكلامي الفعلي.

(1/39)


ويتجلى ارتباط الخبر بالموقف أو الحال في المبادئ التالية التي حددتها الدراسة الوظيفية للغة:
1-إن الاسم المخبر به يمكن أن يكون معرفاً بأل، إذا ذكر من قبل في السياق الكلامي، وذلك إذا كان السامع في الموقف الكلامي الراهن يحتاج إلى إسناده إلى مسند إليه معين معلوم بالنسبة له (زيد المنطلق).
2-إن الاسم المخبر به يمكن أن يكون معرفاً بأل، على الرغم من أنه لم يذكر في السياق الكلامي من قبل، وذلك حين يفيد التعريف معنى الجنسية (زيد هو الشجاع).
3-إن الاسم المبتدأ المخبر عنه باسم يمكن أن يكون معرفاً بأل، على الرغم من أنه لم يذكر من قبل في السياق الكلامي، وذلك حين يفيد التعريف معنى الجنسية (الشجاع موقى).
4-أن الاسم المبتدأ المخبر عنه بفعل يمكن أن يكون منوناً، لأنه لم يذكر من قبل في السياق الكلامي، وذلك حيني يفيد التنوين معنى الجنسية (رجل جاءني).
ويعني ذلك أن اللغة الفصيحة يجب أن تتمتع بخواص بنيوية في مجال (التعريف والتنكير) تمكِّنها بالشكل الأيسر والأفضل من أن تعكس ارتباط الأسماء بالسياق الكلامي الفعلي من ناحية، وبالموقف أو الحال من ناحية أخرى، أي من أداء وظيفة الاتصال.
ترى اللسانيات الحديثة أن بنية اللغة تتألف من مستويات متدرجة هي: مستوى البنية الصوتية ومستوى البنية الصرفية ومستوى البنية النحوية ومستوى معجم مفردات اللغة. وتشكل هذه البنى مجتمعة كلاً واحداً هو عبارة عن نظام كامل للأصوات والدلالات.
وتحتل البنية القواعدية (الصرفية والنحوية) المكانة المركزية في البنية اللغوية، لذا فإن القواعد تحدد نمط بنية اللغة.

(1/40)


ولا بد من التأكيد هنا أن كل لغة –بغض النظر عن نمط بنيتها- تعتبر وسيلة مكتملة لنقل الأفكار وأداء وظيفة الاتصال. ويعني ذلك أن جميع أنماط اللغات هي أنظمة لغوية مكتملة وقادرة على أن تكون وسيلة للاتصال والتعبير عن الأفكار. لذا فإننا نرفض بشكل جازم تصنيف بعض اللغات على أنها راقية وأخرى على أنها منحطة.
وكنا قد حددنا، بالاستناد إلى نظرية الإمام الجرجاني اللغوية، أن اللغة (اللهجة) الفصيحة يجب أن تشتمل على:
1-نظام لربط الكلمات بعضها ببعض، وفقاً لمقتضيات دلالاتها العقلية التي تتضمنها قواعد النحو، يمكِّنها بالشكل الأيسر والأفضل من التعبير عن المعاني (أي الأفكار).
2-خواص بنيوية في مجال التعريف والتنكير تمكِّنها بالشكل الأيسر والأفضل من أداء وظيفة الاتصال.
ونضيف الآن أن علم اللهجات العام في اللسانيات الحديثة يرى أن الاختلافات بين لهجات (لغات) اللسان الواحد في طور واحد في مراحل تطوره التاريخي لا تكون إلا في إطار نمط واحد من البنية القواعدية (الصرفية والنحوية). ويعني ذلك أنه إذا كانت لهجة (لغة) من لسان ما تشتمل على نمط معين من البنية القواعدية (الصرفية والنحوية) يقوم مثلاً على التعبير صرفياً بالأداة عن التعريف والتنكير وعلى وجود ظاهرة الإعراب، وكانت لهجة أو لهجات أخرى من اللسان نفسه تشتمل على نمط آخر من البنية القواعدية يتم فيه مثلاً التعبير عن التعريف والتنكير صرفياً بالأداة ولكن بطريقة مغايرة ولا يعرف ظاهرة الإعراب. فإن هذا الاختلاف يعكس بالضرورة اختلافاً في مراحل تطور ذلك اللسان.

(1/41)


ونستنتج من ذلك أنه لا يمكن الحديث عن لغة (لهجة) فصيحة وأخرى أقل فصاحة في طور واحد من أطوار لسان ما. ويمكن الحديث فقط عن لسان فصيحة وأخرى أقل فصاحة في طور واحد من أطوار لسان ما. ويمكن الحديث فقط عن لسان فصيح أو مبين يشتمل على مجموعة من اللغات (اللهجات) في طور ما بالمقارنة مع لسان أقل فصاحة أو إبانة منه يشتمل على مجموعة من اللغات (اللهجات) في طور آخر من مراحل تطور اللسان نفسه.
وعليه فإنه لا يمكن القول إنه كانت توجد لغة (لهجة) واحدة عربية فصيحة بالمقارنة مع بقية اللغات (اللهجات) العربية، بل كانت هناك بالضرورة مجموعة من اللغات (اللهجات) العربية الفصيحة، بالمقارنة مع مجموعة أو مجموعات أخرى من اللغات (اللهجات) العربية. ونستطيع في ضوء ذلك أن نفهم السبب في اعتراف العرب بوجود أكثر من لغة فصيحة، أي بوجود عدة لغات فصيحة. وقد نقل عن أبي عمرو بن العلاء قوله: أفصح العرب عليا هوازن وسفلى تميم(28). ولهذا السبب اضطر الأستاذ محمد الأنطاكي أن يكتب عن العربية الفصيحة ما يلي: "هذه الفصيحة ليست لهجة قبيلة عربية معينة وإن سميت في بعض الأحيان بالقرشية، بل هي مزيج لطيف من اختيار أنيق لخصائص لهجات عربية كثيرة أهمها القرشية والتميمية"(29).
أوردنا في أعلاه قول الدكتور جواد علي بأن (كل لغات العرب هي لغات عربية وإن اختلفت وتباينت). وفي ضوء النتائج التي توصلنا إليها نعلن تأييدنا الشديد لهذا القول.

(1/42)


وكنا قد عرضنا كذلك رأيه بأن (اللغة التي نزل بها القرآن الكريم ليست سوى واحدة من اللغات العربية ميزت من غيرها واكتسبت شرف التقدم والتصدر بفضل ذلك فصارت اللغة العربية الفصيحة ولغة العرب أجمعين)، وعقَّبنا عليه بأن (وصف القرآن في التنزيل بأنه عربي يعني أنه أنزل بلسان جميع العرب، لا بواحدة من اللغات العربية). وبعد أن ظهر لنا أنه لم يكن يوجد في اللسان العربي لغة (لهجة) واحدة فصيحة، بل كانت توجد فيه في أحد أطواره التاريخية مجموعة من اللغات (اللهجات) الفصيحة يمكن أن يطلق عليها تسمية اللسان العربي الفصيح أو المبين، نرى أنه صار بإمكاننا الانتقال إلى تحديد مزايا اللسان الذي أنزل القرآن الكريم به.
إن معرفة مزايا اللسان العربي المبين الذي أنزل القرآن به، ستحل –برأينا- اللغز وتكشف الأسباب التي جعلت جميع العرب يقرون بأن القرآن في أعلى درجة من البيان وبأنّ لسانَه العربيَّ المبينَ قمةٌ في الفصاحة والبلاغة.
رابعاً- اللسان العربي المبين.
كتب الأستاذ محمد الأنطاكي ما يلي: "حين يتحدث المستشرقون عن اللهجات الجنوبية (المعينية والسبئية وغيرهما)، وعن بعض اللهجات الشمالية (الثمودية واللحيانية والصفوية) يوهمون القارئ – عن قصد أو عن غير قصد- أن هذه اللهجات ليست من اللسان العربي في شيء، وأنها ألسن سامية مستقلة ليس بينها وبين اللسان العربي المعروف من وجوه الشبه أكثر مما يوجد بين الألسن السامية كلها... ويقيم هؤلاء المستشرقون دعواهم على أسس: منها أن لغة النقوش الثمودية واللحيانية والصفوية فيها تأثيرات آرامية كثيرة فهي إلى الآرامية أقرب منها إلى العربية. ومنها أن لغة النقوش المعينية والسبئية تختلف عن اللسان العربي في أمور كثيرة تتعلق بالألفاظ والتراكيب وقواعد التصريف"(30).

