صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : مباهج الفكر و مناهج العبر
المؤلف : الوطواط
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وهذا الحيوان مليح الصور موثق الخلق جديد النفس شجيع فطن ويوجد في منازل أهل مصر، قال عبد اللطيف البغدادي: وأظنه الحيوان المسمى بالدلق، وإنما يختلف وبره ولونه بحسب البلاد، وفي طبعه أنه يسرق ما وجد من ذهب أو فضة وإن وجد حبوبا خلطها، وهو عدو الفأر ويقتله، ويقال إن عداوته له أشد من عداوة السنور، وخرف الفأر منه أشد من خوفه من السنور كما أن خوف الدجاج من ابن آوى أشد من خوفها من الثعلب، وقد حكي: من فطنته ما هو شبيه بالخرافات أن رجلا صاد فرخا منها فحبسه في قفص بحيث تراه أمه فلما رأته ذهبت ثم جاءت وفي فمها دينار فألقته بيد يدي الرجل كأنها تفدي ولدها، فلم يتناوله، وتركه مكانه فذهبت وعادت بدينار آخر حتى بلغت من العدد خمسا، فلما رأت أنه لا يضمها إليه ذهبت وعادت بخرقة كانت صرة للدنانير، تريه أنه لم يبق شيء، فلم يكترث بما فعلت فلما رأت ذلك منه عمدت إلى دينار منه فأخذته وعادت إلى جحرها فخشي أن تتفعل ذلك بالباقي، فبادر إلى الدنانير، وأخذها وأطلق ولدها.
القول في طبائع الفأر
أصحاب الكلام في طبائع الحيوان يقولون: جميع ما يقع عليه اسم الفأر: فأر البيت ويسمى الجرذ، والزباب، والخلد، واليربوع، وفأرة البيش، وفأرة المسك، وفأرة الإبل: فأما فأرة البيت فصنفان، جرذان وفأر، وهما كالجواميس والبقر، والبخت والعراب، والفأر من الحيوان الذي جمع له حاسة الشم والبصر، وليس في الحيوان أفسد منه لا يبقي على شيء من جليل ولا حقير إلا أهلكه وأتلفه، لا يقصر فعله عما فعله ريح قوم عاد، ويكفيه ما يحكى عن شدة رأيه وتدبيره في الشيء الذي يأكله ويحسوه أنه يأتي القارورة الضيقة فيحتال حتى يدخل طرف ذنبه في عنقها، فكلما ابتل بالدهن أخرجه وامتصه حتى لا يدع في القارورة شيئا، ويضرب به المثل في السرقة والنسيان والحذر، ويبلغ الفأر من حذره واحتياطه أنه يسكن السقوف وربما فاجأه السنور، وهو يريد أن يعبر بيته والسنور في الأرض، وهو في السقف ولو شاء أن يدخل بيته لم يكن للسنور عليه سبيلا، ويشير إليه السنور بيساره كالقائل له ارجع، فإذا رجع أولى إليه بيمينه كالقائل له: عد فيعود، وإنما يطلب بذلك أن يعي أو ينزلق، فلا يفعل ذلك إلى ثلاث مرات حتى يسقط إلى الأرض فيثب عليه، وفي طبع الجرد البري أنه لا يحفر بيته على قارعة الطريق ويتجنب الخفض والوطأ خوفا من الحافر أن يهدم عليه بيته، وحكى الجاحظ أن أناسا أنكروا أن يخلق الفأر في أرحام إناثها من أصلاب ذكورها، ولكن من أرحام بعض الأرض كطينة القاطول فإن أهلها يزعمون أنهم رأوا الفأر ولم يتم خلقه بعد وإن عينيها لتبصان ثم لا يريمون حتى يتم خلقها وتشتد حركتها، وكذلك يتولد بأرض مصر إذا انكشف ماء النيل عنها.
وأما الزباب: فأصم يكون في الرمل والعرب تضرب به المثل في السرقة فيقولون أسرق من زبابة، ولم أقف على أكثر مما ذكرت من أمره وأما الخلد: فأعمى أصم لا يعرف ما يريبه إلا بالشم إلا أن عينيه كاملتان لكن الجفن ملتحم على الناظر لا ينشق، وإنما خلق كذا لأنه يتنفس في البخار الغليظ والأرض له كالماء للسمك، وغذاه من باطن الأرض، الرطوبات والورق، وليس له على ظهر الأرض قوة، ولا نشاط، ولا حيلة بل يبقى مطروحا كالميت حتى يخطفه جارح أو يموت، ولما لم يكن له بصر عوض عنه بحدة حاسة السمع فيقال أنه يحس بالوطء الخفي، ومتى أحس بذلك جعل يحفر في الأرض، ويتحيل عليه حتى يصاد، بأن يجعل في باب جحره قملة فإذا سمعها، وأحس بها خرج إليها ليأخذها فيصاد، وفي طبعه أنه متى شم رائحة طيبة هرب، وهو يحب رائحة الكراث والبصل، وربما صيد بهما فأنه متى شمهما خرج إليهما، ومن دأبه طول الكد، ودوام الحفر للأنفاق والأسراب سواء انتفع بها أو لم ينتفع، وفي تركيبه أنه لا يفرط في الطلب، ولا يقصر فيها، ولا يخطئ الوقت الذي يظهر فيه، ولا يغلط في المقدار.

(1/70)


وأما اليربوع: فحيوان طويل الرجلين قصير اليدين جدا وله ذنب كذنب الجرد بين يرفعه صعدا في طرفه شبه الفوارة، لونه لون الغزال، قال أصحاب الكلام في طبائع الحيوان كل دابة حشاها الله تعالى خبثا فهي قصيرة اليدين لأنها إذا خافت شيئا لاذت بالصعود، فلا يلحقها شيء، وهذا الحيوان يسكن بطن الأرض لتقود رطوبتها له مقابل الماء، وهو يؤثر النسيم ويكره البخار، فتراه أبدا يتخذ جحره في نسز من الأرض ثم يحفر بيته ويفتح له أربعة أبواب على مهب الرياح الأربعة، وتسمى النافقاء والقاصعاء والدماء والراهطاء، فإذا طلب من إحدى هذه الكوى نافق أي خرج من النافقاء، وإن طلب من النافقاء قصع أي خرج من القاصعاء، وفي طبعه أنه يطأ على زمعاته في السهل والأرض اللينة كي لا يعرف أثر وطئه كما يفعل الأرنب، وهو يجتر ويبعر، وله كرش وأسنان واضراس في الفك الأعلى والأسفل وهو من الحيوان الذي له رئيس ينقاد إليه وإذا كان فيها يكون من بينها في مكان مشرف أو على صخرة ينظر منه إلى الطريق في كل ناحية، فإن رأى ما يخافه عليها صر بأسنانه وصوت، فإذا سمعته انصرفت إلى أحجرتها، وإن أغفل ذلك، ورأت ما يخافه قبل أن يراه قتلته لتضييعه الحزم، وغفلته، وينصب غيره وإذا أرادت الخروج من جحرها تطلب المعاش، خرج الرئيس أولا يشرف فإن لم ير ما يخافه صر لها وصوت فتخرج ولليربوع من الفأرة ولد يسمى القريب.
وأما الفأرة البيش: فدويبة تشبه الفأرة، وليس بفارة، ولكن هكذا تسمى وتكون في الغياض والرياض وهي تتخللها طلبا لمنابت السموم ليأكلها فلا يضر بها وكثيرا ما تطلب البيش وهو سم قاتل.
وأما فأرة المسك: فزعم الجاحظ: أنها دويبة تكون ببلاد تبت تصاد لنوافجها وسررها، فإذا صيدت عصبت سرتها بعصاب، وهي مدلاة فيجتمع فيها دمها فإذا حكم ذلك ذبحت، وما أكثر من يأكلها، فإذا ماتت قورت السرة التي عصبت ثم تدفن في الشعير حينا حتى يستحيل ذلك الدم المختنق هناك الجامد بعد موتها مسكا ذكيا بعد أن كان لا يرام سنا، ورأيت في بعض المجاميع أن هذه الدابة توجد ببلاد الزانج، وتحمل إلى بلاد السند وإن المسك يخرج من خصيتي ذكرانها بالعصر، ومن ضروع إناثها بالحلب، ورأيت في مجموع آخر: الفأر الفارسي أطيب من كل طيب، وربما ضاهى ريح المسك وهو جرد أشقر شعره إلى الصفرة وهو سديد كحيل العينين طويل الأذنين، قصير الذنب.
وأما فأرة الإبل: فليست بحيوان، وإنما هي رائحة تسطع من الإبل عند صدورها من الورود وهو يكون من طيب المرعى وقال الراعي وغيره يصف إبلا شعرا:
لها فأرة ذفراء كل عشية ... كما فتق الكافور بالمسك فاتقه
الوصف والتشبيه
قال بعض الأعراب:
عجل بعض الناس بالعقاب ... لعامرات البيت بالخراب
كحل العيون وقص الرقاب ... مجررات فضل الأذناب
مثل مداري الكتاب والظريف في قول أبي بكر الصنوبري
بالحدب الظهور قعس الرقاب ... لدقاق الخرطوم والأذناب
للطاف آذانها . . . والخراطي ... م حداد الأظفار والأنياب
خلقت للفساد قد خلق الخل ... ق وللعبث والأذى والخراب
ناقبات في الأرض والسقف والحا ... ئط نقبا أعيا على النقاب
آكلات كل المآكل لا تس ... أمها شاربات كل الشراب
آلفات قرض الثياب وقد يع ... دل قرض القوب قرض الثياب
والطريف المطبوع، الذي يدين بحسنه التابع والمتبوع قول القاضي المعروف بابن بصاقة يصف فارة بيضاء استظرفها فجعلها في قفص وأمر أن تطعم وتسقى ثم قال:
وفأرة بيضاء لم تبتذل ... يوما لاطعام السنانير
إذ فأرة المسك سمعنا بها ... وهذه فأرة كافور
القول في طبائع العقرب

(1/71)


وهذا الحيوان أصناف منها الجرارة والطيارة، وما له ذنب معقف، ومنها السود والخضر والصفر، وأصحاب الكلام في طبائع الحيوان يقولون العقرب مائية الطباع، من ذوات الذرو وكثرة الولد نسبة بالمسك والضب، وعامة هذا النوع إذا حملت الأنثى منه يكون حتفها في ولادها لأن أولادها إذا استوى خلقها أكلت بطنها وخرجت فتموت، والجاحظ لا يعجبه هذا القول ويقول: قد أخبرني من أثق به أنه رأى العقرب تلد من فيها مرتين وتحمل أولادها، وهي قدر القمل كبيرة والعقرب شر ما تكون إذا كانت حبلى، ولها ثمانية أرجل أظلاف لأجل المشي وعيناها في ظهرها، وهي من الحيوان الذي لا يسبح، ومن عجيب أمرها إنها لا تضرب الميت ولا المغشي عليه ولا النائم، إلا أن يتحرك شيء من بدنه فعند ذلك تضربه وهي تأوي إلى الخنافس وتسالمها، وتصادق من الحيات كل أسود سالخ، وربما لسعت فتموت، وفيها ما يلسع بعضها بعضا فيموت الملسوع ومن شأنها إذا لسعت الإنسان فرت فرار مسيء يخاف العقاب وقال الجاحظ في كتاب الحيوان: والعقارب تستخرج من بيوتها بالجراد لأنها حريصة على أكله، تشك الجرادة في عود ثم تدخله الجحر فإذا عاينتها العقرب تعلقت بها، ومتى أدخل الكراث في جحرها وأخرج تبعته، وما معها من نوعها، وهي إذا خرجت من جحرها في طلب المطعم يكون لها نشاط وعزم تضرب كلما لقيته، ولقيها من حيوان أو نبات نشبت فيه إبرتها، وهذه الإبرة مثقوبة فيها السم، والعقارب القاتلة تكون في موضعين: بشهرزور وعسكر مكرم، وهي جرارات، وهذه العقارب تلسع فتقتل، وربما تناثر من لسعته، أو بعض لحمه، واسترخى لا يدنو منه أحد إلا وهو يمسك أنفه مخافة أعدائه، ومن طريف أمرها أنها مع صغرها وقلتها، وغزارتها تقتل الفيل والبعير بلسعتها وبنصيبين عقارب قتالة إن أصلها من شهرزور، وإن بعض الملوك حاصر نصيبين فأتى بالعقارب من شهرزور، ورمى بها في حيزان المجانيق إلى البلد، فأعطى القوم بأيديهم.
الوصف والتشبيه
قال عبد الصمد بن المعذل يدعو بها على عدو له:
يا رب ذي افك كثير خدعه ... مستجهل الحلم خبيث مربعه
يسري إلى عرض الصديق قذعة ... صبت عليه حين جمت بدعه
ذات ذنابى متلف من يلسعه ... تحفظه طورا وطورا ترفعه
أسود كالسبجة فيه مبضعه ... ينظف منه سمه وسلعه
تسرع فيه الحتف حين تشرعه ... يبرز كالقرنين حين تطلعه
في مثل صدر السبت حين تقطعه ... ما تصنع الرقشاء ما قد تصنعه
وقال السري الرفاء:
سارية في الظلام مهدية ... إلى النفوس الردى بلا حرج
شائلة في ذنيبها حمة ... كأنها سبجة من السبج
وقال آخر:
ومشرعة بالموت للطعن صعدة ... فلا قرن نادته يوما يجيبها
مداخلة في بعضها خلق بعضها ... كجوشن عظم ثلمته حروبها
تذيقك من وخز إبرة ... إذا لسعت ماذا يلاقي لسعيها
إذا لم يكن لون البهارة لونها ... فمن يرقان دب فيها شحوبها
لها سورة خصت بمنكر صورة ... ترى العين فيها كل شيء يريبها
لها طعنة لا تستبين لناظر ... ولا يرسل المسبار فيها طبيبها
نسيت بها قيسا وذكرى طعينه ... وقد دق معناها وجل ندوبها
تجيء كأم الشبل غضبى توقدت ... وقد توج اليافوخ منها عسيبها
عدو مع الإنسان يعمر بيته ... فكيف يوالي رقدة يستطيبها
ولولا دفاع الله عنا بلطفه ... لصبت بنا الدنيا علينا خطوبها
وقال آخر يصفها من أبيات:
تحمل رمحا ذا كعوب مشهر ... فيه سنان بالحريق مستعر
أنف تأنيفا على حين قدر ... تأنيف انف القوس شدت بالوتر
وقال آخر في ذلك أيضا:
ونضوة تعرف باسم ولقب ... ما بين هلال منصب
موجودة معدومة عند الطلب ... تطعن من لاقته من غير سبب
بخنجر تستله عند الغضب ... كأنه شعلة نار تلتهب
القول في طبائع الخنفساء

(1/72)


قال أصحاب الكلام في طبائع الحيوان: إن الخنفساء تتولد من عفونة الأرض ومن فسادها، ومن مادة لم يكن يجيء منها خيرا لأن الحمار لا يجيء منها فرس وهذا النوع هو أصناف منها الخنفس المعروف، وهو أطول من الضب ذماء فأنه يشدغ، فيسير ويمضي، وبه يضرب المثل في اللجاج وليس له أحشاء وبينه وبين العقارب والضفدع صداقة، ومنها الجعل وهو يتولد من اخثاء البقر وفي طبعه أنه يموت إذا شم رائحة الطيب، وإذا دفن في الورد مات أيضا، وإذا أخرج منه ودفن في الروث عاش، وله ستة أرجل وسنام مرتفع محدد جدا، وهو يمشي إلى الخلف وهو مع هذه المشية يهتدي إلى بيته، ويسمى الكبرتل، وقال بعضهم: لا يصير كبرتلا حتى يصير له جناحان إذا وقع إلى الأرض استتر بقشرة ولم ير منها شيء، فإذا أراد الطيران تنفس فيظهران، ومن عاداته أنه يحرس النيام فمن قام منها لقضاء حاجته تبعه، وذلك من شهوته للغائط، فإنه قوته، ومنها صنف يسمى حمار قبان وهو يتولد في الأماكن الندية على ظهره شبه المجن، ومنها صنف يسمى بنات وردان وهي أيضا تتولد في الأماكن الندية وأكثر ما يكون في الحمامات والساقيات وفيها من الألوان الأسود، والأصهب، والأبيض وهي إذا تكونت وتسافدت، باضت بيضا مستطيلا، وصفها بعض الشعراء فقال:
بنات وردان جنس ليس تبعته ... خلق كنعتي في وصفي وتشبيهي
كمثل أنصاف بسر أحمر تركت ... من بعد تشقيقه أقماعه فيه
ومنها الصراصر والجنادب، وهذا الصنف معرى من الأجنحة له صوت بالليل لا يفتر منه إذا طلع الفجر ولا يعرف له مكان إلا بتتبع صوته، وأمكنة المواضع الندية وفيه ألوان: الأسود وهو جندب الجبل والاكام السود، والأورق وهو جندب الطلح، والسمر والغضا والأبيض وهو جندب الصحارى، قال السري الرفاء يصف جندبة:
وجندبة تمشي بساق كأنها ... على فخذ من عود منشار عرعر
حسلة تجلو الجناح كأنها ... عروس تجلت في عطاف معنبر
وأما الهوام فأول ما نبدأ منها:
القول في طبائع القراد
وهذا الحيوان أول ما يكون، وهو لا يكاد يرى صفرا قمامة، ثم يصير حمنانة ثم يصير حلمة، وهو يخلق من عرق البعير ومن الوسخ والتلطخ بالثلط والأبوال كما يخلق القمل من عرق الإنسان، والحلم يعرض لأذن الكلب أكثر مما يعرض للبعير ومن طبع القراد، أنه يسمع رغاء الإبل من فراسخ فيقصدها، حتى أن أصحاب الإبل يبعثون إلى الماء من يصلح لإبلهم الارشية وأدوات السقي، فيبيت الرجال عند البئر ينتظرون مجيء الإبل فيعرفون قربها منهم في جوف الليل بانبعاث القردان وسرعة حركتها ومرورها حول الرعاء، فإذا رأوا ذلك منها نهضوا وتهيئوا للعمل، ويقول أصحاب الكلام في طبائع الحيوان: إن لكل حيوان قرادا يناسب مزاجه فللكلب قراد يخصه، وكذا البعير، والفرس والبقر وأنشد الجاحظ يصف قرادا:
ألا يا عباد الله هل لقبيلة ... إذا ظهرت في الأرض جد مغيرها
فلا الدين فيها ولا هي تنتهي ... ولا ذو سلاح من معد يضيرها
القول في طبائع النمل

(1/73)


