صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : زهر الأكم في الأمثال و الحكم
المؤلف : اليوسي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

ومن تفكر في الدنيا ومهجته ... أقامه الفكر بين العجز والتعبِ
و قال أيضاً:
ومن ركب الثور بعد الجواد ... أنكر أظلافه والغبب
و قال:
ويستنصران الذي يعبدان ... و عندهما أنه قد صلب
ويدفع ما ناله عنهما ... فيا للرجال لهذا العجب
و قال أيضاً:
لأي صروف الدهر فيه نعاتبُ ... و أي رزاياه بوترٍ نطالبُ؟
و قال أيضاً:
فالموت أعذر لي والصبر أجمل بي ... و البر أوسع والدنيا لمن غلبا
و قوله: والدنيا لمن غلبا هو مثل مشهور ووقع في قول الآخر: والملك بعد أبي ليلى لمن غلبا. وأنشد أبن الخطيب لبعض الأعراب:
من كان أبصر شيئا أو رأى عجبا ... فإنني عشت دهرا لا أرى عجبا
الناس كالناس والأيام واحدٌ ... و الهر كالهر والدنيا لمن غلبا
فلا أدري لأوارده فيه أبو الطيب أم أخذه منه وهو في بيت الأعرابي أقعد وبسياقه أنسب. وتمام البيت المذكور ما أنشده المصعب الزبيري في أنساب قريش لبعض الشعراء في معاوية بن يزيد وهو:
إني أرى فتنة تغلي مراجلها ... فالملك بعد أبي ليلى لمن غلبا
و أراد بابي ليلى معاوية بن يزيد المذكور وفيه يقول عبد الله بن همام السلولي:
تلقفها يزيد عن أبيه ... فخذها يا معاوية عن يزيدا
فإنَ دنياكم لكم اطمأنت ... فأولوا أهلها خلقا سديدا
و قال أيضاً:
أظمتني الدنيا فلما جئتها ... مستسقياً مطرت عليَّ مصائبا
و قال في وصف علي بن المنصور:
كالبدر من حيث التفت وجته ... يهدي إلى عينيك نوراً ثاقبا
كالبحر يقذف للقريب جواهراً ... جودا ويبعث للبعيد سحائبا
كالشمس في كبد السماء وضوءها ... يغشى البلاد مشارقاً ومغاربا
و قال أيضاً:
ليس بالمنكر إن برزت سبقاً ... غير مدفوعٍ عن السيف الغرابُ
و قال أيضاً:
إذا لم تكن نفس النسيب كأصله ... فماذا الذي تغني كرام المناصب؟
وما قريب أشباه قومٍ أباعدٍ ... و لا بعدت أشباه قومٍ أقاربِ
إذا علوي لم يكن مثل طاهر ... فما هو إلاّ حجةٌ للنواصبِ
و قال أيضاً:
ما أوجه الحضر المستحسنات به ... كأوجه البدويات الرعابيب
حسن الحضارة مجلوب بتطرية ... و في البداوة حسن غير مجلوب
و قال:
أفدى ظباء فلاة ما عرفن بها ... مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب
ولا برزن من الحمام مائلة ... أوراكهن صقيلات العراقيب
و قال:
فما الحادثة من حلم بمانعة ... قد يوجد الحلم في الشبان والشيب
و قال أيضاً:
وكم لظلام الليل عندك من يد ... تخبر إنَّ المانوية تكذب
وقاك ردى الأعداء تسري إليهم ... وزارك فيه ذو الدلال المحجب
و قال:
وما الخيل إلاّ كل الصديق قليلة ... و إنَّ كثرت في عين من لا يجرب
إذا لم تشاهد غير حسن شياتها ... و أعضائها فالحسن عندك مغيب
لحا الله ذي الدنيا منخا لراكب ... فكل بعيد الهم فيها معذب
إلاّ ليت شعري هل أقول قصيدة ... فلا اشتكي فيها ولا اتعب
و قال يخاطب كافورا:
وهبت على مقدار كفي زماننا ... و نفسي على مقدار كفيك تطلب
و قال:
يضاحك في ذا العيد كل حبيبه ... حذائي وابكي من احب واندب
احن إلى أهلي وأهوى لقائهم ... و أين من المشتاق عنقاء مغرب
و قال:
كل امرئ يولي الجميل محبب ... و كل مكان ينبت العز طيب
و قال:
واظلم أهل الظلم من بات حاسدا ... لمن بات في نعمائه يتقلب
قال صاحب الرسالة الحكيمة وهو قول ارسطوطاليس: اقبح الظلم حسدك لعبدك ومن تنعم عليه. قلت: وهو غلط. إنَّ كانت رواية هذه الحكمة هكذا فإنَ أبا الطيب إنّما أراد عكسها وهو إنَّ اقبح الظلم إنَّ يحسدك من تنعم عليه وتحسن إليه بدليل سياق كلامه.
وقال:
وقد يترك النفس التي لا تهابه ... و يحترم النفس التي تتهيب
و قال أيضاً:
وما العشق إلاّ غرة وطماعة ... يعرض كل نفس فتصاب
و قال:
اعز مكان في الدنيا سرج سابح ... و خير جليس في الزمان كتاب
و قال يخاطب كافورا:

(1/97)


وهل نافعي إنَّ ترفع الحجب بيننا ... و دون الذي أملت منك حجاب
و قال:
وفي نفسي حاجات وفيك فطانة ... سكوتي جواب عندها وخطاب
وما أنا بالباغي على الحب رشوة ... ضعيف هوى يبغي عليه ثواب
و قال يخاطبه:
إذا نلت منك الود فالمال هين ... و كل الذي فوق التراب تراب
و ينشد العارفون رضوان الله عليهم والخطاب للملك الحق هكذا:
فليتك تحلو والحياة مريرة ... و ليتك ترضى والأنام غضاب
وليت الذي بيني وبينك عامر ... و بيني وبين العالمين خراب
إذا صح منك الود فالكل هين ... و كل الذي فوق التراب تراب
و اذكرني هذا المعنى حكاية عن الأصمعي قال: بينما أنا أسير في طريق اليمن إذا أنا بغلام واقف في الطريق في اذنيه قراط في كل جوهرة يضيء وجهه من ضوء الجوهرة وهو ربه بأبيات من الشعر وهي:
يا فاطر الخلق البديع وكافلا ... رزق جميع سحاب جودك هاطل
يا مسبغ البر الجزيل ومسبل ... الستر الجميل عميم طولك طائل
يا عالم السر الخفي ومنجز ... الوعد الوفي قصاء حكمك عادل
عظمت صفاتك يا عظيم فجل إنَّ ... يحصى الثناء عليك فيها قائل
الذنب أنت له بمنكب غافر ... و لتوبة العاصي بحلمك قابل
تعصيه وهو يسوق نحوك دائما ... مالا تكون لبعضه تستأهل
متصدق أبداً وأنت لجوده ... بقبائح العصيان منك تقابل
وإذا دجى ليل الخطوب وأظلمت ... سبل الخلاص وخاب فيه الأمل
وايست من وجه النجاة فما لها ... سبب وما يدنو بها متناول
يأتيك من الطافه الفرج الذي ... لم تحتسبه وأنت عنه غافل
يا موجد الأشياء من القي إلى ... أبواب غيرك فهو غر جاهل
ومن استراح بغير ذكرك أو رجا ... أحدا سواك فذاك ظل زائل
رأي يلم إذا عرته ملمة ... بسوى جنابك فهو رأي فائل
عمل أريد به سواك فأنه ... عمل وإن زعم المرائي باطل
وإذا رضيت فكل شيء هين ... و إذا حصلت فكل شيء حاصل
أنا عبد سوء ابق كل على ... مولاه أوزار الكبائر حامل
قد أثقلت ظهري الذنوب وسودت ... صحفي العيوب وستر عفوك شامل
ها قد أتيتك حسن ظني شافع ... و وسائلي ندم ودمع سائل
فأغفر لعبدك ما مضى وارزقه تو ... فيقا لمّا ترضى ففضلك كامل
فافعل به ما أنت أهل جميله ... و الظن كل الظن انك فاعل
قال: فدنوت منه وسلمت عليه فقال: ما أنا براد عليك حتى تؤدي من حقي الذي يجب عليك. قلت: وما حقك؟ قال: أنا غلام على دين إبراهيم الخليل عليه السلام لا أتغدى كل يوم ولا أتعشى حتى أسير الميل والميلين في طلب الضيف. فأجبته فرحب بي وسرت معه حتى وافينا الخيمة فصاح: يا أختاه فأجابته جارية من الخيمة: يا لبيكاه! فقال: قومي إلى ضيفنا فقالت الجارية: حتى ابدأ بشكر المولى الذي ساقه إلينا. فصليت ركعتين لله تعالى. قال: فأدخلني الشاب الخيمة وأجلسني وأخذ شفرة فقام إلى عناق فذبحها. قال: فلما جلست في الخيمة نظرت إلى الجارية فإذا هي احسن الناس وجها. فكنت اسارقها النظر ثم فطنت لي فقالت لي: مم! أنا علمت انه نقل عن صاحب طيبة عليه الصلاة والسلام إنّه قال: زنى العينين النظر. أما إني ما أردت بهذا إنَّ أوبخك ولكني أردت أن أؤدبك لئلا تعود إلى مثل هذا. فلما كان النوم بت أنا والغلام خارج الخيمة وباتت الجارية داخلها. فكنت اسمع دوي القرآن إلى السحر بأحسن صوت وارقه. ثم سمعت أبيات من الشعر بأعذب لفظ وأشجى نغمة وهي:
أبى الحب أن يخفى وكم قد كتمته ... فأصبح عندي قد أناخ وطنبا
إذا اشتد شوقي هام قلبي بذكره ... و إن رمت قربا من حبيبي تقربا
ويبدو فأفنى ثم أحيا به له ... و يسعدني حتى ألذ واطربا
فلما أصبحت قلت للغلام: صوت من سمعت؟ قال صوت أختي وذلك دأبها كل ليلة. فقلت: أنت أحق بهذا منها إذ أنت رجل وهي امرأة. فتبسم ثم قال: أما علمت إنّه موفق ومخذول ومقرب ومبعد؟ فودعتها وانصرفت. ولا يخفى إنَّ محل الاستشهاد قوله:
وإذا رضيت فكل شيء هين ... و إذا حصلت فكل شيء حاصل
و هذا الشعر يتمثل به الصوفية كثيرا. وقال أيضاً:

(1/98)


وما يشق على الكلب ... أن يكون أبن كلبة
و قال أيضاً:
لابد للإنسان من ضجعة ... لا تقلب المضجع على جنبه
ينسى بها ما مر من عجبه ... و ما أذاق الموت من ركبه
نحن بنو الموتى فما بالنا ... نعاف ما لا بد من شربه؟
تبخل أيدينا بأرواحنا ... على زمن هي من كسبه
فهذه الأرواح من جوه ... و هذه الأجسام من تربه
لو فكر العاشق في منتهى ... حسن الذي يسبيه لم يسبه
و هو معنى قول ارسطوطاليس: النظر في عواقب الأشياء يزهد في حقائقها والعشق عمى النفس عن درك رؤية المعشوق. والذي قبله هو معنى قوله أيضاً: اللطائف سماوية والكثائف أرضية وكل عنصر عائد إلى عنصره الأول.
وقال:
يموت راعي الضأن في جهله ... موتة جالينوس في طبه
و نحوه قول بعضهم في أبن سينا:
وكان أبن سينا يداوي الرجال ... و في السجن مات أخس الممات
فلم يشف ما قاله في الشفا ... و لم ينج ما قاله بالنجات
و قال:
وغاية اللمفرط في سلمه ... كغاية المفرط في حربه
و هو قريب من قول ارسطوطاليس: آخر افراط التوقي أوّل موارد الحذر.
وقال:
يدخل صبر المرء من مدحه ... و يدخل الإشفاق في ثلبه
ولم اقل مثلك اعني به ... سواك يا فردا بلا مشبه
و قال أيضاً:
إذا اكتسب الإنسان من هن عرسه ... فيل لؤم إنسان ويا لؤم مكسب
و قال الحماسي سعد بن ناشب:
سأغسل عني العار بالسيف جالبا ... علي قضاء الله ما كان جالب
واذهل عن داري وأجعل هدمها ... لعرضي من ياقي المذلة حاجب
ويصغر في عيني تلادي إذا انثنت ... يميني بإدراك الذي كنت طالب
و قال:
إذا هم ألقى بين عينيه عزمه ... و نكب عن ذكر العواقب جانبا
ولم يستشر في أمره غير نفسه ... و لم يرض إلاّ قائم السيف صاحبا
و قال موسى أبن جابر:
لا اشتهي يا قوم إلاّ كارها ... باب الأمير ولا دفاع الحاجب
ومن الرجال أسنة مذروبة ... و مزندون شهودهم كالغائب
منهم ليوث ما ترام وبعضهم ... مما قمشت وضم حبل الحاطب
وقال بعض بني مازن:
وما قتل جار غائب عن نصيره ... لطالب أوتار بمسلك مطلب
و قال:
وقد ذقتمونا مرة بعد مرة ... و علم بيان الأمر عند المجرب
و قال القتال الكلابي:
نعرض للطعان إذا التقينا ... وجوها لا تعرض للسباب
و مثله قول الهمداني:
لقد علمت نسوان همدان إنني ... لهن غداة الروع غير خذول
وابذل الهيجاء وجهي وأنني ... له في سوى الهيجاء غير بذول
و من هذا قول أبي مخزوم النهشلي الدارمي من شعراء الحماسة:
أنا لنرخص يوم الروع أنفسنا ... و لو نسام بها في الأمن اغلينا
و قال بعض الفقعسيين:
رأيت بني عمي إلاّ لي يخذلونني ... على حدثان الدهر إذ يتقلب
فهلا أعدوني لمثلي تفاقدوا ... و في الأرض مبثوقا شجاع وعقرب
و قال:
كأنهم لم تسبق من الليل ليلة ... إذا أنت أدركت الذي كنت تطلب
و قال ربيعة بن مقروم الضبي:
إذا ما المرء لم يحببك إلاّ ... مغالبا نفسه سئم الغلابا
ومن لا يعط إلاّ في عتاب ... يخاف يدع به الناس العتابا
أخوك أخوك من يدنو وترجو ... مودته وإن دعي استجابا
إذا حاربت حارب من تعادي ... و زاد سلاحه منك اقترابا
يواسي في كريهته أخاه ... إذا ما مضلع الحدثان نابا
و قال قراد بن عتاب الحماسي أيضاً:
إذا المرء لم تغضب له حين يغضب ... فوارس إن قيل اركبوا الموت يركبون
ولم يحبه بالنصر قوم اعزه ... مقاحيم في الأمر الذي يتهيب
تهضمه أدنى العدو ولم يزل ... و إنَّ كان عضا بالظلامة يضرب
المقاحيم جمع مقحام وهو المقتحم في الأمور الجريء عليها ويتهيب يتخوف وتهضمه تنقصه وأدنى العدو اخسهم والعض بالكسر الرجل الداهية كما تقدم في الهمزة والظلامة الظلم. أي لا يزال يضرب أي يقابل ويرمي بالظلم وإن كان عضا إذا لم يكن له أنصار.
وقال الاخنس بن شهاب:
إذا قصرت أسيافنا كان وصلها ... خطانا إلى القوم الذين نضارب

(1/99)


يقول: إذا ضاق مجال الحرب عن مضاربة الأقران بالسيوف خطونا إليهم وأقدمنا عليهم جرأة حتى نصل إليهم فنضربهم.
ومثله قول الآخر:
نصل السيوف إذا قصرن بخطونا ... قدمنا ونلحقها إذا لم تلحق
و قال محمد بن بشير:
وكل امرئ يوما سيركب كارها ... على النعش أعناق العدى والأقارب
و قال نهشل الدارسي:
وهون وجدي عن خليلي أنني ... إذا شئت لاقيت امرؤا مات صاحبه
ومن ير بالأقوام يوما يروا به ... معرة قوم لا توارى كواكبه
و مثل بيته الأول قول الخنساء:
لولا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي
و قال الغطمش الضبي:
إلاّ رب من يغتابني ود إنني ... أبوه الذي يعزى إليه وينسب
على رشدة من أمه ولغية ... فيغلبها فحل على النسل منجب
فبالخير لا بالشر فارج مودتي ... و أي امرئ يغتال منه الترهب؟
أقول وقد فاضت من العين عبرة ... أرى الأرض تبقى والإخلاء تذهب
اخلاي لو غير الحمام أصابهم ... عتبنا ولكن ما على الدهر معتب
الرشدة: النكاح والغية: الزنى. ويقال: انجب الرجل إذا ولد نجيبا.
وقال الحكم بن عبدل الأسدي:
اطلب ما يطلب الكريم من ... الرزق لنفسي واجمل الطلبا
واحلب الثرة الصفي ولا ... اجهد إخلاف غيرها حلبا
إني رأيت الفتى الكريم إذا ... رغبته في صنيعة رغبا
والعبد لا يطلب العلاء ولا يعطيك شيئا إلاّ إذا رهبا
مثل الحمار الموقع السوء لا ... يحسن مشيا إلاّ إذا ضربا
ولم أجد الخلائق إلاّ ... الدين لمّا اعتبرت والحسبا
قد يرزق الخافض المقيم وما ... شد بعنس رحلا ولا قتبا
ويحرم المال ذو المطية ... و الرحل ومن لا يزال مغتربا
الثرة: الناقة الغزيرة اللبن ومثلها الصفين ولذا وصفها بها. والإخلاف جمع خلف وهو حلمة الضرع. يقول: إني احلب الكثيرة الدر وآخذ منه عفوا ولا اجهد غيرها لاستخراج النزر واستنزل العسير وهذا تمثيل. والمراد إني اجمل في الطلب ولا أكد نفسي في استحصال الرزق علما مني بان ما قدر من الرزق ألي واصل وما قسم لا محالة حاصل.
وقالت أم ثواب الهزانية في أبن لها عاق:
ربيته وهو مثل الفرخ أعظمه ... أم الطعام ترى في ريشه زغبا
حتى إذا آض كالفحل شذبه ... آباره ونفى عن متنه الكربا
انشا يمزق أثوابي ويضربني ... ابعد شيبى عندي يبتغي الأدبا؟
أم الطعام: الحوصلة والفحال: ذكر النحل وهي أطولها وتشذيبه: تجريده وتنقيته من فضول الشوك والسعف وبذلك يطول في السماء والكرب: أصول السعف تبقى متصلة بالجذع.
وقال حاتم:
وما أنا بالساعي بفضل زمامها ... لتشرب ماء الحوض قبل الركائب
وما أنا بالطاوي حقيبة رحلها ... لابعثها خفا واترك صاحبي
إذا كنت ربا للقلوص فلا تدع ... رفيقك يمشي خلفا غير راكب
و قال الاحوص وقد ضرب بنو عم له مولاه:
لئن كنت لا ارمي وترمي كنانتي ... تصب جانحات النبل كحشي ومنكبي
و هو مثل اصله إنَّ رجلا رمى آخر متقلد كنانة فقال له المرمي: ما هذا؟ فقال له: لم أرمك إنّما رميت كنانتك. فيضرب مثلا لمن نيل وليه بسوء.
وقال أبو النشناش:
إذا المرء لم يسرح سواما ولم يرح ... سواما ولم تعطف عليه أقاربه
فللموت خير للفتى من قعوده ... عديما ومن مولى تدب عقاربه
و قال:
فلم أر مثل الهم ضاجعه الفتى ... و لا كسواد الليل أخفقت صاحبه
فعش معدوما أو مت كريما فإنني ... أرى الموت لا ينجو من الموت هاربه
و قال قيس بن المغيرة:
جفاني الأمير والمغيرة بعده ... و أمسى يزيد لي قد ازور جانبيه
كلهم قد نال شبعا لبطنه ... و شبع الفتى لؤم إذا جاع صاحبه
و تقدم هذا الشعر وقصته قبل.
وقال بعض بني أسد:
وما أنا بالنكس الدني ولا الذي ... إذا صدعني ذو المودة احرب
ولكنني إن دام دمت وإن يكن ... له مذنب عني فلي عنه مذنب
إلاّ إنَّ خير الود ود تطوعت ... به النفس لا ود آتى وهو متعب

(1/100)


