صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : نهاية الأرب في فنون الأدب
المؤلف : النويري
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

سفوفات تزيد في الباه فمن ذلك صفة سفوف يؤخذ تزيد في الباه فمن ذلك صفة سفوف يؤخذ إشقيل مشوي وفانيذ وبوزيدان وبزرسذاب، وحب الشهدانج وألسنة العصافير من كل واحد ثلاثة مثاقيل ونصف، خشخاش وبزر البصل، وبزر الجرجير من كل واحد مثقالان؛ تجمع هذه الأصناف بعد دقها ونخلها، ويستف منها مثقال ونصف بشراب حلو ممزوج، فإنه غاية.
سفوف آخر
يزيد في الباه تؤخذ ألسنة العصافير وبزر الجرجير وبزر اللفت، من كل واحد مثقالان؛ يدق ذلك، ويستف منه مثقال بشراب حلو، أو بعقيد العنب، فإنه جيد نافع إن شاء الله تعالى.
الحقن والحمولات المهيجة للباه والمغزرة للمني والمسمنة للكلى هذه الحقن والحمولات إنما لمن عجز عن تناول ما قدمناه من الأدوية إما لكثرة حرارتها، أو كراهية لمذاقها، أو لإحراقها مزاج المستعمل لها، فالحقن والحمولات تنوبان منابها، وتقومان مقامها في الفعل، إلا أن هذه الحقن لا بد أن تتقدمها حقنة تغسل الأمعاء، ثم يحقن بها بعد ذلك فتكون أسرع فعلاً وأنجح نفعاً.
حقنة تغسل الأمعاء
وتنقيها يؤخذ بابونج وبزر كتان وحلبة وشبث، من كل واحد سبعة مثاقيل،وبطم وحسك أربعة عشر مثقالاً، يطبخ جميع ذلك بخمسة أرطال من الماء، ويغلى حتى يبقى منه رطل، ويصفى، ويؤخذ من هذا الماء نصف رطل، ويضاف إليه من الشيرج خمسة عشر مثقالاً، وسكر أحمر سبعة مثاقيل ثم يحقن به.
حقنة أخرى
تغسل الأمعاء يؤخذ لعاب بزر قطونا، ولعاب بزر كتان، ولعاب الحلبة، وماء السلق المعتصرولعاب الحطمى من كل واحد خمسة مثاقيل، ثم يجعل في ذلك من البورق والسكر الاحمر من كل واحد خمسة مثاقيل ومن الشيرج عشرة مثاقيل، ثم يحقن به، فانه نافع لما ذكرناه ان شاء الله، فهذه الحقن التي تتقدم أولا.
حقنة تسمن الكلى
وتزيد في الباه يؤخذ من دهن الجوز نصف رطل، يلقى فيه من الحسك نصف رطل، ومن لبن البقر رطل ونصف وفانيذ وزنجبيل وبزر هليون، من كل واحد أوقية، يغلى على النار ويصفى ماؤه، ويؤخذ منه أربعة عشر مثقالاً، ومن دهن الزنبق أربعة مثاقيل، ومن دهن البان أربعة مثاقيل، ثم يحقن به، فانه نافع لذلك.
حقنة أخرى
تسمن الكلى وتزيد في الباه يؤخذ رأس كبش وأكارعه ونصف أليته، ويرض الجميع، ويوضع في قدر، ثم يوضع عليه ربع رطل حمص، ومثل ذلك حنطة ولوبياء حمراء، ومن الشبث والبابونج وبزر اللفت ومرزنجوشن من كل واحد سبعة مثاقيل، حسك خمسة عشر مثقالاً، تطبخ بعشرة أرطال ماء حتى يتهرأ الجميع، ويصفى، ويؤخذ من ذلك الماء والدسم رطل، ويلقى عليه من سمن البقر أوقية، ومن اللبن الحليب أوقيتان ومن دهن البان نصف أوقية، ثم يحقن به ثلاث ليال متوالية عقيب تلك الحقنة التي تغسل الأمعاء، فإنه عجيب الفعل.
حقنة لانقطاع الجماع
وتقوي الشهوة وتسخن الكلى، وتزيد في الباه زيادة حسنة يؤخذ بزر كتان وبزر نرجس وبزر فجل وبابونج من كل واحد أوقية، حلبة ثلاث أواقي، أنجرة أوقية، حنطة أربع أواقي، سمن ثلاث أواقي، تمر عشرون عدداً لب القراطم البري والبستاني من كل واحد أوقيتان، مرزنجوش ثلاث أواقي يطبخ جميع ذلك بعشرة أرطال ماء حتى يبقى منه الثلث، ويمرس، ويصفى ويؤخذ دهن سوسن ودهن زنبق خيري وعسل نحل من كل واحد أوقية، يخلط الجميع بالماء الأول، ويؤخذ منه نصف رطل ويحقن به فإنه نافع.
حقنة أخرى
يؤخذ لبن ضأن وأذنا الخروف وحنطة وشعير وحلبة وشحم دجاج، وشحم بط وفراخ حمام وبابونج وخطمي وحسك وشبث وتين وعناب وسيسبان وبزر كتان، من كل واحد جزء؛ ويطبخ جميع ذلك بماء حتى يتهرأ، ويصفى، ويخلط معه شيرج ودهن بنفسج ودهن خيري ودهن بطم، ودهن جوز، وسمن بقر، ثم يحقن به على ما تقدم فإنه غاية في النفع.
حقنة للرازي تهيج الباه
يؤخذ رطل من دهن الجوز، ويلقى فيه رطل حسك، وثلاثة أرطال من حليب البقر، وأوقية زنجبيل وأوقية فانيذ، ويطبخ حتى يغلى مراراً؛ ثم يصفى ويؤخذ منه أوقيتان، وزنبق نصف أوقية، ودهن بان نصف أوقية، ويحتقن به ولا يجامع عشر ليال، فإنه عجيب هذه الحقن.

(3/279)


وأما الحمولات التي تحدث الإنعاظ الشديد - يؤخذ بزر جزر وبزر جرجير، ولعبة، ولب حب القطن، أجزاء متساوية، يعجن بماء الراسن أو بماء الجرجير، وتعمل من ذلك فتيلة، ويتحمل بها، فإنها تنعظ إنعاظاُ عجيباً.
صفة أخرى
يؤخذ من شحم كلى السقنقور فيذاب بدهن السوسن، ويذر عليه من لب حب القطن وعاقر قرحى وزنجبيل بعد سحق ذلك ونخله، وتعمل منه فتيلة ويتحمل بها.؟
صفة أخرى
يؤخذ من شحم كلى السقنقور وشحم البقر، والشمع، يسلأ ذلك، وتلقى عليه أدمغة العصافير الدورية، وتعمل منه فتيلة، ويتحمل بها.
صفة أخرى
يؤخذ قنطريون مسحوق، وزفت، وشمع، يذاب بدهن سوسن، وتعمل منه فتيلة، ويتحمل بها، فإنها تنعظ إنعاظاً عجيباً.
صفة أخرى
تؤخذ قطعة حلتيه فتجعل في ثقب الذكر بقدر ما تلدع، ثم تسال منه، فإنه ينعظ إنعاظاً قوياً، وإذا حصل اللذع يقطر في ثقب الذكر دهن بنفسج. وهذا ما يعالج به الباطن؛ فلنذكر الأدوية النافعة للظاهر من المسوحات والضمادات والأدوية الملذذة للجماع.
المسوحات والضمادات التي تزيد في الباه، المقوية للذكر صفة مسوح يمرخ به القضيب فيهيج شهوة الجماع ويزيد في الباه يؤخذ عاقر قرحى، وبسباسة، ودار فلفل، من كل واحد مثقالان؛ قنة وأفربيون من كل واحد مثقال؛ جندبا دستر وبزر الجرجير، من كل واحد نصف مثقال؛ دهن النرجس عشرة مثاقيل؛ شمع أبيض أربعة مثاقيل؛ تسحق الأدوية اليابسة ويذوب الشمع والقنة مع الدهن على النار؛ ثم تلقى عليها الأدوية المسحوقة، ثم يرفع، ويمرخ به القضيب والعانة، فإنه جيد مفيد لما ذكر.
مسوح يمرخ به الذكر والعانة
يزيد في الإنعاظ ويسخن الكلى والمثانة تؤخذ عصارة حشيشة الكلب - وهي الفراسيون - تدق وتحل بالدهن ويمرخ بها.
مسوح آخر يمرخ به الذكر يزيد في الإنعاظ
تؤخذ مرارة ثور فحل، وعسل نحل منزوع الرغوة، وقليل عاقر قرحى؛ يخلط الجميع، ويمسح به.
مسوح آخر ملوكي
يؤخذ أفربيون وزنجبيل وعاقر قرحى، من كل واحد مثقال، ومسك نصف مثقال؛ تجمع بدهن البلسان، ويمرخ بها القضيب وما يليه، فإنها نهاية.
مسوح آ خر ينعظ ويزيد في الباه،
ويعين على الجماع إذا مرخ به القضيب والعانة يؤخذ السقنقور وقضيب الايل المجفف، والحشيشة المسماة حصي الثعلب من كل واحد مثقال، ومن بزر العاقر قرحي وبزر الجرجير، من كل واحد أربعة مثاقيل فربيون مثقالان، بيض العصافير الدورية ثلاث بيضات، تجعل في إناء زجاج ويصب عليها شيء من قطرات ودهن سوسن مقدار ما يغمرها ويطفو عليها؛ ويسد رأس الإناء، ويدفن في الزبل مدة أربعين يوماً، يبدل عليه الزبل في كل سبعة أيام، ثم يخرجه بعد ذلك، ويصفى عنها الدهن؛ ويلقى في الدهن سبعة مثاقيل من علك البطم؛ وتسحق الأدوية اليابسة، ويخلط الجميع بالعجن الجيد؛ ويصب عليه من دهن السوسن حتى يصير في قوام المرهم الرطب، ثم يرفع لوقت الحاجة؛ فاذا أراد العمل به مرخ به القضيب وما قرب منه، فإنه يفعل فعلاً عجيباً.
مسوح آخر
يؤخذ دهن خيري ودهن نرجس، من كل واحد نصف رطل؛ يجعل ذلك في طنجير، ويلقى عليه دار فلفل وعاقر قرحي وزنجبيل ودار صيني من كل واحد أوقية؛ جند بيدستر نصف أوقية؛ يغلى ذلك على النار غلياناً جيداً، ويتمرس ويصفى، ويرفع في إناء زجاج، ثم يدهن به القضيب وما حوله، فإنه يفعل في الإنعاظ فعلاً جيداً قوياً.
مسوح آخر
تؤخذ مرارة التيس ويطلى بها الذكر وما حوله والحقوان، فإن ذلك يقوي على الباه.....أمراً عجيباً.
للذكرالمرخى
القليل القيام يؤخذ بورق وورس، ويعجنان بعسل منزوع الرغوة، ثم يلطخ به الذكر وما حوله، ويدمن ذلك أبامً، فإنه عجبب الفغل.
مسوح آخر
يؤخذ من شحم الضب ولحمه فيطبخان، ويؤخذ دهنه ويخلط بزنبق، ويدهن به الذكر، فإنه يزيد في الإنعاط، ويقوي الباه....أمراً عظيماً.
مسوح آخر
تؤخذ العصافير وقت هيجانها فتذبح على دقيق العدس، ويلت بدمها، ويبندق ويجفف، فإذا أراد الجماع فليأخذ بندقة ويحلها بزيت، ثم يطلي بها أسفل القدمين؛ ولا يطأ على الأرض، بل يكون على الفراش، فإنه ينعظ إنعاظاً قوياً، وإن وطئ على الأرض بطل فعل الدواء.
مسوح آخر

(3/280)


تؤخذ مرائر العصافير الدورية الذكور وتخلط بدهن زنبق خالص، ثم يؤخذ باذروج وشهدانج فيدقان جميعاً دقاً ناعماً، ثم يخلطان بالمرائر والدهن، ويرفع ذلك في قارورة، فإذا أراد الجماع يمسح منه تحت القدمين وعلى القضيب والأثنيين ولا يطأ على الأرض، فإنه يرى من قوة الباه أمراً عجيباً.
مسوح آخر
يؤخذ قضيب الإيل فيحرق، ويعجن رماده بشراب عتيق، ثم يطلى به القضيب ويمرخ به، ويطلى ما حوله، فإنه ينعظ إنعاظاً شديداً جداً؛ فهذه المسوحات.
وأما الضمادات التي تزيد في الباه وتعين على الجماع فيؤخذ رماد قضيب الإيل وعاقر فرحى وفربيون وفلفل أبيض، من كل واحد جزء؛ تسحق وتجمع، وتعجن بشراك عتيق، ويضمد الذكر بها والانثيان، فإنها تزيد في الباه.
ضماد يزيد في الباه ويقوي الإنعاظ ،على الظهر يؤخذ فلفل وعاقر قرحى وفربيو، من كل واحد مثقالان ونصف؛ حلتيت مثقال وربع؛ دهن بلسان ودهن بلسان ودهن قسط، من كل واحد خمسة مثاقيل؛ دار فلفل وجوزبوا، من كل واحد مثقالان؛ تسحق الأدوية اليابسة سحقاً ناعماً جداً؛ وتحل بالأدهان؛ وتمد على خرقة، وتوضع على الظهر، فإنه يرى العجب.
ضماد على الإبهام
من الرجل اليمنى، يزيد في الباه ويقوي الجماع يؤخذ من عود اليسر خمسة عشر مثقالاً، ومن صمغ البطم وصمغ عربي وفلفل من كل واحد عشرة مثاقيل؛ خرء الفأر والحشيشة المسماة خصية الثعلب، من كل واحد خمسة مثاقيل، ومقل أزرق وعاقر قرحي وزنجبيل وفربيون وسكبينج وجوزبوا من كل واحد أربعة مثاقيل، ويؤخذ سام أبرص فينقع في الخل الحامض أربعين يوماً، ويخرج ويجفف؛ ويؤخذ شحم ودك الكلى وقنة وشمع أبيض، من كل واحد عشرة مثاقيل؛ تجمع الصموغ والأصناف، ويذوب ما يذوب منها، وتخلط به وتوضع على إبهام الرجل اليمنى، فإنه يرى منه أمراً عجيباً الأدوية الملذذة للجماع منها صفة دواء يطلى به الإحليل عند الجماع يزيد في الباه واللذة؛ يؤخذ جوزبوا وفلفل ودار فلفل وعاقر قرحى وزنجبيل وسنبل وخولنجان وسكر، من كل واحد مثقالان؛ فيسحق كل صنف منه على انفراده ثم تجمع بالسحق، وتنخل، وتعجن بالعسل الذي قد ربى فيه الزنجبيل والشقاقل ويمسح بها الذكر، فإنه يرى منه عند الجماع لذة عظيمة.
صفة دواء آخر
يؤخذ عاقر قرحي وزنجبيل ودار صيني وسكر، من كل واحد مثقالان ونصف؛ تجمع هذه الأصناف بعد سحقها ونخلها، وتعجن بماء الرازيانج الرطب، وتحبب مثل حب الفلفل، وتجفف في الظل؛ ثم تسحق ثانياً، وتطرح في دهن رازقي ويطلى بها الذكر، فإنه جيد.
صفة دواء آخر يزيد في اللذة عند الجماع
يؤخذ سكر طبرزذ وكبابة وعاقر قرحي، من كل واحد مثقالان؛ تجمع بعد سحقها ونخلها، وتعجن بماء الرازيانج الرطب وتحبب مثل الفلفل، وتجفف في الظل؛ فإذا احتاج اليها طرح منها في الفم حبة، واستعمل ما انحل منها؛ أو تحل في دهن ويمسح بها الذكر، ويجامع، فإنه يرى منه لذة عظيمة.
صفة دواء آخر يحدث من اللذة ما لا يوصف
يؤخذ رازيانج يابس محمص، وفلفل، وزنجبيل، وعاقر قرحي ودار صيني، وجوزبوا وقردماناً وسكر طبرزذ، من كل واحد مثقالان؛ تجمع مسحوقة منخولة، وتحل بماء الرازيانج الرطب أو بماء الباذروج الرطب حتى تصير في قوام الطلاء؛ ثم ترفع في إناء زجاج، ويسد رأسه عشرة أيام، ويخضخض في كل يوم ثلاث مرات، ثم يمسح منه الذكر بعد ذلك، ويترك حتى يجف ثم يجامع بعد جفافه؛ ويحرص أن ينخل وهو يجامع؛ ولا يترك رأس الإناء مفتوحاً فإن الهواء يذهب بقوة الدواء. قال: فمن استعمل هذا الدواء لم تصبر المرأة عنه.
؟ صفة دواء آخر يزيد في اللذة تؤخذ مرارة ذئب، وعسل نحل، وماء الرازيانج الرطب، من كل واحد خمسة مثاقيل؛ فلفل ودار فلفل ودار صيني وزنجبيل وعاقر قرحي، من كل واحد مثقال؛ تسحق الأدوية اليابسة، وتنخل، وتلقى في المرارة والماء والعسل، وتخضخض في إناء زجاج ويغطى فمه حتى لا يصل إليه الهواء؛ ويمسح منه على الذكر وقت الجماع، فإن المرأة تجد لذلك لذة عظيمة.
صفة دواء آخر
تؤخذ مرارة دجاجة سوداء، ويضاف إليها شيء يسير من الزنجبيل المسحوق ويطلى بهما الذكر، فإن المرأة تلتذ به.
وحيث ذكرنا من أدوية الباه ما ذكرنا، فلنذكر ما قيل في الأدوية التي تعظم الذكر وتصلبه، والأدوية التي تضيق فروج النساء وتجفف رطوبتها.

