صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : شرح ديوان المتنبي
المؤلف : الواحدي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

المضارب جمع مضرب السيف وهو حده وضبته والضرائب جمع الضريبة وهي الشيء المضروب بالسيف يقول تنجلي هذه العجاجة وقد انفلت السيوف حتى كأن حدها الذي يضرب به كان يضرب عليه أي كأنها مضروبات لا ضاربات
طلعن شموسا والغمود مشارق ... لهن وهامات الرجال مغارب
يقول طلعت السيوف من أغمادها كالشموس في بريقها ثم غربت في هام المضروبين فصارت رؤسهم مغارب لها وهذا منقول من قول أبي نواس، طالعات مع السقاة علينا، فإذا ما غربن يغربن فينا،
مصائب شتى جمعت في مصيبة ... ولم يكفها حتى قفتها مصائب
شتى متفرقة وقفتها تبعتها يقول ليست مصيبتنا به واحدة بل هي جماعة لعظمها ولم يكفها ذاك حتى تلتها مصائب باتهامنا في بابه وقول العداة إنّا شامتون بموته
رثى أبن أبينا غير ذي رحم له ... فباعدنا عنه ونحن الأقارب
روى الخوارزمي غير ذي رحم لنا أي أبعدنا عن المرثي بأن اتهمنا في موته بالشماتة ونحن أقاربه على الحقيقة
وعرض أنّا شامتون بموته ... وإلا فزارت عارضيه القواضب
يروى أخدعيه والعارضان جانبا اللحية والقواضب السيوف يقول عرض في مرثيته بشماتتنا وكان حقه أن يقول عرض بأنا شامتون ولكنه حذف الباء على ارادة الذكر كأنه قال ذكر أنا شامتون بموته وقوله وإلا فزارت يجوز أن يكون من كلام المعرض حُكي عنه ما قال كأنه قال هم شامتون بموته وإلا فزارتني السيوف أي قتلت بها أن لم يكن الأمر على ما اقول فيكون هذا تأكديا لما ذكر من شماتتهم ويجوز أن يكون هذا من كلام الذين ينفون الشماتة عن أنفسهم يقول إن لم يكن الأمر على ما ذكر فرمى الله عارضيه بالسيوف فيكون هذا تأكيدا لنفي الشماتة وأن الأمر ليس على ما ذكره
أليس عجيباً أن بين بني أبٍ ... لنجل يهوديٍّ تدب العقارب
يقول من العجائب أن تدب عقارب يهودي أي نمائمه بين بني أب فيوقع بينهم العداوة يريد هذا الذي كان يمشي بينهم بالنميمة والنجل الولد
ألا إنما كانت وفاة محمدٍ ... دليلا على أن ليس لله غالب
يقول لما لم يقدر على الامتناع من الموت مع أنه كان يغلب جميع الناس دل ذلك على أنه لا غالب لله تعالى وهذا من قول أبي تمام، كفى فقتل محمد لي شاهد، أن العزيز مع القضاء ذليل وقال يمدح الحسين بن اسحاق التنوخي
هو البين حتى ما تأنى الحزائق ... ويا قلب حتى أنت ممن أفارق
هو كناية عن البين والنحويون يسمون ما كان من مثل هذا الاضمار على شريطة التفسير كقوله تعالى قل هو الله أحد وقوله تعالى فإنها لا تعمى الأبصار وكقول الشاعر، هي النفس ما حملتها تتحمل، ومثله كثير والحزائق جمع حزيق وهو الجماعة قال لبيد، كحزيق الحبشين الزجل، يقول هو البين الذي فرق كل شيء حتى لا تتمهل ولا تتأنى الجماعات أن يتفرقوا إذا جرى فيهم حكم البين ثم خاطب قلبه فقال وأنت أيضا على ما لك من علائق القرب ممن أفارقه يعنى أن الأحبة إذا فارقوني ذهب القلب معهم ففارقني وفارقته
وقفنا ومما زاد بثا وقوفنا ... فريقي هوى منا مشوق وشائق
فريقي هوى نصب على الحال من النون والألف في وقوفنا والعامل فيها المصدر يقول وقفنا للوداع ومما زادنا حزنا أنا وقفنا فريقين يجمعهما الهوى منا مشوق وهو العاشق يشوقه الحبيب بعد فراقه وشائق وهو المعشوق يشوق عاشقه وأراد منا مشوق ومنا شائق فحذف خبر الثاني للعلم به كقوله تعالى منها قائم وحصيد وجعل هذه الحالة تزيده بثا لأن فراق الأحبة أشق على القلب من فراق المجاورين والمعارف الذين لا علاقة بينك وبينهم
وقد صارت الأجفان قرحى من البكا ... وصار بهاراً في الخدود الشقائض
قرحى بغير تنوني جمع قريح مثل مرضى وجرحى وروى ابن جنى أن المتنبي كان يقول قرحاً بالتنوين على أنها جمع قرحة كما أن بهارا جمع بهارة وهي الورد الاصفر والمعنى أن الأجفان قد قرحت وصارت حمرة الخدود صفرةً لأجل البين كما قال عبد الصمد بن المعذل، باكرته الحمى وراحت عليه، فكسته حمى الرواح بهارا، لم تشنه لما ألحت ولكن، بدلته بالإحمرار اصفرارا، وقال الطاءي، لم تشن وجهه المليح ولكن، حولت ورد وجنتيه بهارا،
على ذا مضى الناس اجتماع وفرقة ... وميت ومولود وقال ووامق

(1/63)


يذكر اختلاف أحوال الدهر والناس يقول على هذا مضى الناس قبلنا لهم اجتماع مرة وفرقة مرة ومنهم ميت يموت ومولود يولد ومنهم مبغض ومحب كما قال الأعشى، شباب وشيب وافتقار وثروة، فلله هذا الدهر كيف ترددا،
تغير حالي والليالي بحالها ... وشبت وما شاب الزمان الغرانق
جوز كل شيء وسطه والمهاري جمع مهرية وهي الإبل المنسوبة إلى قبيلة من اليمن يقال لها مهرة ابن حيدان ويقال مهارى بفتح الراء ومهارٍ بكسر الراء مثل صحارى وصحارٍ يقول لصاحبه سل البيد تخبرك أين يقع الدن منها بهذه المفازة أي كنا أسرع فيها من الجن وعن إبلنا المهارى أين تقع منها الظلمان في السرعة أي أنها كانت أسرع منها والنقنق ذكر النعام
وليل دجوجي كأنا جلت لنا ... محياك فيه فاهتدينا السمالق
الدجوجي المظلم لا يستعمل بغير ياء النسبة وجلت كشفت واظهرت السمالق جمع سملق وهي الأرض البعيدة الطويلة يقول رب ليل مظلم كان السمالق التي كنا نقطعها اظهرت لنا وجهك حتى اهتدينا للطريق وهذا كقول زاحم العقيلي، وجوه لو أن المدلجين اعتشوا بها، صدعن الدجى حتى ترى الليل ينجلي، وكقول أشجع، ملك بنور جبينة، نسري وبحر الليل طامي،
فما زال لولا نور وجهك جنحه ... ولا جابها الركبان لولا الأيانق
جنح الليل إقباله بظلامه يجنح على النهار أي يميل عليه فيذهب ضوءه
وهز أطار النوم حتى كأنني ... من السكر في الغرزين ثوب شبارق
يقال ثوب شبارق إذا كان مقطعا وهو واحد وجمعه شبارق والهز والتجريك يعني تحريك الإبل ركبانها في سرعة سيرها وذلك يمنع النوم حتى يصير الإنسان من غلبة النوم مائدا بين الغرزين كالثوب الخلق لكثرة تمايله
بمن تقشعر الأرض خوفا إذا مشى ... عليها وترتج الجبال الشواعق
بمن بدل من قوله بابن اسحاق إلا أنه اعاد العامل والاقشعرار أن ينتفش شعر الرجل على بدنه إذا اصابه خوف ومنه يقال أخذته فشعريرة وتريج تضطرب وتتحركة يقول تهابه الأرض إذا مشى عليهاوتتحرك الجبال الطوال خوفا منه
فتى كالسحاب الجون يخشى ويرتجى ... يرجى الحيا منه وتخشى الصواعق
الجون الأسود هنا ورواه ابن جنى بضم الجيم وقال السحاب جمع سحابة ولذلك قال الجون بضم الجيم لأنه جمع والمعنى مرجو مهيب يرجى نفعه ويهاب ضره كالسحاب يرجى مطره وتخشى صواعقه وهذا كقول البحتري، سماحا وبأسا كالصواعق والحيا، إذا اجتمعا في العارض المتراكم،
ولكنها تمضي وهذا مخيم ... وتكذب أحياناً وذا الدهر صادق
شبهه بالسحاب ثم ذكر تفضيله على السحاب بأنها تمضي وهذا مقيم في كل وقت والسحاب قد يكذب في الرعد والبرق بأن لا يكون فيه مطر والممدوح صادق فيما يعد وقول
تخلى من الدنيا لينسى فما خلت ... مغاربها من ذكره والمشارق
يعني زهد في الدنيا ففارقها وتركها لينسى إعراضا عن الخلق ولم يزده ذلك إلا جلالة قدر لأنه لم تخل الدنيا من ذكره
غذى الهندوانيات بالهام والطلي ... فهن مداريها وهن المخانق
يقال سيف مهند وهندي وهندواني إذا عمل ببلاد الهند والمداري جمع المدري وهو ما يحك به الرأس والمخانق القلائد يقول غذى سيوفه بلحوم رؤس الأعداء وأعناقهم فقد طالت صحبتها للرؤوس والأعناق كما تصاحبها المداري والمخانق يعني إذا علت سيوفه الرؤس صارت بمنزلة المداري وإذا علت الأعناق صارت بمنزلة المخانق
تشقق منهن الجيوب إذا غزا ... وتخضب منهن اللحى والمفارق
يقول إذا غزا شققت الثاكلات جيوبهن لكثرة ما تقتله سيوفه وتخضب اللحى والمفارق بما يسيله من الدماء
يجنبها من حتفه عنه غافل ... ويصلي بها من نفسه منه طالق
يقال جنبته الشيء إذا باعدته عنه يقول من غفل عنه حتفه ولم ينقص أجله يبعد من سيوفه ولا يصير مقتولا بها ويقاسي بلاءها من نفسه طالق منه أي فارقته كالمرأة الطالق من الزوج تفارقه
يحاجي به ما ناطق وهو ساكت ... يرى ساكتا والسيف عن فيه ناطق

(1/64)


يحاجي به أي يغالط من الأحجية وهي الكلمة المخالفة اللفظ للمعنى كالشيء الملغز به يلقى على الإنسان ليستنبط معناه كما قال أبو ثروان ما ذو ثلاث آذان يسبق الخيل بالرديان يعني السهم وآذانه قذذه وأصل الكلمة قولهم حجا يحجو إذا أقام وثبت فقيل لها أحجية لأن الملقى عليه يحتاج إلى التثبت والتفكر والمعنى أن الناس يحاجي بعضهم بعضا بهذا الممدوح يقولون ما ناطق وهو ساكت ثم فسر هذا بالمصراع الأخير فقال يرى ساكتا يعني الممدوح لا ينطق بالفخر ولا يذكر شجاعته والسيف عن فيه ناطق بما يبدو من آثاره فهو يدل على شجاعته ويخبر بحميد غنائه وجميل بلائه
نكرتك حتى طال منك تعجبي ... ولا عجب من حسن ما الله خالق
نكرت الشيء وأنكرته إذا لم تعرفه ولم يستعمل من نكر إلا هذا اللفظ لفظ الماضي ومنه قول الأعشى، وأنكرتني وما كان الذي نكرت، من الحوادث إلا الشيب والصلعا، يقول أنكرت أن يكون أحد مثلك في فضلك واستغربت ذلك حتى طال تعجبي ثم علمت قدرة الله تعالى على خلق ما يريد
كأنك في الإعطاء للمال مبغض ... وفي كل حرب للمنية عاشق
ألا قلما تبقى على ما بدا لها ... وحل بها منك القنا والسوابق
يقول الخيل والرماح لا تبقى على ما نزل بها منك من كثرة استعمالها في الحروب والغارات
خف الله واستر ذا الجمال ببرقع ... فإن لحت ذابت في الخدور العواتق
يقول استر جمالك ببرقع ترسله على وجهك فإنك إن ظهرت ذابت الشواب في خدورهن شوقا إليك وعشقا لك ويروي حاضت وذلك أن المرأة اشتدت شهوتها وأفرطت سال دم حيضها
سيحيى بك السمار ما لاح كوكب ... ويجدو بك السفار ما ذر شارق
أي يحيون الليل بذكرك وحديثك والمسافرون يغنون بمدائحك فيحدون الإبل بها وقوله ما لاح كوكب وما ذر شارق من الفاظ التأبيد والمعنى أبدا أي أنت أبدا تذكر في الأسمار ويجدى بمدائحك في الأسفار هذا هو الظاهر وقوم يقولون ما لاح كوكب أي ما بقي من الليل شيء وما ذر شارق أي ما بقي من النهار شيء ترى فيه الشمس وبهذا قال ابن جنى أي يسيرون إليك نهارا فينشدون مديحك وإذا جاء الليل سمروا بذكرك والقول هو الأول لأن الحداء لا يختص بالنهار بل يكون بالليل في أكثر الأمر وغالب العادة
فما ترزق الأقدار من أنت حارم ... ولا تحرم الأقدار من أنت رازق
ولا تفتق الأيام ما أنت راتق ... ولا ترتق الأيام ما أنت فاتق
يعني أن الأقدار والأيام لا تخالفه فيما يصنع من حرمان ورزق ورتق وفتق بل هي موافقة له كما قال أشجع، فلا يرفع الناس من حطه، ولا يضع الناس من يرفعه،
لك الخير غيري رام من غيرك الغني ... وغيري بغير اللاذقية لاحق
لك الخير دعاء للممدوح بان يرزق الخير ثم قال غيري يطلب الغني من غيرك أي أنا لا أطلبه إلا منك وغيري يلحق بغير بلدك أي أنا لا أقصد إلا بلدك
هي الغرض الأقصى ورؤيتك المنى ... ومنزلك الدنيا وأنت الخلائق
يقول بلدك المطلوب الابعد أي هي أبعد ما يطلبه الإنسان فإذا بلغها لم يطلب بعدها شيئا والدنيا كلها منزلك أي في منزلك ما في الدنيا كلها وأنت جميع الناس.
وبلغ محمد بن إسحاق أن أبا الطيب هجاه وإنما هجي على لسانه فعاتبه محمد بن إسحاق فقال
أتنكر يا ابن إسحاق إخائي ... وتحسب ماء غيري من إناءي
يقول مستفهما متعجبا أتنكر مؤاخاتي إياك وتظن أن ما هجيت به من قبلي وضرب المثل بالماء والإناء
أأنطق فيك هجرا بعد علمي ... بأنك خير من تحت السماء
يقول لا أنطق فيك بالهجر وهو القبيح من القول بعد علمي أنك خير الناس
وأكره من ذباب السيف طعما ... وأمضي في الأمور من القضاء
وأكره طعما على العدو من طرف السيف وأنفذ فيما تريد من الأمور من القضاء وهذا من مبالغة الشعراء يقصدون بمثل هذا المبالغة لا التحقيق
وما أرمت على العشرين سني ... فكيف مللت من طول البقاء
أي ما زادت سنو عمري على العشرين فكيف أملّ طول البقاء بالتعرض لهجائك
وما استغرقت وصفك في مديحي ... فأنقص منه شيئاً بالهجاء
يقول لم أستوف أوصاف مدحك وأنا باستتمامها أولى مني بالأخذ في هجائك
وهبني قلت هذا الصبح ليل ... أيعمى العالمون عن الضياء

(1/65)


تطيع الحاسدين وأنت مرء ... جعلت فداءه وهم فداءي
قوله جعلت فداءه في موضع الدعاء وجعله وصفا للنكرة والوصف إذا كان جملة يجب أن يكون خبرا يحتمل الصدق والكذب من بين سائر أقسام الكلام فلا يجوز الوصف به ولكنه حمله على المعنى كأنه قال وأنت امرء مستحق لأن أقول له هذا كما قال الراجز، مازلت أسعى معهم وأختبط، حتى إذا جاء الظلام المختلط، جاءوا بضيح هل رأيت الذيب قط، فجعل الاستفهام وصفا كأنه أراد جاءوا بضيح يقول رآه هل رأيت الذيب قط ومعنى البيت أنه ينكر عليه طاعته لحساده بعد أنه يدعو الله بان يجعله فداءه ويجعل الحساد فداء المتنبي
وهاجى نفسه من لم يميز ... كلامي من كلامهم الهراء
الهراء الساقط من الكلام الذي لا خير فيه يقول ترك تمييز كلامي من كلامهم هجاء منك لنفسك
وإن من العجائب أن تراني ... فتعدل بي أقل من الهباء
يقول من العجائب أن ترني وتعرفني ثم تسوي بيني وبين خسيس أقل من اجزاء الهباء في الهواء يعني غيره من الشعراء
وتنكر موتهم وأنا سهيل ... طلعت بموت أولاد الزناء
يقول تنكر موت حسادي وأنا الطالع عليهم بموتهم والعرب تزعم أن سهيلا إذا طلع وقع الوباء في الأرض وكثر الموت يقول فأنا سهيل على أولاد الزني خاصة أي أنهم يموتون حسدا لي وقال أيضا يمدح الحسين بن اسحاق التنوخي
ملام النوى في ظلمها غاية الظلم ... لعل بها مثل الذي بي من السقم
يقول لومي الفراق في تفريقه بيننا وظلمه أيانا بالبعد غاية الظلم منها فلعله يعشقها كعشقي إياها فلذلك يختارها لنفسه ويحول بيني وبينها ويريد بالسقم العشق وهذا كما قال محمد ابن وهيب، وحاربني فيه ربب الرزمان، كأن الزمان له عاشق، وقد قال البحتري، قد بين البين المفرق بينان عشق النوى لربيب ذاك الربرب، ثم حقق ذا المعنى فقال
فلو لم تغر لم تزو عني لقاءكم ... ولو لم تردكم لم تكن فيكم خصمي
يقول لو كانت النوى لا تغار عليكم لما طوت لقاءكم عني ولما خاصمتني بسببكم
أمنعمة بالعودة الظبية التي ... بغير ولي كان نائلها الوسمييريد بنائلها وصالها وأراد بالوسمي أول ما بدأت به وبالوتي ما بعد ذلك من الوصل يقول أنها بدأت بوصل ثم لم تعد إليه فليتها أنعمت عليّ برجوعها إلى الوصل مرة أخرى والوسمي أول مطر في السنة والولي الذي يليه وهو منقول من قول ذي الرمة، لني ولية تمرع جنابي فإنني، لوسمي ما أوفيت من ذاك شاكر، والمعنى من قول بشار، قد زرتني زورة في الدهر واحدة، ثنى ولا تجعليها بيضة الديك،
ترشفت فاها سحرة فكأنني ... ترشفت حر الوجد من بارد الظلم
الترشف المص والظلم ماء الأسنان وبريقها وإنما خص السحرة لأن الافواه تتغير عند ذلك وإذا كانت طيبة النكهة في آخر الليل كان امدح لها الا ترى إلى قول امرء القيس، كأن المدام وصوب الغمام، وريح الخزامى ونشر القطر، يعل به برد أنيابها، إذا طرب الطائر المستجر، وقال زهير أيضا، كأن ريقتها بعد الكرى اغتبقت، من طيب الراح لما بعد أ، عتقا، وقال الحارثي، كأن بفيها قهوةً بابلية، بماء سماء بعدوهن مزاجها، والعاشق إذا مص ريقها معشوقة زادت نار حبه تلهبا لذلك قال، ترشفت حر الوجد من بارد الظلم،
فتاة تساوى عقدها وكلامها ... ومبسمها الدريُّ في الحسن والنظم
يريد أن كلام من قلادتها ونظقها وثغرها الذي تبسم عنه سواء في الحسن والنظم فهي دربة العقد والكلام والثغر وهذا كقوله، كأن التراقي وشحت بالمباسم، وقدزاد النطق في هذا البيت وقد قال البحتري، فمن لؤلؤٍ تبديه عند ابتسامها، ومن لؤلؤٍ عند الحديث تساقطة، فذكر أيضا شيئين وقد قال المؤمل بن أميل، وإن نطقت در فدر كلامها،ولم أر درا قبلها ينظم الدرا، فذكر شيئا واحدا وأخذ أبو المطاع ابن ناصر الدولة هذا المعنى فقال، ومفارق نفسي الفداء لنفسه، ودعت صبري عنه في توديعه، ورأيت منه مثل لؤلؤ عقده، من ثغره وحديثه ودموعه، وزاد ذكر الدموع على المتنبي
ونكهتها والمندلي وقرقف ... معتقة صهباء في الريح والطعم

