صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : فصل المقال في شرح كتاب الأمثال
المؤلف : أبو عبيد البكري
المحقق : إحسان عباس
الطبعة : 1
تاريخ النشر : 1971
الناشر : مؤسسة الرسالة
عنوان الناشر : لبنان - بيروت
مصدر الكتاب : الوراق

[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]

بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة التحقيق
1 - توطئة:
يقول الميداني في مقدمة كتابه " مجمع الأمثال " عند الحديث عن المصادر التي جمع منها كتابه: " فطالعت من كتب الأئمة الأعلام ما امتد في تقصيه نفس الأيام مثل كتاب أبي عبيدة وأبي عبيد، والأصمعي وأبي زيد، وأبي عمرو وأبي فيد، ونظرت فيما جمعه المفضل بن محمد والمفضل بن سلمة، حتى لقد تصفحت أكثر من خمسين كتاباً..... وذكرت في كل مثل من اللغة والإعراب ما يفتح الغلق، ومن القصص والأسباب ما يوضح الغرض ويسيغ الشرق مما جمعه عبيد بن شرية وعطاء بن مصعب والشرقي بن القطامي وغيرهم " (1) .
وإذا نحن تجاوزنا عما في هذا النص من ميل إلى السجع، ومن مستلزمات أخرى أوجبت بعض التقديم والتأخير، وحاولنا أن نعيد ترتيب هذه المصادر بحسب التاريخ الزمني وجدنا أن العناية بالأمثال نشأت في عهد مبكر، وكان من أول القائمين عليها ؟ بين من ذكرهم الميداني ؟ عبيد بن شرية الذي تحدثت المصادر عن صلته بمعاوية بن أبي سفيان؛ وقد ذكر له ابن النديم كتاباً في الأمثال (2) وذكر من بين من روى عنهم علاقة بن كرشم (كريم في الفهرست) الكلابي ونسب له أيضاً كتاباً في الأمثال في نحو خمسين ورقة؛ وقد دلت نقول البكري في غير
__________
(1) مجمع الأمثال 1: 4.
(2) الفهرست: 90.

(1/1)


موضع أنه ينقل عن كتاب ابن كرشم هذا (1) ؛ كذلك أشار البكري إلى الشرقي بين القاطمي في موضعين أحدهما في تفسير المثل " وافق شنّ طبقة " حيث انفرد الشرقي بتفسير مناسبة هذا المثل (2) ، ولكن ليس هناك ما يدل دلالة قاطعة على أنه كان للشرقي كتاب مفرد في الأمثال، ولم يذكر له ابن النديم كتاباً بهذا الاسم، أما عطاء ابن مصعب فلم نجد أحداً تصدى لذكره غير الميداني، وإذا لم يكن في الاسم تصحيف أو تحريف فإنه يبدو أنه كان من تلك الطبقة المبكرة من الرواة التي اهتمت برواية ما تتصل به بعض الأمثال من أخبار وأساطير، ولولا أن ابن نديم ذكر أنه رأى كتاب ابن كرشم في الأمثال لقدرنا أن هؤلاء الثلاثة هم مصدر الأخبار الأسطورية لا غير، بل ربما ذهبنا إلى الظن بأن كتاب ابن كرشم إنما يمثل تصنيفاً متأخراً في الزمن جمعه شخص آخر أو تفرد بروايته.
وبعد هؤلاء يجيء طبقة ممن استع لهم باع التأليف في هذا الموضوع وهم أبو عمرو (ولعلّ الذي يعنيه الميداني هو أبو عمرو بن العلاء) ( - 154) والمفضل بن محمد الضبي ( - 170) وأبو فيد وهو مؤرخ بن عمرو السدوسي ( - 193) وأبو عبيدة بن المثنى ( - 210) والأصمعي عبد الملك بن قريب ( - 213) وأبو زيد الأنصاري ( - 215)؛ وربما كان كتاب المفضل الضبيّ صورة شاملة لجهود الرواة الذين سبقوه، وذلك لأنه اهتم على وجه الخصوص بالأمثال التي تستند إلى أساطير وقصص؛ وكان كاتب أبي عبيد القاسم بن سلام ( - 224) توسيعاً لطبيعة المثل وتجديداً في تقسيم الأمثال بحسب الموضوعات، إذا قيس بما تم قبله (3) ؛ وقد كثر التأليف في الأمثال بعد أبي عبيد وخاصة في القرن الثالث، فألف في الأمثال كلّ من ابن الأعرابي ( - 231) وابن السكيت ( - 244) وابن حبيب ( - 248)
__________
(1) انظر مثلاً الورقة: 108 من النسخة ص.
(2) الورقة 74 من ص.
(3) لا نرى من الضرورة في هذه المقدمة الحديث عن ابن سلام وجهوده المختلفة في ميدان التأليف، فقد كتبت عنه بعض الدراسات العلمية الحديثة، وأما مصادر ترجمته فتراجع في ابن خلكان 4: 60 والحاشية، تحقيق إحسان عباس، وفي الموسوعة الإسلامية (الطبعة الجديدة).

(1/2)


والجاحظ ( - 255) وابن قتيبة ( - 276) والمفضل بن سلمة ( - 290) ؟ الذي أفرده الميداني بالذكر دون الآخرين ؟ وكتابه مطبوع باسم فاخر؛ وثعلب ( - 291).
2 - هجرة كتب الأمثال إلى الأندلس:
نحن مدينون لأبي بكر ابن خير الاشبيلي بمعرفة عددٍ من كتب الأمثال المشرقية التي دخلت إلى الأندلس واشتغل بها طلاب العلم، وقد كانت هذه الكتب نوعين: نوع من الأمثال الواردة في القرآن والحديث ؟ وليس من الضروري التصدي لذكرها هنا ؟ ونوع في الأمثال عامة، وأهم ما وصل إلى الأندلس منها:
1 - أمثال المفضل بن محمد الضبي: وفي سند روايته نفطوية عن ثعلب عن الأحوال عن ابن الأعرابي عن الفضل (1) .
2 - أمثال أبي زيد الأنصاري: وهو برواية أبي علي القالي عن أستاذه ابن دريد عن أبي محمد التوزي عن أبي زيد الأنصاري (2) .
3 - أمثال الأصمعي: وهو أيضاً برواية القالي عن ابن دريد عن أبي حاتم السجستاني عن الأصمعي (3) .
4 - أمثال أبي عبيدة معمر بن المثنى: وفي سنده أبو عبد الله اليزيدي عن أبي العباس ابن دينار عن سعدان بن المبارك عن أبي عبيدة؛ وقد دلنا ابن خير أن هذا الكتاب كان يسمى " المجلة في الأمثال " (4) .
5 - كتاب الأمثال لأبي عبيد القاسم بن سلام (5) .
__________
(1) فهرسة ابن خير: 384.
(2) المصدر نفسه: 371.
(3) المصدر نفسه: 340، 341.
(4) المصدر نفسه: 341.
(5) المصدر نفسه: 339.

(1/3)


هذا هو ما عده ابن خير، ولكن إشارات البكري في " فصل المقال " تدل على أنه طلع على كتب أخرى في الأمثال مما ألف قبل كتاب ابن سلام وبعده، إلا أنه ليس من السهل أن نقطع بأن البكري ينقل عن تلك الكتب، حين نجده يشير مثلاً إلى ابن السكيت والمفضل بن سلمة وغيرهما.
3 - كتاب أبي عبيد ابن سلام في الأندلس:
جاء في مخطوطة فيض الله (رقم: 1578) ؟ وهي التي رمزنا لها بالحرف (ف) " قال عليّ بن عبد العزيز كاتب أبي عبيد القاسم بن سلام: كتبت هذا الكتاب من نسخة أبي عبيد رحمه الله بخط يده، وعارضت بها حرفاً حرفاً، ثم قرأناه على أبي محمد بن عاصم النحوي ( - 270) صاحب الفراء، فزادنا فيه أشياء ألحقتها في حواشي الكتاب؛ ثم قرأته على الزبير بن بكار ( - 256) وهو قاضي أهل مكة فكتبت أيضاً ما زادنا فيه ونسبت ذلك إليه " ؛ وبعد نصف قرن وقعت هذه النسخة في يد أبي بكر ابن الأنباري ( - 327) فأضاف إليها تعليقات أخرى بخطه؛ هذه النسخة القيمة وصلت إلى الأندلس، وهناك مواضع عديدة في كتاب البكري تدل على أنه اطلع عليها وأفاد منها تعقبه لأبي عبيد ابن سلام (1) ؛ وقد أشرنا إلى ذلك في عدد من المواضع في الحواشي.
ويقول البكري في أول شرحه: " حدثنا أبو مروان ابن حيان قال: أخبرنا أبو عمر أحمد بن أبي الحباب، قال: أنبأنا أبو علي إسماعيل بن القاسم البغدادي قال: أنبأنا إبراهيم بن محمد بن عرفة الأزدي قال: أنبأنا علي بن عبد العزيز وثابت ابن أبي ثابت قالا: أنبأنا أبو عبيد القاسم ابن سلام.
فلأبي عبيد القاسم بن سلام في نقل كتاب الأمثال تلميذان أهمهما علي بن عبد العزيز؛ وعن الاثنين معاً أخذ إبراهيم بن محمد بن عرفة الشهير بنفطويه
__________
(1) انظر الورقة 5 من النسخة ص حيث يقول البكري: " رأينا في الحاشية على كتاب الأمثال بخط المهلبي... الخ " .

(1/4)


( - 323) (1) وعن نفطويه أخذ الكتاب شيخ لغوية الأندلس أبو علي القالي ( - 356) (2) وعن القالي أخذه تلميذه ابن أبي الحباب القرطبي ( - 400) (3) وتلقاه عنه مؤرخ الأندلس أبو مروان ابن حيان ( - 469).
وهناك ثلاث طرق أخرى في الأندلس لرواية كتاب الأمثال، أولاً: طريق ابن القوطية عن أبي الحسن طاهر بن عبد العزيز عن علي بن عبد العزيز نفسه، والثانية: طريق ابن الافليلي عن القاسم بن سعدان عن طاهر بن عبد العزيز عن علي بن عبد العزيز، والطريق الثالثة بسند يونس بن أحمد الحراني عن ابن أبي الحباب عن القالي عن ابن درستويه عن علي بن عبد العزيز (4) ، فكل الطرق تنتهي إلى علي بن عبد العزيز، ويمكن تصويرها في الجدول الآتي:
يوجد هنا مخطط في ص 11 في الكتاب.
__________
(1) انظر ترجمة نفطويه في ابن خلكان 1: 47 من تحقيق إحسان عباس، وفي الحاشية ذكر لمصادر أخرى.
(2) ابن خلكان 1: 226 وفي الحاشية ذكر لمصادر الهامة في ترجمته.
(3) انظر ترجمته في الجذوة: 111 والصلة: 25.
(4) انظر فهرسة ابن خير: 339 - 340.

(1/5)


ومن هذا الجدول يتبين أن الأندلس مدينة بإشاعة هذا الكتاب وحمله ونقله إلى رجلين هما: القالي وطاهر بن عبد العزيز ( - 304) وهذا الثاني رعيني قرطبي، رحل إلى المشرق والتقى بعلي بن عبد العزيز في مكة، ولم يقتصر على أخذ الأمثال عنه، بل روى أيضاً كتب أبي عبيد، وحين عاد إلى الأندلس سمعها الناس منه (1) وتاريخ وفاته يدل على أنه سبق القالي إلى تدريس كتاب الأمثال، وأثار حوله عناية كثير من المتأدبين. وقد ذكر البكري نفسه أن ابن عبد ربه قال: شهدت أبا محمد ابن بكار العامري الأعرابي في مجلس يزيد بن طلحة وكتاب الأمثال يقرأ؛ وأضاف أن العامري توقف عن المثل " شاكه أبا يسار " . كذلك فإن بن عبد ربه لخص كتاب الأمثال وأدرج هذا الملخص في كتاب العقد، وكل هذا تم قبل أن يصل القالي إلى الأندلس (330ه؟) إذ توفي ابن عبد ربه قبل ذلك بحوالي عامين.
واستمر الأندلسيون يولون كتاب أبي عبيد ابن سلام اهتماماً كبيراً في حياتهم الثقافية؛ إذ تسلسل الرواية بعد ابن القوطية حتى يصل الإسناد إلى الشلوبين في القرن السابع؛ وفي هذا القرن نفسه يحدثنا الرعيني في برنامجه أن ابن أبي عزفة سمع على أبي ذر الخشني كتاب الأمثال لأبي عبيد (2) ، ويبدو أن أبا ذر الخشني هو المشار إليه في نسخة فيض الله بالحرف (خ) حيث كتب هنالك بعض التعليقات؛ وكل هذه الحقائق تشير إلى ما أحرزه كتاب ابن سلام من مقام في نفوس الدارسين الأندلسيين.
4 - شرح البكري لأمثال أبي عبيد:
تتبع البكري (3) بعض الأصول بالشرح والتعليق والنقد، هذا إلى جانب ما ألفه في موضوعات أخرى؛ وقد عرفنا من شروحه:
__________
(1) انظر ابن الفرضي 1: 243 والجذوة: 230.
(2) برنامج الرعيني: 45.
(3) كتب الدكتور مؤنس في كتابه (تاريخ الجغرافية والجغرافيين في الأندلس " (مدريد 1967) دراسة مفصلة عن أبي عبيد البكري، ويستطيع القارئ أن يرجع أيضاً إلى مقدمة الأستاذ الميمني على سمط اللآلئ.

(1/6)


1 - اللآلي في شرح الأمالي، وقد نشر بعناية الأستاذ عبد العزيز الميمني.
2 - التنبيه على أوهام أبي علي في أماليه، وقد طبع ملحقاً بالأمالي.
3 - كتاب صلة المفصول في شرح أبيات الغريب المصنف لأبي عبيد (1) .
4 - فصل المقال في شرح الأمثال (أبي أمثالابي عبيد ابن سلام) وهو هذا الكتاب.
وقد بين البكري في فاتحة هذا الشرح منهجه في كتابه حين قال " أما بعد فإني تصفحت كتاب الأمثال لأبي عبيد القاسم بن سلام فرأيته قد أغفل تفسير كثير من الأمثال فجاء بها مهملة، وأعرض عن ذكر كثير من أخبارها فأوردها مرسلة، فذكرت من تلك المعاني ما أشكل، ووصلت من تلك الأخبار بأمثالها ما فصل، وبينت ما أهمل ونبهت على ما ربما أجمل، إلى أبيات كثيرة غير منسوبة نسبتها، وأمثال جمة غير مذكورة ذكرتها، وألفاظ عدة من الغريب فسرتها " ؛ وحين يتأمل القارئ هذا المنهج يجد أن البكري قد اضطلع بالتفصيل إذا وجد الاختصار غير واضح، وهذا التوضيح يتناول المعاني والأخبار، كما أنه قام بنسبة الشعر الذي أورده الملف الأول دون نسبة، وأضاف إلى ما ذكره أبو عبيد أمثالاً أخرى لم ترد في كتابه، واهتم بتفسير بعض الألفاظ الغربية.
وقد أتاح له منهج ابن سلام نفسه أن يقوم بهذا القدر من العمل، وبما هو أكثر منه، إذ كان كتاب الأمثال يميل إلى شيء من الإيجاز، ولا يحتفل كثيراً بإيراد قصة المثل على طولها؛ وكان ابن سلام أيضاً قليل الاكتراث ؟ فيما يبدو ؟ بنسبة الشعر إلى أصحابه، أما لداعي الإيجاز والاستعجال وإما لجهله قائل البيت أو المقطوعة من الشعر. فمن أمثلة جهله أن يقول عند رواية بيت مشهور لأبي خراش الهذلي " يقول شاعر في سالف الدهر " ، ومنها أيضاً قوله عندما روى البيت "
فتى كان يدنيه الغنى من صديقه ... إذا ما هو استغنى ويبعده الفقر وهذا البيت يقول بعضهم إنه لعثمان بن عفان. وعند هذا الموقف يغضب البكري فيقول معلقاً: كيف جهل أبو عبيد أن هذا البيت من شعر الأبيرد اليربوعي وهو أشهر من أن يجهله أحد فكيف يجهله أحد الجلة من العلماء بفنون العلم؟ وهكذا
__________
(1) فهرسة ابن خير: 343.