وهذا الحيوان على ما ذهب إليه ابن أبي الأشعث: )لا يتزاوج ولا يتوالد( ولا يتلاقح، وإنما يسقط منه شيء حقير في الأرض ينمو بيضا ثم يتكون فيه وهو حيوان محتال يتفرق في طلب المعاش فإذا وجد شيئا أنذر البا فيجئن ويحملن، وكل واحد مجتهد في صلاح العامة غير محتبس لشيء من الرزق دون صحبه، ويقال إنما يفعل ذلك منها رؤساؤها، ومن تحلية في طلب الرزق أنه ربما وضع بينه وبين ما يخاف عليه منه حاجز بحجزه عنه من ماء أو شعر فيتسلق في الحائط، ويمشي على جذع من السقف مسامت لما حفظ ثم يلقي نفسه عليه، وفي طبعه أنه يحتكر في زمن الصيف لزمن الشتاء، وفي الاحتكار من الحيل ما أنه إذا احتكر ما يخاف إنباته قسمه نصفين، ما خلا الكسفرة، فإنه يقسمها أرباعا لما الهم أن كل نصف منها ينبت، وإذا خاف العفن على الحب أخرجه إلى ظاهر الأرض ونشره، وأكثر ما يفعل ذلك ليلا في القمر، ويقال أن حياته ليست من قبل مأكله ولا قوامه، وذلك أنه ليس له جوف ينفذ فيه الطعام، ولكنه مقطوع نصفين، وإنما قوته إذا قطع الحب استنشاق ريحه لا غير وذلك يغذوه ويكفيه، وهو يشم ما ليس له ريح مما لو وضعه الإنسان على أنفه لم يجد له ريحا وله من حدة الشم ما لو أن رجل جرادة تكون منبوذة في موضع لم ير فيه ذر قط فلا يلبث أن يرى الذر إليها كالخيط الأسود المسدود، ومن أسباب هلاك النملة نبات الأجنحة لها وإذا صار النمل كذلك أحصبت العصافير، وقد قال أبو العتاهية في ذلك:
إذا استوت للنمل أجنحة ... حتى تطير فقد دنا عطبه
وهو يحفر قريته بقوائمه لا بفيه، وقوائمه ست، وإذا حفرها جعل فيها تعاريج لئلا يجري إليها ماء المطر، وربما اتخذ قريته فوق قرية بسبب ذلك وإنما يفعل ذلك خوفا على ما يدخره من البلل، وليس في الحيوان ما يحمل ضعف ما يحمل بدنه مرارا غيره، وعلى أنه لا يرضى بأضعاف الأضعاف إلا بعد انقطاع الأنفاس، حتى أنه يتكلف حمل نوى التمر وهو لا ينتفع بتلك النوية، وإنما على ذلك الحرص والشدة، وفي هذا الحيوان ما يسمى الذر وهو والنمل بمنزلة الزنابير والنحل، في أن النحل أصغر جثة، وأجود فهما ومعرفة ومن أصنافة صنف يسمى نمل الأسد وسمي بذلك لأنه يشبه وجه الأسد ومؤخرة النمل، وزعم بعض المتكلمين في طبائع أنه متولد وأدعى أن أباه أكل لحما، وأمه أكلت نباتا فولده، ومما يستغرب في عظم خلقها، أنه وجد في ذخائر أبي كاليجار سلطان الدولة بن بهاء الدولة بن بويه نملة في حلقها سلسلة تأكل كل يوم رطلين لحم بالبغدادي.
الوصف والتشبيه
قال إبراهيم بن سناه:
غزاة يولي الليث عنهن هاربا ... وليست لها نبل حداد ولا عمد
قصار الخطى حمش القوائم ضمر ... مسمرة لا تشتكي الاين والحرد
وتعدو على الأقران في صولة الوغى ... نشاطا كما يعدو على صيده الأسد
إذا فكرت طيب الهياج تنفست ... تنفس ثكلى قد أصيب لها ولد
كأكراد زنجان مزيد فضاضة ... وتلك الصعاليك الغوائب في البلد
وفيهن أجناس تشابهن صورة ... وباين في الهمات واللون والجلد
فمنهن كمت كالعناكب أرجلا ... وساع الخطى قد زان أجيادها الغيد
إذا انتهرت طارت وإن هي خلدت ... رأت ورد أحواض المنايا من الرشد
وسود خفاف الجسم لو عضت الصفا ... رأيت الصفا من وقع أسنانها قدد
يفدن علينا مفسدات جفاننا ... وأزوادنا أبغض إلينا بما وفد وقال آخر:
وحي أناخوا في المنازل باللوى ... فصاروا به بعد القطين قطينا
إذا اختلفوا في الدار ظلت كأنها ... تبدد فيها الريح بزر قطونا
لهم نظرة يسرى ويمنى إذا مشوا ... كما مر مرعوب يخاف كمينا
ويمشون صفا في الديار كأنما ... يجرون خيطا في التراب مبينا
وفي كل بيت من بيوتي قرية ... تضم صنوفا منهم وفنونا
فيا من رأى بيتا يضيق بخمسة ... وفيه قريات يسعن مئينا
وقال يحيى بن هذيل الأندلسي يصف نملة:
مخزومة في ثبح ... كأنما استقصي بالبخت
إنما آخرها نقطة ... ساقطة من قلم المفتي
مشت على الرض على أرجل ... تشبه شعر الطفل في النبت
لا تسمع الأذن لها موقعا ... في الأرض مسا ولا مرت
مكدودة ليس لها راحة ... ولا تقطع الأيام بالصمت

(1/74)


سبحان من يعلم تسبيحها ... ووزنها من زنة البخت
القول في طبائع القمل
قال المتكلمون في طبائع الحيوان: القمل يتولد من العرق والوسخ إذا أصاب ثوبا، أو ريشا، أو شعرا حتى يصير المكان عفنا، ويكون في الرأس الأسود الشعر أسود، وفي الرأس الأبيض الشعر أبيض، وفي الرأس الأحمر الشعر - أما شقرة وأما خضاب بحناء - أحمر، ومتى نصل الشعر يغير إلى لونه، والقمل من الحيوان الذي إناثه أكبر من ذكوره، ويقال: إن ذكور القمل الصيبان، ويقال أنها بيضها، والقمل يسرع إلى الدجاج والحمام، إذا لم يغسل، ويعرض للقرود أيضا، وأما قملة النسر وهي التي تكون في بلاد الجبل، وتسمى بالفارسية دده، وإنها إذا عضت قتلت، وهي أكبر من القملة، وأكثر ما تكون بمهرجان قذق، ومع صغر جسمها، فإنها تفسخ جسم الإنسان في أقل من الإشارة باليد، وهي تعض لا تلسع، وإنما سميت قملة النسر لأن النسر إذا سقطت بتلك الأرض في بعض الأزمنة تسقط منه قملة فيستحيل إلى هذا الخبث.
قال أبو نؤاس في رجل يتفلى في الشمس:
للقمل حول أبي العلاء مصارع ... من بين مقتول وبين عقير
وكأنهن إذا علون قميصه ... فذ وتوأم سمسم مقشور
؟الباب السادس
في طبائع سباع الطير وكلابها
ومجموع هذا النوع عند أبي الأشعث ناري لأن طبيعته حارة يابسة، وهو غضوب حقود غاضب قاتل يغتذي بالدم واللحم، ويطير في جو السماء، ويتجاوز في طيرانه البخار والهواء الذي هو حار رطب، ويعلو إلى هواء حار يابس، وإنما تم له هذا الغلو إلى هذا الهواء من الجو لأن له نفسا مزاجها كمزاجه فهي تتحرك النار، وهو ليس بذي شيء، ولا لبث في الصحارى، ولا في الشطوط لبعده عن المزاج الرطب ولا هو مما يجتمع خيطا كما يطير بعض الطير ويتزاوج عند الشبق وتفارق الذكور الإناث عند زواله للشره الذي كل واحد منهما وقوة الغضب ما يفترس بعضه بعضا، ولغلبة المزاج الناري على طبيعته صار فيه ذكاء وسرعة حركة، وختل وقلة وفاء، وأنواعه تنحصر في أربعة وهي العقاب والبازي والصقر والشاهين وتنعت بالجوارح والسباع والضواري، والكواسر والمضرحيات والأحرار والعتاق، وذوات المنسر من الطير ذكورها أصغر أجساما وألطف أقدادا من إناثها وأقل جمالا، وذوات المناقير بالعكس من ذلك، وتسمى البغات، والذي نبدأ به بالذكر من الجوارح:
القول في طبائع العقاب
وهذا الصنف يؤنث ولا يذكر ويسمى العنقاء على ما ذهب إليه أهل اللغة وبهذا القول فسر قول أبي العلاء المعري:
أرى العنقاء تكبر أن تصادا ... فعاند من تطيق له عنادا
ولا خلاف عند أهل اللغة في ذلك، وهذا الصنف ينقسم إلى قسمين: عقاب، وزمج.

(1/75)


فأما العقاب فأن فيها من الألوان السود والخوخية، والصقع والسفع، والبيض والشقر، ومنها ما يأوي الجبال، ومنها ما يأوي إلى الصحارى، ومنها ما يأوي الغياض ومنها ما يأوي حول المدن، ويقال أن ذكورها من طير آخر لطيف الجرم لا يساوي شيئا، والعقاب يبيض في الأغلب ثلاث بيضات، ويحضنها ثلاثين يوما، وما عداه من الجوارح يبيض بيضتين كل سنة، ويحضن عشرين يوما، وإذا خرجت الفراخ تلقي واحدا منها لأنها يثقل عليها طعام الثلاث وتربيتها، وذلك لقلة صبرها وشرهها، والفرخ الذي تلقيه يعطف عليه طير آخر يسمى كاسر العظام فيربيه، ومن عادة هذا الطائر أن يزق كل فرخ صائغ بعد التوفر على فراخه، وفي طبع الذكر أنه يمتحن أنثاه هل هي محافظة له أو مواتية لغيره من غير جنسه بأن يصوب بصر فرخه إلى شعاع الشمس، فإن ثبت عليه تحقق أنهما فرخاه فأمسكهما وإن لم يصبر عليه وناء عنه ضرب الأنثى كما يضرب الرجل المرأة الزانية، وطردها من وكره ورمى بالفرخين، وهي تربي فراخها إلى أن تقوى على الطيران فتخرجها، وتنفيها عن مواضعها، ومن عقوقها لفراخها أنها لا تحمل على نفسها في الكسب عليها، ومتى كان الذكر والأنثى في مكان مجتمعين لا يدعان غيرهما من جنسهما يأويان قريباً، ولا يصيد فيه، وهي إذا صادت شيئاً لا تحمله على الفور إلى مكانها بل تنقله من موضع إلى موضع، ولا تجلس إلا على الأماكن المرتفعة لأنها لا تستقتل من الأرض إلا ببطؤ وعسر، وإذا ما صادت الأرانب تبدأ بصيد الصغار ثم الكبار، وهي أشد الجوارح جرأة، وأقواها حركة إلى الغضب وأسرعها إقداماً، وأنسبها مزاجاً، وكذلك هي أحدها وهي خفيفة الجناح سريعة الطيران فهي إن شاءت كانت فوق كل شيء، وإن شاءت كانت بقرب كل شيء، تتغذى بالعراق، وتتعشى باليمن، وريشها الذي عليها فروتها في الشتاء وجنسها في الصيف، وربما صادت حمر الوحش، وذلك أنها إذا نظرت الحمار رمت نفسها في الماء حتى يبتل جناحها ثم تتمرغ في التراب ثم تطير حتى تقع على هامة الحمار ثم تصفق على عينيه بأجنحتها فتملأها تراباً، فلا يبصر حيث يذهب فيؤخذ، وهي مولعة بصيد الحيات، وولوعها بها كولوع الحيات بالفأر، وفي طبعها قبل أن تدرب، أن لا تراوغ صيداً ولا تعنى في طلبه، ولا تزال موفية على شرف عال، فإذا رأت سباع الطير قد صادت شيئاً انقضت عليه فتتركه لها وتنجو بنفسها، ومتى جاءت لم يمتنع عنها الذئب، وهي شديدة الخوف من الإنسان وتنظر إليه بفرق منه، ويقال: أنها إذا شاخت وثقل جناحها، وأظلم بصرها التمست غديراً، فإذا وجدته حلقت طائرة في الهواء ثم تقع من خالق في ذلك الغدير وتنغمس فيه مراراً فيصح جسمها ويقوى بصرها، ويعود ريشها ناشئاً إلى حالته الأولى، ومتى ثقلت عن النهوض، وعميت حملتها الفراخ على ظهورها، ونقلتها من مكان إلى مكان لطلب الصيد، وتعولها إلى أن تموت، ومن عجيب أمرها أنها إذا اشتكت كبدها من رفع الأرانب والثعالب في العواء أكلت أكبادها فتبرئ، وهي تأكل الحيات إلا رؤوسها، والطير إلا قلوبها ويدل على هذا قول امرئ القيس:
كأن قلوب الطير، رطباً ويابساً ... لدى وكرها العناب والحشف البالي
ومنقارها الأعلى يعظم ويعقف حتى يكون ذلك سبب هلاكها لأنها لا تنال به الطعم حينئذ:
فصل
أول من صادها أهل المغرب، وإنما رغبتهم فيها ما رأوا من شدة أسرها وعظم سلاحها، ويحكى أن قيصر أهدى إلى كسرى عقاباً، وكتب إليه: علمها فأنها تعمل عملاً أكثر من الصقور التي أعجبتك، فأمر بها فأرسلت على ظبي عرض لها فقدته فأعجبته ما رأى منها، وجوعها ليصيد بها، فوثبت على صبي من حاشيته فقتلته، فقال كسرى: غزانا قيصر في بلادنا بغير جيش، ثم أهدى لقيصر نمراً وكتب إليه: قد بعثت إليك ما تقتل به الظباء، وما قرب منها من الوحش، وكتم ما صنعت العقاب عنه فأعجب به قيصر إذ وافقت صفته ما وصف، فغفل عنه يوماً فافترس بعض فتيانه فقال: صادنا كسرى فإن كنا صدناه فلا بأس، فلما بلغ ذلك كسرى قال: أنا أبو ساسان. وصفة المحمود منها وثاقة الخلق، ثبوت الأركان، وحمرة اللون، وغؤور الحماليق، وإن تكون صقعاء، عجزاء على عكوتها بياض وأجودها ما جلبت من سرت وجبال المغرب.
الوصف والتشبيه
قال امرؤ القيس يصف شدة أسرها من أبيات ذكر فيها فرساً:

(1/76)


كأنها حين فاض الماء واحتفلت ... صقعاء لاح لها بالمرحة الذيب
فأبصرت شخصه من فوق مرقبه ... ودون موقعه منها شناخيب
فأقبلت نحوه في الجو كاسرة ... نحيبها من هواء الجو تصويب
فأدركته فنالته . . . مخالبها ... فانسل من تحتها والدف مثقوب
لأمثلها من ذوات الجو طائرة ... ولا كهذا الذي بالأرض مطلوب
يلوذ بالصخر منها بعدما قطرت ... منها ومنه على العقب الشآنيب
ثم استغاث بدحل وهي تحفره ... وباللسان بالشدقين تتريب
فظل منجحراً منها . . . يراصدها ... ويرقب الليل إن العيش محبوب
حبت عليه ولم تصب من ... إن الشقاء على الاشقين مصبوب
كالدلو بثت عراها وهي مثقلة ... أرجامها ودم منها وتكريب
وقال آخر من بني هذيل:
ولله فتخاء الجناحين لقوة ... توسد فرخيها لحوم الأرانب
كأن قلوب الطير في جوف وكرها ... نوى القسب تلقى عند بعض المآدب
فخالت غزالاً جاثماً بصرت به ... لدى سمرات عند إدماء شارب
فمرت على بدء فاعنت بعضها ... فخرت على الرجلين أخيب خائب
وقال أبو الفتح كشاحم:
يا ربما أغدو مع الآذان ... والنجم قد رنق كالوسنان
والليل كالمنهزم الجبان ... بلقوة موثقة الأركان
غرثى وكم تشبع من غرثان ... كأنما تضمر بالرهان
كريمة النجر من العقبان ... تفل حد السيف والسنان
بمخلب يهتك دستبان ... أشبه معطوف بصولجان
ومنسر من الدماء قاني ... كأنه في رؤية العنان
سنانه تلوى على دستان ... ومقلة طحاره الأجفان
كأنما صيغت من العقبان ... تضم صيد الجأب والأتان
والطير في ربقتها عواني ... لم تأل إن صادت بلا توان
ما عجزت عن عدة بناني ... أكرم بها عوناً على الضيفان
وقال أبو الفرج الببغاء:
ما كل ذي مخلب وناب ... من سائر الجوارح والكلاب
بمدرك في الجد والطلاب ... أيسر ما يدرك بالعقاب
شريفة الصنعة والأنساب ... تطير من جناحها في غاب
وتستر الأرض عن السحاب ... وتحجب الشمس بلا حجاب
يظل منها الجو في اغتراب ... مستوحشاً للطير كالمرتاب
ذكية تنظر من شهاب ... ذات جران واسع الجلباب
ومنكب ضخم أثيب راب ... ومنسر موثق النصاب
وراحتي ليث سرى غلاب ... ينطت إلى براثن صلاب
مرهفة أمضى من الحراب ... وكل ما حلق في الضباب
لملكها خاضعة الرقاب
الصنف الثاني من العقاب الزمج
وأصحاب الكلام في البيزرة يعدونه من خفاف الجوارح، وذلك معروف في عينيه وسرعة حركته، وشدة وثبته، ويصفونه بالغدر وقلة الوفاء والألف لكافة طبعه، وقد يقبل الأدب، ولكن بعد بطئ، وهو شديد الأسر لقوة في نفسه وسلطان في جناحه، ومن عادته أنه يتلقف طائراً كما يتلقف البازي، ويصيد على وجه الأرض، كما يصيد العقاب، ويحمد من خلقه أن يكون لونه أحمراً، وهذا اللون الذي لا يشك في فراهته، ولا يحمد ما قرنص وحشياً.
الوصف والتشبيه
قال أبو الفرج الببغاء:
يا رب سرب آمن لم يزعج ... غاديته قبل الصباح الأبلج
بزمج أدلق حوش أهوج ... مضبر المنكب صلب المنسج
ذي قصب عبل أصم مدمج ... وجؤجؤ كالجوشن المدرج
وعنق سام قويم أعوج ... ومنسر أقنى فسيح مسرج
منخرق المدخل رحب المخرج ... ومقلة تشف عن فيروزج
ناظرة من لهب مؤجج ... وهامه كالحجر المدملج
ومخلب كالمعول المعوج
القول في طبائع البازي

(1/77)