(1/43)


وكنا قد عللنا في أعلاه سبب رفضنا فرض وجود لغة سامية- أم، وسبب رفضنا القول بوجود الشعب السامي انطلاقاً من ذلك الفرض فقط من دون الاستناد إلى شواهد تاريخية علمية تؤيده. ودعونا إلى دراسة لغة القرآن الكريم باستخدام المنهج التاريخي العلمي لمدرسة أبي علي الفارسي اللغوية، لأن المادة اللغوية للعربية نفسها تُعَدُّ –برأينا- أفضل الشواهد التاريخية ودليلاً علمياً هاماً. هذا وإن التمسك بالمنهج التاريخي العلمي لمدرسة أبي علي الفارسي اللغوية، لدى دراسة المادة اللغوية العربية، يدعونا إلى تركيز الاهتمام على الخصائص البنيوية المميزة للنظام اللغوي للعربية، لأنها تشكل نقاط علام يمكن أن ترشدنا إلى التاريخ الحقيقي للسان العربي. لذا فإننا نؤكد الأهمية العلمية الكبيرة لاقتراح الدكتور جواد علي بتقسيم العربيات إلى ثلاث مجموعات حسب أداة التعريف(31) المستخدمة فيها:
1-مجموعة (أل) وتشمل ما اصطلح على تسميته العربية الشمالية (أداة التعريف في أول الاسم).
2-مجموعة (ن) أو (ان) وتشمل ما اصطلح على تسميته العربية الجنوبية (أداة التعريف في آخر الاسم).
3-مجموعة (هـ) أو (ها) وتشمل ما اصطلح على تسميته اللحيانية والثمودية والصفوية (أداة التعريف في أول الاسم).
إننا نرى أن الدكتور جواد علي قد أحسن صنعاً حين ميَّز العربيات حسب أداة التعريف المستخدمة فيها، لأن النظريات اللسانية الحديثة في دراسة (الساميات) متفقة جميعها على وجود أداة للتعريف، لكنها مختلفة حول وجود أداة التنكير. وقد عرض المستشرق السوفيتي الأستاذ غراتشيا غابوتشان تلك النظريات المختلفة في كتابه "نظرية أدوات التعريف والتنكير وقضايا النحو العربي"(32)وذكر فيه أن نظام الأداة حسب نظرية ي.
كوريلوفيتش يفترض وجود معارضة أساسية يتم التعبير عنها بصيغتين: اسم مع أداة التعريف، واسم من دون أداة التعريف.

(1/44)


يدخل اللسان العربي المبين الذي أنزل القرآن الكريم به في مجموعة اللغات (اللهجات) العربية التي تستخدم أداة التعريف (ال) في أول الاسم –مجموعة (ال). وسنعمد في أدناه إلى الموازنة بين مجموعة (ال) وبين مجموعتي (ن) و (هـ)، مستندين إلى نظرية الإمام الجرجاني اللغوية في تحديد اللغات (اللهجات) الفصيحة.
أولاً- مجموعة اللغات (اللهجات) العربية التي تستخدم أداة التعريف (ن) في آخر الاسم- مجموعة (ن).
1-تتميز بوجود أداة التعريف (ن) التي تثبت كتابياً في آخر الاسم، وبوجود أداة التنكير (م) التي تثبت كتابياً في آخر الاسم.
2-تتألف أبجدية المسند الذي تكتب فيه من حروف تشير إلى الأصوات الصامتة وليس فيها رموز تشير إلى الحركات أو ضبط أواخر الكلمات، ولا علامة للسكون أو التشديد فيها. لذا لا ندري كيف كانوا يحركون أواخر الكلم. ويتوقف على معرفة هذه الحركات التأكد من وجود الإعراب أو عدمه في لغات (لهجات) هذه المجموعة.
ثانياً- مجموعة اللغات (اللهجات) العربية التي تستخدم أداة التعريف (هـ) في أول الاسم- مجموعة (هـ).
1-تتميز بوجود أداة التعريف (هـ) في أول الاسم. ولا تثبت فيها كتابياً أداة خاصة للتنكير.
2-لا نستطيع أن نجزم بوجود الإعراب في لغات (لهجات) هذه المجموعة، لأن الأقلام الصفوية والثمودية واللحيانية خالية –مثل القلم المسند- من الشكل ومن الرموز أو الحروف التي تشير إلى المد أو التشديد أو الإشباع أو الإمالة.
ثالثاً- مجموعة اللغات (اللهجات) العربية التي تستخدم أداة التعريف (ال) في أول الاسم- مجموعة (ال).
1-تتميز بوجود أداة التعريف (ال) التي تثبت كتابياً في أول الاسم، وبوجود أداة التنكير (ن) في آخر الاسم ولكنها في الأصل لا تثبت كتابياً.
2-تتألف أبجديتها من حروف تشير إلى الأصوات الصامتة. وبعد أن تطورت أصبحت تشتمل على رموز تشير إلى الحركات والسكون والتشديد والتنوين.

(1/45)


ويلاحظ أن هذه المجموعة معربة وتشتمل على حركات الإعراب. كما يلاحظ أنها تعمد إلى نطق أداة التعريف في بداية الاسم لتشير بذلك إلى أن الاسم الذي يليها قد ذكر في السياق الكلامي السابق، وتعمد إلى نطق أداة التنكير في آخر الاسم لتشير بذلك إلى أن هذا الاسم الذي سبقها في النطق لم يذكر في السياق الكلامي من قبل.
وبعد الموازنة بين المجموعات الثلاث نرى أن مجموعة (ال) تتفوق على مجموعتي (ن) و (هـ) من حيث الفصاحة والإبانة عن الأفكار وأداء وظيفة الاتصال بالشكل الأيسر والأفضل، وذلك بما يلي:
1-مجموعة (ال) معربة وتشتمل على حركات الإعراب، بينما لا نستطيع بمعلوماتنا الراهنة أن نجزم بوجود الإعراب في مجموعتي (ن) و (هـ)، لأننا لا نعرف كيف تلفظ الكلمات المنقوشة بأحرف تمثل الصوامت فقط. ولكن الموقف سيتغير بالتأكيد حين نعيد دراسة مجموعتي (ن) و (هـ) على اعتبار أنهما تمثلان لغات (لهجات) من اللسان العربي الواحد. وانطلاقاً من الخصائص المميزة للنظام الصوتي لهذا اللسان العربي الواحد. وبعد أن نتأكد في ضوء ذلك من أن اللغات (اللهجات) التي تدخل في مجموعتي (ن) و (هـ) غير معربة، سنتمكن من اكتشاف نظامها الذي يتم بواسطته التعبير عن ربط الكلمات في الجملة.
2-مجموعة (ال) تشتمل على أداة التعريف (ال) في أول الاسم وتثبتها في الكتابة كما تشتمل على التنوين في آخر الاسم ولا تثبته في الكتابة، ويفيد التنوين التنكير بالنسبة لغير أسماء العلم. أما مجموعة (ن) فتشتمل على أداة التعريف (ن) في آخر الاسم وتثبتها كتابياً، وعلى أداة التنكير (م) في آخر الاسم وتثبيتها كتابياً.

