صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : خزانة الأدب
المؤلف : عبد القادر البغدادي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

فقال أبوه: أمك طالق إن تغدينا، أو تعشينا إلا على هذين البيتين.
ولكنه قال: شغب قد تقدم ذكره وتحديده في رسم بدا. والذي قاله في بدا: أنه موضع بين طريق مصر والشام.
قال كثير:
وأنت التي حببت شغباً إلى بدا ... ... ... .. ... ... .. البيت
وشغب: منهل بين طريق مصر والشام أيضاً.
قال جميل: الطويل
ألا قد أرى أن لا بثينة ترتجى ... بوادي بداً ولا بحسمى ولا شغب
وقد ورد بدا في شعر زيادة بن زيد ممدوداً، فلا أدري أمده ضرورة أم فيه لغتان. قال: الطويل
وهم أطلقوا أسرى بداء وأدركوا ... نساء ابن هند حين تهدى لقيصرا
هذا ما ذكره. وهو لا يناسب شعر ابن السائب ولا شعر جميل، فإنه عذري.
ولم يزد ابن ولاد والقالي في المقصور والممدود لهما على قولهما: بدا: اسم موضع، مقصور، يكتب بالألف. يقال: بين شغب وبدا. وأنشد البيت الشاهد. والله أعلم.
وترجمة كثير عزة تقدمت في الشاهد الثالث والسبعين بعد الثلثمائة.
وأنشد بعده،
الشاهد الثامن والسبعون بعد السبعمائة
الطويل
فلا تتركني بالوعيد كأنني ... إلى الناس مطلي به القار أجرب
على أنه قيل إلى فيه بمعنى في، والوجه أن تكون على أصلها للانتهاء؛ لأن قوله: مطلي به القار، معناه مكره مبغض. وهو يتعدى بإلى.
وهذا توجيه ابن عصفور، قال في كتاب الضرائر: إنما وقعت فيه إلى موقع في، لأنه إذا كن بمنزلة البعير الأجرب المطلي الذي يخاف عدواه فيطرد عن الإبل، إذا أراد الدخول بينها، كان مبغضاً إلى الناس، فعومل مطلي كذلك معاملة مبغض.
وقال في موضع آخر: هو على تضمين مطلي معنى مبغض. ولو صح مجيء إلى بمعنى في لجاز زيد إلى الكوفة. اه؟.
وقال بعضهم: إلى متعلقة بمحذوف، أي: مطلي بالقار مضافاً إلى الناس، فحذف وقلب الكلام. ولا يخفى سماجته.
والوعيد: التهديد. والقار هنا: القطران. وإنما شبه نفسه بالبعير الأجرب المطلي بالقطران، لأن الناس يطردونه، إذا أراد الدخول بين إبلهم، لئلا يعرها بالقطران، ويعديها بدائه.
والقار نائب فاعل مطلي، وبه متعلق بمطلي. والأصل مطلي بالقار، فمرفوع مطلي، هو المستتر، لكنه قلب. وقيل: روي: القار بالجر على أنه بدل من ضمير به، فلا قلب.
والبيت من قصيدة للنابغة الذبياني يعتذر بها إلى النعمان بن المنذر اللخمي في شيء اتهم به عنده، فهرب منه إلى ملوك الشام بني جفنة الغسانيين كما تقدم بيانه في ترجمته، واعتذر إليه بعدة قصائد في انضمامه إلى بني جفنة، والتبري مما رمي به، أوله: الطويل
؟أتاني أبيت اللعن أنك لمتني ... وتلك التي أهتم منها وأنصب
إلى أن قال:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مطلب
لئن كنت قد بلغت عني جناية ... لمبلغك الواشي أغش وأكذب
ولكني كنت امرأ لي جانب ... من الأرض فيه مستراد ومذهب
ملوك وإخوان إذا ما أتيتهم ... أحكم في أموالهم وأقرب
كفعلك في قوم أراك اصطنعتهم ... فلم ترهم في شكر ذلك أذنبوا
فلا تتركني بالوعيد كأنني ... إلى الناس مطلي به القار أجرب
ألم تر أن الله أعطاك سورة ... ترى كل ملك دونها يتذبذب
فإنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب
فلست بمستبق أخاً لا تلمه ... على شعث أي الرجال المهذب
فإن أك مظلوماً فعبد ظلمته ... وإن تك غضباناً فمثلك يعتب
وقوله: أبيت اللعن، جملة دعائية، اعتراض بها بين الفعل وفاعله، يخاطبون الملوك بها تحية. ومعناه أبيت أن تفعل شيئاً تلعن به.
قال ابن الأنباري في شرح المفضليات: أي: أبيت أن تأتي من الأخلاق المذمومة ما تلعن به.
وكانت هذه تحية ملوك لخم وجذام، وكانت منازلهم الحيرة وما يليها. وتحية ملوك غسان: يا خير الفتيان. وكانت منازلهم الشام.
وتلك: إشارة إلى الملامة المفهومة من لمتني، إذ المعنى: أتتني ملامتك إياي. وأهتم أصير ذا هم. وأنصب: مضارع نصب كفرح، أي: أتعب وأعيا.
وقوله: حلفت قسم، وجوابه: لئن كنت، وما بينهما اعتراض.

(3/411)


والريبة: الشك، وجملة: وليس وراء الله ... إلخ، جملة مؤكدة لمضمون ما قبلها؛ فإنه إذا لم يكن وراء الله مطلب لأحد لم يحلف بأعظم منه فكيف يحلف به كاذباً.
وهذا البيت وما بعده من الأبيات الأربعة، استشهد به أهل البديع على النوع المسمى عندهم بالمذهب الكلامي، وهو إيراد حجة للمطلوب على طريقة أهل الكلام.
والجناية: الذنب. والوشي: النمام. وغشه: لم يخلص له النصح. ولي جانب من الأرض صفة امرأ، وفيه إعادة الضمير الرابط ضمير تكلم. وأراد بالجانب أرض الشام.
والمستراد: موضع يتردد فيه لطلب الرزق. وملوك وإخوان: بدل من مستراد ومذهب، أو بتقدير: فيه ملوك وإخوان. ومعنى أحكم: أتصرف في أموالهم كيف أشاء.
وقوله: كفعلك ... إلخ، قال الأصمعي: يريد كما فعلت أنت بقوم قربتهم وأكرمتهم، فتركوا الملوك ولزموك، فلم تر ذلك ذنباً عليهم. وقوله: في مثل ذلك، أي: في زيارتك والوفادة إليك.
والسورة بالضم: المنزلة الرفيعة والشرف. وبالبيت استشهد البيضاوي لمعنى السورة. وملك بسكون اللام: لغة في كسرها. ويتذبذب: يضطرب.
وقوله: فإنك شمس قال المبرد: هذا من أعجب التشبيه.
وأراد بهذا البيت والذي قبله، تسلية النعمان عما حصل عنده من مدحه آل جفنة، ثم كر معتذراً عن زلته، فقال: ولست بمستبق أخاً إلخ، يقول: أي الرجال يكون مبراً من العيوب؟ فإن قطعت إخوانك بذنب لم يبق لك أخ. وتلمه: تصلحه وتصلح ما تشعث من أمره وفسد.
والبيت استشهد به علماء البيان للتذييل، وهو تعقيب الكلام بجملة تشتمل على معناه، للتوكيد.
وقوله: فإن أك مظلوماً، أي: باستمرار غضبك علي. جعل غضبه ظلماً له، لأنه عن غير موجب. فأنت إنما ظلمت عبداً من عبيدك، وليس لأحد اعتراض فيه.
وقوله: وإن تك غضباناً ... إلخ، روي أيضاً: وإن تك ذا عتبى فمثلك يعتب بالبناء للمفعول، أي: يرجع له إلى ما يحب. ويقال: لك العتبى، أي: الرجوع إلى ما تحب. وقيل: يعتب بالبناء للفاعل، أي: يعطي العتبى، يقال: أعتبه إذا أعطاه الرضا، وهو العتبى.
وترجمة النابغة تقدمت في الشاهد الرابع بعد المائة.
وأنشد بعده،
الشاهد التاسع والسبعون بعد السبعمائة
الطويل
وإن يلتق الحي الجميع تلاقني ... الى ذروة البيت الكريم المصمد
على أن إلى فيه على أصلها، وهي مع مجرورها حال من الياء في تلاقني، متعلقة بمحذوف تقديره: تلاقني منتسباً إلى ذروة البيت ... إلخ.
وليست هنا بمعنى في كما قيل، حكاه ابن السراج، قال في الأصول: وقالوا في قول طرفة:
وإن يلتق الحي الجميع تلاقني إلخ
إن إلى بمعنى في.
وما ذهب إليه الشارح المحقق هو قول الزوزني شارح المعلقات في شرح هذا البيت، يقول: وإن اجتمع الحي للافتخار تلاقني أنتهي إلى ذروة البيت الشريف، أي: إلى أعلى الشرف. يريد أنه أوفاهم حظاً من الحسب، وأعلاهم سهماً من النسب.
وقوله: تلاقني إلى، يريد: أعتزي إلى ذروة، فحذف الفعل لدلالة الحرف عليه. اه؟.
وكذا في شرح أدب الكاتب لابن السيد البطليوسي، قال: قيل معناه في ذروة. وهذا لا يلزم، لأنه يمكن أن يريد آوياً إلى ذروة كما قال تعالى: سآوي إلى جبل يعصمني من الماء، فلا حجة فيه.
وقال الأعلم الشنتمري في شرح المعلقة: يقول: إذا التقى الحي الجميع بعد افتراقهم وجدتني في موضع الشرف منهم، وعلو المنزلة.
وقوله: إلى ذروة، أي: في ذروة البيت. وذروة كل شيء: أعلاه. والمصمد: الذي يصمد إليه الناس لشرفه، ويلجؤون إليه في حوائجهم. والصمد: القصد. اه؟.
وقال ابن السكيت في شرح ديوان طرفة، أي: إذا التقى الحي الجميع الذين كانوا متفرقين، وجدتني في الشرف.
وقال أبو جعفر النحاس، والخطيب التبريزي: يريد: وإن يلتق الحي للمفاخرة وذكر المعالي تجدني معهم.
قال أبو الحسن: معنى إلى ذروة أي: مع ذروة، وهو تمثيل. وإنما يريد بالبيت هاهنا الأشراف الذين يقصدون، فشبههم هاهنا بالبيت الرفيع. اه؟.
فهذا معنى ثالث لإلى في البيت.
وهو من معلقة طرفة بن العبد. وقبله: الطويل
ولست بحلال التلاع مخافة ... ولكن متى يسترفد القوم أرفد
فإن تبغني في حلقة القوم تلقني ... وإن تقتنصني في الحوانيت تصطد
؟متى تأتني أصبحك كأساً روية وإن كنت عنها ذا غنى فاغن وازدد