و معنى احرب اغضب ومعنى إن دمت دام أي إن دمت فقد دام إذ لو لم يدم ما دمت بديل ما بعده وإن شئت جعلته في القلب. وتقدم هذا المعنى مستوفى.
وقال خالد بن نضلة الأسدي:
لعمري لرهط المرء خير بقية ... عليه وإنَّ عالوا به كل مركب
من الأبعد النائي وإن كان ذاغني ... جزيل ولم يخبرك مثل مجرب
إذا كنت في قوم عدى لست منهم ... فكل ما علفت من خبيث وطيب
وإن حدثتك النفس انك قادر ... على ما حوت أيدي الرجال فكذب
و تقدم في الاغتراب ولزوم الأوطان من الشعر ما لا بد منه.
وقال عبد الله بن الدمينة:
وإني لأستحيك حتى كأنما ... علي بظهر الغيب منك رقيب
و قال قيس بن ذريح:
وكل مصيبات الزمان وجدتها ... سمى فرقة الأحبة هينة الخطب
و قال اياس بن الارت:
إذا ما تراخت ساعة فاجعلنها ... بخير فإن الدهر أعصل ذو شغب
فإنَ يك خير أو يكن بعض راحة ... فانك لاق من غموم ومن كرب
الأعصل: المعوج الملتوي، وأصل العصل اعوجاج في أنياب البعير إذا أسن؛ والشغب: الشر: وقال أيضاً:
وما دهري بحب تراب أرضٍ ... و لكن من يحل بها حبيب
وهو مثل قول قيس:
وما حب الديار شغفن قلبي ... و لكن حب من سن الديارا
و قال أبن مفرغ:
يقولون: هل بعد الثلاثين ملعب؟ فقلت: وهل قبل الثلاثين ملعب؟
لقد جل قدر الشيب إنَّ كان كلما ... بدت شيبة يعرى من اللهو مركب
و سيأتي فصل في مدح الشيب ومذمة بعد إن شاء الله تعالى.
وقال أبن ميادة:
فو الله ما ادري أيبلغني الهوى ... إذا جد البين أم أنا غالبه
فإن أستطع أغلب وإنَّ يغلب الهوى ... فمثل الذي لاقيت يغلب صاحبه
و قال فرعان بن الأعرف في أبن له عاق ويسمى منازلا:
جزت رحم بيني وبين منازلٍ ... جزاءاً كما يستنزل الدين طالبه
لربيته حتى إذا أض شيظما ... يكاد يساوي غارب النخل غاربه
وربيته حتى إذا ما تركته ... أخا القوم واستغنى عن المسح شاربه
فلما رآني أحسب الشخص أشخصاً ... قريب وذا الشخص البعيد أقاربه
تغمد حقي ظالما ولوى يدي ... و لوى يده الله الذي هو غالبه
وكان له عندي إذا جاع أو بكى ... من الزاد أحلى زادنا وأطايبه
وجمعتها دهما جلادا كأنها ... أشاء نخيل لم تقطع جوانبه
فأخرجني منها سليبا كأنني ... حسام يمان فارقته مضاربه
أيظلمني مالي ويحنث ألوتي؟ ... فسوف يلاقي ربه فيحاسبه
الدهم: الإبل الوتر تضرب إلى السواد. والأشاء: صغار النخل، شبه بها الإبل في عظمها؛ والالوة: اليمين.
فقال منازل ابنه يجيبه:
وكنت كمن ولى بأمر كتيبة ... فعي بها فارفض عنه كتائبه
وماذا من جرى عقوق تعده ... و لا خلق مني بدا أنت عائبه
و يقول: انك أضررتني ففارقتك كمن تولى أمر جيش فأساء فيهم السيرة فتفرقوا عنه، وما ذاك مني من جرى عقوق، أي من أجله. ومن عجيب الاتفاق ما ذكر الشنتمري في شرحه على هذا المحل من الحماسة أنَّ منازلا هذا ولد له أبن يقال له خليع فعقه كما كان هو فعل بأبيه، فأستعدي إليه الوالي. فلما حضر ليضربه قال قائل للوالي: أتعرف أصلحك الله من هذا؟ قال: لا. قال: هذا منازل الذي يقول فيه أبوه، وانشد الأبيات السوابق.
فقال الوالي: يا هذا:
فلا تجز عن من سيرة أنت سرتها ... فأول راضٍ من يسيرها
ثم أمر بإطلاق ابنه خليع.

(1/101)


وفي نواد العامة أنَّ رجلا كان له أبن، ولمّا أسن وعجز عن العمل أخذه ابنه ذاك وذهب به إلى الفلاة من الأرض، فطرحه تحت شجرة وتركه هناك حتى هلك. فلما كبر هذا الابن وبلغ مبلغ أبيه كان له أبن له وهو لا يعلم بالقصة، فأخذ أيضاً وذهب به إلى الفلاة وطرحه تحت شجرة كما فعل هو بابيه. فلما تولى عنه التفت إليه فرآه يبتسم. فتعجب من ذلك ورجع إليه وقال له: مم تضحك، وقد أيقنت بالهلاك؟ فقال له أبوه: والله ما ضحكت إلاّ إنني تذكرت ما فعلت بأبي، وقص عليه القصة. فقال الولد حينئذ: لئن أنا تركته حتى مات ليفعلن بي عقبي مثل هذا. فأذه ورده إلى بيته. ومثل هذا ما قيل في آخر الرؤوس المحمولة إلى الولاة التي أولاها رأس الحسين، جمع الله شمله في الفردوس الأعلى، وجمع أعداءه في مصب الحميم المغلى! والقصة مشهورة وستأتي. وقال الآخر:
إنَّ يعلموا الخير وإنَّ علموا ... شراً أذيع وإنَّ لم يعلموا كذبوا
و قال أبو مسلم الخراساني:
محا سيف اسطار البلاغة وانتحى ... عليك ليوث الغاب من كل جانب
و كان أبو مسلم لمّا آثار على بني أمية كتب إليه مروان، وكاتبه إذ ذاك عبد الحميد، فلم يو شيئاً أطنب فيه عبد الحميد مثل ذلك الكتاب، حتى قيل إنَّ الكتاب من عظم جرمه حمل على بعير. فلم يلتفت أبو مسلم إلى ذلك وأجابهم بالبيت المذكور.
وقال بعض الأعراب:
إذا كان الطباع طبع سوءٍ فليس بنافع فيها الأديب
حكى الأصمعي قال: دخلت البادية فأتيت على عجوز، فإذا بين يديها جرو ذئب مقطع وشاه مقتولة. فقالت: أتدري ما هذا؟ قلت: لا قالت: جرو ذئب أخذناه وأدخلناه في بيتنا. فلما كبر قتل شاتنا، وقلت في ذلك شعراً. قلت: ما هو؟ فأنشدت:
بقرت شويهتي وفجعت قومي ... و أنت لشاتنا أبدا ربيب
غذيت بدرها وربيت فينا ... فمن أنباك إنَّ أباك ذيب؟
إذا كان الطباع البيت
و قال الآخر:
لا تمدحن امرءاً حتى تجربه ... و لا تذمنه من غير تجريب
فرب خدن وإنَّ أبدى بشاشته ... يضحي على خدنه أعدى من الذيب
و قال الآخر:
وإنَّ مدحك من لم تلبه صلف ... و إنَّ مدحك بعد الذم تكذيب
و قال الآخر:
كل يوم قطيعة وعتاب ... ينقضي دهرنا ونحن غضاب
ليت شعري فهل خصصت بهذا ... أنا وحدي أم هكذا الأحباب؟
و ما احسن قول بشار:
إذا كنت في كل الأمور معاتباً ... صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه
فعش واحداً أو صل أخاك فإنه ... مقارف ذنب مرةٍ ومجانبه
إذا أنت ليس تشرب مراراً على القذا ... ظمئت وأي الناس تصفوا مشاربه؟
و قول الآخر:
البس الناس ما استطعت على ... النقض وإلاّ لم تستقم لك خله
عش وحيداً إنَّ كنت لا تقبل العذر ... و إنَّ كنت لا تجاوز زله
و تقدم هذا المعنى، ويأتي كلام مما يتعلق بالعتاب بعد إن شاء الله تعالى.
وقال الأعشى: وهن شر غالب لمن غلب، يعني النساء. وزعموا إنّه ذهب يمتار لأهله في شهر رجب فهربت امرأته معاذة ناشزاً، ولاذت برجل عزيز قومه. فلما رجع الأعشى طلبها فتمنعت منه وأبى الذي لاذت به أنَّ يدفعها إليه وكان أعز منه. فأتى الأعشى النبي صلى الله عليه وسلم فأشتكى إليه وانشأ يقول:
يا سيد الناس وديان العرب ... أشكو إليك ذربة من الذرب
كذائبة الغبشاء في ظل السرب ... خرجت ابغيها الطعام في رجب
فخلفتني بنزاع وهرب ... و قذفتني بين عيصٍ مؤتشب
أخلفت الواعد ولطت بالذنب ... و هن شر غالب لمن غلب
فقال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك: هن شر غالب لمن غلب فكتب له إنَّ ترد إليه. الذربة: السليطة اللسان؛ والعيص: أصل الشجرة؛ والمؤتشب: المتلف. وقوله: لطت بالذب به على فرجها فسدت به على نفسها وامتنعت من الفحل. وقال الآخر:
احب بلاد الله ما بين منعج ... إلي وسلمى إنَّ يصوب سحابها
بلاد بها حل الشباب تمائمي ... و أوّل أرض مس جلدي ترابها
ذكر بعض الأدباء عن بعض أهل نصيبين قال: أتاني أبن الرومي بقصيدة التي يمدح بها سليمان بن عبد الله بن طاهر وقال: انصفني! أيّها احسن: قولي في الموطن:
ولي وطن أليت ألاّ أبيعه ... و ألا أرى غيري له الدهر مالكا

(1/102)


عمرت به شرخ الشباب ونعمة ... كنعمة قوم أصبحوا في ظلالكا
وحبب أوطان الرجال إليهم ... و مأرب قضاها الشباب هنالكا
إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم ... عهود الصبا فيها فحنوا لذلكا
أم قول الأعرابي: احب بلاد الله الأبيات؟ قال. فقلت: بل قولك، لأنّه ذكر الوطن ومحبته، وأنت ذكرت العلة في ذلك.
ومثل هذا قول أبن الرومي أيضاً:
بلد صحبت به الشبيبة والصبا ... و لبست ثوب العيش وهو جديد
فإذا تمثل في الضمير رأيته ... و عليه أغصان الشباب تميد
و مثله قول آخر:
ذكرت بلادي فاستهلت مدامعي ... يشوق إلى عهد الصبا المتقادم
حننت إلى أرض بها اخضر جانبي ... و قطعتم عني فيها عقد التمائم
و قال أبن غالب الرصافي:
بلادي التي رشيت قويدمتي بها ... فريخا وآتوني قرارتها وكرا
مبادئ لين العيش في ريق الصبا ... أبى الله إنَّ أنسى اغتراري بها غرا
لبسنا بها ثوب الشباب لباسها ... و لكن عرينا من حلاه ولم نعرا
و قال العسكري:
إذا أنا لا أشتاق أرض عشيرتي ... فليس مكاني في النهى بمكين
من العاقل أن اشتاق أول منزل ... غنيت بخفض في ذراه ولين
وروض رعاه بالأصائل ناظري ... و غصن ثناه بالغداه يميني
وإني لا أنسى العهود إذا أتت ... بنات النوى دون الخليط ودوني
إذا أنا لم أرع العهود على النوى ... فلست بمأمون ولا بأمين
و قال رجاء بن هارون:
احن إلى وادي الأراك صبابة ... بعهد الصبا فيه وتذكار أول
كأن نسيم الريح في جنباته ... نسيم حبيبٍ أو لقاء مؤملِ
و مثل قول الأعرابي قول أبن ميادة:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بحرة ليلى حيث ربينني أهلي
بلاد بها نيطت عليَّ تمائمي ... و قطعن عني حيث أدركني عقلي
و من الحنين إلى الوطن على الجملة قول الطائي:
سقى الله أطلالاً بأخيلة الحمى ... و إن كنَّ قد أبدين للناس ما بيا
منازل لو مرت بهن جنازتي ... لقال صداي: حامليَّ انزل بيا
وق الآخر:
طيب الهواء ببغدادٍ يؤرقني ... شوقاً إليها وإن عاقت مقاديرُ
فكيف أصبر عنها الآن إذ جمعت ... طيب الهوائين: ممدود ومقصورُ
و قولي:
سقى الله أطلالاً بأكثبة الحمى ... من العارض الهتان صوب عهاد
بلاد بها حلت سليمى ودارها ... فحل فؤادي عنها وودادي
وأني بها أسقيتها أو بكيتها ... هياما فما أسقيت غير فؤادي
و ما أعلم أحدا سبقني إلى هذا المعنى مع تداول هذا الغرض بين الشعراء كثيرا. وسيأتي في أمثال الحنين إلى الوطن زيادة على ما ذكرنا. إن شاء الله تعالى.
وقال راشد بن عبد ربه رضي الله عنه : لقد هان من بالت عليه الثعالب. وكان اسمه في الجاهلية غاوي بن عبد العزى، وكان سادن صبم لقومه بني سليم فبينما هو عنده ذات يوم إذ أقبل ثعلبان يشتدان حتى طلعا عليه فبالا عليه، فقال:
أنَّ ربٌّ يبول الثعلبان برأسه؟ ... لقد هان من بالت عليه الثعالبُ؟

(1/103)


ثم كسره وقال :يا معشر سليم، والله ما يضر ولا ينفع ولا يعطي ولا يمنع! ولحق بالنبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما اسمك؟ قال : غاوي بن عبد العزى. قال : بل أنت راشد بن عبد ربه، والثعلبان في البيت، بضم الثاء واللام، وهو ذكر الثعالب. هذا قول جماعة من اللغويين منهم الجوهري. وقال آخرون ومنهم صاحب القاموس: ذاك غلط، وإنّما هو بفتحهما على أنه تثنية ثعلب. وتمسكوا بالقصة السابقة وأنه أقبل ثعلبان وبالا معا على الصنم. وقال بعضهم: كان لرجل صنم وكان يأتي بالخبز والزبد فيضعه على رأسه ويقول أطعم! فجاء ثعلبان فأكلا الخبز والزبد. وقال آخرون: هذا خطأ في التفسير والرواية، وإنّما الحديث: فجاء ثعلبان وهو الذكر من الثعالب لا مثنى فأكل الخبز والزبد ثم فعل. فقام الرجل إلى الصنم فكسره وقال في ذلك شعره. قلت: والحق أنَّ القصة بعد صحتها على ما قال أهل التثنية من أنها ثعلبان لا تفيد أنَّ الواقع في البيت مثنى على التعيين إذ لا يلزم من وقوع البول من الثعلبين أن يذكرهما الشاعر، وإنّما المعول الرواية: فإنَ وردت بالإفراد كان حسنا وكان المقصود الجنس والنداء على هوان الصنم ببول الثعلب عليه لا شرح القصة. وإذا رد الأمر إلى النفس وجد فيها للفرد حلاوة، وعن التثنية كزازة والله أعلم.
وقال الآخر:
فقعدت كالمهريق فضلة مائه ... في ظل هاجرةٍ للمع سرابِ
و مثله قول الآخر:
وكنت كمهريق الذي في سقائه ... لرقراق آلٍ فوق رابيةٍ صلدِ
و هذان البيتان يضمنا معنى المثل السابق في صاحب النعامة.
وقال أبو الغريب:
إنَّ اللئيم الأرس غير نازعٍ ... عن وذء جارة الغريب والجنب
الأرس هو الأصل أي اللئيم الأصل والوذء: الشتم. والجنب: الأجنبي الغريب، وقال أعرابي:
كلاب الناس أن فكرت فيهم ... أضر عليك من كلب الكلابِ
لأن الكلب لا يؤذي صديقا ... و إنَّ صديق هذا في عذابِ
ويأتي حين يأتي في ثيابٍ ... و قد جزمت على رجلٍ مصابِ
فأخزى الله أثوابا عليه ... و أخزى الله ما تحت الثيابِ
و مثل هذا يحكى عن بعضهم قال : وجدت إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه أو غيره من نظرائه مضطجعا وعند رأسه كلب نائم. فأردت أن أقيم الكلب فقال: دعه فانه خيرٌ من جليس السوء.
وقال الشيخ القطب العارف أبو محمد عبد القادر الجيلاني فيما ينسب إليه وكان ينشده على الكرسي:
أنا بلبل الأفراح أملأ دوحها ... طرباً وفي العلياء بازٌ أشهبُ
و قال الآخر:
أتطلب صاحبا لا عيب فيه ... و أي الناس ليس له عيوبُ؟
و تقدم نحو هذا قبل.
وقال الآخر:
إذا رمتم قتلي وأنتم أحبتي ... إذاً فالأعادي واحدٌ والحبائبُ
و قال الآخر:
إذا الخل لم يهجرك إلاّ ملامهً ... فليس له إلاّ الفراق عتابُ
و قال الآخر:
إذا أنت جازيت المسيء بفعله ... ففعلك من فعل المسيء قريبُ
و قال الآخر:
إذا الغضب لم يثمر وإن كان أصله ... من المثمرات اعتاده الناس للحطبِ
و قال الآخر:
إذا المرء لم يحببك إلاّ تكلفاً ... فذلك من أفعاله ما يغالبُ
ومثله قول الحماسي السابق:
إذا ما المرء لم يحببك إلاّ ... مغالب نفسه سئم الغلابا
وقال الآخر:
إذا جفاني بنو الدنيا وضقت بهم ... طالعت كتبي ونادمت الألى ذهبوا
و مثله قول الآخر:
لنا جلساءٌ لا يمل حديثهم ... ألبَّاءُ مأمونون غيباً ومشهدا
و قال علي بن الجهم:
أعاتب ذا المروءة من صديق ... إذا ما رابني نته اجتنابُ
إذا ذهب العتاب فليس ودٌ ... و يبقى الود ما بقي العتابُ
و مثله من هذا الباب قول الآخر:
أعاتب من أحببت في كل زلةٍ ... ليحتمي الأمر الذي معه العتبُ
فإني أرى التأديب عند وجوبه ... بمنزلة الغيث الذي قبله الجدبُ
و سيأتي في الحكم تمام هذا المعنى إن شاء الله تعالى.
وقال الآخر:
إذا شئت أن تلقي فزر متواترا ... و إن شئت أن تزداد حباً فزد غبا
و سيأتي تمامه وقال الآخر:
إذا عبت أمراً فلا تأته ... فذو اللب مجتنب ما يعيبُ
و قال الآخر:
إذا قلت للعذال: لست بعاشقٍ ... يقول لهم فيض المدامع: يكذبُ

(1/104)