وهذا النوع الثاني من الجوارح، وينقسم إلى خمسة أصناف: البازي، والزرق والباشق، والعفصي، والبيدق، والبازي أحرها مزاجاً لأنه قليل الصبر على العطش، ومأواه الشجر العادية الملتفة، والظل الظليل ومطرد المياه، وهو لا يتخذ وكراً إلا في شجرة لها شبكة ذات شوك مختلفة الحجون يطلب بذلك السكن فلا يقع في شتاء ولا صيف على أغصانها وأطرافها، وإذا أراد أن يفرخ بنى لنفسه بيتاً، وسقفه تسقيفاً لا يصل إليه منه مطر ولا ثلج إشفاقاً منه على نفسه من البرد والحر، ولهذا إذا اخطأ صيده، وكان في برية لا شجر فيها ولى ممعناً حتى يلج كهفاً من جبل أو جداراً من الأرض يسكن فيه، ولذلك علق عليه الجرس، كيما يدل على موضعه إن خفي، وهو لا يطيق البرد ولا الحر لرقة جوانحه فسبيله في البرد أن تقترب منه النار ليدفئ، أو تجعل كفيه في الشتاء وبر الثعالب، واللبود، وسبيله في الحر أن يجعل في بيت كنين من السموم، بارداً بالنسيم، ويفرش له الريحان والخلاف وهو خفيف الجناح سريع الطيران، يلف طيرانه كالتفاف الفاختة، ويسهل عليه أن يزج نفساً صاعداً أو هابطاً، وينقلب على ظهره حتى يلتقف فريسته، وسبيله أن يضرا على صيد الدراج، والقبج، إذا كان طويل المنسر، وإذا كان قصيراً فسبيله أن يضرا على طير الماء والحبرج، والإناث من هذا الصنف أجرأ على عظام الطير من ذكورها.
قال أصحاب الكلام في البيزرة: إن الإناث من البزاة إذا كان وقت سفادها وهياجها يغشاها جميع أجناس الضواري كلها، الزرق، والشاهين والصقر وغيرها وإنها تبيض من كل طير يغشاها، ولهذا تجيء مختلفة الأخلاق من الجبن والجرأة، والحب، والغدر، والذكاء، والقوة، والضعف، والحسن، والقبح، والشراهة، ولهذا البازي ما يدرك ما بين العصفور إلى التدرج والكراكي، والطيطوي، وصفة الفاخر منه أن يكون قليل الريش، أحمر العينين حادهما، وأن تكونا مقبلتين على منسره حجاجتهما ممطلان عليهما، ولا يكون وضعهما في جنبي رأسه كموضع عين الحمام، والأزرق دون الأحمر العين والأصفر دونهما، وسعة الأشداق دليل على قوة الافتراس، ومن صفاته المحمودة أن يكون طويل العنق عريض الصدر ما بين المنكبين، شديد الانخراط إلى ذنبه، وأن يكون فخذاه طويلين مسرولين بريش وذراعيه قصيرتين غليظين، وأشاجع كفيه عارية وأصابعه متفرقة، ولا تكون مجتمعة ككف الغراب، ومخلبه أسود، ومنسره رقيقاً، وأفخر ألوانه الأبيض ثم الأشهب وهما لونان يدلان على الشدة والصلابة فإن اتفق أن يكون هذا أحمر العين، وكثيراً ما يتفق كان نهاية، وهذا اللون في البزاة كالكميت في الخيل لأنه يدل على الشدة، والأحمر )من البزاة أخسها( لأنه كالسوسي من الخيل بعيد الفلاح، وبعض الناس يقول: أشرف البزاة الطغرك ثم البازي التام، وهو الذي قد وصفناه وذكرناه، والطغرل لا يعرفه غير الترك، وهو عزيز جداً، وربما وجد الواحد منها بعد الواحد فيغلب عليه الملوك، ويكون في بلاد الخزر ومأواها فيما بين خوارزم إلى أرمينية، وهو يجمع صيد البازي والشاهين، وقيل أنه لا يعقر بمخلبه شيئاً إلا سمه، وكلما برأ جرحه انتقض، ولهذا يحمل على دستبانات الوبر الوثيرة
فصل
أول من صاد هذا الطائر أعني البازي لذريق أحد ملوك الروم الأول، وذلك أنه رأى بازياً إذا علا كتف، وإذا سفل خفق، وإذا أراد أن يسمو ذرق، فاتبعه حتى اقتحم شجرة ملتفة كثير الدغل، فأعجبته صورته، فقال: هذا طائر له سلاح تتزين بمثله الملوك، فأمر بجمع عدة من البزاة، فجمعت وجعلت في مجلسه، فعرض لبعضها أيم فوثب عليه فقتله، فقال: ملك يغضب كما تغضب الملوك ثم أمر به فنصب على كندره بين يديه، وكان هناك ثعلب فمر به مجتازاً فوثب عليه فما أفلت منه إلا جريحاً، فقال: هذا جبار يمنع حماه، ثم أمر به فضري على الصيد، واتخذته الملوك بعده والله أعلم بالصواب.
الوصف والتشبيه
قال أبو نؤاس يصفه:
قد اغتدى والليل ذو دواجٍ ... ببازي الصيد على ابتهاج
كضرغام جاء.. من منهاج ... البسه وشياً بلا نساج
موشية الرياش كالدجاج ... منقط ظاهره بزاج
ومنسر أسرف باعوجاج ... تخاله صدغاً على معناج
زرفته إذ قام للبراج ... في وجنة تبرق، مثل العاج
وقال الناشئ أيضاً من مزدوجة:

(1/78)


لما تفرى الليل عن اثباجه ... وارتاح ضوء الصبح لانبلاجه
غدوت أبغي الصيد من منهاجه ... بأقمر أبدع في نتاجه
ألبسه الخالق من ديباجه ... ثوباً كفى الصانع من نساجه
حال من الساق إلى أوداجه ... وشياص يحار الطرف في اندراجه
في نسقٍ وفي . . . انعواجه ... وزان فوديه إلى حجاجه
بزينة كفته عز تاجه ... منسره يثنى على خلاجه
وظفره يخبر عن علاجه ... لو استضاء المرأ في إدلاجه
بعينه كفته عن سراجه ومن طردية لأبي فراس:
جئت ببازٍ حسنٍ اسبهرج ... دون العقاب وفوق الزمج
زين لرائيه وفوق الزين ... ينظر من نارين في غارين
كأن فوق صدره . . . والهادي ... أثار مشى الذر في الرماد
ومن رسالة لأبي إسحاق إبراهيم بن خفاجة الأندلسي يصف بازياً: طائر يستدل بظاهر صفاته على كرم ذاته، طوراً ينظر نظر الخيلاء في عطفه كأنما يزهى به جبار، وتارة يرمي نحو السماء بطرفه كأنما له هناك اعتبار، وأخلق به أن ينقض على قنيصه شهاباً، ويلوى به ذهاباً، ويحرقه توقداً والتهاباً، وقد أقيم له سايغ الذنابي والجناح، كفيلين في مطالبه بالنجاح، جيد العين وارثر حديد السمع والبصر يكاد يحس بما يجري ببال، ويسري من خيال، قد جمع ببين عزة ملك وطاعة مملوك، فهو بما يشتمل عليه من علو الهمة، ويرجع إليه بمقتضى الخدمة، مؤهل لإحراز ما تقتضيه شمائله، وإنجاز ما تعد به مخائله، وخليق بمحكم تأديبه وجودة تركيبه أن يكون مثل له النجم قنصاً، أو أجرى بذكره البرق قصصاً، لاختطفه أسرع من لحظة، وأطوع من لفظة وانتسفه أمضى من سهم، وأسرع من وهم، فقد اتسم بشرف جوهره، وكرم عنصره لا يوجه مسفراً إلا غادر قنيصه معقراً، وآب إلى يد من أرسله مظفراً، مورد المخلب والمنقار، كأنما خضب بحناء أو كرع في عقار.
وله أبيات يمدح بها:
طرد القنيص بكل قيد طريده ... زجل الجناح مورد الأظفار
ملتفة أعطافه بجيرة ... مكحولة أجفانه بنظار
يرمي به الأمل القصير فينثني ... مخضوب رائي الظفر والمنقار
الصنف الثاني من البازي
وهو الزرق، وهذا الصنف بازي لطيف إلا أن مزاجه أحر وأيبس، ولذلك هو أشد جناحاً، وأسرع طيراناً، واقوى إقداماً، وفيه ختل وخبث، وذلك أنه إذا أرسل على طائر طار من غير مطاردة، ثم عطف عليه، وأظهر الشدة بعد اللين وفي ألوانه الأبيض وخير ألوانه الأسود الظهر الأبيض الصدر، الأحمر العين وصفة المحمود منه: أعدلها خلقاً وأقلها ريضاً، وأثقلها حملاً وأحلاها دارجها شدقاً وأوسعها عيناً، وأصغرها رأساً، وأصفاها حدقة، وأطولها عنقاً، واقصرها خافية، وأشدها لحماً، وخضرة رجلين وسعة مخلاب، وتعرياً من اللحم وادواؤه وعلاجه كالبازي داء ودواء.
الوصف والتشبيه
قال أبو نؤاس من أرجوزة طردية:
وقد اغتدى بسفرة معلقه ... فيها الذي تريده مرفقه
مبتكراً يزرق أو زرقه ... وصفته بصفة مصدقه
كأن عينيه لحسن الحدقه ... نرجسة نابتة في ورقه
ذو مننسر مخضب معلقة ... كأنه رامشته مخلقه
في كف جود طفلة أو ملعقه ... كم وزة صدنا به ولقلقه
سلاحه في لحمها مفرقه
ومن طردية لعبد الله بن المعتز:
تم له قميص وشى سابغ ... ومنسر ماضي الشباه دافغ
أعقف في حوض الدماء والغ ... رسول زرق نجيب بالغ
تملأ كفيه جناح فارغ
وقال الناشئ:
يا قانص أعد علينا ... بزرق مخبور
مناهض للبازي ... مغالب الصقور
له جناح موشى ... مضاعف التنمير
مظاهر ببردة ... مبطن بحرير
وكف سبع هصور ... محجن الأطفور
تقول فيه الخطا ... طيف لذذت من صقور
ومنسر ذي انعطاف ... كقرن ظبي غرير
في هامة كلفته ... كالجندل المستدير
وصدر باز طرير ... مفوف التحبير
كأنه ثوب وشي ... معرج التسنير
له طنابيب هقل ... وعين صقر ذعور
له بديهة صوت ... كنبذة من زمير
إذا استمرت لسمع ... الغادي لشرب الخمور
ألهته عن كل نأي ... يحكي بهم وزير
الصنف الثالث من البازي

(1/79)


وهو الباشق، وهذا الصنف وإن كان معدوداً في جنس البازي، والزرق فإنه أحر وأيبس، ولغلبة هذا المزاج عليه هو هلع، قلق، ذعر، يأنس وقتاً، ويستوحش وقتاً، ونفسه قوية خائفة فإذا أنس منه الصغير بلغ منه كل المراد، وخير الباشق ما أخذ فرخاً لم يلق من قوادمه ريشة واحدة، متنه دان، وهو متى تم تأنيسه وجد منه باز خفيف المحل، طريف الشمائل يليق بالملك أن يخدمه وإن يستخدمه لخفة محمله، وحسن خلقه، ولأنه يصيد أفخر ما يصيده البازي وهو الدارج والحمام والورشان، والشفنين، وأصحاب الكلام في البيزرة يصفونه بالشبق، ويقولون: إن الأنثى إذا هاجت سقطت على شرف، وصفرت صفيراً حتى يسمع الذكر فيعرفها فيأتيها فإذا أحست به سكنت له فإذا سفدها حلق طائراً ثم يعود، ولا يزال يسفدها ما دامت ساكنة له حتى ربما فعل خمسين مرة وأزيد، فإذا ضجرت شدت عليه لتقتله فيطير محلقاً.
ومن طبعه إذا علق بما هو أشد منه واضطرب في يده لم يسهل عليه نقل كفه من موضع إلى موضع، وإن قوى صيده عليه لم يفارقه أو يتلف أحدهما فسبيله أن لا يرسل على كل ما طلب فيكون قد كلف ما لا يطيق، ومن صفاته المحمودة أن يكون صغيراً في المنظر ثقيلاً في الوزن طويل الساقين قصير الفخذين عظيم السلاح بالنسبة إلى جسمه.
الوصف والتشبيه
قال بعض الشعراء فيه:
إذا بارك الله في طائر ... فخص من الطير اسبهرقي
له هامة كللت باللجين ... فسال اللجين على المفرق
يقلب عينين في رأسه ... كأنهما نقطتا زئبق
واشرب لوناً له مذهباً ... كلون الغزالة في المشرق
حمام الحمام وحتف القطا ... وصاعقة القبح والعقعق
وأحنى عليه إلى أن يعو ... د إليك من الوالد المشفق
فأكرم به وبكف الأمي ... ر وبالدستبان إذا يلتقي
ولكاتب أندلسي يصفه من رسالة: كأنما اكتمل بلهب أو انتعل بذهب، ملتف في سبرة، وملتحف بحبرة، من سيوفه منقاره، ومن رماحه أظفاره، ومن اللواتي تتنافس الملوك فيها تمسكها عجباً بها وتيهاً، فهي على أيديها آية بادية، ونعمة من الله نامية تبذل لك الجهد طرحاً وتعيرك في نيل بغيتك جناحاً، وتتفق معك في طلب الأرزاق، وتأتلف بك على اختلاف الخلق والأخلاق ثم يلوذ بك ليؤذي من يرجوك، ويفي لك وفاء لا يلزمه لك ابنك ولا أخوك.
ثم ذكر حمامة صادها: اختطفها أسرع من اللحظ، ولا محيد لها عنه، وانحدر بها أعجل من اللفظ، وكأنما هي منه، ثم جعل يتناولها بمثل السبعين، ويدخلها في أضيق من التسعين وكأن لها موتاً عاجلاً، وكأن له قوتاً حصلاً.
وقال آخر:
لما انجلى ضوء الصباح وانفلق ... غدوت في ثوب من الليل خلق
بطامح النظرة في كل أفق ... بمقلة تصدقه إذا رمق
كأنها نرجسة بلا ورق ... مبارك إذا رأى فقد رزق
وقال أبو الفتح كشاجم:
يسمو فيخفي في الهواء ويأتي ... عجلاً فينقض انقضاض الطارق
وكأن جؤجؤ وريش جناحه ... خضباً بنقش الفتاة العاتق
فكأنما سكن الهوى أعضاؤه ... فاعارهن نحول جسم العاشق
ذا مقلة ذهبية في هامة ... محفوفة من ريشها بحدائق
ومخالب مثل الأهلة ظالماً ... أدمين كف البازيار الحاذق
وإذا انبرى نحو الطريدة خلته ... كالريح في الإسراع أو كالمارق
وإذا القطاة تخلفت من خوفه ... لم يعد أن يهوى بها من خالق
الصنف الرابع من البازي
وهو العفصي بالباشق كشبه الزرق بالبازي إلا أنه أصغر الجوارح نفساً، وأضعفها حيلة، واشدها ذعراً، وأيبسها مزاجاً، وربما صاد العصفور، وتركه وهرب لخوفه وحذره، وكل طائر حذر وخاف، مات فرقاً، فإن الدراج يخاف حتى يموت لأن الخوف يتحرك فيه حتى لا يحس بجوع ولا عطش حتى يموت، من طبع هذا الطير أنه يرصد الطير أوان حضانه، فإذا طار من وكره خلفه فيه وكسر بيضه ونحاه ورمى بالقشر، وباض مكانه وطار عنه، فيحضنه صاحب الوكر فهو أبداً لا يحضن، ولا يربي، ويتكل على غيره في تربية فراخه، ولم أجد لأحد من الشعراء شيئاً في وصفه، فأثبته، والظاهر أنهم لم يصفوه لأنه يشبه بالباشق، فحملوا الصفة على الصفة واستغنوا بأحدهما عن الأخرى.
الصنف الخامس من البازي

(1/80)


وهو البيدق، ولا يصيد غير العصافير وقلما يندر، من نوعه ما يحصل به غنى، وبعض من أهل هذا الشأن يجعل البيدق والعفصي أسمين موضوعين على مسمى واحد، ويزعم أن أهل مصر يسمون البيدق والعفصي، فعلى هذا يكون البازي أربعة أصناف لا غير )إن شاء الله(.
الوصف والتشبيه
قال أبو الفتح كشاجم يصفه من طردية:
حسبي من البزاة والزرازق ... ببيدق يصيد الباشق
مؤدب مدرب . . . الخلائق ... أصيد من معشوقة لعاشق
يسبق في السرعة كل سابق ... ليس له في صيده من عائق
ربيته وكنت غير الواثق ... إن الفرازين من البيادق
القول في طبائع الصقر
وهو النوع الثالث من الجوارح، وينقسم إلى ثلاثة أقسام، صقر وكونج ويؤيؤ والعرب تسمي كل طائر يصيد: صقراً، ما خلا النسر والعقاب، وتسميه الأكدر والأجدل، وهو من الجوارح بمنزلة البغال من الدواب، لأنه اصبر على الشدة، وأحمل لغليظ الغذاء، وأحسن إلفاً، وأشد إقداماً على حيلة الطير من الكراكين والحبارح، ومزاجه أبرد من سائر ما تقدم ذكره من الجوارح، وأرطب، وذلك معروف في ركوده وقلة حركته، وعدم التفاف ريشه، وبهذا السبب يضرى على الغزال والأرانب ولا يضرى على الطير لأنها تفوقه، وفعله في صيده الانقضاض، والصدم وهو غير صاف بجناحيه، ولا خافق به، ومتى خفق بجناحه كانت حركته بطيئة بخلاف البازي، ويقول أصحاب الكلام في البيزرة أنه أهدأ نفساً من البازي وأسرع أنساً بالناس، وأكثرها رضاً وقناعة، وهو يغتذي بلحوم ذوات الأربع ولبرد مزاجه لا يقرب من المياه، ويعافها، ولو لم يجدها الدهر لما أرادها، ومن أجل ذلك يوصف بالنجر ونتن الفم، وفي طبعه أنه لا يركب الشجر، ولا شوامخ الجبال، ولا يأوي إلا إلى المقابر، والكهوف، وصدوع الجبال، وفيه جبن، ونفسه دون شدته، ولذلك يضرب الغزال والأرانب ويهرب منه، ولا يكاد يعلق بفرسته فإذا فارقها عاد إليها منقضاً فيضربها، ويرقى هارباً، وكل ما تقدم ذكره من الجوارح ينقى بالماء ويغتسل، وهو ينقى بالتمعك في الرمل والتراب.
وصفاته المحمودة: أن يكون أحمر اللون عظيم الهامة، دامع العين، تام المنسر طويل العنق، والجناحين، رحب الصدر، ممتلئ الزور، عريض الوسط جليل الفخذين قصير الساقين والذنب، قريب القفدة من الفقار سبط الكف غليظ الأصابع عظيمهما فيروزجها، أسود اللسان، وقال بعض ظرفاء الشعراء يصف المحمود منها في مزدوجة طردية في قوله
إذا رأيت الصقر بين الصقرين ... له سواد سائل تحت العين
منهرت الشدق عظيم الحرفين ... ململم الهامة ضخم الكفين
كأنما الجؤجؤ مثل الفهرين ... فأبتعه يا صاح بنقد أو دين
فصل
أول من صاد به وضراه الحارث بن معاوية بن ثور بن كنده فإنه وقف يوماً على صياد وقد نصب شبكة للعصافير، فانقض أكدر على عصفور منها قد علق فجعل يأكله، والحارث يعجب، فأمر فأتى به، وقد اندق جناحاه فرمى به في كسر بيت ووكل به من يطعمه، فدربه حتى صار إذا أتاه اللحم ودعاه أجاب ثم صار يطعمه على اليد ثم صار لأنسه به فبينما هو حامله يوماً إذ رأى حمامة فطار عن يده إليها فأخذها وأكلها، فأمر الحارث باتخاذها والتصيد بها فبينا هو يوماً يسير إذ لاحت أرنب فطار الصقر إليها، وأخذها فلما رآه تعاقب بين الطيور والأرانب، ازداد الحارث به عجباً، وفيه محبة واغتباطاً واتخذته العرب من بعده للصيد
الوصف والتشبيه
قال الناشئ يصفه من طردية:
يا رب صقر يفترس الصقورا ... يكسر العقبان والنسورا
يجتاب برداً فاخراً مطروراً ... مشمراً عن ساقه محسورا
يضاعف الوشي بها.. التنميرا ... معرجاً فيه ومستديراً
كما نظم الكاتب السطورا ... كأن ساقيه إذا استثيرا
ساقا ظليم أحكما تضبيراً ... ذي هامة يرى لها تدويرا
كما ادرت جندلاً نفيرا ... تسمع من داخلها صفيرا
يحكي من البراعة الزميرا ... ترى الأوز منه مستجيرا
يناكر الضحضاح والغديرا
وقال أبو الفتح كشاجم:
غدونا وطرف الليل وسنان غائر ... وقد نزل الإصباح والليل سائر
بأجدل من حمر الصقور . . . مؤدب ... وأكرم ما قربت منها الأحامر
جريء على قتل الظباء وأنني ... ليعجبني أن يكسر الوحش طائر

(1/81)