(1/46)


وكنا قد بيَّنا في أعلاه أن الاسم الذي يشتمل على أداة التعريف هو –في الأصل- الاسم الذي ذكر سابقاً في السياق الكلامي الفعلي، وأن الاسم الذي يشتمل على أداة التنكير هو –في الأصل- الاسم الذي لم يذكر سابقاً في السياق الكلامي الفعلي. وعليه فإن وجود أداة التعريف في الموضع السابق للاسم ينبه أنه قد يذكر سابقاً فهو بالتالي معلوم بالنسبة إلى السامع، وهذا ما أخذت به مجموعة (ال). في حين أن عدم وجود أداة للتعريف في الموضع السابق للاسم يشير إلى أنه لم يذكر سابقاً، فتأتي أداة التنكير في الموضع اللاحق للاسم لتؤكد أنه لم يذكر سابقاً فهو بالتالي غير معلوم بالنسبة إلى السامع إذا لم يكن اسم علم، وهذا ما أخذت به مجموعة (ال).
أما مجموعة (ن) فتركت الموضع السابق للاسم خالياً ووضعت أداة التعريف (ن) وأداة التنكير (م) في الموضع اللاحق للاسم، فكانت بذلك أقل إفصاحاً من مجموعة (ال) في التعبير عن ارتباط الاسم بالسياق الكلامي. وقد خصصت مجموعة (هـ) الموضع السابق للاسم لأداة التعريف (هـ)، ولكنا لا نعرف هل يشتمل الموضع اللاحق للاسم على أداة تنكير أم لا، وما هي تلك الأداة، لذا تعتبر مجموعة (هـ) أقل إفصاحاً من مجموعة (ال) في التعبير عن ارتباط الاسم بالسياق الكلامي من ناحية، وأكثر إفصاحاً من مجموعة (ن) في ذلك من ناحية أخرى. ويعني ذلك أن مجموعة (هـ) تمثل في مسار التطور التاريخي للسان العربي مرحلة انتقال من نمط للبنية القواعدية (الصرفية والنحوية) أقل إفصاحاً وإبانة عن ارتباط الاسم بالسياق الكلامي إلى نمط آخر كثر إفصاحاً وإبانة عنه.
ونخلص من الموازنة بين مجموعات (ن) و (هـ) و (ال) إلى النتائج التالية:
1-توجد اختلافات في نمط البنية القواعدية (الصرفية والنحوية) لهذه المجموعات اللغوية الثلاث من اللسان العربي.
2-تعكس هذه الاختلافات بالضرورة أطواراً مختلفة في مسار تطور اللسان العربي.

(1/47)


ويعني ذلك أن مجموعة اللغات (اللهجات) العربية التي تستخدم أداة التعريف (ن) في آخر الاسم والتي اصطلح على تسميتها (العربية الجنوبية)، ومجموعة اللغات (اللهجات) العربية التي تستخدم أداة التعريف (هـ) في أول الاسم والتي اصطلح على تسميتها (اللحيانية والثمودية والصفوية)، ومجموعة اللغات (اللهجات) العربية التي تستخدم أداة التعريف (ال) في أول الاسم التي اصطلح على تسميتها (العربية الشمالية) تمثل أطواراً مختلفة في مسار التطور التاريخي للسان العربي الواحد تعكس حالاته في أحقاب زمنية متباعدة.
3-إن مجموعة اللغات (اللهجات) العربية التي تستخدم أداة التعريف (ن) في آخر الاسم تمثل الطور القديم الأول من أطوار اللسان العربي. في حين أن مجموعة اللغات (اللهجات) العربية التي تستخدم أداة التعريف (هـ) في أول الاسم تثمل الطور الثاني من أطوار اللسان العربي الذي يُعَدُّ من حيث الفصاحة والإبانة أعلى من الطور الأول للسان العربي. أما مجموعة اللغات (اللهجات) العربية التي تستخدم أداة التعريف (ال) في أول الاسم فتمثل الطور الثالث الحديث من أطوار اللسان العربي الذي يعتبر من حيث الفصاحة والإبانة أعلى من الطورين الأوسط (الثاني) والقديم (الأول) للسان العربي.
وهكذا يظهر أن سبب تسمية القرآن الكريم (اللسان العربي المبين) يرجع إلى أن لغة القرآن ليست في الواقع لغة (لهجة) عربية واحدة، بل هي عبارة عن مجموعة اللغات (اللهجات) العربية التي تستخدم أداة التعريف (ال) في بداية الاسم. وبما أن مجموعة اللغات العربية (ال) تمثل طوراً حديثاً من اللسان العربي أعلى من الطورين السابقين (الأوسط والقديم) من حيث الفصاحة والإبانة، فقد سميت أحرف القرآن السبعة (اللسان العربي المبين).

(1/48)


لقد كان اللسان العربي المبين (الذي أنزل القرآن به) عاملاً في التوحيد اللغوي لجميع العرب، لأن القانون اللساني العام يقضي بحتمية انتصار خصائص الطور الحديث للسان على خصائص الطورين الأوسط والقديم، لأن خصائص الطور الحديث تمتاز بأنها من حيث الفصاحة والإبانة أيسر وأفضل في التعبير عن الأفكار وأداء وظيفة الاتصال.
ويعني ذلك أن انتصار مزايا اللسان العربي المبين قد أدى إلى انحسار خصائص الطورين القديم والأوسط للسان العربي، وأصبح العرب على اختلاف مناطقهم وقبائلهم يتكلمون بلسان القرآن الكريم. وبعبارة أخرى صار اللسان العربي المبين لسان العرب أجمعين، دون أن تبتلع لغة (لهجة) عربية لغة (لهجة) عربية أخرى كما يدعي نفر من المستشرقين ومن يتابعهم من الباحثين العرب. ويصح بهذا المعنى وصف القرآن بأنه (عربي)، لأنه أنزل باللسان العربي المبين الذي صار اللسان العربي الواحد المشترك بين جميع العرب، وصار يطلق عليه فيما بعد تسمية (اللغة العربية الفصيحة).
ولعل من المناسب أن نتوقف الآن عند قول عمرو بن العلاء (ما لسان حمير وأقاصي اليمن بلساننا ولا عربيتهم بعربيتنا(33). إننا نرى، في ضوء ما عرضناه أعلاه، أن المقصود بعبارة (ما لسان حمير وأقاصي اليمن بلساننا) أن (لسانهم أقل إفصاحاً وإبانة)، لأنه يعكس –كما رأينا- طوراً قديماً من أطوار اللسان العربي، بينما (لساننا هو اللسان المبين)، لأنه يعكس طوراً حديثاً من أطوار اللسان العربي. ونلاحظ أن ابن العلاء استخدم تعبير (لسان) مضافاً إلى (حمير وأقاصي اليمن) للإشارة إلى مجموعة من اللغات (اللهجات) العربية. ونرى أن المقصود بعبارة (ولا عربيتهم بعربيتنا) أن (ذلك اللسان العربي يبدو مغايراً لعربيتنا المبينة).