(1/7)


كان شأن ابن سلام أيضاً في مواطن تستدعي التوقف في النسب أو في صحة الأسماء، فقد تعقبه البكري في كل ذلك، وأبان عن الوجوه الصحيحة، أو قرن برواية أبي عبيد رواية غيره من العلماء في التوجيهات اللغوية، وفي فهم الأمثال والنصوص. وخطأه أيضاً في فهمه بعض الأمثال، من ذلك ما ورد في تفسير المثل " سوء الاستمساك خير من حسن الصرعة: فقد قال ابن سلام في تفسيره له: يقول لأن يزل الإنسان وهو عامل بوجه العمل وطريق الإحسان والعمل، خير من أن تأتيه الإصابة وهو عامل بالإساءة بالخرق، فقال البكري في تعليقه: " تفسير أبي عبيد يقتضيه لفظ المثل، ولا يصح عليه لأن الذي يعمل بوجه العمل وطريق الاستحسان ليس سيئ الاستمساك، كما أن العامل بالإساءة والخرق ليس بحسن الصرعة " .
ويشعر القارئ أحياناً أن البكري يتحكم في بعض التخريجات، ويأخذ على أبي عبيد ما يقع فيه غيره منت العلماء. فقد فسر ابن سلام المثل: " عند فلان من المال عائرة عين " بأن لديه من كثرة المال يملأ العين حتى يكاد يعورها، فقال البكري: " قبح الله كل مال يكاد يفقأ العين حين النظر...الخ " ولو تمهل البكري لوجد أن علماء آخرين قبلوا هذا التفسير، وأن أبا عبيد لم يزد على أن اختار توجيه أبي عبيدة في فهم المثل. وقد يتجاوز التدقيق عند البكري حده الطبيعي المقبول في بعض الأحيان فيؤاخذ ابن سلام على أشياء لم يقلها ؟ قال ابن سلام في المثل " قد نفخت لو تنفخ في فحم " إن هذا المثل الأغلب في شعره، فتعقبه البكري بقوله: " أما قوله نفخت لو تنفخ في فحم وهو في شعر الأغلب فليس ما أورده شعراً ولا رجزاً " ؟ والحق أن أبا عبيد ابن سلام لم يقل إنه يورد شعراً أو رجزاً، وكل ما قاله أن هذا المثل ورد " في " شعر ؟ وحقه أن يقول في رجز ؟ للأغلب العجلي.
وقد مضى ابن سلام بدافع الإيجاز يحيل على أشياء ذكرها في كتابه غريب الحديث والغريب المصنف، مما جعل البكري يقف عند هذه المواطن ليشرحها منتقداً ابن سلام على موقفه هذا، لأن ابن سلام افترض أن قارئ كتابه لا بد من أن يكون قادراً على الرجوع إلى كتبه الأخرى.
وثمة صفة أخرى في ابن سلام أتاحت للبكري أيضاً مجالاً من القول، تلك هي تحرج أبي عبيد من ذكر بعض الأسماء، أو رواية بعض القصص، كقوله " وذكر

(1/8)


عند عمر بن الخطاب فلان، قال ذلك رجل وفيه دعابة " فعند ذلك يورد البكري القصة ويذكر الاسم الذي كنى عنه ابن سلام بكلمة " فلان " ؛ وصفة التحرج غالبة على ابن سلام في مواطن متفرقة من كتابه، أما البكري فإنه لا يرى بأساً يذكر ما يستحي أبو عبيد من روايته.
وإذا اغتفرنا بعض هنات للبكري في تعقبه لأبي عبيد، وكلها مما يدل على اعتداد بالنفس، وجدناه قد أغنى شرحه بالتحقيقات الطيبة في اللغة والأنساب والشعر، وكان في شرحه هذا ذا شخصية قوية، كما كان في شرحه لأمالي القالي، واسع الإطلاع، جم المعارف وإن لم يخل من خطأ أو وهم. وقد تقيد بالشرح ولذلك فإنه لم يورد الأمثال التي لا يستطيع التعليق عليها أو التي لا تستحق منه تعليقاً، بل اختار منها ما يستطيع إخضاعه للتفسير والتعليق، ونحسب أن ما حذفه من الأمثال من أصل أبي عبيد أضعاف أضعاف ما زاده إليه أثناء الشرح لأنه في بعض الأحيان كان يغفل أبواباً كاملة. وعلى هذا فإن كتاب " فصل المقال " لا يضم إلا قدراً محدوداً من الأمثال، وكذلك كتاب أبي عبيد نفسه، لأن التبويب اتبعه مؤلفه يحدد طبيعة الأمثال التي أمكنه إدراجها فيه، ولهذا التقسيم عيوب ليس البكري مسؤولاً عنها، وإن التزم به في سياق شرحه.
وعلى ما لهذا من قيمة علمية فإننا لم نجد عدداً كبيراً من العلماء قد أفاد منه واستغل ما فيه. وكل ما نعرفه في هذه الناحية أن تلميذين لأبي عبيد البكري روياه عنه وهما: الوزير أبو بكر محمد بن عبد الملك بن عبد العزيز اللخمي، ومحمد بن محمد بن عبد الرحمن القرشي المعروف بابن الأحمر، ونقل منه العيني مرة واحدة في قصة النعمان وسعد القرقرة (العيني 4: 55) وربما كان صاحب التاج أو شيخه مطلعاً على بعض ما جاء فيه، لأن هنالك إشارات إلى بعض تعليقات البكري وردوده.

(1/9)


تحقيق الكتاب
1 - نسخ الكتاب:
اعتمدنا في تحقيق هذه الطبعة من الكتاب على أربع نسخ:
(1)نسخة مكتبة لاله لي (رقم: 1795) وقد رمزنا لها بالحرف (ص)، وهي نسخة أصلها قديم يبدو، وتتألف من 160 ورقة، كتبت بخط نسخي، وفي كل صفحة من صفحاتها 21 سطراً، وربما كان أصلها يعود إلى القرن السابع أو الثامن، إلا أن الورقات (1 ؟ 47) فيها قد فقدت من الأصل، فأعاد أحد النساخ كتابتها بخط يرجع إلى القرن الحادي عشر أو ما بعده، وبما أنها كانت أكمل نسختين موجودتين لدينا عند تحقيق هذا الكتاب أول مرة فقد اعتبرناها أصلاً، وهذا هو سرّ اختيار حرف (ص) رمزاً لها، ولكنها في الحقيقة لا تستحق هذا التقدير، لأنها مليئة بالأخطاء، وأكثر أخطائها يعود إلى جهل الناسخ (1) .
(2)نسخة مكتبة الفاتح (رقم: 4014) ومنها فيلم بمعهد المخطوطات بالجامعة العربية. ومن هذا المعهد حصلنا على صورة منها، عدد أوراقها 103 ومسطرتها 17 × 22 سم (انظر فهرست المخطوطات المصورة رقم: 634)؛ وهذه
__________
(1) من هذه النسخة فيلم بمعهد المخطوطات بالجامعة العربية (راجع فهرست المخطوطات المصورة رقم: 635).

(1/10)


النسخة مكتوبة بخط مغربي رديء، يبدو عليه القدم، وهي ناقصة في عدة مواضع، وقد رمزنا لها بالحرف (ح).
(3)نسخة الاسكوريال (رقم: 526) وقد رمزنا لها بالحرف (س)، وتتألف من 165 ورقة، في كل صفحة 21 سطراً، ومسطرتها 23 × 17.5، وخطها أندلسي جميل؛ والضبط فيها؛ بوجه عام، جيد، وقد سقطت منها افتتاحية المؤلف، وقسمة الكتاب في أبواب، وجاء في آخرها: " تم فصل المقال في شرح الأمثال لأبي عبيد الله ابن سلام بتفسير غريبه ومعانيه وذكر الأمثال الواقعة فيه لأبي عبيد عبد الله بن عبد العزيز البكري، رحمه الله، والحمد لله على معونته، وصلى الله عليه وسلم " ؛ وليس هناك تاريخ للنسخ.
(4)نسخة الرباط (رقم: 158 ق) وقد رمزنا لها بالحرف (ط) وهي في 195 صفحة، في كل صفحة 19 سطراً، ومسطرتها 20.5 × 16.5 وخطها مغربي دقيق، وهي النسخة الوحيدة التي تحمل تاريخاً، فقد جاء في آخر ورقة من أوراقها " وكل الفراغ منه في الموفي عشرين من شهر شعبان من سنة ثمان وستمائة " ، وعلى هذا فربما كانت أقدم نسخة بين هذه الأصول الأربعة؛ إلا أن الورقتين اللتين تحويان المقدمة وتقسيم الكتاب إلى فصول قد سقطتا منها. تلك هي النسخ التي اعتمدنا عليها من شرح البكري نفسه، ولكنا زيادة في التدقيق، رأينا أن الأصول المشروح وهو كتاب القاسم بن سلام في الأمثال لا بدّ من أن يكون بين أيدينا لدى القيام بالتحقيق، ولهذا يمكن أن يقال إنه كانت لدينا نسخة خامسة اعتمدناها، وربما كانت من أهم ما اعتمدناه:
(5)كتاب الأمثال لأبي عبيد القاسم بن سلام، نسخة فيض الله (رقم: 1578) وقد رمزنا لها بالحرف (ف)، وهي تقع في 89 ورقة، يضاف إليها ورقة واحدة ليست من صلب الكتاب، وهي مكتوبة أيضاً بخط مغربي، وفي كل صفحة 19 سطراً، وهي جيدة الضبط والشكل، وعلى هامشها تعليقات مفيدة، وقد نقلت تلك التعليقات مع الأصل نفسه عن نسخة بخط علي بن عبد العزيز تلميذ ابن سلام وصححت على أصل المؤلف، ثم قرأها أبو بكر ابن الأنباري وكتب فيها حواشي بخطه، وللمهلبي اللغوي فيها حواش أخرى كتبها ابن

(1/11)


الأنباري جميعها بخطه من قراءته على أبي العباس الأحول اللغوي، ولعل الأصل المشار إليه هو الذي اطلع عليه ابن السيد البطليوسي (سنة 517) وعليه قرأه الفقيه المشاور أبو الحسن ابن النعمة، كما تدل الورقة الأولى من هذه النسخة؛ وليس في مقدورنا أن نغالي في تقدير قيمة هذه المخطوطة الهامة عندما قمنا بالتحقيق، ولكن يكفي أن نقول إنها كانت مرجعنا الأكبر عند قيام إشكال أو تعارض بين النسخ، كما أن هومشها كانت مصدراً لفوائد جليلة.
2 - منهجنا في التحقيق:
إن دراسة النسخ الأربع التي اعتمدناها في التحقيق تدل على أننا أمام فئتين متفاوتتين من الأصول؛ الفئة الأولى تمثلها النسختان ص ح، فهما ؟ وخاصة في الثلث الأول من الكتاب ؟ تتفقان في زيادات كثيرة، لا وجود لها في النسختين الأخريين، ويبدو أن هذه الزيادات إنما كانت استداداً من أصل ابن سلام نفسه للتوضيح، وأنه لم يكن للبكري يد فيها؛ كذلك فإن هاتين النسختين تتفقان فيما ينقصهما عند المقارنة بالنسختين الأخريين؛ أما الفئة الثانية فتتمثل في النسختين س ط، رغم ما قد يكون بينهما من تفاوت، نعم إن القراءات في كلتا النسختين قد تكون أحياناً متباعدة، مما يدل على أنهما تنتميان إلى أصلين مختلفين، ولكن تلك الفروق جزئية، وليس بين النسختين اختلاف كبير في السياق العام نفسه. وعلى هذا وجدنا أنه لا بد لنا الأخذ بالأمور الآتية:
1 - أنه ليس هناك " نسخة أمّ " تتخذ حكماً عند التباين بين النسخ.
2 - أن زيادات ص ح قد وضعت في المتن بين قوسين بهذا الشكل
3 - أن زيادات س ط قد وضعت بين معقفين هذه صورتهما [ ]
4 - أننا حذفنا كثيراً من الفروق التي انفردت بها ص، لأنها في الأساس تعود إلى جهل الناسخ، وما كان خطأً واضحاً لا لبس فيه فلا يصح أن يثبت في الحواشي.
5 - أن ما زدناه من النسخة (ف) ؟ وهي أصل أبي عبيد ابن سلام ؟ وضع بين

(1/12)


قوسين، هذه صورتهما ( )؛ ولكنا في هذه الطبعة الثانية حذفنا من الزيادات التي أدرجناها من (ف) في الطبعة الأولى شيئاً كثيراً، لأن أصول فصل المقال ؟ في هذه الطبعة الثانية ؟ قد أصبحت تمكننا من الحسم في كثير من الأمور، دون الاعتماد الكبير على نسخة (ف).
6 - أن هناك فروقاً كثيرة في القراءات قد أغفلناها لأنها لا تغير كثيراً في المبنيى والمعنى؛ ومن ذلك الأدعية مثل " صلى الله عليه وسلم " و " رضي الله عنه " و " رحمه الله " ، فقد اتبعنا فيها منهجاً مناسباً، وإن تفاوتت النسخ في ذلك، كذلك قد نجد تفاوتاً بين النسخ في أمور صغيرة مثل " ومنه قولهم " بدلاً من " منه قولهم " وما أشبه من فروق مثل " وقال " " فقال " ؟ ولو أنا أردنا أن نشير إلى أمثال هذه الخلافات في كل موطن لأثقلنا الحواشي بأمور لا ضرورة لها؛ كذلك فإنا على تمام الشعور بالمسؤولية العلمية حين نقول: إن الأخطاء التي لا تتحمل تأويلاً إلى جانب الصحة المحتملة يجب أن يغفل إثباتها، لأن ذلك يعد إثقالاً على القراء، دون ما داعٍ يدعو لذلك.
3 - شكر وتقدير:
حين أصدرنا الطبعة الأولى من هذا الكتاب (سنة 1958) كان لجامعة الخرطوم الفضل الكبير في طبعه على نفقتها، تشجيعاً منها لإحياء التراث العربي، وتقديراً لعمل أستاذين من أساتذتها، وأظن أن كرور الأيام، لن ينسينا الاعتراف بالجميل لتلك الجامعة، ولما أدته في خدمة العلم؛ وقد حرصت الجامعة يومئذ أن يكون عملنا مسدداً بإرشاد عالم طويل الباع في ميدان التحقيق وفي سعة الاطلاع، وذلك هو صديقنا الأستاذ محمود شاكر الذي قرأ الكتاب قبل دفعه للمطبعة، وأرسل إلينا بتعليقات كثيرة مفيدة، أثبتنا ما يحتاج إليه القارئ منها في هوامش الكتاب؛ وقد عانينا في طبع الكتاب ؟ في الخرطوم ؟ ما لا قبل لنا بتصويره، ولم تستطع غيرتنا العلمية أن تبرئه من أخطاء، كنا نحن أشد الناس ألماً لوقوعها فيه، حتى لقد قلنا حينئذ في تقديم تلك الطبعة: " غير أن نقص الوسائل عامة، اضطرنا إلى قبول الأمر الواقع آسفين، فقد امتلأ الكتاب بالأخطاء، مع حرصنا على تصفيته منها " .

(1/13)


أما اليوم، فإننا نستطيع أن نقول بكل تواضع إننا نتقدم بالكتاب وهو لا يشكو من تلك العثرات، ويعود جانب كبير من الفضل في ذلك إلى صديقي العالم المحقق الأستاذ أحمد راتب النفاخ الذي أولى هذا الكتاب عناية خاصة، وقدم إليّ صوةرة من مخطوطة الاسكوريال لأستعين بها في العمل، وكانت أريحيته دائماً عوناً كبيراً لي في ما قمت به من تحقيقات. ولا أنس فضل أخ كريم هو الأستاذ مجير العمري الذي يعمل على إحياء التراث بغيرة صادقة، فهو الذي اضطلع بعبء هذا الكتاب، حتى خرج على النحو الذي يرتضيه المحقق والقارئ؛ فلهذين الصديقين شكري وتقديري.
ولما تيسر لي إعادة النظر في الكتاب على ضوء مخطوطتين جديدتين أستأذنت صديقي الدكتور عبد المجيد عابدين في إعادة طبعه، فأذن في ذلك، ولم يكن في مقدوري أن أعرض عليه ما تمّ في هذا العمل لتباعد المسافة فيما بيننا، ولكنه أولاني مشكوراً ثقته، فعملت بوحي من هذه المسئولية في جميع أجزاء الكتاب، حتى انني أعدت النظر في المقدمة، ووضعتها على نحو جديد، مستفيداً من المعلومات التي وردت في مقدمة الطبعة الأولى، وقد حذفت منها ما كان مكرراً أو ما ظننته إمعاناً في التفصيلات، لا يفيد القارئ منه كثيراً.
والله أسأل أن يوفقنا جميعاً ويسدد خطانا بمنه وكرمه.
بيروت في 4 ذي الحجة 1390
30 - كانون الثاني (يناير) 1971 إحسان عباس

(1/14)


فصل المقال
في شرح كتاب الأمثال

(1/1)


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ولي الحمد وأهله، وصلى الله على سيدنا محمد نبيه وصفوته من رسله.
أما بعد: فإني تصفحت كتاب الأمثال لأبي عبيد القاسم بن سلام فرأيته قد أغفل تفسير كثير من تلك الأمثال فجاء بها مهملة، وأعرض أيضاً عن ذكر كثير من أخبارها فأوردها مرسلة، فذكرت من تلك المعاني ما أشكل، ووصلت من تلك الأمثال بأخبارها ما فصل، وبينت ما أهمل، ونبهت على ما ربما أجمل، إلى أبيات كثيرة غير منسوبة نسبتها، وأمثال جمة غير مذكورة ذكرتها، وألفاظ عدة من الغريب فسرتها، وعلى الله قصد السبيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وقد رتبته على عشرين باباً يتفرع منها أبواب في محالها:
الباب الأول: في حفظ اللسان، ويتفرع منه أبواب في معناه.
الباب الثاني: في معايب المنطق، ويتفرع منه أبواب في معناه.
الباب الثالث: في جماع أحوال الرجال واختلاف نعوتهم وأحوالهم، ويتفرع منه أبواب في معناه.
الباب الرابع: في تعاطف ذوي الأرحام وتحنن بعضهم على بعض، ويتفرع منه أبواب.
الباب الخامس: في مكارم الأخلاق، ويتفرع منه أبواب في معناه.
الباب السادس: في الجود والمجد.
الباب السابع: في الخلة والصفاء، ويتفرع منه أبواب في معناه.

(1/2)


الباب الثامن: في المعاش والأموال، ويتفرع منه أبواب في معناه.
الباب التاسع: في العلم والمعرفة، ويتفرع منه أبواب في معناه.
الباب العاشر: في شواهد الأمور الظاهرة على علم باطنها، ويتفرع منه أبواب في معناه.
الباب الحادي عشر: في الحوائج، ويتفرع منه أبواب في معناه.
الباب الثاني عشر: في الظلم، ويتفرع منه أبواب في معناه.
الباب الثالث عشر: في المعايب والذم، ويتفرع منه أبواب في معناه.
الباب الرابع عشر: في الخطأ والزلل في الأمور، ويتفرع منه أبواب في معناه.
الباب الخامس عشر: في البخل وصفاته وأشكاله، ويتفرع منه أبواب في معناه.
الباب السادس عشر: في صنوف الجبن وأنواعه، ويتفرع منه أبواب في معناه.
الباب السابع عشر: في مرازي الدهر، ويتفرع منه أبواب في معناه.
الباب الثامن عشر: في الجنايات، ويتفرع منه أبواب في معناه.
الباب التاسع عشر: في منتهى التشبيه، ويتفرع منه أبواب في معناه.
الباب العشرون: في اللقاء والنفي للناس والطعام، ويتفرع منه أبواب في معناه.
فأقول: حدثنا أبو مروان ابن حيان، قال: أخبرنا أبو عمر أحمد بن أبي الحباب قال: أنبأنا أبو علي إسماعيل بن القاسم البغدادي قال: أنبأنا أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة الأزدي قال: أنبأنا علي بن عبد العزيز وثابت بن أبي ثابت قالا: أنبأنا أبو عبيد القاسم بن سلام الخزاعي قال: هذا كتاب الأمثال وهي حكمة العرب في الجاهلية والإسلام، وبها كانت تعارض كلامها فتبلغ بها ما حاولت فيها (1) .
ع: المعارضة هنا من الذي ورد: في المعارض مندوحة عن الكذب (2) ،
__________
(1) ف: وبها كانت تعارض كلامها فتبلغ بها ما حاولت من حاجاتها في المنطق بكناية غير تصريح فيجتمع لها بذلك ثلاث خلال: إيجاز اللفظ وإصابة المعنى وحسن التشبيه... الخ.
(2) قال الميداني (1: 9) إنه من كلام عمران بن حصين، وفي طبقات ابن سعد (7/1: 105) أن عبد الله بن الشخير كان يقول: إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب، ورفعه البكري في السمط: 240 إلى الرسول.