(1/66)


المندلي العود الذي يتخبر به والقرقف من اسماء الخمر يقول قد استوت منها هذه الأشياء في طيب الرائحة والذوق وإنما يستوي في الذوق شيئان النكهة والخمر لن العود مر المذاق ولكنه جمع بينها في الريح وأراد في الطعم شيئين ثم النكهة أيضا لا طعم لها لأنها رائحة الفم واستقام الكلام إلى ذكر الريح ثم احتاج إلى القافية وإلى اقامة الوزن فذكر الطعم فأفسد لاختلاف ما ذكره في الطعم
جفتني كأني لست انطق قومها ... واطعنهم والشهب في ثورة الدهم
يقول جفتني بهجرها كأني لست الأفصح والأشجع عن عشيرتها وإنما قال هذا لن نساء العرب يملن إلى الشجاع والفصيح ألا ترى إلى قول العنبري لما ازدرته امرأته ورأته يطحن، تقول وصكت وجهها بيمينها، أبعلي هذا بالرحى المتقاعسن فقلت لها لا تعجلي وتبيني، بلاءي إذا التفت على الفوارس، فذكر لها شجاعته وحسن بلائه عند الحرب لترغب فيه فذكر أبو الطيب أن هذه ناقضت عادة امثالها بجفائه وقوله والشهب في صورة الدهم يعني إذا رئيت الخيل الشهب سوداء لتلطخها بالدماء وجفافها عليها كما قال الجعدي، وننكر يوم الروع ألوان خيلنا، من الطعن حتى نحسب الجون أشقرا،
يحاذرني حتفي كأني حتفه ... وتنكزني الأفعى فيقتلها سمي
الحتف لا يتصور منه الحذر وإنما يريد أن قرني الذي منه حتفي لو قاتلني لحذرني كأني حتفه أي كأني اقتله يقينا واغلبه فهو يحذرني حذر ن تيقن هلاكه من جهة إنسان ويحتمل أن يكون هذا تجاوز ومبالغة في وصف شجاعته وقوله وتنكزني الأفعى أي يتعرض لي أعي عدوي فاهلكه وقد جعل عدوه قسمين حاذر يحاذره ومتعرض له يهلكه المتنبي ولما سمي عدوه الأفعيى سمي قوة نفسه وشجاعته السم لشدة تاثيره في عدوه
طوال الردينيات يقصفها دمي ... وبيض السريجيات يقطعها لحمي
السريجيت السيوف منسوبة إلى سريج قين كان يعملها يقول الرماح تتقصف قبل الوصول إلى اراقة جمي والسيوف تتقطع قبل قطع لحمي فجعل دمه يقصفها لما كان السبب في قصفها وكذلك لحمه والفعل قد ينسب إلى من كان سببا فيه
برتني السرى برى المدى فددنني ... أخف على المركوب من نفسي جرمي
أنث السرى على أنها جمع سرية ويرى المدى المصدر المضاف إلى الفاعل أي كما تبرى المدى من فمي وابدل جرمي من المضير المفعول في رددنني هذا على رواية من رويى أخف بالنصب وإنما ابدل جرمي من الضمير لاثبات الوزن وإقامة القافية وإلا فقد تم المعنى دونه ومن روى أخف بالرفع فهو مبتدأ وجرمي خبره والجملة في موضع النصب على الحال كما تقول مررت بزيد ثوبه حسن أي في هذه الحال
وأبصر من زرقاء جو لأنني ... إذا نظرت عيناي ساواهما علمي
جو قصبة اليمامة وزرقاء اسم امرأة من أهل جو كانت شديدة البصر تدرك ببصرها الشيء البعيد فضربت العرب بها المثل فقالوا أبصر من زرقاء اليمامة وفضل نفسه عليها فقال إذا نظرت عيناي ساواهما علمي أي أنهما لا يسبقان علمي فإذا رأيت الشيء ببصري علمته بقلبي وروى ابن جنى شأواهما علمي والشأو الأمد والغاية يقول إذا نظرت عيناي فغايتاهما أن تعرفا ما علمته ويروى شاءهما أي سبقهما مقلوب شأي كما يقال رأي وراء ونأي وناء ويروى أيضا سأواهما علمي والسأو الهمة أي همة هيني أن تريا ما عرفت
كأني دحوت الأرض من خبرتي بها ... كأن بنى الإسكندر السد من عزمي
الدحو البسط يصف كثرة اسفاره وتقلبه في البلاد حتى عرف الأرض كلها وحتى كأنه بسطها لعلمه بها ويذكر قوة عزمه على الأمور فكأن الإسكندر بنى السد بين الناس وبين ياجوج وماجوج من عزمه
لألقي ابن إسحاق الذي دق فهمه ... فأبدع حتى جل عن دقة الفهم
يقول برتني السري لألقي ابن اسحاق يعني تكلفت المشاق لألقاه ثم وصفه بدقة الفهم فقال ابدع في دقة فهمه حتى جل عن أن يوصف به فقال أنه عالم بالغيب ويجوز أن يكون المعنى أنه أرتفع عن إدراك دقة الفهم إياه
وأسمع من الفاظه اللغة التي ... يلذ بها سمعي ولو ضمنت شتمي
يروى لها ويروى وغن يريد أنه صحيح اللفظ مستحلي الكلام يلتذ سمعه بكلامه وإن شتمه لصحة لفظه وعذوبة كلماته يقال الذذت الشيء ولذذت به أي استلذذته
يمين بني قحكان رأس قضاعةٍ ... عرنينها بدر النجوم بنى فهم

(1/67)


يعني أنه في هؤلاء كاليمين من الجسد وفي هؤلاء كالراس والعرنين أي أنه رئيسهم وبه عزهم والعنين يجعل مثلا في العز وكذلك الأنف وجعله كالبدر في بني فهم الذين هم كالنجوم
إذا بيت الأعداء كان استماعهم ... صرير العوالي قبل قعقعة اللجم
قال ابن جنى أي يبادر إلى أخذ الرمح فإن لحق اسراج فرسه فذاك ولا ركبه عريانا وهذا هذيان المبرسم والتائم وكلام من لم يعرف المعنى يقول إذا وافاهم ليلا أخفى تدبيره ومكره ونحفظ من أني فطن به فيأخذهم على غفلة حتى يسمعوا صرير رماحه بين ضلوعهم قبل أن يسمعوا أصوات اللجم متحركة في احناك خيله ولم يعرف ابن دوست هذا ايضا لأنه قال في تفسيره لأن رماحه تصل اليهم قبل وصول خيله إليهم وليس يتصور ما قاله إلا أن يأتيهم راجلا والمعنى أنه يهجم عليهم فلا يشعرون به إلا إذا طعنهم برماحه لإخفائه ذلك بلطف تدبيره
مدلُّ الأعزاء المعز وإن يئن ... به يتمهم فالموتم الجابر اليتم
أي هو لمذل الأعزاء ومعز الأذلاء أيضا لأنه يرفع قوما وضع آخرين وقوله يئن أي يحين من قولهم آن يئين أي حان قال الأصمعي لا مصدر لآن وقال أبو زيد يقال فيه أينا وقوله به أي على يديه يقول وإن حان يتمهم يعني يتم الأعزاء فهو الموتم وهو أيضا الجابر اليتم يريد أنه يقتل الآباء ثم يحسن إلى إبناءهم الأيتام ليصطنعهم
وإن تمس داء في القلوب قناته ... فممسكها منه الشفاء من العدم
يقول إن أودى قلوب المطعونين بقناته فإن الذي أمسكها هو الذي يشفى من الفقر بعطائه ومن روى بفتح السين فإنه أراد موضع الإمساك وهو كفه
مقلد طاغي الشفرتين محكم ... على الهام إلا أنه جائر الحكم
يعني سيفه جعله طاغي الشفرتني وهما حداه لكثرة ما يقتل وهو محكم على رؤوس اعدائه جائر في حكمه لنه يحكم بقتل جميعهم فلا يبقى منهم أحدا
تحرج عن حقن الدماء كأنه ... يرى قتل نفس ترك رأس على جسم
التجرج الكف عن الشيء والإمساك عنه وحقن الدماء أمساكها وحفظها في الأبدان يقول أنه يريق دماء اعدائه ولا يمسكها كأنه يرى ترك رأس من رؤوس الأعداء على جسمه قتل نفس لا يحل له قتلها أي يتحرج من هذا كما يتحرج من ذاك
وجدنا ابن إسحاق الحسني كجده ... على كثرة القتلى بريئا من الإثم
لما وصفه بكثرة القتل ذكر أنه لا يقتل إلا من يستحق القتل كجده وكان غازيا يقتل الكفار فكان بريا من إثم القتل على كثرة ما له من القتلى وروى ابن جنى كحده بالحاء وقال أي كحد هذا السيف وهو كثير القتل ولا إثم عليه لأنه لا يضع الشيء في غير موضعه كما إن حد السيف كثير القتل وهو غير آثم كما قال الطاءي في الرماح، إن أجرمت لم تنصل من جرائمها، إن أساءت إلى الأقوام لم تلم،
مع الحزم حتى لو تعمد تركه ... لألحقه تضييعه الحزم بالحزم
يقول لاستيلاء الحزم عليه يلحقه تركه إياه بفعله حتى لو أراد ترك الحزم لم يمكنه وهذا منقول من قول أبي تمام، تعود بسط الكف حتى لو أنه، ثناها لقبض لم تطعه أنامله،
وفي الحرب حتى لو أراد تأخرا ... لآخره الطبع الكريم إلى القدم
يقول هو صاحب الحرب وفي الحر بأبدا حتى لو اراد تأخرا لكان تأخره تقدما إذ ليس عنده إلا التقدم والمعنى لأخره الطبع الكريم عن التأخر إلى التقدم
له رحمة تحيي العظام وغضبة ... بها فضلة للجرم عن صاحب الجرم
أي بلغت رحمه إلى أنها تكاد تحيي العظام الميتة أي فضلت عن الأحياء وأدركت الأموات وغضبه فضل عن صاحب الجرم فضلةً هي للجرم يعني أنه يهلك بغضبه المجرم ويفنى ذلك الجرم الذي جناه حتى لا يجنى أحد تلك الجناية ولا يأتي بذلك الجرم خوفا من غضبه فغضبه يفنى المجرم أيضا ولم يعرف ابن جنى هذا فقال إذا أغضبه مجرم لأجل جرم جناه تجاوزت غضبته أيضا قدر الجرم فكانت اعظم منه فإما احتقره فلم يجازه وإما جازاه فتجاوز قدر جرمه فأهلكه وهذا هوس لا يساوي الحكاية
ورقة وجهٍ لو ختمت بنظرةٍ ... على وجنتيه ما انمحى أثر الختم
يقول هو رقيق الوجه حياء وكرما فلو نظرت إليه لظهر على رقة وجهه أثر نظرك كأثر الختم ثم لا يذهب ذلك الأثر ولا ينمحيد
أذاق الغواني حسنه ما أذقنني ... وعف فجازاهن عني على الصرم

(1/68)


الغواني النساء الشواب يقال أنهن اللاتي غنين بجمالهن عن الحلى ويقال غنين بأزواجهن عن الرجال ويقال الغانية التي غنيت بيت أبويها ولم يقع عليها سباء يقول فعل بهن ما فعلن بين لأنهن عشقنه فلم يواصلهن وعف عنهن فكان ذلك جزاء لهن عن مصارمتهن أياي
فدى من على الغبراء أولهم أنا ... لهذا الأبي الماجد الجائد القرم
الفداء يمد ويقصر فإذا فتحت الفاء قصر لا غير والأبي بمعنى الآبي وهو الذي يأبى الدينايا والجائد الفاعل من جاد يجود والقرم السيد واصله الفحل من الإبل يترك للفحلة ولا يحمل عليه
لقد حال بين الجن والأمن سيفه ... فما الظن بعد الجن بالعرب والعجم
يقول أخاف سيفه الجن حتى حال بينهم وبين أن يأمنوه فما ظنك بالأنس بعد خوف الجن
وأرهب حتى لو تأمل درعه ... جرت جزء من غير نار ولا فحم
أي أخاف كل احد حتى لو نظر بهيبته إلى درعه لذابت جزعا من خوفه وجرت جرى الماء
وجاد فلو لا جوده غير شارب ... لقيل كريم هيجته ابنة الكرم
أي لولا أنه يجود بالمال ولم يشرب الخمر لقال الناس أنه كريم حركته الخمر وبعثته على الجود وعني بابنة الكرم الخمر وهذا من قول البحتري، ضحى واهتز للمعروف حتى قيل نشوان،
أطعناك طوع الدهر يابن ابن يوسفٍ ... بشهوتنا والحاسدوا لك بالرغم
قوله طوع الدهر يجوز أن يكون المصدر مضافا إلى الفاعل فيكون المعنى اطعناك كما اطاعكم الدهر ويجوز أن يكون مضافا إلى المفعول وهو الظاهر فيكون المعنى اطعناك نهاية الطاعة شهوة منا لطاعتك كما نطيع الدهر ولا ينفك أحد من طاعة الدهر واطاعك حاسدوك على رغمهم حوفا منك وأراد والحاسدون فحذف النون لأنه شبهة بالفعل كأنه قال والذين حسدوك ومثله كثير قال عبيد، ولقد يغنى به جيرانك الممسكوا منك بأسياب الوصال، أراد الممسكون وأنشد جميع النحويين، الحافظوا عورة العشيرة لا، يأتيهم من ورائهم وكف، واراد الحافظون ولذلك نصب العورة وقرأ بعض القراء والمقيمي الصلاة بالنصب ومن روى الحاسدوك فهو كرواية من روى فيما انشده النحويون الحافظو عورة العشيرة وكقراءة العامة والمقيمي الصلاة لأن النون إذا حذفت للأضافة فالوجه أن يخفض المضاف إليه ويجوز إدخال الألف واللام في إسم الفاعل مع الاضافة خاصة كقول عنترة، الشاتمي عرضي ولم أشتمهما، وكقول عمرو يا أيها المغتابنا جهلا بنا، وخلقت عبدا لأن المعنى يا أيها الذي يغتابنا وارتفع الحاسدوا بالعطف على الضمير في اطعناك وحسن العطف على الضمير المرفوع وإن لم يؤكد لطول الكلام
وثقنا بأن تعطى فلو لم تجد لنا ... لخلناك قد أعطيت من قوة الوهم
يقول وثقنا بأنك تعطينا لما تحققناه من جودك فلو لم تعطنا لظنناك قد أعطيتنا
دعيت بتقريظيك في كل مجلس ... وطن الذي يدعو ثناءي عليك اسمى
يقول لكثرة مدحي أياك دعيت مادحك وشاعرك والذي يدعوني يظن أن أسمي ثناءي عليك فيقول يا مثني فلان وأراد الذي يدعوني فحذف المفعول وللظن في البيت مفعولان أولهما اسمي والثاني ثناءي وهذا المعنى من قول الناس من أكثر من شيء عرف به وقد قال جعفر بن كثير لجميل قد ملأت البلاد بذكر بثينة وصار أسمها لك نسبا وأبو الطيب نقل هذا من قول البحتري، وما أنا إلا عبد نعمتك التي، نسبت إليها دون رهطي ونصبي،
وأطمعتني في نيل ما لا أناله ... بما نلت حتى صرت أطمع في النجم
يقول قد نلت بجودك كل ما أردت ولما أدركت ذلك طمعت فيما لا ينال لأن من نال ما أراد طمع فيما وراءه مما لا يناله ولم يزل في هذا الطمع حتى صرت أطمع في إدراك النجوم حتى أنالها كما قال البحتري، لم لا أمد يدي حتى أنال بها، زهر النجوم إذا ما كنت لي عضدا،
إذا ما ضربت القرن ثم أجزتني ... فكل ذهبا لي مرة منه بالكلم
اجزتني اعطيتني جائزةً وهي العطاء والكلم الجرح ويريد به أنه واسع الضربة رحيب الجرح فلو كال به الذهب في جائزته كان كثيرا
أبت لك ذمي نخوة يمينة ... ونفس بها في مازق أبدا ترمي
ويروى عربية والنخوة الكبر يريد تكبره عن الدنايا وعما يورثه عيبا يقول تكبرك عن النقاءض ونفسك التي ترمي بها أبدا في مضيق من الحرب تأبيان ذمي لك أي لا موضع للذم فيك لأنك مترفع عن كل ما يزري بك لأنك شجاع

(1/69)


وكم قائل لو كان ذا الشخص نفسه ... لكان قراه مكمن العسكر الدهم
القرى الظهر والدم الكثير يقول كم من قائل يقول لشخصك لو كان على قدر نفسه وهمته لكان الجيش الكثير يكمنون وراء ظهره فيسترهم بكبره
وقائلة والأرض أعنى تعجبا ... على أمرؤ يمشي بوقري من الحلم
يصف رزانته وثقل حلمه يقول الأرض تقول تعجبت تعجبا يمشي على امرؤ وثقل حلمه كثقلي
عظمت فلما لم تكلم مهابةً ... تواضعت وهو العظم عظماً عن العظم
يقول أنت عظيم القدر والنفس والهمة فلم يكلمك الناس مهابةً لك فلما هابوك تواضعت عن تلك العظمة وهي العظمة لأن تواضع الشريف عن شرفه أشرف من شرفه وقوله عظما عن العظم أي تعظما عن التعظم وتركا للتعظم ودخل على علي بن أبراهيم التنوخي فعرض عليه كأس في يده فيها شراب أسود فقال ارتجالا
إذا ما الكأس أرعشت اليدين ... صحوت فلم تحل بيني وبيني
ارعشت حركت من الرعشة وهي الرعدة أي حركتهما لسكر شاربها يعني لا اشربها فأكون صاحيا لاتحول الكأس بيني وبين عقلي فحذف المضاف فجاء به من طرز كلام الصوفية كقول قائلهم، عجبت منك ومني، أفنيتني بك عني،
هجرت الخمر كالذهب المصفى ... فخمري ماء مزنٍ كاللجين
أغار من الزجاجة وهي تجري ... على شفة الأمير أبي الحسين
هو من قول الطاءي، أغار من القميص إذا علاه، مخافة أن يلامسه القميص، ومن قول الخبزارزي، من لطف إشفاقي ودقة غيرتي، أني اغار عليك من ملكيكا، ولو استطعت جرحت لفظك غيرةً أني أراه مقبلا شفتيك، وأساء أبو الطيب لأن الأمراء لا يغار على شفاههم ويقول من يعذره إنما يغار لأنه يرفع شفتيه عن رتبة الكأس ولاخمر لأنهما للأمر والنهي والالفاظ الحسنة والأمر بالصلة ويجوز أن يريد أن الزجاجة نالت ما لم ينله أحد فهو يغار عليها حيث لا تستحق الزجاجة ذلك
كأن بياضها والراح فيها ... بياض محدق بسواد عين
أتيناه نطالبه برفد ... فطالب نفسه منه بدين
يقول إن الرفد الذي طالبناه به رآه دينا على نفسه كما قال أبو تمام، غريم للملم به وحاشا، نداه من مماطلة الغريم، وقال أيضا. إلا ندى كالدين حل قضاءه، إن الكريم لمعتفيه غريم فشربها فقال فيه
مرتك ابن إبراهيم صافية الخمر ... وهنئتها من شارب مسكر السكر
في قوله مرتك نوعان من الضرورة أحدهما أنه كان يجب أن يقول أمرأتك لأنه إنما يقال مرأك إذا كان مع هنأك فإذا أفرد أمرأني الطعام والآخر أنه حذف همزة مرأتك وقوله مسكر السكر أي أنه يغلب السكر والسكر لا يغلبه وعادته أن يغلب كل شيء فكأنه قد غلبه ويجوز أن يستحسن السكر شمائله فيسكر لحسنها
رأيت الحميا في الزجاج بكفه ... فشبهتها بالشمس في البدر في البحر
الحميا من اسماء الخمر وهي من الأسماء التي لا تستعمل إلا مصغرةً شبه الخمر بالشمس والزجاجة بالبدر وكفه بالبحر
إذا ما ذكرنا جوده كان حاضراً ... ناي أو دنا يسعى على قدم الخضر
أي لا نذكر جوده غلا وهو يحضر كالخضر عليه السلام فيما يقال أنه لا يذكر في موضع إلا ويحضر وقال أيضا يمدح عليّ بن إبراهيم التنوخي
أحاد أم سداس في أحاد ... لييلتنا المنوطة بالتنادي