و قال الآخر:
تعالوا نصطلح وتكون منا ... مصافاةٌ بلا عد الذنوبِ
و قال الآخر:
تقاربت الجسوم وأي نفعٍ ... يكون إذا تباعدت القلوبُ؟
و قال الآخر:
تكلفت لي هذا الوداد فلم يدم ... و كل ودادٍ بالتكلف يصعبُ
و تقدم نحوه.
وقال الآخر:
تيهٌ بلا نسبٍ كبرٌ حسب ... فخرٌ بلا أدب هذا من العجبِ
و قال الآخر:
جهل الشريف يشين منصبه ... و أبن الوضيع يزينه أدبه
و سيأتي تمام هذا المعنى.
وقال الآخر:
حبيبٌ غاب عن نظري وسمعي ... و لكن عن فؤادي ما يغيبُ
و قال الآخر:
طبع الفتى يسرق من طبع من ... يصحبه فانظر لمن تصحبُ
و مثله قول المراكشي في أرجوزته في الطريق:
أختر لصحبتك من أطاعا ... أنَّ الطباع تسرق الطباعا
و قال الآخر:
قد قنعنا منكم برد جواب ... دون إسعافنا بما في الكتابِ
و قال الآخر:
قد يلام البريء من غير ذنبٍ ... و يغطى على المريب ذنوبُ
و قال الآخر:
كأنك لم تتعب وإن كنت متعباً ... إذا أنت لاقيت الذي فيه تتعبُ
و قال الآخر:
كعصفورة في كف طفلٍ يسومها ... حياض المنايا وهو يلهو ويلعبُ
و قال الآخر:
كل امرئ لا بد يقضي نحبه ... إن كره الموت وإن أحبهُ
و قال الآخر:
كن للغريب إذا رأيت مساعداً ... فعساك يوماً أن تصير غريبُ
و قال الآخر:
لئن غاب عن إنسان عيني شخصه ... فما هو عن فكري وقلبي بغائبِ
و قال الآخر:
لحى الله دنيا ألجأتنا لمعسرٍ ... فراقهم أشهى الأمور إلى قلبي
و قال الآخر:
لحوم أهل العلم مسمومةٌ ... و من يعاديها سريع العطبِ
و قال الآخر:
ليس الرزية في أيامن عجباً ... بل السلامة فيها أعجب العجبُ
و مثله قول أبي بكر بن دريد:
لا تعجبن من هالكٍ كيف هوى ... بل فاعجبن من سالمٍ كيف نجا
و قال الآخر:
ليس التقي بمتقٍ في دينه ... حتى يطلب طعامه وشرابهُ
و قال الآخر:
ليست الأحلام في حال الرضى ... إنّما الأحلام في حال الغضب
و قال الآخر:
ليس يصفو إلاّ بقربك عيشي ... كيف لي أن تكون مني قريبا؟
و قال الآخر:
ما أصعب الشيء ترجوه فتحرمه ... لا سيما بعد طول الجهد والتعبُ!
و قال الآخر:
ما صاحبي من ودني حاضراً ... بل صاحبي من ودني غائبا
و مثله قول الحماسي من هذا الباب:
وليس أخي من ودني رأي عينه ... و لكن أخي من ودني وهو غائب
و قال الآخر:
ما يفتح الله باب الرزق من أحدٍ ... إلاّ ويفتح غير الباب أبوابُ
و قال الآخر:
متى تكن مع صديقٍ أو عدو ... تخبرك الوجوه عن القلوبِ
و قال الآخر:
من الناس من يغشى الأباعد نفعه ... و يحرم منه صحبه وأقاربه
و قال الآخر:
من ذم من كان كل الناس يحمده ... فإنما يربح التكذيب والكذبا
و قال الآخر:
من عوَّد الناس إحساناً ومكرمةً ... لا يعتبنَّ على من لج في الطلبِ
و قال الآخر:
نحن ندعو الإله في كل كربٍ ... ثم ننساه عند كشف الحروبُ
و قال الآخر:
نفسك لا تعطيك كل الرضى ... فكيف ترجو ذاك من صاحبِ؟
و قال الآخر:
نوئاب هذا الدهر شتى وإنني ... أرى فرقة الأحباب أدهى النوائب
و هو من قول قيس السابق. وقال الآخر:
وأحزم الناس من لم يرتكب سببا ... حتى يدبرها يجني عواقبه
وقال الآخر:
وإذا الزمان كساك حلة معدمٍ ... فالبس له حلل النوى وتغرب
وتقدم مع ما يشاكله. وقال الآخر:
وإذا تصبك خصاصة فارج الغنى ... و إلى الذي يهب الرغائب فارغب
وقال الآخر:
واطلب قربي من حماكم وانتم ... إلى ناظري والقلب في غاية القرب
و قال الآخر:
وإنَّ كنت مسترعي ونحن رعية ... فكل سيلقى ربه فيحاسبه
و قال الآخر:
وانك إنَّ أهديت لي عيب صاحب ... امهدٍ إلى غيري جميع عيوبي
و قال الآخر:
وإني بكم في كل حالٍ لواثق ... و لكن سوء الظن من شدة الحب
و قال الآخر:

(1/105)


وبالناس عاش الناس قدما ولم يزل ... من الناس مرغوب إليه وراغب
وقال الآخر:
وتشتت الأعداء في آرائهم ... سبب لجمع خواطر الأحباب
وقال الآخر:
وخير عمر الفتى عمر يعيش به ... مقسم الحال بين الجد واللعب
وقال الآخر:
وعد العتاب إذا استربت بصاحب ... ليست تنال مودة بعتاب
و قال الآخر:
ورث النجابة كابراً عن كابرٍ ... كالرمح أنبوبا على أنبوب
و قال الآخر:
وسائل: ما الملك؟ قيل: الغنى ... فقلت: لا بل راحة القلب
و قال الآخر:
وعهد المشيب كأني به ... يمر كما مر عصر الصبا
و قال الآخر:
وقد كنت لا أخشى مع الذنب جفوة ... و قد صرت أخشاها ومالي من ذنب
و قال الآخر:
وقد نثر التوديع من كل مقلةٍ ... على كل خد لؤلؤا لم يثقب
و قال الآخر:
وقطعت في الدنيا العلائق ليس لي ... ولد يموت ولا جدار يخرب
و قال الآخر:
وكنا نستطب إذا مرضنا ... فجاء الداء من قبل الطبيب
و تقدم ما يشكل هذا في حرف الهمزة، فيمن يغص بالماء. وقال الآخر:
وكنت أرى أنَّ التجاريب عدة ... فخانت ثقات الناس حتى التجارب
و قال الآخر:
ولا خير في قربٍ لغيرك نفعه ... و لا في صديق لا تزال تعاتبه
و قال الآخر:
ولا خير فيمن لا يوطن نفسهُ ... على نائبات الدهر حين تنوبُ
و قال الآخر:
ولربما بخل الكريم وما به ... بخل ولكن سوء جظ الطالبُ
و قال الآخر:
ولو أنَّ ما بي بالحصا فلق الحصا ... و بالريح لم يسمع لهن هبوبُ
و قال الآخر:
ولو أنني أستغفر الله كلما ... ذكرتك لم تكتب علي ذنوبُ
و قال الآخر:
وليس بتقدير الكواكب ما ترى ... و لكنه تقدير رب الكواكب
و قال الآخر:
وليس بحاكم من لا يبالي ... أ أخطأ في الحكومة أم أصابا
و قال الآخر:
وليس عتاب الناس للمرء نافعاً ... إذا لم يكن للمرء لبٌ يعاتبه
و قال الآخر:
وليلٍ أردنا أن يدب عذاره ... فما اختط حتى صار بالصبح شائبا
و قال الآخر:
وما المرء إلاّ حيث يجعل نفسه ... فكن طالباً للنفس أعلى المراتبِ
و قال الآخر:
وما شرف الإنسان إلاّ بنفسه ... و إن عد أباءً كراماً ذوي حسب
و قال الآخر:
وما كان لي ذنب فأخشى جزاءه ... ز عفوك مرجو وإن كان لي ذنبُ
و قال الآخر:
وما لقلوب العاشقين مزية ... إذا نظرت أفكارها في العواقبِ
و قال الكميت:
ومالي إلاّ أحمد شيعةٌ ... و مالي إلاّ مذهب الحق مذهبُ
و قال الآخر:
ومالي ذنب أستحق به الجفا ... وإن كان أي ذنب فإني تائبُ
و قال الآخر:
وما هي إلاّ غاطةٌ قد غلطتها ... و قد يغلط الإنسان ثم يتوبُ
و قال الآخر:
ومن عادة الأيام أنَّ صروفها ... إذا ساء منها جانبٌ سر جانبُ
و قال الآخر:
ومن مذهبي حب الديار وأهلها ... و للناس فيما يعيشون مذاهبُ
و قال الآخر:
ومن ربط الكلب العقور ببابه ... فعقر جميع الناس من رابط الكاب
و قال الآخر:
ويوهمني أنه ناصحٌ ... وفي نصحه حمة العقربِ
و قال الآخر:
هنيئا لكم ماء الفرات وطيبه ... إذا لم يكن لي في الفرات نصيبُ
و قال الآخر:
لا تجزعن من المداد ولطخه ... إنَّ المداد خلوف ثوب الكاتبِ
و قال الآخر:
لا تكونن للأمور هيوبا ... فإلى خيبةٍ يصير الهيوبُ!
و قال الآخر:
لا تنكحن لئيمة لمحاسنٍ ... فاللؤم يبقى والمحاسن تذهبُ
ومصداقه قوله صلى الله عليه وسلم : إياكم وخضراء الدمن، وسيأتي.
وقال الآخر:
لا تيأسن وإن عز الوصال فقد ... تجفو أناسٌ وهم في الغيب أحبابُ
و قال الآخر:
لا يقبل الصدق من الكذب ... و لو أتى بمنطق عجابُ
و قال الآخر:
يا بصيراً إلاّ بإبصار كتبي ... و جواداً إلاّ بردِّ جوابِ
و قال الآخر:
يخيب الفتى من حيث يرزق غيره ... و يعطى الفتى من حيث يحرم صاحبه
و قال الآخر:
يذمون دنياهم وهم يطلبونها ... و لم ير كالدنيا تذمُ وتطلبُ

(1/106)


و هو مثل قول الآخر:
قد أجمع الناس على ذمها ... و ما أرى منهم لها تاركا
و هذا من توهيمات الخيال وأغاليط الشعراء وإلاّ فليس لهذا التعجب موقع ولا للألغاز محل، إذ العقول السليمة كلها ذامة للدنيا وليست بطالبة لها ومتى وقع منها طلب فمكلوبها غير مذموم كما أنَّ مذمومها غير المطلوب. فإنَ الدنيا من حيث إنّها مزرعة للآخرة وقنطرة يعبر منها إليها وزاد يبلغ إليها لا بد منها وهي محمودة غير مذمومة ومن حيث إنّها فتنة وعائقة عن الفوز ومبعدة عن النجاح وموجبة للعقاب أو العتاب، مذمومة عند كل بصير غير مطلوبة بل مهروب منها غاية الهرب ومنفور منها غاية النفور ولا يطلبها على هذا الوجه إلاّ أعمى البصيرة وهذا الله تعالى بذمها. وقد يذمها بلسانه وهو يحبها سراً، وهو غير ذام لها بالحقيقة. وعلى مثل هذا الذي خالف قوله فعله يحسن من جهة الظاهر إنشاد الشعر السابق، ولا يصح الاتفاق ولكن الأكثر والأغلب هذا نسأل الله السلامة من فتنة المحيا والممات.
وقال الآخر:
يرحم الله صديقا ... جاء يهدي لي عيوبي
و قال الآخر:
دع المزاح فقد يزري بصاحبه ... و ربما آل في العقبى إلى الغضب
و قال الآخر:
رأيت تباعد الإخوان قربا ... إذا اشتملت على الود القلوبُ
و قال الآخر:
رأيت الود ليس يكاد يبقي ... إذا كثر التعصب والعتابُ
و قال الآخر:
رب لحظ يكون أبلغ من لفظٍ ... و أبى لمضمرات القلوب
و قال الآخر:
سأرعاك في البعد المفرق بيننا ... كما كنت أرعى والمزار قريبُ
و قال الآخر:
سأصفيك الهوى من كل وحهٍ ... و أمنحك الرضى من لك بابِ
و قال الآخر:
ستعلم هل ربحنا أم خسرنا ... إذا فكرت في أمر الحسابِ
و قال الآخر:
سقى الله أيام التواصل بيننا ... و رد إلى الأوطان كل غريبِ
و قال الآخر:
سل الخير أهل الخير قدماً ولا تسل ... فتى ذاق طعم العيش منذ قريبِ
و قال الآخر:
سمعت عتاباً يستطاب فليتني ... أطلت ذنزبي كي يطول عتابُ
و قال الآخر:
سيغني الله عن بقرات زيدٍ ... و يأتي الله باللبن الحليبِ
و قال الآخر:
شهدنا وجربنا أموراً كثيرة ... فلا تهملوا نصح الصديق المجرب
و قال أحد القدماء:
صاح أبصرت أو سمعت بارعٍ ... رد في ضرع ما قرأ في الحلاب؟
و قال الآخر:
صروف الليالي أحوجتنا إليهم ... كما أحتاج صياد إلى صحبة الكلب
و قال أبو العلاء المعري:
وسمهرية ليس يشرف قدرها ... حتى يسافر لدنها عن غابه
والغضب لا يشفي أمرءاً من ثأره ... إلاّ يفقد نجاده وقرابه
والله يرعى سرح كل فضيلة ... حتى يروحه إلى أربابه
و قال أيضاً:
وهجيرة كالهجر عودي منبر ... للظهر إلاّ إنّه لم يخطب
فكأنه رام الكلام فيسمه ... عي فأسعده لسان الجندب
و قال الآخر:
وما رحم الأهلين إنَّ سالموا العدى ... بمجدية إلا مضاعفة الكرب
ولكن أخو المرء الذي إذا دعا ... أجابوا بما يرضيه في السلم والحرب
و قال الآخر:
ما المرء أخوك أم لم تلفه وزرا ... عند الكريهة معوانا على النوب
و أعلم أنَّ لفظ الأخ فيه لغات كثيرة: يقال أخ، وهي اللغة المشهورة، وأخو بسكون الخاء على مثال فرو، وهو الواقع في البيت المذكور ويقال في الجمع اخوة وأخون، وهذا الثاني هو الواقع في البيت الثاني من البيتين قبل هذا، وحذفت نونه للإضافة إلى المرء، وليس مفردا بدليل الإخبار عنه بالذين.
وقال الآخر:
لعمرك ما حق امرئ لا يعدلي ... على نفسه حقا علي بجواب
وما أنا النائي علي بوده ... بودي وصافي خلتي بمقارب
ولكنه إنَّ مال يوما بجانبٍ ... من الصدق والهجران ملت بجانب
و تقدم نحو هذا. ويقال جرير، كان اشترى جارية من رجل من أهل اليمامة يقال له زيد، ففركته وحنت إلى بائعها:
تكلفني معيشة آل زيد ... و من لي بالمرقق والصناب؟
وقالت: لا تضم كضم زيد، ... و ما ضمني وليس معي شبابي؟
فقال الفرزدق:
وإنَّ تفركك عاجلة آل زيدٍ ... و يعوزك المرقق والصناب

(1/107)


فقدما كان عيش أبيك مرا ... يعيش بما يعيش به الكلاب
و الصناب، بكسر الصاد. قال المبرد: هو صباغ يتخذ من الخردل والزبيب، ومن ذلك قيل للفرس صنابي إذا كان في ذلك اللون.
وقال الآخر:
ويأخذ عيب المر من عيب نفسه ... مراد لعمري ما أراد قريب
قيل وهذا البيت مبني على كلام الأحنف، وقد قال له رجل: دلني على رجل كثير العيوب! فقال: أطلبه عيابا، فإنما يعيب الناس بفضل ما فيه! وقال الآخر:
لن المنابر من خوف ومن وهل ... و استطعم الماء لمّا جد في الهرب
وألحن كل الناس قطابة ... و كان يوله بالتشديق في الخطب
و هذا الشعر قاله بعض الشعراء في خالد بن عبد الله القسري، وكان من الخطباء البلغاء؛فصعد المنبر ذات يوم فخرج عليه المغيرة بن سعد بالكوفة في عشرين رجلا، فعطعطوا به، فعيي خالد وقال: اطعموني الماء! وهو على المنبر، فعير بذلك، وكتب هشام إليه رسالة وبخه فيها، وقيل فيه ما تقدم وقال فيه أيضاً يحيى بن نوفل:
لأعلاجٍ ثمانية وعبدٍ ... لئيم الأصل في عدد يسير
هتفت بكل صوتك أطعموني ... شرابا ثم بلت على السرير!
و سيأتي في الحكم إن شاء الله ذكر كثير ممن أرتج عليه الكلام.
وقال محمّد بن أبي عيينة يعاتب بعض الأشراف:
أتيتك زائرا لقضاء حق ... فحال الستر دونك والحجاب
وعندك معشر فيهم أخ لي ... كأن إخاءه الآل السراب
وليست بساقط في قدر قوم ... و إنَّ كرهوا كما يقع الذباب
ورائي مذهب عن كان ناء ... بجانبه إذا عز الذهاب
و قال الآخر:
فلله مني جانب لا أضيعه ... و للهو مني والبطالة جانب
و قال الآخر:
ويعرف وجه الحزم حتى كأنما ... تخاطبه من كل أمر عواقبها
و قال الآخر:
أخ لي كأيام الحياة إخاؤه ... تلون أحيان علي خطوبها
إذا عبت منه خلة فهجرته ... دعتني إليه خلة لا أعيبها
و قال الآخر:
مالي عقلي منتم إلى أحد ... فأنني منتم إلى أدبي
و هذا مثل قول عامر بن الطفيل:
وإني وإنَّ كنت أبن سيد عامر ... و في السر منها والصريح المهذب
فما سودتني عامر عن وراثةٍ ... أبى الله إنَّ أسموا بأم ولا أب
ولكني أحمي حماها واتقي ... أذاها وأرمي من رماها بمنكب
و قول بعض الأشراف الطالبيين:
لسنا وإنَّ أحسابنا كرمت ... يوما على الاحساب نتكل
نبني كما كانت أوائلنا ... تبني ونفعل مثل ما فعلوا
و قول الحسين رضي الله عنه، وقد أجزل صلة شاعر فليم على ذلك فقال: أتراني خفت أن يقول لست من فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم ولا علي بن أبي طالب رضي الله عنه؟ ولكنني خفت أنَّ لست كمثلهما فيصدق ويحمل عنه، ويبقي مخلداً في الكتاب على ألسنة الرواة. فقال ذلك الشاعر حينئذ: وأنت والله يا أبن الرسول الله أعرف بالمدح والذم مني! ويحكى أنَّ رجلاً تكلم بين يدي عبد الملك بكلام ذهب فيه كل مذهب. فقال له وقد أعجبه: أبن من أنت يا غلام؟ قال: أبن نفسي، يا أمير المؤمنين: والتي نلت بها هذا المقام منكم. وأخذه بعض الشعراء فقال:
كن أبن من شئت واتخذ أدبا ... يغنيك مأثوره عن الحسب
إنَّ الفتى من يقول ها أنا ذا ... ليس الفتى من يقول كان أبي
و آخر في قوله:
كن أبن من شئت وكن مؤدبا ... فإنما المرء بفضل حسه
وليس من تكرمه لغيره ... مثل الذي تكرمه بنفسه
و يحكى عن يحيى بن أكثم قال: بينما أنا يوما جالس مع المأمون إذ دخل الدار. فتى أبرع الناس زياً وهيبة ووقاراً، وهو لا يلتفت إعجابا بنفسه. فنظر إليه المأمون فقال: يا يحيى، هذا لا يخلوا إنَّ يكون هاشميا أو نحوياُ. ثم بعث من يتعرف ذلك منه، فإذا هو نحوي. فقال المأمون: يا يحيى، أن علم النحو قد بلغ بأهله من عزة النفس وعلو الهمة منزلة بني هاشم في شرفهم؟ يا يحيى، من قعد به نسبه، نهض به أدبه! ومثله يقول أبي العلاء المعري:
لو يعلم الإنسان مقداره ... لم يفخر المولى على عبده
لولا سجاياه وأخلاقه ... لكان كالمعدوم في لحده
ومجدة أفعاله لا الذي ... من قبله كان ولا بعده
و قال أبي محمد الحريري رحمه الله:

(1/108)


