صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب |
أمولاي إني قد أتيتك لائذاً وأنت طبيبي يا أجل طبيب (4/342)
فقال لك البشرى ظفرت من الرضى بأوفر حظ مجزل ونصيب
تناومت في أطلال ليل شبيبتي فأدركني بالفجر صبح مشيبي
54 - وقال أبو بكر الزبيدي اللغوي:
لو لم تكن نار ولا جنة للمرء إلا أنه يقبر
لكان فيه واعظ زاجر ناه لمن يسمع أو يبصر
ولقد صدق رحمه الله تعالى ورضي عنه.
55 - ولبعض فقهاء طلبيرة:
رأيت الانقباض أجل شيء وأدعى في الأمور إلى السلامه
فهذا الخلق سالمهم ودعهم فرؤيتهم تؤول إلى الندامه
ولا تغنى بشيء غير شيء يقود إلى خلاصك يوم القيامه
56 - وأمر الكاتب أبو بكر ابن مغاور بكتب هذه الأبيات على قبره، وهي له (1) :
أيها الواقف اعتباراً بقبري استمع فيه قول عظمي الرميم
أودعوني بطن الضريح وخافوا من ذنوب كلومها بأديمي
قلت لا تجزعوا علي فإني حسن الظن بالرؤوف الرحيم
ودعوني بما اكتسبت رهيناً غلق الرهن عند مولى كريم
57 - وقال (2) الخطيب ابن صفوان:
__________
(1) مرت ثلاثة من هذه الأبيات في ج 3: 331.
(2) م: وقال العالم العلامة.
رأيتك يدنيني إليك تباعدي فأبعدت نفسي لابتغائي في القرب (4/343)
هربت له منه إليه فلم يكن بي البعد في قربي فصح به قربي
فيا رب هل نعمى على العبد بالرضى ينال بها فوزاً من القرب بالقرب
وقال الوادي آشي:
وهذا النظم معناه جليل، وتكرار القرب وإن قبح عند تاعروضي فهو المحب جميل، وهم القوم يسلم لهم في الأفعال والأقوال، وترتجى بركتهم في كل الأحوال، انتهى.
58 - وقال بعض قدماء الأندلس:
سئمت الحياة على حبها وحق لذي السقم أن سأما
فلا عيش إلا لذي صحة تكون له للتقى سلما
وذيله آخر منهم بقوله:
ولا داء إلا لمن لم يزل يقارب في دينه مأثما
فلست تعالج جرح الهوى هديت بمثل التقى مرهما
59 - وقال أبو جعفر أحمد (1) السياسي القيسي المري:
إذا ما جنى يوماً عليك جناية ظلوم يدق السمر بأساً ويقصف
فلا تنتقم يوماً عليه بما جنى وكل أمره للدهر فالدهر منصف
وقال أيضاً (2) :
ليس حلم الضعيف حلماً، ولكن حلم من لو يشاء صال اقتدارا
__________
(1) أحمد: سقطت من ق؛ ولعل السياسي أن تكون " البياسي " .
(2) م: وله أيضاً في الحلم والتجاوز عن سيئات من زل إن هفا.
من تغاضى عن السفيه بحلم أصبح الناس دونه أنصارا (4/344)
من يزوج كريمة الهمة العل يا علواً فقد أجاد الخيارا
ستريه عند الولاد بنيها ال علم والحلم والأناة كبارا
60 - وقال الخطيب الصالح أبو إسحاق ابن أبي العاصي:
اعمل بعلمك تؤت علماً إنما جدوى علوم المرء نهج الأقوم
وإذا الفتى قد نال علماً ثم لم يعمل به فكأنه لم يعلم
وقال موطئاً غلى البيت الأخير:
أمولاي أنت العفو الكريم لبذل النوال وللمعذره
علي ذنوب وتصحيفها ومن عندك الجود والمغفره
61 - وقال الخطيب المتصوف الشهير أبو جعفر أحمد بن الزيات من بلش مالقة:
يقال خصال أهل العلم ألف ومن جمع الخصال الألف سادا
ويجمعها الصلاح فمن تعدى مذاهبه فقد جمع الفسادا
وقال أيضاً:
إن شئت فوزاً بمطلوب الكرام غداً فاسلك من العمل المرضي منهاجا
واغلب هوى النفس لا يغررك خادعه فكل شيء يحط القدر منها جا
62 - وقال الأديب الكبير الشهير أبو محمد عبد الله بن محمد بن صارة البكري الشنتريني رحمه الله تعالى (1) :
__________
(1) انظر أيضاً ما تقدم ص: 117
بنوا الدنيا بجهل عظموها فجلت عندهم وهي الحقيره (4/345)
يهارش بعضهم بعضاً عليها مهارشة الكلاب على العقيره
وقال:
أي عذر يكون لا أي عذر لابن سبعين مولع بالصبابه
وهو ماء لم تبق منه الليالي في إناء الحياة إلا صبابه
وقال أيضاً:
ولقد طلبت رضى البرية جاهداً فإذا رضاهم غاية لا تدرك
وأرى القناعة للفتى كنز له والبر أفضل ما بخ يتمسك
63 - وقال أبو محمد ابن صاحب الصلاة الداني، ويعرف بعبدون (1) :
وعجل شيبي أن ذا الفضل مبتلى بدهر غدا ذو النقص فيه مؤملا
ومن نكد الدنيا على المرء أن يرى بها الحر يشقى واللئيم ممولا
متى ينعم المعتر عيناً إذا اعتفى جواداً مقلاً أو غنياً مبخلا
64 - وقال أبو الحكم عبيد الله الأموي مولاهم الأندلسي:
إذا كان إصلاحي لجسمي واجباً فإصلاح نفسي لا محالة أوجب
وإن كان ما يفنى إلى النفس معجباً فإن الذي يبقى إلى العقل أعجب
65 - وقال الفقيه الزاهد أبو إسحاق إبراهيم ابن مسعود الإلبيري رحمه الله تعالى:
لله أكياس جفو أوطانهم فالأرض أجمعها لهم أوكطان
__________
(1) انظر التكملة: 69.
جالت عقولهم مجال تفكر وجلالة فبدا لها الكتمان (4/346)
ركبت بحار الفهم في فلك النهى وجرى بها الإخلاص والإيمان
فرست بهم لما انتهوا بجفونهم ... مرسى لهم فيه غنى وأمان (1) 66 - وقال أبو جعفر ابن خاتمة رحمه الله تعالى:
يا من يغيث الورى من بعدما قنطوا ارحم عباداً أكف الفقر قد بسطوا
عودتهم بسط أرزاق بلا سبب سوى جميل رجاء نحوه انبسطوا
وعدت بالفضل في ورد وفي صدر بالجود إن أقسطوا والحلم إن قسطوا
عوارف ارتبطت شم الأنوف لها وكل صعب بقيد الجود يرتبط
يا من تعرف بالمعروف فاعترفت بجم إنعامه الأطراف والوسط
وعالماً بخفيات الأمور فلا وهم يجوز عليه لا ولا غلط
عبد فقير بباب الجود منكسر من شأنه أن يوافي حين ينضغط
مهما أتى يمد الكف أخجله قبائح وخطايا أمرها فرط
يا واسعاً ضاق خطو الخلق عن نعم منه إذا خطبوا في شكرها خبطوا
وناشراً بيد الإجمال رحمته فليس يلحق منه مسرفاً قنط
ارحم عباداً بضنك العيش قد قنعوا فأينما سقطوا بين الورى لقطوا
إذا توزعت الدنيا فما لهم غير الدجنة لحف والثرى بسط
لكنهم من ذرا علياك في نمط سام رفيع الذرى ما فوقه نمط
ومن يكن بالذي يهواه مجتمعاً فما يبالي أقام الحي أم شحطوا
__________
(1) زاد في م أبياتاً قال: وقال الشيخ ابو بكر ابن مغاور (م: مفاوز) وقيل إنها لابن لبال:
ودعتها ومدامعي ... تنهل بالدمع الطليق
فبكت وأذرت أدمعاً ... في صفحة الخد الأنيق
ومصت تعض بنانها ... بين التلهف والشهيق
فرأيت دراً ساقطاً ... من نرجسين على شقيق
ورأيت مبيض اللجين ... يعض محمر العقيق
نحن العبيد وأنت الملك ليس سوى وكل شيء يرجى بعد ذا شطط (4/347)
وقال رحمه الله تعالى:
ملاك الأمر تقوى الله فاجعل تقاه عدة لصلاح أمرك
وبادرنحو طاعته بعزم فما تدري متى يمضي بعمرك
وقال أيضاً (1) :
إذا كنت تعلم أن الأمور بحكم الإله كما قد قضى
ففيم التفكر والحكم ماض ولا رد للحكم مهما مضى
فخل الوجود كما شاءه مدبره وابغ منه الرضى
وقال (2) :
إذا ما الدهر نابك منه خطب وشد عليك من حنق عقاله
فكل لله أمرك لا تفكر ففكرك فيه خبط في حباله
وقال (3) :
عدوك داره ما اسطعت حتى يعود لديك كالخل الشفيق
فما في الأرض أردى من عدو وما في الأرض أجدى من صديق
وقال (4) :
إن أعرضت دنياك عنك بوجهها وغدت ومنها في رضاك نزاع
فاحذر بنيها واحتتفظ من شرهم إن النبين لأمهم أتباع
__________
(1) م: في تفويض الأمر إلى الله والإتكال عليه.
(2) م: وقال في معناه في توكيل الأمر إلى الله تعالى.
(3) م: في مداراة العدو ومكايدته.
(4) م: وقد أبلغ في النصيحة وأجاد إلى الغاية.
وقال (1) : (4/348)
يا مجيب المضطر عند الدعاء منك دائي وفي يديك دوائي
جذبتني الدنيا إليها بضبعي ودعتني لمحنتي وشقائي
يا إلهي وأنت تعلم حالي لا تذرني شماتة الأعداء
67 - وقال الحافظ الكبير الشهير أبو عبد الله الحميدي صاحب الجمع بين الصحيحين رحمه الله تعالى (1) :
كتاب الله عز وجل قولي وما صحت به الآثار ديني
وما اتفق الجميع عليه بدءاً تكن منها على عين اليقين
وقال:
طريق الزهد أفضل ما طريق وتقوى الله بادية الحقوق
فثق بالله يكفك، واستعنه يعنك، وذر بنيات الطريق
68 - وقال أبو بكر مالك بن جبير رحمه الله تعالى:
رحلت وإنني من غير زاد وما قدمت شيئاً للمعاد
ولكني وثقت بجود ربي وهل يشقى المقل مع الجواد
وتوفي المذكور بأريولة - أعادها الله تعالى إلى الإسلام - سنة 561.
69 - وقال ابن جبير اليحصبي وهو الكتب أبو عبد الله محمد:
كلما رمت أن أقدم خيراً لمعادي ورمت أني أتوب
__________
(1) م: في التضرع إليه تعالى والابتهال إليه.
(1) م: في التضرع إليه تعالى والابتهال إليه.
صرفتني بواعث النفس قسراً ... فتقاعست والذنوب ذنوب (4/349)
رب قلب قلبي لعزمة خير ... لمتاب ففي يديك القلوب ولتعلم أن كلام أهل الأندلس بحر لا ساحل له، ويرحم الله تعالى لسان الدين بن الخطيب حيث قال في صدر الإحاطة: وهذا الغرض الذي وضعنا له هذا التأليف يطلبنا فيه ما قصدنا به من المباهاة والافتخار بالإكثار، واستيعاب النظام والنثار، ويحملنا فيه خوف السآمة على الاختصار والاقتصار، وكفى بهذا جلاء في الأعذار، والله تعالى مقيل العثار، وساتر العيب المثار، بفضله، انتهى.
70 - ولنختم هذا الباب بقول أبي زكريا يحيى بن سعد بن مسعود القلني:
عفوك اللهم عنا ... خير شيء نتمنا
رب إنا قد جهلنا ... في الذي قد كان منا
وخطينا وخلطنا ... ولهونا ومجنا
إن نكن رب أسأنا ... ما أسأنا بك ظنا وذيلته بقولي:
فأنلنا الختم بالحس ... نى وإنعاماً ومنا آمين (1) .
__________
(1) إلى هنا انتهت النسخة: م.
الباب الثامن (4/350)
في ذكر تغلب العدو الكافر على الجزيرة بعد صرفه وجوه الكيد إليها وتضريبه بين ملوكها ورؤسائها بمكره، واستعماله في أمرها حيل فكره، حتى استولى - دمره الله تعالى - عليها، ومحا منها التوحيد واسمه، وكتب على مشاهدها ومعاهدها وسمه، وقرر مذهب التثليث، والرأي الخبيث، لديها، واستغاث أهلها استغاثة أضرابها بالنظم والنثر، أهل ذلك العصر، من سائر الأقطار، حين تعذرت بحصصارها، مع قلة حماتها وأنصارها، المآرب والأوطار، وجاءها الأعداء من خلفها ومن بين يديها، أعاد الله تعالى إليها كلمة الإسلام، وأقام فيها شريعة سيد الانما، عليه أفضل الصلاة والسلام، ورفع يد الكفر عنها وعما حواليها، آمين.
ظهور بلاي وخلفائه
قال غير واحد من المؤلفين: أول من جمع فل النصارى بالأندلس - بعد غلبة العرب لهم - علج يقال له بلاي (1) ، من أهل أشتوريش من جليقية، كان رهينة عن طاعة أهل بلده، فهرب من قرطبة أيام الحر بن عبد الرحمن الثقفي، الثاني من أمراء العرب بالأندلس، وذلك في السنة السادسة من افتتاحها، وهي سنة ثمان وتسعين من الهجرة، وثار النصارى معه على نائب الحر بن عبد الرحمن، فطردوه وملكوا البلاد، وبقي الملك فيهم إلى الآنن وكان عدة من ملك منهم إلى آخر أيام الناصر لدين الله اثنين وعشرين ملكاً، انتهى.
وقال عيسى ابن أحمد الرازي: في أيام عنبسة ابن سحيم الكلبي قام بأرض
__________
(1) انظر ما تقدم عن بلاي ج 3: 17.
جليقية علج خبيث يقال له بلاي من وقعة أخذ النصارى بالأندلس، وجد الفرنج في مدافعة المسلمين عما بقي بأيديهم، وقد كانوا لا يطمعون في ذلك، ولقد استولى المسلمون بالأندلس على النصرانية وأجلوهم، وافتتحوا بلادهم، حتى بلغوا أريولة من أرض الفرنجة، وافتتحوا بلبونة من جليقية، ولم يبق إلا الصخرة فإنه لاذ بها ملك يقال له بلاي، فدخلها في ثلاثمائة رجل، ولم يزل المسلمون يقاتلونه حتى مات أصحابه جوعاً، وبقي في ثلاثين رجلاً وعشر نسوة، ولا طعام لهم إلا العسل يشتارونه من خروق بالصخرة فيتقوتون به، حتى أعيا المسلمين أمرهم، واحتقروا بهم، وقالوا: ثلاثون علجاً ما عسى أن يجيء منهم فبلغ أمرهم بعد ذلك من القوة والمثرة ما لا خفاء به، وفي سنة مائة وثلاث وثلاثين، هلك بلاي المذكور، وملك ابنه فافله (1) بعده، وكان ملك بلاي تسع عشرة سنة، وابنه سنتين، فملك بعدهما أذفونش بن بيطر (2) جد بني أذفونش هؤلاء اللذين اتصل ملكهم إلى اليوم، فأخذوا ما كان المسلمون أخذوه من بلادهم، انتهى باختصار. (4/351)
وقال المسعودي بعد ذكره غزوة سمورة أيام الناصر، ما صورته (3) : وأخذ ما كان بأيدي المسلمين من ثغور الأندلس مما يلي الفرنجة ومدينة أربونة (4) ، خرجت عن أيدي المسلمين سنة ثلاثمائة وثلاين مع غيرها مما كان بأيديهم من المدن والحصون، وبقي ثغر المسلمين في هذا الوقت وهو سنة 336 (5) من شرق الأندلس طرطوشة، وعلى سائر بحر الروم مما يلي طرطوشة آخذاً في الشمال إفراغه على نهر عظيم ثم لاردة، انتهى.
__________
(1) (Fafila).
(2) (Alphonso) ابن (pedro)؛ وكان أذفونش هذا قد تزوج ابنة بلاي واسمها أرمنسندا (Ermensida) (فجر الأندلس: 344).
(3) مروج الذهب 1: 162.
(4) المروج: وآخر ما كان... مدينة أربونة.
(5) المروج: وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة.
الاستيلاء على طليطلة (4/352)
ومن أول ما استرد الإفرنج من مدن الأندلس العظيمة مدينة طليطلة من يد ابن ذي النون سنة 475، وفي ذلك يقول عبد الله بن فرج اليحصبي المشهور بابن العسال:
يا أهل أندلس حثوا مطيكم فما المقام بها إلا من الغلط
الثوب ينسل من أطرافه وأرى ثوب الجزيرة منسولاً من الوسط
ونحن بين عدو لا يفارقنا كيف الحياة مع الحيات في سفط
ويروى صدر البيت الثالث هكذا:
ومن جاور الشر لا يأمن بوائقه كيف الحياة مع الحيات في سفط
وتروى الأبيات هكذا:
حثوا رواحلكم يا أهل أندلس فما المقام بها إلا من الغلط
السلك ينثر من أطرافه، وأرى سلك الجزيرة منثوراً من الوسط
من جاور الشر لا يأمن عواقبه كيف الحياة مع الحيات في سفط
وقال آخر:
يا أهل أندلس ردوا المعار فما في العرف عارية إلا مردات
ألم تروا بيدق الكفار فرزنه وشاهنا آخر الأبيات شهمات
وقال بعض المؤرخين: أخذ الأذفونش طليطلة من صاحبها القادر بالله بن المأمون يحيى بن ذي النون بعد أن حاصرها سبع سنين، وكان أخذه لها في منتصف محرم سنة478؛ انتهى. وفيه بعض مخالفة لما قبله في وقت أخذها، وسيأتي قريباً بعض ما يؤيده.
قال: وهي مدينة حصينة قديمة أزلية من بناء العمالقة، على ضفة النهر الكبير، ولها قصبة حصينة في غاية المنعة، ولها قنطرة واحدة عجيبة البنيان على قوس واحد والماء يدخل تحته بعنف وشدة جرى، ومع آخر النهر ناعورة ارتفاعها في الجو تسعون ذراعاً، وهي تصعد الماء إلى أعلى القنطرة، ويجري الماء على ظهرها فيدخل المدينة، وطليطلة هذه دار مملكة الروم، وبها كان البيت المغلق الذي كانوا يتحامون فتحه حتى فتحه لذريق فوجد فيه صورة العرب؛ انتهى. (4/353)
وقد تقدم شيء من هذا فيما مر من هذا الكتاب (1) .
وقد حكى ابن بدرون في شرح العبدونية (2) أن المأمون يحيى بن ذي النون صاحب طليطلة بنى بها قصراً تأنق في بنائه، وأنفق فيه مالاً كثيراً، وصنع فيه بحيرة، وبنى في وسطها قبة، وسيق الماء إلى رأس القبة على تدبير أحكمه المهندسون، فكان الماء ينزل من أعلى القبة حواليها محيطاً بها متصلاً بعضه ببعض، فكانت القبة في غلالة من ماء سكب لا يفتر، والمأمون بن ذي النون قاعد فيها لا يمسه من الماء شيء، ولو شاء أن يوقد فيها الشمع لفعل، فبينما هو فيها إذ سمع منشداً ينشد:
أتبني بناء الخالدين، وإنما بقاؤك فيها، لو علمت، قليل
لقد كان في ظل الأراك كفاية لمن كل يوم يعتريه رحيل
فلم يلبث بعد هذا إلا يسيراً حتى قضى نحبه، انتهى.