(1/3)


وهي الكلام الذي يفهم عنك منه خلاف ما تضمره لاحتماله معنيين، وهذا هو اللحن عند العرب، تقول: لحنت له لحناً، إذا قلت له قولاً يفهمه عنك ويخفى على غيره، وقد لحنه إذا فهمه، وهو الذي أراد مالك بن أسماء بن خارجة بقوله (1) :
وحديثٍ ألذه هو مما ... تشتهيه النفوس يوزن وزنا
منطق صائب وتلحن أحيا ... ناً، وخير الحديث ما كان لحنا أي تعرض به في حديثها وتزويه (2) عن جهته لئلا يفهمه الحاضرون.
ومن المعارض ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم (3) أنه حين هاجر إلى المدينة مخفياً لشأنه عن قريش نزل منزلاً، فمر به قوم يؤمون مكة ومعه أبو بكر، فقال لهما القوم: من أين أنتما؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نحن من ماء من المياه، فقال القوم: هما من بعض مياه العرب. وإنما أراد النبي عليه السلام قول الله تعالى: {فلينظر الإنسان مم خلق، خلق من ماءٍ دافق} (الطارق: 5) فلحن لهم بذلك ليخفى أمره، وصدق كما قال عليه السلام: إني لأمزح ولا أقول إلا حقاً. وقال لامرأة من العرب (4) : " إن الجنة لا تدخلها العجز " ففزعت وبكت، أراد النبي عليه السلام قوله تعالى: {إنا أنشأناهن إنشاءً، فجعلناهن أبكاراً، عرباً أتراباً} (الواقعة: 36)، وأهل الجنة أجمعون/ شبان لا يهرمون (5) .
__________
(1) انظر ترجمة مالك بن أسماء في الشعر والشعراء: 492، وقد ورد البيتان أيضاً في أمالي القالي 1: 5 والسمط: 15، وفيه استطراد بذكر قصص متصلة بالملحن والتعريض. وهما في أمالي المرتضى 1: 14، والبيان 1: 147 ووهم الجاحظ في معنى اللحن هنا، فظنه الخطأ في الإعراب.
(2) س: فتزيله.
(3) كرره البكري أيضاً في شرحه على الأمالي (انظر السمط: 240) وقد ورد هذا الخبر في سيرة ابن هشام 2: 268ط. الحلبي، وبهامش الروض الأنف 2: 56.
(4) ط س: من الأنصار.
(5) ص ح: لا ينزفون، ومعناه لا يسكرون، واصله من ذهاب العقل.

(1/4)


وحضر باب عبد الملك بن مروان (1) ناس من العرب فيهم تميمي ونميري، فمر عليهم رجل يحمل بازياً، فقال التميمي للنميري: انظر ما أحمق (2) هذا البازي، ففهم النميري ما أراد فقال له: نعم، وهو يصيد القطا:
أراد التميمي قول جرير (3) :
أنا البازي المطل على نميرٍ ... أتيح من السماء له انصبابا (4) وأراد النميري قول الطرماح (5) :
تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا ... ولو سلكت سبل المكارم ضلت قال أبو عبيد: وكان ما دعانا إلى تأليف هذا الكتاب وحثنا عليه ما روينا من الأحاديث المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم (6) .
__________
(1) أورد البكري نفسه هذه القصة في شرحه على الأمالي (السمط: 862) وذكر أن الشعراء اجتمعوا على باب أمير من أمراء العراق. وانظر أيضاً محاضرات الراغب 1: 165.
(2) ط س: ما أخس؛ ولعل الصواب: ما أحسن.
(3) ديوان جرير: 72 مع اختلاف يسير في الرواية، والنقائض: 443.
(4) زاد بعد البيت في س: ويروى: أتيح له من الجو.
(5) هو البيت: 32 من القصيدة: 8 في ديوانه.
(6) لم يرد في س ط.

(1/5)


ع: المأثورة هي المحمولة المروية، يقال هذا الحديث مأثور عن فلان، وهو يأثره عنه أي يحمله ويحكيه، وهو معنى قول الله تعالى: {أو أثارة من علم} (الأحقاف: 4) وروى الزهري عن سالم عن أبيه عن عمر بن الخطاب قال (1) : سمعني النبي صلى الله عليه وسلم أحلف بأبي فقال: " إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم " فما حلفت بها ذاكراً ولا آثراً (2) ، يعني أنه لم يأثر ذلك عن غيره، أي يحيكه عنه، لئلا يجري على لسانه. وقال الأعشى (3) :
إن الذي فيه تناويتما ... بين للسامع والآثر قال أبو عبيد: ومن أمثاله أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم (4) : " مثل المؤمن كمثل الخامة من الرزع تمليها الريح مرةً هاهنا، ومرةً هاهناك، ومثل الكافر كمثل الأرزة المجذية على الأرض حتى يكون انجعافها مرة " .
ع: لفظ الحديث (5) تمليها الريح مرة هكذا ومرة هكذا، ويروى: تفيئها؛ والخامة: الغضة (6) من الزرع أول ما تستقل على ساق، وألفه (7) منقلبه عن ياءٍ.
__________
(1) أخرج هذا الحديث أحمد في مسنده، والطبراني في الكبير، والحاكم في المستدرك، وفيه اختلاف يسير عما ورد هنا. وأخرجه الترمذي، انظر تيسير الوصول 1: 23.
(2) انظر البخاري، كتاب الإيمان والنذور - الباب: 4.
(3) البيت: 21 من القصيدة الثامنة عشرة في ديوانه، وهي إحدى مدائحه في عامر بن الطفيل وتفضيله على علقمة بن علاثة ورواية الديوان: فيه تداريتما، وقوله: تناوليتما يريد تناوأتما وترك الهمز فيه جائز؛ وفي ط: تماريتما.
(4) انظر الحديث في البخاري (التوحيد: 31 والمرض والطب: 1) وفي الفائق 1: 375 ورواه الفراء كالحافة، بالحاء والفاء، وفسره بطاقة الزرع.
(5) س: الحديث مروي.
(6) ط س: القصبة.
(7) ط س: وألفها.

(1/6)


وقال أبو عبيد: هي الغضة (1) الرطبة، وأنشد (2) :
إنما نحن مثل خامة زرعٍ ... فمتى يأن يأت محتصده والبيت للطرماح، أخذه ابن مناذر (3) فقال:
وأرانا كالزرع يحصده الده؟ ... ر فمن بين قائمٍ وحصيد
وكأنا للموت ركب مخبو ... ن سراعاً (4) لمنهل مورود والأرزة: شجرة معروفة وهي من أصلب الخشب؛ قال أبو عبيد: وأهل العراق يسمونها الصنوبر، وإنما الصنوبر ثمر الأرز. والمجذية: الثابتة القائمة، وكل ثابت على شيء فقد جذا عليه وأجذى، قال الشاعر (5) :
إذا شئت غنتني دهاقين قريةٍ ... وصناجة تجذو على كل منسم والانجعاف: السقوط والانقلاع معروف، يقال جعفت الرجل: إذا صرعته؛ ومعنى الحديث، والله أعلم، أنه شبه المؤمن بالخامة التي تمليها الريح لأنه مرزأ في نفسه وأهله، وولده وماله، وأما الكافر فمثل الأرزة التي لا تمليها الريح، والكافر لا يرزأ شيئاً حتى يموت، وإن رزئ لم يوجد عليه (6) ، فشبه موته بانجعاف تلك حتى يلقى الله بذنوبه كملا؛ ويروى حتى يكون انخعافها مرة، بالخاء المعجمة، والانخعاف والانخفاع: الضعف من جوع أو مرض (7) .
__________
(1) س: القضبة.
(2) ديوان الطرماح، القصيدة الخامسة: 110 وفيه " إنما الناس مثل نابتة الزرع متى.. البيت " وراجع أيضاً حماسة البحتري: 127.
(3) ترجمة ابن مناذر في الاغاني 17: 9 - 30 والبيتان من قصيدة يرثي بها عبد المجيد الثقفي. أورد المبرد أكثر أبياتها في الكامل: 747 - 750 وانظرها في طبقات ابن المعتز: 51.
(4) ص: مجيبون سراع.
(5) هو نعمان بن نضلة، ولاه عمر ميسان، فقال أبياتاً يتمدح فيها بانهماكه في الشراب والسماع، فعزله عمر. والبيت في أمالي القالي 2: 10، والسمط: 745، والقصة والأبيات في البلاذري. وفي معجم ياقوت والبكري (ميسان).
(6) س: لم يؤجر عليه، وهي غير واضحة في ط؛ ولم يوجد عليه بمعنى لم يحزن عليه.
(7) قال ابن الاعرابي: انخفعت النخلة: إذا انقطعت من أصلها وكذلك انخفعت (التاج: خفع).

(1/7)


قال أبو عبيد: ومنها قوله: صلى الله عليه وسلم حين ذكر الفتن والحوادث التي تكون في آخر الزمان، فقال له حذيفة بن اليمان: أبعد هذا الشر خير؟ فقال: " هدنة على دخن وجماعة على أقذاءٍ " ؛ (1) >. قال أبو عبيد: فقد علم أن الأقذاء إنما تكون في العين أو في الشراب، وأن الدخن إنما يكون (2) من الدخان، فجعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلاً لنغل القلوب وما فيها من الضغائن والأحقاد.
ع: الدخن ليس في معنى الدخان كما قال أبو عبيد، وإنما الدخن فساد في القلب عن باقي عداوة، وبهذا فسر حديث النبي صلى الله عليه وسلم، ولا مدخل هنا لاستعارة الدخان، والدخن لغة في الدخان وكذلك الدخ، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لابن صياد: " قد خبأت لك خبئاً فما هو؟ قال: الدخ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إخسأ فلن تعدو قدرك " وكان قبض من دخان مر به بيده. وقال الداوودي: ويقال إنه خبأ له سورة الدخان.
قال أبو عبيد: ومنها حديثه صلى الله عليه وسلم حين ذكر الدنيا وزينتها فقال: " وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطاً أو يلم " (3) أو جمال فقد تؤول بصاحبها إذا سلك بها غير القصد إلى سوء المغبة، كما أن آكلة الخضر من الماشية إذا لم تقصد في مراعيها آل بها ذلك إلى أن تستوبله (4) حتى تحبط منه بطونها فتهلك> (5) .
__________
(1) سقط من س ط.
(2) ف: إنما هو مأخوذ.
(3) ف: زهرة.
(4) ص: تستزيده.
(5) سقط من س ط.

(1/8)


ع: فسره أبو عبيد ولم يبين معنى الحبط، وهو داء يصيب الماشية عن كثرة أكل الكلأ حتى تنتفخ بطونها فتمرض عنه. يقال منه: حبط بكسر الباء، يحبط بفتحها، حبطاً بفتح الباء أيضاً، فهو حبط، والحبط: لقب الحارث بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم، وهو أبو الحبطات، قيل إنه لقب بذلك لعظم بطنه، وقيل إنه (1) كان في سفر فأصابه مثل هذا، وقوله: أو يلم، معناه أو يدني من الموت. قال الشاعر (2) :
وزيد ميت كمد الحبارى ... إذا زارت قريبة أو ملم أي مقارب للموت (3) .
قال أبو عبيد: ومنها قوله صلى الله عليه وسلم لأبي سفيان بن حرب: " أنت يا أبا سفيان: كما قيل: كل الصيد في جوف الفرإ " أي إنك في الرجال كالفرإ في الصيد، وهو الحمار الوحشي، قال له ذلك يتألفه على الإسلام.
ع: استأذن أبو سفيان على رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأخر أذنه فلما دخل عليه قال: ما كدت تأذن لي حتى أذنت لحجارة الجلهتين، ويروى الجلهمتين (4) ، فقال له رسول الله عليه السلام هذه المقالة استئلافاً له، وقد روي أن رسول الله إنما قال
__________
(1) س ط: لأنه.
(2) هو أبو الأسود الدؤلي كما في المعاني الكبير: 292 وروايته " إذا ظعنت هنيدة " ، واللسان (حبر) وروايته فيه:
يزيد ميت كمد الحبارى ... إذا ظعنت أمية أو ملم أما قوله " ميت كمد الحبارى " فهو من أمثالهم وذلك أن الحبارى تلقي ريشها مع الطير ثم يبطيء نبات ريشها، فإذا طار سائر الطير عجزت عن الطيران فتموت كمداً.
(3) س: من الموت.
(4) الجلهتان: جانبا الوادي.

(1/9)


هذا المثل لأبي سفيان ابن الحارث بن عبد المطلب لا لأبي سفيان ابن حرب. وأصل هذا المثل فيما ذكر أبو عبيدة أن قوماً خرجوا يصيدون، فصاد أحدهم ضباً، وصاد الآخر يربوعاً، وصاد الثالث أرنباً، فجعلوا يفخرون بما صادوا وجاء أحدهم قد صاد جحشاً فقال: كل الصيد في جوف الفرا، قصور على مثال فرع وجمعه فراء بالمد على مثال فراع، قال الشاعر (1) :
بضربٍ كآذان الفراء فضوله ... وطعن كإيزاغ المخاض تبورها (2) وقد تغفل الأصمعي أبا عمرو الشيباني فقال له (3) : ما معنى قول الشاعر:
" بضربٍ كآذان الفراء فضوله " : ... وجعل يجر يده على فراء كانوا يجلسون عليها، فقال: هي هذه، فقال له الأصمعي: أخطأت يا أبا عمرو.
قال أبو عبيد: ومنها قوله عليه السلام حين ذكر الضرائر قال (4) : " ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكتفيء ما في صحفتها " ، فقد علم أنه لم يرد الصفحة خاصة، إنما جعلها ثلاً لحظها من زوجها (يقول: إنه إذا طلقها لقول هذه كانت قد أمالت نصيب صاحبتها إلى نفسها).
ع: يروى هذا الحديث لتكتفيء ما في صحفتها ولتكفأ ما في صحفتها، ويروى ما في إنائها، يقال: كفأت الإناء أكفؤ كفأ إذا قلبته، ويقال أيضاً
__________
(1) هو مالك بن زغبة (اللسان: بور، وزغ) والمجتنى: 18 والمعاني الكبير: 979.
(2) ايزاغ المخاض: قذفها بولها إذا كانت حوامل، شبه خروج الدم بذلك، تبورها تختبرها بعرضها على الفحل لتعرف أهي لاقح أم لا.
(3) وردت هذه القصة في نزهة الالباء: 123 واللسان (فرأ).
(4) البخاري: كتاب القدر، الباب: 3.

(1/10)


أكفأته، وكفأته أفصح، وأكفأت في الشعر لا غير، إذا قلت شيئاً مرفوعاً وآخر مخفوضاً.
وهذا حديث صحيح، رواه مالك (1) عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تسأل المرأة طلاق أختها لتستفرغ صحفتها ولتنكح، فإنما لها ما قدر لها، ذكر ذلك في باب جامع ما جاء في القدر، والعرب تضرب انكفاء وإراقته مثلاً لخلو موضع صاحبه بذهاب أو موت، قال الأعشى (2) :
رب رفدٍ هرقته ذلك اليو ... م وأسرى من معشرٍ أقتال الرفد: القدح العظيم، يقول: قتلت أربابها فكانت تلك إراقتها، وقيل إنه أراد ذهبت بإبلهم فصرفت أقداحهم من اللبن.
وقال أبو قردودة يرثي ابن عمار وكان حذره صحبة النعمان بن المنذر، فقال لما قتله النعمان (3) :
يا جفنةً كإزاء الحوض قد هدموا ... ومنطقاً مثل وشي اليمنة الحبره وهو معنى قول امرئ القيس في أحد الوجهين (4) :
فأفلتهن علباء جريضاً ... ولو أدركنه صفر الوطاب
__________
(1) الموطأ: 900.
(2) ديوان الأعشى: القصيدة الأولى، البيت: 71 والمعاني الكبير: 886 والرفد بفتح الراء - كما في الديوان - وكسرها كما في سائر المصادر. قال أبو عبيدة: الرفد بفتح الراء القدح الضخم والرفد بالكسر المعونة، والاقتال: الأشباه. وفي رواية: الاقيال. وانظر شرحاً مستفيضاً لهذا البيت في خزانة البغدادي 4: 176.
(3) كان ابن عمار الطائي خطيب مذحج كلها، فبلغ النعمان حسن حديثه فحمله على منادمته، وكان العمان شديد العربدة قتالاً للندماء فنهاه أبو قردودة الطائي عن منادمته، فلما قتله النعمان رثاه، انظر البيان 1: 222، 349، والمعاني الكبير: 887 وتنسب الأبيات أحياناً لعامر ابن جوين الطائي.
(4) البيت في اللسان (علب)، والمعاني الكبير: 886 والخزانة 4: 176 والأصمعيات: 41 وعلباء اسم رجل، والجريض: الذي يغص بريقه من خوف أو دهش. والضمير في أفلتهن وأدركنه يعود إلى الخيل.

(1/11)


قال النمر بن تولب (1) :
فإن ابن أخت مصغىً إناؤه ... إذا لم يزاحم خاله بابٍ جلد (2) فضرب إصغاء الاناء للهضيمة والوضيعة.
قال أبو عبيد: ومنها قوله عليه السلام حين ذكر الغلو في العبادة فقال: " إن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى " يقول إن هذا الذي كلف نفسه فوق طاقتها من العبادة، بقي حسيراً كالذي أفرط في إغذاذ السير حتى عطبت راحلته ولم يقض سفره.
ع: أورد أبو عبيد هذا الحديث محذوف الصدر وبه يفهم معناه: روى غير واحد عن ابن المنكدر عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفقٍ ولا تبغض إلى نفسك عبادة ربك، فإن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى " .
يقال: أوغل في الأرض يوغل إيغالاً إذا أبعد، ووغل بين الشجر إذا توارى يغل وغولاً، وكذلك إذا دخل بين قوم ليس منهم، وبذلك سمي الواغل وهو الذي يشرب مع القوم ولا ينفق ويقال لشربه الوغل، قال الشاعر (3) :
إن أك مسكيراً فلا أشرب ال؟ ... وغل ولا يسلم مني البعير
__________
(1) انظر ترجمته في الشعر والشعراء: 173 وفيه البيت، وعيون الأخبار 3: 89 وقبله:
إذا كنت في سعد وأمك منهم ... غريباً فلا يغررك خالك من سعد وأورده الراغب في المحاضرات 1: 177 منسوباً لحسان بن وعلة، ونسبه في نظام الغريب: 14 لدريد بن الصمة.
(2) من المجاز قولهم فلان يصغي اناء فلان أي يتنقصه ويقع فيه.
(3) هو عمرو بن قميئة، انظر ابن السكيت: 226، 256، وقوله لا يسلم مني البعير معناه أنه يذبحه ويطعم نداماه وضيوفه.