لعمرك ما الإنسان إلاّ أبن يومه ... على ما تجلى يومه لا أبن أمسه
وما الفخر بالعظم الرميم وإنّما ... فخار الذي يبغي الفخار بنفسه
وقول أبي الطيب:
ما بقومي شرفت بل شرفوا بي ... و بنفسي فخرت لا بجدودي
و الشعر في هذا المعنى كثير، وأصل هذا كله قوله تعالى وجلت كلمته: )إنما المؤمنونَ اخوةٌ( وقوله تعالى : )إنَّ أكرمكم عندَ اللهِ أتقاكم( وقوله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: أيّها الناس إنّما الناس اخوة وليس لعربي على عجمي فضل إلاّ بالتقوى. أيّها الناس إنَّ ربكم واحد وإنَّ أباكم واحد كلكم لآدم وآدم من تراب، وأكرمكم عند الله أتقاكم. وهو قطع لمّا كانت فيه العرب من الافتخار بالآباء.
ولعلي كرم الله وجهه:
الناس من جهة التمثيل أكفاء ... أبوهم آدم والأم حواءُ
و ينسب إليه:
ما الفخر إلاّ لأهل العلم إنهم ... على الهدى لمن استهدى أدلاءُ
وقدر كل امرئ ما كان يحسبه ... و الجاهلون لأهل العلم أعداءُ
و قال الآخر:
لئن فخرت بآباءٍ لهم كرمٌ ... لقد صدقت ولكن بئس ما ولدوا
و قال الكميت:
وما استنزلت في غيرها قدر جارنا ... و لا ثفئت إلاّ بنا حين تنصبُ
وقال أبو الطمحان:
وإني من القوم الذين هم هم ... إذا مات منهم ميت قام صاحبه
نجوم سماء كلما انفض كوكبٌ ... بدا كوكبٌ تأوي إليه كواكبه
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه
وما زال منهم حيث كان مسودٌ ... تصير المنايا حيث صارت كتائبه
قوله: نظم الجزع ثاقبه، يريد أنهم لو استضاء بضيائهم في غياهب الظلام من يثقب الخرز الذي هو أشد شيء لأبصر ذلك فكيف بما هو أظهر؟ وهذه غاية المبالغة في تنزيل المعقول منزلة المحسوس.
وقال الآخر:
شربنا طيباً عند طيبٍ ... كذاك شراب الطيبين يطيبُ
شربنا وأهرقنا على الأرض فضلة ... فالأرض من كأس الكرم نصيبُ
و قال السلامي:
تبسطنا على الآثام لمّا ... رأينا العفو من ثمر الذنوبِ
و هو كقول المأمون:
لو علم أرباب الجرائم تلذذنا ... بالعفو لتقربوا ألينا بالذنوبِ
و هو مأخوذ من قول أبي نواس:
تعض ندامة كفيك مما ... تركت مخافة النار السرورا
و قال ضابئ بن الحارث:
فمن يك أمسى بالمدينة رحله ... فأني وقيار بها لغريبُ
وما عاجلات الطير تدني من الفتى ... نجاحاً ولا عن ريثهن يخيبُ
ورب أمور لا تضير ضيرة ... و للقلب من مخشاتهن وجيب
ولا خير فيمن لا يوطن نفسه ... على نائبات الدهر حين تنوب
و قال الغنوي:
وهلك الفتى أنَّ لا يراح على الندى ... و أنَّ يرى شيئاً عجيبا فيعجبا
و قال جرير بن الخطفى:
فعض الطرف أنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا!
و بعده:
ولو وضعت شيوخ بني نمير ... على الميزان ما عدلتا ذبابا
و كانت بنو نمير من جمرات العرب، لم يخالفوا أحد لعزتهم وقوتهم. فكان الواحد منهم إذا سئل يقول: من بني نمير، ويفخم صوته إدلالاً بعزته، حتى هجا جرير عبيد بن حصين منهم بما قدم من قصيدة، فوقعت فيهم الموقع، ولم يرفعوا، ولم يرفعوا بعدها رأساً، حتى كانوا يفرون من الانتساب إلى نمير لمّا وسم به. فكان أحدهم إذا قيل له: ممن أنت؟ قال: من عامر بن صعصعة وهو الجد الأكبر.
ومما يحكى أن مولى لبعض بأهله كان يرد سوق البصرة، فسخر منه بنو نمير، فذكر ذلك لمواليه فقالوا له: إذا نبزك أحد منه فقل له:
فعض الطرف انك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا
فلما رجع، سخروا منه ونبزوه، فأراد أن يقول البيت فنسيه فقال: غمض وإلاّ جاءك ما تكره! فكفوا عنه عند ذلك وعلموا إنّه عرف قول جرير فيهم.
وروي أن امرأة مرت بقوم من بني نمير، فأخذوا ينظرون إليها ويتواصفونها، فقالت: قبحكم الله يا بني نمير! ما امتثلتم واحدة من اثنين: لا قول الله تعالى حيث يقول: ) قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم( ولا قول جرير حيث يقول: فغض الطرف " البيت " . فأجمعوا بذلك وذهبوا.
وأحاب بعض بني نمير جريرا عن شعره فقال:
نمير جمرة العرب التي لم ... تزل في الحرب تلتهب التهابا

(1/109)


وإني إذ أسب بها كليبا ... فتحت عليهم للسخف بابا
ولولا أن يقال هجا نميرا ... و لو نسمع لشاعرهم جوابا
؟رغبنا عن هجاء بني كليبٍ و كيف يشتم الناس الكلابا؟ فما ضر ذلك كليبا ولا جريرا ولا نفع نميرا. وقصيدة جرير مذكورة هي التي سماها الدامغة. ولاستمرار الضعة في بني نمير بهجاء جرير قال أبن مناذر يهجو ثقيفا:
وسوف يزيدكم ضعة هجاني ... كما وضع الهجاء بني نمير
و قال عنترة العبسي يخاطب امرأته:
لا تذكري مهري وما أطعمته ... فيكون جلدك مثل جلد الأجرب
إنَّ الغبوق له وأنت مسودة ... فتأوي ما شئت ثم تحوبي
كذب العتيق وما شن بارد ... إنَّ كنت سائلتي غبوقا فاذهبي!
قوله العتيق، يجوز نصبه ورفعه، ومعناه على الجملة الإغراء، أي عليك بالعتيق، وهو التمر القديم، ولإعرابه تحقيق في علم النحو مشهور.
وقال الآخر:
خذ من أخيك العفو ذنوبه ... و لا تك في كل الأمور تعاتبه
فإنك لن تلقى أخاك مهذبا ... و أي امرئ ينجو من العيب صاحبه؟
أخوك الذي لا ينقض النأي عهده ... و لا عند صرف الدهر يزور جانبه
وليس الذي يلقاك بالبشر والرضى ... و إنَّ غبت يوما لسعتك عقاربه
و قال رجل من بني ضبة لعبد الملك:
والله ما ندري إذا ما فاتنا ... طلب إليك من الذي نتطلب
فلقد ضربنا في البلاد فلم نجد ... أحداً سواك إلى المكارم ينسب
فأصبر لعادتنا التي عودتنا ... أولا فأرشد إلى من نذهب
فقال له عبد الملك: إلي! إلي! وأكرمه وحباه.
وقال ضمرة بن ضمرة:
بكرت تلومك بعد وهن في الندى ... بسل عليك ملامتي وعتابي!
ولقد علمت تظني غيره ... أنَّ سوف تخلجني سبيل صاحبي
أ أصرنا وبني عمي ساغب؟ ... فكفاك من إبة علي وعاب
أنَّ رأيت إن صرخت منها هامتي ... و خرجت منها بالي الأثواب
هل تخمشن إبلي عليَّ وجوهها ... لم تعصبن رؤوسها بسلابِ؟
قوله بسل، أي حرام، كقول زهير:
بلاد بها نادمتهم وألفتهم ... فإنَ تقويا منهم فانهم بسلُ
و قوله تخلجني، أي تجذبني، والخلج الجذب، ومنه خليج الماء لا تجاذبه إلى ناحية؛ والساغب الجائع؛ والأبة: الحياء.
وقال الآخر:
تود عدوي ثم تزعم أنني ... صديقك إنَّ الرأي منك لعازبُ
وليس أخي من ودني رأي عينه ... و كان أخي من ودني وهو غائبُ
و قال الآخر:
إذا ما علوا قالوا أبونا وأمنا ... و ليس لهم عالين أمٍ ولا أبُ
أي إذا غلبوا انتسبوا وتحببوا وتقربوا، وإن كانوا هم الغالبين تعثلموا وتبرؤوا وتبرموا وهذا فعل اللئيم.
ذكر أبو علي البغدادي عن أبي الكلبي عن أبيه قال: كان مرثد الخير بن ينكف قيلاً من أقيال اليمن وكان حدباً على عشيرته محباً لصالحها. وكان سبيع بن الحارث وميثم بن مثوب بن ذي رعين تنازعا الشرف حتى تشاحنا، وخيف أن يقع بين حييهما شرٌ فيتفانيا. فبعث إليهما مرثد فأحضرهما ليصلح بينهما فقال لهما: إنَّ التخفط وامتطاء الهجاج، واستحقاب اللجاج، سيقفكما على هوةٍ في توردها بوار الأصيلة، وانقطاع الوسيلة. فتلاقيا أمركما قبل انتكاث العقد، وانحلال العهد، وتشتت الألفة، وتباين السهمة! وأنتما في فسحة رافهة، وقدم واطدة والمودة مثرية والبقيا معرضة. فقد عرفتم أنباء من كان قبلكم من العرب ممن عصى النصيح، وخالف الرشيد وأصغى إلى التقاطع. ورأيتم ما آلت إليه عواقب سوء سعيهم وكيف كان صيور أمرهم قبلا، فتلافوا القرحة قبل تفاقم الثاني واستفحال الداء وإعواز الدواء! فانه إذا سفكت الدماء، استحكمت الشحناء وإذا استحكمت الشحناء تقصبت عرى الإبقاء، وشمل البلاء. فقال سبيع: أيّها الملك إنَّ عداوة بني العلات، لا تبرئها الأساة، ولا تشفيها الرقاة ولا تستقل بها الكفأة والحسد الكامن هو الداء الباطن. وقد علم بنو أبينا هؤلاء أنا لهم ردء إذا رهبوا وغيث إذا اجدبوا، وعضد إذا حاربوا، ومفزع إذا نكبوا؛ وأنا وإياهم كما قال الأول:
إذا ما علوا قلوا أبونا وأمنا ... وليس لهم عالين أم ولا أبُ

(1/110)


فقال ميثم: أيّها الملك إنَّ من نفس على أبن أبيه الزعامة وجدبه في المقامة، واستكثر له قليل الكرامة كان قرفاً بالملامة ومؤنباً على ترك الاستقامة. وإنَّا والله ما نعتد لهم بيد إلاّ وقد نالهم منا كفاؤها ولا نذكر لهم حسنة إلاّ وقد تطلع إليهم منا جزاؤها، ولا تفيا لهم علينا ظل نعمة إلاّ وقد قوبلوا بشرواها. ونحن بنو فحل مقرم لم تغد بنا الأمهات ولا بهم، ولم تنزعنا أعراق السوء ولا إياهم. فعلام مط الخدود وخزر العيون والجخيف والتصعر والبأو والتكبر؟ ألكثرة عدد أم لفضل جلد أم لطول معتقد؟ وإنا وإياهم لكما قال الأول:
لاه أبن عمك لا أفصلت في حسب ... عني ولا أنت دياني فتخزوني
و مقاطع الأمور ثلاثة: حرب مبيرة أو سلم قريرة أو مداجاة غفيرة. فقال الملك: لا تنشط عقل الشوادر ولا تلقحوا العون القواعد، ولا تورثوا نيران الأحقاد! ففيها التلفة المستأصلة والجائحة والأليلة؛ وعفو بالحلم، أبلاد الكلم، وأنيبوا إلى السبيل الأرشد، والمنهج المقصد! فإنَ الحرب تقبل بزبرج الغرور وتدبر بالويل والثبور. ثم قال الملك:
ألا هل أتى الأقوال بذلي نصيحة ... حبوت بها مني سبيع وميثما؟
وقلت اعلما أنَّ التدابر غادرت ... عواقبه للذل والقل جرهما
فلا تقدحا زند العقوق وابقيا ... على العزة القعساء أن تتهدما
ولا تجنيا حربا تجر عليكما ... عواقبها يوما من الشر أشأما
فإنَ جنات الحرب للحين عرضة ... تفوقهم منها الزعاف المقسما
حذار فلا تستنبثوها فإنها ... تغادر ذا الأنف الأشم مكشما
فقالا: أيها الملك بل نقبل نصحك ونطيع أمرك ونطفئ النائرة ونحل الضغائن ونثوب إلى السلم.
قال أبو بكر بن دريد: التحفظ ركوب الرجل رأسه في الشر خاصة. قال أبو علي: ولم أسمع هذه الكلمة من غيره. فأما التخمط بالميم فالتكبر. انتهى. وكذا من رأينا من اللغويين لم يذكروا تلك المادة أصلا. وركب الرجل هجاجة: لج ومحك. قاله أبن دريد. وفي الصحاح: ركب هجاج غير منصرف، وركب هجاج كقطام: ركب رأسه، وأنشد: وقد ركبوا عاى لومي هجاج واستحقاب اللجاج استفعال، إما من حقيبة الرجل، وهو ما يكون وراء الرجل يملأ حشيشا أو تبنا وإما من الحقاب وهو بريم تشد به المرأة وسطها. وعلى الأول يكون استحقاب اللجاج معناه جعله في الوعاء؛ وعلى الثاني يكون معناه الأضرار به على المجاز فيهما؛ والهوة: الحفرة. والبوار: الهلاك؛ والأصيلة: الأصل: والانتكاث: الانتقاض. ورافة: ناعمة. وواطدة: ثابتة. ومثرية: متصلة، من الثرى وهو التراب الندي. والمعرضة: الممكنة، من أعراض الصيد إذا أمكن من عرضه أي جنيه ليرمى. وصيور الأمر: ما يؤول إليه. واستفحال الداء: اشتداده. وتقصبت: تقطعت. والأساة: الأطباء. والزعامة: الرئاسة: وجدبه في المقامة، أي عابه، والمقامة: المجلس وقد يراد به الجلاي، ويحتملهما قول زهير:
وفيهم مقامات حسان وجوههم ... و أندية ينتابها القول والفعلُ
و قرفاً بالملامة أي خليقا لها. وشرواها: مثلها. والخزر: النظر بمؤخرة العين، وهو معروف عند العامة اليوم. والجخيف: التكبر. والمداجات: المساترة والغفيرة: الغفران. ولا تنشطوا: لا تحملوا. ولا تلحقوا العون: لا تسرعوا الحرب، وأصله في الإبل؛ يقال: لقحت الناقة إذا حملت وألقحها الفحل. والعون جمع عوان وهي الثيب وتستعار للحرب التي قوتل فيها مرة أخرى. وتورثوا: تذكوا. والاليلة: الثكل. والابلاد: الآثار، وأحدها بلد. والقعساء: الثابتة. وتفوقهم: تسقيهم الفواق أي ما بين الحلبتين. وتستنبثوها: تستخرجوا نبيثها والنبيثة في الأصل ما يخرج من البئر إذا حفرت. ومكشم: مقطوع.
وقال الآخر:
يرى الحاضر الشاهد المطوئن ... من الأمر ما لا يرى الغلئبُ
و قال الأحوص:
قالت وقلت تحرجي وصلي ... حبل امرئ بوصالكم صبُ
صاحب إذا بعلي فقلت لها ... الغدر شيء ليس من ضربي
ثنتان لا أدنو لوصلهما: ... عرس الخليل وجارة الجنبِ
أما الخليل فلست فاجعه ... و الجار أوصاني به ربي
عوجا كذا نذكر لغانيةٍ ... بعض الحديث مطيكم صحبي
ونقل لها فيهم الصدود ولم ... أذنب بل أنت بدأت بالذنبِ
إن تقبلي نقبل وننزلكم ... من بدار السهل والرحبِ

(1/111)


أو تدبري يكدر معيشنا ... و تصدي متلائم الشعبِ
و لمّا سمع أبو السائب هذا الشعر قال : هذا المحب عيناً لا الذي يقول:
وكنت إذا حبيبٌ رام صرمي ... وجدت وراي منفسحاً عريضا
اذهب فلا صحبك الله ولا وسع عليك! قلت: واتما قال ذلك لأنهم يرون أنَّ فضيلة المحب وكمال العاشق أن يتطبع بلواعج البلبال، ويستديم الصبابة على كل حال.
وحدث بعض الأدباء قال: قال عروة بن عبد الله : نزل أبن أذينة في دارنا بالعقيق فسمعته ينشد:
إنَّ التي زعمت فؤادك ملها ... خلقت هواك كما خلقت هوى لها
كيف الذي زعمت به وكلاهما ... أبدى بصاحبه الصبابة كلها؟
ولعمرها لو كان حبك فوقها ... يوما وقد ضحيت إذا لأظلها!
وإذا وجدت لها وساوس سلوة ... شفع الضمير إلى الفؤاد فسلها
بيضاء باكرها النعيم فصاغها ... بلطافة فأدقها وأجلها
لمّا عرضت مسلما لي حاجة ... أخشى صعوبتها وأرجو ذلها
منعت تحيتها فقلت لصاحبي ... ما كان أكثرها لنا وأقلها!
فدنا وقال لعلها معذورةٌ ... في بعض رقبتها فقلت لعلها
قال وبلغ ذلك أبا السائب المخزومي فأتاني وقال : أنشدني ما سمعت من عروة أذينة، فأنشدته إياها فلما بلغت البيت الأخير طرب وقال : والله الدائم الصبابة الصادق لا الذي يقول:
إن كان أهلك يمنعونك رغبةً ... عني فأهلي بي أضن وأرغبُ
ثم قلت: هلم الذي الطعام!فقال: والله ما كنت لأخلط بلذة هذه الأبيات طعاما إلى الليل! وأنصرف.
قلت: ووقع ما يشبه العيب الذكور في قول امرئ القيس:
أ أسماء أمسى ودها قد تغيرا ... سنبدل إن أبدلت بالود آخرا
ومن نمط المحمود في استدامة الحب والصبابة قول بعضهم:
إذا ما صديق أسا مرةً ... و قد كان فيما مضى مجملا
ذكرت المقدم من فعلهِ ... فلا ينقض الآخر الأولا
و قال الآخر، وينسب للمجنون أو إبراهيم بن العباس:
تطلع من نفسي إليك نوازعٌ ... عوارف أنَّ اليأس منك نصيبها
وأزالت زوال النفس عن مستقرها ... فمن مخبري في أي أرضٍ غروبه؟
حلالٌ لليلى أن تروع فؤادهُ ... بهجرٍ ومغفورٌ لليلى ذنوبها
و قال الآخر:
ومن شغفي فيكم ووجدي أنني ... أهون ما ألقاه وهو هوانُ
ويحسن قبح الفعل إن جاء منكم ... كما طاب ريح العود وهو دخانُ
و قال الآخر:
إن أمت وجداً فلي قدمٌ ... بي إلى حتف الهوى سعتِ
أو ترق يلك اللحاظ دمي ... فهي في حلٍّ وفي سعةِ
و قال الآخر:
أبدا أزيدُ مع الوصال تلهفاً ... كالعقد في جيد المليحة يقلقُ
ويزيدني كلفا فأذكر فعلهُ ... كالمسك تسحقه الأكف فيعبقُ
و قال الآخر:
فرقت بيننا الحوادث لكن ... في نفسٌ إليكم أدنيها
وكأني في الود فأرة مسكٍ ... أفرغوها ونفحة الطيب فيها
و قال الآخر:
وإذا المليح أتى بذنبٍ واحدٍ ... جاءت محاسنه بألف شفيعِ
و قال بعضهم فيه:
ما ذلتي في حبكم وخضوعي ... عارٌ ولا شغفي بكم ببديعِ
دين الهوى ذلٌ وجسمٌ ناحلٌ ... و سهاد أجفانٍ وفيض دموعِ
كم قد لحاني في هواكم لائمٌ ... و ثنيت عطفي عنه غير سميعِ
ما يحدث التقبيح عندي سلوةً ... لكم ولو جئتم بكل فظيعِ
وإذا المليح أتى بذنبٍ واحدٍ ... جائت محاسنه بألف شفيعِ
و قال الحكيم:
مستقبل بالذي بهوى وإن كثرت ... منه الذنوب ومعذورٌ بما صنعا
في وجهه شافعٌ يمحو أساءته ... من القلب وجيهٌ حيثما شفعا
و قول أبي فراس الحمداني:
أساء فزادته الإساءة حظوةً ... حبيبع ما كان منه حبيبُ
تعدُ عليَّ الوشيات ذنوبه ... و أين من الوجه المليح ذنوبُ؟
و قال الآخر:
وكلما رمتُ أن أقابله ... على تماديه في تعديهِ
جاءت على غفلةٍ محاسنه ... تلزمني الصفح عن مساويهِ
و قال الآخر:
كلما أذنب أبدى وجهه ... حجةً فهو مليٌ بالحججِ
كيف لا يفرط في إجرامه ... من متى شاء من الذنب خرج
و قال الآخر:
عفت محاسنه عندي إساءته ... حتى لقد حسنت عني مساويهِ
و قال الآخر:

(1/112)