وقال ابن خلكان (3) : إن طليطلة أخذت يوم الثلاثاء مستهل صفر سنة 478 بعد حصار شديد، انتهى.
__________
(1) انظر ما تقدم ج 1: 161، 206.
(2) البسامة: 271.
(3) وفيات الأعيان 4: 118.
وقال ابن غلقمة: إن طليطلة أخذت يوم الأربعاء لعشر خلون من المحرم سنة478، وكانت وقعة الزلاقة في السنة بعدها، انتهى. (4/354)
وقعة الزلاقة نقلاً عن الروض المعطار وغيره
ورأيت هنا أن أذكر وقعة الزلاقة التي نشأت عن أخذ طليطلة وما يتبع ذلك من كلام صاحب الروض المعطار وغيره فنقول (1) : إنه لما ملك يوسف بن تاشفين اللمتوني المغرب، وبنى مدينتي تلمسان ومراكش الجديدة، وأطاعته البربر مع شكيمتها الشديدة، وتمهدت له الأقطار الطويلة المديدة، تاقت نفسه إلى العبور لجزيرة الأندلس، فهم بذلك، وأخذ في إنشاء المراكب والسفن ليعبر فيها، فلما علم بذلك ملوك الأندلس كرهوا إلمامه بجزيرتهم، وأعدوا له العدة والعدد، وصعبت عليهم مدافعته، وكرهوا أن يكونوا بين عدوين الفرنج من شمالهم والمسلمين من جنوبهم، وكانت الفرنج تشتد وطأتها (2) عليهم، وتغير تنهب، وربما يقع بينهم صلح على شيء معلوم كل سنة يأخذونه من المسلمين، والفرنج ترهب ملك المغرب يوسف بن تاشفين، إذ كان له اسم كبير وصيت عظيم، لنفاذ أمره وسرعة تملكه بلاد المغرب، وانتقال الأمر إليه في أسرع وقت، مع ما ظهر لأبطال الملثمين ومشايخ صنهاجة في المعارك من ضربات السيوف ورعب في قلوب المنتدبين لقتاله، وكان ملوك الأندلس يفيئون إلى ظله، ويحذرونه خوفاً على ملكهم، مهما عبر إليهم وعاين بلادهم، فلما رأوا ما دلهم على عبوره إليهم وعلموا ذلك، راسل بعضهم بعضاً يستنجدون آراءهم في أمره، وكان مفزعهم في ذلك إلى المعتمد بن عباد، لأنه أشجع القوم، وأكبرهم مملكة، فوقع اتفاقهم
__________
(1) أكثر هذا النص منقول عن ابن خلكان 6: 112 وما بعدها.
(2) ق ص: تشتد وطاستها.
على مكاتبته لما تحققوا أنه يقصدهم يسألونه الإعراض عنهم، وأنهم تحت طاعته، فكتب عنهم كاتب من أهل الأندلس كتاباً، وهو: أما بعد فإنك إن أعرضت عنا نسبت إلى كرم، ولم تنسب إلى عجز، وإن أجبنا داعيك نسبنا إلى عقل، ولم ننسب إلى وهن، وقد اخترنا لأنفسنا أجمل نسبتينا، فاختر لنفسك أكرم نسبتيك، فإنك بالمحل الذي لا يجب أن تسبق فيه إلى مكرمة، وإن في استباقك ذوي البيوت ما شئت من دوام لأمرك وثبوت، والسلام. فلما وصله الكتاب مع تحف وهدايا، وكان يوسف بن تاشفين لا يعرف باللسان العربي، لكنه ذكي الطبع، يجيد فهم المقاصد، وكان له كاتب يعرف اللغتين العربية والمرابطية، فقال له: أيها الملك، هذا الكتاب من ملوك الأندلس يعظمونك فيه، ويعرفونك أنهم أهل دعوتك، وتحت طاعتك، ويلتمسون منك أن لا تجعلهم في منزلة الأعادي، فإنهم مسلمون وذوو بيوتات، فلا تغير بهم، وكفى بهم من وراءهم من الأعداء الكفار، وبلدهم ضيق لا يحتمل العساكر، فأعرض عنهم إعراضك عمن أطاعك من أهل الغرب، فقال يوسف ابن تاشفين لكاتبه: فما ترى أنت فقال: أيها الملك اعلم أن تاج الملك وبهجته شاهده الذي لا يرد، فإنه خليق بما حصل في يده من الملك والمال أن يعفو إذا استعفي، وأن يهب إذا استوهب، وكلما وهب جليلاً جزيلاً كان لقدره أعظم، فإذا عظم قدره تأصل ملكه، وإذا تأصل ملكه تشرف الناس بطاعته، وإذا كانت طاعته شرفاً جاءه الناس، ولم يتجشم المشقة إليهم، وكان وارث الملك من غير إهلاك لآخرته، واعلم أن بعض الملوك الحكماء الأكابر البصراء بطريق تحصيل الملك قال: من جاد ساد، ومن ساد قاد، ومن قاد ملك البلاد، فلما ألقى الكاتب هذا الكلام على السلطان يوسف بلغته فهمه وعلم صحته، فقال للكاتب: أجب القوم، واكتب بما يجب في ذلك، واقرأ علي كتابك، فكتب الكاتب: بسم الله الرحمن الرحيم، من يوسف بن تاشفين، سلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، تحية من سالمكم وسلم عليكم، وإنكم مما في أيديكم من الملك في أوسع إباحة، مخصوصين منا بأكرم إيثار (4/355)
وسماحة، فاستديموا وفاءنا بوفائكم، واستصلحوا إخاءنا بإصلاح إخائكم، والله ولي التوفيق لنا ولكم، والسلام. فلما فرغ من كتابه قرأه على يوسف بن تاشفين بلسانه، فاستحسنه، وقرن به ما يصلح لهم من التحف ودرق اللمط التي لا توجد إلا ببلاده، وأنفذ ذلك إليهم، فلما وصلهم ذلك وقرأوا كتابه فرحوا به، وعظموه، وسروا بولايته، وتقوت نفوسهم على دفع الفرنج عنهم، وأزمعوا إن رأوا من الفرنج ما يريبهم أنهم يرسلون إلى يوسف بن تاشفين ليعبر إليهم، أو يمدهم بإعانة منه. (4/356)
وكان ملك الإفرنج الأذفونش لما وقعت الفتنة بالأندلس وثار الخلاف، وكان كل من حاز بلداً وتقوى فيه ملكه وادعى الملك وصار مثل ملوك الطوائف، فطمع فيهم الأذفونش بسبب ذلك، وأخذ كثيراً من ثغورهم، فقوي شأنه، وعظم سلطانه، وكثرت عساكره، وأخذ طليطلة من صاحبها القادر بالله بن المأمون يحيى بن ذي النون بعد أن حاصرها سبع سنين، وكان أخذه لها في نتصف محرم سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، فزاد لعنه الله تعالىبملكه طليطلة قوة إلى قوته، وأخذ يجوس من خلال الديار، ويستفتح المعاقل والحصون.
قال ابن الأثير في " الكامل " (1) : وكان المعتمد بن عباد أعظم ملوك الأندلس ومتملك أكثر بلادها (2) ، مثل قرطبة وإشبيلية، وكان - مع ذلك - يؤدي الضريبة إلى الأذفونش كل سنة، فلما تملك الأذفونش طليطلة أرسل إليه المعتمد الضريبة المعتادة (3) ، فلم يقبلها منه، وأرسل إليه يهدده ويتوعده بالمسير إلى قرطبة ليفتحها، إلا أن يسلم إليه جميع الحصون المنيعة (4) ، ويبقى السهل للمسلمين، وكان الرسول في جمع كثير نحو خمسمائة فارس، فانزله المعتمد، وفرق أصحابه على قواد
__________
(1) الكامل 10: 142 (ط. صادر).
(2) ابن الأثير: وكان يملك أكثر البلاد.
(3) ابن الأثير: على عادته.
(4) ابن الأثير: الحصون التي بالجبل.
عسكره، ثم أمر قواده أن يقتل كل منهم من عنده من الكفرة، وأحضر الرسول وصفعه (1) حتى خرجت عيناه، وسلم من الجماعة ثلاثة نفر، فعادوا إلى الأذفونش وأخبروه الخبر، وكان متوجهاً إلى قرطبة ليحاصرها، فرجع إلى طليطلة ليجمع آلات الحصار، ويكثر العدد والعدة، انتهى. (4/357)
وقال الفقيه أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن المنعم الحميري في كتابه الروض المعطار في ذكر المدن والأقطار ما ملخصه (2) : إنه لما اشتغل المعتمد بغزو ابن صمادح صاحب المرية حتى تأخر الوقت الذي كان يدفع فيه الضريبة للأذفونش وأرسلها إليه بعد ذلك، استشاط الطاغية غضباً وتشطط، وطلب بعض الحصون زيادة على الضريبة، وأمعن في التجني، وسأل في دخول امرأته القمجيطة (3) إلى جامع قرطبة لتلد فيه، إذ كانت حاملاً، لما أشار عليه بذلك القسيسون والأساقفة لمكان كنيسة كانت في الجانب الغربي منه معظمة عندهم عمل عليها المسلمون الجامع الأعظم، وسأل أن تنزل امرأته المذكورة بالمدينة الزهراء غربي مدينة قرطبة - وهي (4) التي أنشأ بناءها الناصر لدين الله، وأمعن في بنائها، وأغرب في حسنها، وجلب إليها الرخام الملون والمرمر الصافي والحوض المشهور من البلاد والأقطار، وكان يثيب على السارية بكذا وكذا غير الثمن وأجرة الحمل، وأنفق فيها الأموال العظيمة، واشتغل بها، وكان يباشر الصناع بنفسه، حتى تخلف عن حضور الجمعة ثلاث مرات متواليات، وحضر في الرابعة، وكان الخطيب يومئذ الفقيه الزاهد منذر بن سعيد البلوطي، فعلض به في الخطبة، ووبخه على رؤوس الملأ، وقصته في ذلك مشهورة، وبناء الزهراء أيضاً من أغرب مباني الإسلام، فمن أراد الوقوف على ذلك فعليه بتاريخ ابن حيان - .
__________
(1) في بعض أصول ابن الأثير: وضغطه.
(2) الروض: 84 - 95.
(3) الروض: القمطيجة.
(4) وهي.... ابن حيان: استطراد من المقري ليس في الروض المعطار.
ولنرجع إلى الأذفونش فإن الأطباء والقسوس لما أشاروا أن تكون المرأة المذكورة ساكنة بالزهراء، وتتردد إلى الجامع المذكور حتى تكون ولادتها بين طيب نسيم الزهراء وفضيلة موضع الكنيسة من الجامع المذكور، وكان السفير في ذلك يهودياً كان وزير الأذفونش، فامتنع ابن عباد من ذلك، فراجعه، فأباه وأيأسه من ذلك، فراجعه اليهودي في ذلك، وأغلظ له في القول، وواجهه (1) بما لم يحتمله ابن عباد، فأخذ ابن عباد محبرة كانت بين يديه وضرب بها رأس اليهودي، فأنزل دماغه في حلقه، وأمر به فصلب منكوساً بقرطبة، واستفتى لما سكن غضبه الفقهاء عن حكم ما فعله باليهودي، فبادر الفقيه محمد بن الطلاع بالرخصة في ذلك لتعدي الرسول حدود الرسالة إلى ما استوجب به القتل، إذ ليس له في ذلك، وقال للفقهاء: إنما بادرت بالفتوى خوفاً أن سكسل الرجل عما عزم عليه من منابذة العدو، وعسى الله أن يجعل في عزيمته للمسلمين فرجاً. (4/358)
وبلغ الأذفونش ما صنعه ابن عباد، فأقسم بآلهته ليغزونه بإشبيلية، ويحاصره في قصره، فجرد جيشين جعل على أحدهما كلباً من مساعير كلابه وأمره أن يسير على كورة باجة من غرب الأندلس ويغير على تلك التخوم والجهات، ثم يمر على لبلة إلى إشبيلية، وجعل موعده إياه طريانة للاجتماع معه، ثم زحف الأذفونش بنفسه في جيش آخر عرمرم، فسلك طريقاً غير الطريق التي سلكها الآخر، وكلاهما عاث في البلاد وخرب ودمر، حتى اجتمعا لموعدهما بضفة النهر الأعظم قبالة قصر ابن عباد، وفي أيام مقامه هنالك كتب إلى ابن عباد زارياً عليه: كثر بطول مقامي في مجلسي الذبان، واشتد علي الحر، فأتحفني من قصرك بمروحة أروح بها على نفسي، وأطرد بها الذباب عن وجهي، فوقع له ابن عباد بخط يده في ظهر الرقعة: قرأت كتابك، وفهمت خيلاءك وإعجابك، وسأنظر لك في مراوح من الجلود اللمطية تروح منك لا تروح عليك، إن شاء الله
__________
(1) الروض: وشافهه.
تعالى. فلما وصلت الأذفونش رسالة بن عباد، وقرئت عليه، وعلم مقتضاها، أطرق إطراق من لم يخطر له ذلك ببال. (4/359)
وفشا في الأندلس توقيع ابن عباد، وما أظهر من العزيمة على جواز يوسف بن تاشفين، والاستظهار به على العدو، فاستبشر الناس، وفرحوا بذلك، وفتحت لهم أبواب الآمال. وأما ملوك طوائف الأندلس فلما تحققوا عزم ابن عباد وانفراده برأيه في ذلك، اهتموا منه، ومنهم من كاتبه، ومنهم من كلمه مواجهة، وحذروه عاقبة ذلك، وقالوا له: الملك عقيم، والسيفان لا يجتمعان في غمد واحد، فأجابهم ابن عباد بكلمته السائرة مثلاً: رعي الجمال خير من رعي الخنازير، ومعناه أن كونه مأكولاً ليوسف بن تاشفين أسيراً له يرعى جماله في الصحراء خير من كونه ممزقاً للأذفونش أسيراً له يرعى خنازيره في قشتالة. وقال لعذاله ولوامه: يا قوم إني من أمري على حالتين: حالة يقين، وحالة شك، ولا بد لي من إحداهما، أما حالة الشك فإني إن استندت لإلى ابن تاشفين أو إلى الأذفونش ففي الممكن أن يفي لي ويبقى على وفائه، ويمكن أن لا يفعل، فهذه حالة الشك، وأما حالة اليقين فإني إن استندت إلى ابن تاشفين فأنا أرضي الله ، وإن استندت إلى الأذفونش أسخطت الله تعالى، فإذا كانت حالة الشك فيها عارضة، فلأي شيء أدع ما يرضي الله وآتي ما يسخطه فحينئذ قصر أصحابه عن لومه.
ولما اعتزم أمر صاحب بطليوس المتوكل عمر بن محمد وعبد الله بن حبوس الصنهاجي صاحب غرناطة أن يبعث إليه كل منهما قاضي حضرته، ففعلا، واستحضر قاضي الجماعة بقرطبة أبا بكر عبيد الله بن أدهم، وكان أعقل أهل زمانه، فلما اجتمع عنده القضاة بإشبيلية أضاف إليهم وزيره أبا بكر ابن زيدون، وعرفهم أربعتهم أنهم رسله إلى يوسف بن تاشفين، وأسند إلى القضاة ما يليق بهم من وعظ يوسف بن تاشفين وترغيبه في الجهاد، وأسند إلى وزيره ما لا بد منه في تلك السفارة من إبرام العقود السلطانية، وكان يوسف بن تاشفين لا تزال
تفد عليه وفود ثغور الأندلس مستعطفين، مجهشين بالبكاء، ناشدين الله والإسلام، مستنجدين بفقهاء حضرته ووزراء دولته، فيسمع إليهم، ويصغي لقولهم، وترق نفسه لهم. (4/360)
فما عبرت رسل ابن عباد البحر إلا ورسل يوسف بالمرصاد، ولما انتهت الرسل إلى ابن تاشفين أقبل عليهم، وأكرم مثواهم، واتصل ذلك بابن عباد، فوجه من إشبيلية أسطولاً نحو صاحب سبتة، فانتظمت في سلك يوسف، ثم جرت بينه وبين الرسل مراوضات، ثم انصرفت إلى مرسلها، ثم عبر يوسف البحر عبوراً سهلاً، حتى أتى الجزيرة الخضراء، فتحوا له، وخرج إليه أهلها بما عندهم من الأقوات والضيافات، وأقاموا له سوقاً جلبوا إليه ما عندهم من سائر المرافق، وأذنوا للغزاة في دخول البلد والتصرف فيه، فامتلأت المساجد والرحبات بالمطوعين، وتواصوا بهم خيراً، هذا مساق صاحب الروض المعطار.
وأما ابن الأثير (1) فإنه لما ذكر وقعة الزلاقة ذكر ما تقدم من فعل المعتمد بالأرسال وقتلهم، وتخوف أكابر الأندلس من الأذفونش، وأنه اجتمع منهم رؤساء، وساروا إلى القاضي عبيد الله (2) بن محمد بن أدهم وقالوا له: ألا تنظر إلى ما فيه المسلمون من الصغار والذلة وإعطائهم الجزية، بعد أن كانوا يأخذونها، وقالوا: قد غلب على البلاد الفرنج، ولم يبق إلا القليل، وإن طال هذا الأمر عادت نصرانية كما كانت أولاً، وقد رأينا رأياً نعرضه عليك،قال: وماهو قالوا: نكتب إلى عرب إفريقية، ونبذل لهم إذا وصلوا إلينا شطر أموالنا، ونخرج معهم مجاهدين في سبيل الله، فقال لهم: إنا نخشى إن وصلوا إلينا أن يخربوا بلادنا كما فعلوا بإفريقية، ويتركوا الإفرنج ويبدأوا بنا، والمرابطون أصلح منهم، وأقرب إلينا، فقالوا له: فكاتب أمير المسلمين، واسأله العبور إلينا أو إعانتنا بما تيسر من الجند، فبينما هم في ذلك يتراوضون إذ قدم عليهم المعتمد بن عباد
__________
(1) الكامل 10: 151 وقد أورده ابن خلكان أيضاً 4: 119.
(2) في ابن الأثير: عبد الله؛ راجع الصلة: 293.
قرطبة، فعرض عليه القاضي ابن أدهم ما كانوا فيه، فقال له ابن عباد: أنت رسولي إليه في ذلك، فامتنع، وإنما أراد أن يبرئ نفسه من ذلك، فألح عليه المعتمد، فسار إلى أمير المسلمين يوسف بن تاشفين، فوجده بسبتة، وأبلغه الرسالة وأعلمه بما فيه المسلمون من الخوف من الأذفونش، ففي الحال أمر بعبور العساكر إلى الأندلس، وأرسل إلى مراكش في طلب من بقي من العساكر، فأقبلت إليه يتلو بعضها بعضاً، فلما تكاملت عنده عبر البحر، واجتمع بالمعتمد بن عباد بإشبيلية، وكان المعتمد قد جمع عساكره أيضاً، وخرج من أهل قرطبة عسكر كثير، وقصده المطوعة من سائر بلاد الأندلس، ووصلت الأخبار إلى الأذفونش فجمع عساكره، وحشد جنوده، وسار من طليطلة، وكتب إلى أمير المسلمين يوسف بن تاشفين كتاباً كتبه له بعض غواة أدباء المسلمين يغلظ له في القول، ويصف ما معه من القوة والعدد والعدد، وبالغ في ذلك، فلما وصله وقرأه يوسف أمر كاتبه أبا بكر ابن القصيرة أن يجيبه، وكان كاتباً مفلقاً، فكتب وأجاد، فلما قرأه على أمير المسلمين قال: هذا كتاب طويل، أحضر كتاب الأذفونش واكتب في ظهره: الذي يكون ستراه وأرسله إليه، فلما وقف عليه الأذفونش ارتاع له، وعلم أنه بلي برجل لا طاقة له به. (4/361)
وذكر ابن خلكان (1) أن يوسف بن تاشفين أمر بعبور الجمال فعبر منها ما أغص الجزيرة، وارتفع رغاؤها إلى عنان السماء ، ولم يكن أهل الجزيرة رأوا جملاً قط ولا خيلهم، فصارت الخيل تجمح من رؤية الجمال ومن رغائها، وكان ليوسف في عبور الجمال رأي مصيب، فكان يحدق بها عسكره، ويحضرها للحرب، فكانت خيل الفرنج تجمح منها، وقدم يوسف بين يديه كتاباً للأذفونش يعرض عليه فيه الدخول في الإسلام أو الجزية أو الحرب، كما هي السنة، ومن جملة ما في الكتاب: بلغنا يا أذفونش أنك دعوت إلى الاجتماع بنا، وتمنيت أن
__________
(1) وفيات الأعيان 6: 115.