(3/412)


وإن يلتق الحي الجميع تلاقني ... ... ... ... ... ... ... البيت
نداماي بيض كالنجوم وقينة ... تروح علينا بني برد ومجسد
رحيب قطاب الجيب منها رفيقة ... بجس الندامى بضة المتجرد
قوله: ولست بحلال التلاع ... إلخ، تقدم شرحه مع الذي بعده في الشاهد السادس والتسعين بعد الستمائة.
وكذلك تقدم شرح قوله: نداماي بيض مع البيت الذي بعده في الشاهد الواحد بعد الثلثمائة، وفي الشاهد الذي بعد الثاني عشر والستمائة.
وقوله: متى تأتني أصبحك ... إلخ، في الصحاح: الصبوح: الشرب بالغداة، وهو خلاف الغبوق. تقول: صبحته صبحاً. اه؟.
يقول: أسقك صبوحاً. والرواية: المروية. والكأس: الخمر في الإناء، وهي الإناء أيضاً إذا كان فيه خمر. ومعنى فاغن وازدد: فاغن بما عندك، أي: استغن به، وازدد غنى.
وترجمة طرفة تقدمت في الشاهد الثاني والخمسين بعد المائة.
وأنشد بعده: الكامل
ألقى الصحيفة كي يخفف رحله ... والزاد حتى نعله ألقاها
تقدم شرحه مستوفى في الشاهد السابع والخمسين بعد المائة، من باب الاشتغال.
وأنشد بعده،
الشاهد الثمانون بعد السبعمائة
الطويل
وأكفيه ما يخشى وأعطيه سؤله ... وألحقه بالقوم حتاه لاحق
على أن المبرد زعم أن حتى هنا جرت الضمير. وليس كذلك، وإنما حتى هنا ابتدائية، والضمير أصله هو، فحذف الواو ضرورة كما تقدم بيانه في شرح قول: الطويل
فبيناه يشري رحله قال قائل
أي: بينا هو يشري رحله، في الشاهد الثمانين بعد الثلثمائة فحتى حرف ابتداء داخلة على الجملة، وهو الضمير المحذوف واوه ضرورة، في محل رفع على الابتداء، ولاحق خبره. ولو كانت حرف جر، لم يكن لذكر لاحق بالرفع وجه.
ولم يتنبه لهذا صاحب اللب، وإنما قال: واختصت بالظاهر خلافاً للمبرد. و:
ألحقه بالقوم حتاه لاحق
لا يعتد به. قال شارحه السيد: لندوره وشذوذه، ولو أورد البيت الثاني لكان مناسباً.
وما ذهب إليه الشارح المحقق هو قول ابن عصفور في الضرائر، قال: ومنه حذف الياء من هي، والواو من هو، نحو:
دار لسعدى إذه من هواكا
أي: إذ هي. وقول الآخر:
وألحقه بالقوم حتى لاحق
وقول العجير: ؟فبيناه يشري رحله قال قائل أي: حتى هو، وبينا هو، وحذفهما يؤدي إلى بقاء الضمير المنفصل على حرف واحد، وذلك قبيح، لأنه عرضة للابتداء، فلا اقل من أن يكون على حرفين: حرف يبتدأ به، وحرف يوقف عليه. اه؟.
وأكفيه: مضارع كفاه الشيء، متعد إلى مفعولين، بمعنى منعته الشيء. وما المفعول الثاني، موصولة، أو نكرة موصوفة. والسؤل: ما يسأل، مفعول ثان لأعطى.
وألحقه: مضارع ألحقه بكذا، أي: أتبعه به، فلحق هو به. وأما ثلاثيه، فيقال: لحقته ولحقت به، من باب تعب لحقاً بالفتح: أدركته، يتعدى تارة بنفسه، وتارة بالباء. كذا في المصباح. وصلة لاحق في البيت محذوف، تقديره: حتى هو لاحق بهم.
والبيت لم أقف على خبر له. والله أعلم.
وأنشد بعده،
الشاهد الحادي والثمانون بعد السبعمائة
الوافر
فلا والله لا يلقاه ناس ... فتى حتاك يا ابن أبي يزيد
على أن المبرد تمسك به على أن حتى تجر الضمير.
وأجاب الشارح المحقق بأنه شاذ. والأحسن أن يقول ضرورة، فإنه لم يرد في كلام منثور.
ولم يظهر لي معنى الغاية في حتى هنا. وفتى حال من الهاء، أو بدل منه. وروي: لا يلقى أناس ففتى مفعول يلقى.
وروى العيني: لا يلقي أناس بكسر الفاء، فأناس فاعله، وينظر أين: مفعولا ألفى، فإن ألفى من نواسخ المبتدأ والخبر.
وروى أيضاً آخره: يا ابن أبي زياد. ولم أقف له على خبر، والله أعلم.
والغاية في هذا البيت ظاهرة: الوافر
أتت حتاك تقصد كل فج ... ترجي منك أنها لا تخيب
وهو من أبيات مغني اللبيب.
ثم رأيت في شرح التسهيل لأبي حيان وقد أنشد بيت:
فتى حتاك يا ابن أبي يزيد
أنه قال: وانتهاء الغاية في حتاك لا أفهمه، ولا أدري ما عنى بحتاك فلعل هذا البيت مصنوع. اه؟.
وأنشد بعده،
الشاهد الثاني والثمانون بعد السبعمائة
وهو من شواهد س: الطويل
فوا عجبا حتى كليب تسبني ... كأن أباها نهشل أو مجاشع

(3/413)


على أن حتى فيه ابتدائية، وفائدتها هنا التحقير.
أنشده سيبويه، وقال: فحتى هنا بمنزلة إذا، وإنما هي هاهنا كحرف من حروف الابتداء.
وقال الأندلسي في شرح المفصل: يقع بعدها الجملة الفعلية والاسمية. وتسمى حرف ابتداء، وتفيد معناها الذي هو الغاية، إما في التحقير، أو في التعظيم، كما في بيت الفرزدق:
فوا عجبا حتى كليب تسبني
أي: تعجبوا لسب الناس إياي، حتى كليب، كأنه يقول: كل الناس تسبني حتى كليب على حقارتها. ولو خفض هنا كليب لجاز، ويكون تسبني إما حال من كليب، أو مستأنف، وحتى كليب متعلق به.
قال ابن المستوفي بعد أن نقله: قوله أي تعجبوا في تفسير واعجبا، غير صحيح لأنه ينادي العجب على ما ذكره العلماء تأدباً لا يأمر أحداً به.
وقوله: ولو خفض كليب هنا لجاز محال، لان الخفض بعد حتى إما أن يكون بالعطف على المجرور قبلها، أو يكون بمعنى إلى، ولا مجرور قبلها فتعطف عليه. وليست بمعنى الغاية إذ ليس ما قبلها مفرداً من جنس ما بعدها. فبقي الرفع لا غير. وذكر قسميها في التعظيم والتحقير. ولم يأت إلا بالتحقير.
وقوله: ويكن تسبني، إما حال من كليب أو مستأنف بالرفع فيهما، وصوابه: النصب فيهما. ولا أعلم ما أراد بقوله: وحتى كليب متعلق به. اه؟.
أقول: أما فوا عجبا فقد روي أيضاً: فيا عجباً بتنوين وبدنه.
أما الأول فيحتمل أن يكون عجباً منادى منكراً، ويحتمل أن يكون يا حرف تنبيه، وعجباً مصدر منصوب بفعل محذوف، ي: تعجبوا عجباً. ويحتمل أن تكون يا حرف نداء، والمنادى محذوف، أي: يا قوم، وعجباً كذلك.
فكلام الأندلسي جار على كل من هذين الوجهين. وأما الثاني فإنه أراد: فيا عجبي، فقلب ياء المتكلم ألفاً، وهي لغة.
وأما قوله: خفض كليب محال.... إلخ، فنقول: هي جارة، والمغيا غير مذكور، والتقدير: فوا عجباً الناس تسبني حتى كليب. وهذا المذكور لا بد منه في الابتدائية أيضاً.
وقوله: ولم يأت إلا بالتحقير نقول: لا يضر ذلك. ومثال التعظيم: ؟حتى ماء دجلة أشكل البيت الآتي وقوله: صوابه النصب فيهما يعني أنه يجب أن يقول: ويكون يسبني إما حالاً من كليب، أو مستأنفاً بنصبهما، لأنه خبر كان، وكأنه رفع على تقدير يكون، إما تامة أو زائدة.
وقوله: لا أعلم ما أراد بقوله: وحتى كليب متعلق به أقول: إنه يريد أن حتى الجارة تكون متعلقة بيسبني، إذ كل جار لا بد له من متعلق. وهذا ظاهر.
قال ابن هشام في المغني: ولا بد من تقدير محذوف قبل حتى من هذا البيت، بكون ما بعد حتى غاية له، أي: فوا عجباً يسبني الناس حتى كليبٍ يسبني.
والبيت من قصيدة للفرزدق هجا بها جريراً، تقدم بعض منها في الشاهد السادس بعد السبعمائة.
وقوله: فوا عجباً هو من قبيل الندية للتوجع، كأنه يقول: أنا أتوجع لعدم حضورك يا عجبي، فاحضر لهذا الأمر الذي يتعجب منه.
وكليب: جد رهط جرير، وهو جرير بن عطية بن الخطفى بن بدر بن سلمة بن كليب بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم. ويجتمع مع الفرزدق في حنظلة بن مالك.
ونهشل ومجاشع أخوان، ابنا دارم بن مالك بن حنظلة. ومجاشع قبيلة الفرزدق، وهي أشرف من كليب. وأما نهشل فهم أعمام الفرزدق لا آباؤه، وإن كانت العرب تسمي العم أباً. جعلهم في الصفة بحيث لا يسبون مثله لشرفه.
يقول: يا عجباً لسب الناس إياي حتى كليب على ضعفها في القبائل، وبعدها من الفضائل، كأنه لها أباً كريماً، وحسباً صميماً، كما لنهشل ومجاشع. والسَّبُّ: الشتم. والسِّبُّ، بالكسر: الذي يسابك وتسابه.
قال حسان بن ثابت: الخفيف
لا تسبني فلست بسبي ... إن سبي من الرجال الكريم
قال ابن طلحة الإشبيلي في شرح جمل الزجاجي: كأن للتشبيه، وقد يجيء في ضمنها الظن والتوهم كما قال الشاعر:
كأن أباها نهشل أو مجاشع
المعنى: توهمت أباها نهشلاً أو مجاشعاً. ولو بقيت على معنى التشبيه من غير أن تضمن معنى الظن لانقلب الهجو على الهاجي. اه؟.
وترجمة الفرزدق تقدمت في الشاهد الثلاثين.
وأنشد بعده،
الشاهد الثالث والثمانون بعد السبعمائة
الطويل
فما زالت القتلى تمج دماءها ... بدجلة حتى ماء دجلة أشكل