(1/70)


المشهور في لغة العرب أن هذا البناء لا يتجاوز الأربعة نحو أحاد وثناء وثلاث ورباح وحكى نادرا أنه يقال إلى عشار ومنه قول الكميت، فلم يستريثوك حتى رميت فوق الرجال خصالا عشارا، ولا يستعمل أحاد في موضع الواحد فلا يقال هو أحاد أي واحد إنما يقولون جاءوا أحاد أي واحدا واحدا فسداس نادر غريب وأحاد في موضع واحد خطأ وكذلك سداس في موضع ستة وأكثروا في معنى هذا البيت ثم لم يأتوا ببيان مفيد موافق الفظ وإن نحكيت ما قالوا فيه طال الكلام ولكني أذكر ما وافق اللفظ من المعنى وهو أنه أراد واحدة أم ست في واحدة وست في واحدة إذا جعلتها فيها كالشيء في الظرف ولم ترد الضرب الحسابي سبع وخص هذا العدد لأنه أراد ليالي الأسبوع وجعلها اسما لليالي الدهر كلها لنه كل أسبوع بعد اسبوع آخر إلى آخر الدهر يقول هذه الليلة واحدة أم ليالي الدهر كلها جمعت في هذه الواحدة حتى طالت وامتدت إلى يوم القيامة وهو قوله لييلتنا المنوطة بالتنادي والمراد بالتصغير ههنا التعظيم والتكبير كقول لبيد، وكل أناس سوف تدخل بينهم، دويهية تصفر منها الأنامل، يعني الموت هو أعظم الدواهي ومثله قول الآخر، فويق جبيل شامخ الرأس لم تكن، لتبلغه حتى تكل وتعملا، ويريد بالتنادي القيامة والله تعالى سمى يوم القيامة يوم التنادي لأن النداء يكثر في ذلك اليوم ويكون هذا كقوله، كأن أول يوم الحشر آخره، وقال ابن جنى يريد تنادي أصحابه بما هم به ألا ترى إلى قوله، أفكر في معاقرة المنايا، وعلى هذا استطال الليلة التي عزم في صباحها على الحرب شوقا إلى ما عزم عليه وأراد همزة الإستفهام في أحاد فحذفها ضرورةً كما قال، تزوح من الحي أم تبتكر،
كأن بنات نعشٍ في دجاها ... خرائد سافراتس في حداد
بنات نعش كواكب معروفة والسافرات اللاتي كشفن عن وجوههن والحداد ثياب سود تلبس في الحزن وعند المصيبة شبه هذه الكواكب وهي مضيئة في سواد الليل بالجواري السافرات في الثياب السود وسافرات بالرفع نعت للخرائد وبالنصب حال وكان من حقه أن يذكر ما يدل على بياضهن والخرائد الحبيبات وليس الحياء من البياض في شيء ولعله أراد أن الحياء في الغالب يكون في البيض دون السود والبيت من قول ابن المعتز، وأرى الثريا في السماء كأنها، قدم تبدت من ثياب حداد،
أفكر في معاقرة المنايا ... وقود الخيل مشرفة الهوادي
معاقرتها ملازمتها وأن يكون معها في عقر دارها وهو المعترك والهوادي الأعناق
زعيما للقنا الخطي عزمي ... بسفك دم الحواضر والبوادي
الزعيم الكفيل يقول عزمي زعيم بسفك دم الناس كلهم
إلى كم ذات التخلف والتواني ... وكم هذا التمادي في التمادي
يقول إلى كم اتخلف عما اطلبه من الملك وأتوانى فيه والتمادي معناه بلوغ المدى ويكون بمعنى التطاول والانتظار وكلاهما جائز في معنى هذا البيت يقول إلى كم أبلغ المدى في التقصير أو يقول إلى كم هذا التطاول والانتظار وكأنه يستبطىء نفسه فيما يروم والتمادي في التمادي أن يتتابع تماديه
وشغل النفس عن طلب المعالي ... ببيع الشعر في سوق الكساد
وما ماضي الشباب بمسترد ... ولا يوم يمر بمستعاد
رواه ابن جنى بمستفاد يقول ما يمضي من الأيام لا يسترجع ولا يستعاد أي فاشغل نفسك بما هو الأهم والمطلوب كما قالن ولكن ما يمضي من العمر فائت،
متى لحظت بياض الشيب عيني ... فقد وجدته منها في السواد
يقول متى رأيت بياض الشيب في شعري كأني وجدته في سواد عيني لشدة كراهتي له وإذا أبيض سواد العين عمي صاحبها فكأنه يقول الشيب كالعمى وهذا من قول أبي دلف، في كل يوم أرى بيضاء قد طلعت، كأنما طلعت في ناظر البصر،
متى ما أزددت من بعد التناهي ... فقد وقع انتقاصي في ازديادي
أي إذا تناهى الشباب ببلوغ حده فزيادة العمر بعد ذلك وفور النقصان
أأرضى أن أعيش ولا أكافي ... على ما للأمير من الأيادي
يقول لا ارضى بحياتي ولا أكافىء الأمير على أياديه عندي
جزى الله المسير إليه خيراً ... وإن ترك المطايا كالمزاد

(1/71)


قال ابن جنى أي قد انضاها وهزلها فتركها كالمزاد البالية فحذف الصفة قال ابن فورجة لا دليل على حذف الصفة واراد كالمزاد التي نحملها في مسيرنا إذ قد خلت من الماء والزاد لطول السفر والألف واللام في المزاد للعهد والمعنى أن المسير إليه أذهب لحوم مطايانا وافنى ما استبقينا فلم يبق في المطية لحم ولا في المزاد زادٌ
فلم تلق ابن إبراهيم عنسي ... وفيها قوت يومٍ للقراد
ألم يكن بيننا بلد بعيد ... فصير طوله عرض النجاد
البلد المفازة ههنا والفعل للمسير في قوله فصير والنجاد حمالة السيف يقول ادناني المسير إليه حتى لم يبق بيني وبينه إلا مقدار عرض حمائل السيف
وأبعد بعدنا بعد التداني ... وقرب قربنا قرب البعاد
يقول أبعد ما كان بيننا من البعد فجعله كبعد التداني الذي كان بيننا وقرب قربنا فجعله مثل قرب البعاد الذي كان بيننا أي قربني إليه بحسب ما كان بيني وبينه من البعد فجعل البعد بعيدا عني وجعل القرب قريبا مني
فلما جئته أعلى محلي ... وأجلسني على السبع الشداد
أي رفع منزلتي في مجلسه حتى نلت به محلا رفيعا فكأنه أجلسني فوق السماوات السبع ويريد بالشداد المتقنة المحكمة الصنعة
تهلل قبل تسليمي عليه ... وألقي ماله قبل الوساد
ألا تلألأ وجهه واستبشر برؤيتي كما قال زهير، تراه إذا ما جئته متهللا، وهذا كقول الآخر، إذا ما أتاه السائلون توقدت، عليه مصابيح الطلاقة والبشر، ومعنى المصارع الثاني من قول عليّ بن جبلة، أعطيتني يا ولي الحمد مبتدئاً، عطية كافأت مدحي ولم ترني، ما شمت برقك حتى نلت ريقه، كأنما كنت بالجدوى تبادرني، فقد غدوت على شكرين بينهما، تلقيح مدح ونجوى شاعر فطن، شكراً لتعجيل ما قدمت من حسن، عندي وشكرا لما أوليت من حسن،
نلومك يا عليُّ لغير ذنبٍ ... لأنك قد زريت على العباد
أي عبت أفعالهم وصغرت مناقبهم بزيادتك عليهم
وأنك لا تجود على جوادٍ ... هباتك أن يلقب الجواد
أي هباتك لا تجود على أحد باسم الجواد لأنه لا يستحق هذا الإسم مع ما يرى من جودك وزيادتك عليه
كأن سخاءك الإسلام تخشى ... متى ما حلت عاقبة ارتداد
حلت انقلبت يقال حال عن عهده وعما كان عليه إذا تغير يقول أنت تعتقد سخاءك اعتقاد الدين وتخاف لو تحولت عنه عاقبة الردة وهو القتل ودخول النار وهذا كقول الطاءي، مضوا وكأن المكرمات لديهم، لكثرة ما أوصوا بهن شرائع، ثم قلبه فقال، كرم تدين بحلوه وبمره، فكأنه جزء من التوحيد،
كأن الهام في الهيجا عيون ... وقد طبعت سيوفك من رقاد
جعل الرؤوس في الحرب كالعيون وجعل سيوفه كالرقاد قال ابن جنى أي سيوفك أبدا تألفها كما تألف العين النوم العين وقال العروضي لا توصف السيوف والرؤوس بالألفة وإنما أراد أنها تغلبها كما يغلب النوم العين وقال غيرهما السيوف تنساب في الهامات انسياب النوم في العين قلت والذي عند في هذا أن سيوفه لا تقع إلا على الهام ولا تحل إلا في الرؤوس كالنوم فإن محله من الجسد العين يقبض العين فيحلها ويدل على صحة هذا قوله
وقد صغت الأسنة من همومٍ ... فما يخطرون إلا في فؤاد
يقول إن أسنتك لا تقع إلا في قلوب اعدائك كأنها الهموم لا محل لها غير القلوب وهذا أولي من أن يقال أن الهموم تألف القلب أو تغلبه أو تدخل فيه ويجوز في يخطرن الكسرة والضمة فمن أراد الهموم قال بالضمة ومن أراد الأسنة والرماح قال بالكسرة والبيت منقول من قول أبي تمام، كأنه كان ترب الحب مذ زمنٍ، فليس يحجبه خلب ولا كبد،
ويوم جلبتها شعث النواصي ... معقدة السبائب للطراد
يريد جلبت الخيل فكنى عنها ولم يجر لها ذكر وجعلها شعث النواصي لمواصلة السير عليها والحرب والغارة والسبائب شعر العرف والذنب وذلك الشعر يعقد عند الحرب كما قال، عقدوا النواصي للطعان فلا ترى، في الخيل إذ يعدون غلا أنزعا
وحام بها الهلاك على أناس ... لهم باللاذقية بغي عادِ
حام دار من قولهم حام الطير حول الماء يحوم حوما أي دار حوله ليشرب منه يقول دار الهلاك بخيلك على قوم لهم ببلدك ظلم عاد أي ظلموا ظلمهم وعصوا معصيتهم
فكان الغرب بحراً من مياهٍ ... وكان الشرق بحراً من جياد

(1/72)


وإنما قال هذا لأن اللاذقية على ساحل البحر يقول كان جانبها الغربي بحر الماء والشرقي بحراً من الجياد وشبهها بالبحر لكثرتها ولما فيهامن بريق الأسلحة والمعنى أنهم وقعوا بين بحرين
وقد خفقت لك الرايات فيه ... فظل يموج بالبيض الحداد
أي اضطربت الأعلام وتحركت لك لا عليك فيه أي في بحر الجياد فظل ذلك البحر يموج ويتحرك بالسيوف
لقوك بأكبد الإبل الأبايا ... فسقتهم وحد السيف حادي
أي لقوك عاصين غليظةً أكبادهم كأكباد الإبل التي تأبى على اربابها ولا تطيعهم والأبايا جمع الأبية وهي الآبية والإبل توصف بغلظ الكبد كما قال، لنحن أغلظ أكباداً من الإبل، يقول سقتهم أمامك كما تساق الإبل وحد سيفك الذي يحدوهم ويسوقهم
وقد مزقت ثوب الغي عنهم ... وقد ألبستهم ثوب الرشاد
يقول أخرجتهم من ضلال المعصية إلى رشد الطاعة
فما تركوا الإمارة لاختيارٍ ... ولا انتحلوا ودادك من وداد
يقول اضطررتهم إلى ترك الإمارة فتركوها خوفا واظهروا حبك كذبا لا حقيقة يقال وددت ودادا ووداده
ولا استغلوا لزهدٍ في التعالي ... ولا انقادوا سروراً بانقياد
ولكن هب خوفك في حشاهم ... هبوب الريح في رجل الجراد
هبٍ تحرك واضطرب والحشا داخل الجوف بما فيه من الاعضاء الداخلة يقول ريح الخوف عصفت بهم وفرقتهم كما تفرق الريح رجل الجراد
وماتوا قبل موتهم فلما ... مننت أعدتهم قبل البعد
أي ماتوا خوفا منك قبل موتهم الذي قضى عليهم فلما مننت بالعفو كان ذلك كالإحياء قبل المعاد وهذا منقول من قول أبي تمام، معاد البعث معروف ولكن، ندى كفيك في الدنيا معادي،
غمدت صوارما لو لم يتوبوا ... محوتهم بها محو المدادِ
وما الغضب الطريف وإن تقوى ... بمنتصفٍ من الكرم التلاد
الطريف المستحدث والتلاد القديم يقول الغضب الحادث لا يغلب الكرم القديم وإن كان قويا لان الطاري لا يكون كالقديم الموروث
ولا تغررك السنة موالٍ ... تقلبهن أفئدة أعادي
الموالي جمع المولي وهو الولي يقول ألسنتهم تظهر لك الولاية والمحبة وقلوبهم تضمر لك العداوة فلا تغتر بذلك فإن تلك الألسنة الموالية تقلبها أفئدة معادية
وكن كالموت لا يرثي لباك ... بكى منه ويروى وهو صادي
أي كن فظا عليهم كالموت لا يرحم الباكي من خوفه ويروي بما يشرب من الدماء وهو مع ذلك عطشان لحرصه على القتل
فإن الجرح ينفر بعد حينٍ ... إذا كان البناء على فسادِ
الموالي جمع المولى وهو الولي يقول السنتهم تظهر لك الولاية والمحبة وقلوبهم تضمر لك العداوة فلا تغتر بذلك فإن تلك الألسنة الموالية تقلبها افئدة معادية
وكن كالموت لا يرثي لباك ... بكى منه ويروى وهو صادي
أي كن فظا عليهم كالموت لا يرحم الباكي من خوفه ويروي بما يشرب ما الدماء وهو مع ذلك عطشان لحرصه على القتل
فإن الجرح ينفر بعد حين ... إذا كان البناء على فساد
وقال مرة عن قريبٍ يقال نفر الجرح ينفر إذا ورم بعد البرء وقوله إذا كان البناء على فساد أي إذا نبت اللحم على ظاهره وله غور فاسد وهذا من قول البحتري، إذا ما الجرح رم على فساد، تبين فيه تفريط الطبيب، والمعنى أنهم يطوون العداوة في نفوسهم إلى أن يمكنهم الفرصة
وإن الماء يجري من جماد ... وإن النار تخرج من زناد
يريد أن العداوة تكمن في الوداد كمون النار في الزناد والماء في الجماد كما قال نصر بن سيار، وإن النار بالزندين تروى، وإن الفعل يقدمه الكلام
وكيف يبيت مضطجعا جبان ... فرشت لجنبه شوك القتاد
يعني أن خوفه إياك يمنعه النوم كما لو فرشت له شوك القتاد ويريد بالجبان عدوه الخائف
يرى في النوم رمحك في كلاه ... ويخشى أن يراه في السهاد
يقول لخوفه أياك إذا نام رأى كأنك طعنت في كليتيه برمحك فهو يخشى أن يرى ذلك في اليقظة كما قال أشجع السلمي، وعلى عذوك يا ابن عم محمد، رصدان ضوء الصبح والإظلام، فإذا تنبه رعته وإذا غفا، سلت عليه سيوفك الأحلام، وقصر أبو الطيب في ذكر السهاد لأنه أراد به اليقظة والسهاد امتناع النوم بالليل ولا يسمى المتصرف بالنهار ساهدا
أثرت أبا الحسين بمدح قومٍ ... نزلت بهم فرست بغير زاد

(1/73)


وظنوني مدحتهم قديما ... وأنت بما مدحتهم مرادي
يقول ظنوا أن مدحي لهم وثناءي عليهم وإنما كنت أعنيك بذلك المدح والثناء كما قال أبو نواس، ون جرت الألفاظ منا بمدحة،لغيرك إنسان فأنت الذي نعني، وكقول كثير، متى ما أقل في آخر الدهر مدحةً، فما هي إلا لأبن ليلى المكرم
وإني عنك بعد غد لغاد ... وقلبي عن فنائك غير غادي
يقول أنا مرتحل عنك وقلبي مقيم عندك كما قال الطاءي، مقيم الظن عندك والأماني، وإن قلقت ركابي في البلاد،
محبك حيث ما اتجهت ركابي ... وضيفك حيث كنت من البلاد
يقول حيثما توجهت فأنا محبك وحيثما كنت فأنا ضيفك لأني آكل مما أعطيتني وزودتني كما قال الطاءي، فما سافرت في الآفاق إلا، ومن جدواك راحلتي وزادي وقال أيضا يمدح عليّ بن إبراهيم التنوخي
ملث القطر أعطشها ربوعا ... وإلا فاسقها السم النقيعا
الملث الدائم المقيم والمعنى يا سحابا دائم القطر أعطش هذه الربوع من ربوع أي لا تسقها وإن لا تعطشها فأسقها السم النقيع في الماء
أسائلها عن المتديريها ... فلا تدري ولا تذري دموعا
اسائلها عن الذين اتخذوها دارا أي ذهبوا فلا تدري ذلك ولا تساعدني على البكاء والإذراء الإلقاء
لحاها الله إلا ماضييها ... زمان اللهو والخود الشموعا
لحاها الله بمعنى قشرها من لحوت العود إذا قشرته ثم صار يستعمل في الدعاء على الشيء وقوله إلا ماضييها استثناء من غير الجنس ويجوز أن يكون جنسا لأن زمان اللهو والخود ربع الأنس فاستثنى ربع الأنس من ربع الأنس لاشتماله عليه والشموع اللعوب
منعمة ممنعة رداح ... يكلف لفظها الطير الوقوع
رداح ضخمة العجيزة وقال العديل، رداح التوالي إذا أدبرت، هضيم الحشا شختة الملتزم، يصفها بحسن اللفظ وعذوبة الكلام يقول إذا سمعت الطير لفظها وقفت وسقطت لحسنه
ترفع ثوبها الأرداف عنها ... فيبقى من وشاحيها شسوعا
يريد بالوشاحين قلادتين تتوشح بهما المرأة ترسل أحداهما على جنبها الأيمن والأخرى على الأيسر يقول أردافها عظيمة سمينة شاخصة عن بدنها ثوبها وتمنعه عن أن يلاصق جسدها حتى يكون بعيدا عما توشحت به من القلائد
إذا ماست رأيت لها ارتجاجا ... له لولا سواعدها نزوعا
يقول إذا ما مشت هذه المرأة متبخترةً رأيت لروادفها اضطرابا وحركةً نزوعا للثوب عنها لولا أن سواعدها تمسك عليها الثوب لدخولها في الكمين
تألم درزه والدرز لين ... كما تتألم العضب الصنيعا
التألم كالتوجع وهو لازم يقال تألم به أو له أو منه وعداه ههنا ضرورةً والدرز موضع الخياطة من الثوب والصنيع المصنوع المحكم العمل يصف نعومة بدنها وأنها تتوجع إذا اصابها موضع الخياطة من ثوبها مع لينه كما تتوجع من السيف يريد أن للدرز في بدنها تأثيرا كتأثير السيف
ذراعاها عدوا دملجيها ... يظن ضجيعها الزند الضجيعا
يقول الدملج يضيق عن ذراعيها فتفصمه وتكسره لامتلائه بها وعظم ساعديها غليظ باللحم حتى يظن الضجيع زندها شخصا مضاجعا له
كأن نقابها غيم رقيق ... يضي بمنعه البدر الطلوعا
شبه النقاب على وجهها بغيم رقيق على البدر يمنعه أن يبرز منه فذلك الغيم مضيء بصوء البدر تحته كذلك نقابها يشرق لاضاءة وجهها من تحته كما يشرق الغيم الرقيق فوق القمر ويضيء لازم
أقول لها أكشفي ضري وقولي ... بأكثر من تدللها خضوعا
لي خضوعي لها في قولي هذا أكثر من دلالها على كثرته
أخفت الله في احياء نفس ... متى عصى الإله بأن أطيعا
أي احياء النفس ما يتقلب به إلى الله تعالى وليس ما يخاف منه يعني أنك أن واصلتني كنت كأنك قد أحييتني واحياء النفس طاعة لله والله لا يعصي بالطاعة
غدا بك كل خلو مسهاما ... وأصبح كل مستور خليعا
أي أحياء النفس مما يتقلب به إلى الله تعالى وليس ما يخاف منه يعني أنك إن واصلتني كنت كأنك قد احييتني واحياء النفس طاعة لله والله لا يعصى بالطاعة
غدا بك كل خلو مستهاما ... وأصبح كل مستور خليعا
الخلو الخالي من الهوى والمستهام الذي يجعله الهوى هائما ذاهب العقل والخليع الذي يخلعه أهله
أحبك أو يقولوا جر نمل ... ثبيرا وابن إبراهيم ريعا