تكون لك سفن تعبر بها البحر إلينا، فقد عبرنا إليك، وقد جمع الله تعالى في هذه الساحة بيننا وبينك، وسترى عاقبة دعائك " وما دعاء الكافرين إلا في ضلال " انتهى بمعناه، وأكثره بلفظه. (4/362)
ولنرجع إلى كلام صاحب " الروض المعطار " (1) فإنه أقعد بتاريخ الأندلس، إذ هو منهم، وصاحب البيت أدرى بالذي فيه (2) ، قال رحمه الله تعالى: فلما عبر يوسف وجميع جيوشه إلى الجزيرة الخضراء انزعج إلى إشبيلية على أحسن الهيئات، جيشاً بعد جيش، وأميراً بعد أمير، وقبيلاً بعد قبيل، وبعث المعتمد ابنه إلى لقاء يوسف، وأمر عمال البلاد بجلب الأقوات والضيافات، ورأى يوسف من ذلك ما سره ونشطه، وتواردت الجيوش مع أمرائها على إشبيلية، وخرج المعتمد إلى لقاء يوسف من إشبيلية في مائة فارس وجوه أصحابه، فلما أتى محلة يوسف ركض نحو القوم، وركضوا نحوه، فبرز إليه يوسف وحده، والتقيا منفردين، وتصافحا وتعانقا، وأظهر كل منهما لصاحبه المودة والخلوص، وشكرا نعم الله تعالى، وتواصيا بالصبر والرحمة، وبشرا أنفسهما بما استقبلاه من غزو أهل الكفر، وتضرعا إلى الله تعالى في أن يجعل ذلك خالصاً لوجهه، مقرباً إليه، وافترقا، فعاد يوسف لمحلته، وابن عباد إلى جهته، وألحق ابن عباد ما كان أعده من هدايا وتحف وضيافات أوسع بها على محلة يوسف بن تاشفين، وباتوا تلك الليلة، فلما أصبحوا وصلوا الصبح ركب الجميع، وأشار ابن عباد على يوسف بالتقدم نحو إشبيلية، ففعل، ورأى الناس من عزة سلطانه ما سرهم، ولم يبق من ملوك الطوائف بالأندلس إلا من بادر أو أعان وخرج أو أخرج، وكذلك فعل الصحراويون مع يوسف، كل صقع من أصقاعه رابطوا وصابروا (3) . وكان الأذفونش لما تحقق الحركة والحرب استنفر جميع أهل بلاده
__________
(1) الروض: 87.
(2) بالذي فيه: سقطت من ق.
(3) في الأصول: وكابروا.
وراءها ورفع القسيسون والرهبان والأساقفة صلبانهم، ونشروا أناجيلهم، فاجتمع له من الجلالقة والإفرنجة ما لا يحصى عدده، وجواسيس كل فريق تتردد بين الجميع، وبعث الأذفونش إلى ابن عباد: إن صاحبكم يوسف قد تعنى من بلاده، وخاض البحور، وأنل أكفيه العناء فيما بقي، ولا أكلفكم تعباً، أمضي إليكم وألقاكم في بلادكم رفقاً بكم وتوفيراً عليكم، وقال لخاصته وأهل مشورته: إني رأيت أني إن مكنتهم من الدخول إلى بلادي، فناجزوني فيها وبين جدرها، وربما كانت الدائرة علي، يستحكمون البلاد، ويحصدون من فيها غداة واحدة، ولكني أجعل يومهم معي في حوز بلادهم، فإن كانت علي اكتفوا بما نالوه، ولم يجعلوا الدروب وراءهم إلا بعد أهبة أخرى فيكون في ذلك صون لبلادي، وجبر لمكاسري، وإن كانت الدائرة عليهم كان مني فيهم وفي بلادهم ما خفت أنا أن يكون في وفي بلادي إذا ناجزوني في وسطها، ثم برز بالمختار من جنوده، وأنجاد جموعه على باب دربه، وترك بيقة جموعه خلفه، وقال حين نظر إلى ما اختاره منهم: بهؤلاء أقاتل الجن والإنس وملائكة السماء، فالمقلل يقول: المختارون أربعون ألف ذراع، ولكل واحد أتباع. وأما النصارى فيعجبون ممن يزعم ذلك، ويرون أنهم أكثر من ذلك كله. واتفق الكل أن عدد المسلمين أقل من الكفرة، ورأى الأذفونش في نومه كأنه راكب فيل يضرب نقيرة طبل، فهالته الرؤيا، وسأل عنها القسوس والرهبان فلم يجبه أحد، فدس يهودياً عمن يعلم تأويلها من المسلمين، فدل على معبر، فقصها عليه، ونسبها لنفسه، فقال له المعبر: كذبت، ما هذه الرؤيا لك، ولا أعبرها لك إلا إن صدقتني بصاحب الرؤيا، فقال له: اكتم علي، الرؤيا للأذفونش، فقال المعبر: صدقت ولا يراها غيره، والرؤيا تدل على بلاء عظيم، ومصيبة فادحة فيه وفي عسكره، وتفسيرها قوله تعالى " ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل " وأما ضربه النقيرة فتأويلها " فإذا نقر في الناقور فذلك يومئذ يوم عسير " فانصرف اليهودي وذكر للأذفونش (4/363)
ما وافق خاطره. (4/364)
ثم خرج الأذفونش ووقف على الدروب، ومال بجيوشه إلى الجهة الغربية من بلاد الأندلس، وتقدم السلطان يوسف فقصده، وتأخر ابن عباد لبعض مهماته، ثم انزعج يقفو أثره بجيش فيه حماة الثغور، ورؤساء الأندلس، وجعل ابنه عبد الله على مقدمته، وسار وهو ينشد لنفسه متفائلاً مكملاً البيت المشهور:
لا بد من فرج قريب يأتيك بالعجب العجيب
غزو عليك مبارك سيعود بالفتح القريب
لله سعدك إنه نكس على دين الصليب
لا بد من يوم يكو ... ن له أخاً يوم القليب (1) ووافت الجيوش كلها بطليوس، فأناخوا بظاهرها، وخرج إليهم صاحبها المتوكل عمر بن محمد بن الأفطس، فلقيهم بما يجب من الضيافات والأقوات وبذل المجهود، وجاءهم الخبر بشخوص الأذفونش، ولما ازدلف بعضهم إلى بعض أذكى المعتمد عيونه في محلات الصحراويين خوفاً عليهم من مكايد الأذفونش، إذ هم غرباء لا علم لهم بالبلاد، وجعل يتولى ذلك بنفسه، حتى قيل: إن الرجل من الصحراويين لا يخرج على طرف المحلة لقضاء أمر أو حاجة إلا ويجد ابن عباد بنفسه مطيفاً بالمحلة، بعد ترتيب الخيل والرجال على أبواب المحلات، وقد تقدم كتاب السلطان يوسف إلى الأذفونش يدعوه إلى إحدى الثلاث المأمور بها شرعاً، فامتلأ الكافر غيظاً، وعتا وطغى، وراجعه بما يدل على شقائه، وقامت الأساقفة والرهبان فرفعوا (2) صلبانهم، ونشروا أناجيلهم وتبايعوا على الموت، ووعظ يوسف وابن عباد أصحابهما، وقام الفقهاء والصالحون مقام الوعظ، وحضوهم على الصبر والثبات، وحذروهم من الفشل والفرار،
__________
(1) يوم القليب يعني معركة بدر.
(2) ق: ونصبوا.
وجاءت الطلائع تخبر أن العدو مشرف عليهم صبيحة يومهم، وهو يوم الأربعاء، فأصبح المسلمون وقد أخذوا مصافهم، فكع الأذفونش، ورجع إلى إعمال المكر والخديعة، فعاد الناس إلى محلاتهم، وباتوا ليلتهم، ثم أصبح يوم الخميس فبعث الأذفونش إلى ابن عباد يقول: غداً هو الجمعة، وهو عيدكم، والأحد عيدنا، فليكن لقاؤنا بينهما، وهو السبت، فعرف المعتمد بذلك السلطان يوسف، وأعلمه أنها حيلة منه وخديعة، وإنما قصد الفتك بنا يوم الجمعة، فليكن الناس على استعداد له يوم الجمعة كل النهار، وبات الناس ليلتهم على أهبة واحتراس. وبعد مضي جزء من الليل انتبه الفقيه الناسك أبو العباس أحمد ابن رميلة القرطبي - واكن في محلة ابن عباد - فرحاً مسروراً يقول: إنه رأى النبي، صلى الله عليه وسلم، في تلك الليلة في النوم فبشره بالفتح والموت على الشهادة في صبيحة تلك الليلة، فتأهب ودعا وتضرع ودهن رأسه وتطيب، وانتهى ذلك إلى ابن عباد، فبعث إلى يوسف يخبره بها تحقيقاً لما توقعه من غدر الكافر بالله تعالى. (4/365)
ثم جاء بالليل فارسان من طلائع المعتمد يخبران أنهما أشرفا على محلة الأذفونش وسمعا ضوضاء الجيوش واضطراب الأسلحة، ثم تلاحق بقية الطلائع متحققين بتحرك الأذفونش، ثم جاءت الجواسيس من داخل محلتهم تقول: استرقنا السمع فسمعنا الأذفونش يقول لأصحابه: ابن المعتمد مسعر هذه الحروب، وهؤلاء الصحراويون وإن كانوا أهل حفاظ وذوي بصائر في الحروب فهم غير عارفين بهذه البلاد، وإنما قادهم ابن عباد، فاقصدوه واهجموا عليه، واصبروا فإن انكشف لكم هان عليكم الصحراويون بعده، ولا أرى ابن عباد يصبر لكم إن صدقتموه الحملة، فعند ذلك بعث ابن عباد الكاتب أبا بكر ابن القصيرة إلى السلطان يوسف يعرفه بإقبال الأذفونش، ويستحث نصرته، فمضى ابن القصيرة يطوي المحلات حتى جاء يوسف بن تاشفين، فعرفه بجلية الأمر، فقال له: قل له إني سأقرب منه إن شاء الله تعالى، وأمر يوسف بعض قواده أن يمضي
بكتيبة رسمها له حتى يدخل محلة النصارى فيضرمها ناراً ما دام الأذفونش مشتغلاً مع ابن عباد. (4/366)
وانصرف ابن القصيرة إلى المعتمد، فلم يصله إلا وقد غشيته جنود الطاغية، فصدم ابن عباد صدمة قطعت آماله، ومال الأذفونش عليه بجموعه، وأحاطوا به من كل جهة، فهاجت الحرب، وحمي الوطيس، واستحر القتل في أصحاب ابن عباد، وصبر ابن عباد صبراً لم يعهد مثله لأحد، واتبطأ السلطان يوسف وهو يلاحظ طريقه، وعضته الحرب، واشتد عليه وعلى من معه البلاء، وأبطأ عليه الصحراويون وساءت الظنون، وانكشف بعض أصحاب ابن عباد وفيهم ابنه عبد الله، وأثخن ابن عباد جراحات، وضرب على رأسه ضربة فلقت هامته حتى وصلت إلى صدغه وجرحت يمنى يده، وطعن في أحد جانبيه، وعقرت تحته ثلاثة أفراس كلما هلك واحد قدم له آخر، وهو يقاسي حياض الموت، ويضرب يميناً وشمالاً، وتذكر في تلك الحالة ابناً له صغيراً كان مغرماً به تركه في إشبيلية عليلاً، وكنيته أبو هاشم، فقال:
أبا هاشم هشمتني الشفار فلله صبري لذاك الأوار
ذكرت شخيصك تحت العجاج فلم يثنني ذكره للفرار
ثم كان أول من وافى ابن عباد من قواد ابن تاشفين داود بن عائشة، وكان بطلاً شجاعاً شهماً، فنفس بمجيئه عن ابن عباد، ثم أقبل يوسف بعد ذلك، وطبوله تصعد أصواتها إلى الجو، فلما أبصره الأذفونش وجه حملته إليه، وقصده بمعظم جنوده، فبادر إليهم السلطان يوسف، وصدمهم بجمعه، فردهم إلى مركزهم، وانتظم به شمل ابن عباد، واستنشق ريح الظفر، وتياشر بالنصر، ثم صدقوا جميعاً الحملة، فتزلزلت الأرض بحوافر خيولهم، وأظلم النهار بالعجاج والغبار، وخاضت الخيل في الدماء، وصبر الفريقان صبراً عظيماً، ثم تراجع ابن عباد إلى يوسف، وحمل معه حملة جاء معها النصر، وتراجع
المنهزمون من أصحاب ابن عباد حين علموا بالتحام الفئتين، وصدقوا الحملة، فانكشف الطاغية، ومر هارباً منهزماً وقد طعن في إحدى ركبتيه طعنة بقي يخمع بها بقية عمره. (4/367)
وعلى سياق ابن خلكان (1) أن ابن تاشفين نزل على أقل من فرسخ من عسكر العدو في يوم الأربعاء، وكان الموعد في المناجزة في يوم السبت، فغدر الأذفونش ومكر، فلما كان سحر يوم الجمعة منتصف رجب أقبلت طلائع ابن عباد، والروم في أثرها، والناس على طمأنينة، فبادر ابن عباد للركوب، وبث الخبر في العساكر فماجت بأهلها، ووقع البهت، ورجفت الأرض، وصار الناس فوضى على غير تعبية ولا أهبة، ودهمتهم خيل العدو، فأحاطت بابن عباد، وحطمت ما تعرض لها، وتركت الأرض حصيداً خلفها، وجرح ابن عباد جرحاً أشواه (2) ، وفر رؤساء الأندلس وتركوا محلاتهم وأسلموها، وظنوا أنه وهي لا يرقع، ونازلة لا تدفع، زظن الأذفونش أن السلطان يوسف في المنهزمين ولم يعلم أن العاقبة للمتقين، فركب أمير المسلمين، وأحدق به أنجاد (3) خيله ورجله من صنهاجة رؤساء القبائل، وقصدوا محلة الأذفونش فاقتحموها ودخلوها، وفتكوا فيها، وقتلوا، وضربت الطبول، وزعقت البوقات، فاهتزت الأرض، وتجاوبت الجبال والآفاق، وتراجع الروم إلى محلاتهم بعد أن علموا أن أمير المسلمين فيها، فصدموا أمير المسلمين، فأفرج (4) لهم عنها، ثم كر عليهم فأخرجهم منها، ثم كروا عليه فخرج لهم عنها، ولم تزل الكرات بينهم تتوالى إلى أن أمر أمير المسلمين حشمه السودان فترجل منهم زهاء أربعة آلاف،
__________
(1) انظر ابن خلكان 6: 116 وهو ينقل عن كتاب " تذكر العاقل وتنبيه الغافل " للبياسي.
(2) في الأصول: أساءه.
(3) في الأصول: جياد.
(4) في الأصول: فخرج.
ودخلوا المعترك بدرق اللمط وسيوف الهند ومزاريق الران (1) ، فطعنوا الخيل فرمحت بفرسانها، وأجمحت (2) عن أقرانها، وتلاحق الأذفونش بأسود نقدت مزاريقه، فأهوى ليضربه بالسيف، فلصق به الأسود، وقبض على عنانه، وانتضى خنجراً كان متمنطقاً به، فأثبته في فخذه، فهتك حلق درعه، ونفذ من فخذه مع بداد سرجه، وكان وقت الزوال، وهبت ريح النصر، فأنزل الله سكينته على المسلمين، ونصر دينه القويم، وصدقوا الحملة على الأذفونش وأصحابه، فأخرجوهم عن محلتهم، فولوا ظهورهم وأعطوا أعناقهم، والسيوف تصفعهم والرماح تطعنهم، إلى أن لحقوا ربوة لجأوا إليها واعتصموا بها، وأحدقت بهم الخيل، فلما أظلم الليل انساب الأذفونش وأصحابه من الربوة، وأفلتوا بعدما تشبثت (3) بهم أظفار المنية، واستولى المسلمون على ما كان في محلتهم من الآلات والسلاح والمضارب والأواني وغير ذلك، وأمر ابن عباد بضم رؤوس قتلى المشركين، فاجتمع من ذلك تل عظيم، انتهى، وبعضه بالمعنى. (4/368)
رجع إلى كلام صاحب الروض المعطار قال (4) :
ولجأ الأذفونش إلى تل كان يلي محلته في نحو خمسمائة فارس كل واحد منهم مكلوم، وأباد القتل والأسر من عداهم من أصحابهم، وعمل المسلمون من رؤوسهم مآذن (5) يؤذنون عليها، والمخذول ينظر إلى موضع الوقيعة ومكان الهزيمة فلا يرى إلا نكالاً محيطاً به وبأصحابه، وأقبل ابن عباد على السلطان يوسف وصافحه وهنأه وشكره وأثنى عليه، وشكر يوسف صبر ابن عباد ومقامه وحسن
__________
(1) في الأصول: الزان.
(2) ق ص: وأجمحت، ابن خلكان: وأحجمت.
(3) ابن خلكان: نشبت.
(4) الروض: 93.
(5) الروض: صوامع.
بلائه وجميل صبره، وسأله عن حاله عندما أسلمته رجاله بانهزامهم عنه، فقال له: هم هؤلاء قد حضروا بين يديك فليخبروك. (4/369)
وكتب ابن عباد إلى ابنه بإشبيلية كتاباً مضمونه: كتابي هذا من المحلة المنصورة يوم الجمعة الموفي عشرين من رجب، وقد أعز الله الدين، ونصر المسلمين، وفتح لهم الفتح المبين، وهزم الكفرة والمشركين، وأذاقهم العذاب الأليم، والخطب الجسيم ، فالحمد لله على ما يسره وسناه من هذه المسرة العظيمة، والنعمة الجسيمة، في تشتيت شمل الأذفونش والاحتواء على جميع عساكره، أصلاه الله نكال الجحيم، ولا أعدمه الوبال العظيم المليم، بعد إتيان النهب على محلاته، واستئصال القتل في جميع أبطاله وحماته، حتى اتخذ المسلمون من هاماتهم صوامع يؤذنون عليها، فلله الحمد على جميل صنعه، ولم يصبني والحمد لله إلا جراحات يسيرة آلمت لكنها فرجت بعد ذلك، فلله الحمد والمنة، والسلام.
واستشهد في ذلك اليوم جماعة من الفضلاء والعلماء وأعيان الناس، مثل ابن رميلة صاحب الرؤية المذكورة، وقاضي مراكش أبي مروان عبد الملك المصمودي، وغيرهما، رحمهما الله تعالى.