(3/414)


على أن فائدة حتى الابتدائية هنا التعظيم والمبالغة، وهو تغير ماء دجلة من كثر دماء القتلى، حتى صار أشكل، وهو حمرة مختلطة ببياض. الشكلة كالحمرة وزناً ومعنى، لكن يخالطها بياض. وهو مأخوذ من أشكل الأمر، أي: التبس.
فإن قلت: أين ما اشترط الشارح المحقق من كون خبر المبتدأ بعد حتى من جنس الفعل المقدم عليها؟ قلت: ما قبل حتى في قوة قوله: فما زالت القتلى تغير ماء دجلة بالدماء.
والقتلى: جمع قتيل. وتمج: تقذف، يتعدى إلى مفعول واحد، يقال: مج الرجل الماء من فيه مجاً، من باب قتل:: رمى به. ويروى بدله: يمور دماؤها مضارع مار الدم: سال. ومار الشيء: تحرك بسرعة. ومار: تردد في غرض. ومار البحر: اضطرب، فهو فعل لازم، ودماؤها فاعله.
قال صاحب المصباح: ويعدى بنفسه وبالهمزة أيضاً، فيقال: ماره، وأماره، إذا أساله. فعلى هذا يجوز نصب دماءها به على أنه متعد. ودجلة بفتح الدال وكسرها: النهر الذي يمر ببغداد، لا ينصرف للعلمية والتأنيث. والباء بمعنى في.
والبيت من قصيدة لجرير هجا بها الأخطل، وذكر ما أوقعه الجحاف ببني تغلب، قال بعد أبيات: الطويل
بكى دوبل لا يرقئ الله دمعه ... ألا إنما يبكي من الذل دوبل
جزعت ابن ذات القلس لما تداركت ... من الحرب أنياب عليك وكلكل
فإنك والجحاف يوم تحضه ... أردت بذاك المكث والورد أعجل
سما لكم ليلاً كأن نجومه ... قناديل فيهن الذبال المفتل
فلما ذر قرن الشمس حتى تبينوا ... كراديس يهديهن ورد محجل
فقد قذفت من حرب قيس نساؤهم ... بأولادها منها تمام ومعجل
ومقتولة صبراً ترى عند رجلها ... بقيراً وأخرى ذات بعل تولول
وقد قتل الجحاف أزواج نسوة ... يسوق ابن خلاس بهن وعزهل
تقول لك الثكلى المصاب حليلها ... أبا مالك ما في الظعائن مغزل
حضضت عن القوم الذين تركتهم ... تعل الردينيات فيهم وتنهل
؟عقاب المنايا تستدير عليهم ... وشعث النواصي لجمهن تصلصل
بدجلة إذ كروا وقيس وراءهم ... صفوفاً وإن راموا المخاضة أو حلوا
فما زالت القتلى تمج دماءها ... بدجلة حتى ماء دجلة أشكل
فإن لا تعلق من قريش بذمة ... فليس على أسياف قيس معول
لنا الفضل في الدنيا وأنفك راغم ... ونحن لكم يوم القيامة أفضل
وقد شققت يوم الحروب سيوفنا ... عواتق لم يثبت عليهن محمل
أجار بنو مروان منهم دماءكم ... فمن من بني مروان أعلى وأفضل
وينبغي أن نقدم أولاً سبب ما أوقعه الجحاف ببني تغلب، ثم نشرح الأبيات، فنقول: إن عمير بن الحباب السلمي، خرج على عبد الملك في أول خلافته فاجتمعت إليه قيس وعامر، وكان نازلاً في القرب من بني تغلب قبيلة الأخطل، وكانت منازلهم بين الخابور والفرات ودجلة، فأساء المجاورة مع تغلب، فوقع بينهم شر، فما زال الحرب بينهم سجالاً إلى أن قتل بنو تغلب عميراً، وأرسلوا برأسه إلى عبد الملك، في سنة سبعين من الهجرة، فأنعم عبد الملك على الوفد وكساهم.
ثم إن الأخطل وفد على عبد الملك فدخل عليه الجحاف بن حكيم السلمي فقال عبد الملك: أتعرف هذا يا أخطل؟ قال: ومن هو؟ قال: الجحاف. فقال الأخطل: الطويل
؟ألا سائل الجحاف هل هو ثائر ... بقتلى أصيبت من سليم وعامر
حتى فرغ من القصيدة، وكان الجحاف يأكل رطباً فجعل النوى يتساقط من يده غيظاً، ثم أجابه، فقال: الطويل
بلى سوف نبكيهم بكل مهند ... ونبكي عميراً بالرماح الشواجر
ثم قال: يا ابن النصرانية! ما ظننتك تجترئ علي بمثل هذا، ولو كنت مأسوراً لك! فحم الأخطل خوفاً. فقال عبد الملك: أنا جارك منه. فقال: يا أمير المؤمنين، هبك أجرتني منه في اليقظة فمن يجيرني منه في النوم؟

(3/415)


