صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : نهاية الأرب في فنون الأدب
المؤلف : النويري
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وزينب هذه هي زينب بنت يوسف الثقفي أخت الحجاج، وكان النميري يهواها ويشبب بها، وله معها أخبارٌ يطول شرحها ليس هذا موضع إيرادها قال: فقالت له عائشة لما أنشدها هذا الشعر: والله ما قلت إلا جميلا، ولا وصفت إلا كرما وطيباً ودينا وتقىً، أعطوه ألف درهم. فلما كانت الجمعة الأخرى تعرض لها، فقالت: علي به؛ فجاء فقالت له: أنشدني من شعرك في زينب؛ قال: فأنشدك من قول الحارث فيك. فوثب مواليها إليه، فقالت: دعوه فإنه أراد أن يستقيد لأبنة عمه، هات؛ فأنشدها:
ظعن الأمير بأحسن الخلق ... وغدا بلبّك مطلع الشرق
وتنوء تثقلها عجيزتها ... نهض الضعيف ينوء بالوسق
ما صبّحت زوجاً بطلعتها ... إلا غدا بكواكب الطّلق
بيضاء من تيم كلفت بها ... هذا الجنون وليس بالعشق
فقالت: والله ما ذكر إلا جميلا، ذكر أني إذا صبحت زوجا بوجهي غدا بكواكب الطلق، وأني غدوت مع أمير تزوجني إلى الشرق، أعطوه ألف درهم وأكسوه حلتين ولا تعد لإنياننا يا نميري؛ والله أعلم ولنرجع إلى أخبار المغنين.
أخبار محمد بن عائشة
يكنى أبا جعفر ولم يكن له أبٌ يعرف فنسب إلى أمه؛ وكان يزعم أن أسم أبيه جعفر. وعائشة أمه مولاةٌ لكثير بن الصلت الكندي حليف قريش، وقيل: هي مولاة لآل المطلب بن أبي وداعة السهمي. وقال أبن عائشة وقد سأله الوليد بن يزيد فقال: يا محمد ألبغيةٍ أنت ؟ : كانت أمي يا أمير المؤمنين ماشطةً وكنت غلاما، وكانت إذا دخلت إلى موضع قالت: أرفعوا هذا لأبن عائشة، فغلبت على نسبي. قالوا: وكان أبن عائشة يفتن كل من سمعه، وكان فتيان من المدينة قد فسدوا في زمانه بمحادثته ومجالسته. وأخذ عن معبد ومالك بن أبي السمح، ولم يموتا حتى ساواهما على تقديمه لهما وأعترافه بفضلهما. وكان تياهاً سيئ الخلق، إن قال له إنسان: تغن قال: ألمثلي يقال هذا ! فإن غنى وقال له إنسان: أحسنت، سكت؛ فكان قليلا ما ينتفع به.
وكان أبن عائشة منقطعاً إلى الحسن بن الحسن، وكان الحسن مكرما له. فسأله الحسن أن يخرج معه إلى البغيبغة، فأمتنع أبن عائشة، فأقسم عليه وأظهر الجد. فلما عاين ما ظهر عليه قال: أخرج طائعا لا كارها؛ فأمر له ببغلة فركبها ومضيا إلى البغيبغة، فنزلا الشعب ثم أكلوا. وقال له: غنني، فأندفع فغناه صوتا فأستحسنه. فقال ابن عائشة: والله لا غنيتك في يومي هذا شيئا. فأقسم الحسن ألا يفارق البغيبغة ثلاثة أيام. فأغتم أبن عائشة ليمينه وندم. فلما كان في اليوم الثاني قال له: إن فقد برت يمينك؛ فنظر إلى ناقةٍ تقدم جماعة إبلٍ فأندفع يغني:
تمرّ كجندلة المنجني ... ق يرمي بها السّور يوم القتال
وهي أبيات لأمية بن أبي عائذ الهذلي يصف حمارا وحشياً؛ والبيت يمر بالياء. وقيل: سال العقيق مرةً فدخل عرصة سعيد بن العاص الماء حتى ملأها، فخرج الناس إليها، وخرج أبن عائشة فجلس على قرن البئر. فبينما هم كذلك إذ طلع الحسن على بغلة ومعه غلامان أسودان، فقال لهما: امضيا رويدا حتى تقفا بأصل القرن الذي عليه أبن عائشة، ففعلا ذلك. ثم ناداه الحسن: كيف أصبحت يا بن عائشة قال: بخير. قال: أنظر من تحتك، فنظر فإذا العبدان. قال: أتعرفهما ؟ قال نعم. قال: فهما حران لئن لم تغنني مائة صوت لآمرنهما بطرحك في البئر، وهما حران لئن لم يفعلا لأقطعن أيديهما. فأندفع أبن عائشة وغنى بشعر الهذلي:
ألا لله درّك من ... فتى قومٍ إذا رهبوا
وقالوا من فتىً للحر ... ب يرقبنا ويرتقب
فكنت فتاهم فيها ... إذا تدعى لها تثب
ذكرت أخي فعاودني ... صداع الرأس والوصب
كما يعتاد ذات البوّ ... بعد سلوّها الطّرب
على عبد بن زهرة بتّ ... طول الليل أنتحب
وروى أبو الفرج الأصفهاني ببسند رفيه إلى حماد الراوية: أن الوليد بن يزيد أستقدمه من العراق إلى الشام على دواب البريد. وكان مما حكاه عنه قال: قدمت عليه فأذن لي، فدخلت فإذا هو على سريرٍ ممهد وعليه ثوبان أصفران وعنده معبدٌ ومالك بن أبي السمح وأبو كامل مولاه، فأستنشدني:
أمن المنون وريبها تتوجّع
فأنشدته حتى أتيت على آخرها. ثم قال: يا مالك، غنني:

(1/491)


ألا هل هاجك الأظعا ... ن إذ جاوزن مطّلحا
فغناه. ثم قال: غنني:
جلا أميّة عنّي كلّ مظلمةٍ ... سهل الحجاب وأوفى بالذي وعدا
فغناه. ثم قال: غنني:
أتنسى إذ تودّعنا سليمى ... بفرع بشامةٍ، سقي البشام !
فغناه؛ ثم أتاه الحاجب فقال: يا أمير المؤمنين، الرجل الذي طلبت بالباب، فأذن له فدخل شابٌ لم أر أحسن وجهاً منه. فقال له: غنني:
وهي إذ ذاك عليها مئزرٌ ... ولها بيت جوارٍ من لعب
فغناه، فنبذ إليه الثوبين، ثم قال: غنني:
طاف الخيال فمرحبا ... ألفاً برؤية زينبا
فغضب معبدٌ وقال: يا أمير المؤمنين، إنا مقبلون عليك بأقدارنا وأسناننا وإنك تركتنا بمزجر الكلب وأقبلت على هذا الصبي. فقال: يا أبا عباد، ما جهلت قدرك ولا سنك، ولكن هذا الغلام طرحني في مثل الطناجير من حرارة غنائه. قال حماد: فسألت عن الغلام فقيل لي: هو أبن عائشة.
وحكى عن شيخ من تنوخ قال: كنت صاحب ستر الوليد بن يزيد، فرأيت أبن عائشة عنده وقد غناه:
إني رأيت صبيحة النّفر ... حوراً نفين عزيمة الصبر
مثل الكواكب في مطالعها ... بعد العشاء أطفن بالبدر
وخرجت أبغي الأجر محتسبا ... فرجعت موفوراً من الوزر
فطرب الوليد حتى كفر وألحد، وقال: يا غلام، أسقنا بالسماء السابعة، ثم قال: أحسنت والله يا أميري، أعد بحق عبد الشمس فأعاد، ثم قال: أحسنت يا أميري والله، أعد بحق أمية فأعاد، ثم قال: أعد بحق فلان حتى بلغ من الملوك نفسه، فقال: أعد بحياتي فأعاده؛ فقام فأكب عليه، فلم يبق عضوٌ من أعضائه إلا قبله؛ ثم نزع ثيابه فألقاها عليه وبقي مجردا إلى أن أتوه بمثلها، ووهب له ألف دينار وحمله على بغلة وقال: أركبها بأبي أنت وأنصرف، فقد تركتني على مثل المقلى من حرارة غنائك. فركبها على بساطه وأنصرف.
وحكى أيضا أن أبن عائشة أنصرف من عند الوليد وقد غناه:
أبعدك معقلاً أرجو وحصناً ... قد أعيتني المعاقل والحصون
فأمر له بثلاثين ألف درهم وبمثل كارة القصار كسوةً. فبينا أبن عائشة يسير إذ نظر إليه رجلٌ من أهل وادي القرى، وكان يشتهي الغناء ويشرب النبيذ، فقال لغلامه: من هذا الراكب ؟ قال: أبن عائشة المغني، فدنا منه فقال: جعلت فداءك ! أنت أبن عائشة أم المؤمنين ؟ قال: لا أنا مولىً لقريش وعائشة أمي، وحسبك هذا. قال: وما هذا الذي أراه بين يديك من المال والكسوة ؟ قال: غنيت أمير المؤمنين صوتا فأطربه فكفر وترك الصلاة وأمر لي بهذا المال وهذه الكسوة. قال: جعلت فداءك ! فهل تمن علي أن تسمعني ما أسمعته إياه ؟ فقال: ويلك ! أمثلي يكلم بهذا في الطريق ! قال: فما أصنع ؟ قال: ألحقني بالباب. وحرك أبن عائشة بغلته لينقطع عنه، فعدا معه حتى وافيا الباب كفرسي رهانٍ. ودخل أبن عائشة فمكث طويلا طمعاً ان يضجر فينصرف، فلم يفعل حتى أعياه. فقال لغلامه: أدخله، فلما دخل، قال له: ويلك ! من أين صبك الله علي ! قال: أنا رجل من أهل وادي القرى أشتهي هذا الغناء. فقال له: هل لك فيما هو أنفع لك منه ؟ قال: وما ذاك ؟ قال: مائتا دينار وعشرة أثواب تنصرف بها إلى أهلك. فقال له: جعلت فداءك ! والله إن لي بنيةً ما في أذنها علم الله حلقةٌ من الورق فضلا عن الذهب، وإن لي زوجةً ما عليها شهد الله قميصٌ، ولو أعطيتني جميع ما أمر لك به أمير المؤمنين على هذه الحالة والفقر اللذين عرفتكهما وأضعفت لي هذا لكان الصوت أعجب إلي. فتعجب أبن عائشة وغناه الصوت، فجعل يحرك رأسه ويطرب له طرباً شديدا حتى ظن أن عنقه ستنقصف؛ ثم خرج من عنده ولم يرزأه شيئا. وبلغ الخبر الوليد بن يزيد، فسأل أبن عائشة عنه، فجعل يغيب عن الحديث؛ فلم يزل به حتى صدقه الحديث، طلب الرجل، فطلب حتى أحضر إليه ووصله صلةً سنيةً وجعله من ندمائه ووكله بالسقي؛ فلم يزل معه حتى قتل رحمه الله.
وعن علي بن الجهم الشاعر قال: حدثني رجل أن أبن عائشة كان واقفا بالموسم مهجرا. فمر به بعض أصحابه فقال: ما يقيمك ها هنا ؟ قال: إني أعرف رجلا لو تكلم لحبس الناس ها هنا فلم يذهب أحدٌ ولم يجئ. فقال له الرجل: ومن ذاك ؟ قال: أنا؛ ثم أندفع يغني:

(1/492)


جرت سنحاً فقلت لها أجيزي ... نوىً مشمولةً فمتى اللّقاء
بنفسي من تذكّره سقامٌ ... أعانيه ومطلبه عناء
قال: فحبس الناس وأضطربت المحامل ومدت الإبل أعناقها، فكادت الفتنة أن تقع. فأتي به هشام بن عبد الملك، فقال له: يا عدو الله ؟ أردت أن تفتن الناس ؟ قال: فأمسك عنه وكان تياهاً؛ فقال له هشام: ارفق بتيهك. فقال: يحق لمن كانت هذه مقدرته على القلوب أن يكون تياها ؟! فضحك هشامٌ وخلى سبيله.
وأختلف في وفاة أبن عائشة وسببها. فقيل: كانت وفاته في أيام هشام بن عبد الملك، وقيل: في أيام الوليد بن يزيد وهو أشبه، لأنه قد تقدم أنه نادم الوليد وغناه. والذي يقول: إنه توفي في أيام هشام يزعم أنه نادم الوليد في أيام ولايته العهد. وكانت وفاته بذي خشبٍ، وهو على أميال من المدينة. قيل: كان سبب وفاته أن الغمر بن يزيد خرج إلى الشام؛ فلما نزل قصر ذي خشبٍ جلس على سطحه، فغنى أبن عائشة صوتاً طرب له الغمر، فقال: أعده فأبى، وكان لا يردد صوتا لسوء خلقه. فأمر به فطرح من أعلى السطح فمات. وقيل: بل قام من الليل يبول وهو سكران فسقط من السطح فمات. وقيل: بل كان قد رجع من عند الوليد بن يزيد، فلما قرب من المدينة نزل بذي خشب، وكان والي المدينة إبراهيم بن هشام المخزومي وكان في قصره هناك، فدعاه فأقام عنده ذلك اليوم. فلما أخذوا في الشرب أخرج المخزومي جواريه، فنظر إلى أبن عائشة وهو يغمز جاريةً منهن؛ فقال لخادمه: إذا خرج أبن عائشة يريد حاجته فأرم به من القصر، وكانوا يشربون في سطح القصر. فلما قام رماه الخادم فمات. وقيل: بل أقبل من الشام فنزل بقصر ذي خشب فشرب فيه ثم صعد إلى أعلى القصر فنظر إلى نسوة يمشين في ناحية الوادي، فقال لأصحابه: هل لكم فيهن ؟ فقالوا: وكيف لنا بهن ! فلبس ملاءةً مدلوكةً ثم قام على شرفة من شرفات القصر وتغنى بشعر أبن أذينة:
وقد قالت لأترابٍ ... لها زهرٍ تلاقينا
تعالين فقد طاب ... لنا العيش تعالينا
فأقبلن عليه، فطرب وأستدار فسقط فمات، عفا الله تعالى عنه ورحمه. وقيل: بل مات بالمدينة. وأول هذه الأبيات:
سليمى أزمعت بينا ... وأين لقاؤها أينا
وقد قالت لأترابٍ ... لها زهرٍ تلاقينا
تعالين فقد طاب ... لنا العيش تعالينا
فأقبلن إليها مس ... رعات يتهادينا
إلى مثل مهارة الرم ... ل تكسو المجلس الزّينا
إلى خودٍ منّعمة ... حففن بها وفدّينا
تمنّين مناهنّ ... فكنّا ما تمنّينا
أخبار أبن محرز
هو مسلم، وقيل: عبد الله بن محرز. ويكنى أبا الخطاب. مولى عبد الدار بن قصي. وكان أبوه من سدنة الكعبة، وأصله من الفرس. وكان يسكن المدينة مرةً ومكة مرةً. فكان إذا أتى المدينة أقام بها ثلاثة أشهر يتعلم الضرب من عزة الميلاء ثم يرجع إلى مكة فيقيم بها ثلاثة أشهر. ثم شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم. وأسقط من ذلك ما لا يستحسن من غناء الفريقين ونغمهم وأخذ محاسنها، فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتي بما لم يسمع مثله. وكان يقال له صناج العرب.
وقيل: إنه أول من أخذ الغناء عن أبن مسجح. وهو أول من غنى بالرمل وما غنى قبله. وكان أبن محرز قليل الملابسة للناس، فأخمل ذلك ذكره. وأخذ أكثر غنائه جاريةٌ كانت لصديق له من أهل مكة كانت تألفه فأخذه الناس عنها. ومات بعلة الجذام، وكان ذلك سبب أمتناعه من معاشرة الخلفاء ومخالطة الناس.
وحكى أنه رحل إلى العراق، فلما بلغ القادسية لقيه حنينٌ فقال له: كم منتك نفسك من العراق ؟ قال: ألف دينار؛ قال: هذه خمسمائة دينار فخذها وأنصرف وأحلف ألا تعود، ففعل. فلما شاع ما فعل حنينٌ لامه أصحابه: فقال: والله لو دخل العراق ما كان لي معه خبزٌ آكله ولأطرحت ثم سقطت إلى آخر الدهر. ولم أقف من أخبار أبن محرز على أكثر من هذا فأورده. والسلام.
أخبار مالك بن أبي السمح

(1/493)


هو أبو الوليد مالك بن أبي السمح. وأسم أبي السمح جابر بن ثعلبة الطائي، وأمه قرشيةٌ من بني مخزوم؛ وقيل: بل أم أبيه منهم؛ وقيل فيه: مالك بن أبي السمح بن سليمان. وكان أبوه منقطعاً إلى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ويتيماً في حجره أوصى به أبوه إليه. وكان مالكٌ أحول طويلا. وأخذ الغناء عن جميلة ومعبد وعمر، وأدرك الدولة العباسية. وكان منقطعاً إلى بني سليمان بن علي، ومات في خلافة أبي جعفر المنصور.
وروى الأصفهاني بسنده إلى الورداني، قال: كان مالك بن أبي السمح المغني من طيء، فأصابتهم حطمة في بلادهم بالجبلين، فقدمت به أمه وبإخوة له وأخواتٍ أيتامٍ لا شيء لهم. وكان يسأل الناس على باب حمزة بن الزبير. وكان معبدٌ منقطعا إلى حمزة يكون عنده في كل يوم. فسمع مالكٌ غناءه فأعجبه وأشتهاه. وكان لا يفارق باب حمزة يسمع غناء معبد إلى الليل ولا يطوف بالمدينة ولا يطلب من أحد شيئا ولا يريم موضعه، فينصرف إلى أمه ولم يكسب شيئا فتضربه، وهو مع ذلك يترنم بألحان معبد فيؤديها نغماً بغير لفظ. وجعل حمزة كلما غدا أو راح رآه ملازما لبابه؛ فقال لغلامه يوما: أدخل هذا الغلام إلي فأدخله الغلام إليه؛ فقال له حمزة: من أنت ؟ قال: غلام من طيء أصابتنا حطمة بالجبلين فهبطنا إليكم ومعي أمٌ لي وإخوةٌ، وإني لزمت بابك فسمعت من دارك صوتاً أعجبني ولزمت بابك من أجله. قال: فهل تعرف منه شيئا ؟ قال: أعرف لحنه كله ولا أعرف الشعر. فقال: إن كنت صادقاً إنك لفهمٌ. ودعا بمعبد فأمره أن يغني صوتا فغناه، ثم قال لمالك: هل تستطيع أن تقوله ؟ قال نعم. قال: هاته؛ فأندفع فغناه فأدى نغمه بغير شعر، يؤدي مداته ولياته وعطفاته ونبراته ومتعلقاته لا يخرم منه حرفا. فقال لمعبد: خذ هذا الغلام إليك وخرجه فليكونن له شأنٌ. قال معبد: ولم أفعل ذلك ؟ قال: لتكون محاسنه منسوبة إليك وإلا عداك إلى غيرك فكانت محاسنه منسوبةً إليه. فقال معبد: صدق الأمير، وأنا أفعل ما أمرتني به. قال حمزة لمالك: كيف وجدت ملازمتك لبابنا ؟ قال: أرأيت إن قلت فيك غير الذي أنت له مستحق من الباطل أكنت ترضى بذلك ؟ قال لا. قال: وكذلك لا يسرك أن تحمد بما لم تفعل؛ قال نعم. قال: فوالله ما شبعت على بابك شبعةً قط، ولا أنقلبت إلى أهلي منه بخير. فأمر له ولأمه ولإخوته بمنزل وأجرى عليهم رزقاً وكسوةً وأمر لهم بخادم يخدمهم وعبدٍ يسقيهم الماء، وأجلس مالكا معه في مجالسه، وأمر معبداً أن يطارحه فلم ينشب أن مهر. فخرج مالك يوما فسمع أمرأة تنوح على زيادة الذي قتله هدبة بن خشرم والشعر لأخي زيادة :
أبعد الذي بالنّعف نعف كويكب ... رهينة رمسٍ ذي ترابٍ وجندل
أذكّر بالبقيا على من أصابني ... وذلك أنّي جاهدٌ غير مؤتلي
فلا يدعني قومي لزيد بن مالكٍ ... لئن لم أعجّل ضربةً أو أعجّل
وإلاّ أنل ثأري من اليوم أو غدٍ ... بني عمّنا فالدّهر ذو متطوّل
أنختم علينا كلكل الحرب مرةً ... بني عمّ؟نا منيخوها عليكم بكلكل

(1/494)