(1/74)


أو معناه ههنا حتى وقد علق زوال حبه بما لا يجوز وجوده والمعنى لا أزال أحبك لأن الجبل لا يجره النمل والممدوح لا يرتاع ولايروعه شيء وثبير اسم جبل معروف
بعيد الصيت منبث السرايا ... يشيب ذكره الطفل الرضيعا
الصيت والصات ذهاب الذكر الحسن بين الناس وخوف سراياه إذا ذكر اسمه الطفل الرضيع شابع خوفا منه
يغض الطرف من مكر ودهي ... كأن به وليس به خشوعا
الدهي والدهاء المكر يقول يخفى مكره ودهاءه بغض الطرف كأن به خشوعا وليس به ذلك الخشوع والخشوع الاستكانة والذل
إذا استعطيته ما في يديه ... فقدك سألت عن سر مذيعا
قدك أي حسبك وكفاك يقول أن سألته جميع ماله كفاك ذلك السؤال كالمذيع إذا سألته عن سر فشا به ولم يكتمه كذلك هو يعطيك ما يملكه ولا يبخل به
قبولك منه من عليه ... وإلا يبتدي يره فظيعا
يقول إذا قبلت عطاءه فقد مننت عليه لاستلذاذه العطاء وإن لم يبتدىء بالعطاء قبل السؤال رأى ذلك منكرا
لهون المال أفرشه أديما ... وللتفريق يكره أني ضيعا
كانت الدراهم المجبية من وجوه الأجلاب حملت إلى الممدوح وبسط تحتها النطع على الرسم فيه فاعتذر له وقال ليس ذلك لكرامته عليه ولكن ليهينه في العطاء والتفريق وليس يكره ضياعه ليدخره إنما يكره ذلك ليفرقه على الشعراء والسؤال ثم احتج لهذا فقال
إذا ضرب الأمير رقاب قوم ... فما لكرامة مد النطوعا
يقول ليس بسط الأنطاع لضرب الرقاب كرامة وإنما ذلك ليصان المجلس عن تلطيخه بالدم كذلك بسطه النطع للمال لم يكن كرامة للمال
فليس بواهب إلا كثيرا ... وليس بقاتل إلا قريعا
القريع الفحل الكريم سمي بذلك لأنه يقرع الإبل ويسمى به السيد الشريف كما يسمى القرم
وليس مؤدبا إلا بنصل ... كفى الصمصامة التعب القطيعا
يقول أقام سيفه مقام سوطه في التأديب فقد أغنى السيف السوط عن التعب والقطيع السوط الذي يقطع من جلد البعير يصف شدته على المذنب والمريب وصعوبة سياسته للناس
عليٌّ ليس يمنع من مجيء ... مبارزه ويمنعه الرجوعا
عليٌّ قاتل البطل المفدى ... ومدله من الزرد النجيعا
المفدى الذي يقول له الناس فدتك نفوسنا لما يرون من شجاعته وشدة بأسه ويبدله من لبوس درعه لبوسا من الدم والزرد حلق الدرع والنجيع الدم الطري
إذا أعوج القنا في حامليه ... وجاز إلى ضلوعهم الضلوعا
في حامليه يعني أهل الحرب الذين حملوا الرماح إلى الحرب وأراد بالإعوجاج الإنحناء وذلك أن الرمح إذا طعن به اعوج والتوى وجاز إلى ضلوعهم الضلوعا أي نفذ من هذه إلى هذه كأنه شق الضلع من الجانبي قال المتنبي وكنت قلت وأشبه في ضلوعهم الضلوعا ثم أنشدت بيتا لبعض المولدين يشبهه فرغبت عنه يعني بيت البتحري، في مأزقٍ ضنكٍ تخال به القنا، بين الضلوع إذا انحنين ضلوعا،
ونالت ثارها الأكباد منه ... فأولته اندقاقاً أو صدوعا
أن اندقت الرماح وتصدعت ي الأكباد لشدة الطعن وكأن الأكباد أدركت بذلك ثارا
فحد في ملتقى الخيلين عنه ... وإن كنت الجبعثنة الشجيعا
الجبعثنة من أوصاف الأسد ويروى الغضنفرة وهذا جواب قوله إذا اعوج القنا يقول إذا كان كذلك فحد عنه أي مقل وتباعد عنه وإن كنت شجاعا قوي القلب كالأسد وغلا هلكت
إن استجرأت ترمقه بعيداً ... فأنت اسطعت شيئا ما استطيعا
قال ابن جنى استجرأ الرجل بمعنى جرؤ أي صار جريئا يقول أن قدرت على النظر إليه في الحرب على البعد منه فقد قدرت على شيء لم يقدر عليه أحد وهو من قول أبي تمام، إما وقد عشت يوماً بعد رؤيته، فاذهب فإنك أنت الفارس النجد،
وإن ماريتني فاركب حصانا ... ومثله تخر له صريعا
يقول ن لاججتني فيما أقول فاركب فرسا وصوره في نفسك كأنك تحاربه فإنك إذا فعلت ذلك سقطت على الأرض صريعا لهيبته وخوفك منه
غمام ربما مطر انتقاما ... فأقحط ودقه البلد المريعا
يقول هو غمام ندى ولكن الغمام قد يكون فيه صواعق مهلكة واحجار برد كذلك هو ربما مطر نقمة على الأعداء فصير مره البلد المريع قحطا والمريع بمنى الممرع وهو المخصب
رآني بعد ما قطع المطايا ... تيممه وقطعت القطوعا

(1/75)


القطوع جميع القطع وهي الطنفسة تحت الرحل يقول رآني بعد ما طال سفري حتى قطع رواحلي قصدي إياه وقطعت الرواحل طنافسها يعني أبلتها بكثرة السير وطول المسافة
فصير سيله بلدي غديرا ... وصير خيره سنتي ربيعا
أي ملأني العطاء كما يملأ السيل غديرا وأصلح لي دهري حتى صار كالربيع وهو فصل الخصب والأمطار
وجاودني بأن يعطى وأحوى ... فاغرق نيله أخذي سريعا
جعل العطاء من الممدوح والأخذ منه مجاودة على معنى أن أخذي منه كالجود مني عليه يقول لم يلحق أخذي اعطاءه حتى اغرق أخذي أي كان هو في الإعطاء أسرع مني في الأخذ
أمنسيّ السكون وحضرموتاً ... ووالدتي وكندة والسبيعا
هذه أماكن بالكوفة سميت باسماء قبائل كانوا يسكنون هذه المحال يريد أن إحسانه ألهاه عن بلده وأهله وهذا من قول الراعي، رجاؤك أنساني تذكر إخوتي، ومالك أنساني بوهبين ماليا، وقال الطاءي، ومثل نداك أذهلني حبيب، وألبسني سلواً عن بلادي، ومثله لأبي الطيب، لولاك لم أترك البحيرة والغور دفىء وماؤها شبم،
قد استقصيت في سلب الأعادي ... فرج لهم من السلب الهجوما
يقول بالغت في سلب الأعداء فسلبتم كل شيء حتى النوم فرد ذلك النوم عليهم فإنهم لا يجدون النوم خوفا منك
إذا ما لم تسر جيشاً إليهم ... اسرت إلى قلوبهم الهلوعا
يقول إذا لم تغزهم بجيشك غزوتهم بالفزع فلا يزالون خائفين منك جزعين
رضوا بك كالرضى بالشيب قسراً ... وقد وخط النواصي والفروعا
أي صبروا على الذل لك كارهين كما يصبر الإنسان على الشيب إذا جلل رأسه
فلا عزل وأنت بلا سلاح ... لحاظك ما تكون به منيعا
العزل مصدر الأعزل وهو الذي لا سلاح معه ويقال منع الرجل يمنع مناعة فهو منيع يقول إذا كنت بلا سلاح قامت لحاظك ونظرك مقام السلاح لأنك إذا نظرت إلى عدوك قتلته هيبة لك فقامت لحاظك مقام سلاحك فصرت به منيعا والهاء ي به تعود إلى ما كأنه قال لحاظك الشيء الذي تكون به منيعا
لو استبدلت ذهنك من حسام ... قددت به المغافر والدروعا
يصفه بالذكاء وحدة الفطنة حتى لو أخذها بدلاً من الحسام لقطع به المغافر والدروع على الأعداء
لو استفرغت جهدك في قتال ... أتيت به على الدنيا جميعا
سموت بهمة تسمو فتسمو ... فما تلفي بمرتبةٍ قنوعا
قوله فتسموا يجوز أن يكون خطابا للممدوح أي كلما سمت همتك أزددت علوا ويجوز أن يكون خبرا عن الهمة يقول سموت بهمة وتلك الهمة تسمو بك أبدا فتسموا ولا تقنع بنيل مرتبة
وهبك سمحت حتى لا جواد ... فكيف علوت حتى لا رفيعا
يقول إحسب أن جودك محى اسم الجواد عن الناس فكيف محا ارتفاعك اسم الرفيع عن كل شيء والألف في رفيعا ليس بدلا من التنوين لأن لا تنصب النكرة بغير تنوين وقال أيضا يمدح عليّ بن إبراهيم التنوخي
أحق عافٍ بدمعك الهمم ... أحدث شيء عهداً بها القدم
يقول أولى دارس ذاهبٍ ببكائك الهمم التي درست وذهبت أي أنها أولى بالبكاء من الدمن والاطلال ثم ذكر قدم وجودها بالمصراع الثاني فقال لا عهد لأحد بالهمم لأن المحدثات تتأخر عن القدم وإذا كان القدم أحد الأشياء عهدا بها فلا عهد بها لأحد وهذا كما تقول احدث الناس عهدا بها آدم دل هذا على أنه لا عهد لأحد من الناس بها
وإنما الناس بالملوك وما ... تفلح عرب ملوكها عجم
أي الناس بالملوك يرتفعون وبخدمتهم ينالون الدرجة الرفيعة والعرب إذا ملكتهم العجم لا يفلحون لما بينهما من التباين والتنافر واختلاف الطبائع واللغة ثم بين هذا فقال
لا أدب عندهم ولا حسب ... ولا عهود لهم ولا ذمم
بكل أرضٍ وظئتها أمم ... ترعى بعبد كأنها غنم
يعني عبيد الخلفاء من الأتراك الذين كانوا يأمرون على الناس
يستخشن الخز حين يلمسه ... وكان يبرى بظفره القلم
إني وإن لمت حاسدي فما ... أنكر أنى عقوبة لهم
يقول إنهم معذورون في حسدي لأنهم معاقبون بتقدمي عليهم وظهور نقصانهم بزيادة فضلي
وكيف لا يحسد أمرء علم ... له على كل هامةٍ قدم

(1/76)


هذا تأكيد لبيان عذرهم في الحسد يقول لم لا يحسد من صار كالعلم وهو الجبل المنيف في كل فضل أي اشتهر وصار كالمشار إليه وعلا الناس كلهم فصار قدمه فوق الهامات يعني علت درجته درجاتهم وقد نظر في هذا إلى قول البحتري، واعذر حسودك فيما قد خصصت به، إن العلي حسن في مثلها الحسد،
يهابه أبسأ الرجال به ... وتتقي حد سيفه البهم
أبسأ الرجال آنسهم به وآلفهم له يقال بسأت بالشيء وبسئت به إذا أذهبت هيبته من قلبك يقول كيف لا يحسد من كان من الهيبة بحيث يهابه أنيسه ومن الشجاعة بحيث تتقيه الأبطال
كفاني الذم أنني رجل ... أكرم مال ملكته الكرم
يقول الذي أزال عني الذم أنى أبذل المال وأصون الكرم وجعل الكرم مالا لما كان يصونه ويبخل به بخل غيره بالمال وصيانة الكرم في بذل المال
يجني الغني للئام لو عقلوا ... ما ليس يجني عليهم العدم
غنى اللئيم لو علم يجني عليه ما لا يجنيه العدم لن العدم يقطع عنه الطمع ولا يظهر لومه لأنه لا يقصد في حاجة والغنى يظهر لؤمه لن الأطماع تتصل به ولؤمه يمنع من تحقيقها فيتوجه عليه الذم ومعنى يجني لهم يكسب لهم لن معنى الجناية في اللغة الكسب
هم لأموالهم ولسن لهم ... والعار يبقى والجرح يلتئم
يقول اللئام مملوكون لأموالهم لأنهم يتعبون في حفظها وجمعها ومنعها وهي كأنها تشير عليهم بأن يصونوها ولا يبذلوها فيطيعونها ولا يملكونها هم لأنهم ليست لهم قدرة على البذل لها ولا أن يكسبوا بها محمدةً في الدنيا أو أجرا ومثوبةً في العقبى فإذن هم للأموال وليست لهم بهذا يوصف اللئيم المكثر كما قال حاتم الطائي، إذا كان بعض المال ربا لأهله، فإني بحمد الله مالي معبد، وقال حطائط بن يعفر، ذريني أكن للمال ربا ولا يكن، لي المال ربا وتحمدي غبه غدا، وقال أبو نواس، أنت للمال إذا أمسكته، وإذا أنفقته فالمال لك، وقال أيضا أبو تمام، فلمالك العبد المذل إذا غدا، وهم لمالهم المصون عبيد، وقال أيضا المخزومي، إن رب المال آكله، وهو للبخال أكال، ثم ذكر إن العار أبقى من الجرح لأن جرح السيف يلتئم ولا يبقى بقاء جرح العار الذي لا يزول
من طلب المجد فليكن كعل ... يٍّ يهب الألف وهو يبتسم
ويطعن الخيل كل نافذةٍ ... ليس لها من وحائها ألم
يعني كل جراحة نافذة تنفذ في المطعون إلى الجانب الآخر ولا يتألم بها لسرعتها حتى يموت ولا ألم بعد الموت
ويعرف الأمر قبل موقعه ... فما له بعد فعله ندم
إنما يندم من لا يعرف العواقب وإذا عرف الأمر قبل موقعه لا يندم على فعله لأنه يعلم وجه الصواب فيه فيفعله على البصيرة والمعرفة الموقع هنا مصدر بمعنى الوقوع
والأمر والنهي والسلاهب وال ... بيض له والعبيد والحشم
السلاهب الخيل الطوال جمع السلهب والحسم اتباع الرجل الذيني غبون لغضبه يقول له هذه الأشياء لأنه ملك
والسطوات التي سمعت بها ... تكاد منها الجبال تنقصم
يقال سطا عليها إذا حمل عليه يقول تنهد الجبال وتنكسر من سطواته
يرعيك سمعاً فيه استماع إلى ال ... داعي وفيه عن الخنا صمم
يقال أرعني سمعك أي استمع مني ومعناه اجعل سمعك لكلامي بمنزلة الموضع الذي يرعى فيه ويتصرف يقول هو يسمع صوت من يدعوه ويستغيث به وهو كالاصم عن الفحش
يريك من خلقه غرائبه ... في مجده كيف تخلق النسم
النسم جمع النسمة وهي النفس والروح قال الشاعر، ما صور الله حين صورها، في سائر الناس مثلها نسمه، يقول خلقه الغرائب من المجد وإبداعه منه ما لم يسبق إلى مثله يعرفك ويصحح لك خلق الله عز وجل النسم لأن المخلوق إذا قدر على خلق شيء كل الخالق أولى أن يقدر
ملت إلى من يكاد بينكما ... إن كنتما السائلين ينقسم
يقول عدلت إلى زيارة من لو جئتما يا صاحبي تسألانه يكاد ينقسم بينكما فصار لكل واحد منكما نصفه إن سألتماه نفسه
من بعد ما صيغ من مواهبه ... لمن أحب الشنوف والخدم
يقول ملت إلى زيارته من بعد ما كثرت عطاياه عندي حتى صغت لمن أحبه القرطة والخلاخل من الذهب الذي أعطاني والمعنى أن عطاءه وصل إلى قبل زيارته
ما بذلت ما به يجود يد ... ولا تهدي لما يقول فم

(1/77)


ما بذلت يد ما يجود به ولا اهتدي فم لأن بما يقول أي أنه أجود وأفصح من كل أحد
بنو العفرني محطة الأسد ... الأسد ولكن رماحها الأجم
العفرني الأسد القوي والنون زائدة وأصله من العفر كأنه يعفر صيده لقوته ثم يقال للناقة القوية عفرناة ومنه قول الأعشى، بذات لموثٍ عفرناةٍ إذا عثرت، فالتعس أدنى لها من أن أقول لعا، ومحطة إسم جد الممدوح يقال أن المنصور ضرب عنقه على الإسلام فلم يسلم ومحطة بدل من العفرني والأسد صفة محطة والأسد خبر لابتداء يقول بنوه أسود إلا أن رماحهم لهم بدل الآجام للأسود كما قال عليّ بن جبلة، كأنهم والرماح شابكة، أسد عليها أظلت الأجم، وقال الطاءي، آساد موت محدرات ما لها، إلا الضوارم والقنا آجام، وقال أيضا، أسد العرين إذا ما الموت صبحها، أو صبحته ولكن غابها الأسل، ومحطة في موضع الخفض لأنه بدل من العفرني إلا أنه لا ينصرف وروى الخوارزمي محطة بكسر التاء وجعله من الحط بمعنى الوضع يقول هو يحط الأسد عن منزلته بشجاعته والأولى هي الصحيحة
قوم بلوغ الغلام عندهم ... طعن نحور الكماة لا الحلم
كأنما يولد الندى معهم ... لا صغر عاذر ولا هرم
أي هم مولودون مع الجود فلا صغر يعذرهم في البخل ولا هرم كما قال البحتري، عريقون في الإفضال يؤتنف الندى، لناشئهم من حيث يؤتنف العمر،
إذا تولوا عداوة كشفوا ... وإن تولو صنيعة كتموا
أي هم مولودون مع الجود فلا صغر يعذرهم في البخل ولا هرم كما قال البحتري، عريقون في الإفضال يؤتنف الندى، لناشئهم من حيث يؤتنف العمر،
إذا تولوا عداوة كشفوا ... وإن تولوا صنيعةً كتموا
يقوال إذا عادوا اظهروا العداوة لأنهم لا يخافون عدوا وإن اصطنعوا صنيعةً اخفوها وستروها
تظن من فقدك اعتدادهم ... أنهم أنعموا وما علموا
يريد لا يعتدون بصنيعتهم وأنعامهم فكأنهم لم يعلموا بذلك لتناسيهم وغفلتهم عنه كما قال الخزيمي، زاد معروفك عندي عظما، إنه عندك مستور حقير، تتناساه كأن لم تأته، وهو عند الناس مشهور كثير،
إن برقوا فالحتوف حاضرة ... أو نطقوا فالصواب والحكم
يقول إذا هددوا اعداءهم حضر هلاكهم وإن نطقوا تكلموا بما هو الصواب والحكمة
أو حلفوا في الغموس واجتهدوا ... فقولهم خاب سائلي القسم
الغموس اليمين التي تغمس الحانث فيها في الإثم يقول إذا حلفوا يمينا يخافون فيها الإثم عند الحنث حلفوا بخيبة سائلهم لأنها أعظم شيء عليهم
أو ركبوا الخيل غير مسرجة ... فإن أفخاذهم لها حزم
أو شهدوا الحرب لاقحا أخذوا ... من مهج الدارعين ما احتكموا
تشرق أعراضهم وأوجهم ... كأنها في نفوسهم شئم
يصفهم بنقاء الاعراض والوجوه والشئم
لولاك لم أترك البحيرة وال ... غور دفىء وماءها شبم
البحيرة بطبرية من الشام يقول لولاك لم أتركها وماءها بارد ولم آت بلدك الدفىء الحار والغور موضع منخفض بالشم وكل منخفض من أرض غور
والموج مثل الفحول مزبدة ... تهدر فيها وما بها قطم
شبه الموج في اضطرابها وما يسمع من صوتها بالفحول إذا هاجت واشتهت الضراب فرمت بالزبد من افواها ومعنى تهدر فيها أي تصيح في البحيرة هدير الفحول وما بها شهوة الضراب والموج جمع موجة
والطير فوق الحباب تحسبها ... فرسان بلق تخونها اللجم
الحباب طريق الماء عند اختلاف الأمواد وأراد فرسان خيل بلق وجعلها بلقا لأن زبد الماء أبيض وما ليس بزبد فهو إلى الخضرة وتخونها اللجم تنقطع أعنتها فهي تذهب حيث شاءت يريد تصرف الموج على غير مراد الطائر في كل وجهٍ وقال ابن جنى تخونها اللجم فهي تكبو يريد رفرفة الطير على الماء ثم انغماسها فيه وليس هذا بشي لأن الفرس إذا انقطع لجامه لم يكب وليست الرفرفة والانغماس مما ذكر في البيت وإنما بناهما على الكبو الذي ذكره
كأنها والرياح تضربها ... جيشا وغي هازم ومنهزم
شبه الطيور وهي تتبع بعضها بعضا على وجه الماء تضرب الرياح إياها بجيشين هازم ومنهزم فالهازم يتبع المهزوم
كأنها في نهارها قمر ... حف به من جنانها ظلم