ثم قام الجحاف، ومشى يجر ثوبه وهو لا يعقل حتى دخل بيتاً من بيوت الديوان، فقال للكاتب: أعطني طوماراً من طوامير العهود فأتاه بطومار وليس فيه كتاب، فخرج إلى أصحابه من القيسية، فقال: إن أمير المؤمنين ولاني صدقات بكر وتغلب.
فلحقه زهاء ألف فارس، فسار حتى أتى الرصافة، ثم قال لمن معه: إن الأخطل قد أسمعني ما علمتم، ولست بوال، فمن كان يحب أن يغسل عنه العار، فليصحبني فإني قد آليت أن لا أغسل رأسي حتى أقع ببني تغلب.
فرجعوا غير ثلثمائة، فسار ليلته فصبح الرحوب، وهو ماء لبني جشم بن بكر رهط الأخطل فصادف عليه جماعة كثيرة من تغلب، فقتل منهم مقتلة عظيمة، وأخذ الأخطل وعليه عبائة وسخة، فظنوه عبداً، وسئل، فقال: أنا عبد! فخلوا سبيله، فخشي أن يراه من يعرفه، فرمى بنفسه في جب فلم يزل فيه، حتى انصرفت القيسية فنجا، وقتل أبوه غوث، وأسرف الجحاف في القتل، وشق البطون عن الأجنة، وفعل أمراً عظيماً. فلما عاد عنهم قدم الأخطل على عبد الملك، فأنشده: الطويل
لقد أوقع الجحاف بالبشر وقعة ... إلى الله منها المشتكى والمعول
والبشر، بكسر الموحدة وسكون المعجمة: اسم ماء. فطلب عبد الملك الجحاف فهرب إلى الروم، فكان يتردد فيها، ثم بعث إلى بطانة عبد الملك من قيس، فطلبوا له الأمان فآمنه، فلما جاء ألزمه ديات من قتل، وأخذ منه الكفلاء، فسعى فيها حتى جمعها وأعطاها.
ثم تنسك الجحاف وصلح، ومضى حاجاً فتعلق بأستار الكعبة، وجعل يقول: اللهم اغفر لي، وما أظنك تفعل! فسمعه محمد بن الحنفية، فقال: يا شيخ، قنوطك شر من ذنبك!.
ومن هنا نرجع إلى شرح الأبيات. فقوله: بكى دوبل هو اسم الأخطل. قال شارحه: كان الأخطل يلقب به صغيراً. وبكاؤه لقوله:
لقد أوقع الجحاف بالبشر وقعة ... ... ... ... ... البيت
وابن منادى. والقلس بفتح القاف: حبل ضخم من ليف أو خوص، أراد به زنار النصارى. والجحاف بفتح الجيم وتشديد الحاء المهملة. وتحضه: تحثه. يقال: حضه على الأمر، أي: حمله عليه. والمكث: البطء. والورد، بالكسر: الورود.
وذر قرن الشمس: طلعت. والكردوس بالضم: القطعة من الخيل العظيمة، والكراديس: الفرق منهم. يقال: كردس القائد خيله، أي: جعلها كتيبة كتيبة. ويهديهن: يدلهن ويقودهن. والورد: الأسد، عنى به الجحاف.
وأتمت الحبلى فهي متم، إذا تمت أيام حملها، وولدت لتمام، بفتح التاء وكسرها، وولد المولود لتمام كذلك. ومعجل: خلاف التمام.
والصبر: القتل أسراً. والبقير: المبقور، وهو الذي شق بطنه. وتولول: تصوت وتصيح.
وخلاس وعزهل: رجلان من قيس. والحليل: الزوج. وأبو مالك: كنية الأخطل. والظعائن: جمع ظعينة، وهي الهودج. والمغزل كجعفر، قال شارحه: من الغزل، وهو محادثة النساء واللعب. وإنما هزئ به. يقول: قد شغلك ما صنعت عن التغزل. اه؟.
والردينيات: الرماح. والنهل: الشرب الأول. والعلل: الشرب الثاني. وعقاب المنايا: الراية، شبهها بالعقاب. واللجم: جمع لجام. وتصلصل: تصوت. وأراد بشعث النواصي الخيل. وأوحلوا، بالبناء للفاعل، أي: وقعوا في الوحل.
وقوله: فإن لا تعلق استهزاء في معرض النصيحة، أي: إن لم تتعلق بذمة قريش، فلا طاقة لكم بسيوف قيس.
وقوله: لنا الفضل في الدنيا البيت، أورده ابن هشام في المغني على أن اللام تأتي بمعنى من، أي: ونحن أفضل منك. وشققت: قطعت. وعواتق: جمع عاتق، وهو ما بين المنكب والعنق. والمحمل، بكسر الميم الأولى: سيور السيف.
والمصراع الأخير تقديره: فمن أعلى، وأفضل من بني مروان.
وترجمة جرير تقدمت في الشاهد الرابع من أول الكتاب.
وأنشد بعده،
الشاهد الرابع والثمانون بعد السبعمائة
الكامل
بطل كأن ثيابه في سرحة
على أن في بمعنى على فيه، لأنه معلوم أن ثيابه ليست في جوف سرحة، وهي الشجرة العالية، وإنما هي على بدنه.
قال الشارح المحقق: والأولى أن تكون على بابها، لأن ثيابه إذا كانت عليها، فقد صار السرحة موضعاً لها.
وهذا المصراع صدر، وعجزه:
يحذى نعال السبت ليس بتوأم
والبيت من معلقة عنترة العبسي، وقبله:
ومشك سابغة هتكت فروجها ... بالسيف عن حامي الحقيقة معلم
ربذ يداه بالقداح إذا شتا ... هتاك غايات التجار ملوم

(3/416)


بطل كأن ثيابه في سرحة ... يحذى نعال السبت ليس بتوأم
فطعنته بالرمح ثم علوته ... بمهند صافي الحدية مخذم
لما رآني قد نزلت أريده ... أبدى نواجذه لغير تبسم
عهدي به مد النهار كأنما ... خضب البنان ورأسه بالعظلم
قوله: ومشك سابغة، بكسر الميم وفتح الشين المعجمة، قال الأعلم في شرح الأشعار الستة: أراد رب مشك درع سابغة.
والمشك: التي شك بعضها في بعض. والمشك: مسامير الدروع. والسابغة: الكاملة.
وقال الخطيب التبريزي: مشك الدرع: حيث يجمع جيبها بسير. وكانت العرب تجعل سيراً في جيب الدرع يجمع جيبها، فإذا أراد أحد الفرار، جذب السير فقطعه، واتسع الجيب فألقاها عنه وهو يركض. وقيل: الدرع التي شك بعضها إلى بعض. وقيل: المشك: المسامير التي تكون في حلق الدرع. ومن جعل المشك الدرع يكون من إضافة الصفة إلى الموصوف، وتأويله عند البصريين: ومشك حديدة سابغة. وهتكت: جواب رب.
وكذلك على قول من جعله بمعنى السير والمسامير، لأنهما من الدرع، فيصير الإخبار عن الدرع. وهتكت فروجها، أي: شققتها وخرقتها. وفروجها: جيبها وكماها، واحدها فرج، بفتح الفاء. وحامي الحقيقة، أي: يحمي ما يحق عليه أن يحميه. والمعلم: اسم فاعل من أعلم نفسه بعلامة، وهو الذي شهر نفسه بعلامة إدلالاً بشجاعته، وإعلاماً بمكانه.
وقال أبو جعفر: هو اسم مفعول، وكذلك المسوم، يقالان بالفتح. والسومة بالضم: العلامة. وقال الزوزني: المعلم بكسر اللام: الذي أعلم نفسه بعلامة يعرف بها في الحرب، حتى تبرز له الأبطال. والمعلم بفتح اللام: الذي يشار إليه ويدل عليه بأنه فارس الكتيبة.
يقول: ورب مشك درع، أي: رب موضع انتظام درع واسعة، شققت أوساطه بالسيف عن رجل حام، لما يجب عليه حفظه، شاهر نفسه في حومة الحرب، أو مشار إليه فيها. يريد أنه هتك مثل هذه الدرع على مثل هذا الشجاع، فما الظن بغيره؟؟! وقوله: ربذ يداه هو بالجر صفة لحامي الحقيقة. وكذا: هناك. والربذ، بفتح الراء المهملة وكسر الموحدة: السريع.
قال أبو جعفر والخطيب: لم يقل ربذة يداه، لأن اليد مؤنثة، ووجهه أن قوله: يداه بدل من الضمير المستتر في ربذ العائد إلى حامي الحقيقة، كما تقول: ضربت زيداً يده.
ومذهب الفراء في هذا أنه يجوز أن يذكر المؤنث في الشعر إذا لم يكن فيه علامة التأنيث. والقداح، هي سهام الميسر، جمع قدح بالكسر، أي: هو حاذق بالقمار والميسر، خفيف اليد بضرب القداح. وهذا كان مدحاً عند العرب في الجاهلية.
وقوله: إذا شتا يريد أنه إذا اشتد الزمان، وكان أشد الزمان عندهم زمن الشتاء، وكان لا ييسر فيه إلا أهل الجود والكرم.
وقوله: هناك غايات التجار هو جمع تجر، وهو جمع تاجر كما يجمع صاحب على صحب، وصحب على صحاب. وأراد بهم تجار الخمر. والغايات: علامات تكون للخمارين.
يقول: فهو يهتك رايات تجار الخمر، لأنه لا يترك شيئاً من الخمر إلا اشتراه وإذا فني ما عندهم رفعوا علاماتهم.
وقيل المعنى: أنه يعطيهم ما يطلبون في السوم بها. والملوم: الذي يكثر اللوم عليه في تبذير ماله.
وقوله: بطل كأن ثيابه .... إلخ، بطل بالجر صفة حامي الحقيقة، ويجوز رفعه على تقدير: هو بطل، وهو الشجاع الذي تبطل عنده شجاعة غيره. والسِّرحة، بفتح السين، وسكون الراء المهملتين فحاء مهملة: واحدة السِّرْح، وهو الشجر العظيم العالي.
يريد أنه طويل القامة، كامل الجسم، فكأن ثيابه على شجرة عالية. والعرب تمدح بالطول، وتذم بالقصر.
قال أثال بن عبدة بن الطبيب: الطويل
ولما التقى الصفان واختلف القنا ... نهالاً وأسباب المنايا نهالها
تبين لي أن القماءة ذلة ... وأن أعزاء الرجال طوالها
يرد أن القنا وردت الدم ولم تثن، وذلك أن الناهل الذي يشرب أول شربة، فإذا شرب ثانية فهو علل. وقوله: نهالها، أي: أول ما يقع منها يكون سبباً لما بعده.
وقال بعض بني العنبر: الطويل
فجاءت به عبل العظام كأنما ... عمامته بين الرجال لواء
وقال آخر: الطويل
أشم طويل الساعدين كأنما ... تناط إلى جذع طويل حمائله
ولسلم الخاسر: الطويل
يقوم مع الرديني قائماً ... ويقصر عنه طول كل نجاد

(3/417)