(1/12)


وقد يسمى الواغل أيضاً وغلاً، وقال الآخر (1) :
فجاء بها كيما يوفي حجة ... نديم كرامٍ غير نكسٍ ولا وغل وقال امرؤ القيس في الواغل (2) :
فاليوم أشرب غير مستحقبٍ ... إثماً من الله ولا واغل وكل منقطع منبت، والبت: القطع، قال الشاعر (3) :
فبت حبال الوصل بيني وبينها ... أزب ظهور الساعدين عذور والعذور: السيء الخلق. ومن هذا قولهم: طلق ثلاثاً بتاً امرأته.
قال أبو عبيد: (4) ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: " إياكم وخضراء الدمن " قيل: وما خضراء الدمن؟ قال: المرأة الحسناء في منبت لسوء " ؛ (5) فقد علم أنه ليس هناك قيد، ولكنه جعل منع الايمان إياه تقييداً، ثم قال: " الحرب خدعة " .
__________
(1) البيت لأبي ذؤيب (ديوان الهذليين 1: 41) وروايته: كيما يوافي حجة. والنكس الجبان الضعيف والضمير في " بها " يعود إلى الخمر.
(2) ديوانه: 138 وابن السكيت: 225، 256 والأصمعيات: رقم 41 والبيت يتردد كثيراً في كتب اللغة لأنه من الشواهد على تسكين الباء في " أشرب " ، انظر سيبويه: 2: 297.
(3) البيت في اللسان (بت)، غير منسوب. والازب: الكثير الشعر.
(4) لم يرد في س ط.
(5) سنن أبي داود 3: 116 ومسند أحمد 4: 92 والفاخر: 193، 194.

(1/13)


رأينا في الحاشية على كتاب الأمثال بخط المهلبي ما صورته: قال أبو محمد سلمة (1) من قال الحرب خدعة فمعناه أنه من خدع خدعةً فزلت قدمه عطب، فليس له إقالة، ومن قال خدعة أي أنها تخدع أهلها، ومن قال خدعة فهي تخدع، وإذا خدع أحد الفريقين صاحبه فكأنما خدعت هي.
قال أبو عبيد الله الزبيري: هي عندنا خدعة، وحدثنا قال: حدثني سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال سمعت جابر بن عبد الله يقول: قال سمعت رسول الله عليه الصلاة السلام يقول: الحرب خدعة، قلت: أتراها محكية؟ قال: نعم> (2) .
ع: الدمن جمع دمنة وهي المواضع الذي يجتمع فيه الغنم، فتتلبد فيه أبوالها وأبعارها، وقد دمنت الغنم المكان تدميناً إذا بولت فيه وبعرت، فضرب النبي صلى الله عليه وسلم الدمنة مثلاً لخبث المنبت، وجودة النبات مثلاً لحسن المرأة، وكانت العرب تقول في النهي عن مثل هذا المنكح: لا تنكحها حنانة ولا منانة ولا أنانة ولا عشبة الدار ولا كية القفا (3) ، فعشبة الدار هي خضراء الدمن، لأن السوام من الإبل والبقر والغنم وغيرها إنما يكون مراحها بأفنية الدور، ومعنى حنانة أن يكون لها ولد من غيرك فهي تحن إليه، ومعنى أنانة أنها تئن شوقاً إلى زوجها الأول، ومعنى منانة أنها تملك عليك بمالها، ومعنى كية القفا أن زوجها يمر بالقوم فإذا وليّ قال أحدهم: فعلت بامرأة هذا، وكان من شأن امرأة هذا كذا (4) .
__________
(1) في ف: قال علي قال أبو محمد سلمة، وعلي هو ابن عبد العزيز كاتب أبي عبيد، وقوله هذا ليس في أصل أبي عبيد وإنما هو من زيادات سلمة. قلت: وهو سلمة بن عاصم راوية الفراء، كان متألهاً شديد الورع، متعصباً للكوفيين وله كتاب معاني القرآن وغريب الحديث وكتاب الحدود في النحو، وهو والد المفضل بن سلمة؛ انظر راتب النحويين، والزبيدي: 96 وابن الجزري 1: 311 وإنباه الرواة رقم: 280 والبغية: 260 والفهرست: 67.
(2) لم يرد في س ط، ومن الواضح أنه لا علاقة له بتعليق البكري بعده.
(3) انظر هذا القول في المحاسن والاضداد: 147.
(4) س: هذا كذا... هذا كذا وكذا.

(1/14)


قال أبو عبيد: وقال أيضاً صلى الله عليه وسلم (1) : " إن من البيان لسحرا " .
ع: لما سأل النبي عليه السلام عمرو بن الأهتم عن الزبرقان بن بدر فقال: هو مانع لحوزته، مطاع في أدنيه، فقال الزبرقان: أما إنه قد علم أكثر مما قال: ولكن حسدني شرفي، فقال عمرو: أما إذ قال ما قال فوالله ما علمته إلا ضيق الصدر، زمر (2) المروءة، لئيم الخال، حديث الغنى. فلما رأى أنه قد خالف قوله الآخر قوله الأول، ورأى الانكار في عيني رسول الله، عليه أكمل التحية (3) ، قال: يا رسول الله، رضيت فقلت أحسن ما علمت، وغضبت فقلت أقبح ما علمت، وما ذكبت في الأولى، ولقد صدقت في الأخرى. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إن من البيان لسحراً. والناس يتلقون هذا الحديث على أنه في مدح البيان ويضمنونه كتبهم على هذا التأويل، وتلقاه العلماء على خلاف ذلك: بوب مالك (4) رحمه الله في موطأ " باب ما يكره من الكلام " ثم ذكر عن زيد بن أسلم أنه قال: قدم رجلان من المشرق فخطبا فعجب الناس لبيانهما فقال التبي عليه السلام: " إن من البيان لسحراً " ، أو إن بعض البيان لسحر، وهو الصحيح في تأويله لأن الله تعالى قد سمى السحر فساداً فقال: {ما جئتم به السحر إن الله سيبطله، إن الله لا يصلح عمل المفسدين} (يونس: 81).
قال أبو عبيد: ومنها قوله في أهل الإسلام وأهل الشرك: " لا تتراءى ناراهما "
ع: أول هذا الحديث: " أنا بريء من كل مسلمٍ مع مشركٍ، لا تتراءى
__________
(1) الحديث في البخاري: كتاب الطب: 51 والنكاح: 49 وانظر التعليق عليه في فتح الباري 10: 202 وابن سعد 7/1: وأمالي اليزيدي: 102.
(2) هامش س: ذميم.
(3) عليه أكمل التحية: صلى الله عليه وسلم في س ط.
(4) الموطأ: 986.

(1/15)


ناراهما " . معناه بريء من كل مسلم يوالي مشركاً، وقوله: لا تتراءى ناراهما جملة مستأنفة منقطعة مما قبلها، ولفظها لفظ الخبر، ومعناها الإلزام والنهي كما قال زهير (1) :
القائلين يساراً لا تناظره ... عشاً لسيدهم في الأمر إذ أمروا (2) أراد: لا تناظره، وجعل النهي للنار، وهو يريد أهلها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم وقد نظر إلى جبل أحد: " هذا جبل يحبنا ونحبه " وهو يريد أهله (3) . وفي هذا الحديث وجوه من التأويل، أحدهما: أن معناه لا يستوي حكماهما. وقال بعضهم: معناه أن الله قد فرق بين دار الإسلام ودار الكفر، فلا يجوز لمسلم أن يساكن الكفار في بلادهم، حتى إذا أوقدوا ناراً كان منهم بحيث يراها. وذكر بعض أهل العلم واللغة قال (4) : معناه لا يتسم مسلم بسمة المشرك، ولا يتشبه به في هديه وشكله، والعرب تقول: ما نار بعيرك؟ أي ما سمته، ومنه هذا قولهم: نجارها نارها أي ميسمها يدل على كرمها وعتقها. قال الراجز (5) :
قد سقيت آبالهم بالنار ... والنار قد تشفي من الأوار يقول: لما عرفت سماتها سقيت لكرامة أهلها وعزهم.
قال أبو عبيد: وقال عليه السلام: " للعاهر الحجر " ، وقال: " لا ترفع عصاك عن أهلك " ، فقد علم أنه لم يرد ضربهن بالعصا، إنما هو الأدب. وكذلك الحجر، إنما معناه أنه لا حق له في نسب الولد.
__________
(1) س ط: وهذا.
(2) شرح ديوانه: 306.
(3) يسار راعي إبل لزهير أخذه الحارث بن ورقاء الصيداوي، وبلغ زهيراً أن بني الصيداء نهوا الحارث أن يرده فقال قصيدته التي منها البيت.
(4) قال: أن، في س.
(5) الكامل: 279.

(1/16)


ع: قال النبي عليه السلام (1) : " الولد للفراش وللعاهر الحجر " ، والفراش: الأم، يقال للنساء:المفارش، وفلان كريم المفارش أي كريم النساء، والعاهر: الزاني، والعَهْر والعَهَر والعهارة: الزنا، وللعاهر الحجر أي الخيبة، أي لا حظ له في الولد، يقال للخائب من الشيء يريده أو لمن يدعى عليه بالخيبة: بفيه الحجر وبفيه الكثكث والأثلب، أي التراب، وقال حميد بن ثور (2) :
جلبانة ورهاء تخصي حمارها ... بفي من بغى خيراً لديها الجلامد وقال آخر:
بفيك مما طلبت الترب والحجر ... قال أبو محمد: لم يرد عليه السلام أن يدفع إلى العاهر حجر، وإنما يريد أنه لا شيء له إلا ما يهينه ولا ينفع، فقيل له إذا طلب الولد: الحجر لك. قال: وعلى هذا يتأول قوله صلى الله عليه وسلم: " إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب " معناه: أن يقال للمادح بالباطل: بفيك التراب، وعلى معنى التغليظ عليهم، والعصا كناية عن الأدب كما قال أبو عبيد، قال الراعي يصف راعيه (3) :
ضعيف العصا بادي العروق ترى له ... عليها إذا ما أقحل الناس إصبعاً يعني أنه لين عليها، رفيق بها، وهو معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم في أبي جهم: لا يرفع عصاه عن أهله (4) .
__________
(1) راجع البخاري: كتاب المغازي: 56 والمحاربين: 8.
(2) ديوان حمد: 65 واللسان (جلب، جرب) والقالي 2: 146 والسمط: 77 يذكر امرأة نزل عليها وصاحباً له " والجلبانة والجربانة: المرأة الصخابة " الورهاء: الحمقاء، وكنى عن قلة حيائها بقوله: تخصي حمارها.
(3) اللسان (صبع)، والقالي 2: 322 والسمط: 764 والبيان 3: 52 والرواية فيها جميعاً " إذا ما أجدب الناس " ؛ وفي ط س: أمحل.
(4) هو ابو جهم بن حذيفة بن غانم من بني عدي، أسلم عام الفتح وكان معظماً في قريش مقدماً فيهم وكان فيه شدة وعرامة. وفي حديث فاطمة بنت قيس " إن معاوية وأبا جهم خطباني " وأن الرسول قال لها: وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن أهله، وفي الحديث روايات مختلفة. انظر أسد الغابة 5: 162 والإصابة في الكنى رقم: 206 وابن سعد 8: 200.

(1/17)


وتفاخر رجلان من بني هلال يصفان النعم فقال أحدهما: والذي لا إله إلا هو ما تخذت (1) فيها عصاً قط غير هذه منذ شببت، ولا فارقتني فما انكسرت، قال له صاحبه: تعسفت بها (2) ، والذي لا إله إلا هو ما اتخذت فيها عصاً غير يدي.
وقال الراجز:
دعها من الضرب وبشرها يدي ... ذاك الذياد لا ذياد بالعصي وقوله: " ترى له عليها إذا ما أقحل الناس أصبعاً " يعني أثراً حسناً يدل على حسن رعيته.
قال أبو عبيد (3) وفي حديث مرفوع (4) : " وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم " .
ع: هذا من حديث شعبة (5) عن الحكم (6) ، سمعت عروة بن النزال يحدث عن معاذ بن جبل، قال: قلت يا رسول الله، إنا لنؤاخذ بما نتكلم به (7) ؟ فقال: ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم؟ " قال الخليل: ويروى حصاة ألسنتهم.
__________
(1) س ط: اتخذت.
(2) تعسفت بها: تعست في س ط.
(3) لم يرد هذا في ف وإنما جاء في الباب الأول في أمثال حفظ اللسان. وورد في موضعه قوله: " وقوله صلى الله عليه وسلم لا يلسع المؤمن من حجر مرتين " في أشياء كثيرة لا تحصى من الأمثال عنه، ثم جاءت عمن بعده من الصحابة وغيرهم، وقد ذكر ذلك عنهم في موضعه ووجوهه مفسراً.
(4) الفائق 1: 264.
(5) هو شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي الازدي، انظر تهذيب التهذيب: 580.
(6) الحكم بن عتيبة الكندي، تهذيب التهذيب: 756.
(7) الفائق: أو إنا لمأخوذون بما نتكلم.

(1/18)


الباب الأول
في حفظ اللسان
1 - باب المثل في حفظ اللسان
.
قال أبو عبيد: ومنها قول شداد بن أوس الأنصاري (1) : " ما تكلمت
__________
(1) ابن أخي حسان، شهد بدراً، مختلف في تاريخ وفاته. انظر أسد الغابة 2: 387 والإصابة: 3847.

(1/21)


بكلمةٍ منذ كذا وكذا حتى أخطمها وأمها " .
(1) .
ع: الزمام: ما تزم به الناقة عند المشي؛ والخطام ما تخطم به عند الامساك، فالخطام غير الزمام: قال امرؤ القيس في الزمام (2) :
فقلت لها سيري وأرخى زمامه ... ولا تعبدينا من جناك المعلل قال أبو عبيد: ومنها قول عمر بن عبد العزيز " التقي ملجم " .
ع: ضرب اللجام للتقي مثلاً، لأن التقي يمنعه من الكلام فيما لا يعنيه كما يمنع اللجام الدابة من الأخذ فيما لا يعني راكبها. قال الشاعر (3) :
خل جنبيك لرام ... وامض عنه بسلام
__________
(1) ما بين معكوفين لم يرد في س ط، وكذلك كل ما يرد بين مثل هذين المعكوفين.
(2) ديوانه: 22.
(3) الأبيات لأبي نواس ولم ترد في ديوانه (نشر آصاف - بيروت) انظر البيان 2: 79، 3: 199.

(1/22)


مت بداء الصمت خير ... لك من داء الكلام
إنما السالم من أل؟ ... جم فاه بلجام 2 - باب حفظ اللسان لما يخاف على أهله
قال أبو عبيد: ؛من أمثالهم في هذا مقالة أكثم بن صيفي التميمي " مقتل الرجل بين فكيه " يعني لسانه، والفكان: اللحيان>. وقال بعض العرب لرجل وهو يعظه في حفظ لسانه " إياك أن يضرب لسانك عنقك "
رأيت اللسان على أهله ... إذا ساسه الجهل ليثاً مغيرا> ع: هكذا أورد أبو عبيد هذا الكلام وإنما هو " إياك وأن يضرب.. " بالواو، كما ورد في الحديث: إذا بلغ الرجل السبعين فإياه وايا الشوارب، وانظر عبد الله المعتز هذا المثل فقال (1) :
يا رب ألسنة كالسيوف ... تقطع أعناق أصحابها
وكم دهي المرء من نفسه ... فلا تؤكلن بأنيابها قال أبو عبيد: ومنه قول أكثم بن صيفي أيضاً " رب قولٍ أشد من صولٍ "
__________
(1) راجع أشعار أولاد الخلفاء: 147.

(1/23)


في الناس من يلتقطه فينميه (1) ويشيعه حتى يورط فيه قائله، فاحذره. وقال الأصمعي واسمه عبد الملك بن قريب: من أمثالهم في التحفظ " ربما أعلم فأذر " يريد أني قد أدع ذكر الشيء وأنا به عالم لما أحاذر من فتنته> (2) .
ع: أي رب كلام يعاب به الإنسان هو أشد عليه من أن يصال به. وقد قال الشاعر (3) :
وقد يرجى لجرح السيف برء ... وجرح الدهر ما جرح اللسان (4) :
جراحات السنان لها التئام ... ولا يلتام ما جرح اللسان> ويروى:
وجرح السيف تدمله فيبرا ... وجرح الدهر ما جرح اللسان وقال الآخر (5) :
والقول ينفذ ما لا تنفذ الإبر ... وقالوا: اللسان أجرح جوارح الإنسان، وقال ابن عباد الصاحب:
حفظ اللسان راحة الإنسان ... فاحفظه حفظ الشكر للإحسان فآفة الإنسان في اللسان ...
__________
(1) ف: فينمه، وفي الهامش: فينميه، وتقرأ أيضاً فيبثه.
(2) ف: من غبه.
(3) البيت في العقد 3: 81.
(4) البيت والذي يليه وردا معاً في المحاسن والأضداد: 16 والثاني منهما في تشبيهات ابن أبي عون: 273 ونهاية الأرب 2: 72 ونظام الغريب: 27.
(5) هو الأخطل كما في ديوانه: 105 والبيان 1: 158 وصدر البيت: حتى أقروا وهم مني على مضض.

(1/24)


وقال امرؤ القيس (1) :
إذا المرء يخزن عليه لسانه ... فليس على شيء سواه بخزان يقال: صال الرجل على قرنه، يصول صولاً إذا قهره. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفراً قال: " اللهم بك أصول، وبك أحل، وبك أسير " .
قال أبو عبيد: ومن جناية اللسان على صاحبه قولهم: " محا السيف ما قال ابن دارة أجمعا " وهو سالم بن دارة أحد بني عبد الله بن غطفان، وكان هجا بعض بني فزارة فاغتاله الغزاري حتى ضربه بالسيف.
ع: دارة لقب، واسمه مسافع، وكانت امرأة من العرب تعشقه، فقيل لها: من هذا الذي تصبين إليه؟ قالت: لا أعلم، إلا أن وجهه كدارة القمر، فلقب بدارة. والدارة أيضاً الداهية، وذلك من قولهم: " دار الدهر بدوائره " .
وقاتل ابن دارة زميل بن أبرد الفزاري (2) وكان يعرف بأمه، أم دينار، وهو القائل لما قتله ووداه:
أنا زميل من بني فزاره ... أنا زميل قاتل ابن داره ثم جعلت عقله البكاره (3) ...
__________
(1) ديوانه: 114.
(2) انظر قصة ابن دارة في السمط: 688، وقد تعقب الميمني ما وقع فيه أبو عبيد من وهم عنا، فاسم قاتل ابن دارة زميل بن أبير - لا أبرد - كما ورد في التبريزي والخزانة 1: 293 - 4: 560 وشرح أسماء شعراء الحماسة لابن جني، والبيت " محا السيف.. " مثل تمثل به زميل، أما الشعر فهو للكميت بن ثعلبة وقيل ابن معروف.
(3) البكارة: جمع بكر من الإبل.