فغنى في هذا الشعر لحنين، أحدهما نحا فيه نحو المرأة في نوحها ورققه وأصلحه، والآخر نحا فيه نحو معبد في غنائه. ثم دخل على حمزة فقال له: أيها الأمير، إني قد صنعت غناءً في شعر سمعت أهل المدينة ينشدونه وقد أعجبني، فإن أذن الأمير غنيته. قال: هات؛ فغنى اللحن الذي نحا فيه نحو معبدٍ؛ فطرب حمزة وقال: أحسنت يا غلام، هذا الغناء غناء معبدٍ بطريقته. قال: لا تعجل أيها الأمير وأسمع مني شيئاً ليس من غناء معبد ولا طريقته؛ فغناء اللحن الذي تشبه فيه بنوح المرأة. فطرب حمزة حتى ألقي عليه حلةً كانت عليه قيمتها مائتا دينار. ودخل معبدٌ فرأى حلة حمزة على مالكٍ فأنكرها. وعلم حمزة بذلك فأخبر معبداً بالسبب، وأمر مالكا فغناه الصوتين. فغضب معبد لما سمع الصوت الأول وقال: قد كرهت أن آخذ هذا الغلام فيتعلم غنائي فيدعيه لنفسه. فقال حمزة: لا تعجل وأسمع غناءً صنعه ليس من شأنك ولا غنائك، وأمره أن يغني الصوت الآخر فغناه، فأطرق معبدٌ. فقال له حمزة: والله لو أنفرد بهذا لضاهاك ثم تزايد على الأيام، وكلما كبر وزاد شخت أنت وأنتقصت، فلأن يكون منسوباً إليك أجمل. فقال له معبدٌ وهو منكسر: صدق الأمير. فأمر حمزة لمعبدٍ بخلعة من ثيابه وجائزة حتى سكن وطابت نفسه. فقام مالكٌ على رجليه وقبل رأس معبد وقال له: يا أبا عباد، أساءك لما سمعت مني ؟ والله لا أغني لنفسي شيئا أبداً ما دمت حياً ؟ وإن غلبتني نفسي فغنيت في شعر أستحسنته لا نسبته إلا إليك، فطب نفسا وأرض عني. فقال له معبد: أتفعل هذا وتفي به ؟ قال: إي والله وأزيد. فكان مالك إذا غنى صوتاً وسئل عنه قال: هذا لمعبد، ما غنيت لنفسي شيئاً قط، وإنما آخذ غناء معبد فأنقله إلى الأشعار وأحسنه وأزيد فيه وأنقص منه. وحضر مالكٌ بن أبي السمح عند يزيد بن عبد الملك مع معبد وأبن عائشة فغنوه، فأمر لكل واحد منهم بألف دينار.
وحكى عن أبن الكلبي قال: قال الوليد بن يزيد لمعبد: قد آذتني ولولتك هذه، وقال لأبن عائشة: قد آذاني استهلالك هذا، فاطلبا لي رجلا يكون مذهبه متوسطا بين مذهبيكما. فقالا له: مالك بن أبي السمح؛ فكتب في إشخاصه إليه وسائر من بالحجاز من المغنين. فلما قدم مالك على الوليد بن يزيد فيمن معه نزل على الغمر بن يزيد، فأدخله على الوليد فغناه فلم يعجبه. فلما أنصرف قال له الغمر: إن أمير المؤمنين لم يعجبه شيءٌ من غنائك، فقال له: جعلني الله فداك ؟! اطلب لي الإذن عليه مرة أخرى، فإن أعجبه شيءٌ مما أغنيه وإلا انصرفت إلى بلادي. فلما جلس الوليد في مجلس اللهو ذكره الغمر له؛ فأذن له فشرب مالكٌ ثلاث صراحيات صرفا، ودخل على الوليد وهو يخطر في مشيئته، فلما بلغ باب المجلس وقف ولم يسلم وأخذ بحلقة الباب ثم رفع صوته فغنى:
لا عيش إلا بمالك بن أبي السّمح ... فلا تلحني ولا تلم
أبيض كالبدر أو كما يلمع ال ... بارق في حالك من الظّلم
فليس يعصيك إن رشدت ولا ... يهتك حقّ الإسلام والحرم
يصيب من لذّة الكرام ولا ... يجهل آي الترخيص في اللّمم
يا ربّ ليلٍ لنا كحاشية ال ... برد ويومٍ كذاك لم يدم
نعمت فيه ومالك بن أبي السّمح ... الكريم الأخلاق والشّيم
فطرب الوليد ورفع يديه حتى بان إبطاه وقام فأعتنقه، ثم أخذ في صوته ذلك فم يزالوا فيه أياما، وأجزل له العطية حين أراد الأنصراف. قال: ولما أتى مالكٌ على قوله: أبيض كالبدر قال الوليد:
أحول كالقرد أو كما يرقب السّارق ... في حالكٍ من الظّلم
قالوا: وكان مالك بن أبي السمح مع الوليد بن يزيد يوم قتل هو وابن عائشة. قال ابن عائشة: وكان مالكٌ من أحمق الخلق، فلما قتل الوليد قال: اهرب بنا؛ قلت: وما يريدون منا؟ قال: وما يؤمنك أن يأخذوا رأسينا فيجعلوا رأسه بينهما ليحسنوا أمرهم بذلك.
أخبار يونس الكات

(1/495)


هو يونس بن سليمان بن كرد بن شهريار من ولد هرمز، مولىً لعمرو بن الزبير، ومنشؤه ومنزله بالمدينة، وكان أبوه فقيهاً فأسلمه في الديوان وكان من كتابه. وأخذ الغناء عن معبد وابن سريج وأبن محرز والغريض، وكان أكثر روايته عن معبد. ولم يكن في أصحاب معبد أحذق منه ولا اقوم بما أخذ عنه منه. وله غناءٌ حسن، وصنعة كثيرة، شعر جيدٌ. وهو أول من دون الغناء. وله كتاب في الأغاني نسبها إلى من غنى فيها. وخرج إلى الشام في تجارة، فبلغ الوليد بن يزيد مكانه فأحضره والوليد إذ ذاك ولى العهد. قال: فلما وصلت إليه سلمت عليه، فأمرني بالجلوس، ثم دعا بالشراب والجواري. قال يونس: فمكثنا يومنا وليلتنا في أمر عجيب، وغنيته فأعجب بغنائي إلى أن غنيته:
إن يعش مصعبٌ فنحن بخير ... قد أتانا من عيشنا ما نرجّى
ثم تنبهت فقطعت الصوت وأخذت أعتذر من غنائي بشعرٍ في مصعب، فضحك ثم قال: إن مصعباً قد مضى وأنقطع أثره ولا عداوة بيني وبينه وإنما أريد الغناء، فأمض الصوت؛ فعدت فيه فغنيته ولم يزل يستعيده حتى أصبح فشرب مصطبحاً وهو يستعيدني هذا الصوت ولا يتجاوزه. فلما مضت ثلاثة ايام قلت: جعلني الله فداك إني رجل تاجر خرجت مع تجارٍ وأخاف أن يرتحلوا فيضيع مالي، فقال: أنت تغدو غداً، وشرب باقي ليلته وأمر لي بثلاثة آلاف دينار. فحملت إلي وغدوت إلى أصحابي. فلما أستخلف بعث إلي فأتيته فلم أزل معه حتى قتل.
أخبار حنين
هو حنين بن بلوع الحيري. وأختلف في نسبه، فقيل: هو من العباديين من تميم، وقيل: إنه من بني الحارث بن كعب، وقيل: إنه من قوم بقوا من طسمٍ وجديسٍ، فنزلوا في بني الحارث بن كعب فعدوا فيهم. ويكنى أبا كعب. وكان شاعراً مغنياً من فحول المغنين، وكان يسكن الحيرة ويكرى الجمال إلى الشام، وكان نصرانياً. وعن المدائني قال: كان حنينٌ غلاما يحمل الفاكهة بالحيرة، وكان إذا حمل الرياحين إلى بيوت الفتيان ومياسير أهل الكوفة وأصحاب القيان والمتطربين ورأوا رشاقته وحسن قده وحلاوته وخفة روحه أستحلوه وأقام عندهم، فكان يسمع الغناء ويصغي له، حتى شدا منه أصواتاً فأستمعه الناس، وكان مطبوعاً حسن الصوت. وأشتهر غناؤه وشهر بالغناء ومهر فيه وبلغ فيه مبلغا كبيرا. ثم رحل إلى عمر بن داود الوادي وإلى حكم الوادي وأخذ منهما وغنى لنفسه وأستولى على الغناء في عصره، وهو الذي بذل لأبن محرزٍ خمسمائة دينار حتى رجع عن العراق، كما قدمناه في أخبار أبن محرز. وبلغ من الناس بالغناء مبلغاً عظيما، حتى قيل له فيما حكى: إنك تغني منذ خمسين سنة فما تركت لكريم مالا ولا دارا ولا عقارا إلا أتيت عليه. فقال: بأبي أنتم ! إنما هي أنفاسي أقسمها بين الناس، أفتلومونني أن أغلي بها الثمن.
وحكى المدائني قال: حج هشام بن عبد الملك وعديله الأبرش الكلبي؛ فوقف له حنينٌ بظهر الكوفة ومعه عودٌ وزامر له. فلما مر به هشام عرض له فقال: من هذا ؟ قيل: حنين؛ فأمر به هشام فحمل في محملٍ على جمل وعديله زامره وسيره أمامه، فغناه:
أمن سلمى بظهر الكو ... فة الآيات والطّلل
تلوح كما تلوح علي ... جفون الصّيقل الخلل
فأمر له هشام بمائتي دينار وللزامر بمائة دينار.
وحكى أن خالد بن عبد الله القسري حرم الغناء بالعراق في أيامه ثم أذن للناس يوما في الدخول عليه عامةً؛ فدخل عليه حنين في جملة الناس ومعه عودٌ تحت ثيابه فقال: أصلح الله الأمير ! كانت لي صناعةٌ أعود بها على عيالي فحرمها الأمير فأضر ذلك بي وبهم. فقال: وما كانت صناعتك ؟ فكشف عن عوده وقال: هذا. فقال له خالد: غن؛ فعرك أوتاره وغنى:
أيّها الشّامت المعيّر بالده ... ر أأنت المبرّأ الموفور
أم لديك العهد الوثيق من الأي ... ام بل أنت جاهلٌ مغرور
من رأيت المنون خلّدن أم من ... ذا عليه من أن يضام خفير
قال: فبكى خالد وقال: قد أذنت لك وحدك خاصةً، ولا تجالس سفيهاً ولا معربداً. فكان إذا دعى قال: أفيكم سفيه أو معربدٌ ؟ فإذا قالوا لا، دخل.
وقال بشر بن الحسين بن سليمان بن سمرة بن جندب: عاش حنين بن بلوع مائة سنة وسبع سنين.
أخبار سياط

(1/496)


هو عبد الله بن وهب ويكنى أبا وهب، وسياطٌ لقب غلب عليه. وهو مكيٌ مولى خزاعة. كان مقدماً في الغناء روايةً وصنعةً، مقدماً في الطرب. وهو أستاذ أبن جامع وإبراهيم الموصلي وعنه أخذا، وأخذ هو عن يونس الكاتب. وكان سياط زوج أم أبن جامع. قيل: وإنما لقب سياطٌ بهذا اللقب لأنه كان كثيرا ما يغنى:
كأنّ مزاحف الحيّات فيها ... قبيل الصبح آثار السّياط
حكى أن إبراهيم الموصلي غنى صوتا لسياط، فقال أبنه إسحاق: لمن هذا الغناء يا أبت ؟ قال: لمن لو عاش ما وجد أبوك خبزا يأكله، سياط.
وحكى أن سياطا مر بأبي ريحانةً في يوم بارد وهو جالسٌ في الشمس وعليه سمل ثوبٍ رقيق رث؛ فوثب إليه أبو ريحانة المدني وقال: بأبي أنت يا أبا وهب ! غنني صوتك في شعر أبن جندب:
فؤادي رهينٌ في هواك ومهجتي ... تذوب وأجفاني عليك همول
فغناه إياه، فشق قميصه ورجع إلى موضعه من الشمس وقد أزداد بردا وجهدا. فقال له رجل: ما أغنى عنك هذا من شق قميصك ؟! فقال: يا أبن أخي، إن الشعر الحسن من المغنى المحسن ذي الصوت المطرب أدفأ للمقرور من حمام محمىً. فقال له رجل: أنت عندي من الذين قال الله تعالى فيهم: " فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ " فقال: بل أنا ممن قال الله تعالى فيهم: " الذَّيِنَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ " . وقد حكيت هذه الحكاية أيضا من طريق آخر: أنه لما غناه هذا الصوت شق قميصه حتى خرج منه وبقي عارياً وغشى عليه وأجتمع الناس حوله، وسياطٌ واقف يتعجب مما فعل، ثم أفاق فقام إليه. فقال له سياطٌ: مالك يا مشئوم ! أي شيء تريد ؟ قال: غنني بالله عليك يا سيدي:
ودّع أمامة حان منك رحيل ... إنّ الوداع لمن تحبّ قليل
مثل القضيب تمايلت أعطافه ... فالرّيح تجذب متنه فيميل
إن كان شأنكم الدّلال فإنه ... حسنٌ دلالك يا أميم جميل
فغناه، فلطم وجهه حتى خرج الدم من أنفه ووقع صريعاً. ومضى سياطٌ وحمل الناس أبا ريحانة إلى الشمس. فلما أفاق قيل له في ذلك فقال نحو ما تقدم. قال: ووجه إليه سياطٌ بقميص وسراويل وجبةٍ وعمامة.
وكانت وفاة سياط في أيام موسى الهادي. ودخل عليه أبن جامع وقد نزل به الموت فقال له: ألك حاجة ؟ قال: نعم لا تزد في غنائي شيئا ولا تنقص منه، فإنما هو ثمانية عشر صوتاً دعه رأسا برأس. قيل: بل كانت وفاته فجأةً، وذلك أنه دعاه بعض إخوانه فأتاهم وأقام عندهم وبات؛ فأصبحوا فوجدوه ميتاً في منزلهم؛ فجاءوا إلى أمه وقالوا: يا هذه إنا دعونا أبنك لنكرمه ونسر به ونأنس بقربه فمات فجأة، وها نحن بين يديك، فأحكمي ما شئت، وناشدناك الله أن لا تعرضينا لسلطان أو تدعي علينا ما لم نفعله. قالت: ما كنت لأفعل، وقد صدقتم، وهكذا مات أبوه فجأةً، وتوجهت معهم فحملته إلى منزله ودفنته.
أخبار الأبجر
هو عبيد الله بن القاسم بن منبه، ويكنى أبا طالب. وقيل: أسمه محمد بن القاسم، والأبجر لقب غلب عليه. وهو مولى لكنانة ثم لبني ليث بن بكر. وكان يلقب بالحسحاس. وكان مدنياً منشؤه مكة أو مكياً منشؤه المدينة. قال عورك اللهبي: لم يكن بمكة أحدٌ أظرف ولا أسرى ولا أحسن هيئة من الأبجر؛ كانت حلته بمائة دينار وفرسه بمائة دينار ومركبه بمائة دينار؛ وكان يقف بين المأزمين ويرفع عقيرته، فيقف الناس له فيركب بعضهم بعضاً. وروى الأصفهاني بسنده إلى اسحاق ابن إبراهيم الموصلي قال: جلس الأبجر في ليلة اليوم السابع من أيام الحج على قريب من التنعيم فإذا عسكر جرار قد أقبل في آخر الليل وفيه دواب تجنب ومنها فرس أدهم عليه سرجٌ حليته ذهب، فأندفع يغني:
عرفت ديار الحيّ خاليةً قفرا ... كأن بها لمّا توهّمتها سطرا
فلما سمعه من في القباب والمحامل أمسكوا وصاح صائحٌ: ويحك أعد الصوت ! فقال: لا والله إلا بالفرس الأدهم بسرجه ولجامه وأربعمائة دينار؛ وإذا الوليد بن يزيد صاحب العسكر. فنودي: أين منزلك ؟ ومن أنت ؟ فقال: أنا الأبجر، ومنزلي على زقاق باب الخرازين. فغدا عليه رسول الوليد بذلك الفرس وأربعمائة دينار وتخت ثياب وشيٍ وغير ذلك، ثم أتى به الوليد، فأقام وراح مع أصحابه عشية التروية وهو أحسنهم هيئة، وخرج معه أو بعده إلى الشام.

(1/497)


وحكى عن عمرو بن حفص بن أم كلابٍ، قال: كان الأبجر مولانا وكان مكياً، وكان إذا قدم من مكة نزل علينا. فقال لنا يوما: أسمعونا غناء أبن عائشتكم هذا؛ فأرسلنا إليه فجمعنا بينهما في بيت أبن هبار. فغنى أبن عائشة؛ فقال الأبجر: كل مملوكٍ له حر إن غنيت معك إلا بنصف صوتي، ثم أدخل إصبعه في شدقه وغنى فسمع صوته من في السوق، فحشر الناس علينا، فلم يفترقا حتى تشاتما.
أخبار أبي زيد الدلال
هو أبو زيد ناقدٌ مدنيٌ، مولى عائشة بنت سعيد بن العاص، وكان مخنثاً.
قال إسحاق: لم يكن في المخنثين أحسن وجهاً ولا أنظف ثوباً ولا أظرف من الدلال. قالوا: ولم يكن بعد طويس أظرف منه ولا أكثر ملحاً. وكان كثير النوادر نزر الحديث، فإذا تكلم أضحك الثكالى، وكان ضاحك السن، ولم يكن يغني إلا غناءً مضعفاً يعني كثير العمل.
وقال أيوب بن عباية: شهدت أهل المدينة إذا ذكروا الدلال وأحاديثه طولوا رقابهم وفخروا به، فعلمت أن ذلك لفضيلةٍ كانت عنده. قالوا: وكان مبتلىً بالنساء والكون معهن، فكان يطلب فلا يقدر عليه. وكان صحيح الغنخاء حسن الجرم. قالوا: وإنما لقب بالدلال لشكله وحسن ظرفه ودله وحلاوة منطفه وحسن وجهه. وكان مشغوفاً بمخالطة النساء يكثر وصفهن للرجال. وكان يشاغل كل من يجالسه عن الغناء بأحاديث النساء كراهةً منه للغناء. وكان إذا غنى أجاد، كما حكاه أبن الماجشون عن أبيه قال: غناني الدلال يوما بشعر مجنون بني عامر، فلقد خفت الفتنة على نفسي. وأستحضره سليمان بن عبد الملك من المدينة سراً وغناه وأقام عنده شهرا ثم صرفه إلى الحجاز مكرما.
قال الأصمعي: حج هشام بن عبد الملك؛ فلما قدم المدينة نزل رجلٌ من أشراف أهل الشام وقوادهم بجنب دار الدلال، فكان الشامي يسمع غناء الدلال ويصغي إليه ويصعد فوق السطح ليقرب من الصوت، ثم بعث إلى الدلال: إما أن تزورنا وإما أن نزورك. فبعث إليه الدلال بل تزورنا. فبعث الشامي ما يصلح ومضى إليه بغلامين من غلمانه كأنهما درتان مكنونتان. فغناه الدلال، فأستحسن الشامي غناءه فقال: زدني؛ قال: أو ما يكفيك ما سمعت ! قال: لا والله ما يكفيني. قال: فإن لي حاجة. قال: وما هي ؟ قال: تبيعني أحد هذين الغلامين أو كليهما، فقال: أختر أيهما شئت، فأختار أحدهما، فقال له الشامي: هو لك؛ فقبله منه الدلال، ثم غناه وغنى:
دعتني دواعٍ من أريّا فهيّجت ... هوىً كان قدماً من فؤاد طروب
لعل زماناً قد مضى أن يعود لي ... فتغفر أروى عند ذاك ذنوبي
سبتني أريّا يوم نعف محسّرٍ ... بوجهٍ جميلٍ للقلوب سلوب

(1/498)