لي حبيبٌ كالظبي غرٍّو لكن ... بعذابي في الحب ما أغراهُ!
وإذا كرر الذنوب فيكفيه ... اعتذاراً مما جنى أن أراهُ
و قال الآخر:
ومستنصٍ في العذر مستعجل القلى ... بعيدٍ من العتبى قريبٍ من الهجرِ
له شافعٌ في القلب مع كلِّ زلةٍ ... فليس بمحتاج الذنوب إلى العذرِ
و قال أبي الطيب:
فأن يكن الفعل الذي ساء واحداً ... فأفعاله اللائى سررن ألوفُ
و قال حاتم أو عمرو بن الأهتم:
أضاحك ضيفي قبل إنزال رحله ... و يخصب عندي والمحل جديبُ
وما الخصب للأضيافِ أن يكثر القرى ... و لكنما وجه الكريم خصيبُ
وسنذكر ما في هذا النزع من الشعر بعد إن شاء الله تعالى. وقال رجل من عبس:
إذا راح ركبٌ مسرعون فقلبه ... مع الرائحين المسرعين جنيبُ
وإن هبَّ علويُّ الرياح رأيتني ... كأني لعلو يأتهن نسيبُ
فلا خير في الدنيا إذا أنت لم تزر ... حبيباً ولم يطرب إليك حبيبُ
و قال الآخر:
من كان يزعم أن سيكتم حبه ... حتى يشكك فيه فهو كذوبُ
الحب أغلبُ للفؤاد بقهره ... من أن يرى للستر فيه نصيبُ
وإذا بدا سر اللبيب فإنه ... لم يبد إلاّ أنه مغلوبُ
إني لأبغض عاشقاً متستراً ... لم تتهمه أعينٌ وقلوبُ
و قال ذو الرمة:
إذا هبت الأرواح من نحو جانبٍ ... به أهل ميٍّ هاج لبي هبوبها
هوى تذوف العينان منه وإنما ... هوى كل نفسٍ حيث حل حبيبها
وقال المجنون:
يقولون لي يوماً وقد جئت حيهم ... و في كبدي نارٌ يشب لهيبها
أما تخشى من أسدنا؟ فأجبتهم ... هوى كلً نفسٍ حيث حل حبيبها
و قال بعض الأعراب:
شكوت فقالت كل هذا تبرماً ... بحبي أراح الله قلبك من حبي!
فلما كتمت الحب قالت لشدما ... صبرت وما هذا يفعل شجي القلبِ
وأدنو فتقصيني وأبعد طالباً ... رضاها فتعتد التباعد من ذنبي
فشكواي يؤذيها وصبري سيوؤها ... و تجزع من بعدي وتنفر من قربي
فيا قوم هل من حيلةٍ تعرفونها؟ ... أشيروا بها واستوجبوا الشكر من ربي!
و تقدم هذا المعنى في حرف الهمزة. وقريب منه وإن عاكسه في الترديد قول امرئ القيس:
وقالت متى يبخل عليك ويعتلل ... يسؤك وإن يكشف غرامك يدربِ
و قال الإمام العارف بالله تعالى أبو بكر الشبلي رضي الله عنه وقد دخل على شيخه الإمام أبي القاسم الجنيد رضي الله عنه فوقف بين يديه وصفق بيده وقال:
عودوني الوصال والوصل عذبُ ... و رموني بالصد والصدُ صعبُ
زعموا حين أزمعوا أنَّ ذنبي ... فرط حبي لهم وما ذاك ذنبُ
لا وحق الخضوع عند التلاقي ... ما جزا من يحب إلاّ يُحَبُ
فأجابه الشيخ فقال:
وتمنيت أن أراك ... فلما رأيتكا
غلبت دهشة السرور ... فلم أملك البكا
و قال أبو علي الفارسي النحوي:
خضبت الشيب لمّا كان عيباً ... و خضب الشيب أولى أن يعابا
ولم أخضب مخافة هجر خلٍ ... و لا عيبا خشيت ولا عتابا
ولكن المشيب بدا دميما ... فصيرت الخضاب له عقابا
و سيأتي ذكر ما في الشيب والخضاب مستوفي إن شاء الله تعالى.
وقال عبد الله بن سعيد الموصلي الشافعي:
قالوا سلا، صدقوا عن ... السلوان ليس عن الحبيبِ
قالوا: فلم ترك الزيارة؟ ... قلت: من خوف الرقيبِ
قالوا: فكيف يعيش مع ... هذا؟ فقلت: من العجيبِ
و قال انو العرب الصقلي:
لا تعجبن لرأسي كيف شاب أسىً ... و أعجب لأسود عيني كيف لم يشب
البحر للروم لا تجري السفين به ... إلاّ على خطرٍ والبر للعرب
و سبب قوله ذلك إنَّ المعتمد بن عباد بعث إليه بخمسمائة دينار وأمره أن يتجهز بها ويقدم عليه، فكتب إليه الحصري:
أمرتني بركوب البحر أقطعه ... غيري لك الخير فاخصصه بذي الداء
ما أنت نوحٌ فتنجيني سفينته ... و لا أنا أمشي على الماءِ
و قال أبو الوفاء:
ومن كان في المسعى أبوه دليله ... تدانى له الشأو الذي هو طالبه
و قال يحيى بن خالد بن برمك:
أنصب نهاراً في طلاب العلى ... و أصير على فقد الحبيب القريب

(1/113)


حتى إذا الليل أتى مقبلا ... و استترت فيه وجوه الغيوبُ
فكابد الليل بما تشتهي ... فإنما الليل نهار الأريب
كم من فتى تحسبه ناكساً ... يستقبل الليل بأمر عجيب
غطى عليه الليل أستاره ... فبات في لهو وعيش خصيب
ولذة الأحمق مكشوفة ... يسعى بها كل عدو رقيب
و سبب هذا الشعر أن ابنه الفضل بن يحيى كان الرشيد قد ولاه عمل خراسان فأقام بها مدة ثم وصل كتاب صاحب البريد إلى الرشيد، ويحيى بين يديه جالس، مضمنه أن الفضل أشتغل بالصيد واللذات عن النظر في أمور الرعية. فلما قرأ الرشيد الكتاب رمى به إلى يحيى وقال له: يا أبي! اقرأ هذا الكتاب واكتب إليه ما يرده عن هذا. فكتب إليه يحيى على ظهر كتاب صاحب البريد: حفظك الله يا بني وأمتع بك! قد انتهى إلى أمير المؤمنين ما أنت عليه شاغل بالصيد ومداومة اللذات عن النظر في أمور الرعية فأنكره، فعاود ما هو زين بك، فانه من عاد إلى ما يريبه ويشينه لم يعرفه أهل دهره إلاّ به، والسلام. وكتب في أسفله الأبيات المذكورة، والرشيد ينظر إلى ما يكتب. فلما فرغ قال: أبلغت يا أبي! فلما ورد الكتاب على الفضل، لم يفارق المسجد نهاراً إلى إنَّ انصرف عن عمله.
وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه: تزوجت امرأة بمكة من قريش، وكنت أمازحها فأقول:
ومن البليلة أنَّ تحب ... فلا يحبك من تحبه
فتقول هي:
ويصد عنك بوجهه ... و تلج أنت فلا تغبه
و قال الشريف الرضي:
ولقد وقفت على طلولهم ... و ربوعهم بيد البلى نهب
و من أعجب الاتفاق أن بعض الأدباء مر بدار الشريف هذا التي ببغداد، وقد خربت وذهبت بهجتها، ولم يبق منها إلاّ آثار تشهد لها بالحسن والنظارة. وفوقف وتمثل بالبيت المذكور وهو لا يعرف لمن الدار. فمر به شخص وسمعه ينشد البيت فقال له: أتعرف هذه الدار؟ قال: لا. قال: هي دار الشريف صاحب البيت. وهذه تشبه حكاية عبيد الجرهمي، وكان دخل على معاوية فقال له: حدثني بأعجب ما رأيت. فقال: مررت ذات يوم بقوم يدفنون ميتا لهم، فاغرورقت عيناي بالدموع، وتمثل بقول الشاعر:
يا قلب إنك من أسماء مغرور ... فاذكر، وهل ينفعنك اليوم تذكير؟
فاستدر الله خيرا من وراضين به ... فبينما العسر إذ جاءت مياسير
وبينما المرء في الأحياء مغتبط ... إذا هو الرمس تعفوه الأعاصير
يبكي الغريب عليه ليس يعرفه ... و ذو قرابته في الحي مسرور
فقال لي رجل: أتعرف من يقول هذا الشعر؟ فقلت: لا. فقال: إنَّ قائله هو الذي دفناه الساعون وأنت الغريب الذي تبكي عليه، وهذا الخارج من قبره أمس الناس رحما وأسرهم بموته. فقال له معاوية: لقد رأيت عجبا! وقال صر در:
إنَّ الهلال يرتجي طلوعه ... بعد السرار ليله احتجابه
والشمس لا يويس من طلوعها ... و إنَّ طولها الليل في جنابه
و قال:
كم عودة دلت على دوامها ... و الخلد للإنسان في مآبه!
ولو قرب الدر على جالبه ... ما لجج الغائض في طلابه
ولو أقام لازما أصدافه ... لم تكن التيجان في حاسبه
ما لؤلؤ البحر ولا مرجانه ... إلاّ وراء الهول من عبابه
و قال الآخر:
جروح الليالي ما لهن طبيب ... و عيش الفتى بالفقر ليس يطيب
وحسبك أنَّ المرء في حال فقره ... تحمقه الأقوام وهو مصيب
ومن تعتوره الحادثات بصرفها ... يمت وهو مغلوب الفؤاد سليب
وما ضرني أنَّ قال أخطأت جاهل ... إذا قال كل الناس أنت مصيب
و قال علي بن الجهم:
سقى الله ليلا ضمنا بعد هجعة ... و دنى فؤادا من فؤاد معذب
فبتنا جميعا لو تراق زجاجة ... من الخمر فيما بيننا لم تسرب
وهذا معنى بليغ في العناق، أخذه من قول بشار:
فبتنا معا لا يخلص الماء بيننا ... إلى الصبح دوني حاجب وستور
و أبلغ منه في هذا المعنى قول عبد الله من المعتز:
ما اقصر الليل على الراقد ... وأهون السقم على العائد
ويفديك ما أبقيت من مهجتي ... لست لمّا أوليت بالحاجد
كأني عانقت ريحانة ... تنفست في ليلها البارد
فلو ترانا في قميص الدجى ... حسبنا من جسد واحد
و هو مأخوذ من قول الآخر:

(1/114)


خلوت فناداها ساعة ... على مثلها يحسد الحاسد
كإنا وثوب الدجى مسبل ... علينا لمبصرنا واحد
و ابلغ من هذا عندي قول أبن الرومي:
أعانقها والنفس بعد مشوقة ... إليها وهل بعد العناق تدان؟
وألثم فاها كي تموت حرارتي ... فيشد ما ألقى من الهيمان
ولم يك مقدار الذي بي من الهوى ... ليشفيه ما ترشف الشفتان
كأن فؤادي ليس يشفي غليله ... سوى أن يرى الروحان يمتزجان
فإن الامتزاج أخص مطلق الوحدة وأصرح في قطع العدة، وذلك في الأرواح أبلغ و أبدع منه في الأجسام، غير إنّه في الشعرين السابقين إخبار عن أمر هو واقع أو كالواقع، بخلاف هذا.
ولابن عبدوس الفارسي في العناق أيضاً:
لا والمنازل من نجد وليلتنا ... يفيد إذ جسدانا بيننا جسد
كم رام فينا الكرى من لطف مسلكه ... نوما فما أنفك لا خد ولا عضد!
و هو نحو ما للأولين وابلغ من حيث الجزم واصلح بن موسى:
لي سيدٌ ما مثله سيدٌ ... تصدت الحمى له فاشتكا
عانقته عند موافاتها ... و الأفق بالليل قد أحلو لكا
فجاءت الحمى لعادتها ... فلم تجد ما بيننا مسلكا
و هو نحو ما لابن الجهم وأبلغ منه لأن عدم نفوذ المعنى أغرب من عدم نفوذ الجسم.
ولابن رشيق أيضاً :
ومهفهفٍ يحميه عن نظر الورى ... غيران سكنى الموت تحت قبابه
فلثمت خداً منه ضرم لوعتي ... و جعلت أطفئ حرها برضابه
وضممته للصدر حتى استوهبت ... مني ثيابي بعض طيب ثيابه
فكأن قلبي من وراء ضلوعه ... طرباً يخبر قلبه عما به
و لابن معتز:
يا رب إخوان صحبتهم ... لا يرفعون لسلوة قلبا
لو تستطيع قلوبهم خرقت ... أجسامهم فتعانقت حبا
وهذا أبلغ ما سمعنا في الباب وتركنا ما قيل في مطلق العناق. وهو كثير خشية الإطناب.
وقال أبو قتبان المصري في باب المدح:
رغبت لنفسي أن أكون مصاحباً ... أناساً قيدوا إلى الذل أصحبوا
فجاورت ملكا تستهل يمينه ... ندى حين يرضى أو ردى حين يغضبُ
تدور كؤوس الحمد طوراً فينتشي ... و طوراً تعني المرهبات فيطربُ
عرفت فكان الانتساب زيادة ... و غيرك يخفيه الخمول فينسبُ
وفي بعض ذا المجد الذي ظفرت به ... يدرك غنى عما بنى الجد والأبُ
قضى الله أن يزداد بينك رفعة ... على أنه فوق النجوم مطنبُ
و قال أبو العلاء:
ردت لطافتة وحدة ذهنه ... و حش اللغات أو إنساً يخاطبه
كالنحل يجني المر من نور الربى ... فيعود شهداً في طريف رضابه
و قال أبو المظفر:
يا من يساجلني وليس بمدرك ... شأوي وأين له جلاله منصبي؟
و سيأتي تمام هذا الشعر بعد، إن شاء الله تعالى.
وقال مالك بن المرحل:
وبيداء كانت لي ضلوعاً تكنني ... كأني فيها لوعةٌ ووجيبُ
وتحت قميص الليل مني مجمر ... و فوق رداء الصبح مني طيبُ
وفي مقلة الظلماء مني موردٌ ... له بين أهداب السحاب دبيبُ
وفي مبسم الإصباح مسواك إسحلٍ ... و لكنه مهما عجمت صليبُ
فيقضي علي والليل أدعجٌ ... و يفصم عني الصبح وهو شنيبُ
و قال الآخر يرثي صديقا له نصرانياً:
أخي بوداد لا أخي بديانتي ... و رب أخٍ في الود مثل نسيبِ
وقالوا أتبكي اليوم من لست صاحباً ... غداً؟ إنَّ هذا فعل غير لبيبِ
ومن أين لا أبكي حبيبا فقدته ... إذا خاب منه في المعاد نصيبي؟
و قال بعض الأعراب:
أ حجاج بيت الله في أي هودجٍ ... و في أي بيت من بيتوكم حبي؟
يقولون هذا آخر العهد منكم ... فقلت وهذا آخر العهد من قلبي
و قال الآخر:
ليس ليوم البين عندي سوى ... مدامعٍ يجمعها سكبُ
كأنما فض بأجفانها ... رمانةٌ فانتثر الحبُ
و قال الآخر:
والغصن قد مال نحو النهر فالتقيا ... على هوى حين غنى الطائر الطربُ
فقبل النهر غصناً ثغره زهر ... و قبل الغصن نهراً ثغره حببُ
و قال الآخر:
قم أدرها فالليل رق دجاه ... وبدا طيلسانه ينجابُ
وكأن الصباح في الأفق بازٌ ... و الدجى بين مخلبيه غرابُ

(1/115)


وكأن السماء لجة بحر ... و كأن النجوم فيه عبابُ
و سيأتي ما قيل في هذا المعنى من مختار الشعر.
وقال محمد بن حسام الدين:
ألا إنَّ أرض الغرب أفضل موطنٍ ... تساق إليه الواخذات النجائبُ
ولو لم تكن في الغرب كل فضيلة ... لمّا حركت شوقا إليه الكواكبُ
و قال الآخر:
قوض خيامك عن أرض يهان بها ... و جانب الذل إنَّ الذل مجتنبُ
وارحل إذا كانت الأوطان مضيعة ... فالمندل الرطب في أوطانه حطبُ
و تقدم هذا المعنى مستوفي. وفي معناه أيضاً قول سهل بن مالك:
منغص العيش لا يأمي إلى دعةٍ ... من كان ذا ولدٍ أو كان ذا بلدِ
والساكن النفس من لم ترض همته ... سكنى مكان ولم يسن إلى أحدِ
و قال لبن الخطيب:
وإذا تنغصك الزمان ببلدةٍ ... فاطو المراحل كي تحوز كمالا
لمّا توغل في السرى بدر الدجى ... أبصرته بدراً وكان هلالا
و قال الآخر:
مللت حمص وملتني فلو نطقت ... كما نطقت تلاحينا على قدرِ
وسولت لي نفسي أن أفارقها ... و الماء في المزن أصفى منه في الغدرِ
و قول القاضي عبد الوهاب لن نصر:
بغداد دار لأهل المال والسعة ... و للصعاليك دار الضنك والضيقِ
أصبحت أمشي مضاعاً في أزقتها ... كأنني مصحف في بيت زنديقِ
و قال الآخر في ضده:
لا يعدم المرء ركنا يستكن به ... و شعبه بين أهليه وأصحابهِ
ومن نأى عنهم قلت مهابته ... كالليث يحقر لمّا غاب عن غابِ
و مثله قول الآخر:
إنَّ الهزير إذا نأى عن غيضه ... ضربت له الأيدي على ترقيصه
وكذا الغريب إذا نأى عن داره ... أدته غربته إلى تنقيصه
و مثله قول الآخر:
وقالوا اضطرب في الأرض فالرزق واسعٌ ... فقلت ولكن مسلك الرزق ضيقُ
إذا لم يكن في الأرض حر يعينني ... و لم أك ذا مالٍ فمن أين أنفقُ؟
و قال أبن المهدي:
واحن أيام الهوى يومك الذي ... يروع بالهجران فيه وبالعتبُ
إذا لم يكن في الحب بسخط ولا رضى ... فأين حلاوات الرسائل والكتب؟
و قال الآخر:
شيئان لو بكت الدماء عليهما ... عيناي حتى تؤذنا بذهابِ
لم تبلغا المعشار من حقيهما ... فقد الشباب وفرقة الأحبابِ
و سيأتي ما في هذا المنزع من الشعر بعد إن شاء الله تعالى.
وقال مالك بن المرحل:
مذهبي تقبيل خد مذهب ... سيدي ماذا ترى في مذهبي؟
لا تخالف مالكا في رأيه ... فيه يأخذ أهل الغربِ
و سيأتي ما قيل في التوجيه بعد إن شاء الله تعالى وقال عبد الجليل المرسي:
ما للعذار وكان وجهك قبله ... قد خط فيه من الدجى محرابا؟
وأرى الشباب وكان ليس بخاشعٍ ... قد خر فيه راكعا وأنابا
ولقد علمت بكون ثغرك بارقاً ... أن سوف يرمي للعذار سحابا
و قال نجم الدين بن بطريق:
أعاذك الله من همٍّ ومن نصب ... و لا لقيت الذي ألقى من الحربِ
هذا زماني أبو جقلٍ وذا حربي ... أبو معيط وذا قلبي أبو لهبِ
و قال الآخر:
قال حمار الطبيب قومي ... لو أنصفوني لكنت أركبُ
لأنني جاهل بسيط ... و صاحبي مركب
و قال أبو الفتح البستي:
إذا غدا ملك باللهو مشتغلا ... فالحكم على ملكه بالويل والحرب
أما ترى الشمس في الميزان ساقطة لمّا غدا وهو بيت اللهو والطرب؟
قال أبو الحسن الوارد:
يقولون: لاح الشيب فاله عن الصبا ... و عن قهوة تصبو لها وتنيب!
فقلت: دعوني نصطبحها سلافة ... على صبح شيبي فالصبوح عجيب
و مثله قول الآخر:
وقالوا: أنَّ تلهو والشباب قد انقضى ... و عمرك قد ولى يبق طائل؟
و قال الآخر:
وقائله: خل الهوى لرجاله ... فإن الهوى بعد المشيب جنون
فقلت لها: إنَّ الهوى فيه راحة ... ألذ الكرى عند الصباح يكون
و قال الآخر:
ولائمة لي إذ رأتني مشمراً ... أهرول في سبل الصبا خالع العذر
تقول: انتبه من رقدة اللهو والصبا ... فقد دب صبح الشيب في غسق الشعر
فقلت لها: كفي عن اللوم واعلمي ... بأن ألذ النوم إغفاء الفجر!