وقوله: يحذى نعال السبت يحذى بالحاء المهملة، والذال المعجمة على البناء للمفعول، ونائب الفاعل ضمير البطل. ونعال مفعول ثان له، أي: تجعل له النعال السبتية حذاء، بالكسر والمد.
في الصحاح: الحذاء: النعل. واحتذى: انتعل. وأحذيته نعلاً، إذا أعطيته نعلاً. والسبت بكسر السين المهملة وسكون الموحدة: الجلد المدبوغ بالقرظ ولم ينجرد من شعره.
قال أبو حنيفة الدينوري في النبات: الجلد ما لم يدبغ فهو محرم، وكذلك إذا دبغ فلم يبالغ فيه الدباغ ففيه تحريم. والفطير مثله، وهو الخام. وأجود ما يدبغ به الإهاب بأرض العرب القرظ، وهو يدبغ بورقه.
ويقال للذي يأخذه من شجره: القارظ، والذي يبيعه: القراظ. فما كان منها من جلود البقر خاصة فإن الأصمعي زعم أنه السِّبت. وما أبو عمرو فزعم أن كل جلد مدبوغ سِبْتٌ، بالقرظ أو بغيره.
وقد اختلف علينا في ذلك، فروى ما حكيناه عن الأصمعي عن أبي عمرو، وما ذكرناه عن أبي عمرو عن الأصمعي. وقال أبو زياد: السبت: جلود البقر. قال: ولا تقول للجلد سِبت حتى يصير حذاء، فذاك حين تنسبه إلى السبت فتقول: نعل سبتٍ ونعال سِبت.
وأنشد قول عنترة:
يحذى نعال السبت ليس بتوأم
وقال أبو زيد: نعل سبت، وهي من جلود البقر خاصة، وقال: السبت جلود البقر خاصة مدبوغة، ولا يقال لغير جلود البقر سبت، والجميع سبوت وأسبات. فأما ما كان من جلود الضأن خاصة فهو السلف، والواحدة سلفة، وهي أضعف من الماعز وألين.
وقال أبو زياد: خيرها ما دب بالقرظ، ثم الأرطى، ثم السلم. وشرها ما دبغ بالآلاء. وقال: الألاء شديد المرارة، شديد الخضرة، طيب الريح. انتهى ما أردنا منه.
وقول عنترة: يحذى نعال السِّبت يريد أنه من الملوك الذين يلبسون النعال السبتية الرقيقة الطيبة الريح. وهم يتمدحون بجودة النعال، كما يتمدحون بجودة الملابس.
قال النابغة: الطويل
رقاق النعال طيب حجزاتهم ... يحيون بالريحان يوم السباسب
أراد أنهم ملوك لا يخصفون نعالهم، إنما يخصفها من يمشي. والحجزة: الوسط. أراد أنهم يشدون أزرهم على عفة. والسباسب: يوم الشعانين. وأراد برقة النعال أن نعالهم ليست بمطبقة.
وقال النجاشي: الطويل
لا يأكل الكلب السروق نعالنا
إنما يأكل الكلب الفطير من النعال. وأما السِّبت فلا.
وقال كثير وذكر نعلاً : الطويل
إذا طرحت لا يطبي الكلب ريحها ... وإن طرحت في مجلس القوم شمت
أي: هي طيبة الريح ليست بفطير، لأن النعل إذا كنت غير مدبوغة، وظفر بها الكلب أكلها.
وقوله: ليس بتوأم يريد أنه لم يزاحمه أخ في بطن أمه فيكون ضعيف الخلقة.
والتوأم: الذي يكون مع آخر في بطن أمه. فنفى عنه ذلك ووصفه بكمال الخلق، وتمام الشدة والقوة.
يقول: هو بطل مديد القامة، كأن ثيابه ألبست شجرة عظيمة، من طول قامته واستواء خلقه، ويتخذ النعال من جلود البقر المدبوغة، ولم تحمله أمه مع غيره.
وقد بالغ في وصفه بالشدة والقوة بامتداد قامته، وعظم أعضائه، وتمام غذائه عند إرضاعه؛ إذ كان غير توأم.
وقوله: بمهند هو السيف الهندي. وقوله: صافي الحديدة، أي: مجلو صقيل. والمخذم، بكسر الميم والمعجمتين: القاطع، من خذمه، أي: قطعه.
وقوله: لما رآني قد نزلت ... إلخ، النواجذ: آخر الأضراس. ومعنى أبدى نواجذه، أي: كلح غيظاً علي. ويقال: بل كلح كراهة للطعن. وقيل: المعنى لما رآني قاصداً له كلح وكشر أسنانه، فصار كأنه متبسم.
وقيل: المعنى لما قتلته تقلصت شفتاه عن أسنانه فصرت إذا نظرت إليه كأنه يتبسم. يقول: لما نزلت عن فرسي أريد قتله كشر عن أسنانه غير متبسم. أي: لفرط كلوحه من كراهية الموت تقلصت شفتاه عن أسنانه.
وقوله: عهدي به، أي: مشاهدتي له وقد تخضب بدمه، فكأنه قد خضب بالعظم - كزبرج - وهو شجر يتخذ منه الوسمة. يقال: إنه الكتم. وإنما شبه الدم به لم انعقد وضرب إلى السواد. ويقال: عهدته أعهده عهداً، إذا لقيته. قال الخطيب: عهدي به مبتدأ، والخبر في الاستقرار.
وقوله: مد النهار بدل من الاستقرار، كما تقول: القتال اليوم، وكما تقول: عهدي قريباً؛ أي: وقتاً قريباً. إلا أنه يجوز في هذا أن تقول قريب، على أن تجعل القريب العهد. ومد النهار: ارتفاعه.

(3/418)


وروى: شد النهار بمعناه. ويريد بالبنان الأصابع. وروى بدله: اللبان بفتح اللام، وهو الصدر. يقول: رأيته طول النهار وامتداده بعد قتلي إياه وجفوف الدم عليه، كأن بنانه أو سدره ورأسه مخضوب بهذا النبت.
وترجمة عنترة تقدمت في الشاهد الثاني عشر من أوائل الكتاب.
وأنشد بعده،
الشاهد الخامس والثمانون بعد السبعمائة
الطويل
ويركب يوم الروع فيها فوارس ... بصيرون في طعن الأباهر والكلى
على أنه قيل إن في بمعنى الباء، أي: بصيرون بطعن الأباهر. والأولى أن تكون بمعناها، أي: لهم بصارة وحذق في هذا الشأن.
قال ابن عصفور في الضرائر: إنما عدي بصير بقي، لأن قولك: هو بصير بكذا، يرجع إلى معنى هو حكيم فيه، متصرف في وجوهه.
والبيت من أبيات تسعة لزيد الخيل الطائي، رواها أبو زيد في نوادره، وأبو العباس الأحول في شرح ديوان كعب بن زهير، وأبو علي القالي في ذيل الأمالي، وهي: الطويل
أفي كل عام مأتم تبعثونه ... على محمر عود أثيب وما رضا
تجدون خمشاً بعد خمش كأنه ... على فاجع من خير قومكم نعا
تحضض جباراً علي ورهطه ... وما صرمتي منهم لأول من سعى
ترعى بأذناب الشعاب ودونها ... رجال يردون الظلوم عن الهوى
ويركب يوم الروع فيها فوارس ... بصيرون في طعن الأباهر والكلى
فلولا زهير أن أكدر نعمة ... لقاذعت كعباً ما بقيت وما بقا
قد انبعثت عرسي بليل تلومني ... وأقرب بأحلام النساء من الردى
تقول: أرى زيداً وقد كان مقتراً ... أراه لعمري قد تمول واقتنى
وذاك عطاء الله في كل غارة ... مشمرة يوماً إذا قلص الخصى
وقوله: أفي كل عام ... إلخ، استفهام توبيخي. والمأتم، مهموز، وهو الجماعة من النساء يجتمعن لحزن أو فرح، والمراد هنا الحزن، ولهذا أعاد الضمير إليه من تبعثونه مذكراً.
وقال شراح أبيات الكتاب: الضمير عائد على محذوف، أي: أفي كل عام اجتماع مأتم؟ فيكون المأتم بالمعنى الأول.
ولهذا قال أبو زيد: أراد: أفي كل عام، حدوث مأتم؟ فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه. اه؟.
وإنما قال كذا لئلا يقع ظرف الزمان خبراً عن الجثة. وتبعثونه: تهيجونه وتحركونه. وروي بدله: تجمعونه.
والمحمر بكسر الميم الأولى، وفتح الثانية وسكون الحاء المهملة بينهما، قال أبو زيد: هو الفرس الذي يشبه الحمار، وهو أيضاً اللئيم من الرجال، أراد هنا أنه فرس هجين، أخلاقه كأخلاق الحمير، بطيء الحركة.
وعلى هنا تعليلية. والعود، بفتح العين المهملة، قال أبو زيد: هو المسن. وأثيب: جعل لنا ثواباً. والثواب: الجزاء.
وروى الجرمي:
على محمر ثوبتموه وما رضا
يقال: أثابه وثوبه، أي: أعطاه الثواب. ورضا، بضم الراء بمعنى رضي، فعل مجهول، وهو لغة طيئ، يكرهون مجيء الياء المتحركة بعد الكسرة، فيفتحون ما قبلها لتنقلب إلى الألف لخفتها. يقولون في بقي: بقا، وفي نعي: نعا كما هنا.
وهذا البيت استشهد به سيبويه على أن جملة تبعثونه: صفة لمأتم، ولهذا لم يعمل فيه.
يقول: إنكم تجمعون نساء ليبكين على فقد هذا الفرس الذي جعلتموه جزاء لنا على جميل فعلناه بكم، والحال أننا لم نرض بهذا الفرس الذي يشبه الحمار.
وقوله: تجدون خمشاً ... إلخ، يقال: أجد فلان الشيء واستجده، إذا أحدثه، فتجدد. والخمش: مصدر خمشت المرأة وجهها بظفرها، من باب ضرب، أي: جرحت ظاهر البشرة. وفاجع: الذي فجعهم بنفسه. يقال: فجعته المصيبة، أي: أوجعته.
وروى بدله: على سيد. ونعا أصله نعي، يقال: نعيت الميت نعياً من باب نفع، إذا أخبرت بموته. يقول: إنكم تخمشون وجوهكم مرة بعد مرة، على هذا البرذون، كأنكم فقدتم خير قومكم.
وقوله: تحضض جباراً ... إلخ، هذا خطاب لكعب بن زهير. قال الجواليقي في شرح أدب الكاتب: يقال حضضت الرجل، إذا حثثته على الخير والشر جميعاً، وحضضته - بالتخفيف - إذا حثثته على الخير. وحثثته: إذا حرضته على سوق أو سير. ولا يكون الحض في السير والسوق.