(1/25)


ولما عذل في فتكه به قال:
فلا تكثروا فيه الضجاج فإنه ... محا السيف ما قال ابن دارة أجمعا قال الزبير (1) : قال مسافع أبو سالم لزميل بعد أن أمن: ويحك يا زميل لم قتلت سالماً، قال أحرقتني بالهجاء، قال: أنت أشعر الناس حين تقول (2) :
أجارتنا من يجتمع يتفرق ... ومن يك رهناً للحوادث يغلق ع: في هذا معنى لا يفهمه كثير من الناس، وإنما أراد مسافع بقوله أنت أشعر الناس في الكلمة المذكورة أن من كان هذا مقداره من الشعر ومنزلته من الاقتدار عليه قارض على الهجاء بأشد منه وأبلغ وانتصف من هاجيه هجواً بهجو، ولم يتعد إلى القتل، وبيت زميل أول القصيدة، وبعده:
ومن لا يزل يوفي على الموت نفسه ... صباح مساء يا ابنة الخير يعلق
ويفرق بين الناس بعد اجتماعهم ... وكل جميعٍ صالحٍ لتفرق
فلا السالم الباقي على الدهر خالد ... ولا الدهر يستبقي حبيباً لمشفق يقول: الحوادث تفرق الناس بعد اجتماعهم. ويروى: ولا الدهر يستبقي جنيناً (3) لمشفق. وقد روى هذا الشعر لطارق بن صفوان الضبي (4) .
قال أبو عبيد:
__________
(1) ليس هذا من أصل أبي عبيد وإنما هو من رواية علي بن الزبير وقد دخل في نص أبي عبيد نفسه (انظر هامش: ف، الورقة: 5).
(2) انظر هذه الأبيات في أمالي القالي 2: 55.
(3) كذا في أمالي القالي وفي الأصل: حنيناً.
(4) وكذلك ذكر ابن دريد في المجتنى: 97.

(1/26)


" إذا وقي الرجل شر لقلقه وقبقبه وذبذبه فقد وقي " قال: فاللقلق: اللسان، والقبقب: البطن، والذبذب: الفرج>.
وفي بعض الأحاديث أن الإنسان إذا أصبح كفرت أعضاؤه اللسان، فتقول له: اتق الله فإنك إن استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا.
(1) " من صدق الله عز وجل نجا " يكون في القول والعمل جميعاً.
ويروى عن يونس بن عبيد أنه قال: " ليس خلة من خلال الخير تكون في الرجل هي أحرى أن تكون جامعة لأنواع الخير كلها فيه من حفظ اللسان " >.
ع:التكفير هاهنا: الخضوع، وأصله الانحناء الشديد، كما تكفر النصارى لكبارهم، روى ابن علية عن أيوب عن أبي معشر أنه كان يكره التكفير في الصلاة، وهو الانحناء الشديد في الركوع، وقد ورد في ذلك النهي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا تدبحوا كما يدبح الحمار " ، وقال محمد بن عبد السلام الخشني (2) : أشهد لقد رأيت أبا حاتم يكفر بين يدي الرياش ويجله ويعظمه وهو أسن منه ولكنه كان يرى فضلاً.
__________
(1) ملحق بخط ابن الأنباري، ولم يذكره أبو عبيد في النص الأصلي.
(2) كنيته أبو عبد الله، أندلسي رحل إلى العراق وإلى غيرها من البلاد وغاب عن بلده خمساً وعشرين سنة، ثم رجع إلى الأندلس وحدث بها وانتشر علمه، من شيوخه محمد بن المغيرة ومحمد بن وهب المسعري صاحبا أبي عبيد القاسم بن سلام، توفقي بالاندلس سنة 286ه؟، بعد أن أخذ عنه جماعة كثيرون (الجذوة: 100 وبغية الملتمس: 202).

(1/27)


3 - باب الاقتصاد في المنطق
قال أبو عبيد: قال أبو عبيدة واسمه معمر بن المثنى: من أمثالهم في هذا " من أكثر أهجر " . .
ع: الهجر: القبيح من الكلام، يقال [منه]: أهجر، إذا أفحش وقال ما يقبح، ويقال هجر في منامه إذا تكلم بما لا يعقل، ويقال هجر المريض وأهجر إذا هذى. وقال ابن عباس: اشتد برسول الله عليه الصلاة والسلام وجعه فقال: ايتوني بكتاب أكتب لكم لا تضلوا بعدي فقالوا: ما شأنه أهجر (1) . وقرئ {سامراً تهجرون} وتهجرون (المؤمنون: 67) فمن قرأ بفتح التاء احتمل معنيين: معنى الهذيان ومعنى تهجرون الحق.
وقال شبيب بن كريب (2) :
صلاصل لو أدركتها لجزيتها ... بما جر مولاها عليها وأهجر وقال الشماخ بن ضرار (3) :
كماجدة (4) الأعراق قال ابن ضرةٍ ... عليها كلاماً جار فيه وأهجرا
__________
(1) انظر ابن سعد 2/2: 10، 11 وإمتاع الأسماع: 545.
(2) طائي ذكره الجاحظ في البيان 3: 85 وأن له فرساً تسمى العصا.
(3) ديوانه الشماخ: 28 واللسان (هجر).
(4) ص: ماجدة، ورواية الديوان: ممجدة، والتصحيح عن اللسان، وسقط البيت من ط.

(1/28)


قال أبو عبيد: وقال أكثم بن صيفي " المكثار كحاطب الليل " قال: وإنما سبهه بحاطب الليل، لأنه ربما نهشته الحية أو لسعته (1) العقرب في احتطابه ليلاً، قال: فكذلك (2) هذا المهذار، ربما أصاب في إكثاره بعض ما يكره.
(3) المحبة " وقال غيره من العلماء " الندم على السكوت خير من الندم على القول " . وقال الثاث " عي صامت خير من عي ناطق " . وقال بعض أشياخنا (4) : كان ربيعة الرأي (5) مكثاراً فسمعه أعرابي يوماً يتكلم، فلما كان عند انقضاء مجلسه، سأله رجل: ما تعدون العي بالبادية؟ فقال الأعرابي: ما هذا فيه منذ اليوم، يعني إكثاراً ربيعة>.
ع: كان حكم هذا المثل (6) على تفسيره هذا أن يضعه في الباب الذي يقبل هذا وهو " باب حفظ اللسان لما يخاف على أهله من عقوبات الدنيا " لأن هذا المكثر يصيبه في إكثاره ما يكره، كما أن المحتطب ليلاً ربما أصابه من هذه الهوام حمامه أو ألم.
وقال الفرزدق فبين معناه (7) :
وإن امرءاً يغتابني لم أطا له ... حريماً ولا تنهاه عني أقاربه
كمحتطب ليلاً أساود هضبة ... أتاه بها في ظلمة الليل حاطبه
__________
(1) ط: لسبته.
(2) س ط: وكذلك.
(3) في ف: يكسب أهله.
(4) وردت هذه القصة في العقد 3: 418.
(5) في هامش ف: ربيعة الرأي هو شيخ مالك بن أنس وكنيته أبو عثمان وتوفي سنة ست وثلاثين ومائة.
(6) يعني " المكثار كحاطب الليل " .
(7) ديوان الفرزدق: 74 والخزانة 2: 388 والقصيدة في هجاء عمرو بن عفراء الضبي.

(1/29)


وإنما يصلح وضع هذا المثل في الباب الذي أدخله فيه على تفسير آخر لم يذكره أبو عبيد، وهو أن المحتطب ليلاً يجمع بين شخت الحطب وجزله ويابسه ورطبه لا يختار، لظلام الليل، وكذلك هذا المكثر يجمع بين غث الكلام وسمينه، وجيده ورديئه، فأما قولهم:
أيا موقداً ناراً لغيرك ضوءها ... ويا حاطباً في حبل غير تحطب فإن معناه أن حاطب الليل أيضاً يضع حبله ويحتطب ويأتي بما يجتمع له، ليضعه على الحبل، فربما وضعه على غير الحبل لظلام الليل، فإذا رأى أنه قد اكتفى، عمد إلى طرفي الحبل ليشده على الحطب فلم يجد فيه شيئاً أو وجد فيه بعض ما احتطب، فيأتي غيره نهاراً فيجد حطبه مجموعاً، فكأن احتطابه إنما كان في حبل ذلك الواجد لحطبه.
قال أبو عبيد: ويروى في الحديث عن لقمان أنه قال: " الصمت حكم وقليل فاعله " .
ع: روي أن داود عليه السلام كان يسرد درعاً ولقمان عنده فقال: ما هذا يا نبي الله؟ فسكت عنه حتى إذا فرغ داود من سردها لبسها فعند ذلك قال لقمان " الصمت حكم وقليل فاعله " ، والسرد: سمر حلق الدرع، قال الله تعالى {وقدر في السرد} (سبأ: 11) أي لا تجعل المسمار دقيقاً فيقلق (1) ، ولا غليظاً فيقصم الحلقة.
قال أبو عبيد: وقال علقمة بن علاثة الجعفري (2) وكان من حكماء العرب:
__________
(1) س: رقيقاً فيقلق؛ ط: فيعلق.
(2) من حكام الجاهلية وصاحب المنافرة المشهورة مع عامر بن الطفيل، انظر الإصابة: 5669 والخزانة 3: 492 والأغاني 15: 50.

(1/30)


أول العي الاختلاط وأسوأ القول الإفراط " .
ع: الاختلاط: التخليط في الكلام والإكثار من النطق، وكان أبو علي إسماعيل بن القاسم يقول (1) : أول العي الحتلاط بالحاء مهملة، وهو الغضب يقول: إن العيي بالمنطق لعجزه عن الكلام والعبارة عما في نفسه يرجع إلى الغضب والضجر، برماً بخصمه، والاحتلاط أيضاً: الاجتهاد؛ احتلط الرجل وأحلط إذا اجتهد في الشيء وجد؛ قال عمرو بن أحمر (2) :
فألقى التهامي منهما بلطاته ... (3) وأحلط هذا لا أريم مكانيا أي جد واجتهد في يمينه ألا يريم مكانه،
وكنا وهم كابني سباتٍ تفرقا ... سوى ثم كانا منجداً وتهاميا> (4) 4 - باب القصد في المدح وما يؤمر به من ذلك
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا " من حفنا أو رفنا فليقتصد " (5) .
ع: معنى الرفيف هنا النضارة، وهو معنى الإطراء في المديح، يقال: رف البيت يرف رفيفاً مثل ورف يرف وريفاً، ويقال: فلان يحف ويحف بفلان إذا
__________
(1) ورد هذا التعليق مع شعر ابن أحمر في هامش: ف.
(2) البيتان في اللسان (سبت، حلط).
(3) لطاته: ثقله؛ وفي ط: لا يريم.
(4) ابنا سبات هما الليل والنهار، وقيل هما أخوان مضى أحدهما إلى المشرق والآخر إلى المغرب.
(5) روايته عند القالي (1: 192) من حفنا أو رفنا فليترك؛ والمثل عنده مروي عن امرأة رأت نعامة... الخ.

(1/31)


طاف به وألطفه وهو به حف وحفي، والحفان: الخدم، وقيل معنى من حفنا في هذا المثل (1) أي سمع له حفيفاً بالثناء (2) .
وقال الأصمعي (3) : ومن أمثالهم " هو يحف له ويرف " أي يقوم له ويقعد، وينصح ويشفق، وأصل هذا المثل على ما ذكر ابن الأعرابي أن أعرابياً خرج فرأى نعامةً غصت بصعرور (4) - وهي الصمغة الجليلة ؟ فثبتت قائمةً، فعدا إلى الحيّ ليجيء بشيء يشده في عنقها وهو يقول: من حفنا أو رفنا فليترك، وأخذ خمار أمة وأتى النعامة وهي قد أساغت الصمغة، وذهبت. فمعنى رفنا على هذا أنالنا وأعطانا. يقال: رففت الرجل أرفه: إذا أسديت إليه يداً. وقال ابن الأعرابي عن العقيلي: حفه إذا أطعمه قثدر الشبع ليس فيه فضل وهو الحفف في الطعام. وأنشد عمرو عن أبيه:
أوفت له كيلاً سريع الإغدام (5) ... فيه غنىً عن حففٍ وإعدام
في سنوات كن قبل الإسلام ... كانت ولا يبعد إلا الأصنام قال أبو عبيد: ومنه حديث مرفوع أن رجلاً جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقال: أنت أفضل قريش قولاً وأعظمها طولاً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا أيها الناس قولوا بقولكم ولا يستجرينكم الشيطان.
ع: معنى قوله عليه السلام لا يستجرينكم: لا يتخذنكم إجرياً أي وكلاء
__________
(1) ص: القيل.
(2) س ط: أي أن يسمع له حفيف بالثناء.
(3) انظر السمط: 426 حيث نقل أبو عبيد البكري ما جاء في هذا المثل عن الأصمعي، ثم نقل (465) أن المثل عند ابن سلام " فلان يحفنا ويرفنا " أي يعطينا ويميرنا، ولم يورده كذلك هنا.
(4) س: بصفرود.
(5) الاغذام: الأخذ الكثير من كل شيء، وفي الجمهرة 3: 476.
إذا أنيخت فالتقوا بالاهجام ... أوفت لهم كيلا سريع الاغذام

(1/32)


على النطق بما لا يحسن، يقال: جريت جرياً ؟ غير مهموز ؟ أي اتخذت وكيلاً. قال الشاعر (1) :
ولما أتى شهر وعشر لعيرها ... وقالوا تجيء الآن قد حان حينها
أمرت من الكتان خيطاً وأرسلت ... جرياً إلى أخرى سواها تعينها
فما زال يجري السلك في حر وجهها ... (2) وجبهتها حتى نفته قرونها قال أبو عبيد: وروينا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رجلاً أثنى عليه في وجهه فقال له علي: أنا دون ما تقول وفوق ما في نفسك.
ع: هذا الرجل هو الأشعث بن قيس بن معد يكرب .
قال أبو عبيد: وكان المرؤخ العجلي (3) يقول: من أمثالهم في إفراط المادح أن يقولوا: " شاكه أبا فلان " قال: وأصل هذا أن رجلاً كان يعرض فرساً له، فقال له رجل: أهذه فرسك التي كنت تصيد عليها الوحش؟ فقال له رب الفرس: شاكه ؟ أي قارب ؟ في المدح، والمشاكه للشيء هو الذي يشبهه أو يدنو من شبهه.
ع: المؤرخ هذا شاعر، وكنيته أبو الفيد، والفيد شعر الزعفران، والفيد
__________
(1) انظر هذه الأبيات في الأمالي 1: 195 والسمط: 468 واللسان (عنى).
(2) قال القالي في شرح الأبيات: هذه امرأة تنتظر عيراً تقدم وزوجها فيها فأرادت أن تنتف بالخيط وتتهيأ له، والجري: الرسول يقول أرسلت إلى جارة لها تنتفها لتزين، وفي رواية: فما برحت تقريه أعناء وجهها، وأعناء الوجه: نواحيه؛ وفي س: حتى تثنيه قرونها.
(3) هو المؤرخ بن عمرو السدوسي، ممن أخذ النحو عن خليل وله من الكتب كتاب المعاني وكتاب غريب القرآن، توفي سنة 195ه؟. ترجمته في مراتب النحويين: 67 والزبيدي: 78 والفهرست: 48 والبغية: 400.

(1/33)


أيضاً الشعر الذي على الجحفلة، والفيد أيضاً الهلاك مصدر فاد يفيد فيداً، والفيد أيضاً أن يتبخر في مشيه من الخيلاء. قال حزرة الوالبي:
يفيد في الجري إذا ما أعنقا ... فيد رئالٍ تستثير الصيقا والصيق: جمع صيق وهو التراب.
وأسقط أبو عبيد من تفسير المثل ما يتم به معناه، قال عمرو بن أبي عمرو عن أبيه: أقام أعرابي فرساً يبيعها، وقال لصاحبه: امده (1) فرسي، فقال: إنها ليصاد عليها الوحش وهي رابضة. فقال له صاحب الفرس: لا أبا لك، اكذب كذباً مؤاماً به الدهر، والمؤام: الموافق المقارب، أي موافقاً به الدهر وأحواله، وما عسى أن يجوز فيه من الأفعال والأحوال.
قال أبو جعفر في كتاب الاشتقاق: المؤام: المقارب، أخذ من الأمم وهو القرب، ومعنى شاكه: وافق، يقال: شاكهني الشيء شكاهاً ومشاكهة، أي وافقني، وتشاكه (2) الشيئان أيضاً إذا تشابها. وقال أبو عبيد: المشاكه للشيء هو الذي يشبه أو يدنو من شبهه، والصحيح ما فسرته به.
قال أبو عبيد: والعامة تقول في مثل هذا المثل " دون هذا وينفق الحمار " وكلام العرب هو الأول .
ع: قال أبو بكر (3) : أخبرنا أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه قال:
__________
(1) ص: أمن؛ وامده: لغة في امدح.
(2) ص: شاكه.
(3) جاء في هامش ف: قال أبو بكر محمد بن عمر بن عبد العزيز: قال أبو محمد الأعرابي العامر: انهم كانوا يعتقدون - يعني أعراب البوادي - هذا المثل مثلاً واحداً لا مثلين. ا ه؟ أي قولهم: شاكه أبا يسار، دون ذا وينفق الحمار.

(1/34)


شهدت أبا محمد ابن بكار العامري الأعرابي في مجلس يزيد بن طلحة وكتاب الأمثال يقرأ عليه، فلما أتى هذا المثل قال ابن بكار: إنما كان بصدد فتى (1) يكنى أبا يسار، فأدخل رجل السوق حماراً فجعل أبو يسار يقول: إن حافره جلمد (2) وإن ظهره حديد، فقال له صاحب الحمار: " شاكه أبا يسار، دون ذا وينفق الحمار " (3) .
5 - باب الرجل يعرف بالكذب حتى يرد (4) صدقه لذلك
قال أبو عبيد: من هذا قولهم: " إذا سمعت بسرى القين فإنه مصبح " وفسر معناه، .
وأنشد في بعض الروايات (5) شاهداً على ذلك لنهشل بن حري الدارمي (6) :
__________
(1) ص: يصدقني،، ط: تصدقني؛ س: تصدقي.
(2) س: جلمود.
(3) أثبت في هامش ف: أن الأصل " وينفق " ورواه الخشني بدون واو.
(4) ص: يزدد.
(5) احترز البكري بقوله " في بعض الروايات " لأن بعضها الآخر لم يثبت البيت في أصل أبي عبيد، جاء في هامش ف: هذا ثابت في أصل أبي عبيد.. وهذا البيت ذكر أنه وقع في بعض النسخ وليس عند الخشني.
(6) ترجمته في ابن سلام: 495 والشعر والشعراء: 404 والخزانة 1: 151 والبيتان في الميداني 1: 27 وانظر اللسان (ذوق، لمق) والبيت في هامش: ف.