(1/116)


و قول أبن الساعاتي في ضده:
لا تعجبين لطالب نال العلى ... كاهلا واخفق في الزمان المقبل!
فالخمر تحكم في العقول مسنة ... و تدلس أوّل عصرها بالأرجل
و قال كاشح في نتف الشيب:
إذا ما مضى المنقاش يأتي بها أتت ... و قد أخذت من دونها جارة الجنب
كجان على السلطان يجزى بذنبه ... تعلق بالجيران من شدة الرعب
و مثله قول أبن النبيه:
اقتطف البيضاء من لمتي ... دأبا مع السوداء إذ تشرف
فتخلف البيض بأمثالها ... و تعضب السودا فما تخلف
حمامة السودان معروفة ... يعرفها من كان لا يعرف
و قال أبن الخطيب:
إني لمثلي من بعد ما ... للوخط في الفودين أي دبيب؟
لبس البياض وحل ذروة منبر ... مني ووالي الواعظ فعل خطيب
و قال أيضاً:
وقد كنت يهوى الروض طيب شمائلي ... و يمرح غص البان بين قبابي
فمذ كتب الوخط الملم بعارضي ... حروفا أتى فيها بمحض عتابي
نسخت بما قد خطه سنة الهوى ... و كم سنة منسوخة بكتاب!
و قال أيضاً:
وما كان إلاّ إنَّ جنى الطرف نظرة ... غدا لقلب رهنا في عقوبة ذنبه
وما العدل أنَّ يأتي امروء بجريرة ... فيؤخذ في أوزارها جار جنبه
و قال الآخر:
قد قلت إذا سار السفين بهم ... و البين ينهب مهجتي نهبا:
لو أن لي ملكا أصول به ... لأخذت كل سفينة غضبا
وقال الآخر:
رضاك شباب لا يليه مشيب ... و سخطك داء ليس منه طبيب
كأنك من كل النفوس مركب ... فأتت إلى كل النفوس حبيب
و قال أبن أبي العافية:
ودعتها ووداعها متضمن ... لوداع لذات الحياة وطيبها
واصفر منها وجهها ففهمت ما ... معنى اصفرار الشمس عند غروبها
وسيأتي ما في هذا المنزع بعد إن شاء الله تعالى.
وقال الآخر:
عجبت لطيف زار في الليل مضجعي ... و آب ولم يشف الفؤاد المعذبا
فأوهمني أمراً وقلت لعله ... رأى حالة لم يرضها فتجنبا
وما ذاك من أمر يريب وإنّما ... رآني قتيلا في الدجى فتهيبا
وسيأتي هذا أيضاً بعد إن شاء الله تعالى.
وقال أبو محمّد المصري:
سلام على الشيب الذي لا أريده ... و لا قلت أهلاً حين جلى ومرحبا
ولكنه ضيف كرهت قدومه ... و أكرمته إذ لم أجد عنه مذهبا
و قال الميكالي:
عيرتني ترك المدام وقالت: ... هل جفاها من الكرام أديب؟
هي تحت الظلام نور وفي الأكباد ... برد وفي الخدود لهيب
قلت: يا هذه عدلت عن النصح ... و ما للرشاد منك نصيب
إنها للستور هتك وللألباب ... قتل وفي المعاد ذنوب
و قال الآخر:
دعتني إلى لهو التصابي وما درت ... بأن زمان اللهو عني ذاهب
فقلت لها: مالي وللهو بعد ما ... تولى الصبا وازور للغيد جانب
وقد وخطت بيض من الشعر لمتي ... تخبر إنَّ البيض عني رواغب
أ ألهو وفجر الشيب قد لاح نوره ... بفودي، فقالت: أوّل الفجر كاذب
و قال الآخر:
أن استحسنت مقلتي غيركم ... أمرت السهاد بتعذيبها
وعاقبتها بالبكا دائما ... لمّا استحسنت غير محبوبها
فلما تنظر العين إلاّ إليك ... لأنك غاية مطلوبها
و قال أبو محمّد بن عبد البر رحمه الله:
قل للوزير وقد قطعت بمدحه ... عمري فكان السجن منه ثوابي
لم تعد في أمري الصواب موفقا ... هذا جزاء الشاعر الكاذب!
و قال بعض الأدباء في طريق التورية:
ومعطر الأنفاس يبسم دائما ... عن در ثغر زانه ترتيب
من لم يشاهد منه عقد جواهر ... لم يدر ما التنقيح والتهديب
ومثله أيضاً في هذا المعنى:
قلت والشعر يشي في خده ... لام حسن سهلت لومي علي
بحياة الحب كوني للرضى ... لام جر لا تكوني لام كي!
و قال الآخر على هذا الطريق:
هبت مع لفجر لميعادها ... فافتضح الشارق والغارب
فجران ذلك الوجه أسناهما ... هل يستوي الصادق والكاذب؟
و قال آخر على قريب من هذا:
دهر يمر وآمال مخيمة ... و لا أحتقاب يسوي وزر على الحقب

(1/117)


تمضى الفروع على حكم الأصول ولا ... استذكار قلب ولا تمهيد منقلب
خط المشيب على فوديك تذكرة ... بأن تنيب وحتى لأن لم تنب
وقد نضى سيفه فأحذر صرامته ... فالسيف أصدق أنباء من الكتب!
سلت عليك الليالي منه ذا شطبٍ ... في حده الحد بين الجد واللعب
و كتب المستعصم بالله إلى أبن عمار على وجه العتب فيما بلغه عنه:
وزهدني في الناس معرفتي بهم ... و طول اختباري صاحبا بعد صاحب
فلم تراني الأيام خلا تسرني ... مباديه إلاّ ساءني في العواقب
ولا قلت أرجوه لدفع ملمة ... من الدهر إلاّ كان إحدى المصائب
فأجابه أبن عمار بقطعة منها:
فديتك لا تزهد وثم بقية ... سيرغب فيها عن وقوع النوائب!
وابق على الخلصان إنَّ لديهم ... على البدء كراتٍ بحسن العواقب
و قال بعضهم، وقد زاره إخوان له:
أهلاً وسهلاً بسادات لنا نجب ... كالذبل السمر أو كالأنجم الشهب!
أجملتم وتفضلتم بزورتكم ... و ليس ينكر فضل من ذوي حسب
أضاء منزلنا من نور أوجهكم ... و طاب من عيشا ما كان لم يطب
و قال أبن الرومي:
أرى الصبر محمودا وعنه مذاهب ... فكيف إذا ما لم يكن عنه مذهب؟
هناك يحق الصبر والصبر واجب ... و ما كان منه كالضرورة أوجب
هو المهرب المنجى لمن أحدقت له ... مكاره دهر ليس عنهن مهرب
و قال القاضي الفاضل في معناه:
لا تلن للخطوب الحديد ما كان إلاّ ... حين أبدى لينا لحر اللهيب
إنَّ ضرب الحديد ما كان إلاّ ... حين أبدى لينا لحر اللهيب
و تقدم ما في هذا المنزع وهو كثير.
وقال بعض الأعراب:
لا يقنع الجارية الخضاب ... و لا الوشاحان ولا الجلباب
من دون أن تلتقي الأركاب ... و يقعد الأير لعاب
الأركاب جمع ركب بفتحتين، وهو ظاهر الفرج أو العانة أو منبتها؛ ويقعد معناها هنا يصير، أي يصير الأير وهو الذكر ذا لعاب.
وقال الآخر:
عجبت لمبتاع الضلالة بالهدى ... و للمشتري دنياه بالدين أعجب
وأعجب من هذين من باع دينه ... بدنياه سواه فهو من ذين أخيب
و قال الحماسي:
وإنَّ أتوك فقالوا إنّها نصف ... فإنَ أطيب نصفيها الذي ذهبا
و ينشد هذا الشعر على ضر آخر وهو:
لا تنكحن عجوزا أو مطلقة ... و لا يسوقنها في حبلك القدر
وإنَّ أتوك وقالوا إنّها نصف ... فإنَ أطيب نصفيها الذي غبرا
و فيه عيب القافية. والنصف من النساء بفتحتين: المتوسطة. وقوله أخلع ثيابك يحتمل أنَّ يريد به: انزع محبتك منها وتسل عنها ولا تلتفت إليها والثياب تطلق على لقلوب، فتطلق على المحبة باعتبار إنّها فيها. ومن الأول قول عنترة:
فشككت بالرمح الأصم ثيابه ... ليس الكريم على القنا بمحرم
أي شققت قلبه. ويصحان معا وفي قول امرئ القيس:
وإنَّ كنت قد ساءتك مني خليفة ... فسلي ثيابك من ثيابك تنسل
أي سلي قلبي من قلبك، أو محبتي من قلبك. وقيل في قوله تعالى: ) وثيابك فطهر(، أي قلبك، ويكنى بالثياب عن الأعمال أيضاً. ورد إنَّ الميت يبعث في أثوابه أي أعماله.
فائدة: ذكر أبو العباس أحمد بن عطاء الله أنَّ الشيخ أبا الحسن الشاذلي رضي الله عنهما بات ليلة، وضنها ليلة سبع وعشرين، بالمسجد الجامع وافتتح الصلاة، فجعل الأولياء يتساقطون عليه من كل ناحية، فلما اصبح قال: ما كانت البارحة إلاّ ليلة مباركة! سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: يا علي طهر ثيابك من الدنس ، تحظ بمدد الله تعالى في كل نفس في كل نفس! فقلت يا رسول الله، ما ثيابي؟ قال: كذا، وفسرها له بأخلاق قلبه ومقاماته؛ ونسيت اللفظ لطول العهد به. قال أبو الحسن:فعرفت حينئذ معنى قوله تعالى )و ثيابك فطهر(.
وقال الآخر:
فإنَ تكن الأيام أحسن مرة ... إلي فقد عادت لهن ذنوب
و هذا البيت من قصيدة، أضطرب في القائها، رثي بها رجل يقال له أبو المغوار، ورأيت أن أثبتها هنا مع طولها، لحسنها واشتمالها على الأمثال وهي:
تقول سليمى: ما لجسمك شاحبا ... كأنك يحميك الطعام طبيب؟
فقلت، ولم يعي الجواب لقولها ... للدهر في صمم الإسلام نصيب:

(1/118)


تتابع أحداث تخر من اخوتي ... و شيبن رأسي والخطوب تشيب
لعمري لئن كانت أصابت منية ... أخي والمنايا للرجال شعوب
لقد عمجت منا الحوادث ماجداً ... عروفا لريب الدهر حين يريب
وقد كان أما حلمه فمروح ... علينا وأما جهله فعيزب
فتى الحرب إنَّ حاربت كأنَّ سهامها ... و في السلم مفضال الدين وهوب
هوت أمه ماذا تضمن قبره ... من الجود والمعروف حين يؤوب؟
جموع خلا الخير من كل جانب ... إذا جاء جياء بهن ذهوب
مفيد مفيت الفائدات معود ... لفعل الندى والمكرمات كسيب
فتى لا يبالي إنَّ يكون بجسمه ... إذا نال خلات الكرام شحوب
غنينا بخير حقبة ثم جلحت ... علينا التي كل الأنام تصيب
فأبقت قليلاً ذاهبا وتجهزت ... لأخر والراجي الخلود كذوب
واعلم أنَّ الباقي الحي منهما ... إلى أجل أقصى مداه قريب
فلو كان حي يفتدى لفديته ... بما لم تكن عنه النفوس تطيب
بعيني أو يمنى يدي وإنني ... ببذل فداه جاهدا لمصيب
فإن تكن الأيام أحسن مرة ... إلي فقد عادت لهن ذنوب
أخي كان يكفيني وكان يعينني ... على نائبات الدهر حين تنوب
عظيم رماد النار رحب فناؤه ... إلى سند لم يحتجنه غبوب
قريب ثراه ما ينال عدوه ... له نبطا أبي الهوان قطوب
لقد افسد الموت الحياة أتى ... على يومه علق إلي حبيب
حليم إذا ما الحلم زين أهله ... مع الحلم في عين العدو مهيب
إذا ما تراه أه الرجال تحفظوا ... فلم تنطق العوراء وهو قريب
أخي ما أخي لا فاحش عند بيته ... و لا ورع عند اللقاء هيوب
على خير ما كان الرجال نباته ... و ما الحظ إلاّ طعمة ونصيب
و يروى:
على خير ما كان الرجال خلاله ... و ما الخير إلاّ قسمة ونصيب
حليف الندى يدعو الندى فيجيبه ... و يدعوه الندى فيجيب
هو العسل الماذي لينا وشيمة ... و ليث إذا يلقى العدو غضوب
حليم إذا ما سورة الجهل أطلقت ... حبى الشيب للنفس اللجوج غلوب
هوت أمه ما يبعث الصبح غاديا ... و ماذا يرد الليل حين يؤوب؟
كعالية الرمح الرديني لم يكن ... إذا ابتدر الخير الرجال يخيب
أخو شتوات يعلم الحي إنّه ... سيكثر ما في قدره ويطيب
ليبكك عار لم يجد من يعينه ... و طاوي الحشى نائي المزار غريب
تروح تزهاه صبى مستطيفة ... بكل ذرى والمستزاد جذيب
كأن أبا المغمور لم يوف مرقبا ... إذا ربا القوم الغزاة رقيب
ولم يدع الفتيان كرامة لميسر ... إذا هب من ريح الشتاء هبوب
إذا حل لم تقصر مقامة بيته ... و لكنه الأدنى بحيث يجيب
حبيب إلى الزوار غشيان بيته ... جميل المحيى شب وهو أديب
يبيت الندى يا أم عمرو ضجيعه ... إذا لم يكن في المنقيات حلوب
كأن بيوت الحي ما لم يكن بها ... بسابس لا يفنى بهن غريب
إذا شهيد الايسار أو غاب بعضهم ... كفى ذاك وضاح الجبين نجيب
و يروى:
وإن شهدوا أو غاب بعض حماتهم ... كفى ذاك وضاح الجبين أريب
وداع دعا: يا من يجيب إلى الندى؟ ... فلم يستجيه عند ذاك مجيب
فقلت: ادع أخرى وارفع الصوت جهرة ... لعل أبي المغوار منك قريب!
و يروى:
يجبك كما قد كان يفعل إنّه ... نجيب لابواب العلاء طلوب
فاني لباكيه وإني لصادق ... عليه وبعض القائلين كذوب
فتى اريحي كان يهتز للندى ... كما اهتز ماضي الشفرتين قضيب
وخبرتماني إنّما الموت بالقرى ... فكيف وهاتا روضة وكثيب؟
و قال جميل بن معمر بن عبد الله العذاري:
وقالوا: يا جميل أتى أخوها ... فقلت: أتى الحبيب أخو الحبيب
احبك إنَّ نزلت جبال حسمى ... و إنَّ ناسبت بثنة من قريب
و كانت حفصة بنت عمران مات عنها زوجها فخاطبها عبد الله بن الحسين بن حسن بن علي وإبراهيم بن هشام. فكان أخوها محمد بن عمران إذا دخل على إبراهيم أنشدت إبراهيم متمثلا: وقالوا: يا جميل أتى أخوها البيت وقال أبو محمد الحريري رحمه الله:

(1/119)


وقع الشوائب شيب ... و الدهر بالناس قلب
إنَّ دان يوما لشخص ... ففي غد يتقلب
فلا تثق بوميض ... من برقه فهو خلب
وإذا هو أضرى ... بك الخطوب وألب
فما على التبر عار ... في النار حين يقلب
وقال أيضاً:
لجوب البلاد مع المتربة ... احب ألي من المرتبة
لأن الولاة لهم نبوة ... و معتبة يا لها معتبة
وما فيهم من يرب الصنيع ... و لا من يشيد ما رببه
فلا يخدعنك لموع السراب ... و لا تأت أمرا إذا ما اشتبه
فكم حالم سره حلمه ... و أدركه الروع لمّا انتبه
و قال أيضاً:
فاليوم من يعلق الرجاء به ... اكسد شيء في سوقه الأدب
لا عرض أبنائه يصان ولا ... يرقب فيهم آل ولا نسب
كأنهم في عراصهم جيف ... يبعد من نتنا ويجتنب
و هذا منزع سيأتي ذكر ما فيه إن شاء الله تعالى. وقال أيضاً:
سل الزمان علي عضبه ... ليروعني وأحد غربه
واستل من جفني كراه ... مراغما وأساله غربه
وأجالني في الأفق اطوي ... شرقه وأجوب غربه
فبكل جو طلعه ... في كل يوم لي وغربه
وكذا المغرب شخصه ... متغرب ومواه غربه
الغرب الأول حدّثني السيف والغرب الثاني مجرى الدمع والثالث ضد الشرق والرابع فعلة من الغروب يقال: غرب غربة وطلع طلعة والخامس البعد يقال: نوى غربة أي بعيده.
قال طرفة:
أخبرك إنَّ الحي فرق بينهم ... نوى غربة ضرابة لي كذلك
و فسرت هنا أيضاً بالحدة وهي من معانيها وغربة النوى بعدها.
وقال أيضاً:
لا تيأسن عند النوب ... من فرجة تجلو الكرب
فلكم سموم هب ثم ... جرى نسيما وانقلب
وسحاب مكروه تنشى ... فاضمحل وما سكب
ودخان خطب خيف منه ... فما استبان له لهب
ولطالما طلع الأسى ... و على تفيئته غرب
فاصبر إذا ما ناب رو ... على فالزمان أبو العجب
وترج من زوح الإله ... لطائف لا تحتسب
و قال أيضاً:
لعمرك ما تغني المغاني ولا الغنا ... إذا سكن المرء الثرى وثوى به
فجد في مراضيه الله بالمال راضيا ... بما تقتني من اجره وثوابه
وبادر به صرف الزمان فانه ... بمخلبه الاشقى يصول ونابه
ولا تأمن الدهر الخؤون ومكره ... فكم خامل أخفى عليه ونابه
وعاص هوى النفس الذي ما أطاعه ... أخو ضلة إلاّ هوى من عاقبه
ولا تله عن تذكار ذنبك وابكه ... بدمع يضاهي الوبل حال مصابه
ومثل لعينيك الحمام ووقعه ... و روعة ملقاه ومعظم صابه
وإنَّ قصارى مسكن الحي حفرة ... سينزلها مستنزلا عن قبابه
فواها لعبد ساءه سوء فعله ... و أبدى التلافي قبل إغلاق بابه
و قال أيضاً:
اصرف بصرف الراح عنك الأسى ... و روح القلب ولاتكتئب
وقل لمن لامك فيما به ... تدفع عنك الهم: قدك اتئب!
و هذا مما يتمثل به أهل المجون لكنه بصدد أن يستعمل في الجد وخمر المحبة والعرفتن والأنس الرحماني، يعرف ذلك ذوو البصائر. وقال أيضاً :
فإنَ فطنتم للحن القول بان لكم ... صديقي ودلكم طلعي على رطبي
وإن شهدتم فإنَ العار فيه على ... من لا يميز بين العود والخشب
و قال الآخر:
ومن لا يغمض عينه عن صديقه ... و عن بعض ما فيه يمت وهو عاتبُ
ومن يتتبع حاهداً كل عثرةٍ ... يجدها ولا يبقى له الدهر صاحبُ
و تقدم هذا المعنى وما فيه.
ويحكى أنَّ يزيد بن عبد الملك بلغه أيام خلافته أنَّ أخاه هشاماً ينتقصه. فكتب إليه معاتبا له: مثلي ومثلك كما قال الأول:
تمنى رجالٌ أن أموت فإن أمت ... فتلك طريق لست فيها بأوحدِ
لعل الذي يبغي ردائي ويرتجي ... به قبل موتي أن يكون هو الردي
فكتب إليه هشام إنّما مثلي ومثلك كما قال الأول:
ومن لا يغمض عينه عن صديقه ... و عن بعض ما فيه يمت وهو عاتب
فكتب إليه يزيد: نحن مغتفرون لك ما كان منك، حفظا لوصية أبينا فينا، وحضه إيانا على إصلاح ذات البين، وأنا أعلم كما قال معن بن أوس:
لعمرك ما أدري لأوجل ... على أينا تعدو المنية أولُ

(1/120)