(3/419)


وجبار، بفتح الجيم والموحدة المشددة: اسم رجل. وقال أبو العباس الأحول: هو رجل من فزارة. والصرمة، يكسر الصاد المهملة: القطعة من الإبل ما بين الثلاثين إلى الأربعين.
والهط: النفر، وهم مادون العشرة من الرجال. يقول: تغري هذا الرجل ليغير على إبلي، وليست إبلي لأول جماعة تغزوني، لأني أقاتل عنها وأدافع.
وقوله: ترعى بأذناب ... إلخ، أصله تترعى، بتاءين فهو مضارع. وقال الجواليقي: أي: ترعي، يريد أنه مبالغة ترعى بالتخفيف. والأذناب: جمع ذنب بفتحتين. وروى بدله: بأطراف.
قال الجواليقي: والشعاب: جمع شعب، وهو الموضع المنفرج بين جبلين، وهو جمع نادر كقدح وقداح. ودونها، أي: دون هذه الصرمة رجال، يردون الظالم عن هواه.
وقوله: ويركب يوم الروع - بفتح الراء - هو الفزع. وفيها، أي: من أجل الصرمة. قال الأحول: الأباهر والكلى مقتلان، والأبهر: عرق في المتن. وقال الجواليقي: أي هم بصراء عالمون بمواضع الطعن. والأباهر: جمع أبهر، وهو عرق مستبطن الصلب.
والكلى: جمع كلية. وللإنسان والحيوان كليتان، وهما لحمتان حمراوان منتبرتان لازقتان بعظم الصلب. اه؟.
وكذا قال ابن السيد. وصفهم بالحذق في الطعن، فهم يتعمدون المقاتل. والأبهر: عرق مستبطن المتن متصل بالقلب.
وقوله: فلولا زهير أن أكدر نعمة .... إلخ، هذا البيت في رواية الأحول وفي رواية القالي آخر الأبيات. والملاصق لقوله: ويركب يوم الروع، عندهما.
تقول: أرى زيداً، البيت. وليس عندهما قد انبعثت عرسي بليل تلومني البيت.
وهذا هو المناسب لسياق الكلام. وبيت: قد انبعثت عرسي إنما هو من شعر كعب كما سيأتي، لكن كتبنا الأبيات كما وجدناها ثابتة في نسختين صحيحتين من نوادر أبي زيد.
وقوله: فلولا زهير وهو والد كعب. وقوله: أن أكدر نعمة هو بدل اشتمال من زهير بتقدير الرابط، والتقدير: فلولا تكدير نعمة لزهير.
وقوله: لقاذعت جواب لولا. والقذع بالذال المعجمة: الفحش والخنى. يقال: قذعته، إذا رميته بالفحش وشتمته.
وقوله: قد انبعثت عرسي ... إلخ، هذا البيت أول أبيات كعب بن زهير الآتية، ولا مناسبة له هنا.
والمصراع الأول في رواية الأحول:
ألا بكرت عرسي توائم من لحا
قال الأحول: توائم: تعارض وتفعل ما يفعلون. وأصل المواءمة المباراة في الطعام.
وقوله: وأقرب بأحلام ... إلخ، هو صيغة تعجب. والأحلام: العقول. قال الأحول: هو من مثل تضربه العرب " لب النساء إلى حمق " .
وقوله: تقول أرى زيداً .... إلخ، هذا خطاب لكعب لا حكاية قول عرسه وإن كان ظاهراً. والمقتر: اسم فاعل من أقتر الرجل، إذا افتقر.
وروى بدله: مصرماً من أصرم الرجل، إذا صار ذا صرمة. وتمول: صار ذا مال. والمال عند العرب: الإبل والماشية.
واقتنى، هو من قنيت الشيء، إذا اتخذته لنفسك لا للتجارة. ويروى بدله: وافتلى، أي: صار ذا فلو، وهو المهر. والفلو كفعول، ويقال: فلو بكسر الفاء وسكون اللام. ويقال: افتلى بمعنى ربى أيضاً، وبمعنى فطم الصغير عن اللبن.
وقوله: وذاك عطاء الله ... إلخ، الإشارة للتمول والاقتناء. والغارة: الغزاة. ومشمرة، من شمر إزاره تشميراً، إذا رفعه. ويروى: قلص الخصى بتخفيف اللام وتشديدها، بمعنى انضمت وانزوت. وتقلص الخصى يكون عند الرعب والفزع.
وسبب هذه الأبيات ما رواه القالي في ذيل الأمالي، قال: حدثنا أبو بكر، قال: أخبرنا أبو حاتم عن أبي عبيدة عن أبي عمرو بن العلاء، قال: خرج بجير بن زهير بن أبي سلمى في غلمة يجتنون جنى الأرض، فانطلق الغلمة، وتركوا ابن زهير، فمر به زيد الخيل الطائي فأخذه - ودار طيئ متاحمة لدور بني عبد الله بن غطفان - فسأل الغلام: من أنت؟ فقال: أنا بجير بن زهير.
فحمله على ناقة ثم أرسل به إلى أبيه، فلما أتى الغلام أخبره أن زيداً أخذه ثم خلاه وحمله، وكان لكعب بن زهير فرس من جياد خيل العرب، وكان كعب جسيماً، وكان زيد الخيل من أعظم الناس وأجسمهم، وكان لا يركب دابة إلا أصابت إبهامه الأرض، فقال زهير: ما أدري ما أثيب به زيداً إلا فرس كعب. فأرسل به إليه وكعب غائب، فجاء كعب فسأل عن الفرس، فقيل له: قد أرسل به أبوك إلى زيد.
فقال كعب لأبيه: كأنك أردت أن تقوي زيداً على قتال غطفان. فقال زهير له: هذه إبلي فخذ ثمن فرسك.

(3/420)


وكان بين بني زهير وبين بني ملقط الطائيين إخاء، وكان عمرو بن ملقط وفاداً إلى الملوك، وهو الذي أصاب بني تميم مع عمرو بن هند يوم أوارة، فقال كعب شعراً يريد أن يلقي به بين بني ملقط، وبين رهط زيد الخيل شراً، فعرف زهير حين سمع الشعر ما أراد به، وعرف ذلك زيد الخيل وبنو ملقط، فأرسلت إليه بنو ملقط بفرس نحو فرسه.
وكانت عند كعب امرأة من غطفان لها حسب، فقلت له: أما استحيت من أبيك لشرفه وسنه أن تؤبسه في هبته عن أخيك، ولامته. وكان قد نزل بكعب قبل ذلك ضيفان فنحر لهم بكراً كان لامرأته، فقال: ما تلوميني إلا لمكان بكرك الذي نحرت، فلك به بكران. وكان زهير كثير المال، وكان كعب مجدوداً.
فقال كعب:
ألا بكرت عرسي بليل تلومني ... وأقرب بأحلام النساء إلى الردى
وذكر فيها زيداً، فقال زهير لابنه: هجوت رجلاً غير مفحم، وإنه لخليق أن يظهر عليك. فأجابه زيد، فقال:
أفي كل عام مأتم تجمعونه إلى آخر الأبيات
اه؟.
وهذه أبيات كعب من ديوانه برواية أبي العباس الأحول:
ألا بكرت عرسي توائم من لحا ... وأقرب بأحلام النساء من الردى
وتقدم شرحه.
أمن أجل بكر قطعتني ملامة ... لعمري لقد كانت ملامتها ثنى
البكر، بالفتح: الفتي من الإبل. قال الأحول: أمن أجل بكر نحرته وأطعمته أصحابي بكرت علي باللوم مع من يلوم. وقوله: ثنى، بفتح النون بعدها مثلثة، أي: مرة بعد مرة.
ألا لا تلومي ويب غيرك عارياً ... رأى ثوبه يوماً من الدهر فاكتسى
يقول: لا تلومي في أن نحرت بكراً، وكسوت رجلاً عارياً فاكتسى. وويب: يذهب به مذهب ويح.
فأقسم لولا أن أسر ندامة ... وأعلن أخرى إن تراخت بي النوى
وقيل رجال لا يبالون شأننا ... غوى أمر كعب ما أراد وما ارتأى
قال الأحول: يقول لولا قول رجال لا يبالون ما ذكروا من أمري وأمرك، ويثنون علي وعليك أمراً لم أرتئه، ولم أفعله.
لقد سكنت بيني وبينك حقبة ... بأطلائها العين الملمعة الشوى
قال الأحول: ويروى: لقد رتعت بيني وبينك. والعين: الوحش.
قال الأحول: ويروى: لقد رتعت بيني وبينك. والعين: الوحش. والشوى: القوائم. يقول: يكون بيني وبينك تفرق دهر لا نجتمع، على بعد منزل، وتنائي محل هذه صفته، تسكنه الوحش. والمعنى: لفارقتك مفارقة لا نجتمع معها.
فيا راكباً إما عرضت فبلغن ... بني ملقط عني إذا قيل: من عنى
فلما خلتكم يا قوم كنتم أذلة ... وما خلتكم كنتم لمختلس جنى
لقد كنتم بالسهل والحزن حية ... إذا نهشت لم يشف نهشتها الرقى
وإن تغضبوا أو تدركوا لي بذمة ... لعمركم أو مثل سعيكم كفى
لقد نال زيد الخيل مال أخيكم ... فأصبح زيد قد تمول واقتنى
وإن الكميت عند زيد ذمامة ... وما بالكميت من خفاء لمن رأى
قال أبو عمرو: إذا أتى ما لا يشتهي صاحبه فقد أذم به. وقال غيره: يقول: إن فرسي ذمام عند زيد وما به خفاء لمن رآه.
يبين لأفيال الرجال ومثله ... يبين إذا ما قيد بالخيل أو جرى
أفيال الرجال: الذين لا رأي لهم، ولا فهم.
يقول: إذا رآه الذي لا علم له بالخيل، ولا بصر، يقاد أو يجري، علم كرمه وعتقه، ولم يحتج إلى أن يسأل عن نسبه. ثم وصفه ببيتين آخرين.
قال أبو العباس الأحول: وإنما قال كعب هذه الأبيات وأجابه زيد الخيل، وذلك أن بجير بن زهير والحطيئة ورجلاً من بني بدر خرجوا يقتنصون الوحش ولا سلاح معهم، ومع زيد الخيل عدة من أصحابه، فقال: استأسروا، فقالوا: لا غلا على الطاقة. فأخذهم.
فأما الحطيئة فخلى سبيله لخبث لسانه وفقره، وأنه لم يكن عنده ما يفدي به نفسه.
وأما بجير ففدى نفسه بفرس كان يقال له: الكميت. وأما أخو بني بدر فافتدى نفسه بمائة من الإبل.
فقال كعب بن زهير وبلغه حديث القوم، وكان نازلاً في بني ملقط من طيئ، فقال يحرضهم على زيد الخيل، ليأخذ الكميت.
وزعم أن الكميت كان له دون بجير، فقال في ذلك قصيدة: ألا بكرت عرسي، وأجابه زيد الخيل: أفي كل عام مأتم، فزعموا أن زهيراً، قال لكعب: هجوت امرأ غير مفحم، وإنه لخليق أن يظهر عليك.

