صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : زهر الآداب وثمر الألباب
المؤلف : الحُصري
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

هو الكَلْب، إلا أن فيه ملالةً ... وسُوءَ مُرَاعاةٍ وما ذَاكَ في الكَلْب
آخر: الطويل:
أبا دُلفٍ يا أَكْذَب الناسِ كلّهم ... سِوَايَ فإني في مديحك أكذبُ
أبو الفضل الميكالي: الطويل:
هو الشَّوْك لا يُعْطِيك وافِرَ منّة ... يدَ الدَّهْرِ إلاّ حين تَضْرِبه جلْدا
اللحن في الكلام
قال المأمون لبعض وَلده وسمع منه لحْناً: ما على أحدِكم أن يتعلَّم العربية، فيقيم بها أوَدَه، ويزيّنُ بها مَشْهده، ويفلُّ حُجَجَ خَصْمه، بمسِّ كتاب حكمه، ويملك مَجْلس سُلْطانه، بظاهرِ بيانه؛ ليس لأحدكم أن يكونَ لسانُه كلسان عبدِه أَو أَمته، فلا يزالُ الدهر أَسِيرَ كلمته.
وقال رجلٌ للحسن البصري: يا أبو سعيد، قال: كَسْبُ الدراهم شغَلك أن تقولَ يا أبا سعيد، ثم قال: تعلَموا العلم للأديان، والنحوَ للسان، والطمث للأبدان.
وكان الحسن كما قال الأعرابي وسمع كلامه: والله إنه لفصيح إذا لفظ، نصيحٌ إذا وَعظ. وقيل له: يا أبا سعيد، ما نراكَ تلحن، قال: سَبَقْتُ اللحن. أخذه أبو العتاهية، وقيل له: إنك تخرج في شعرك عن العَرُوض، فقال: سبقت العروض.
وقال إسحاق بن خلف البهراني: الكامل:
النحو يصلَح من لسانِ الأَلْكَنِ ... والمرءُ تَعْظِمُه إذا لم يلحنِ
فإذا طلبت من العلوم أجلَّها ... فأجلُّها منها مقيمُ الألْسُنِ
وقال علي بن بسام: الطويل:
رأيتُ لسانَ المَرْء رائدَ عِلْمِهِ ... وعنوانه فانظُرْ بماذا تُعَنْوَنُ
ولا تَعدُ إصلاحَ اللسانِ فإنهُ ... يُخَبِّرُ عما عنده ويبين
على أن للإعراب حَدّاً، وربما ... سمعت من الأعراب. ما ليس يحسُنُ
ولا خيرَ في اللفْظ الكريهِ استماعُهُ ... ولا في قبيح اللَحْنِ والقصْد أزْيَنُ
وقال بعضُ أهل العصر، وهو أبو سعيد الرستمي: الطويل:
أفي الحقِّ أن يُعْطى ثلاثون شاعراً ... ويحرَم ما دونَ الرضا شَاعِرٌ مثلي؟
كما سامحوا عمْراً بواوِ زيادةٍ ... وضُويِقَ بسم الله في أَلِف الوَصْل
أبو الفتح البستي: الطويل:
حُذِفْتُ وغيري مثبَت في مكانهِ ... كأنيَ نون الجمعِ حين يُضَافُ
وقال: البسيط:
افْدِي الغزالَ الذي في النِّحْوِ كلَّمني ... مُنَاظِراً فاجتبيتُ الشّهدَ من شفَتِهْ
فأوْرَدَ الحججَ المقبولَ شاهِدُها ... محققاً ليريني فَضْلَ معرفَتِهْ
ثم اتفقْتُ على رَأْيٍ رضيتُ بهِ ... والرفع من صِفتي والنصبُ من صفتِهْ
الحسن اللحام: الكامل:
أنا من وجوه النحوِ فيكم أفْعَلُ ... ومن اللغاتِ إذا تُعَدُّ المهمَلُ
التعلّق بالغلام
وقال أحمد بن يوسف:

(1/300)


كتب غلامٌ من ولد أنوشروان ممن كان أحد غلمان الديوان، إلى آخر منهم وكان قد علق به، وكان شديدَ الْكَلَف به والمحبَّة له: ليس من قَدرِي - أدام الله سعادَتك - أن أقولَ مثلك جُعِلْتُ فِدَاك؛ لأني أراك فوقَ كلِّ قيمة خطيرة وثمن مُعْجِز، ولأنَّ نفسي لا تُسَاوِي نفسك، فتُقْبَل في فِدْيتك، وعلى كل حال؛ فجعلني اللًهُ فِدَاءَ ساعة من أيامك، اِعْلَمْ أيها السيد العليُّ المنزلة، أنه لو كان لعَبْدِك من شدّة الخطب أمرٌ يقفُ على حدّه النعت، لاجتهدنا أن يُضْعِفَ من ذلك ما عسى أن يعطف به زمام قَلْبِك، وتحنو له على الرقة به والتحفي أثناء جوانحك، ولكن الذي أمسيت وأصبحت ممتحَناَ به فيه شَسَعَ على كل بيان، ونزح عَنْ كل لسان؛ والحب أيها المالك لم يَشُبْهُ قَذَى ريبة، ولم يختلط به قلب مَعَاب، فلا ينبغي لمن كرمت أخلاقُه أن يعاف مقارَبة صاحبه المدل بحرمة نيته، والذي أتمناه، أيها المولى اللطيف، مجلس أقف فيه أمامك، ثم أبوح بما أضنى جسدي، وفتّ كبدي، فإن خفّ ذلك عليك ورأيت نشاطاً من نفسك إليه كنتَ كمن فك أسيراً وأبرَأَ عليلاً، ومن الخير سلك سبيلاً، يتوعَّرُ سلوكُها على منْ كان قبله، ومَنْ يكون بعده؛ ثم أضاف إلى ذلك منَّةً لا يُطيقها جَبَلٌّ رَاس، ولا فلك دائر، فرأيك أيها السيد المعتمد في الإسعاف، قبل أن يَبْدرَني الموتُ؛ فيحول بيني وبين ما نزعت إليه النفس مواصلاً براً إن، شاء الله تعالى.
فأجابه: تولى الله تعالى ما جرئ به لسانك بالمزيد، ولا أَوحش ما بيننا بِطائر فُرْقَة، لا صافر تشتّت، وضمَّنَا وإياك في أوثَق حبال الأنس، وأوكد أَسبابِ الألفَةِ؛ وقفت على ما لخصته من العجز عن بلوغ ما خامرَ قلبك، وانطوى في ضميرك، من الشغَف المقلق، والهوى المضرع، ولعمري لو كشَفْت لك عن مِعْشَار ما اشْتُمل عليه مضمر صدري لأيقنت أن الذي عندك إذا قسْتَه إلى ما عندي كالمتلاشي البائد، ولكنك بفَضل الإنعام سَبَقْتَنا إلى كَشْف ما في الضمير. وأما طاعتي لك، وذمامي إليك؟ فطَاعةُ العبد المقْتَنَى، الطائع لما يَحكُم له وعليه مولاه ومالِكُه، وأنا صائر إليك وَقتَ كذا؛ فتأهب. لذلك بأحمد عافية، وأتم عُقْدَة، وأَسْعَد نجم جرى بالألفة، إن شاء الله تعالى.
وكتب بعض الكتاب: إني لأكرَهُ أنْ أفديك بنفسي استحياءً من التقصير في المعاوضة، ومن التخلف في الموازنة، وعلى الأحوال كلِّها، فقدَّم الله رُوحِي عنك، وصانني عن رُؤْية المكروه فيك.
وقال المتنبي:
فِدًى لكَ من يُقَصر عن مَدَاكا ... فلا مَلِكٌ إذَنْ إلاَّ فِدَاكا
ولو قُلنا فِدًى لك مَنْ يُسَاوِي ... دَعَوْنَا بالبقاء لمَنْ قَلاَكا
وآمَنَّا فِداءَكَ كل نَفْسٍ ... وإن كانت لمملكةٍ مِلاَكا
وقال عبيد الله بن شبيب: كتب إليَّ بعض إخواني من أهل البصرة كتاباً ملح فيه وأوجز، وهو: أطال الله بقاءك، كما أطال حباءك، وجعلني فداك إن كان في فداؤك: الوافر:
كتبتُ ولو قدرتُ هوًى وشوقاً ... إليك لكنت سطراً في كتابي
وكتب آخر إلى إبراهيم وأحمد ابني المدبّر، وقد أصابتهما مِحْنَة ثم أردفتها نعمة: لو قُبلت فيكما، ودانيتُ قدريكما، لقلت: جعلني الله فداكما، ولكني لا أجزي عنكما، فلا أُقبل بكما، وقد بلغتني المحنة التي لو مات إنسان غَمّاً بها لكنته ثم اتصلت النعمة التي لو طار امرؤ برحابها لكنته وكتب تحته: الطويل:
وليس بتزويقِ اللسانِ وصَوْغهِ ... ولكنَهُ قد خالط اللَحْمَ والدَّمَا
وكتب ابن ثوابة إلى عبيد الله بن سليمان يعتذِرُ في تَرْك مكاتبته بالتفدية: الله يعلم، وكفى به عليماً، لقد وددت مكاتبتك بالتفدية فرأيت عيباً أن أفديك بنفسٍ لا بدَّ لها من فَنَاء، ولا سبيلَ لها إلى بَقَاء، ومَنْ أظهر لك شيئاً وأضمر لك خِلاَفه فقد غشَّ؛ والأمر إذا كانت الضرورَةُ تُوجبُ أنه مَلَقٌ لا يحقق، وإعطاء لا يتحصّل، لم يجب أن يخاطبَ به مِثْلُك، وإن كان عند قوم نهايةَ من نهايات التعظيم، ودليلاً من دلالات الاجتهاد، وطريقاً من طرق التقرّب.

(1/301)


قال الزبير بن أبي بكر: قال لي مسلمة بن عبد الله بن جندب الهذلي: خرجت أرِيدُ العقيق ومعي زَيَّان السوّاق؛ فلقيْنا نسوة فيهن امرأة لم أرَ أجملَ منها فأنشدت بيتين لزَيَّان: الطويل:
ألاَ يا عبادَ الله هذا أخوكُمُ ... قتيلٌ، فهلْ فيكم له اليوم ثائرُ؟
خذوا بدمي، إن متُّ، كلَّ خريدةٍ ... مريضةِ جَفْنِ العين والطَّرْفُ ساحِرُ
ثم قال: شأنك بها يا ابن الكرام فالطلاق له لازم إن لم يكن دم أبيك في نقابها.
فأقبلت عليَّ وقالت: أنت ابن جندب؟ فقلت: نعم. قالت: إن قتيلنا لا يودى، وأسيرنا لا يفدى، فاغتنم لنفسك، واحتسب أباك.
قال أبو عبيدة: قال رجل من فزارة لرجل من بني عذرة: تعدون موتكم من الحب مزية، وإنما ذاك من ضعف المنة، وعجز الروية. فقال العذري: أما إنكم لو رأيتم المحاجر البلج، ترشق بالأعين الدعج، فوقها الحواجب الزج، وتحتها المباسم الفلج، والشفاه السمر، تفتر عن الثنايا الغر، كأنها برد الدُّر، لجعلتموها اللات والعزى، ورفضتم الإسلام وراء ظهروكم.
وقال أعرابي: دخلت بغداد فرأيت فيها عيوناً دعجاً، وحواجب زجاً، يسحبن الثياب، ويسلبن الألباب.
وذكر أعرابي نساءً فقال: ظعائن في سوالفهن طول، غير قبيحات العطول، إذا مشين أسبلن الذيول، وإن ركبن أثقلن الحمول.
ووصف آخر نساء فقال: يتلثمن على السبائك، ويتشحن على النيازك، ويتزرن على العواتك، ويرتفقن على الأرائك، ويتهادين على الدرانك، ابتسامهن وميض، عن ثغر كالإغريض، وهن إلى الصبا صور، وعن الخنا خور.
الهوى
سئل بعض الحكماء عن الهوى، فقال: هو جليس ممتع، وأليف مؤنس، أحكامه جائزة، ملك الأبدان وأرواحها، والقلوب وخواطرها، والعيون ونواظرها، والنفوس وآراءها، وأعطى زمام طاعتها، وقياد مملكتها، توارى عن الأبصار مدخله، وغمض عن القلوب مسلكه.
وسئلت أعرابيةٌ عن الهوى فقالت: لا متع الهوى بملكه، ولا ملِّي بسلطانه، وقبض الله يده، وأوهن عضده؛ فإنه جائر لا ينصف في حكم، أعمى ما ينطق بعدل، ولا يقصر في ظلم، ولا يرعوي للوم، ولا ينقاد لحق، ولا يبقى على عقل ولا فهم، لو ملك الهوى وأطيع لرد الأمور على أدبارها، والدنيا على أعقابها.
ووصف أعرابي الهوى فقال: هو داءٌ تدوى به النفوس الصحاح، وتسيل منه الأرواح، وهو سقم مكتتم، وجمر مضطرم؛ فالقلوب له منضجة، والعيون ساكنة.
قال أبو عبيد الله بن محمد بن عمران المرزباني: أخبرني المظفر بن يحيى، قال: أحبَّ رجلٌ امرأةً دونه في القددر، فعذله عمه، فقال: يا عمّ، لا تلم مجبراً على سقمه؛ فإن المقر على نفسه مستغنٍ عن منازعة خصمه، وإنما يلام من اقتراف ما يقدر على تركه، وليس أمر الهوى إلى الرأي فيملكه، ولا إلى العقل فيدبره؛ بل قدرته أغلب، وجانبه أعز من أن تنفذ فيه حيلة حازم، أو لطف محتال.
وقال بعضهم: رأيت امرأتين من أهل المدينة تعاتب إحدهما الأخرى على هوىً لها، فقالت: إنه يقال في الحكمة الغابرة، والأمثال السائرة: لا تلومنَّ من أساء بك الظن إذا جعلت نفسك هدفاً للتهمة، ومن لم يكن عوناً على نفسه مع خصمه لم يكن معه شيء من عقدة الرأي، ومن أقدم على هوىً وهو يعلم ما فيه من سوء المغبة سلط على نفسه لسان العذل، وضيع الحزم. فقالت المعذولة: ليس أمر الهوى إلى الرأي فيملكه، ولا إلى العقل فيدبره، وهو أغلب قدرةً، وأمنع جانباً من أن تنفذ فيه حيلة الحازم، أو ما سمعت قول الشاعر: الخفيف:
ليس خَطبُ الهوَى بخطْبٍ يسيرِ ... لا ينّبيك عنه مِثلُ خَبيرِ
ليس أمرُ الهَوى يُدَبَّرُ بالرَّأْ ... ي ولا بالقياس والتفكيرِ
إنما الأمرُ في الهوى خَطَراتٌ ... محدَثاتُ الأمورِ بَعْدَ الأمورِ؟

(1/302)


قال المرزباني: أخبرني الصولي أنّ هذه الأبيات لعُلية بنت المهدي، ولها فيها وقيل لعبد الله بن المقفع: ما بالُ العاقل المميز الذهن، واللبيب الفطِن، يتعرض للحب وقد رأى منه مواضعَ الهلكة، ومصارعَ التّلَف، وعلم ما يؤول إليه عُقْبَاه، وترجع به أُخْراه على أولاه؟ فقال: زُخْرِفَ ظاهرُ العشق بجمال زينة يستدعي القلوب إلى ملامَسَتِهِ، ومُلّي بعاجل حلاوة يَطْبي النفوسَ إلى ملابَسَته، كظاهر زخرف الدنيا، وبهاء رونقها، ولذيذ جَنَى ثمرها، وقد سكرت أبصارُ قلوب أبنائها عن النظر إلى قبيح عيوب أفعالها، فهم في بلائها منغمسون، وفي هلكة فتنتها متورّطون، مع علمهم بسوء عواقب خَطْبها، وتجرع مرارةِ شربها، وسرعة استرجاعها ما وهبت، وإخراجها مِمَا ملكت، فليس يَنجُو منها إلا مَنْ حَذِرَها، ولا يهلك فيها إلا من أَمِنَها، وكذلك صُورةُ الهوى؛ هما في الفتنة سواء.
العفة
وقال ابن دُرَيد: قال بعضُ الحكماء: أَغْلِق أبواب الشبهات بأفعال الزهادة، وافتح أبوابَ البر بمفاتيح العبادة فإنَّ ذلك يُدْنِيك من السعادة، وتستوجب من الله الزيادة.
وقال غيرُه: إنَّ اللذةَ مشوبةٌ بالقُبح؛ ففكِّروا في انقطاع اللذَةِ وبقاء ذِكْرِ القُبحِ.
قال أبو عبد الله بن إبراهيم بن عرفة نِفْطَوَيْه: الكامل:
ليس الظرِيفُ بكامل في ظَرفِه ... حتى يكونَ عن الحرامِ عفيفا
فإذا تعفَّفَ عن محارم رَبّهِ ... فهناك يُدْعَى في الأنامِ ظَرِيفا
وقال: البسيط:
كم قد ظفرتُ بمن أَهوَى فيمنَعُني ... منه الحياءُ وخَوْفُ الله والْحَذَرُ
وكم خَلَوْتُ بمن أَهْوَى فيُقْنِعُني ... منه الفكَاهةُ والتقبيلُ والنَّظَرُ
أهْوَى الملاحَ وأَهْوَى أنْ أُجالِسهم ... وليس لي في حَرَام منهمُ وَطَرُ
كذلك الحبُّ لا إتيانُ معصِيَةٍ ... لا خيرَ في لذّةٍ من بعدها سَقَر
وقال العباس بن الأحنف: البسيط:
أتأذنون لِصَبٍّ في زيارتكمْ ... فعندكُمْ شهواتُ السَّمْعِ والبَصَرِ
لا يبصر السوءَ إن طالَتْ إقامتُه ... عفّ الضمير ولكن فاسق النظر
وقال بعضُ الطالبين: الطويل:
رمَوْني وإياهمْ بشَنْعَاءَهُمْ بها ... أَحَقُّ، أدَالَ الله منهمْ وعجَّلاَ
بأمرٍ تركناه ورَبِّ محمدٍ ... جميعاً فإما عفَّةً أو تجمّلا
وقال سعيد بن حميد: الخفيف:
زائر زارَنا على غَيْرِ وعد ... مُخْطَف الكَشْح مُثْقَلُ الأردَافِ
غالبَ الخوفَ حين غالبه الشو ... قُ وأخفَى الهوى وليس بخافِي
غضَّ طرفِي عنه تُقى الله فاختر ... تُ على بَذلِه بقاءَ التصافي
ثم ولى والخوفُ قد هَزَّ عِطْفي ... ه ولم يخلُ من لِباس العَفَافِ
وفي الحديث الشريف: " مَنْ أحب فعفَّ فمات فهو شهيدٌ " .
والعغافُ مع البَذْل، كالاستطاعة مع الفعل، كما قال صريع الغواني: الطويل:
وما ذميَ الأيام أنْ لَسْتُ مادحاً ... لعَهْدِ لياليها التي سلَفَتْ قبلُ
ألاَ رُب يوم صادقِ العَيْشِ نِلْتهُ ... بها ونَدامَاي العفافةُ والبَذْلُ
وأنشد الصولي لأبي حاتم السجستاني في المبرد، وكان يلزم حَلْقَته، وكان من المِلاَح وهو غلام: مجزوء الكامل:
ماذا لقيتُ اليومَ من ... مُتَمجِّنٍ خَنِثِ الكلامْ
وقفَ الجمالُ بوَجْهِه ... فسمَتْ له حدَقُ الأنَامْ
حَركَاتهُ وسُكُونهُ ... يُجْنَى بها ثَمرُ الأثامْ
فإذا خَلَوْتُ بمثلهِ ... وعَزَمْتُ فيه على اعترامْ
لم أَغدُ أخلاقَ العَفَا ... فِ وذاك أَوْكدُ للغَرَامْ
نَفْسِي فِدَاؤكَ يا أبا ال ... عباس جَلَّ بك اعتصامْ
فارْحَمْ أخاكَ فإنهُ ... نَزْرُ الكَرَى بادِي السقام
وأنِلْهُ ما دُونَ الحرا ... مِ فليس يَرْغَبُ في الحرام
وكان أبو حاتم يتصدق كلَّ يوم بدرهم، ويختم القرآن في كل أسبوع.