(1/49)


ثم ننتقل إلى ما ذكره ابن جني في الخصائص: "وبعد فلسنا نشك في بعد لغة حمير ونحوها عن لغة ابني نزار"(34). ونعقب عليه بأن ابن جني حين تحدث عن بعد لغة حمير عن لغة ابني نزار، أكد بعد نحوها أيضاً. ونرى أن السبب في ذلك يرجع إلى أن لغة (لهجة) حمير تدخل في طور قديم للسان العربي يختلف نمط البنية القواعدية (الصرفية والنحوية) فيه عن نمط البنية القواعدية في طور اللسان العربي الحديث (المبين) الذي تدخل فيه لغة ابني نزار. ويعني ذلك أن (لغة حمير تختلف عن لغة ابني نزار، لأن الأولى تدخل في طور قديم من أطوار اللسان العربي، بينما تدخل الثانية في طور حديث من أطوار اللسان العربي).
بقي علينا أن نجيب عن السؤال الذي كنا طرحناه في بداية المقال وهو: هل تكفي معرفة الخصائص البنيوية للتراكيب في العربية لفهم معاني القرآن الكريم؟
أشرنا في المقالة الثانية من هذه السلسلة إلى تميز مفهوم (الكلمة) في علم اللغة العربية نتيجة لاشتمال النظام اللغوي للعربية على طريقة اندماج الكلمات. وبيَّنا فيها خصائص بنية الفعل والاسم في العربية، وحددنا أنماط التراكيب. ونضيف هنا أن نظرتنا الجديدة إلى اللسان العربي (التي اعتمدت المنهج التاريخي العلمي لمدرسة أبي علي الفارسي اللغوية) قد كشفت عن ثلاثة أطوار مر بها اللسان العربي في مسار تطوره التاريخي (تتميز بوجود اختلافات في نمط البنية الصرفية والنحوية). ويعني ذلك أن الخصائص البنيوية لأنماط التراكيب في العربية –التي حددناها في المقالة الثانية- تعكس بنية اللسان العربي المبين، أي بنية الطور الحديث من أطوار اللسان العربي. ونخلص من ذلك إلى التأكيد أن الفهم الأمثل لمعاني القرآن الكريم وإعجازه يقتضي معرفة الخصائص البنيوية للتراكيب في العربية في ضوء المنهج التاريخي العلمي لمدرسة أبي علي الفارسي اللغوية(35).
الهوامش:

(1/50)


(1) لخصت نظرية الجرجاني اللغوية في كتابي "الموجز في شرح دلائل الإعجاز في علم المعاني" -مطبعة الجليل- دمشق 1980.
(2)عرضت الملامح العامة لاتجاه مدرسة أبي علي الفارسي اللغوية في محاضرتي "الدور الإيجابي للمتكلمين والمعتزلة في علم اللغة العربية" في المؤتمر العالمي لتاريخ الحضارة العربية الإسلامية بدمشق (نيسان 1981).
(3)نشرت في "التراث العربي" –العدد 7- نيسان 1982.
(4)نشرت في "التراث العربي" /العدد 8- تموز 1982.
(5)للتوسع في الموضوع ارجع إلى مقالتنا "السامية والساميون –العرب والعربية" المنشورة في مجلة (الموقف الأدبي) بدمشق، العدد 117- كانون الثاني 1981.
(6)"تاريخ العرب (مطول)"، دار الكشاف، الطبعة الرابعة، جـ1/ ص14.
(7)"المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام" دار العلم للملايين –بيروت، جـ1/ ص225.
(8)"المفصل"، جـ1/ ص14.
(9)"المصل"، جـ1/ص294.
(10)"المفصل"، جـ8/ص673.
(11)"تاريخ العرب (مطول)"، جـ1/ ص38.
(12)د. علي عبد الواحد وافي "فقه اللغة"، دار نهضة مصر.
(13)محمد الأنطاكي "الوجيز في فقه اللغة"، مكتبة دار الشرق-بيروت.
(14)انظر مثلاً مقالة د. أحمد هبو "مكانة اللغة العربية بين اللغات السامية" المنشورة في مجلة (المعرفة) بدمشق، العدد 178- كانون الأول 1976.
(15)انظر مثلاً مقالة د. إحسان جعفر "العربية أقدم اللغات السامية" المنشورة في مجلة (المعرفة) بدمشق، العدد المزدوج 222-223/آب –أيلول 1980.
(16)"المفصل" جـ1/ ص 33-34.
(17)حققه طيار آلتي قولاج- دار صادر- بيروت 1975.
(18)"المرشد الوجيز" ص 97.
(19)المكتبة الثقافية –بيروت 1973- (المسألة الثالثة) ص 45-50.
(20)مؤسسة الرسالة –بيروت- الطبعة الثامنة 1981 / ص 156-169.
(21)"الإتقان" جـ1/ ص46.
(22)"مفتاح العلوم" –مطبعة البابي الحلبي بمصر- الطبعة الأولى 1937، ص 281-282.
(23)"الإتقان" جـ1/ ص 49-50.
(24)ص 138-145.
(25)"المرشد الوجيز" / ص 69.

(1/51)


(26)ص 50/ الحاشية رقم 5.
(27)ارجع إلى "الموجز في شرح دلائل الإعجاز في علم المعاني".
(28)"المرشد الوجيز" ص 93.
(29)"الوجيز في فقه اللغة" ص 109.
(30)"الوجيز في فقه اللغة" / ص113-114.
(31)"المفصل" جـ8/ ص 673.
(32)ترجمة د. جعفر دك الباب، منشورات وزارة التعليم العالي، مطابع مؤسسة الوحدة، دمشق 1980 . (فصل- دراسة الأداة في علم الاستعراب الأوروبي).
(33)ذكره د. وافي في "فقه اللغة" / ص86، نقلاً عن (طبقات الشعراء) لابن سلام.
(34)حققه محمد علي النجار، دار الهدى -بيروت، جـ1/ ص 386.
(35)عرضت المبادئ العامة للمنهج التاريخي العلمي لمدرسة أبي علي الفارسي اللغوية في مقالتي "مدخل إلى اللسانيات العامة والعربية" المنشورة في مجلة (الموقف الأدبي) بدمشق، العدد المزدوج الخاص باللسانيات 135-136/ تموز- آب 1982.

(1/52)


اللغَة العربيّة بَين الأصالة والإعجاز والحَداثة ـــ د. عمَر موسى باشا
أبرز ما يلاحظ أن الاهتمام باللغة العربية بدا واضحاً كل الوضوح في المؤسسات العلمية والثقافية والأكاديمية. بله المقالات المنشورة في المجالات الفكرية والثقافية في عالمنا العربي.
بيد أن تساءلت منذ البدء عن البواعث الكامنة وراء الاهتمام بالعامية لدى بعض المفكرين، ومما استرعى انتباهي أن الأمم الأخرى لا تهتم باللهجات الدارجة في الحديث والحوار، ولا تعطيها مثل ما نعطيها من أهمية. وإنما نرى تقدس اللغة الوطنية على اختلاف المذاهب والاتجاهات. فالمعروف عن الكاتب الفرنسي الكبير أناتول فرانس أنه كان ذا فكر تقدمي، وأن الكاتب والناقد الفرنسي المشهور موريس باريس كان من أنصار الكثلكة، فلما سألوه (1): "أفلا ترى مبادئ أناتول فرانس وغلوه في الإشتراكية..؟" أجابهم: "قولوا فيه من هذه الجهة ما شئتم، إلا أنه حفظ اللغة".إن حفظ اللغة هو الأصل في كل العصور، وعند كل الأمم، وهذا هو هدف كل مفكر وأديب وناقد، مهما اختلفت الآراء وتباينت المذاهب، ذلك لأن اللغة تمثل الفكر القومي في حقيقة الأمة، وحفظ لغتها، إنما هو التقديس لتراثها، ومن المأثور قول الرسول الكريم (2): "أحبوا العرب لثلاث: لأني عربي، والقرآن عربي، وكلام أهل الجنة عربي،".
قد نتساءل عن سبب التسمية بلغة الضاد، فهل كان نسبة إلى حرف الضاد الذي يستثقل الأعاجم لفظه مفخماً، أم أن ذلك يرجع إلى لفظ مُضر، وأبرز ما في هذا اللفظ توسط الضاد، وهي أحد الحرف التسعة عشر المجهورة، والمعروف أن ثلاثة منها حيز واحد، وهي الجيم، والشين، والضاد، وهذه الحروف الثلاثة هي الحروف الشجرية.
كان لابد لي من العودة إلى نقطة البدء في ماضي اللغة العربية، وذلك لمعرفة ما طرأ عليها من الانحراف واللحن والتطور، وهذا يتطلب منا الوقوف عند التعريف اللغوي والتطور الاصطلاحي.
يقول صاحب اللسان ابن منظور (3):
"واللغة اللسن، وحدُّها أنها أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم، وهي (فُعلةٌ) من (لغوت) أي تكلمت، أصلها (لُغوة). وقيل أصلها (لُغَي) أو (لُغوٌ)، والهاء عوض، وجمعها (لُغىً). وفي المحكم: الجمع (لغات) و(لُغون)... والنسبة إليها (لُغويّ)، ولا تقل: (لَغويٌ)..".
ولابد لنا من الوقوف على ما جاء في المحكم من جمع اللغة جمعاً مؤنثاً، وجمعاً ملحقاً بالجمع المذكر السالم، على غير ما هو معروف في شروطه، ولعل اللغويين كانوا يعتقدون أن هذا الحمل مقبولاً، ذلك لأن اللغة خاصة بالعقلاء، وعلى هذا حملت هذا المحمل، لأن الإنسان هو الحي الناطق بين الكائنات جميعاً، وهو وحده المتميز باللغة المنطوقة، ذات المغزى والدلالة.
وتطورت لفظة اللغة، واشتُقت منها اشتقاقات مختلفة بحكم طبيعتها التوليدية والحركية والذاتية، فقد نُقل عن أبي سعيد قوله (4): "إذا أردت أن تنتفع بالأعراب فاستلغهم، أي أسمع من لغاتهم من غير مسألة".