(3/421)


ثم نقل أبو العباس أربعة أبيات للحطيئة مدح بها زيد الخيل. والله أعلم أي ذلك قد كان.
وزيد الخيل وكعب صحابيان تقدمت ترجمتهما.
وأنشد بعده،
الشاهد السادس والثمانون بعد السبعمائة
الطويل
نحابي بها أكفاءنا ونهينها ... ونشرب في أثمانها ونقامر
على أن في قيل: إنها بمعنى الباء في البيت، أي: ونشرب بأثمانها. والأولى أيضاً أن تكون على معناها بجعل أثمانها ظرفاً للشراب والقمار مجازاً.
والبيت آخر أبيات أربعة لسبرة بن عمرو الفقعسي، أوردها أبو تمام في الحماسة. وهي:
أتنسى دفاعي عنك إذ أنت مسلم ... وقد سال من نصر عليك قراقر
ونسوتكم في الروع باد وجوهها ... يخلن إماء والإماء حرائر
أعيرتنا ألبانها ولحومها ... وذلك عار يا ابن ريطة ظاهر
تحابي بها أكفاءنا ... ... ... ... .... .... البيت
قوله: أتنسى دفاعي ... إلخ، استفهام توبيخي، يخاطب ضمرة بن ضمرة النهشلي. وإذ: ظرف لدفاعي، أي: لم تنس مدافعتي عنك حين كنت مخذولاً لا ناصر معك.
ومسلم: اسم مفعول من أسلمته بمعنى خذلته، وهو أن تخلي بينه وبين من يريد النكاية فيه.
قوله: وقد سال من نصر ... إلخ، رواه شراح الحماسة: وقد سال من ذل، قال المرزوقي وغيره: قُراقر بضم القاف الأولى: اسم واد، ويكون ذكره مثلاً.
ومن كلامهم: سال عليه الذل، كما يسيل السيل. ولا يمتنع أن يكون لحقه، ما لحقه من الذل من ناحية قراقر، فلذلك خصه، والجملة حال. انتهى.
وأول من حرفه أول شارح للحماسة، وهو أبو عبد الله النمري، قال: يقول: سال هذا الوادي عليك، فلم تستطع الانتقال عنه ذلاً وضعفاً.
ورد عليه أبو محمد الأسود الأعرابي فيما كتبه على شرح النمري، وقال: الصواب: وقد سال من نصر، يعني نصر بن قعين بن الحارث بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة.
يقول: دافعتهم عنك حين سال الوادي بهم عليك. كما قال الآخر: الطويل
ونحن أسلنا مصعداً بطن حائل ... ولم ير واد قبله سال مصعدا
يعني: أنهم أسالوه بالرجال. ولبيت سبرة قصة طويلة الذيل ذكرتها في كتاب السلة والسرقة. انتهى.
أقول: قد ذكرها في ضالة الأديب أيضاً ونحن نذكرها. إن شاء الله بعد الأبيات.
وقوله: ونسوتكم في الروع ... إلخ، هذه الجملة معطوفة على جملة الحال السابقة. قال المرزوقي: وصف الحال التي مني بها حين نصره مخاطبه. والمراد: ونساؤكم تشبهن بالإماء مخافة السبي، حتى تبرجن وبرزن مكشوفات ناسيات للحياء، وإن كن حرائر.
وإنما قال هذا لأنهم كانوا يقصدون بسبي من يسبون من النساء إلحاق العار، لا اغتنام الفداء والمال. ولما كان الأمر على هذا، فالحرة كانت في مثل ذلك الوقت تتشبه بالأمة لكي يزهد في سبيها. ومعنى والإماء حرائر: واللاتي يحسبن إماء حرائر.
ولو قال: يخلن إماء وهن حرائر لكان مأخذ الكلام أقرب، لكنه عدل إلى: والإماء حرائر، ليكون الذكر أفخم.
وقوله: أعيرتنا ألبانها .... إلخ، استفهام للإنكار والتقريع، أي: لم عيرتنا ألبان الإبل ولحومها، واقتناء الإبل مباح، والانتفاع بلحمها وألبانها جائز ديناً وعقلاً.
وقوله: وذلك عار ظاهر، أي: زائل.
قال أبو ذؤيب: الطويل
وعيرها الواشون أني أحبها ... وتلك شكاة ظاهر عنك عارها
ويقال: عيرته كذا، وهو الأفصح، وعيرته بكذا.
قال عدي:
أيها الشامت المعير بالدهر
والواو للحال، أي: أتعيرنا ذلك والحال ذلك.
وقوله: نحابي بها ... إلخ، قال المرزوقي: بين وجوه تصرفهم فيما عيرهم به، فقال: نجعلها حباء لنظرائنا فنتهادى بها، ونسهل تمكن الزوار والعفاة منها، بابتذالها وإهانتها - وحذف ذكر من أهينت له لأن المراد مفهوم - ونبيعها فنصرف أثمانها إلى الخمر والإنفاق، ونضرب بالقداح عليها في الميسر عند اشتداد الزمان، فنفرقها في الضعفاء والمحتاجين.
وفي تعداد هذه الوجوه إبطال لكل ما أوهم أن يلحق من العار في اقتنائها وادخارها. انتهى.
قال ابن الشجري في أماليه: حابى: بارى، يقال: حابيت فلاناً، أي: باريته في الحباء، مثل باهيته في العطاء، كما يقال: كارمته، أي: باريته في الكرم.

(3/422)