فقال له الشامي: أحسنت. ثم قال له أيها الرجل الجميل، إن لي إليك حاجةً، قال الدلال: وما هي؟ قال: أريد وصيفةً ولدت في حجر صالح ونشأت في خير، جميلة الوجه مجدولةً وضيئةً جعدةً في بياض مشربةً حمرةً حسنة الهامة سبطةً أسيلة الخد عذبة اللسان لها شكلٌ ودلٌ تملأ العين والنفس. فقال له الدلال: قد أصبتها لك، فما لي عندك إن دللتك عليها ؟ قال: غلامي هذا. قال: إذا رأيتها وقبلتها فالغلام لي ؟ قال نعم. قال: فأتي أمرأةً كنى عن أسمها، فقال لها: جعلت فداءك ! نزل بقربي رجلٌ من قواد هشام، له ظرف وسخاءٌ، وجاءني زائرا فأكرمته، ورأيت معه غلامين كأنهما الشمس الطالعة المنيرة والكواكب الزاهرة ما وقعت عيني على مثلهما ولا يطول لساني بوصفهما، فوهب لي أحدهما والآخر عنده، وإن لم يصر إلي فنفسي ذاهبةٌ. قالت: وتريد ماذا ؟ قال: طلب مني وصيفةً على صفةٍ لا أعلمها إلا في أبنتك، فهل لك أن تريد إياها؟ قالت: وكيف لك بأن يدفع الغلام إليك إذا رآها ؟ قال: إني قد شرطت عليه ذلك عند النظر لا عند البيع. قالت: شأنك، لا يعلم هذا أحد. فمضى الدلال وأتى بالشامي. فلما صار إلى المرأة وضع له كرسيٌ وجلس. فقالت له المرأة: أمن العرب أنت ؟ قال نعم. قالت: من أيهم ؟ قال: من خزاعة. قالت: مرحبا بك وأهلا ! أي شيء طلبت ؟ فوصف لها الصفة. قالت: قد اصبتها؛ وأسرت إلى جارية لها فدخلت فمكثت هنيهة ثم خرجت فنظرت فقالت: أخرجي، فخرجت وصيفةٌ ما رأى الراءون مثلها. فقالت لها: أقبلي فأقبلت، ثم قالت: أدبري فأدبرت تملأ العين والنفس، فما بقي منها شيء إلا وضع يده عليه. فقالت له: أتحب أن نؤزرها لك ؟ قال نعم. قالت: أئتزري؛ فضمها الإزار وظهرت محاسنها الخفية؛ فضرب بيده إلى عجيزتها وصدرها. ثم قالت: أتحب أن نجردها لك ؟ قال نعم. قالت: أي حبيبتي وضحي؛ فألقت الإزار فإذا أحسن خلق الله كأنها سبيكةٌ. فقالت: يا أخا العرب، كيف رأيت ؟ قال: منية المتمني. قال: بكم تقولين ؟ قالت: ليس يوم النظر يوم البيع، ولكن تعود غداً حتى نبايعك فلا تنصرف إلا عن رضاً، فأنصرف من عندها. فقال له الدلال: أرضيت ؟ قال: نعم، ما كنت أحسب أن مثل هذه في الدنيا، وإن الصفة لتقصر دونها، ثم دفع إليه الغلام الثاني. فلما كان من الغد قال له الشامي: أمض بنا. فمضيا حتى قرعا الباب، فأذن لهما فدخلا فسلما، فرحبت المرأة بهما ثم قالت للشامي: أعطنا ما تبذل؛ فقال: ما لها عندي ثمنٌ إلا وهي أكثر منه، فقولي أنت يا أمة الله. قالت: بل قل أنت، فإنا لم نوطئك أعقابنا ونحن نريد خلافك وأنت لها رضاً. قال: ثلاثة آلاف دينار. قالت: والله لقبلةٌ منها خيرٌ من ثلاثة آلاف دينار. قال: أربعة آلاف دينار. قالت: غفر الله لك أعطنا أيها الرجل. قال: والله ما معي غيرها ولو كان لزدتك إلا رقيقٌ ودواب. قالت: ما أراك إلا صادقاً، أتدري من هذه ؟ قال: تخبريني. قالت: هذه ابنتي فلانة بنت فلانة وأنا فلانة بنت فلان، قم راشداً. فقال للدلال: خدعتني. قال: أو ما ترضى أن ترى ما رأيت من مثلها وتهب مائة غلام مثل غلامك ؟ قال: أما هذا فنعم. وخرجا من عندها.
والدلال أحد من خسى من المخنثين بالمدينة لما أمر سليمان بن عبد الملك عامله على المدينة أبا بكر بن عمرو بن حزمٍ بخصيهم.
أخبار عطرد
هو أبو هارون عطرد، مولى الأنصار ثم مولى بني عمرو بن عوف، وقيل: إنه مولى مزينة. مدنيٌ كان ينزل قباء. وكان جميل الوجه حسن الغناء طيب الصوت جيد الصنعة حسن الزي والمروءة فقيهاً قارئا للقرآن. وقيل: إنه كان معدل الشهادة بالمدينة. وأدرك دولة بني أمية وبقي إلى أول أيام الرشيد. وكان يغني مرتجلا.
وحكى أبو الفرج الأصفهاني بسند رفعه قال: لما أستخلف الوليد بن يزيد كتب إلى عامله بالمدينة فأمره بإشخاص عطردٍ المعنى إليه، ففعل. قال عطرد: فدخلت على الوليد وهو جالسٌ في قصره على شفير بركة مرصصةٍ مملوءةٍ خمرا ليست بالكبيرة ولكنها يدور الرجل فيها سباحةً. قال: فوالله ما تركني أسلم حتى قال: أعطرد ؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين. قال: ما زلت إليك مشتاقاً يا أبا هارون، غنني:
حيّ الحمول بجانب العزل ... إذ لا يشاكل شكلها شكلي
الله أنجح ما طلبت به ... والبرّ خير حقيبة الرّحل

(1/499)


إني بحبلك واصلٌ حبلي ... وبريش نبلك رائشٌ نبلي
وشمائلي ما قد علمت وما ... نبحت كلابك طارقاً مثلي
قال: فغنيته إياه، فوالله ما أتممته حتى شق حلة وشي كانت عليه لا أدري كم قيمتها، فتجرد منها كما ولدته أمه، وألقي نفسه في البركة فنهل منها حتى تبينت أنها قد نقصت نقصاناً بينا، وأخرج منها وهو كالميت سكرا، فأضجع وغطى؛ فأخذت الحلة وقمت وأنصرفت إلى منزلي متعجباً من فعله. فلما كان في غد، جاءني رسوله في مثل الوقت فأحضرني. فلما دخلت عليه قال: يا عطرد ؟! قلت: لبيك يا أمير المؤمنين ! قال: غنني:
أيذهب عمري هكذا لم أنل به ... مجالس تشفى قرح قلبي من الوجد
وقالوا تداو إنّ في الطبّ راحةً ... فعلّلت نفسي بالدواء فلم يجد
فغنيته إياه، فشق حلة وشي كانت تلمع عليه بالذهب احتقرت والله الأولى عندها، ثم ألقي نفسه في البركة فنهل منها حتى تبينت نقصانها وأخرج كالميت سكرا، فألقي وغطى ونام؛ وأخذت الحلة وأنصرفت. فلما كان اليوم الثالث، جاءني رسوله فدخلت إليه وهو في بهوٍ قد ألقيت ستوره، فكلمني من وراء الستور وقال: يا عطرد ! قلت: لبيك يا أمير المؤمنين ! قال: كأني بك الآن قد أتيت إلى المدينة فقمت في مجالسها وقعدت وقلت: دعاني أمير المؤمنين فدخلت عليه فأقترح علي فغنيته فأطربته فشق ثيابه وأخذت سلبه وفعل وفعل ! ووالله يا أبن الزانية إن تحركت شفتاك بشيءٍ مما جرى لأضربن عنقك يا غلام أعطه ألف دينار؛ خذها وانصرف إلى المدينة. فقلت: إن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في تقبيل يده ويزودني نظرة منه وأغنيه صوتاً ! فقال: لا حاجة بي ولا بك إلى ذلك، فأنصرف. قال عطرد: فخرجت من عنده وما علم الله أني ذكرت شيئا مما جرى حتى مضت من دولة بني هاشم مدةٌ. ودخل عطرد على المهدي وغناه. قيل: ودخل على الرشيد وغناه. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
أخبار عمر الوادي
هو عمر بن داود بن زاذان. وجده زاذان مولي عمرو بن عثمان بن عفان. وأخذ الغناء عن حكم، وقيل: بل أخذ حكمٌ عنه. وهو من أهل وادي القرى. قدم الحرم وأخذ من غناء أهله فحذق وصنع فأجاد. وكان طيب الصوت شجياً مطربا. وهو أول من غنى من أهل وادي القرى، وأتصل بالوليد بن يزيد في أيام إمارته فتقدم عنده جدا، وكان يسميه جامع لذاتي ومحبي طربي. وقتل الوليد وهو يغنيه، وكان آخر الناس به عهداً. قال: وكان يجتمع مع معبد ومالك بن أبي السمح وغيرهما من المغنين عند الوليد بن يزيد، فلا يمنعه حضورهم من تقديمه والإصغاء إليه والأختصاص به. وفي عمر هذا يقول الوليد بن يزيد:
إنما فكّرت في عمرٍ ... حين قال القول واختلجا
إنه للمستنير به ... قمرٌ قد طمّس السّرجا
ويغنّي الشعر ينظمه ... سيّد القوم الذي فلجا
أكمل الواديّ صنعته ... في كتاب فاندمجا
أراد الوليد بن يزيد بقوله: سيد القوم نفسه.
أخبار حكم الوادي

(1/500)


هو أبو يحيى الحكم بن ميمون، وقيل: الحكم بن يحيى بن ميمون. مولى الوليد بن عبد الملك، كان أبوه حلاقا يحلق رأس الوليد، فأشتراه فأعتقه. وكان حكمٌ طويلا أحول، يكري الجمال ينقل عليها الزيت من الشام إلى المدينة. وقيل: كان أصله من الفرس. وكان واحد عصره في الحذق، وكان يغني بالدف ويغني مرتجلا. وعمر عمرا طويلا، غنى الوليد بن عبد الملك، وغنى الرشيد، ومات في الشطر من خلافته. وأخذ الغناء عن عمر الوادي، وقد قيل: إن عمر أخذ عنه. قال حماد بن إسحاق قال لي أبي: أربعةٌ بلغت في أربعة أجناس من الغناء مبلغاً قصر عنه غيرهم: معبدٌ في الثقيل، وابن سريج في الرمل، وحكم في الهزج، وإبراهيم في الماخوري. قال أبو الفرج الأصفهاني: وزار حكمٌ الوادي الرشيد، فبره ووصله بثلثمائة ألف درهم، وخيره فيمن يكتب له بها عليه؛ فقال: أكتب لي بها على إبراهيم بن المهدي وكان إبراهيم إذ ذاك عاملا له بالشام فقدم عليه حكمٌ بكتاب الرشيد؛ فأعطاه ما كتب له به، ووصله بمثل ذلك، إلا أنه نقصه ألف درهم من الثلثمائة ألف، وقال له: لا أصلك بمثل ما وصلك أمير المؤمنين. قال إبراهيم بن المهدي: وأقام عندي ثلاثين يوماً أخذت عنه فيها ثلثمائة صوت، كل صوت أحب إلي من الثلثمائة ألف التي وهبتها له. وقيل: إنه لم يشتهر بالغناء حتى صار إلى بني العباس، فأنقطع إلى محمد بن أبي العباس، وذلك في خلافة المنصور، فأعجب به وأختاره على المغنين وأعجبته أهزاجه. وكان يقال: إنه أهزج الناس. ويقال: إنه غنى الأهزاج في آخر عمره؛ فلامه ابنه على ذلك وقال: أبعد الكبر تغني غناء المخنثين ! فقال له: اسكت فإنك جاهل، غنيت الثقيل ستين سنة فلم أنل إلا القوت، وغنيت الأهزاج منذ سنتين فكسبتك ما لم تر مثله قط. والله أعلم.
أخبار ابن جامع
هو أبو القاسم إسماعيل بن جامع بن عبد الله بن المطلب بن أبي وداعة أبن صبيرة بن سهم بن هصيص بن كعب بن لؤي. قالوا: وكان أبن جامع من أحفظ خلق الله لكتاب الله تعالى، كان يخرج من منزله مع الفجر يوم الجمعة فيصلي الصبح ثم يصف قدميه حتى تطلع الشمس، فلا يصلي الناس الجمعة حتى يختم القرآن ثم ينصرف إلى منزله. وكان حسن السمت، كثير الصلاة. وكان يعتم بعمامة سوداء على قلنسوة ويلبس لباس الفقهاء ويركب حماراً مريسياً في زي أهل الحجاز. وروي عنه أنه قال: لولا أن القمار وحب الكلاب قد شغلاني لتركت المغنين لا يأكلون الخبز. قال أبن جامع: أخذت من الرشيد بيتين غنيته إياهما عشرة آلاف دينار. قالوا: وكان إبراهيم بن المهدي يفضل أبن جامع فلا يقدم عليه أحدا. قال: وكان أبن جامع منقطعاً إلى موسى الهادي في أيام أبيه، فضربه المهدي وطرده. فلما مات المهدي بعث الفضل بن الربيع إلى مكة فأحضر أبن جامع في قبة ولم يعلم به أحدا. فذكره موسى الهادي ذات ليلةٍ فقال لجلسائه: أما فيكم أحدٌ يرسل إلى أبن جامع وقد عرفتم موقعه مني ؟ فقال الفضل بن الربيع: هو والله عندي يا أمير المؤمنين وأحضره إليه. فوصل الفضل في تلك الليلة بعشرة آلاف دينار وولاه حجابته.
وحكى أنه دخل على الهادي فغناه فلم يعجبه؛ فقال له الفضل: تركت الخفيف وغنيت الثقيل. قال: فأدخلني عليه أخرى فأدخله؛ فغناه الخفيف، فأعطاه ثلاثين ألف دينار. قال أحمد بن يحيى المكي: كان أبن جامع أحسن ما يكون غناءً إذا حزن. وأحب الرشيد أن يسمع ذلك، فقال للفضل بن الربيع: ابعث بخريطة فيها نعى أم أبن جامع وكان براً بأمه ففعل. فقال الرشيد: يا أبن جامع، في هذه الخريطة نعى أمك؛ فأندفع أبن جامع يغني بتلك الحرقة والحزن الذي في قلبه:
كم بالدروب وأرض السّند من قدم ... ومن جماجم صرعى ما بها قبروا
بقدنرهار ومن تكتب منيّته ... بقندهار يرجّم دونه الخبر
قال: فوالله ما ملكنا أنفسنا، ورأيت الغلمان يضربون برءوسهم الحيطان والأساطين، وأمر له الرشيد بعشرة آلاف دينار.

(2/1)


وروى أبو الفرج بسنده إلى عبد الله بن علي بن عيسى بن ماهان قال: سمعت يزيد يحدث عن أم جعفر أنه بلغها أن الرشيد جالسٌ وحده وليس معه أحد من الندماء ولا المسامرين، فأرسلت إليه: يا أمير المؤمنين، إني لم أرك منذ ثلاث وهذا اليوم الرابع. فأرسل إليها: عندي أبن جامع. فأرسلت إليه: أنت تعلم أني لا أتهنأ بشرب ولا سماعٍ ولا غيرهما إلا أن تشركني فيه، ما كان عليك أن أشركك في هذا الذي أنت فيه ! فأرسل إليها: إني صائرٌ إليك الساعة. ثم قام وأخذ بيد أبن جامع وقال للخادم: امض إليها وأعلمها أني قد جئت. وأقبل الرشيد؛ فلما نظر إلى الخدم والوصائف قد أستقبلوه علم أنها قد قامت تستقبله؛ فوجه إليها: إن معي أبن جامع، فعدلت إلى بعض المقاصير. وجاء الرشيد وصير أبن جامع في بعض المواضع التي يسمع منه فيها، ثم أمر أبن جامع فأندفع يغني:
ما رعدت رعدةً ولا برقت ... لكنها أنشئت لنا خلقه
الماء يجري ولا نظام له ... لو يجد الماء مخرقاً خرقه
بتنا وباتت على نمارقها ... حتى بدا الصبح عينها أرقه
أن قيل إن الرحيل بعد غدٍ ... والدّار بعد الجميع مفترقه
فقالت أم جعفر للرشيد: ما أحسن ما أشتهيت والله يا أمير المؤمنين ! ثم قالت لمسلم خادمها: ادفع إلى أبن جامع بكل بيت مائة ألف درهم. فقال الرشيد: غلبتينا يا أبنة أبي الفضل وسبقتينا إلى بر ضيفنا وجليسنا. فلما خرج حمل الرشيد إليها مكان كل درهم دينارا.
أخبار عمرو بن أبي الكنات
قال أبو الفرج الأصفهاني: هو أبو عثمان، وقيل: أبو معاذ عمرو بن أبي الكنات، مولى بني جمح. وهو مكيٌ مغن حسن الصوت، من طبقة أبن جامع وأصحابه. وفيه يقول الشاعر:
أحسن الناس فأعلموه غناءً ... رجلٌ من بني أبي الكنات
قال محمد بن عبد الله بن فروة: قلت لإسماعيل بن جامع يوماً: هل غلبك أحدٌ من المغنين قط ؟ قال: نعم، كنت ليلة ببغداد إذ جاءني رسول أمير المؤمنين هارون الرشيد فأمرني بالركوب، فركبت حتى صرت إلى الدار، فإذا أنا بالفضل بن الربيع ومعه زلزل العواد وبرصوما؛ فسلمت وجلست يسيرا. فطلع خادمٌ فقال للفضل: هل جاء ؟ قال لا. قال: فابعث إليه. ولم يزل المغنون يدخلون واحداً واحداً حتى كنا ستةً أو سبعةً. ثم طلع الخادم فقال: هل جاء ؟ فقال لا؛ فقال: قم فابعث في طلبه؛ فقام فغاب غير طويلٍ فإذا هو قد جاء بعمرو بن أبي الكنات. فسلم وجلس إلى جنبي، فقال لي: من هؤلاء ؟ قلت: مغنون، هذا زلزلٌ وهذا برصوما. فقال: لأغنينك غناءً يخرق هذا السقف وتجيبه الحيطان. ثم طلع الخصى فدعا بكراسي، وخرج الجواري. فلما جلسن قال الخادم: شدوا فشدوا عيدانهم؛ ثم قال: يغني أبن جامع، فغنيت سبعة أو ثمانية أصوات؛ قال: أسكت، وليغن إبراهيم الموصلي؛ فغنى مثل ذلك أو دونه ثم سكت، وغنى القوم كلهم واحدا بعد واحد حتى فرغوا. ثم قال لأبن أبي الكنات: غن؛ فقال لزلزل: شد طبقتك فشدح ثم قال له: شد فشد، ثم أخذ العود من يده فجسه حتى وقف على الموضع الذي يريده، ثم قال: على هذا. وأبتدأ الصوت الذي أوله ألالا؛ فوالله لقد خيل إلأي أن الحيطان تجاوبه؛ ثم رجع النغمة فيه؛ فطلع الخصى فقال: أسكت لا تتم الصوت فسكت. ثم قال: يجلس عمرو بن أبي الكنات وينصرف سائر المغنين؛ فقمنا بأسوأ حال وأكسف بال، ولا والله ما زال كل واحد منا يسأل صاحبه عن كل ما يرويه من الغناء الذي أوله ألالا طمعاً في أن يعرفه وأن يوافق غناءه فما عرفه منا أحدٌ. وبات عمرو عند الرشيد ليلته وأنصرف من عنده بجوائز وصلاتٍ وطرفٍ سنية.
وقال موسى بن أبي المهاجر: خرج أبن جامع وأبن أبي الكنات حين دفع الإمام من عرفة، حتى إذا كانوا بين المأزمين جلس عمرو على طرف الجبل ثم أندفع يغني، فركب الناس بعضهم بعضاً حتى صاحوا به وأستغاثوا: يا هذا، الله الله ! أسكت عنا يجز الناس؛ فضبط أبن جامع بيده على فيه حتى مضى الناس إلى مزدلفة.

(2/2)


قال علي بن الجهم: حدثني من أثق به قال: واقفت أبن أبي الكنات على جسر بغداد أيام الرشيد فحدثته بحديث أتصل بي عن أبن عائشة أنه وقف في الموسم في أيام هشام، فمر به بعض أصحابه فقال: ما تصنع ؟ فقال: إني لأعرف رجلا لو تكلم لحبس الناس فلم يذهب منهم أحدٌ ولم يجيء. فقلت له: من هذا الرجل ؟ قال: أنا، ثم أندفع فغنى فحبس الناس، فأضطربت المحامل ومدت الإبل أعناقها. فقال أبن أبي الكنات وكان معجبا بنفسه: أنا أفعل كما فعل وقدرتي على القلوب أكثر من قدرته. ثم أندفع فغنى الصوت الذي غنى فيه أبن عائشة، وهو:
جرت سنحاً فقلت لها أجيزي ... نوىً مشمولةً فمتى اللّقاء
بنفسي من تذكرّه سقامٌ ... أعالجه ومطلبه عناء
قال: فغناه، وكنا إذ ذاك على جسر بغداد، وكان على دجلة ثلاثة جسور، فأنقطعت الطرق وأمتلأت الجسور بالناس فأزدحموا عليها وأضطربت حتى خيف عليها أن تنقطع لثقل من عليها من الناس. فأخذ فأتي به الرشيد؛ فقال له: يا عدو الله، أردت أن تفتن الناس ! قال: لا والله يا أمير المؤمنين ولكنه بلغني أن أبن عائشة فعل مثل هذا في أيام هشام، فأحببت أن يكون في أيامك مثله. فأعجبه ذلك، وأمر له بمال وأمره أن يغني فغنى؛ فسمع شيئا لم يسمع مثله، فأحتبسه عنده شهرا يستزيده، وكل يوم يستأذن له في الأنصراف فلا يأذن له حتى تمم شهرا، وأنصرف بأموال جسيمة.
وقال عثمان بن موسى: كنا على شراب يوما ومعنا عمرو بن أبي الكنات إذ قال لنا قبل طلوع الشمس: من تحبون أن يجيئكم ؟ قلنا: منصور الحجبي. فقال: أمهلوا حتى يكون الوقت الذي ينحدر فيه إلى سوق البقر، فمكثنا ساعةً ثم أندفع يغني:
أحسن الناس فأعلموه غناءً ... رجلٌ من بني أبي الكنّات
عفت الدّار فالهضاب اللّواتي ... بين ثور فملتقى عرفات
فلم نلبث أن رأينا منصوراً من بعد قد أقبل يركض دابته نحونا. فلما جلس إلينا قلت له: من أين علمت بنا ؟ قال: سمعت صوت عمرو وأنا في سوق البقر، فخرجت أركض دابتي حتى صرت إليكم. قال: وبيننا وبين ذلك الموضع ثلاثة أميال.
وقال يحيى بن يعلى بن سعيد: بينا أنا ليلةً في منزلي في الرمضة بأسفل مكة، إذ سمعت صوت عمرو بن أبي الكنات كأنه معي، فأمرت الغلام فأسرج لي دابتي وخرجت أريده، فلم أزل أتبع الصوت حتى وجدته جالساً على الكثيب العارض ببطن عرفة يغني:
خذي العفو منّي تستديمي مودّتي ... ولا تنطقي في سورتي حين أغضب
ولا تنقريني نقرة الدّفّ مرّةً ... فإنّك لا تدرين كيف المغيّب
فإني رأيت الحبّ في الصدر والأذى ... إذا أجتمعا لم يلبث الحب يذهب
أخبار أبي المهنأ مخارق
هو أبو المهنأ مخارق بن يحيى بن ناووس الجزار مولى الرشيد. وقيل: بل ناووس لقب أبيه يحيى؛ وإنما لقب بناووس لأنه بايع رجلا أنه يمضي إلى ناووس الكوفة فيطبخ فيه قدرا بالليل حتى تنضج، فطرح رهنه بذلك؛ فدس الرجل الذي راهنه رجلا فألقى نفسه في الناووس بين الموتى. فلما فرغ ناووس من الطبخ مد الرجل يده من بين الموتى وقال له: أطعمني؛ فغرف بالمغرفة من المرق وصبها في يد الرجل فأحرقها وضربها بالمغرفة وقال له: اصبر حتى نطعم الأحياء أولا ثم نتفرغ للموتى؛ فلقب ناووساً لذلك.