وحكي أن موضع المعترك كان على اتساعه ما كان فيه موضع قدم، إلا على ميت أو دم، وأقامت العساكر بالموضع أربعة أيام، حتى جمعت الغنائم، واستؤذن في ذلك السلطان يوسف، فعف عنها، وآثر بها ملوك الأندلس، وعرفهم أن مقصده الجهاد والأجر العظيم، وما عند الله في ذلك من الثواب المقيم، فلما رأت ملوك الأندلس إيثار يوسف لهم بالغنائم استكرموه، وأحبوه وشكروا له ذلك.
ولما بلغ الأذفونش إلى بلاده وسأل عن أبطاله وشجعانه وأصحابهم ففقدهم ولم يسمع إلا نواح الثكلى عليهم، اهتم ولم يأكل ولم يشرب حتى هلك هماً وغما، وراح إلى أمه الهاوية، ولم يخلف إلا بنتاً واحدو جعل الأمر إليها، فتحصنت بطليلة.
ورحل المعتمد إلى إشبيلية ومعه السلطان يوسف بن تاشفين، فأقام السلطان
يوسف بن تاشفين بظاهر لإشبيلية ثلاثة أيام، وردت عليه من المغرب أخباراً تقتضي العزم فسافر وذهب معه ابن عباد يوماً وليلة، فحلف ابن تاشفين وعزم عليه في الرجوع، وكانت جراحاته تورمت عليه، فسير معه ولده عبد الله إلى أن وصل البحر، وعبر إلى المغرب. (4/370)
ولما رجع ابن عباد إلى إشبيلية جلس للناس، وهنئ بالفتح، وقرأت القراء، وقام على رأسه الشعراء، فأنشدوه، قال عبد الجليل بن وهبون: حضرت ذلك اليوم، وأعددت قصيدة أنشدها بين يديه، فقرأ القارئ " إلا تنصروه فقد نصره الله " فقلت: بعداً لي ولشعري، والله ما أبقت لي هذه الآية معنى أحضره وأقوم به.
ولما عزم السلطان (1) يوسف بن تاشفين إلى بلاده ترك الأمير سير بن أبي بكر أحد قواده المشاهير، وترك معه جيشاً برسم غزو الفرنج، فاستراح الأمير المذكور اياماً قلائل، ودخل بلاد الأذفونش، واطلق الغارة ونهى وسبى، وفتح الحصون المنيعة والمعاقل الصعبة العويصة، وتوغل في البلاد، وحصل أموالاً وذخائر عظيمة، ورتب رجالاً وفرساناً في جميع ما أخذه، وأرسل للسلطان يوسف جميع ما حصله، وكتب له يعرفه أن الجيوش بالثغور مقيمة على مكابدة العدو وملاومة الحرب والقتال فيس أضيق العيش وانكده، وملوك الأندلس في بلادهم وأهليهم في أرغد العيش وأطيبه، وسأله مرسومه، فكتب إليه أن يأمرهم بالنقلة والرحيل إلى أرض العدوة، فمن فعل فذاك، ومن أبى فحاصره وقاتله، ولا تنفس عليه، ولتبدأ بمن والى الثغور، ولا تتعرض للمعتمد بن عباد، إلا بعد استيلائك على البلاد، وكل بلد أخذته فول فيه أمراً من عساكرك، فأول من ابتدأ به من ملوك الأندلس بنو هود، وكانوا بروطة - بضم الراء المهملة، وبعدها واو ساكنة، وطاء مهملة مفتوحة، وبعدها هاء ساكنة، وهي قلعة منيعة من
__________
(1) عاد إلى النقل عن ابن خلكان بإيجاز.
عاصمات الذرا، ومائها ينبع من أعلاها، وفيها من الأقوات والذخائر المختلفات ما لا تفنيه الأزمان - فحاصرها فلم يقدر عليها ورحل عنها، وجند أجناداً على هيئة الفرنج وزيهم، وأمرهم أن يقصدوها ويغيروا عليها، وكمن هو وأصحابه بقرب منها، فلما رآهم أهل القلعة استضعفوهم، فنزلوا إليهم، ومعهم صاحب القلعة، فخرج عليه سير المذكور، وقبضه باليد، وتسلم الحصن. (4/371)
ثم نازل بني ضاهر بشرق الأندلس، فأسلموا له البلاد، ولحقوا ببر العدوة.
ثم نازل بني صمادح بالمرية، ولها قلعة حصينة، فحاصرهم وضيق بهم، ولما علم ابن صمادح الغلب أسف ومات غبناً، فأخذ القلعة واستولى على المرية وجميع أعمالها.
ثم قصد بطليوس، وكان بها المتوكل عمر بن محمد بن الأفطس المتقدم ذكره، فحاصره وأخذه واستولى على جميع أعماله وماله، ولم يبق له إلا المعتمد بن عباد، فكتب للسلطان يوسف يعرفه بما فعل، ويسأله مرسومه في ابن عباد، فكتب إليه يأمره انه يعرض عليه النقلة لبر العدوة بجميع الأهل والعشيرة، فإن رضي، وإلا فحاصره وخذه وأرسل به كسائر أصحابه، فواجهه وعرفه بما رسم به السلطان يوسف، وسأله الجواب، فلم يجب بنفي ولا إثبات، ثم إنه نازل إشبيلية وحاصره بها وألح عليه فأقام الحصار شهراً، ودخل البلد قهراً، واستخرجه من قصره، فحمل وجميع أهله وولده إلى العدوة فأنزل بأغمات، وأقام بها إلى أن مات، رحمه الله تعالى وعفا عنه.
وأما ابن الأثير ففي كلامه تقديم وتأخير وبعض خلاف لما مر.
وأخبار المعتمد بن عباد، وما رآه من الملك والعز على كل حاضر وباد، وما قاساه في الأسر من الضيق والعسر وسوء العيش أمر عجيب، يتعظ به العاقل الأريب، وأما ما مدحته به الشعراء وأجوبته لهم في حالي يسره وعسرهن وملكه وأسره، وطيه ونشره، وتجهمه وبشره، فهو كثير، وفي كتب التواريخ منه نظم ونثير، وقد قدمنا منه في هذا الكتاب ما يبعث الاعتبار ويثير، وخصوصاً في الباب السابع من هذا التأليف الذي هو عند المنصف أثير، وفي المعتمد وأبيه
المعتضد يقول بعض الشعراء (1) : (4/372)
من بني منذر وذاك انتساب زاد في فخرهم بنوا عباد
فتية لم تلد سواها المعالي والمعالي قليلة الأولاد
وقال ابن القطاع في كتابه " لمح الملح " (2) في حق المعتمد: إنه أندى ملوك الأندلس راحة، وأرحبهم ساحة، وأعظمهم ثماداً، وأرفعهم عماداً، ولذلك كانت حضرته ملقى الرحال (3) ، وموسم الشعراء، وقبلة الآمال، ومألف الفضلاء، حتى إنه لم يجتم بباب أحد من الملوك من أعيان الشعراء، وأفاضل الأدباء، ما كان يجتمع ببابه، وتشتمل عليه حاشيتا جنابه.
وقال ابن بسام في " الذخيرة " (4) : للمعتمد شعر، كما انشق الكمام عن الزهر، لو صار مثله ممن جعل الشعر صناعة، واتخذه بضاعة، لكان رائقاً معجباً، ونادراً مستغرباً، [فمن ذلك قوله] (5) :
أكثرت هجرك غير أنك ربما عطفتك أحياناً على أمور
فكأنما زمن التهاجر بيننا ليل، وساعات الوصال بدور
وقال: وهذا المعنى ينظر إلى قول بعضهم من أبيات:
أسفر ضوء الصبح عن وجهه فقام ذاك الخال فيه بلال
كأنما الخال على خده ساعات هجر في زمان الوصال
__________
(1) ابن خلكان 4: 112.
(2) نقل العمري في المسالك قطعة موجزة من هذا الكتاب؛ وهذا النص قد نقله المقري عن ابن خلكان 4: 115.
(3) ق ص: الرجال.
(4) لا يزال المقري يتابع نص ابن خلكان ص: 115.
(5) زيادة من ابن خلكان.
وعزم على إرسال حظاياه من قرطبة إلى إشبيلية فخرج معهن يشيعهن فسايرهن من أول الليل إلى الصبح، فودعهن ورجع، وأنشد أبيتاً منها: (4/373)
سليرتهم والليل عقد ثوبه حتى تبدى للنواظر معلما
وفقفت ثم مودعاً وتسلمت مني يد الإصباح تلك الأنجما
وهذا المعنى في نهاية الحسن، ثم ذكر من كلامه جملة.
عود وانعطاف:
ولما جاء أمير المسلمين يوسف بن تاشفين إلى ناحية غرناطة (1) - بعدما حصر بعض حصون الفرنج، فلم يقدر عليه - خرج غلى لقائه صاحب غرناطة عبد الله بن بلكين، فسلم عليه، ثم عاد إلى بلده ليخرج له التقادم، فغدر به ودخل البلد، وأخرج عبد الله، ودخل قصره فوجد فيه من الذخائر والأموال ما لا يحد ولا يحصى، ثم رجع إلى مراكش وقد أعجبه حسن بلاد الأندلس وبهجتها، وما بها من المباني والبساتين والمطاعم وسائر الأصناف التي لا توجد في بلاد العدوة، إذ هي بلاد بربر وأجلاف عربان، فجعل خواص يوسف يعظمون عنده بلاد الأندلس ويحسنون له أخذها، ويوغرون قلبه على المعتمد بأشياء نقلوها عنه، فتغير على المعتمد وقصد مشارفة الأندلس.
وحكى ابن خلدون أن علماء الأندلس أفتوا ابن تاشفين بجواز خلع المعتمد وغيره من ملوك الطوائف، وبقتاله إن امتنعوا، فجهز يوسف العساكر إلى الأندلس، وحاصر سير بن أبي بكر أحد عظماء دولة يوسف إشبيلية وبها المعتمد، فكان من دفاعه وشدة ثباته ما هو معلوم، ثم أخذ أسيراً، وصار طرف الملك بعه حسيراً.
__________
(1) لم يكن هذا في الجواز الأول ليوسف.
وفي وصف ذلك يقول صاحب القلائد بعد كلام (1) : ثم جمع هو وأهله وحملتهم الجواري المنشآت، وضمتهم جوانحها كأنهم أموات، بعدما ضاق عنهم القصر، وراق منهم المصر (2) ، والناس قد حشروا (3) بضفتي الوادي، يبكون بدموع كالغوادي، فساروا والنوح يحدوهم،والبوح باللوعة لا يعدوهم، انتهى. (4/374)
ولما فرغ أمير المؤمنين يوسف بن تاشفين (4) من أمر غزوة الزلاقة المتقدم ذكرها ورجع تكرم له ابن عباد، وسأله أن ينزل عنده، فعلاج إلى بلاده إذ أجابه إلى ما طلب، فلما انتهى ابن تاشفين إلى إشبيلية مدينة المعتمد - وهي من أحسن المدن وأجلها منظراً - أمعن يوسف النظر فيها وفي محلها، وهي على نهر عظيم مستبحر تجري فيه السفن بالبضائع جالبة من بر المغرب وحاملة إليه، وفي غربيها رستاق عظيم مسيرة عشرين فرسخاً يشتمل على آلاف من الضياع كلها تين وعنب وزيتون، وهذا هو المسمى بشرف إشبيلية، وتمتاز بلاد المغرب كلها بهذه الأصناف منه، وفي جانب المدينة قصور المعتمد وأبيه المعتضد في غاية الحسن والبهاء، وفيها أنواع ما يحتاج إليه من المطعوم والمشروب والملبوس والمشروف وغير ذلك، فأنزل المعتمد يوسف بن تاشفين في أحدها، وتولى من إكرامه وخدمته ما أوسع شكر ابن تاشفين له، وكان مع ابن تاشفين أصحاب له ينبهونه على حسن تلك الحال وتأملها، وما هي عليه من النعمة والإتراف، ويغرونه بإتخاذ مثلها، ويقولون له: إن فائدة الملك قطع العيش فيه بالتنعم واللذة، كما هو المعتمد وأصحابه، وكان ابن تاشفين داهية (5) عاقلاً مقتصداً
__________
(1) القلائد: 23.
(2) القلائد: العصر.
(3) ق: حشدوا.
(4) عاد لمتابعة ابن خلكان 6: 118 وما بعدها.
(5) داهية: سقطت من ق.
في أموره، غير متطاول ولا مبذر، غير سالك نهج الترف والتأنق في اللذة والنعيم، إذ ذهب صدر عمره في بلاده بالصحراء في شظف العيش، فأنكر على من أغراه بذلك الإسراف، وقال له: الذي يلوح لي من أمر هذا الرجل - يعني المعتمد - أنه مضيع لما في يده من الملك، لأن هذه الأموال الكثيرة التي تصرف في هذه الأحوال لا بد أن يكون لها أرباب لا يمكن أخذ هذا القدر منهم على وجه العدل أبداً، فأخذه بالظلم وإخراجه في هذه الترهات من أفحش استهتار، ومن كانت همته في هذا الحد من التصرف فيما لا يعدو الأجوفين متى تستنجد (1) همته في ضبط بلاده وحفظها، وصون رعينه والتوقير لمصالحها ولعمري لقد صدق في كل ذلك. (4/375)
ثم إن يوسف بن تاشفين سأل عن أحوال المعتمد في لذاته: هل تختلف فتنقص عما عليه في بعض الأوقات فقيل له: بل كل زمانه على هذا فقال: أفكل أصحابه وأنصاره على عدوه ومنجديه على الملك ينال حظاً من ذلك فقالوا: لا، قال: فكيف ترون رضاهم عنه فقالوا: لا رضى لهم عنه، فأطرق وسكت، وأقام عند المعتمد على تلك الحال أياماً.
وفي أثنائها (2) استأذن رجل على المعتمد ودخل وهو ذو هيئة رثة، وكان من أهل البصائر، فلما مثل بين يديه قال: أصلحك الله أيها السلطان، وإن من أوجب الواجبات شكر النعمة، وإن من شكر النعمة إهداء النصائح، وإني رجل من رعيتك حالي في دولتك إلى الاختلال، أقرب منها إلى الاعتدال، ولكنني مع ذلك مستوجب لك من النصيحة ما للملك على رعيته، فمن ذلك خبر وقع في أذني من بعض أصحاب ضيفك هذا يوسف بن تاشفين يدل على أنهم يرون أنفسهم وملكهم،أحق بهذه النعمة منك، وقد رأيت رأياً، فإن آثرت الإصغاء
__________
(1) في الأصول: تستجد؛ وفي دوزي: يستجد همة.
(2) ابن خلكان: وفي بعض تلك الأيام.
إليه قلته، فقال المعتمد له: قله، فقال له: رأيت أن هذا الرجل الذي أطلعته على ملكك مستأسد على الملوك، قد حطم على زناتة ببر العدوة، وأخذ الملك من أيديهم، ولم يبق على واحد منهم، ولا يؤمن أن يطمح إلى الطمع في ملكك، بل في ملك جزيرة الأندلس كلها، لما قد عاينه من هناءة (1) عيشك، وإنه لمتخيل في مثل حالك سائر ملوك الأندلس (2) ، وإن له من الولد والأقارب وغيرهم من يود له الحلول لما أنت فيه من خصب الجناب، وقد أردى الأذفونش وجيشه واستأصل شأفتهم، وأعدمك منه أقوى ناصر عليه لو احتجت إليه، فقد كان لك منه أقوى عضد وأوقى مجن، وبعد فإنه إن فات الأمر في الأذفونش فلا يفتك الحزم فيما هو ممكن اليوم، فقال له المعتمد: وما هو الحزن اليوم فقال: أن تجمع أمرك على قبض ضيفك هذا واعتقاله في قصرك، وتجزم أنك لا تطلقه حتى يأمر كل من بجزيرة الأندلس من عسكره أن يرجع من حيث جاء، حتى لا يبقى منهم أحد بالجزيرة طفل فمن فوقه، ثم تتفق أنت وملوك الجزيرة على حراسة هذا البحر من سفينة تجري فيه له، ثم بعد ذلك تستحلفه بأغلظ الأيمان ألا يضمر في نفسه عوداً إلى هذه الجزيرة إلا باتفاق منكم ومنه، وتأخذ منه على ذلك رهائن فإنه يعطيك من ذلك ما تشاء، فنفسه أعز عليه من جميع ما يلتمس منه، فعند ذلك يقتنع هذا الرجل ببلاده التي لا تصلح إلا له، وتكون قد استرحت بعدما استرحت من الأذفونش، وتقيم في موضعك على غير حال، ويرتفع ذكرك عند ملوك الجزيرة ويتسع ملكك وينسب هذا الاتفاق لك إلى سعادة وحزم وتهابك الملوك، ثم اعمل بعد هذا ما يقتضيه حزمك في مجاورة من عاملته هذه المعاملة، واعلم أنه قد تهيأ لك من هذا أمر سماوي تتفانى الأمم وتجري بحار الدم دون حصولمثله، فلما سمع المعتمد كلام (4/376)
__________
(1) ابن خلكان: بلهنية.
(2) في الأصول: وإني لمتخيل في مثل ذلك لسائر... الخ.
الرجل استصوبه، وجعل يفكر بانتهاز الفرصة. (4/377)
وكان للمعتمد ندماء قد انهمكوا معه في اللذات، فقال أحدهم لهذا الرجل الناصح: ما كان المعتمد على الله - وهو إمام أهل المكرمات - ممن يعامل بالحيف، ويغدر بالضيف، فقال الرجل: إنما الغدر أخذ الحق من يد صاحبه، لا دفع الرجل عن نفسه المحذور إذا ضاق به، فقال ذلك النديم: ضيم مع وفاء، خير من حزم مع جفاء. ثم إن ذلك الناصح استدرك الأمر وتلافاه، فشكر له المعتمد، ووصله بصلة. واتصل هذا الخبر بيوسف فأصبح غادياً، فقدم له المعتمد الهدايا السنية والتحف الفاخرة، فقبلها ثم رحل.
انتهى خبر وقعة الزلاقة وما يتبعه ملخصاً من كتب التاريخ.
ولما انقرض بالأندلس ملك ملوك الطوائف بني عباد وبنيهم ذي النون وبني الأفطس وبني صمادح وغيرهم انتضمت في سلك اللمتونيين، وكانت لهم فيها وقعات بالأعداء مشهورة في كتب التواريخ.
دخول الأندلس في طاعة الموحدين
ولما مات يوسف بن تاشفين سنة خمسمائة قام بالملك بعده ابنه أمير المسلمين علي بن يوسف، وسلك سنن أبيه، وإن قصر عنه في بعض الأمور، ودفع العدو عن الأندلس مدة، إلى أن قيد الله تعالى للثورة عليه محمد بن تومرت الملقب بالمهدي الذي أسس دولة الموحدين، فلم يزل يسعى في هدم بنيان لمتونة إلى أن مات ولم يملك حضرة سلطنتهم مراكش، ولكنه ملك كثيرالً من البلاد، فاستخلف عبد المؤمن بن علي، فكان من استيلاءه على مملكة اللمتونيين ما هو معروف، ثم جاز إلى الأندلس وملك كثيراً منها، ثم أخرج الإفرنج من مهدية إفريقية، وملك بلاد إفريقية وضخم ملكه، وتسمى بأمير المسلمين.