(1/35)


وعهد الغانيات كعهد قينٍ ... ونت عنه الجعائل مستذاق (1) فما يقبل منه.>
ع: وبعد البيت:
كجلب (2) السوء يعجب من رآه ... ولا يسقي الحوائم من لماق الجعائل: جمع جعالة، وهو ما يجعل للعامل على العمل، والمستذاق: المتنقل الذي لا يقر بموضع، مستفعل من الذوق، يذاق حيثما حل. وقال الباهلي: مستذاق أي إذا أتى قوماً أصلح لهم عمله يذوقوه، ثم يفسده بعد ذلك. والجلب: السحاب الذي لا ماء فيه: قال الشاعر (3) :
ولست بجلبٍ جلب ريحٍ وقرة ... ولا بصفا صلدٍ عن الخير معزل (4) يقول: لا يسقي ولا يروى الحوائم وهي العطاش التي تحوم حول الماء. ويقال: ما ذقت لماقاً، أي ما ذقت شيئاً، فمعناه ولا يسقي الحوائم من شيء من الغلة.
__________
(1) حاشية ف: قال النجيرمي: الصواب حتى يصدق بالرفع لان المعنى حتى ينتهي إلى هذه الحال، كما يقال مرض لا يرجونه وقال: عرضت هذا على ابن ولاد فاستصوبه.
(2) كتبت بالخاء حيث وردت في ص.
(3) هو تأبط شراً كما في اللسان: (جلب) وإصلاح المنطق: 36.
(4) يقول: لست برجل لا نفع فيه ومع ذلك فيه أذى كالسحاب الذي فيه ريح وقر ولا مطر فيه.

(1/36)


6 - باب الانتفاع بالصدق والمخافة من عاقبة الكذب
قال أبو عبيد: من امثالهم فيما يخاف من مغبة الكذب، قولهم " ليس لمكذوبٍ رأي " وكان المفضل فيما بلغني عنه، يحدث أن صاحب هذا المثل (1) هو العنبر بن عمرو بن تميم بن مر قاله لابنته الهيجمانة. وذلك أن عبد شمس ابن سعد بن زيد مناة بن تميم كان يزورها، فنهاه قومها عن ذلك، فأبى حتى وقعت الحرب بين قومه وقومها، فأغار عليهم عبد شمس في جيشه، فعلمت به الهيجمانة، فأخبرت أباها، وقد كانوا يعرفون إعجاب الهيجمانة به كإعجابه بها. فلما قالت هذه المقالة لأبيها، قال مازن بن عبد الملك بن عمرو بن تميم " حنت فلا تهنت وأنى لك مقروع " ؟ وهو عبد شمس بن سعد، كان يلقب به ؟ فقال لها أبوها عند ذلك: أي بنية اصدقيني، أكذلك هو؟ فإنه لا رأي لمكذوب، فقالت: ثكلتك إن لم أكن صدقتك فانج ولا إخالك ناجياً " فذهبت كلمته وكلمتها وكلمة مازن أمثالاً.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم فيما يخاف من غب الكذب قولهم: " لا يكذب الرائد أهله " وهو الذي يقدمونه ليرتاد لهم كلأ أو منزلاً أو موضع حرز يلجأون إليه من عدو يطلبهم، فإن كذبهم أو غرهم صار تدبيرهم على خلاف الصواب، فكانت فيه هلكتهم.
قال أبو عبيد: ومثل العامة في هذا قولهم " الكذب داء والصدق شفاء " وذلك أن المصدوق يعمل على تقدير يكون فيه مصيباً، وأن المكذوب على ضد ذلك>.
__________
(1) س ط: هذه المقالة.

(1/37)


ع: هكذا روي الاسم عن أبي عبيد بلا اختلاف ؟ عبد شمس بن سعد (1) - وأهل العلم بالنسب يجمعون على أنه عب شمس مخفف من لفظين، اختلفوا فيهما. فأبو عمرو بن العلاء وأبو عبيدة يقولان: هو عب شمس قالا: وعب شمس: ضوءها. وقال ابن الأعرابي: هو عبء شمس ؟ أي عدلها ونظيرها، وعبء الشيء مثله ونظيره، قالوا: والعب أيضاً البرد - بتشديد الباء ؟ قال الشاعر (2) :
وكأن فاهاً عب قر بارد ... أو ريح روضٍ مسه تنضاح رك وقد رواه بعضهم: وكأن فاها حب قر، يعني البرد، كما يقال له حب المزن، والمبرد يقول العبقر: البرد، اسم واحد، هكذا ذكره في أبنية الأسماء. ورأيت بخط ابن قتيبة في كتاب جماهير العرب لأبي حاتم اسم هذا التميمي المختلف فيه عبشمس بن سعد ؟ هكذا ضبطه بتشديد الباء على أصله غير مخفف، كما ذكر أبو عمرو وأبو عبيدة. وقال قطرب في عبد شمس من قريش: ويقال عب شمس بالتخفيف. قال: والعب مثل الدم: ضوء الشمس وحسنها، يقال: ما أحسن عبها أي ضوءها. قال: ومن ثقل الشين قال: هذه عبشمس ورأيت عبشمس ومررت بعبشمس، وإن شئت صرفت شمس لأنه يريد عبد شمس فأدغم. قال: ومن العرب من يقول: هذه عبشمس، فيفتح الباء والشين في كل موضع، ويخفف الشين، وهي شائعة في قريش غير مدغمة. قال: ومن العرب من يقول: هذه عبشمس ومررت بعبشمس ورأيت عبشمس، فيتبع كما قالوا: هذه بلحارث ومررت ببلحارث ورأيت بلحارث، قال الشاعر (3) :
إذا ما رأت حرباً عبشمس شمرت ... إلى رملها، والجلهمي عميدها ويروى: والجرهمي عميدها.
__________
(1) أجمل في هامش ف الخلاف في هذا الاسم عبشمس بقوله: والكوفيون يجعلون إعرابه في الباء يرفعونها في الرفع وينصبونها في النصب، وفي الخفض يخفضونها، والبصريون يقولون عبؤ الشمس بالهمز وربما خففوا الهمز.
(2) انظر اللسان (عبقر)، قال: ويروى " كأن فاها عبقري بارد " والرك: المطر الضعيف، وتنضاحه: ترششه.
(3) البيت في اللسان (عبأ - شمس - عمد) والازمنة 2: 45 وفيه أوجه لقراءة " عبشمس " والجمهرة 2: 84.

(1/38)


وسمي مقروعاً لأن القريع والمقروع: المختار، في كلام العرب. وأبوه سعد ابن زيد مناة بن تميم هو الذي يلقب بالفزر وهو من قولهم فزرت الشيء إذا صدعته، والقطعة منه فزرة، ورجل أفزر مطمئن الظهر، وهو الذي أتى بمعزاه سوق عكاظ لما أبى بنوه أن يرعوها فقال: ألا إن معزى الفزر نهب، جدع الله أنف رجل أخذ أكثر من شاة، فتفرقت في العرب، فصارت مثلاً لما لا يدرك. قال الشاعر (1) :
ومرة ليسوا ناصريك ولا ترى ... لهم وافداً حتى ترى غنم الفزر وقيل إنما سمي الفزر لنهبه لمعزاه وتبديدها في العرب.
والهيجمانة: الدرة بالفارسية، وكانت الفارسية ودين الفرس فاشياً في بني تميم، ولذلك سمي لقيط أيضاً ابنته دختنوس.
وقول مازن: حنت ولا تهنت، أراد أن غرضها إنما كان ليجري اسمه على لسانها حنيناً إليه لا نصحاً لأبيها وتحذيراً، ولا تهنت على الدعاء أي لا هنأها الله ذلك، أراد لا تهنؤه فخفف الهمزة فالتقى ساكنان فحذف. ويحتمل أن يريد ولا هنا أي ليس أوان ذلك ولا حينه، كما قال الأعشى (2) :
لات هنا ذكرى جبيرة أم من (3) ... جاء منها بطائف الأهوال أي ليس حين ذكرها، يأساً منها. وكما قال الراعي (4) :
أفي أثر الأظعان عينك تطمح ... نعم لات هنا إن قلبك متيح وكما قال حجل بن نضلة الباهلي في نوار بنت كلثوم (5) ، وأصابها يوم طلح،
__________
(1) سيأتي البيت منسوباً لشبيب بن البرصاء، وترجمته في المؤتلف: 68.
(2) ديوان الأعشى قصيدة: 1، البيت الثالث، والخزانة 2: 157.
(3) ص: أمن.
(4) اللسان (تيح) والخزانة 2: 159 وهو من أبيات الشواهد، وهو مطلع قصيدة للراعي مدح بها بشر بن مروان. وقلب متيح ورجل متيح يتعرض للبلية ويدخل فيما لا يعنيه. وقال ابن دريد في الجمهرة: رجل متيح إذا كان قلبه يميل إلى كل شيء.
(5) في الشعر والشعراء: 30 والخزانة 2: 158 النوار بنت عمرو بن كلثوم.

(1/39)


فركب بها الفلاة خوفاً من أن يلحق (1) :
حنت نوار ولات هنا حنت ... (2) وبدا الذي كانت نوار أجنت
لما رأت ماء السلى (3) مشروباً ... والفرث بعصر في الإناء أرنت (4) وألحقت التاء بهنا لتأنيث الكلمة كما يقال: رب وربت وثم وثمت. وقال أبو علي الفارسي: التاء تبدل منت الألف للسجع وعند الوقف وأنشد (5) :
من بعد ما وبعد ما وبعد مت ... صارت نفوس الناس عند الغلصمت 7 - باب تصديق الرجل صاحبه عند إخباره إياه
قال أبو عبيد: قال الأصمعي: ومن أمثالهم في هذا " صدقني سن بكره " وأصله أن رجلاً ساوم (6) رجلاً ببكر أراد شراءه، فسأل البائع عن سنه فأخبره بالحق. فقال المشترى: صدقني سن بكره، فذهبت كلمته مثلاً.
__________
(1) اختلف في قائل البيتين فقيل شبيب بن جعل التغلبي وهو جاهلي (المؤتلف: 84) وقيل هو حجل بن نضلة وهو جاهلي أيضاً، وهذا هو قول أبي عبيد وتبعه ابن قتيبة في الشعر والشعراء.
(2) البيت من أبيات الشواهد على أن هنا في الأصل للمكان واستعيرت للزمان (الخزانة 2: 156)
(3) في س: شرباً لها، وفي ح ص: مشروبها، وهو كذلك في اللسان، ويرد بأن البيت شاهد عند العروضيين على نقصان حرف من الفاصلة، والسلى: الجلدة الرقيقة التي يكون فيها الولد من المواشي.
(4) أرنت: صاحت.
(5) انظر العيني 4: 559.
(6) ص: سافر، وفي بعض الأصول سام.

(1/40)


وقد روي هذا المثل عن الأحنف بن قيس أيضاً أنه خرج من عند معاوية وهو يقول: صدقني سن بكره (1) ، وذلك لكلام كان معاوية كلمه به.>
ع: روى الخليل وابن الأعرابي وغيرهما أن رجلاً ساوم رجلاً ببكر على أن يشتريه مسناً فقال البائع: هذا جمل ؟ لبكر له ؟ وقال المشتري: هذا بكر، فقال البائع: بل هو مسن. فبينما هما يتنازعان إذ نفر البكر، فقال صاحبه يسكن نفاره: هَدع هدع. فقال المشتري: صدقني سن بكره، وهدع كلمة للعرب تسكن بها صغار الإبل عند نفارها، ولا يقال ذلك لجلتها ولا مسانها.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في التصديق قولهم: " القول ما قالت حذام " . قال: وسمعت غير أبي عبيدة يقول وأحسبه ابن الكلبي إن هذا المثل للجيم ابن صعب والد حنيفة وعجل ؟ ابني لجيم ؟ وكانت حذام امرأته، وقال فيها زوجها لجيم:
إذا قالت حذام فصدقوها ... فإن القول ما قالت حذام (2) فقد صدق " فسمى بذلك الصديق " .>
ع: حذام: أم عجل بن لجيم، وأن حنيفة البرشاء، سميت حذام لأن ضرتها البرشاء حذمت يديها بشفرة، وصبت حذام عليها جمراً فبرشت فسميت
__________
(1) انظر تفصيل الخبر في الميداني 1: 265.
(2) في ف: إن كان قاله، والمثبت هنا صحيح أيضاً.

(1/41)


البرشاء. ويقال: ما أدري من أي البرشاء هو (1) . والبرشاء: اسم لجميع البشر لاختلاف ألوانهم.
قال ابن كرشم الكلبي: حذام هي بنت الريان بن جسر بن تميم بن يقدم بن عنزة وهي أم عجل بن لجيم، وكان عاطس بن جلاح الحميري (2) قد سار إلى الريان في جموع من العرب (3) : خثعم وجعفي وهمدان، فلقيهم الريان في عشرين حياً من أحياء ربيعة ومضر، فاقتتلوا وصبروا لا يولي أحد منهم دبره، ثم إن القيل الحميري رجع إلى معسكره، وهرب الريان تحت ليلته، فسار ليلته وفي الغد، ونزل الليلة الثانية، فلما أصبح عاطس الحميري ورأى خلاء معسكرهم أتبعهم جملةً من حماة رجاله وأهل الغناء منهم، فجدوا في اتباعهم، فانتبه القطا في اسرائهم من وقع دوابهم، فمرت على الريان وأصحابه عرفاً عرفاً، فخرجت حذام بنت الريان إلى قومها فقال:
ألا يا قومنا ارتحلوا وسيروا ... فلو ترك القطا ليلاً لناما فقال ديسم بن ظالم الأعصري:
إذا قالت حذام فصدقوها ... فإن القول ما قالت حذام فارتحلوا حتى اعتصموا بالجبل، ويئس منهم أصحاب عاطس فرجعوا عنهم.
6 - باب الرجل يعرف بالكذب تكون منه الصدقة الواحدة أحياناً
__________
(1) قال ابن دريد في الجمهرة 1: 255 ما أدري أي برنساء هو يعني أي الناس هو، معرب، لأن البر بالنبطية: ابن، ونسا: إنسان.
(2) س: غاطس.. الحميري؛ وزاد: والغاطس المظلم مثل الغاطش؛ ثم وردت " العاطس " بالمهملة في مواضع أخرى.
(3) العرب: سقطت من س ط.

(1/42)


الهنة من الاحسان.>
قال أبو عبيد: قال أبو عبيدة: ومثله قولهم " مع الخواطي سهم صائب "
ع: الخواطئ جمع خاطئة من خطيء، والفصيح هنا أخطأ لأن قولنا خطيء إنما هو في الدين وما أشبهه. وقد قيل إنهما لغتان، وصاب وأصاب لغتان، قال جميل (1) :
وما صائب من نابل قذفت به ... يد وممر العقدتين وثيق 9 - باب الرجل يعرف بالاصابة (2) والصدق
تكون منه الزلة والسقطة
قال أبو عبيد: قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا قولهم " لا تعدم الحسناء ذاماً " (3) .
__________
(1) هو جميل العذري صاحب بثينة، ترجم له صاحب الأغاني 7: 72 وابن عساكر 3: 395 والخزانة 1: 190 والبيت في أمالي القالي 1: 7، والسمط: 30 والكامل: 42.
(2) ح ص: بالأمانة.
(3) ف: تكون منه الهفوة والزلة، وفي بعض الأصول: الهفوة من الزلل.

(1/43)


ومثله قول أبي الدرداء الأنصاري " من لك يوماً بأخيك كله " (1) وكذلك قولهم " أي الرجال المهذب " ؟ ومنه قول النابغة الذبياني (2) :
ولست بمستبق أخاً لا تلمه ... على شعثٍ، أي الرجال المهذب؟ قال أبو عبيد: معاني هذه الأمثال كلها أنه ليس أحد يخلو من عيب يكون فيه، فإذا كان الغالب على الرجل الإحسان اغتفرت سقطته، ومنه الحديث....>
ع: أول من نطق بهذا المثل حبي بنت مالك بن عمرو العدوانية، وكانت جميلة، خطبها بعض ملوك غسان إلى أبيها وحكمه في مهرها، فأنكحه إياها، فلما أراد حملها قالت أمها لنسوتها: إن لها عند الملامسة رشحة لها قنمة (3) فإذا أردتن إدخالهات على زوجها فامسحن أعطافها بما في أصدافها، فلما أردن ذلك أعجلهن زوجها عن تطييبها، فافتضها فوجد لها رويحة. فلما أصبح قال له أصحابه: كيف وجدت طروقتك؟ (4) فقال: لم أر كالليلة (5) ، لولا رويحة أنكرتها، فسمعت قوله من خلف الستر فقالت: " لن تعدم الحسناء ذاماً " فأرسلتها مثلاً. وقال الشاعر في معنى هذا المثل ولفظه (6) :
__________
(1) ف: من لك بأخيك كله.
(2) ديوان النابغة: 57.
(3) غير واضحة في ص ح؛ وفي ط: لها هنة؛ س: قنحة؛ والقنمة: خبث ريح الادهان والزيت.
(4) ص: صورفتك. والطروقة: الناقة يطرقها الفحل، قال الزمخشري: ويقال للمتزوج: كيف طروقتك؟
(5) ط: لم أر كالفعلة.
(6) انظرهما في محاضرات الراغب 1: 124 ونهاية الأرب: 3 ونظام الغريب: 71 وجاء البيت الأول في جامع بيان العلم 2: 162 منسوباً لأبي الأسود وهما في شرح شواهد المغني: 194 من قصيدة طويلة لأبي الأسود، وانظر ديوانه: 54.

(1/44)


حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... فالناس أعداء له وخصوم
كضرائر الحسناء قلن لوجهها ... حسداً وبغياً إنه لدميم قال الفراء: والذأم: الذم، يقال ذأمت الرجل أذأمه ذأماً، وذممته أذمه ذماً، وذمته أذيمه ذيماً فهو رجل مذؤوم ومذموم ومذيم بمعنى، قال الله تعالى: {أخرج منها مذؤوماً مدحوراً} (الأعراف: 18)، وقال حسان (1) :
وأقاموا حتى أبيدوا بجمعٍ ... في مقامٍ وكلهم مذؤوم وأنشد أبو عبيدة (2) :
تبعتك إذ عيني عليها غشاوةٌ ... فلما انجلت قطعت نفسي أذيمها قال: وذأمت أشد مبالغة من ذممت.
قال أبو عبيد: ومنه (3) الحديث المرفوع: " أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم " وكذلك مقالة أبي عبيدة بن الجراح لعمر: ما سمعت منك فهةً في الإسلام قبلها، وكان عمر قال له: ابسط يدك أبايعك.
ع: يقال فه الرجل يفه فهماً وفهة وفهاهة فهو: فه وفهيه وهو العيي، وأفهمني فلان عن الأمر: نسانيه، قال أبو قيس بن الأسلت (4) :
__________
(1) ديوان حسان: 310 وروايته:
لم يولوا حتى أبيدوا جميعاً ... في مقامن وكلهم مذموم
(2) البيت للحارث بن خالد المخزومي يخاطب به عبد الملك، أورده أبو عبيدة في مجاز القرآن 1: 31 وفيه: ألومها بدل أذيمها وهو الشاهد في هذا المقام، وانظر الكامل: 517.
(3) ص ح: ومنه في الحديث؛ ط س: وفي الحديث، وأثبتنا رواية ف.
(4) ترجمته في الأغاني 15: 154 والإصابة 7: 157 والبيت من قصيدة مفضلية (المفضليات: 564) وورد في البيان 1: 241، واللسان (هيع)، وأمالي القالي 2: 215 والسمط: 837. وروايته في المفضليات.
الحزم والقوة خير من ال؟ ... دهان والفكة والهاع والفكة: الضعف. والهاع: شدة الحرص.