(1/78)


حف به أي أحاط به وكان حقه إن يقول حفه كما روى في الحديث حفت الجنة بالمكاره وشبه الماء في صفائه وقد احاط به سواد الجنان وخضرتها بقمر احاط به ظلم وخص النهار لأن هذا الوصف لها بالنهار دون الليل
ناعمة الجسم لا عظام لها ... لها بنات وما لها رحم
ناعمة الجسم لأنها ماء وأراد ببناتها ما فيها من حيوان الماء
يبقر عنهن بطنها أبدا ... وما تشكى وما يسيل دم
لما جعلها ناعمة الجسم وجعل لها بناتٍ كنى عن استخراج سمكها وصيجها منها بالبقر وهو شق البطن
تغنت الطير في جوانبها ... وجادت الروض حولها الديم
فهي كماويةٍ مطوقةٍ ... جرد عنها غشاءها الأدم
الماوية المرآة وجعلها مطوقة لما حولها من سواد الجنان
يشينها جريها على بلد ... تشينه الأدعياء والقزم
القزم رذال الناس وسفلهم يقول عيب هذه البحيرة إنها في بلد أهله لئام خساس
أبا الحسين استمع فمدحكم ... في الفعل قبل الكلام منتظم
يقول فعلكم يمدحكم قبل أن ينظم في الشعر أي أنه بحسنه يثني عليكم ويروى في العقل يعني أن الناس عقلوا مدحكم قبل أن يتكلموا به
وقد توالى العهاد منه لكم ... وجادت المطرة التي تسم
العهاد الأمطار والمطرة التي تسم هي الوسمي تسم الأرض بالنبات شبه مدائحه فيهم بامطار تتابعت لهم لأنها تنبت لهم انعامهم عليه والتي تسم يعني بها هذه القصيدة
أعيذكم من صروف دهركم ... فإنه في الكرام متهم
يقول الزمان متهم في الكرام مولع بإفنائهم وإهلاكهم وأنا اسأل الله تعالى أن يحفظكم وقال يمدح المغيث بن علي العجلي
دمع جرى فقضي في الربع ما وجبا ... لهله وشفى أنى ولا كربا
يعني أنه بكى في اطلال الاحبة بدمع قضى ما وجب لهم وشفاه من وجده بهم ثم رع عن ذلك فقال أنى أي كيف قضى ذلك ولا يكرب أي ولا قارب ذلك ولا داناه يعني لم يقض الحق ولا شفي الوجد وذلك إنه أكثر البكاء فغلب على ظنه أنه بلغ قضاء حقهم ثم علم بعد أنه قاصر عن ذلك فرجع عما قال
عجنا فأذهب ما أبقى الفراق لنا ... من العقول وما رد الذي ذهبا
يوقل عطفنا على هذا الربع توقفنا لنزوره فأذهب ما كان بقي لنا من العقول بتجديده ذكر الاحبة ولم يردد ما كان ذهب من عقولنا عند الفراق
سقيته عبرات ظنها مطرا ... سوائلا من جفون ظنها سحبا
دار الملم لها طيف تهددني ... ليلاً فما صدقت عيني ولا كذبا
يقول الربع الذي ذكرته دار المرأة التي زارني لها طيف أوعدني ليلا فما صدقت عيني فيما رأت لأنها أرتني ما لم يكن حقيقة لأنه كان رؤيا ولا كذب الطيف في تهدده أياي لأنه وفي وبما أوعد به من القطيعة أي هجرني خيالها
ناءيته فدني أدنيته فنأي ... جمشته فنبا قبلته فأبي
ناءيته باعدته من المناءاة وهي المباعدة وروى ابن جنى نأيته أي بعدت عنه يقال نأيت زيدا ونأيت عن زيد قال، نأتك امامة نأيا طويلا، والتجميش كالمغازلة ونبا ارتفع وجفا وأبي استصعب وامتنع يقول كلما أردت من هذا الطيف شيئا قابلني بضده
هام الفؤاد بأعرابية سكنت ... بيتا من القلب لم تمدد له طنبا
قال ابن جنى يقول ملكت قلبي بلا كلفة ومشقة فكانت كمن سكن بيتا لم يتعب باقامته ولا مد اطنابه واحسن من هذا إن يقال اتخذت بيتا من قلبي فنزلته والقلب بيت بلا اطناب ولا اوتاد
مظلومة القد في تشبيهه غصنا ... مظلومة الريق في تشبيهه ضربا
يقول هي مظلومة القد إذا شبه بالغصن لأنه أحسن منه وهي مظلومة الريق إذا شبه بالعسل لأنه أحلى منه
بيضاء تطمع فيما تحت حلتها ... وعز ذلك مطلوبا إذا طلبا
يقول لأنسها وحسن حديثها تطمع فيما تحت ثوبها فإذا طلب ذلك عز مطلوبا وبعد كما قال عبيد الله بن الحسين العلوي، يحسبن من لين الحديث دوانيا، وبهن عن رفث الرجال نفار، وانتصب مطلوبا على الحال وقال ابن جنى على التمييز اراد من مطلوب
كأنها الشمس يعيى كف قابضه ... شعاعها ويراه الطرف مقتربا

(1/79)


شبهها بشعاع الشمس في قربه من الطرف وبعده من القبض عليه كما قال ابن عيينة، وقلت لأصحابي هي الشمس ضوءها، قريب ولكن في تناولها بعد، وقال الطرماح، هي الشمس لما أن تغب ليلها، وغارت فما تبدو لعين نجومها، تراها عيون الناظرين إذا بدت، قريباً ولا يسطيعها من يرومها، وقال بشار، أو كبدر السماء غير قريب، حين يوفى والضوء فيها اقتراب، وقال الآخر أيضا، هي الشمس مطلعها في السماء، فعز الفواد عزاء جميلا، فلن تستطيع إليها الصعود، ولن تستطيع إليك النزولا،
مرت بنا بين تربيها فقلت لها ... من أين جانس هذا الشادن العربا
فاستضحكت ثم قالت كالمغيث يرى ... ليث الشرى وهو من عجل إذا انتسبا
استضحك مثل ضحك كقولهم استعجب بمعنى عجب واستسخر بمعنى سخر ويروى استضحكت بضم التاء وليس بصحيح يقول كما إن المغيث يرى كأنه أسد وهو مع ذلك من عجل كذلك أنا أرى كالظبي وأنا عربية
جاءت بأشجع من يسمى وأسمح من ... أعطى وأبلغ من أملي ومن كتبا
يقول جاءت عجل من هذا الممدوح باشجع الناس واجردهم وأبلغهم ويجوز أن يكون المعنى جاءت المرأة لما ذكرته برجل هذا وصفه
لو حل خاطره في مقعد لمشى ... أو جاهل لصحى أو أخرس خطبا
يقول خاطره لتوقده وقوته لو كان في زمن لمشى أو في جاهل لصحا من جهله وصار عالما أو في أخرس قدر على النطق
إذا بدا حجبت عينيك هيبته ... وليس يحجبه ستر إذا احتجبا
يريد أنه شديد الهيبة إذا ظهر للراءين حجبت هيبته عيونهم عن النظر إليه كما قال الفرزدق، يغضى حياء ويغضى من مهابته، فما يكلم إلا حين يبتسم، وقال أيضا، وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم، خضع الرقاب نواكس الأبصار، وقال بعض العرب، تغضي العيون إذا تبدى هيبةً، وتنكس النظار لحظ الناظر، وقال أبو نواس، إن العيون حجبن عنك بهيبة، فإذا بدوت لهن نكس ناظر، وقوله ليس يحجبه ستر يريد أن نور وجهه يغلب الستور فيلوح من ورائها كما قال، أصبحت تأمر بالحجاب لخلوةٍ، هيهات لست على الحجاب بقادر، وذكر ابن جنى تأويلين آخرين أحدهما أن حجابه قريب لما فيه من التواضع فليس يقصر أحد اراده دونه وإن كان محتجبا والآخر أنه وإن احتجب فهو كلا محتجب لشدة تيقظه ومراعاته للأمور
بياض وجه يريك الشمس حالكة ... ودر لفظ يريك الدر مخشلبا
هذا البيت يدل على المعنى الأول فيما قبله والمخشلب هو الخرز المعروف وليست عربية ولكنه استعملها على ما جرت به العادة ويروى مشخلبا وهما لغتان للنبط فيما يشبه الدر من حجارة البحر وليس بدر والعرب تقول له الحضض والمعنى أن نوره يغلب نور الشمس حتى ترى كأنها سوداء ولفظه احسن من الدر
وسيف عزم ترد السيف هبته ... رطب الغرار من التامور مختضبا
هبته تحركه واهتزازه يقول إذا مضى عزمه خضب السيف من جم الأعداء والتامور دم القلب
عمر العدو إذا لاقاه في رهج ... أقل من عمر ما يحوى إذا وهبا
يقول إذا لقي عدوه في غبار الحرب قصر عمر حتى يكون أقل من بقاء المال عنده إذا أخذ في العطاء
توقه فإذا ما شئت تبلوه ... فكن معاديه أو كن له نشبا
أراد أن تبلوه فحذف أن وبقي عملها يقول إحذره ولا تحم حوله بالمعاداة فإن أردت اختباره فكن عدوه أو مالا له فترى ما يفعل بك من الإبادة والإفناء كما قال الآخر، تظلم المال والأعداء من يده، لا زال للمال والأعداء ظلاما،
تحلو مذاقته حتى إذا غضبا ... حالت فلو قطرت في الماء ما شربا
حالت تغيرت وجعل المذاقة مما يقطر إتساعا أي لو كانت مما يقطر فقطرت في الماء لم يشرب
وتغبط الأرض منها حيث حال به ... وتحسد الخيل منها أيها ركبا
الغبطة أحسن من الحسد وجعلها للأرض لأنها وإن كثرت بقاعها فهي كالمكان الواحد لاتصال بعضها ببعضٍ والخيل ليست كذلك لأنها متفرقة فاستعمل للأرض الغبطة وللخيل الحسد والهاء في به تعود إلى حيث حل وهو في موضع نصب لأنه مفعول تغبط وأيها منصوب بركب ومعنى البيت منقول من قول الطاءي، مضى طاهر الأثواب لم تبق بقعة، غدا ثوى إلا اشتهت أنها قبر،
ولا يرد بفيه كف سائله ... عن نفسه ويرد الجحفل اللجبا

(1/80)


الجحفل الجيش العظيم واللجب الذي فيه أصوات مختلطة يقول لا يرد بقوله وكلامه كف السائل ويرد الجيش العظيم والمعنى أنه جواد شجاع
وكلما لقي الدينار صاحبه ... في ملكه افترقا من قبل يصطحبا
أراد من قبل أن يصطحبا فأبقى عمل أن وهي محذوفة وأراد إذا التقيا تفرقا قبل الإصطحاب فهما يلتقيان مجتازين لا مصطحبين وهذا أبلغ من قول جؤية بن النضر، إنا إذا اجتمعت يوما دراهمنا، ظلت إلى سبل المعروف تصطحب، لأنه أثبت لها اجتماعا ومثل هذا قول الآخر، لا يألف الدرهم المصرور خرقتنا، لكن يمر عليها وهو منطلق، وقوله المصرور أي الذي من عادته أن يصر ويجوز أن ينصب الدينار والصاحب فيكون معناه كلما لقي الممدوح الدينار مصاحبا له
مال كأن غراب البين يرقبه ... فكلما قيل هذا مجتد نعبا
قال ابن جنى هذا معنى حسن يقول كما إن غراب البين لا يهدء من الصياح كذلك هذا لايفتر عن العطاء قال العروضي لعمري أن الذي قاله المتنبي لحسن ولكن تفسيره غير حسن ومن الذي قال أن الغراب لا يهدأ من الصياح ولكن معناه أن العرب تقول أن غراب البين إذا صاحب في ديار قومٍ تفرقوا فقال المتنبي كأن المجتدي إذا ظهر صاح هذا الغراب في ماله فتفرق وقال ابن فورجة فيما رد على ابن جنى يقول كان غراب البين يرقب ماله فكلما جاء مجتد نعب فيه فتفرق شمله انتهى كلامه وتلخيص المعنى أ،ه قال له مال كان رقيبه غراب البيت فإذا جاءه السائل فرق الممدوح ماله فكان الغراب نعب في ماله بالتفريق وما ذكره من رقبة الغراب نعيبه مثل وبيان لتفريقه المال عند مجيء السائل
بحر عجائبه لم تبق في سمر ... ولا عجائب بحر بعدها عجبا
يقول هو بحر وله عجائب كثيرة أعجب مما يذكر من عجائب الاسمار والبحار وتكل العجائب ليس بعجائب عند ما يذكر من عجائب الممدوح
لايقنع ابن عليٍّ نيل منزلةٍ ... يشكو محاولها التقصير والتعبا
لا يقنعه نيل هذه المنزلة العظيمة التي يشكو طالبها قصوره عنها مع تعبه في طلبها
هز اللواء بنو عجل به فغدا ... رأسا لهم وغدا كل لهم ذنبا
أي حركوا اللواء باسمه والمعنى جعلوه سيدهم فإذا حركوا رأيتهم حركوها باسمه فصار سيدهم وصاروا هم به سادة الناس
التاركين من الأشياء أهونها ... والراكبين من الأشياء من صعبا
نصب التاركين على المدح باضمار اذكر أو أعني أو أمدح والمعنى أنهم يتركون ما هان من الأمور وسهل وجوده وراموا ما صعب منها لبعد همتهم كما قال الطهوي، ولايرعون أكناف الهوينا، إذا حلوا ولا روض الهدون،
مبرقعي خيلهم بالبيض متخذي ... هام الكماة على أرماحهم عذبا
قال ابن جنى أي قد جعلوا مكان براقع خيلهم حديدا على وجوهها ليقيها الحديد أن يصل إليها قال أبو الفضل العروضي أمثل المتنبي يمدح قوما بأن يستروا وجوه خيلهم بحديدة وأي شرف ونجدة لفارس إن فعل ذلك وذلك معرض لكل فرس وكفل ومعناه أن سيوفهم مكان البراقع لخيلهم فلا يصل العدو إلى وجه فرسهم لأنهم يقونه بالقتل والرد وعنى بالبيض السيوف لا الحديد الذي أراد ونحو هذا قال ابن فورجة عني أن سيوفهم تحول دون جيادهم ومسها بطعن أو ضرب أما لمنازلتهم دونها أول حذقهم بالضرب فهي تجري مجرى البراقع لها هذا كلامه والمعنى أنهم يحمونها بالسيوف لا بالبراقع والتجافيف وقوله متخذي هام الكماة أي جعلوا رؤوس الكماة وشعورهم لأرماجهم بمنزلة العذب وهي المعلق بالرماح جعلت كالعلامة عليها ومثله ما ذكرت الرؤوس على الرماح قول جرير، كأن رؤوس القوم فوق رماحنا، غداة الوغا تيجان كسرى وقيصرا، وقول مسلم بن الوليد، يكسو السيوف نفوس الناكثين به، ويجعل الهام تيجان القنا الذبل، وقول الطاءي، أبدلت أرؤسهم يوم الكريهة من، قنا الظهور قنا الخطي مدعما، من كل ذي لمةٍ غطت ضفائرها، صدر القناة فقد كادت ترى علما،
إن المنية لو لاقتهم وقفت ... خرقاء تتهم الإقدام والهربا

(1/81)


خرقاء فزعة متحيرةً يقال خرق يخرق خرقا إذا لصق بالأرض من فزع قال ابن جنى تتهم الأقدام مخافة الهلاك والهرب مخافة العار قال ابن فورجة لا يتهم الهرب في العار فإن العار كله فيه ولكن يتهم الهرب في الإدراك أي تقدر أنها إن هربت أدركت ومثله لأبي تمام، من كل أروع يرتاع المنون له، إذا تجدر لا نكس ولا جحد، وله أيضا، شوس إذا خفقت عقاب لوائهم، ظلت قلوب الموت منها تخفق،
مراتب صعدت والفكر يتبعها ... فجاز وهو على آثارها الشهبا
أي لهم مراتب عالية علت في السماء فصارت أعلى من الكواكب لأن الفكر الذي يتبعها جاز الكواكب ولم يحلقها
محامد نزفت شعري ليملأها ... فآل ما امتلأت منه ولا نصبا
جعل اقتضاء المحامد نظمها بالشعر نزفا وجعل الشعر لكونه مقتضى منزوفا يقول لم تمتلأ هذه المحامد من عشري أي لم تبلغ الغاية التي تستحقها من شعري ولا شعري فنى فأنا أبدا امدحهم ويزيد هذه الجملة وضوحا أن يقول لهم محامد استخرجت شعري لينظم تلك المحامد كلها فلم تنحصر بالشعر ولم يفن الشعر يريد كثرة محامدهم وكثرة مدائحه لهم وجعل الشعر كالماء ينزف واستغراق محامدهم في الشعر كملئها بالماء ولما جعل الشعر كالماء جعل فناءه نضوبا
مكارم لك فت العالمين بها ... من يستطيع لأمرٍ فائتٍ طلبا
لما أقمت بأنطاكية اختلفت ... إلى بالخبر الركبان في حلبا
يقول لما اقمت بهذه البلدة اختلفت إلى ركبان العفاة الذين قصدوك وأنا في حلب فأتيتك وهو قوله
فسرت نحوك لا ألوي على أحد ... أحث راحلتي الفقر والأدبا
لا الوي على أحد لا أقيم عليه ولا أعرج ولي راحلتان الفقر والشعر أي هما حملاني إليك
أذاقني زمني بلوى شرقت بها ... لو ذاقها لبكى ما عاش وانتحبا
وإن عمرت جعلت الحرب والدة ... والسمهري أخا والمشرفي أبا
يقول أني إن عشت لازمت الحرب والسلاح أي لأدرك مطلوبي وكنى بهذه القرابات عن ملازمة هذه الأشياء
بكل أشعث يلقى الموت مبتسما ... حتى كأن له فيقتله أربا
يعني بكل رجل اشعث مغر من طول السفر ولقاء الحروب والمعنى ألازم الحرب بكل رجل هذه صفته ومثله للبحتري، متسرعين إلى الحتوف كأنها، وفر بأرض عدوهم يتنهب، ونقله من قول الطاءي، مسترسلين إلى الحتوف كأنما، بين الحتوف وبينهم أرحام، ومثله للطاءي، يستعذبون مناياهم البيت،
قحٍّ يكاد صهيل الخيل يقذفه ... عن سرجه مرحا بالعز أو طربا
القح الخالص من كل شيء وهو نعت اشعث وروى ابن جنى الجرد ويروى بالغعزو وهو اجود يقول إذا سمع صوت الخيل استخفه ذلك حتى يكاد يطرحه عن السرج لما يجد من النشاط والطرب
فالموت أعذر لي والصبر أجمل بي ... والبر أوسع والدنيا لمن غلبا
الموت أعذر لي من أن أعيش ذليلا فإذا قتلت في طلب المعالي قام الموت بعري والصبر أجمل بي لان الجزع عادة اللئام والبر أوسع لي من منزلي فإنا اسافر والدنيا لمن غلب وزاحم لا لمن لزم المنزل وقال يمدح المغيث بن عليّ بن بشر العجلي
فؤاد ما تسليه المدام ... وعمر مثل ما تهب اللئام
قال ابن فورجة يعني أن غرضي بعيد ورامي متعذر إذ لست كالناس أرضى بما يرضون به ويلهيني السكر ثم قال وعمر مثل ما تهب اللئام وهذا تأسف منه يقول لو كان العمر طويلا لرجوت أن أدرك أغراضي بطلو العمر ولكن العمر قصير ومدته قليلة فهو كهبة اللئام يسيرة حقيرة فما أخوفني أن لا أدرك طلبتي بقدر ما أرجوه من العمرانتهى كلامه وكأن هذا من قول الطاءي وكأن الأنامل اعتصرتها، بعد كدٍّ من ماء وجه البخيل،
ودهر ناسه ناس صغار ... ون كانت لهم جثث ضخام
يريد أنهم صغار القدر والهمم وإن كانوا ضخام الأجسام كما قال حسان، لا عيب بالقوم من طول ومن قصر، جسم البغال وأحلام العصافير، وقال العباس بن مرداس، فما عظم الرجال لهم بفخر، ولكن فخرهم كرم وخير،
ما أنا منهم بالعيش فيهم ... ولكن معدن الذهب الرغام،
يقول لست من هؤلاء الذين ذكرتهم وإن عشت فيما بينهم كالذهب الذي معدنه التراب ثم لا يكون بكونه فيه منه
أرانب غير أنهم ملوك ... مفتحة عيونهم نيام