(3/281)


أدوية تعظم الذكر وتصلبه قد أجمع جالينوس ومن تابعه من الحكماء على أن الدلك الدائم والتمريخ بالأدهان والأشياء الملينة والتنطيل بالماء الحار والدلك بالزيت والزفت، تعظم كل عضو في الجسد؛ ولاخلاف عندهم أن هذا العضو اذا فعل به ذلك عظم ونما وزاد عن حالته التي هو عليها، فإذا اجتمع مع ذلك هذه الأدوية التي نذكرها - وهي مما اتفق اللأطباء على جودتها وصحتها - فإن ذلك أبلغ وأسرع.
فمن ذلك صفة دواء يعظم الذكر ويصلبه ويعين على الجماع
يؤخذ بورق أرمني وسنبل، من كل واحد مثقالان، علق طوال عشر عدداً، يجفف العلق، ويسحق مع البورق والسنبل حتى يصير جميع ذلك كالهباء؛ ثم يصب عليه لبن حليل وعسل أجزاء متساوية، من كل واحد منهما عشرة مثاقيل، ويمرس باليد حتى يختلط، ثم يطلى به الذكر ليلة؛ ثم يغسل بالماءالحار من الغد، ويدلك بالخطمي دلكافويا حتى يحمر، ثم يغسل، ثم يعاد عليه الدواء والدلك قبل الدواء وبعده، فإنه جيد.
صفة دواء آخر يعظم الذكر ويحسن منظره
يؤخذ من شمع أحمر، وزفت، وعلك بطم، وزيت فلسطيني، من كل واحد خمسة مثاقيل، أنزروت وبورق أرمني مذوبان بلبن الأتان أربعة مثاقيل - وهو أن تأخذ الأنزروت والبورق فتسقيهما لبن الأتان ثم تجففهما وتسحقهما، وتسقيهما ثم تجففهما حتى يشربا ثلاثة مثاقيل لبن ويؤخذ من العلق الطوال المجفف ثلاثة مثاقيل، ويسحق الجميع، ويذوب الشمع والزفت والعلك والزيت، وتلقى عليها الأدوية المسحوقة، وتخلط خلطاً جيداً، ويمد منها على حرقه، وتوضع الحرقة على الذكر بعد دلكه إلى أن تخمر، وتبيت عليه ليلة، ويغسل باكر النهار بالماء الحلو الحار، ويدلك أيضا، ويعاد عليه الدواء إلى أن يبلغ في العظم ما تريد فاتركه.
صفة دواء آخر لذلك
يؤخذ إشقيل مشوى وفربيون وعاقر قرحى ودار فلفل، من كل واحد جزء، يسحق ذلك سحقاً ناعماً، ويعجن بالعسل، ويطلى منه القضيب، ويترك ليلة، ثم يغسل باكر النهار بالماء الحار، ويدهن بدهن زنبق، فإنه يعظم جداً.
دواء آخر
يؤخذ باذروج أخضر، يمضغ حتى ينعم مضغه، ويدلك به الذكر دلكاً جيداً فإنه يعظمه.
صفة دواء آخر
يؤخذ علق طوال طرية،تجفف وتسحق، ثم تربب بدهن حتى تصير كالمرهم ثم يطلى بها الذكر، فإنها تعظمه جداً.
صفة دواء آخر
يطبخ الزفت بالزيت، ثم يمد على حرقه، ويوضع على الذكر، ثم يقلع بعد ساعة ويغسل بالماء الحار، ثم تعيد الدواء عليه حتى يبلغ من العظم ما تريد.
وإن تقرح الذكر من بعض الأدوية التي تقدم ذكرها، فامسحه بدهن زنبق ودهن بنفسج وشمع أبيض. قال: إن دلك الذكر بللبن الحليب من ضرع الشاة ثلاثة أيام فإنه يعظم، والله أعلم بالصواب .
أدوية تضيق فروج النساء وتسخنها وتجفف رطوبتها قال عبد الرحمن بن نصر بن عبد الله الشيرازي: اعلم أن كمال لذة الوطء لاتحصل للرجل حتى تجتمع في الفرج ثلاثة أوصاف، وهي الضيقة والسخونة والجفاف من الرطوبة، فإذا نقص منها وصف واحد أو وصفان فقد نقص من اللذة التي تحصل للرجل عند الجماع بمقدار ذلك، وإن عدمت هذه الأوصاف الثلاثة من الفرج، لم يحصل بوطئه لذة البتة.
ثم قال: واعلم أن الولادة وكثرة الجماع يوسعان الفرج، ويذهبان لذته، فينبغي أن يتدارك من هذه الأدوية بما يصلحه ليرجع إلى حالته الأولى .
فمن ذلك صفة دواء يضيق الفرج
يؤخذ جلد ابن آوى محرقاً، وأظلاف المعز محرقة، وحافر حمار محرق، وجوز ماثل محرق، وسرطان بحري محرق، وبسفايج محرق، وسعتر فارسي، من كل واحد وزن درهم؛ يسحق الجميع ناعماً، ويعجن بدهن البان، ويرفع؛ ثم تتحمل منه المرأة بزنة دانق في كل شهر ثلاث مرات كل عشرة أيام مرة، ولا يكون في وقت الحيض ويكون حرق الأدوية بمقدار ما تسحق من غير مبالغة في الإحراق، فإنه يضيق القبل حتى تصير المرأة كالبكر.
صفة دواء آخر
يؤخذ أفسنتين وحمامي وعصفر وصمغ البطم وجلنار وقيصوم ودار شيشعان، من كل واحد زنة درهمين؛ تدق وتعجن بزيت، وتتحمل منه المرأة بصوفة تسعة أيام متوالية، فإنه مجرب لذلك.
صفة دواء آخر فيه منافع
يؤخذ بسباسة ومرزنجوش وسعتر بري وقشور الكندر وإذخر وخيري وورد أحمر، وقشور الرمان وقشور الكبر والترمس من كل واحد مثقال، يسحق ذلك، ويعجن بدهن البان، وتتحمل منه المرأة نهاراً، وتخرجه ليلاً.

(3/282)


صفة دواء آخر يضيق القبل
يؤخذ سك مسك وزعفران، ويصب عليهما شراب ريحاني، ويغلى غلياناً جيداً، ثم تشرب منه خرقة كتان، وترفع لوقت الحاجة؛ فإذا أرادت المرأة استعمالها قطعت قطعة، وتحملت بها قبل الجماع بيوم وليلة، فإنه يضيق المحل، ويطيب رائحته.
دواء آخر
يؤخذ رامك وأقاقيا وسنبل وسعد؛ يسحق الجميع، ويعجن بشراب، وتتحمل منه المرأة بصوفة.
دواء آخر
يؤخذ شب وعفص وقلقند، من كل واحد جزء؛ يدق الجميع، ويعجن بشراب ويصير مثل النوى، وتتحمل منه المرأة.
دواء آخر
يؤخذ زاج وشب، من كل واحد جزء، يستحقان، ثم يعجنان بماء الحصرم ويصيران شبه النوى، وتتحمل المرأة بواحدة منه قبل الجماع، وتمكث ساعة حتى تنحل في فرجها، فهذه أدوية تضيق الفرج.
أدوية تسخن القبل فيؤخذ شحم الدجاج، وشحم البط، وزبل الغنم ودهن ناردين، وصمغ اللوز، من كل واحد جزء، زعفران ومر، من كل واحد ربع جزء، تذاب الشحوم بالدهن وتذر عليها الأدوية اليابسة بعد سحقها، وتتحمل منه المرأة بصوفة وهو فاتر، فإنه جيد مجرب.
دواء آخر مثله
يؤخذ مرزنجوش، وقشور الكندر، وصعتر بري، وبسباسه، من كل واحد جزء، يسحق الجميع، ويعجن بدهن ناردين أو دهن بان، ثم تتحمل منه المرأة فإنه بليغ جيد الفعل.
صفة دواء آخر
يؤخذ أفسنتين رومس وسنبل ودارصيني ومرارة ثور يابسة وسعتر؛ يسحق الجميع، ويعجن بشراب صرف، وتستعمله المرأة مراراً فإنه جيد.
وأما الأدوية التي تجفف رطوبة الفرج - فقال الحكماء : إذا كثرت رطوبة فرج المرأة كان أنفع علاجها الإسهال بالإيارجات والحبوب واستعمال هذه الأدوية.
دواء يجفف الرطوبة
يؤخذ شب وإثمد، من كل واحد جزء؛ يسحقان، وتتحما المرأة منهما ذرورا، فإنه جيد.
صفة دواء آخر مثله
يؤخذ صنوبر وسعد، من كل واحد جزء، يدق ذلك ناعماً، ويطبخ بشراب وتشرب منه خرقة كتان، وتتحمل منه المرأة، فإنه نافع.
صفة جواء آخر
يؤخذ عفص وجفت البلوط وجلنار، من كل واحد ملء كف؛ يطبخ ذلك بالماء طبخاً جيداً، ويرفع في إناء، وتستنجي منه المرأة قبل الجماع، فإنه غاية.
دواء آخر
يؤخذ تمر برني وسمن وعسل وأنيسون ولبنن من كل واحد جزء، ويجعل ذلك في قدر نظيفة، ويغمر بالماء أربع أصابع، ثم يطبخ طبخاً جيداً حتى يغلظ وتتحمل منه المرأة.
قال حنين بن إسحاق: ينبغي ألا يستعمل يه ماء البتة، بل يطبخ بالعسل والسمن حتى يغلظ ويرفع، ويستعمل، فإنه يقطع الرطوبة من الفرج، ويسكن الضربان، ويصلح للنفساء؛ والله أعلم بالصواب.
تطيب رائحة البدن وتعطره فمنها صفة طلاء رائحة البدن يؤخذ نمام ونعنع ومرزنجوش وورق التفاح، من كل واحد جزء، ثم يحعل عليه من الماء ما يغمره وزيادة أربع أصابع؛ ويطبخ حتى ينقص الثلث، ويصفى ويطلى به البدن، فإنه يطيبه ويقطع سهوكته.
دواء آخر
يؤخذ آس ومرزنجوش وسعد وقشور الأترج وورقه وأشنة وصندل، من كل واحد جزء؛ يسحق جميع ذلك، ويرفع؛ فإذا أراد استعماله حل منه قليلا بدهن آس أو دهن ورد، أو بماء فاتر ويمرخ به البدن، فإنه جيد.
دواء آخر مثله
يؤخذ مرداسنج وتوتياء ورماد ورق السوسن ومر وصبروورد، من كل واحد جزء، يدق ذلك، ويسحق؛ ويستعمل مثل الأول لطوخاً أوذروراً.
قرص يقطع الصنان
يؤخذ صندل وسليخة وسك مسك وسنلل وشب ومر وورد أحمر، من كل واحد جزء، ومن التوتياء والمرداسنج، من كل واحد ثلاثة أجزاء، ومن الكافور نصف جزء؛ تجمع هذه الأصناف بعد سحقهان وتعجن بماء الوردن وتقرص وتستعمل بعد التجفيف.
يقطع رائحة العرق
يؤخذ ورد وسك وسنبل وسعد وشب ومر، من كل واحد جزء؛ تدق هذه الأصناف دقاً ناعماً، وتحل بماء الورد، وتستعمل لطوخاً فإنه جيد لما ذكرنا.
يذهب رائحة الإبط،
ولا يحتاج بعده إلى دواء آخر

(3/283)


يؤخذ راسن مجفف محرق وزراوند طويل محرق، وورق رند محرق، ونوى زعرور محرق، ونوى الزيتون الأخضر محرقاً، وقرطاس محرقن وزجاج فرعوني محرقن وزعفران، من كل واحد جزء، تسحق سحقاً ناعماً حتى تصير مثل الكحل وتعجن بالماء المعتصر من الآس، وتحبب، وتجفف في الظل، ثم يشرط تحت الإبط شرطان يسيران، ويسحق ذلك الحب، ويدلك به ذلك الموضع والدم يجري، ويترك عليه يوما وليلة ثم يغسل فلا تعود تظهر رائحته أبدا.
لأصحاب الأمزجة الحارة
يؤخذ سعد، وساذج، وفقاح الإذخر، وميعة سائلة، من كل واحد عشرة مثاقيل، ورد يابس، وأطراف الآس، من كل واحد مثقالان، يبل السعد وفقاح الإذخر والساذج بشراب ريحاني، ثم تسحق، وتعجن بالشراب وتقرص، وتجفف، ثم تسحق، ويطرح عليها الورد وأطراف الآس مسحوقين ويذاب زعفران بماء الورد، ويخلط مع الأدوية، ويجفف ذلك كله في الظل ثم يسحق بعد جفافه، ويجعل ذروراً؛ فإذا أراد استعماله دخل الحمام، وتنظف من كل درن، ثم خرج وتنشف من العرق، ثم نثر على بدنه من هذا الدواء، فإنه نهاية في قطع العرق.
صفة دواء آخر يقطع العرق، وينفع أصحاب الأمزجة الحارة
يؤخذ دار صيني وسنبل هندي، وأظفار وقسط، من كل واحد جزء؛ ومن طين البحر وإسفيداج مغسول، من كل واحد نصف جزء، شيح وشقاقل من كل واحد ثلاثة أجزاء، زعفران وورد يابس، من كل واحد ثلث جزء؛ تسحق الأدوية اليابسة بماء الزعفران والآس بعد أن تحل بشراب ريحاني ويستعمل، فإنه جيد.
تجلو الأسنان من الصفرة والسواد وتطيب رائحة الفم والنكهة فأما السنونات التي تجلو الأسنان - فمنها، يؤخذ قرن ايل محرق، وملح أندراني، وزبد البحر، من كل واحد جزء؛ ورق أثل محرق، وأصول القصب المحرق جزءان؛ شاذنج ربع جزء، خزف صيني جزء؛ يدق الجميع، ويخلط ويسن به.
سنون آخر
يؤخذ من قشور الرمان جزءان، ومن عروق الجنار والشب والعقيق، من كل واحد جزء، يدق وينخل، ويستن به، فإنه غاية.
صفة سنون آخر يقوي الأسنان ويجلوها
يؤخذ ملح أندراني، يسحق، ويشد في قرطاس، ويلقى على الجمر، فإذا احمر أخذ وأطفئ في قطران، ثم يؤخذ منه جزء، ومن زبد البحر ودار صيني ومر وسعد ورماد الشنج، من كل واحد جزء؛ ومن السكر ثلاثة أجزاء، ومن الكافور عشرة أجزاء؛ يسحق ويستن به، فإنه جيد.
تطيب رائحة الفم والنكهة - فمنها دواء يؤخذ ورد أحمر منزوع الأقماع، وصندل أبيض، وسعد، من كل واحد عشرة دراهم؛ سليخة وسنبل وقرفة وقرنفل وجوزبوا، من كل واحد أربعة دراهم؛ قشور الأترج المجففة وورقة، وإذخر وأشنة، من كل واحد خمسة دراهم سكر وعود هندي ومصطكاء وبسباسة وسك، من كل واحد درهمان، كافور نصف درهم؛ مسك نصف دانق؛ تدق الأصناف دقاً ناعماً، وتعجن بماء ورد، أو بماء ورق الأترج، وتحبب بقدر الحمص، وتمسك في الفم، فإنه جيد مجرب.
صفة حب آخر يزيل البخر
يؤخذ صبر صمغ ثلاثة دراهم، وفلفل وقرنفل وخولنجان وعاقر قرحى، من كل واحد درهم؛ مسك وكافور من كل واحد دانق؛ تدق هذه الأصناف دقاً ناعماً وتعجن بشراب ريحاني، وتحبب، وتستعمل كما تقدم.
ينفع من البخر
يؤخذ هال وقاقلة وجوزبوا ودارصيني وخولنجان، من كل واحد ثلاثة دراهم ورد أحمر وصندل أبيض من كل واحد خمسة دراهم كافور نصف درهم، مسك زنة دانق؛ الجميع دقاً ناعماً، ويعجن بماء ورد، ويحبب مثل الحمص وتمسك في الفم منه حبة واحدة.
صفة دواء آخر
تؤخذ سليخة، ودارصينين ورامك، وهال، وفقاح الإدخر، وأصول السوسن وكبابة وأشنة؛ تسحق هذه الأدوية، وتعجن بماء ورد، وتحبب مثل الحمص وتجعل في الفم منها تحت اللسان في كل يوم واحدة، فإنه جيد.
حب ملوكي
ذكره التميمي في كتابه، وقال: إنه أخذه عن أحمد بن أبي يعقوب؛ وهو: يؤخذ من العود الهندي سبعة دراهم، ومن القرنفل والبسباسة من كل واحد منهما أربعة درهم، ومن الكبابة والقاقلة من كل واحد ثلاثة دراهم، ومن السعد الكوفي الأبيض والصندل المقاصيري من كل واحد خمسة دراهمن ومن سك المسك مثقال، ومن الكافور نصف مثقال؛ تسحق هذه الأصناف، وتعجن بماء الورد وتحبب بقدر الحمص أو أكبر، وتجفف في الظل، ويأخذ منه حبة بالغداة فيديرها في فمه حتى تذوب، ويفعل مثل ذلك عند النوم.

(3/284)


وقال: هذا الحب إن شئت استعملته على هذه الصفة. وإن شئت تبخرت منه. وإن شئت سحقت منه حبة وأذبتها بماء ورد، وتطيبت بها وإن شئت سحقتها مثل الذريرة وتطيبت بها يابسة.
وإن حللت منه بالبان المنشوش كان مسوحاً طيباً شبيهاً بالغاية.
وإن حللت منه ثلاث حبات أو أربعاً بماء ورد ومسحت به على جسدك في الحمامن كلن طيباً لا بعده.
صفة حل آخر مثله يطيب النكهة، ويستعمل كما تقدم أيضاً يؤخذ عنبر ومسك وسك مسك وعود هندي، من كل واحد خزء؛ كافور رياحي ربع جزء، زعفران وقرنفل من كل واحد نصف جزء؛ تسحق هذه الأصناف، وتجمع، ويكون سحق العنبر مع العود، ثم يعجن جميع ذلك بماء الورد ويحبب كما تقدم، ويستعمل حبة بالغداة وأخرى عند النوم، فإنه ينفع لما ذكرناه وينفع الخفقان وعلل القلب. وقد أخذ هذا الفصل حقه، فلنرجع الى أدوية الباه.
أدوية تعين على الباه فمنها صفة دواء: يؤخذ حب البلسان ومقل أزرق وجاوشير وباذاورد، من كل واحد مثقال؛ تدق أفراداً، وتجمع بالسحق، وتحل بشراب، ويطلي بها الذكر، ويجامع بعد جفافه، ويحرص على أن ينحل الدواء في الفرج قبل الإنزال، فإنه نافع مجرب.
صفة دواء آخر
يؤخذ أفربيون وعاقر قرحي وجند بيدستر وسنبل وقسط وميعة سائلة، من كل واحد مثقالان؛ يسحق وينخل، ثم يجمع، ويحل بالميعة، ويرطب بشراب ريحاني، ويطلي الذكر منه، وتجامع المرأة بعد جفافه، فأنه نافع لذلك لا يخرم سيما اذا كاي عقيب طهر المرأة.
دواء آخر
يؤخذ ورق الغبيراء، يجفف، ويسحق سحقاً ناعماً، ويعجن بمرارة البقر، ويطلي به الذكر، ويجامع، فإنه يزيد في الباه ويعين على الحبل.
؟دواء آخر
يؤخذ بول الفيل، وتسقي منه المرأة وهي لا تعلم، ثم يجامعها، فإنها تحبل لوقتها بإذن الله تعالى.
صفة دواء آخر وهو من الأسرار
يطلي الذكر بلبن حليب، ويترك حتى يجف، ثم يجامع عقيب طهر المرأة فإنه غاية لذلك. قال صاحب كتاب " الإيضاح " : ينبغي لمن استعمل دواء من هذه الأدوية أن يقصد الجماع في الوقت الذي تطهر فيه المرأة من طمثها.
قال: وينبغي أن يرفع وركيها عند الإنزال، ويكون رأسها منكساً إلى أسفل فإن ذلك مما يعين على الحبل.
قال: وينبغي أنه إذا أحس بالإنزال أن يميل على جنبه الأيمنن وكذلك إذا نزع فإن الولد نكون ذكراً إن شاء الله تعالى.
وأما الأدوية التي تمنع الحبل - فيحتاج الرجل مع الأدوية أن يكون اعتماده في الجماع بضد ما تقدم، وذلك أن يجعل إنزاله فيل إنزالها، وأن ينهض عنها بسرعة، ولا يجامعها عقيب الطهر.
وأما الأدوية - فمنها صفة دواء يمنع من الحبل ويسقط الجنين: يؤخذ سذاب مجفف ونطرون، من كل واحد جزء؛ يسحقان وينخلان ويحلان بماء السذاب الرطب، ويطلي بذلك الإحليل، ويجامع.
دواء آخر مثله
تؤخذ قنة، تسحق بعصارة السذاب وماء الكسبرة الخضراء حتى تترطب ويطلي بها الذكر، ويجامع، فإنه يمنع الحبل ويسقط الجنين.
صفة دواء آخر يفعل ما تقدم
يؤخذ أبهل مثقالان؛ ورق سذاب مجفف، وفودنج يابس، من كل واحد نصف مثقال؛ فوة وسقمونيا ونطرون، من كل واحد مثقال؛ يدق ذلك وينخل ويسحق، ثم يجمع، ويحل بماء السذاب الرطب، أو بماء طفئ فيه الحديد ويجامع به فإنه شديد في منع الحبل وإسقاط الأجنة. ؟؟؟؟ وحيث ذكرنا ما قدمناه من الأدوية التي تزيد في الباه وتغزر المنى، وأشباه ذلك، وما وصلناه به، فلنذكر الأدوية التي تنقص الباه، وتسكن الشهوة، فإنه قد يحتاج الى ذلك في بعض الأوقات.
أدوية تنقص الباه
وتمنع من الجماع وتسكن الشهوة
وهذه الأدوية منها مفردة ومنها مركبة أما المفردة - فمنها البقلة الحمقاء، وهي الرجلة، وتسمى الفرفحين أيضا، ومنها الخس، والقرع والشهدابح، والعدس، والجمار، والشعير، والأشياء الحامضة كالحصرم والتوت، والرمان الحامض، وحماض الأترج، والخل، وعنب الثعلب، ومنها البطيخ والخيار والقثاء والسفرجل والمشمش وأشباه ذلك، ومنها الفودنج والمرماحوز والمرزنجوش والحرمل والكمون وبزر قطونا والكافور والبنج والورد والخلاف والإسفاناخ وكل دواء بارد يابس، فهذه المفردات.
وأما المركبات - فمنها أغذية وأدوية.
أما الأغذية - فمنها السماقيات، والحصرميات، والليمونيات، والسكباج والمصوص، والمضيرة