(1/53)


ومن ذلك قول الشاعر:
وإني، إذا استلغاني القوم في السُّرى برمت فألفوني بسركِ أعجما
ويطلق اللغو على النطق مطلقاً، فيقال: "هذه لغتهم التي يلغون بها" أي ينطقون ومن ذلك قولهم: (لغوى الطير) أي أصواتها، و"الطير تلغي بأصواتها" أي تنغِّم، ويطلق لفظ (اللغوى) على لغط القطا، فمن ذلك قول الراعي يصف طير القطا:
صفر المحاجر لغواها مبينة في لجة الليل لمَّا راعها الفزع
كما فرَّق بين الصوت والنغم في لغو الطائر، فيقال: "سمعت لغو الطائر ولحنه" أي صوته ونغمه، وفي هذا التفريق دقة اللغة في تحديد هذا المفهوم. ومن المأثور اللغوي قول العرب: "اسمع لغواهم، ولا تخف طغواهم"، أي طغيانهم..
ولو رجعنا إلى القرآن لوجدنا أن لفظ اللغة لم يستخدم في هذا المعنى الاصطلاحي، وإنما استخدم بمعنى (اللغو)، وهو ما لا يُعتد به من كلام وغيره، كما وردت بمعنى الإثم في الحلف والإيمان، أو هو ما لا يعقد عليه القلب.
أما اللفظ المأثور المعتمد في القرآن فهو (اللسان) إذ وردت خمس عشرة مرة مفردة، منها ثلاث مرات نصت فيها على ذكر اللسان منعوتاً بأنه عربي:
في قوله (5): "وهذا لسان عربي مبين"، وقوله (6): "لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين" وقوله (7): وهذا كتاب مصدِّق لساناً عربياً". والملاحظ أن لفظ النعت بـ (العربي) اقترن بالنعت الثاني (المبين) في مرتين.
أما استخدام لفظ اللسان جمعاً فقد ورد عشر مرات في القرآن كما هو في أصل الوضع اللغوي أو الاصطلاحي.

(1/54)


وليس من باب المصادفة استخدام ابن خلدون لفظ (اللسان) المنعوت بـ (العربي) في مقدمته مرات كثيرة كما استخدمت في الأسلوب القرآني، والأمر بنفسه عند الأرسوزي فهو يفضل كلمة (لسان) عندما يكون الحديث عن اللغة العربية "لأن العربي خص لهجته، بحق، (لسان). هذا الكلمة المؤلفة من الحروف الرشيقة (ل، س، ن).. وأطلق على اللهجات كلمة (لغة) من لغا يلغو، وما يتضمن حرف الغين من غموض وإبهام). تلك هي صورة عن لفظتي (اللغة) و(اللسان) من خلال القرآن والمعجمات العربية والمصادر اللغوية كما رسمناها قبل التحدث عن الفصاحة في اللسان العربي.
أفصح اللغات
إن الذي أقف عنده بعد هذا المطاف اللغوي هو رأي اللغويين العرب في أهمية اللغة العربية، وإيمانهم أنها أفصح اللغات كلها: أصلاً، ومفهوماً، واصطلاحاً، وتقويماً لها بالمقارنة مع سائر اللغات الأخرى في العالم، فلا عجب إن رأينا الزمخشري يعد "لغة العرب أفصح اللغات، وبلاغتها أتم البلاغات" (8). كما أبرز ابن خلدون أهمية اللغة العربية بقوله (9): تفاوتت طبقات الكلام في اللسان العربي بحسب تفاوت الدلالة على تلك الكيفيات... فكان الكلام العربي لذلك أوجز وأقل ألفاظاً وعبارة من جميع الألسن". وليس من العبث اللفظي قوله (10): "وكانت الملكة الحاصلة للعرب من ذلك أحسن الملكات وأوضحها إبانة عن المقاصد لدلالة غير الكلمات فيها على كثير من المعاني"، وقوله (11): "ولا يوجد ذلك إلا في لغة العرب". فلا نستغرب بعد هذا كله إن رأينا العتابي، وهو أبلغ من عرفتم العربية فصاحة وبياناً يقول معرضاً بالعجم: "اللغة لنا والمعاني لهم"، فاللغة تتضمن حكماً المعاني التي تعبر عنها، والهدف من هذا القول أن اقتصار الأعاجم على المعاني إنما هو إشارة إلى أن اللغات الأخرى لا يمتلك فصاحة التعبير اللغوي الذي يمتلكه العربي، فالمعاني مطروحة على الطريق، كما يقول الجاحظ، وإنما العبقرية في الأسلوب اللغوي المتبع.

(1/55)


أما المحدثون من اللغويين العرب فقد أشار بعضهم إلى عبقرية اللغة العربية، فيمن هؤلاء الرافعي الذي وصفها بقوله (12): "إن هذه العربية بنيت على أصل سحري، يجعل شبابها خالداً عليها، فلا تهرم ولا تموت، لأنها أعدت من الأزل فلكاً دائراً للنيِّرين الأرضيين العظيمين: كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن ثم كانت فيها قوة عجيبة من الاستهواء كأنها أخذة السحر، لا يملك معها البليغ أن يأخذ أو يدع".
ومنهم الأرسوزي الذي رأى في العربية عبقرية الأمة، فقال (13): "إن لغتنا التي هي أبلغ مظهر لتجلي عبقرية أمتنا، هي مستودع لتراثنا".
فعلام اعتمد هؤلاء اللغويون القدماء والمحدثون في تفضيل اللغة العربية على لغات العالم: فصاحة، وأصالة، وعبقرية؟؛ وهل كانوا مطلعين على اللغات العالمية ليقرروا مثل هذا الحكم في قدسية العربية وتفردها بالإعجاز والاتساع؟ في العودة إلى الجاهلية الأولى ما يوضح لنا الإجابة عن التساؤل السابق، فمن المعروف أن الفصاحة مختلفة بين القبائل قبل الإسلام، فهناك لغة العالية، والمقصود باللغة هنا اللهجة، وهي لغة قريش، وهي التي تعد أفضل اللهجات، وتقاس فصاحة كل لهجة بمقدار بعدها عن اللغات المجاورة للأمم الأخرى، من الرومية والفارسية والحبشية وغيرها.
أطوار ثلاثة
يتضح أن العربية مرت في ثلاثة أطوار: طور الأصالة التراثية، وطور الوحدة والإعجاز، وطور التوليد والحداثة.
ويتمثل الطور الأول في مرحلتين: أولاهما مرحلة التكوين، وثانيتهما مرحلة التوحيد. ففي المرحلة التكوينية هذا الفيض من التراث اللغوي والثراء التعبيري، وكانت الجاهلية الجهلاء الأولى، وصراع اللهجات العربية بين القبائل في شمال الجزيرة العربية وجنوبها، وشرقها وغربها، والارتحال المتبادل بين هذه القبائل طلباً للمرعى وألكلأ، أو طلباً للتجارة في رحلة الشتاء والصيف، ذخيرة التراث اللغوي الجاهلي وجوهر الأصالة اللغوية.