(1/45)


الحزم والقوة خير من ال؟ ... إشفاق والفهة والهاع ؟ - باب إصابة الرجل في منطقة مرة وإخطائه مرة
قال أبو عبيد: قال الأصمعي: ومن أمثالهم في هذا (1) في الأرض. يضرب للرجل يخطئ مرة ويصيب. قال الأصمعي: ومثله قولهم> " هو يشوب ويروب " .
ع: إنما قال الأصمعي في الأمثال: هو يشوب ولا يروب. وهو صحيح، معناه يخلط ولا يخلص، لأن الشوب: الحلط ومزج اللبن بالماء، والروب مصدر راب اللبن يروب روباً إذا خثر، وإذا خلص خثر وإلا فلا. وما ذكره أبو عبيد صحيح على ما عقد عليه الباب، معناه يشوب ويمذق مرة، ويأتي بالصريح الخالص مرة. ويقال: شوب من الناس وأوشاب وأوباش: أخلاط بمعنى، وهم الأشابة أيضاً، قال الشاعر (2) :
__________
(1) في ف: فيحلب.
(2) هو أبو كبير الهذلي، انظر ديوان الهذليين 2: 90 والأساس (فرش) والجمهرة 2: 76 يقول: جمعت من الصحاب من كانوا سجراء نفسي، وسجير الرجل: صفيه وخليله، حشداً لا يدعون عند أنفسهم شيئاً من الجهد والنصرة، وهم ليسوا بهلك المفارش أي ليست أمهاتهم أمهات سوء. والمفارش كناية عن النساء، والعزل الذين لا سلاح معهم. وفي الأساس: غزل.

(1/46)


سجراء نفسي غير جمع أشابة ... حشداً ولا هلك المفارش عزل ويقال أيضاً بوش من الناس كما يقال شوب. وقال يونس: لا يقال شوب إلا أن يكونوا من قبائل شتى.
قال أبو عبيد: ومن هذا قولهم " يشج مرةً ويأسو أخرى (1) " أي ييفسد أحياناً ويصلح أحياناً.
ع: قد نظمه الشاعر وهو صالح بن عبد القدوس (2) :
قل للذي لست أدري من تلونه ... أناصح أم على غش يداجيني
إني لأكثر مما سمتني عجباً ... يد تشج وأخرى منك تأسوني
لو كنت أعلم منك الود هان له ... عليّ بعض الذي أصبحت توليني
لا أسأل الناس عما في ضمائرهم ... وما في ضميري لهم من ذاك يكفيني
أرضى عن المرء ما أصفى مودته ... وليس شيء من البغضاء يرضيني
لا أبتغي ود من يبغي مقاطعتي ... ولا ألين لمن لا يبتغي ليني قال أبو عبيد: قال الأحمر: يقال في نحو هذا (3) " اطرقي وميشي " وأصله خلط الشعر بالصوف. يقول: فكذلك هذا يخلط في كلامه بين صواب وخطأ. قال رؤبة العجاج (4) :
__________
(1) ف: ويأسو مرة.
(2) انظر حماسة البحتري: 59 ومحاضرات الراغب 1: 141 والأبيات وردت في تهذيب ابن عساكر 3: 45 منسوبة لأسماء بن خارجة، ومنها أربعة في الصداقة والصديق: 96.
(3) س: في مثل هذا المعنى.
(4) انظر الرجز في اللسان (رقش، ميش، طرق) انظر أيضاً ديوان رؤبة: 77 والترقيش: زخرفة الكلام.

(1/47)


عاذل قد أولعت بالترقيش ... إليّ سرا فاطرقي وميشي ع: الميش: الخلط، يقال: مشت الشيء أميشه ميشاً إذا خلطته مثل الوبر والصوف، والطرق: هو ضربه بالمطرقة، وهي العصا التي يطرق (1) بها الصوف أي ينفض لينتفش ويتداخل.
وذكر الحربي (2) أن رجلاً ذكر قوماً من أهل اللغة قال: أولئك طرقوا الكلام وماشوه، فأراد بهذه المقالة أنهم جمعوا مبدده (3) ، وخلطوا بين أنواعه ن نثر ونظم وجد وهزل.
وهذا الأحمر الذي ذكر أبو عبيد: هو عليّ بن المبارك (4) وليس بأبي محرز خلف الأحمر.
باب سوء المسألة والإجابة في المنطق
قال أبو عبيد: قال الأصمعي: من أمثالهم في المجيب على غير فهم: " أساء سمعاً فأساء جابة " .
قال أبو عبيد: هكذا تحكى هذه الكلمة ؟ جابة ؟ بغير ألف، وذلك لأنه اسم
__________
(1) س: يضرب.
(2) كان إماماً في العلم رأساً في الزهد جماعاً للغة صنف كتاب " غريب الحديث " . توفي سنة 285ه؟ راجع ترجمته في تاريخ بغداد: 3059 ومعجم ياقوت 1: 112 والبغية: 178 ونزهة الألباء: 276.
(3) ط س: فنونه.
(4) هو صاحب الكسائي وأول من دون عنه، كان يحفظ ألوفاً من الشواهد سوى القصائد وأبيات الغريب، انظر نزهة الألباء: 125 والبغية: 134 وإنباه الرواة رقم 495.

(1/48)


موضوع، يقال: أجابني فلان جابة حسنة، فإذا أرادوا المصدر قالوا: أجاب إجابة بالألف.
(1) : أين أمك؟ ؟ يريد أين تؤم ؟ فظنه يقول: أين أمك، فقال: ذهبت لتشتري دقيقاً، فقال سهيل " أساء سمعاً فأساء جابة " فأرسلها مثلاً. فلما انصرف إلى زوجته أخبرها بما قال ابنها فقالت: أنت بتغضه، فقال: " أشبه امرؤ بعض بزه " فأرسلها مثلاً أيضاً (2) .>
ع: قال أبو عمر المطرز (3) : ناديت فلاناً فأجابني: إجابة وجواباً وجابة وجيبة وجيبي، فالجابة اسم للجواب كالطاعة والطاقة فإن أردت المصادر قلت: إجابة وإطاعة وأطاقة، قال الشاعر (4) :
وما من تهتفين (5) به للينصرٍ ... بأسرع جابةً لك كن هديل (6) وقال أبو العتاهية فنظم هذا المثل: (7)
إذا ما لم يكن لك حسن فهمٍ ... أسأت إجابةً وأسأت سمعا
__________
(1) في هامش ف: هذا السائل هو الأخنس بن شريق وأمه صفية بنت أبي جهل.
(2) المثل في هامش ف: أشبه امرأ بعض بزه.
(3) ص: المطرزي؛ وهو أبو عمر الزاهد المطرز غلام ثعلب، واسمه محمد بن عبد الواحد كان واسع الحفظ، واتهمه أهل العربية بالوضع، أما المحدثون فكانوا يوثقونه وله كثير من التصانيف توفي ببغداد سنة 345ه؟ انظر البغية: 69 وتاريخ بغداد: 865 أما المطرزي فهو نحوي آخر اسمه ناصر ابن عبد السيد توفي 610ه؟ وكنيته أبو الفتح.
(4) هو الكميت بخاطب قضاعة في تحولها عن نزار إلى اليمن (المعاني الكبير: 297).
(5) ص: تستعين.
(6) الهديل لا يجيب لأن العرب تقول إنه كان في سفينة نوح فوقع في الماء وغرق، فالطير كلها تبكي عليه.
(7) ديوان أبي العتاهية: 158 والبيت الأول غير مذكور هنالك والبيتان معاً في العيون 3: 19.

(1/49)


ولست الدهر متسعاً لفضلٍ ... إذا ما ضقت بالإنصاف ذرعا وقد ذكر الزبير فيما ثبت عنه في الكتاب أن المثل لسهيل بن عمرو، وذكر خبره. قال ابن دستويه: أصل الجابة من قولهم جاب البلاد يجوب إذا قطعها طوافاً، لأن الجواب هو ما يرجع من المجيب إلى السائل ومنه جوائب الأخبار وقولهم: هل من جائبة خبر، وهي الواحدة من الجوائب التي تؤوب وترجع.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في سوء المسألة إذا عجل بها قبل أوانها: " إليك يساق الحديث " وذكر الزبير حديثه (1) .
ع: نظم بشار هذا المثل بمعناه واستوفى فحواه ونحواه فقال (2) :
ومرت فقلت متى نلتقي ... فهش اشتياقاً إليها الخبيث
وكاد يمزق سرباله ... فقلت إليك يساق الحديث قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في سوء السمع والإجابة: " حدث حدثين امرأةً فإن لم تفهم (3) فأربعة:
ع: قد ذكر الزبير بن بكار خبره على ما ذكر عنه في الكتاب وفي آخره:
__________
(1) قوله: وذكر الزبير حديثه دليل على أن ما وقع قبله بين حاصرتين مما حذفه البكري.
(2) لم يردا في ديوانه المطبوع. وهما في هامش ف.
(3) س ط: فإن أبت.

(1/50)


" حدث حديثين المرأة فإن أبت فعشرة " ، إلا أن الذي روي فيه في غير هذا الكتاب " حدث حديثين المرة فإن أبت فعشرة " .
يقال امرأة ومرأة ومراة ومرة أربع لغات.
وذكر المفضل بن سلمة (1) فيه رواية ثالثة قال: " حدث امرأة (2) حديثين فإن أبت فاربع " وكذلك ذكره الخطابي. فاربع: أي قف وأمسك عن قولك. يقال: ربع الجرل يريع ربعاً إذا وقف. وربع بالمكان إذا أقام به وربع أيضاً إذا كف وأمسك، وهذه معان متقاربة، في قوله فاربع، يقول: إذا كررت الحديث فلم يفهم عنك فأسمك، ولا تتعب نفسك، فانه لا مطمع في إفهامها. وهذه رواية جلية المعنى، صحيحة الظاهر والمغزى. ورواية أبي عبيد تصح على حذف: يريد حدث حديثين المرأة فإن لم تفهم فأربعة لا تفهمها، وعلى الرواية الثانية: فعشرة لا تفهمها والأمثال مبنية على الإيجاز والاختصار، والحذف والاقتصار.
12 - باب الرجل يطيل الصمت ثمن ينطق بالزلل
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا " سكت ألفاً ونطق خلفاً "
ع: روى الأصمعي وغيره أن رجلاً من العرب جلس مع قوم فحبق فأشار بإبهامه إلى استه وقال: إنها خلف نطقت خلفا. فالخلف الرديء
__________
(1) الفاخر: 62 والرواية هناك: " حدث الرعناء بحديثين " .
(2) س ط: المرأة.

(1/51)


من القول، والخلف: الرديء الساقط من الناس وغيرهم.
وأنشد أبو عبيد شاهداً على هذا المثل قول الهيثم بن الأسود النخعي:
وكائن ترى من صامتٍ لك معجبٍ ... زيادته أو نقصه في التكلم وذكر خبر عن الأحنف الذي كان يطيل الصمت
وهذا البيت للهيثم بن الأسود (1) النخعي، وقيل للأعور الشني، وقبله:
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... فلم يبق إلا صورة اللحم والدم وقالوا: ما الإنسان لولا اللسان إلا صورة ممثلة أو بهيمة مهملة. وقال الشاعر:
المرء يعجبني وما كلمته ... (2) ويقال لي هذا اللبيب اللهذم
فإذا قدحت زناده وسبرته ... في الكف زاف كما يزيف الدرهم وقال آخر (3) :
ترى الناس (4) أشباهاً إذا جلسوا معاً ... وفي الناس زيف مثل زيف الدراهم وقال عدي بن الرقاع (5) :
القوم أشباه وبين حلومهم ... بون كذاك تفاضل الأشياء
__________
(1) س: يروى للأسود بن الهيثم.
(2) اللهذم: القاطع.
(3) البيت في اللسان (سوا).
(4) اللسان: أسواء.
(5) راجع ترجمة عدي في الأغاني 8: 182 والشعر والشعراء: 391، والبيت - مع جملة أبيات - ورد في البيان 2: 265 والشعر والشعراء: 393 - 394.

(1/52)


13 - باب الرجل يعرف بالصدق ثم يحتاج إلى الكذب
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا " عند النوى يكذبك الصادق " ثم ذكر عن المفضل (1) حديث المثل بطوله (2) . قال: لأحملنك على الأدهم. قال: مثل الأمير حمل على الأدهم والكميت والأشقر. قال: إنه حديد، قال: لأن يكون حديداً خير من أن يكون بليداً> وفيه: فسقاه لبناً حليباً كان في سقاء حازر.
ع: يقال حزر اللبن والنبيذ إذا اشتدت حمضته فهو حازر.
قالالراجز، وهو العجاج (3) :
__________
(1) انظر أمثال الضبي: 76.
(2) ص: أو فرق خير، وهذا جائز كما ورد في هامش ف نقلاً عن سيبويه.
(3) انظر المعاني الكبير: 856 وديوان العجاج: 18 والجمهرة 2: 130.

(1/53)


يا عمر بن معمرٍ لا منتظر ... بعد الذي عدا القروص فحزر فأخبرك انه تعدى القروصة إلى الحموضة. وفي الحديث: فسقوني لبناً لا محضاً ولا حقيناً، الحقين من اللبن: المحقون في الوطب. قال اللغويون: حقنت اللبان إذا صببت لبناً حليباً (1) في سقاء وقد كان فيه رائب فأخذ بعض طعمه، ومن أمثالهم " أبى الحقين العذرة " يقول بطل العذر مع حضور اللبن. وكل شيء جمعته من لبن أو شراب ثم شددته فقد حقنته، وبه سمي حابس البول حاقناً، فأما حابس الغائط فهو حاقب بالباء.
قال الزبير: ومما يشبه هذا حديث أخبرني به محمد بن الضحاك عن أبيه قال: كان الحجاج قد حبس الغضبان بن القبعثري فدعا به يوماً وقال: زعموا أنه لم يكذب قط وليكذبن اليوم فقال له لما أتى به: سمنت يا غضبان، قال: القيد والرتعة والخفض والدعة وقلة التعتعة، ومن يك ضيف الأمير يسمن، قال: أتحبني يا غضبان قال: أو فرق خير من حبين... إلى آخر الحديث.
ع: أول من قال: " القيد والرتعة " ، عمرو بن الصعق بن خويلد بن نفيل ابن عمرو بن كلاب، وكانت شاكر ؟ قبيلة من همدان ؟ أسرته، فأحسنت إليه، ورفهت عنه، وكان يوم فارق أهله نحيفاً، فهرب من شاكر، وصاد في طريقه أرنباً فشواها (2) ، فبينما هو يأكل منها أقبل ذئب فأقعى غير بعيد منه، فنبذ إليه من شوائه فولى عنه، فقال عمرو (3) :
لقد أوعدتني شاكر فخشيتها ... ومن شعب ذي همدان في الصدر هاجس
قبائل شتى ألف الله بينها ... (4) لها حجف فوق المناكب يابس
__________
(1) س: اللبن حليباً.
(2) س ط: فاشتواها.
(3) الأبيات في الميداني 2: 31.
(4) الحجف: التروس من جلد.

(1/54)


ونارٍ بموماةٍ قليل أنيسها ... أتاني عليها أطلس اللون يابس
نبذت إليه حزةً من شوائنا ... حياءً وما فحشي على من أجالس
فولى بها جذلان ينفض رأسه ... كما آض (1) بالنهب المغير المخالس فلما وصل إلى قومه قالوا: أي عمرو، خرجت من عندنا نحيفاً وأنت اليوم بادن، قال: القيد والرتعة، فأرسلها مثلاً.
قال المفضل: الرتعة: الخصب، ومن ذلك قولهم هو يرتع في كذا، أي في شيء كثير لا يمنع منه ولا يثني عنه. وقال يحيى بن زياد: هو مثل تضربه العرب (2) للخصب، تقول: فلان يرتع، أي أنه في خصب لا يعدم شيئاً. ورتعت الماشية في المرعى رتوعاً: إذا جاءت وذهبت كيف شاءت. وفي التنزيل: {يرتع ويلعب} (يوسف: 12) قال أبو عبيد (3) : يرتع أي يلهو أو يلعب.
وأما قوله: أتحبني يا غضبان؟ فإنما أراد الحجاج أن يكذبه لو قال أحبك، أبو يعاقبه لو أنكر ذلك. فحاد عن الجوابين وقال: أو فرق خير من حبين، فإنما أراد أمري حب أو فرق خير من حبين، فأتى بحرف الشك الذي لا يخلص بين أحد المعنيين وهو " أو " . ومن قرأه أو فرق على أن الهمزة للاستفهام فقد أخل وأحال، وإنما أراد الغضبان أن هيبته له وفرقه منه أنبل وأرفع من محبته إياه مرات لا مرتين. ويروى أو فرقاً خيراً (4) من حبين بالنصب لأنه لما استفهمه بالفعل اجابه به، وأضمره لما جرى من ذكره، وأقام المصدر مقامه، أراد أحبك أو أفرقك فرقاً خيراً من حبين، وقد ذكر ذلك سيبويه. وهذا (5) في المعنى كما تقول العرب: خشية
__________
(1) س: آب.
(2) س: العامة.
(3) ح ص: أبو عبيد.
(4) س ط: خير.
(5) س: وهو.

(1/55)


خير من ملء واد حباً، وكما تقول: " رهبوتي خير من رحموتي " (1) أي أن ترهب خير (2) من أن تحب وترحم.
14 - باب حفظ اللسان في كتمان السر وترك النطق به
قال أبو عبيد: ومنه قول أكثم بن صيفي: " لا تفش سرك إلى أمة ولا تبل على أكمة " (3) :
وقد أجود وما مالي بذي فنع ... وأكتم السر فيه ضربة العنق (4) > ع: وقد أحال أبو عبيد لفظ هذا المثل بعد هذا فقال في باب الدعابة والمزاح: " لا تفاكه أمة ولا تبل على أكمة " والنهي عن البول على الأكمة معناه لئلا يرجع بوله
__________
(1) س: رهبوتا خير من رحموتا.
(2) خير لك.
(3) البيت في ديوانه: 26.
(4) الشطر الأول في الديوان: وأكشف المأزق المكروب غمته. وفي ف: وأطعن الطعنة النجلاء عن عرض. وفي هامش ف أن أبا عبيد لم يثبت في الأصل إلا عجز البيت. والفنع: الفضل في المال.