(3/285)


والعدس، والتمرية، والزبيبية، وما أشبه ذلك مما فيه خل أو حموضة .
وأما الأدوية - فمنها صفة دواء يقطع الشهوة، ويجمد المني.
تؤخذ كسبرة يابسة محمصة، وبزرقثاء، وبزر نرجس، وبزر كتان، وجلنار وتحمص البزور كلها.
ويؤخذ سماق، وحرمل وبنج أبيض، وقلقطار وقلقند، وصندل أبيض من كل واحد جزء، تجمع هذه الأدوية بعد سحقها ونخلها، وتعجن بالماء المعتصر من الورد والرجلة، وتحبب مثل الحمص، وتجفف في الظل، وترفع في إناء زجاج ويسد رأسه من الهواء، فإذا احتيج اليه اذيبت منه واحدة بلعاب بزر قطونا، ويطلى به الإحليل في كل أسبوع ثلاث مرات. وإن طليت به فقار الظهر وتكرر ذلك أياماً متواليات قطع النسل وأمات شهوة الجماع.
صفة دواء آخر يقطع شهوة الجماع البتة،
وهو من الخواص تؤخذ خصية السقنقور اليمنى، تجفف، وتسحق، وتذاب بماء السذاب الرطب، فمن شرب منه زنة قيراط قطع شهوته ونسله.
صفة دواء آخر
يضعف الإحليل ويكسر حدته ولايدعه ينتشر البتة، وهو الذي يستعمله كثيراً من الرهبان.
يؤخذ توبال النحاس، وتوبال الحديد، وتوتياء هندي، وشعر دب،وشعر ثعلب محرقان، وجلنار محرق، وجفت البلوط، وكافور، وجوز السرو محرقاً، وصندل أبيض من كل واحد جزء، تجمع بعد سحقها ونخلها، وتعجن بالماء المعتصر من السلق وتحبب مثل الحمص، وتجفف في الظل، وترفع في إناء من الزجاج، ويسد رأسه فإذا احتيج اليه تؤخذ منه حبه تحل بماء الكسبرة الخضراء، ويطلى بها الذكر ويرش منها أيضاً في السراويل.
الباب الحادي عشر
فيما يفعل بالخاصية
إعلم - وفقنا الله وإياك - أن الخواص كثيرة لا تكاد تنحصر، ولاتتعلل أفعالها فأحببنا أن نذكر منها طرفاً نخيم به هذا الفن.
ولنبدأ بما هو متعلق بالنكاح، ليكون القول فيه يتلو بعضه بعضاً.
ذكر الخواص المختصة بالنساء والنكاح التي استقرئت بالتجربة من خواص الهنود وهي، تأخذ رأس غراب أسود فأفرغ دماغه، واجعل موضع الدماغ شيئاً من تراب الموضع الذي تجلس فيه المرأة التي تريد، وشيئاً يسيراً من زبل الحمام، واجعل في ذلك سبع شعيرات، وادفنه في الأرض في موضع ند، فاذا نبت الشعير وصار طول أربع أصابع، فخذ منه، ثم ادلك به يدك، وامسح به على وجهك وذراعيك ثم استقبل به تلك المرأة ولا تكلمها، فإنها تسعى في أثرك، ولاتطيق الصبر عنك.
قال: وهو من الأسرار الخفية، فاعرفه.
سر آخر قال صاحب الخواص: خذ أظفار الهدهد وأظفار نفسك، فأحرقهما جميعاً واسحقهما حتى يصيرا ذروراً، ثم اجعل ذلك في قدح طلاء، واسقه أي امرأة أردت وهي لاتعلم، فإنها تميل اليك، وتحب القرب منك جداً.
سر آخر لجعفر الطوسي قال: إذا أخذت لسان ضفدعة خضراء، ووضعته على قلب امرأة نائمة أخبرتك بجميع ما عملت في ذلك اليوم.
قال: وإن بخرت فراش امرأة بشيء من ضفدعة خضراء وهي لاتعلم ثم نامت عليه، فإنها تتكلم في نومها بجميع ما عملته.
قال: وكذلك اذا أخذت عين الرخمة أو عين كلب ميت وأصل الخس ثم ربطت ذلك في حرقة كتان، ووضعته على سرة امرأة نائمة، أخبرتك بجميع ما عملته.
وقال حنين بن إسحاق: اذا أردت أن تعلم أن المرأة بكر أو ثيب، فمرها أن تأخذ ثومة مقشورة وتنخسها في عدة مواضع، ثم تحملها في فرجها ليلة، فاذا أصبحت فاستنكهها، فإن وجدت رائحة الثوم في فيها فهي ثيب، وإن لم تجد فيه رائحة فهي بكر. وبذلك أيضاً تعرف حملها، فإن وجدت للثوم رائحة فهي غير حامل وإن لم تجدها فهي حامل.
قال: وإذا أردت أن تخبر حال امرأة، وهل بقيت تحمل أم لا فمرها أن تأخذ زراوندا مدحرجاً، وتسحقه بمرارة البقر، ثم تحمله بعد طهرها ليلة، فإذا أصبحت، فإن وجدت طعمة في فيها فهي تحمل، وإلا فهي عاقر.
وقال صاحب كتاب فردوس الحكمة: إذا تبخرت المرأة بحافر فرس أو حافر بغل أو حمار أسقطت الولد والمشيمة؛ وإذا تحملت به بعد الجماع لم تحبل.
قال: ومن طلى ذكره بمرارة دجاجة سوداء ثم جامع امرأة لم تحمل بعد ذلك أبداً.
وقال جابر بن حيان: إذا أخذت المرأة حبة خروع وغمضت عينيها وابتلعتها لم تحبل سنة.
قال: وإن ابتلعت حبتين لم تحمل سنتين؛ وإن ابتلعت ثلاثاً فثلاث، وكذلك كلما زادت كانت كل حبة بسنة.
وقال: وإذا أخذ رأس خشاف ووضع تحت رأس امرأة عند الجماع، لم تحبل من ذلك الوطء.

(3/286)


قال: وإن أخذ شوكران وسحق وعجن بلبن رمكة وجعل في صرة، وربط في عضد المرأة الأيسر، لم تحبل أبداً ما دام عليها.
قال: وإن شربت المرأة بول كبش لم تحبل أبداً.وكذلك إن شربت من رغا الجمل الهائج لم تحبل أبداً.
وقال شرك الهندي: إذا أردت ذهاب غيرة المرأة فلا تغار من ضرتها ولا من وطء جارية، فاسقيها دماغ أرنب بشراب وهي لاتعلم.
قال: إن سقيت مرارة ذئب بعسل وهي لاتعلم ذهبت غيرتها.
ومما يذهب غيرة المرأة أن تسقى غبار دقيق الشعير من الرحى الدائرة بماء المطر فإنه جيد في ذهاب الغيرة.
قالوا: وإذا شدت في مقنعة امرأة دودة حمراء وهي لا تعلم هاجت شهوتها واغتلمت أمراً عظيماً. وإذا أخذ من الزنجار جزء، ومن النشادر نصف جزء، وجعلا في الماء الذي تستنجى به المرأة؛ اغتلمت وطلبت الجماع. وكذلك إذا أخذ من الأقحوان والأبهل والأشنان الأحمر من كل واحد جزء ودق ذلك، وسحق، وعجن بدهن البان، وحملته المرأة، ثارت بها شهوة الجماع.
وإذا أخذ قضيب الثور الأحمر وجفف في الظل، وسحق، وشربت منه المرأة وزن مثقال بنبيذ صرف، قطع عنها شهوة الجماع.
وإذا أخذت قضيب الذئب قبل طلوع الشمس أو بعد غروبها بحيث لا براه الشمي، وقطعته، ثم جففته في الظل، وسحقته، وأسقيته امرأة، فإنها تبغض الرجال، وتذهب عنها شهوة الباه.
وإذا أخذت شجرة مريم وسحقتها وعجنتها بماء النعناع، وحببتها كل حبة زنة نصف دانق، وسقيت منها امرأة حبة، انقطعت شهوتها سنة.
وكذلك مهما زدت كانت كل حبة بسنة.
شيء من الحواص
غير ما تقدم ذكره من ذلك طلسم يجعل على المائدة فلا يقربها ذباب يؤخذ كندس وزرنيخ أصفر، وكمأة يابسة، أجزاء متساوية؛ يسحق جميع ذلك، ويعجن بماء العنصل، ويجعل منه مثال، ويدهن بالزيت فإن الذباب لا يقرب من المكان الذي يوضع فيه.
سام أبرص إذا جعل في قصبة فارسية أحد رأسيها مسدود، ثم يسد الآخر بشمعة، وتعلق القصبة بما فيها على من به عرق النساء على وركه من الجانب الذي به الوجع، فإن وجعه يتناقص بقدر ما يضعف سام أبرص، فإذا مات في القصبة زال الوجع كله.
الأفسنتين الرومي يمنع السوس عن الثياب؛ وفساد الهوام؛ ويمنع الحبر والمداد أن يتغيرا، والكاغد أن يعث أو يقرض.
قشر الأترج إذا جعل في الثياب حماها من السوس.
الساذج الهندي إذا نثر في الثياب حفظها من السوس.
الخربق إذا جعل مع الثياب التي ترفع لم يقر بها السوس.
عود الريح وورق النعناع مثل ذلك.
يكتب على بيضتين بعد سلقهما وقشرهما، على الأولى: والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون؛ وعلى الثانية: والأرض فرشناها فنعم الماهدون، ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون؛ ويكتب بعد ذلك على كل منهما قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين وتعطى الأولى للمرأة، والثانية للرجل؛ ويعطى كل منهما لصاحبه البيضة التي أعطيها يأكلها، فإن ذلك يحل المعقود.
مرارة الخطاف إن شربت وشرب في عقبها اللبن الحليب، سودت شعر اللحية والرأس.
إذا غرز في طرف القرع قطع من حديد وهو متصل بأصله، ولم ينفذ إلى الجانب الآخر، وطلي عليه بالطين الأصفر، وترك في أصله إلى أن يدرك ويجف ويؤخذ ما في جوفه، وهو كالحبر، ويحل بعسل نحل من غير نار، ويستعمل منه في كل غداة قدر البندقية - وإن حل برب العنب فهو أجود، وهو الميبختج - فإنه يسود الشعر إن داوم عليه.
خواص الحروف والأسماء
خواص الحروف والأسماء كثيرة، قد ذكرها البوني؛ فمنها ما عرفوا تأثيراته بطوالع، وقيدوه بأوقات؛ ومنها ما ليس له وقت مخصوص، وهو الذي أورد منه في هذا الموضع ما تقف عليه إنشاء الله تعالى.
قال الشيخ جمال الدين أبو العباس أحمد بن أبي الحسن القرشي البوني - رحمه الله تعالى - في كتابه المترجم بلطائف الإشارات في أسرار الحروف العلويات: من نقش حرف الحاء في فص خاتم ثماني مرات، ونقش معه " ياحي يا حليم يا حنان يا حكيم " ، أمن من الحميات كلها.
وإن هو جعله في ماء وسقى منه المحمومين خفف ما بهم.
وإن داموا على الشرب ذلك الماء والابتراد به ذهبت الحميات كلها. وكذلك ينفع المحرورين من أهل الصفراء.
قال: ولا يكثر من لبسه كبير السن.
قال: ومن خاصيته تعطيل حركة النكاح.

(3/287)


قال: وإن حمله الشاب فهو أوفق للختم به، ولا يحمله في يوم السبت ولافي يوم الاثنين، ويحمله فيما عداهما من الأيام.
وفيه لمن أمسكه ذهاب العطش وكثرة شرب الماء.
وإن علق في بستان نمى ثمره، وكثرت نضارته.
قال: ومن قال عند طلوع الشمس: " ياحي يا حليم يا حنان يا حكيم " ومن الأسماء المقدسة ما أوله حاء في زمن القيظ، يذكر ذلك حتى تنقلب الشمس في رأي عينه خضراء وهو ناظر إليها، لم يحس في يومه ذلك ألم الحر.
قال: ومن كتب اسمه " الجبار وذا الجلال " في بطاقة أي وقت شاء وهو على طهارة، وجعلها في خاتمه أو بين عينه وقت جلوسه بين الناس، رزقه الله الهيبة والتعظيم.
ومن كتب اسم الله " الجميل والجواد " في بطاقة أي وقت شاء، وتختم بها أو حملها وقت دخوله بين أحبابه أو منزله، حسنة الله تعالى، وجمل ظاهره وباطنه.
قال: ومن كتب " محمد رسول الله " خمسة وثلاثين مرة، " أحمد رسول الله " خمسة وثلاثين مرة في يوم جمعة بعد صلاة الجمعة وحملها معه. رزقه الله تعالى قوة في الطاعة، وتقوية على البركله، وكفاه الله تعالى همرات الشياطين.
وإن هو أدام النظر إلى تلك البطاقة كل عند طلوع الشمس وهو يصلي على محمد صلى الله عليه وسلم، كثرت رؤياه للنبي صلى الله عليه وسلم، ويسر الله تعالى عليه في يومه ذلك أسباب السعادة، وذلك بحسن القبول وعقد النية وصفاء الباطن.
قال: ومن نقش اسم الله الخبير على فص مهما يكن يوم الجمعة أو يوم الإثنين أول ساعة من النهار، واحتمل هذا الفص في فمه، لم ينله وصب العطش.
وإن هو جعله في كوز ماء وشرب منه، أسرع له الري، ولم يطلب الماء بعده.
ومن كتب: إن الله عزيز ذو انتقام أربع مرات، وعلقها عليه، لم يقر به شيطان، ولم يصبه، ولا يقرب البيت الذي يكون فيه.
قال: ومن كتب الصاد ستين مرة في بطاقة وحملها غلب خصمه.
ومن علقها عليه وهو صائم، أمن من الجوع بإذن الله تعالى.
قال: ومن كتب الصاد ستين مرة في عصابة، وعصب بها من يشتكي الصداع، بريء إن شاء الله تعالى.
وقال: إذا نقش حرف الطاء في لوح من مشمش والشمس في السعود تسع طاءات، وخمس هاءات وحملها إنسان، قهر الله عنه قلوب الجبارين من الشياطين والإنس، وربما أنه كثيرا ما يرى النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن استدام إمساكه على طهارة، أورثه ذلك حمى الدق.
قال: ولا يحب أعمال البر كلها، ولا يقدر أن يبقى ساعة بغير طهارة. وإن علق على من يشتكي ألم الرأس، هون الله تعالى عليه ذلك.
وإن ألقاه في كوز الماء وشرب من ذلك الماء، رأى بركة في ذاته من محبة الخير، وانشراح الباطن، واتساع الصدر.
قال: ومن كتبها في تسع من الشهر، أو ثمانية عشر، أو في سبعة وعشرين عددها، وخمس هاءات معها، وعلقها على نفسه، أمن من الهوام.
قال: ومن نقش حرف العين سبعين مرة يوم الجمعة وقت الأذان، في خرقة حرير بيضاء، وركبها على خاتم قلعي أو قمر، وتختم به، نطق بالحكمة، ويسر الله عليه الفهم الثاقب؛ ويكون تعليقه بإزاء قلبه، ولا يعلقه عليه عند نومه، فإنه يرى خيالات كثيرة.
قال: ومن أكثر من ذكر اسمه العزيز، نال عزة في دينه إن يكن من أهل الديانات، وعزة في دنياه إن يكن من أهل الدنيا.
قال: ومن كتب حرف القاف في الهلال مائة مرة ومحاه بماء وشربه أمن من الرطوبات العارضة، وجاد فهمه، وقوي حفطه؛ ولا يداوم ذلك لئلا يفرط به اليبس.
ومن كتبه في ورقة رند مائة مرة، وغلاها في زيت زيتون، ودهن به المفلوجين وأهل النزلات الهوائية، نفعهم.
قال: ومن ذكر من أسماء الله تعالى ما فيه كاسمه القادر والقيوم والقوي، وما أشبه ذلك، فمن استعمل ذلك الذكر ممن يشتكي الضعف والفزع واستدام عليه بعقد نية وجمع همة، رزقه الله تعالى القوة، ويسر له أسباب الخروج من الجزع.
قال: ومن نقش حرف الكاف في خاتم عشرين مرة، أو كتبه في خرقة حرير، وطواها، وجعلها تحت فص خاتم، فإن لابسه لا يرد كلامه إلا بخير؛ وينفع لملاقاة الجبارين ودفع ضررهم.
قال: ومن نقش حرف النون بالعربي في فص خاتم خمس نونات، وعلقه على من يشتكي معدته أو خفقان قلبه على موضع الألم، سكن بإذن الله تعالى.
قال: ومن كتب حرف الواو ست مرات في ورقة وعلقها عليه، أمن من الصداع العارض من اليبوسة، وحسبه.