(1/56)


وضَّح الرافعي أهمية القبائل العربية، في هذا الثراء اللغوي، فقال: (14)
"لقد كانت القبائل العربية مادة هذه اللغة، وسبب اتساعها واستفاضتها، وكان فحول الشعراء من الجاهلية كأن كل واحد منهم قبيلة في التفنن والإبداع: مجازاً، واستعارة، وبديعاً. ثم جاء القرآن الكريم فكان الغاية كلها، ثم تتابع الشعراء، والكتَّاب، والأدباء، فمن لم يزد منهم على الموجود لم ينقص منه".
إن هذا التباين بين لهجات القبائل قبل الإسلام واستمراره حتى بدء الدعوة، هما من شواهد الأصالة التراثية، والعجيب حقاً أن نرى العربي القرشي يفقه سائر لهجات القبائل العربية الأخرى، بحكم عمله التجاري، وقد يجهل بعضهم من غير قريش اللهجات الأخرى. روي عن الرسول الكريم أنه قال لأبي تميمة الهجيمي: "إياك والمخيلة!، فقال: يا رسول الله، نحن قوم عرب، فما المخيلة؟ فقال، عليه الصلاة والسلام: "سبل الأزار"، كما قال له علي (ر) وقد سمعه يخاطب وفد بني فهد: "يا رسول الله، نحن بنو أب واحد، ونراك تكلم وفد العرب بما لا نفهم أكثره، فقال: أدبني ربي فأحسن تأديبي".
فلا تستغرب بعد هذا كله إن رأينا الرسول الكريم يخاطب قبائل العرب بلهجاتهم الخاصة بهم.
كتب إلى وائل بن حجر الكندي، أحد أقيال حضرموت، الكتاب التالي: "إلى الأقيال (16) العباهلة (17)، والأرواع (18) المشابيب (19)..".
وفيه:
"وفي التِّيعة (20) شاة، لا مُقورة الألياط (21)، ولا ضناك (22)، وانطوا الثبجة (23)، وفي السيوب (24) الخُمس، ومن زنى مم بكر (25)، فاصقعوه (26) مائة، واستوفضوه (27) عاماً، ومن زنى مم ثيِّب، فضرجوه بالأضاميم (28)، ولا توصيم (29) في الدين، ولا غُمَّة في فرائض الله تعالى، وكل مسكر حرام، ووائل بن حجر يترفل (30) على الأقيال".
ولهذا الكتاب روايات أخرى، فيها زيادات غريبة.

(1/57)


كما كتب الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم إلى أهل همدان كتاباً آخر يقول فيه: "إن لكم فِراعها (31) ووهاطها (32)، وعزازها (33) تأكلون علافها (34)، وترعون عفاءها (35)، لنا من دفئهم وصِرامهم (36)، ما سلَّموا بالميثاق والأمانة، ولهم من الصدقة الثلب (37)، والناب (38)، والفصيل والفارض (39)، والداجن (40) والكبش الحوَري (41)، وعليهم فيها الصالغ (42)، والقارح (43)".
هذان النصان السابقان يمثلان حال اللغة العربية القديمة في مرحلة الأصالة الأولى، وكان لقبيلة قريش الفضل في التوحيد اللغوي قبل الإسلام، لكن ذلك لم يتم بسرعة.
والمؤكد لنا أن العامل التجاري كان الأصل، فذلك لأن قبيلة قريش كانت تعمل في التجارة، إيلافهم رحلة الشتاء والصيف، بله لفظ قريش المشتق من التقريش، ومن أبرز معانيها التجارة، ولتجمعهم إلى الحرم، أو لأنهم كانوا يتقرشون البيَّاعات فيشترونها..." (44). وذكر أنها سميت بذلك نسبة إلى "قريش بن مخلد بن غالب بن فهر، وكان صاحب غيرهم، فكانوا يقولون: قدمت عير قريش، وخرجت عير قريش"، والمعروف عن هذه القبيلة المتاجرة أنهم كانوا إذا خرجوا للتجارة علَّقوا عليهم المقل (45) ولحاء الشجر حتى يُعرفوا، فلا يقتلهم أو يتعرض لهم أحد. فلا نستغرب إن رأينا الرسول القرشي يعرف لهجات العرب ويخاطب كل قبيلة بلهجتها الخاصة بها.

(1/58)


ومن شواهد الأصالة اللغوية، ومميزاتها ظاهرة الإعراب الموجودة في اللغة كما لاحظنا في شتى اللهجات العربية القديمة، وقد تحدث المستشرق الألماني يوهاز فك عن هذه الظاهرة المميزة مطولاً في كتابه (العربية)، وأشار إلى أنها احتفظت بهذه السمة العريقة، وقال (46): "لقد احتفظت العربية الفصحى، في ظاهرة التصرف الإعرابي، بسمة من أقدم السمات اللغوية التي فقدتها جميع اللغات السامية ـ باستثناء البابلية القديمة ـ قبل عصر نموها وازدهارها الأدبي، وقد احتدم النزاع حول غاية بقاء التصرف الإعرابي في لغة التخاطب الحي".
كما تحدث المستشرق الألماني شبيتالر عن العربية الفصحى وعلاقتها باللهجات القبلية المختلفة، وقدرتها على استيعابها وتمثلها واحتفاظها بما تستسيغه من أساليب وتستحسنه من ألفاظها، ومما قاله (47):
"وهذه اللغة الفصحى تعد ـ كما يقول (بريتوريوس Pratorius) لغة فنية خالصة، وتعلو بما لها من طبيعة مميزة على كل اللهجات، غير أنها إذ تجري على ألسنة المتحدثين بهذه اللهجات، فإنها لم تخل من تأثير تلك اللهجات فيها باستمرار، ولعلها اختلفت من جهة إلى أخرى تبعاً لذلك، غير أن الجهود المنظمة، والعاملة على طرد القاعدة للغويين المتأخرين استطاعت طمس هذه الاختلافات طمساً تاماً".
وإطراد القاعدة هنا إشارة هامة إلى مذهب اللغويين والنحاة المتأخرين، ذلك أنهم آثروا اختيار الوجوه الشائعة الأصيلة في اللغة كما عرفتها العربية في عصر أصالتها من خلال شواهدها الشعرية والقرآنية وخطبها الجاهلية المسجعة..، وقد أشار المستشرق شبيتالر إلى هذه الحقيقة معتمداً على ما أورده الباقلاني في كتابه المعروف بـ (إعجاز القرآن)، ومما قاله (48).