(1/303)


وذكر أنه اجتمع أبو العباس بن سُرَيج الشافعي، وأبو بكر بن داود العباسي، في مجلس علي بن عيسى بن الجراح الوزير، فتناظَرَا في الإيلاءِ، فقال ابن سريج: أنت بقولك: من كثرت لَحَظاته دامَتْ حَسَراته أبْصَرُ منك بالكلام في الإيلاء، فقال أبو بكر: لئن قلت ذلك فإني أقول: الطويل:
أُنزِّه في رَوْضِ المحاسن مُقْلَتي ... وأَمْنَعُ نفسي أن تنالَ مُحَرَّمَا
وأحمِلُ من ثِقل الهوَى ما لَوَ أنه ... يُصَبُّ على الصَّخْر الأصمِّ تهدَّمَا
وينطق طَرْفِي عن مترجم خَاطِري ... فلولا اختلاسِي رَدَّهُ لتكلَّما
رأيتُ الهوَى دَعْوَى من الناسِ كلِّهم ... فلستُ أرى حبّاً صحيحاً مسلّما
فقال أبو العباس: بم تفتخرُ عليّ. وأنا لو شئت لقلت: الكامل:
ومُطَاعِم للشّهْدِ مِنْ نَغَماتِه ... قد بِثُ أَمْنعهُ لذيذَ سِنَاتِه
صبَّاً بحُسْنِ حديثه وكلامِه ... وأكُرّر اللحظاتِ في وجناتِه
حتى إذا ما الصبحُ لاح عمودُهُ ... ولَّى بخاتم رَبّه وبَرَاتِه
فقال أبو بكر: أصلح الله الوزير، تحفظ عليه ما قال حتى يقيمَ شاهدَين عَدْلين أنه ولي بخاتم ربه فقال أبو العباس: يلزمني في هذا ما يلزمك في قولك: أنزه في رَوْض المحاسن مُقْلَتي... البيت. فضحك الوزيرُ، وقال: لقد جَمَعْتما ظرفاً ولُطفاً وفَهْماً وعلماً.
ألفاظ لأهل العصر
في محاسن النساء
هي روضةُ الحسْنِ، وضرَّةُ الشمْسِ، وبَدْرُ الأرض. هي من وجهها في صباحٍ شَامِس، ومن شَعْرِها في ليل دَامس، كأنها فلقة قَمَر على بُرْج فضة. بَدْر التم يضي تحت نِقابها، وغُصْن البانِ يهتزّ تحت ثيابها، ثَغْرُها يجمعُ الضريب والضَّرَب، كأنهُ نثر الدرّ، كَما قال البحتري: البسيط:
إذا نَضَوْنَ شُفُسوفَ الرَّيْطِ آوِنةً ... قَشَرْنَ عَن لؤلؤِ البَحْرَين أصْدَافا
قد أنْبَتَ صدرُها ثمرَ الشباب، خرطَتْ لها يدُ الشبابِ حُقّيْنِ من عاج، كأنها البدرُ قُرِّط بالثريَّا، ونِيطَ بها عِقْدٌ من الجوزاء، أعلاها كالغُصْن ميّال، وأسفلها كالدِّعص مِنْهال، لها عنُق كإبريق اللُجَيْنِ، وسُرَّة كمدْهُن العاج، نِطَاقُها مُجْدِب، وإزَارُها مُخْصِب، مَطلَع الشمس من وَجْهِها، ونَبْت الدُّرِّ من فيها، وملقط الوَرْد من خدّها، ومنبع السِّحْرِ من طَرْفِها، ومبادئ الليل من شَعْرِها، ومغرس الغصن من قدِّهَا، ومهيل الرَّمْلِ من رِدْفِها.
ولهم في محاسن الغلمان والمعذرين: زاد جمالُه، وأقمر هِلاله. ترقرقَ في وجهِه ماءُ الحسْنِ، شادِنٌ فاتِرٌ طَرْفه، ساحر لَفْظه. غلامٌ تأخذُه العَيْن، ويَقْبَله القَلْبُ، ويأخذه الطَرْفُ، وترتاح إليه الرّوح. تكادُ القلوبُ تأكله، والعيون تَشْرَبُه، جرى ماءُ الشباب في عُوده فتمايلَ كالغُصْنِ، واستوفى أقسامَ الحُسْنِ، ولبس ديباجةَ المَلاَحة، كأنَّ البدْر قد ركب أزراره، لا يشبَع منه الناظرُ، ولا يروَى منه الخاطِر، كاد البدرُ يَحكِيه، والشمسُ تشبِهه وتُضَاهِيه، صورة تَجْلو الأبصار، وتُخْجِل الأقمار، شادن مُنتقبٌ بالبدْر، ومكتَحِلٌ بالسحر. ما هو إلا نُزْهة الأبصار، ومخْجل الأقمار، وبِدْعة الأمصار، غمزات طَرْفه تُخْبِر عن ظَرْفه، ومنطِقُه ينطقُ عن وَصفه. تخالُ الشمسَ تبرقعَتْ غرَّتَه، والليل ناسب أصداغَه وطُرَّتَه. الحُسنُ ما فوق أزراره، والطِّيب ما تحت إزاره، شادن يَضْحَكُ عن الأقحوان، ويتنفَّسُ عن الريحان، كأنَّ خدَّه سكران من خَمْر طرفه، وبغداد مسروقةٌ من حُسْنِه وظَرْفه، أعجمت يد الجمالِ نونَ صُدْغِه بخَال، هذا محلول من قول ابن المعتز: الوافر:
غِلالة خَدّهِ صبغت بوَرْدٍ ... ونونُ الصُّدْغ مُعْجَمَة بخَالِ

(1/304)


له عينان حَشْوُ أجفانهما السِّحْرُ، كأنه قد أعار الظَّبْيَ جِيدَه، والغصْنَ قدَّه، والراح رِيحَه، والوَرْدَ خدَّه، الشِّكل من حَرَكاته، وجميعُ الحسْنِ بعض صفاته. قد ملكَ أزِمَّةَ القلوب، وأظهر حجَّةَ الذنوب، كأنما وَسَمَه الجمالُ بنهايته، ولحظَه الفلكُ بعنايته، فصاغَه من لَيْلِه ونهاره، وحَلاه بنجومة وأقماره، ونَقَّبه ببدائع آثاره، ورَمَقَه بنواظر سُعودِه، وجعله بالجمال أحدَ حدوده. وقد صَبَغ الحياءُ غِلاَلَة وَجْهِه، ونُشِر لؤلؤُ العرق عن وَرْدِ خدّه. تكاد الألحاظُ تسفك من خَدِّه دمَ الخجَلِ. له طرّة كالغَسَقِ، على غُرَّةِ كالفَلَق. جاءنا في غِلالة تنمُّ على ما يستره، وتجفو مع رِقّتها عما يظهره. وجهٌ بماءِ الحُسْنِ مغسول، وطَرْف بِمرْود السّحْرِ مكحول. ثغر حُمِيَ حمايةَ الثغور، وجُعِل ضرة لقلائد النحور. السحْرُ في ألحاظه، والشهدُ في ألفاظه. اختلس قامةَ الغُصْنِ، وتوشّح بمطارف الحسن، وحكى الروض غبَّ المُزْن. الأرضُ مشرقة بنورِ وجهِه، وليل السرَارِ في مثل شَعْره. الجنةُ مجتناةٌ من قُرْبِه، وماءُ الجمالِ يترقرقُ في خدِّه، ومحاسنُ الربيع بين سَحْرِه ونَحْرِه، والقمرُ فَضْلَةٌ من حُسْنِه. ما هو إلا خال في خدِّ الظّرف، وطِرَازٌ على علم الحُسْنِ، ووَرْدَةٌ في غُصْنِ الدهر، ونَقْشٌ على خاتم الملك، وشمسٌ في فَلَك اللطف. هو قَمَرٌ في التصوير، شمسٌ في التأثير. منظر يملأ العيونَ، ويملكُ النفوس، زَرافينُ أصداغه معاليق القلوب، كأنَّ صُدْغه قرط من المسك على عارِض البَدْر. وجهُه عرس، وصدغه مَأْتم، ووصله جنة، وهجره جهنم. أصداغُه قد اتخذت شَكْلَ العقاربِ، وظلمت ظُلْمَ الأقارب. إن كان عقرب صُدْغه تلسع، فترياق رِيقه يَنْفَع. كأن شاربَه زِئْبَرُ الخزّ الأخضرِ، وعِذَارُه طراز المِسْك والعَنبر الإذفر، على الوَرْدِ الأحمر. إذا تكلم تكشَّفَ حِجَابُ الزمزد والعقيق، عن سِمْط الدرِّ الأنيق. قد همَّ أرقمُ الشعْر على شاربِه، وكاد فم الحُسْن يقبّله. كأنَّ العِذَار ينقش فمنَ وَجْهِه، ويحرق فِضة خدّه. طرَّزَ الجمالُ ديباج وجْهِه، وأبانَ عِذَارُه العذرَ في حُبّه. لعب الربيعُ بخده، فأنبت البنفسجَ في وَرْده. لما احترقتْ فضةُ خده، احترق سواد القلب من حبِّه: المديد:
كيف لا يخضرّ ُشاربهُ ... ومياهُ الحسْنِ تسقيهِ؟
ولهم في نقيض ذلك، في ذم خروج اللحية: قد انتقب بالدَّيجُورِ، بعد النور؛ فدَوْلةُ حُسْنِه قد أَعرضَتْ أيامه، وانقرضَتْ دَوْلته وأحكامُه. استحال خَدُّه دُجا، وزمرد خَدِّهِ سُبَجا؛ وأخمدت نارُ حُسْنِه بعد الإيقاد، ولَبس عارضُه ثوبَ الحِدَاد. ذَبُل وَردُ خدِّه، وتشوَّك زعْفرانُ خطه. فارقنا خَشْفاً، ووافانا جِلْفاً، وفارَقنا هلالاً وغَزَالاً، وعاد وبالاً ونكالاً. ما لي أرى الآباط جائِشة؛ والآنافَ مُعْشِبة، والعيون منورة، والأزرار مرعى، والأظفارَ حمَى، واللحى لبودا، والأسنان خُضْراً وَسُوداً؟.
من إنشاء بديع الزمان
وكتب إلى بديع الزمان بعضُ من عُزل عن ولاية حسنة يستمدُّ وداده ويستميل فؤاده؛ فأجابه بما نسخته: وردَتْ رقعَتُك أطالَ الله بقاءَك فأَعَرْتُهَا طرف التعزز ومددت إليها يدَ التقزّز، وجمعت عليها ذريلَ التحرُّز، فلم تَنْدَ على كَبدي، ولم تَحْظَ بناظرِي ويَدِي، ولقد خطبت من مَودّتي ما لم أجِدْك لها كَفِيّاً، وطلبت من عِشرتي ما لم أرَك لها رضياً؛ وقلت: هذا الذي رفع عنَّا أجفان طَرْفه، وشال بشعرات أنفه، وتَاه بحُسْنِ قَدِّه، وزهَا بوَرْد خَدِّه، ولم يَسْقِنا من نَوْئِه، ولم نَسِرْ بضوئه، فالآنَ إذْ نسخ الدهرُ آيةَ حُسْنِه، وأقام مائل غُصْنِه، وفَلَلَ غَرْب عُجبِه، وكفَّ شأْو زهْوه وانتصر لنا منه بشعرات قد كسفت هِلاله، وأكسفَتْ بالَه، ومسخَتْ جمالَه، وغيّرتْ حاله، وكدّرَتْ شِرْعتَه، ونكّرت طَلْعته، جاء يستقي من جرفنا جَرفاً، ويغرف من طينتنا غَرْفاً، فمهلاً يا أبا الفضل مهلاً: مجزوء الكامل:
أَرِغبْتَ فينا إذْ عَلاَ ... ك الشَعْرُ في خَدّ قَحِلْ؟
وخرجْتَ من حدِّ الظبا ... ءِ وصِرْتَ في حدّ الإِبِلْ؟
أنشأت تطلبُ عِشْرَتي ... عُدْ للعداوةِ يا خجلْ

(1/305)


أنسيت أيامك؛ إذ تكلِّمنا نَزْراً، وتنظرنا شَزْراً، وتجالسُ مَنْ حضر، ونسرق إليك النظر، ونهتز لكلامك، ونهش لسلامك: الطويل:
فمَن لكَ بالعينِ التي كنتُ مرة ... إليك بها في سالفِ الدَّهْرِ أَنْظُرُ؟
أيام كنت تتمايل، والأعضاء تتزايَل، وتتغانج، والأجساثُ تتفَالج، وتتفلّت، والأكبادُ تتفتت، وتخطر وترفل، والوَجْدُ بنا يَعْلو ويسفل، وتُدْبر وتُقبل، فتمنّى وتخيل، وتصدّ، وتُعْرِض، فتضني وتمرض: الطويل:
وتبسم عن ألمي كأنَ منوراً ... تخلّل حرّ الرمل دعصٌ له ندُّ
فأَقْصِر الآنَ فإنه سوقٌ كَسَد، ومتاعٌ فَسد، ودولة أعرضت، وأيام انقضت: مجزوء المتقارب:
وعهد نِفَاق مَضَى ... وسوق كسادٍ نَزلْ
وخدّ كأَنْ لم يكُنْ ... وخَطّ كأن لم يَزَلْ
ويوم صار أمس، وحسرة بقيتْ في النفس، وثغر غاضَ ماؤُه فلا يرشف، وريق خدع فلا ينشف، وتمَايل لا يعجب، وتئنّ لا يطرب، ووجه زال بهاؤه، ومُقْلة لا تجرح ألحاظها، وشفَة لا تفتن ألفاظها، فحتّام تُدِلّ، وإلاَمَ نحتملُ وعَلاَم. وآن أن تذْعِن الآن، وقد بلغني ما أنت مُتَعَاطيه من تمويه يجوز بعد العِشاء في الغَسَق، وتشبيه يفتضحُ عند ذوي البصر والصدق؛ من إفنائك لتلك الشعرات جفّاً وحَصّاً، وإنْحَائك عليه نقصاً وقصّاً. وسيكفينا الدهرُ مؤونة الإنكار عليك، بما يزفّ من بنات الشعر وأمهاته إليك؛ فأمأ ما استأذنت فيه رَأيي من الاختلاف إلى مجلسي فما أقلَّ إليك نشاطي؛ وأضيق عنك بساطي، وأشنع قلقي منك، وأشدّ استغنائي عن حضورك، فإن حضرت فأنت داءٌ نَرُوضُ عليه الحلم، ونتعلّم به الصبر، ونتكلّف فيه الاحتمال، ونُغْضِي منه الجَفْنَ على قَذى، ونَطوِي منه الصدر على أذى، ونجعله للقلوب تأنيباً، وللعيون تاْديباً. وما لك إلا أن تعتاض من الرغبة عنّا رغبةً فينا. ومن ذلك التدلل علينا تذللاً لنا، ومن ذلك التعالي تَبَصبصا، ومن ذلك التغالي ترخُصَاً، وما بال الدهر أعقبك من التزايد تنقصاً، ومن التسحُّب على الإخوان تقمُّصاً، ولئن اعتَضْتَ من الذهاب رُجوعاً، لقد اعتضنا من النزاعُ نُزوعاً، فانْأَ برَحْلكِ وجانبك، ملقًى حَبْلك على غارِبك، لا أُوثِر قُرْبك، ولا أَنْدَهُ سِرْبك، والسلام.
ومن إنشاء بديع الزمان في مقامات الإسكندري، ولعلّ ما فيها من الطول غير مملول. قال: حدثنا عيسى بن هشام قال: كان يبلغُني من مقامات الإسكندري ما يُصغِي له النَفُور، ويَنتفضُ له العصفور، ويُرْوَى لي من شِعْرِه ما يَمْتزج بِأَجْزاء الهواء رِقَّة، ويَغْمُضُ عن أوهام الكَهَنَةِ دِقة، وأنا أسألُ الله بقاءه، حتى أرْزَق لقاءَه، وأتعجب من قعودِ هِمَّته بحالتهِ، مع حُسْنِ آلتهِ، وقد ضربَ الدهر شؤونه أسداداً وهلم جراً. إلى أنِ اتفقَتْ لي حاجةٌ بحِمْصَ، فشحَذتُ إليها الحِرْصَ، في صُحْبَة أفرادٍ كنجوم اللَيل، أَحْلاَس لظهورِ الخيلِ، فأخذنا الطريق نَنْتهبُ مسافتَه، ونستأصِلُ شَأْفَته، ولم نزلْ نَفْرِي أسْنِمَةَ النِّجَادِ بتلك الجِيَادِ، حتَّى صِرْن كالعِصِيِّ، ورَجَعْن كالقسِي، وتَاحَ لنا وادٍ في سفْح جبل، ذي ألاَءٍ وآثلٍ، كالعذَارى يُسَرِّحْن الضفائرَ، وينْشُرْن الغدائر، فقالتِ الهاجرةُ بنا إليها، فنزلنا نُغوِّر ونَغُور، ورَبطْنا الأفراسَ بالأَمْراس، ومِلْنا مع النُّعاس، فما راعَنا إلا صهيلُ الخيول، ونظرت إلى فَرَسي وقد أرْهَفَ أُذنيه، وطمَحَ بعينيه، يجُذُّ قُوَى الْحَبل بمشافره، ويخُدُّ خَدَّ الأرض بحوافره، ثم اضطربت الخيلُ، فأرسلت الأَبوال، وقطَّعَتِ الحبال، وصار كل منا إلى سلاحه، فإذا الأسد في فَرْوة الموت، قد طلع من غابه، منتفخاً في إهابه، كاشراً عن أنيابه، بطَرْف قد ملئ صَلَفاً، وأنف قد حشي أنفاً، وصدر لا يبرحه القلب، ولا يسكنه الرُعب، فقلنا: خطْبٌ واللّه ملم، وحادِث مهمٌ، وتبادَرَنا إليه من سَرْعان الرُفقة فتى: الرمل:
أخضر الجِلْدة من بيْت العَرَب ... يملأُ الدَلْوَ إلى عقد الكَرَبْ

(1/306)


بقلبٍ ساقه قدر، وسيفٍ كله أثرٌ، فملكتْهُ سورة الأسد، فخانته أرضُ قدمه، حتى سقط ليده وفمه، وتجاوز الأسد مَصْرَعه، إلى مَن كان معه، ودَعا الحينُ أخاه، إلى مثل. ما دعاه، فسار إليه، وعقل الرُّعب يديه، فأخذ أرضه وافترس الليثُ صدره، ولكن شغلتُ بعمامتي فمه، حتى حقنتُ دمه، وقام الفتى فوَجأَ بطنه حتى هلك من خوفه، والأسد بالوجأة في جوفه، ونهضنا على أثر الخيل، فتألفنا منها ما ثبت، وتركنا ما أَفلتَ، وعدنا إلى الرفيق لنجهزَه: الطويل:
فلما حَثَوْنَا التربَ فوقَ رفيقنا ... جَزعنا ولكن أيُّ ساعة مَجزع
وعدنا إلى الفلاة، فهبطْنا أرضها، وسرْنا حتى إذا ضمرت المزاد، ونفدَ الزادُ، أو كاد يدركه النفاد، ولم نملك الذهاب ولا الرجوع، وخفنا القاتلين الظمأ والجوعَ، عنَّ لنا فارسٌ فصَمَدْنا صَمْده، وقصدنا قصده، ولما بلغنا نزلَ عن حاذ فرسه ينقُشُ الأرضَ بشفتيه، ويلقي الترابَ بيديه، وعمدني من بين الجماعة، فقبل ركابي، وتحزَم بثيابي، ونظرتُ فإذا وَجه يبرق برق العارض المتهلّل، وفرس متى ما ترقُّ العينُ فيه تسهل، وعارضٌ قد اخضرَ، وشاربٌ قد طرّا، وساعدٌ ملآن، وقضيب رَيان، ونجار تركيّ، وزي ملكي، فقلت: ما جاء بك؟ لا أبالك! فقال: أنا عبد بعض الملوك، همَّ من قتلي بهم، فهمت على وجهي إلى حيث تراني، وشهدت شواهدُ حاله، على صدق مقاله، ثم قال: أنا اليوم عبدُك، ومالي مالك، فقلت: بشرى لك وبك، أدَّاك سيرُك إلى فناءٍ رَحْب، وعيش رَطْب، وهنأتني الجماعة، بحسب الاستطاعة، وجعل ينظرُ فتقتلنا ألحاظه، وينطقُ فتفتننا ألفاظه، والنفس تناجيني فيه بالمحظور، والشيطان من وراء الغرور، فقال: يا سادة، إنَّ في سفح هذا الْجبل عيناً، وقد ركبتم فلاة عَوْراء، فخذوا من هنالك الماء، فلوينا الأعنة، إلى حيث أشار، وبلغناه وقد صهرت الهاجرة الأبدان، وركبت الجنادبُ العيدان، فقال: ألا تقيلون في هذا الظل الرَحب، على هذا الماء العذب؟ فقلنا: أنت وذاك، فنزل عن فَرَسه، ونحى منطقته، وحلَّ قُرْطَقَته، فما استتر عنّا إلا بغلالةٍ تنمُ، على بدنِهِ، فما شكَكْنا أنّه خاصم الوِلدَان، ففارقَ الجنَان، وهرَب من رضْوَان، وعمد إلى السروج فحطَّها، وإلى الأفراسِ فحشَّهَا، وإلى الأمكنة ففرشها، وقد حارتِ البصائر فيه، ووقعت الأبصارُ عليه، ووَتد كلّ منا شبقاً، وخنث اللفظ ملَقاً. وقلت: يا فتى، ما أَلطفَك في الخِدْمَة! وأحسنَك في الجملة! فالويلُ لمن فارَقْتَه، وطُوبى لمن رافَقْتَه، فكيفَ نشْكُر الله على النعمةِ بك؟! فقال: ما ستَرَوْنه أكْثر، أتُعْجِبكم خِفِّتي في الخِدْمة، فكيف لو رأيتمُوني في الرُّفْقة؟ أُرِيكم من حِذْقي طُرَفاً، لئزدادُوا بي شَغَفاً؟ فقلنا: هاتِ، فعمد إلى قَوْس أحدِنا فأَوْتَرَه؛ وفوَّق سَهْماً فرماه في السماء، وأتْبَعه بآخر فشقه في الهواء، وقال: سأريكم نوعاً آخر، ثم عمد إلى كنانتي فأخذها، وإلى فرسي فعلاه، ورمى أحدنا بسهم أثبته في صدرِه، وآخر طيّره من ظهره، فقلت: ويحك! ما تصنعُ؟ قال: اسكت يا لُكَع، واللّه ليشدنَّ كل منكم يَدَ رفيقه، أو لأغصَّنّه بريقهِ، فلم نَدْر ما نصنعُ، وأفراسنا مربوطة، وسرُوجنا محطوطة، وأسلِحَتُنا بعيدة، وهو راكبٌ ونحن رَجَّالة، والقوسُ في يده يرشقُ بها الظهورَ، ويمشُق بها البطونَ والصدورَ، وحين رأينا منه الجِدَّ، أخَذْنا القدَّ، فشدَّ بعضنا بعضاً، وبقيت وَحْدي لا أجِدُ من يشدُّني، فقال: اخرُجْ بإهابك، عن ثيابك، ثم نزل عن فرسه، وجعل يصفعُ الواحِدَ منّا بعد الآخر، ويقول: أقمت قضيبك، فخذ نصيبك، ونزع ثيابه، وصار إليَّ وعليّ خُفّانِ جديدان فقال: اخلعهما لا أُمَّ لك، فقلت: هذا خفٌّ لبسْتُه رَطباً، فليس يمكنني خلعه فقال: عليّ نزعه، ثم دنا لينزعَ الخُفّ، ومدَدْتُ يَدِي إلى سكّين فيه وهو مشغول، فأثْبَتُّه في بطنه، وأبَنْتُه من مَتْنِه. فما زاد على فَم فَغَرَه، وأَلْقَمَه حجَره، وقُمْتُ إلى أصحابي فحَللْتُ أيدِيَهم، وتوَزَّعْنا سلَب المقتوليْن، وأدَرَكْنَا الرفيق، وقد جاد بنفسه، وصار إلى رَمْسِه، وصِرْنَا إلى الطريق فوردْنا حِمْص بعد ليال، فلما انتهينا إلى فُرْضَةٍ من سُوقِها رأينا رجلاً قد قام على رأس ابن وبُنَيّة، بِجِراب وعُصَيَّة، وهو يقول: مجزوء الخفيف:

(1/307)