(3/288)


ومن نقشه في فص مها أو فضة وجعله في فيه، وكان به بلغم يجفف الفم، فإنه يكون برأه إن شاء الله تعالى.
ومن علقه عليه أمن من حمى الربع.
والخواص كثيرة؛ وفيما أوردناه منها كفاية.
3
- الفن الخامس ويشتمل على خمسة أقسام
التاريخ
قال الله تعالى: " أولم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون ويمشون في مساكنهم إن لفي ذلك لآيات أفلا يسمعون " وقال تعالى: " أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة آثاراً في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون " إلى غير ذلك من الآي.
والتاريخ مما يحتاج إليه الملك والوزير، والقائد والأمير، والكاتب والمشير والغني والفقير، والبادي والحاضر، والمقيم والمسافر.
فالملك يعتبر بما مضى من الدول ومن سلف من الأمم، والوزير يقتدي بأفعال من تقدمه ممن حاز فضيلتي السيف والقلم؛ وقائد الجيش يطلع منه على مكايد الحرب،ومواقف الطعن والضرب؛ والمشير يتدبر الرأي فلا يصدره إلا عن رويه ويتأمل الأمر فكأنه أعطى درجة المعية وحاز فضيلة الألمعيه؛ والكاتب يستشهد به في رسائله وكتبه، ويتوسع به إذا ضاق عليه المجال في سربه، والغنى يحمد الله تعالى على ما أولاه من نعمه ورزقه من نواله، وينفق مما آتاه الله إذا علم أنه لابد من زواله وانتقاله؛ والفقير يرغب في الزهد لعلمه أن الدنيا لا تدوم، وليتقنه أن سعتها بضيقها لا تقوم. ومن عدا هؤلاء يسمعه على سبيل المسامره، ووجه المحاضرة والمذاكره؛ والرغبة في الأطلاع على أخبار الأمم، ومعرفة أيام العرب وحروب العجم.
فقد تبين بهذه المقدمة تعويل الأمر عليه، وميل المرء إليه.
وسأورد إن شاء الله في هذا الفن جملا من تواريخ الأمم السافلة والعصور الخاليه، وأطرزه من القصص والسير بما تصبح به صفحات الطروس حاليه.
ولما رأيت غالب من أرخ في الملة الإسلامية وضع التاريخ على حكم السنين ومساقها، لا الدول وآتساقها؛ علمت أن ذلك ربما قطع على المطالع لذة واقعة أستحلاها، وقضية أستجلاها؛ فآنقضت أخبار السنة ولا أستوعب تكملة فصولها ولا انتهى إلى جملتها وتفصيلها؛ وأنتقل المؤرخ بدخول السنة التي تليها من تلك الوقائع وأخبارها، والممالك وآثارها، والدولة وسيرها، والحالة وخبرها؛ فتنقل من الشرق إلى الغرب، وعدل عن السلم إلى الحرب؛ وعطف من الجنوب إلى الشمال وتحول من البكر إلى الآصال؛ وقد تجول به خيل الأستطراد فيبعد، وتحول بينه وبين مقصده السنون فيغور تارة وتارة ينجد، فلا يرجع المطالع إلى ما كان قد أهمه إلا بعد مشقة، وقد يعدل عنه إذا طالت المسافة وبعدت عليه الشقة.
فاخترت أن أقيم التاريخ دولاُ، ولا أبغى عن دولة إذا شرعت فيها حولاُ؛ حتى أسردها من أوائلها إلى أواخرها، وأذكر جملاً من وقائعها ومآثرها؛ وسياقة أخبار ملوكها، ونظم عقود سلوكها؛ ومقر ممالكه، وتشعب مسالكها.
فإذا انقضت دمتها، وانقرضت عدتها؛ وانتقلت من العين إلى الأثر، ومن العيان إلى الخبر؛ رجعت إلى غيرها فقفوت أثرها، وشرحت خبرها، وبينت خبرها؛ وذكرت أسبابها، وسردت أنسابها؛ وبدأت بأصلها، وتفوهت بأخبار من نبغ من أهلها؛ واستقصيتها دولة بعد دوله، وجالت بي خيول المطالعة جولة ناهيك بها منجوله؛ ورغبت مع ذلك في الأختصار دون الأقتصار، وأوردت ما يحتاج إلى إيراده من غير تكرار أو إكثار.
فإن عرضت واقعة كانت بين ملكين كان وقتهما واحداً، مكان الدهر لأحدهما على الأخر مساعداً؛ شرحتها بجملته في أخبار الظافر منهما؛ وأحلت في أخبار المغلوب عليها، وأكتفيت بإيرادها في أحد الموضعين ولم أعرج في الآخر إلا بإشارة إليها.
وجريت في تقسيم هذا الفن على القاعدة التي تقدمت فيما قبله من الفنون ليكن أبسط للنفوس وأنشط للخواطر وأقر للعيون؛ وجعلته خمسة أقسام، ووضعته على أحسن أتساق وأكمل أنتظام.
القسم الأول مبدأ خلق آدم وحواء وأخبارهما ومن كان بعد آدم إلى نهاية خبر أصحاب الرس، وفيه ثمانية أبواب: الباب الأول - في مبدأ خلق آدم وحواء - عليهما السلام - وما كان من أخبارهما إلى حين وفاتهما.
الباب الثاني - في خبر شيث بن آدم - عليه السلام - وأولاده.
الباب الثالث - في أخبار إدريس النبي عليه السلام.
الباب الرابع - في قصة نوح - عليه السلام - وخبر الطوفان.

(3/289)


الباب الخامس - في قصة هود - عليه السلام - مع عاد وهلاكهم بالريح العقيم.
الباب السادس - في قصة صالح - عليه السلام - مع ثمود وعقرهم الناقة وهلاكهم.
الباب السابع - في أخبار أصحاب البئر المعطلة والقصر المشيد وهلاكهم.
الباب الثامن - في خبر أصحاب الرس، وما كان من أمرهم.
؟؟القسم الثاني في قصة إبراهيم الخليل - عليه الصلاة والسلام - وخبره مع النمروذ " لعنه الله " وقصة لوط وخبر إسحاق ويعقوب، وتقصة يوسف وأيوب وذي الكفل وشعيب - عليهم السلام - وفيه سبعة أبواب: الباب الأوال - في قصة إبراهيم الخليل - عليه السلام - وأخبار نمروذ بن كنعان.
الباب الثاني - في خبر لوط مع قومه وقلب المدائن.
الباب الثالث - في خبر إسحاق ويعقوب عليهما السلام.
الباب الرابع - في قصة يوسف بن يعقوب عليهما السلام.
الباب الخامس - في قصة أيوب - عليه السلام - وابتلائه وعافيته.
الباب السادس - في خبر ذي الكفل بن أيوب عليهما السلام.
الباب السابع - في خبر شعيب - عليه السلام - وقصته مع مدين.
القسم الثالث يشتمل على قصة موسى بن عمران - عليه السلام - وخبره مع فرعون وخبر يوشع ومن بعده وخبر حزقيل وإلياس واليسع وغيلا وأشمويل وطالوت وجالوت ودلود وسليمان وسعيا وإرمياء وخبر بختنصر وخراب بيت المقدس وعمارته وما يتصل بذلك من خبر عزيز وقصة يونس بن متى وخبر بلوقيا وخبر زكريا ويحيى وعمران ومريم وعيسى - عليهم السلام - وخبر الحواريين وما كان من أمرهم وخبر جرجيس، وفيه ستة أبواب: وذيلت هذاالقسم ذيلاً يشتمل على أبواب أربعة، ذكرت ما فيها ما قيل عن الحوادث التي تظهر قبل نزول عيسى - عليه السلام - إلى الأرض، وأخبار المهدي والدجال، ونزول عيسى - عليه السلام - ومدة إقامته في الأرض ووفاته وما يكون بعده، وشيئاً من أخبار الحشر والمعاد.
وإنما ذكرت هذا الذيل في هذا الموضع - وإن كان غير داخل في فن التاريخ - لأن النفوس لما كانت مائلة إلى الاطلاع على أخبار ما مضى من الزمان ومن سلف الأمم، فميلها إلى الاطلاع على ما يظهر في مستقبل الزمان أكثر وتشوقها إليه أوفر، فأوردت ما أذكره لهذا السبب، ولأن كتابنا هذا ليس مبناه على مجرد التاريخ بل هو كتاب أدب، لا تخرجه هذه الزيادة عن شرطه.
الباب الأول - في قصة موسى بن عمران وهرون عليهما السلام وغرق فرعون، وأخبار بني إسرائيل وخبر قارون وحروب مو سى وخبر الجبارين وبلعم وغير ذلك.
الباب الثاني - فيما كان بعد موسى بن عمران - عليه السلام - وهو أخبار يوشع وخبر حزقيل وإلياس ويسع وغيلا وأشمويل وطالوت وجالوت وداود وسليمان - عليهم السلام - ومن بعدهم.
الباب الثالث - في أخبار سعيا وارمياء وخبر بختنصر وخراب بيت المقدس وعمارته، وما يتصل بذلك من خبر عزير.
الباب الرابع - في قصة ذي النون يونس بن متى - عليه السلام - وخبر بلوقيا.
الباب الخامس - في خبر زكريا ويحيى وعمران ومريم ابنته وعيسى ابن مريم عليهم السلام.
الباب السادس - في أخبار الحواريين الذين أرسلهم عيسى وما كان من أمرهم وخبر جرجيس.
؟التذييل على هذا القسم، وفيه أربعة أبواب الباب الأول - في ذكر الحوادث التي تظهر قبل نزول عيسى بن مريم عليه السلام.
الباب الثاني - في خبر نزول عيسى إلى الأرض وقتل الدجال وخروج يأجوج ومأجوج وإفسادهم وهلاكهم، ووفاة عيسى عليه السلام.
الباب الثالث - في ذكر ما يكون بعد وفاة عيسى بن مريم إلى النفخة الأولى.
الباب الرابع - في أخبار يوم القيامة والحشر والمعاد والنفخة الثانية في الصور.
القسم الرابع في أخبار ملوك الأصقاع، وملوك الأمم والطوائف، وخبر سيل العرم، ووقائع العرب في الجاهلية، وفيه خمسة أبواب الباب الأول - في أخبار ذي القرنين المذكور في كتاب الله عز وجل.
الباب الثاني - في أخبار ملوك الأصقاع، وهم ملوك مصر والهند والصين والترك وجبل الفتح.
الباب الثالث - في أخبار ملوك الأمم من الأعاجم، وهم ملوك الفرس الأول، وملوك الطوائف من الفرس، والملوك الساسانية منهم، وملوك اليونان والسريان والكلدانيين والروم والصقالبة، والنوبرد والفرنجة والجلالقة وطوائف السودان.
الباب الرابع - في أخبار ملوك العرب، وما يتصل بها من خبر سيل العرم.

(3/290)


الباب الخامس - في أيام العرب ووقائعها في الجاهلية.
القسم الخامس في أخبار الملة الإسلامية وذكر شيء من سيرة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - وأيام الخلفاء من بعده - رضي الله عنهم - والدولة الأموية والعباسية والعلوية ودول ملوك الإسلام وأخبارهم، وما فتح الله عليهم، وفيه اثنا عشر بابا.
الباب الأول - في سيرة سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
الباب الثاني - في أخبار الخلفاء من بعده: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وابنه الحسن - رضي الله عنهم.
الباب الثالث - في أخبار الدولة الأموية بالشام وغيره.
الباب الرابع - في أخبار الدولة العباسية بالعراق ومصر.
الباب الخامس - في أخبار الدولة الأموية بالأندلس، وأخبار الأندلس بعد انقراض دولتهم.
الباب السادس - في أخبار إفريقية وبلاد المغرب ومن وليها من العمال، ومن استقل بالملك.
الباب السابع - في أخبار من نهض في طلب الخلافة من الطالبين في الدولتين: الأموية والعباسية فقتل دونها بعد مقتل الحسين بن علي - رضي الله عنهما.
الباب الثامن - في أخبار صاحب الزنج والقرامطة والخوارج ببلاد الموصل.
الباب التاسع - في أخبار من استقل بالملك والممالك في البلاد الشرقية والشمالية في خلال الدولة العباسية، وهم ملوك خراسان وما وراء النهر والجبال وطبرستان وغزنة والغور وبلاد السند والهند، كالدولة السامانية، والدولة الصفارية، والدولة الغزنوية، والدولة الغورية، والدولة الديلمية الختلية.
الباب العاشر - في أخبار ملوك العراق وما والاه، وملوك الموصل والديار الجزيرية والديار اليكرية والبلاد الشامية والحلبية، كالدولة الحمدانية، والدولة الديلمية البويهية، والدولة السلجقية، والدولة الأتابكية.
الباب الحادي عشر - في أخبار الدولة الخوارزمية والدولة الجنكزخانية وهي دولتا التتار " جنكزخان وأولاده " وما تفرع منها.
الباب الثاني عشر - في أخبار ملوك الديار المصرية الذين ملكوا في خلال الدولة العباسية نيابة عن خلفائها، وهم الملوك الطولونية والملوك الإخشيدية، ومن استقل بملكها وانتزعها وأخرجها من يد نواب خلفاء الدولة العباسية، وهم الملوك العبيديون الذين انتسبوا إلى العلويين، وما كان من أمرهم ابتدائه إلى انتهائه وما ملكوه من بلاد المغرب، وكيف استولوا على الديار المصرية والبلاد الشامية والثغور الساحلية، وانقراض دولتهم، وقيام الدولة الأيوبية وأخبار ملوكها بمصر والشام إلى حين انقراضها، وقيام دولة الترك ومن ملك منهم وما حازوه من الأقاليم وما فتحوه من الممالك واستنقذوه من أيدي الإفرنج والأرمن والتتار وغيرهم وما استقر في ملك هذه الدولة من الممالك إلى حين وضعنا لهذا التأليف في سنة ...وسبعمائة في أيام مولانا السلطان السيد الأجل المالك " الملك الناصر " ناصر الدنيا والدين، محمد ابن السلطان الشهيد المالك، الملك المنصور سيف الدنيا والدين " قلاوون " الصالحي، خلد الله تعالى ملكه على ممر الزمان، وسقى عهد والده صوب الرحمة والرضوان.
هذا جملة ما اشتمل عليه هذا الفن من الأقسام والأبواب، والله تعالى المرشد والهادي والموفق إلى الصواب، بمنه وكرمه، إنه على ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير.
القسم الأول من الفن الخامس
آدم وحواء
ودخولهما الجنة، وما كان بينهما وبين إبليس - لعنه الله - وهبوطهما إلى الأرض واجتماعهما بعد الفرقة، وخبر حرثه وزرعه، وخبر ابني آدم هابيل وقابيل، ونبوة آدم - عليه السىلام - ووفاته، وخبر سيث وأولاده، وقصة إدريس ونوح وهود وصالح - عليهم السلام - وخبر أصحاب البئر المعطلة والقصر المشيد، وخبر أصحاب الرس، وفيه ثمانية أبواب.
الباب الأول - من هذا القسم في مبدأ خلق آدم وحواء - عليهما السلام - وما كان من أخبارهما إلى حين وفاتهما.
مبدأ خلق آدم
خلق الله تبارك وتعالى آدم - عليه السلام - من تراب، بدليل قوله عز وجل " ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون " قوقله تعالى " إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب " وقوله تعالى إخبار عن إبليس: " قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين " وهذا أمر بين واضح لا خلاف فيه، ولا يحتاج إلى زيادة في إقامة دليل وإيضاح.

(3/291)


وقيل: إنما سمي آدم لأن الله تعالى خلقه من أديم الأرض.
وعن وهب بن منبه أن رأسه من الأرض الأولى، وعنقه من الثانية، وصدره من الثالثة، ويديه من الرابعة، وبطنه وظهره من الخامسة، وفخذه ومذاكيره وعجزه من السادسة، وساقيه وقدميه من السابعة.
وعن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - أن الله تعالى خلقه من الأقاليم السبعة.
وقيل: إن عز رائيل أخذ من تراب الأرض كلها أبيضها وأحمرها وأسودها وعذبها ومالحها، فهو مخلووق من ذلك الترابز قال: ولما خلقه الله - عز وجل - صوصره على هذه الصورة الآدمية، أمر الملائكة أن يحملوه ويضعوه على باب الجنة عند ممر الملائكة، وكام جسداً لا روح فيه، فكانت الملائكة يعجبون من خلقته وصورته، لأنهم لم يكونوا رأوا مثله قط، وكان إبليس يطيل النظر إليه ويقول: ما خلق الله تعالى هذا إلا لأمر، وربما دخل فيه، فإذا خرج قال: إنه خلق ضعيف، خلق من طين أجوف، والأجوف لا بد له من مطعم ومشرب.
ويقال: إنه قال للملائكة: ما تعملون إذا فضل هذا المخلوق عليكم؟ فقالوا: نطيع أمر ربنا ولا نعصيه، فقال إبليس: إن فضله علي لأعصينه، وإن فضلني عليه لأهلكنه.
دخول الروح فيه قال: ولما أراد الله تعالى نفخ الروح فيه أمر بروحه فغمست في جميع الأنوار وليست كأرواح الملائكة ولا غيرها من المخلوقات.
قال الله تعالى " فإذا سويته ونفخت فيه من روحي " الآية.
وقال تعالى: " ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي " الآية.
قال: فأمرها الله تعالى أن تدخل في جسد آدم بالتأني دون استعجال فرأت مدخلاً ضيقاً حرجاً، فقالت: يا رب، كيف أدخل؟ فنوديت " ادخلي كرهاً واخرجي كرهاً " فدخلت من يافوخه إلى عينيه، ففتحهما آدم ونظر إلى نفسه طيناً، ثم صارت إلى أذنيه، فسمع تسبيح الملائكة، وجعلت الروح يمر في رأسه والملائكة ينظرون إليه، ثم صارت إلى الخياشيم، فعطس، فانفتحت المجاري المسدودة، وصارت إلى اللسان؛ فقال آدم " الحمد لله الذي لم يزل ولا يزول " وهي أول كلمة قالها، فناداه الرب: " يرحمك ربك يا آدم، لهذا خلقتك، وهذا لك ولذريتك " ، وسارت الروح في جسده حتى بلغت الساقين، فصار آدم لحماً ودماً وعظماً وعروقاً، غير أن رجليه من طين؛ فذهب ليقوم فلم يقدر وهو قوله تعالى " وكان الإنسان عجولا " .
فلما صارت إلى الساقين والقدمين استوى قائماً على قدميه يوم الجمعة.
فقيل: إن الروح استوت في جسده في خمسمائة عام عند نزول الشمس.
سجود الملائكة لآدم قال: فلما استوى قائماً أمر الله الملائكة بالسجود له؛ فسجدوا كلهم إلا إبليس، كما أخبر الله تعالى عنه؛ قال الله تعالى: " فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين " الآيات.
قال: وكان السجود لآدم يوم الجمعة عند الزوال، فبقيت الملائكة في سجودها إلى العصر.
قال وعلم الله تعالى آدم الأسماء كلها واللغات بأجمعها.
قال ابن عباس - رضي الله عنهما - علمه حتى لغة الحيتان والضفادع وجميع ما في البر والبحر، ثم أمر الملائكة أن يحملوه على أكتافهم، ويطوفون به في طرائق السموات؛ ففعلوا ذلك.
ثم أمر جبريل أن ينادي في صفوف الملائكة أن يجتمعوا؛ فاجتمعوا واصطفوا عشرين ألف صف، ووضع لآدم منبر الكرامةة، وعليه ثياب السندس الأخضر وةله نضفيرتان محشوتان بالمسك والعنبر بطوله، وعلى رأسه تاج من ذهب مرصع بالدر والجوهر، فانتصب على المنبر، وسلم على الملائكة، فأحابته برد السلام وخطب فحمد الله، ثم ذكر علم السموات والأرضين وما فيهما، وذلك قوله تعالى: " وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العلنيم الحكيم قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم أني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون " .
ونزل آدم عن منبره، فجيء بقطف من عنب أبيض فأكله، وهو أول شيء أكله من طعام الجنة، ثم أخذته سنة فنام.
خلق حواء

(3/292)