عبد المؤمن بن علي (4/378)
ولما كانت سنة 545 سار الأذفونش صاحب طليطلة وبلاد الجلالقة إلى قرطبة ومعه أربعون ألف فارس فحاصرها، وكان أهلها في غلاء شديد، فبلغ الخبر عبد المؤمن، فجهزإليهم جيشاً يحتوي على اثني عشر ألف فارس، فلما أشرفوا على الأذفونش رحل عنها، وكان فيها القائد أبو الغمر السائب، فسلمها إلى صاحب جيش عبد المؤمن يحيى بن ميمون فبات فيها، فلما أصبح رأى الفرنج عادوا إلى مكانهم، ونزلوا في المكان الذي كانوا فيه، فلما عاين ذلك رتب هنالك ناساً، وعاد إلى عبد المؤمن، ثم رحل الفرنج إلى ديارهم.
وفي السنة بعدها دخل جيش عبد المؤمن إلى الأندلس في عشرين ألفاً عليهم الهنتاتي، فصار إليه صاحب غرناطة ميمون وابن همشك وغيرهما، فدخلوا تحت طاعة الموحدين، وحرصوا على قصد ابن مردنيش ملك شرق الأندلس، وبلغ ذلك ابن مردنيش، فخاف وأرسل إلى صاحب برشلونة من الإفرنج يستنجده، فتجهز إليه في عشرة آلاف من الإفرنج عليهم فارس، وسار صاحب جيش عبد المؤمن إلى أن قارب ابن مردنيش، فبلغه أمر البرشلوني الإفرنجي فرجع، ونازل مدينة المرية وهي بأيدي الروم فحاصرها، فاشتد الغلاء في عسكره فرجع إلى إشبيلية فأقام فيها، وسار عبد المؤمن إلى سبتة فجهز الأساطيل وجمع العساكر.
ثم سار عبد المؤمن سنة574 (1) إلى المهدية فملكها، وملك إفريقية، وضخم ملكه كما قدمناه.
يوسف بن عبد المؤمن
ولما مات بويع بعده ولده يوسف بن عبد المؤمن، ولما تمهدت له الأمور،
__________
(1) انظر المعجب: 298 حيث جعل سير عبد المؤمن للمهدية سنة 543.
واستقرت قواعد ملكه، دخل إلى جزيرة الأندلس لكشف مصالح دولته (1) وتفقد أحوالها، وكان ذلك سنة ست وستين وخمسمائة، وفي صحبته مائة ألف فارس من الموحدين والعرب، فنزل بحضرة إشبيلية، وخاف ملك شرق الأندلس - مرسية وما انضاف إليها - الأمير الشهير أبو عبد الله محمد بن سعد المعروف بابن مردنيش، وحمل على قلب ابن مردنيش، فمرض مرضاً شديداً ومات، وقيل: إنه سم، ولما مات جاء أولاده وأهله إلى أمير المؤمنين يوسف بن عبد المؤمن وهو بإشبيلية، فدخلوا تحت حكمه وسلموا لأحكامه البلاد، فصاهرهم وأحسن إليهم وأصبحوا عنده في أعز مكان ، ثم شرع في استرجاع البلاد التي استولى عليها الإفرنج، فاتسعت مملكته بالأندلس، وصارت سراياه تغير إلى باب طليطلة، وقيل: إنه حاصرها، فاجتمع الفرنج كافة عليه، واشتد الغلاء في عسكره، فرجع عنها إلى مراكش حضرة ملكه، ثم ذهب إلى إفريقية فمهدها، ثم رجع إلى حضرته مراكش، ثم جاز البحر إلى الأندلس سنة ثمانين وخمسمائة ومعه جمع كثيف، وقصد غربي بلادها، فحاصر مدينة شترين، وهي من أعظم بلاد العدو، وبقي محاصراً لها شهراً، فأصابه المرض فمات في السنة المذكورة، وحمل في تابوت إلى إشبيلية، وقيل: أصابه سهم من قبل الإفرنج، والله سبحانه وتعالى أعلم بحقيقة الحال. (4/379)
وفي ابنه السيد أبي إسحاق يقول مطرف التجيبي رحمه الله تعالى:
سعد كما شاء العلا والفخار تصرف الليل به والنهار
ما دانت الأرض لكم عنوة وإنما دانت لأمر كبار
مهدتموها فصفا عيشها ... واتصل الأمن (2) ، فنعم القرار
__________
(1) تفصيل هذه الأحداث في ابن عذاري 3: 88 (ط. المغرب).
(2) ق ص: الابن.
ومنها: (4/380)
فالشاة لا يختلها ذئبها وإن أقامت معه في وجار
يعقوب المنصور
ولما مات يوسف قام بالأمر بعده ابنه الشهير أمير المؤمنين يعقوب المنصور بن يوسف بن عبد المؤمن، فقام بالأمر أحسن قيام، ولما مات يوسف المذكور رثاه أديب الأندلس أبو بكر يحيى بن مجبر بقصيدة طويلة أجاد فيها، وأولها:
جل الأسى فأسل دم الأجفان ماء الشؤون لغير هذا الشان
ويعقوب المنصور هو الذي أظهر أبهة ملك الموحدين، ورفع راية الجهاد، ونصب ميزان العدل، وبسط الأحكام الشرعية، وأظهر الدين وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وأقام الحدود على القريب والبعيد، وله في ذلك أخبار، وفيه يقول الأديب أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الكانمي الأسود الشاعر المشهور:
أزال حجابه عني وعيني تراه من المهابة في حجاب
وقربني تفضله ولكن بعدت مهابة عند اقترابي
وكثرت الفتوحات في أيامه، وأول ما نظر فيه عند صيرورة الأمر إليه بلاد الأندلس، فنظر في شأنها ورتب مصالحها، وقرر المقاتلين في مراكزهم، ورجع إلى كرسي مملكته مراكش المحروسة.
وفي سنة586 بلغه أن الإفرنج ملكوا مدينة شلب وهي من غرب الأندلس، فتوجه إليها بنفسه وحاصرها وأخذها، وأنفذ في الوقت جيشاً من الموحدين والعرب، ففتح أربع مدن مما بأيدي الإفرنج من البلاد التي كانوا أخذوها من المسلمين قبل ذلك بأربعين سنة، وخافه صاحب طليطله، وسأله الهدنة والصلح، فهادنه خمس سنين وعاد إلى مراكش.
وأنشد القائد أبو بكر بن وزير الشلبي (1) وهو من أمراء كتائب إشبيلية قصيدة يخاطب بها يعقوب المنصور فيما جرى في وقعة مع الفرنجكان الشلبي المذكور مقدماً فيها: (4/381)
ولما تلاقينا جرى الطعن بيننا فمنا ومنهم طائحون عديد
وجال غرار الهند فينا وفيهم فمنا ومنهم قائم وحصيد
فلا صدر إلا فيه صدر مثقف وحول الوريد للحسام ورود
صبرنا ولا كهف سوى البيض والقنا ... كلانا على حر الجلاد (2) جليد ولكن شددنا شدة فتبلدوا ومن يتبلد لا يزال يحيد
فولوا وللسمر الطوال بهامهم ركوع وللبيض الرقاق سجود
رجع إلى أخبار المنصور بعد هدنة الإفرنج:
ولما انقضت مدة الهدنة، ولم يبق منها إلا القليل، خرج طائفة من الإفرنج في جيش كثيف إلى بلاد المسلمين فنهبوا وسعوا وعاثوا عيثاً فظيعاً، فانتهى الخبر إليه، فتجهز لقصدهم في جيوش موفرة وعساكر مكتبة، واحتفل في ذلك، وجاز إلى الأندلس سنة 591، فعلم به الإفرنج، فجمعوا جمعاً كثيراً من أقاصي بلادهم وأدانيها، وأقبلوا نحوه، وقيل: إنه لما أراد الجواز من مدينة سلا مرض مرضاً شديداً، ويأس منه أطباؤه، فعاث الأذفونش في بلاد المسلمين بالأندلس، وانتهز الفرصة، وتفرقت جيوش المسلمين بسبب مرض السلطان، فأرسل
__________
(1) زدنا ما بين معقفين اعتماداً على ما سيورده المقري فيما بعد عند حديثه عن سقوط المرية؛ وقد أورد ابن الأبار نسبه على نحو آخر (الحلة 2: 271) فقال أبو بكر محمد بن سيدراي بن عبد الوهاب ابن وزير القيسي، وأورد الأبيات الدالية التي أوردها المقري، وقال فيه: ولي قصر الفتح المنسوب إلى أبي دانس عند استرجاعه من أيدي الروم في جمادى الأولى سنة سبع وثمانين وخمسمائة؛ وتوفي في صدر المائة السابعة بعد حصوره بموقعة العقاب.
(2) الحلة: الطعان.
الأذفونش يتهدد ويتوعد ويرعد ويبرق، ويطلب بعض الحصون المتاخمة له من بلاد الأندلس، وخلاصة اللأمر أن المنصور توجه بعد ذلك إلى لقاء النصارى، وتزاحف الفريقان، فكان المصاف شمالي قرطبة على قرب قلعة رباح في يوم الخميس تاسع شعبان سنة 591، فكانت بينهم وقعة عظيمة استشهد فيها جمع كبير من المسلمين. (4/382)
وحكي أن يعقوب المنصور جعل مكانه تحت الأعلام السلطانية الشيخ أبا يحيى ابن أبي حفص عم السلطان أبي زكريا الحفصي الذي ملك بعد ذلك إفريقية، وخطب له ببعض الأندلس، فقصد الإفرنج الأعلام ظناً أن السلطان تحتها، فأثروا في المسلمين أثراً قبيحاً، فلم يرعهم إلا والسلطان يعقوب قد أشرف عليهم بعد كسر شوكتهم، فهزمهم شر هزيمة، وهرب الأذفونش في طائفة يسيرة، وهذه وقعة الأرك الشهيرة الذكر.
وحكي أن الذي حصل لبيت المال من دروع الإفرنج ستون ألفاً، وأما الدواب على اختلاف أنواعها فلم يحصر لها عدد، ولم يسمع بعد وقعة الزلاقة بمثل وقعة الأرك هذه، وربما صرح بعض المؤرخين بأنها أعظم من وقعة الزلاقة. وقيل: إن فل الإفرنج هربوا إلى قلعة رباح فتحصنوا بها، فحاصرها السلطان يعقوب حتى أخذها، وكانت قبل للمسلمين، فأخذها العدو، فردت في هذه المرة، ثم حاصر طليطلة وقاتلها أشد قتال وقطع أشجارها وشن الغارات على أرجائها، وأخذ من أعمالها حصوناً وقتل رجالها وسبى حريمها وخرب منازلها وهدم أسوارها وترك الإفرنج في أسوأ حال، ولم يبرز إليه أحد من المقاتلة، ثم رجع إلى إشبيلية، وأقام إلى سنة 593، فعاد إلى بلاد الفرنج، وفعل فيها الأفاعيل، فلم يقدر العدو على لقائه، وضاقت على الإفرنج الأرض بما رحبت، فطلبوا الصلح فأجابهم إليه، لما بلغه من ثورة الميرقي عليه بإفريقية مع قراقوش مملوك بني أيوب سلاطين مصر والشام.
ثم توفي السلطان يعقوب سنة 595. وما يقال إنه ساح في الأرض
وتخلى عن الملك ووصل إلى الشام، ودفن بالبقاع لا أصل فيه، وإن حكى ابن خلكان بعضه. وممن صرح ببطلان هذا القول الشريف الغرناطي في شرح مقصورة حازم، وقال: إن ذلك من هذيان العامة، لولوعهم بالسلطان المذكور. (4/383)
محمد الناصر ووقعة العقاب
وولي بعده ولده محمد الناصر المشؤوم على المسلمين، وعلى جزيرة الأندلس بالخصوص، فإنه جمع جمعاً اشتملت على ستمائة ألف مقاتل فيما حكاه صاحب " الذخيرة السنية في تاريخ الدولة المرينية " (1) ودخله الإعجاب بكثرة من معه من الجيوش، فصاف الإفرنج، فكانت عليه وعلى المسلمين وقعة العقاب المشهورة التي خلا بسببها أكثر المغرب، واستولى الإفرنج على أكثر الأندلس بعدها، ولم ينج من الستمائة ألف مقاتل غير عدد يسير جداً لم يبلغ الألف فيما قيل، وهذه الوقعة هي الطامة على الأندلس بل والمغرب جميعاً، وما ذاك إلا لسوء التدبير، فإن رجال الأندلس العارفين بقتال الإفرنج استخف بهم الناصر ووزيره، فشنق بعضهم، ففسدت النيات، فكان ذلك من بخت الإفرنج، والله غالب على أمره، وكانت وقعة العقاب هذه المشؤومة سنة 609، ولم تقم بعدها للمسلمين قائمة تحمد.
نهاية الموحدين
ولما مات الناصر سنة عشرين وستمائة ولي بعده ابنه يوسف المستنصر، وكان مولعاً بالراحة، فضعفت الدولة في أيامه، وتوفي سنة 620.
__________
(1) الذخيرة السنية: 41.
فتولى عم أبيه عبد الواحد بن يوسف بن عبد المؤمن، فلم يحسن التدبير، وكان إذ ذاك بالأندلس العادل بن المنصور، فرأى أنه أحق بالأمر، فاستولى على ما بقي في أيدي المسلمين من الأندلس بغير كلفة، ولما خلع عبد الواحد وخنق بمراكش ثارت الإفرنج على العادل بالأندلس، وتصاف معهم، فانهزم ومن معه المسلمين هزيمة شنعاء، فكانت الأندلس قرحاً على قرح، فهرب العادل، وهرب البحر يروم مراكش، وترك بإشبيلية أخاه أبا العلا إدريس، ودخل العادل مراكش بعد خطوب، ثم قبض عليه الموحدون، وقدموا يحيى بن الناصر صغير السن غير مجرب للأمور، فادعى حينئذ الخلافة أبو العلاء إدريس بإشبيلية، وبايعه أهل الأندلس، ثم بايعه أهل مراكش وهو مقيم بالأندلس، فثار على أبي العلاء بالأندلس الأمير المتوكل محمد بن يوسف الجذامي، ودعا إلى بني عباس، فمال الناس إليه، ورجعوا عن أبي العلاء، فخرج عن الأندلس - أعني أبا العلاء - وترك ما وراء البحر لابن هود. ولم يزل أبو العلاء يتحارب مع يحيى بن الناصر إلى أن قتل يحيى، وصفا الأمر لأبي العلاء بالمغرب، دون الأندلس، ثم مات سنة 630. (4/384)
وبويع ابنه الرشيد، وبايعه بعض أهل الأندلس، ثم توفي سنة640.
وولي بعده أخوه السعيد، وقتل على حصن بينه وبين تلمسان سنة 646.
وولي بعده المرتضى عمر بن إبراهيم بن يوسف بن علد المؤمن، وفي سنة 665 دخل عليه الواثق المعروف بأبي دبوس ففر، ثم قبض وسيق إلى الواثق فقتله، ثم قتل الواثق بنو مرين سنة 668، وبه انقرضت دواة بني عبد المؤمن، وكانت من أعظم الدول الإسلامية، فاستولى بنو مرين على المغرب.
ظهور ابن هود وابن الأحمر
وأما المتوكل بن هود فملك معظم الأندلس، ثم كثرت عليه الخوارج قريب موته، وقتله غدراً وزيره ابن الرميمي بالمرية، واغتنم الإفرنج الفرصة بافتراق
الكلمة، فاستولوا على كثير مما بقي بأيدي المسلمين من البلاد والحصون. (4/385)
ثم آل الأمر إلى أن ملك بنو الأحمر، وخطب بعض أهل الأندلس لأبي زكريا الحفصي صاحب إفيرقية، وقد سبق الكلام على أكثر المذكور هنا، وأعدناه لتناسق الحديث، ولما في بعض من زيادة الفائدة على البعض الآخر، وذلك لا يخفى على المتأمل، وقد بسطنا في الباب الثالث أحوال ابن هود وابن الأحمر وغيرهما، رحم الله تعالى الجميع.
الدولة المرينية
ثم استفحل ملك يعقوب بن عبد الحق صاحب المغرب وحضرة ملك فاس، فانتصر به الأندلس على الإفرنج الذين تكالبوا عليهم، فاجتاز إلى الأندلس وهزم الإفرنج أشد هزيمة، حتى قال بعضهم: ما نصر المسلمون من العقاب حتى دخل يعقوب المريني وفتك في بعض غزواته بملك من النصارى يقال له ذوننه، ويقال: إنه قتل من جيشه أربعين ألفاً وهزمهم أشد هزيمة، ثم تتابعت غزواته بالأندلس وجوازه للجهاد، وكان له من بلاد الأندلس رندة والجزيرة الخضراء وطريف وجبل طارق وغير ذلك، وأعز الله تعالى به الدين بعد تمرد الفرنج المعتدين. ولما مات ولي بعده ابنه يوسف بن يعقوب، ففر إليه الأذفونش ملك النصارى لائذاً به وقبل يده، ورهن عند تاجه، فأعانه على استرجاع ملكه.
ولم يزل ملوك بني مرين يعينون أهل الأندلس بالمال والرجال، وتركوا منهم حصة معتبرة من أقارب السلطان بالأندلس غزاة، فكانت لهم وقائع في العدو مذكورة، ومواقف مشكورة، وكان عند ابن الأحمر منهم جماعة بغرناطة، وعليهم رئيس من بيت ملك بني مرين يسمونه شيخ الغزاة.