رَحِمَ الله مَنْ حَشَا ... في جِرَابِي مَكارِمَهْ
رَحِمَ الله من رَثَى ... لسعيد وفَاطِمَهْ
إنّهُ خادِمٌ لَكُمْ ... وهْيَ لا شكَّ خَادِمَهْ
قال عيسَى بن هشام: فقلت: إنَ هذا الرجل هو الإسكَندري الذي سَمِعْتُ به وسأَلْتُ عنه فإذا هو هو، فدَلًفْتُ إليه، فقلت له: أحكمك حكمك، فقال: درهم، فقلت:مجزوء الكامل:
لَكَ دِرهمٌ في مِثْلِه ... مَادامَ يُسْعِدُني النفَسْ
فاحْسِبْ حِسابكَ والتمسْ ... كيما تنالَ الملتمَسْ
لك دِرهم في اثنين، وفي ثلاثة، وفي أَربعة، في خَمْسة حتى بلغث العشرين، ثم قلت: كم معك؟ قال: عشرون رغيفاً، فأمرْتُ له بها، وقلت: لا نصرة مع الخِذْلان، ولا حِيلَة مع الحِرْمَانِ.
وقال أبو فراس الحمداني: البسيط:
سكرتُ منْ لَحْظِه لا مِنْ مُدَامتِه ... ومالَ بالنوم عن عيني تَمَايُلُهُ
وما السُّلافُ دَهَتْني بل سَوالِفهُ ... ولا الشَّمولُ دَهَتْنِي بل شَمائِلُهُ
ألوَى بصبْرِيَ أَصْدَاغٌ لُوِينَ لهُ ... وغَالَ عَقْلِي بما تَحْوِي غَلاَئِلُه
وقال ابنُ المعتزّ، وقد تقدَم عنه في هذه الألفاظ: الوافر:
ويوم فاخِتيّ الدَّجنِ مُرْخٍ ... عَزَالِيَهُ بهَطْل وانهمال
أبحْتُ سرورَه وظللت فيهِ ... برَغْمِ العاذلات رَخِيَّ بَالِ
وساقِ يجعلُ المنديل منهُ ... مكان حمائلِ السيفِ الطوالِ
غلالة خَدّه صبغَتْ بوَرْدٍ ... ونون الصُّدْغ مُعْجَمة بخَالِ
بَدَا والصبحُ تحت الليل بادٍ ... كطِرْفٍ أبلقٍ مرخي الجِلال
بكأس من زجاج فيه أسْدٌ ... فرائسهنّ ألبابُ الرجالِ
أقولُ وقد أخذت الكاس منهُ ... وَقَتْكَ السوءَ ربَّاتُ الحجالِ
وقد أَحسنَ ما شاء في قوله:
فرائسهن ألْبابُ الرجالِ
وإن كان أصل المعنى لأبي نواس في ذكر تصاوير الكاس.
قال الصولي: مَرَّ أبو نواس بالمدائن فعدل إلى سَاباط، فقال بعضُ أصحابه: ندخل إيوان كسرى، فرأينا آثاراً في مكانٍ حَسَنٍ تدلُّ على اجتماع كان لقومٍ قبلنا، فأقمنا خمسةَ أيام نشربُ هناك، وسألنا أبا نواس صِفَةَ الحالِ، فقال: الطويل:
ودارِ نَدامَى عَطَّلُوها وأَدْلجُوا ... بها أثرٌ منهمْ جَدِيدٌ ودارِسُ
مَساحِبُ من جَرِّ الرقاق على الثرَى ... وأَضْغاثُ رَيْحانٍ جَنِيٌّ ويَابِسُ
ولم أرَ منهم غيرَ ما شهِدَتْ بهِ ... بشرقيَّ سَابَاطَ الديارُ البَسَابس
حبَسْتُ بها صَحْبي فجمَّعْتُ شَمْلَهم ... وإني على، أمثال تلك لحابسُ
أقَمْنَا بها يوماً ويوماً ثالثاً ... ويومٌ له يوم الترحُّل خَامِسُ
تُدَارُ علينا الراحُ في عَسجديّةٍ ... حَبَتْها بأنواع التصاويرِ فارسُ
قرارَتُها كِسْرَى وفي جَنَباتها ... مَهًى تدَّريها بالقِسِيِّ الفوارسُ
فللرَّاحِ ما زُرَّتْ عليه جيوبُها ... وللماءِ ما دارت عليه القَلانِسُ
وقال علي بن العباس النوبختي: قال لي البحتري: أتدري من أين أخذ الحسن قوله:
ولم أرَ منهم غير ما شَهِدَتْ به؟
... البيتَ. فقلت: لا، قال: من قول أبي خراش: الطويل:
ولم أَدْرِ مَنْ ألقَى عليه رِداءهُ ... سوى أنه قد سُلَّ عن مَاجِدٍ مَحْضِ
فقلت: المعنى مختلف، فقال: أما ترى حَذْوَ الكلامِ واحداً، وإن اختلف المعنى؟! قال الجاحظ: نظَرْنَا في الشعر القديم والمحْدَث فوجَدْنَا المعاني تُقْلَب ويؤخذ بعضُها من بعض، غير قول عَنترة في الأوائل: الكامل:
وخلا الذبابُ بها يُغَنّي وحْدَه ... غَرداً كفعْلِ الشارب المترنِّمِ
هَزِجاً يحُكُّ ذرَاعَه بذراعهِ ... قَدْحَ المُكِبِّ على الزنادِ الأَجْذَمِ
وقول أبي نواس في المحدثين: الطويل:
قرارتُها كِسرى وفي جنَباتها ... مَهًى تَدَّريها بالقِسيّ الفوارسُ

(1/308)


فللِزَاح ما زُرَّتْ عليه جيوبُها ... وللماء ما دارَتْ عليه القلانسُ
أخذه أبو العباس الناشئ فقال وولَد معنًى زائداً: الكامل:
ومُدَامَةٍ لا يبتغي مِنْ رَبِّهِ ... أَحدٌ حَباه بها لَدَيهِ مزِيدا
في كأسها صوَر تُظنّ لحُسْنها ... عُرُباً بَرَزنَ من الخيام وغِيدَا
وإذا المزاج أَثارها فتقسَّمت ... ذهباً ودُرّاً تَوْأَماً وفريدا
فكأنهن لبسْنَ ذاك مَجَاسِدا ... وجَعَلْنَ ذا لِنُحُورِهنّ عقُودا
وأبياتُ أبي خراش، وكان خراش وعروة غَزَوا ثمالة فأسَروهُمَا، وأخذوهما وهمّوا بقتلهما، فنهاهم بنو رزام، وأَبى بنو هلال إلا قَتْلَهما، وأقبل رجل من بني رزام فألْقَى على حراش رداءَه، وشُغِل القومُ بقَتْل عُرْوة، وقال الرجل لخراش: انْجُهْ، فنجا إلى أبيه، فأَخبره الخبر، ولا تعرفُ العرب رجلاً مدح مَنْ لا يعرفه غيرُهُ: الطويل:
حَمِدْتُ إلهي بعد عُرْوةَ إذ نَجا ... خِرَاشٌ وبعض الشَرِّ أهونُ من بعضِ
فواللهِ لا أَنْسَى قتيلاً رُزِئْتُهُ ... بجانب قَوْسَى ما مشيتُ على الأرض
بلى إنها تَعْفُو الكُلومُ، وإنما ... نُوكَّلُ بالأدنى وإنْ جَلَّ ما يَمضِي
ولم أَدْرِ مَنْ ألْقَى عليه رِدَاءهُ ... سوى أنَّه قد سُلَّ عن ماجِدٍ مَحْضِ
ولم يك مثلوجَ الفؤاد مهبّجاً ... أضاع الشبابَ في الرَّبيلةِ والخَفْضِ
ولكنه قد لوَّحَتْه مَخَامِص ... على أنه ذو مِرّة صادِقُ النهضِ
كأنهمُ يشَّبّثون بطائر ... خفيفِ المُشَاسِ عَظْمُهُ غيرُ ذي نَحْضِ
يُبادِر فَوْتَ الليلِ فهو مُهَابدٌ ... يَحُث الجناحَ بالتبسّطِ والقَبْضِ
الربيلة: الخَفض والدعة، والمعابد: المجتهد في العَدْو والطيران.
وقال أبو خراش يرثي أخاه عروة: الطويل:
تقولُ أراه بعد غزوَةَ لاهياً ... وذلك رُزءٌ لو علمْتِ جليلُ
فلا تحسَبي أني تناسيت عَهْدَهُ ... ولكنَ صَبْرِي يا أميمَ جَمِيلُ
ألم تَعْلمي أنْ قد تَفَرَّقَ قبْلَنا ... خليلاَ صفاءٍ مالكٌ وعَقِيلُ
وأنِّي إذا ما الصبحُ أنسِيتُ ضوءَه ... يعاوِدُني قِطْعٌ عليَّ ثقيلُ
أبى الصبرَ أني لا أزالُ يهيجني ... مبيتٌ لنا فيما مَضَى ومَقِيلُ
مالك وعقيل اللذان ذكرهما، نَدِيما جذيمة الأبرش، وكانا أتياه بابنِ أخته عمرو، وكان قد استهوَتْه الجِنّ، فمنّاهما فتمنّيا مُنادمتَه، وهما اللذان عني متمِّم ابن نُوَيْرَةَ في مرثية أخيه مالك: الطويل:
وكنا كنَدْمَانَيْ جَذِيمةَ حِقْبَةً ... من الدهرِ حتى قيل لن يَتَصَدَّعا
فلمّا تفرّقْنا كأني ومالكاً ... لطولِ اجتماع لم نَبِتْ ليلَةً معا
وقول عنترة في وَصْفِ الذباب أَوْحَد فرد، ويتيم فَذّ، وقد تعلق ابن الرومي بذيله وزاد معنًى آخر في قوله: الطويل:
إذا رنقتْ شمسُ الأصيلِ ونفَضَتْ ... على الأفق الغربيّ وَرْساً مُزعْزَعا
ولاحظتِ النُوارَ وهي مريضةٌ ... قد وضعَتْ خَدّاً على الأرض أضرَعا
كما لاحظت عُوَّادَها عَيْنُ مُدْنَفٍ ... توجَّع من أوصابِه ما توجعَا
وبين إغضاء الفِرَاق عليهما ... كأنهما خِلاَّ صَفاء تودّعا
وقد ضربَتْ في خُضْرَةِ الرَّوضِ صُفْرةٌ ... من الشمس فاخضرّ اخضِرَاراً مشَعشعا
وظلَّت عيونُ النورِ تخضَلُّ بالندى ... كما اغرورقَتْ عَيْنُ الشَجِيِّ لتَدْمَعَا
وأذْكى نسيم الرّوْضِ ريعانُ ظلِّه ... وغَنّى مُغَنَي الطيرِ فيه مُرَجِّعَا
وغَرَّد ربعي الذبابِ خلالَهُ ... كما حَثْحَتَ النشْوَان صَنْجاً مشرَّعا
فكانت أرانين الذباب هناكمُ ... على شدَواتِ الطيرِ ضَرْباً موقعا

(1/309)


وذكر أبو نواس معنَى قوله في تصاوير الكؤوس في مواضع من شعره فمن ذلك: الطويل:
بَنَيْنَا على كِسْرَى سماءَ مُدَامَةٍ ... مكلّلةً حافاتُها بنجُومِ
فَلَوْ رُدَّ في كِسْرَى بن ساسانَ رُوحُهُ ... إذاً لاصطَفاني دونَ كلِّ نَدِيم
وأول هذا الشعر: الطويل:
لِمَنْ دِمَنٌ تَزْدادُ طِيبَ نسيمِ ... على طولِ ما أقْوَت وحُسن رسُومِ
تجافَى البِلَى عنهنَّ حتى كأنما ... لبِسْنَ على الإقْوَاءِ ثوبَ نَعيمِ
وهذا معنًى مليح وإن أخذه من قول أعرابي: المنسرح:
شطّتْ بهمْ عنك نيَّةٌ قُذُفٌ ... غادرت الشعْبَ غيرَ مُلْتَئِمِ
واستودَعَت سِرَّهَا الديارَ فما ... تزدادُ طِيباً إلا على القِدَمِ
وهذا ضدّ قول محمد بن وهيب: الكامل:
طَلَلاَنِ طالَ عليهما الأمدُ ... دَرَسَا فلا عَلَمٌ ولا قَصَدُ
لَبِسَا البِلَى فكأنما وَجَدَا ... بعد الأحِبَّة مثلَ ما وَجَدُوا
وقال الأخطل: الطويل:
لأسماءَ مُحتَلّ بناظرةِ البِشْرِ ... قَدِيمٌ ولمَّا يَعْفُهُ سالفُ الدَّهْرِ
يكادُ من العِرْفَان يَضْحك رَسْمُهُ ... وكم من ليالٍ للديار ومن شَهْرِ
هذا أيضاً كقول أبي صخر الهذلي: الطويل:
للَيْلَى بذاتِ الْجَيْش دارٌ عرَفتُها ... وأخرى بذاتِ البَيْنِ آياتُها سَطْرُ
كأنهما مِ الآنَ لم يتغَيّرا ... وقد مرَّ للدارينِ من بَعْدِنا عَصْرُ
وقد قال مُزَاحم القيلي: الطويل:
تراها على طولِ الْقَوَاء جَدِيدةً ... وعَهْدُ المغانِي بالحلولِ قدِيمُ
وقرأ الزبير بن بكار أخبار أبي السائب!المخزومي، فلما بلغ إلى قول مالك بن أسماء الفزاري: الكامل:
بَكَتِ الديارُ لفَقْدِ ساكنها ... أفعِند قلبِي أَبْتَغِي الضَبْرَا؟
هذا البيت نظير قول ابن وهيب: الكامل:
بينا هُمُ سكن بحيرَتِهِمْ ... ذكروا الفراقَ فأصبحوا سَفْرا
فظللت ذا ولَه يعاتِبُني ... مَنْ لا يرَى أَمْرِي له أَمْرَا
وإن أبا السائب قال عند سماع البيت الأوسط: ما أسرع هذا! أما اقدّمَوْا ركاباً؟ أما ودَّعُوا صديقَاَ؟ فقال الزبير: رحم الله أبا السائب فكيف لو سمع قولَ العباس بن الأحنف: الخفيف:
سأَلونا عن حالِنا كيف أَنتُمْ ... فَقَرنَّا ودَاعَنا بالسؤَالِ
ما أَنخْنا حتى ارتحلنَا فما فرّقْنَ بين النزول والإِرتجال؟
هكذا رواه الزبير بن بكار لمالك بن أسماء، ورواها غيره لأيوب بن شبيب الباهلي.
ومن ألفاظ أهل العصر
في صفة الديار الخالية
دارٌ لبِسَت البِلى، وتعطلت من الحُلى. دار قد صارت من أهلها خالية، بعد ما كانَتْ بهم حَالية. دار قد أنفَد البين سكانَها، وأقعد حيطانها، شاهد اليأس منها ينطِقُ، وحَبْلُ الرجاءِ فيها يقصر كأنّ غفرانها يُطوئ وخرابَها يُنْشر، أركانُها قيام وقعود، وحيطانها ركَّعٌ وهُجود.
يشبه الأول من قول مالك بن أسماء قول مزاحم العقيلي: الطويل:
بكَتْ دارُهُمْ مِن فَقْدِهم فتهلَلَتْ ... دموعي، فأَيَّ الجازِعَيْنِ ألومُ؟
أَمستعبر يَبْكي على الهون والبِلَى ... أمَ آخرُ يَبْكي شَجْوَه فيَهِيمُ
أبو الطيب المتنبي: الكامل:
لَكِ يا منازِلُ في القلوبِ منازِلُ ... أَقْفَرْتِ أنتِ وهُنَّ منكِ أَوَاهِلُ
يَعْلَمْنَ ذاك، وما علمْتِ، وإنما ... أَولاَ كُما يبكي عليه العاقِلُ
وقال علي بن جَبَلة، في معنى قول العباس بن الأحنف: الرمل:
زائرٌ نَمَّ عليه حسنُهُ ... كيف يُخْفِي الليلُ بَدْراً طلَعا
بأبي مَنْ زَارَني مكتتماً ... خائفاً مِنْ كل أَمرٍ جَزِعا
رَصَد الغَفْلَة حتى أَمْكنَتْ ... ورَعى الحارِسَ حتى هَجَعا
رَكِبَ الأهوال في زَوْرَته ... ثمّ ما سلم حتى ودَّعَا
وقال الحسين بن الضحاك: الرمل:

(1/310)


بأَبي زَورٌ تَلَفَّتُّ له ... فتنفّستُ عليه الصُّعَدا
بينما أضحكُ مسروراً به ... إذا تقطعتُ عليه كمدَا
أبو الطيب المتنبي: الخفيف:
بأبي مَنْ وَدِدْتُه فافترَقْنا ... وقضَى الله بعد ذاك اجتماعا
فافترَقْنَا حَوْلاً، فلما اجتمَعْنا ... كان تسليمُه عليَّ الوداعا
وقال أبو الحسن جحظة: قال لي خالد الكاتب: دخلتُ يوماً بعض الدِّيارات فإذا أنا بشابٍّ موثَق في صِفَاد حسن الوجه؛ فسلمتُ عليه، فردّ عليَّ، وقال: مَنْ أنت؟ قلت: خالد بن يزيد، فقال: صاحب المقطعات الرقيقة. قلت: نعم! فقال: إن رأيت أن تفرِّجَ عني ببعض ما تنشدني من شعرك فافْعَل، فأنشدته: المتقارب:
ترشَفْت من شَفَتَيْها عقاراً ... وقبَّلتُ من خَدِّها جُلنارا
وعانَقْتُ منها كثيباً مَهِيلاً ... وغُصْناً رَطِيباً وبَدْراً أَنارا
وأَبصرْت من نُورها في الظلام ... لكل مكانٍ بليلٍ نهارا
فقال: أحسنت لا يفضُضِ الله فاك، ثم قال: أجِزْ لي هذين البيتين: الخفيف:
رُبَّ ليلٍ أمدَّ من نَفَسِ الْعَا ... شِق طُولاً قطَعْتُه بانتحابِ
وحديثٍ ألذّ من نَظَرِ الوا ... مق بدَّلْتُه بسُوءِ العتابِ
فوالله لقد أَعملت فكري فما قدرت أن أجيزهما. ويمكن أن يجازا بهذا البيت: الخفيف:
ووصال أقل مِنْ لَمْحة الْبَا ... رِق عُوضْتُ عنهُ طولَ اجتنابِ
أوصاف في طول الليل والسهر
وقال ابنُ الرومي في طول الليل: الخفيف:
رُبَّ ليل كأنه الدهرُ طولاً ... قد تناهَى فليسر فيه مَزِيدُ
في نجومٍ كأنهنّ نجوم الشَّيْبِ ليستْ تغيبُ لكن تَزِيدُ
وهذا من أجود ما جاء في هذا المعنى، وقد قال بشار: الطويل:
لخدَّيْكَ مِن كفَيْك في كلّ ليلةٍ ... إلى أن ترى وَجْهَ الصباح وِسادُ
تبيتُ تُراعِي الليلَ ترجو نَفادهُ ... وليس لليل العاشقين نَفادُ
وقال: الطويل:
خليليّ ما بالُ الدُّجَى لا تَزَحْزَحُ ... وما بالُ ضوءِ الصبح لا يتوضَّحُ؟
أضلَّ النهارُ المستنيرُ سبيلهُ ... أم الدهرُ ليل كلّه ليس يَبرَح؟
كأن الدجَى زادَتْ وما زادت الدجَى ... ولكِنْ أطالَ الليلَ همٌ مُبَرِّحُ
وقال أيضاً: الرمل:
طال هذا الليلُ، بل طال السهَرْ ... ولقد أعرفُ لَيْلِي بالقِصَرْ
لم يطُلْ حتى جَفاني شَادِنٌ ... نَاعِمُ الأطراف فتانُ النظَرْ
ليَ في ليليَ منه لوعةٌ ... مَلَكَتْ قلبي وسَمْعِي والبصَرْ
فكأن الهمّ شَخصٌ ماثلٌ ... كلما أبصره النّومُ نَفَرْ
وقال أيضاً: الوافر:
كأنَّ فؤادَه كُرَةٌ تَنَزَّى ... حِذارَ البَيْن إن نفع الحِذارُ
يُرَوِّعُه السِّرارُ بكل شيءٍ ... مخافةَ أن يكونَ به السِّرارُ
كأن جفونه سُمِلَتْ بشوكٍ ... فليس لنومه فيها قَرارُ
أقول وليلتي تزدادُ طُولاً: ... أما لِلّيل بَعْدَهُمُ نهارُ
جَفَتْ عيني عن التغميض حتى ... كأنَّ جفونَها فيها قِصارُ
قيل لبشار: من أين سرقت قولك:
يروِّعُه السرارُ بكلِّ شيء؟
فقال: من قول أشعب الطمع، وقد قيل له: ما بلغ من طَمَعِك؟ قال: ما رأيتُ اثنين يتسَارّان إلا ظننتهما يُرِيدان أن يأمرا لي بشيء. وأخذه أبو نواس فقال: الخفيف:
لا تبيحنّ حُرمه الكتمانِ ... رَاحةُ المستهامِ في الإعلانِ
قد تستَّرْتُ بالسكوتِ وبالإط ... راق جَهْدي فنمَّتِ العينانِ
تركَتْني الوُشَاة نُصْبَ المشيري ... ن وأُحدوثةً بكلِّ مكانِ
ما نرى خاليَيْنِ في الناسِ إلا ... قُلتُ ما يَخْلِوانِ إلاَّ لِشَاني
ومثل قول بشار:
جفَتْ عَيْني عن التغميض.
... البيتَ، وقول الآخر: المتقارب:
كأنَّ المحبَّ بطول السُّهادِ ... قصيرُ الجفونِ ولم تَقْصُرِ

(1/311)