قال: ولما نام آدم خلق الله تعالى حواء من جنبه الأيسر، من ضلعه مما يلي الشرسوف، وهو ضلع أعوج، قال الله تعالى: " يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها " فكانت على طول آدم وحسنه وجماله، إلا أنها أرق جلداً منه، وأحسن صوتاً، ولها ضفائر مرصعة محشوة بالمسك تسمع لذوائبها خشخشة، فجلست عند رأسه، فانتبه فرآها، فتمكن حبها من قلبه، فقال: يا رب، من هذه؟ قال: أمتي حواء.
فقال: يا رب لمن خلقتها؟ قال: لمن أخذها بالأمانة، وأصدقها الشكر.
قال: يا رب، أنا أقبلها على هذا فزوجنيها.
فزوجها إياه قبل دخول الجنة على الطاعة والتقوى والعمل الصالح، ونثرت عليهما الملائكة من ثنار الجنة، وأوحى الله إلى آدم، أن اذكر نعمتي عليك، فإني خلقتك ببديع فطرتي، وسويتك بشراً على مشيئتي، ونفخت فيك من روحي، وأسجدت لم ملائكتي، وحملتك على أكتافهم، وجعلتك خطيبهم، وأطلقت على لسانك جميع اللغات، وجعلت ذلك كله فخراً وشرفاً لك، وهذا إبليس قد أبلسته ولعنته حين أبى أن يسجد لك، وقد خختمت كرامتي لك بأمتي حواء، وقد بنيت لكما دار الحيوان من قبل أن أخلقكما بألفي عام، على أن تدخخلاها بعهدي وأمانتي.
عرض الأمانة على آدم قال الله تعالى: " إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً " .
قال: وهي أن يكافأوا على الإحسان، ويعذبوا على الإساءة، فأبوا؛ فعرضت على آدم، فقيل له: إن أطعت كافأتك بالإحسان، وخلدتك في الجنان، وإن تركت عهدي أخرجتك من داري، وعذبتك بناري.
فقبل آدم الأمانة، فعجب الملائكة من ذلك، ثم مثل له ولحواء إبليس، وقيل له: " هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى " .
ثم ناداهما الرب: إن من عهدي إليكما وأمانتي أن تدخلا الجنة " فكلا منها رغداً حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين " فقبلا هذه العهود كلها.
ثم أمر الله تعالى بإدخالهما الحنة، فحمل آدم على الفرس الميمون، وحواء وراءه على الناقة، والملائكة عن اليمين والشمال وأمامهما وخلفهما حتى بلغوا باب الجنة ودخلا واستقرا بجنة عدن في وسط الجنة بعد أن طافا بالجنان، فقدم إليهما من فواكه الجنة فأكلا، فكانا في الجنة خمسمائة عام من أعوام الدنيا في أتم سرور وأنعم الأحوال.
إبليس والطاوس والحية قال: ولما سمع إبليس أن الله تعالى أباح لآدم أن يأكل من ثمار الجنة إلا شجرة واحدة، فرح بذلك، وقال: لأخرجنهما من الجنة.
ثم مر مستخفياً في طرقات السموات حتى وقف على باب الجنة، فإذا الطاوس قد خرج من الجنة وله جناحان إذا نشرهما غطى سدرة بهما المنتهى، وله ذنب من الياقوت الأحمر، وهو أطيب طيور الجنة صوتاً وتغريداً، وكان يخرج ويمر في السموات يخطر في مشيته ويرجع إلى الجنة.
فلما رآه إبليس كلمه بكلام لين، وقال: أيها الطائر العجيب الخلق الطيب الصوت، من تكون من طيور الجنة؟ فقال: أنا الطاوس، فمالك أيها الشخص كأنك مرعوب تخاف من طالب يطلبك؟ قال إبليس: أنا من ملائكة الصفيح الأعلى من زمرة الكروبيين، وقد أحببت أن أنظر إلى الجنة وإلى ما أعد الله فيها لأهلها فهل لك أن تدخلني الجنة وأنا أعلمك ثلاث كلمات من قالها لا يهرم ولا يسقم ولا يموت؟ فقال له: وأهل الجنة يموتون؟ قال: نعم ويسقمون ويهرمون إلا من كانت عنده هذه الكلمات، وحلف له على ذلك، فوثق به الطاوس ولم يظن أحد يحلف بالله كاذباً، فقال: ما أحوجني إلى هذه الكلمات، غير أني أخاف أن يستخبرني رضوان عنك، ولكني أبعث إليك بالحية فإنها سيدة دواب الجنة.
قال: وجاء الطاوس إلى الحية وهي يومئذ على صورة الجمل، ولها زغب كالعقبرى ما بين أبيض وأحمر وأسود وأخضر، ولها عرف من اللؤلؤ، وذوائب من الياقوت ورائحة كرائحة المسك والعنبر، وكان مسكنها في جنة المأوى، وكانت تساير آدم وحواء في الجنة، وتخبرهما بالإشجار.

(3/293)


فلما أخبرها الطاوس بالخبر أسرعت الحية نحو باب الجنة، فتقدم إبليس إليها وقال لها كقوله للطاوس، وحلف لها؛ فقالت: حسبك، ولكن كيف أدخلك؟ فقال: إني أرى ما بين نابيك فرجة، وهي تسعني، ففتحت الحية فاها، فوثب وقعد بين نابيها، فصار نابها إلى آخر الدهر سماً، وضمت الحية شفتيها، ودخلت الجنة ولم يكلمها رضوان للقضاء السابق، فلما توسطت الجنة قالت: أخرج وعجل، قال: إن حاجتي من الجنة آدم وحواء، فإني أريد أن أكلمهما من فيك، فإن لم تفعلي ذلك فما أعلمك الكلمات، فجاءت إلى حواء فقال لها إبليس من فيها: يا حواء، ألست تعلمين أني معك في الجنة، وأحدثك بكل ما فيها، وأنا صادقة في كل ما حدثتك به؟ قالت حواء: نعم، قال إبليس: يا حواء، أخبريني ما الذي أحل لكما ربكما من هذه الجنة وحرم عليكما؟ فأخبرتته بما نهاهما عنه؛ فقال إبليس: لماذا نهاكما عن شجرة الخلد؟ فقالت حواء: لا أعلم ببذلك، قال: أنا أعلم، إنما نهاكما لأنه أراد ألا يفعل بكما ما فعل بالعبد الذي مأواه تحت شجرة الخلد.
هذا وحواء تظن أن الخطاب لها من الحية؛ فوثبت حواء عن سريرها لتنظر إلى العبد، فخرج إبليس من فيها كالبرق، فقعد تحت الشجرة، فأقلبت حواء فوقفت بالبعد منه ونادته: من أنت أيها الشخص؟ قال: خلق من خلق الله، خلقني من نار كما ترينني، وأنا هنا في الجنة منذ ألفي عام، خلقني كما خلقكما بيده، ونفخ في من روحه، وأسجد لي ملائكته، وأسكننى جنته، ونهاني عن أكل هذه الشجرة، فكنت لا آكل منها، حتى نصحني بعض الملائكة وقال لي: كل منها، فإن من أكل منها كان مخلداً في الجنة أبداً، فأكلت منها، فأنا في الجنة إلى وقتي هذا، وقد أمنت الهرم والسقم والموت والخروج من الجنة.
ثم قال: والله " ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين " ثم نادى: يا حواء اسبقي وكلي قبل زوجك، فمن سبق كان له الفضل على صاحبه، فأقبلت حواء إلى آدم وهي مستبشرة فرحة، فأخبرته بخبر الحية والشخص، وأنه قد حلف لها بأنه لهما لمن الناصحين، فذلك قوله تعالى: " وقاسمهما إني لكما من الناصحين " ؛ وتقدمت حواء إلى الشجرة ولها أغصان لا تحصى، وعلى الأغصان سنابل، كل حبة منها مثل قلال هجر، ولها رائحة كالمسك، أبيض من اللبن وأحلى من العسل، فأخذت منها سبع سنابل من سبعة أغصان، فأكلت واحدة وادخرت واحدة، وجاءت بخمس إلى آدم.
قال ابن عباس - رضي الله عنها - : لم يكن لآدم في ذلك أمر ولا إرادة بل كان في سابق العلم، لقوله تعالى: " وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة " .
فتناول آدم السنابل من يدها، وقد نسي العهد الذي أخذ عليه من أجلها، فذلك قوله تعالى: " ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما " فذاق من الشجرة كما ذاقت حواء، قال الله تعالى: " فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما " .
قال ابن عباس - رضي الله عنهما - : والذي نفسي بيده ما ساغ آدم من تلك السنابل سنبلة واحدة حتى طار التاج عن رأسه، وعري من لباسه، وانتزعت عنه خوتمه، وسقط كل ما كان على حواء من لباسها وحليها وزينتها، وناداهما كل ما طار عنهما: " يا آدم طال حزنك، وعظمت رزيتك، وعليك السلام إلى يوم اللقاء " .
ولم يبق عليهما من لباسهما شيء، " وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين " ؛ ونظر كل منهما إلى سوءة صاحبه؛ وهرب إبليس فسار مستخفياً في طرائق السموات، وصاح آدم صيحة عظيمة، ولم يبق فس لبجنة شيء إلا لامه، وانقبضت عنه الأشجار، فلما كثرت عليه الملامات فر هارباً على وجهه، فالتفت عليه شجرة الطلح وأمسكته ونادته: إلى أين تهرب يا عاصي، واضطربت الملائكة لذلك، والله الموفق للصواب.
؟خروجهما من الجنة قال: وأمر الله جبريل فجاء إلى آدم وقبض على ناصيته، وخلصه من الشجرة، فلما صار به إلى باب الجنة وأخرج رجله اليمنى وبقيت اليسرى، نودي: يا جبريل قف به على باب الجنة حتى يخرج معه أعداؤه الذين حملوه على أكل الشجرة لكي يراهم ويرى ما يفعل بهم.
فوقفه هنالك، فناداه الرب: يا آدم إنما خلقتك لتكون عبداً شكوراً، لا لتكون عبداً كفوراً.
قال: يا رب أسألك أن تعيدني إلى تربتي التي خلقتني منها لأكون تراباً كما كنت أول مرة.

(3/294)


قال: يا آدم، كيف أعيدك إلى تربتك وقد سبق علمي أن أملأ من ظهرك الجنة والنار.
وأخرج آدم حواء وقد استتر ت بورقة من ورق الجنة بإذن الله تعالى، فلما رأت آدم صاحت وقالت: يالها من حسرة؟ فوقفت خارج الجنة، ثم أتي بالطاوس وقد طعنته الملائكة حتى قطعت ريشه، وجبريل يجره ويقول: اخرج من الجنة خروج الأبد، فإنك شؤم أبداً ما بقيت؛ ثم أتي بالحية وقد جذبتها الملائكة جذباً شديداً، وهي ممسوخة مبطوحة، على بطنها لا قوائم لها، وصارت ممدودة مشوهة، ومنعت النطق فصارت خرساء، مشقوقة اللسان، فقالت لها الملائكة: لا رحمك الله ولا رحم من يرحمك.
ثم حجبت حواء عن آدم من هناك، ومر به جبريل في طرائق السموات، ونظرت إليه الملائكة عرياناً ففزعت منه، وقالت: إلهنا، هذا آدم بديع فطرتك أقله عثرته.
وآدم قد ترك يده اليمنى على رأسه، واليسرى على سوأته، ودموعه تجري على خديه، وكلما مر على ملإ من الكلائكة يوبخونه على نقض عهد الله وميثلقه، وأكثروا عليه في الملامة والتوبيخ؛ فقال لهم: يا ملائكة ربي، ارحموني ولا توبخوني، فالذي جرى علي بقضاء ربي، حيث قال: " إني جاعل في الأرض خليفة " الآية.
سؤال إبليس قال: وقال إبليس: يا رب أضللتني وأغويتني وأبلستني، وكان ذلك في سابق علمك " فانظرني إلى يوم يبعثون، قال فإنك من المنظرين، إلى يوم الوقت المعلوم " وهي النفخة الأولى، " قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين " .
قال الله تعالى: " اخرج منها مذءوماً مدحوراً لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين " .
قال إبليس: أنظ رتني فأين سيكون مسكني؟ قال: إذا هبطت إلى الأرض فمسكنك المزابل.
قال: فما قراءتي؟ قال: الشعر والغناء. قال: فما مؤذني؟ قال: المزمار. قال: فما طعامي؟ قال: ما لم يذكر إسمي عليه. قال: فما شرابي؟ قال: الخمور. قال: فما بيتي؟ قال: الحمامات؛ قال: فما مجلسي؟ قال: الأسواق. قال: فما مصايدي؟ قال: النساء. قال: فوعزتك لا أخرجت محبة النساء من قلوب بني آدم حتى يتغرغر بالموت، قيل له: يا ملعون، فإن ربك لا ينزع التوبة من ولد آدم حتى يتغرغر بالموت، " فاخرج منها فإنك رجيم وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين " .
؟سؤال آدم قال: فعند ذلك قال آدم: يا رب هذا إبليس قد أعطيته النظرة، وقد أقسم بعزتك أنه يغوي أولادي، فبماذا أحترز من مكايده؟ فنودي، يا آدم، إني قد مننت عليك بثلاث خصال، واحدة لي، وهي أن تعبدني لا تشرك بي شيئاً، وواحدة لك، وهي ما عملت من صغيرة أو كبيرة من الحسنات فلك بالحسنة عشر وإن عملت سيئة فواحدة بواحدة، وإن استغفرتني غفرتها لك وأنا الغفور الرحيم، وواحدة بيني وبينك، وهي أن منك المسألة ومني الإجابة، فابسط يدك وادعني فإني قريب مجيب.
فصاح إبليس حسداً لآدم وقال: كيف أكيد ولد آدم الآن؟ فنودي: يا ملعون " واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا " .
قال إبليس: زدني يا رب؛ قال لا يولد لآدم ولد إلا يولد لك سبعة: قال: رب زدني، قال: زدتك أن تجري منهم مجرى الدم في عروقهم، وتسكن في صدورهم.
فقال: يا رب حسبي؛ ثم قال علام أهبط إلى الأرض؟ قال: على الإياس من رحمتي.
قال: ثم نظر آدم إلى الحية وقال: رب هذه اللعينة هي التي أعانت عدوي علي، فبماذا أتقوى عليها؟ فقيل له: قد جعلت مسكنها الظلمات، وطعامها التراب فإذا رأيتها فاشدخ رأسها.
وقيل للطاوس: مسكنك أطراف الأنهار، ورزقك مما تنبته الأرض من حبها، وألقي عليك المحبة حتى لا تقتل.
سؤال حواء قال: ثم قالت حواء: إلهي خلقتني من ضلع أعوج، وجعلتني ناقصة العقل والدين والشهادة والميراث، وضربتني بالنجاسة، وحرمتني الجمعة والجماعات، وذكرت مشقة الحمل والولادة، فأسألك أن تعطيني مثل ما أعطيتهم.
فقيل لها: قد وهبت لك الحياء والأنس والرحمة، وكتبت لك من ثواب الحبل والولادة ما لو رأيته لقرت به عيناك، فأي امرأة ماتت في ولادتها حشرتها في زمرة الشهداء. قال: حسبي يا رب.

(3/295)


قال: ثم أمر الله بعد ذلك أن يهبطوا إلى الأرض؛ قال الله تعالى: " وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين " . فهبط آدم من باب التوبة، وحواء من باب الرحمة، وإبليس من باب اللعنة، والطاوس من باب الغضب، والحية من باب السخط، وكان ذلك وقت العصر.
قال السدي: فمن هذه الأبواب تنزل التوبة والرحمة واللعنة والغضب والسخط.
قال وهب: خلق الله آدم يوم الجمعة، وفيه دخل الجنة وأقام فيها نصف يوم مقدار خمسمائة عام، وأهبط بين الظهر العصر من باب يقال له المبرم وهو حذاء البيت المعمور.
قال كعب: أهبط آدم إلى بلاد الهند على جبل من جبالها ليقال له بوذ وهو جبل محيط بأرض الهند؛ وأهبطت حواء بجدة، وإبليس بدستميسان، والحية بأصفهان، والطاوس بالبحر، ففرق الله بينهم فلم ير بعضهم بعضاً حيناً، ولم يكن على آدم يوم أهبط إلا ورقة من أوراق الجنة، فذرتها الرياح في بلاد الهند فصارت معدناً للطيب.
وأخذ آدم في البكاء مائة عام حتى نبت من دموعه العود والزنجبيل والصندل والكافور وأنواع الطيب، وامتلأت الأودية بأطيب الأشجار، وبكت حواء فنبت من دموعها القرنفل والأفاويه؛ وكانت الريح تحمل كلامه إليها وكلامها إليه.
ثم أنبت الله - عز وجل - لآدم الشعر واللحية، وكان قبل ذلك أمرد وجسده كالفضة، فتألم لذلك ألماً شديداً.
قال وهب: أول من علم بهبوط آدم من حيوان الأرض النسر، وكان قد ألف الحوت، فجاء إليه وقال له: إني رأيت اليوم خلقاً عظيماً ينقبض وينبسط، ويقوم ويقعد، ويجيء ويذهب، فقال الحوت: إن كان ما تقوله حقاً فقد حان إلا يكون لي معه مقترفي البحر ولا لك في البر، وهذا الوداع بيني وبينك. فجاء النسر إلى آدم وألفه، وجاءه الوحش والطير وألفوه وبكوا لبكائه دهراً طويلاً، فلما أضجرهم ذلك نفروا عنه ولم يبق عنده إلا النسر وحده وهو لا يفتر عن البكاء.
قال وهب: بكى آدم حتى بكت الملائكة لبكائه وقالوا: " إلهنا أقله عثرته " .
قال: وبقي من دموعه في الأرض - بعد أن كف عن البكاء - ما شربه الوحش والطير والهوام مائة عام؛ وكان لدموعه رائحة كالمسك، ولذلك كثر الطيب في الهند.
وقال كعب: بكى آدم ثلاثمائة عام لا يرفع رأسه إلى السماء وهو يقول: " إلهي بأي وجه أنظر إلى السماء " فألهم الله سائر الحيوانات أن تأتي لآدم وتعزيه في مصيبته، فعزاه جميعها ونهته عن البكاء، وأمرته بالتسبيح والتقديس.
توبة آدم قال: فعند ذلك أمر الله تعالى جبريل أن يهبط على آدم، وقال له: " إن آدم بديع فطرتي وقد أبكى أهل سمواتي وأرضي، ولا يذكر غيري، ولم يخف سواي، وهو أول من حمدني، وأول من دعاني بأسمائي الحسنى، وأنا الرحمن الذي سبقت رحمتي غضبي، وهذه الكلمات قد خصصت بها آدم لتكون له توبة، وتخرجه من الظلمات إلى النور " .
فهبط عليه جبريل بالكلمات ولها نور عظيم، وقال: " السلام عليك يا طويل البكاء والحزن " ؛ فلم يسمعه آدم لغليان صدره؛ فناداه بصوت رفيع: السلام عليك يا آدم. وأمر جناحه على صدره ووجهه حتى هدأ من بكائه، وسمع الصوت فقال: أبنداء السخط تنادي، أم بنداء الإحسان والغفران؟ قال: بل بنداء الرحمة والغفران، يا آدم: لقد أبكيت ملائكة السموات والأرض، فدونك هذه الكلمات، فإنها كلمات الرحمة والتوبة.
قال كعب: كانت الكلمات ما قالها يونس في ظلمات ثلاث: " لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين " .
وقال عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - كانت: " ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين " .
وقال ابن عباس - رضي الله عنهما - : كانت " لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، عملت سوءاً وظلمت نفسي فتب علي يا خير التوابين " .
قال الله تعالى: " فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم قال: فلما قالها آدم انتشر صوته في الأفاق، فقالت الأرض والشجر والجبال: " أقر الله عينك يا آدم، وهناك الله بتوبتك " . وأمره الله أن يبعث بالكلمات إلى حواء؛ فحملتها الريح إليها، فقالتها، فتاب الله عليها.