(1/59)


"أما هذه العربية نفسها، فهي تلك القديمة الحقيقية التي تعود إلى ما قبل التاريخ، والتي ترفعت عن لهجات الخطاب منذ زمن، ورويت لنا كابراً عن كابر، في نصوص محددة تماماً هي تلك اللغة التي يمكن أن تعرّف بقول الباقلاني: أشعار أهل الجاهلية، وكلام الفصحاء والحكماء من العرب، كلام الكهان وأهل الرجز والسجع وغير ذلك من أنواع بلاغتهم وصنوف فصاحتهم".
كما تحدث الأرسوزي عن نشأة اللغة من الطبيعة الخارجية وعلاقتها بالأمة، فقال (49):
"إن اللسان العربي، وهو بدائي وعضوي البنيان، يكشف عن صورة الأمة التي أنشأته، ويهدينا إلى شمول الوصفية كافة مظاهرها، إذ كان العرب في جاهليتهم يسمون تقسيمات الزمان بحالات المكان الملتبسة فيها، وبتجليات أمتهم التي يترافق ظهورها تاريخياً معها، فأطلقوا على أيام الأسبوع أسماء: (أول)، (أهون)، (جبار)، (ديَّار)، (مؤنس)، (عروبة)، (تيار) (50)... وكانوا يطلقون في ذلك العهد على شهور السنة الأسماء الآتية: (مؤتمر)، (ناجر)، (خوَّان)، (صوّان)، (رنِّي)، (أثدة)، (عادل)، (ناطل)، (واغل)، (ورنة)، (يوك)."
وخلص، بعد استعراضه طائفة أخرى من الألفاظ، إلى أن المجتمع العربي انحدر في اتجاه تلك الشعوب المتجمدة، واستبدل هذه الأسماء بأخرى دخيلة على الذوق العربي، وهي السبت والأحد والاثنين..".
يتضح مما تقدم معنا أن التقريش المضري، والقرشية الجاهلية كانا من أهم العوامل في حركة التوحيد اللغوي التلقائي قبل الإسلام، فاكتملت مرحلة الأصالة التراثية، وبدأت بواكير مرحلة النضح والإعجاز اللغوي بظهور الإسلام، وكان القرآن المعجزة الكبرى التي حققها اللسان العربي المبين عبر عصوره المديدة، في قمة عطائه الإنساني، ولذلك عده الأرسوزي أسمى المظاهر التي تجلت فيها وجهة نظر الأمة العربية (52).

(1/60)


وهكذا آضت اللغة العربية المضرية، بيد أنها احتفظت بما استساغته من الأنماط التعبيرية، واستعذبته من اللهجات القبلية، كما توضح لنا ذلك في القراءات القرآنية على اختلاف حروفها ووجوهها، فكان الناس يقرؤون في الحجاز بقراءتي نافع وابن كثير، ويقرؤون في الشام بقراءة ابن عامر، ويقرؤون في العراق بقراءات عاصم، وحمزة،.والكسائي، وأبي عمرو.
اعتمدت هذه القراءات المأثورة والموثقة، وقد أشار أبو علي الفارسي (المتوفي سنة 377 هـ)، وهو من نحاة البصرة، إلى ذلك في كتاب (الحجة في علل القراءات السبع) فقال (53):
"هذا كتاب نذكر فيه وجوه قراءات القراء الذين ثبتت قراءاتهم في كتاب أبي بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد (المتوفى سنة 324 هـ) المترجم بمعرفة قراءات أهل الأمصار والحجاز والعراق والشام).
والملاحظ من خلال المسائل التي أوردها وناقشها واحتج لها أنه كان يضع في الحسبان ما يسميه بقياس العربية.
قال أبو علي: (54): "ما رواه عن الكسائي في إمالة مثل (الأبرار) و(الأشرار)، ونحو ذلك مما تكرر فيه الراء مستقيم في قياس العربية ظاهر الوجه". وقال أبو علي (55):
"وما ذهب إليه الكسائي من ترك الفصل بين الفعل الذي قبله واو أو فاء، وبين ما ليس قبله من ذلك هو الوجه في قياس الرواية.
هذا يؤكد أن اللغة العربية كانت تحرص على الأخذ بما تختاره وتجده مستساغاً في قياس العربية، ظاهر الوجه، موثوق الرواية.

(1/61)


يضاف إلى أن الاختيار في صناعة اللغة يعتمد على مفاهيم نقدية خاصة توائم أذواق العصر، وتلائم المتطلبات الجديدة، وذلك في حلبة التراث والأصالة. وليس من باب المصادفة أن يضع أحمد بن فارس (المتوفى سنة 395 هـ) كتابيه (الحبير المذهب) و(متخيَّر الألفاظ)، والمتخير مجمل من الحبير. يقول في كتابه الثاني (56): "هذا كتاب (متخير الألفاظ)، مفردها ومركبها، وإنما نحلتُه هذا الاسم لما أودعته من محاسن كلام العرب، ومستعذب ألفاظها، وكريم خطابها، منظوم ذلك ومنثوره، ولم آل جهداً في الانتقاء والانتخاب والتخيُّر.."..
وكان اعتماد ابن فارس على نظريته في كلام العرب، "فالكلام ثلاثة أضرب: ضرب يشترك فيه العلية والدون، وضرب هو الوحشي، كان طباع قوم، فذهب استعماله بذهابهم، وبين هذين ضرب لم ينزل نزول الأول، ولا ارتفع ارتفاع الثاني، وهو أحسن الثلاثة في السماع، والذهاب على الأفواه، وأزينها في الخطابة، وأعذبها في القريض، وأدلها على معرفة من يختارها" (57).
وخلص ابن فارس بعد هذا التقسيم الثلاثي لضروب الكلام إلى التحدث عن شرائط الإبداع في الأدب من خلال الاختيار اللغوي، فقال (58): "إن أول ما يجب على الكاتب والشاعر اجتباء السهل من الخطاب، واجتناب الموعر منه، والأنس بأنيسه، والتوحش من وحشيه فهذا زمان ذلك".
واختتم كلامه بقوله: "ولن يتسنم أحد ذروة البلاغة مع التكلف للفظ الغَلِق، والتطلب للخطاب المستغرب".
فساد اللسان العربي

(1/62)


يتضح مما تقدم أن اللغة العربية امتدت عبر الأقطار والأصقاع خلال الفتوح العربية وانتشار الإسلام في المشارق والمغارب، وأدى إلى دخول كثير من الأمم في المجتمع العربي، وهذا التلاقي الحضاري في إطار هذا الاتساع الجديد كان عاملاً من العوامل الجوهرية في فساد اللسان العربي والخلل اللغوي الذي تسرب إلى العربية، وهي قمة الإعجاز، ففسدت الملكة العربية نطقاً، وتعبيراً ومنهجاً ومضموناً. ومن هنا تبدأ معركة الفساد والخلل بعد الأصالة والإعجاز في القرن الثالث الهجري.
تطرق المستشرق يوهان فك إلى ظهور (العربية الدارجة) وحددها في أواخر القرن الثالث الهجري، فقال (59): "وبهذا توطد تماماً الحد الفاصل بين العربية الفصحى التي صارت منذ ذلك العهد لغة العلم والأدب، والعربية المولدة الدارجة، حوالي نهاية القرن الثالث، حتى في الأوساط المثقفة كذلك".
كما عقد المستشرق المذكور فصلاً عن اللحن ومفهومه ومشتقاته، فقال (60): "يتطلب معنى اللحن اللغوي أن يكون الصواب متقدماً عليه، وكلاهما يمكن حصوله وتصوره إذا تجاوز التفكير في اللغة خطوات نشأتها الأولى، بيد أن مثل هذا التفكير والتأمل في نشوء اللغة كان بعيداً كل البعد عن عرب البادية قبل الإسلام".
هكذا بدأ اللحن والفساد اللغوي يشيع ويزداد منذ مطلع القرن الرابع الهجري، وتولدت عنه الازدواجية اللغوية، وغدت اللهجات العامية تواجه العربية الفصحى، والملاحظ أنه لم يتيسر لها أن تقف أمامها، ذلك لأن اللغة العامية الدارجة لا تمتلك أصالة الفصحى ومقوماتها التراثية العريقة، ومن الطبيعي أن تتراجع أمامها عبر العصور المديدة.
تحدث ابن خلدون عن معنى الفساد في اللسان العربي، فقال (61):