ولما أفضى الملك إلى السلطان الكبير الشهير أبي الحسن المريني، وخلص له المغرب وبعض بلاد الأندلس
أمر بإنشاء الأساطيل الكثيرة برسم الجهاد بالأندلس، واهتم بذلك غاية الاهتمام، فقضى الله تعالى أن استولى الإفرنج على كثير من تلك المراكب بعد أخذهم الجزيرة الخضراء، وكان الإفرنج جمعوا جموعاً كثيرة برسم الاستيلاء على ما بقي للمسلمين بالأندلس، فاستنفر أهل الأندلس السلطان أبا الحسن المذكور، فجاء بنفسه إلى سبتة فرضة المجاز ومحل أساطيل المسلمين، فإذا الإفرنج جاءوا بالسفن التي لا تحصى ومنعوه العبور وإغاثة أهل الأندلس حتى استولوا على الجزيرة الخضراء، وأنكوه في مراكبه أعظم نكاية، ولله الأمر. وق أفصح عن ذلك كتاب صدر من السلطان أبي الحسن المذكور إلى سلطان مصر والشام والحجاز الملك الصالح ابن الملك الناصر محمد ابن الملك المنصور قلاوون الصالحي الألفي، رحم الله الجميع. (4/386)
رسالة من أبي الحسن المريني إلى الملك الصالح 745 للهجرة
وهذه نسخة الكتاب المذكور الذي خاطب به أمير المسمين السلطان أبو الحسن المريني المذكور ملك المغرب رحمه الله تعالى السلطان الملك الصالح ابن السلطان الملك الشهير الكبير الناصر محمد بن قلاوون، ووصل إلى مصر في النصف - وقيل في العشر الأواخر - من شعبان المكرم سنة 745 بعد البسملة والصلاة: من عبد الله أمير المسلمين، المجاهد في سبيل الله رب العالمين، المنصور بفضل الله المتوكل عليه، المعتمد في جميع أموره لديه، سلطان البرين، حامي العدوتين، مؤثر المرابطة والثاغرة، مؤازر حزب الإسلام حق المؤازرة، ناصر الإسلام، مظاهر دين الملك العلام، ابن مولانا أمير المسلمين، المجاهد في سبيل رب العالمين، فخر السلاطين، حامي حوزة الدين، ملك البرين، إمام العدوتين، ممهد البلاد، مبدد شمل الأعاد، مجند الجنود، المنصور الرايات والبنود، محط الرحال، مبلغ الآمال، أبي سعيد ابن مولانا أمير المسلمين، المجاهد في سبيل رب العالمين، حسنة الأيام، حسام الإسلام، أبي الأملاك، شجا أهل العناد والإشراك، مانع البلاد، رافع علم الجهاد
مدوخ أقطار الكفار، مصرخ من ناداه للانتصار، القائم لله بإعلاء دين الحق، أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق، أخلص الله لوجهه جهاده، ويسر في قهر عداة الدين مراده. (4/387)
إلى محل ولدنا الذي طلع في أفق العلاء بدراً تماً، وصدع بأنواع الفخار فجلا ظلاماً وظلماً، وجمع شمل المملكة الناصرية فأعلى منها علماً، وأحيا لها رسماً، حائط الحرمين، القائم بحفظ القبلتين، باسط الأمان، قابض كف العدوان، الجزيل النوال، الكفيل تأمينه بحياطة النفوس والأموال، قطب المجد وسماكه، حب الحمد وملاكه، السلطان الجليل، الرفيع الأصيل، الحافل العادل، الفاضل الكامل، الشهير الخطير، الأضخم الأفخم، المعان المؤزر، المؤيد المظفر، الملك الصالح أبو الوليد إسماعيل، ابن محل أخينا الشهير علاؤه، المستطير في الآفاق ثناؤه، زين الأيام والليال، كمال عين إنسان المجد وإنسان عين الكمال، وارث الدول، النافث بصحيح رأيه في عقود أهل الملل والنحل، حامي القبلتين بعدله وحسامه، النامي في حفظ الحرمين أجر اضطلاعه بذلك وقيامه، هازم أحزاب المعاندين وجيوشها، هادم الكنائس والبيع فهي خاوية على عروشها، السلطان الأجل، الهمام الأحفل، الأفخم الأضخم، الفاضل العادل، الشهير الكبير، الرفيع الخطير، المجاهد المرابط، المقسط عدله في الجائز والقاسط، والمؤيد المظفر، المنعم المقدس المطهر، زين السلاطين، ناصر الدنيا والدين، أبي المعالي محمد، ابن الملك الأرضي، الهمام الأمضى، والد السلاطين الأخيار، عاقد لواء النصر في قهر الأرمن والفرنج والتتار، ومحيي رسوم الجهاد، معلي كلمة الإسلام في البلاد، جمال الأيام، ثمال الأعلام، فاتح الأقالم، صالح ملوك عصره المتقادم، الإمام المؤيد، المنصور المسدد، قسيم أمير المؤمنين فيما تقلد، الملك المنصور سيف الدنيا والدين قلاوون، مكن الله له تمكين أوليائه، ونمى دولته التي أطعلها السعد شمساً في سمائه، وأحسن إيزاعه للشكر أن جعله وارث آبائه.
سلام كريم يفاوح زهر الربى مسراه، وينافح نسيم الصبا مجراه، يصحبه رضوان يدوم ما دامت تقل الفلك حركاته، ويتولاه روح وريحان تحييه به رحمة الله وبركاته. أما بعد حمد الله مالك الملك، جاعل العاقبة للتقوى صدعاً باليقين ودفعاً للشك، وخاذل من أسر في النفاق النجوى فأصر على الدخن والإفك، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسوله الذي محا بأنوار الهدى ظلم الشرك، ونبيه الذي ختم به الأنبياء وهو واسطة ذلك السلك، ودحا به حجة الحق فمادت بالكفرة محمولة الأفلاك وماجت بهم حاملة الفلك، والرضى عن آله وصحبه الذين سلكوا سبيل هداه فسلك في قلوبهم أجمل السلك، وملكوا أعنة هواهم فلزموا من محجة الصواب أنجح السلك، وصابروا في جهاد الأعداء فزاد خلوصهم مع الابتلاء والذهب يزيد خلوصاً على السبك، والدعاء لأولياء الإسلام، وحماته الأعلام، بنصر لمضائه في العدا أعظم الفتك، ويسر بقضائه درك آمال الظهور وأحفل بذلك الدرك، فكتبناه إليكم - كتب الله لكم رسوخ القدم وسبوغ النعم - من حضرتنا بمدينة فاس المحروسة، وصنع الله سبحانه يعرف مذاهب الألطاف، ويكيف مواهب تلهج الألسنة في القصور عن شكرها بالاعتراف، ويصرف من أمره العظيم، وقضائه المتلقى بالتسليم، ما يتكون بين النون والكاف، ومكانكم العتيد سلطانه، وسلطانكم المجيد مكانه، وولاءكم الصحيح برهانه، وعلاؤكم الفسيح في مجال الجلالة ميدانه. وإلى هذا زاد الله سلطانكم تمكيناً، وأفاد مقامكم تحصيناً وتحسيناً، وسلك بكم من سنن من خلفتموه سبيلاً مبيناً، فلا خفاء بما كانت عقدته أيدي التقوى، ومهدته الرسائل التي على الصفاء تطوى، بيننا وبين والدكم نعم الله روحه وقدسه، وبقربه مع الأبرار في عليين آنسه، من مواخاة أحكمت منها العهود تالية الكتب والفاتحة، وحفظ عليها محكم الإخلاص معوذاتها المحبة والنية الصالحة، فانعقدت على التقوى والرضوان، واعتضدت بتعارف الأرواح عند تنازح الأبدان، حتى استحكمت وصلة الولاء، والتأمت كلحمة النسب لحمة (4/388)
الإخاء، فما كان إلا وشيكاً من الزمان، ولا عجب قصر زمن الوصلة أن يشكوه الخلان، ورد وارد رنق المشارب، وحقق قول " ومن يسأل الركبان عن كل غائب " (1) ، أنبأ باستئثار الله تعالى بنفسه الزكية، وإكنان درته السنية، وانقلابه إلى ما أعد له من المنازل الرضوانية، بجليل ما وقر لفقده في الصدور، وعظيم ما تأثرت له النفوس لوقوع ذلك في الصدور، حناناً للإسلام بتلك الأقطار، وإشفاقاً من أن يعتور قاصدي بيت الله الحرام من جراء الفتن عارض الإضرار، ومساهمة في مصاب الملك الكريم، والولي الحميم، ثم عميت الأخبار، وطويت طي السجل الآثار، فلم نر مخبراً صدقاً، ولا معلماً بمن استقر له ذلكم الملك حقاً. (4/389)
وفي أثناء ذلك أحفزنا للحركة عن حضرتنا استصراخ أهل الأندلس وسلطانها، وتواتر الأخبار بأن النصارى أجمعوا على خراب أوطانها، ونحن أثناء ذلكم الشان، نستخبر الوارد (2) من تلكم البلدان، عما أجلى عنه ليل الفتن بتلكم الأوطان، فبعد لأي وقعنا منها على الخبير، وجاءنا بوقاية حرم الله بكم البشير، وتعرفنا أن الملك استقر منكم في نصابه، وتداركه الله تعالى منكم بفاتح الخير من أبوابه، فأطفأ بكم نار الفتنة وأخمدها، وأبرأ من أدواء النفاق ما أعل البلاد وأفسدها، فقام سبيل الحج سابلاً، وتعبد طريقه لمن جاء قاصداً وقافلاً، ولما احتفت بهذا الخبر القرائن، وتواتر بنقل الحاضر له والمعاين، أثار حفظ الاعتقاد البواعث، والود الصحيح تجره حقاً الموارث، فأصدرنا لكم هذه المخاطبة المتفننة الأطوار، الجامعة بين الخبر والاستخبار، الملبسة من العزاء والهناء ثوبي الشعار والدثار، ومثل ذلكم الملك رضوان الله عليه من تجل المصائب لفقدانه، وتحل عرى الاصطبار بموته ولات حين أوانه، لكن الصبر أجمل ما ارتداه ذو عقل حصين، والأجر أولى ما اقتناه ذو دين متين، ومثلكم من لا يخف وقاره، ولا يشف عن ظهور الجزع الحادث اصطباره، ومن خلفكم فما مات ذكره، ومن
__________
(1) تمامه: فلا بد أن يلقى بشيراً وناعياً.
(2) ق: نستجير الوارد.
قمتم بأمره فما زال بل زاد فخره، وقد طالت والحمد لله العيشة الراضية بالحقب، وطاب بين مبداه ومحتضره هنيئاً بما من الأجر اكتسب، وصار حميداً إلى خير المنقاب، ووفد من كرم الله على أفضل ما منح موقناً ووهب، فقد ارتضاكم الله بعده لحياطة أرضه المقدسة، وحماية زوار بيته مقيلة أو معرسة. ونحن بعد بسط هذه التعزية، نهنيكم بما خولكم الله أجمل والإظهار، فاستقبلوا دولة ألقى العز عليها رواقه، وعقد الظهور عليها نطاقه، وأعطاها أمان الزمان عقده وميثاقه، ونحن على ما عاهدنا عليه الملك الناصر رضوان الله عليه من عهود موثقة، وموالاة محققة، وثناء كمائمه عن أذكى من الزهر غب القطر مفتقة. (4/390)
ولم يغب عنكم ما كان من بعثنا المصحفين الأكرمين اللذين خطتهما منا اليمين، وأوت بهما الرغبة من الحرمين الشريفين إلى قرار مكين، وإنه كان لوالدكم الملك الناصر تولاه الله برضوانه، وأورده موارد إحسانه، في ذلكم من الفعل الجميل، والصنع الجليل، ما ناسب مكانه الرفيع، وشاكله فضله من البر الذي لايضيع، حتى طبق فعله الآفاق ذكراً، وطوق أعناق الوراد والقصاد براً، وكان من أجمل ما به تحفى وأتحف، وأعظم ما بعرفه إلى رضى الملك العلام في ذلك تعرف، إذنه للمتوجهين إذ ذاك الوقف مع اختلاف الجديدين، فجرت أحوال القراء فيهما بذلك الخراج المستقاد، ريثما يصلحهم من خراج ما وقفناه عليهم بهذه البلاد، على ما رسمه رحمة الله عليه من عناية بهم متصلة، واحترام في تلك الأوقاف فوائدها به متوفرة متحصلة، وقد أمرنا مؤدي هذا لكمالكم، وموفده على جلالكم، كاتبنا الأسنى الفقيه الأجل، الأحظى الأكمل، أبا المجد، ابن كاتبنا الشيخ الفقيه الأجل الحاج الأتقى، الأضرى الأفضل، الأحظى الاأكمل، المرحوم أبي عبد الله ابن أبي ندين حفظ الله عليه رتبته، ويسر في قصد
البيت الحرام بغيته، بأن يتفقد أحوال تلك الأوقاف، ويتعرف تصرف الناظر عليها وما فعله من سداد وإسراف، وأن يتخير لها من يرضى لذلك، ويحمد تصرفه فيما هنالك، وخاطبنا سلطانكم في هذا الشأن، جرياً على الود الثابت الأركان، وإعلاماً بما لوالدكم رحمه الله تعالى في ذلك من الأفعال الحسان، وكمالكم يقضي تخليد ذلكم البر الجميل، وتجديد عمل ذلكم الملك الجليل، وتشييد ما اشتمل عليه من الشكر الأصيل، والأجر الجزيل، والتقدم بالإذن السلطاني في إعانة هذا الوافد بهذا الكتاب، على ما يتوخاه في ذلك الشأن من طرق الصواب، وثنائنا عليكم الثناء الذي يفاوح زهر الربى، ويطارح نغم حمام الأيك مطربا. (4/391)
وبحسب المصافاة، ومقتضى الموالاة، نشرح لكم المتزايدات، بهذه الجهات، وننبئكم بموجب إبطاء إنفاذ هذا الخطاب على ذلكم الجناب: وذلك أنه لما وصلنا من الأندلس الصريخ، ونادى مناد للجهاد عزماً لمثل نداءه يصيخ، أنبئنا أن الكفار قد جمعوا أحزابهم من كل صوب، وحتم عليهم باباهم اللعين التناصر من كل أوب، وأن تقصد طوائفهم البلاد الأندلسية بإيجافها، وتنقص بالمنازلة أرضها من أطرافها، ليمحوا كلمة الإسلام منها، ويقلصوا ظل الإيمان نعنها، فقدمنا من يشتغل بالأساطيل من القواد، وسرنا على إثرهم إلى سبتة منتهى المغرب الأقصى وباب الجهاد، فما وصلناها إلا وقد أخذ أخذه العدو الكفور، وسدت أجفان الطواغيت على التعاون مجاز العبور، وأتوا من أجفانهم بما لا يحصى عدداً، وأرصدوها بمجمع البحر حيث المجاز إلى دفع العدا، وتقلصوا عن الانبساط في البلاد، واجتمعوا إلى الجزيرة الخضراء أعادها الله بكل من جمعوه من الأعاد لكنا مع انسداد تلك الاسبيل، وعدم أمور نستعين بها في ذلكم العمل الجليل، حاولنا امداد تلكم البلاد بحسب الجهد، وأصرخناهم بمن أمكن من الجند، وجهزنا أجفاناً مختلسين فرصة الإجازة، تتردد على خطر بمن جهز للجهاد جهازه، وأمرنا بصاحب الأندلس من المال، بما يجهز به حركته
لمداناة محلة حزب الضلال، وأجرينا له ولجيشه العطاء الجزل مشاهرة، وأرضخنا لهم في النوال ما نرجو به ثواب الآخرة، وجعلت أجفاننا تتردد في ميناء السواحل، وتلج أبواب الخوف العاجل، لإحراز الأمن الآجل، مشحونة بالعدد الموفورة، والأبطال المشهورة، والخيل المسومة، والأقوات المقومة، فمن ناج حارب دونه الأجل وشهيد مضى لما عند الله عز وجل، وما زالت الأجفان تتردد على ذلك الخطر، حتى تلف منها سبع وستون قطعة غزوية أجرها عند الله يدخر، ثم لم نقنع بهذا العمل في الامداد، فبعثنا أحد أولادنا أسعدهم الله تعالى مساهمة به لأهل تلك البلاد، فلقي من هول البحر وارتجاجه، وإلحاح العدو ولجاجه، ما به الأمثال تضرب، وبمثله يتحدث ويستغرب، ولما خلص بتلك العدوة بمن أبقته الشدائد، نزل بإزاء الكافر الجاحد، حتى كان منه بفرسخن أو أدنى، وقد ضرب بعطن يصابح العدو ويماسيه بحرب بها يمنى. (4/392)
وقد كان من مدننا بالجزيرة جيش شريت شرارته، وقويت في الحرب بدارته، يبلون البلاء الأصدق، ولا يبالون بالعدو وهم منه كالبشامة البيضاء في البعير الأورق، إلا أن المطاولة بحصرها في البحر مدة ثلاثة أعوام ونصف، ومنازلتها في البر نحو عامين معقودتاً عليها الصف بالصف، أدى إلى فناء الأقوات بالبلد، حتى لم يبق لأهله قوت نصف شهر مع انقطاع المدد، وبه من الخلق يربي على عشرة آلاف دون الحرم والولد، فكتب إلينا سلطان الأندلس يرغب في الإذن له عقد الصلح، ووقع الاتفاق على أنه لاستخلاص المسلمين من وجوه النحج، فأذنا له فيه الإذن العام، إذ في إصراخه وإصراخ من بقطره من المسلمين توخينا ذلك المرام، هنالك دعي النصارى إلى السلم فاستجابوا، وقد كانوا علموا فناء القوت وما استرابوا، فتم الصلح إلى عشر سنين، وخرج من بها من فرسان وأهل وبنين، ولم يرزأوا مالاً ولا عدة، ولا لقوا في خروجهم غير النزوع عن أول أرض مس الجلد ترابها شدة، ووصلوا إلينا فأجزلنا لهم العطاء، وأسليناهم عما جرى بالحباء، فمن خيل تزيد على الألف
عتاقها، وخلع تربي على عشرة آلاف أطواقها وأموال عمت الغني والفقير، ورعاية شملت الجميع بالعيش النضير، وكف الله ضر الطواغيت عما عداها، وما انقلبوا بغير مدرة عفا رسمها وصم صداها، وقد كان من لطف الله حين قضى بأخذ هذا الثغر، أن قدر لنا (1) فتح جبل طارق من أيدي الكفر، وهو المطل على هذه المدرة، والفرصة منها إن شاء الله متيسرة، حتى (2) يفرق عقد الكفار، ويفرج بهذه الجهة منهم مجاورو هذه الأقطار، فلولا إجلابهم من كل جانب، وكونهم سدوا مسلك العبور بما لجميعهم من الأجفان والمراكب، لما بالينا بإصعاقهم، ولحللنا بعون الله عقد اتفاقهم، ولكن للموانع أحكام، ولا راد لما جرت به الأقلام، وقد أمرنا لذلك الثغر بمزيد المدد، وتخيرنا له ولسائر تلك البلاد العدد والعدد، وعدنا لحضرتنا فاس لتستريح الجيوش من وعثاء السفر، وترتبط الجياد وتنتخب العدد لوقت الظهور المنتظر، وتكون على أهبة الجهاد، وعلى مرقبة الفرصة عند تمكنها في الأعاد. (4/393)
وعند عودنا من تلك المحاولة، تيسر الركب الحجازي موجهاً إلى هنالكم رواحله، فأصدرنا إليكم هذا الخطاب، إصدار الود الخالص والحب اللباب، وعندنا لكم ما عند أحنى الآباء، واعتقادنا فيكم في ذات الله لا يخشى جديده من البلاء، وما لكم من غرض بهذه الأنحاء، فموفى قصده على أكمل الأهواء، موالى تتميمه على أجمل الآراء، والبلاد باتحاد الود متحدة، والقلوب والأيدي على مرضاة الله، عز وجل، منعقدة (3) ، جعل الله ذلكم خالصاً لرب العباد، مدخوراً ليوم التناد، مسطوراً في الأعمال الصالحة يوم المعاد، بمنه وفضله، وهو سبحانه وتعالى يصل إليكم سعداً تتفاخر به سعود الكواكب،
__________
(1) ص: قدم؛ ق: قد ولينا.
(2) ص: حين.
(3) ق ص: معتضدة.
وتتضافر على الانقياد له صدور المواكب، وتتقاصر عن نيل مجده متطاولات المناكب، والسلام والأتم يخصكم كثثيراً أثيراً ورحمة الله وبركاته، وكتب في يوم الخميس السادس والعشرين لشهر صفر المبارك من عام خمسة وأربعين وسبعمائة، وصورة العلامة (1) ، وكتب في التاريخ المؤرخ. (4/394)
جواب الملك الصالح من إنشاء الصفدي
ونسخة الجواب عن ذلك من إنشاء خليل الصفدي شارح لامية العجم في سادس شهر رمضان سنة خمس وأربعين وسبعمائة، بعد البسملة، في قطع النصف بقلم الثل؛ عبد الله ووليه، صورة العلامة، ولده اسماعيل بن محمد السلطان الملك الصالح السيد العالم العادل المؤيد المجاهد المرابط المثاغر المظفر المنصور عماد الدنيا والدين، سلطان الإسلام والمسلمين، محيي العدل في العالمين، منصف المظلومين من الظالمين، وارث الملك، ملك العرب والعجم والترك، فاتح الأقطار، واهب الممالك والأمصار، إسكندر الزمان، مملك أصحاب المنابر والأسرة والتخوت والتيجان، ظل الله في أرضه، القائم بسنته وفرضه، مالك البحرين، خادم الحرمين الشريفين، سيد الملوك والسلاطين، جامع كلمة الموحدين، ولي أمير المؤمنين، أبو الفداء إسماعيل ابن السلطان الشهيد السعيد الملك الناصر ناصر الدنيا والدين أبي الفتح محمد ابن السلطان الشهيد السعيد الملك المنصور سيف الدنيا والدين قلاوون، خلد الله تعالى سلطانه، وجعل الملائكة أنصاره وأعوانه، يخص المقام العالي الملك الأجل الكبير المجاهد المؤيد المرابط المثاغر المعظم المكرم المظفر المعمر الأسعد الأصعد الأوحد الأمجد الأنجد، السني السري المنصور أبا الحسن علي ابن أمير المسلمين أبي سعيد ابن أمير المسلمين أبي يوسف
__________
(1) في هامش أصول دوزي أن العلامة هكذا.