(1/56)


عليه لانصبابها، فإن بال في أعلاها ردت الريح بوله عليه أو نضحته ببوله إن استدبرها، لاشتداد هبوبها في نشوز الأرض على أكثر المعهود، وأيضاً فإن البائل والمتغوط ينبغي ان يرتاد الوهاد وما ستر من غوامض الأرض، وهذا ضد الإشراف على الآكام.
ونقل أبو علي (1) قال: كان رجل من بني أبي بكر بن كلاب يعلم بني أخيه العلم فيقول: افعلوا كذا وافعلوا كذا. فثقل عليهم، فقال بعضهم: قد علمتنا كل شيء، ما بقي علينا إلا الفعالة، لا يكني، فقال: والله يا بني ما تركت ذلك من هوان بكم علي، اعلوا الضراء وابتغوا الخلاء، واستدبروا الريح وخووا تخوية الظليم، وامشتوا بأشملكم.
قال ابن الأعرابي: الضراء: ما انخفض من الأرض، وقال غيره: هو ما واراك من الشجر خاصة. فتراه قد وصاهم أن يأتوا ما انخفض من الأرض وأن يبتغوا مع ذلك الخلاء، ويقال: خوى الظليم إذا جافى بين رجليه، وقوله امتشوا: يريد امتسحوا واستنجوا بأشمل أيديكم، ولذلك سمي المنديل المشوش، قال امرؤ القيس (2) :
نمش بأعراف الجياد أكفنا ... إذا نحن قمنا عن شواء مضهب (3) قال أبو عبيد: وقال قيس بن الخطيم الأنصاري (4) :
إذا جاوز الإثنين سر فإنه ... بنث وتكثير الحديث قمين
__________
(1) الأمالي 2: 168.
(2) ديوانه: 80 وابن السكيت: 601 والسمط: 68.
(3) المضهب: اللحم الذي لم يبلغ النضج وإنما وصفه بذلك لأنهم كانوا على عجل، وتقدير كلامه نمش أعراف الجياد بأيدينا. فقلب اتعبير. وقال بعض أهل اللغة: لا يكون المش إلا المسح بالشيء الذي يفش الدسم، والعرب تتمدح بالتبذل والتتفل في حال الحرب والصيد.
(4) البيت في حناسة البحتري: 147 وروايته بنشر، والشريشي 1: 285 ببث، وخيرها ما أثبتناه، وهي رواية أمالي القالي 2: 177 والكامل: 426 ونسبه لجميل بن معمر؛ ط: وإفشاء الحديث؛ س: وتكثير الوشاة.

(1/57)


ع: يقال: قمين وقمن أي خليق بذلك وجدير، ويثنى قمين وقمن ويجمعان، ويقال: قمن بفتح الميم ولا يثنى ولا يجمع، وبعد هذا البيت:
وإن ضيع الإخوان سرا فإنني ... (1) كتوم لأسرار العشير أمين ،احسن ما ورد في كتمان السر قول مسكين الدارمي (2) :
وفتيان صدق لست مطلع بعضهم ... على سر بعض كان عندي جماعها
يروحون مثنى في البلاد وسرهم ... إلى صخرة أعيى الرجال انصداعها وأمذل الناس بسر، القائل (3) :
لا أكتم الأسرار لكن أنمها ... ولا أدع الأسرار تغلي على قلبي
وإن أضل الناس من بات ليله ... تقلبه الأسرار جنباً إلى جنب وأحسن في الكتمان الآخر (4) :
سأكتمه سري وأكتم سره ... ولا غرني أني عليه كريم
حليم فينسى أو جهول يشيعه ... وما الناس إلا جاهل وحليم ومن أمثالهم في هذا : " سرك أسيرك فإن نطقت به فأنت أسيره "
__________
(1) زاد بعده في ط:
يكون له عندي إذا ما ضمنته ... مكان بسوداء الفؤاد مكين
(2) شاعر أموي من المتحيزين لبني أمية، راجع بعض أخباره وشعره في الأغاني 18: 68 والشعر والشعراء 347 والخزانة 1: 465 والأمالي 1: 470 والبيتان في أمالي المرتضى 1: 399 والتبريزي 3: 126 والرواية فيها جميعاً: غير أني جماعها.
(3) أنظرهما في التبريزي 3: 75 والشريشي 1: 284 ومجموعة المعاني: 71 والكامل: 427 ونسبهما لبعض المحدثين، ومحاضرات الراغب 1: 60.
(4) البيتان في الكامل: 425 غير منسوبين، وفي روضة العقلاء: 166.

(1/58)


أسيرك سرك إن صنته ... وأنت أسير له إن ظهر> قال أبو عبيد: وقال رجل من سلف العلماء: كان يقال " أملك الناس لنفسه من كتم سره من صديقه وخليله " . قال أبو عبيد: أحسب ذلك للنظر في العاقبة لئلا يتغير الذي بينهما يوماً ما فيفشي سره.
(1) :
أحذر عدوك مرة ... وأحذر صديقك ألف مره
فلربما انقلب الصدي ... ق فكان أخبر بالمضره قال أبو عبيد: ومن أمثالهم " سرك من دمك " يقول: ربما أفشيته فيكون سبب حتفك.>
ع: هذا الذي هو عند أبي عبيد حسبان هو يقين، وهو الذي عنى هذا الرجل المذكور، وقد نظمه الشاعر وبينه فقال (2) :
إحذر مودة ماذق ... شاب المرارة بالحوه
يحصي العيوب عليك أي ... أم الصداقة للعداوه وقال آخر (3) :
__________
(1) البيتان في كتاب الآداب: 90 وقد نسبا للقاضي ابن معروف وانظرهما في شرح النهج 4: 338 والشهاب الثاقب: 44 وهما في هامش ف أيضاً.
(2) أوردها ابن قتيبة في عيون الأخبار 3: 107 وهما في الصداقة والصديق: 41، وفي هامش ف.
(3) أنظرهما في الصداقة والصديق: 143.

(1/59)


إن الكريم الذي تبقى مودته ... ويحفظ السر إن صافى وإن صرما
ليس الكريم الذي إن زل صاحبه ... بث الذي كان من أسراره علما 15 ؟ باب إعلان السر وإبدائه [بعد كتمانه]
قال أبو عبيد: قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا " صرح الحق عن محضه " أي انكشف بعد ستره (1) .
ع: جميع العلماء إنما أوردوا هذا المثل " صرح الحقين عن محضه " ، وقد تقدم آنفاً ذكر احقين وتفسيره (2) ، ومحضه: خالصه.
قال أبو عبيد: ومثله قولهم " أبدى الصريح عن الرغوة "
ع: ظاهر هذا اللفظ في هذا المثل انه مقلوب، والرغوة تبدي عن الصريح
__________
(1) زاد في قوله: قال الزبير: صرح وحصص بمعنى، قال: وقالت امرأة العزيز " الآن حصحص الحق " ؛ وفي س ط: انكشف الأمر عن ستره.
(2) انظر الصفحة: 54 فيما تقدم.

(1/60)


أي تتكشف عنه لأنها فوقه، ولا يجوز أن ينكشف الصريح عن الرغوة، والرغوة تعلوه. ومعنى المثل: أبدى الصريح خلوصه أو صفحته عن الرغوة، والمفعول محذوف لأن أبدى لا بد له من مفعول، وهو المحذوف الذي دلّ عليه ما بعده. وهو كما تقول: أبدت وجهها عن القناع، وقال سلمة على ما ثبت عنه في الكتاب: الرغوة والرغوة لغتان،
ع: في الرغوة لغات ضمّ الراء وكسرها كما قال، وفتح الراء، ذكره أبو عبيد في الغريب المصنف؛ يقال فيها أيضاً رغاوة ورغاوة ورغاوة.
قال أبو عبيد: فإذا ظهر الأمر كله حتى لا يستتر قيل " قد بين الصبح لذي عينين " .
ع: ذكروا أن بين هنا بمعنى بان وتبين، وإنما تأتي بمعنى واحد وقد أنشد بعض العلماء هذا المثل رجزاً ووصل به شطراً آخر وهو:
قد بين الصبح لذي عينين ... أن الطريق قبل النشزين (1) فالصبح هو الذي بين موضع الطريق، فبين ليس بمعنى بان كما ذكروا.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في هذا " قد أفرخ القوم بيضتهم " وأصله خروج الفرخ من البيضة، يقول: قد أبدى هؤلاء القوم أمرهم كما تفرخ الحمامة بيضها، قاله الأصمعي وأبو زيد.
قال أبو عبيد: ومثل العامة في هذا " برح الخفاء " .
ع: المحفوظ عن الغويين: أفرخت الحمامة إذا كانت ذات فراخ وأفرخت
__________
(1) أي ما يستقبلك منهما. والنشز ما ارتفع من الأرض؛ وفي س: النجدين؛ ط: النسرين.

(1/61)


البيضة، وهي بيضة مفرخ، إذا كان فيها فرخ، ويقال على ما ذكره أبو عبيد: أفرخت البيضة إذا فقأتها عن فرخ، فمعناه أبدى القوم من شأنهم ما كان مستوراً مجهولاً. كما أن البيضة تجن (1) الفرخ فلا يدري ما فيها حتى تفقأ عنه. فأما قولهم " أفرخ روعك " فقد قيل إنه من هذا، ومعناه انجلى وانكشف كما ينكشف ما في البيضة إذا تقوبت عن الفرخ. وقد قيل إن قولهم: أفرخ روعك ليس من لفظ فرخ الطائر ولا ما تصرف منه، ومعناه ذهب روعك، لأن الفراخ قد تسمى بها أشياء من غير الطير. الفراخ الأسنة العراض، والفراخ: صغار الشجر وغير ذلك.
وقال أبو عبيدة: أفرخ الروع وكل شيء إذا سكن إلا الحرب فإنه إذا قيل أفرخت الحرب فإنما راد ذكاؤها واضطرامها وتهيجها. وقال رؤبة لبلال بن أبي بردة (2) :
وفتنةٍ كالعنت المنهاض ... أفرخ قيض بيضها المنقاض ومن حديث الشعبي أن عروة بن مضرس قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بجمع قبل أن يصلي صلاة الصبح، فقلت: يا رسول الله: طويت الجبلين (3) ، ولقيت شدة، فقال: أفرخ روعك، من أدرك إفاضتنا هذه فقد أدرك الحج "
وقال أبو علي الفارسي في التذكرة: معنى أفرخ روعك صار له فرخ وإذا أفرخ الطائر لأنه قد فارق الحضن، وهذا قول مقبول ومعنى حسن جميل.
وزعم ابن الأنباري أن أول من نطق بهذا المثل معاوية بن أبي سفيان قال: قلد
__________
(1) ص: عن؛ ط: ثخن عن.
(2) في ديوانه: 82
وفتنة كالعنت المنهاض ... فيها سعال من طنى الامراض
تبرق برق العارض النفاض ... أفرخ قيض بيضها المنقاض العنت المكسور، الطنى: شدة عطش البعير حتى تلتصق رئته بجنبه، القيض: انكسار البيض.
(3) يعني جبلي طيء، وعروة طائي.

(1/62)


معاوية زياداً البصرة واستعمل المغيرة بن شعبة على الكوفة، فلم يلبث أن مات المغيرة فتخوف زياد أن يستعمل معاوية مكانه عبد الله بن عامر فكتب إليه يشير عليه باستعمال الضحاك، فكتب إليه معاوية " أفرخ روعك " قد شممنا إليك الكوفة والبصرة. فكتب إليه (1) " النبع يقرع بعضه بعضاً " فذهبت كلمتاهما مثلين. قال: والروع بفتح أوله: الفزع، والروع بضمه: الخلد والنفس.
ومن حديث عبد الله عن النبي عليه السلام أنه قال: إن روح القدس نفث في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستوفي رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب.
وأما قولهم: برح الخفاء: فقال ابن دريد (2) : أول من قاله شق الكاهن، ومعنى برح: انكشف وظهر، والبراح من الأرض ما كان بارزاً مكشوفاً، ولذلك سميت الشمس براح، اسم معدول لا يجري، قال الراجز (3) :
هذا مقام قدمي رباح ... غدوة حتى دلكت براح رباح: اسم ساق يستقي لابله، يريد أنه استقى من تلك الغدوة حتى مالت الشمس ؟ وهي براح ؟ للغروب، ودلوكها: ميلها، ويروى: حتى دلكت براح، يريد أنها تدلت للمغيب، فهو يحجبها عن عينه براحته إذا نظر إليها، كما قال العجاج (4) :
والشمس قد كادت تكون دنفا ... أدفعها بالراح كي تزحلفا ويقال برح الخفاء، بكسر الراء، ومعناه زال وذهب، من قولهم: ما برحت
__________
(1) س ط: فقال زياد.
(2) الجمهرة 1: 218.
(3) انظر مجاز القرآن 1: 387 ونوادر أبي زيد: 88 وابن السكيت: 393 ومجالس ثعلب: 373، واللسان والتاج (برح، ربح). ويروى: بكرة حتى دلكت، ويروى: ذبب حتى دلكت؛ وفتح الباء وكسرها من " براح " مما ذكره كبار اللغويين أمثال أبي عبيد والأزهري والهروي والزمخشري.
(4) الرجز في ابن السكيت: 393 وتفسير الطبري 15: 86 ومجاز القرآن 1: 388 والأساس (دنف) وديوان العجاج: 82 والجمهرة 1: 218.

(1/63)


من مكاني أي ما زلت، وأكثر ما يستعمل في النفي، قال الله تعالى {لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين} (الكهف: 60) وقد قالوا: برح كذا أي زال. وأنشد أبو بكر (1) :
وأبرح ما أدام الله قومي ... بحمد الله منتطقاً مجيداً منتطقاً: عليه سلاح، ومجيداً: صاحب جواد، وأنشده أبو عبيدة لخداش بن زهير على حذف لا، مقل قول الله تعالى {تفتا تذكر يوسف} (يوسف: 85) قال: ومثله لخليفة بن براز (2) :
وتزال تسمع ما حيي؟ ... ت بهالكٍ حتى تكونه وقال أبو إسحاق الحربي في قول النبي عليه السلام لعبد الله بن مسعود ليلة الجن، وخط عليه خطاً، وقال: لا تبرحن خطك، يقال: برح يبرح إذا تنحى وذهب، وبرح الخفاء: ذهب، وأبرحته أنا أي أذهبته، ويسمى الرجل الشجاع: حبل براح، هكذا ورد عن العرب أي كأنه قد شد بالحبال فلا يبرح ولا يزول.
باب إسرار الرجل إلى أخيه بما يستره عن غيره
قال أبو عبيد: : من أمثالهم في هذا " أفضيت إليه بشقوري " أي أخبرته بأمر، وأطلعته على ما أسره من غيره. قال العجاج (3) :
جاري لا تستنكري عذيري ... سيري وإشفاقي على بعيري
__________
(1) الخزانة 4: 48 والجمهرة 1: 218.
(2) من أبيات الشواهد: انظر الخزانة 4: 47، 4: 233 وروايته: تنفك تسمع، والبيت مما أنشده ابن سلام نفسه في كتاب الأمثال لخليفة بن براز، وهو جاهلي، وعنه نقل صاحب الخزانة؛ وفي س: ومثله قول خليفة.
(3) انظر اللسان (شقر) وديوان العجاج: 26.

(1/64)


وكثرة الحديث عن شقوري ... (1) ولا تستنكري عذيري وإشفاقي على بعيري.
قال الأصمعي: ومثله قولهم " أخبرته بعجري وبجري " أي أظهرته من ثقتي به على معايبي، قال أبو عبيد: وأصل العجر: العروق المنعقدة، وأما البجر فهي أن تكون تلك في البطن خاصة.
قال أبو عبيد: والعامة إذا أرادت مثل هذا المعنى قالوا " لو كان بجسدي برص ما كتمته " .>
ع: هكذا روي عن أبي عبيد: أفضيت إليه بشقوري، بفتح الشين، وهو قول الأصمعي وحده، وقال أبو زي وغيره: أبث فلان فلاناً شقوره، بضم الشين، والعذير في قول العجاج: الحال، وجمعه عذر، يقول: لا تستنكري حالي من الهرم يا جارية، ولا كثرة ما أحدث به نفسي مما يقوم في بالي من الأسرار، وذلك من أحوال الشيوخ وتهاتر الهرمى.
والعذير: في غير هذا، العذر، يقال: عذيرك من كذا أي هلم معذرتك منه، ويقال: العذير بمعنى العاذر، فعيل بمعنى فاعل، أي هلم من يعذرك من هذا.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في الكتمان " الليل أخفى للويل " يقول: افعل ما تريده ليلاً فإنه أستر لسرك (2) .
ع: أول من قال هذا سارية بن عويمر بن أبي عدي العقيلي، وسبب ذلك
__________
(1) هكذا قال البكري، وأكثر الشراح عد " سيري " مصدراً لا فعلا.
(2) س ط: أستر لك.

(1/65)


أن توبة بن الحمير شهد قومه بني خفاجة وبني عوف يختصمون عند همام بن مطرف العقيلي، وكان مروان بن الحكم استعمله على صدقات بني عامر، فضرب ثور ابن سمعان بن كعب العقيلي توبة بجزر (1) ، وعلى توبة درع وبيضة، فجرح أنف البيضة وجه توبة، فأمر همام بن مطرف بثور فأقعد بين يدي توبة فقال: خذ حقك يا توبة فقال: ما كان هذا إلا عن أمرك، وما كان ليجترئ عليّ. فانصرف توبة ولم يقتص منه، وهو يقول:
إن أمكن الدهر فسوف أنتقم ... أو لا فإن العفو أدنى للكرم ثم إن توبة بلغه أن ثوراً قد خرج في نفر من أصحابه يريد ماء بتثليث [لهم]، فتبعهم في أناس من أصحابه، حتى ذكر له أنهم عند رجل من بني عقيل يقال له سارية ابن عويمر، وكان صديقاً لتوبة، فقال توبة: لا أطرقهم وهم عند سارية، ووكل بتفقدهم رجلين من أصحابه، فقال سارية للقوم العقيليين وقد أرادوا أن يخرجوا من عنده مصبحين: " ادرعوا الليل فإنه أخفى للويل فلست آمن عليكم توبة " فلما أظلم فغشيهم هناك، فلما أن رأوهم صفوا لهم رجالهم، فزحف توبة السيهم فارتمى القوم، ثم إن توبة قال لأخيه عبد الله: ترس لي فإني قد رأيت ثوراً يكثر رفع الترس عسى أو أوفق منه مرمى، فترس له ورماه توبة فأصابه على حملة ثديه فصرعه، وانهزم أصحابه، فوضعوا فيهم السلاح حتى أثخنوهم، ومضى توبة حتى طرق سارية بن عويمر من الليل فقال: إنا قد تركنا رهطاً من قومك بالسمرات من قرون بقر، فأدركوهم فواروا موتاهم واحتملوا جرحاهم، فلحق بهم سارية وقد مات ثور، وهذا اليوم جر مقتل توبة.
__________
(1) الجزر والجمع جرزة: العمود من الحديد؛ وفي س ط: بحرز.

(1/66)