وإني على أشياء منك تريبني ... قديما لذو صفحٍ على ذاك مجماُ
ستقطع في الدنيا إذا ما قطعتني ... يمينك فانظر أي كفٍّ تبدلُ!
إذا سؤتني يوما رجعت إلى غدٍ ... ليعقب يوماً منك آخر مقبلُ
ويركب حدّثني السيف من أن تضيمه ... إذا لم يكن عن شفرة السيف مزحلُ
وفي الناس إن رثت حبالك واصلٌ ... و في الأرض عن دار القلى متحولُ
إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكن ... إليه بوجهٍ آخر الدهر تقبلُ
فلما جاء الكتاب هشاما رحل إليه فلم يزل في جواره حتى مات خوفا من شر الوشاة.
وقال المولى أبو حمو موسى بن يوسف الملك الزياني:
الحب اضعف جسمي فوق ما وجبا ... و الشوق رد خيالي بالسقام هبا
والبين أشعل نار الوجد في كبدي ... و الدمع يضرمها في القلب واعجبا!
وماءٌ ونارٌ وأكبادي لها حطبٌ ... لكن عذابي به للحب قد عذبا
ما كنت أدريهما حتى صحبتهما ... كرهاً وقد يكره الإنسان من صحبا
و قال الآخر:
كل يومٍ قطيعةٌ وعتابٌ ... ينقضي دهرنا ونحن غضاب
ليت شعري فهل خصصت بهذا ... أنا وحدي أم هكذا الأحبابُ؟
و تقدم هذا الشعر إلاّ أنَّ له حكاية تذكر.
قال الجاحظ: بعث إلي المتوكل لتأديب ولده. فلما رآني استبشع منظري وأمر لي بعشرة آلاف درهم وصرفني. فلما خرجت من عنده لقيت محمد بن إبراهيم يريد الانحدار في سفينة إلى مدينة السلام، فركبت معه. فأمر يوما بنصب أستاره وأمر عوادة عنده أن تغني، فأخذت العود وغنت: كل يوم قطيعة وعتاب البيتين ثم سكتت. فأمر طنبورية كانت عنده أن تغني فأخذت الطنبور وغنت:
وارحمة للعاشقين ... ما أرى لهم معينا!
كم يظلمون ويهجرو ... ن ويقطعون فيصبرون!
فقالت العوادة: وماذا يصنعون؟ فقالت: يصنعون هكذا! فهتكت الستارة ورمت بنفسها في الماء. وكان على رأس محمد غلام مثلها في الجمال، بيده مدية. فلما رأى ما صنعت ألقى المدية وجاء إلى الموضع الذي رمت بنفسها منه فقال:
أنت الذي غرقتني ... بعد القضا لو تعلمين
لا خير بعدك في البقا ... و الموت زين العاشقين
ثم رمى بنفسه في أثرها وعانقها في الماء، فكان آخر العهد بهما. فعظم الأمر على محمد والتفت إلي وقال: يا عمرو، حدثني بحديث تسليني به عن هذين، وإلاّ لحقت بهما! فقالت: جلس سليمان بن عبد الملك يوما للمظالم فعرضت عليه بطاقة فيها: إن رأى أمير المؤمنين أعزه الله أن يخرج ألي جاريته فلانه حتى تغني لي ثلاثة أصوات فعل. فاغتاظ وأمر بإحضاره. فلما حضر قال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: الثقة بحلمك. فسري عنه وأمره بالجلوس وأمر الناس بالانصراف. ثم أمر بإخراج الجارية فجاءت بعودها وجلست. فقال لها الفتى: غني لي:
تعلق روحي روحها قبل خلقنا ... و من بعد ما كنا نطافا وفي المهدِ
وزاد كما زدنا وأصبح ناميا ... و ليس وإن متنا بمنتقض العهدِ
ولكنه باقٍ على حاله كذا ... و زائد ما في ظلمة القبر واللحدِ
فلما غنته طرب طربا شديدا وقال: فداؤك أبي وأمي! قال: غني لي:
إذا قلت: مابي يا بثينة قاتلي ... من الحب قالت: ثابتٌ ويزيدُ
وإن قلت: ردي بعض عقلي أعش به ... مع الناس قالت: ذاك منك بعيدُ
يموت الهوى مني إذا ما لقيتها ... و يحيا إذا فارقتها ويعودُ
فلما غنت طرب طربا أعظم من الأول وقال: فدتك نفسي! ثم قال: غني لي:
مني الوصال ومنكم الهجر ... حتى يفرق بيننا الدهرُ
والله لا أنساكم أبداً ... ما لاح نجم أو بدا بدرُ
فما أتمتها حتى زج بنفسه في الهواء ثم انعكس على دماغه وسقط بالأرض فإذا هو ميت. فقال سليمان: عجل على نفسه. والله ما أخرتها إلاّ على ملكه! يا غلام خذ بيدها وانطلق بها فإن كان له أهل وإلاّ بيعت وتصدق بثمنها عليه. فانطلق بها، فلما توسطت الدار رأت حفرة أعدت لماء المطر فقالت:
من مات عشقا فليمت هكذا ... لا خير في عشق بلا موت!

(1/121)


ثم جذبت بيدها من يد الغلام، وألقت بنفسها في الحفرة على دماغها فماتت. قال: فسيري عن محمّد ووصلني وكساني. قال ثم حدثت بهذا الحديث محمّد بن جعفر الأخباري فقال: كان محمّد بن حميد الطوسي يوما مع ندمائه، فغنت جارية له:
يا قمر القصر متى تطلع؟ ... أشقى وغيري بك يستمتع
إنَّ كان ربي قد قضى ما أرى ... منك على رأسي فما أصنع؟
و كان على رأس محمّد بن حميد غلام بيده قدح يسقيه به. فرما بالقدح من يده وقال: تصنعين هكذا! ورمى بنفسه من الدار إلى دجلة. فلما رأت ذلك الجارية قامت ورمت بنفسها على أثره، فكان آخر العهد بهما. وقال آخر من الطفيليين:
كل يوم أدور في عرصة الدار ... أشم القتار شم الذباب
فإذا ما رأيت آثار عرس ... أو دخانا أو دعوة الأصحاب
لم أعرج دون التقحم لا أرهب ... شتما ولكزة البواب
مستهينا بمن دخلت عليه ... غير مستأذن ولا هياب
ذاك أهنا من التكلف والعز ... م وشتم البقال والقصاب
و كان هذا الطفيلي أتى وليمة فأقتحم الدار وأخذ مجلسه من الناس فأنكره صاحب المنزل وقال له: لو صبرت حتى يؤذن لك لكان أحسن لأدبك فقال: إنّما واطراحها صلة. وجاء في الأثر: صل من قطعك وأحسن إلى من أساء إليك! ثم إني أجمع فيها خلالا: أدخل مجالسا، وآكل موانسا، وأبسط رب دار وإنَّ كان عابسا وانشد ما تقدم.
وقال الآخر:
كنا نعاتبكم ليالي ... عودكم حلو المذاق وفيكم مستعتب
فالآن حين بدا التنكر منكم ... ذهب العتاب وليس عنكم مذهب
يحكى أنَّ قينة أجتمع عند أربعة من عشاقها، وكل يخفي أمره عن الآخرين. وكان أحدهم غائبا فقدم، والثاني عزم على السفر، والثالث قد انقضت أيامه، والرابع كما ابتدأ.
فضحكت إلى الأول، وبكت إلى الثاني، وأبعدت الثالث، وأطمعت الرابع. وانشدها كل منهم ما يشاكل حاله، وأجابته بمثل ذلك. فقال لها القادم: جعلت فداك أتستحسنين:
ومن ينأ عن دار الهوى يكثر البكا ... و قول لعل أو عسى ويكون
وما اخترت نأي الدار عنك لسلوة ... و لكن مقادير لهن شجون
فقالت: نعم! وأنا أحذق بقول مطارحه، ثم غنت:
وما زلت مذ شطت بك الدار باكيا ... أو مل منك العطف حين تؤوب؟
فأضعف ما بي حين أبت وزدتني ... عذابا وإعراضا وأنت قريب
و قال الذي عزم على السفر: جعلت فداك! أتحسنين:
أزف الفراق فأعلني جزعا ... و دع العتاب فإنما سفر
إنَّ المحب يصد مقتربا ... فإذا تباعد شفه الذكر
فقالت: نعم! وأحسن من شكله. ثم غنت:
لأقيمن مأتما عن قريب ... ليس بعد الفراق غير النحيب
ربما أوجع النوى للقلوب ... ثم لا سيما فراق الحبيب
و قال الذي انقضت أيامه: جعلت فداك! أتحسنين: كنا نعاتبكم ليالي عودكم البيتين السابقين. فقالت: ولكن أحسن في معناه، ثم غنت:
وصلتك لمّا كان ودك خالصا ... و أعرضت لمّا صرت نهبا مقسما
ولن يلبث الحوض الجديد بناؤه ... على كثرة الوراد أنَّ يتهدما
و قال الذي أقبلت أيامه جعلت فداك! أتحسنين:
إني لأعظم أنَّ أبوح بحاجتي ... فإذا قرأت صحيفتي فتفهمي
وعليك عهد الله إنَّ أثبته ... أحدا وإنَّ آذنته بتكلم
فقالت: نعم! واحسن في معناه. ثم غنت:
لعمرك ما استودعت سري وسرها ... سوانا حذار أنَّ تذاع السرائر!
أ كاتم ما بالقلب بقيى على الهوى ... مخالفة أنَّ يغرى بذلك ذاكر
فانصرفوا، وكل قد لوح بحاجته، واخذ جوابه.
وقالت امرأة كان زوجها غائبا عنها فذكرته:
تطاول هذا الليل وأسود جانبه ... و أرقني ألا خليل ألاعبه
فو الله لولا الله تخشى عواقبه ... لزعزع من هذا السرير جوانبه
وبت إلا هي غير بدع منعما ... لطيف الخشا لا يحتويه مصاحبه
يلاعبني فوق الحشايا وتارة ... يعاتبني في حبه وأعاتبه
ولكنني أخشى رقيبا موكلا ... بأنفاسنا لا يفتر الدهر كاتبه
مخافة ربي والحياء يصونني ... و حفظا لبعلي أنَّ تنال مراكبه

(1/122)


و يروى أنَّ أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه خرج ليلا فسمع هذا المرأة تنشد، فلما فرغت من الشعر المذكور، تنفست الصعداء وقالت لهان على أبن الخطاب وحشتي وغيبة زوجي عني. فتأوه عمر لذلك ووجه في إقبال زوجها، وسأل النساء كم تصبر المرأة عن الزوج، فقلن أربعة اشهر، فجعل ذلك غاية الغيبة في المغازي كما في الايلاء وقيل ستة اشهر. وفي الشعر المذكور اختلافات كثيرة.
وقال الآخر:
رب ليل أمد من نفس العا ... شق طولا قطعته بانتحاب
وحديث ألذ من نظر الوا ... مق بدلته بسوء العتاب
يحكى عن خالد الكاتب قال: دخلت دير فإذا أنا بشاب جميل موثق، فسلمت عليه فرد علي وقال: ومن أنت: فقلت خالد بن يزيد. وقال: صاحب الشعر الرقيق؟ فقلت: نعم! قال: إنَّ رأيت أنَّ تفرج عني بعض ما أنا فيه بإنشاد شيء من شعرك ففعل! فأنشده:
ترشفتُ من شفتيها عقاراً ... و قبلت من خدها جلنارا
وعانتفت منها كثيباً مهيلاً ... و غصناً رطيباً وبدراً أنارا
وأبصرت من نورها في الظلا ... م ثال بكل مكان بليلٍ نهارا
فقال: أحسنت لا فضض الله فاك! ثم قال: أجزاي هذين البيتين وأنشد: ربَّ ليلٍ أمد من نفس العاشق البيتين. قال خالد: فو الله لقد أعملت فكري وحاولت في الزيادة عليها فلم أقدر! وقال أبن بسام الورد:
أما ترى الورد يدعو للورود على ... حمراء صافيةٍ في لونها صهبُ؟
مداهنٌ من يواقيت مركبةٍ ... على الزبرجد في أجوفها ذهبُ
خاف الملالة إذ طالت إقامته ... فصار يظهر حيناً ثم يحتجبُ
و سيأتي ذكر ما في هذا المنزع بعد إن شاء الله تعالى.
وقال الآخر:
إذا ملك لم يكن ذاهبه ... فدعه فدولته ذاهبه
أي إذا لم يكن صاحب هبة وعطية فدولته ذاهبة لا بقاء لها.
وقال التنسي:
غن أهل العلم قوم سادة ... ما على نور سناهم من حجاب
من عداً يجحد جهلا حقهم ... حاق في الأخرى به سوء العذاب
و قال أيضاً :
من يكن بأبيه والأم براً ... فهو من ربه بوصف اقترابِ
و قال إبراهيم بن حسان:
يشين الفتى في الناس قلة عقله ... و إن كرمت أعراقه ومناسبه
و قال الآخر:
ألم تر أنَّ العقل زين لأهله ... و لكن تمام العقل طول التحاربِ
و قال الآخر:
وما سمى الإنسان إلاّ لأنسه ... و لا القلب إلاّ أنه يتقلبُ
و قال الآخر:
عليك بأوساط الأمور فإنها ... نجاةٌ ولا تركب ذلولا ولا صعبا!
و سيأتي هذا المعنى.
وقال أبن المعتز:
لحومهم لحمي وهم يأكلونه ... و ما داهيات المرء إلاّ أقاربه
و من كلام الكندي في هذا : الأب رب، والجد كد والولد كمد والأخ فخ والعم غم والخال وبال والأقارب عقارب وإنّما المرء بصديقه. ولبعضهم فيه:
أقاربك العقارب في أذاها ... فلا تركن إلى عم وخال
فكم عم أتاك الغم منه ... و كم خالٍ من الخيرات خالِ
و قال أبن الرومي:
عدوك من صديقك مستفادٌ ... فلا تستكثرن من الصحاب!
فإنَ الداء أكثر ما تراه ... يكون من الطعام أو الشراب
و هذا منزع يتسع فيه القول أستوفي في غير هذا الموضع.
وقال الآخر:
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها؟ ... كفى المرء نبلا أن تعد معليبه
و قال أبن الرومي:
ومن قلة الإنصاف أنك تبتغي ... مهذب أخلاقٍ ولست مهذبا
و قال إبراهيم بن هرمة:
فإنك وأطرا حك وصل سلمى ... لأخرى في مودتها نكوبُ
كثاقبةٍ لحلي مستعارٍ ... لأذنيها فشانها الثقوبُ
فأدت حلي جارتها إليها ... و قد بقيت بأذنيها ندوبُ
و حاصل هذا الشعر وفحواه أنه لا ينبغي لك أن تطرح صاحبك إلى صاحب آخر وأنت تجد فيه إلاّ مثل ما في الأول أو شراً منه. فعليك بالصفح والغفران والاستبقاء على الخلان.
وقال صالح بن عبد القدوس:
إذا وترت امرؤا فأحذر عداوته ... من يزرع الشوك لا يحصد به عنبا
إنَّ العدو وإنَّ أبدى مسالمة ... إذا رأى منك يوما فرصة وثبا
و تقدم هذا في الباب الأول. وقال الآخر::
قد ينفع الأدب الأحداث في مهل ... و ليس ينفع بعد الكبر الأدب

(1/123)


إنَّ الغصون إذا قومتها اعتدلت ... و لن تلين إذا قومتها الخشب
و قال الآخر:
فما خلق الله مثل العقول ... و لا اكتسب المرء مثل الأدب
وما كرم النفس إلاّ التقى ... و لا حسب المرء إلاّ النسب
وفي العلم زين لأهل الحجى ... و آفة ذي الحلم طيش الغضب
و قال كشاجم:
لم أرض عن نفسي مخافة سخطها ... و رضى الفتى عن نفسه إغضابها
ولو إنني عنها رضيت لقصرت ... عما تزيد بمثله آدابها
وتبينت آثار ذاك فأكثرت ... عذلي عليه وطال فيه عتابها
و قال الآخر:
احب مكارم الأخلاق جهدي ... و اكره إنَّ أعيب وإنَّ اعابا
واصفح عن يباب الناس حلما ... و شر الناس من يهوى السبابا
ومن هاب الرجال تهيبوه ... و من حقر الرجال فلن يهابا
و قال الآخر:
فيا رب السنة كالسيوف ... تقطع أعناق أربابها!
و قال عبد الله بن سليمان بن وهب:
نوائب الدهر أدبتني ... و إنّما يوعظ الأديب
فذقت حلوا وذقت مرا ... كذاك عيش الفتى ضروب
لم يمض بؤس ولا نعيم ... إلاّ ولي منهما نصيب
كذاك من صاحب الليالي ... تعروه في أمرها الخطوب
و قال أبو الأسود:
وما كل ذي لب بمؤتيك نصحه ... و لا كل مؤت نصحه بلبيب
و قال الفضل بن العباس بن عتبة:
وقد ترفع الأيام من كان جاهلاً ... و يردي الهوى ذا الرأي وهو لبيب
ويحمد في الأمر الفتى وهو مخطئٌ ... و يذل في الإحسان وهو مصيب
و قال النمر بني تولب:
ولا تغضبن على امرئ في ماله ... و على كرائم صلب مالك فأغضب
و قال النابغة:
فإنَ يك عامر قد قال جاهلاً ... فإنَ مظنة الجاهل الشباب
و قال عبيد بن الأبرص:
وكل ذي غيبة يؤوب ... و غائب الموت لا يؤوب
و قال الآخر:
لمعرك ما ود اللسان بنافعٍ ... إذا لم يكن أصل المودة في القلب
و قال الآخر:
وما الدهر والأيام إلاّ كما ترى: ... رزية مال أو فراق حبيب
و قال الآخر:
ولا أتمنى الشر والشر تاركي ... و لكن متى أحمل على الشر أركب
و قال الكميت:
إذا لم يكن إلاّ الأسنة مركب ... فلا رأي للمضطر إلاّ ركوبها
و قال أيضاً:
أيا موقد ناراً لغيرك ضوءها ... و ياحاطبا في حبل غيرك تحطب!
و قال أبن المعتز:
وإنَّ فرصة أمكنت من العدى ... فلا تبد فعلك إلاّ بها
و قال محمود:
كم من حريص على شيء ليدركه ... و إنَّ إدراكه يدني إلى عطبه
وقال السري الموصلي:
إذا الحمل الثقيل توزعته ... اكف القوم خف على الرقاب
وقال أعرابي يهجو بنيه:
إنَّ بني كلهم كالكلب ... إبرهم أولاهم بنسب
لم يغني عنهم أدبي وضربي ... و لا أتساعي لهم وحربي
فليتني بت بغير عقب ... أو ليتني كنت عقيم الصلب
و قال النابغة يمدح غسان:
ولا عيب فيهم غير إنَّ سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب
و يروى إنَّ عروة بن الزبير رضي الله عنهما قال لعبد الملك بن مروان: أريد إنَّ تعطيني سيف أخي عبد الله بن الزبير. فقال له: هو بين السيوف ولا أميزه. فقال: إذا أحضرت ميزته أنا. فأمر عبد الملك بن مروان بإحضاره. فلما أحضره اخذ عروة سيفا مفلول الحد وقال: هذا سيف أخي. فقال عبد الملك: أ كنت عرفته قبل اليوم؟ قال: لا قال: فكيف عرفته؟ قال: عرفته بقول النابغة:
ولا عيب فيهم غير إنَّ سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب
و قال بعض المتأخرين قبل عصرنا بقريب:
وهبني جهلت النحو يزري بقسطه ... ففيم ارزق في المعاني الغرائب؟
و كان هذا القائل مزجى البضاعة في النحو وله قريحة لا بأس بها. يحكى إنّه مدح بعض ملوك مراكش بقصيدة فكأنه رأى غضاضة من قبل الأعراب فقال ذلك. وهذا البيت مما يتعلق به في وقتنا البطالون عند الاعتذار عن التقصير في درك الأشياء. وكان هذا الرجل شبيها بالمعمار في زمنه وكان المعمار أحد الأدباء له شعر رائق ذكر كثير منه أبو بكر بن حجة الحموي في كتابه تقديم أبي بكر غير إنّه يقع في شعره أمور لا تساعدها العربية. وقال سحيم الفقعسي:

(1/124)