يعقوب بن عبد الحق، أمده الله بالظفر، وقرن عزمه بالتأييد، في الآصال والبكر. (4/395)
سلام وشت البروق وشائعه،وادخرت الكواكب ودائعه، واستوعب الزمان ماضيه ومستقبله ومضارعه، وثناء اتخذ النفحات المسكية صلائعه، ونبه للتغريد في الروض سواجعه، وجلى في كأسه من الشفق المحمر مدامه ومن النجوم فواقعه، بعد حمد الله على نعم أدت لنا الأمانة في عودة سلطنة والدنا الموروثة، وأجلستنا على سرير مملكة زرابيها بين النجوم مبثوثة، وأحسنت بنا الخلف عن سلف عهوده في الأعناق غير منكورة ولا منكوثة، وصلاته على سيدنا محمد عبده وسوله، وعلى آله وصحبه الذين بلغ بجهادهم في الكفرة غاية أمله وسوله، صلاة تحط بالرضوان سيولها، وتجر بالغفران ذيولها، ما ترسل أصحاب، وتواصل أحباب، ويوضح للعلم الكريم، ورود كتابكم العظيم، وخاطبكم على الدر النظيم، تفاخر الحمائل سطوره،ويصبغ خد الورد بالخجل منثوره، ويحكي الرياض اليانعة فالألفات غصونه والهمزات عليها طيوره، ويخلع على الآفاق حلل الأيام والليالي فالطرس صاحبه والنقس د يجوره، لفظه يطرب، ومعناه يعرب فيغرب، وبلاغته تدل على أنه آية لآن شمس بينها طلعت من المغرب، فاتخذنا سطوره ريحاناً، ورجعنا ألفاظه ألحاناً، ولرجعنا إلى الجد فشبهنا ألفاته بظلال الرماح، وورقه بصقال الصفاح، وحروفه المفرقة بأفواه الجراح، وسطوره المنتظمة بالفرسان المزدحمة في يوم الكفاح، وانتهينا إلى ما أودعتموه من اللفظ المسجوع، والمعنى الذي يطرب طائره المسموع، والبلاغة التي فضح المتطبع بيانها المطبوع.
فأما العزاء بأخيكم الوالد قدس الله روحه وسقى عهده، وأحسن لسلفه خلفنا بعده، فلنا برسول الله أسوة حسنة، ولولا الوثوق بأنه عدة الشهداء ما رأى القلب قراره ولا الطرف وسنه، عاش سعيداً يملك الأرض، ومات
شهيداً يفوز بالجنة يوم العرض، قد خلد الله ذكره يسير ميسر الشمس (1) في الآفاق، ويوقف على نضارة حدائقه نظرات الأحداق، وورثنا منه حسن الإخاء لكم، والوفاء بعهود مودة تشبه في اللطف شمائلكم، وأما الهناء بوارثة ملكه، والانخراط مع الملوك في سلكه، فقد شكرنا لكم منحى هذه المنحه، وقابلناها بثناء يعطر النسيم في كل نفحة، ووقفنا عليها حمداً جعل الود علينا إيراده (2) وعلى أنفاس سرحة الروض شرحه، وتحققنا به حسن ودكم الجميل، وكريم إخائكم الذي لا يميد طود رسوخه ولا يميل. (4/396)
وأما ما ذكر تموه من أمر المصحفين الشريفين اللذين وقفتموهما على الحرمين المنيفين، وأنكم جهزتم كاتبكم الفقيه الأجل الأسنى الأسمي أبا المجد ابن كاتبكم أبي عبد الله ابن أبي مدين أعزه الله تعالى لتفقد أحوالهما، والنظر في أمر أوقافهما، فقد وصل المذكور بمن معه في حرز السلامة وأكرمنا نزلهم، وسهلنا بالترحيب سبلهم، وجمعنا على بذل الإحسان إليهم شملهم، وحضر المذكور بأيدينا وقربناه، وسمعنا كلامه وخاطبناه، وأمرنا في أمر المصحفين الشريفين بما أشرتم، ورسمنا لنوابنا في نواحي أوقافهما بما ذكرتم، وهذا الوقف المبرور جار على أحسن عادة ألفها، وأثبت قاعدة عرفها، مرعي الجوانب، محمي المنازل والمضارب، آمن من إزالة رسمه، أو إزالة حكمه، بدره أبداً في مطالع تمه، وزهره دائماً يرقص في كمه، لا يزداد إلا تخليداً، ولا إطلاق ثبوته إلا تقييداً، ولا عنق اجتهاده إلا تقليداً، جرياً على عادة أوقاف ممالكنا، وقاعدة تصرفاتنا في مسالكنا، وله مزيد الرعاية، وإفادة الحماية، ووفادة العناية.
وأما ما وصفتموه من أمر الجزيرة الخضراء وما لاقاه أهلها، ومني به من
__________
(1) ص: السمر.
(2) ص: أيراده.
الكفار حزنها وسهلها، فإن شق علينا سماعه الذي أنكى أهل الإيمان، وعدد به ذنوب الزمان، كل قلب بأنامل الخفقان، وطالما فزتم بالظفر، ورزقتم النصر على عدوكم فجر ذيل الهزيمة وفر، ولكن الحروب سجال، وكل زمان لدوائه دولة ولرجائه رجال، ولو أمكنت المساعدة لطارت بنا إليكم عقبان الجياد المسومة، وسالت على عدوكم أباطحهم بقسينا المعوجة وسهامنا المقومة، وكحلنا عيون النجوم بمراود الرماح، وجعلنا ليل العجاج (1) ممزقاً ببروق الصفاح، واتخذنا رؤوسهم لصوالج القوائم كرات، وفرجنا مضايق الحرب بتوالي الكرات، وعطفنا إليهم الأعنة، وخضنا جداول السيوف ودسنا شوك الأسنة، وفلقنا الصخرات بالصرخات، وأسلنا العبرات بالرعبات، ولكن أين الغية من هذا المدى المتطاول وأين الثريا من يد المتناول وما لنا غير إمدادكم بجنود الدعاء الذي نرفعه نحن ورعايانا، والتوجه الصادق الذي تعرفه ملائكة القبول من سجايانا. (4/397)
وأما ما فقدتموه من الأجفان التي طرقها طيف التلاف، وأم حر فنائها الفناء وطاف به بعد الإلطاف، فقد روع هذا الخبر قلب الإسلام، ونوع له الحزن على اختلاف الإصباح والإظلام، وهذه الدار ما يخلو صفوها من كدر القدر، وطالما أنامت بالأمن أول الليل وخاطبت بالخطب في السحر، ولكن في بقائكم ما يسلس من خطب العطب، ومع سلامة نفسكم الكريمة فلأمر هين لأن الدر يفدى بالذهب.
وأما ما رأيتموه من الصلح فرأي عقده مبارك، وأمر فيه فارط عزم وإن كان فيتدارك، والأمر يجيء كما يحب لا كما نحب، والحروب يزورها نصرها تارة ويغيب، ومع اليوم غدا، وقد يرد الله الردى، ويعيد الظفر بالعدا.
وأما عودكم إلى فاس المحروسة طلباً لإراحة من عندكم من الجنود،
__________
(1) ق ص: الليل العجاج.
وتجهيزاً لمن يصل من عندكم إلى الحجاز الشريف من الوفود، فهذا أمر ضروري التدبير سروري التثمير، لأن النفوس تمل وثير المهاد، فكيف ملازمة صهوات الجياد، وتسأم من مجالسة الشرب، فكيف بممارسة الحرب، وتعرض عن دوام اللذة، فكيف بمباشرة المنايا الفذة، وهذا جبل طارق الذي فتح الله به عليكم، وساق هدي هديته إليكم، لعله يكون سبباً إلى ارتجاع ما شرد، وحسماً لها الطاغية الذي مرد، ورداً لهذا التنازل الذي قدم ورد الصبر لما ورد، فعادة الألطاف الإلهية بكم معروفة، وعزماتكم إلى جهات الجهاد مصرفة، وقد تفاءلنا لكم من هذا الجبل بأنه طارق خير من الرحمن يطرق، وجبل يعصم من سهم يمر من قسي الكفار ويمرق. (4/398)
وأما ما منحتموه من الخيل العتاق، والملابس التي تطلع بدور الوجوه مشارق الأطواق، والأموال زكت عند الله تعالى ونمت على الإنفاق، فعلى الله عز وجل خلفها، ولكم في منازل الدنيا والآخرة شرفها، وإليكم تساق هدايا أثنيتها وتحفكم تحفها، وإذا وصل وفدكم الحاج، وأنار له بوجه إقبالنا عليهم ليلهم الداج، كانوا مقيمين تحت ظل إكرامنا، وشمول إسعافنا لهم وإنعامنا، يتخولون تحفاً أنتم سببها، ويتناولون طرفاً في كؤوس الاعتناء بهم تنضد حببها، وإذا كان أوان الرحيل إلى الحج فسحنا لهم الطريق، وسهلنا لهم الرفيق، وبلغناهم بحول الله تعالى مناهم من منى، وسولهم ممن إذا زاروا حجرته الشريفة حازوا الراحة من العنا، وفازوا بالغنى، وإذا عادوا عاملناهم بكل جميل ينسيهم مشقة ذلك الدرب، ويخيل إليهم أن لا مسافة لمسافر بين الشرق والغرب، وغمرناهم بالإحسان في العود إليكم، وأمرناهم بما ينهونه شفاهاً لديكم، وعناية الله تعالى تحوط ذاتكم، وتوفر لأخذ الثأر حماتكم، وتخصكم بتأييد تنزلون روضة الأنضر، وتجنون به النصر اليانع من ورق الحديد الأخضر، وتتحفكم بسعد لا يبلى قشبيه، وعز لا يمحو شبابه مشيبه، وتحيته المباركة تغاديكم وتراوحكم، وتفاوحكم أنفاسها المعنبرة وتنافحكم، بمنه وكرمه؛ انتهى.
إجازة من الصفدي رواية الرسالتين (4/399)
ورأيت بخط منشئ هذا الجواب الصلاح الصفدي رحمه الله تعالى إثر ذكره ما نصه: أما بعد حمد الله تعالى على نعمائه، وصلاته على سيدنا محمد عبده ورسوله خاتم أنبياءه، فقد قرأ الشيخ الإمام العالم العامل العلامة المفيد القدوة عز الدين أبو يعلى حمزة ابن الرئيس الكبير الفاضل القاضي قطب الدين موسى بن أحمد ابن شيخ السلامية الأحمدي (1) - أمتع الله بفوائده - الكتاب الوارد من سلطان المغرب الملك المجاهد المرابط أبي الحسن المريني، صاحب مراكش تغمده الله تعالى برحمته والجواب عنه عن السلطان الشهيد الملك الصالح عماد الدين إسماعيل ابن السلطان الشهيد الملك الناصر محمد قدس الله تعالى روحهما من إنشائي، وأنا أسمع ذلك جميعاً من أولهما إلى آخرهما، قراءة أطربت السمع لفصاحتها، وأمالت العطف لرجاحتها:
وأخجلت ورق الحمى باللوى إن صدحت في ذروة الغصن
تكاد من لطف ومن رقة تدخل في الأذن بلا إذن
وذلك في مجلس واحد في ذي القعدة سنة 756، بالجامع الأموي بدمشق المحروسة، فإن رأى رواية ذلك عني فله علو الرأي في تشريفي بذلك، وكتبه خليل ابن أبيك الشافعي عفا الله عنه؛ انتهى.
أبو الحسن يكتب ثلاثة مصاحف
وكان السلطان أبو الحسن المريني المذكور كتب ثلاثة مصاحف شريفة بخطه، وأرسلها إلى المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال، وأوقف عليها أوقافأً جليلة، كتب توقيعه سلطان مصر والشام من إنشاء الأديب الشهير جمال الدين ابن نباتة المصري، ونص ما يتعلق به الغرض منه هنا قوله: وهو
__________
(1) دوزي: الحنبلي.
الذي مد يمينه بالسيف والقلم فكتب في أصحابها، وسطر الختمات الشريفة فأيد الله حزبه بما سطر من أحزابها، واتصلت أخبار ملائكة النصر بلوائه تغدو وتروح، وكثرت فتوحه لأملياء الغرب فقالت أوقاف الشرق لا بد للفقراء من فتوح، ثم وصلت ختمات شريفة كتبها بقلمه المجيد المجدي، وخط سطورها بالعربي وطالما خط في صفوف الأعداء بالهندي، ورتب عليها أوقافاً تجري أقلام الحسنات في إطلاقها وطلقها، وحبس أملاكاً شامية تحدث بنعم الأملاك التي سرت من مغرب الأرض إلى مشرقها، والله تعالى يمتع من وقف هذه الختمات بما سطر له في أكرم الصحائف، وينفع الجالس من ولاة الأمور في تقريرها ويتقبل من الواقف؛ انتهى. (4/400)
قلت: وقد رأيت أحد المصاحف المذكورة، وهو الذي ببيت المقدس، وربعته في غاية الصنع.
نبذة من أخبار أبي الحسن
وقال بعض المشارفة في حق السلطان أبي الحسن، ما صورته: ملك أضاء المغرب بأنوار هلاله، وجرت إلى المشرق أنواء نواله، وطابت نسماته، واشتهرت عزماته، كان حسن الكتابة، كثير الإنابة، ذا بلاغة وبراعة، وشهامة وشجاعة، كتب بخطه ثلاثة مصاحف ووقفها على المساجد الثلاثة، أقام في الملك عشر سنين وسبعة أيام، ثم صرف بولده أبي عنان بعد حروب يطول شرحها، انتهى من كتاب نزهة الأنام.
ولما ذكر الإمام الخطيب أبو عبد الله ابن مرزوق في كتابه المسند الصحيح الحسن من أخبار السلطان أبي الحسن أمر الربعة التي أرسلها السلطان أبو الحسن بخطه قال ما ملخصه: وأرسل معها للسلطان الملك الناصر بن قلاوون صاحب الديار المصرية من أحجار الياقوت العظيم القدر والثمن ثمانمائة وخمسة وعشرين، ومن الزمرد مائة وثمانية وعشرين، ومن الزبرجد مائة وثمانية وعشرين
ومن الجوهر النفيس الملوكي ثلاثمائة وأربعة وستين، وأرسل حللاً كثيرة منها مذهبة ثلاثة عشر، ومن الإناق عشرين مذهبة، ومن الخلادي ستة وأربعين، ومن القنوع ستة وعشرين مذهبة، ومن المحررات المختمة ثمانمائة، ومن الرصان عشرين شقة، والأكسية المحررة أربعة وعشرين، والبرانس المحررة ثمانية عشر، والمشففات (1) مائة وخمسين، وأحارم الصوف المحررة عشرين، ومن شقق الملف الرفيع ستة عشر، ومن الفضالي المنوعة والفرش والمخاد المنبوق والحلل ثمانمائة، وأوجه اللحف المذهبة عشرين، وحائطان حلة وحنابل مائة واثني عشر كلها حرير (2) ، وفرش جلد مخروز بالذهب والفضة، ومن السيوف المحلاة بالذهب المنظم بالجوهر عشرة، والسروج عشرة بركب ذهب ومهاميز ذهب كذلك، وثلاث ركب فضة، وست مزججة ومذهبة، ومضمتان من ذهب مما يليق بالملوك، وشاشية حرير مطوقة بذهب مكلل بالجوهر، ومن لزمات الفضة عشرة، وسرج مخروزة بالفضة عشرة، وعشر علامات معششة مذهبة، وعشر رايات مذهبة، وعشر براقع مذهبة، وعشر أمثلة (3) مرقومة، وثلاثين جلد أشرك (4) ، وأربعة ألاف درقة لمط منها مائتان بنهود الذهب وثمانية عشر بنهود الفضة، وخباء قبة كبيرة من مائة بنيقه (5) لها أربعة أبواب، وقبة أخرى مضربة من ست وثلاثين بنيقة مبطنة بحلة مذهبة، وهي حرير أبيض ومرابطها حرير ملون وعمودها عاج وأبنوس وأكبارها من فضة مذهبة، ومن البزاة الأحرار المنتقاة أربعة وثلاثين (6) ، ومن عتاق الخيل العراب ثلاثمائة وخمسة وثلاثين، ومن البغال الذكور والإناث مائة وعشرين، ومن الجمال سبعمائة، وتوجهت مع هذه الهدية أمم برسم الحج مع الربعة المكرمة، وأعطى الحرة أم أخته أم (4/401)
__________
(1) ص: والمشققات.
(2) قد شرح دوزي أكثر هذه الألفاظ في ملحق المعاجم ولكنه استمد معانيها من النص نفسه.
(3) ص: أشلة.
(4) ص: وثلاث زجلوا شركي.
(5) دوزي: نبيقة.
(6) هذا العدد والأعداد التالية وردت بصورة الرفع في ص.
ولد أبيه مريم آلاف وخمسمائة ذهباً، ولقاضي الركب ثلاثمائة وكسوة، ولقائد الركب أربعمائة وكساوى متعددة وبغلات، وللرسول المعين للهدية ألفاً، ولشيخ الركب أحمد بن يوسف بن أبي محمد صالح خمسمائة، ولجماعة الضعفاء من الحجاج ستمائة، وبرسم العطاء للعرب ثلاثة آلاف وثمانمائة، ولشراء ربع ستة عشر ألفاً وخمسمائة ذهباً؛ انتهى. (4/402)
وذكر في الكتاب المذكور أن السلطان أبا الحسن الموصوف أهدى هدايا غير هذه لكثير من الملوك، ومنها لصاحب الأندلس صلة وصدقة في مرات، ومنها لملوك النصارى بعد هداياهم، ومنها لسلاطين السودان كصاحب مالي، ومنها لصاحب إفريقية، ومنها لصاحب تلمسان؛ انتهى.