قصير الذنابى والقدامى كأنها ... قوادم نسر أو سيوف بواتر
ورقش منه جؤجؤ وكأنه ... أعادته إعجام الحروف الدفاتر
وما زالت الأضمار حتى صنعته ... وليس يجوز السبق إلا الضوامر
وتحمله منا أكف كريمة ... كما زهيت بالخاطبين المنابر
وعن لنا من جانب السفح ربرب ... على سنن تستن منه الجاذر
فجلى وحلت عقدة السير فانتحى ... لأولها إذا أمكنته الأواخر
يحث جناحيه على حر وجهه ... كما فصلت فوق الخدود المعاجر
وما تم رجع الطرف حتى رأيتها ... مصرعة تهوى إليها الخناجر
الصنف الثاني من الصقر وهو الكونج
ويسمى بمصر السقاوة ونسبته من الصقر كنسبة الزرق إلى البازي إلا أنه أحر منه، ولذلك هو أخف منه جناحاً، وأقل بخراً، وهو يصيد الأرنب، ويعجز عن الغزال لصغره، ويصيد أشياء من طير الماء ويدركها، وشدة نفسه أقل من شدة بدنه، ولأجل ذلك هو أطول في البيوت لبثاً وأصبر على مقاساة الشقاء من الصقر
الوصف والتشبيه
قال بعض الشعراء:
إن لم يكن صقر فعندي كونج ... كأن نقش ريشه المدرج
برد من الموشى . . . أو مدبج ... وكم به للطير قلب مزعج
وكم قتيل بدم . . . مضرج ... بمثله عنا الهموم تفرج
الصنف الثالث من الصقر وهو اليؤيؤ
ويسميه أهل مصر والشام الجلم لخفة جناحيه وسرعتهما، وهو طائر صغير قصير الذنب ومزاجه بالإضافة إلى الباشق بارد رطب، لأنه أصبر منه نفساً وأثقل حركة، ويشرب الماء شرباً ضرورياً كما يشربه الباشق إلا أ،نه أبخر، ومزاجه بالنسبة إلى الصقر حار يابس، ولذلك هو أشجع منه لأنه يتعلق بما يفترسه، ويصيد ما هو أجل منه مثل الدراج والطيطوي. وأول ما يضرى على اللقلق ، ويقال إن أول من صاد به واتخذه للعب بهرام جور وذلك أنه شاهد يوماً يؤيوا يطارد قبرة، ويراوغها، ويرتفع معها ولم يزايلها إلى أن صادها فاتخذه وصاد به
الوصف والتشبيه
قال عبد الله الناشئ:
ويؤيؤ مهذبٍ رشيق ... كأن عينيه لدى التحقيق
فصان مخروطان من عقيق
وقال أبو نؤاس:
قد اغتدى والصبح في دجاه ... كطرة البرد على متناه
بيؤيؤ يعجب من رآه ... ما في اليآني يؤيؤ شراوه
من سفعة طربها خداه ... أزرق لا تكذبه عيناه
فلو يرى القانص ما يراه ... فداه بالدم وقد فداه
من بعد ما تذهب حملاقاه ... لا يؤسد المكاء منكباه
ولا جناحاه يكتنفاه ... دون انتزاع السحر من حشاه
لو أكثر التسبيح ما نجاه ... هو الذي خولناه الله
تبارك الله الذي هداه
وقال أبو الفرج الببغاء:
ويؤيؤ أوحى من القضاء ... ممتع الصورة والأعضاء
ذي سفعة في خده سوداء ... مخبرة عن همة بيضاء
ومقلة صفت من الأقذاء ... تشف عن ياقوتة صفراء
يلعب منها في غدير ماء ... بعيدة الطرح والأنحاء
يخبر في الأرض عن السماء ... ألطف في الجو من الهواء
مبايناً بالطبع للمكاء ... تباين العذر من الوفاء
القول في طبائع الشاهين
هذا النوع ثلاثة أصناف شاهين وأنبقي والقطامي، فأما الشاهين فقال الأصمعي اسمه بالفارسية شوذانه فعربته العرب على ألفاظ شتى سوذانق، وسودنيق وسيذنوق. ويقول أصحاب الكلام في البيزرة الشاهين من جنس الصقر إلا أنه أبرد منه وأيبس، ومن أجل ذلك تكون حركته من العلو إلى السفل شديدة وليس يحلق في طلب الطير، وصيده طائراً على خط مستقيم، و إنما يحوم لثقل جناحيه حتى إذا سامت فريسته انقض عليها هاوياً من علو فضربها، وفارقها يطلب الصعود فإن سقطت إلى الأرض أخذها وإن لم تسقط أعاد ضربها لتسقط، وذلك دليل على جبنه وفتور نفسه، وبرد مزاج قلبه وعلى كل حال فالشاهين أسرع، وأخفها، وأشدها ضراوة على الصيد، إلا أنهم أعابوه بالأباق، وربما يعتريه من الحرص حتى أنه ربما ضرب نفسه الأرض فمات، ويقولون أن عظامه أصلب من عظام سائر الجوارح، ولذلك هو يضرب بصدره، ويعلق بكفه، وقال بعض حذاق أهل هذا الشأن إن الشاهين كأسمه يعني الميزان لأنه لا يحتمل أدنى حال من الشبع، ولا أيسر حال من الجوع والمحمود من صفاته:

(1/82)


أن يكون عظيم الهامة واسع العينين حادهما تام المنسر طويل العنق رحب الصدر ممتلئ الزور، عريض الوسط جليل الفخذين قصير الساقين قريب القفدة من الظهر قليل الريش لينه تام الخواقي، رقيق الذنب، إذا صلب جناحه لم يفضل عنهما شيء منه فإذا كان كذلك فهو يقتل الكركي ولا يفوته صيد كبير، وزعم أهل الإسكندرية أن السود منها هي المحمودة، وإن السواد أصل لونها، وإنما قلبته البرية فحال ويكون فيها الملمع.
فصل
ويقال: إن أول من صاد بها قسطنطين ملك عمورية، حكي أنه خرج يوماً يتصيد بالبزاة حتى انتهى إلى خليج القسطنطينية، وهو المسمى بحر بنطس، فخرج إلى مرج بين الخليج والبحر فسيح فنظر إلى شاهين ينكفئ على طير الماء فأعجبه ما رأى من سرعته وضراوته والحاحة على صيده فأمر أن ينصب له حتى صيد، ثم ريضت له بعد ذلك الشواهين، وعلمت أن تحوم على رأسه إذا ركب فتضله من الشمس، فكانت تنحدر مرة وترتفع أخرى فإذا ركب وقعت حوله.
الوصف والتشبيه
قال الناشئ:
هل لك يا قناص في شاهين ... شوذانق مؤدبٍ أمين
جاء به السائس من رزين ... ضراه بالتحسين والتليين
حتى لأغناه عن . . . التلقين ... يكاد للتثقيف والتمرين
يعرف معنى الوحي بالجفون ... يظل من جناحه المزين
في قرطق من خزه الثمين ... يشبه في طرازه المصون
برد أنو شروان أو شيرين ... مضاعف في النسج ذي غصون
)كدرع يزدجرد أو شرون( ... أحوى مجاري الدمع والشؤون
وافٍ كشطر الحاجب القرون ... منعطف مثل انعطاف النون
يبدي اسمه معناه للعيون
وقال أبو الفتح كشاجم:
يا رب أسرابٍ من الكراكي ... مطعمة السكون في الحراك
بعيدة المنال والإدراك ... كدر وبيض اللون كالأفناك
تقصر عنها أسهم الأتراك ... ذعرن قبل لغط المكاك
وقبل تغريد الحمام الباكي ... بغاتك يربى على الفتاك
مؤدب الإطلاق والإمساك ... ململم الهامة كالمداك
مثل الكمي في السلاح الشاكي ... ذي منسر ضخم له شكاك
ومخلب بحده.. فتاك ... للمجيب عن قلوبها هتاك
حتى إذا قلت له دراك ... وحلقت تسمو إلى الأفلاك
ممتدة الأعناق والإدراك ... موقنة بعاجل الهلاك
غادرها يهوي على الدكاك ... أسرى بكفيه بلا فكاك
يا غدوات الصيد ما أحلاك ... ومنة الشاهين ما أقواك
لم تكذبي فراسة الأفلاك ... إياك أعني ما دحا إياك
الصنف الثاني من الشاهين
وهو الانيقي ويسميه العراق الكرك، وهذا الصنف دون الشاهين من القوة إلا أن فيه سرعة تزيد على صيد العصافير، قال بعض الشعراء يصفه بذلك:
غنيت عن الجوارح بالانيقي ... بمثل الريح أو لمع البروق
أصب به العصفور حتفاً ... فأرميه بصخرة منجنيق
تضمن أضياف كرام ... ويحمل ما ينوب عن الحقوق
ويوسع رحالنا بمطجنات ... نرويها من الراح العتيق
الصنف الثالث من الشاهين
وهو القطامي ويسميه أهل العراق البهرجة و ذكر العلماء بالصيد أنه في طبع الشاهين، والعرب تخالف ذلك وتسمي بعض الصقور القطامي والمعنون بالكلام في الجوارح يخالفوهم فيما ادعوه، هذا قول كشاجم في كتاب المصايد والمطارد، ولك أجد لأحد من الشعراء في وصفه شيئاً.
ويلحق بما ذكرنا في الجوارح ما ناسبها في الافتراس وأكل اللحم الحي وهو الصرد ويسمى الشقراق، والأخطب، والأخيل، )وذكر ابن قتيبة أن من أسمائه الواق(، وبعضهم يسميه باز العصافير، )وهو طائر مولع بسواد وبياض ضخم المنقار(، وفي طبعه شره وشراسة، وسرقة لفراخ غيره، ونفور من الناس، يصيد الحيات ويغتذي باللحم ويأوي الأشجار ذوات الشوك، وفي رؤوس القلاع، حذراً على نفسه ممن يصيده وله من الحيل في صيد ما دونه من الطير كالعصفور، والصعو، وغير ذلك من تغير صوته وحكاية كل صوت لذي جثة صغيرة، فيدعوها ما تسمع منه إلى التقرب ظناً منها أنه من جنسها، فإذا اجتمعن إليه شد على بعضهن فأخذه وأكله، له نقر شديد وإذا نقر شيئاً أكله في ساعته
الوصف والتشبيه
قال الناشئ يصفه، ويصف صيده:
لا شيء أحسن باقتناص من مرد ... يلهيك في طرد منها عن الطرد

(1/83)


مثل السماني إذا ما ظل منتحباً ... لقتله طاوياً منه على حمد
ذي منسر كنواة القسب منعوج ... عن مثل سم المعي للطعم مزدرد
وهامة فخمة سكاء مدبجة ... تبدو كطبخانة أوفت على جرد
أظفر كمسلاة . . . معطفة ... أشد من لدغ حر النار في الجسد
عليه من برده وشي له كفف ... مثل الجوق التي شدت من الزرد
مثل الدوابر من ترجيع واشمة ... أو كالسهاد يرى في أجفان ذي سهد
أو كالكتاب الذي أنضاه كاتبه ... وناط منعرجاً منه بمطرد
إذا تقنص عصفوراً فأورده ... حوض المنية عن أيدٍ وعن جلدٍ
رأيت مثلين ذا بالقهر يغلب ذا ... محكماً فيه حكم الليث في النفد
فيستدل بما أبداه من عجب ... على مقادير صنع الواحد الأحد
فصل
وأما كلاب الطير وهي وإن كانت سباعاً، لكنها ليست أنفسها كراماً لأكلها الجيف، وهي النسر والرخمة، والحدأة، والغراب، ومجموعها عند ابن أبي الأشعث ناري أرضي ومزاجه حار بحسب زيادة كمية النار فيه على كمية الأرض، وهو من اليبوسة في الغاية القصوى، يأوي الجبال والأجراف، وما كان من الأرض شامخاً، ويأكل اللحم، والجيف، ولا يفترس، ولنجعل ما نبدأ بذكر من هذا النوع النسر.
القول في طبائع النسر
وهو ذو منسر، وليس بذي مخلب، وإنما له أظفار حداد كالمخلب لأن المخلب ما قنص به صاحبه، كقبض الصقر والبازي، وهو يسفد كما يسفد الديك، وزعم الفاحصون عن أخلاق الحيوان وطبائعها: إن الأنثى من هذا الصنف تبيض من نظر الذكر إليها فتجري حركة الشهوة للسفاد منها مجرى السفاد فتلتذ بذلك وهي لا تحضن، وإنما تبيض في الأماكن العالية الصاحبة للشمس فيقوم حر الشمس للبيض مقام الحضن، وينسب النسر إلى قلة المعرفة والكيس والفطنة، ويوصف بحدة البصر حتى أنه يرى الجيفة عن أربعمائة فرسخ، وكذلك حاسة الشم إلا أنه إذا شم الطيب مات لوقته، وهو أشد الطير طيراناً، وأقواها جناحاً، حتى أنه يطير ما بين المشرق والمغرب في يوم واحد وهو إذا وقع على جيفة )وعليها عقبان تأخرت بأسرها ولم تأكل ما دام يأكل منها، وتخافه كل الجوارح، ولا يقوم له شيء منها وهو شره، نهم، رغيب فإذا سقط على الجيفة( وتملى منها لم يستطع الطيران حتى يثب وثبات يرفع بها طبقة طبقة في الهواء حتى يدخل تحت الريح، وكل من أصابه بعد امتلائه ضربه إن شاء بعصى، وإن شاء بغيرها حتى ربما صاده الضعيف من الناس، وفي طبعه أن الأنثى تخاف على بيضها، وفراخها من الخفاش فتفترش في وكرها ورق الدلب لينفر منه، وهو أشد الطير حزناً إذا فقد الأنثى وإذا فقدت الأنثى الذكر امتنعت عن الطعم والحركة أياماً، ولزمت الوكر، وربما قتلها الحزن عليها، وهو أطول الطير عمراً، حتى يقال أنه يعمر ألف سنة، ولم أجد لأحد الشعراء وصفاً فيه فأثبته، لأنه لا يملك، وإن وقع من ذلك شيء فإنما يقع في وصف الجيوش، لأن من عاداتها أن تتبعها طمعاً في مصارع القتلى.
القول في طبائع الرخم
ويسميه العرب الأنوق، ويقال أنه اسم للذكر، وهو يشارك العقاب، والنسر في ارتفاعه حين الطيران، وصفته أنه طائر ضخم أبيض، وربما خالط لونه لون الإنغماس، وهو النقط الصغار، وهو زهم سهل يأكل الجيف، ولا يصطاد، وفي طبعه أنه لا يرضى من الجبال إلا بالوحشي منها، ومن الأماكن إلا بأسحقها وأبعدها عن مواضع أعدائه، ثم من هذه الجبال في رؤوس هضابها، ثم من الهضاب في صدوع صخورها، ولذلك تضرب العرب المثل بامتناع بيضها فيقولون: أعز من بيض الأنوق، ويقال أن الأنثى منه لا تمكن من نفسها غير ذكرها، وإنها لا تبيض من سفاد بل بالمذاقة، كما يقال في الغربان، وهي تبيض بيضة واحدة وربما أتأمت في النادر، ومن عاداتها أنها تحضن بيضها وتحمي فرخها، وتحبه، وتقول العرب في أكاذيبها، قيل للرخمة: ما أحمقك؟ قالت وما حمقي؟ وأنا أقطع في أول القواطع، وأرجع في أول الرواجع، ولا أطير في التحسير ولا أغتر بالشكير ولا أسقط على الحقير، ولم أجد لأحد من الشعراء في وصفها شيئاً إذ الحال فيها كالحال في النسر.
القول في طبائع الحدأة

(1/84)


والحدأة تبيض بيضتين، وربما باضت ثلاثاً، وخرج منها ثلاثة أفراخ وهي تحضن عشرين يوماً، ومن ألوانها السود والربد، وقال أصحاب الكلام في طبائع الحيوان الحدأة لا تصيد، وإنما تخطف، وفي طبعها أنها تقف في الطيران وليس ذلك لغيرها من الكواسر وذكر ابن وحشية: إن العقاب والحدأة يتبدلان فيصير العقاب حدأة، والحدأة عقاباً، ويقال: إن الحدأة أحسن الطير مجاورة لما جاورها من الطير، ولو ماتت جوعاً، ولا تعدو على فرخ ما جاورها ويزعم نقلة الأخبار وحملة الآثار أن الحدأة من جوارح سليمان عليه السلام، وإنما امتنعت أن تملك أو تألف لأنها من الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده، ولو كانت الحدأة مما يصاد بها لما كان في الكواسر أحسن صيداً منها، ولا أجل ثمناً، وفي طبعها أنها لا تخطف إلا من يمنة من تخطف منه دون شماله، حتى أن بعض الناس يقول عسري فلذلك لا يمكنها أن تأخذ من يسار إنسان شيئاً، وليس فيها لحم، وإنما هي عظام، وعصب، وجلد، وريش.
القول في طبائع الغراب
وأصناف: الغداف، والزاغ الأكحل، والزاغ الأورق، وهذا الصنف يحكي جميع ما يسمعه، حتى هو في ذلك أعجب من الببغاء، والغراب الأبقع المورد، والغراب الأبقع الأغبر، ورأيت غراباً أبيض أهداه متولي الإسكندرية إلى السلطان الملك الظاهر صاحب مصر - رحمه الله - ، وقد حكي أن الغربان والعصافير والخطاف يكون في بلاد الشديدة البرد كذلك، وكذلك أوبار ذوات الأربع وشعورها تكون في تلك البلاد بيضاً وشعور الناس فيها ضاربة إلى البياض حتى الحواجب والأهداب، وسائر أنواع الغراب من ذوات المناقر لا من ذوات المناسر وهي من الطير القواطع في الشتاء، الرواجع في الصيف، وإنما سميت قواطع لأنها تقطع إلى الأماكن في وقت دون وقت، وفصل دون فصل والطير التي تقيم بأرض شتاءً وصيفاً فهي الأوابد، والغراب ليس بهيمة لمكان أكله الجيف، وليس بسبع لعجره عن الصيد وفي طبعه عند السفاد، وهو يسفد مواجهة، ولا يعاود الأنثى إذا سفدها أبداً لقلة وفائه، والأنثى تبيض أربع بيضات أو خمساً، وإذا خرجت الفراخ من البيض وقويت أجنحتها طردتها، والفرخ يخرج من البيضة قبيحاً جداً يكون حينئذ صغير الجرم عظيم الرأس والمنقار أجرد الجلد أسوده، متفاوت، فأبواه ينكرانه لذلك ويتركانه فيجعل الله قوته من الذباب والبعوض اللذين يكونان في عشه إلى أن ينبت ويقوي ريشه فيعود إليه أبواه، ويربيانه، وعلى الأنثى الحضن، وعلى الذكر أن يأتيها بالطعام، وفي طبعه، أنه لا يتعاطى الصيد، بل أن أصاب جيفة نال منها، وإلا مات هزالاً أو يتقسم كما يتقسم بهائم الطير، وضعافها، والغراب الأسود يكون مثله في الزنوج فإنهم شداد البأس وأردى الخلق تركيباً ومزاجاً، كمن بردت بلاده فلم تنضجه الأرحام، أو سخنت بلاده فأحرقته الأرحام، والأبقع يكون اختلاف تركيبه دليلاً على فساد مزاجه، وهو الأم من الأسود وأضعف، وفي الغراب حذر شديد وتناصر، والغداف يقاتل البوم، ويخطف بيضها في أنصاف النهار ويأكله لأنها حينئذ لا تبصر شيئاً فإذا كان الليل شدت البوم على بيض الغداف فأكلته لأنها أقوى منه حينئذ ومن عجيب ما أودع في الغراب من الإلهام إن الإنسان إذا رام أن يأخذ أفراخه حملت الأنثى والذكر بأرجلهما حجارة، وحلقا في الجو، وطرحا الحجارة عليه يريدان بذلك دفعه، والعرب تتشاءم بالغراب، ولهذا اشتقوا من اسمه الغربة والاغتراب والغريب، ويرون أن صياحه أكثر أخباراً، وإن الزجر أعم فيه.
قال عنترة يصفه بذلك:
ظعن الذين فراقهم أتوقع ... وجرى بينهم الغراب الأبقع
حرق الجناح ليحمي رأسه ... جلمان بالأخبار هش مولع
ولما كان صافي العين حادها سموه مخافة الزجر والطرة، الأعور، كما كنوا الأعمى بالبصير والغراب من الطير القواطع يأتي من حيث لا يبلغ حمام، وذلك أن الثلج إذا طبق البلاد التي قطعت إليها خرجت منها نحو الصحارى، والجبال، والجزائر، حتى تعود إلى أماكنها من غير تدريب ولا تعليم، فتقيم في الدفء مدة، ثم تعرف وقت انحسار الثلوج عن تلك البلاد فترجع فلا تغادر مساكنها الأولى التي كانت فيها وليس ذلك خفي عن أحد، ويزهو الغراب، وصحة بدنه، وصفاء مقلته، وحدة بصره يضرب المثل
الوصف والتشبيه