(2/3)


قال: وكان مخارقٌ لعاتكة بنت شهدة، وهي من المغنيات المحسنات المتقدمات في الضرب. نشأ مخارقٌ بالمدينة؛ وقيل: كان منشؤه بالكوفة. وكان أبوه جزاراً مملوكا، وكان مخارقٌ وهو صبي ينادي على ما يبيعه أبوه من اللحم. فلما بان طيب صوته علمته مولاته طرفاً من الغناء، ثم أرادت بيعه، فأشتراه إبراهيم الموصلي منها وأهداه للفضل بن يحيى، فأخذه الرشيد منه ثم أعتقه. وقيل: أشتراه إبراهيم من مولاته بثلاثين ألف درهم وزادها ثلاثة آلاف درهم. قال: ولما أشتراه قال له الفضل بن يحيى: ما خبر غلام بلغني أنك أشتريته ؟ فقال: هو ما بلغك. قال: فأرنيه، فأحضره، فغنى بين يديه؛ فقال له: ما أرى فيه الذي رأيت. قال: تريد أن يكون في الغناء مثلي في ساعةٍ واحدةٍ ! فقال: بكم تبيعه ؟ قال: أشتريته بثلاثين ألف درهم، وهو حر لوجه الله تعالى إن بعته إلا بثلاثة وثلاثين ألف دينار. فغضب الفضل وقال: إنما أردت ألا تبيعه أو تجعله سببا لأن تأخذ مني ثلاثة وثلاثين ألف دينار. فقال إبراهيم: أنا أصنع بك خصلة واحدة، أبيعك نصفه بنصف هذا المال وأكون شريكك في نصفه وأعلمه، فإن أعجبك إذا علمته أتممت لي باقي المال وإلا بعته بعد، وكان الربح بيني وبينك. فقال الفضل: إنما أردت أن تأخذ مني المال الذي قدمت ذكره، فلما لم تقدر على ذلك أردت أن تأخذ نصفه، وغضب. فقال إبراهيم له: فأنا أهبه لك على أنه يساوي ثلاثة وثلاثين ألف دينار؛ قال: قد قبلته؛ قال: وقد وهبته لك. وغدا إبراهيم على الرشيد؛ فقال له: يا إبراهيم، ما غلامٌ بلغني أنك وهبته للفضل ؟ قال: غلام يا أمير المؤمنين لم تملك العرب ولا العجم مثله، ولا يكون مثله أبدا. قال: فوجه إلى الفضل يأمره بإحضاره. فوجه به إليه، فغنى بين يديه؛ فقال له: كم يساوي ؟ قال إبراهيم: يساوي خراج مصر وضياعها. قال: ويحك ! أتدري ما تقول ! مبلغ هذا المال كذا وكذا ! قال: وما مقدار هذا المال في غلام لم يملك أحدٌ مثله قط ! قال: فالتفت الرشيد إلى مسرور الكبير وقال: قد عرفت يميني أني لا أسأل أحداً من البرامكة شيئا فقال مسرور: فأنا أمضي إلى الفضل فأستوهبه منه، فإذا كان عندي فهو عندك. فقال له: شأنك. فمضى مسرور إلى الفضل وأستوهبه منه، فوهبه له. وقيل: بل إبراهيم هو الذي أهداه للرشيد؛ فأمره الرشيد بتعليمه فعلمه حتى بلغ ما بلغه. قال: وكان مخارقٌ يقف بين يدي الرشيد مع الغلمان لا يجلس ويغني وهو واقف. فغنى ابن جامع ذات يوم بين يدي الرشيد:
كأنّ نيراننا في جنب قلعتهم ... مصبّغات على أرسان قصّار
هوت هرقلة لمّا أن رأت عجباً ... جواثما ترتمي بالنّفط والنّار
فطرب الرشيد وأستعاده مراراً؛ وهو شعر مدح به الرشيد في فتح هرقلة. فأقبل الرشيد على أبن جامع دون غيره. فغمز مخارقٌ إبراهيم بعينه وتقدمه إلى الخلاء، فلما جاء قال له: مالي أراك منكسراً ؟ فقال له: أما ترى إقبال أمير المؤمنين على أبن جامع بسبب هذا الصوت ! فقال مخارقٌ: قد والله أخذته. فقال: ويحك ! إنه الرشيد، وأبن جامعٍ من تعلم، ولا يمكن معارضته إلا بما يزيد على غنائه وإلا فهو الموت ! فقال: دعني وخلاك ذمٌ، وعرفه أني أغني به، فإن أحسنت فإليك ينسب، وإن أسأت فإلي يعود. فقال إبراهيم للرشيد: يا أمير المؤمنين، أراك متعجباً من هذا الصوت بغير ما يستحقه وأكثر مما يستوجبه ! فقال: لقد أحسن فيه أبن جامع ما شاء. قال: أو لأبن جامع هو ؟ قال: نعم، كذا ذكر. قال: فإن عبدك مخارقاً يغنيه. فنظر إلى مخارق؛ فقال: نعم يا أمير المؤمنين. قال: هاته؛ فغناه وتحفظ فيه فأتى بالعجائب، وطرب الرشيد حتى كاد يطير؛ ثم أقبل على أبن جامع فقال: ويلك ! ما هذا ؟ فابتدأ يحلف بالطلاق وكل محرجة أنه لم يسمع ذلك الصوت قط من غيره وأنه صنعه وأنها حيلةٌ جرت عليه. فأقبل على إبراهيم وقال: أصدقني بحياتي؛ فصدقه عن قصة مخارق. فقال لمخارق: اجلس إذاً مع أصحابك، فقد تجاوزت مرتبة من يقوم. وأعتقه ووصله بثلاثة آلاف دينار وأقطعه ضيعةً ومنزلا.
وقد روى أبو الفرج الأصفهاني عن هارون بن مخارق، قال: كان أبي إذا غنى هذا الصوت:
يا ربع سلمى لقد هيّجت لي طربا ... زدت الفؤاد على علاّته وصبا
ربعٌ تبدّل ممن كان يسكنه ... عفر الظباء وظلماناً به عصبا

(2/4)


يبكي ويقول: أنا مولى هذا الصوت. فقلت له: كيف يا أبت ؟ فقال: غيته مولاي الرشيد، فبكى وشرب عليه رطلا ثم قال: أحسنت يا مخارق ! فسلني حاجتك؛ فقلت: تعتقني يا أمير المؤمنين أعتقك الله من النار؛ فقال: أنت حرٌ لوجه الله تعالى، فأعد الصوت فأعدته؛ فبكى وشرب رطلا، ثم قال: أحسنت يا مخارق ! فسلني حاجتك؛ فقلت: ضيعةٌ تقيمني غلتها؛ فقال: قد أمرت لك بها، أعد الصوت فأعدته؛ فبكى وقال: سل حاجتك؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، تأمر لي بمنزل وفرسٍ وخادمٍ؛ فقال: ذلك لك، أعد الصوت فأعدته؛ فبكى وقال: سل حاجتك؛ فقبلت الأرض بين يديه وقلت: حاجتي أن يطيل الله بقاءك ويديم عزك ويجعلني من كل سوءٍ فداءك؛ فأنا مولى هذا الصوت بعد مولاي.
ويروى أيضاً عن الحسين بن الضحاك عن مخارق أن الرشيد قال يوما للمغنين وهو مصطبح: من منكم يغني:
يا ربع سلمى لقد هيّجت لي طربا
فقمت وقلت: أنا يا أمير المؤمنين. فقال: هاته؛ فغنيته فطرب وشرب ثم قال: علي بهرثمة؛ فقلت في نفسي: ماذا يريد منه ! فجاء هرثمة فقال له: مخارق الشاري الذي قتلناه بنواحي الموصل ما كانت كنيته ؟ فقال: أبو المهنأ؛ فقال: أنصرف فانصرف؛ ثم أقبل الرشيد علي فقال: قد كنيتك أبا المهنأ لإحسانك؛ وأمر لي بمائة ألف درهم؛ فأنصرفت بها وبالكنية.
قال أبو عبد الله بن حمدون: كنا عند الواثق وأمه عليلةٌ. فلما صلى المغرب دخل إليها وأمر ألا نبرح، فجلسنا في صحن الدار، وكانت ليلةً مقمرةً وأبطأ الواثق علينا؛ فاندفع مخارق يغني، فأجتمع علينا الغلمان، وخرج الواثق فصاح: يا غلام، فلم يجبه أحد، ومشى في المجلس إلى أن توسط الدار؛ فلما رأيته بادرت إليه؛ فقال لي: ويلك ! هل حدث في داري شيءٌ ؟ فقلت: لا يا سيدي. قال: فما بالي أصيح فلا أجاب ؟ فقلت: مخارق يغنى والغلمان قد أجتمعوا إليه فليس فيهم فضلٌ لسماع غير ما يسمعونه. فقال: عذرٌ والله لهم يا أبن حمدون وأي عذر ! ثم جلس وجلسنا بين يديه إلى السحر. وقد روى نحو هذه الحكاية في أمر الغلمان مع مخارق عند المعتصم. وقال محمد بن عبد الملك الزيات: قال لي الواثق: ما غناني مخارق قط إلا قدرت أنه من قلبي خلق. وكان يقول: أتريدون أن تنظروا فضل مخارق على جميع أصحابه ؟ انظروا إلى هؤلاء الغلمان الذين يقفون في السماط، فكانوا يتفقدونهم وهم وقوفٌ فكلهم يسمع الغناء من المغنين جميعا وهو واقفٌ مكانه ضابطٌ لنفسه، فإذا تغنى مخارق خرجوا عن صورهم فتحركت أرجلهم ومناكبهم وبانت أسباب الطرب فيهم، وأزدحموا على الحبل الذي يقفون من ورائه.
وحكى أنه خرج مرة إلى باب الكناسة بمدينة السلام والناس يرحلون إلى مكة؛ فنظر إلى كثرتهم وأزدحامهم، فقال لأصحابه الذين معه: قد جاء في الخبر أن أبن سريج كان يغني في أيام الحج والناس يمشون فيستوقفون بغنائه، وسأستوقف لكم هؤلاء الناس وأستلهيهم جميعاً لتعلموا أنه لم يكن ليفضلني إلا بصنعته دون صوته؛ ثم اندفع يؤذن، فأستوقف أولئك الخلق واستلهاهم، حتى جعلت المحامل يغشي بعضها بعضاً.
قالوا: وجاء أبو العتاهية إلى باب مخارق وطرقه فخرج إليه؛ فقال له: يا حسان هذا الإقليم، يا حكيم أرض بابل، أصبب في أذني شيئا يفرح به قلبي وتتنعم به نفسي وكان في جماعة منهم محمد بن سعيد اليزيدي فقال: انزلوا، فنزلوا، فغناهم. فقال محمد بن سعيد: فكدت أسعى على وجهي طرباً. قال: وجعل أبو العتاهية يبكي، ثم قال: يا دواء المجانين، لقد رققت حتى كدت أن أحسوك، فلو كان الغناء طعاماً لكان غناؤك أدما، ولو كان شراباً لكان ماء الحياة.

(2/5)


وقال أبو الفرج عن عمر بن شبة قال: حدثني بعض آل نوبخت قال: كان أبي وعبد الله بن أبي سهل وجماعةٌ من آل نوبخت وغيرهم وقوفا بكناسة الدواب في الجانب الغربي ببغداد يتحدثون، وإنهم لكذلك إذ أقبل مخارقٌ على حمار أسود وعليه قميصٌ رقيقٌ ورداءٌ مسهم؛ فقال: فيم كنتم؟ فأخبروه. فقال: دعونا من وسواسكم هذا، أي شيء لي عليكم إن رميت بنفسي بين قبرين من هذه القبور وغطيت وجهي وغنيت صوتا فلم يبق أحد بهذه الكناسة ولا في الطريق من مشتر ولا بائع ولا صادرٍ ولا وارد إلا ترك عمله وقرب مني واتبع صوتي ؟ فقال عبد الله: إني لأحب أن أرى هذا، فقل ما شئت. فقال مخارق: فرسك الأشقر الذي طلبته منك فمنعتنيه. قال: هو لك إن فعلت ما قلت. قال: فرمى بنفسه بين قبرين وتغطى بردائه، ثم أندفع يغني بشعر أبي العتاهية:
نادت بوشك رحيلك الأيّام ... أفلست تسمع أم بك أستصمام
ومضى أمامك من رأيت وأنت لل ... باقين حتى يلحقوك أمام
مالي أراك كأنّ عينك لا ترى ... عبراً تمرّ كأنهنّ سهام
تمضي الخطوب وأنت منتبهٌ لها ... فإذا مضت فكأنها أحلام
قال: فرأيت الناس يأتون إلى المقبرة أرسالا بين راكبٍ وراجل وصاحب شغل ومار في الطريق حتى لم يبق أحد. ثم قال لنا من تحت ردائه: هل بقي أحدٌ ؟ قلنا: لا، وقد وجب الرهن. فقام فركب حماره، وعاد الناس إلى صنائعهم؛ وقال لعبد الله: أحضر الفرس؛ قال: على أن تقيم عندي؛ قال نعم ؟! فسلم الفرس إليه وبره وأحسن رفده.
وروى عن يحيى المكي قال: خرج مخارقٌ مع بعض إخوانه إلى بعض المتنزهات، فنظر إلى قوس مذهبة مع بعض من خرج معه، فسأله إياها، وكان المسئول ضن بها، وسنحت ظباءٌ بالقرب منه؛ فقال لصاحب القوس: أرأيت إن تغنيت صوتا فعطفت علي به خدود هذه الظباء أتدفع إلي القوس ؟ قال نعم ! فاندفع يغني:
ماذا تقول الظباء ... أفرقةً أم لقاء
أم عهدها بسليمى ... وفي البيان شفاء
مرّت بناسانحاتٍ ... وقد دنا الإمساء
فما أحارت جوابا ... وطال فيها العناء
قال: فعطفت الظباء راجعةً إليه حتى وقفت بالقرب منه تنظر إليه مصغيةً إلى صوته. فعجب من حضر من رجوعها ووقوفها؛ وناوله الرجل القوس، فأخذها وقطع الغناء فعاودت الظباء نفارها ومضت راجعةً على سننها.
وروى عن إسحاق بن إبراهيم قال: دخلت على أبي وهو جالسٌ بين بابين له ومخارقٌ بين يديه وهو يغنيه:
يا ربع بشرة إن أضرّبك البلى ... فلقد رأيتك آهلاً معمورا
قال: فرأيت أبي ودموعه تجري على خديه من أربعة أماكن وهو ينشج أحر نشيج. فلما رآني قال: يا إسحاق، هذا والله صاحب اللواء غداً إن مات أبوك.
وروى عن مخارق قال: رأيت وأنا حدثٌ كأن شيخا جالسا على سرير في روضة حسنة، فدعاني فقال لي: غنني يا مخارق؛ فقلت: أصوتاً تقترحه أو ما حضر ؟ فقال: ما حضر. فغنيته:
دعى القلب لا يزدد خبالاً مع الذي ... به منك أو داوى جواه المكتّما
وليس بتزويق اللسان وصوغه ... ولكنّه قد خالط اللّحم والدّما
فقال لي: أحسنت يا مخارق ! ثم أخذ وترا من أوتار العود فلفه على المضراب ودفعه إلي، فجعل المضراب يطول ويغلظ والوتر ينتشر ويعرض حتى صار المضراب كالرمح والوتر كالعذبة عيه وصار في يدي علماً، ثم أنتبهت فحدثت برؤياي إبراهيم الموصلي؛ فقال لي: الشيخ بلا شك إبليس، وقد عقد لواء صنعتك فانت ما حييت رئيس أهلها.

(2/6)


وقال أحمد بن حمدون: غضب المعتصم على مخارق فأمر أن يجعل في المؤذنين ويلزمهم ففعل ذلك؛ وأمهل حتى علم أن المعتصم يشرب، فأذنت العصر، فدخل إلى الستر حيث يقف المؤذن للسلام، ثم رفع صوته جهده وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، الصلاة يرحمك الله. فبكى حتى جرت دموعه وبكى كل من حضر، ثم قال: أدخلوه علي وأقبل علينا؛ ثم قال: سمعتم هكذا قط !؟ هذا الشيطان لا يترك أحداً يغضب عليه ؟!. فدخل إليه فقبل الأرض بين يديه؛ فدعاه المعتصم إليه فأعطاه يده فقبلها وأمره بإحضار عوده فأحضره، وأعاده إلى مرتبته. وأخباره كثيرة، وفيما أوردناه منها كفاية. وكانت وفاته في أول خلافة المتوكل؛ وقيل: بل في آخر خلافة الواثق. وغنى خمسةً من الخلفاء: الرشيد والأمين والمأمون والمعتصم والواثق. رحمهم الله تعالى.
أخبار يحيى بن مرزوق المكي
هو أبو عثمان يحيى بن مرزوق المكي، مولى بني أمية، وكان يكتم ذلك لخدمته للخلفاء من بني العباس؛ وكان إذا سئل عن ولائه أنتمى إلى قريش، ولم يذكر البطن الذي ولاؤه له، ويستعفى من يسأله عن ذلك.
قال الأصفهاني: وعمر يحيى المكي مائة وعشرين سنة، وأصاب بالغناء ما لم يصبه أحدٌ من نظرائه ومات وهو صحيح العقل والسمع والبصر. وكان قدم مع الحجازيين الذين قدموا على المهدي في أول خلافته فبقي بالعراق. وكان أبن جامع وإبراهيم الموصلي وفليح يفزعون إليه في الغناء القديم فيأخذونه عنه، ويعابي بعضهم بعضا بما يأخذونه منه. فإذا خرجت لهم الجوائز أخذوه منها ووفروا نصيبه. وله صنعة عجيبةٌ نادرة متقدمة. قال: وله كتاب في الأغاني ونسبها وأجناسها كبير جليل مشهور، إلا أنه كالمطروح عند الرواة لكثرة تخليطه في رواياته؛ والعمل على كتاب أبنه أحمد، فإنه صحح كثيرا مما أفسده وأزال ما عرفه من تخاليط أبيه، وحقق ما نسبه من الأغاني إلى صانعه. قال: وهو يشتمل على نحو ثلاثة آلاف صوت.
قال أحمد بن سعيد: كانت صنعة يحيى ثلاثة آلاف صوت، منها زهاء ألف صوت لم يقاربه فيها أحدٌ. وسئل أبنه أحمد عن صنعة أبيه فقال: الذي صح عندي منها ألف صوت وثلثمائة صوت، منها مائة وسبعون صوتا، غلب فيها على الناس جميعا من تقدم منهم ومن تأخر، فلم يقم له أحد فيها.
قال أحمد بن يحيى قال لي إسحاق: يا أبا جعفر لأبيك مائة وسبعون صوتاً من أخذها عنه بمائة وسبعين ألف درهم فهو الرابح. والله أعلم.
أحمد بن يحيى المكي الملقب بطنين هو أبو جعفر أحمد بن يحيى المكي، وكان يلقب طنينا. وهو أحد المحسنين المبرزين الرواة للغناء المحكمي الصنعة. كان إسحاق يقدمه ويؤثره ويشدو بذكره ويجهر بتفضيله.
قال أبو الفرج: وكتابه المجرد في الأغاني ونسبها أصلٌ من الأصول المعول عليها. قال: وكان مع جودة غنائه وحسن صنعته أحد الضراب الموصوفين المتقدمين.
قال علي بن يحيى: قلت لإسحاق بن إبراهيم الموصلي وقد جرى ذكر أحمد ابن يحيى المكي : يا أبا محمد لو كان أبو جعفر أحمد بن يحيى مملوكاً كم كان يساوي ؟ قال: أخبرك عن ذلك، انصرفت ليلةً من دار الواثق فأجتزت بدار الحسن بن وهب فدخلت إليه فإذا أحمد عنده. فلما قاموا لصلاة العشاء الآخرة قال لي الحسن بن وهب: كم يساوي أحمد لو كان مملوكاً ؟ قلت: يساوي عشرين ألف دينار. قال: ثم رجع فغنى صوتاً؛ فقال لي الحسن: كم يساوي أحمد لو كان مملوكاً ؟ قلت: يساوي ثلاثين ألف دينار. ثم تغنى صوتا آخر؛ فقلت للحسن: يا أبا علي أضعفها. ثم أردت الأنصراف فقلت لأحمد: غنني
لولا الحياء وأنّ السّتر من خلقي ... إذاً قعدت إليك الدهر لم أقم
أليس عندك سكرٌ للتي جعلت ... ما أبيضّ من قادمات الأس كالحمم
فغناه فأحسن فيه كل الإحسان. فلما قمت للأنصراف قلت: يا أبا علي، أضعف الجميع. فقال له أحمد: ما هذا الذي أسمعكما تقولانه ولست أدري ما معناه ؟ فقال: نحن نبيعك ونشتريك منذ الليلة وأنت لا تدري. وقال محمد بن عبد الله بن مالك: سألني إسحاق بن إبراهيم الموصلي يوما: من بقي من المغنين ؟ قلت: وجه القرعة محمد بن عيسى. فقال: صالح كيسٌ؛ ومن أيضا؟ قلت: أحمد بن يحيى المكي. قال: نجٍ نجٍ ! ذاك المحسن المجمل الضارب المغني، القائم بمجلسه لا يحوج أهل المجلس إلى غيره. وكانت وفاته في أول خلافة المستعين.