وقد تناول هذا المعنى العتابي فأفسده وقال: البسيط:
وَفِي المآقِي انقباضٌ عن جفونهما ... وفي الجفونِ عن الآماقِ تَقْصِيرُ
وقال المتنبي: الطويل:
أعِيدوا صَباحي فَهْوَ عند الكواكبِ ... ورُدُّوا رُقادي فَهْوَ لَحْظُ الحبائب
كأنَّ نهارِي ليلةٌ مُدْلَهِمَّةٌ ... على مُقْلةٍ من فَقْدِكم في غَياهبِ
بعيدةُ ما بَيْنَ الجفونِ كأنما ... عَقَدْتُمْ أعالي كل هُدْبٍ بحاجب
وقال الشعبي: تشاجر الوليدُ بن عبد الملك ومسلمة أخوه في شعر امرئ القيس والنابغة في طول الليل، أيهما أشعر. فقال الوليد: النابغة أشعر، وقال مسلمة: بل امرؤ القيس، فرضيا بالشعبي، فأحضراه، فأنشده الوليد: الطويل:
كِليني لهمٍّ يا أُميمةُ ناصِبِ ... وليل أُقاسيه بطيء الكواكبِ
تطاول حتى قلتُ ليس بمنْقَضٍ ... وليس الذي يَرْعَى النجومَ بآيبِ
وصَدْرٍ أراحَ الليلُ عازبَ هَمّهِ ... تضاعفَ فيه الحزنُ من كل جانبِ
وأنشده مسلمة قول امرئ القيس: الطويل:
وليلٍ كموج البَحْرِ أرْخَى سُدُولَهُ ... عليّ بأنواع الهموم ليَبتَلي
فقلتُ له لمَّا تمطَّى بجَوْزه ... وأردفَ أعْجازاً وناءَ بكَلكَلِ
ألا أيها الليلُ الطويلُ ألا انجلي ... بصُبح، وما الإصباحُ منك بأمْثَلِ
فيا لك من ليلٍ كأنّ نجومَهُ ... بكل مُغار الفتْل شُدّت بيَذْبُلِ
فطرب الوليد طرباً، فقال الشعبي: بانت القضية.
معنى قول النابغة:
وصدر أراح الليل عازب همّه
أنه جعل صَدْرَه مأوى للهموم، وجعل الهموم كالنَّعَم السارحة الغادية، تسرحُ نهاراً ثم تَأْتي إلى مكانها ليلاً. وهو أول من استثار هذا المعنى، ووصف أن الهمومَ مترادفةٌ بالليل لتقييد الألحاظ عمّا هي مطلقة فيه بالنهار، واشتغالها بتصرُّف اللحظ عن استعمال الفكر، وامرؤ القيس كره أن يقول: إن الهمَّ يخفُّ عليه في وقت من الأوقات فقال: وما الإصباح منك بأمثل.
وقال الطرماح بن حكيم الطائي: الطويل:
ألا أيها الليل الذي طال أصْبِحِ ... بيوم، وما الإصباح فيك بأرْوَحِ
على أن للعينين في الصُّبْح رَاحةً ... لطرحهما طَرْفَيْهما كلّ مَطرَحِ
فنقل لفظ امرئ القيس ومعناه، وزاد فيه زيادةً اغتفر له معها فحْش السرقَةِ وإنما تنبّه عليه من قول النابغة، إلا أنّ النابغة لوّح، وهذا صرّح.
وقال ابن بَسَّام: السريع:
لا أظلمُ الليلَ ولا أدّعِي ... أنَ نجومَ الليلِ ليسَتْ تَغُورْ
ليْلِي كما شاءَتْ، فإنْ لم تَزُرْ ... طالَ، وإن زارتْ فلَيْلي قصيرْ
وإنما أغار ابنُ بسام على قولِ علي بن الخليل فلم يغير إلا القافية: السريع:
لا أظلمُ الليلَ ولا أَدعي ... أنَ نجومَ الليل ليست تَزولْ
ليلي كما شاءت، قصيرٌ إذا ... جادَتْ، وإن ضنّت فلَيْلي طَوِيلْ
وهذه السرقةُ كما قال البديعُ في التنبيه على أبي بكر الخوارزمي في بيت أخذ روته وبعض لفظه: وإن كانت قضية القَطْعِ تجب في الربع، فما أشدّ شفقتي على جوارِحه أجمع ولعمري إن هذه ليستْ سرقة، وإنما هي مكابرة محضة، وأحسب أن قائله لو سمع هذا لقال: هذه بضاعَتُنا رُدَّت إلينا، فحسبت أن ربيعة بن مكدم وعُتيبة بن الحارث بن شهاب كانا لا يستحلاَّن من البيت ما استحلّه، فإنهما كانا يأخذان جُلَّهُ، وهذا الفاضل قد أخذ كلّه، وقد أخذ علي بن الخليل من قول الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان: البسيط:
لا أَسألُ الله تغييراً لما صنَعتْ ... نامَتْ وإن أسهرَتْ عينيَّ عيناها
فالليلُ أطول شيء حين أفقدُها ... والليلُ أقصرُ شيءٍ حين ألقاها
وابن بسام في هذا الشعر كما قال الشاعر: الكامل:
وفتى يقول الشعر إلا أنهُ ... في كل حالٍ يَسْرِقُ المسروقا
ألفاظ لأهل العصر
في طول الليل والسهر
وما يعرض فيه من الهموم والفكر

(1/312)


ليلة من غُصَص الصَّدْرِ، ونِقَم الدهْرِ. ليلةُ همومٍ وغموم، كما شاء الحسود، وساءَ الوَدود. ليلة قصّ جناحُها، وضَلَّ صباحُها. ليل ثابتُ الأطناب، طامي الغوارب، طَامح الأمواج، وافي الذّوائب. ليال ليست لها أسْحَار، وظلمات لا تتخلّلها أنوار. بات بليلة نابغية، يُراد قوله: الطويل:
فبت كأني ساوَرتْنِي ضئيلة ... من الرُّقْش في أَنيابها السُّمُّ نَاقِعُ
يُسَهَدُ من ليلِ التمامِ سليمُها ... لِحَلْيِ النساءِ في يديه قعاقعُ
بات في الصيف بليلة شتوية. سامَرَتْه الهموم، وعانَقَتْه الغموم، واكتحَلَ السهاد، وافترش القَتَاد، فاكتحل بمُلْمُول السهر، وتململ على فراش الفكر. قد أقِضَ مِهاده، وقَلِقَ وسادُه. هموم تفرِّقُ بين الجَنْبِ والمهاد، وتجْمَعُ بين العين والسُّهاد. طَرْف برَعْيِ النجوم مطروف، وفراش بشعار الهمَ محفوت. كأنه على النجوم رقيب، وللظلام نَقِيب.
ولهم فيما يتصل بضدّ ذلك من ذكر إقبال الليل وانتشار الظلمة، وطلوع الكواكب: أقبَلتْ عساكِرُ الليل، وخفقَتْ راياتُ الظلام. وقد أرخى الليلُ علينا سُدولَه، وسحب الظلام فينا ذيوله. توقَّد الشفقُ في ثوب الغَسَقِ. أقبلت وفودُ النجوم وجاءت مواكب الكواكب. تفتّحت أزاهير النجوم، وتورّدت حدائقُ الجوّ، وأذْكَى الفلَك مصابيحه. قد طفت النجومُ في بَحْرِ الدُّجَى، ولبس الظلامُ جلباباً من القار. ليلة كغراب الشباب. وحَدَقِ الحِسَان، وذوائب العذَارى. ليلة كأنها في لباسِ بني العباس، ليلة كأنها في لباس الثكالى، وكأنها من الغَبَش في مواكب الْحَبَش. ليلة قد حلك إهابها، فكأن البحر يهابُها.
ولهم في ذكر النوم والنعاس: شرِبَ كأسَ النعاس، وانتشى من خَمر الكَرى، قد عَسْكر النُعَاسُ بطَرْفه، وخيّم بين عينيه. غرق في لُجةِ الكَرى، وتمايل في سَكْرَة النوم. قد كحل الليلُ الورَى بالرقاد، وشامت الأعين أجفانها في الأغماد.
وفي انتصاف الليل وتناهيه، وانتشار النور، وأُفول النجوم: قد اكْتمَل الظلامُ. قد انتصفنا عمْرَ الليلِ، واستغرقْنَا شبابَه. قد شاب رأسُ الليل، كاد ينمُّ النسيمُ بالسَّحَر. قد انكشف غطاءُ الليلِ. انْهَتَك ستْرُ الدّجى، وشَمِطَتْ ذَوَائِبُه، وتقوَّسَ ظهرُه، وتهدَّم عُمْره. قُوِّضت خيامُ الليل، وخلع الأُفُق ثوبَ الدُّجى. أَعرض الظلامُ وتولى، وتَدَلّى عنقود الثريّا. طرز قميصُ الليل بغرَّة الصبح، وباح الصبح بسِرِّهِ. خلع الليلُ ثيابَه، وحَدَر الصبحُ نِقَابَه. لاحت تباشيرُ الصبحِ، وافترَّ الفَجْرُ عن نواجذه، وضرب النورُ في الدُّجى بعموده. بَثَّ الصبح طَلائِعه. تبرقَعَ الليلُ بغُرَّةِ الصبح. أطار بَازِي الصبح غرابَ الليلِ، وعزلت نوافج الليل بجاماتِ الكافور، وانهزم جُنْدُ الظلام عن عَسْكَر النور. خلعْنَا خلعة الظّلامِ، ولبسنا رداء الصباح، وملأ الآذان بَرْقُ الصباح، وسطع الضوءُ، وطلع النور، وأشرقت الدنيا، وأضاءت الآفاق. مالت الجَوْزاءُ للغروب، وولّت مواكبُ الكواكب، وتناثرت عقودُ النجوم، وفَرّت أَسرابُ النجوم من حدَقِ الأنام، وَوَهى نِطاقُ الجوزاء، وانطفأ قنديلُ الثريّا. قال بعضُ الأعراب: خرجنا في ليلة حِنْدِس قد ألقَتْ على الأرض اكارِعَها، فمحَتْ صورة الأبدان، فما كنّا نتعارف إلا بالآذان.
قال ابن محكان السعدي: الطويل:
وليل يقول الناسُ في ظلماتِه ... سواءٌ صحِيحات العيون وعُورُها
كأنّ لنا منه بيوتا ًحصينةً ... مُسوحاً أعاليها وساجاً ستورها
وهذا بارع جدّاً، أراد أَنَ أعلاه أشدُّ ظلاماً من جوانبه.
وقال أعرابي في صفته: خرجتُ حين انحدرَت النجومُ، وشالَتْ أرْجُلُها، فما زِلْتُ أصْدَع الليلَ حتى انصدعَ الفجر.
ومن بديع الشعر في صفةِ الليل قول الأعرابي: الكامل:
والليلُ يَطْردُه النهارُ ولا ترى ... كالليلِ يطردُهُ النهارُ طَريدا
فتراه مثلَ البيتِ مَالَ رِوَاقُهُ ... هتك المقوّضُ سِتْرَهُ الممدودَا
ومن البديع: الطويل:
على حينَ أثنى القومُ خيراً عَلَى السُّرَى ... وطارَتْ بأُخرى الليلِ أَجنِحَةُ الفَجْرِ
آخر: الوافر:
وليل ذي غَيَاطِلَ مُدْلَهِمٍّ ... رميتُ بنَجْمِه عرضَ الأُفولِ

(1/313)


يردُّ الطرف منقبضاً كَلِيلاً ... ويملأُ هَوْلُه صَدْرَ الدَّلِيلِ
ابن المعتز: الكامل:
هامَت ركائِبنا إليك بنا ... بظليل أهْلِ النارِ والمنحِ
فكأنّ أيديهنّ دائبةً ... يفحَصْنَ ليلتهنَّ عن صُبْحِ
وقاد كشاجم: المنسرح:
سَقْياً لليلٍ قصرْتُ مُدَّتهُ ... بِدير مُرَّانَ مَرّ مشكورا
وبات بَدر الدجى يشعشعها ... نُوريّةَ تملأ الدُّجَى نُورَا
غارَت على نفسها وقد سَفرت ... فعاد جيبُ الحباب مزرُورَا
حتى رأيت الظلامَ يدرجُه ال ... غرب ودَرجَ الصباحِ منشُورا
فاختلط الليل والنهارُ كما ... تخلط كفٌّ مسكاً وكافورا
وقال علي بن محمد الكوفي: الطويل:
مَتَى أَرتَجي يوماً شِفَاءً من الضَّنا ... إذا كان جَانِيهِ عليَ طبيبي
ولي عائِداتٌ ضِفتهُنّ فجِئْنَ في ... لباسٍ سوادٍ في الظلام قَشِيبِ
نجومٌ أراعِي طولَ ليلي برُوجَها ... وهنَّ لبُعْدِ السير ذاتُ لغُوب
خوافقُ في جُنحِ الظلام كأنها ... قلوبٌ معنَّاةٌ بطولِ وَجِيبِ
تَرَى حُوتَها في الشرقِ ذاتَ سِباحةٍ ... وعَقْرَبها في الغربِ ذاتَ دَبيبِ
إذا ما هوَى الإكْليلُ منها حسِبْتَه ... تهدُّلَ غُصْنٍ في الرياضِ رطيبِ
كأَنَّ التي حولَ المجرَّةِ أوردَتْ ... لتَكرع في ماء هناك صَبيبِ
كأنّ رسولَ الصُّبحِ يخلطُ في الدُّجى ... شجاعةَ مِقْدامٍ ِبجُبْنِ هَيُوبِ
كأنّ اخضِرَار البَحرِ صَرْحٌ ممرَّدٌ ... وَفيه لآلٍ لم تُشنْ بثقُوبِ
كأنّ سوادَ الليلِ في ضوءِ صُبْحِه ... سوادُ شبابٍ في بياض مَشِيبِ
كأنَّ نذيرَ الشمسِ يحكي ببشْرِه ... عليّ بن دَاود أَخِي ونسيبي
ولولا اتِّقائي عَتْبَه قلت سيدي ... ولكن يَرَاها من أَجل ذنوبي
جوادٌ بما تَحْوِي يَدَاهُ مهذّب ... أَدِيبٌ غَدا خِلاًّ لكل أَدِيبِ
نسيب إخاءً وهو غيرُ مناسبٍ ... قريبُ صفاءً وهو غيرُ قريبِ
ونِسبةُ ما بينَ الأقارِب وحشةٌ ... إذا لم يؤنسها انتسابُ قلوبِ
وهذا البيت كقول الطائي: الطويل:
وقلتُ أخي قالوا أَخٌ من فرابةٍ ... فقلت لهمْ إنّ الشكولَ أَقارِبُ
نسيبيَ في رأيي وعزمي ومذهبي ... وإنْ باعَدَتْنَا في الأصول المناسبُ
وقال عبد السلام بن رغبان، وسلك طريق الطائي فما ضلَّ عنها: الطويل:
أخ كنتُ أَبكِيه دماً وَهْوَ حاضرٌ ... حِذاراً، وتَعْمى مُقْلتِي وَهْوَ غائِبُ
بكاءَ أخ لم تَحْوِه بقرابة ... بَلَى إن إخوانَ الصفاء أقاربُ
فمات فما شَوْقي إلى الأجْرِ واقف ... ولا أَنا ني عُمْري إلى الله راغِبُ
وأَظلمتِ الدنيا التي أنتَ نورُها ... كأنك للدنيا أَخ ومُناسِب
يُبرِّدُ نيرانَ المصائبِ أَنني ... أرى زمناً لم تبق فيه مصائِبُ
وفي هذه القصيدة:
ترشَفْتُ أيامي وهُنَ كوالحٌ ... إليك، وغالَبْتُ الرَّدَى وهْو غالِبُ
ودافعتُ في كَيد الزمان ونَحْرِهِ ... وأيُّ يدٍ لي والزمان المُحَاربُ؟
وقلتُ له: خَلِّ ابنَ أُمِّي لعُصْبَةٍ ... وها أنا أو فازْدَدْ فإنّا عَصَائِبُ
فواللهِ إخلاصاً من القولِ صادقاً ... وإلاَّ فحُبِّي آلَ أحمدَ كاذِبُ
لَوَ أنَّ يَدِي كانَتْ شِفَاءك أو دَمِي ... دَمَ القلبِ حتى يَقضِبَ الحبْلَ قاضِبُ
لسلّمتُ تَسْلِيمَ الرِّضَا واتخذتها ... يداً للرَّدَى ما حَجَّ للَّهِ راكِبُ
فتًى كان مثلَ السيف من حيث جِئْتَهُ ... لنائبةٍ نابَتْكَ فهو مُضَارِبُ

(1/314)


فتى هَمُّه حَمْدٌ على الدهر رائح ... وإن ناب عنه مَالُهُ وهْو عَازِبُ
شمائلُ إن تَشْهَدْ فهنَّ مَشاهدٌ ... عِظامٌ، وإن ترحل فهنَ رَكائِبُ
وقال الطائي لعليّ بن الجهم: الكامل:
إن يُكْدِ مُطَّرَفُ الإخاء فإنَّنا ... نَغْدُو ونَسْرِي في إخاءٍ تالدِ
أو يفترق نَسَبٌ يؤلِّفْ بيننا ... أَدَبٌ أقمناهُ مُقامَ الوالدِ
أو يختلف ماءُ الوصال فماؤُنا ... عَذْبٌ تحدَّرَ من غمامٍ وَاحِدِ
وقال محمدُ بن موسى بن حماد: سمعتُ عليّ بن الجهم، وذكر دِعبلاً فلعنه، وكفره، وقال: وكان يطعَنُ على أبي تمام، وهو خيرٌ منه ديناً وشعراً، فقال رجلٌ: لو كان أبو تمام أخاك ما زدت على مَدْحِك له. فقال: إلاَّ يكن أخا نَسَب فهو أخو أدَب، أما سمعتَ ما خاطبني به. وأنشد الأبيات.
وقال رجل لابن المقفع: إذا لم يكن أخي صديقي لم أحببه، قال: نعم صدقت، الأخ نسيبُ الجسم، والصديق نسيب الروح.
وقال أبو تمام يخاطب محمد بن عبد الملك الزيات: الطويل:
أبا جعفَر، إنَّ الجهالةَ أُمُّها ... ولودٌ، وأمُّ العلم جدّاءُ حَائِلُ
أرى الحشوَ والدهماءَ أضحوا كأنهم ... شعوبٌ تلاقَتْ دوننا وقبائل
غدَوْا وكأنَّ الجهل يجمعهم أباً ... وحظُ ذوي الآداب فيهم نَوَافِل
فكن هضبةً تأوِي إليها وحَرَّةً ... يُعَرِّدُ عنها الأعوجيُّ المناقل
فإن الفتى في كلّ حال مناسبٌ ... مُنَاسبَ روحانيةَ مَنْ يشاكلُ
وقال البحتري لأبي القاسم بن خرداذبه: البسيط:
إن كنتَ من فارسٍ في بيتِ سُؤْدَدها ... وكنتَ من بحتري البيت والنسبِ
فلم يَضِرْنَا تَنَائي المَنْصِبَين وقَدْ ... رُحنا نَسِيبين في علْمٍ وفي أدبِ
إذا تقاربت الآدابُ والتأمَتْ ... دَنَتْ مسافة بين العُجْمِ والعَرَبِ
وقد احتَذى طريقَه أبو القاسم محمد بن هانئ، فقال يمدحُ جعفر بن علي، وذكر النجوم، فقال الطويل:
جعَلْنَا حشايانا ثِيابَ مُدامِنا ... وقدَّتْ لنا الظلماءُ من جِلْدِها لُحْفا
فمن كبدٍ تُدْني إلى كَبِدٍ هَوىً ... ومن شفَةٍ تُوحي إلى شَفَةٍ رَشْفا
بعيشك نَبِّهْ كأسَه وجُفُونَهُ ... فقد نُبِّهَ الإبريقُ من بَعْدِ ما أغفَى
وقد فكّت الظلماءُ بعضَ قيودِها ... وقد قام جيشُ الليل للفجْرِ فاصطفّا
وولّتْ نجومٌ للثُّريَّا كأنّها ... خواتم تَبْدو في بَنَانِ يدٍ تَخْفَى
ومَرَّ على آثارِها دَبَرانُها ... كصاحبِ رِدْءٍ أكمنتْ خيلُهُ خَلْفا
وأقبلتِ الشِّعرى العَبُورُ ملبّة ... بِمِرْزَمِها اليَعْبوبِ تَجْنُبُهُ طِرْفا
وقد بادَرَتها أخْتُها من وَرائها ... لِتَخرُقَ من ثِنْيَيْ مَجرَّتها سِجْفا
تخافُ زَئيرَ الليث يَقدُم نثرَةً ... وبَرْبَرَ في الظلماءِ يَنسِفُها نَسْفَا
كأنَّ السماكَيْن اللَّذين تظاهَرا ... على لِبْدَتَيْهِ ضامِنانِ له الْحَتْفَا
فذا رامحٌ يَهْوي إليه سِنَانُه ... وذا أعزل قد عَضَّ أَنْمُلَهُ لَهْفا
كأنّ رقيبَ النجمِ أَجْدَلُ مَرْقَبٍ ... يُقَلِّبُ تحتَ الليلِ في رِيشِه طَرْفا
كأنّ سُهيلاً في مَطالِع أفقهِ ... مُفَارِقُ إلْف لم يَجِدْ بعده إلْفا
كأنَّ بني نَعْشٍ ونَعْشاً مَطَافِلٌ ... بوَجْرَةَ قد أَضْلَلْنَ في مَهْمَهٍ خِشْفَا
كأنّ سُهاها عاشِقٌ بين عُوَّدٍ ... فآوِتَةً يَبْدُو وآونةً يَخْفَى
كأنّ مُعَلَّى قُطْبها فارسٌ لهُ ... لواءان مَرْكُوزانِ قد كَرِهَ الزَّحْفَا
كأنّ قدامى النَّسْر والنّسْرُ واقعٌ ... قُصِصْنَ فلم تَسْمُ الخوافِي به ضَعْفَا

(1/315)