(3/296)


قال: ولما فرغ آدم من الدعاء والسجود قال له جبريل: ارفع رأسك، فرفعه وإذا قد رفع له حجاب النور، وفتحت له السموات، ونودى بالتوبة والرضوان وقيل له: يا آدم، إن الله قد قبل توبتك. فذهب ليقوم فلم يقدر لأنه كان قد رسب في الأرض كعروق الشجر، فاقتلعه جبريل، فصاح صيحة شديدة للألم الذي أصابه، وقال: " ماذا تفعل الخطيئة " ؟ ثم ضرب جبريل بجناحه الأرض فانفجرت عين ماء معين برائحة كالمسك فاغتسل آدم منها، ثم كساه الله حلتين من سندس الجنة، وبعث الله تعالى ميكائيل إلى حواء، فبشرها بالتوبة، وكساها كذلك؛ وسأل آدم جبريل عنها؛ فأخبره أن الله قد قبل توبتها، وأنه يجمع بينهما في أشرف الأعياد وأكرم البقاع.
قال: وأمر الله عز وجل الملائكة والحيوانات أن يقربوا من آدم ليهنئوه فأتوه وهنأوه كما كانوا عزوه.
ثم أمر الله تعالى جبريل أن يضع يده على رأس آدم ليقصر من طوله، وكان إذا قام وصل رأسه إلى السماء، فيسمع تسبيح الملائكة، فلما قصر اغتم لفقد ذلك، فقال له جبريل: لا يغمك ذلك فإن الله يفعل ما يريد.
وأمره الله ببناء بيت يحاذي البيت المعمور ليطوف به هو وأولاده من بعده كما رأى الملائكة تفعل حول البيت المعمور؛ فبناه.
وقد ذكرنا صفة بنائه في الباب الثاني من القسم الخامس من الفن الأول من هذا الكتاب في خصائص البلاد، وهو في السفر الأول، فلا حاجة إلى إعادته هاهنا. فلنذكر غير ذلك.
قال: وسار آدم من موضعه إلى موضع البيت؛ والله الهادي.
أخذ الميثاق على ذريته قال: وأوحى الله تعالى إلى آدم: أني أريد أن آخذ على وديعتي التي في ظهرك الميثاق، فأحاطت الملائكة بآدم في أحسن صورهم، فوقعت الرعدة على آدم من الخوف، فضمه جبريل إلى صدره، واضطرب الوادي وارتج، فقال جبريل: اسكن فإنك أول شاهد على الميثاق الذي يأخذه الله على ذرية آدم. فسكن، ومسح الله تعالى على ظهر آدم كما شاء، وقال: " انظر يا آدم إلى من يخرج من ظهرك " فأول من بادر وكان أسرع خروجاً نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فأجاب بالتلبية ونادى إلى ذات اليمين وهو يقول: أنا أول من يشهد لك بالتوحيد، ويقر لك بالعبودية، وأشهد أني عبدك ورسولك. فهو صلى الله عليه وسلم أول الأنبياء في الخلق، وآخرهم في البعث، وفي ذلك من الحكمة الإلهية والقدرة الربانية ما لم يخف على ذي لب وفهم، وليس هذا موضع ذكر ذلك. ثم أجابت الطبقة الثانية من النبيين والمرسلين نبيناً بعد نبي في نورهم وبهائهم، ثم خرجت زمرة من المؤمنين بيض الوجوه، معلنين بالتوحيد، فوقفوا دون النبيين.
ثم مسح الله مسحة أخرى فخرج قابيل بن آدم مبادراً وقد تبعه أهل الشمال فوقفوا ذات الشمال كلهم سود الوجوه. ثم قيل لآدم: " انظر إلى ولدك هؤلاء لتعرفهم بأسمائهما وأزمانهم " فنظر إلى أهل اليمن فضحك منهم، وبارك عليهم؛ ونظر إلى أهل الشمال فلعنهم وصرف وجهه عنهم؛ ثم استنطقهم الله تعالى فقال: " ألست بربكم قالوا بلى شهدنا " وأقررنا.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: أما أهل اليمن فأجابوا بالسرعة، وأما أهل الشمال فأجابوا بالتثاقل. قال الله تعالى: " يا ملائكتي اشهدوا على ذرية آدم بأنهم أقروا أني ربهم لا يجحدونني شيئاًن، وأن آدم قد بارك على أهل يمينه، ولعن أهل شماله، فأهل اليمين في جنتي برحمتي، وأهل الشمال في النار بما جحدوا من حقي " .
ثم ردهم الله إلى ظهره كما أخرجهم بقدرته.
قال وهب: وإذا كان يوم القيامة وحشر الخلق لفصل القضاء قيل: يا آدم، " ابعث بعث الجنة إلى الجنة، وبعث النار إليها " . فيعرفهم بصورهم وأسمائهم؛ فيقول: " نعم يا رب " ؛ ويراهم كما رآهم في الذرية، ويقبل عليهم بوجهه ويقول: أنسيتم عهد ربكم وشهادتكم له بأنه الله الواحد الأحد؟ فيقولون ما أخبرنا الله تعالى به عنهم: " إنا كنا عن هاذ غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم " يعنون قابيل بن آدم، لأنه أول من عصى ربه؛ ثم يقولون: " ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين " يعنون إبليس وقابيل؛ فيقبض آدم بشمائله من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار، وواحداً بيمنه إلى الجنة؛ ثم يقول: يا رب هل وفيت؟ فيقال له: نعم ادخل الجنة برحمتي.
اجتماع آدم بحواء

(3/297)


قال: وأقبل ملك إلى حواء وهي جالسة بجدة على ساحل البحر، فقال لها: " خذي لباسك وانطلقي إلى الحرم " ؛ ثم رمى لها بقميص وخمار من الجنة، وتوارى عنها حتى لبست القميص وتخمرت بالخمار، ومضت إلى مكة فدخلت الحرم من شرقيه يوم الجمعة من شهر المحرم؛ فأمرها الملك أن تقعد على جبل المروة؛ وإنما سميت المروة لقعود المرأة عليها.
قال وهب: دخل حواء الحرم قبل آدم بسبعة أيام، ودخل آدم من غربي مكة وحواء من شرقيها، فصار آدم إلى جبل الصفا، فناداه: " مرحباً بك يا صفي الله " ، فسمى الصفا لذلك؛ وناداه الرب: يا آدم، فقال: " لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك " . فصار ذلك سنة في الحج والعمرة.
ثم أوحى الله إليه: " اليوم حرمت مكة وما حولها " . فهي حرام إلى يوم القيامة. فقال آدم: يا رب، إنك وعدتني أن تجمع بيني وبين حواء في هذا المقام. فنودي: إنها أمامك على المروة، وأنت على الصفا، فانظر إليها ولا تمسها حتى تقضى المناسك. فهبط آدم إليها، والتقيا، وفرح كل منهما بصاحبه، وسعى هو من الصفا، وسعت هي من المروة، فكانا يجتمعان بالنهار، فإذا أمسيا رجع إلى الصفا، ورجعت إلى المروة، فكانا كذلك حتى دخل ذو القعدة، فأعاد آدم التلبية وعقد الإزار، ولم يزل يلبي حتى دخل ذو الحجة؛ فهبط جبريل وعلمه المناسك وكساه ثوباً أبيض لإحرامه، وطاف يه، وعرفه المناسك، وأمره أن يطوف بالبيت سبعاً؛ فلما فعل ذلك قال له جبريل: " حسبك يا آدم قد أحللت " ؛ فانطلق آدم إلى حواء فاجتمع بها في ليلة الجمعة فحملت من ساعتها.
قال كعب: ما حملت حواء حتى رأت الحيض ففزعت وأخبرت آدم بذلك فمنعها من الصلاة أيام حيضها حتى ينقطع الدم؛ ثم جاءها ملك فوقفها على زمزم وقال لأدم: اركض برجلك في هذا الموضع. فركضها، فانفجرت الأرض بإذن الله عين ماء معين؛ فكبر آدم وحواء، وهمت أن تشرب فمنعها وقال: " حتى يأذن لي ربي " . فاغتسلت حواء؛ وكان في ذوائبها بقية من مسك الجنة، ففاحت الدنيا.
أبناء آدم وزرعه وحرثه قال: ثم أوحى الله تعالى إلى آدم: " أنك إن لم تعمر هذه الدنيا لم يعمرها أحد من أولادك، فاعمرها " . فبنى له مسكناً يأوي إليه هو وحواء؛ ثم أخذ بعد ذلك في الحرث والزرع وحفر الآبار؛ وجاءه جبريل بالحبة وهي على قدر بيض النعام، بيضاء في لون الثلج وأحلى من العسل؛ وجاءه بثورين من ثيران الفردوس وجاءه بالحديد، فلما نظر آدم إلى الحب صاح صيحة عظيمة، وقال: مالي ولهذا الحب الذي أخرجني من الجنة.
قال: " هذا رزقك في الدنيا، لأنك اخترته في الجنة، فهو غذاء لك ولذريتك " .
ثم قال له جبريل: يا آدم، قم فكن حراثاً زراعاً، وأتاه بالنار وقد غمسها في سبعين ماء حتى اعتدلت وكمنت في الحديد والحجر، وأمره أن يوقد النار ويلين الحديد، ويتخذ منه مطرقة وسدانا، ففعل؛ ثم اتخذ مدية يذبح بها، وفأساً يحفر بها ويكسر، ومحراثاً يحرث به الأرض، ونيرا؛ كل ذلك وجبريل يعلمه.
قال وهب: أول ما اتخذ آدم من الحديد سندان ومطرقة وكلبتان؛ ثم اتخذ بعد ذلك آلة التجارة، وأتاه جبريل بكبش من الجنة، فنحره آدم، وأكل هو وحواء من لحمه، واتخذا مقراضاً فجزا به الصوف من الكبش، وغزلاه، واتخذا منه جبتين بغير كمين، وكساءين، فاكتسى كل واحد منهما جبة وكساء، فلما مست جلدهما خشونة الصوف بكيا شوقاً إلى السندس والإستبرق؛ فقيل لهما: " هذا لباس أهل الطاعة في الدنيا " . وجيء بالأشجار التي ذكرناها في الفن الرابع من هذا الكتاب، وهو فن النباتات؛ وقد قدمنا ذكرها فيما سلف منه.
وعن كعب أن الذي جاء بالحب ميكائيل، لأنه الموكل بالحب والقطر والنبات. قال: فقام آدم فعقد النير على عنقي الثورين؛ ثم حرث وبذر، وكان يقف على الزرع ويقول: متى يدرك؟ فيسمع هاتفاً يقول: " خلق الإنسان من عجل " ؛ وكان الزرع في طول النخل، والسنبلة في طول مائة ذراع، بيضاء كالفضة.
قال كعب: فلما استحق الزرع كان آدم يحصد، وحواء تجمع؛ ثم علم آدم الدراسة والتذرية والطحن والعجن والخبز؛ ث أكلا وشربا فأصابتهما النفخة والقرقرة في بطونهما؛ فتجشأ آدم جشاء متغيراً، وتغير عليه بدنه وثقل؛ فلما ثقلت عليهما بطونهما أمرهما الملك أن يتبرزا إلى الصحراء لقضاء الحاجة؛ فلما رأيا ذلك من أنفسهما بكيا بكاء شديداً، وقالا: " هذا الذي أورثنا ذنبنا " .

(3/298)


ثم أمرهما الملك أن يمسحا بالمدر، ثم يغتسلا بالماء؛ ثم علمهما الوضوء فتوضأ وضوء الإسلام؛ ثم أمرهم بالصلاة، فكان أول صلى صلاها آدم الظهر.
وكان آدم ربما اشتغل عن صلاته ولا يعرف الأوقات، فأعطاه الله ديكاً ودجاجة، فكان الديك أبيض أفرق أصفر الرجلين، كالثور العظيم، وكان يضرب بجناحه عند أوقات الصلاة ويقول: سبحان من يسبحه كل شيء سبحان الله وبحمده، يا آدم: الصلاة يرحمك الله.
قال: وأخذ آدم في الغرس حتى غرس كل ما على وجه الأرض من أنواع الثمار والأشجار، وأخذت الأرض زهرتها؛ وكان آدم يأكل من بقول الأرض ونباتها.
قال وهب: أول بقلة زرعها آدم الهندبا، وأول ما زرع من الرياحين الحناء، ثم الآس.
حمل حواء وولادتها
قال: وواقع آدم حواء في ليلة الجمعة، فحملة بذكر وأنثى، وأسقطتهما في الشهر الثامن، فكان أول سقط في الدنيا؛ ثم حملت ثانياً كذلك، فأصابهما مثل الأول؛ ثم حملت ثالثة. قال الله تعالى: " فلما تغشاها حملت حملاً خفيفاً فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحاً لنكونن من الشاكرين " .
قال: فجاء إبليس إلى حواء وقال: أتحبين أن يعيش في بطنك؟ قالت: نعم، قال: سميه عبد الحارث.
وقال ابن حبيب عن ابن عباس: أنها لما وضعته جاء إبليس وقال: ألا تسميانه باسمي؟ قالت له حواء: ما اسمك؟ فذهب ولم يتسم، ثم عاد إليهما فقال: كيف تريدان أن تسمياه؟ قالا: نسميه عبد الله. قال: أفتظنان أن الله يترك عبده عندكما إن سميتماه عبد الله، لا والله لا يدعه عندكما حتى يقبضه، ولكن سمياه عبد شمس فإنه يبقى ما بقيت الشمس. فأطاعاه وسمياه عبد شمس؛ فمات صغيراً. قال الله تعالى: " فلما آتاهما صالحاً جعلا له شركاء فيما آتاهما " .
قال وهب: أوحى إليهما " إنكما أطعتما إبليس في هذه التسمية، فهلا سميتماه عبد الله أو عبد الرحمن أو عبد الرحيم " فجزعا لذلك جزعاً شديداً، وقالا: " لا حاجة لنا في هذا المولود " . فأماته الله.
ثم حملت بذكر وأنثى، فلما وضعتهما سمتهما عبد الله وأمة الله؛ ثم وضعت بطناً آخر فسمتهما عبد الرحيم وأمة الرحيم؛ ولم تزل كذلك حتى وضعت مائة بطن؛ ثم وضعت بعد ذلك هابيل وأخته في بطن، ثم قابيل وأخته في بطن، حتى وضعت عشرين ومائة بطن ذكر وأنثى، فتناسلوا وكثروا.
مبعث آدم إلى أولاده
قال: ثم بعث الله عز وجل آدم إلى ذريته رسولاً، وذلك في أول ليلة من شهر رمضان، وخصه بالوحي، وأنزل عليه إحدى وعشرين صحيفة فيها سور مقطعة الحروف، لا يتصل حرف بحرف، وهو أو كتاب أنزل، وهو بألف لغة فيها الفرائض والسنن والشرائع والوعد والوعيد وأخبار الدنيا، وبين له فيها أهل كل زمان وصورهم وسيرهم، وما يحدث في الأرض حتى المأكل والمشرب.

(3/299)


ثم أمره الله تعالى أن يكتبها بالقلم، فأخذ جلود الضأن فدبغها حتى صارت رقاً، وكتب فيها الحروف التسعة والعشرين، وهي في التوراة والإنجيل والزبور والقرآن، أولها أ: معناها، أنا الله الواحد الأحد الذي لم يزل. ب: بديع السموات والأرض. ت: توحد في ملكه، وتواضع كل شيء لعظمته. ث: ثابت لم يزل ولا يزال. ج: جميل الفعال، جواد، جليل المقال. ح: حليم على من عصاه، حميد عند من أنشاه. خ: خبير ببواطن الأشياء وظواهرها، خالق كل شيء. د: ديان يوم الدين، دان من خلقه. ذ: ذو الفضل العظيم، والعرش المجيد، ذو الطول القديم. ر: رب الخلائق رزاق رءوف رحمن رحيم. ز: زراع زرع من غير بذر، زائد لمن شكر، زين كل شيء برحمته. س: سريع الحساب، سميع الدعاء، سريع الإجابة. ش: شديد العقاب والبطش، شاهد كل نجوى. ص: صمد صادق الوعد. ض: ضياء السموات والأرض، ضمن لأوليائه المغفرة. ط: طاب من أخلص له من المطيعين، طوبى لمن أطاعه. ظ: ظهر أمره، وظفر أهل محبته بالجنة. ع: عليم عالم علام علا بالربوبية. غ: غياث المستغيثين، غني لا يفتقر. ف: فعال لما يريد، فرد ليس له شريك. ق: قيوم، " قائم على كل نفس بما كسبت " ، قدير قاهر. ك: كريم كان قبل كل شيء، كائن بعد كل شيء، كافي كل بلية. ل: " له ما في السموات وما في الأرض " ، وله الخلق والأمر. م: مالك يوم الدين، متكبر محسن محمود متين معبود منعم من قبل ومن بعد. ن: نور السموات والأرض ناره معدة لأهل عذابه. و: ولي المؤمنين، ويل لمن عصاه، " ويل للمطففين " . هاد هدى من الضلالة من قدر له ذلك برحمته ومشيئته، لا: لا إله إلا الله الواحد القهار، الذي لا إله إلا هو العزيز الحكيم. ي: يعلم ما في السموات والأرض وما بينهما وما تحت الثرى وما تخفي الصدور.
قال: فلما نزلت هذه الحروف علمها آدم لولده، فتوارثها ولده، إلى أن بعث الله تعالى إدريس، وأنزل عليه خمسين صحيفة، وأنزل عليه هذه الحروف.
قتل قابيل هابيل
قال: ودعا آدم ابنيه هابيل وقابيل - وكان يحبهما من بين أولاده - فذكر لهما ما كان من أمره ودخوله الجنة، وسبب خروجه، وغير ذلك، ثم أمرهم أن يقربا قرباناً، وكان هابيل صاحب غنم، وقابيل صاحب زرع، فأخذ هابيل من غنمه كبشاً سميناً لم يكن في غنمه خير منه، فجعله قرباناً؛ وأخذ قابيل من زرعه أدناه فقربه؛ فنزلت من السماء نار بيضاء لا حر ولا دخان فيها، فأحرقت قربان هابيل، ولم تحرق قربان قابيل، فداخله الحسد من ذلك، وقال: إن أولاد هذا تفتخر على أولادي من بعدي، فوالله لأقتلنه. قال الله تعالى: " واتل عليهم نبأ ابنى آدم بالحق إذ قربا قرباناً فتقبل من أحدهما ولم تقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين " .
قال: ثم رجعا من منى - وهو موضع القربان - يريدان أباهما وهابيل أمام قابيل؛ إلى حجر فضرب به رأس أخيه هابيل فقتله، ثم مر على وجهه هارباً. قال الله تعالى: " فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين " ؛ وإذا هو بغرابين قد اقتتلا، فقتل أحدهما الآخر، وجعل يبحث في الأرض برجليه حتى حفر حفرة ودفن فيها المقتول؛ فقال قابيل في نفسه ما أخبر الله تعالى به عنه: " يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين " .
فلما أبطآ على آدم خرج في طلبهما، فأصاب هابيل مقتولاً، فساءه ذلك واغتم غماً شديداً، وكانت الأرض لما شربت دمه تغيرت الأشجار عن نضارتها، فيقال: إن آدم قال:
تغيرت البلاد ومن عليها ... فوجه الأرض مغبر قبيح
تغير كل ذي لون وطعم ... وقل بشاشة الوجه المليح
قتل قابيل هابيلاً أخاه ... فوا أسفي على الوجه الصبيح
ثم حمل آدم هابيل على عاقته وهو باك، ثم دفنه، وبكى عليه هو وحواء أربعين يوماً، فأوحى الله تعالى إليه أن كف عن بكائك، فإني سأهب لك غلاماً زكياً على صورة هابيل يكون أبا النبيين والمرسلين. فسرى عنه، وجامع حواء فحملت بشيث واسمه هبة الله فلما وضعتنه كان على صفة هابيل وصورته؛ فلما ترعرع وبلغ بعث الله تعالى له قضيباً من سدرة المنتهى في صفاء الجوهر، ورزق الله شيثاً الأولاد في حياة آدم؛ والله أعلم.
وفاة آدم

(3/300)