(1/63)


"ولهذا كانت لغة قريش أفصح اللغات العربية وأصرحها، لبعدهم عن بلاد العجم من جميع جهاتهم، ثم من اكتنفهم من ثقيف، وهذيل، وخزاعة، وبني كنانة، وغطفان وبني أسد وبني تميم. وأما من بعد عنهم من ربيعة، ولخم، وجذام، وغسان، وإياد وقضاعة، وعرب اليمن المجاورين لأمم الفرس، والروم والحبشة، فلم تكن لغتهم تامة الملكة بمخالطة الأعاجم، وعلى نسبة بعدهم من قريش كان الاحتجاج بلغتهم في الصحة والفساد عند أهل الصناعة العربية..".
هذا النص على غاية من الأهمية، فابن خلدون يعتقد أن اللغات كلها ملكات شبيهة بالصناعة، إذ هي ملكات في اللسان للعبارة عن المعاني وجودتها وقصورها بحسب تمام الملكة أو نقصانها (62)، وخلص بعد ذلك إلى لغة قريش المضرية، ووضعها موضعها من الفصاحة، فكانت لغة العالية عند العرب.
ـ 2 ـ
خصائص وإعجاز
يتضح أن العربية ذات خصائص متميزة من القدم والأصالة والاتساع والاشتقاق، ويكفي أن نرجع إلى القسم الثاني من فقه الثعالبي لنجد أنه عقد فصلاً في تبيان خصائص كلام العرب، وبيان أسرار العربية، ومعرفة مجاري كلامها، وهذا الفصل على غاية من الأهمية لأنه يبرز لنا بشكل تطبيقي مشفوع بالشواهد المأثورة دقائق ما في العربية.
وليس من باب المصادفة أن يكرر قوله مثلاً (63): "العرب تقدم عليها [أي الكناية] توسعاً واقتداراً واختصاراً وثقة بفهم المخاطب"، و"العرب تبتدئ بذكر الشيء"، و"العرب تقول"، و"تقول العرب"، و"العرب تفعل ذلك"، و"للعرب كلام تخص به"، و"في خصائص كلام العرب"، و"من سنن العرب" وقد تكررت إحدى وثلاثين مرة، و"العرب تضيف، و"العرب تسمي" و"العرب تزيد". من ذلك قوله:(64) " وللعرب فعل لا يقوله غيرهم." ويكفي أن نقف عند هذا القول تمثيلاً لما قدمنا لنبرز إيمان العرب بخصائص لغتهم :" تقول.. ( عاد فلان شيخاً) وهو لم يكن قط سيخاً وعاد الماء آجناً وهو لم يكن كذلك قال الهذلي:
أطعتُ العرِسَ في الشهوات حتى أعادتني أسيفاً عبد غيري

(1/64)


ولم يكن قبل أسيفاً حتى يعود إلى تلك الحال، وفي كتاب الله: (يخرجونهم من النور إلى الظلمات)، وهم لم يكونوا في نور من قبل. ومثله قوله، عز وجل: ?ومنكم من يردُّ إلى أرذل العمر?، وهم لم يبلغوا إلى أرذل العمر، فيُردوا إليه".
يتضح مما تقدم أن العربية تتميز بوجود خصائص ذاتية في طبيعة بنيتها التكوينية، وقد اصطلح اللغويون على تسمية هذه الخاصة بـ (السنن اللغوي العربي) اعتماداً على ما أورده الثعالبي من الاقتدار والتوسع والاختصار والثقة بفهم المخاطب.
يمكننا بعد أن توضحت لنا هذه النظرية العربية في السنن اللغوي أن نقرأ أنه المعجزة الكبرى في اللسان العربي المبين، ذلك لأنه سر وجود الأمة العربية، وسر خلودها الكبرى في اللسان العربي المبين، وجود الأمة العربية، وسر خلودها الحضاري، وإعجاز القرآن العربي، هو آية الإعجاز الكبرى الكامنة في إعجازها اللغوي.
يقول الإمام على (ر) في خطبة له، (66): "وإن الله، سبحانه، لم يعظ أحداً بمثل هذا القرآن، فإنه حبل الله المتين، وسببه الأمين، وفيه ربيع القلب، وينابيع العلم، وما للقلب جلاء غيره..".
هذا النص لعلي على غاية من الأهمية، ذلك لأنه يبرز لنا المفهوم اللغوي للغة القرآن، وأضاف إلى التعريفات السابقة لدى اللغويين واللسانيين المفهوم الاصطلاحي مقترناً بالمفهوم الذاتي والوجداني والإنساني.
الإعجاز اللغوي
الملاحظ أن تقديس العرب للغتهم إقرار بالمعجزة اللغوية، وهذا الإعجاز سر من أسرارها، والقرآن، بلا ريب، آية هذا الإعجاز، ولو أننا استعرضنا لغات العالم جميعاً، وما طرأ عليها من تطور وتبدل لأدركنا أن العربية تجاوزت هذه المراحل، بسبب سبقها التكويني والحضاري، حتى استقامت على هذا النمط، لتكون "رمزاً لغوياً لوحدة عالم الإسلام في الثقافة والمدنية" (67).

(1/65)


ورب قائل يقول: "إن عدم التطور هو الجمود، وعدم القدرة على الاستجابة لمتطلبات الحياة، وهذا القول حجة على من لم يطَّلع على سر أعجازها وعبقريتها. كما أن طبيعة التطور كامن في بنيتها التكوينية، فهي تتطور تطوراً داخلياً ذاتياً، ذلك لأنها تستطيع التكيف لكل متطلبات الحياة والعلم والفكر بما تمتلكه من الاشتقاقات والأوزان والأنماط الخاصة بها، وهي ذات طابع عام يستوعب كل طارئ، وكل مستحدث مبتكر، شأنها في ذلك شأن الماء الراكد الساكن، لكن ركود الماء وسكونه لا ينفي وجود التيارات الداخلية فيه، ولا تنعدم في أعماقه التفاعلات الحياتية.
يضاف إلى ذلك أن اللغويين العرب يرون أن الاهتمام باللسان العربي واجب مقدس تحتمه الواجبات القومية والدينية، ذلك أن "من أحب الله أحب رسوله..، ومن أحب النبي العربي، أحب العرب، ومن أحب العربي، أحب اللغة العربية، وعني بها وثابر عليها، وصرف همته إليها" كما يقول الثعالبي (68).
ولم يقتصر على ما ذكرناه، وإنما أبرز لنا وظائفها مستطرداً ذاكراً أنها "أداة العلم، ومفتاح التفقه في الدين، وسبب إصلاح المعاش والمعاد، ثم هي لإحراز الفضائل، والاحتواء على المروءة وسائر أنواع المناقب كالينبوع للماء والزند للنار ولم يكن في الإحاطة بخصائصها، والوقوف على مجاريها ومصارفها، والتبحر في جلائلها ودقائقها، إلا قوة اليقين في معرفة إعجاز القرآن، وزيادة البصيرة في إثبات النبوة الذي هو عمدة الإيمان، لكفى بهما فضلاً يحسن أثره، ويطيب في الدارين ثمره..." (69).
وقرن الأمة باللغة، فقال (70) "والعرب خير الأمم، والعربية خير اللغات والألسنة".
المنهج اللغوي العربي

(1/66)