كأن أَخاهُ حين دَوَّمَ طائراً ... أتى دون نصف البَدْر فاختطف النّصْفَا
كأنَّ الهزيعَ الآبنُوسِيَّ مَوْهِناً ... سَرَى بالنسيج الخُسْرُوانيّ مُلْتَفّا
كأنَ ظلامَ الليلِ إذْ مال مَيْلةً ... صريعُ مُدامٍ باتَ يشرَبُها صِرْفا
كأنَّ عمودَ الفجر خاقانُ عَسكَرٍ ... من الترك نادَى بالنجاشيِّ فاسْتَخْفَى
كأن لِواءَ الشمسِ غُرَّةُ جَعْفَرٍ ... رأى القِرْنَ فازدادَتْ طلاقته ضعْفَا
وقال ابن طباطبا العلوي: الطويل:
كأنّ اكتتامَ المشتري في سَحَابهِ ... وديعةُ سرٍّ في ضَميرِ مُدِيعِ
كأنّ سُهَيْلاً والنجوم أمامَهُ ... يعارِضُها راعٍ وراءَ قَطِيع
وقد لاحَتِ الشِّعرى العَبُور كأنها ... تَقَلُّب طَرْفٍ بالدموعِ هموعِ
وأضجعت الجوزاء في أفْق غَرْبها ... فباتَتْ كنَشْوانٍ هناك صَرِيعِ
إلى أن أجاب الليلُ دَاعِيَ صُبْحِه ... وكان يُنَادي منه غيرَ سميعِ
وقال: الخفيف:
وكأنَ الهلالَ لمَّا تَبَدّى ... شطر طوقِ المرآةِ ذي التذهيب
أو كقَوْسٍ قد انحنَتْ طَرَفَاه ... أو كَنُونٍ في مُهْرَقٍ مكتوب
وقال علي بن محمد العلوي يصف القمرَ، وقد طرح جرمه على دِجلة: الكامل:
لم أَنْسىَ دِجْلَةَ والدُّجَى مُتَصَرِّمٌ ... والبَدْرُ في أفق السماءِ مغرّبُ
فكأنها فيه رداءٌ أزرقٌ ... وكأنه فيها طرازٌ مُذْهَبُ
وقال الأمير تميم بن المعز، وكان يحتذِي مثل ابن المعتز، ويقف في التشبيهات بجانبه، ويفرغ فيها على قالبه، ويتبعه في سلوك ألفاظ الملوك: الخفيف:
اِسقِيانِي فلست أُصْغِي لعَذلٍ ... ليس إلاَّ تَعِلَّةَ النفس شُغْلِي
أأطِيعُ العذولَ في تركِ ما أه ... وى كأني اتَّهَمْتُ رَأْيِ وعَقلِي؟
عَلِّلاني بها فقد أقبل اللي ... لُ كَلَوْنِ الصدود من بعد وَصْلِ
وانْجَلَى الغَيْمُ بعد ما أضحكَ الرَّوْ ... ضَ بكاءُ السَّحابِ جادَ بوَبْلِ
عن هلالٍ كصَوْلجانِ نُضَارٍ ... في سماءٍ كأنّها جَامُ ذَبْل
وقال: الخفيف:
رُبَّ صفراءَ عَلَّلَتْنِي بصفرا ... ءَ وجُنْحُ الظَّلاَم مُرْخَى الإزَارِ
بين ماءٍ وروضةٍ وكُروم ... ورَوَابٍ منيفةٍ وصحَارِي
تتثنّى به الغصونُ علينا ... وتجيب القِيانُ فيها القَماري
وكأن الدُّجَى غَدَائرُ شَعْرٍ ... وكأن النجومَ فيها مَدَارِي
وانْجَلَى الغيمُ عن هِلالٍ تبَدَّى ... في يَدِ الأُفْقِ مثلَ نِصْفِ سِوَارِ
وقال: الخفيف:
عَتَبتْ فانثنى عليها العِتَابُ ... ودَعا دَمْعَ مُقْلَتَيْها انسكَابُ
وضعت نحو خَدِّها بيديها ... فالْتَقَى الياسمينُ والعُنّابُ
رُبَّ مُبْدِي تَعَتُّبٍ جعل العَتْ ... بَ رِياءً وهَمُّه الإعْتَابُ
فاسْقِنيها مُدَامةً تَصْبُغ الْكأ ... سَ كما يصبُغ الخدودَ الشبابُ
ما ترى الليلَ كيف رَق دُجَاهُ ... وبَدَا طَيْلَسانُه يَنْجَابُ؟
وكأن الصباحَ في الأُفْق بازٍ ... والدُّجَى بين مِخْلَبيْهِ غُرابُ
وكأنَ السماءَ لُجَّةُ بَحْرٍ ... وكأنَّ النجومَ فيها حَبَابُ
وكأن الجوزاءَ سَيْفٌ صَقيل ... وكأن الدُّجَى عليها قِرَابُ
من وصف الشراب والكؤوس وَالسُّقاة في الليل
وقال: الطويل:
وزنْجِيَّة الآباءِ كَرْخِيَّة الْجَلْب ... عَبِيْرِيَّةِ الأَنْفاسِ كَرْمِيَّة النَّسَبْ
كمَيْت بزَلْنَا دَنَّها فتفجَّرَتْ ... بأَحْمَرَ قَانٍ مثلَ ما قَطَرَ الذَّهَبْ

(1/316)


فلمّا شرِبْنَاها صَبَوْنَا كأنَّنا ... شرِبنَا السرورَ المَخْضَ واللهوَ والطَّرَبْ
ولم نأتِ شيئاً يُسْخِطُ المجدَ فِعْلُه ... سوى أننا بِعْنَا الوقارَ من اللَّعِبْ
كَأن كؤوس الشَّرْبِ وهي دوائر ... قطائعُ ماءٍ جامدٍ تَحْمِلُ اللَّهَبْ
يَمُدُّ بها كفاً خضيباً مُدِيرُهَا ... وليس بشيء غيرها هو مختضِبْ
فبتْنَا نُسَقَّى الشمسَ والليلُ راكدٌ ... ونَقْرُبُ من بَدْر السماء وما قربْ
وقد حجبَ الغيمُ الهلالَ كأنهُ ... ستارة شَرْبٍ خَلْفها وَجْهُ من أُحِبّ
كأنِّ الثريَّا تحت حُلكة لوْنها ... مداهنُ بِلَّوْرٍ على الأرض تَضْطَرِبْ
وقال: الطويل:
كأنَ السحابَ الغُرَّ أصْبحن أَكْؤساً ... لنا، وكأنَ الراحَ فيها سَنَا البَرْقِ
إلى أَنْ رأيتُ النجمَ وهْو مغرِّب ... وأَقبل راياتُ الصباحِ من الشرق
كأن سوادَ الليلِ والصبحُ طالعٌ ... بقايا مجال الكُحْلِ في الأعْيُنِ الزرْقِ
وقال: الطويل:
وكَأسٍ يُعِيدُ العُسْر يُسراً، ويجتني ... ثمارَ الغِنى للشَّرْبِ من شجر الفَقْرِ
يُوَلِّدُ فيها المزْجُ دُرّاً منضَّداً ... كما فتتَتْ فوق الثرى نُقَطُ القَطْرِ
صغار وكبرى في الكؤوس كأنها ... على الرّاح واواتٌ تجمّعن في سَطرِ
إذا حثَّهَا الساقِي الأغرّ حسبْتَها ... نجومَ الثريا لُحْنَ في راحَةِ البَدْرِ
صبحتُ بها صَحْبي وقد رنْدَجَ الدُّجَى ... بفضّة لألاء الصباحِ سَنَا الفَجْرِ
وقد أَزْهَرَت بِيضُ النجومِ كَأنّها ... على الأُفُقِ الأعْلى قلائدُ من دُرِّ
وقال: الطويل:
ألاَ فاسقياني قَهوَةً ذهبيةً ... فقد ألبسَ الآفاقَ جُنْحُ الدجى دَعَجْ
كأنَّ الثريّا والظلامُ يَحُفُها ... فصوصُ لجَيْنٍ قد أحاط بِهَا سَبَجْ
كأنَّ نجومَ الليلِ تحتَ سوادِهِ ... إذا جَن، زنجيٌّ تَبَسَّمَ عن فلج
وقال: الطويل:
أيا دَيْر مَرْحَنّا، سقَتْك رعودُ ... من الغَيْمِ يهمي مُزْنها ويجودُ
فكم واصلتْنا في رُبَاك أَوَانِسُ ... يَطُفْنَ علينا بالمُدَامَةِ غِيدُ
وكم ناب عن نُورِ الضحى فيك مَبْسِمٌ ... ونابَتْ عن الوردِ الجنيِّ خُدُودُ
وماسَتْ على الكُثبانِ قضبانُ فِضَّة ... فأَثْقَلها من حَمْلِهِنّ نُهودُ
وإذْ لِمَّتِي لم يوقِظِ الشيبُ ليلَها ... وإذْ أَثَرِيَ في الغانياتِ حَمِيدُ
لياليَ أغدُو بين ثوبَيْ صبابةٍ ... ولَهْوٍ، وأيامُ الزمانِ هُجُودُ
وقال: البسيط:
سأَلْته قُبْلَةً منه على عَجَل ... فاحمرَّ من خَجَل واصفَرَّ من وَجَلِ
وَاعْتَلَّ ما بينَ إسعافٍ يرقِّقُه ... وبين مَنْعٍ تمادَى فيه بالعِلَل
وقال: وَجْهيَ بَدْرٌ لا خفاءَ بهِ ... ومبْصِرُ البَدْرِ لا يَدْعُوهُ للقُبَلِ
وهذا ينظرُ إلى قوله: مجزوء الوافر:
أباحَ لمُقلتي السهرَا ... وجار عليّ واقْتَدَرَا
غزالٌ لو جَرَى نَفَسي ... عليه لذَابَ وانْفَطَرَا
ولَكِنْ عينُه حشَدَتْ ... عَليَّ الغنْجَ والحوَرا
ومَنْ أَوْدَى به قمرٌ ... فكيفَ يعاتبُ القمرَا؟
كأنه ذهب إلى قول أبي نُوَاس: مجزوء الوافر:
كأنَ ثيابه أَطْلَع ... نْ أزراره قَمَرَا
يزيدك وَجْهُه حُسْناً ... إذا ما زِدْتَه نظَرا
بعيْني خَالَطَ التفْتي ... رُ مِنْ أجفانها الْحَوَرَا
ووَجْهٍ سابِريّ لو ... تَصوَّب ماؤه قطَرا
قيل للجاحظ: مَنْ أنْشَدُ الناس وأشعرهم؟ قال: الذي يقول، وأنشد هذه الأبيات. ونظيرُ قولهِ: مجزوء الوافر:

(1/317)


كأنَّ ثيابَه أطلعْ ... نَ من أزراره قمرا
قول الحكم بن قَنْبَر المازني: البسيط:
ويْلِي على مَنْ أطارَ النومَ فامتنعا ... وزاد قلبي إلى أوجاعِه وَجَعا
وقال تميم: الخفيف:
نَقبَتْ وَجْهَها بخَزٍّ وجَاءتْ ... بمُدَامٍ مُنَقَّبٍ بزُجَاج
فتأمَّلْتُ في النقابَيْنِ منها ... قمراً طالعاً وضوءَ سرَاجِ
فاسقيَاني بلا مِزَاجٍ فإني ... في المعالي صِرْفٌ بغير مِزَاجِ
وانظرا الأفْقَ كيف بدّله الإص ... باحُ من بَعْدِ آبنُوسٍ بعَاجِ
وقال: البسيط:
إذا حَذِرْتَ زَماناً لا تُسَرُّ بهِ ... كم قد أتى سَهْلُ دهرٍ بعد أَصْعَبِهِ
فاقبَلْ من الدهرِ ما أعْطَاكَ مختلطاً ... لعل مُرَّك يَحْلُو في تقلّبِهِ
خُذْها إليك، ودَعْ لَوْمي، مشَعْشَعَةً ... من كفِّ أقنى أسيل الخدِّ مُذْهَبِهِ
في كل مَعْقِد حسن فيه مُعْتَرِضٌ ... عليه يَحْميه من أن تَستبدَّ به
فكُحْلُ عينيه ممنوعٌ بخَنْجَرهٍ ... ووَرْدُ خدَّيْهِ مَحْمِيٌّ بِعَقْرَبه
لا تترك القَدَحَ الملآن في يدهِ ... إني أخافُ عليه من تلهُّبِه
فصُنْه عن سَقينا؛ إني أَغَارُ بِهِ ... وسَقِّه واسْقني من فَضْل مَشْرَبه
وانظُر إلى الليلِ كالزنْجِيِّ منهزِماً ... والصبحُ في إثره يَعدُو بأَشْهَبِه
والبدرُ مُنتصِبٌ ما بين أنْجُمه ... كأنه مَلِكٌ ما بَينَ مَوْكِبه
من المختار من شعر تميم بن المعز
وإذا أفضيت إلى ذكره، فهاك من مختار شعره، قال: البسيط:
مُسْتَقْبَلٌ بالذي يَهْوَى وإن كَثُرَتْ ... منه الذنوبُ ومَقْبُولٌ بما صَنَعا
في وَجْهِهِ شافعٌ يَمْحُو إساءتَهُ ... من القلوب وَجِيهٌ حيثما شفعَا
كأنما الشمسُ مِنْ أثوابه برزَت ... حُسْناً، أو البدرُ من أزرارِه طَلَعا
استعارة مأخوذة من قول الآخر، وهو ابن زُريق: البسيط:
أستودعُ الله في بغدادَ لِي قمراً ... بالكَرْخ من فَلَكِ الأزرار مطلَعهُ
ومن قول أحمد بن يحيى الفران: مجزوء الوافر:
بَدَا فكانّما قمرٌ ... على أزراره طلَعَا
يحث المسكَ من عَرقِ ال ... جبين بنانُه وَلَعا
وقال أبو ذرّ أستاذ سيف الدولةِ: الكامل:
نفسي الفِدَاء لمن عصيت عَواذِلي ... في حُبِّهِ لم أَخْشَ مِنْ رُقَبَائِهِ
الشمس تظهرُ في أَسِرَّة وجْهِهِ ... والبدرُ يَطْلُعُ من خِلاَل قَبَائِهِ
وقال تميم: الطويل:
أأعذل قَلبِي وَهْوَ لِي غيرُ عاذِل ... وأَعْصي غرامي وهو ما بين أَضلعي؟
ومَنْ لي بِصَبْرٍ أَستزيلُ به الجَوى ... ولا جلدي طوعي ولا كبدي معِي
فأَوَّلُ شوقِي كانَ آخر سَلْوَتي ... وآخرُ صبْرِي كان أوَّلَ أَدْمُعِي
وقال: مجزوء الكامل:
وَرْدُ الخدودِ أَرَقُ من ... وَرْدِ الرياضِ وَأَنْعَمُ
هذا تَنَشَقُهُ الأُنو ... فُ وذا يُقَبِّلُهُ الفَمُ
وإذا عَدَلْتُ فأفضَلُ ال ... وردين وردٌ يُلثَم
لا وَرْدَ إلا ما توَلَّى صَبْغَ حُمْرَتهِ الدَّمُ
هذا يُشَمُّ ولا يُضَمُّ وذَا يُضمُّ ويُشْمَمُ
سُبْحان من خلق الخدو ... دَ شقائقاً تُتَنَسَّمُ
وأَعارَها الأصداغَ فه ... ي بها شقيق يُعْلَمُ
واستنطَقَ الأجفانَ فَه ... ي بلَحْظِها تتكلَّم
وتُبِينُ للمحبوبِ عَنْ ... سِرِّ الحبيبِ فيفهَمُ
وتشير إن رأتِ الرقي ... بَ بلَحْظِها فتُسلِّم
وأَعارَها مَرضاً تصِحُّ بهِ القلوبُ وتَسْقَمُ
فِتَنُ العيون أَجَل من ... فِتَن الخدودِ وأَعظمُ
وقال: السريع:

(1/318)


إنْ كانتِ الألحاظُ رُسْلَ القلوب ... فينا فما أَهْوَنَ كَيْدَ الرقيب
قبَّلْتُ مَنْ أَهوى بعيني ولم ... يعلَمْ بتقبيليَ خَدُّ الحبيبْ
لكِنَّه قد فَطِنَتْ عَيْنُهُ ... بلَحْظِ عيني فِطْنَةَ المسترِيب
إن كان علمُ الغيبِ مُسْتَخْفِياً ... عَنّا فعِند اللّحْظِ عِلْمُ الغيوب
وقال: مجزوء الكامل:
قالوا الرحيل لخمسةٍ ... تَأْتي سَرِيعاً من جُمادَى
فأجَبْتهمْ إني اتَّخَذْ ... تُ له الأَسَى والحُزْنَ زادا
سبحانَ مَنْ قَسم الأسى ... بين الأحِبّة والبِعَادا
وأَعارَ للأَجفانِ حُسْ ... ناً تستَرِقُّ به العبَادا
وقال: الخفيف:
عَقْرَب الصُّدْغِ فوق تفّاحة الخدّ ... نعيمٌ مُطَرَّزٌ بعذَابِ
وسيوفُ اللحاظ في كلّ حِينٍ ... مانِعاتٌ جَنى الثنايا العِذَابِ
وعيونُ الوشاةِ يُفْسِدْن بالرِّقْ ... بَةِ والمَنْعِ رؤيةَ الأحبابِ
فمتى يَشْتَفي المحِبُّ وتُطْفَى ... بالتدانِي حرَارةُ الاكتئابِ؟
وقال: البسيط:
ترى عِذَارَيْه قد قاما بِمَعْذرتي ... عند العَذُول فيَغْدو وهو يَعْذِرُني
رِيمٌ كأنَّ له في كل جارِحةٍ ... عِقْداً من الحُسْنِ أَوْ نَوْعاً من الفتَنِ
كأنَ جوهرَهُ من لُطْفه عَرَضٌ ... فليس تَحْوِيهِ إلا أَعْينُ الفطَن
واللَّه ما فتَنَتْ عيني محاسنُهُ ... إلا وقد سَحَرَتْ ألفاظُهُ أذُني
ما تُصدرُ العينُ عنه لحظَها مَلَلاً ... لأنه كل شَخْصٍ مرتضىً حَسَنِ
يا منتَهى أمَلِي لا تُدْنِ لي أجَلي ... ولا تُعَذبْ ظُنوني فيك بالظِّنن
إنْ كان وجهُك وجهاً صِيغَ من قمرٍ ... فإنَ قدَّكَ قَدٌّ قُدَّ مِن غُصُنِ
وقال: الطويل:
ألا يا نسيمَ الريح عرَّجْ مسلِّماً ... على ذلك الشخص البعيدِ المُوَدّع
وهُبَّ على مَنْ شَفَّ جِسْمِي بعَادُهُ ... سَمُوماً بما استملَيْتَ من نار أَضْلُعي
فإنْ قال: ما هذا الحَرورُ؟ فقل له: ... تَنَفسُ مُشْتَاقٍ بحبّك مُوجَعِ
ومختارُ شعره كثير، وقد تفرَّق منه قطعة كافية في أعراض الكتاب.
قال الصاحب أبو القاسم إسماعيل بن عبّاد: الطويل:
لقد رحلَتْ سُعْدَى فهل لك مُسْعِد؟ ... وقد أنجدَتْ داراً فهل أنت مُنْجِدُ؟
رعيتُ بطرفي النجْمَ لمَّا رأيتها ... تَبَاعَدُ بُعْدَ النَجْمِ بل هي أبْعَدُ
تُنيرُ الثريّا وهي قرص مسلسل ... ويشغل منها الطرف دُرٌ مبَدَّد
وتعترِضُ الجوزاءَ وهي ككاعب ... تَميلُ من سكرٍ بها وتَميَّدُ
وتحسبها طَوْراً أسِيرَ جِنَايةٍ ... ترشَّحَ بعدَ المشْيِ وهو مُقَيَّدُ
ولاحَ سُهيلٌ وهو للصُبح رَاقِبٌ ... كما سُلَّ مِنْ غمدٍ جُرَازٌ مهنَّدُ
أرَدِّدُ طَرْفِي في النجوم كأنها ... دنانيرُ لكن السماءَ زَبَرْجَدُ
رأيتُ بها، والصبح ما حانَ ورْدُهُ، ... قناديلَ والخضراءُ صَرْحٌ ممرَّدُ
وفيه لنا من مربط الشمسِ أشقرٌ ... إذا ما جرى فالريحُ تكْبُو وتركدُ
وقال أبو علي الحاتمي: الطويل:
وليل أقمنا فيه نُعْمِل كأْسنا ... إلى أن بَدَا للصُبح في الليل عَسْكَرُ
ونَجْمُ الثريا في السماء كأنه ... على حُلَّةٍ زَرْقَاءَ جَيْبٌ مُدَنَّرُ
البحتري: الكامل:
ولقد سَرَيْتُ مع الكواكب راكباً ... أعجازَها بعزيمةٍ كالكوكَبِ
والليلُ في لونِ الغُرَابِ كأنه ... هو في حُلُوكَتِه وإن لم يَنْعَبِ
والعِيسُ تَنْصُلُ من دُجَاه كما انجلَى ... صِبّغُ الخِضَابِ عن القَذَالِ الأشْيَبِ

(1/319)


حتى تبدَّى الفَجْرُ من جَنبَاتِه ... كالماءِ يَلْمَعُ من خِلاَلِ الطُحْلُبِ
وقال الأمير أبو الفضل الميكالي: الكامل:
أهلاً بفَجْرٍ قد نَضى ثوبَ الدُّجى ... كالسيف جُرِّد من سَوَادِ قِرَابِ
أو غادةٍ شقَّتْ صِداراً أزرقاً ... ما بين ثُغْرَتِها إلى الأتراب
وقال رجلٌ من بني الحارث بن كعب يصف الشمس: الطويل:
مخبأَة أمَّا إذا الليلُ جَنَّها ... فتَخْفَى وأمَّا بالنهار فتظهرُ
إذا انشقَّ عنها ساطِعُ الفَجْرِ وانْجَلَى ... دُجَى الليلِ وانجابَ الحِجَابُ المستر
وألبس عرض الأرضِ لوناً كأنهُ ... على الأفق الشرْقِي ثوبٌ مُعَصْفَرُ
تجلّتْ وفيها حين يَبْدُو شعاعُها ... ولم يعلُ للعينِ القصيرةِ مَنظَرُ
عليها كَرَدْع الزعفرانِ يشبّهُ ... شعَاعٌ تَلاَلا فهو أبيضُ أَصفرُ
فلما علَتْ وابيضَّ منها اصفرارُها ... وجالَتْ كما جَالَ المَنيحُ المشهَرُ
وجلَلتِ الآفاقَ ضوءاً ينيرها ... بحرّ لها وَجْهَ الضُّحَى تتسعر
ترى الظل يُطْوَى حين تَبْدُو وتارةً ... تَراه إذا زالتْ عن الأرض يُنْشَر
كما بدأَتْ إذْ أشرقَت في مَغِيبها ... تعود كما عادَ الكبيرُ المعمر
وتَدْنَفُ حتى ما يكادُ شعاعُها ... يَبِين إذا ولَت لمن يتبصَرُ
فأَفْنَت قروناً وهْيَ في ذاك لم تزَلْ ... تموتُ وتحْيَا كل يومٍ وتنشرُ
أحسن ما قالته العرب في الجاهلية
وقال عبد الملك بن مروان لبعض جلسائه يوماً: ما أَحكم أربعة أبياتٍ قالتها العرب في الجاهلية؟ فأنشده: الكامل:
منع البقاءَ تقلُّب الشمسِ ... وطلوعُها من حيث لا تمسي
وطلوعُها بيضاءَ صافيةً ... وغروبُها صفراءَ كالوَرْسِ
تجرىِ على كَبِدِ السماء كما ... يَجْرِي حِمامُ الموتِ في النفْسِ
اليوم تَعْلَم ما يجيءُ بِه ... ومضَى بفَصْل قضائِه أَمْسِ
قال: أحسنت، فأخبرني بأَمْدح بيتٍ قالَتْه العرب في الشجاعة، قال: قول كعب بن مالك الأنصاري: الكامل:
نَصِلُ السيوفَ إذا قصُرْنَ بخَطْوِنا ... قُدُماً، ونلحقها إذا لم تلحقِ
قال: فأخبرني بأفضل بيتٍ قيل في الجود، فأنشده لحاتم طيئ: الكامل:
أماويُّ، ما يُغْني الثراءُ عن الفَتَى ... إذا حَشْرَجَتْ يوماً وضاقَ بها الصَدْرُ
تَرَيْ أنَّ ما أبقيْتُ لم أكُ رَبَّهُ ... وأنَّ يدِي مِمَّا بَخِلْتُ به صِفْرُ
ألم ترَ أنَ المالَ غادٍ ورائحٌ ... ويبقَى من المالِ الأحاديثُ والذكْرُ
غَنِيْنا زماناً بالتصَعْلك والغِنى ... فكلاًّ سَقانَاهُ بكأسيهما الدَهرُ
فما زادَنا بَغْياً على فذي قرابةٍ ... غِنَاناً، ولا أَزرى بأحسابِنا الفَقْرُ
قال: فأخبرني عن أحسَن الناس وصفاً، قال: الذي يقول: الطويل:
كأن قلوب الطيرِ رَطْباً ويابساً ... لدَى وَكْرِها العُنّابُ والحَشَفُ البَالي
والذي يقول: الطويِل:
كأنَ عيونَ الوَحْشِ حول خِبَائِنا ... وأرحُلِنا الجَزْعُ الذِي لم يُثَقبِ
والذي يقوله: الطويل:
وتعرِفُ فيه من أبيه شَمائلاً ... ومن خَالِه ومن يزيدَ ومِنْ حُجُرْ
سماحةَ ذَا، مع بِرِّ ذَا، ووفاءَ ذَا ... ونائلَ ذَا، إذا صَحَا وإذا سَكِرْ
يريد امرأ القيس.
ومن ألفاظ أهل العصر
في طلوع الشمس وغروبها
ومتوع النهار وانتصافه، وابتدائه، وانتهائه