وقال مؤرخ مصر المقريزي في كتاب السلوك في سنة 738 ما نصه:
وفي ثاني عشرين من رمضان قدمت الحرة من عند السلطان أبي الحسن علي بن عثمان بن يعقوب المريني صاحب فاس تريد الحج، ومعها هدية جليلة إلى الغاية، نزل لحملها من الإصطبل السلطاني ثلاثون قطاراً من بغال النقل سوى الجمال، كان من جملتها أربعمائة فرس منها مائة حجرة ومائة فحل ومائتا بغل، وجميعها بسرج ولجم مسقطة بالذهب والفضة، وبعضها سرجها وركبها كلها ذهب، وكذلك لجمها، وعدتها اثنان وأربعون رأساً، منها سرجان من ذهب مرصع بجوهر، وفيها اثنان وثلاثون بازاً، وفيها سيف قرابه ذهب مرصع، وحياصته ذهب مرصع، وفيها مائة كساء، وغير ذلك من القماش العال، وكان قد خرج المهمندار إلى لقائهم، وأنزلهم بالقرافة قريب مسجد الفتح، وهم جمع كبير جداً، وكان يوم طلوع الهدية من الأيام المذكورة، ففرق السلطان الهدية على الأمراء بأسرهم على قدر مراتبهم، حتى نفدت كلها سوى الجواهر واللؤلؤ فإنه اختص به، فقدرت قيمة هذه الهدية بما يزيد على مائة ألف دينار، ثم نقلت الحرة إلى الميدان بمن معها ، ورتب لها من الغنم والدجاج والسكر والحلوى والفاكهة في كل يوم بكرة وعشية ماعمهم وفضل عنهم، فكان
مرتبهم كل يوم عدة ثلاثين رأساً من الغنم، ونصف إردب أرز، وقنطار حب رمان، وربع قنطار سكر، وثماني فانوسيات شمع، وتوابل الطعام، وحمل إليها برسم النفقة مبلغ خمسة وأربعين ألف درهم، وأجرة حمل أثقالهم مبلغ ستين ألف درهم، ثم خلع على جميع من قدم مع الحرة، فكانت عدة الخلع مائتين وعشرين خلعة على قدر طبقاتهم، حتى خلع على الرجال الذين قادوا الخيول، وحمل إلى الحرة من الكسوة ما يجل قدره، وقيل لها أن تملي ما تحتاج إليه ولا يعوزها شيء، وإنما تريد عناية السلطان بإكرامها وإكرام من معها حيث كانوا، فتقدم السلطان إلى النشو وإلى الأمير أحمد أقبغا بتجهيزها اللائق بها، فقاما بذلك، واستخدما لها السقائين والضوية، وهيئا كل ما تحتاج إليه في سفرها من أصناف الحلاوات والسكر والدقيق والبقسماط، وطلبا الحمالة لحمل جهازها وازودتهان وندب السلطان للسفر معها جمال الدين متولي الجيزة، وأمره أن يرحل بها في مركب لها بمفردها قدام المحمل، ويمتثل كل ما تأمر به، وكتب لأميري مكة والمدينة بخدمتها أتم خدمة. (4/403)
وقال في سنة خمس وأربعين وسبعمائة ما نصه: وفي نصف شعبان قدمت الحرة أخت صاحب المغرب في جماعة كثيرة، وعلى يدها كتاب السلطان أبي الحسن يتضمن السلام، وأن يدعو له الخطباء يوم الجمعة وخطبها ومشايخ الصلاح وأهل الخير بالنصر على عدوهم، ويكتب إلى أهل الحرمين بذلك، وذلك أن في السنة الخالية كانت بينه وبين الفرنج وقعة عظيمة قتل فيها ولده، ونصره الله تعالى بمنه على العدو، وقتل كثيراً منهم، وملكوا منهم الجزيرة الخضراء، فعمر الفرنج مائتي شيني، وجمعوا طوائفهم، وقصدوا المسلمين، وأوقعوا بهم على حين غفلة، فاستشهد عالم كثير، ونجا أبو الحسن في طائفة من ألزامه بعد شدائد، وملك الفرنج الجزيرة، وأسروا وسبوا وغنموا شيئاً يجل وصفه، ثم مضوا إلى جهة غرناطة، ونصبوا عليها مائة منجنيق حتى صالحهم أهلها على قطيعة يقومون بها، وتهادنوا مدة عشر سنين، انتهى كلامه.
وقد تقدم نص هذا الكتاب الموجه من السلطان أبي الحسن فليراجع قريباً. (4/404)
وقال ابن مرزوق في المسند الصحيح الحسن بعد كلام ما ملخصه: وكان يعني السلطان أبا الحسن مجتهداً في الجهاد بنفسه وحرمه، وجاز للأندلس برسم ذلك بنفسه، وأظهر آثاره الجميلة، ومنها ارتجاع جبل الفتح ليد المسلمين بعد أن أنفق عليه الأموال، وصرف إليه الجنود والحشود إذ كان من عمالته هو والجزيرة ورندة، ونازلته جيوشه مع ولده وخواصه وضيقوا به إلى أن استرجعوه ليد المسلمين، وأنفق على بنائه (1) أحمال المال، واعتنى بتحصينه، وبنى حصنه وأبراجه وسوره وجامعه ودوره ومخازنه، ولما كاد يتم ذلك نازله العدو براً وبحراً، فصبر المسلمون صبر الكرام، فخيب الله تعالى أمل العدو، وعاد خاسراً (2) ، والمنة لله، فرأى أن يحصن سفح الجبل بسور يحيط به من جميع جهاته حتى لا يطمع عدو في منازلته، ولا يجد سبيلاً للتضييق عند محاصرته، ورأى الناس ذلك من المحال، فأنفق الأموال، وأنصف العمال، فأحاط بمجموعه إحاطة الهالة بالهلال، وأما بناؤه للمحاسن (3) والطوالع فأمر غير مجهول؛ انتهى.
رسائل للسان الدين ابن الخطيب
1 - رسالة إلى أحد سلاطين بني مرين
وقد رأيت أن أذكر هنا بعض إنشاء لسان الدين ابن الخطيب في شأن ما يتعلق بجبل الفتح وغيره من بلاد الأندلس، وحال العدو الكافر، وما ينخرط في هذا السلك: فمن ذلك على لسان سلطانه يخاطب أحد السلاطين من أولاد السلطان أبي الحسن المريني، ونصه:
المقام الذي يصرخ وينجد، ويتهم في الفضل وينجد، ويسعف
__________
(1) ص: وأنفقوا فيه.
(2) ص: ورجعوا خاسرين.
(3) ص: للمحارس.
ويسعد، ويبرق في سبيل الله ويرعد، فيأخذ الكفر من عزماته المقيم المقعد، حتى ينجز من نصر الله تعالى الموعد، مقام محل أخينا الذي حسن الظن بمجده جميل، وحد الكفر بسعده كليل، وللإسلام فيه رجاء وتأميل، ليس للقلوب عنه مميل، السلطان الكذا ابن السلطان الكذا، أبقاه الله تعالى وعزمه الماضي لصولة الكفر قامعاً، وتدبيره الناجح لشمل الإسلام جامعاً، وملكه الموفق لنداء الله مطيعاً سامعاً، معظم مقداره، وملتزم إجلاله وإكباره، المعتد في الله بكرم شيمته وطيب نجاره، المستظهر على عدو الله بإسراعه إلى تدمير الكافر وبداره. (4/405)
سلام كريم عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد حمد الله مجيب دعوة السائل، ومتقبل الوسائل، ومتيح النعم الجلائل، مربح (1) من عامله في هذا الوجود الزائف الزائل، والأيام القلائل، بالمتاع الدائم الطائل، والنعيم غير الحائل، ومقيم أود الإسلام المائل، بأولي المكارم من أوليائه والفضائل، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسوله المنقذ من الغوائل، المنجي من الروع الهائل، الصادع بدعوة الحق الصائل، بين العشائر والفصائل، الذي ختم به وبرسالته ديوان الرسل والرسائل، وجعله في الأواخر شرف الأوائل، فحبه كنز العائل، والصلاة عليه زكاة القائل، والرضى عن آله وصحبه وعترته وحزبه تيجان الأحياء والقبائل، المتميزين بكر السجايا وطيب الشمائل، والدعاء لمقام أخوتكم في البكر والأصائل، بالسعد الصادق المخايل، والصنع الذي تتبرج مواهبه تبرج العقائل، والنصر الذي تهز له الصعاد الملد عكف المترانح المتخايل، فإنا كتبناه إليكم كتب الله لكم عزاً يانع الخمائل، ونصراً يكفن للكتائب المدونة في الجهاد ومرضاة رب العباد بسرد المسائل وإقناع السائل، ومن حمراء غرناطة، حرسها الله تعالى، ولا زائد بفضل الله سبحانه إلا استبصار في التوكل على من بيده الأمور، وتسبب مشروع تتعلق به بإذن الله تعالى أحكام القدر
__________
(1) ص: مريح.
المقدور، ورجاء فيما وعد به من الظهور، يتضاعف على توالي الأيام وترادف الشهور، والحمد لله كثيراً كما هو أهله، فلا فضل إلا فضله، ومقامكم المعروف محله الكفيل بالإرواء نهله وعله، وإلى هذا وصل الله تعالى سعدكم، وحرس مجدكم، ووالى النعم عندنا وعندكم (1) ، فإننا في هذه الأيام، أهمنا من أمر الإسلام، ما رنق بالشراب ونغص الطعام، وذاد المنام، لما تحققنا من عمل الكفر على مكايدته، وسعي الضلال - والله الواقي - في استئصال بقيته، وعقد النوادي للاستشارة في شأنه، وشروع الحيل في هد أركانه، ومن يؤمل من المسلمين لدفع الردى وكشف البلوى وبث الشكوى، وأهله - حاطهم الله تعالى وتولاهم، وتمم عوائد لطفه الذي أولاهم، فهو مولاهم - في غفلة ساهون، وعن المغبة فيه لاهون، قد شغلتهم دنياهم عن دينهم، وعاجلهم عن آجلهم، وطول الأمل، عن نافع العمل، إلا من نور الله تعالى قلبه بنور الإيمان وتململ بمناصحة الله تعالى والإسلام تململ السليم، واستدل بالشاهد على الغائب، وصرف الكفر إى مطالب (2) الأمم النوائب، فلما رأينا أن الدولة المرينية التي هي على مر الأيام شجا العدا، ومتوعد من يكيد الهدى، وفئة الإسلام التي إليها يتحيز، وكهفه الذي إليه يلجأ، قد أذن الله تعالى في صلاح أمورها، ولم شعثها، وإقامة صغاها، بأن صرف الله تعالى عنها هنات الغدر (3) ، وأراحها من مس الضر، ورد قوسها إلى يد باريها، وصير حقها إلى وارثها، وأقام لرعي مصالحها من حسن الظن بحسبه ودينه، ورجي الخير من ثمرات نصحه، ومن لم يعلم إلا الخير من سعيه (4) والسداد من سيرته، ومن لا يستريب المسلمون بصحة عقده، واستقامة قصده، أردنا أن نخرج لكم عن العهدة في هذا (4/406)
__________
(1) وعندكم: سقطت من ص.
(2) ص: معاطب.
(3) ص: العدو.
(4) من سعيه: سقطت من ق.
الدين الحنيف الذي وسمت دعوته وجوه أحبابكم شملهم الله تعالى بالعافية، وتشبثت به أنفس من صار إلى الله تعالى من السلف تغمدهم الله بالرحمة والمغفرة، وفي هذا القطر الذي بلاده ما بين مكفول يجب رعيه طبعاً وشرعاً، وجار يلزم حقه ديناً ودنيا وحمية وفضلا، وعلى الحالين فعليكم بعد الله المعول، وفيكم والمؤمل، فأرعونا أسماعكم المباركة نقص عليكم ما فيه رضى الله، والمنجاة من نكيره، والفخر والأجر وحفظ النعم، والخلف بالذرية بهذا وعدت الكتب المنزلة، والرسل المرسلة: وهو أن هذا القطر الذي تعددت فيه المحارب والمنابر، والراكع والساجد، والذاكر والعابد، والعالم واللفيف، والأرملة والضعيف، قد انقطع عنه ارفاد الإسلام، وشحت الأيدي به منذ أعوام، وسلم إلى عبدة الأصنام، وقوبلت ضرائره بالأعذار، والمواعيد المستغرقة للأعمار، وإن عرضت شواغل وفتن، وشواغب وإحن، فقد كانت بحيث لا يقطع السبب بجملته، ولا يذهب المعروف بكليته: (4/407)
ولا بد من شكوى إلى ذي مروءة ... يواسيك أو يسليك أو يتوجع (1) ولو كانت الأشغاب تقطع المعروف وتصرف عن الواجب لم يفتح المقدس والدكم جبل الفتح وهو منازل أخاه بسجلماسة، ولا أمده ولده السلطان أبو عنان وهو بمراكش، وبالأمس بعثنا إلى الجبل وشمانة في جملة ما أهمنا مبلغ جهد وسداد من عوز، وقد فضلت عن ضرائرنا، أموال فرضت من أجل الله على عباده، وطعام سمحنا به على الاحتياج إليه في سبيل جهاده، فلم يسهم المتغلب منها الجانب الله بحبه، ولا أقطعه منها ذرة مستخفاً به جل وعلا، متهاوناً بنكيره الذي هو أحق أن يخشى، فضاععت الأمور واختلت الثغور، وتشذبت الحامية، وتبددت العدد، وخلت المخازن، وهلكت بها الجرذان، وعظمت
__________
(1) ص ق: يتفجع.
بها حسرة الإسلام، أضعاف ما عظمت حبرته أيام ما كانت تكفلها همم الملوك، الكرام والخلفاء العظام، والوزراء والنصحاء، والأشياخ الأمجاد، قدس الله تعالى أرواحهم، وضاعف أنوارهم، ولا كالحسرة في الجبل باب الأندلس، وركاب الجهاد وحسنة بني مرين ومآثر آل يعقوب وكرامة الله للسلطان المقدس أبي الحسن والد الملوك وكبير الخلفاء والمجاهدين والدكم الذي ترد على قبره (1) مع الساعات والأنفاس وفود الرحمة، وهدايا الزلفة، وريحان الجنة، فلولا أنكم على علم من أحواله لشرحنا المجمل، وشكلنا المهمل، إنما هو اليوم شبح ماثل، وطلل بائد، لولا أن الله تعالى شغل العدا عنه بفتنة لم يصرف وجهه إلا إليه، ولا حوم طيره إلا عليه، ولكان بصدد أن يتخذه الصليب داراً، وأن يقر به عيناً، والعدوة فضلاً عن الأندلس، قد أوسعها شراً، وأرهق ما يجاوره عسراً، نسألأ الله تعالى بنور وجهه أن لا يسود الوجوه بالفجع فيه، ولا يسمع المسلمين الثكلة، وما دونه فهو - وإن أنعش بالتعليل عليه ووقع بالجهد خلقه - لحم على وضم، إلا أن يصل الله تعالى وقايته، ويوالي دفاعه وعصمته، لا إله إلا هو الولي النصير، ومازلنا نشكو إلى غير المصمت، ونمد اليد إلى المدبر عن الله المعرض، ونخطب له زكاة الأموال من المباني الضخمة، والخزائن الثرة، والأهراء الطامية، والحظ التافه من المفترض برسمه، فتمضي الأيام لا تزيد الضرائر فيها إلا ضيقاً، ولا الأحوال إلا شدة، ولا الثغر إلا ضعة، ولا نعلم أن نظراً وقع له ولا فكراً أعمل فيه إلا ما كان من تسخير رعيته الضعيفة، وبلالة مجباه السخيفة، في بناء قصر بمنت ميور من جباله: (4/408)
شاده مرمراً أوجلله كل ... ساً فللطير في ذراه وكور (2) جلب إليه الزليج (3) ، واختلفت فيه الأوضاع في رأس نيق، لأمل نزوة،
__________
(1) زاد في ص: منه بعد لفظة قبره.
(2) البيت لعدي بن زيد العبادي.
(3) ص: الأزليج.
وسوء فكرة، فلما تم أقطع الهجران، فهو اليوم ممتنع البوم وحظ الخراب، فلا حول ولا قوة إلا بالله، حتى جاء أمر الله خالي الصحيفة من البر، صفر اليد من العمل الصالح، نعوذ بالله من نكيره، ونسأله الإلهام والسداد، والتوفيق والرشاد، وقد بذلنا جهدنا قولاً وفعلاً، وموعظة ونصحاً، واستدعينا لتلك الجهة صدقة المسلمين محمولة على أكتاد العباد الضعفاء الذين كانت صدقات فاتحيه رضي الله تعالى عنهم ترفدهم، ونوافله تتعهدهم، فما حرك ذلك الجؤوار حلوباً، ولا استدعى مطلوباً، ولا رفداً مجلوباً، فإلى متى تنضى ركاب الصبر وقد بلغ الغاية، واستنفذ البلالة، بعد أن أعاد الله تعالى العهد، وجبر المال، وأصلح السعي، وأجرى ينابيع الخير، وأنشق رياح الإقالة، وجملة ما نريد أن نقرره فهو لباب الجامع، والقصد الشامل، والداعي والباعث، أن صاحب قشتالة لما عاد إلى ملكه، ورجع إلى قطره، جرت بيننا وبينه المراسلة التي أسفرت بعدم رضاه عن كدحنا لنصره، ومظاهرتنا إياه على أمره، وإن كنا قد بلغنا جهداً، وأبعدنا وسعاً، وأجلت عن شروط ثقيلة لم نقبلها، وأغراض صعبة لم نكملها، ونحن نتحقق أنه إما أن تهيج حفيظته، وتثور إحنته، فيكشف وجه المطالبة مستكثراً بالأمة التي داس بها أهل قشتالة، فراجع أمره غلاباً، وحقه ابتزازاً واستلاباً، أو يصرفها ويهادن المسلمين بخلال ما لا يدع جهة من جهات دينه الغريب إلا عقد معها صلحاً، وأخذ عليها بإعانتها إياه عهداً، ثم تفرغ إلى شفاء غليله، وبلوغ جهده، ولا شك أنها تجيبه صرفاً لبأسه عن نحورها، ومقارضة كما وقع باطريرة من مضيق صدورها، ومؤسف جمهورها، وكل من له دين ما فهو يحرص على التقرب إلى من دانه به وكلفه وظائف تكليف، رجاء لوعده وخوفاً من وعيده، وبالله ندفع ما لا نطيق من جموع تداعت من الجزر ووراء البحور والبر المتصل الذي لا تقطعه الرفاق، ولا تحصي ذرعه الحذاق، وقد أصبحنا بدار غربة، ومحل روعة، ومفترس نبوة، ومظنة فتنة، والإسلام عدده قليل، ومنتجعه في هذه البقعة جديب، وعهده بالإرفاد والإمداد (4/409)
من المسلمين بعيد " ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا - إلى آخر السورة " . (البقرة: 286). (4/410)
وإذا تداعت أمم الكفر نصرة لدينها المكذوب، وحمية لصليبها المنصوب، فمن يستدعى لنصر دين الله وحفظ أمانة نبيه إلا أهل ذلك الوطن حيث المآذن بذكر الله تعالى تملأ الآفاق، وكلمة الإسلام قد عمت الربى والوهاد، إنما الإسلام غريق قد تشبث بأهدابكم، يناشدكم الله في بقية الرمق، وقبل الرمي تراش السهام، وهذا أوان الاعتناء، واختيار الحماة، وإعداد الأقوات، قبل أن يضيق المجال، وتمنع الموانع، وقد وجهنا هذا الوفد المبارك للحضور بين يديكم مقرراً الضرورة، منهياً الرغبة، مذكراً بما يقرب عند الله، مذكراً لذمام الإسلام، جالباً على من ورائهم بحول الله تعالى من المسلمين البشرى التي تشرح الصدور، وتسني الآمال، وتستدعي الدعاء والثناء، فالمؤمن كثير بأخيه، ويد الله مع الجماعة، والمسلمون يد على من سواهم، والمؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً، والتعاون على البر والتقوى مشروع، وفي الذكر الحكيم مذكور، وحق الجار مشهور، وما كان جبريل يوصي به في الصحيح مكتوب وكما راع المسلمين اجتماع كلمة الكفر، فنرجو أن يروع الكفر من العز بالله، وشد الحيازيم في سبيل الله، ونفير النفرة لدين الله، والشعور في حماية الثغور وعمرانها، وإزاحة عللها، وجلب الأقوات إليها، وإنشاء الأساطيل، وجبر ما تلف من عدة البحر، أمور تدل على ما ورائها، وتخبر بمشيئة الله تعالى عما بعدها " وما تفعلوا من خير يعلمه الله، وتزودوا فإن خير الزاد التقوى " ومن خطب على رضي الله تعالى عنه: أما بعد، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة، فمن تركه رهبة ألبسه الله تعالى سيما الخسف، ووسمه بالصغار، وما بعد الدنيا إلا الآخرة، وما بعد الآخرة إلا إحدى داري البقاء، أفي الله شك " ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون " . (الحشر: 9).