(1/85)


وقد اولع الناس بذكر الغراب في أشعارهم، وذموه بالتطير، وادعوا أن نعيبه سبب البلى والتغيير، وأظرف ما قيل في ذلك قول الطرماح بن حكيم:
وجرى بينهم غداة تحملوا ... شنج النسا أدمى الجناح كأنه
من ذي الأثارب شاجح يتعبد ... في الدار أثر الضاغين مقيد
وقال يوسف بن هارون الرمادي الأندلسي:
أيا حاتماً ما أنت حاتم طيء ... وما أنت إلا حاتم الحدثان
كأنهم من سرعة البين أودعوا ... جناحيك واستحثثت للطيران
ومن رسالة لبديع الزمان يذم فيها رجلاً: ما أعرف لعمار مثلاً إلا الغراب الأبقع مذموماً على أي جني وقع، إن طار فقسم الضمير، وإن وقع فروعة النذير وإن حجل فمشية الأسير وإن شجح فصوت الحمير، وإن أكل فدبر البعير، وإن سرق فعلة الفقير وقال أحمد بن فرج الجبائي:
أما الغراب فمؤذن بتغرب ... وشكا فصدق بالنوى أو كذب
داجي القناع كأن في إظلامه ... إظلام يوم تفرقٍ وتغرب
ومقنا الأطراف تحسب أنها ... بدمائنا خضبت وإن لم تخضب
ويح الهوى ملأ القلوب مخافة ... حتى باغربة الفلاة ينعب
فصل
ذهب ابن أبي الأشعث: إلى أن في الطير جوارح تسمى جوارح الماء وقال في مزاجها أنه ناري مائي، ولذلك هي تطير في الجو فوق البخار، ومرعاه الماء، وما يتصيد منه ثم قال: وهذا النوع مزاجه معتدل في الحرارة والرطوبة على تساو في الكيفية، )وزيادة في الماء بالكمية( وزيادته في الرطوبة بحسب الكمية لا بحسب الكيفية، )وزيادة في الماء بالكمية( وزيادته في الرطوبة بحسب الكيفية، ومن أشخاصه، زمج الماء الذي يسمى بمصر، النورس وهو يعلو في الجو ويزج نفسه على سطح الماء فيختلس منه السمكة بكفيه، ولا يقع على الجيف، ولا يتغذى بغير السمك، ومن أشخاصه القرلي وهو طائر أبلق ببياض وسواد هفاف، يتعلق غالباً فيزج نفسه فيختلس السمك بمنقار له طويل وهو غير محب للأنس، ولهذا لا يفارق شطوط الأنهار، ومعاشه من البق والذبان، ولا يزال مرفوعاً في البخار يرى شيئاً من معاشه فيتدلى لأخذه، ولم ير قط طائراً ولا واقفاً بل محدم، وجناحاه في خلفهما لا يعرفان السكون أبداً بل يخفقان دائماً وبه يضرب المثل في الهلع من الشر والطمع في الخير فيقال: فلان كالقرلي إن رأى خيراً تدلى وإن رأى شراً تعلى، ومن أشخاصه طائر يسمى السياف وهو شاهمرج صغير يختلس السمك من سطح الماء، والشاهات ، فيها دجليه صغار وبحرية كبار، ومنها الكافورية الزرق، والصقرية الشهب، وهي كلها تركب سطح الماء وتأخذ ما تفترسه منه وتبلعه بلعاً، وهي إذا نقلت إلى المنازل افترست الهوام البرية، وكل طائر أمكنها بلعه.
الوصف والتشبيه
قال بعضهم من قصيدة يرثي بها شاهمرجا:
ملك الطير له ... فيها سناء وافتخار
خلصت منها له ... أعراق صدق وبحار
كأن في صورته ... لون بياض واحمرار
كأن في الهامة يلمم ... وفي الرحل انتشار
مكنس ما توق ساق ... شمر عنه الأزرار
الباب السابع
في ذكر بغاث خشاش الطير وطبائعها
وأهم ما نجعل ابتدائنا بذكره الطير المتونم الذي يصدع القولب بتغريده ويثير اشواقها بتغريده، ويجدد رغبات المحبين في الأحباب بهديله، ويصرف خواطرهم عن أن تستغل عمن ألفته وعديله وهو:
الحمام
والعرب لا تطلق هذا الاسم على الذي اصطلح الناس على تسميته بالحمام التي وهي الدواجن في البيوت، والبروج فإنهم يسمون هذا النوع يماماً والحمام عندهم كلما كان له طوق، وقال الجاحظ: كل طائر يعرف بالزواج وحسن الصوت، والهديل، والدعاء، والترجيع، فهو حمام، وإن خالف بعضه بعضاً في الصورة واللون والهديل، فالقمري حمام، والدبسي حمام والفواخت حمام، والورشان حمام، والسفنين حمام، وكلها تبيض بيضتين، فإن باضت حيناً ما ثلاث بيضات فسدت واحدة، أو اثنتان، وصحت واحدة، وذكر بعضهم: إن الفواخت والشفانين تسفد وتبيض، ولها ثلاثة أشهر، وتحمل أربعة عشر يوماً، وتجلس على البيض أربعة عشر يوماً، وتصير لها أجنحة، وتطير بعد أربعة عشر يوماً

(1/86)


فأما القمري: فسمي لبياضه، وحكاية صوته يضحك الإنسان، والعرب تسمي ذكره ساق حر لصياحه وحكاية صوته، ومن طبعه أنه شديد المودة والرحمة أما مودته، فإنه يعرج على فنن من أفنان شجرة على كلها أعشاش لأبناء جنسه يصايحها كل، ولا يعتزل اعتزال الغراب، وأما رحمته، فإنه يربي ولده ويعف عن أنثاه ما دام ولده صغيراً، وهو يطاعم أنثاه وتطاعمه، ويظهر منه عليها وله، وفيه من المروءة أنه متى تزوج لا يبتغي بأنثاه بديلاً، وله اعتناء بنفسه وإعجاب بها، ومن عادته أنه يعمل عشه في طرف فنن دائم الاهتزاز احترازاً على فرخه بسعي إليه شيء من الحيوان الماشي فيقتله.
الوصف والتشبيه
قال أبو الفتح كشاجم يصفه من أبيات رثاه بها أولها:
ومطوق من حسن صنعة ربه ... طوقين خلقهما من النوار
لهفي على القمري لهفاً دائماً ... يكوي الحشا بجوى كلذع النار
لون الغمامة لونه ومناسب ... في خلقه الأقلام بالمنقار أما الدبسي:
سمي بذلك للونه لأن الدبيسه حمرة بسواد، وهو أصناف مصري وحجازي، عراقي، وكلها متقارب، لكن أفخرها المصري، ولونة الدكنة، وفي طبع هذا الحيوان ساقطاً على وجه الأرض، بل في الشتاء له مشتى، وفي الصيف له مصيف، ولا يعرف له وكر.
وأما الورشان: فأصناف منها النوبي وهو ورشان أسود حجازي، إلا أنه أشجى من الورشان صوتاً، ومزاجه بارد رطب بالنسبة إلى الحجازيات، وصوته بين أصواتها كصوت اليم على وجه العود، والورشان المعروف أبرد وأرطب منه لذلك يعروه الصرع، ويوصف بالحنة على أولاده حتى أنه ربما قتل نفسه إذا رآها في يد القناص.
الوصف والتشبيه
قال أبو بكر الصنوبري:
أنا في نزهتين من بستاني ... حين أخلو به من ورشانِ
طائر قلب من يغنيه أولى ... منه عند الغناء بالطيران
مسمع يودع السامع ماشا ... ءت وما لم تشأ من الألحان
في رداء من سوسن وقميص ... وردته عليه تشرببيان
قد تفشى لون السماء قراه ... وتراءى في جيده الفرقدان
وأما الفواخت: فهي عراقية وليست حجازية، وفيها فصاحة وحسن صوت، وصوتها في الحجازيات، يشبه صوت المثلث، وفي طبعها، أنها تألف بالناس، وتعشش في الدور، والعرب تضرب بها المثل، فإن حكاية صوتها عندهم، هذا أوان الرطب، تقول ذلك، والنخل لم يطلع، قال الشاعر:
أكذب من فاختة ... تقول وسط الكرب
والطالع لم يبد لها ... هذا أوان الرطب وهذا الحيوان يعمر، وقد ظهر منه ما عاش خمساً وعشرين سنة، وما عاش أربعين سنة على ما حكاه أرسطوطاليس.
الوصف والتشبيه
مررت بمطراب الغداة كأنها ... تعل من الإشراق راحاً مفلفلا
منمرة كدراء تحسب أنها ... تجلل من جلد السحاب مفصلا
تريك على البين طوقاً ممسكاً ... وطرفاً كما ترنو الغزالة أكحلا
لها ذنب وافي الجوانب مثل ما ... تجرد طلعاً أو تجرد منصلا
إذا حلقت في الجو خلت صياحها ... برد صغير أو يحرك جلجلا
وأما الشفنين: وهو الذي تسميه العامة يماماً، وصوته في المترنم كصوت الرباب في الأوتار، صوتاً محزوناً جداً، وهي متى اختلطت مع أصواتها حسنت، وأما مفرداً فلا لان الزمر مستحسن مع الغناء، وغير مستحسن وحده، وفي طبعه أنه متى فقد أنثاه لم يزل أعزباً يأوي إلى بعض فراخه إلى أن يموت، وكذلك الأنثى إذا فقدت الذكر، وفي تركيبه أنه إذا سمن سقط ريشه، وامتنع عن السفاد، فهو لذلك لا يشبع نفسه، وهو طائر ساكن جداً ويؤثر العزلة، والنفور عن مواضع الجماعات، ولا يكثر الأفراخ وإنما له بطن أو بطنان في العام، ولا يرى إلا في الصيف، وهو في الشتاء ينجحر في أعمال، فلا يظهر، ومنه صنف يرى في الخريف خاصة، وقد ألهم الشفنين أنه يحترس من أعدائه بالسوسن يتخذه في وكره.
واليعتبط: ويسمى بصوته، وهو شريف في طيور الحجاز، وحاله حال القمري مثلاً بمثل إلا أنه يختص بأشياء منها أنه أحر مزاجاً منه، وأعلى صوتاً، وكأن القمري جمع حسناً وغناء واليعتبط بقي على حاله وعلى الخلقة المعودة من الرجال.
الوصف والتشبيه
قال أبو الفتح:
وناطق لم يخش في النطق غلط ... ما قال شيئاً إلا يعتبط
وإنما أوردت هذين البيتين منهما اسم هذا الطائر فقط لئلا يصحف.

(1/87)


والنواح: وهو طائر كالقمري، وحاله حاله إلا أنه أحر منه مزاجاً، وأرطب، وأدمث وأشرف ويكون للأطيار الدمثة ملكاً، وهو بصوته يهيجها إلى التصويت، لأنه أشجاها صوتاً، وأنعمها، وجميعها تهوى استماع صوته وتؤثره، وكأنه مخنث طيب الغناء يسره استماع غناء نفسه.
والقطا: وهو نوعان كدري، وجوني، فالكدر غبر الألوان رقش الظهرو والبطون، صفر الحلوق، قصار الأذناب، وهو الطف من اجوني.
والجونية سود بطون الأجنحة والقوادم، ولبابها أبيض، وفيه طوقان أصفر وأسود، والظهر أغبر أرقط تعلوه صفرة، وتسمى الجونية غتما، لأنها لا تفصح بصوتها، إذا صوتت، إنما تغرغر بصوتها في حلقها، والكدرية فصيحة، تنادي باسمها، ولهذا يضرب المثل بها في الصدق، قالوا: والقطاة لا تضع بيضها أبداً إلا أفراداً، )وهي ثلاثة(، وفي طبعها أنها إذا أرادت الماء ارتفعت من أفاحيصها أسراباً لا متفرقة عند طلوع الفجر إلى حين طلوع الشمس مسيرة سبع مراحل فحينئذ تقع على الماء، وتشرب نهلاً، والنهل شرب الإبل والغنم أول مرة، فإذا شربت أقامت حول الماء متشاغلة إلى مقدر ساعتين أو ثلاث، ثم تعود إلى الماء ثانية، وتوصف بالهداية، والعرب تضرب المثل بها في ذلك، وذلك أنها تبيض في القفر، وتستقي لأولادها من البعد في الليل والنهار، فتجيء في الظلماء، وفي حواصلها الماء، فإذا صارت حيال أولادها صاحت " قطا " فلم تخطء بلا علم، ولا شجرة، ولا علامة، ولا دليل وقال أبو زياد الكلابي: أن القطا يطلب الماء من مسيرة عشرين ليلة، وفوقها، ودونها وهي تنهض من أفاحيصها حين يطلع الفجر فترد الماء ضحى، والذي ترد من عشرة أيام تنهض مع الأشراق، وهو طلوع الشمس، وتوصف القطا بحسن المشي لتقارب خطاها، والعرب تشبه مشي النساء الخفرات بمشيها ونصفه به.
الوصف والتشبيه
قال أعرابي من أبيات:
كأنها حين تهادى تهتلك ... شمس وظل ذا بهذا يأتفك
ومعنى يأتفك يجيء ويذهب لأن ريش جناحها أسود وريش بدنها أبيض، إذا خفقت بهما انقسم النظر إلى السواد والبياض، وقال آخر:
أما القطاة فإني سوف أنعتها ... نعتاً يوافق منها بعض ما فيها
سكاء مخطوطة في ريشها طرق ... صهب قوادمها كدر خوافيها
منقارها كنواة القشب قلمها ... بمبرد حذق الكفين باريها
تمشي كمشي فتاة الحي مسرعة ... حذار قوم إلى سترٍ يواريها
تسقي الفراخ بأفواه مرفقة ... مثل القوارير شدت من أعاليها
وقال أبو إسحاق بن خفاجة يصفها:
ولرب طيار خفيف قد جرى ... فشلاً بجار خلفه طيار
من كل قاصرة الخطى مختالة ... مشي الفتاة تجر فضل أزار
مخضوبة المنقار تحسب أنها ... كرعت على ظمأ بكأس عقار
لا تستقر بها الآداجي خشية ... من ليل ويل أو نهار بوار
ومن الأوصاف الجامعة لمجموع هذا النوع قول بعض الأعراب:
وقبلي أبكى كل من كان ذا هوى ... هتوف البواكي والديار بلاقع
وهن على الأفلاق من كل جانب ... نوائح ما تخضل منها المدامع
مزبرجة الأعناق نمر ظهورها ... مخطمة بالدر خضر روائع
ترى طرراً بين الخوافي كأنها ... حواشي برد زينتها الوشائع
ومن قطع الياقوت صيغت عيونها ... خواضب بالحناء فيها الأصابع
والجامع لكل الأوصاف والتشبيهات لهذا النوع قول أبي الأسود الدؤلي:
وساجع في فروع الأيك هيجني ... لم أدر لم ناح مماتي ولم سجعا
أباكياً ألفه من بعيد . . . فرقته ... أم جزعاً للنوى من قبل أن يقعا
يدعو حمامته والطير هاجعة ... فما هجعت له ليلى ولا هجعا
موشح سندساً خضراً مناكبه ... ترى من المسك في أذياله لمعا
له من الآس طوق فوق لبته ... من البنفسج والخيري قد جمعا
كأنما غب في مسود غالية ... وحل تحته الكافور فانتفعا
كأن عينيه من حسن أصفرارهما ... فصان من حجر الياقوت قد قطعا
كأن رجليه من حسن احمرارهما ... مادق من شعب المرجان فاستعا
شكى النوى فبكى خوف الآسى فرمى ... بين الجوارح من أوجاعه وجعا
والريح تخفضه طوراً وترفعه طوراً ... فمنخفضاً يدعو ومرتفعا
كأنه راهب في رأس صومعة ... يتلو الزبور ونجم الليل قد طلعا

(1/88)


وقال أبو اللبانة:
وعلى فروع الأيك شادٍ يحتوي ... طربي لا تحتويه الأضلع
يندى له طرب الهواء فيغتذي ... ويظله ورق الغصون فيهجع
تخذ الأراك أريكة . . . لمنامه ... فله إلى فيها مضجع
حتى إذا ما هزه نفس الصبا ... والصبح هزل منه شدو مبدع
فكأنما تلك الأراكة منبر ... وكأنما فيها خطيب مصقع
وهذه القطعة، وإن لم يكن فيها شيء من الوصف والتشبيه، فحسن معاني أبياتها دعاني إلى إثباتها، وقال بعض الشعراء يصف مطوقة:
دعت ساقٍ دعوة لو تناولت ... بها الصم من أعلى أبان تحدرا
تبكي بعين ليس تجري دموعها ... ولكنها تجري الدموغ تكررا
محلاة طوقٍ ليس تخشى انفصاله ... أذاهم أن يبلى تجدد آخرا
لها وشح دون التراقي ودونها ... وصدر كمعطوف البنفسج أخضرا
تنازعها ألوان شيء صقالها ... بدا لتلالئ الشمس فيه تحيرا
وقال بعض الأندلسيين:
وما شاقني إلا ابن ورقاء هاتف ... على فنن بين الجزيرة والجسر
مفستق طوقس لازوردي كلكل ... موشى الطلي أحوى القوادم والظهر
أدار على الياقوت أجفان لؤلؤ ... وصاغ على الأجفان طوقاً من التبر
حديد شبا المنقار داجٍ كأنه ... شبا قلم من فضة مد من حبر
توسد من فرع الأراك أريكة ... ومال على طي الجناح من النحر
ولما رأى دمعي مراقاً أرابه ... بكائي فاستولى على الغصن النضر
وحث جناحيه وصفق طائراً ... فطار بقلبي حيث طار وما يدري
القول في طبائع اليمام
وقد نقلنا عن العرب أن هذه التسمية واقعة على النوع الذي يسميه عامة الناس الحمام، وهو أصناف مختلفة الأشكال، والألوان وهي: الرواعب وهذا الصنف ألوان كثيرة، زعم الجاحظ أن الراعبي مولد بين ورشان ذكر وحمامة أنثى، فأخذ من الأب الجثة، ومن الأم الصوت وفاته سرعة الطيران، فلم يشبهها فيه، وله عظم البدن وكثرة الفراخ والهديل، والقرقرة لأبويه، حتى صار ذلك سبباً للزيادة في ثمنه، وعلى الحرص على إيجاده والرغبة فيه.
والمراعيش: وهي تطير مرتفعةن حتى تغيب عن النظر فترى في الجو كالنجم وفيها ما يبقى يوماً وليلة.
والعداد: وهو طير ضخم قليل الطيران كثير الفراخ والميساق: وهو أضخم من العداد وأنهل، ثقيل الجسم، لا يستطيع الطيران إلا قليلاً.
والشداد: وهذا الصنف لا يلزم الطيران في الجو وله في جناحيه حتى يقال أنه كسر بهما الجوز، ولا يأتي الغابة لبله فيه، وأصحاب الرغبات في تربية هذا الصنف يلقونه على البصريات، فيخرج من بينهما حمام يسمى )المضري( يجمع فيه هداية البصري وشدة الشداد يطير صعداً حتى يرى كالنجم، وربما أقام الواحد منها قائماً على ذنبه يوماً وليلة، وفي ذنبه ثلاثون ريشة.
والقلاب: ويسميه العراقيون الملاح، والشقاق وطيرانه تحويم.