(1/82)


المعهود في مثل هذا أن يقال هم ملوك إلا أنهم في طبع الأرانب لكنه عكس الكلام مبالغة فجلع الأرانب حقيقة لهم والملك مستعار فيهم يقول هم وإن انفتحت عيونهم نيام من حيث الغفلة كالأرانب تنام منفتحة العينين كما قال، وأنت إذا استيقظت يوما فنائم، وكما قال أبو تمام، أيقظت هاجعهم وقل يغنيهم، سهر النواظر والقلوب نيام،
بأجسام يحر القتل فيها ... وما أقرانها إلا الطعام
بأجسام أي مع أجسام يحر يشتد من قولهم حر يومنا يحر حرارةً يقول يقتلهم الطعام فيموتون بالتخمة من كثرة الأكل
وخيل لا يخر لها طعين ... كأن قنا فوارسها ثمام
خليلك أنت لا من قلت خلى ... وإن كثر التجمل والكلام
يقول ليس خليل خليلك إلا نفسك وليس من تقول هو خليلي خليلا لك وإن كثر تملقه ولأن قوله
ولو حيز الحفاظ بغير عقلٍ ... تجنب عنق صيقله الحسام
يقول لو ملك الحفاظ أي المحافظ على الحقوق ورعى الذمام من غير عقل لكان السيف يحافظ على حق الصيقل الذي صقله فلايقطع عنقه والمعنى أنهم لا عقل لهم فلذلك ليس لهم حفاظ
وشبه الشيء منجذب إليه ... وأشبهما بدنيانا الطغام
الطعام الأوغاد والغوغاء من الناس يقول الشيء يميل إلى شبه والدنيا خسيسة فلذلك ألفت الأخساس لأنهم اشكالها في اللؤم والخسة والشكل إلى الشكل أميل لا محالة
ولو لوم يعل إلا ذو محلٍ ... تعالى الجيش وانحظ القتام
يقول علوهم في الدنيا لا يدل على محلهم واستحقاقهم ولو كان كذلك لكان الغبار سافلا والجيش عاليا
ولو لم يرع إلا مسنحق ... لرتبته أسامهم المسام
يقال سامت الماشية إذا رعت وهي سائمة وأسامها صاحبها قال الله تعالى فيه تسيمون ويريد بالمسام ههنا الرعية والكناية في أسامهم تعود إلى قوله ملوك يقول رعيتهم أولى بالأمارة منهم لو كانت الأمارة بالاستحقاق وقال ابن فورجة المسام المال المرسل في مراعيه يقول هؤلاء شر من البهائم فلو ولى بالاستحقاق لكان الراعي لهم البهائم لأنها اشرف منهم واعقل
ومن خبر الغواني فالغواني ... ضياء في بواطنه ظلام
أي من جرب الغواني فالغواني ضياء في الظاهر ظلام في الباطن
ذا كان الشباب السكر والشي ... ب هما فالحيوة هي الحمام
يعني أن الحياة في الدنيا منغصة مكدرة لأن الشاب كالسكران في سكر شبيبته والشيب هم لضعف الإنسان عند الشيب واهتمامه لما فات من عمره فإذا الحياة موت بعينه
وما كل بمعذور ببخلٍ ... ولا كل على بخلٍ يلام
يقول ليس كل أحد يعذر إذا بخل لأن الواجد الغني لا عذر له في البخل والمنع وليس كل أحد يلام على البخل فإن المعسر المحتاج إلى ما في يده لا يلام في بخله ووجه آخر وهو أن الذي لا يعذر في بخله من ولدته والكرام والذي لا يلام على بخله من كان آباؤه لئاما بخلاء ولم يتعلم غير البخل ولم ير في آبائه الجود والكرم فيكون هذا من قول الطاءي، لكل من بني حواء عذر، ولا عذر لطاءي لئيم،
ولم أر مثل جيراني ومثلي ... لمثلي عند مثلهم مقام
يقول لم أر مثلهم في سوء الجواء وقلة المراعاة ولا مثلي في مصابرتهم مع فرط جفوتهم
بأرض ما اشتهيت رأيت فيها ... فليس يفوتها إلا الكرام
يقول كلما تطلب تجد في هذه الأرض إلا الكرام فإنهم غير موجودين فيها
فهلا كان نقص الأهل فيها ... وكان لأهلها منها التمام
يقول هلا كان نقص أهل الأرض في الأرض وتمامها في أهلها والمعنى ليت كمال الأرض كان لساكنيها ونقصانهم كان فيها
بها الجبلان من فخر وصخر ... أنافا ذا المغيث وذا اللكام
اللكام جبل معروف يقال له جبل الأبدال لأنهم كانوا يسكنونه والمصراع الثاني تفسير للجبلين وأنافا اشرفا وطالا
وليست من مواطنه ولكن ... يمر بها كما مر الغمام
إنما قال هذا لنه ذم أهل هذه الأرض فهو يقول ليست هذه البلدة موطنا له ولكنه يجتاز بها أحيانا اجتياز الغمام كما قال أبو تمام، إن حن نجدوأهلوه إليك فقد، مررت فيها مرور العارض الهاطل،
سقا الله ابن منجبةٍ سقاني ... بدر ما لراضعه فطام
يريد أنه ليس يقطع عنى بره
ومن إحدى فوائده العطايا ... ومن إحدى عطاياه الدوام
وقد خفى الزمان به علينا ... كسلك الدر يخفيه النظام

(1/83)


يعني أنه اغطى بمحاسنه مساوي الدهر ويجمل الزمان به تجمل السلك إذا نظم فيه الدر ومن روى بها عادة الكناية إلى العطايا والمعنى لبس الزمان من عطاياه ما لبس السلك من الدر
تلذ له المروة وهو تؤذى ... ومن يعشق يلذ له الغرام
المروة تؤذي صاحبها بما فيها من التكاليف وهي مع ما فيها لذيذة له كالعشق لذيذ مع ما فيه من النصب وقد قال أبو الطيب، والعشق كالمعشوق يعذب قربه، للمبتلي وينال من حوبائه،
تعلقها هوى قيس لليلى ... وواصلها وليس به سقام
يقول عشق المروة كما عشق قيس المجنون ليلى غير أنه واصل المروة فلم يورثه حبها سقما كما أورث عشق ليلى قيسا الجنون لما لم يجد إليها سبيلا
يروع ركانة ويذوب ظرفا ... فما يدري أشيخ أم غلام
يروع يفزع والركانة الوقار ورجل ركين وقور يعني أنه جمع بين وقار الشيوخ وظرافة الفتيان
وتملكه المسائل في نداه ... فأما في الجدال فما يرام
يريد أنه منقاد لسؤال من سأله جدل صعب لا يرام عند المسائل في الجدال والمعنى أن المسائل الواردة عليه من جهة السؤال تملكه حتى لا يمكنه رد مسألة منها بالخيبة فما المسائل في الجدال فإنه لا يطاق فيها
وقبض نواله شرف وعز ... وقبض نوال بعض القوم ذام
هذا كقول أمية، عطاؤك زين لامرء إن اصبته، بخير وما كل العطاء يزين، وليس بعار لامرء بذل وجهه، إليك كما بعض السؤال يشين،
أقامت في الرقاب له أيادٍ ... هي الأصواق والناس الحمام
الحمام عند العرب اسم لذوات الأطواق وهي توصف باللزوم لها لانها لا تفارقها يقول نعمه وأياديه لازمة لرقاب الناس كما تلزم الأطواق الحمام يعني أن الناس تحت مننه وأياديه وهذا كما قال السري، وطوقت قوما في الرقاب صنائعا، كأنهم منها الحمام المطوق،
إذا عد الكرام فتلك عجل ... كما الأنواء حين تعد عام
يقول إذا عد الكرام لم يتجاوز العد هذه القبيلة لبطلان من عداهم كما أن الأنواء من سقوط أولها إلى سقوط آخرها هي العام كذلك عجل هم الكرام والتقدير كما أن الأنواء عام حين تعد والمعنى من أراد أن يعد الكرام في الدنيا فليقل بنو عجل فإنهم يشملون جميع الكرام كما أن الأنواء بطلوعها وسقوطها تشتمل جميع العام وذلك إن لكل شهرٍ من شهور العام نوء فإذا عدت تلك الأنواء فهي عام تام
يقي جبهاتهم ما في ذراهم ... إذا بشفارها حمى اللطام
ما في ذراهم يعني السيوف لأنها تقلد في أعالي البدن يقول سيوفهم تحمى وجوههم إذا اشتدت الملاطمة بشفار السيوف وروى ابن جنى تقي جبهاتهم ما في ذراهم فقال أي يتلقون الحديد بوجوههم ليدفعوا عن حرمهم وقال وأضمر السيوف في شفارها وإن لم يجر لها ذكر والمعنى على هذه الرواية أنهم يذبون عمن استذرى بهم
ولو يممتهم في الحشر تجدو ... لأعطوك الذي صلوا وصاموا
تجدو تطلب جدواهم وهذا من قول بكر بن النطاح، ولو لم يجز في العمر قسم لمالك، وجاز له الإعطاء من حسناته، لجاد بها من غير شرك بربه، وأشركنا في صومه وصلوته، وقال أبو العتاهية، فمن لي بهذا البيت أنى اصبته، فقاسمته ما لي من الحسنات، ومثل هذا لمن اقتدى بأبي الطيب، ولو جاءه يوم القيامة سائل، تعرى له عن صومه وصلاته،
فإن حلموا فإن الخيل فيهم ... خفاف والرماح بها عرام
العرام الشراسة يقول أن كانوا حلماء ذوي وقار فإن خيلهم خفاف في العدو ورماحهم عارمة على الأعداء
وعندهم الجفان مكللات ... وشزر الطعن والضرب التوأم
مكللات جعل اللحم عليها كالإكاليل كما قال زياد بن منقد الهلالي، ترى الجفان من الشيزي مكللةً، والشزر ما أدير به عن الصدر التوأم جمع توأم على غير قياس أي الضرب المتدارك المتوالى والمعنى أنهم مطاعيم مطاعين
نصرعهم بأعيننا حياء ... وتنبو عن وجوههم السهام
يريد أنهم رقاق الوجه لفرط الحياء وإذا نظرنا إليهم صرعناهم أي قدرنا عليهم وعند الحرب تنبو السهام عن وجوههم
قبيل يحملون من المعالي ... كما حملت من الجسد العظام
يعني أن المعالي مشتملة عليهم اشتمال اللحم والجلد على العظام والمعنى أنهم للمعالي كالعظام للأجسام
قبيل أنت أنت وأنت منهم ... وجدك بشر الملك الهمام

(1/84)


اراد قبيل أنت منهم وأنت أنت في علو قدرك يعني إذا كنت أنت منهم وجدك بشر فكفاهم بذلك فخرا وقد أخر حرف العطف في قوله وأنت وهو قبيح جدا وهذا كما تقول قامت زيد وهند وأنت تريد قامت هند وزيد
لمن مال تمزقه العطايا ... ويشرك في رغايبه الأنام
ولا ندعوك صاحبه فترضى ... لأن بصحبة يجب الذمام
يقول لمن مال نراه عندك وعطاياك تفرقه والخلق كلهم شركاء في رغائبه وهيكل ما كان مرغوبا فيه وأنت لا ترضى أن تقول هو لك وندعوك صاحبه لن الصحبة توجب ذماماً وأنت لا ترعى له ذماما أي فلمن هذا المال هذا إذا كان البيتان مقترنين ويجوز أن ينفرد كل منهما بالمعنى فيكون معنى البيت الأول لمن مال هذه حاله يعني لا مال لأحد بهذه الصفة إلا لك وأراد لمن مال هذه حاله غير مالك فحذف لدلالة المعنى عليه ثم ينفرد معنى البيت الثاني ويروى فيرضي بالياء أن إذا دعوناك صاحبه المال بذلك رجاء أن يبقى معك لأجل الصحبة
تحايده كأنك سامري ... تصافحه يد فيها جذام
تحيد عن هذا المال كما يحيد هذا الرجل كان يقول لمن أراد مسه لا مساس عن يد فيها هذه العاهة وكان من حقه أن يقول كأنك السامري لأن هذا نسب له ليس باسم علم وهو في القرآن مذكور بالألف واللام إلا أن يريد واحدا من قبيلته أن كانت هذه العلة عامة فيهم
إذا ما العالمون عروك قالوا ... أفدانا أيها الحبر الإمام
يقال عراه واعتراه إذا أتاه ومنه قول النابغة، أتيتك عارياً خلقاً ثيابي، على خوف تظن بي الظنون، والحبر العالم يعني أن العلماء يستفيدون منك ويتعلمون
إذا ما المعلمون رأوك قالوا ... بهذا يعلم الجيش اللهام
اللهام الكثير الذي يلتهم كل من يستقبله والمعلم الذي يشهر نفسه في الحرب بعلامة يعرف بها أنه بطل يقال أعلم الرجل نفسه ومن روى بفتح اللام فهم الذين أعلموا بالعلامة يقول إذا رأوك الأبطال قالوا هذا علامة الجيش العظيم لأنه ليس فيهم أشهر منه ويجوز أن يكون يعلم من العمل أي بهذا يعرف الجيش أي أنه صاحب الجيش وفارس العسكر ومن روى يعلم بكسر اللام فمعناه الجيش يعلم أنفسهم بهذا الرجل ليعرف أنهم شجعان إذا كان هو فيما بينهم
لقد حسنت بك الأوقات حتى ... كأنك في فم الزمن ابتسام
يقول طابت الأيام بك وظهرت بشاشتها للناس حتى كأنه مبتسم بك والمعنى أنها كانت متجهمة عابسة فزال بك عبوسها فكأنك ابتسام لها وطلاقة كما قال الطاءي، ويضحك الدهر منهم عن غطارفةٍ، كأن أيامهم من إنسها جمع،
وأعطيت الذي لم يعط خلق ... عليك صلوة ربك والسلام
وقال يمدح أبا الفرج أحمد بن الحسين القاضي المالكي
لجنية أم غادة رفع السجف ... لوحشية لا ما لوحشية شنف
أراد ألجنية فحذف همزة الاستفهام والعرب إذا بالغت في مدح الشيء جعلته من الجن كقول الشاعر، جنية أولها جن يعلمها، رمى القلوب بقوس ما لها وتر، هذا في الحسن وكذلك في الشجاعة والحذق بالأشياء وفي كل شيء والغادة مثل الغيداء والسجف جانب الستر إذا كان بنصفين وقوله لوحشية يجوز أن يكون استفهاما كالأول ويجوز أن يكون جوابا لنفسه كأنه قال ليس لجنية ولا لغادة بل هو لوحشية أي لظبية وحشية ثم رجع منكرا على نفسه فقال لا ما لوحشية شنف يعني أن السجف الذي رفع إنما رفع لإنسية لأن عليها شنوفا والوحشية لا شنف عليها لها
نفور عرقتها نفرة فتجاذبت ... سوالفها والحلى والخصر الردف
أي هي نافرة طبعا وأصابتها نفرة حادثة فاجتمعت نفرتان فنفرت من رؤية الرجال أياها فتجاذبت سوالفها والحلى يعني أن الحلى الذي كان عليها جذب عنقها بثقله والعنق امسكه فحصل التجاذب وردفها يجذب خصرها لعظمه ودقة الخسر والسالفة صفحة العنق وجمعه سوالف
وخل منها مرطها فكأنما ... تثنى لنا خوط ولاحظنا خشف
وخيل من قوله تعالى يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى أي يرون ذلك كالخيال والمرط كساء من خز أو صوف يقو لمرطها يرينا ويمثل لنا صورتها كغصن بإن يتثنى وولد ظبي رنا وخص القامة واللحظ لأن المرط ستر محاسنها ولم يستر القد ولا اللحظ وروى ابن جنى وخبل والمخبل الذي قطعت يداه واراد أن مرطها ستر محاسنها فكأن ذلك خبل منه لها
زيادة شيب وهي نقص زيادتي ... وقوة عشق وهي من قوتي ضعف

(1/85)