قال: وكان آدم لما أخرج الله تعالى الذرية من ظهره رأى داود عليه السلام وحسن صورته، فسأل عنه وعماً رزقه الله تعالى من العمر؛ فقيل له: إنه نبي الله داود، وإن عمره الذي كتب الله له أربعون سنة. فقال: يا رب زد في عمره. قال: ذلك الذي كتبت له. فقال: يا رب فإني قد وهبته من عمري ستين سنة. فلما انقضى من عمره تسعمائة سنة وأربعون سنة أتاه ملك الموت، فقال له آدم: قد عجلت علي، لأن ربي كتب لي ألف سنة. قال: ألم تهب منها لولدك داود ستين سنة؟ قال: لا. قال: فجحد آدم وجحدت ذريته من بعده، ونسي فنسيت.
وقيل في عمر داود: ستون سنة، وإن آدم وهبه أربعين سنة؛ والله أعلم.
فلما استكمل عدته أمر الله بقبض روحه، فعهد إلى ابنه شيث وأوصاه، وسلم إليه التابوت، وكان فيه نمط من الجنة أبيض أهداه الله تعالى لآدم، فيه صور الأنبياء والفراعنة من ذريته؛ فنشر آدم النمط وأراه لابنه شيث، فنظر إليه، ثم أمر بطيه ووضعه في التابوت؛ وعمد آدم إلى طاقات من شعر لحيته فوضعها في التابوت وقال له: يا بني، إنك لا تزال مظفراً على أعدائك ما دامت هذه الشعرات سوداً فإذا ابيضت فاعلم أنك ميت، فأوص إلى خبر أولادك. وأوصاه بقتال أخيه قابيل.
ثم قبض الله تعالى نبيه آدم في يوم الجمعة بعد أن استكمل ألف سنة، وصلت عليه الملائكة صفوفاً، وصلى عليه شيث، ودفن عليه السلام.
وقيل: كنت وفاته بالهند، فلما كان زمن الطوفان حمل نوح معه تابوت آدم في السفينة، ثم دفنه ببيت المقدس.
وفاة حواء قال: ولما توفي آدم عليه السلام لم تعلم حواء بموته حتى سمعت بكاء الوحش والسباع والطير، ورأت الشمس منكسفة؛ فقامت من قبتها فزعة أن يكون حل بشيث ما حل بهابيل، وصارت إلى قبة آدم فلم تره، فصاحت صيحة عظيمة، فأقبل إليها شيث وعزاها وأمرها بالصبر، فلم تصبر دون أن صرخت ولطمت وجهها ودقت صدرها، فأورثت ذلك بناتها إلى يوم القيامة؛ ثم لزمت قبره أربعين يوماً لا تطعم؛ ثم مرضت مرضاً شديداً ودام بها حتى بكت الملائكة رحمة لها؛ ثم قبضت رحمة الله عليها فغسلها بناتها، وكفنت من أكفان الجنة ودفنت إلى جنب آدم عليهما السلام ورأسها إلى رأسه، ورجلاها عند رجليه.
وقيل: كانت وفاتها بعد مضي سنة من وفاة آدم.
الباب الثاني من القسم الأول من الفن الخامس
شيث وأولاده
قال: ولما مات آدم عليه السلام أسند وصيته إلى ابنه شيث، وكان مما أوصاه به التمسك بالعروة الوثقى، وشهادة أن لا إله إلا الله، والإيمان بمحمد رسول الله؛ وقال له: يا بني؛ إني رأيت اسمه مكتوباً على سرادق العرش وأبواب الجنان وأطباق السموات وأوراق شجرة طوبى؛ فهذه وصيتي إليك. ثم نزع خاتمه من إصبعه ودفعه إليه، وتسلم منه التابوت، ثم قال له: إنه الله سيعطيك ثوب المجاهدة، فحارب أخاك قابيل، فإن الله تعالى ينصرك عليه. وكان شيث حين الوصية إليه ابن أربعمائة سنة، فأطاعه أولاد أبيه، وصار إليه الفرس الميمون، وكان أغر وحجلاً إذا صهل أجابته الدواب كلها بالتسبيح.
قتال شيث قابيل قال: ثم أمر الله تعالى شيث بن آدم بقتال قابيل، وكان قابيل قد اعتزل في ناحية من الأرض، فعمرها، وخدع أختاً له فأحبها، ورزق منها أولاداً كثيرة فسار إليه شيث بجميع أولاده، وتقلد سيف أبيه، وكان بين يديه عمود من الياقوت تحمله الملائكة يضيء بالليل والنهار، وسار وقد أحدقت به الملائكة؛ فتوجه إبليس إلى قابيل وأعلمه خبر أخيه، فتأهب للقائه وقد داخله الفزع؛ ثم جاء شيث فقابله، فاقتتلا، فانكب قابيل على وجهه، فأخذه شيث أسيراً، وأسر جماعة من أولاده.
ثم أقبلت الملائكة إلى قابيل فسلكوه في سلسلة من سلاسل جهنم، وغلوا يد إلى عنقه، وساقوه بين يدي شيث مهاناً وهو يقول: يا شيث احفظ الرحم بيني وبينك. فقال: لا رحم بيننا بعد أن قتلت أخاك ظلماً.
ثم أمر شيث الملائكة فساقوه مغلولاً إلى عين الشمس بالمغرب، فلم يزل مواجهاً للشمس حتى مات كافراً، وصارت ذريته عبيداً وإماء لشيث وأولاده.
ثم أخذ شيث بعد ذلك في عمارة المدن حتى بنى نيفاً على ألف مدينة في كل مدينة منارة ينادي عليها: " لا إله إلا الله، آدم صفوة الله، محمد رسول الله " .

(3/301)


وكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر هو وأولاده، حتى عمرت الدنيا، وأنزل الله تعالى على شيث خمسين صحيفة، فكانوا يقرأونها ويعملون بما فيها من غير عداوة ولا تباغض ولا تحاسد ولا فسق بينهم؛ وكان إبليس يحسد شيثاً وأولاده، فأقبل إبليس إليه في صورة امرأة حسناء، فقال لها: من أنت؟ قالت: امرأة أرسلني الله إليك لتتزوج بي، ولست من بنات آدم. فقال: إن ربي لم يأمرني بذلك ولا أخبرني عنك، وما أظنك إلا إبليس. فضحك وقال: إنما أنا امرأة من نساء الجنة، ولا تعص ربك وتزوج بي؛ وجعل إبليس يتزين له حتى كاد يفتنه؛ فنادته الملائكة: يا نبي الله، إنه عدوك إبليس. فقبض شيث عيه وهم بقتله؛ فقال: خل عني فإني من المنظرين، ولكن أعطيك الميثاق أني لا أتعرض إليك بعدها. فأطلقه ولم يعد إليه.
وولد لشيث أنوش على طوله وحسنه؛ فجعله شيث مكانه والخليفة من بعده، وسلم إليه التابوت، وأوصاه بقتال أولاد قابيل.
ومات شيث وله سبعمائة سنة وعشرون سنة.
وقيل: بل عاش بد آدم مائتي سنة، وعهد إلى ابنه أنوش فقام على أولاده بالطاعة ثلاثمائة عام.
وعهد من بعده إلى ابنه قينان، فعمر بعد أبيه مائتين وخمسين سنة.
وعهد إلى ابنه مهلائيل، وكثر في زمانه بنو آدم، وكان منزلهم الحرم فضاق بهم، فقسم الأرض بينهم خمسة أقسام، وأرسل خمسة نفر من صلحاء قومه يقيمون لهم شرائع آدم عليه السلام ويتولون الحكومة بينهم، وهم ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، وهؤلاء الذين لما فقدوا بلغ من وجد قومهم عليهم أن جعلوا لهم تماثيل يتسلون بها؛ وترامى الأمر إلى أن عبدها القرن الذي تلاهم، فكان ذلك هو السبب لعبادة الأوثان.
ثم قام بالأمر بعد مهلائيل ابنه أخنوخ، وهو إدريس.
الباب الثالث من القسم الأول من الفن الخامس
إدريس (ع)
واسمه أخنوخ، وإنما سمي إدريس لكثرة دراسته الكتب؛ وهو أول من بعث من بني آدم؛ وهو أول من خط بالقلم بعد شيث، وأول من كتب في الصحيفة؛ وكان مشتغلاً بالعبادة ومجالسة الصالحين حتى بلغ فانفرد للعبادة، فجعله الله تعالى نبيناً، وأنزل عيه ثلاثين صحيفة، وورثه صحف شيث وتابوت آدم.
وكان يعيش من كسب يديه؛ وكان خياطاً، وهو أول من خاط الثياب ولبسها وكانوا قبل ذلك يلبسون الجلود، حتى أتت عليه أربعون سنة، فبعثه الله تعالى إلى أولاد قابيل، وكانوا جبابرة، وقد اشتغلوا باللهو والغناء والمزامير والطنابير وغير ذلك، وعبدوا الأصنام؛ وكان إدريس يدعوهم ثلاثة أيام، ويعبد الله أربعة.
وحكى عن وهب أنه أول من اتخذ السلاح، وجاهد في سبيل الله، ولبس الثياب، وأظهر الأوزان والأكيال، وأنار علم النجوم.
وكان إدريس شديد الحرص على دخول الجنة، وكان قد رأى في الكتب أنه لا يدخلها أحد دون الموت، فبينما هو يسبح في عبادته إذ عرض له ملك الموت في صورة رجل في نهاية الجمال؛ فقال له إدريس: من أنت؟ قال: عبد من عبيد الله أعبده كعبادتك. وأصطحبا، فكان إدريس يأكل من رزق الله، وهو لا يطعم شيئاً؛ فسأله عن ذلك؛ فأخبره أنه ملك الموت؛ فقال له: جئت لقبض روحي؟ قال: لا، ولو أمرني الله بذلك ما أمهلتك، ولكنه أمرني أن أصطحبك. فسأله إدريس أن يقبض روحه؛ فقال له: وما تريد بذلك وللموت كرب عظيم؟ قال: لعل الله تعالى يحييني فأكون أكثر في عبادته. فأمره الله بقبض روحه فقبضها، وأحياه الله تعالى لوقته.

(3/302)


ثم قال إدريس له بعد حين: هل تستطيع أن تقفني على جهنم؟ قال: ما حاجتك إلى ذلك ولها من الأهوال ما لا تطيق أن تنظر إليه، ومالي سبيل إلى ذلك، ولكني أقفك على طريق مالك خازنها، والله أعلم بحاجتك. فاحتمله ووقفه على طريق مالك، فلما رآه كشر في وجهه، فكادت روحه تخرج، فأوحى الله عز وجل إلى مالك: وعزتي وجلالي لا رأى عبدي إدريس بعد كشرتك سوءاً، إرجع إليه وقفه على شفير جهنم ليرى ما فيها. فوقفه مالك على شفيرها ونظر إلى ما فيها من الأهوال، فلولا أن ثبته الله تعالى لصعق؛ ثم أعاده إلى مكانه، فاحمله ملك الموت إلى الأرض، فعبد الله عز وجل حيناً؛ ثم قال لملك الموت. هل لك أن تدخلني الجنة لأرى ما أعد الله تعالى لأهل طاعته من النعيم؟ فقال: حاجتك إلى الله تعالى، ولكني أحملك وأقف على طريق رضوان خازن الجنان فسله حاجتك. ففعل ذلك؛ فلما رآه رضوان قال: من هذا؟ قال: إدريس نبي الله يريد أن ينظر إلى نعيم الجنان. قال: ذلك إلى ربي. فأوحى الله تعالى إلى رضوان: أني قد علمت ما يريد عبدي إدريس، وقد أمرت غصناً من أغصان شجرة طوبى أن يتدلى إليه فيلتف به ويدخله الجنة، فإذا دخل فأقعده في أعلى موضع؛ فلما دخلها إدريس ورأى ما فيها منن النعيم قال له رضوان: أخرج الآن. قال له إدريس: أيدخل الجنة من يخرج منها؟ فحاجه في ذلك، فأرسل الله تعالى له ملك الموت، فقال له إدريس: ما حاجتك؟ إنك لن تسلط على قبض روحي مرتين، فاذهب. فرجع ملك الموت إلى ربه عز وجل وقال: إلهي قد علمت ما قال إدريس. قال الله تعالى: إنه حاجك بكلامي، فذره في جنتي. فذلك قوله تعالى: " واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقاً نبياً ورفعناه مكاناً علياً " .
هذا ما أورد الكسائي رحمه الله في كتاب المبتدأ.
ونقل الشيخ أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي رحمه الله في كتابه المترجم بيواقيت البيان في قصص القرآن وفي تفسيره أيضاً في سبب رفع إدريس عليه السلام، قال: وكان سبب رفعه على ما قال ابن عباس رضي الله عنهما وأكثر الناس: أنه سار ذات يوم فأصابه وهج الشمس، فقال: يا رب إني مشيت يوماً فتأذيت منها، فكيف من يحملها خمسمائة عام في يوم واحد؟! اللهم خفف عنه من ثقلها، واحمل عنه حرها. فلما أصبح الملك وجد خفة الشمس وخفة حرها ما لا يعرف؛ فقال: يا رب، خلقتني لحمل الشمس، فما الذي قضيت في؟ فقال: أما إن عبدي إدريس سألني أن أخفف عنك ثقلها وحرها، فأجبته. قال: يا رب اجمع بيني وبينه، واجعل بيني وبينه خلة. فأذن الله تعالى له، فأتى إدريس حتى إن إدريس ليسأله، فكان مما سأله أن قال: أخبرت أنك أكرم الملائكة عند ملك الموت وأمكنهم عنده، فاشفع لي إليه أن يؤخر أجلي فأزداد شكراً وعبادة. فقال الملك: لا يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها. قال إدريس: قد علمت ذلك، ولكنه أطيب لنفسي. قال: نعم أنا مكلمه لك، فما كان يستطيع أن يفعل لأحد من بني آدم فهو فاعله لك. ثم حمله ملك الشمس على جناحه، فرفعه إلى السماء ووضعه عند مطلع الشمس؛ ثم أتى ملك الموت، فقال: لي إليك حاجة. قال: أفعل كل شيء أستطيعه. فقال له: صديق لي من بني آدم يتشفع بي إليك أن تؤخر أجله. فقال: ليس ذلك إلي، ولكن إن أحببت أعلمه أجله من يموت فيتقدم في نفسه. قال: نعم. فنظر في ديوانه، فأخبره باسمه، فقال: إنك كلمتني في إنسان ما أراه يموت أبداً. ثم قال: إني لأجده يموت عند مطلع الشمس قال: فإني أتيتك وتركته هناك. قال: فانطلق فإنه قد مات، فوالله ما بقي من أجل إدريس شيء. فرجع الملك فوجده ميتاً.

(3/303)


قال: وقال وهب: كان يرفع له في كل يوم من العبادة مثل ما يرفع لأهل الأرض في زمانه. فعجبت منه الملائكة، فاشتاق إليه ملك الموت، فاستأذن الله تعالى في زيارته، فأذن له، فأتاه في صورة غلام؛ وكان إدريس يصوم الدهر كله فلما كان في وقت إفطاره دعاه إلى الطعام، فأبى أن يأكل معه، وفعل ذلك ثلاث ليال، فقال له إدريس في الليلة الثالثة: إني أريد أن أعلم منن أنت. قال: أنا ملك الموت، استأذنت ربي أن أزورك وأن أصاحبك، فأذن لي في ذلك. فقال إدريس: فلي إليك حاجة. قال: وما هي؟ قال: اقبض روحي؛ فأوحى الله تعالى فأوحى الله تعالى إليه: " اقبض روحه " . ففعل، ثم ردها الله تعالى إيه بعد ساعة، فقال له ملك الموت: فما الفائدة في سؤالك قبض الروح؟ قال: لأذوق كرب الموت وغمه فأكون له أشد استعداداً.
ثم قال: لي إليك حاجة أخرى، قال: وما هي؟ قال: ترفعني إلى السماء لأنظر إليها وإلى الجنة والنار. فأذن الله تعالى له في ذلك، فلما قرب من النار قال: لي إليك حاجة. قال له: وما تريد؟ قال: تسال مالكاً حتى يفتح لي أبوابها فأردها. ففعل؛ ثم قال له إدريس: فكما أريتني النار فأرني الحنة. فذهب إلى الجنة فاستفتح، ففتحت له أبوابها، فأدخله الجنة؛ فقال له ملك الموت: اخرج منها لتعود إلى مفرك. فتعلق بشجرة وقال: لا أخرج منها. فبعث الله تعالى ملكاً حكماً بينهما؛ فقال له الملك: مالك لا تخرج؟ قال: لأن الله تعالى قال: " كل نفس ذائقة الموت " وقد ذقته. وقال: " وإن منكم إلا واردها " وقد وردتها. وقال تعالى: " وما هم منها بمخرجين " فلست أخرج. قال الله تعالى لملك الموت: دعه فإنه بإذني دخل الجنة، وبأمري يخرج. فهو هناك، فتارة يعيد الله في السماء الرابعة، وتارة يتنعم في الجنة.
الباب الرابع من القسم الأول من الفن الخامس
قصة نوح (ع)
قال الكسائي رحمه الله تعالى: قال وهب بن منبه: لما رفع الله تعالى إدريس عليه السلام ترك إدريس في الأرض ولده متوشلح، فتزج بامرأة يقال لها: ميشاخا؛ فولدت له ولداً سماه لمك، وكان يرجع إلى قوة وبطش وكان يضرب بيده الشجرة العظيمة فيقتلعها من أصلها، وكان على وجهه نور نبيناً محمد صلى الله عليه وسلم، فخرج في يوم إلى البرية فرأى امرأة في نهاية الجمال وبين يديها غنم ترعاها، فأعجبته، فسألها عن نفسها، فقالت: أنا قينوش بنة براكيل بن محويل من أولاد قابيل بن آدم. فقال: ألك زوج؟ قالت: لا. قال: فما سنك؟ قالت: مائة وثمانون. قال: لو كنت بالغة لتزوجتك - وكان البلوغ يومئذ لاستيفاء مائتي سنة - فقالت: كان عندي أنك تريد أن تفضحني، فأما إذا أردت الزواج فقد أتى علي مائتا سنة وعشر سنين. فخطبها من أبيها، وأرغبه بالمال؛ فزوجه بها فحملت منه بنوح عليه السلام فلما كان وقت الولادة ولدته في غار خوفاً على نفسها وولدها من الملك لكونها تزوجت بمن ليس منهم؛ فلما وضعته هناك وأرادت الانصراف قالت: وا نوحاه. وانصرفت، فبقي في الغار أربعين يوماً؛ ثم توفي أبوه لمك؛ فاحتملته الملائكة ووضعته بين يدي أمه مزيناً مكحولاً، ففرحت به وربته حتى بلغ.
وكان ذا عقل وعلم ولسان وصوت حسن، واسع الجبهة، أسيل الخد، وكان يرعى الغنم لقومه مدة، وربما عالج التجارة؛ ثم كره مجاورة قومه لعبادتهم الأصنام.
وكان لهم ملك يقال له درمشيل؛ وكان جباراً عاتياً قوياً، وهو أول من شرب الخمر واتخذ القمار وقعد على الأسرة واتخذ الثياب المنسوجة بالذهب وأمر بصنعة الحديد والنحاس والرصاص؛ وكان هو وقومه يعبدون الأصنام الخمسة: وداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسرا؛ ثم اتخذ ألف صنم وسبعمائة صنم على صور شتى، واتخذ لها كراسي من الذهب والفضة، وأقام لها الخدم يخدمونها؛ فاعتزلهم نوح إلى البراري ولم يخالطهم حتى بعثه الله تعالى نبياً؛ والله أعلم بالصواب.
مبعث نوح(ع)

(3/304)