(1/89)


والمنسوب: ويسميه العراقيون الهوادي، والمصريون البصاري، يعنون البصرية وهو بالنسبة إلى ما قدمنا ذكره كالعتاق من الخيل إلى ما عداها من البراذين وفيها العلوي وهو أسرع طيراناً، والطف جرماً، أحمر العين، مدور الرأس، مشمر السوق إلى أعلى الركبتين من الريش والناس يناضلون بالهوادي في السبق إلى الغايات، وطبعها الحرارة والرطوبة، وتسمى بالبصرة المذنبيات، وقال الجاحظ وقد يباع الحمام منها بخمسمائة دينار ولم يصل إلى هذا الثمن شيء من الطير، وتباع البيضة بخمسة دنانير والفرخ بعشرين ديناراً، وفي طبعه أنه يطلب ذكره ولو أرسل من آلاف فرسخ يحمل الأخبار ويأتي بها من المسافة البعيدة في المدة القريبة، وفيه ما يقطع ثلاثة آلاف فرسخ في يوم واحد، وربما اصطيد، وغاب عن وطنه عشرة حجج، ثم هو على ثبات عهده، وقوة عقده، وحفاظه، ونزاعه إلى وطنه، حتى يجد فرصة صار إليه، وإن كان جناحه مقصوصاً جدف به، وحثته نفسه إلى المضي إلى سكنه فأما بلغ وأما عذر، وهو ملقى غير مرقى، وأعداؤه كثيرة، وسباع الطير تطلبه أشد الطلب، وخوفه من الشاهين أشد من خوفه من غيره، وهو أطير منه ومن سباع الطير ولكنه يذعر فيجهل باب المخلص ويعتريه ما يعتري الحمار إذا رأى أسداً، والشاة إذا رأت ذئباً، والفأر إذا رأى هراً، ومن عجائب الطبيعة المركبة، ما حكاه ابن قتيبة في كتابه عيون الأخبار عن المثنى بن زهير أنه قال: لم أر شيئاً قط من رجل وامرأة إلا وقد رأيته في الحمام رأيت حمامة لا تريد إلا ذكرها، والذكر لا يريد إلا أنثاه إلى أن يهلك أحدهما، أو يؤخذ ويؤنس منه، ورأيت حمامة تزيف للذكر ساعة يريدها، ورأيت حمامة لها زوج، وهي تمكن آخر منها ما تعدوه، ورأيت حمامة تقحط حمامة ويقال: أنها تبيض عن ذلك لكن لا يكون لذلك البيض فراخ، وهو في سبيل البيض الريح ورأيت ذكراً يقحط ذكراً، ورأيت ذكراً يقحط كل ما لقي، ولا يتزاوج، وأنثى يقحطها كل من أرادها من الذكور ولا تزاوج، وليس في الحيوان ما يستعمل التقبيل عند السفاد إلا الحمام، وهو عفيف في السفاد يجر ذنبه على أثره ليعفي أثر الأنثى كأنه قد علم ما فعلت ويجتهد في إخفائه، وتغطيته وهو يسفد لتمام ستة أشهر، والأنثى تحمل أربعة عشر يوماً، وهي تبيض بيضتين يخرج من الأولى ذكر ومن الثانية أنثى، وبين الأولى والثانية يوم وليلة، والذكر من الحمام يجلس على البيض، ويسخنه جزء من النهار والأنثى بقية النهار، وكذلك الليل، وهي تبيض وتفرخ في كل عام عشر مرات، وأكثرها اثنتي عشرة مرة، ويتم وخلق البيض في عشرة أيام، واقل من ذلك، ويمكن أن تحبس الحمامة البيض في جوفها بعد الوقت الذي ينبغي أن تبيض فيه لأنها تفعل ذلك إذا أصابها أذى من قبل عشها، أو نتف شيء من ريشها، أو وجع يعرض لها، والبيض يبلغ ويخرج منه الفرخ إذا مضت عليه عشرون يوماً، والذكر والأنثى يدفئان الفراخ ويغطيانها بأجنحتها أياماً حتى تقوى كما فعل بالبيض لشفقتهما عليهما وإذا باضت الأنثى دأبت الدخول إلى عشها، والجلوس على بيضها، إما لحال ضعف أو كراهة ضربها الذكر واضطرارها للدخول، وإذا أراد الذكر أن يسفد الأنثى أخرج فراخه من الوكر، وقد ألهم هذا النوع أن الفراخ إذا خرجت من البيض فصنع الذكر تراباً مالحاً وأطعمه إياه ليسهل به المطعم، وزعم أرسطو أن الحمام يعيش ثمانين سنين.
فصل
وقد تفرس الناس في هذا الحيوان مخايل الجودة، والرداءة لكثرة عنايتهم به، واتخاذهم له، فألوان جميع الفراسة التي لا تكاد تخطئ في الحمام الهادي أربعة: التقطيع، والمجسة، والشمائل، والحركة، فالمحمود في التقطيع انتصاب الخلقة، واستدارة الرأس وتوسطها، وعظم القرطمتين، ونقاؤهما واستاع المنخرين وانهرات الشدقين، وسعة الجوف وحسن العينين مع توقفهما وقصر المنقار واتساع الصدر، وامتلاء الجؤجؤ، وطول العنق، وإسراف المنكبين، وإنكماش الحاجبين وطول القوادم، وصلابة القصب، وعظم الفخذين والساقين، قصر الذنب، وصفاء اللون.
وأما المجسة: فرشاقة الخلق وشدة اللحم، ووثاقة العصب، ولين الريش وصلابة المنقار.
وأما الشمائل: فصفاء البصر، وثبات النظر، وشدة الحذر، وحسن التلفت، وذكاء الفؤاد، وقلة الرعدة، وخفة النهوض، والمبادرة إذا لقط.

(1/90)


وأما الحركة: فالطيران في علو ومد العنق إلى فوق، وقلة الاضطراب في جو السماء وضم الجناحين في الهواء وشدة الركض في الطيران، فأي طائر اجتمعت فيه هذه الصفات فهو الكامل.
الوصف والتشبيه
سأل المهدي رجلاً عن طائر جاء من غابة فقال لو لم يبين بفضيلة السبق لبان في حسن الصورة، فقال: صفه لي فقال فدفد . . . فد الحلم، وقوم تقويم العلم لو كان في ثوب خرقة، أو صندوق قلقة يمشي على عتمين ويلقط بدرتين، وينظر بجمرتين إذا أقبل فديناه، وإذا أدبر حميناه، وقال عبد الصمد بن فتوح الأندلسي يصف حماماً جاء بالسبق وهو يقول:
يجتاب أودية السحاب بخافق ... كالبرق أومض في السحاب فأبرقا
لو سابق الريح الجنوب لغايةٍ ... يوماً لجاءك مثلها أو أسبقا
يستقرب الأرض البسيطة مذهباً ... والأفق ذا السقف الرفيعة مرتقى
ويظل مسترق السماع تخاله ... في الجو تحسبه الشهاب المحرقا
يبدو فيعجب من رآه بحسنه ... وتكاد آية عنقه أن تنطقا
مترقرقاً من حيث درت كأنما ... لبس الزجاجة أو تجلبب زئبقا
وقال أبو نؤاس يصفه من أرجوزة:
وصاحبات نفر من زاعق ... يطرن بالجو بأعلى حالق
نواشط بريشها خوافق ... يبعدن أن يبلغن بالبيادق
يحسبهن لصقاً بالخافق ... فلو حملن حاجة لعاشق
متيم القلب رعوب خافق ... رسائلاً منه إلى صدائق
سلس من شدة شوقٍ شائق ... يقطعن في مده نطق الناطق
مغارب الأرض إلى المشارق ... لدى الملمات وفي الحقائق
كالبرق يبدو قبل جود دافق ... والغيث يخفى وقعه للرامق
إن لم تجده بدليل البارق
ومن رسالة للقاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي البياتي الكاتب يصف طائراً جاء في غابة: وكأن الطائر أحد الرسل المسيرة، بل المبشرة، والجنود المحررة بل المسخرة، فإنها لا تزال أجنحتها تحمل البطائق أجنحة، وتجهز جيوش المقاصد والأقلام أسلحة، وتحمل من الأخبار ما تحمل الضمائر، وتطوى الأرض إذا نشرت الجناح الطائر، وتزوي لها الأرض حتى ترى ما ستبلغه ملك هذه الأمة، وتقرب بها السماء حتى ترى ما لا يبلغه وهم ولا همة، وتكون مراكب للأغراض لما كانت الأجنحة قلوعها، وتركت )الجو بحراً تصطفق( فيه هبوب الريح، موجاً مرفوعاً، وتعلق الحاجات على أعجازها، فلا تعرف الإرادات غير إنجازها، ومن بلاغات البطائق استعارت ما هي به مشهورة من السجع، ومن رياض كبتها ألفت الرياض فهي إليها دائمة الرجع، وقد سكنت البروج فهي أنجم، وأعدت في كنائنها، فهي للحاجات أسهم وقد كادت أن تكون ملائكة، إذا ما ينطق بالرقاع، صارت أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع، وقد باعد الله بين أسفارها وقربها، وجعلها طيف اليقظة الذي صدق العين وما ذكبها، وقد أخذت عهود الأمانة في رقابها أطواقاً فأذتها من أذنابها أوراقا، فصارت خوافي وراء الخوافي، وغطت سرها المودع بكتمان سحبت عليه ذيول ريشها الضوافي ترغم النوى بتقريب العهود، وتكاد العيون تلاحظها تلاحظ أنجم السعود فيه أنبياء الطير لكثرة ما تأتي به من الأنباء، وخطباؤهم لأنها تقوم على منابر الأغصان قيام الخطباء
القول في طبائع الببغاء
وهو طائر هندي وحبشي دمث الخلقة، ثاقب الفهم له قوة على حكاية الأصوات وتلقي التلقين تتخذه الملوك في منازلهم لتنم بما يقع فيها من الأخبار وفي لونه، الأغبر، والأسود، والأخضر، والأصفر، والأبيض، وقد أهدى لمعز الدولة هدية من اليمن فيها ببغاء بيضاء سوداء المنقار، والرجلين وعلى رأسها ذؤابة فستقية، وكل هذه الألوان معروفة خلا الأخضر وفي طبع هذا الطائر أن يتناول طعمه بكفه كما يتناول الإنسان الشيء بيده، وله منقار معقف قصير يكسر به الصلب وينقب به ما يعسر نقبه، وكل ما له نغمه، وإطراب فله هدر وسمت يتزاوج، ويتعاشق ويسكن الذكر إلى أنثاه، وله عفة في مأكله، ومشربه، ومنكحه، )وديع ليس بشره ولا أشر( وهو بمثابة الإنسان الترف الطريف، والناس يحتالون على تلقينه بأن ينصب تجاه مرآة بحيث يرى خياله فيها ويتكلم الإنسان من ورائها، فيتوهم أن خياله في المرآة هو الذي يتكلم فيأخذ نفسه بحكاية ما سمعه من صوت الإنسان
الوصف والتشبيه

(1/91)


قال أبو اسحاق الصابي يفصها من أرجوزة بعث بها إلى أبي الفرج الببغاء يمدحه فيها:
أنعتها صبيحة مليحة ... ناطقة باللغة الفصيحة
أضحت من الأطيار واللسان ... موهم لي أنها الإنسان
تنهي إلى صاحبها الأخبارا ... وتكشف الأسرار والاستارا
سكاء إلا أنها سميعة ... تعيد ما تسمعه مطيعة
وربما لقنت العضيهة ... فتغتدي بذية سفيهة
زارتك من بلادها البعيدة ... واستوطنت عندك كالقعيدة
ضيف قراه الجوز والأرز ... والضيف في أبياتنا يعز
تراه في منقارها الخلوقي ... كلؤلؤ يلقط بالعقيق
تنظر من عين . . . كالفصين ... في النور والظلمة بصاصين
تحبس في حلتها الخضراء ... مثل الفتاة الغادة العذراء
خريدة خدودها الأقفاص ... ليس لها من جنسها خلاص
تحبسها وما لها من ذنب ... وإنما تحبسها للحب
تلك التي قلبي بها مشغوف ... كنيت عنها واسمها معروف
بشرك فيه شاعر الزمان ... والكاتب المعروف بالبيان
ذلك عبد الواحد بن نصر ... تقيه نفسي حادثات الدهر
فأجابه أبو الفرج عنها بقوله:
من منصفي من حكم الكتاب ... شمس العلوم قمر الآداب
أسى لأصناف الكلام محرزاً ... وسام أن يلحق لما برزا
وهل يجارى السابق المقصر ... أم هل يبارى المدرك المعذر
ما زال بي عن غرض معرضاً ... ولي بما يصدره مستنهضا
فتارةً يعتمد . . . الخطافا ... ببدعٍ تستغرق الأوصافا
وتارةً يعنى بنعت القبح ... من منطق لفصله محتج
يحوم حول عرض معلوم ... ومقصد في شعره مفهوم
حتى تجلت دعوة الصريح ... وسلم التلويح للتصريح
وصح إن الببغاء مقصده ... بذكر ما كان قديماً يورده
فلم يدع لقائلٍ . . . مقالاً ... فيها ولا لخاطرٍ . . . مجالا
أحال بالريش الأشيب الأخضر ... وباحمرار طوقها والمنسر
على اختلاط الروض بالشقيق ... واخضر الميناء بالعقيق
تزهى بدواجٍ من الزبرجد ... ومقلة كسبح من عسجد
وحسن منقار أشم قان ... كأنما صيغ من المرجان
صيرها انفرادها في الحبس ... بنطقها من فصحاء الأنس
تميزت في الطيران بالبيان ... عن كل مخلوقٍ سوى الإنسان
تحكي الذي تسمعه بلا كذب ... من غير تغيير لجد أو لعب
غذاؤها أزكى طعام وجدا ... لا تشرب الماء ولا تخشى الصدا
ذات شفى تحسبه ياقوتا ... لا يرتضي غير الأرز قوتا
كأنما الحبة في منقارها ... حبابة تطفو على عقارها
أقدامها ببأسها الشديد ... أسكنها في قفص الحديد
فهي كخود في لباس أخضر ... تيا )خركاوه( لم تستر
فوصفها المعجز ما لا يدرك ... ومثله في غيرها ما لا يملك
لو لم يكن لي لقباً لم أقصر ... لكن خشيت أن يقال منتصر
وإنما تبعت . . . باستحقاقي ... لوصفها حذق أبي إسحاق
شرفها وزاد في تشريفها ... بملح أبدع في تفويفها
فكيف أجرى بالبناء المنتخب ... من صرف المدح إلى أسمي واللقب
القول في طبائع القبج والدراج

(1/92)


ولإنما جمعت بينهما إقتداء بإمام المتكلمين أرسطو، في الطبيعيات، فإنه قال في كتاب الحيوان له: القبج والدراج يجمعان فراخهما تحت أجنحتهما، كما يفعل الحمام ولا تسخنان بيضهما في موضع واحد بل ينقلانه حذراً لئلا يعرف أحد مكانه، وإذا دنا الصيد من مواضع أعشاشهما، خرجت الأنثى بين يديه لتخدعه وتصيح بفراخها فإذا صارت قريبة منها ورأت فرصة في طيرانها، طارت وتبعتها فراخها، وهذا آخر كلامه، ونقلت من مواضع متفرقة في الكتب الموضوعة في طبائع الحيوان إن فراخ القبج تخرج كما تخرج الفراريج، )كاسية كاسبة، وليس للقبج زواج، وكذلك الحجل(، ومجراه مجرى الديكة في أنها تسفد كل دجاجة، ولا تقتصر على شيء دون شيء، وإناث القبج تبيض خمس عشرة بيضة، والذكر يوصف بالقوة على السفاد كما يوصف الديك والعصفور ولكثرة سفاده يطلب موضع البيض فيكسره لئلا تنشغل الأنثى بحضنه عنه، ولهذا الأنثى إذا حان أن تبيض هربت، واختفت رغبة في الفراخ، وهي إذا هربت بهذا السبب ضرب الذكور بعضها بعضاً، وكثر صياحها، والمقهور يتبع القاهر، ويسفد القوي الضعيف، والقبج يغير صوته، بأنواع شتى بقدر حاجته إلى ذلك، ويعمر خمس عشرة سنة، والدراج متى كان الجو صاحياً والريح شمالاً أخصب بدنه، وإن كانت الريح جنوباً ساءت حاله لأنه ليس بطيار وريح الجنوب رطبة ثقيلة، ولا يقوى على الطيران فيها، وإن هو طار فيها أكثر الصياح لما يلحقه من التعب، ولهذا الصياد الحاذق لا يقصد صيده والريح شمال، فإنه يتصعب عليه، فإن طلب صيده والريح جنوب أخذ بسهولة.
الوصف والتشبيه
قال أبو طالب المأموني يصف دراجة أهداها له:
قد بعثنا بذات حسن بديع ... كنبات الربيع بل هي أحسن
في رداء من جلنار وآس ... وقميص من ياسمين وسوسن
وقال آخر:
صدور من الدراج نمق وشيها ... وصلن بأطراف اللجين السواذج
وأحداق تبر في خدود شقائق ... تلألأ حسناً كأشتعال السارج
وأذناب طلع في ظهور ملاعق ... مجزعة الأعطاف صهب الدمالج
فافخر الطاووس يوماً بحسنه ... فلا حسن إلا حسن التدارج
قال أبو إسحاق يصف قبجة:
أنعت طارونية الثياب ... لابسة خزاً على الأهاب
تصنعت تصنع التصابي ... وأبرزت وجها بلا نقاب
ريان من محاسن الشباب ... مكحولة العينين كالعاب
كأنما تسقى دم الرقاب ... تسمعنا منها وراء الباب
تمتعة بالقاف في الخطاب ... كأنما تقرأ من كتاب
قهقهة الإبريق بالشراب ... أهلاً بصيادٍ لها جلاب
جاء بها كرية النصاب ... ربيبة الجبال والهضاب
ولم تدر ما بادية الأعراب ... غريبة صارت عن الأحباب
وقال أبو الحسن البغدادي المعرف بالهائم يصفها:
ولابسة ثوباً من الخز أدكنا ... ومن أحر الديباج رانا ومعجزا
مقلدة في النمر سبجة عنبر ... على أنها لم تلتس أن تعطرا
مطرزة الكمين طرزاً تخالها ... لتقويمها في حلكة اللون أسطرا
تراها تعالي الضحك عجباً بنفسها ... إذا أمنت من أن تخاف وتذعرا
فتظهر عند الأمن منها تبرجا ... وتظهر عند الخوف منها تسترا
ولآخر:
ولابسٍ جوشنٍ أبداً مغطى ... بأدكن من ملابسه رقيق
بطون أبنوس ورأس ... لجيني ومنقار عقيق
وقرطاه الخلوقيان أشهى ... من الشذر المعلق في الحلوق
القول في طبائع الحبارى
ويسميه أهل مصر الحبرج، قال الجاحظ: هو من أشدالطيور طيراناً وأبعدها شوطاً، وذلك، أنه يصاد بالبصرة، فيشق عن حوصلته بعد الذبح فيوجد الحبة الخضراء لم تتغير، ولم تفسد، وهذه الحبة شجرها البطم، ومنابته جبال الثغور الشامية، والحبارى إذا نتف ريشها، أو تحسرت، وأبطأ نباته تموت كمداً إذا رأت صويحباتها يطرن، ولهذا الطائر خزانة بين دبره وأمعائه لا يزال فيها أبداً سلح رقيق لزج، فمتى ألح عليه جارح ذرق عليه، فيتمعط، فعند ذلك تجتمع عليه الحباريات فينتفن ريشه طاقةً طاقةً، وفي ذلك هلاك الجارح، وهو يتغذى إذا جاع.
الوصف والتشبيه
قال الشاعر يصفها:
وداريةٍ إما تراع )تبرست( ... بملحفتي وشيٍ تضمهما نشرا
وإن تر صقراً فالسلاح سلاحها ... توليه ظهراً تستعد به ظهرا