(2/7)


هاشم بن سليمان مولى بني أمية يكنى أبا العباس. وكان موسى الهادي يسميه أبا الغريض. قال أبو الفرج: وهو حسن الصنعة غزيرها؛ وفيه يقو الشاعر:
يا وحشتي بعدك يا هاشم ... غبت فشجوى بك لي لازم
اللّهو واللّذّة يا هاشم ... ما لم تكن حاضره ما تم
وقال الأصبهاني بسند رفعه إلى هاشم: أصبح موسى أمير المؤمنين يوما وعنده جماعةٌ فقال: يا هاشم غنني:
أبهار قد هيّجت لي أوجاعا
فإن أصبت مرادي فيه فلك حاجةٌ مقضية. قال: فغنيته، وهو:
أبهار قد هيّجت لي أوجاعا ... وتركتني عبداً لكم مطواعا
بحديثك الحسن الذي لو كلّمت ... وحش الفلاة به لجئن سراعا
وإذا مررت على البهار منضّداً ... في السوق هيّج لي إليك نزاعا
والله لو علم البهار بأنها ... أضحت سميّته لصار ذراعا
فقال: اصبت وأحسنت، سل حاجتك؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، تأمر بأن يملأ هذا الكانون دراهم وكان بين يديه كانون عظيم فأمر به فملئ فوسع ثلاثين ألف درهم. فلما حصلتها قال لي: يا ناقص الهمة، والله لو سألت أن أملأه لك دنانير لفعلت. فقلت: أقلني يا أمير المؤمنين. قال: لا سبيل إلى ذلك ولم يسعدك الجد به. وقد رويت هذه الحكاية في موضع آخر، وذكر أن الذي غناه غير هذا الشعر، وأن الكانون وسع ست بدر، فدفعها إليه.
أخبار يزيد حوراء
هو رجل من أهل المدينة من موالي بني ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة؛ ويكنى أبا خالد. مغن محسنٌ كثير الصنعة، من طبقة أبن جامع وإبراهيم الموصلي. وكان ممن قدم على المهدي في خلافته فغناه. وكان حسن الصوت حلو الشمائل. فحسده إبراهيم الموصلي على شمائله وإشاراته في الغناء، فاشترى عدة جوار وشاركه فيهن، وقال له: علمهن، فما رزق الله تعالى من ربح فيهن فهو بيننا. وأمرهن أن يجعلن وكدهن أخذ إشارته ففعلن ذلك. فكان إبراهيم يأخذها عنهن هو وأبنه ويأمرهن بتعليم كل من يعرفنه ذلك حتى شهرها في الناس، فأبطل عليه ما كان منفرداً به من ذلك.
قال عبد الله بن العباس الربيعي: كان يزيد حوراء نظيفاً ظريفاً حسن الوجه شكلاً، لم يقدم علينا من الحجاز أنظف منه ولا أشكل، وما كنت تشاء أن ترى خصلةً جميلة لا تراها في أحد منهم إلا رأيتها فيه. وكان يتعصب لإبراهيم الموصلي على أبن جامع، فكان إبراهيم يرفع منه ويشيع ذكره بالجميل وينبه على مواضع تقدمه وإحسانه، ويبعث بأبنه إسحاق إليه يأخذ عنه.
وحكى أبو الفرج بسندٍ رفعه إلى يزيد حوراء قال: كلمني أبو العتاهية في أن أكلم المهدي في عتبة؛ فقلت: إن الكلام لا يمكنني، ولكن قل شعراً أغنيه به؛ فقال:
نفسي بشيء من الدنيا معلّقةٌ ... الله والقائم المهديّ يكفيها
إني لأيأس منها ثم يطمعني ... فيها أحتقارك للدّنيا وما فيها
قال: فعملت فيه لحناً وغنيته. فقال: ما هذا ؟ فأخبرته خبر أبي العتاهية؛ فقال: ننظر فيما سأل؛ فأخبرت بذلك أبا العتاهية. ثم مضى شهر فجاءني فقال: هل حدث خبرٌ ؟ قلت لا. قال: فأذكرني للمهدي. فقلت: إن أحببت ذلك فقل شعرا تحركه به وتذكره وعده حتى أغنيه به؛ فقال:
ليت شعري ما عندكم ليت شعري ... فلقد أخّر الجواب لأمر
ما جوابٌ أولى بكل جميلٍ ... من جوابٍ يردّ من بعد شهر
قال يزيد: فغنيت المهدي، فقال: علي بعتبة فأحضرت؛ فقال: إن أبا العتاهية كلمني فيك، فما تقولين ولك عندي وله ما تحبان مما لا تبلغه أمانيكما ؟ فقالت: قد علم أمير المؤمنين ما أوجب الله علي من حق مولاتي، وأريد أن أذكر هذا لها. قال: فأفعلي. قال: فأعلمت أبا العتاهية. ومضت أيام فسألني معاودة المهدي؛ فقلت: قد عرفت الطريق، فقل ما شئت حتى أغنيه به؛ فقال:
أشربت قلبي من رجائك ما له ... عنقٌ يخبّ إليك بي ورسيم
وأملت نحو سماء جودك ناظري ... أرعى مخايل برقها وأشيم
ولقد تنسّمت الرّياح لحاجتي ... فإذا لها من راحتيك نسيم
ولربما أستيأست ثم أقول لا ... إن الذي وعد النّجاح كريم

(2/8)


قال يزيد: فغنيته الشعر، فقال: علي بعتبة فجاءت؛ فقال: ما صنعت ؟ فقالت: ذكرت ذلك لمولاتي فكرهته وأبت أن تفعل، فليفعل أمير المؤمنين ما يريد. قال: ما كنت لأفعل شيئا تكرهه. فأعلمت أبا العتاهية بذلك، فقال:
قطّعت منك حبائل الآمال ... وأرحت من حلّ ومن ترحال
ما كان أشأم إذ رجاؤك قاتلي ... وبنات وعدك يعتلجن ببالي
ولئن طمعت لربّ برقة خلّبٍ ... مالت بذي طمع ولمعة آل
وقد حكى أبو الفرج أيضا هذه الحكاية وأختصرها، ولم يذكر الأبيات منها
أشربت قلبي من رجائك ما له
إلا أنه غير قوله: أشربت قلبي بقوله: أعلمت نفسي من رجائك. وقال: فصنع فيه يزيد لحناً وغناه المهدي. فدعا بأبي العتاهية وقال له: أما عتبة فلا سبيل إليها، لأن مولاتها قد منعت منها، ولكن هذه خمسون ألف درهم فأشتر ببعضها خيراً من عتبة فحملت إليه، فأخذها وأنصرف.
وحكى عن حماد بن إسحاق قال: قال يزيد حوراء: كنت أجلس بالمدينة على أبواب قريش، وكانت تمر بي جاريةٌ تختلف إلى الزرقاء تتعلم منها الغناء. فقلت لها يوما: افهمي قولي وردي جوابي وكوني عند ظني؛ فقالت: هات ما عندك. فقلت: بالله ما أسمك ؟ فقالت: ممنعة. فأطرقت طيرةً من أسمها مع طمعي فيها، ثم قلت: بل باذلةٌ ومبذولةٌ إن شاء الله فأسمعي مني. فقالت وهي تتبسم: إن كان عندك شيء فقل. فقلت:
ليهنك منّي أنّني لست مفشياً ... هواك إلى غيري ولو متّ من كربي
ولا مانحاً خلقاً سواك محبّةً ... ولا قائلاً ما عشت من حبكم حسبي
فنظرت إلي طويلا ثم قالت: أنشدك الله، أعن فرط محبة أم أهتياج غلمةٍ تكلمت ؟ فقلت: لا والله إلا عن فرط محبة. فقالت:
فوالله ربّ الناس لا خنتك الهوى ... ولا زلت مخصوص المحبّة من قلبي
فثق بي فإني قد وثقت ولا تكن ... على غير ما أظهرت لي يا أخا الحبّ
قال: فوالله لكأنما أضرمت في قلبي ناراً. فكانت تلقاني في الطريق الذي كانت تسلكه فتحدثني فأتفرج بها؛ ثم أشتراها بعض أولاد الخلفاء، وكانت تكاتبني وتلاطفني دهرا طويلا.
أخبار فليح بن أبي العوراء
هو رجل من أهل مكة مولى لبني مخزوم، وهو أحد مغني الدولة العباسية؛ له محلٌ كبير من صناعته، وهو أحد الثلاثة الذي أختاروا المائة الصوت للرشيد التي بنى أبو الفرج الأصفهاني كتابه المترجم بالأغاني عليها. قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: ما سمعت أحسن من غناء فليح وأبن جامع. وكان المهدي لا يغنيه مغن إلا من وراء الستارة إلا فليح فإن الستارة كانت ترفع بينه وبين المهدي. وهو أول مغن نظر وجه المهدي.
وروى أبو الفرج الأصفهاني عن يوسف بن إبراهيم عن إبراهيم بن المهدي قال: كتب إلي جعفر بن يحيى وأنا عامل الرشيد على جند دمشق: قد قدم علينا فليح بن أبي العوراء، فأفسد علينا بأهزاجه وخفيفه كل غناءٍ سمعناه قبله. وأنا محتال لك في تخليصه إليك لتسمع منه كما أسمعنا. فلم ألبث أن ورد على فليحٌ بكتاب الرشيد يأمر له بثلاثة آلاف دينار؛ فورد علي منه رجلٌ أذكرني لقاؤه الناس وأخبرني أنه قد ناهز المائة. فأقام عندي ثلاث سنين، وأخذ جواري عنه كل ما كان معه من الغناء، وأنتشر بعض غنائه بدمشق.
وروى أيضا بسنده إلى أحمد بن يحيى المكي عن فليح بن أبي العوراء قال: كان بالمدينة فتىً يعشق أبنة عم له، فوعدته أنها تزوره؛ وشكا إلي أنها تأتيه ولا شيء عنده؛ فأعطيته دينارا للنفقة. فلما زارته قالت له: من يلهينا ؟ قال: صديقٌ لي، ووصفني لها؛ ودعاني فأتيته؛ وكان أول ما غنيته:
من الخفرات لم تفضح أخاها ... ولم ترفع لوالدها شنارا
فقامت إلى ثوبها فلبسته لتنصرف. فتعلق بها وجهد كل الجهد في أن تقيم فم تفعل وأنصرفت. فأقبل يلومني في أن غنيتها ذلك الصوت. فقلت: والله ما هو شيءٌ أعتمدت به مساءتك ولكنه شيء أتفق. قال: فلم نبرح حتى عاد رسولها ومعه صرة فيها ألف دينار، فدفعها إلى الفتى وقال: تقول لك أبنة عمك: هذا مهري، فادفعه إلى أبي وأخطبني، ففعل وتزوجها.
أخبار إبراهيم الموصلي

(2/9)


هو إبراهيم بن ماهان بن ميمون، وأصله من فارس، ومولده في سنة خمس وعشرين ومائة بالكوفة، ووفاته ببغداد في سنة ثمان وثمانين ومائة. قالوا: ومات ماهان وترك إبراهيم صغيراً، فكفله آل خزيمة بن خازم، فكان ولاؤه لبني تميم. وكان السبب في نسبه إلى الموصل أنه لما كبر وأشتد وأدرك صحب الفتيان وأشتهى الغناء وطلبه؛ فاشتد أخواله بنو عبد الله بن دارم عليه في ذلك وبلغوا منه، فهرب منهم إلى الموصل فأقام بها سنة؛ فلما رجع إلى الكوفة قال له إخوانه من الفتيان: مرحباً بالفتى الموصلي، فغلب عليه ثم أرتحل إلى الري في طلب الغناء، فطال مقامه هناك، وأخذ الغناء الفارسي والعربي.
قال إسحاق: حدثني أبي قال: أول شيء أعطيته بالغناء أني كنت بالري أنادم أهلها بالسوية لا أرزؤهم شيئا ولا أنفق إلا من بقية مال كان معي. فمر بنا خادم أبو جعفر المنصور إلى بعض عماله برسالة، فسمعني عند رجل من أهل الري فشغف بي وخلع علي دواج سمورٍ له قيمة، ومضى بالرسالة فرجع وقد وصله العامل بسبعة آلاف درهم وكسوةٍ كثيرةٍ، فجاءني إلى منزلي الذي كنت أسكنه، فأقام عندي ثلاثة أيام ووهب لي نصف الكسوة التي معه وألفي درهم. وكان ذلك أول مالٍ كسبته من الغناء. فقلت: والله لا أنفق هذه الدراهم إلا على الصناعة التي أفادتنيها. ووصف لي رجلٌ بالأبلة اسمه: جوانويه وكان حاذقا، فخرجت إليه، وصحبت فتيانها وأخذت عنهم وغنيتهم فشغفوا بي.
قال إبراهيم: ولما أتيت جوانويه لم أصادفه في منزله فأقمت حتى جاء. فلما رآني أحتشمني وكان مجوسيا؛ فأخبرته بصناعتي والحال التي قصدته فيها؛ فرحب بي وأفرد لي جناحاً في داره ووكل بي جاريةً، فقدمت لي ما أحتاج إليه. فلما كان العشاء عاد إلى منزله ومعه جماعة من الفرس ممن يغني؛ فنزلت إليه فجلسنا وأخذوا في شأنهم وضربوا وغنوا؛ فلم أجد في غناء أحد منهم فائدة؛ وبلغت النوبة إلي فضربت وغنيت؛ فقاموا جميعا إلي فقبلوا رأسي وقالوا: سخرت بنا، نحن إلى تعليمك إيانا أحوج منك إلينا. فأقمت على تلك الحال أياما حتى بلغ محمد بن سليمان بن علي خبري، فوجه إلي فأحضرني وأمرني بملازمته. فقلت: أيها الأمير، لست أتكسب بهذه الصناعة وإنما ألتذ بالغناء فلذلك تعلمته، وأريد العود إلى الكوفة؛ فلم أنتفع بذلك عنده وأخذل بملازمته وسألني: من أين أنا ؟ فأنتسبت إلى الموصل، فلزمتني وعرفت بها. ولم أزل عنده مكرماً، حتى قدم عليه خادم المهدي. فلما رآني عنده قال له: أمير المؤمنين أحوج إلى هذا منك، فدافعه عني. فلما قدم الخادم على المهدي سأله عما رأى في طريقه ومقصده، فأخبره بما رأى، حتى أنتهى إلى ذكرى فوصفني له. فأمره المهدي بالرجوع وإشخاصي إليه، فجاء وأشخصني إلى المهدي، وحظيت عنده وقدمني.
قال: وما سمع المهدي قبلي أحداً من المغنين سوى فليح بن أبي العوراء وسياط؛ فإن الفضل بن الربيع وصفهما له.

(2/10)


قال: وكان المهدي لا يشرب، فأرادني على ملازمته وترك الشرب، فأبيت عليه. وكنت أغيب عنه الأيام، فإذا جئته جئته منتشيا؛ فغاظه ذلك مني وضربني وحبسني؛ فحذقت القراءة والكتابة في الحبس. ثم دعاني يوما فعاتبني على شربي في منازل الناس والتبذل معهم. فقلت: يا أمير المؤمنين، إنما تعلمت هذه الصناعة للذتي وعشرة إخواني ولو أمكنني تركها تركتها وجميع ما أنا فيه لله تعالى. فغضب غضباً شديدا وقال: لا تدخل على موسى وهارون، فوالله لئن دخلت عليهما لأفعلن وأصنعن. فقلت نعم. ثم بلغه أني دخلت عليهما وشربت معهما وكانا مشتهرين بالنبيذ، فضربني ثلاثمائة سوط وستين سوطا. فقلت له وأنا أضرب: إن جرمي ليس من الأجرام التي يحل بها سفك دمي، ووالله لو كان سر أبنيك تحت قدمي ما رفعتهما عنه ولو قطعتا، ولو فعلت ذلك كنت في حالة أبان العبد الساعي. فلما قلت ذلك ضربني بالسيف في جفنه فشجني، فسقطت مغشياً علي. وقال لعبد الله أبن مالك: خذه إليك وأجعله في مثل القبر. فدعا عبد الله بكبش فذبحه وسلخه وألبسني جلده ليسكن الضرب عني، ودفعني إلى خادم له يقال له أبو عثمان سعيد التركي، فجعلني في قبر ووكل بي جارية. فتأذيت بنز كان في القبر وببقٍ. فقلت للجارية: أصلحي لي مجمرةً وكندرا ليذهب عني هذا البق ففعلت. فلما دخنت أظلم القبر وكادت نفسي تذهب، ثم خف ذلك وزال البق، وإذا حيتان مقبلتان نحوي من شق في القبر تدوران حولي، فهممت أن آخذ واحدةً بيدي اليمنى والأخرى بيدي اليسرى، فإما علي وإما لي، ثم كفيتهما، فدخلتا في الثقب الذي خرجتا منه. فمكثت في ذلك القبر ما شاء الله، ثم أخرجت منه. وأحلفني المهدي بالطلاق والعتاق وكل يمينٍ لا فسحة لي فيها ألا أدخل على أبنيه موسى وهارون أبدا ولا أغنيهما، وخلى سبيلي. قال إبراهيم: وقلت وأنا في الحبس:
ألا طال ليلي أراعي النجوم ... أعالج في السّاق كبلاً ثقيلا
بدار الهوان وشرّ الديار ... اسام بها الخسف صبراً جميلا
كثير الأخلاّء عند الرخاء ... فلما حبست أراهم قليلا
لطول بلائي ملّ الصديق ... فلا يأمننّ خليلٌ خليلا
قال: فلما ولي موسى الهادي الخلافة أستتر إبراهيم منه ولم يظهر له بسبب الأيمان التي حلف بها للمهدي. فلم يزل يطلبه حتى أتي به فلما عاينه قال: يا سيدي، فارقت أم ولدي أعز الخلق علي؛ ثم غناه:
يا أبن خير الملوك لا تتركنّ ... غرضاً للعدو يرمى حيالي
فلقد في هواك فارقت أهلي ... ثم عرّضت مهجتي للزوال
ولقد عفت في هواك حياتي ... وتغرّبت بين أهلي ومالي
قال إسحاق بن إبراهيم: فموله الهادي وخوله؛ وبحسبك أنه أخذ منه مائة ألف وخمسين ألف دينار في يوم واحد، ولو عاش لنا لبنينا حيطان دورنا بالذهب والفضة.
قال حماد بن إسحاق قال لي أبي: والله ما رأيت أكمل مروءةً من جدك، وكان له طعام يعد أبداً في كل وقت. فقلت لأبي: كيف كان يمكنه ذلك ؟ قال: كان له في كل يوم ثلاث شياهٍ، واحدةٌ مقطعة في القدور، وأخرى مسلوخةٌ معلقة، وأخرى قائمة في المطبخ؛ فإذا أتاه قوم طعموا مما في القدور، فإذا فرغت القدور قطعت الشاة المعلقة ووضعت في القدور وذبحت القائمة وأتى بأخرى فأقيمت في المطبخ. وكانت وظيفته لطعامه وطيبه وما يتخذ له في كل شهر ثلاثين ألف درهم سوى ما كان يجري وسوى كسوته. ولقد كان مرةً عندنا من الجواري الودائع لإخوانه ثمانون جارية، ما فيهن واحدة إلا ويجري عليها من الطعام والكسوة والطيب مثل ما يجري لأخص جواريه، فإذا ردت الواحدة إلى مولاها وصلها وكساها. ومات وما في ملكه إلا ثلاثة آلاف دينار وعليه من الدين سبعمائة دينار قضيت منها.
وروى عن إسحاق بن إبراهيم قال:

(2/11)