(1/320)


بدا حاجِبُ الشمس، ولمعَتْ في أجنحَة الطيرِ، وكشفَتْ قِناعَها، ونثرتْ شُعاعَها، وارتفع سُرادِقُها، وأضاءتْ مشارِقُها، وانتشر جناحُ الضوء في أفق الجو. طَنّبَ شعاعُ الشمس في الآفاق، وذهبَتْ أطراف الجدران. أينع النهار وارتفع. استوى شَبَابُ النهار، وعلا رونق الضحى، وبلغت الشمسُ كبد السماء. انتعل كل شيء ظله، وقام قائمُ الهاجِرَة، ورمَت الشمس بجَمَراتِ الظهر. اصفرَتْ غِلاَلَةُ الشمسِ، وصارت كأنها الدينارُ يلمعُ في قرارِ الماء، ونفضَتْ تِبراً على الأصيل، وشَدَّتْ رَحْلَها للرحيل، وتصوّبَتْ الشمسُ للمغيب، وتضيّفَتْ للغروب فأَذِن جَنْبُها للوُجوب. شاب النهارُ، وأقبل شبابُ الليلِ، ووقفت الشمسُ للعيان، وشافَهَ الليلُ لسان النهارِ. الشمسُ قد أشرقَتْ بروجُها، وجنحت للغروب، وشافَهتْ دَرج الوجوبِ. الجوُ في أطمارٍ مُنْهَجَةٍ من أَصائله، وشفوت مورَّسَة من غَلاَئله. استتر وَجْهُ الشمسِ بالنِّقَاب، وتوارَتْ بالحجابِ. كان هذا الأمرُ من مطلع الفلق، إلى مجتمع الغَسَق. فلانٌ يركبُ في مقدمة الصُبح، ويرجع في ساقة الشفق، ومن حين تفتحُ الشمس جَفْنَها، إلى أن تغمض طَرْفها، ومن حين تسكنُ الطيرُ أوكارَها، إلى حينِ ينزلُ السَّرَاةُ مِنْ أكوارِها.
مقامة لأبي الفتح الإسكندري من إنشاء البديع، اتصَلَتْ بذكرِ الليلِ والنهار.
قال عيسى بن هشَام: كنت وَأنا فَتِيُّ السنِّ أشدُّ رَحْلي لكلّ عَمَاية، وأركضُ طِرْفِي لكل غَوَاية، حتى شرِبْتُ من العُمْرِ سائغه، ولبسْتُ من الدهر سابغَه، فلما صاح النهارُ بجانب ليلي، وجمعتُ للمعادِ ذَيْلِي، وطِئْتُ ظهْرَ المَرُوضةِ، لأداء المفروضة، وصَحِبَنِي في الطريق رَجُل لم أنكره من سوء، فلمّا تخالينا، وحين تجالينا، سفَرَتِ القصَّةُ عن أصل كوفيٍّ ومَذْهَب صوفِيٍّ، وسِرْنا فلمّا حللْنا الكوفةَ مِلْنَا إلى داره ودخلناها وقد بَقَل وجهُ النهار، واخضرَّ جانبُهُ، ولما اغتمض جَفْنُ الليل وطَرَّ شارِبُه قُرعَ علينَا البابُ، فقلْنا: من القارعُ المُنتابُ؟ فقال: وَفْدُ الليل وبريده، وفَل الجوع وطريده، وأسير الضرّ، والزمن المرّ، وضيفٌ وطْؤُه خفيف، وضالته رَغِيف، وجارٌ يَستَعْدِي على الجوع، والجَيْبِ المَرقوع، وغريب أُوقِدت النارُ على سفره، ونبحَ العَوَّاء في أثره، ونُبِذت خَلْفه الحُصياتُ، وكُنِسَتْ بعده العَرَصَات، فنِضْوُه طَليح، وعَيْشُه تبريح، ومن دون أفراخه مَهَامِهُ فيح.
قال عيسى بن هشام: فقبَضْتُ من كيسي قَبْضَةَ الليثِ وبعثْتُهَا إليه، وقلتُ زِدْنَا سؤالاً نزِدْكَ نَوَالاً، فقال: ما عُرِض عَرْفُ العودِ، على أحرَ من نار الجُودِ، ولا لُقيَ وَفْد البِرِّ، بأَحسن من بريد الشكر، ومن ملك الفَضْل فَلْيواس، فلا يَذْهبُ العُرْفُ بين الله والناس، وأما أَنتَ فحقَّق الله أملَك، وجعَل اليدَ العُلْيَا لك.
قال عيسى بن هشام: ففتحْنا البابَ، فإذا شيخُنا أبو الفتح الإسكندري، فقلْنا: يا أبا الفتح، شدَّ ما بلَغتْ بك الخَصَاصَةُ، وهذا الزيُ خاصة! فتبسَّم وأنشأ يقول: مجزوء الخفيف:
لا يَغزَنَكَ الذي ... أنا فيه من الطَلبْ
أنا في بُرْدَة تُشَقُّ لها بُرْدَةُ الطَرَبْ
أنا لو شِئتُ لاتخَذْ ... تُ شِقَاقاً من الذهَبْ
وكتب البديعُ إلى بعض إخوانه: غضبُ العاشقِ أقصرُ عمراً من أن ينتظِرَ عُذْراً، وإن كان في الظاهر مَهَابة سيْف، إنه في الباطن سحابةُ صَيْف، وقد رَابَني إعراضه صَفْحاً؛ أفجدَاً قصدَ أمْ مَزْحاً، ولو التبس القَلْبَان حق التباسهما ما وجد الشيطانُ بينهما مساغاً، ولا والله لا أرِيكَ رَدّاً، أجِدُ منهُ بدّاً، وإن محبة تحتمل شَكّاً لأجْدَرُ محبة، ألا تُشْتَرى بحبَّةٍ، وإنْ كان قصَدَ مَزحاً فما أغناها عن مَزْح يحل عُقَد الفؤاد حتى نقف على المراد، ولا تسعنا إلا العافية والسلام.

(1/321)


وله إليه: المودة - أعزَك الله - غَيْب، وهو في مكان من الصَّدْر، لا ينفذه بصر، ولا يُدرِكُه نَظَر، ولكنها تُعْرَف ضرورة، وإن لم تظهر صُورَة، ويدرِكها الناس، وإن لم تدركها الحوَاس، ويستَمْلي المرءُ صحيفَتَها من صدره، ويعلم حالَ غيرِه من نفسه، ويعلم أنها حبٌّ وراء القلب، وقلب وراء الخِلب، وخِلْب وراءَ العَظم، وعَظمٌ وراء اللحم، ولحم ورَاءَ الجلد، وجلد وراء البُرْد، وبُرد وراء البعد. ولو كانت هذه الحجُبُ قوارير لم ينفذها نظر، فيستَدِلّ عليها بغيرِ هذه الحاسة بدليل إلا أن أزوره، والله لو التبست به التباساً، يجعل رأسينا رأساً، ما زدته وداً، ولو حال بيني وبينه سُورُ الأعرافِ، ورمْلُ الأحقافِ، ما نقصته حقاً.
وقال الأمير أبو الفضل الميكالي: الخفيف:
وغَزَالِ مَنَحتُه ظهرَ الودِّ ... فجازَى بالصدِّ والانتحاب
لم ألمهُ إن ردني لحجابٍ ... ردني والِهَ الفؤاد لِمَا بي
هو روح وليس يُنْكَر للرُّو ... حِ تَوَارٍ عن الوَرَى بحِجَابِ
وللبديع إلى أخيه: كتابي أطال الله بقاءَك، ونحن وإن بَعُدَتِ الدارُ فَرعاَ نَبْعَة، فلا يَجْنِينَّ بُعْدِي على قُرْبك، ولا تمحوَنّ ذِكْرِي من قلبك، فالأَخَوَان، وإن كان أحدُهما بخراسان والآخر بالحجاز، مجتمعان على الحقيقةِ مفترقان على المجاز، والاثنان، في المعنى واحد وفي اللفظ اثنَانِ، وما بيني وبينك إلا ستر، طولُهُ فِترُ، وإن صاحبني رَفيق، اسمه توفيق، لنلتقينَّ سريعاً ولنسعدَنّ جميعاً، واللَّهُ وليُ المأمول.
وكتب أبو الفضل بن العميد إلى بعض إخوانه: قد قرُبَ - أيَّدك اللّه - محلّك على تراخِيه، وتَصاقَب مستقرُّك على تَنَائيه، لأنّ الشوقَ يمثّلُك، والذكر يخيّلك؛ فنحنُ في الظاهر على افتراق، وفي الباطن على تلاق، وفي التسميةِ مُتَباينون، وفي المعنى متواصلُون، وإن تفارقت الأشباحُ، لقد تعانقت الأرواح.
جملة من كلام ابن المعتز
في الفصول القصار
الدهرُ سريعُ الوثبة، شنيع العَثْرَة. أهلُ الدنيا كرَكْبٍ يُسَارُ بهم وهم نِيام. والناسُ وَفْدُ البِلَى، وسكّان الثَّرَى، وأَقْران الرَّدىَ. المرءُ نُصْبُ الحوادثِ وأسيرُ الاغترار. الآمالُ حَصَائِدُ الرجالِ. الْحِرْصُ يَنْقُصُ المرءَ من قَدْرِه، ولا يزيدُ في رِزْقه. الكذب والحسدُ والنفاق أَثافِيّ الذل. النّمامُ جسْرُ الشرّ. الحاسدُ اسمُه صديق ومعناه عدو. الحاسدُ ساخِطٌ على القدَر، مغتاظٌ على من لا ذنْبَ له، بخيل بما لا يملِكُه، يشفيك منه أنه يغتمُّ في وقت سرورِك. الفُرْصَة سريعةُ الفَوْتِ بَطيئةُ العَوْد. الصبرُ من ذي المصيبة مصيبةٌ على ذوِي الشَّمات. التواضعُ سُلَّم الشرف، والجُودُ صِوَانُ العرْضِ من الذمّ. الغَدر قاطع الأسرار إذا كثر خُزانها ازدادت ضياعاً. السوءُ كشجرة النار يَحْرِق بعضُها بعضاً. عَبْدُ الشهوة أَذلّ من عبد الرقّ. وعاء الخطأ بالصَّمْت يختم، والخرق بالرفْقِ يلحم. الوَعْدُ مرضُ المعروف، والإنجازُ برؤه، والمَطْل تلفه. إذا حَضرَ الأجل، افتضح الأمل. لا تشَنْ وَجْهَ العفوِ بالتقريع. لا تنكحْ خاطبَ سِرك. ومن زَاد أَدَبُه على عقله كان كالراعي الضعيف مع شاءٍ كثيرة.
قال أبو العباس الناشئ لأبي سهل بن نوبخت: الطويل:
زعمت أبا سهل بأنك جامعٌ ... ضُروباً من الآداب يجمعُها الكَهْلُ
وهبكَ تقولُ الحقّ أي فضيلةً ... تكونُ لذي عِلْمٍ وليس له عَقْلُ
والهمّ حبس الروح. قلوب العقلاءِ حصونُ الأسرار. مَن كرُمَت عليه نفسه هان عليه ماله. من جرى في عنان أمله؛ عثر بأجَلِه. ما كل من يُحْسِنُ وعدَه يحسنُ إنجازه. ربما أوردَ الطمع ولم يصدِر، وضمن ولم يوفِ. وربما شرق شارب الماءِ قبل ريّه. من تجاوزَ الكفافَ لم يقنِعه إكثار. كلّما عظُم قَدرُ المُنَافَسِ فيه عظمت الفجيعةُ بفَقْدِه، ومن أَرْحَلَهُ الْحِرْص أنضَاه الطلب. الأماني تعمي أعيُنَ البصائر، والحظ يأتي من لم يؤمه. وربما كان الطمع وعَاءً حَشوه المتالف، وسائقاً يَدعُو إلى الندامة. ما أحْلَى تلقّي البغية، وأمرَّ عاقبة الفراق. من لم يتأمل الأمرَ بعَينِ عقله، لم تَقَعْ حيلتُه إلا على مَقَاتِلِه.
من شعر أبي العباس الناشئ في التعزية

(1/322)


وقال أبو العباس يَرثي المعتضد: الطويل:
قضَوا ما قضَوا من أَمرهم ثم قدَّموا ... إماماً إمام الْخَلق بين يَدَيْه
وصلّوا عليه خاشعين كأنهم ... صفوفٌ قيام للسلامِ عليه
وقال يَرثيه الكامل:
قالت شريرة ما لجَفنِك ساهراً ... قَلِقاً، وقد هدأَتْ عيونُ النُّومِ
ما قد رأيت من الزمانِ أحل بي ... هذا، وتحت الصَدْرِ ما لم تَعْلَمِي
يا نفس، صبراً للزمانِ ورَيبِه ... فهو المليء بما كرهْتِ فسلِّمي
إن الذي حاز الفضائلَ كلَّها ... هو ذاك في قَعْرِ الضريحِ المُظْلمِ
أما السيوفُ فمن صنائع بَأْسهِ ... لولاه لم يَرْوَيْن من سَفْكِ الدَّم
وكأنَّ أَحْدَاثَ الزمانِ عبيدهُ ... فمتى يؤخِّرهن لا تستقدم
يَقْظَان من سِنَة المضيِّع قَلْبَهُ ... ومعوّل للمُعْوِلٍ المتظلِّم
يَرْعَى الضغائن قبل ساعةِ فرصةٍ ... فإذا رآها أمكَنَتْ لم يُحْجمِ
كم فرصة تُرِكَتْ فصارَتْ غصَّةً ... تَشْجَى بطولِ تلهّفٍ وتَنَدُّمِ
ولربَّ كَيْدٍ ظلَّ يَسْجُد بعدها ... في بشْرِ وَجْهٍ مطلَقٍ متجهِّمِ
وهي المنايا إن رمين بنَبْلِها ... يرمين في نَفْس الأجلّ الأعْظم
للَّهِ دَرُّك أي ليث كتيبةٍ ... والخيلُ تعثر بالقَنَا المتحطّم
ولقد عمرت ولا حريم معاند ... حرمٌ ولا الإسلام بالمستسلم
وقال للمعتضد يعزّيه بابنهِ هارون: البسيط:
يا ناصرَ الدينِ إذ هُدَّتْ قواعِدُهُ ... وأَصْدَقَ الناسِ في بُؤْسى وإنعام
وقائدَ الخيلِ مذ شُدَّتْ مآزرُهُ ... مذلَّلاَتٍ بإسْرَاجٍ وإلجامِ
كأنهن قناً ليسَتْ لها عُقَدٌ ... يهزُّهَا الزَّخرُ في كرٍّ وإقدامِ
قُبّ كطيِّ ثيابِ العَصْب مضمرة ... تقرِّبُ النارَ بين البيض والهامِ
وسائسَ الملك يَرْعاه ويكلؤُهُ ... إذا حَلاَ الغَمْضُ في أجفانِ نُوَّامِ
تَمْرِي أنَامِلُه الدنيا لصاحبها ... ونَصلُه مِنْ عِدَاهُ قاطرٌ دامِي
كالسَّهْمِ يبعثهُ الرَّامِي فصفحتهُ ... تَلْقى الرََّدَى دونَه، والفُوقُ للرامِي
لا يَشْتَكي الدَّهرَ إنْ خَطْبٌ ألمَّ بهِ ... إلا إلى صَعْدَةٍ أو حَدِّ صمصامِ
صبراً فدَيْنَاك إنّ الصبرَ عادَتُنَا ... وإن طُوِينَا على حُزْنٍ وتهيام
فبادِر الأجْرَ نحو الصَّبْر محتَسِباً ... إنَ الجزوعَ صبُورٌ بعد أيامِ
ولما ماتت دُريدة، وهي جارِيةٌ المعتضد، وكانت مَكِينة عنده، جزع عليها جزعاً شديداً، فقال له عبيد الله بن سليمان: مثلُك يا أميرَ المؤمنين تَهُون عليه المصائبُ؛ لأنّك تجدُ من كل فقيدٍ خَلَفاً، وتنالُ جميعَ ما تريد من العِوَض، والعِوَض لا يوجَد منك، فلا ابْتَلى الله الإسلام بفقْدِك، وعمره بطولِ بقاء عُمْرك، وكأنَّ الشاعر عَنَى أمير المؤمنين بقوله: البسيط:
يُبْكَى علينا ولا نَبْكِي على أَحَدٍ ... لنَحْنُ أغْلَظُ أكباداً من الإبلِ
فضحك المعتضد وتسلّى وعاد إلى عادته.
قال محمد بن داود الجراح: فلقيني عبيدُ الله فأخبرني بذلك، وقال: أردت شعراً في معنى البيت الذي أنشدته فما وجدته؛ فقلت له: قد قال البطين البجلي: الطويل:
طوى الموتُ ما بيني وبين أَحبَّةٍ ... بهم كُنت أعْطِي مَنْ أشاء وأمنعُ
فلا يحسب الوَاشُون أن قَناتَنا ... تَلِينُ، ولا أنا من الموتِ نَجْزَعُ
ولكنَّ للأُلاّفِ لا بدَّ لَوْعَةًإذا جعلت أقرانها تتطلَعُ
فكتبه، وقال: لو حفظته لما عدلتُ عنه.
رجع إلى ابن المعتز
وقال ابن المعتز، وذكر الموتى: الطويل:
وسُكَّانِ دارٍ لا تَزَاوُرَ بينهم ... على قُرْبِ بعضٍ في المحلة من بَعْضِ

(1/323)


كأن خواتيما من الطينِ فوقهم ... فليس لها حتى القيامة من فَضّ
وقال يمدح عبيد الله بن سليمان: الطويل:
أيا مُوصِلَ النُعْمَى على كلّ حالةٍ ... إليَّ قريباً كنتُ أو نازحَ الدارِ
كما يلحق الغيثُ البلادَ بسَيْلِه ... وإن جادَ في أَرضٍ سِواها بإمطار
ويا مقبلاً والدَّهْرُ عنيَ مُعْرضٌ ... يقسّمُ لَحْمِي بين ناب وأظفارِ
ويا مَنْ يَرَانِي حيث كنتُ بِقلبهِ ... وكم من أناسٍ لا يَرَوْنً بأَبْصَارِ
لقد رُمْتَ بي آمالَ نفسيَ كلّها ... فيا لَهْفَ نفسِي لو أُعِنْتَ بمقدار
ذكرتَ مُنى سَمْع الإمام وعينه ... ورفعت ناري كي يرى ضوءها الساري
وكم نعمةٍ للَّهِ في صرْفِ نِقْمَةٍ ... ترجى ومكروهٍ حَلاَ بعد إمرار
وما كل ما تَهْوَى النفوس بنافعٍ ... ولا كلّ ما تخشى النفوسُ بضَرّار
قوله:
كما يلحق الغيثُ البلادَ بسَيْله
مأخوذ من قول نهشل بن حري وقد بعث إليه كثير بن الصَّلْتِ كسوةً ومالاً من المدينة: الطويل:
جزَى الله خيراً والجزاءُ بكفّهِ ... بني الصَّلْتِ إخوانَ السماحةِ والمجدِ
أتاني وأَهْلِي بالعراق نداهُمُ ... كما انقضَّ سيل من تهامة أو نجدِ
وقال ابن المَوْلى: الوافر:
سُرِرْتُ بجعفرٍ إذْ حَل أَرْضِي ... كما سُرّ المسافِرُ بالإيَابِ
كممطورٍ ببلدتهِ فأَضْحَى ... غَنِيّاً عن مطالَعة السَّحابِ
وبعث عبدُ الله بنُ طاهر إلى أبي الجنوب بن أبي حفصة وهو ببغداد عشرين ألفَ دِرْهم فقال: الطويل:
لعمري لنعم الغَيْثُ غيثٌ أصابنا ... ببغدادَ من أَرْض الجزيرةِ وَابِلُهْ
ونِعْمَ الفتى والبِيدُ بيني وبينهُ ... بعشرين ألفاً صبحَتْنِي رسائِلُهْ
فكنَّا كحيٍّ صبَّحَ الغَيْثُ أهلهُ ... ولم تنتجَع أظعانُه وحَمَائلُهْ
أتى جودُ عبدِ الله حتى كفت بهِ ... رواحلَنا سيرَ الفَلاَةِ رَوَاحِلُهْ
من أخبار عضد الدولة في شجاع
وكانت بنو كلاب ومن والاَها من العرب بنواحي الكوفة تجمَّعوا وعزَمُوا على أَخْذِ الكوفة سنة اثنتين وخمسين وثلثمائة، فبعث أبو شجاع عضد الدولة دِنير بن لشكروز فأصلحهما، وكان أبو الطيب المتنبي بها فوصله وبعث إليه خلعاً وقاد إليه فرساً بسَرْجٍ ثقيل، فقال في قصيدة: الطويل:
فلو لم يَسِرْ سِرْنَا إلْيه بأنفُسٍ ... غرائِبَ يُؤْثِرْنَ الجِيادَ على الأهْلِ
وما أنا ممن يَدَّعِي الشَوق قلبُه ... ويعتَلّ في تَرْكِ الزيارةِ بالشُّغْل
ولكن رأَيت الفَضْلَ في القَصْد شِرْكَة ... فكان لكَ الفَضلانِ في القَصْدِ والفَضْل
وليسَ الذي يتَّبَّع الوَبْلَ رائداً ... كمَنْ جاءه في دَارِه رائِدُ الوَبْل
عود إلى ابن المعتز
وكان ابنُ المعتز يمدحُ أبا أحمد بن المتوكل، ويلقّب بالناصر والموفّق، وكانت حالُه ترامَت في أيام المعتضد إلى غاية لم يبلغها الخليفة، وقد ذكرها الصولي في قصيدة لصاحب المغرب، فقال وقد اقتصَّ خلفاء بني العباس من أوّلهم: الطويل:
ومعتضد مِنْ بعده وموفق ... يُرَدِّدُ من إرث الخلافةِ ما ذَهبْ
مُوَازٍ لهم في كل فَضْل وسؤدد ... وإنْ لم يكن في العدّ منهم لِمَن حَسَبْ
وقال المعتضد، أو قِيلَ على لسانه، لما غلب الموفَّق على أمره: الوافر:
أليس من العجائبِ أنّ مثلي ... يرى ما هَانَ ممتنعاً عليهِ
وتؤخذ باسْمِه الدنيا جميعاً ... وما مِنْ ذاك شيء في يديهِ
وشعر ابن المعتز فيه: الطويل:
إليك امتطينا العِيسَ تنفخ في البُرى ... وللصُبْحِ طَرْفٌ بالظلامِ كَحيلُ
صَدِينَ من التَّهْجِير حتى كأنها ... سيوفٌ جَلاها الصَّقْل فهي تحُولُ