(1/93)


تغذى لفرط الشح والفقر نحوها ... فأخبث به شحاً وأدفع فقرا
وقال أبو نؤاس يصفها:
يا رب غيث من السروب ... حباريات حجلتي ملحوب
يرفلن في برانسٍ قشوب ... من حبر ظوهرن بالتذهيب
فهن أمثال النصارى الشيب ... في يوم عيد ميزر الصليب
القول في طبائع الطاووس
وفي هذا الصنف ألوان وهي الأخضر والأرقط والأبيض، ويوجد في كلها التخيل ولا تعرف هذه الأنواع إلا في بلاد الرانج، وما عداها معروف مألوف، قال أصحاب البحث في طبائع الحيوان: الطاووس في الطير كالفرس في الدواب عزاً وحسناً غير أن الناس لا يتبركون به ويكرهون كونه في دورهم، وفي طبعه العفة وحب الزهو بنفسه والخيلاء والإعجاب بريشه، وعقده لذنبه كالطاق، لا سيما إذا كانت الأنثى ناظرة إليه، والأنثى تبيض بعد أن يأتي عليها من العمر ثلاث سنين، وكذلك لا يحصل التلوين في ريش الذكر إلا بعد مضي هذه المدة، وهي بمثابة البلوغ للصبي، وفي ذلك الأوان يكمل ريش الذكر، ويتم لونه، والأنثى تبيض مرة واحدة في السنة، اثنتي عشرة بيضة، وأقل، وأكثر، ولا تبيض متتابعاً، ويسفد في أوان الربيع، ويلقى ريشه في أوان الخريف كما تلقى الشجر ورقها فيها، وهو كثير العبث بالأنثى إذا حضنت وربما كسر البيض، ولهذه العلة يحضن بيضه تحت الدجاج، والدجاجة لا تقوى على حضن أكثر من بيضتين منها، وينبغي أن تتعاهد الدجاجة جميع ما تحتاج إليه مخافة أن تقوم فيفسد هو، والفرخ الذي يخرج من حضن الدجاجة قليل الحسن ناقص الخلق صغير الجثة، ومدة الحضن ثلاثون يوماً سواء كان البيض تحت الدجاجة أو تحت أمه، والفرخ يخرج من البيضة كما يخرج الفروج كاسياً كاسباً، والطاووس من الطير الذي يبيض بيض الريح، ويقال: إن عبث الطاووس بانثاه أوان حضنها غيرةً منه، أن يخرج من البيض ما يشبهه في حسن ريشه، وبهاء خلقته، وزعم أرسطو أن الطاووس يعمر خمساً وعشرين سنة وهذا من حكم إلا أن يعينه الاستقراء.
الوصف والتشبيه
قال أبو الفتح كشاجم يرثي طاووساً في أبيات جاء فيها في وصفه:
وأي عذرٍ لمقلة بعد ال ... طاووس عنها إن لم تفض بدمٍ
رزنته روضة ترق ولم ... أسمع بروضٍ يمشي على قدم
جثل الذنابي كأن سندسه ... سنت عليه موشية العلم
متوجاً حلية حباه بها ... ذو الفطر المعجزات والحكم
كأنه يزدجر منتصباً ... يبني فيعلي مآثر العجم
طبق أجفانه ويحسر عن ... فصين يستوضحان في الظلم
استدل بالحسن فاستذال له ... ذيلاً من الكبر غير محتشم
ثم مضى مشية . . . العروس ... فمن مستظرف معجب مبتسم
كأنما الازورد لمعة ... ونقط اللازورد بالعتم
ما أحسن الصبر في البلاء وما ... أجمله عصمةً لمعتصم
ولآخر:
طار إلى منزلي فأوطنه ... من الطواويس خير مطرف
من كل وشى عليه متبوع ... مختلف رقمه ومؤتلف
منبسط حائل ومنقبض ... وعاطف طائل ومنعطف
فهو بديع إذا أبصرت به ... أبصرت شيئاً يريد في الكلف
وقال أبو الصلت أمية بن عبد العزيز الأندلسي يصفه في أبيات:
أبدى لنا الطاووس عن منظرٍ ... لم تر عيني مثله منظرا
متوج المفرق إن لا يكن ... كسرى بن ساسان يكن قيصرا
في كل عضو ذهب مفرع ... في سندس من ريشه أصفرا
نزهة من أبصر في طيها عبرة ... لمن فكر . . . واستبصرا
تبارك الخالق في كل ما ... أبدعه منه وما صورا
وله أيضاً فيه:
أهلاً به لما بدى في مشيه ... يختال في جلل من الخيلاء
كالروضة الغناء أشرف فوقه ... ذنب له كالدوحة الغناء
ناديته لو كان يفهم منطقي ... أو يستطيع إجابةً لندائي
يا رافعاً قوس السماء ولابساً ... للحسن روض الحزن غب سماء
أيقنت أنك في الطيور ملك ... لما رأيتك منه تحت لواء
القول في طبائع الدجاج

(1/94)


وهذا النوع صنفان نبطي وهو ما يتخذ في القرى والبيوت وهندي وهو عظيم يتخذ لحسن شكله ونبله، ولنبدأً بذكر البيضة التي يخرج منها الفروج، وإنما ذكرنا البيضة في هذا الموضع دون ما عداه من المواضع التي مضت في ذكر كثير من الطير لأن الناس كثيراً ما يستعملونه في الأغذية وغيرها، مما تمس الحاجة إليه لكثرته، وإن كان أحد البيض الثلاثة المأكولة وهي بيض الحمام، وبيض البط، وبيض الدجاج، وهذا النوع أكثرها وجوداً، ومجموع البيض إما من سفاد، وإما من ريح، والبيض الذي يتولد من الريح أخف وأصغر من الذي يتولد من سفاد، وبيض الريح يكون من الدجاج والقبح، والحمام، والأوز، والطاووس، وسمي ببيض الريح لأنه من غير سفاد، بل يتولد من الريح الذي تهب من تلقاء الذكر فيواجه الأنثى، وبيض الريح لا يتم منه خلق وما كان من البيض مستطيلاً محدد الأطراف فهو يخرج من الإناث، وما كان مستديراً عريض الأطراف فهو يخرج الذكور، وربما رمي البيض، فخرج الفرخ من ذاته إذا كان موضوعاً في أرض دفيئة، مثل ما يفعل أهل مصر حيث يضعون البيض داخل الزبل فيخرج منه الفراخ ولأهل مصر عمل ظريف، وتدبير لطيف يقوم لهم مقام الحضن، وهو أنهم يبنون بيوتاً لطافاً مستوية في التربيع تواري معدة الرجل، ويشققوها، ويجعلون في كل بيت منها مجرى في عرض أربع أصابع ينقونه بطين رقيق جداً، ويضعون فيه زبلاً مدقوقاً منخولاً ويضعون فيه ناراً تسري فيه طول نهاره، وذلك بعد أن يضعوا في كل بيت نحواً من ثلثمائة بيضة، ويغلقوا باب البيت، ويلبدونه من داخله، بحيث لا يدخل إليه نفس هواء، وإذا صار الزبل رماداً غيروه بمثله ويتعاهدوه بالتقليب كل يوم عشية، وبكرة عشرين يوماً، وفي آخرها يفقس في التاسع عشر، وتوزن النار حتى تكون في وزن حرارة الطير في الحضن، فإذا زادت الحرارة نقص من النار وإن نقصت زيد من في النار، وكلما تمادى الزمان نقصوا من النار، وفتحوا كواً وإذا لم يكن للبيض من الحرارة ما تزن الحضن فسد ببرد الهواء والحرارة التي دون الحضان تفسده وتعفنه والتي فوقها تشويه وتجمده( وليس كل البيض يكون منه فرخ، كما ليس كل المني يكون منه ولد )والمعتنون بهذا العمل الذي ذكرناه يسمون البيضة التي لا يكون فيها فروج لاح ويعرفون ذلك في اليوم الثالث(، فإن وقفوا البيضة بين البصر وبين الضوء، فإن كان فيها نقطة حمراء ففيها بزرة، وإن لم يروا النقطة رموا بها ونوفها عن البيض، وكل ما يزق فبيضه قليل، وكل ما لا يزق فبيضه كثير، مثل الدجاج والبط والإوز والقبج، لأن الأنثى لا تقوى على أن تزق عددا كثيرا، وأما الدجاج والقبج، فالأنثى تنفرد بالحضان والتربية والدجاجة تجمع البيض بعد السفاد في أحد عشر يوما، وهي تبيض في السنة كلها ما خلا شهرين شتوية، ومنها ما تبيض ستين بيضة ومنها ما تبيض مرتين في اليوم، )وخلق البيض في عشرة أيام، والبيضة تكون عند خروجها لينة القشر، فإذا أصابها الهواء يبست وهي تشتمل على بياض يسمى الزتيق وصفرة تسمى المح وعليهما قشر رقيق يسمى قيضا، ويعلوه قشر صلب، فالبياض رطوبة غليظة لزجة متشابهة الأجواء، وهي بمنزلة المني، والصفرة رطوبة سلسة ناعمة أشبه شيء بدم قد جمد، وهي للفرخ مادة يغتذي بها من سرته، والذي يتكون من الرطوبة البيضاء عين الفرخ ثم دماغه ثم جلد رأسه ثم ينحاز البياض في لفافة واحدة في جلدة الفرخ، وتنحاز الصفرة في غشاء واحد هي سرة الفرخ فيتغذى منها كتغذي الجنين من دم الحيض فبياض البيضة مادة العظام والغظاريف )والأعصاب والربط والوترات والعروق الضوارب( والسواكن والأغشية، وربما وجد في البيضة محان، قال أرسطو: باضت دجاجة فيما مضى ثماني عشرة بيضة لكل بيضة محان ثم حضنت فخرج من كل بيضة فروجان أحدهما أعظم من الآخر، وخلق الفروج إذا مضت عليه ثلاثة أيام، ويعرف الذكر بأن يعلق الفروج برأسه فإن تحرك فذكر وإن سكن، فأنثى وكذلك يعرف من البيض وقد ذكرناه.
الوصف والتشبيه
قال أبو الفرج الأصفهاني أبياتا يصف فيها الديك )سنذكرها فيما يأتي إن شاء الله تعالى( جاء منها في وصف البيضة، وتطرف غاية وأبدع نهاية:
فيها بدائع صنعة ولطائف ... الفن بالتقدير والتلفيق
خلطان مائيان ما اختلطا على ... شكل ومختلط المزاج رقيق
صنع يدل على حقيقة صانع ... للخلق طرا ليس كالمخلوق

(1/95)


فبياضها ورق وتبر محها ... في حق عاج بطنت بدبيقي
ولآخر ملغزا:
وصفراء في بيضاء رقت غلالة ... لها وصفا ما فوقها من ثيابها
جماد ولكن بعد عشرين ليلة ... ترى نفسها معمورة من خرابها
فصل
والدجاجة إذا هرمت لم يكن لبيضها مح، وإذا لم يكن لها مح لم يخلق منها فرخ لأنه لا يكون له شيء يغذيه، ويربيه، والعجب من أخلاق الدجاج أنه تمر بها سائر السباع فلا تخشاها، ويمر بها ابن آوى، وهي على سطح فترمي بنفسها إليه، وهي إذا قابلت الديك تشبهت له ورامت السفاد، ورفعت ذنبها حتى لا يعلم أذكر هي أم أنثى، والدجاجة توصف بقلة النوم وسرعة الانتباه، ويقال: إن نومها واستيقاظها إنما هو بمقدار خروج النفس ورجوعه، ويقال: إنما تفعل ذلك من شدة الخوف وأكثر ما عندها من الحيلة أن لا تبيت على الأرض، وأن ترتفع على رف وما شاكله، وإذا أذن بعشاء المغرب فزعت إلى تلك العادة، وبادرت، والفرخ يخرج من البيضة كاسيا كاسبا كيسا ظريفا مليحا مقبولا محببا مكتفيا بمعرفته، حديد الصوت سريع الحركة، يدعى فيجيب ويتبع من يطعمه ويألفه ثم كلما مرت الأيام، ماق وحمق ونقص كيسه، وأقبل قبحه، فلا يزال كذلك حتى ينسلخ من جميع ما كان فيه إلى ضد ذلك ويصير في حال لا ينفع به إلا للذبح أو للصياح، والبيض والفراريج، وهو مشترك الطبيعة يأكل اللحم ويحسو الدم، ويصيد الذباب، وذلك من طباع الجوارح، ويلتقط الحبوب، ويأكل البقول وذلك من طبائع بهائم الطير، وغن مما عابوا به الديك أنه لا يألف منزله، ولا يعرف ربعه، ولا يحن إلى دجاجة، ولا تتوق نفسه إلى طروقته ولا يشتاق إلى ولده، ولا يذكر ولا يتذكر، ولا يهتدي، ولا يتصور لأنه له طبيعة بلهاء ذاهلة، وذلك أنه إذا سقط على حائط لم تكن له هداية ترشده إلى داره وهو لا يثبت وجه صاحبه، ولو لم يخلق إلا عنده، وفي ظله، وتحت جناحه، ولا يتزاوج لغلبة الشبق عليه وإن مما مدحوه به أن يجمع له عدة دجاج يسوسهن بالمواساة، ولا يؤثر واحدة منهن على صويحباتها، وإنه يعرف الأوقات الزمانية الليلية، ويقسط أصواته عليها تقسيطا لا يكاد يغادر منه شيئا سواء طال الليل أم قصر حتى كان طبعه على حدته وهو لا يصقع لشيء رآه أو تخيله، أو سمع صوتا فأجاب، وإنما يصقع لشيء في طبعه إذ لا قبل ذلك الوقت من الليل هيجه، ولو لم يكن في القرية ديك غيره، وهو يوالي صياحه قبل الفجر ثم بعده إلى أن يبسط النهار، وله أيضاً أصوات في النهار لا يعدوهن، موضوعات أيضاً على الساعات الزمانية، ومن عجيب أحوال الديكة أنها إذا كانت قد ربيت في مكان ثم دخل عليها ديك غريب سفدته جميعها، والديك يضرب به المثل في السفاد، وذلك أنه ينقر الحب ويحمله بطرفي منقاره حتى يرميه بين يدي الدجاج، وإذا ظفر بشيء منه وهن عنه غيب دعاهن إليه وقنع منه بدون حاجته توفيرا عليهن والديكة تعظم بدليل السند حتى تكون مثل النعام
الوصف والتشبيه
قال بعضهم يصف حسن الدجاجة ونبل الديك:
كان الديك ديك بني نمير ... أمير المؤمنين على السرير
كأن دجاجهم في الدار رقطا ... وفود الروم في قمص الحرير
ولأبي بكر الصنوبري من أبيات يصف ديكا:
مغرد الليل ما يألوك تغريدا ... مل الكرى فهو يدعو الصبح مجهودا
لما تطرب هز العطف من طرب ... ومد للصوت لما مده الجيدا
كلابس مطرفا مرخ ذوائبه ... تضاحك البيض من أطرافه السودا
حالي المقلد لو قيست قلادته ... بالورد قصر عنها الورد توريدا
زان بفصي عقيق يدركان له ... من حدة فيهما ما ليس محدودا
يقول هذا عقيد الملك منتسب ... في آل كسرى عليه التاج مشدودا
أو فارس شد مهمازيه حين رأى ... لواء قائده للحرب معقودا
وقال السري الرفاء:
كشف الصباح قناعه فتألقا ... وسطا على الليل البهيم وأبرقا
وعلا فلاح على الجدار موشح ... بالوشي توج بالعقيق وطوقا
مرح سدول التاج في لباته ... ومشمرا وشيا عليه منمقا
وقال علي بن الحسين الأصفهاني يصف ديكا من أبيات ويرثيه فيها:
لما بقعت وصرت علق مضنة ... ونشأت نشو المقبل المومق
وتكاملت حلل الجمال بأسرها ... لك من جليل خالص ودبيق

(1/96)


وغدوت ملتحفا بمرط حبرت ... فيه بديع الوشى كف أنيق
ولبست كالطاووس وشيا لامعا ... متلألئا إذ رونق وبريق
من حمرة مع صفرة في زرقة ... تخييلها يخفي على التحقيق
عرض تجل عن القياس وجوهر ... لطفت معانيه عن التدقيق
وكأن سالفتيك تبر سائل ... وعلى المفارق منك تاج عقيق
تزقو وتصفق بالجناح كمنتش ... وصلت يداه الصوت بالتصفيق
وقال أبو هلال العسكري يصفه:
متوج..... بعقيق ... مقرط بلجين
عليه قرطق وشي ... مشمر الكمين
يزهو بتاج وطوق ... كأنه نور عين
حتى إذا الصبح وافى ... مطرز البردين
دعا دعاء طريب ... مصفق باليدين
وقال بعض الأندلسيين:
وكائن نفي النوم من عين فان ... بديع الملاحة حلو المعاني
بأجفان عينيه..ز ياقوتتان ... كأن وميضها جمرتان
على رأسه التاج مستشرفا ... كتاج ابن هرمز في المهرجان
وقرطان من جوهر... أحمر ... يزينانه زين قرط الحصان
له عنق حوله.... رونق ... كما حوت الخمر إحدى القناني
ودارت برائله حولها ... لها ثوب شعر من الزعفران
ودارت بجؤجئه حلة ... تروق كما راقك الخسرواني
وقام له ذنب معجب ... كباقة زهر بدت من بنان
وقاس جناحا على ساقه ... كما قيس ستر على خيزران
وصفق تصفيق مستهتر ... بمخمرة من بنات الدنان
وغرد تغريد ذي لوعة ... يبوح بأشواقه للغواني
ولله أبو علي بن رشيق حيث مزق عليه جلباب الممادح وتركه من سمل الذم في الزي الفاضح في قوله:
قام بلا عقل لا دين ... يخلط تصفيفا بتأذين
فنبه الأحباب من نومهم ... ليخرجوا في غير ما حين
بصرخة تبعث موتى الكرى ... قد أذكرت نفخ اسرافين
كأنها في حلقة غصة ... أغصه الله بسكين
ولمح في شعره هذا المثل المضروب وهو قولهم )أثقل من الزواقي( وهي الديكة لأنها تفعل في تفريق المحبين فعلا يقصر عنه غراب البين حيث يؤذن صياحها بتصرم ليل الوصال، وتروع رضيع الشفاه اللعس بالفصال وللناس في وصف الديك محاسن كبيرة تركناها لئلا يضيق صدر كتابنا من إبداعها وتسأمها النفوس فتلفضها من أصداف أسماعها، ومن خرافات العرب ما وسعني الإخلال بها ولا الإهمال للأخبار بعجبها، حكى الرياش قال: كنا عند الأصمعي فوقف عليه أعرابي فقال: أأنت الأصمعي؟ فقال: نعم، قال: أنت أعلم الحضر بكلام العرب؟ فقال: ما معنى قول أمية بن أبي الصلت حيث قال:
وما ذاك إلا الديك شارب خمرة ... نديم غراب لا يمل الحوانيا
فلما استقل الصبح نادى بصوته ... ألا يا غراب هل رددت ردائيا
فقال الأصمعي: كانت العرب تزعم أن الديك كان ذا ناح يطير به في الجو وإن الغراب كان ذا جناح كجناح الديك لا يطير بهما، وإنهما تنادما ليلة في حانة يشربان فنفد شاربهما فقال الغراب: لو أعرتني جناحك لأتيتك بشراب فأعاره جناحه فطار ولم يرجع، فزعموا أن الديك عند الصبح إنما يصيح استدعاء لجناحه من الغراب، فضحك الأعرابي وقال: ما أنت إلا شيطان.
القول في طبائع الحجل