اشترى الرشيد من أبي جاريةً بستة وثلاثين ألف دينار، فأقامت عنده ليلة ثم أرسل إلى الفضل بن الربيع وقال له: إنا أشترينا هذه الجارية من إبراهيم ونحن نحسب أنها على صفةٍ وليست كما ظننا وما قربتها، وقد ثقل علي الثمن وبينك وبينه ما بينكما؛ فأذهب إليه فسله أن يحطنا من ثمنها ستة آلاف دينار. قال: فأتاه الفضل، فخرج إليه وتلقاه؛ فقال له: دعني من هذه الكرامة التي لامؤنة فيها، قد جئتك في أمر، ثم أخبره الخبر. فقال له إبراهيم: إنما أراد أن يبلو قدرك عندي. قال: هو ذاك ؟ قال: فمالي في المساكين صدقةٌ إن لم أضعفه لك، قد حططتك أثني عشر ألف دينار. فرجع الفضل إليه بالخبر؛ فقال: ويحك ! احمل إليه المال بجملته، فما رأيت سوقةً أنبل منه نفسا. قال إسحاق: وكنت قد أتيت أبي فقلت: ما كان لحطيطة هذا المال معنىً ولا هو قليل يتغافل عنه، قال لي: يا أحمق، أنا أعرف الناس به، والله لو أخذت المال منه كملاً ما أخذته إلا وهو كاره ولحقد ذلك، وكنت أكون عنده صغير القدر، وقد مننت عليه وعلى الفضل وأنبسطت نفسه وعظم قدري عنده، وإنما أشتريت الجارية بأربعين ألف درهم وقد أخذت بها أربعة وعشرين ألف دينار. فلما حمل إليه المال بكماله دعاني وقال: كيف رأيت يا إسحاق، من البصير أنا أم أنت ؟ فقلت: أنت، جعلني الله فداك. قال: وإبراهيم أول من علم الجواري المثمنات الغناء فإنه بلغ بالقيان كل مبلغ ورفع من أقدارهن.
ومن أخباره مع الرشيد ما روى عن إسحاق قال حدثني أبي قال: إن الرشيد غضب علي فقيدني وحبسني بالرقة وجلس للشرب يوما في مجلس قد زينه وحسنه. فقال لعيسى بن جعفر: هل لمجلسنا عيبٌ ؟ قال: نعم، غيبة إبراهيم الموصلي عنه. فأمره باحضاري؛ فأحضرت في قيودي، ففكت عني بين يديه، وأمرهم فناولوني عودا؛ ثم قال: إن يا إبراهيم؛ فغنيته:
تضوّع مسكاً بطن نعمان أن مشت ... به زينبٌ في نسوةٍ عطرات
فاستعاده وشرب وطرب وقال: هنأتني وسأهنئك بالصلة، وقد وهبت لك الهنئ والمرئ، فانصرفت؛ فلما أصبحت عوضت منهما مائتي ألف درهم.
قال إبراهيم: دخلت على موسى الهادي فقال لي: يا إبراهيم، إن من الغناء ما ألذ وأطرق عليه ولك حكمك. فقلت: يا أمير المؤمنين، إن لم يقابلني زحل ببرده رجوت ذلك؛ فغنيته:
وإني لتعروني لذكراك هزة ... كما أنتفض العصفور بلّله القطر
فضرب بيده إلى جيب دراعته فحطه ذراعا؛ ثم قال: أحسنت والله ؟ زدني؛ فغنيت:
فيها حبّها زدني جوىً كلّ ليلةٍ ... ويا سلوة الأيام موعدك الحشر
فضرب بيده إلى دراعته فحطها ذراعا آخر وقال: زدني ويلك ؟! أحسنت والله ووجب حكمك؛ فغنيت:
هجرتك حتى قيل ما يعرف الهوى ... وزرتك حتى قيل ليس له صبر
فرفع صوته وقال: أحسنت والله ! لله أبوك ! هات ما تريد. فقلت: يا سيدي عين مروان بالمدينة. فدارت عيناه في رأسه حتى صارتا كأنهما جمرتان وقال: يا أبن اللخناء ! أردت أن تشهرني بهذا المجلس فيقول الناس: أطربه فحكم عليه فتجعلني سمراً وحديثا ! يا إبراهيم الحراني، خذ بيد هذا الجاهل فأدخله بيت مال الخاصة، فإن أخذ كل ما فيه فحله وإياه. فدخلت فأخذت خمسين ألف دينار. وهذا الشعر لأبي صخر الهذلي، وأوله:
عجبت لسعي الدّهر بيني وبينها ... فلما أنقضى ما بيننا سكن الدّهر
فيا حبّها زدني جوىً كلّ ليلةٍ ... ويا سلوة الأيام موعدك الحشر
ويا هجر ليلى قد بلغت بي المدى ... وزدت على ما ليس يبلغه الهجر
وإني لتعروني لذكراك هزّةٌ ... كما أنتفض العصفور بلّله القطر
هجرتك حتى قيل لا يعرف الهوى ... وزرتك حتى قيل ليس له صبر
أما والذي ابكى وأضحك والذي ... أمات وأحيا والذي أمره الأمر
لقد تركتني أحسد الوحش أن أرى ... أليفين منها لا يروعهما الذّعر
نبذة من أخباره مع البرامكة
كان لإبراهيم الموصلي مع البرامكة أخبار مستحسنة، سنورد منها طرفا. منها ما حكى عن مخارق قال:

(2/12)


أذن لنا أمير المؤمنين الرشيد أن نقيم في منازلنا ثلاثة أيام وأعلمنا أنه يشتغل فيها مع الحرم. فمضى الجلساء أجمعون إلى منازلهم وقد أصحبت السماء متغيمةً تطش طشيشا خفيفا. فقلت: والله لأذهبن إلى أستاذي إبراهيم فأعرف خبره ثم أعود، وأمرت من عندي أن يسووا لنا مجلسا إلى وقت رجوعي. فجئت إلى إبراهيم، فدخلت إليه، فإذا هو جالس في رواق له والستارة منصوبةٌ والجواري خلفها؛ فدخلت أترنم ببعض الأصوات وقلت له: ما بال الستارة لست أسمع من ورائها صوتا ؟ فقال: اقعد ويحك ! غني أصبحت فجاءني خبر ضيعةٍ تجاورني قد والله طلبتها زماناً وتمنيتها ولم أملكها، وقد أعطي بها مائة الف درهم. فقلت له: ما يمنعك منها ؟ فوالله لقد أعطاك الله أضعاف هذا المال وأكثر. قال: صدقت، ولكن لست أطيب نفسا بأن أخرج هذا المال. فقلت: فمن يعطيك الساعة مائة ألف درهم ؟ قال: والله ما أطمع في ذلك من الرشيد، فكيف بمن دونه ! ثم قال: اجلس، خذ هذا الصوت. ثم نقر بقضيب على الدواة وألقي علي هذا الصوت:
نام الخليّون من همٍّ ومن سقمٍ ... وبتّ من كثرة الأحزان لم أنم
يا طالب الجود والمعروف مجتهداً ... اعمد ليحيى حليف الجود والكرم
قال: فأخذت الصوت وأحكمته. ثم قال لي: أنصرف إلى الوزير يحيى بن خالد فإنك تجد الناس على بابه قبل أن يفتح الباب، ثم تجد الباب قد فتح ولم يجلس بعد، فاستأذن عليه قبل أن يصل إليه أحدٌ، فإنه ينكر مجيئك ويقول: من أين أقبلت في هذا الوقت ؟ فحدثه بقصدك إياي وما ألقيت إليك من خبر الضيعة وأعلمه أني قد صنعت هذا الصوت وأعجبني ولم أر أحداً يستحقه إلا جاريته فلانة، وأني ألقيته عليك حتى أحكمته لتطرحه عليها؛ فسيدعوها ويأمر بالستارة فتنصب ويوضع لها كرسي ويقول لك: اطرحه عليها بحضرتي؛ فأفعل وأتني بما يكون بعد ذلك من الخبر. قال مخارق: فجئت إلى باب يحيى بن خالد فوجدته كما وصف. وسألني فأعلمته بما أمرني به؛ ففعل كل شيء قاله لي إبراهيم وأحضر الجارية فألقيته عليها. ثم قال لي: تقيم عندنا يا أبا المهنأ أو تنصرف ؟ فقلت: بل أنصرف، أطال الله بقاءك، فقد علمت ما أذن لنا فيه. فقال يا غلام، احمل مع أبي المهنأ عشرة آلاف درهم واحمل إلى أبي إسحاق مائة ألف درهم ثمن هذه الضيعة. فحملت عشرة الآلاف معي، وأتيت منزلي وقلت: أسر يومي هذا وأسر من عندي. ومضى الرسول بالمال إلى إبراهيم؛ فدخلت منزلي ونثرت على من عندي دراهم من تلك البدرة وتوسدتها وأكلت وشربت وطربت وسررت يومي كله. فلما أصبحت قلت: والله لآتين أستاذي ولأعرفن خبره؛ فأتيته فوجدته كهيئته بالأمس ملى مثل ما كان عليه، فترنمت وطربت فلم يتلق ذلك بما يجب؛ فقلت: ما الخبر ؟ ألم يأتك المال بالأمس ؟! فقال: بلى، فما كان خبرك أمس ؟ فأخبرته بما كان وقلت: ما تنتظر ؟ فقال: ارفع السجف، فرفعته فإذا عشر بدر؛ فقلت: فأي شيء بقي عليك في أمر الضيعة ؟ فقال: ويحك ! ما هو والله إلا أن دخلت منزلي حتى شححت عليها وصارت مثل ما حويت قديما. فقلت: سبحان الله ! فتصنع ماذا ؟ قال: قم حتى ألقي عليك صوتا صنعته يفوق ذاك. فقمت فجلست بين يديه؛ فألقي علي:
ويفرح بالمولود من آل برمكٍ ... بغاة النّدى، والسيف والرمح والنصل
وتنبسط الآمال فيه لفضله ... ولا سيما إن كان والده الفضل

(2/13)


قال مخارق: فلما ألقى علي الصوت سمعت ما لم أسمع مثله قط وصغر في عيني الأول، فأحكمته. ثم قال: امض الساعة إلى الفضل بن يحيى، فغنك تجده لم يأذن لأحد بعد وهو يريد الخلوة مع جواريه اليوم؛ فأستأذن عليه وحدثه بحديثنا وما كان من أبيه إلينا، وأعلمه أني صنعت هذا الصوت وكان عندي أرفع منزلةً من الصوت الأول الذي صنعته بالأمس، وأني ألقيته عليك حتى أحكمته ووجهت بك قاصداً لتلقيه على فلانة جاريته. فصرت إلى باب الفضل فوجدت الأمر على ما ذكر، فاستأذنت فوصلت إليه؛ وسألني عن الخبر، فأعلمته بخبري وما وصل إلي وإليه من المال؛ فقال: أخزى الله إبراهيم ! ما أبخله على نفسه ! ثم دعا خادما فقال له: اضرب الستارة، فضربها؛ فقال لي: ألقه. فلما ألقيته وغنته الجارية لم أتمه حتى أقبل يجر مطرفه، ثم قعد على وسادة دون الستارة وقال: أحسن والله أستاذك وأحسنت أنت يا مخارق. ولم أبرح حتى أحكمته الجارية؛ فسر بذلك سرورا عظيما وقال: أقم عندي اليوم. فقلت: يا سيدي إنما بقي لنا يوم واحد، ولولا أنني أحب سرورك لم أخرج من منزلي. فقال: يا غلام، احمل مع أبي المهنأ عشرين ألف درهم وإلى أبي إسحاق مائتي ألف درهم. فانصرفت إلى منزلي بالمال، وفتحت بدرةً ونثرت منها على الجواري وشربت وسررت أنا ومن عندي يومنا. فلما أصبحت بكرت إلى إبراهيم أتعرف خبره وأعرفه خبري، فوجدته على الحال التي كان عليها أولا وآخرا؛ فدخلت أترنم وأصفق. فقال لي: أدن؛ فقلت: ما بقي عليك ؟ فقال: اجلس وأرفع سجف هذا الباب؛ فرفعته فإذا عشرون بدرةً مع تلك العشر. فقلت: ما تنتظر الآن ؟ فقال: ويحك ! ما هو إلا أن حصلت حتى جرت مجرى ما تقدم. فقلت: والله ما أظن أحداً نال من هذه الدولة ما نلت ! فلم تبخل على نفسك بشيء تمنيته دهراً وقد ملكك الله أضعافه ! ثم قال: اجلس فخذ هذا الصوت. فألقي علي صوتا أنساني صوتي الأولين وهو:
أفي كلّ يومٍ أنت صبٌّ وليلةٍ ... إلى أمّ بكرٍ لا تفيق فتقصر
أحبّ على الهجران أكناف بيتها ... فيالك من بيت يحبّ ويهجر
إلى جعر سارت بنا كلّ جسرةٍ ... طواها سراها نحوه والتهجّر
إلى واسع للمجتدين فناؤه ... تروح عطاياه عليهم وتبكر
وهو شعر مروان بن أبي حفصة يمدح جعفر بن يحيى قال مخارق: ثم قال لي إبراهيم: هل سمعت مثل هذا قط ؟ فقلت: ما سمعت قط مثله ! فلم يزل يردده علي حتى أخذته، ثم قال لي: امض إلى جعفر فافعل به كما فعلت بأبيه وأخيه. قال: فمضيت ففعلت مثل ذلك وأخبرته بما كان وعرضت عليه الصوت؛ فسر به ودعا خادماً فأمره أن يضرب الستارة، وأحضر الجارية وقعد على كرسي؛ ثم قال: هات يا مخارق؛ فألقيت الصوت عليها حتى أخذته؛ فقال: أحسنت يا مخارق وأحسن أستاذك، فهل لك في المقام عندنا اليوم ؟ فقلت: يا سيدي، هذا آخر أيامنا، وإنما جئت لموقع الصوت مني حتى ألقيته على الجارية. فقال: يا غلام، احمل معه ثلاثين ألف درهم وإلى الموصلي ثلثمائة ألف درهم. فصرت إلى منزلي بالمال وأقمت ومن عندي مسرورين نشرب طول يومنا ونطرب. ثم بكرت إلى إبراهيم فتلقاني قائما، ثم قال لي: أحسنت يا مخارق ! فقلت: ما الخبر ؟ قال: اجلس فجلست؛ فقال لمن خلف الستارة: خذوا فيما أنتم عليه ثم رفع السجف فإذا المال. فقلت ما خبر الضيعة ؟ أدخل يده تحت مسورة وهو متكئ عليها فقال: هذا صك الضيعة اشتراها يحيى بن خالد وكتب إلي: قد علمت أنك لا تسخو نفسك بشراء هذه الضيعة من مال يحصل لك ولو حويت الدنيا كلها، وقد أبتعتها من مالي. ووجه إلي بصكها، وهذا المال كما ترى، ثم بكى وقال: يا مخارق، إذا عاشرت فعاشر مثل هؤلاء، وإذا خنكرت فخنكر لمثل هؤلاء، ستمائة الف، وضيعة بمائة ألف، وستون ألف درهم لك، حصلنا ذلك أجمع وأنا جالس في مجلسي لم أبرح منه، متى يدرك مثل هؤلاء !.

(2/14)


وروى عنه قال: أتيت الفضل بن يحيى يوما فقلت له: يا أبا العباس، جعلت فداك ! هب لي دراهم فإن الخليفة قد حبس بره. فقال: ويحك يا أبا إسحاق ما عندي ما أرضاه لك. ثم قال: هاه ! إلا أن ها هنا خصلةً، أتانا رسول صاحب اليمن فقضينا حوائجه، ووجه إلينا بخمسين ألف دينار يشتري لنا بها محبتنا. فما فعلت ضياء جاريتك ؟ قلت: عندي جعلت فداك. قال: فهو ذا، أقول لهم يشترونها منك فلا تنقصها من خمسين ألف دينار؛ فقبلت رأسه ثم أنصرفت. فبكر علي رسول صاحب اليمن ومعه صديقٌ له ولي، فقال: جاريتك فلانة عندك ؟ قلت: عندي. قال: أعرضها علي فعرضتها عليه؛ فقال: بكم ؟ فقلت: بخمسين ألف دينار ولا أنقص منها دينارا واحدا، وقد أعطاني الفضل بن يحيى أمس هذه العطية، فقال: هل لك في ثلاثين ألف دينار مسلمة ؟ وكان مشتري الجارية أربعمائة دينار، فلما وقع في أذني ذكر ثلاثين ألف دينار أريج علي ولحقني زمعٌ، وأشار علي صديقي الذي معه بالبيع، وخفت والله أن يحدث بالجارية حدثٌ أو بي أو بالفضل بن يحيى، فسلمتها وأخذت المال. ثم بكرت على الفضل، فإذا هو جالسٌ وحده. فلما نظر إلي ضحك وقال لي: يا ضيق العطن والحوصلة، حرمت نفسك عشرين ألف دينار. فقلت له: جعلت فداك، دع ذا عنك، فوالله لقد دخلني شيء أعجز عن وصفه وخفت أن تحدث بي حادثةٌ أو بالجارية أو بالمشتري أو بك أعاذك الله من كل سوء، فبادرت بقبول الثلاثين ألف دينار. فقال: لا ضير، يا غلام جيء بجاريته، فجيء بها، فقال: خذ بيدها وأنصرف بارك الله لك فيها، ما أردنا إلا منفعتك ولم نرد الجارية. فلما نهضت قال لي: مكانك، إن رسول صاحب أرمينية قد جاءنا فقضينا حوائجه ونفذنا كتبه، وقد ذكر أنه قد جاء بثلاثين ألف دينار يشتري لنا بها ما نحب، فاعرض عليه جاريتك هذه ولا تنقصها من ثلاثين ألف دينار؛ فأنصرفت بالجارية. وبكر علي رسول صاحب أرمينية ومعه صديقٌ لي آخر، فقاولني بالجارية؛ فقلت: لن أنقصها من ثلاثين ألف دينار. فقال لي: معي عشرون ألف دينار مسلمة خذها بارك الله لك فيها. فدخلني والله مثل الذي دخلني في المرة الأولى وخفت مثل خوفي الأول، فسلمته وأخذت المال. وبكرت على الفضل، فإذا هو وحده. فلما رآني ضحك وضرب برجله ثم قال: ويحك، حرمت نفسك عشرة آلاف دينار. فقلت: أصلحك الله، خفت والله مثل ما خفت في المرة الأولى. فقال: لا ضير، أخرج يا غلام جاريته فجيء بها؛ فقال: خذها، ما أردناها وما أردنا إلا منفعتك. فلما ولت الجارية صحت بها: ارجعي فرجعت؛ فقلت: أشهدك جعلت فداك هي حرة لوجه الله تعالى، وإني قد تزوجتها على عشرة آلاف درهم، كسبت لي في يومين خمسين ألف دينار فما جزاؤها إلا هذا. فقال: وفقت إن شاء الله تعالى.
وأخباره مع البرامكة كثيرةٌ وصلاتهم له وافرةٌ. وقد ذكرنا منها ما فيه غنيةٌ عن زيادة. فلنذكر وفاة إبراهيم. كانت وفاته ببغداد في سنة ثمان وثمانين ومائة، ومات في يوم وفاته العباس بن الأحنف الشاعر، وهشيمة الخمارة؛ فرفع ذلك إلى الرشيد فأمر المأمون أن يصلي عليهم، فخرج وصلى عليهم.
قال إسحاق: لما مرض إبراهيم مرض موته ركب الرشيد حمارا ودخل على إبراهيم يعوده وهو جالس في الأبزن، فقال له: كيف انت يا إبراهيم ؟ فقال: أنا والله يا سيدي كما قال الشاعر:
سقيمٌ ملّ منه أقربوه ... وأسلمه المدواي والحميم
فقال الرشيد: إنا لله ! فما بعد حتى سمع الواعية عليه.
صورة ما ورد بآخر الجزء الرابع في أحد الأصلين الفتوغرافيين: هذا آخر الجزء الرابع من نهاية الأرب في فنون الأدب. والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم؛ وحسبنا الله ونعم الوكيل.
صورة ما ورد بآخر الجزء الرابع في الأصل الآخر الفتوغرافي: كمل الجزء الرابع من كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب على يد مؤلفه فقير رحمة ربه أحمد بن عبد الوهاب بن محمد بن عبد الدائم البكري التيمي القرشي المعروف بالنويري عفا الله عنهم.
/////أخبار إسحاق بن إبراهيم

(2/15)