وأكتم الأسرار لكن ابنها ... و لا ادع الأسرار تلغي على قلد
وإنَّ قليل العقل من بات ليلة ... تقلبه الأسرار جانبا إلى جند
و هذه سخافة وسقاطة. ولولا أنَّ الكتاب بصدد أنَّ يذكر فيه ما يتمثل به إنَّ كان ما عجز على مثل هذا الكلام، لمنافاته الخلق الجميل. وقلت أنا معارضا له على هذا الأسلوب:
لعمرك ما من بث سرا بذي لب ... و لا حاشاه منه أمسى على كرب
ولكن أخو الحلم الذي ما أذعته ... تنساه حتى ليس يهجس بالقلب
و في الخبر: من أسر إلى أخيه سراً لم يحل له أنَّ يشفيه. وقال عمر رضي الله عنه: من كتم سره كان خياره بيده.
وقال أكثم بن صيفي: سرك من دمك، فأنظر أين تريقه! وقال بعضهم:
ولو قدرت على نسيان مثال أشتملت ... مني الضلوع من الأسرار والخبر
لكنت أوّل من ينسى سرائره ... إذ كنت من نثرها يوما على خطر
و يقال: من ضاق صدره، اتسع لسانه. وسيأتي ما قيل في كتمان السر مستوفي.
وقال آخر في طبيب:
لأبي العيص ألف قتيل ... كان يوم وليس ذا بعجيب
أيّها الناس إنَّ ذا لغريبٌ ... ملك الموت في ثياب طبيب
و قال آخر:
عد عني لست من أربي ... كان هذا حين كنت صبي
وجنة كانت أبا لهب ... فغدت حمالة الحطب
و قال أبن المعتز:
شهر الصيام مبارك ... لو لم يكن في شهر آب
خفت العذاب فصمته ... فوقعت في عين العذاب
و قلت أنا معارضا على هذا الأسلوب:
شهر الصيام مارك ... و لا سيما في شهر آب
إنَّ الصدى في حره ... يشفي صدى يوم الحساب
وينيل ورد السلسبيل ... و رشف معسول الرضاب
و قال أبو الغريب:
سقيا لعهد خليل كان يأدم لي ... زادي ويذهب عن زوجاتي الغضب
كان الخليل فأضحى قد تخونه ... مر الزمان وتطيعني به الثقب
يا صاح بلغ ذوي لزوجات كلهم ... أنَّ ليس وصل إذا انحلت عرى الذنب!
كان أبو الغريب هذا شيخا، فتزوج ولو يولم. فاجتمع الفتيان ول خبائه، فصاحوا به:أولم ولو بيربوع، ولو بقدرٍ، مجدوع، قتلتنا من الجوع! فأولم. فلما عرس غدوا عليه فقالوا:
يا ليت شعري عن أبي غريب ... إذ بات في مساحب وطيب
معانقا للرشا والربيب ... أ أجمد المحفار في القليب
أم كان رخوا يابس القضيب؟
فصاح: يابس القضيب والله! ثم انشأ يقول: سقيا لعهد الخليل " الأبيات " . يريد قضيبه.
وقوله عرى الذنب يريد عرى الذكر، وهو العصب.
وقال الحماسي
أنخ فاصطنع قرصا إذا اعتادك الهوى ... بزيت لكي يكفيك فقد الحبائب
إذا اجتمع الجوع المبرح والهوى ... نسيت وصال الغنيات والكواعب
فدع عنك أمر الحب لا تذكرنه ... و بادر إلى تمر معد ورائب
و في هذا الكلام خلل وتدافع يغتفر في جانب الهزل والتلميح.
ومن معنى هذا ما روي أنَّ حميد المهلبي، وكان من النعماء، جلس يوما إلى قينة كاز يهواها، فجعلت تحدثه. فلما طال المجلس وغلب عليه الجوع قال لها: مالي لا أسمع للغداء ذكراً؟ فقالت له: أما تستحي؟ أليس في وجهي ما يشغلك عن هذا؟ فقال لها جعلت فداك! لو أنَّ جميلاً وبثينة جلسا ساعة يتحدثان ولم يأكلا فيها شيئاً لبصق كل منهما في وجه صاحبه وافترقا! ولعل هذا القد يكفي من الباب، فلنمسك العنان خشية الطول، )و الله يقول الحق وهو يهدي السبيل(.
باب التاء والمثناة
تتابعي بقر!
يقال بعت الرجل بالكسر أتبعه إذا مشيت وراءه؛ وكذا أتبعته، وتتابعوا: اتبع بعضهم بعضا، والبقر معروف يطلق على الإنسية المعروفة وعلى الوحشية، كقول الشاعر يصف نساء:
أشبهن من بقر الخلساء أعينها ... و هن أحسن من صيرانها صورا
و هن أربع أصناف: المها والأيل واليحمور والتيثلز وأصل المثل أنَّ بشر بن الحارث الأسدي خرج في سنة جهد وجدب، فمروا ببقر فنفرت منهم، فقام على راس الجبل ورماها بقوسه، فجعلت تلقي نفسها وهو يقول: تتابع بقر!، حتى تكسرت ثم رجع إلى قومه فأعلمهم بها فأخذوها. يضرب عند تتابع الأمر وسرعته. وعلى هذا فبقر منادى، تتابعي يا بقر. وحذف منه حرف النداء وإنَّ كان اسم جنس، وهو جائز على قلة، كقوله: ثوبي حجر! وقال الشاعر:

(1/125)


فقلت له: عطار هلا أتينا ... بريح الخزامى أو بخوضة عفرج؟
أتبع الفرس لجامها، والناقة زمامها، والدلو رشاءها.
ويقال أيضاً: أتبع المهرة لجامها الخ. وتقول اتبعت زيداً إذا سبقك فلحته، واتبعته كذا إذا جعلت ذلك تابعا له : والفرس معروف، يقع على الذكر والأنثى والمهر ولد الفرس، وقيل أوّل ما ينتج منه ومن غيره؛ والأنثى مهرة. قال عنترة:
لمّا تذكري مهري وما أطعمته ... فيكون جلدك مثل جلد الأجرب!
و قال حميدة بنت النعمان بن بشير:
وما أنا إلاّ مهرة عربية ... سليلة أفراس تجللها بغل
و الناقة معروفة، جمعها ناق ونوق وانوق ويهمز واونق واينق على القلب وانواق والزمام بكسر الزاي: ما يشد به جمعه أزمة والدلو معروف مؤنث وقد يذكر جمعه أدل ودلاء ودلي والرشاء بكسر الراء والمد: الحبل وهمزته مقلوبة عن واو جمعه ارشية وقال زهير:
فشج به الأماعز وهي تهوي ... هوي الدلو أسلمها الرشاء
أي شج هذا الحمار المذكور يعني علا بها أي بالأتان الاماعز وهي الأمكنة الغليظة وهي تهوي أي تسرع إسراع الدلو أسلمها الرشاء أي انقطع عنها حبلها فهوت إلى قعر البئر ولا أسرع منها حينئذ ومعنى جملة المثل ظاهر وهي عند التفصيل ثلاثة أمثال ومقصدها واحد تضرب عند الأمر باستكمال المعروف وإتمام الصنع. وسببه إنَّ ضرار بن عمرو أغار على حي عمرو بن ثعلبة وعمرو غير حاضر. فلما حضر تبعه فلحقه قبل أن يصل إلى أرضه فقال له: " رد علي أهلي ومالي! " فردهما عليه فقال له: " رد علي قياني! " فرد عليه القينة الرابعة وحبس ابنتها سلمى. فقال له حينئذ: " يا أبا قبيضة اتبع الفرس! " الخ. وفي معنى الجملة الأخيرة قول الحماسي قيس بن الخطيم:
إذا ما شربت أربعا خط مأرزي ... و اتبعت دلوي في السماح رشاءها
يقول إذا شربت من الراح أربعا: يعني أربع اكؤس خط مأرزي أي جررت ردائي خيلاء واتبعت دلوي في السماح رشاءها أي تخلقت بالسماحة والفضل فأعطيت البذل وأوسعت الطول. وهم يفتخرون بالسماح حال السكر لأن ذلك من مكارم الأخلاق التي يحركها الثمل والنشوة كما قال طرفة:
لا تعز الخمر إن طافوا بها ... بسباء الشول والكوم البكر
فإذا ما شربوها وانتشروا ... و هبوا كل آمون وطمر
ثم راحوا عبق المسك بهم ... يلحفون الأرض هداب الأزر
و الآمون كصبور التي يؤمن عثارها من النوق والطمر الوثاب من الخيل. يقول: إذا سكروا جادوا بالنجائب من الإبل والعتاق من الخيل. وقوله يلحفون الأرض هداب الأزر أي يجرون هداب الأزر على الأرض. هو كصدر بيت أبن الخطيم. وابلغ من هذا في الافتخار واشمل للوصف بالسماح حالتي السكر والصحو معا قول عنترة:
فإذا انتشيت فإنني مستهلك ... مالي وعرضي وافر لم يكلم
وإذا صحوت فما اقصر عن ندى ... و كما علمت شمائلي وتكرمي
و كقول امرئ القيس يمدح أخاه سعد بن الضباب:
وتعرف فيه من أبيه شمائلا ... و من خاله من يزيد ومن حجر
سماحة ذا وبر ذا ووفاء ذا ... و نائل ذا إذا صحا وإذا سكر
و هذا من الشعر الذي يوضع على كرائم الإحداق وترصع به نفائس الأطواق غير أن فيه ثلبا خفيفا هو توالي القبض! ومن ذا الذي يسلم من الاعتراض عند العرض؟ وقول طرفة " لا تعز الخمر إن طافوا بها " يريد: لا يعجزون عن شرائها لغلائها إنَّ جاءوا مريدين لها بل يبذلون فيها الشول والكوم البكر أي التي بكرت بالنتاج وهي احب أموالهم وهو كقول عنترة:
بذ يداه بالقداح إذا شتا ... هتاك غايات التجار ملوم
و تقدم تفسيره. وهذا الوصف مدح عندهم لكن ما دام باقيا على سنن الاقتصاد والعدل وقد يمتدحون بإنفاق المال في النوائب واقتناء المحامد وترك أنفاقه في الشهوات كقول زهير في حصن بن حذيفة:
أخ ثقة لا تتلف الخمر ماله ... و لكنه قد يتلف المال نائله
و محتمل لأن يكون نفيا للوصف الخاص وهو الإتلاف في الخمر أو الفعل من اصله وهو الأنفاق فيها المؤدي إلى ذلك.
اتبع من الظل.
الاتباع تقدم والظل معروف قيل وهو الفيء وقيل الظل بالغداة والفيء بالعشي وقد يستعمل في سواد الليل. قال ذو الرمة:
قد اعرف النازح المجهول معسفه ... في ظل اخضر يدعو هامه البوم

(1/126)


قال في الصحاح: وهو استعارة لأن الظل في الحقيق إنّما هو ضوء شعاع الشمس دون الشعاع. فإذا لم يكن ضوء فهو ظلمة وليس بظل. والمقصود من المثل إنَّ ظل الحيوان ونحوه تابع له أينما تحرك وملاصق له أينما تقلب لا يفارقه ولا يتلكأ عنه فضرب به المثل لذلك في كل تابع. ويسمى الظل تبعا على مثال سكر أما لهذا المعنى وأما لأنّه يتبع الشمس كما قيل. واحسن بعض الشعراء في ذكر الظل حيث قال:
مثل الرزق الذي تطلبه ... مثل الظل الذي يمشي معك
أنت لا تدركه متبعا ... فإذا ما ملت عنه اتبعك
اتجر من عقرب.
يقال: تجر في الشيء يتجر على مثال كتب يكتب فهو تاجر والتاجر من يبيع ويشتري في كل شيء وجمعه تجار وتجر. وقد يطلق على بائع الخمر خاصة وهو الكثير الاستعمال عند الأعراب في الجاهلية.
قال امرؤ القيس:
كأن التجار اصعد بسبيئه ... من الخص حتى أنزلوها على يسر
و قال أيضاً:
إذا ذقت فاها قالت طعم مدامة ... معتقة مما تجيء به التجر
و العقرب معروف يذكر ويؤنث وعقرب في المثل اسم رجل كان بالمدينة وكان من اكثر الناس تجارة وأشدهم مطلا وتسويقا حتى ضربوا بمطله النثل ويحكى إنّه اتفقت له معاملة مع الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب وكان هو من اشد الناس اقضاء. فقال الناس: ننظر الآن ما يصنعان. فلما حل الأجل لزم الفضل باب عقرب وقيد حماره بالباب وقعد يقرأ القرآن. فأقام عقرب على المطل غير مكترث به. ثم إنَّ الفضل ترك ملازمة بابه واشتغ بهجائه. فمما اشتهر عنه فيه قوله:
قد تجرت في سوقنا عقرب ... لا مرحبا بالعقرب التاجره
كل عدو كيده في أسته ... فغير مخشي ولا ضائره
كل عدو يتقلى مقبلا ... و عقرب يخشى من الدابره
إن عادت العقرب عدنا لها ... و كانت النعل لها حاضره
و حكي إنَّ الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد كان في صباه هو وزوج أخته الشيخ تقي الدين بن الشيخ ضياء الدين يلعبان الشطرنج فأذن العشاء فقاما فصليا فقال الشيخ تقيي الدين: أما نعود؟ فقال صهره:
إن عادت العقرب عدنا لها ... و كانت النعل لها حاضرة
فانف الشيخ من ذلك ولم يعد إلى إنَّ مات رحمه الله تعالى.
تحفة المؤمن الموت.
وهو حديث والتحفة البر والصلة والبرة من الفاكهة ونحوها وتاؤه أصلية. يقال أتحفته. وحكى أبى أبن الأثير عن الأزهري إنَّ أصل التحفة وحفة فأبدلت الواو تاء.وعليه يكون موضعه الواو. والمعنى إنَّ المؤمن إنما ينجو من أذى الدنيا وأهوالها وأحزانها أدارها ويصل إلى ما اعد له عند الله من الخير وهيئ له من الكرامة بالموت. كما قيل:
قد قلت إذا مدح الحياة وأسرفوا: ... في الموت ألف فضيلة لا تعرف
منها أمان عذابه بلقائه ... و فراق كل معاشر لا ينصف
أتخم من الفصيل.
التخمة بفتح الخاء كهمزة وتسكن في الشعر: داء يصيب من أكل الطعام معروف الجمع تخم وتخمات. يقال: تخم بفتح الخاء وكسرها وأتخم: أصابه ذلك وأتخمه الطعام. وهذا الطعام متخمة يتخم به. وأصل التخمة وخمة من قولك: وخم الطعام والنبات فهو وخيم إذا لم يوافق. وتوخمه واستوخمه إذا لم يستمره. وذكرناه في هذا الباب نظرا إلى ظاهر اللفظ: فإنَ الواو مستهلكة بالإبدال حتى وقع تصرف الفعل. والفصيل، بصاد مهملة: ولد الناقة إذا فصل عن أمه ويوصف بالتخمة. وقالوا لأنه يفرط في الرضاع أكثر مما يطيق.
فائدة في ذكر أسنان الإبل. قال أهل اللغة: إذا وضعت الناقة، فقبل إنَّ يعلم أذكر ولدها أم أنثى، ولدها سليل، فإذا علم، فإن كان ذكرا فهو سقب، بفتح السين المهملة وسكون القاف، وأمه مسقب؛ وإنَّ كانت أنثى فهي حائل، وأمها أم حائل، كما قال الهذلي:
فتلك التي لا يبرح القلب حبها ... و لا ذكرها ما أرزمت أم حائل
و متى جاءت الناقة بذكر قيل أنَّ ذكرت، فهي مذكر؛ وإنَّ جاءت بأنثى قيل أنثت، فهي مؤنث. فإنَ كان من دأبها أن تلد الذكور قليل هي مذكار. قال النابغة على وجه التمثيل:
لم يحرموا حسن الغذاء وأمهم ... طفحت عليك بناتق مذكار

(1/127)


و إنَّ كان دأبها الإناث فهي مئناث؛ فإذا اشتد ولدها ومشى معها فهو راشح وهي مرشح؛ فإذا حمل في سنامه شحما فهو مجد ومكعد، ثم هو ربع، على وزن صرد. والذي يقوله الكثيرون إنَّ الربع ما نتج في أوّل الناتج كما إنَّ الهبع - بوزنه - ما نتج في أخره؛ ثم هو حوار، بضم الأول؛ فإذا فصل عن أمه، أي فطم عنها، فهو فصيل؛ فإذا أتى عليه حول فأبن مخاض، ولذلك قيل:
وجدنا جعفر فضلت فقيما ... كفضل أبن المخاض على الفيصل
و الأنثى بنت مخاض. وسمي أبن مخاض لأن أمه لحق بالمخاض من النوق، أي الحوامل وإنَّ لم تكن حاملا، فإذا استكملت السنة الثانية ودخل في الثالثة فصار لأمه لبن وكانت لبونا، فهو أبن اللبون، فإذا دخل في الرابعة فهو حق والأنثى حقة. وسمي بذلك لاستحقاقه أنَّ يحمل عليه ويركب؛ فإذا دخل في الخامس فهو جذع والأنثى جذعة؛ فإذا دخل في السادسة فهو ثني والأنثى ثنية؛ فإذا دخل في السابعة فهو رباع والأنثى رباعية؛ فإذا دخل الثامنة فهو سديس وسدس بفتح الدال للذكر والأنثى، وقد يقال الأنثى سديسة؛ فإذا دخل في التاسعة فهو بازل للذكر والأنثى؛ فإذا دخل في العاشرة فهو مخلف. ولاسن بعد هذا، وإنما يقال بازل عام، وبازل عامين، ومخلف عام وعامين. وما ذكرنا في أوائل الأوصاف هو طريقة بعض اللغويين، وليس هذا محل بسط اللغة.
تركت الرأي ببقة.
ويروى: ببقة تركت الرأي. وهو مثل قاله قصير بن سعد لجذيمة لمّا صار في بلد الزباء. وتقدم هذا مستوفى. وفيه قال عدي بن الرقاع:
دعا بالبقة الأمناء يوما ... جذيمة ينتحي عصبا ثمينا
فطاوع نفسه وعصى قصيراً ... و كان يقول: لو نفع اليقينا!
و قال نهشل بن ضمرة:
ومولي عصاني واستبد بأمره ... كما لم يطع باليقين قصير
ترك الخداع من أجرى من المائة.
الترك معروف، والخداع: الختل والمكر، والخداع والمخادعة المخاتلة؛ والمائة حذف مميزة أي مائة غلوة، والغلوة بالفتح: ما بين موقف الرامي ومسقط سهمه. يقال: غلوت بالسهم غلوا وغلوا، وغاليته، وغاليت به: رفعت به إلى أقصى الغاية. وكل مرماة فهي غلوة وكان أصل المثل إنَّ الرهان، لمّا وقع بين قيس بن زهير وحذيفة بن بدر الفزاري أو أخيه حمل بن بدر، قال حذيفة: خدعتك يا قيس، ترك الخداع من أجرى من المائة! يريد أن أجرى فرسه وأرسله من مائة غلوة، فقد كشف أمره ولم يبق خداع. وقيل إنَّ أحد المتخاطرين في الرهان المذكور قال لصاحبه: الغاية على حكمي. فقال: الغاية مائة غلوة. قال: أتخدعني؟ فقال: ترك الخداع من أجرى من المائة. يضرب للرجل الذي قد حنكه السن مع العقل والحزم.
تركت فلانا بملاحس البقر أولادها.
ويقال: تركته بملحس البقر. والملاحس جمع ملحس، وهو مفعل من اللحس. يقال: لحس القضعة ونحوها بالكسر، يلحسها لحسا؛ والملحس يكون مصدراً بمعنى اللحس ومكانا له كما في النظارة. والمعنى: تركته بمكان ملحس البقر أولادها أي بحيث تلحس البقر أولادها يعنون به مكان البقر.
تركته ترك الظبي ظله.
الظبي معروف وجمعه اظب وظباء وظبي وظله بكسر الظاء المشالة: ما يأوي إليه ويستظل به من حر الشمس. وهو إذا تركه لا يعود إليه أبداً. فيضرب للرجل عند نفوره. وعبارة صاحب القاموس: اتركه ترك الظبي ظله وهو نحو مما كتبنا نحن. وفعل ذلك لبيان إنَّ الراء في ترك ساكنه وهو مصدر أضيف إلى فاعله وكمل بمفعول أي تركا يشبه ترك الظبي لظله وقال: إنَّ فتح الراء من ترك كما عند الجوهري وهم.
قلت: وهو كذلك في صحاح الجوهري مضبوطا بالقلم مفتوح في النسخة. ولعل الرواية كذلك عنه وإلاّ فهو محتمل لأن يكون مسكنا. وهو مصدر عاملة مقدرة وهو الذي أظهرناه أو ما يشبهه. ثم على الفتح لا مانع من صحته إنَّ تكلمت به العرب كذلك. ويكون فعلا ماضيا والظبي فاعله. فإذا نفر أحد من شيء نفرة عزما حسن إنَّ يقال: ترك الظبي ظله أي إنّه ذهب مذهبا لا مرجع فيه كأنه ظبي ترك ظله.
تركته كجوف الحمار.

(1/128)