(1/97)


وهذا الطائر يسمى دجاج البر، وهو صنفان نجدي، وتهامي، فالنجدي أخضر، أحمر الرجلين، والباقي فيه بياض وخضرة ويسمى الذكر يعقوب، والفرخ الذكر السلك والأنثى السلكة وهذه الأفراخ تخرج كما تخرج الفراريج كاسية كاسبة، يقول أصحاب الكلام في طبائع الحيوان إن الحجلة إذا لم تلقح تمرغت في التراب ورشته، على أصول ريشها فتلقح، ويقال: أنها تبيض بسماع صوت الذكر، وبريج تهب من ناحيته وإذا باضت الحجلة ميز الذكور منها الذكر، وحضنت الأنثى منها الإناث في مكان فحضنتها وكذلك هما في التربية، وفي تركيب هذا الحيوان قوة عند طيرانه حتى إن الإنسان إذا لم يره عند الطيران ظن أنه حفيف حجر من مقلاع فيتخيل منه، والذكر شديد الغيرة على الأنثى وإذا اجتمع ذكران اقتتلا فأيهما غلب ذل له الآخر، وذهبت الأنثى مع الغالب، وفي طبع الذكر أنه يخدع أمثاله بقرقرته، ولهذا يتخذه الصيادون في اشراكهم ليكثر القرقرة فيجتمع إليه أبناء جنسه فتقبض معه، وهو يفعل ذلك كالمنتقم منها والحاسد لها، وفي طبع الأنثى إذا أصيب بيضها قصدت عش أخرى وغلبتها على بيضها، وربما سرقت بيضة بعد أخرى حتى يتجمع لها ما تحضنه.
الوصف والتشبيه
قال أبو علي بن رشيق القيرواني:
ما أغربت في زيها ... ألا يعاقيب الحجل
جاءتك مثقلة الترا ... ئب بالحلي وبالحلل
صفر الجفون كأنما ... باتت بتبر تكتحل
وتخالها قد وكلت ... بالقوت والصوت الرجل
صغرى أنابيب من ... المرجان محكمة العمل
مشقوقة شق الزجا ... ج لمن تأمل أو عقل
وصلت مذابحها الرؤ ... س بحمرة فيها شعل
لولا اختلاف الجنس وال ... تركيب جاءت في المثل
كلحى الثمانين التي ... خضبت ومنها ما فصل
أو كاللثام أزاله ... فرط التلفت ما فصل
وتخالهن جواريا ... لا يزدرين من العطل
رمت الثياب إلى ورا ... ء عن المناكب تنجدل
وبدت سراويلاتها ... يسحبن وشيا من قبل
حمر من الركبات في ... لون الشقائق أو أجل
عقدتها فوق الصدو ... ر مخالسات للقبل
وشددت بالأعضاء ... من حذر عليها أن تحل
وكأنما باتت اصا ... بعها بحناء تعل
من يستحل لصيده ... فأنا امرؤ لا استحل فصل قال ابن أبي الأشعث: ومن أنواع الطير نوع مزاجه مائي هوائي لأن طيرانه في العلو أكثر من طيرانه في البحار، وكله يفرخ في الدحال والاجام، ومطرد المياه ولا يركب الأغصان، ولا شوامخ الجبال، وإن أولما نبدأ منها أولا:
القول في طبائع الكركي
ذهب بعض الناس أنه الغرنيق، وذهب آخرون إلى أن الغرنيق صنف من الكركي وهو أخضر طويل المنقار، قال أصحاب البحث عن طبائع الحيوان، الأنثى من الكراكي لا تجلس للذكر عند السفاد، وسفاده سريع مثل العصفور، وهو من الحيوان الذي لا يصلح إلا برئيس لأن في طبعه الخور والتمارس بالنوبة والذي يحرس يهتف بصوت خفي كأنه ينذر بأنه حارس، فإذا قضى نوبته قام الذي كان نائما مستريحا حتى تعفى كلها ما يلزمها من حراسة بعضها بعضا، ولها مشاتي ومصايف، ومنه ما يلزم موضعا واحدا ومنه ما يسافر بعيدا، وفي طبعه التناحر، ولهذا جماعاته لا تطير منقطعة ولا متباعدة بل صفا واحدا تقدمها واحد منها كالرئيس لها، وهن يتبعنه، يكون ذلك حينا ثم يخلفه آخر منها متقدما حتى يصير الذي كان متقدما منها متأخرا، وفي طبعه أن أبويه إذا كبرا عالهما وأتاهما بقوتهما، وقد مدح هذا الخلق أبو الفتح كشاجم يخاطب ولده فقال:
اتخذ في خلة في الكراكي ... أتخذ فيك خلة الوطواط
أنا إن لم تر في غناء ... وببري ترجو جواز الصراط

(1/98)


ومعنى قوله خلة الوطواط أنه يبر ولده ولا يتركه بمضيعة بل يحمله حيث توجه وأما من زعم أن الغرانيق غير الكراكي، وهو الجاحظ، حاكيا عن أرسطو: الغرانيق من الطير القواطع، وليست من الأوابد، وإنها إذا أحست بتغير الزمان أزمعت على الرجوع بلادها وأوطانها، وذكر إنها حارسا ثم تنهض معا، وتطير مع الريح التي تهب، فإذا طارت ترفعت في الهواء جدا كي لا يعرض لها شيء من الجوارح وإن عاينت غيما أو خافت مطرا أو سقطت لطلب ما لا بد له منه من طعم أو هجم عليها الليل أمسكت عن الصياح، وضمت إليها أجنحتها، فإذا أرادت النوم أدخل كل واحد منها رأسه تحت جناحه لأنها ترى أن الجناح أحمل لما يرد عليها من المكروه في رأسه، وينام قائما على إحدى رجليه لأنه يظن إن مكن رجليه نام إذا كان يجب أن يكون نومه غزارا وأما قائدها وسائقها وحارسها فلا ينام إلا وهو مكشوف الرأس فإن نام نومه يكون أقل من العشاش، والغرانيق تقاتل بعضها بعضا، وربما صيدت بسبب ذلك لأنها تشتغل بالقتال عن حفظ أنفسها وفراخها إذا قويت تتعاهد الآباء والأمهات بالطعم، ويقال إن ريشها في شيبتها رماديا، فإذا كبرت اسود وليس ذلك في سائر الطير قالوا: والريش يتحول بياضه إلى السواد ولا يتحول سواده إلى البياض بخلاف الشعر
الوصف والتشبيه
ومورد يجدل قلب الوامق ... منتظم بالغر والغرانق
وكل طير صافر وناعق ... مكتهل وبالغ ولاحق
موشية الصدور والعواتق ... بكل وشي فاخر وفائق
تختال في أجنحة خوافق ... كأنما تختال في قراطق
يرفلن في قمص وفي يلامق ... كأنهن زهر الحدائق
حمر الحداق نجل الحمالق ... كأنما يجلين في مخانق
كأنما نطقن بالمناطق
القول في طبائع الإوز
وهذا النوع ثلاثة أصناف بطائحي وهو طويل الأسود بزرقة، والتركي وهو مائل إلى البياض، والخبي وهو الضخم الكبير منها، قال أصحاب الفحص عن الكلام في طبائع الحيوان أن الإوز عند الفراغ من السفاد يسبح في الماء كأنه تمام اللذة وكمال السرور، والأنثى من هذا النوع تحضن بيضها ثلاثين يوما فإذا خرجت الفراخ ناهدت أخرى فربتهن وعالتهن فتكون حاضنة وداية تسوسهن وتشفق عليهن كالأم، والذكور تحنو على الفراخ، ولكل منها قضيب تسفد به كالبط، والإوز البطائحية )وتعرف بأرض مصر بالعراقية، تخالف الإوز الخبية في الصياح، لأن الخبية تصيح ذكورها ولا تصيح إناثها، والبطائحية( بخلاف ذلك ولا تحنو على الفراخ ولا تحضن.
الوصف والتشبيه
قال أبو نؤاس يصف إوزا من طردية:
يا رب سرب من أوز رتع ... في صحب الحوت برود المكرع
فهي بين حوم... ورفعمن كل محبوك الشراب ادرع
أصفر فص العين احوى الدمع ... مقرط بتؤمتين أودع
موصلة وجنته... بالأخدع ... عولى متناه بحبك أربع
فهو كبيت اللعب المصنع
وقال الناشئ ناسجا على منواله فقال:
يا رب ضحضاح قريب المشرع ... مطرد مثل السيوف اللمع
مجلل بسابحات وقع ... من كل موشى الطراز ادرع
موشح بمرط المجزع ... أو احصف الزف طرير اسفع
كأن عينيه ولما يهرع ... فصا عقيق ركبا لاصبع
ذي جمة وحف وفرع أفرع ... قرط حسنا بلألئ أربع
وعقد در حول جيد اتلع ... فهو لعين الناظر المستمع
كصنم بجوهر مرصع
وقال أبو نؤاس أيضاً:
ومنهل يغتم باغلافق ... حوى من الإوز الشرارق
سود الاماقي صفر الحمالق ... كأنما يصفرن من ملاعق
صرصرة الأقلام في المهارق
وقال أبو علي الحسن بن رشيق يصف فحل إوز:
نظرت إلى فحل الإوز فخلته ... من الثقل في وحل وما هو في وحل
ينقل رجليه على حين فترة ... كمنتعل لا يحسن المشي في النعل
له عنق كالصولجان ومخطم ... حكى طرف العرجون من يافع النخل
يداخله زهو فيلحظ من على ... جوانبه إلحاظ مهتم العقل
يضم جناحيه إليه كما ارتدى ... رداء جديدا من بني البدو ذو جهل
القول في طبائع البط

(1/99)


وهو أصناف منه الوحشي والأهلي، ومن الوحشي اللقلق، ومن الأهلي الصيني وفراخه تخرج كاسية كاسبة، كالفراريج، وذكر أصحاب الكتب المصنفة في العجائب أن بالرانج بط بيض، وحمر ورقط طوال الأعناق، قصار الأرجل، والبط وإن كان مما يطير على وجه الماء فلا ينبغي أن يحكم عليه بما يحكم على طير لأنه ليس بلونه دائما، ولا يعوم فيه ولا يأكل السمك في كل غذائه، فإنه يأكل النبات والبزور، وهو وإن كان ذا جناح فيه من الريش والقوادم والخوافي فليس بناهض، وإنما انتفاعه بجناحيه أن يكون حتى حدره الماء الجاري إلى مكان لا يجتاز طار مصعدا على وجه الماء في البخار الرطب لا غير، ولهذا الطائر قضيب يخرج من دبره كذكر الكلب عظيم جدا في رأسه زر كالفلكة فإذا سفد لم يخرجه حتى ينقلب تحته، ويحصل له من الأنثى عند السفاد ما يحصل للكلب من الالتحام.
الوصف والتشبيه
قال بعض الشعراء يصف بطة:
اتينا بط كسكر بثياب ... مفصلة من الحرق الحرير
وقد كشفت لنا عن عظم ساق ... قصير مثل قائمة السرير
محملة مناكبها الروابي ... جناحي مثل كركرة البعير
برأس مثل فهر المسك داح ... ومنقار كملعقة البعير
وقال محمد بن أبي زرعة وقد اقترح عليه بعض أصحابه أن يقول في جماعة من البط كانت في بركة ما فقال بديها:
كأنهن وقد أقبلن في نسق ... قراقر العاج قد قمعن بالذهب
القول في طبائع النحام
وهذا الطير يكون أفرادا وأزواجا، وإذا أراد المبيت اجتمع رفوفا فذكوره تنام وإناثه لا تنام، وتعد لها مبايت، إذا ذعرت إحداها طارت إلى آخر، ويقال: إنه لا يسفد، ولا يخرج فراخه بالحضن، وإنما تبيض من زق الذكر لها، وإذا باضت تغربت وتفردت وبقي الذكر عند البيض يذرق عليه فيقوم حمو الذرق عليه مقام الحضن فإذا تمت مدة الحضن خرجت الفراخ لا حراك بها فتجيء الأنثى فتنفخ في مناقيرها، حتى يجري الريح فيها روحا ثم يتعاون الذكر والأنثى على التربية، وفي الذكر غلظ طبع وقلة وفاء فإنه إذا علم أن فراخه قد قويت على الطعم ضربها وطردها وتذهب الأم معها فلا تقربه إلى وقت السفاد.
القول في طبائع الأنيس
هذا الطائر لم أر أحدا من المتكلمين في طبائع الحيوان ذكره غير أرسطو فإنني عثرت عند مطالعتي لكتاب الحيوان له على ذكره لهذا الطائر، ويغلب على ظني أنه الذي يسميه رماة البندق الانيسه، والله أعلم، قال: وهذا الطائر حاد البصر، وصوته يشبه صوت الجمل، ويحاكيه ومأمواه في قرب الأنهار، وفي الأماكن الكثيرة المياه الملتفة الشجر وله حسن وتدبير في معاشه.
فصل
وكنت أسمع بشحم القاوند، ولم أدر أهو حيوان هوائي أم مائي أم أرضي حتى وقفت على كتاب موضوع في طبائع الحيوان، وخواصه ليس عليه اسم المصنف فرأيته قد قال: القاوند طير يتخذ وكره على ساحل البحر، ويحضن بيضه في شفير الرمل وذلك في طبعه عند قسوة الشتاء وشدة البرد، وهو يحضن أيضاً بيضه سبعة أيام، ويخرج فراخه في اليوم السابع، ثم يزقها سبعة أيام أيضاً والمسافرون في البحر يتيمنون بهذه الأيام ويوقنون بطيب الوقت، وحلول أوان السفر، ثم قال والمعتبرون بحال هذا الطير يقولون: إن الله تعالى يمسك أمواج البحار عند هيجانها، في زمن الشتاء عن مبيض هذا الطائر وفراخه ببره لأبويه عند كبرهما، وذلك أنهما إذا كبرا حمل إليهما قوتهما وعالهما مدة حياتهما إلى أن يموتا.
فصل
وقد مضى القول فيما نبل من الطير صورة مستوفاة على قدر الاستطاعة فليلحق بذلك ما صغر جرمه، وأهم ما نبدأ بذكره منه، حسن مرأى ومسمعا وأتحفه بهما القدر معا.
القول في طبائع الخطاف

(1/100)


ويسمى زوار الهند وهو من الطير القواطع إلى الناس يقطع البلاد البعيدة إليهم رغبة في القرب منهم والألف بهم من حيث لا يبلغه خير ولا يطأه صاحب سفر، ثم إنه إذا قطع الناس لم يبن بيته إلا في أبعد المواضع حيث لا تناله أيديهم ولا يحمله الإنس بهم على ترك التحرز منهم ومن ملابستهم والخوف منهم على منع نفسه لذة السكون إليهم فهو لا يبخس الحزم حقه، ولا يمنع الارتقاء بهم حظه، ومن عجيب حاله أنه تقلع عينه فترجع وهو لا يرى أبدا واقفا على شيء يأكله ولا يتناوله، حتى أن بعض المتكلمين في طبائع الحيوان زعم أنه ليس له رجلان، ولا يرى مسافرا، ولا مجتمعا بأنثاه، والخفاش عدو له وهو متى أفرخ وضع في أعشاشه قضبان الكرفس فلا تؤذيه إذا شم رائحته، ولا يفرخ في عش عتيق حتى يطينه بطين جديد وهي يبني عشه جديدا وذلك أنه يهيئ الطين مع التبن، وإذا لم يجد طينا مهيئا ألقى نفسه في الماء ثم تمرغ في التراب حتى يمتلئ جناحاه ويصير شبيها بالطين، وإذا هيأ عشه وضع الجاسي أولا كما يفعل الناس ويصير مقدار العش ما يسعه ويسع أنثاه وفرخيه وهو يساوي في الطعم بينهما، وهو لا يبقي في عشه زبلا بل يلقيه خارجا، فإذا كبر فرخاه علمهما ذلك وأصحاب اليرقان يلطخون فراخ الخطاف بالزعفران فإذا رآهما صقر ظن أن اليرقان أصابهما من شدة الحر فيذهب ويأتي بحجر اليرقان فيطرحه على الفراخ، وهو حجر أصفر فيأخذه المحتال فيعلقه على من به اليرقان أو يحكه ويشرب من مائه يسيرا، والخطاف متى سمع صوت الرعد مات.
الوصف والتشبيه
قال أبو إسحاق الصابي:
وهندية الأوطان زنجية الخلق ... مسودة الأبواب محمرة الحدق
كأن بها حزنا وقد لبست له ... حدادا وأدرت من مدامعها العلق
إذا صرصرت صرت بآخر صوتها ... كما صر ملوي العدو بالوتر الحزق
تصيف لدينا ثم تشو بأرضها ... ففي كل عام نلتقي ثم نفترق
وقال السري الرفاء يصفها من أبيات يصف فيها عرفه:
وغرفتنا بين السحائب نلتقي ... لهن عليها كلة ورواق
تقسم زوار من الهند سقفها ... خفاف على قلب النديم رشاق
أعاجم تلتذ الخصام كأنها ... كواعب زنج راعهن طلاق
آنسن بنا أنس الإماء تحببت ... وشيمتها غدر بنا وإباق
مواصلة والورد في شجراته ... مفارقة إن حان منه قران
وله أيضا:
وغرفتنا الحسناء قد زاد حسنها ... بزائرة في كل عام تزورها
مبيضة الأحشاء حمر بطونها ... مزبرجة الأذناب سود ظهورها
لهن لغات معجمات كأنها ... صرير نعال السبت عال صريرها
تجاورنا حتى تشب صغارها ... فيلحق فينا بالكبير صغارها
وقال أبو هلال العسكري:
وزائرة في كل عام تزورنا ... فتخبر من طيب الزمان مزارها
تخبر إن الجوراق قميصه ... وإن رياضا قد توشى ازارها
وإن وجوه الغرراق بياضها ... وإن متون الأرض راع اخضرارها
تحن إلينا وهي من غير شكلنا ... فتدنو على بعد من الشكل دارها
ويعجبنا وسط العراص وقوعها ... تمشت إلينا هندها ونوارها
وقال آخر:
أهلا بخطاف أتانا زائرا ... غردا يذكر بالزمان الباسم
لبست سرابيل الصباح بطونه ... وظهوره ثوب الظلام الغائم
القول في طبائع القيق والزرزور
أما القيق فطائر في قدر الحمام اللطيف، وأهل الشام يسمونه أبو زريق، وفي طبعه كثرة الألف بالناس، وقبول التعلم، وسرعة الإدراك لما يلقن من الكلام، وربما زاد على الببغاء في ذلك إذا أنجب، وإذا تعلم جاء بالكلام حروفا مبينة أسماء وأفعالا حتى لا يشك سامعه إذا سمعه ولم يره أنه إنسان، وأما الزرزور فيقال إنه ضرب من الغراب يسمى الغداف، وقال آخرون: هو الزاع، وهو من الطير الذي يلقن فيبلغ منها الأمل في قبول التعليم ولا يرى إلا في الربيع، ولونه أرقط لكن السود أغلب، ومن الشاد في لونه الأبيض، وقد روي في هدية أهداها منويل ملك الروم إلى الأمام المستنصر بالله العبيدي
الوصف والتشبيه
يا رب أعجم صامت لقنته ... ظرف الحديث فصار أفصح ناطق
جون اعير قوة صفرة ... كالليل طرزه وميض البارق
حكم من التدبير أعجزت الورى ... ورأى بها المخلوق ألطف خالق
وقال آخر:

(1/101)