(1/324)


فبتْنَا ضيوفاً للفَلاَةِ قِرَاهُمُ ... عَنِيقٌ ونَصٌّ دائمٌ وذَمِيلُ
يهرُّ بُرُودَ العَصْبِ فَوْقَ متونِها ... نسيمٌ كنَفْثِ الراقياتِ عَلِيلُ
ولمّا طغى أَمْرُ الدَّعيّ رميتَهُ ... بعَزْمٍ يردُّ العَضْبَ وهو فَلِيلُ
وجرّد من أغماده كل مُرْهَف ... إذا ما انتضَتْه الكفُّ كاد يَسيلُ
جرَى فوق مَتْنَيه الفرنْدُ كأنما ... تنفس فيه القَيْنُ وهو صقيلُ
وأعلمته كيف التصافُح بالقَنَا ... وكيف تُروَّى البيضُ وَهْيَ مُحُولُ
سريعٌ إلى الأعداء، أَما جنابُه ... فماضٍ، وأمّا وَجْهُه فجميل
ويقْري السؤال العُذْر من بَعد ماله ... ويستصغرُ المعروفَ حين يَنيلُ
أخذ معنى قوله: نسيم كنفث الراقيات عليل عبدُ الكريم بنُ إبراهيم، فقال: المتقارب:
سلامّ على طِيب رَوْحاتنا ... إلى القَصرِ والنَّهَرِ الخِضرِمِ
إلى مُزبِدِ المَوْج طامِي العبَا ... ب يقذِفُ بالْبَانِ والساسَم
تخالُ به قَطَماً مُقرَماً ... يكرّ على قَطَمٍ مُقْرمِ
ويَسجو فيسحب في ذائل ... يَمَانٍ تَسهَّم بالأنجُم
كأنّ الشمال على وَجهِه ... بها سَقَم وهي لَمْ تَسْقَمِ
ضعيفة رَشّ كنَفْثِ الرّقى ... على كبد المُدْنف المُغْرَمِ
إذا دَرجَتْ فوقه دَرَجَت ... ه في حَبَك الزَّرَدِ المحْكمِ
وقد جللتهُ بأَوراقِها ... فروعٌ غَذتْها نِطَافُ السَّمِ
علَتها الحمامُ بتغريدها ... كما سجَعَ النوْحُ في مَأتمِ
كأن شعاعَ الضحَى بينها ... على السوسن الغضّ والخُرَّمِ
وشائع من ذَهَب سائل ... على خسروَانيَّة نُعَّم
رُباً تتفقأ من فوقها ... عَزَالي الربيع لهَا المرْهِمِ
على كل محبية خلة ... تسَدَّى على جَدوَلٍ مفعَم
كما فتل الوَقْفَ صَوَّاغُه ... وكالأرقم انْسَابَ للأَرقم
وقول ابن المعتز: ولما طغا أمرُ الدعيّ يريد صاحب الزنج بالبصرة، وكانت شوكته قد اشتدت وظُفر به بعد مواقعة كثيرة، وفي ذلك يقول ابنُ الرومي في قصيدة طويلة جداً يمدح فيها أبا أحمد الموفق بن المتوكل، وصاعد بن خالد، والعلاء بن صاعد ابنه، وهي من أجود شعره، فقال: الطويل:
أبا أَحمدٍ، أَبْلَيْتَ أمّةَ أحمدٍ ... بلاءً سيرضاهُ ابنُ عمك أحمَدُ
حصرت عميدَ الزنج حتى تخاذلَتْ ... قُواه، وأَودى زادُه المتزوَدُ
فظلَّ، ولم تقتلْه، بلفظ نفسهُ ... وظلَّ، ولم تأسِرْه، وهوَ مقَيدُ
وكانَتْ نواحِيه كثَافاً فلم تَزَلْ ... تحيّفُهَا شَحْذاً كأنكَ مِبرَدُ
تفرّق عنه بالمكايد جُنْدُهُ ... ويزدادهم جنداً وجندك محصَدُ
ولابِسُ سَيْفِ القرْنِ بعد استلابِه ... أَضرُّ له من كاسديه وأكْيَدُ
فما رُمْته حتى استقلَّ برَأْسِه ... مكان قناةِ الظهر أسمرُ أَجرَدُ
هذا مأخوذ من قول مسلم بن الوليد البسيط:
ورأس مهْراقَ قد ركبْتُ قُلَّتَهُ ... لدْنا يقوم مقامَ اللَّيتِ والجيدِ
الطويل:
ولم تأل إنذاراً له غيرَ أنهُ ... رأى أن مَتنَ البحرِ صَرْحٌ ممرَّدُ
سكَنْتَ سكوناً كان رَهْناً بوَثْبةٍ ... عَماسٍ، كذاك الليث للوَثْبِ يلبدُ
هذا مأخوذ من قول النابغة: البسيط:
وقلت يا قومُ إنَّ اللَّيثَ مُنقبضٌ ... على براثنِهِ، لِوَثْبَةِ الضارِي
ويقول في مدح صاعد: الطويل:
يقرَّظُ إلا أنّ ما قيلَ دونهُ ... ويوصَفُ إلا أنه لا يحدَّدُ
أرق من الماء الذي في حُسَامِه ... طِباعاً، وأَمْضَى من شَبَاهُ وأَنْجَدُ

(1/325)


له سَوْرَة مُكْتَنةٌ في سَكينةٍ ... كما اكتنَّ في الغِمْدِ الجُرَازُ المهنّدُ
كأن أباه حين سمَاه صاعداً ... رأى كيف يَرْقَى في المعالي ويَصْعَدُ
لما سمع البحتري هذا البيت قال: مني أخذه، في قوله في العلاء بن صاعد: الكامل:
سماه أسرته العَلاَء وإنما ... قصدوا بذلك أنْ يتمَّ عُلاَهُ
وهذا في قوله، كما قال ابن المرزبان وقد أنشد لابن المعتز في مناقضة الطالبيين: المتقارب:
دَعُوا الأسْدَ تسكنُ في غابهَا ... ولا تدخلوا بين أَنْيَابها
فنحن ورثْنَا ثيابَ النبي ... فَلِمْ تجذِبُونَ بهدَّابها
قال: قد أخذه من أقول، بعض العباسيين: المتقارب:
دَعُوا الأسْدَ تسكن أَغيالها ... ولا تقربوها وأَشْبَالَها
ولكنه سرق سَاجاً، وردَّ عاجاً، وغلَّ قطيفة، وردّ دِيباجاً.
ومن قصيدة ابن الرومي: الطويل:
تراه على الحَرْبِ العَوَانِ بمنزل ... وآثارُه فيها، وإنْ غابَ، شُهَّدُ
كما احتجب المقدارُ والحكم حكمهُ ... على الخلق طُرَّاً ليس عنه مُعَرَّدُ
البحتري: الكامل: ؟وَليَ الأمورَ بنفسه، ومَحَلُّها مُتَقارِبٌ، ومرامها مُتَباعِدُ
يَتَكَفَلُ الأدنَى، ويدْرِكُ رأيَهُ ال ... أَقصى، ويَتبَعهُ الأَبيُّ العانِدُ
إنْ غارَ فَهوَ مِنَ النباهة منجِدٌ ... أوْ غابَ فَهوَ مِنَ المهابة شاهدُ
وقال أعرابي يصف رجلاً: كان إذا ولى لم يطابق بين جفونه؟ ويرسل العيونَ على عيوق؛ فهوغائبٌ عنهم، شاهد معهم، والمحسِنُ آمن، والمسيء خائف: الطويل:
فتى رُوحه روحٌ بسيطٌ كيانه ... ومسكن ذاك الرُّوحِ نورٌ مُجَسَّدُ
صَفَا ونَفَى عنه القذىَ فكأنهُ ... إذا ما استشفّتْه العقولُ مصعّد
كرمتمْ فجاش المفحمون بمدحِكمْ ... إذا رَجَزُوا فيكمْ أَثبتُم فقصدوا
أَرى مَنْ تعاطى ما بلغتم كرائمٍ ... مَنالَ الثريَّا وهو أكمَهُ مُقْعَد
كما أزهرتْ جناتُ عَدْنٍ وأَثمرَتْ ... فأضْحَتْ وعُجْمُ الطيرِ فيها يغرِّدُ
وفي هذه القصيدة يقول:
لِمَا تُؤْذِنُ الدنيا به من صروفها ... يكون بكاءُ الطفلِ ساعةَ يُولدُ
وإلاَّ فما يُبكِيه منها وإنها ... لأفسَحُ ممّا كان فيه وأَرْغَدُ
إذا أبصر الدنيا استهل كأنهُ ... بما سوفَ يَلْقَى من رداها يُهَدَّدُ
قال الصولي: افتتح ابنُ الرومي هذه القصيدة على ما لا يلزمه من فتح ما قبل حَرْفِ الروي اقتداراً، فحمله ذلك على أن قال: الطويل:
متاحٌ له مقداره فكأنما ... تقوّض ثَهْلانٌ عليه وصِنْدِدُ
ثهلان: اسم جبل، وهذا لا يصحّ، إنما هو صندِد بكسر الدال؛ لأن فعلَلا لم يجئ إلاَّ في أربعة أحرف: درهم، وهِجْرَع للأحمق، وهِبْلَع للذي يبلعُ كثيراً، وقلعم للذي يقلع الأشياء.
وقول ابن المعتز في وصف السيف: كأنما تنفّس فيه القيْنُ وهو صَقيل) معنى بديع في وصف الفرند، وقد قال: الطويل:
ولي صارمٌ فيه المنايا كوامنٌ ... فما يُنتضَى إلاَّ لسَفْكِ دماءِ
ترى فوق مَتْنَيْهِ الفِرِنْدَ كأنهُ ... بقيَّه غَيْمٍ رقَّ دون سماءِ
وقال أيضاً إسحاق بن خلف: مجزوء الكامل:
ألقى بجانب خصره ... أمضى من الأجل المتاحْ
وكأنما ذَرَّ الهبا ... ء عليه أَنفاسُ الرياحْ
ولما صار سيفُ عمرو بن معد يكرب الذي يسمَّى الصمصامة إلى الهادي، - وكان عمرو وهبه لسعيد بن العاص، فتوارثَه ولدُه إلى أن مات المهدي، فاشتراه موسى الهادي منهم بمال جليل، وكان أوسعَ بني العباس كفّاً، وأكثرهم عطاء - ودعا بالشعراء، وبين يديه مِكْتَل فيه بدْرَة، فقال: قولوا في هذا السيف، فبدر ابن يامين البصري فقال: الخفيف:
حاز صمصامةَ الزبَيْدِيِّ من بي ... ن جميع الأنام موسى الأمينُ
سيف عَمْرو وكان فيما سمِعْنا ... خيرَ ما أغْمِدَتْ عليه الجفونُ
أخضر اللون بين خديه بردٌ ... من ذُعَافٍ يَميسُ فيه المنون

(1/326)


أوقدت فوقَه الصواعِقُ ناراً ... ثم شابَتْ فيه الذعافَ القيونُ
فإذا ما سللتهُ بهر الشم ... س ضياءً فلم تكد تستبِينُ
ما يُبَالي مَنِ انْتَضَاهُ لحرب ... أشِمالٌ سَطَتْ بهِ أو يَمينُ؟
يستطِيرُ الأبصارَ كالقَبسِ المش ... عَل ما تستقرُّ فيه العيونُ
وكأن الفرِنْد والجوهر والجا ... ري على صفحتيْه ماءٌ معِين
نِعْمَ مخراق ذي الحفيظة في الهب ... جاء يَعْصَى به ونِعْمَ القرينُ
قال موسى: أصبت ما في نفسي، واستخفَّه الفرح، فأمر له بالمِكْتَل والسيف؛ فلمّا خرج قال للشعراء: إنما حُرمتم من أجلي، فشأنكم المكتل، وفي السيف غناي فقام موسى فاشترى منه السيف بمالٍ جليل.
البحتري: الكامل:
قد جُدْتَ بالطِّرْفِ الجوادِ فَثَنَّهِ ... لأخِيك من جَدْوَى يديك بمُنْصُل
يتناولُ الرُّوحَ البعيدَ منالُهُ ... عَفْواً، ويَفْتَحُ في الفضاء المُقفَل
بإنارة في كلّ حَتْفٍ مُظْلِمٍ ... وهدايةٍ في كل نفسٍ مَجْهَلِ
يَغْشَى الوغى فالتُّرسُ ليس بجُنَّةٍ ... مِنْ حَدِّه، والدَّرْعُ ليس بمَعْقِلِ
ماضٍ وإن لم تُمْضِهِ يَدُ فارسٍ ... بَطَلٍ، ومَصْقُولٌ وإن لم يُصْقَلِ
مُصْغٍ إلى حُكْم الرَّدى فإذا مَضَى ... لم يلتفِتْ، وإذا قضَى لم يَعْدِل
متوقّدٌ يَفْرِي بأوَّل ضَرْبَةٍ ... ما أدركَتْ ولو أنّهَا في يَذْبُل
فكأنّ فارسه إذا استعصى به الزّ ... حفان يَعْصي بالسمَاكِ الأعْزلِ
فإذا أصابَ فكلُّ شيء مَقْتَلٌ ... وإذا أُصيبَ فما له من مَقْتَلٍ
حَمَلَتْ حمائِلُهُ القديمةُ بَقْلَةً ... من عَهْدِ عادٍ غَضَّةً لم تَذْبُلِ
وقال أبو القاسم بن هاني للمعز: الكامل:
عَجَباً لمُنْصُلِكَ المُقَلَّدِ كيفَ لم ... تَسِلِ النفوسُ عليك مِنْهُ مَسيلا
لم يَخْلُ جبّارُ الملوكِ بذكرِهِ ... إلا تَشحَّطَ في الدماءَ قتيلا
فإذا رأيناهُ رأينا عِلةً ... للنَّيِّراتِ وَنيِّراً مَعْلولا
بك حُسْنُهُ مُتَقَلَّداً وبَهاؤهُ ... مُتَنكَّباً ومَضاؤُه مَسْلُولا
فإذا غَضِبْتَ عَلَتْهُ دونك رُبْدةٌ ... يَغْدُو بها طَرْفُ الزمان كحيلا
وإذا طربت إلى الرِّضا أهدَى إلى ... شمس الظهيرة عَارِضاً مصقولا
كَتَبَ الفرِنْدُ عليه بعضَ صفاتِكُمْ ... فَعَرَفْتُ فيه التاجَ والإكلِيلا
وقال: الكامل:
هل يُدْنِينِّي من فنائِك سَابحٌ ... مَرحٌ وجائلةُ النُّسوعِ أمُونُ؟
ومُهَنَدٍ فيه الفرِنْدُ كأنهُ ... درّ له خَلْفَ الفراتِ كمينُ
عَضْب المضاربِ مُقْفِراً من أعين ... لكنه من أَنْفُسٍ مَسكون
وأهدَى الكندي إلى بعض إخوانِه سيفاً، فكتب إليه: الحمدُ للّه الذي خصَّكَ بمنافع كمنافع ما أهديتَ، وجعلكَ تهتز للمكارم اهتزاز الصارم، وتمضِي في الأمورِ مضاء حَدِّه المأثور، وتصونُ عرضك بالإرفاد، كما تُصَانُ السيوفُ بالأغماد، ويطْرد ماء الحياء في صفحات خدك المشوف، كما يشفّ الرونقُ في صفائح السيوف، وتصقلُ شرَفك بالعطياتِ، كما تصقلُ مُتونُ المشرفيِّات.
من أخبار أبي جعفر المنصور
قدم على أبي جعفر المنصور وَفْدٌ من الشام بعد انهزام عبد الله بن علي، وفيهم الحارثُ بن عبد الرحمن الغفاري، فتكلم جماعةٌ منهم، ثم قام الحارث فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنا لَسْنَا وفْدَ مباهاة، ولكنا وفدُ توبة استخفًت حليمَنا؛ فنحن بما قدمنا معترِفون، وبما سلَف منا مُعتذِرون، فإنْ تعاقبنا فبِمَا أجرَمْنا، وإن تَعْفُ عنا فطالما أحسنْتَ إلى من أساء، فقال المنصور: أنتَ خطيب القوم، وردَّ عليه ضياعه بالغُوطة.

(1/327)


وقاد رجلٌ من أهل الشام للمنصور: يا أمير المؤمنين، من انتقم فقد شَفَى غيظَه وانتصف، ومن عفا تفضل، ومن أخذ حقّه لم يَجِبْ شكره ولم يذكر فَضْله، وكَظْمُ الغيظِ حلم، والتشفي طَرَفٌ من الجَزَع، ولم يمدح أهلَ التقى والنهى من كان حليماً بشدَّة العقاب، ولكن بحُسْنِ الصفْحِ والاغتفارِ وشدةِ التغافل، وبعدُ، فالمعاقِب مستدعٍ لعداوةِ أولياءِ المذْنِب، والعافي مسترعٍ لشكرهم آمِنٌ من مكافأتهم، ولأن يُثْنَى عليك باتِّسَاع الصدْرِ خيرٌ من أن توصَف بضِيقِه، على أنَّ إقالتك عثراتِ عبادِ الله موجبٌ لإقالةِ عَثْرَتك من ربِّهِمْ، وموصول بعفوه، وعقابُك إياهم موصولٌ بعقابه، قال الله عزَّ وجلَّ: " خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بالعُرْف وأَعْرِضْ عن الجاهِلِينَ " .
العفو عند المقدرة
وقال بعض الكتاب لرئيسهِ وقد عتب عليه: " إذا كنتَ لم تَرْضَ مني بالإساءةِ فلم رضيت من نفسك بالمكافأة " ؟.
وأذنب رجل من بني هاشم فقبضه المأمون، فقال: يا أميرَ المؤمنين، مَنْ حمل مثلَ دالّتي، ولَبسَ ثَوْبَ حرمتي، غُفِرَ له مثلُ زَلَّتي، قال: صدَقْتَ وعفا عنه.
ولمّا دخل بعضُ الكتّاب على أميرٍ بعد نكبة نالَتْه فرأى من الأمير بعضَ الازْدِرَاء، فقال له: لا يَضَعُني عندك خمولُ النَّبْوة، وزوال الثروة؛ فإنّ السيفَ العتيق إذا مسَّهُ كثيرُ الصدَإ أستغنى بقليل الجلاءِ حتى يعودَ حدُّه، ويظهر فِرِنْدُهُ؛ ولم أَصِفْ نفسي عجباً، لكن شُكراً. وقال،صلى الله عليه وسلم: " أنا أشرفُ وَلد اَدم ولا فخر " ، فجهر بالشكر، وترك الاستِطَالة بالكبْرِ.
من أخبار المعتصم
وكان تميم بن جميل السدوسي قد أقام، بشاطئ الفرات، واجتمع إليه كثيرٌ من الأعراب، فعظُم أمرُه، وبَعُد ذكره؛ فكتب المعتصمُ إلى مالك بن طَوْق في النهوض إليه، فتبدَّد جمعُه، وظفر به فحمَلهُ مُوثَقاً إلى باب المعتصم، فقال أحمد بن أبي داود: ما رأيتُ رجلاً عاين الموت، فما هالَه ولا شغله عما كان يجِبُ عليه أن يفعلَه إلا تميم بن جميل؛ فإنه لمّا مَثلَ بين يدي المعتصم وأحضر السيفَ والنطَعَ، ووقف بينهما، تأمِّله المعتصم - وكان جميلاً وَسيماً - فأَحبّ أن يعلمَ أين لسانُه من منظره، فقال: تكلّم يا تميم، فقال: إذا إذ أذِنتَ يا أمير المؤمنين، فأنا أقولُ: الحمدُ للَّهِ " الذي أَحْسَنَ كلَّ شيءٍ خَلَقَهُ وَبَدأَ خَلْقَ الإنسانِ من طينٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالةٍ من ماء مَهِينٍ " أيا أمير المؤمنين: جبر الله، بك صَدْعَ الدَّين، ولمَّ بك شَعَثَ المسلمين، وأوضحَ بك سُبُل الحقّ، وأخمدَ بِك شِهَابَ الباطل؛ إن الذنوبَ تخرس الألسُن الفصيحة، وتُعْيِي الأفئدَة الصحيحة، ولقد عظُمَتِ الجريرة، وانقطعَت الحجّة وساءَ الظنّ، فلم يبق إلا عفوُك وانتقامُك، وأَرجو أَن يكونَ أقربهما مني وأسرعهما إليَّ أشبههما بك، وأولاهما بكرمك، ثم قال: الطويل:
أرى الموتَ بين السيفِ وَالنطْع كامناً ... يُلاحظني من حيثما أتلفَّتُ
وأكبَرُ ظني أنكَ اليومَ قاتِلي ... وأَيُّ امرئ ممّا قضَى الله يفلت
وأي امرئ يأتي بعُذْرٍ وحُجّةٍ ... وسيفُ المنايا بين عينيه مُصْلَتُ
وما جزَعِي مِنْ أن أموتَ وإنني ... لأعلمُ أنَّ الموتَ شيءٌ موقَّتُ
ولكنّ خَلْفي صبْيةً قد تركتهم ... وأكبادُهم من حَسْرةٍ تتفتَّتُ
فإنْ عشتُ عاشوا سالمين بغِبطةٍ ... أذُودُ الرَّدَى عنهم وإن متُّ مَوَّتُوا
وكم قائلِ لا يبعد الله دارَهُ ... وآخر جَذْلانٌ يسرُّ ويشمتُ
فتبسَّم المعتصم وقال: يا جميل، قد وهبتُك للصَّبية، وغفرت لك الصّبْوَة، ثم أمر بفكّ قيودِه، وخلع عليه، وعقد له على شاطئ الفُرات.
وكتب المعتصمُ - حين صارت إليه الخلافةُ - إلى عبد الله بن طاهر: عافانا الله وإياك، قد كانت في قلبي منك هَنَاتٌ غفرها الاقتِدار، وبقيَتْ حزازات أَخافُ منها عليك عند نظري إليك؛ فإن أتاك ألْفُ كتابٍ أستقدمك فيهِ فلا تقْدم، وحَسْبُك معرفةً بما أنا مُنْطَوٍ لكَ عليه إطْلاَعِي إياك على ما في ضميري منك، والسلام.