هو أبو محمد إسحاق بن إبراهيم الموصلي، وقد تقدم نسبه في أخبار أبيه. وكان الرشيد يولع به فيكنيه أبا صفوان. قال أبو الفرج الأصفهاني في ترجمة إسحاق: وموضعه من العلم، ومكانه من الأدب، ومحله من الرواية، وتقدمه في الشعر، ومنزلته في سائر المحاسن أشهر من أن يدل عليها بوصفٍ. قال: فأما الغناء فكان أصغر علومه وأدنى ما يوسم به وإن كان الغالب عليه وعلى ما كان يحسنه، فإنه كان له في سائر أدواته نظراءً وأكفاءً ولم يكن له في هذا نظير. لحق بمن مضى فيه وسبق من قد بقى، وسهل طريق الغناء وأنارها، فهو إمام أهل صناعته جميعاً وقدوتهم ورأسهم ومعلمهم، يعرف ذلك منه الخاص والعام، ويشهد له به الموافق والمفارق. على أنه كان أكره الناس للغناء وأشدهم بغضاً له لئلا يدعى إليه ويسمى به. وكان المأمون يقول: لولا ما سبق على ألسنة الناس وشهر به عندهم من الغناء لوليته القضاء بحضرتي، فإنه أولى به وأعف وأصدق وأكثر ديناً وأمانةً من هؤلاء القضاة. وقد روى الحديث ولقي أهله مثل مالك بن أنس وسفيان بن عينينة وهشيم بن بشير وإبراهيم بن سعد وأبي معاوية الضرير وروح ابن عبادة وغيرهم من شيوخ العراق والحجاز. وكان مع كراهته للغناء أضن خلق الله به وأشدهم بخلاً على كل أحدٍ حتى على جواريه وغلمانه ومن يأخذ عنه منتسباً إليه ومتعصباً له فضلاً عن غيرهم. قال: وهو صحح أجناس الغناء وطرائقه وميزها تمييزاً لم يقدر عليه أحدٌ قبله.
وقال محمد بن عمران الجرجاني: كان والله إسحاق غرةً في زمانه، وواحداً في عصره علماً وفهماً وأدباً ووقاراً وجودة رأي وصحة مودة. وكان الله يخرس الناطق إذا نطق، ويحير السامع إذا تحدث، لا يمل جليسه مجلسه، ولا تمج الآذان حديثه، ولا تنبو النفس عن مطاولته. إن حدثك ألهاك، وإن ناظرك أفادك، وإن غناك أطربك. وما كانت خصلةٌ من الأدب، ولا جنسٌ من العلم يتكلم فيه إسحاقٌ فيقدم أحدٌ على مساجلته أو مناوأته فيه.
حكى أبو الفرج عن إسحاق قال: دعاني المأمون وعنده إبراهيم بن المهدي وفي مجلسه عشرون جاريةً قد أجلس عشراً عنة يمينه وعشراً عن شماله. فلما دخلت سمعت من الناحية اليسرى خطأً فأنكرته. فقال المأمون أسمعت خطأً؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين. فقال لإبراهيم بن المهدي: هل تسمع خطأ؟ قال: لا. قال: فأعاد علي السؤال، فقلت بلى والله يا أمير المؤمنين، وإنه لفي الجانب الأيسر. فأعاد إبراهيم سمعه إلى الناحية اليسرى ثم قال: لا والله يا أمير المؤمنين ما في هذه الناحية خطأ. فقلت يا أمير المؤمنين، مر الجواري اللاتي على اليمين يمسكن، فأمرهن فأمسكن، ثم قلت لإبراهيم: هل تسمع خطأ؟ فتسمع ثم قال: ما هاهنا خطأ. فقلت يا أمير المؤمنين، يمسكن وتضرب الثانية، فأمسكن وضربت الثانية، فعرف إبراهيم الخطأ فقال: نعم يا أمير المؤمنين، هاهنا خطأ. فقال المأمون عند ذلك لإبراهيم بن المهدي: لا تمار إسحاق بعدها، فإن رجلاً عرف الخطأ بين ثمانين وتراً وعشرين حلقاً لجديرٌ ألا تماريه، قال: صدقت.
وقال ابن حمدون: سمعت الواثق يقول: ما غناني إسحاق قط إلا ظننت أنه قد زيد في ملكي، ولا سمعته قط يغني غناء ابن سريج إلا ظننته أن ابن سريج قد نشر، وإني ليحضرني غيره إذا لم يكن حاضراً، فيتقدمه عندي بطيب الصوت، حتى إذا اجتمعا عندي رأيت إسحاق يعلو ورأيت من ظننت أنه يتقدمه ينقص. وإن إسحاق لنعمةٌ من نعم الملوك لم يحظ أحدٌ بمثلها. ولو أن العمر والشباب والنشاط مما يشترى لاشتريتهن له بشطر ملكي.
وحكى عن أحمد بن المكي عن أبيه قال: كان المغنون يجتمعون مع إسحاق وكلهم أحسن صوتاً منه ولم يكن فيه عيبٌ إلا صوته فيطمعون فيه، ولا يزال بلطفه وحذقه ومعرفته حتى يغلبهم جميعاً ويفضلهم ويتقدم عليهم. قال: وهو أول من أحدث المجتث ليوافق صوته ويشاكله فجاء معه عجباً من العجب، وكلن في حلقه نبؤ عن الوتر.

(2/16)


وحكى قال: سأل إسحاق الموصلي المأمون أن يكون دخوله مع أهل العلم والأدب والرواة لا مع المغنين، فإذا أراد الغناء غناه، فأجابه إلى ذلك. ثم سأله بعد مدةٍ طويلةٍ أن يأخذ له في الدخول مع الفقهاء فأذن له، قال: فكان يدخل ويده في يد قاضي القضاة يحيى بن أكثم. ثم سأل إسحاق المأمون في لبس السواد يوم الجمعة والصلاة معه في المقصورة، قال: فضحك المأمون وقال: ولا كل هذا يا إسحاق! وقد اشتريت منك هذه المسألة بمائة ألف دينارٍ وأمر له بها.
وكان لإسحاق مع إبراهيم بن المهدي مخاطباتٌ ومنازعاتٌ ومحاوراتٌ بسبب الغناء، وكان الرشيد ينصر إسحاق على إبراهيم أخيه. من ذلك ما حكاه إسحاق قال: كنت عند الرشيد يوماً، وعنده ندماؤه وخاصته وفيهم إبراهيم بن المهدي، فقال لي الرشيد: غن:
شربت مدامةً وسقيت أخرى ... وراح المنتشون وما انتشيت

(2/17)


فغنيته. فأقبل على إبراهيم بن المهدي فقال لي: ما أصبت يا إسحاق ولا أحسنت. فقلت له: ليس هذا مما تعرفه ولا تحسنه، وإن شئت فغنه فإن لم أجدك أنك تخطئ فيه منذ ابتدائك إلى انتهائك فدمي حلال. ثم أقبلت على الرشيد فقلت: يا أمير المؤمنين، هذه صناعتي وصناعة أبي، وهي التي قربتنا منك واستخدمتنا لك فأوطأتنا بساطك، فإذا نازعنا أحدٌ بغير علمٍ لم نجد بداً من الإفصاح والذب، فقال: لا غرور ولا لوم عليك. وقام الرشيد ليبول، فأقبل إبراهيم بن المهدي علي وقال: ويحك يا إسحاق! أتجترئ على وتقول لي ما قلت يا ابن الفاعلة! لا يكنى. فداخلني ما لم أملك نفسي معه، فقلت له: أنت تشتمني ولا أقدر على إجابتك وأنت ابن الخليفة وأخو الخليفة، ولولا ذلك لقلت لك: يا ابن الزانية كما قلت لي يا ابن الزانية. أو تراني كنت لا أحسن أن أقول: يا ابن الزانية! ولكن قولي في ذمك ينصرف كله إلى خالك الأعلم، ولولاك لذكرت صناعته ومذهبه - قال إسحاق: وكان بيطاراً - قال: ثم سكت، وعلمت أن إبراهيم سوف يشكوني إلى الرشيد، وسوف يسأل من حضر عما جرى فيخبرونه، فتلافيت ذلك بأن قلت: إنك تظن أن الخلافة تصير إليك، فلا تزال تتهددني بذلك وتعاديني كما تعادي سائر أولياء أخيك حسداً له ولولده على الأمر! وأنت تضعف عنه وعنهم، وتستخف بأوليائهم تشفياً، وأرجو ألا يخرجها الله من الرشيد وولده، وأن يقتلك دونها. فإن صارت إليك - والعياذ بالله تعالى من ذلك - فحرامٌ علي حينئذٍ العيش! والموت أطيب من الحياة معك، فاصنع حينئذٍ ما بدا لك! قال: فلما خرج الرشيد وثب إبراهيم بين يديه وقال: يا أمير المؤمنين، شتمني إسحاق وذكر أمي واستخف بي. فغضب وقال لي: ويلك! ما تقول؟ قلت: لا أعلم، فسل من حضر. فأقبل على مسرورٍ وحسين فسألهما عن القصة فجعلا يخبرانه ووجهه يربد إلى أن انتهيا إلى ذكر الخلافة فسرى عنه ورجع لونه، وقال لإبراهيم: لا ذنب له، شتمته فعرفك أنه لا يقدر على جوابك، ارجع إلى موضعك وأمسك عن هذا. فلما انفض المجلس وانصرف الناس أمر الرشيد بألا أبرح. وخرج كل من حضر حتى لم يبق غيري، فساء ظني وهمتني نفسي. فأقبل علي وقال: يا إسحاق، أتراني لم أفهم قولك ومرادك! قد والله زنيته ثلاث مرات! أتراني لا أعرف وقائعك وأقدامك وأين ذهبت! ويلك لا تعد! حدثني عنك لو ضربك إبراهيم أكنت أقتص لك منه فأضربه وهو أخي يا جاهل! أتراه لو أمر غلمانه فقتلوك أكنت أقتله بك! فقلت: والله يا أمير المؤمنين، قد قتلني هذا الكلام، وإن بلغه ليقتلني، وما أشك أنه قد بلغه الآن. فصاح بمسرورٍ وقال له: علي بإبراهيم فأحضر، وقال لي: قم فانصرف. فقلت لجماعة من الخدم - وكلهم كان لي محباً وإلي مائلاً ولي مطيعاً - : أخبروني بما يجري، فأخبروني من غد أنه لما دخل عليه وبخه وجهله وقال له: أتستحف بخادمي وصنيعتي وابن خادمي وصنيعتي وصنيعة أبي في مجلسي! وتقدم علي وتستخف بمجلسي وحضرتي! هاه هاه هاه! وتقدم على هذا وأمثاله! وأنت مالك وللغناء! وما يدريك ما هو! ومن أخذك به وطارحك إياه حتى تتوهم أنك تبلغ منه مبلغ إسحاق الذي غذي به وعلمه وهو من صناعته! ثم تظن أنك تخطئه فيما لا تدريه، ويدعوك إلى إقامة الحجة عليه فلا تثبت لذلك وتعتصم بشتمه!هذا مما يدل على السقوط وضعف العقل وسوء الأدب من دخولك فيما لا يشبهك، وغلبة لذتك على مروءتك وشرفك، ثم إظهارك إياه ولم تحكمه، وادعائك ما لا تعلمه حتى ينسبك إلى إفراط الجهل. ألا تعلم، ويحك، أن هذا سوء أدبٍ وقلة معرفةٍ وقلة مبالاةٍ بالخطأ والتكذيب والرد القبيح! ثم قال: والله العظيم وحق رسوله وإلا فأنا بريءٌ من المهدي إن أصابه أحدٌ بسوءٍ أو أسقط عليه حجرٌ من السماء أو سقط من دابته أو أسقط عليه سقفه أو مات فجأةً لأقتلنك به. والله! والله! والله! فلا تعرض له وأنت أعلم! قم الآن فاخرج، فخرج وقد كاد يموت. فلما كان بعد ذلك دخلت على الرشيد وإبراهيم عنده فأعرضت عن إبراهيم فجعل ينظر إلي مرةً وإليه مرةً ويضحك، ثم قال: إني لأعلم محبتك لإسحاق وميلك إليه وإلى الأخذ عنه، وإن هذا لا يجيئك من جهته كما تريد إلا بعد أن يرضى، والرضا لا يكون بمكروهٍ، ولكن أحسن إليه وأكرمه واعرف حقه وبره وصله، فإذا فعلت ذلك ثم خالف ما تهواه عاقبته بيدٍ مستطيلةٍ منبسطةٍ ولسانٍ منطلق. ثم قال لي: قم إلى مولاك وابن مولاك

(2/18)


فقبل رأسه، فقمت إليه وقام إلي وأصلح الرشيد بيننا. رأسه، فقمت إليه وقام إلي وأصلح الرشيد بيننا.
قال أبو الفرج: وكان إسحاق جيد الشعر، كان يقول الشعر وينسبه للعرب. فمن ذلك قوله:
لفظ الخدور إليك حوراً عيناً ... أنسين ما جمع الكناس قطينا
فإذا بسمن فعن كمثل غمامةٍ ... أو أقحوان الرمل بات معيناٍ
وأصح ما رأت العيون محاجراً ... ولهن أمراض ما رأيت بات عيونا
فكأنما تلك الوجوه أهلةٌ ... أقمرن بين العشر والعشرينا
وكأنهن إذا نهضن لحاجةٍ ... ينهضن بالعقدات من يبرينا
وأشعاره في هذا النوع كثيرة.
روي عن الأصمعي قال: دخلت أنا وإسحاق بن إبراهيم الموصلي يوماً على الرشيد فرأيناه لقس النفس، فأنشده إسحاق:
وآمرةٍ بالبخل قلت لها اقصري ... فذلك شيءٌ ما إليه سبيل
أرى الناس خلان الكرام ولا أرى ... بخيلاً له حتى الممات خليل
وإني رأيت البخل يزرى بأهله ... فأكرمت نفسي أن يقال بخيل
ومن خير حالات التي لو علمته ... إذا نال خيراً أن يكون ينيل
فعالي فعال المكثرين تجملاً ... ومالي كما تعلمين قليل
وكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى ... ورأي أمير المؤمنين جميل!
قال: فقال الرشيد: لا تخف إن شاء الله، ثم قال: لله در أبياتٍ تأتين بها ما أشد أصولها، وأحسن فصولها، وأقل فضولها! وأمر له بخمسين ألف درهم. فقال له إسحاق: وصفك والله يا أمير المؤمنين لشعري أحسن منه، فعلام آخذ الجائزة! فضحك الرشيد وقال: اجعلوها مائة ألف درهم. قال الأصمعي: فعلمت يومئذٍ أن إسحاق أحذق بصيد الدراهم مني.
قال أبو العبد بن حمدون: سأل المتوكل عن إسحاق، فعرف أنه كف وأنه بمنزله ببغداد، فكتب في إحضاره. فلما دخل عليه رفعه حتى أجلسه قدام السرير وأعطاه مخدة وقال: بلغني أن المعتصم دفع إليك في أول يومٍ جلست بين يديه مخدةً، وقال: إنه لا يستجلب ما عند حرٍ مثل إكرامه. ثم سأله: هل أكل؟ فقال نعم، فأمر أن يسقى. فلما شرب أقداحاً قال: هاتوا لأبي محمد عوداً، فجيء به فاندفع يغني بشعره:
ما علة الشيخ عيناه بأربعةٍ ... تغرورقان بدمعٍ ثم ينسكب
قال ابن حمدون: فما بقي غلامٌ من الغلامان الوقوف على الحير إلا وجدته يرقص طرباً وهو لا يعلم بما يفعل، فأمر له بمائة ألف دينار. ثم انحدر المتوكل إلى الرقة وكان يستطيبها لكثرة تغريد الطير فيها، فغناه إسحاق:
أأن هتفت ورقاء في رونق الضحى ... على فننٍ غض النبات من الرند
بكيت كما يبكي والوليد ولم تزل ... جليداً وأبديت الذي لم تكن تبدي
فضحك المتوكل ثم قال: يا إسحاق، هذه أخت فعلتك بالواثق لما غنيته بالصالحية:
طربت إلى أصيبيةٍ صغار ... وذكرني الهوى قرب المزار
فكم أعطاك لما أذن لك في الانصراف؟ قال: مائة ألف دينار، فأمر له بمائة ألف دينار وأذن له بالانصراف. وكان آخر عهده بإسحاق. توفي بعد ذلك بشهرين. وكانت وفاته في شهر رمضان سنة خمسٍ وثلاثين ومائتين. وكان يسأل الله تعالى ألا يبتليه بالقولنج لما رأى من صعوبته على أبيه، فرأى في منامه كأن قائلاً يقول له: قد أجيبت دعوتك ولست تموت بالقولنج ولكنك تموت بضده، فأصابه ذرب في شهر رمضان، فكان يتصدق في كل يومٍ يمكنه صومه بمائة درهم، ثم ضعف عن الصوم فلم يطقه ومات في الشهر. ولما نعي إلى المتوكل غمه وحزن عليه وقال: ذهب صدرٌ عظيمٌ من جمال الملك وبهائه وزينته. رحمه الله تعالى.
أخبار علويه

(2/19)


هو أبو الحسن علي بن عبد الله بن سيف. وجده سيف من الصغد الذين سابهم الوليد بن عثمان بن عفان واسترق منهم جماعةً اختصهم لخدمته وأعتق بعضهم ولم يعتق الباقين فقتلوه. قال أبو الفرج الأصفهاني: وكان عليٌ هذا مغنياً حاذقاً، ومؤدباً محسناً، وصانعاً متقناً، وضارباً متقدماً، مع خفة روحٍ وطيب مجالسةٍ وملاحة نوادر. وكان إبراهيم الموصلي علمه وخرجه وعني بتحذيقه جداً، فبرع وغنى لمحمد الأمين وعاش إلى أيام المتوكل ومات بعد إسحاق الموصلي بيسير. وكان سبب وفاته أنه خرج عليه جربٌ، فشكاه إلى يحيى بن ماسويه، فبعث إليه بدواءٍ مسهلٍ وطلاء، فشرب الطلاء وأطلى بالدواء، فقتله ذلك. قال: وكان علويه أعسر، فكان عوده مقلوب الأوتار: ألبم أسفل الأوتار كلها ثم المثلث فوقه ثم المثنى ثم الزير، فكان عوده إذا كان في يد غيره يكون مقلوباً، وإذا أخذه كان في يده اليمنى وضرب باليسرى فيكون مستوياً. وكان إسحاق يتعصب له في أكثر أوقاته على مخارق. وقال حماد ابن إسحاق: قلت لأبي: أيما أفضل عندك مخارق أم علويه؟ فقال: يا بني، علويه أعرقهما فهماً بما يخرج من رأسه، وأعلمها بما يغنيه ويؤديه، ولو خيرت بينهما من يطارح جواري، أو شاورني من يستنصحني لما أشرت إلا بعلويه، لأنه يؤدي الغناء، وإذا صنع شيئاً صنه صنعةً محكمةً، ومخارق لتمكنه من حلقه وكثرة نغمه لا يقنع بالأخذ منه، لأنه لا يؤدي صوتاً واحداً كما أخذه ولا يغنيه مرتين غناءً واحداً لكثرة زوائده فيه، ولكنهما إذا اجتمعا عند خليفةٍ أو سوقةٍ غلب مخارق على المجلس والجائزة بطيب صوته وكثرة نغمه.
وقال أبو عبد الله بن حمدون: حدثني أبي قال: اجتمعت مع إسحاق يوماً في بعض دور بني هاشم، وحضر علويه فغنى أصواتاً ثم غنى من صنعته:
ونبئت ليلى أرسلت بشفاعةٍ ... إلي فهلا نفس ليلى شفيعها!
فقال له إسحاق: أحسنت أحسنت والله يا أبا الحسن!أحسنت ما شئت! فقام علويه من مجلسه فقبل رأس إسحاق وعينيه وجلس بين يديه وسر بقوله سروراً كثيراً، ثم قال أنت سيدي وابن سيدي وأستاذي وابن أستاذي، ولي إليك حاجةٌ. قال: قل، فوالله إني أبلغ فيها ما تحب. قال: أيما أفضل أنا عندك أم مخارق؟ فإني أحب أن أسمع منك في هذا المعنى قولاً يؤثر ويحكيه عنك من حضر، فشرفني به. فقال إسحاق: ما منكما إلا محسنٌ مجمل، فلا ترد أن يجري في هذا شيء. قال: سألتك بحقي عليك وبتربة أبيك وبكل حق تعظمه إلا حكمت! فقال: ويحك والله لو كنت أستجير أن أقول غير الحق لقلته فيما تحب، فأما إذا أبيت إلا ذكر ما عندي، فلو خيرت أنا من يطارح جواري ويغنيني لما اخترت غيرك، ولكنكما إذا غنيتما بين يدي خليفةٍ أو أميرٍ غلبك على إطرابه واستبد عليك بجائزته. فغضب علويه وقام وقال: أف من رضاك وغضبك! وكان الواثق بالله يقول: علويه أصح الناس صنعةً بعد إسحاق، وأطيب الناس صوتاً بعد مخارق، وأضرب الناس بعد زلزل وملاحظ، فهو مصلي كل سابق نادر وثاني كل أول، وأصل كل متقدم. وكان يقول: غناء علويه مثل نقر الطست يبقى ساعةً في السمع بعد سكوته.
وقال عبد الله بن طاهر: لو اقتصرت على رجلٍ واحدٍ يغني لما اخترت سوى علويه، لأنه إن حدثني ألهاني، وإن غناني أشجاني، وإن رجعت إلى رأيه كفاني.
وقال محمد بن عبد الله بن مالك: كان علويه يغني بين يدي الأمين، فغنى في بعض غنائه:
ليت هنداً أنجزتنا ما تعد ... وشفت أنفسنا مما تجد
وكان الفضل بن ربيع يضطغن عليه شيئاً، فقال للأمين: إنما يعرض بك ويستبطئ المأمون في محاربته إياك، فأمر به فضرب خمسين سوطاً وجر برجله حتى أخرج، وجفاه مدة، حتى سأل كوثراً أن يترضاه له فترضاه له ورده إلى الخدمة وأمر له بخمسة آلاف درهم. فلما قدم المأمون تقرب إليه بذلك فلم يقع له بحيث يحب، وقال: إن الملك بمنزلة الأسد أو النار فلا تتعرض لما يغضبه، فإنه ربما جرى منه ما يتلفك ثم لا يقدر بعد ذلك على تلافي ما فرط منه، ثم قرب من المأمون بعد ذلك.