قال: فأمر الله تعالى جبريل عليه السلام أن يهبط إلى نوح ويبشره بالنبوة والرسالة؛ فهبط جبريل عليه، وجاءه بوحي الله أن يسير إلى درمشيل الملك وقومه ويدعوهم إلى عبادة الله تعالى؛ فأقبل نوح إلى قومه من يومه وكان يومن عيدهم وقد نصبوا أصنامهم على أسرتها وكراسيها، وهم يقربون القرابين لها، وكانوا إذا فعلوا ذلك يخرون لها سجداً ويشربون الخمر، ويضربون بالصنج، ويأتون النساء كالبهائم من غير تستر فجاءهم وهم يزيدون على تسعين زمرة، كل زمرة لا يحصون كثرة، فاخترق الصفوف حتى صار في وسط القوم، وسأل الله تعالى أن ينصره عليهم؛ فلما أرادوا السجود للأصنام نادى: أيها القوم، إني قد جئتكم بالنصيحة من عند ربكم أدعوكم إلى عبادته وطاعته، وأنهاكم عن عبادة هذه الأصنام " فاتقوا الله وأطيعون " . فخرقت دعوته الأسماع، وهوت الأصنام عن كراسيها، وسقط الملك عن سريره مغشياً عليه، فلما أفاق قال: يا أولاد قابيل، ما هذا الصوت الذي لم أسمع مثله؟ قالوا: أيها الملك، هذا صوت رجل منا اسمه نوح بن لمك كان يجانبنا قبل ذلك بجنونه، والآن قد اشتد عليه فقال ما قال. فغضب الملك واستدعاه، فأتوه به بعد أن ضربوه الضرب الشديد؛ فقال له: من أنت، فقد ذكرت آلهتنا بسوء؟ قال: أنا نوح بن لمك رسول رب العالمين، جئتكم بالنصيحة من عند ربكم لتؤمنوا به وبرسوله، وتهجروا هذه الأصنام والقبائح. فقال درمشيل؛ إنك قد جئتنا بما لا نعرفه، ولا نعتقد أنك عاقل، فإن كان بك جنة فنداويك أو فقر فنواسيك. قال: يا قوم، ما بي جنون ولا حاجة إلى ما في أيديكم، ولكني أريد أن تقولوا: لا إله إلا الله وإني نوح رسول الله. فغضب درمشيل وقال: لولا أنه يوم عيد لقتلناك.
فأول من آمن به امرأة من قومه يقال لها: عمرة فتزوجها فأولدها ساما وحاما ويافث وثلاث بنات؛ ثم آمنت به امرأة أخرى من قومه يقال لها: والعة فتزوجها فأولدها كنعان؛ ثم نافقت وعادت إلى دينها.
وكان نوح يخرج في كل يوم في أندية لقومه يدعوهم إلى عبادة الله تعالى فيضربونه حتى يغشى عليه، ويجرون برجله فيلقونه على المزابل، فإذا أفاق عاد إليهم بمثل ذلك، ويعاملونه بمثله؛ حتى أتى عليه ثلاثمائة سنة وهو على هذه الحال؛ ثم مات ملكهم درمشيل، وملك بعده ابنه بولين، وكان أعتى وأطغى من أبيه وكان نوح يدعوهم في القرن الرابع على عادته، فيضربونه ويشتمونه، وربما سفوا عليه التراب ويقولون: إليك عنا يا ساحر يا كذاب. ويضعون أصابعهم في آذانهم؛ فينصرف عنهم ويعد إليهم، وإذا خلا بالرجل منهم دعاه، وهم لا يزدادون إلا عتوا وتمرداً واستكباراً، وذلك قوله تعالى: " قال رب إني دعوت قومي ليلاً ونهاراً فلم يزدهم دعائي إلا فراراً وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكباراً " الآيات.
ثم دعاهم حتى استكمل ستة قرون؛ فلما دخل القرن السابع مات ملكهم بولين واستخلف عليهم ابنه طفردوس - وكان على عتو أبيه - وكان نوح يأتي أصنامهم بالليل وينادي بأعلى صوته: يا قوم، قولوا " لا إله إلا الله وإني نوح رسول الله " . فتنكس الأصنام؛ وكانوا يضربون نوحاً ضرباً شديداً، ويدوسون بطنه حتى يخرج الدم من أنفه وأذنيه.
وكان الرجل منهم عند وفاته يوصي أولاده ويأخذ عليهم العهد ألا يؤمنوا به، ويأتي الرجل بابنه إلى نوح ويقل: يا بني انظر إلى هذا فإن أبي حملني إليه وحذرني منه، فاحذره أن يزيلك عما أنت عليه فإنه ساحر كذاب. وهو بعد ذلك يدعوهم؛ فضجت الأرض إلى ربها وقالت: ما حلمك على هؤلاء؟ وضح كل شيء إلى ربه من عتوهم، ونوح يدعوهم ويذكرهم بآيات الله؛ فلما كان في بعض الأيام إذا هو برجل من كبار قومه قد أقبل بولده يحذره منه؛ فضرب الغلام بيده إلى كف تراب وضرب به وجه نوح، فعند ذلك قال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً. فأمنت الملائكة على دعوته، فمنع الله عنهم القطر والنبات؛ فعلم نوح أن الله مهلك قومه؛ فأحب أن يؤمن بعضهم إن لم يؤمنوا كلهم؛ فأوحى الله تعالى إليه: " أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تتئس بما كانوا يفعلون واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون " .
عمل السفينة

(3/305)


قال: وأوحى الله تعالى إليه أن يتخذها في ديار قومه، وأن يجعلها ألف ذراع طولاً وخمسمائة عرضاً وثلاثمائة ارتفاعاً، فأعد آلات النجارة، وشرع في عملها وأعانه أولاده ومن آمن من قومه، والناس يسخرون منه ويقولون: بعد النبوة صرت نجاراً، ونحن نشكو القحط، وأنت تبني للغرق. قال الله تعالى: " ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون فسوف تعلمون " ؛ وكانوا يأتون السفينة بالليل فيشعلون فيها النار ولا تحترق، فيقولون: هذا من سحرك يا نوح.
وجعل نوح رأس السفينة كرأس الطاوس، وعنقها كعنق النسر، وجؤجؤها كجؤجؤ الحمامة، وكوثلها كذنب الديك، ومنقارها كمنقار البازي، وأجنحتها كأجنحة العقاب؛ ثم غشاها بالزفت، وجعلها سبع طبقات لكل طبقة باب؛ فلما فرغ من بنائها نطقت بإذن الله وقالت: لا إله إلا الله إله الأولين والآخرين، أنا السفينة، من ركبني نجا، ومن تخلف عني غرق، ولا يدخلني إلا أهل الإخلاص. فقال نوح لقومه: أتؤمنون؟ قالوا: هذا قليل من سحرك. ثم استأذن ربه في الحج، فأذن له؛ فلما خرج هم القوم بإحراقها، فأمر الله الملائكة فاحتملوها إلى الهواء، فكانت معلقة حتى عاد من حجه. ولما قضى مناسكه رأى تابوت آدم عن يمين الكعبة، فسأل ربه في ذلك التابوت فأمر الملائكة فحملوه إلى دار نوح - وكانت يومئذ في مسجد الكوفة - فلما رجع من حجة نزلت السفينة من الهواء، ثم أوحى الله إليه: أن قد دنا هلاك قومك " فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم " . ثم أمره الله تعالى أن ينادي في الوحش والسباع والطير والهوام والأنعام؛ فوقف على سطح منزله، ونادى: " هلموا إلى السفينة المنجية " . فمرت دعوته إلى الشرق والغرب والبعد والقرب، فأقبلت إليه أفواجاً.
فقال: إنما أمرت أن أحمل من كل زوجين اثنين، فأقرع بينهم، فأصابت القرعة من أذن الله في حمله، وكان معه من بني آدم ثمانون إنساناً بني رجل وامرأة؛ فلما كان في مستهل شهر رجب نودي من التنور وقت الظهر: قم يا نوح فاحمل في سفينتك من كل زوجي اثنين من الذكر زوجاً ومن الأنثى زوجاً، فحملها. وكان معه جسد آدم وحواء؛ وتباطأ عليهم الحمار في صعوده، لأن إبليس تعلق بذنبه؛ فقال نوح بالنبطية: على سيطان، يعني ادخل يا شيطان؛ فدخل ومعه إبليس فرآه نوح فقال: يا ملعون، من أدخلك؟ قال: أنت حيث قلت: على سيطان: فعاهده ألا يغوي أهل السفينة ما داموا فيها؛ ثم أوحى الله إلى جبريل أن يأمر خزنة الماء أن يرسلوه بغير كيل ولا مقدار وأن تضرب المياه بجناح الغضب. ففعل ذلك، ونبعت العيون، وهطلت السماء " فالتقى الماء على أمر قد قدر " وكان ماء السماء أخضر، وماء الأرض أصفر؛ وأمر الله الملائكة أن يحملوا البيت إلى سماء الدنيا؛ وكان الحجر يومئذ أشد بياضاً من الثلج، فيقال إنه أسود من خوف الطوفان، وقال نوح عند ركوبه السفينة ما أخبرنا الله عنه في كتابه العزيز: " وقال اركبوا فيها باسم الله مجريها ومرساها إن ربي لغفور رحيم وهي تجري بهم في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بنيهما الموج فكان من المعرقين " .
قال: كان ابنه هذا كنعان.
قال: وكانوا لا يعرفون الليل من النهار إلا بخرزة كانت مركبة في صدر السفينة بيضاء، فإذا نقص ضوءها علموا أنه النهار، وإذا ازداد علموا أنه الليل؛ وكان الديك يصيح عند أوقات الصلاة؛ وعلا الماء على الجبال أربعين ذراعاً؛ وسارت السفينة حتى بلغت موضع الكعبة، فطافت سبعاً، ونطقت بالتلبية؛ وكانت لا تقف في موقف إلا وتناديه: يا نوح هذه بقعة كذا، وهذا جبل كذا؛ حتى طافت به الشرق والغرب ورجعت إلى ديار قومه، فقالت: يا نبي الله، ألا تسمع صلصلة السلاسل في أعناق قومك؟ قال الله تعالى: " مما خطيئاتهم أغرقوا فادخلوا ناراً " ؛ ولم تزل السفينة كذلك ستة أشهر آخرها ذو الحجة.

(3/306)


وقيل: كان ركوب نوح ومن معه السفينة لعشر خلون من شهر رجب وذلك لتتمة ألفي سنة ومائتي سنة وخمسين سنة من لدن أهبط الله تعالى آدم عليه السلام وخرجوا منها في العاشر من المحرم بعد مضي ستة أشهر؛ ثم استقرت على جبل الجودي، قال الله تعالى: " وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعداً للقوم الظالمين، ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين، قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح " .
قال: ثم فتح نوح باب السفينة، فنظر إلى الأرض بيضاء من عظام قومه؛ وبعث الغراب لينظر ما بقي على وجه الأرض من الماء، فأبطأ، فبعث الحمامة فانطلقت شرقاً وغرباً وعادت مسرعة، فقالت: يا نبي الله، هلكت الأرض ومن عيها، وأما الماء فإني لا أراه إلا ببلاد الهند، ولم تبق على وجه الأرض شجرة إلا الزيتون، فإنها على حالها. فأوحى الله تعالى إلى نوح: " اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك " فخرج من السفينة وأخرج من فيها، وأعاد الله الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم والأشجار والنبات كما كانت، وتفرق الوحش والسباع والطيور وغيرها في الأرض، وأمر نوح فبنيت قرية في أسفل جبل الجودي وسميت قرية ثمانين على عددهم.
قيل: هي الجزيرة، وهي أول قرية بنيت على وجه الأرض بعد الطوفان ثم قسم نوح الأرض بين أولاده الثلاثة: سام وحام ويافث، فأعطى سام الحجاز واليمن والشام، فهو أبو العرب، وأعطى حام بلاد المغرب فهو أبو السودان وأعطى يافث بلاد المشرق، فهو أبو الترك.
ثم أوحى الله عز وجل إلى نوح أن يرد التابوت إلى المكان الذي أخذ منه، فرده.
دعوته على ابنه حام
ودعوته لابنه سام
قال: ولما استقر الأمر قال نوح لبنيه: إني أحب أن أنام، فإنني لم أتهنأ بالنوم منذ ركبت الفلك. فوضع رأسه في حجر ابنه حام، فهبت الريح فكشفت عن سوءتهن فضحك حام، وغطاه سام؛ فانتبه فقال: ما هذا الضحك؟ فأخبره سام، فغضب وقال لحام: أتضحك من سوءة أبيك؟ غير الله خلقتك، وسود وجهك. فاسود وجهه لوقته. وقال لسام: سترت عورة أبيك، ستر الله عيك في هذه الدنيا، وغفر لك في الآخرة. وجعل من نسلك الأنبياء والأشراف، وجعل من نسل حام الإماء والعبيد، وجعل من نسل يافث الجبابرة والأكاسرة والملوك العاتية.
وصية نوح ووفاته قال كعب: بعث الله عز وجل نوحاً إلى قومه وله مائتان وخمسون سنة ولبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، وعاش بعد الطوفان مائتي سنة؛ فلما حضرته الوفاة دعا ابنه سام وقال له: أوصيك يا بني باثنين، وأنهاك عن اثنين: أوصيك " بشهادة أن لا إله إلا الله " فإنها تخرق السموات السبع، لا يحجبها شيء، والثانية أن تكثر من قولك: " سبحان الله وبحمده " ، فإنها جامعة الثواب، وأنهاك عن الشرك بالله، والاتكال على غير الله. فلما فرغ من ذلك أتاه ملك الموت، فسلم عليه فقال: من أنت؟ فقد ارتاع قلبي من سلامك. قال: أنا ملك الموت، جئت لقبض روحك. فتغير وجهه وجزع، فقال له: ما هذا الجزع، ألم تشبع من الدنيا وطول عمرك؟ قال: ما شبهت ما مضى من عمري في الدنيا إلا بدار لها بابان دخلت من أحدهما وخرحت من الآخر. فناوله ملك الموت كأساً فيها شراب وقال: اشرب هذا حتى يسكن روعك. فلما شربه خر ميتاً عليه السلام والله الموفق.
أولاد نوح فأما حام فإنه واقع زوجته فولدت غلاماً وجارية سوداً، فأنكرهما حام؛ فقالت امرأته: " لحقتك دعوة أبيك " . فلم يقربها حيناً؛ ثم واقعها فولدت مثلهما فتركها حام وهرب على وجهه فلما كبر الولدان الأولان خرجا في طلب أبيهما حتى بلغا قرية على شاطئ البحر، فنزلاها، وواقع الغلام أخته فحملت منه وولدت غلاماً وجارية؛ وأقاما في ذلك الموضع لا مأكل لهما إلا السمك؛ فرجع حام في طلب ولديه فلم يجدهما، فاغتم لذلك؛ ثم ماتت امرأته، فخرج الولدان الآخران في طلب أخويهما حتى صارا إلى قرية أخرى على الساحل خربة، فنزلاها فسمع بهما الأخوان اللذان في البطن الأول، فلحقا بهما؛ ونزلوا هناك، ووطئ كل منهما أخته؛ فرزقوا أولاداً، وكثر منهم النسل، وانتشروا في أعلى الأرض على ساحل البحر، فمنهم النوبة والزنج والبربر والهند والسند وجميع طوائف السودان.

(3/307)


وأما يافث بن نوح، فإنه صار إلى المشرق، فولد له هناك خمسة أولاد: جومر وتيرس وأشار وسفويل ومياشخ؛ فمن جومر جميع الصقالبة والروم وأجناسهم؛ ومن تيرس جميع الترك والخزر وأجناسهم، ومن مياشخ جميع أصناف العجم؛ ومن أشار يأجوج ومأجوج؛ ومن سفويل جميع الأرمن.
وأما سام بن نوح فولد خمسة أولاد: أرفخشذ، وهو أب العرب، ولاوذ وهو أبو العمالقة، وأشور، وهو أبو النسناس؛ وعيلم، وهو أبو العادية الأولى، وإرم، وهو أبو عاد وثمود، ورزق غيرهم ممن لم يعقب.
الباب الخامس من القسم الأول من الفن الخامس
قصة هود (ع)
قال وهب: كان ملك عاد الأكبر اسمه الخلجان بن عاد بن العوص بن إرم ابن سام؛ وكان قومه يرجعون إلى فصاحة وشعر، وكان له ثلاثة أصنام: صدا وهبا، وصمو؛ وكان ملكهم قد حلى هذه الأصنام بأنواع الحلي، وطيبها، وجعل لها عدة من الخدم بعدد أيام السنة؛ فعتوا في المعاصي، وانهمكوا على عبادة الأصنام؛ وكان فيهم رجل من أشرافهم اسمه الخلود بن معيد بن عاد، وكان له بسطة في الخلق وقوة في الجسم، مع الحسن والفصاحة؛ وكان إذا قيل له: لم لا تتزوج وقد بلغت سن أبيك؟ يقول: رأيت في المنام كأن سلسلة بيضاء قد خرجت من ظهري، ولها نور كالشمس، وقيل لي: إذا رأيت هذه السلسلة قد خرجت من ظهرك ثانية فتزوج بالتي تؤمر بتزوجها؛ ولم أراها بعد، وقد عزمت على التزوج. وقام ليعبر بيت الأصنام يدعو بالتوفيق في التزوج، فلما هم بالدخول لم يقدر، وسمع هاتفاً يقول: يا خلود، ما لمن في ظهرك والأصنام؟ فلم يعد إليها. ثم رأى بعد ذلك في منامه السلسلة وقد خرجت من ظهره وقائلاً يقول: " قم يا خلود فتزوج بابنة عمك " فانتبه وخطبها وتزوجه، وواقعها فحملت بهود؛ وأصبح القوم وهم يسمعون من جميع النواحي: هذا هود قد حملت به أمه، ويلكم، إن لم تطيعوه هلكتم.
ووضعته أمه في ليلة الجمعة، فوقعت الرعدة على قبائل عاد، ولم يعلموا ما حالهم، فعلموا أن قد ولد لخلود ولد، فقال بعضهم لبعض: ليكونن لهذا الولد شأن فاحذروه. فخرج أحسن الناس وجهاً، وأكملهم عقلاً، وسمته أمه عابر، فرأته أمه ذات يوم يصلي، فقالت: لمن هذه العبادة يا بني؟ قال: لله الذي خلقني وخلق الخلق. قالت: أليس هي لأصنامنا؟ قال: إن أصنامكم لا تضر ولا تنفع وإنما الشيطان قد زين لكم عبادتها. قالت: اعبد إلهك يا بني، فقد رأيت منك حين كنت حملاً وطفلاً عجائب كثيرة.
مبعث هود قال: ولم يزل هود في ديار قومه يجادلهم في أصنامهم، حتى أتت عليه أربعون سنة، فبعثه الله عز وجل إلى قومه رسولاً، وأتاه الوحي، فانطلق إليهم وهم متفرقون في الأحقاف، وهي الرمال والتلال وكانت مساكنهم ما بين عمان إلى حضرموت إلى الأحقاف إلى عالجة فأتاهم في يوم عيد لهم وقد اجتمع الملوك على الأسرة والكراسي، وملكهم الخلجان على سرير من ذهب وهو منسوج وقد أحدقت به قبائل عاد، وهم في اللهو والطرب؛ فلم يشعروا إلا وهود " قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون " وهذه الأصنام التي تعبدونها هي التي أغرقت قوم نوح، ولستم أكرم على ربكم منهم، فاستغفروا ربكم من عبادة هذه الأصنام. والأصنام تربح؛ فقال له ملكهم: ويحك يا هود، أقبل إلي. فتقدم إليه، فلما صار بين يدي الملك صاح صيحة أجابه الوحش والسباع: أبلغ ولا تخف. فامتلأت قلوب الناس خوفاً، فقام إليه رجل منهم وقال: يا هود، صف لنا إلهك. فوصف عظمة الله، وأنه " ليس كمثله شيء " - وكان الذي سأله عمرو بن الحلى - فلما فرغ من كلامه قال له الملك: يا هود، أتظن أن إلهك يقدر علينا وهذه كثرة جموعنا وشدة قوتنا؟ قال الله تعالى: " أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة " .
فأول من آمن بهود رجل من قومه يقال له جنادة بن الأصم وأربعون من بني عمه؛ ث انصرف إلى منزله.
فلما كان من الغد أقبل جنادة وبنو عمه حتى وقفوا على جماعة من سادات قومه، فقال: يا قوم لا تمنعكم مرارة الحق أن تقبلوه، ولا حلاوة الباطل أن تتركوه؛ وهذا ابن عمكم هود قد عرفتم صدقه، وقد أتاكم من عند الله ورسولاً وواعظاً فاتقوا الله وأطيعوه. وحذرهم، فحصبوه وشتموه، فرجع إلى هود.

(3/308)