يقول حالى زيادة شيب وهي في الحقيقة نقص زياة النفس وكلما قوى العشق ضعفت قوة البدن كما قال، وار في الدنيا بكل زيادة، وزيادتي فيها هو النقص، ومثله لأبي الطيب، متى ما أزددت من بعد التناهي، فقد وقع انتقاصي في ازديادي،
هراقت دمي من بي من الوجد ما بها ... من الوجد بي والشوق لي ولها حلف
يقول أراقت دمي بحبها المرأة التي أجد بها من الحب ما تجد بي والشوق لي ولها ملازم أي أنا أحبها كما تحبني واشتاق إليها كما تشتاق إلي
ومن كلما جردتها من ثيابها ... كساها ثياباً غيرها الشعر الوحف
أي لها من الشعر الكثيف الملتف ما يقوم لها في سترها إذا عريت من الثوب مقام الثوب
وقابلني رمانتا غصن بانة ... يميل به بدر ويمسكه حقف
يريد بالرمانتين ثدييها وبالغصن قدها وبالبدر وجهها وبالحقف ردفها والمعنى أنها قامت عند الوداع بحذائي فقابلني من ثدييها رمانتان على قدٍ كالغصن يميله وجه كالبدر يعني أنها إذا قصدت شيئا بوجهها مالت إليه نحو الوجه فكان وجهها يميل قامتها ثم يمسك الردف بثقله قامتها الخفيفة فلا تقدر على سرعة الحركة
أكيداً لنا يا بين واصلت وصلنا ... فلا دارنا تدنو ولا عيشنا يصفو
أردد ويلي لو قضي الويل حاجةً ... وأكثر لهفي لو شفي غلة لهف
ويل كلمة يقولها كل واقع في هلكة ولهف تحسر على ما فات والمعنى أني أكثر القول بهاتين الكلمتين لو نفع القول بهما وترد يدي أياهما وهذا على حكاية ما كان يقول
ضني في الهوى كالسم في الشهد كامنا ... لذذت به جهلا وفي اللذة الحتف
الضنا شبه الهزال من المرضى يقول في الهوى ضني مستتر كما يكمن السم في الشهد إذا مزج به واستلذذت الهوى جهلا بذلك الضني وحتفي في تلك اللذة
فأفنى وما أفنته نفسي كأنما ... أبو الفرج القاضي له دونها كهف
يقول أفنى الضني نفسي وما أفنيته كأن الممدوح كهف له دون نفسي فليست تقدر على إفنائه
قليل الكرى لو كانت البيض والقنا ... كآرائه ما أغنت البيض والزغف
هو قليل النوم لاشتغاله بالحكم بين الناس وما يكسبه من المجد والعلم نافذ الآراء لو كانت السيوف والرماح في نفاذ آرائه لما أغنت الدروع والبيض عن أصحابها شيئا
يقول مقام الجيش تقطيب وجهه ... ويستغرق الألفاظ من لفظه حرف
يقال قطب وجهه إذا جمع ما بين عينيه عبوسا يقول هو مهيب عند الكلوح فإذا نطق بحرف قام مقام الكلم الكثير لبلاغته بجمع المعاني الكثيرة في القليل من الكلام
وإن فقد الإعطاء حنت يمينه ... إليه حنين الإلف فارقه الإلف
يقول ألفت يمينه الإعطاء حتى لو لم يعط لحنت يمينه إلى الإعطاء كما يحن الإلف إلى الإلف إذا فارقه
أديب رست للعلم في أرض صدره ... جبال جبال الأرض في جنبها قف
القف الغليظ من الأرض لا يبلغ أن يكون جبلا واستعار لعلمه اسم الجبال لكثرة علمه وزيادته على علم الناس ولما استعار له اسم الجبال استعار لصدره الأرض لأن الجبال تكون على الأرض ثم فضلها على جبال الأرض فضل الجبال على القفاف
جواد سميت في الخير والشر كفه ... سموا أود الدهر أن اسمه كف
الدهر وعاء الخير والشر والعرب تنسب إليه ما يوجد فيه يقول لكفه الذكر العالي في كل خير لأوليائه لأنهما يصدران منه فالدهر يتمنى أنه يسمى كفا ليشارك كفه الذي هو مجمع الخير والشر في الأسم فيسمى الكف ولا يسمى الدهر إذ كفه اغلب فيهما من الدهر ومعنى أود الدهر حمله على أن يود
وأضحى وبين الناس في كل سيدٍ ... من الناس إلا في سيادته خلف
يفدونه حتى كأن دماءهم ... لجاري هواه في عروقهم تقفوا
أي من حبهم أياه يقولون له نفديك بأنفسنا فكان هواه جرى أولا في عروقهم قبل الدم ثم تبعده الدم
وقوفين في وقفين شكر ونائل ... فنائله وقف وشكرهم وقف
صب وقوفين على الحال منه ومن الناس والعامل فيه يفدونه كقولك رأيتك راكبين أي أنا راكب وأنت راكب ويريد بالوقوف الواقف وهو مصدر سمى به الواحد والجمع أراد الناس والممدوح فريقان واقفان في شيئين وقفين احدهما على الناس منه وهو العطاء والثاني على الممدوح من الناس وهو الثناء والمعنى أنه أبداً يعطى والناس أبدا يشكرونه

(1/86)


ولما فقدنا مثله دام كشفنا ... عليه فدام الفقد وانكشف الكشف
يقول لما فقدنا نظيره ومن يكون مثلا له دام كشفنا على حال الفقد عن مثل له يعني طلبنا ذلك لم نجد وهو قوله فدام الفقد والنكشف الكشف أي زال وبطل لأنا يئسنا عن وجود مثله ولم يفسر أحد هذا البيت تفسيرا شافيا كما فسرته وبينته ولو حيكت تخبط الناس في هذا البيت واقوالهم المرذولة والروايات الفاسدة طال الخطب
وما حارت الأوهام في عظم شانه ... بأكثر مما حار في حسنه الطرف
يقول الأوهام متحيرة في شأنه والطرف متحير في حسنه وجماله وليس تحير الأوهام أكثر من تحير الطرف
ولا نال من حساده الغيظ والأذى ... بأعظم مما نال من وفره العرف
يعني أن الحسد قد أثر فيهم وهزلهم ونقصهم كما نقص عطاؤه ماله وليس ذلك النقصان بأكثر من هذا
تفكره علم ومنطقة حكم ... وباطنه دين وظاهره ظرف
يقول إنما يتفكر ليعلم ويجتهد في المسائل الشرعية فإذا نطق نطق بالحكمة والحكم بين الناس فينطوي باطنه على دين الله ويظهر للناس الظرف ومكارم الأخلاق وقال ابن جنى هذه القصيدة من الضرب الأول من الطويل وعروض الطويل أبدا تجيء مقبوضة على مفاعلن إلا أن يصرع البيت ويكون ضربه مفاعلين أو فعولن فيتبع العروض الضرب وليس هذا البيت مصرعا وقد جاء بعروضه على مفاعلين وهو تخليط منه وأقرب منا يرف إليه هذا أن يقال أنه رد مفاعلن إلى أصلها وهي مفاعلين لضرورة الشعر كما أن للشاعر اظهار التضعيف وصرف ما لا ينصرف واجراء المعتل مجرى الصحيح وقصر الممدود وما يطول ذكره مما يرد فيه الأشياء إلى أصولها انتهاى كلامه ولو قال ومنطقه هدي أو تقي صح الوزن
أمات رياح اللؤم وهي عواصف ... ومغنى العلا يودي ورسم الندا يعفو
يقول سكن رياح اللؤم بعد شدة هبوبها ولما استعار للؤم رياحا استعار للعلي مغنى وللندى رسما حيث كانت الرياح تعفو الرسوم وتمحو المغاني والمعنى أن اللؤم كان يغلب العلي والجود فأذهب بكرمه قوة اللؤم وقوله ومغنى العلا يجو أن تكون الواو للحال فيكون يودي ويعفو يراد بهام الحال لا الاستقبال كأنه قال أمات رياح اللؤم وحال مغنى العلا أنه مودٍ وحال رسم الندى أنه عاف ويجوز أن تكون للاستئناف كأنه قال ومغنى العلا مما يودي بها ورسم الندى مما يعفو بها
فلم نر قبل ابن الحسين أصابعا ... إذا ما هطلن استحيت الديم الوطف
يقال هطلت السماء إذا اشتد انصبابا مائها والوطف جمع الوطفاء وهي السحابة المسترخية الجوانب لكثرة مائها ومنه قول امرء القيس، ديمة هطلاء فيها وطف،
ولا ساعيا في قلة المجد مدركا ... بأفعاله ما ليس يدركه الوصف
ولم نر شيئا يحمل العبء حمله ... ويتسصغر الدنيا ويحمله طرف
ولا جلس البحر المحيط لقاصد ... ومن تحته فرش ومن فوقه سقف
جعله كالبحر المحيط ف يالدنيا في كثرة عطاياه وغزارة نداه يقول لم يجلس قبله البحر لم يقصده ومن تحته فرش يقله ومن فوقه سقف يظله
فوا عجبا مني أحاول نعته ... وقد فنيت فيه القراطيس والصحف
ومن كثرة الأخبار عن مكرماته ... يمر له صنف ويأتي له صنف
يقول من كثرة ما يخبر عن مكارمه ويحدث عنها كلما مر منها نوع أتى نوع آخر فالصنف على هذا صنف من اخبار مكرماته ويجوز أن يكون الصنف من القصاد الذين يقصدونه ويأتونه أي لكثرة ما يسمعون من تلك الاخبار يمر صنف قد صدروا عنه ويأتي صنف يقصدونه ومعنى له لأجله
وفتر الاخبار ومعناه تسفر وتنجلي وأصله من الضحك إذا بدت له الأسنان شبه خصاله في حسنها وحلاوتها بثنايا معشوقٍ لا يمل مص ريقها
قصدتك والراجون قصدي إليهم ... كثير ولكن ليس كالذنب الأنف
جعل الممدوح كالأنف وغيره كالذنب يعني أنه يفضل غيره فضل الأنف على الذنب وهذا من قول الحطية، قو هم الأنف والاذناب غيرهم، ومن يسوى بأنف الناقة الذنبا، ويقال أنه مدح قوما كانوا ينبزون بأن الناقة فيكرهونه فما قال فيهم هذا فخروا بلقبهم
ولا الفضة البيضاء والتبر واحد ... نفوعان للمكدي وبينهما صرف
المكدي الفقير الذي لا خير عنده يقول ليس الذهب والفضة سواء وإن اجتمعا في المنفعة
ولست بدون يرتجي الغيث دونه ... ولا منتهى الجود الذي خلفه خلف

(1/87)


أي لست بقليل من الرجال ولا صغير المقدار يقال هذا رجل دون ورأيت رجلا دونا ومررت برجل دون يقول ليست خسيسا فيرتجى الغيث دونه ولا يرتجى أنت ليس وراءك للجود منتهى والمعنى أن الجود مقصور عليك لا يرتجى الجود دونك ولا يتجاوز عنك كما قال بعضهم، ما قصر الجود عنكم يا بني مطر، ولا تجاوزكم يا آل مسعود، يحل حيث حللتم لا يفارقكم، ما عاقب الدهر بين البيض والسود، وقال أشجع السلمي، فما خلفه لامرء مطمع، ولا دونه لامرء مقنع، وقال الطاءي، إليك تناهى المجد من كل وجهة، يصير فما يعدوك حيث تصير، وزاد أبو الطيب على هذا المعنى فأساء العبارة ورفع خلف لأنه جعله اسما لا ظرفا
ولا واحدا في ذا الورى من جماعة ... ولا البعض من كل ولكنك الضعف
يقول لست واحدا من جماعة الناس ولا بعضا من كلهم ولكنك ضعف جميعهم أي أنت تغني غناءهم وتزيد عليهم زيادة ضعف الشيء على الشيء
ولا الضعف حتى يتبع الضعف ضعفه ... ولا ضعف ضعف الضعف بل مثله ألف
يقول لست أيضا ضعف الورى حتى يكون ذلك الضعف ضعفين ثم تزيد على ذلك بأضعافٍ كثيرة حتى تبلغ الفا والمعنى أنك فوق الورى بكثير ونصب مثله لأنه نعت نكرة قدم عليها كما قال، لسلمى موحشا طلل، يلوح كأنه خلل،
أقاضينا هذا الذي أنت أهله ... غلطت ولا الثلثان هذا ولا النصف
يقول أنت أهل لما اثنيت به عليك ثم قال غلطت ليس هذا ثلثي ما أنت أهله ولا نصفه
وذنبي تقصيري وما جئت مادحا ... بذنبي ولكن جئت أسأل أن تعفو
يقول تقصيري في مدحك ذنب والذنب لا يمدح به ولكن يستعفي عنه وقال يمدح عليّ بن منصور الحاجب
بابي الشموس الجانحات غواربا ... اللابسات من الحرير جلاببا
كنى بالشموس عن النساء والجاناحات المائلات وكنى بالغروب عن بعدهن يريد أنهن ملن عنا للبعد وقال ابن جنى غوارب قد غبن في الخدور والأول أجود لأنه لما سماهن شموسا كنى عن بعدهن بالغروب لأن بعد الشمس عن العيون يكون بالغروب والجلباب الخمار
المنهبات قلوبنا وعقولنا ... وجناتهن الناهبات الناهبا
يقال انهبته الشيء إذا جعلته نهبا له يقول أنهبن وجوههن قلوبنا وعقولنا حتى نهبتها بحسنهن ثم وصف تلك الوجنات بأنها تنهب الناهب أي الرجل الشجاع المغوار ومن رفع وجناتهن فهي فاعلة المنهبات والمعنى اللاتي انهبت وجناتهن قلوبنا فيكون قد اقتصر على ذكر مفعول واحد
الناعمات القاتلات المحييا ... ت المبديات من الدلال غرائبا
الناعمات اللينات المفاصل القاتلات بهجرهن المحييات بوصلهن والدلال أن يثق الانسان بمحبة صاحبه فيجترىء عليه
حاولن تفديتي وخفن مراقبا ... فوضعن أيديهن فوق ترائبا
حاولن طلبن أن قلن لي نفديك بأنفسنا وخفن الرقيب فنقلن التفدية من القول إلى الإشارة أي أن انفسنا تفديك وهذا معنى قول ابن جنى أشرن إلى من بعيد ولم يجهرن بالسلام والتحية خوف الوشاة والرقباء جعل ابن جنى هذه الإشارة تحيةً وتسليما والأولى أن يكون على ما ذكرناه لذكره التفدية في البيت ولم يقل حاولن تسليمي ولأن الإشارة بالسلام لا تكون بوضع اليد على الصدر قال ابن فورجة وضع اليد على الصدر لا يكون إشارة بالسلام وإنما أراد وضعن أيديهن فوق ترائبهن تسكينا للقلوب من الوجيب وليس كما قال وصدر البيت ينقض ما قاله
وبسمن عن بردٍ خشيت أذيبه ... من حر أنفاسي فكنت الذائبا
يعني بالبرد اسنانهن التي تشبه في نقائها البرد والمعنى ذبت أسفا على فراقن بعد أن كنت أخشى الذوب على ثغورهن
يا حبذا المتحملون وحبذا ... وادٍ لثمت به الغزالة كاعبا
الغزالة من اسماء الشمس كنى بها عن الحبيبة أخبر أنها كانت كاعبا حين لثمها
كيف الرجاء من الخطوب تخلصا ... من بعد أن أنشبن في مخالبا
نص تخلصا بالمصدر ون كان فيه الألف واللام كما انشد سيبويه، ضعيف النكاية أعداء، يخال الفرار يراخي الأجل، وانشبن علقن
أوحدنني ووجدن حزنا واحداً ... متناهيا فجعلنه لي صاحبا
أي أفردنني ممن أحب يعني الخطوب وقرنني بالحزن الذي هو واحد الأحزان وهو حزن الفراق
ونصبنني غرض الرماة تصيبني ... محن أحد من السيوف مضاربا
أظمتني الدنيا فلما جئتها ... مستسقيا مطرت على مصائبا

(1/88)


أصله اظمأتني بالهمز فأبدل الهمزة ألفا ثم حذفها يريد شوقتني إلى الظفر بالمراد ومنعتني نيلها
وحييت من خوص الركاب بأسود ... من دراش فغدوت أمشي راكبا
الخوص جمع الخوصاء وهي الغائرة العين والدارش ضرب من السختيان ومعنى من خوص الركاب أي بدلا منها كقوله تعالى ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة أي بدلا منكم يقول أعطيت عوضا من الإبل خفا أسود فأنا راكب ماشٍ
حالا متى علم ابن منصور بها ... جاء الزمان إليّ منها تائبا
أي أشكو حالا وأذم حالا متى علم الممدوح بتلك الحال تاب الزمان منها إليّ لن الزمان يخافه وهو لا يرضى من الزمان اساءته إليّ ويجوز أن يكون المعنى أن الممدوح إذا علمها تلافاها بإحسانه فكان الزمان قد تاب نها فجعل إحسان الممدوح إليه توبةً من الزمان ومثله قول أبي تمام، كثرت خطاياه الدهر في وقد يرى، بنداك وهو إليّ منها تائب،
ملك سنان قناته وبنانه ... يتباريان دما وعرفا ساكبا
يقال سكبته سكبا فسكب سكوبا وهذا من قول البحتري، تلقاه يقطر سيفه وسنانه، وبنان راحته دما ونجيعا،
يستصغر الخطر الكبير لوفده ... ويظن دجلة ليس تكفي شاربا
الخطر الكبير يعني الشيء الخطير ذا الخطر الكبير ومثله قول الطاءي، فرأيت أكثر ما حبوت من اللهي، نزرا وأصغر ما شكرت جزيلا،
كرماً فلو حدثته عن نفسه ... بعظيم ما صنعت لظنك كاذبا
يعني كرم كرما أو يفعل ما ذكرت كرما ثم قال ولو حدثته بعظيم ما صنعه لكذبك استعظاما له وقد اساء في هذا لنه جعله يستعظم فعله وبضده يمدح وإنما يحسن أن يستعظم غيره ما فعل كما قال أبو تمام، تجاوز غايات العقول رغائب، تكاد بها لولا العيان تكذب، وقال البحتري، وحديث مجد عنك أفرط حسنه، حتى ظننا أنه موضوع،
سل عن شجاعته وزره مسالما ... وحذار ثم حذار منه محاربا
يقول سل عنها لتعرفها بالخبر ولا تتعرض لأن تعرفها بالمشاهدة والتجربة ثم رب لهذا مثلا فقال
فالموت تعرف بالصفات طباعه ... لم تلق خلقاً ذات موتا آئبا
يعني أن شجاعته كالموت إن عرف بالمشاهدة أهلك وإن اقتصر فيه على الصفة علم ولم يهلك
إن تلقه لا تلق غلا جحفلا ... أو قسطلا أو طاعنا أو ضاربا
يعني أنه لا ينفك عن هذه الأشياء وهذه الأحوال
أو هاربا أو طالبا أو راغبا ... أو راهبا أو هالكا أو نادبا
يجوز أن تكون هذه أحوال الناس معه فإذا لقيته لقيت هؤلاء أو بعضهم ويجوز أن تكون هذه أحوال الممدوح تلقاه هاربا من الدنايا وطالبا للعلي وراغبا في المكارم وراهبا من الله تعالى وهالكا بمعنى مهلكا كقول العجاج، ومهمة هالك من تعرجا، ونادبا من يبارزه من الندب
وإذا نظرت إلى الجبل رأيتها ... فوق السهول عواسلا وقواضبا
يعني عمت جنوده السهل والجبل فإذا نظرت إلى الجبال رأيتها رماحا وسيوفا
وإذا نظرت إلى السهول رأيتها ... تحت الجبال فوارسا وجنائبا
وعجاجة ترك الحديد سوادها ... زنجا تبسم أو قذالاً شائبا
شبه بريق الحديد في سواد العجاج بتبسم الزنج وشيب القذال
فكأنما كسى النهار بها دجى ... ليل وأطلعت الرماح كواكبا
يقول كان النهار ألبس بتلك العجاجة السوداء ظلمة ليل وكان الرماح اطلعت من اسنتها كواكب أو أطلعت هي كواكب في تلك الظلمة كما قال مسلم، في عسكر شرق الأرض الفضاء به، كالليل أنجمه القضبان والأسل،
قد عسكرت معها الرزايا عسكرا ... وتكتبت فيها الرجال كتائبا
يقال قد عسكر فلان أي جمع عسكرا وتكتبت تجمعت يقول المصائب قد جمعت عسكرا مع هذه العجاجة لتقع بأعداء الممدوح وصارت الرجال فيها كتائب بكثرتهم
أسد فرائسها الأسود يقودها ... أسد تصير له الأسود ثعالبا
في رتبة حجب الورى عن نيلها ... وعلا فسموه عليّ الحاجبا
أراد عليا الحاجب فاضطره الوزن إلى حذف التنوين فحذفه وسوغ له ذلك سكونه وسكون اللام في الحاجب كما أنشد النحويون، إذا عطيف السلمى فرا، ومثله كثير
ودعوه من فرط السخاء مبذرا ... ودعوه من غصب النفوس الغاصبا
هذا الذي أفنى النضار مواهبا ... وعداه قتلا والزمان تجاربا

(1/89)