(2/20)


قال علويه: أمرنا المأمون أن نباكره لنصطبح، فلقيني عبد الله بن إسماعيل المراكبي مولى عريب فقال: أيها الظالم المعتدي، أما ترحم ولا ترق! عريبٌ هائمةٌ من الشوق إليك تدعو الله وتستحكمه عليك وتحلم بك في نومها في كل ليلةٍ ثلاث مرات. قال علويه: فقلت أم الخلافة زانية ومضيت معه. فحين دخلت قلت: أستوثق من الباب فإني أعرف الناس بفضول الحجاب، وإذا عريبٌ جالسةٌ على كرسيٍ تطبخ ثلاث قدورٍ من دجاج. فلما رأتني قامت فعانقتني وقبلتني وقالت: أي شيءٍ تشتهي؟ فقلت: قدراً من هذه القدور، فأفرغت قدراً بيني وبينها فأكلنا، ودعت بالنبيذ فصبت رطلاً فشربت نصفه وسقتني نصفه، فما زلت أشرب حتى كدت أن أسكر. ثم قالت: يا أبا الحسن، غنيت البارحة في شعرٍ لأبي العتاهية أعجبني، أفتسمعه وتصلحه؟ فغنت:
عذيرى من الإنسان لا إن جفوته ... صفا لي ولا إن صرت طوع يديه
وإني لمشتاقٌ إلى ظل صاحبٍ ... يروق ويصفو إن كدرت عليه
فصيرناه مجلسنا. وقالت: قد بقي فيه شيء، فلم أزل أنا وهي حتى أصلحناه. ثم قالت: أحب أن تغني أنت أيضاً فيه لحناً ففعلت، وجعلنا نشرب على اللحنين ثلاثاً. ثم جاء الحجاب فكسروا الباب واستخرجوني، فدخلت على المأمون فأقبلت أرقص من أقصى الإيوان وأصفق وأغني بالصوت، فسمع المغنون والمأمون ما لم يعرفوه فاستطرفوه، وقال المأمون: ادن يا علويه وردده، فرددته عليه سبع مرات، فقال لي في آخرها عند قولي: يروق ويصفو إن كدرت عليه: يا علويه خذ الخلافة وأعطني هذا الصاحب.
وقال علويه: قال إبراهيم الموصلي يوماً: إني قد صنعت صوتاً وما سمعه مني أحدٌ بعد، وقد أحببت أن أنفعك به وأرفع منك بأن ألقيه عليك وأهبه لك، ووالله ما فعلت هذا بإسحاق قط، وقد خصصتك به، فانتحله وادعه، فلست أنسبه إلى نفسي، وستكسب به مالاً. فألقى علي:
إذا كان لي شيئان يا أم مالكٍ ... فإن لجاري منهما ما تخيرا
فأخذته عنه وادعيته، وسترته طول أيام الرشيد خوفاً من أن أتهم فيه وطول أيام الأمين، حتى حدث عليه ما حدث وقدم المأمون من خراسان، وكان يخرج إلى الشماسية فيتنزه، فركبت يوماً في زلالي وجئت أتبعه، فرأيت حراقة على بن هشام، فقلت للملاح: اطرح زلالي على الحراقة ففعل، واستؤذن لي فدخلت وهو يشرب مع الجواري، وما كانوا يحجبون جواريهم، فغنيته الصوت فاستحسنه جداً وطرب عليه، وقال: لمن هذا؟ فقلت: هذا صوتٌ صنعته وأهديته لك ولم يسمعه أحدٌ قبلك، فازداد به عجباً وطرباً، وقال للجارية: خذيه عنه ، فألقيته عليها حتى أخذته، فسر بذلك وطرب، وقال لي: ما أجد لك مكافأةً على هذه الهدية إلا أن أتحول عن هذه الحراقة بما فيها وأسلمه إليك، فتحول إلى أخرى وسلمت لي بخزانتها وجميع آلاتها وكل شيء فيها، فبعت ذلك بمائة ألفٍ وخمسين ألف درهم، واشتريت ضيعتي الصالحية.
وقال علويه: خرج المأمون يوماً ومعه أبياتٌ قد قالها وكتبها في رقعةٍ بخط يده وهي:
خرجت إلى الصيد الظباء فصادني ... هناك غزالٌ أدعج العين أحور
غزالٌ كأن البدر حل جبينه ... وفي خده الشعرى المنيرة تزهر
فصاد فؤادي إذ رماني بسهمه ... وسهم غزال الإنس طرف ومحجر
فيا من رأى ظبياً يصيد، ومن رأى ... أخاً قنصٍ يصطاد قهراً ويقسر
قال: فغنيته فأمر لي بعشرين ألف درهم.
أخبار أخبار معبد اليقطيني

(2/21)


قال أبو الفرج: كان معبد هذا غلاماً مولداً من مولدي المدينة، أخذ الغناء عن جماعة من أهلها، واشتراه بعض ولد على بن يقطين. واخذ الغناء بالعراق عن إسحاق وابن جامع وطبقتهما، وخدم الرشيد ولم يخدم غيره من الخلفاء، ومات في أيامه. وكان أكثر انقطاعه إلى البرامكة. وروى أبو الفرج الأصفهاني حكايةً عنه أحببت أن أذكرها في هذا الموضع، وهي ما رواه بسنده إلى محمد بن عبد الله بن مالك الخزاعي، قال حدثني معبد الصغير المغني مولى علي بن يقطين قال: كنت منقطعاً إلى البرامكة أحدثهم وألازمهم. فبينما أنا ذات يومٍ في منزلي إذ أتاني آتٍ فدق بابي، فخرج غلامي ثم رجع إلي فقال لي: على الباب فتىً ظاهر المروءة يستأذن عليك، فأذنت له، فدخل شابٌ ما رأيت أحسن وجهاً منه ولا أنظف ثوباً ولا أجمل زياً منه من رجلٍ دنفٍ عليه آثار السقم ظاهرة.فقال لي: إني أحاول لقائك منذ مدة ولا أجد إلى ذلك سبيلاً، وإن لي حاجةً. فقلت: وما هي؟ فأخرج ثلاثمائة دينار فوضعها بين يدي فقال: أسألك أن تقبلها وتصنع في بيتين قلتهما لحناً تغنيني به. فقلت: هاتهما فأنشدني:
والله يا طرفي الجاني على بدني ... لتطفئن بدمعي لوعة الحزن
أو لأبوحن حتى يحجبوا سكني ... فلا أراه وقد أدرجت في كفني
قال: فصنعت فيه لحناً ثم غنيته إياه، وأغمي عليه حتى ظننته قد مات، ثم أفاق فقال أعد، فديتك! فناشدته الله في نفسه وقلت: أخشى أن تموت، فقال: هيهات! أنا أشقى من ذلك. وما زال يخضع لي ويتضرع حتى أعدته، فصعق صعقةً أشد من الأولى حتى ظننت أن نفسه قد فاضت. فلما أفاق رددت عليه الدنانير فوضعتها بين يديه، وقلت: يا هذا، خذ دنانيرك وانصرف عني، قد قضيت حاجتك وبلغت وطراً مما أردته، ولست أحب أن أشرك في دمك. فقال: يا هذا، لا حاجة لي في الدنانير، وهذه مثلها لك، ثم أخرج ثلاثمائة دينارٍ فوضعها بين يدي وقال: أعد الصوت علي مرةً أخرى وحلٌ لك دمي! فشرهت نفسي في الدنانير، وقلت: لا والله ولا بعشرة أضعافها إلا على ثلاث شرائط. قال: وما هي؟ قلت:أولاهن أن تقيم عندي وتتحرم بطعامي. والثانية أن تشرب أقداحاً من النبيذ تطبب قلبك وتسكن ما بك. والثالثة أن تحدثني بقصتك. قال: أفعل ما تريد. فأخذت الدنانير ودعوت بطعامٍ فأصاب منه إصابة معذرٍ، ثم دعوت بالنبيذ فشرب أقداحاً، وغنيته بشعر غيره في معناه وهو يشرب ويبكي،ثم قال: الشرط أعزك الله! فغنيته صوته فجعل يبكي أحر بكاءٍ وينشج أشد نشيجٍ وينتحب. فلما رأيت ما به قد خف عما كان يلحقه ورأيت النبيذ قد شد قلبه، كررت عليه صوته مراراً. ثم قلت: حدثني حديثك، فقال: أنا رجلٌ من أهل المدينة خرجت متنزهاً في ظاهرها وقد سال العقيق في فتيةٍ من أقراني وأخداني، فبصرنا بفتياتٍ قد خرجن لمثل ما خرجنا له، فجلسن حجرةً منا، وبصرت منهن بفتاةٍ كأنها قضيبٌ قد طله الندى، تنظر بعينين ما ارتد طرفهما إلا بنفس من يلاحظهما. فأطلنا وأطلن حتى تفرق الناس، وانصرفن وانصرفنا وقد أبقت بقلبي جرحاً بطيئاً اندماله، فعدت إلى منزلي وأنا وقيذ، وخرجت من الغد إلى العقيق وليس به أحدٌ فلم أر لها ولا لصواحبها أثراً، ثم جعلت أتتبعها في طرق المدينة وأسواقها، وكأن الأرض أضمرتها فلم أحس لها بعينٍ ولا أثر، وسقمت حتى أيس مني أهلي. وخلت بي ظئري فاستعلمتني حالي وضمنت لي كتمانها والسعي فيما أحبه منها، فأخبرتها بقصتي، فالت: لا بأس عليك، هذه أيام الربيع وهذه سنة خصبٍ وأنواءٍ وليس يبعد عنك المطر، ثم هذا العقيق فتخرج حينئذٍ وأخرج معك فإن النسوة سيجئن، فإذا فعلن ورأيتها اتبعها حتى أعرف موضعها ثم أصل بينك وبينها وأسعى لك في تزويجها. فكأن نفسي اطمأنت إلى ذلك ووثقت به وسكنت إليه، فقويت وطعمت وتراجعت إلى نفسي. وجاء مطرٌ بعقب ذلك وسال العقيق وخرج الناس وخرجت مع إخواني إليه، فجلسنا مجلسنا الأول بعينه، فما كنا والنسوة إلا كفرسي رهان، فأومأت إلى ظئري فجلست، وأقبلت على إخواني فقلت: لقد أحسن القائل:
رمتني بسهمٍ أقصد القلب وانثنت ... وقد غادرت جرحاً به وندوبا
فأقبلت على صواحباتها وقالت: أحسن والله القائل، وأحسن من أجابه حيث يقول:
بنا مثل ما تشكو فصبراً لعلنا ... نرى فرجاً يشفي السقام قريباً

(2/22)


فسكت عن الجواب خوفاً من أن يظهر مني ما يفضحني وإياها، وعرفت ما أرادت. ثم تفرق الناس وانصرفنا، وتبعتها ظئري حتى عرفت منزلها، وصارت إلي فأخذت بيدي ومضينا إليها،فلم نتلطف حتى وصلت إليها، فتلاقينا وتزاورنا على حالٍ مخالسةٍ ومراقبةٍ، حتى شاع حديثي وحديثها وظهر ما بيني وبينها، فحجبها أهلها وسدوا أبوابها، فما زلت أجهد في لقائها فلا أقدر عليه، وشكوت ذلك إلى أبي لشدة ما نالني وسألته خطبتها لي. فمضى أبي ومشيخة أهلي إلى أبيها فخطبوها، فقال: لو كان بدأ بهذا قبل أن يفضحها ويشهرها لأسعفته بما التمس، ولكنه قد فضحها فلم أكن لأحقق قول الناس فيها بتزويجه إياها، فانصرفت على يأسٍ منها ومن نفسي. قال معبد: فسألته أن ينزل بجواري، وصارت بيننا عشرة. ثم جلس جعفر بن يحيى ليشرب فأتيته، فكان أول صوتٍ غنيته صوتي في شعر الفتى، فشرب وطرب عليه طرباً شديداً، وقال: ويحك! إن لهذا الصوت حديثاً فما هو؟ فحدثته، فأمر بإحضار الفتى فأحضر من وقته، واستعاده الحديث فأعاده، فقال: هي في ذمتي حتى أزوجك إياها، فطابت نفسه وأقام معنا ليلتنا حتى أصبح، وغدا جعفر إلى الرشيد فحدثه الحديث، فعجب منه وأمر بإحضارنا جميعاً فأحضرنا، وأمر بأن أغنيه الصوت فغنيته إياه وشرب عليه وسمع حديث الفتى، فأمر من وقته بكتابٍ إلى عامل الحجاز بإشخاص الرجل وابنته وجميع أهله إلى حضرته، فلم تمض إلا مسافة الطريق حتى أحضروا. فأمر الرشيد بإحضار أبي الجارية إليه فأحضر، وخطب إليه الجارية للفتى وأقسم عليه ألا يخالف أمره، فأجابه وزوجها إياه، وحمل إليه الرشيد ألف دينارٍ لجهازها وألف دينارٍ لنفقة طريقه، وأمر للفتى بألف دينارٍ ولي بألف دينار، وأمر جعفرٌ لي وللفتى بألف دينار. وكان المديني بعد ذلك من ندماء جعفر بن يحيى.
أخبار محمد الرف
هو محمد بن عمرو مولى بني تميم، كوفي المولد والمنشأ. والرف لقبٌ غلب عليه. وكان مغنياً ضارباً صالح الصنعة مليح النادرة. وكان أسرع خلق الله أخذاً للغناء وأصحهم أداءً له وأذكاهم. وكان إذا سمع الصوت مرتين أو ثلاثاً أداه لا يكون بينه وبين من أخذه عنه فرقٌ فيه. وكان متعصباً على ابن جامع مائلاً إلى إبراهيم الموصلي وابنه إسحاق، وكانا يرفعان منه ويقدمانه ويأخذان له الصلات من الخلفاء. وكانت فيه عربدةٌ إذا سكر. فعربد بحضرة الرشيد مرةً، فأمر بإخراجه ومنعه من الدخول إليه وجفاه وتناساه. قال أبو الفرج: وأحسبه مات في خلافته أو خلافة الأمين. ومن أخباره في جودة الأخذ وسرعة الحفظ ما رواه حماد بن إسحاق عن أبيه قال: غنى ابن جامع يوماً بحضرة الرشيد:
جسورٌ على هجري جبانٌ عن الوصل ... كذوب عداتٍ يتبع الوعد بالمطل
مقدم رجلٍ في الوصال مؤخرٌ ... لأخرى يشوب الجد في ذاك بالهزل
يهم بنا حتى إذا قلت قددنا ... وجاذبني عطفاه مال إلى البخل
يزيد امتناعاً كلما زدت صبوةً ... وأزداد حرصاً كلما ضن بالبذل
فأحسن فيه ما شاء وأجمل، فغمزت عليه محمد الرف وفطن لما أردت، واستحسنه الرشيد وشرب عليه واستعاده مرتين أو ثلاثاً. ثم قمت إلى الصلاة وغمزت الرف فجاءني، وأومأت إلى مخارق وعلويه وعقيد فجاءوني، فأمرته بإعادة الصوت فأعاده وأداه كأنه لم يزل يرويه، ولم يزل يكرره على الجماعة حتى غنوه. ثم عدت إلى المجلس، فلما انتهى الدور إلي ابتدأت فغنيته قبل كلٍ شيءٍ غنيته. فنظر إلى ابن الجامع محدداً طرفه، وأقبل علي الرشيد وقال: أكنت تروي هذا الصوت؟ قلت: نعم يا سيدي. فقال ابن الجامع: كذب والله ما أخذه إلا مني الساعة. فقلت: هذا صوتٌ أرويه قديماً، وما فيمن حضر أحدٌ إلا وقد أخذه مني. وأقبلت عليهم فقلت لهم: غنوه، فغناه علويه ثم عقيد ثم مخارق. فوثب ابن جامع فجلس بين يديه فحلف بحياته وبطلاق امرأته أن اللحن صنعه منذ ثلاث ليالٍ وما سمع به قبل ذلك الوقت. فأقبل الرشيد علي وقال: بحياتي اصدقني عن القصة، فصدقته، فجعل يضحك ويصفق ويقول: لكل شيء آفةٌ، وآفة ابن جامع الرف.

(2/23)


قال إسحاق بن إبراهيم: كان محمد الرف أروى خلق الله تعالى للغناء وأسرعهم أخذاً لما سمعه، ليست عليه في ذلك كلفة، إنما يسمع الصوت مرةً واحدةً وقد أخذه. وكنا معه في بلاء إذا حضر، فكان كل من غنى منا صوتاً فسأله عدوٌ له أو صديق بأن يلقيه عليه فبخل ومنعه إياه وسأل محمد الرف أن يأخذه فما هو إلا أن يسمعه مرةً واحدةً حتى أخذه وألقاه على من سأله. قال: وكان أبي يبره ويصله ويجديه من كل جائزةٍ وفائدةٍ تصل إليه. وكان محمد الرف مغرًى بابن جامع خاصةً من بين المغنين لبخله، وكان لا يفتح ابن جامع فاه بصوت إلا وضع عينيه عليه أصغى بسمعه عليه حتى يحكيه. وكان في ابن جامع بخلٌ شديدٌ لا يقدر معه على أن يسعفه ببرٍ ورفد. وساق نحو ما تقدم إلا أنه قال: إن الرف أخذ الصوت لأول مرةٍ وألقاه على إسحاق فأخذه عنه في ثلاث مرار؟ قال حماد: وللرف صنعة يسيرة، وذكر منها أصواتاً.
أخبار محمد بن الأشعث
قال أبو الفرج: كان محمد بن الأشعث القرشي ثم الزهري كاتباً، وكان من فتيان أهل الكوفة وظرفائهم، وكان يقول الشعر ويغني فيه. فمن ذلك قوله في سلامة زرقاء بن رامين:
أمسى لسلامة الزرقاء في كبدي ... صدعٌ يقيم طوال الدهر والأبد
لا يستطيع صناع القوم يشعبه ... وكيف يشعب صدع الحب في الكبد
إلا بوصل التي من حبها انصدعت ... تلك الصدوع من الأسقام والكمد
وكان ملازماً لابن رامين ولجاريته سلامة الزرقاء، فشهر بذلك، فلامه قومه في فعله فلم يحفل بمقالتهم، وطال ذلك منه ومنهم، حتى رأى بعض ما يكره في منزل ابن رامين، فمال إلى سحيقة جارية زريق ابن منيح مولى عيسى بن موسى، وكان زريق شيخاً كريماً نبيلاً، يجتمع إليه أشراف أهل الكوفة من كل حيٍ، وكان الغالب على منزله رجلاً من ولد القاسم بن عبد الغفار العجلي كغلبة محمد بن الأشعث على منزل ابن رامين، فتلازما على ملازمة زريق. وفي ذلك يقول محمد بن الأشعث:
يا بن رامين بحت بالتصريح ... في هواي سحيقة ابن منيح
قينةٌ عفةٌ ومولًى كريمُ ... ونديمٌ من اللباب الصريح
ربعيٌ مهذبٌ أريحيٌ ... يشتري الحمد بالفعال الربيح
نحن منه في كل ما تشتهي الأن ... فس من لذةٍ وعيشٍ نجيج
عند قومٍ من هاشمٍ في ذراها ... وغناءٍ من الغزال المليح
في سرورٍ وفي نعيمٍ مقيم ... قد أمنا من كل أمرٍ قبيح
فاسل عنا كما سلوناك إني ... غير سالٍ عن ذات نفسي وروحي
حافظٌ منك كل ما كنت قد ضي ... عت مما عصيت فيه نصيحي
فالقى ما حييت منى لك الده ... ر بودٍ لمنيتي ممنوح
يا ابن رامين فالزمن مسجد الح ... ي بطول الصلاة والتسبيح
قال عمر بن نوفل وهو راوي هذه الأبيات: فلم يدع ابن رامين شريفاً بالكوفة إلا تحمل به على ابن الأشعث وهو يأبى أن يرضى عنه وأن يعاود زيارته، حتى تحمل عليه بالجحواني، وهو محمد بن بشر بن جحوان الأسدي وكان يومئذٍ على الكوفة، فكلمه فرضي عنه وعاد إلى زيارته، ولم يقطع منزل زريق. وقال في سحيقة:
سحيقة أنت واحدة القيان ... فما لك مشبهٌ فيهن ثاني
فضلت على القيان بفضل حذقٍ ... فحزت على المدى قصب الرهان
سجدن لك القيان مكفراتٍ ... كما سجد المجوس لمزربان
ولا سيما إذا غنت بصوتٍ ... وحركت المثالث والمثاني
شربت الخمر حتى خلت أني ... أبو قابوس وقاس أو عبد المدان
فإعمال اليسار على الملاوي ... ومن يمناك ترجمة البيان
ولمحمد بن الأشعث أصوات لها فيها غناء. منها:
رحبت بلادك يا أمامه ... وسلمت ما سجعت حمامه
وسقى ديارك كلما ... حنت إلى السقيا غمامه
إني وإن أقصيتني ... شفقٌ أحب لك الكرامة
وأرى أمورك طاعةً ... مفروضةً حتى القيامة
وله غير ذلك من الأصوات.
أخبار عمرو بن بانة

(2/24)