(1/328)


قال العباس بن المأمون: ولما أَفضَتِ الخلافةُ إلى المعتصم دخلتُ، فقال: هذا مجلسٌ كنتَ أكْرَهَ الناسِ لجلوسي فيه، فقلت: يا أميرَ المؤمنين، أنتَ تعفُو عما تيقنته، فكيف تعاقب على ما توهّمته؟ فقال: لو أردت عقابَك لتركت عتابك.
وكان المعتصم شَهْماً، شجاعاً، عاقلاً، مفوَّهاً، ولم يكن في خلفاء، بني العباس أميّ غيره، وقيل: بل كان يكتبُ خطّاً ضعيفاً، وكان سبب ذلك أنه رأى جنازة لبعضِ الخدَم، فقال: ليتني مثله لأتخلّص من الكُتّاب فقال الرشيد: والله لا عذبتك بشيء تختارُ عليه الموتَ.
قال أبو القاسم الزجاجي: وهذا شيء يُحْكَى من غير رِواية صحيحة، إلا أن جملته أنه كان ضعيفَ البَصر بالعربية.
وقرأ أحمد بن عمار المذري - وكان يتقلد العَرْضَ عليه في الحضرة - كتاباً فيه: ومطرنا مطراً كثُر عنه الكَلأ " فقال له المعتصم: ما الكَلأ؟ فقال: لا أدري. فقال: إنا لله وإنّا إليه راجعون! خليفة أمي وكاتبٌ أُمي! ثم قال: مَن يقرب منا من كتاب الدار؟ فعرف مكان محمد بن عبد الملك الزيات، وكان يتوَلَى قَهْرَمَةَ الدار، ويُشْرِفُ على المطبخ، فأحضره، فقال: ما الكَلأ؟ فقال: النبات كله رطبُه ويابسه؛ فالرطب منه خاصة يقال له خلاً، ومنه سمّيت المخلاَة، واليابس يقال له حشيش؛ ثم اندفع في صفاتِ النباتِ من لى ابتدائه إلى اكتماله إلى هَيْجِه، فاستحسنَ ذلك المعتصم، وولاّهُ العَرْض من ذلك اليوم، فلم يزَلْ وزيراً مدة خلافتهِ وخلافةِ الواثق، حتى نكبه المتوكل بحقودٍ حَقَدَها عليه أيام أخيه الواثق؟.
وقال الرياشي: كتب ملك الروم إلى المعتصم كتاباً يتهدَّده فيه، فأمر بجوابه، فلما قُرئ عليه لم يَرْضَ ما فيه، وقال لبعض الكتاب: اكْتب: أمّا بعدُ، فقد قرأت كتابك، وفهمت خطابَك، والجوابُ ما ترى، لا ما تسمع، وسيعلمُ الكافرُ لمن عُقْبَى الدار.
وهذا نظيرُ قول قَطَري للحجاج، وقد كتب إليه كتاباً يتهدَّده، فأجابه قطري: أما بعد، فالحمدُ للهِ الذي لو شاء لجمع شخصَينَا؛ فعلمت أن مُثاقَفة الرجال أَقوم من تَسْطير المقَال، والسلام.
بين المهلب والحجاج
ولما افتتح المهلبُ خراسان، ونَفَى الخوارج عنها، وتفرّقت الأزارقة، كتب الحجاجُ إليه أن اكتب لي بخبر الوقيعة، واشرح لي القصةَ حتى كأني شاهِدُها، فبعث إليه المهلبُ كعب بن معدان الأشعريَّ، فأنشده قصيدة فيها ستون بيتاً تقتصُّ خبرهم لا يخرم منه شيئاً؛ فقال له الحجاج: أخطِيب أم شاعر؟ قال له: كلاهما، أَعزّ الله الأمير! قال: أخبرني عن بني المهلب، فقال له: المغيرةُ سيدهم، وكفاك بيزيد فارساً، وما لقي الأبطال مثل حبيب، وما يستحي شجاع أن يفرّ من مُدْرِك، وعبد الملك موتٌ ذُعَاف وسم ناقع، وحسبك بالمفضّل في النّجْدَةِ، واسْتَجْهِزْ قبيصة، ومحمد ليث غاب، فقال الحجاج: ما أراك فضلت عليهم واحداً منهم؛ فأخبِرْني عن جملتهم ومن أفضلهم؟ فقال: هم - أَعزَّ الله الأميرَ! - كالحَلْقة المفرَغَة لا يُدْرَى أين طرفها، قال: إنّ خبرَ حَرْبِكم كان يبلغني عظيماً، أفكذلك كان؟ قال: نعم أيها الأمير، والسماع دون العِيان. قال: أخبرني كيف رِضَا المهلَّبِ عن جنده ورِضَا جنده عنه؟ قال: أعزَ الله الأمير، له عليهم شفقة الوالد، ولهم به برّ الولد. قال: أخبرني كيف فاتكم قَطَري؟ قال: كِدْنَاه في منزله فتحوّل عنه، وتوهّم أنه كادنا بذلك، قال: فهلا اتبعتموه؟ قال: الكلب إذا أُجحر عَقَرَ، قال: المهلبُ كان أَعلمَ بك حيث أَرسلك.

(1/329)


وقد رُوِي أنَّ المهلبَ لمَا فرغ من قَتْل عبد ربه الْحَروري دعا بشرَ بن مالك فأنْفذه بالبشارة إلى الحجاج، فلمّا دخل إلى الحجاج قال: ما اسْمُك. قال: بِشر بن مالك، فقال الحجّاج: بشارة وملك! وكيف خلفتَ المهلب؟ قال: خلفته وقد أَمن ما خاف، وأَدرك ما طَلبَ؛ قال: كيف كانت حالُكم مع عدوكم؟ قال: كانت البداءة لهم، والعاقِبَةُ لنا، قال الحجاج: العاقبة للمتقين، ثم قال: فما حالُ الجند؟ قال: وسعَهم الحق، وأغناهم النَفَل، وإنهم لمع رجل يسوسهم سياسة الملوك، ويقاتِلُ بهم قتالَ الصعلوك، فلهم منْه برُّ الوالد، وله منهم طاعة الولد، قال: فما حال ولد المهلب؟ قال: رعاةُ البَيَاتِ حتى يؤمنوه، وحُماةُ السرْحِ حتى يردوه، قال: فأيهم أفضل؟ قال: ذلك إلى أبيهم، قال: وأَنت أيضاً، فإني أرى لك لساناً وعبارة، قال: هم كالحلْقة المفرغة لا يُدْرى أين طرفها، قال: ويحك أكنت أعددت لهذا المقامِ هذا المقال؟ قال: لا يعلم الغيبَ إلا اللهُ.
بين أبي الصقر وصاعد بن مخلد
ودخل أبو الصقر قَبْلَ وزارته على صاعِد بن مخلد، وهم الوَزير حينئذ، وفي المجلس أبو العباس بن ثَوَابةَ، فسأل الوزيرُ عن رجل، فقال: أنفي؟ يريد نفي؟ فقال ابن ثوابة: في الخَرْءِ، فتضاحك به أهل المجلس، فقام أبو الصقر مُغضَباً.
بين أبي العيناء وابن ثوابة
وكان أبو العيناء يُعَادِي ابنَ ثوابة لمُعَاداتِه لأبي صقر؛ فاجتمعا في مجلس صاعد في غدِ ذلك اليوم، فتلاحَيَا، فقال ابنُ ثوابة: أما تعرفني؟ فقال: بلى أعرفك ضيق الطعن، كثيرَ الوَسَن، خارّاً على الذقَن، وقد بلغني تعدّيك على أبي الصقر، وإنما حَلم عنك؛ لأنه لم يَجِدْ لك عزّاً فبذلّه، ولا عُلوّاً فيضَعه، ولا مَجْداً فيهدمه؛ فعافَ لحمَك أن يأكلَه، ودمَك أن يسفكَه، فقال ابنُ ثوابة: ما تسابّ إنسانانِ إلا غلب أَلأَمهما، فقال أبو العيناءِ: فلهذا غلبتَ بالأمس أبا الصقر!.
مكارم أبي الصقر
ومما يُعَدُّ من مكارم أبي الصقر أن ابنَ ثَوابة دخل عليه في وزارتِه، فقال: تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنَّا لخاطئين، فقال أبو الصقر: لا تَثريبَ عليك، يغفر الله لك وهو أرحم الراحمين، فما قَصَّرَ في الإحسانِ إليه، والإنعام عليه، مدة وزارته.
بين أبي الصقر وأبي العيناء
ولمّا ولي أبو الصقر الوِزارة خيّر أبا العيناء فيما يحبّه حتى يفعلَه به، فقال: أُريد أن يكتبَ لي الوزير إلى أحمد بن محمد الطائي يعرِّفُه مكاني، ويلزمُه قضاءَ حق مثلي.
فكتب إليه كتاباً بخطّه، فوصَّله إلى الطائي، فسبب له في مدة شهر مقدار ألف دينار، وعاشره أجمل عشرة، فانصرف بجميع ما يحبّه.
وكتب إلى أبي الصقر كتاباً مضمنه: أنا - أعزَّك الله - طليقُك من الفقر، ونقيذك من البؤس، أخذْتَ بيدي عند عَثْرةِ الدهر، وكَبْوَةِ الكِبَرِ وعلى أية حالٍ حين فقدت الأولياءَ والأشكال والإخوان والأمثال، الذين يفهمون في غيرِ تَعب، وهم الناسُ الذين كانوا غياثاً للناس، فحللت عقدة الخَلّة، ورَدَدْتَ إليّ بعد النفور النعمة، وكتبت لي كتاباً إلى الطائي، فكأنما كان منه إليك، أتيتهُ وقد استصعبَتْ عليَّ الأمور، وأَحاطَتْ بي النوائب؛ فكَثر من بِشْرِه؟ وبذَل من يُسرِه، وأعطى من ماله أكرمَه، ومن برّه أحكَمه، مُكْرِماً لي مدةَ ما أقمت، ومثْقِلاً لي من فوائده لما ودَّعت، حكمني في ماله فتحكّمتُ، وأنتَ تعرفُ جَوريِ إذا تمكّنتُ، وزادني من طَوْله فشكَرْتُ؛ فأحسن الله جزاءك، وأَعظم حباءك، وقدّمني أمامك، وأعاذني من فَقْدِك وحمامِك؛ فقد أنفقتَ عليّ مما مملكك الله، وأنفقتُ من الشكر ما يسَّره الله لي، واللَّهُ عزَ وجلَّ يقول: " ليُنْفِقْ ذو سَعَةٍ من سَعَتِهِ " فالحمدُ للَّه الذي جعل لكَ اليدَ الغالبة، والرتبة الشريفة، لا أَزال الله عن هذه الأمة ما بَسَطَ فيها من عَدْلِك، وبثَّ فيها من رِفْدِكَ.
بين أبي العيناء وأحمد بن الخصيب

(1/330)


قطعة مختارة من نسخة الكتاب الذي عمله أبو العيناء في ذمّ أحمد بن الخصيب لَمَّا نكِب على ألسنةِ الكتّاب والقوّاد وأَرباب الدولة في ذلك الوقت. قال: ذكره محمد بن عبد الله بن طاهر فقال: ما زال يَخرق ولا يرقَع، وما زِلْتُ أتوقع له الذي وَقع فيه. وذكره أتامش، فقال: غدر بمن آثره، وتخطّى إلى ما لا يقدرهُ، فحل به ما يحذره. وذكره بُغَاءُ فقال: أبطَرَتْه النعمة، ففجأته النقمة،. وذكره وصيف فقال: تَرك العقلاء على يَأْسِ مرتبته، والحمْقَى على رجاء درجته! وذكره موسى بنُ بغاء فقال: لولا أن القَدَر يعشي البَصَر، لما نَهَى فينا ولا أَمر. وذكره فارسُ بن بغاء فقال: لم تممّ له نِعْمَة؛ لأنه لم تكُنْ له في الخير همَّة. وذكره الفضل بن العباس فقال: إن لم يكنْ تاريخ البلاء فما أعظم البلوى. وذكره هارون بن عيسى فقال: كانت دولة من دُوَلِ المجانين، خرجَتْ من الدنيا والدّين. وذكره المعَلَّى بن أيوب، فقيل له: ما أعجَب ما نكبَ، فقال: نعمتهُ أَعجبُ من نكْبته! وذكره ميمون بن إبراهيم، فقال: لو تأمَّل فعاله فاجتنَبها، لاستغنى عن الآداب أن يطلبها! وذكره محمد بن نجاح فقال: لئن كانت النعمةُ عظمَتْ على قوم خرجَ عنهم لقد عَظُمَت المصيبة على قومٍ نزل فيهم! وذكره علي بن يحيى بن المنجم، فقال: لم يكن له أوَّل يَرْجِعُ إليه، ولا آخر يعود عليه، ولا عقل فيزكو لديه! وذكره محمد بن موسى بن شاكر المنجم فقال: قبّحه الله إن ذكرتَ ذَا فَضْل تنقّصه لما فيه من ضِدّه، أو ذكرت ذَا نَقْص تولآه لما فيه من شكله. وذكره ابنُ ثَوَابة فقال: امرؤ أساءَ عِشْرَة الأحرار، فأصبح مَقفِر الديار. وذكره حجاج بن هارُون فقال: ما كان له في الشرف أسبابٌ مِتَان، ولا في الخير عادات حِسان. وذكره أحمد بن حمدون فقال: إن منحته القدرة لقد حملته النكبة. وذكره محمد بن الفضل فقال: ما زال يستوحِشُ بالنعمة حتى أَنس بالنقمة وذكره عبد الله بن فراس فقال: كنت إذا نصحتهُ زنّاني، وإذا غششته منّاني. وذكره أبو صالح بن عمار فقال: لئن علا بحظ لقد انحطّ بحق. وذكره سعيد بن حميد فقال: إذا أصاب أحجم، وإذا أخطأ صمم.
أخبار أبي بكر المعروف بسيبويه
وكان في هذا العصر بمصر أبو بكر المعروف بسيبويه ناقلة البصرة يُشْبِهه في حضورِ جوابِه وخطابِه، وحُسْن عبارته، وكَثْرَة رِوَايته، وكان قد تناول البلاذُر؛ فعرضت له منه لوثة، وكان أكثرُ الناس يتبعونه ويكتبون عنه ما يقول.
قال يوماً للمصريين: يا أهل مصر، أصحابنا البغدادِيون أحزَمُ منكم، لا يقولون بالولد، حتى يتَّخِذوا له العُقَد والعُدَد؛ فهم أبداً يعتزلون. ولا يقولون باتخاذ العَقَار خوفاً أن يملِكَهم سوءُ الجوار؛ فهم أبداً يكنزون. ولا يقولون باتخاذ الحرائر خوفاً أن تتوقَ نفسُهم إلى السَّرَارِي؛ فهم أبداً يتسرَّرُون. ولا يقولون أبداً بإظهار الغنى في مكان عُرفوا بالفقر؛ فهم أبداً يسافرون.
ووقف يوماً بالجامع وقد أخذت الخلق مأخَذَها، فقال: يا أهل مصر، حيطانُ مقابر أنفعُ منكم، يُستَنْزَهُ بها من التعب، ويُسْتَدْفَأُ بها من الريح، ويُسْتَظَلُّ بها من الشمس. والبهائم خيرٌ منكم تُمْتَطى ظهورُها، وتُحْتذى جلودها، وتؤكل لحومُها.
وكان أبو الفضل بن خنزابَه الوزير، ربّما رفع أنفَه ييهاً، فقال له سيبويه، وقد رآه فعل ذلك: أشمَّ مني الوزيرُ رائحةً كريهة فشمر أنفَه، فأطرق وإستعمل النهوض، فخرج سيبويه، فقال له الرجل: من أينَ أقبلت؟ فقال: من عند الزَاهِي بنفسه، المدلّ بفرسه، المستطيل على أبناء جِنْسه.
واستأذن على مسلم بن عبيد الله العلوي، ومسلم من أهل الحجاز نزل مصر، فحجب عنه، فقال: قولوا له: يرجع إلى لبس العباء، ومَصِّ النوى، وسُكْنى الفَلا، فهو أشبَهُ به من نعيم الدنيا.
وكان على شرطِ كافور الإخشيدي أحدُ الخاصَّةِ؛ فوجد عليه سيبويه في بعض الأمرِ، فعزل عن الشرطة، فوليها رَكى صاحب الراضي، فلم يحمده أيضاً، فوقف لكافور وهو مارّ إلى الصلاة يوم الجمعة، فقال: أيها الأستاذ، ولَيت ظالماً، وعزلْتَ ظالماً، قليل الوفاء، كثير الجفاء، غليظ القَفا. فتبسّم ابن بُرك البغدادي، وكان يسايرُ كافوراً، فقال: وهذا ابن برك ممن يغرّك، لن ينفعك ولن يضرَّك.

(1/331)


وأخلئ الحمام لمفلح الحسيني، فأتى سيبويه ليدخلَ، فمُنِع، وقيل: الأمير مفلحٌ به، فقال: لا أنقى الله مغسولَه، ولا بلّغه سُولَه، ولا وقّاه من العذاب مَهُولُه، وجلس حتى خرج، فقال: إن الحمام لا يُخلى إلاَّ لأحدِ ثلاثة: مبتلًى في قُبله، أو مبتلًى في دُبره، أو سلطان يخافُ من شرِّه، فأي الثلاثة أنت. قال: أنا المقدَّم.
وأحضره أبو بكر بن عبد اللّه الخازن فقال: قد بلغني بَذَاءُ لسانِك، وقبيحُ معامَلتك للأشراف، فاحذَرْ أن تعودَ فينالَكَ مني أشدُّ العقوبة؛ فخرج متحزناً، فكان الولدان يتولّعون به ويذكرون له الخازِنَ، فيشتدّ عليه ذلك، فينصرف ولا يكلّمهم؛ فمرّ به رجل يكنى أبا بكر من ولد عقبة بن أبي مُعَيْطٍ، وغلامٌ قد ألحَّ عليه بذلك، فضحك المعيطي، فقال للغلام: ضرب الله عنق الخازن كما ضرب النبي، صلى الله عليه وسلم، عنق عقبة بن أبي معيط على الكُفْر، وضرب ظَهْرَ أبيك بالسوط كما ضرب عليّ بن أبي طالب بأمر عثمان، رضي الله عنهما، ظهر الوَليد بن عقبة على شُرْب الخمر، وألحقك يا صبيّ بالصِّبْيَة، يريد قولَ النبي، صلى الله عليه وسلم، وقد قال له عقبة لمَا أمر النبي، صلى الله عليه وسلم، علياً، رضي الله عنه، بقَتْلِه: " فمَنْ للصِّبية يا رسول الله؟ " قال: " النارُ لك ولهم " ، فانصرف المعيطي وبَطْنُ الأرضِ أحبُّ إليه من ظَهْرِها.
رَجْع إلى أبي العيناء
وقال أبو العيناء: أنا أولُ من أظهر العقوقَ لوالديه بالبَصرة، قال لي أبي: إنَ اللَّهَ قد قَرَن طاعتَه بطاعتي، فقال تعالى: " أَنِ اشْكُرْ لي ولوالديك " فقلتُ: يا أبت، إن الله تعالى قد أمِنني عليك ولم يأمنك عليّ، فقال تعالى: " ولا تَقْتُلُوا أَولادَكُمْ خَشْيَةَ إِملاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وإيّاكُم " .
وقال أعرابي لأبيه: يا أبت، إن كبيرَ حقّك لا يبطل صغير حفِّي عليك، والذي تَمُتّ به إليّ أمتّ بمثله إليك، ولست أزعُمُ أنا سواء، ولكن لا يحلّ لك الاعتداءُ.
ودخل على عبيد الله بن سليمان فضمّه إليه، فقال: أنا إلى ضمّ الكفاية أحوجُ مني إلى ضَمّ اليدَيْن.
وقال له مرة: أنا معك مقبوض الظاهر، مرحوم الباطنِ.
قال أبو الطيب المتنبي: البسيط:
ماذا لَقيتُ من الدنيا وأَعْجَبها ... أني بما أَنا باكٍ منه محسودُ
وقال له رجل: يا مخنَّثُ، فقال: " وضَرَبَ لنا مَثَلاً ونَسِيَ خَلْقَهُ " .
وذكر أبو العيناء محمد بن يحيى بن خالد بن برمك، فقال: بأبي وأمي دَامَ الوَجْهُ الطلْقَ، والقول الحقّ، والوعد الصّدق، نيّته أفضلُ من علانيته، وفعلُه أفضل من قوله. وقال له المتوكل: ما أشدّ ما مرّ عليك من فَقْدِ بصرك؟ فقال: ما حُرِمْتُ منه من النظر إليك أيها الأمير! وقال لعبيد الله بن يحيى: مسَّنا وأهلنا الضرّ، وبضاعتُنا الحمدُ والشكر، وأنت الذي لا يخيب عنده حرّ. وقال له يوماً: قد اشتدَّ الحجاب، وفحش الحرمان، فقال: ارفق يا أبا عبد الله، فقال: لو رفق بي فعلُك لرفق بك قولي! وقال له: أيها الوزير، إذا تغافل اهلُ التفضّل هلك أهل التجمّل. وذم رجلاً فقال: لا يعرفُ الحقَّ فينصره، ولا الباطلَ فيُنكِره. وقيل له: ما أَبلغ الكلام؟ فقال: ما أسكَت المُبْطِل، وحَيّر المحق. وقيل له: مات الحسن بن سهل، فقال: واللّه لئن أتعب المادِحينَ، لقد أطال بكاء الباكين، واللّه لقد أصِيب بموتِه الأنام، وخرست بفقده الأقلام.
باب الرثاء
قال أشجع بن عمرو السُّلمي: الطويل:
مضى ابنُ سعيدٍ حين لم يَبْقَ مَشْرِق ... ولا مغربٌ إلاَّ له فيه مادِحُ
وما كنتُ أَدْرِي ما فواضل كفّه ... على الناس حتى غيّبَتْه الصفائحُ
فأصبح في لَحدٍ من الأرض ميّتاً ... وكانت بِه حياً تضيق الصحاصِحُ
كأن لم يمت ميتٌ سواك ولم تَقمْ ... على أحدٍ إلا عليك النوائحُ
فما أنا من رُزءٍ وإن جَلَّ جازع ... ولا بسرورٍ بعدَ موتِكَ فَارحُ
لئن حَسُنَتْ فيك المراثي وذكرُها ... لقد حسُنَتْ من قَبْلُ فيك المدائحُ
سأَبكيك ما فاضَت دموعي، فإن تَغِض ... فحسبُك مني ما تُكِنُّ الجوانِحُ

(1/332)