يعني حصل له من التجربة ما يعرف به ما يأتي فيما يستقبل من الزمان فكأنه أفنى الزمان لنه لا يحدث عليه شيئا لا يعرفه
ومخيب العذال مما أملوا ... منه وليس يرد كفا خائبا
ذكر الكف وأراد العضو
هذا الذي أبصرت منه حاضرا ... مثل الذي أبصرت منه غائبا
حاضرا وغائبا حال للمخاطب أو للمتنبي إذا قلت ابصرت يعني أنه حضره أو غاب عنه يرى عطاءه حيثما كان وابن جنى يجعل الحاضر والغائب حالا للممدوح يقول حضر أو غاب فأمره في الشرف والكرم واحد وما بعد هذا البيت يدل على خلاف ما قاله وهو
كالبدر من حيث التفت رأيته ... يهدي إلى عينيك نوراً ثاقبا
أي حيثما كنت ترى عطاءه كما ترى ضوء البدر حيثما كنت من البلاد
كالبحر يقذف للقريب جواهراً ... جوداً ويبعث للبعيد سحائبا
كالشمس في كبد السماء وضوءها ... يغشى البلاد مشارقا ومغاربا
يريد عموم نفعه للبعيد والقريب وهذه الأبيات كقول الطاءي، قريب الندى نائي المحل كأنه، هلال قريب النور نائي منازله، ومثله للبحتري، كالبدر أفرط في العلو وضوءه، للعصبة السارين جد قريب، وقال العباس أيضا، نعمة كالشمس لما طلعت، ثبت الإشراق في كل بلد، وقال أيضا البحتري، عطاء كضوء الشمس عم فمغرب، يكون سواء في سناه ومشرق،
أمهجن الكرماء والمزري بهم ... وتروك كل كريم قوم عاتبا
أي تهجنهم لنقصنهم عن بلوغ كرمك وتتركهم عاتبين عليك لما يظهر من كرمك المزري بهم أو عاتبين على أنفسهم حيث لم يفعلوا ما فعلت وقد فسر هذا البيت بما بعده
شادوا مناقبهم وشدت مناقبا ... وجدت مناقبهم بهن مثاليا
أي لفضل مناقبك على مناقبهم صارت مناقبهم كالمثالب كما قال الطاءي، محاسن من مجد متى يقرنوا بها، محاسن اقوام تكن كالمعائب،
لبيك غيظ الحاسدين الراتبا ... إنا لنخبر من يديك عجائبا
اظهر الإجابة اشارة إلى أنه بنداه مناد والراتب المقيم الثابت يقول أنت غيظ لهم دائم
تدبير ذي حنك يفكر في غد ... وهجوم غر لا يخاف عواقبا
الحنك جمع حنكة وهي التجربة وجودة الرأي أي لك في الأمور تدبير مجرب يتفكر في العواقب وإذا هجمت هجمت هجوم الغر والمعنى أنه يفعل كلا في موضعه ونحو ذا قال الطاءي، ومجربون سقاهم من بأسه، فإذا لقوا فكأنهم أغمار، وقوله أيضا، كهل الأناة فتى الشداد إذا غدى، للحرب كان الماجد الغطريفا، وقال ايضا البحتري، ملك له في كل يوم كريهة، إقدام غر واعتزام مجرب،
وعطاء مال لو عداه طالب ... أنفقته في أن تلاقي طالبا
عداه تجاوزه يقول لو لم يأتك طالب انفقت مالك في لقاء طالب
خذ من ثناي عليك ما أسطيعه ... لا تلزمني في الثناء الواجبا
يقول سامحني في الثناء عليك فإني لست أقدر أن أثني عليك بقدر استحقاقك ثم ذكر عذره فقال
فلقد دهشت لما فعلت ودونه ... ما يدهش الملك الحفيظ الكاتبا
يقال دهش الرجل إذا تحير فهو مدهوش وأدهش غيره كما يقال حم الرجل وأحمه الله وزكم وأزكمه الله يقول لقد تحيرت في افعالك فلا أقدر أن أصفها وأثنى عليك بها وأقل من ذلك ما يدهش الملك الموكل بك لنه لم ير مثله من بنى آدم ولأنه لكثرته يعجز عن كتابته وقال يمدح عمر بن سليمان الشرابي وهو يومئذ يتولى الفداء بين الروم والعرب
نرى عظماً بالبين والصد أعظم ... ونتهم الواشين والدمع منهم
يقول نستعظم البين والصدود أعظم منه لان البين يقرب بقطع المسافة ومسافة الصدود لا يمكن تقريبها ونتهم الوشاة في إذاعة سرنا والجمع منهم لنه يفشى السر ويروى بالصد والبين أعظم لأنه يحتاج فيه إلى قطع مسافة والمعرض عنك يكون معك في البلد
ومن لبه مع غيره كيف حاله ... ومن سره في جفنه كيف يكتم
يعني قلبه أسير غيره وهو دائم البكاء فالدمع يظهر سره
ولما التقينا والنوى ورقيبنا ... غفولان عنا ظلت أبكى وتبسم
معناه أن الرقيب والبعد في غفلة عنا وقفت أبكى أسفا وهي تضحك هزأً وعجبا
فلم أر بدراً ضاحكا قبل وجهها ... ولم تر قبلي ميتاً يتكلم
ظلوم كمتنيها لصبٍ كخصرها ... ضعيف القوى من فعلها يتظلم

(1/90)


جعل نفسه في الدقة كخصرها وجعل ظلمها أياه كظلم متنيها لخصرها ثم وصف نفسه بضعف القوى والعادة جرت للشعراء بوصف الردف بالعظم والخصر بالهيف ولم يسمع ذكر سمن المتن وكثرة لحمه بل يصفون النصف الأعلى بالخفة والرشاقة وهو يقول متنها ممتلىء يظلم خصرها بتكليفه حمله والصحيح في هذا المعنى قول خالد بن يزيد الكاتب، صبا كئيباً يتشكى الهوى، كما اشتكى خصرك من ردفكا،
بفرع يعيد الليل والصبح نير ... ووجه يعيد الصبح والليل مظلم
فلو كان قلبي دارها كان خالياً ... ولكن جيش الشوق فيه عرمرم
أثاف بها ما بالفؤاد من الصلى ... ورسم كجسمي ناحل متهدم
أثاف جمع أثفيه وهي الحجر ينصب تحت القدر قال الأخفش واجمعت العرب على تخفيف أثاف والصلى والاصطلاء بالنار وإذا فتحت الصادر قصر وإذا كسرت مد والتقدير أثاف بها من الصلاء ما بالفواد يعني أن النار احرقتها وأثرت فيها كما أحرق الشوق والحب قلبي
بللت بها ردني والغيم مسعدي ... وعبرته صرف وهي عبرتي دم
يعني بكيت أنا والغيم في الدار وكان دمعي ودمعه صافيا
ولو لم يكن ما انهل في الخد من دمي ... لما كان محمراً يسيل فأسقم
يقول لو لم يكن دمعي دما ما كان احمر وما كنت هزلت وسقمت بعده
بنفسي الخيال الزائري بعد هجعةٍ ... وقولته لي بعدنا الغمض تطعم
الهجعة الرقدة يقول غيرني الخيال الزائر وقال كيف تلتذ بالنوم بعدي
سلام فلو لا البخل والخوف عنده ... لقلنا أبو حفص علينا المسلم
سلام من حكاية قولها أي قال لي الخيال معاتبا أتنام بعد مفارقتنا سلام أي عليك سلام ثم قال لو لا أنه بخيل جبان لقلت أنه الممدوح اجلالا له واستعظاما وقال ابن جنى لولا خوفي من مفارقته او معاتبته ولولا بخله لأنه لا حقيقة لزيارته واخطأ في تفسيرهما لأنه جعل الخوف للمتنبي وإن لا حقيقة لزيارته لايكون بخلا والمرأة توصف بالجبن والبخل ويقال أن هذين من شر أخلاق الرجال وهما من خير أخلاق النساء
محب الندى الصابي إلى بذل ماله ... صبوا كما يصبو المحب المتيم
وأقسم لولا أن في كل شعرة ... له ضيغما قلنا له أنت ضيغم
المعنى أنه يزيد على الأسد قوة وشجاعة بعدد شعر بدنه ولولا ذلك لقلنا أنه أسد ثم أكد هذا فقال
أننقصه من حظه وهو زائد ... ونبخسه والبخس شيء محرم
يعني أنه زاد على الأسد شجاعة ثم إن جعلناه كالأسد كنا قد نقصنا حظه لنه يستحق أكثر منه
يجل عن التشبيه لا الكف لجةٌ ... ولا هو ضرغام ولا الرأي مخذم
يقول هو أجل من أن يشبه كفه بالبحر وهو بالأسد ورأيه بالسيف
ولا جرحه يؤسى ولا غوره يرى ... ولا حده ينبو ولا يتثلم
عطف لا في قوله ولا في جرحه يؤسى على لا في البيت قبله في ظاهر اللفظ لا في المعنى لأنّ قوله لا الكف لجة يريد أن فيها ما في اللجة وزيادة عليه وكذلك ما بعده في هذا البيت وقوله ولا جرحه يؤسى ليس يريد أنه يؤسى ويزاد عليه فهو في هذا ينفي في اللفظ والمعنى جميعا وفيما قبل مثبت في المعنى ما نفاه لفظا والمعنى أن جرحه أوسع من أن يعالج لأنه لا يبرأ بالعلاج ولا يرى غور جرحه لعمقه ويجوز أن يكون المعنى ولا غور الممدوح يرى أي يعلم أي أنه بعيد الغور في الرأي والتدبير ولا يدرك غوره واستعار له حدا لمضائه ونفاذه في الأمور وجعل حده غير ناب ولا متثلما لحدته
ولا يبرم الأمر الذي هو حالل ... ولا يحلل الأمر الذي هو مبرم
أظهر التضعيف من حالل للضرورة كقول الراجز، يشكو الوجى من أظلل وأظللن
ولا يرمح الأذيال من جبرية ... ولا يخدم الدنيا وإياه تخدم
الجبرية الكبر يقول لا يختال في مشيته فيرمح ذيل ثوبه يقال للمختال أنه ليرمح الأذيال إذا طال ذيله ولم يرفعه وضربه برجله ومنه قول القحيف العقيلي، يقول لي المغني وهن عشية، بمكة يرمحن المهذبة السحلا،
ولا يشتهى يبقى وتفنى هباته ... ولا يسلم الأعداء منه ويسلم
يقول لا يحب أن يبقى ولا عطاء له أي إنما يحب البقاء ليعطي فإذا لم يكن له عطاء لم يحب البقاء ولا يحب أن يسلم في نفسه مع سلامة الأعداء منه أي أنه يحب أن يقتلهم وأن كان في ذلك هلاكه
ألذ من الصهباء بالماء ذكره ... وأحسن من يسر تلقاه معدم

(1/91)


أي ذكره على الألسنة الذ من الخمر مزجت بالماء وأحسن من اليسر عند المعدم
وأغرب من عنقاء في الطير شكله ... وأعوز من مسترفد منه يحرم
مثله في الناس أغرب من العنقاء في الضير وأشد إعوازا وأقل وجودا من سائل منه شيئا يحرمه ولا يعطيه أي فكما أن هذين لا يوجدان كذلك نظيره ومثله
وأكثر من بعد الأيادي أياديا ... من القطر بعد القطر والوبل مثجم
سنى العطايا لو رأى نوم عينه ... من اللوم آلى أنه لا يهوم
التهويم إختلاس أدنى النوم يقول لو كان النوم الذي لابد منه للإنسان لؤما حلف أنه لا ينام
ولو قال هاتوا درهما لم أجد به ... على أحد أعيى على الناس درهم
يعني أن جميع ما في أيدي الناس من الدراهم كلها من عطايا حتى لو طلب درهما ليس من عطائه لأعجز الناس وجوده
ولو ضر مرأ قبله ما يسره ... لأثر فيه بأسه والتكرم
يقول لو كان السرور يضر أحدا لكان قد ضره بأسه وكرمه
يروي يكأ لفرصاد في كل غارة ... يتامى م الأغماد بيضا ويؤتم
يعني بدم كالفرصاد وأراد باليتامى السيوف التي تفارق أغمادها فلا ترجع إليها وهي تؤتم الأولاد من الآباء بقتل الآباء ويروي تنضي وتؤتم بالتاء
إلى اليوم ما حط الفداء سروجه ... مذ الغزو سار مسرج الخيل ملجم
قالواأنه يتولى فداء الأسارى يقول هو مشتغل بعمله ما حط الفداء سروجه أي أنه يذهب إلى الروم ويفادي الأسارى وليس في هذا مدح وإنما المعنى أنه لا يقبل الفداء وإن لا يغزو وقوله مذ الغزو والغزو مبتدأ محذوف الخبر كأنه قال مذ الغزو واقع أو كائن وقوله سار خبر مبتدأ محذوف أي هو سار يعني الممدوح وما بعد هذا من الأبيات يدل على أن المعنى في الفداء ما ذكرنا
يشق بلاد الروم والنقع أبلق ... بأسيافه والجو بالنقع أدهم
إلى الملك الطاغي فكم من كتيبة ... تساير منه حتفها وهي تعلم
يقول كم كتيبة للروم عارضته في السير وهي تعلم أنه حتفها
ومن عاتق نصراتة برزت له ... أسيلة خد عن قليل ستلطم
يريد جارية عاتقا أي شابة بكرا والنصراتة تأنيث نصران برزت للممدوح أي خرجت عن سترها لأنها سبيت فهي تلطم وتهان وإن كانت حسنة الخد
صفوفا لليث في ليوث حصونها ... متون المذاكي والتوشيج المقوم
أي برزت صفوفا لأن عاتق ههنا في معنى جماعة كما تقول كم من رجل جاءني والمذاكي الخيل المسنة
تغيب المنايا عنهم وهو غائب ... وتقدم في ساحاتهم حين يقدم
إذا غاب عنهم لم يقتلهم فلم يموتوا فلم يموتوا وإن قدم إليهم أهلكهم فلذلك يقدم الموت معه
أجدك ما ينفك علن تفكه ... عم بن سليمان ومال تقسم
نصب أجدك على المصدر كأنه قال أتجد جدك ومعناه أبجد هذا منك هذا أصله ثم صار إفتتاحا للكلام وعم ترخيم عمر وهو لحن لأن الاسم الثلاثي لا يجوز ترخيمه لأنه على أقل الأصول عددا فترخيمه أجحاف به وإنما يجيزه الكوفيون ويروي ما تنفك بالتاء على الخطاب ومالا نصبا
مكافيك من أوليت دين رسوله ... يدا لا تؤدي شكرها اليد والفم
أي أرفق بنفسك فأنك تبذلها في الغزو فإن كنت لا ترحمها فإن الناس يرحمونك
محلك مقصود وشانيك مفحم ... ومثلك مفقود ونيلك خضرم
المفحم الساكت الذي لا يقدر على النطق يقول عدوك لا ينطق فيك بالعيب لأنه لا يجد لك عيبا يعيبك به والخضرم الكثير
وزارك بي دون الملوك تحرج ... إذا عن بحر لم يجز لي التيمم
يقولتحرجيعن قصد غيرك من الملوك حملني على زيارتك تم ضرب له المثل بالبحر ولغيره بالتراب ولا يجوز استعمال التراب عند وجود الماء كما قال الطاءي، لبست سواه أقواما فكانوا، كما أغنى التيم بالصعيد،
فعش لو فدى المملوك ربا بنفسه ... من الموت لم تفقد وفي الأرض مسلم
يقول لو قبل المملوك فداء عن مالكه ما فقدت وواحد من المسلمين حيٌّ أي أنهم كلهم مملوكون لك يغدونك بأنفسهم لو قبلوا منك فداء وهم مملوكون لك وقال يمدح عبد الواحد بن العباس بن أبي الأصبع الكاتب
أركائب الأحباب إن الأدمعا ... تطس الخدرد كما تطسن اليرمعا
الركائب جمع الركوب وهي ما يركب وتطس تدق والوطس الدق واليرمع حجارة رخوة

(1/92)


فاعرفن من حملت عليكن النوى ... وأمشين هوناً في الأزمة خضعا
أي أعرفن قدرها ولينها وقلة صبرها على احتمال الأنى حتى تمشين بها رويدا خضعا حتى لا تتأذى بسيركن وهذا كأنه تأديب للمطايا
قد كان يمنعني الحياء من البكا ... فاليوم يمنعه البكا أن يمنعا
أي كان الحياء غالبا للبكاء واليوم غلب البكاء الحياء
حتى كأن لكل عظم رنة ... في جلده ولكل عرقٍ مدمعا
يعني غلب البكاء حتى صارت حالتي بهذه الصفة والرنة فعلة من الرنين وهو صوت الباكي أي لكثرة رنيني كان كل عظم مني يرن رنينا ولكثرة بكاءي كان كل عرق لي يبكي
وكفى بمن فضح الجداية فاضحا ... لمحبه وبمصرعي ذا مصرعا
الجداية ولد الظبي يقول من فضح الجداية بحسنه كفى فاضحا لمن يحبه وكفى بمصرعي في حبه مصرعا يريد أنه غاية في الحسن وهو غاية في عشقه وحبه
سفرت وبرقعها الفراق بصفرة ... سترت محاجرها ولم تك برقعا
يقول سفرت عن وجهها للوداع وقد البسها وجد الفراق صفرة كأنها برقع يستر محاجرها وهي ما حول العين ولم تكن برقعا حقيقةً والمعنى أنها جزعت بسمطي لؤلؤ قد رصعا يقول كأن صفرتها والجمع فوقها ذهب مرصع باللآلىء
كشفت ثلاث ذوائب من شعرها ... في ليلة فأرت ليالي أربعا
يقول صارت الليلة بذوائبها الثلاث أربع ليالٍ لأن كل ذؤابة منها كأنها ليلة لسوادها
واستقبلت قمر السماء بوجهها ... فأرتني القمرين في وقت معا
يجوز أن يريد بالقمرين القمر والشمس وهي وجهها وجعل وجهها شمسا في الحسن والضياء ويجوز أن يشبه وجهها بالقمر فهما قمران في وقت واحد وهذا كقول الآخر، وإذا الغزالة في السماء ترفعت، وبدا النهار لوقته يترحل، أبدت لوجه الشمس وجهاً مثلها، تلقى السماء بمثل ما تستقبل،
ردي الوصال سقى طلولك عارض ... لو كان وصلك مثله ما أقشعا
يريد سحابا يدوم ولا يتفرق يقول فلو كان وصلك مثله كان دائما لا ينقطع
زجل يريك الجو ناراً والملا ... كالبحر والتلعات روضاً ممرعا
زجل يسمع له زجل وهو الصوت يعني صوت الرعد ويملأ الجو ببرقه حتى يرى نارا ويملأ المتسع من الأرض ماء حتى يرى كالبحر ويمرع التلاع بمائه حتى تصير كالروض وهي مجاري الماء إلى الوادي
كبنان عبد الواحد الغدق الذي ... أروى وآمن من يشاء وأجزعا
الغدق الكثير الماء يشبه ذلك السحاب الذي وصفه ببنان الممدوح الكثير الندى
ألف المروة مذ نشا فكأنه ... سقى اللبان بها صبيا مرضعا
اللبان جمع لبن أي كأنه إذا بالمروة صغيرا وهذا من قول الطاءي، لبس الشجاعة إنها كانت له، قدما نشوء في الصبا وولودا،
نظمت مواهبه عليه تمائما ... فاعتادها فإذا سقطن تفزعا
من روى نظمت بضم النون فالمعنى أن هباته وما فعله من الأعطاء جعلت له بمنزلة التمائم التي تعلق على من خاف شيئا فإذا سقطت عنه عاد الخوف أي أنه ألف الأعطاء واعتاده حتى لو ترك ذلك كان بمنزلة من سقطت تمائمه ومن روى بفتح النون فقال ابن فورجة إنما يعني ما حصلت له المواهب من الحمد والأشعار وأدعية الفقراء فهو إذا لم يسمع ما تعود أنكر ذلك وكان كمن ألقى تميمته فيفزع
ترك الصنائع كالقواطع بارقا ... تٍ والمعالي كالعوالي شرعا
أي جعل نعمه وأياديه مشرقة لامعة معاليه منتصبة مرتفعة
متبسما لعفاته عن واضح ... تغشى لوامعه البروق اللمعا
يقول يتبسم للسائلين عن ثغر واضح يذهب لمعانه ضوء البرق
متكشفا لعداته عن سطوة ... لو حك منكبها السماء لزعزعا
يقال كشفته فتكشف المعنى أنه يظهر للاعداء سطوة لو زاحم منكبها السماء لحركتها أي أنه يجاهر الأعداء قدرةً عليهم ولا يكاتمهم العداوة فاستعار لسطوته منكبا لما جعلها تزاحم السماء لأن الزحام يكون بالمناكب
الحازم اليقظ الأعز العالم ال ... فطن الألد الأريجى الأروعا
الحازم ذو الحزم في أموره واليقظ الكثير التيقظ وهو الذي لا يغفل عن أموره والألد شديد الخصومة والأريحي الذي يرتاح للمعروف والكرم أي يهتز لهما ويتحرك والأروع الذي يروعك بجماله
الكاتب اللبق الخطيب الواهب ال ... ندس اللبيب الهبرزي المصقعا

(1/93)