فقوله: تحابي بها أكفاءنا، لا يكون إلا بمعنى نباريهم في الحباء. وقد ورد أحابي في شعر زهير بمعنى أخص، وذلك في قوله: الطويل
أحابي به ميتاً بنخل وأبتغي ... إخاءك بالقيل الذي أنا قائل
قالوا: أراد أحابي بهذا الشعر ميتاً بنخل، يعني بالميت أبا الممدوح، أي: أخصه به. ونخل: أرض بها قبره.
وذهب ابن جني في قول المتنبي: الطويل
وإن الذي حابى جديلة طيئ ... به الله يعطي من يشاء ويمنع
إلى أن حابى بمعنى حبا، مأخوذ من الحباء وهو العطية، واسم الله مرتفع به، أي: إن الذي حبا الله به جديلة يعطي، فالجملة التي هي يعطي، وفاعله خبر إن. وخولف في هذا القول: على أن عليه أكثر مفسري شعر المتنبي.
والذي رد عليه قال: إن حابيته بكذا، بمعنى حبوته به ليس بمعروف. فعلى هذا القول يكون فاعل حبا مضمراً فيه يعود على الذي، واسم الله مرفوعاً بالابتداء، وخبره الجملة التي هي يعطي وفاعله ومفعوله.
أي: إن الذي بارى جديلة في الحباء الله يعطي به من يشاء. ومفعول بمنع محذوف دل عليه مفعول يعطي، ومفعول يشاء المذكور ويشاء المحذوف محذوفان.
فالتقدير: يعطي الله به من يشاء أن يعطيه. ويمنع به من يشاء أن يمنعه. على أن المضمرين في يعطيه ويمنعه يعودان على الممدوح.
والمعنى أنه ملك قد فوض الله إليه أمر الخلق في الإعطاء والمنع. فالمدح على هذا يتوجه إليه وإلى عشيرته: لأن المباراة في العطاء أنهم يعطون، فيعطي مباهياً لهم بعطائهم.
والمعنى في قول ابن جني أن الذي حبا الله به جديلة بأن جعله منهم، يعطي من يشاء إعطاءه، ويمنع من يشاء منعه؛ لأنه يعطي تكرماً لا قهراً، ويمنع عزة لا بخلاً.
وأقول: إن أصل فاعلته أن يكون من اثنين فصاعداً، وإن فاعله مفعول في المعنى، ومفعوله فاعل في المعنى، كخاصمته وسابقته. ولم يأت من واحد إلا في أحرف نوادر كطارقت النعل، وعاقبت اللص، وعافاك الله، وقاتلهم الله.
فابن جني ذهب بقولهم: حابيت زيداً مذهب هذه الألفاظ الخارجة عن القياس. وقد جاء حابى بمعنى حبا في قول أشجع بن عمرو السلمي، يمدح جعفر بن يحيى البرمكي، حين ولاه الرشيد خراسان: السريع
إن خراسان وإن أصبحت ... ترفع من ذي الهمة الشانا
لم يحب هارون بها جعفراً ... لكنه حابى خراسانا
أي: لم يحب جعفراً بخراسان، ولكن حبا خراسان بجعفر. فهذا يعضد قول ابن جني.
وهذه قصة سبرة الفقعسي مع ضمرة بن ضمرة من ضالة الأديب لأبي محمد الأعرابي، قال: إن ضمرة بن ضمرة بن جابر بن قطن بن نهشل، وكان جاراً لنوفل بن جابر بن شجنة بن حبيب بن مالك بن نصر، وأم نوفل عاتكة بنت الأشتر بن حجوان بن فقعس بن طريف بن عمرو بن قعين.
وكان ضمرة كثير المقامرة، فنحر نوفل جزوراً فدعا الحي فأكلوا، فدعا ضمرة، فقال: يا معشر بني قعين هذا جاركم وأنا منه خلو. ثم إن ضمرة قامر، فقمر ماله كله، وانتجعت أسد نحو أرض بني تميم، وهم مقحمون مضعفون، فأرسل ضمرة إلى من يليهم من بني تميم أن ميلوا عليهم، فإنهم لأول من أتاهم.
فأتى بني نصر الخبر فانصرفوا وأتمروا بضمرة أن يأكلوه حين ينزلون، فأمر نسوته سراً أن يتأخرن، ويلحقن بظعن بني فقعس، وسار هو في سلف بني نصر، وقد علم أنهم آكلوه، إذا نزلوا، فلما نزلوا ركض نحو بني فقعس، فقال: أنا جار لكم: فقالوا: إنك لست بجار، ولك أمان العائذ الغادر، ومنعوه من بني نصر، وإذا ماله في بني نصر قد أحرزوه.
فلما جاءت ظعن بني فقعس إذا نسوته فيهن، فعدل له بنو فقعس خمسين شائلة ونحروا الجزور، وكان فيهم زماناً، ثم لحق بقومه.
فنافر معبد بن نضلة بن الأشتر بن حجوان، خالد بن وهب الصيداوي، وجمعهما وضمرة مجلس النعمان، فأرسل ضمرة إلى خالد: نافره، واجعلني الكفيل، وهو بيني وبينك نصفين، فإنه لا يخافني، واجعلهما مائة في مائة في خفرة النعمان واجعل بينكما بها رهناً؛ فإنه لا بد من أدائها إذا كنت أنا الكفيل.
فلما راحوا إلى النعمان سب خالد معبداً، فقال: أتسابني، ولم تنافرني. قال: أنافرك. قال: ما بدا لك. قال خالد: إني أجعل الكفيل من شئت، وإن شئت ولي نعمتكم هذا. قال معبد: فإني قد فعلت. واعتقد عليه بما أمره به ضمرة، ثم تغاديا على ضمرة، فقال ضمرة: والله إن بني طريف لمن أكرم الناس، وما رأينا قط أكرم من خالد.

(3/423)


فنفره على معبد في مجلسه، فحبس قيس بن معبد عند النعمان رهينة بمائة من الإبل، فقال معبد لبني جابر بن شجنة: اكفلوني يا بني عمي، فإني لم يشني غدر ضمرة، ولا كذبه. قال بنو جابر: ترى بني فقعس مقرين بهذا؟ قال: نعم، يرون أنها خيانة، ولا تضرهم.
فكفل بنو جابر الإبل، فلما أتى معبد بني فقعس، قال بنو دثار وبنو نوفل بن فقعس: والله ما نرضى بهذا أبداً ما بقي منا إنسان. فنهضت بنو فقعس إلى النعمان، فوجدوا عنده ضمرة، فقال سبرة بن عمرو بن الحارث بن دثار ابن فقعس بن طريف: الرجز
إني لمن أنكر وجهي سبرة ... الرجل الأشم فيه الزعره
كالميسم الحامي عليه الغبره
إلى أن قال:
والله ما نعقل منها بكره ... أو يأمر النعمان فيها أمره
فأمرهم النعمان أن يقاضوا إلى العزى: صنم كان بنخلة. فعندها قال سبرة: الطويل
أضمر بن ضمر أبلق الاست والقفا ... وهل مثلنا في مثلها لك غافر
أتنسى دفاعي عنك إذ أنت مسلم ... وإذ سال من نصر عليك قراقر
ونسوتكم في الروع باد وجوهها ... يخلن إماء والإماء حرائر
يسلخن بالليل الشوي بأذرع ... كأيدي السباع والرؤوس حواسر
وعيرتنا ألبانها ولحومها ... وذلك عار يا بن ريطة ظاهر
وإنا لتغشانا حقوق ولم تكن ... تقربنا للمخزيات الأباعر
نحابي بها أكفاءنا ونهينها ... ونشرب في أثمانها ونقامر
وتكسبها في غير غدر أكفنا ... إذا عقدت يوم الحفاظ الدوابر
وإنا لنقري الضيف في ليلة الشتا ... عظيم الجفان فوقهن الحوائر
جمع الحوير، وهو الشحم الأبيض. وبعد هذا ثلاثة أبيات أخر.
ثم أورد لسبرة الفقعسي أشعاراً كثيرة، يخاطب بها ضمرة ويهجوه بها.
وفي سياقه هذا نقص فإنه لم يذكر فيه وجه تعييره بالإبل، ولا إلى أي شيء تم حالهما. والله أعلم.
وسبرة: شاعر جاهلي. وذكر نسبه فيما سقناه.
وترجمة ضمرة تقدمت في الشاهد الثامن والثمانين.
وأنشد بعده،
الشاهد السابع والثمانون بعد السبعمائة
الخفيف
ما بكاء الكبير بالأطلال
على أن الباء فيه للظرفية، أي: في الأطلال.
وهذا صدر، وعجزه:
وسؤالي وما يرد سؤالي
وهذا مطلع قصيدة للأعشى ميمون، مدح بها الأسود بن المنذر اللخمي، أخا النعمان بن المنذر، وسيأتي بعض منها في رب.
وبعده: الخفيف
دمنة قفرة تعاورها الصي؟ ... يف بريحين من صباً وشمال
لات هنا ذكرى جبيرة أو من ... جاء منها بطائف الأهوال
أراد بالكبير نفسه، وعذلها بالوقوف على الأطلال وسؤاله إياها، ثم رجع، وقال: وما ترد سؤالي؟ يقول: ما بكاء شيخ كبير مثلي في طلل. والطلل: ما شخص من بقايا المنزل.
والدمنة: ما اجتمع من التراب والأبعار وغير ذلك. فتعاوره الصيف بريحين مختلفين، وهما الصبا ومهبها من ناحية المشرق، والشمال ومهبها من القطب الشمالي إلى الجنوب. والجنوب من رياح اليمن.
قال أبو علي في كتاب الشعر: اعلم أن قوله: سؤالي بعد قوله: ما بكاء الكبير حمل للكلام على المعنى، وذلك أن الكبير لما كان المتكلم في المعنى حمل سؤالي عليه.
ألا ترى أن ما بكاء الكبير، إنما هو ما بكائي وأنا كبير، وبكاء الكبير بالأطلال، مما لا يليق به، لأنه اهتياج لصباً أو تصاب، وذلك مما لا يليق بالكبير. ومن ثم قال الآخر: الطويل
؟أتجزع إن دار تحمل أهلها ... وأنت امرؤ قد حملتك العشائر
فحمل سؤالي على المعنى. فأما قوله: وما يريد سؤالي دمنة قفرة فإن ما تحتمل ضربين: أحدهما: أن تكون استفهاماً في موضع نصب، كأنه قال: أي شيء يرجع عليك سؤالك من النفع؟ وقد يقول: عاد علي نفع من كذا، ورد علي كذا نفعاً، ورجع علي منه نفع.
ويكون دمنة منتصباً بالمصدر الذي هو سؤالي. والبيت على هذا مضمن.
والآخر: أن يكون نفياً كأنه قال: ما يرد سؤالي، أي: جواب سؤالي دمنة، فالدمنة فاعل قوله: ترد.
ومثل هذا قوله:
وقمنا فسلمنا فردت تحية
إنما هو جواب تحية. وكذلك قوله سبحانه: " فحيوا بأحسن منها أو ردوها " ، أي: ردوا جوابها.

(3/424)


وقد قيل في قوله: فردت تحية قولان: أحدهما: ردت التحية، أي: لم تقبلها. والآخر: ردت تحية، أي: جوابها، كما تقدم. وذلك لما رأينا في وجهها من البشاشة، وإن لم تتكلم. فالتقدير: وما يرد جواب سؤالي دمنة.
والبيت على هذا مضمن أيضاً، لأن الفاعل الذي هو دمنة فعله في البيت الذي هو قبل البيت الثاني. فيجوز أن يقول: وما ترد، فيؤنث على لفظ الدمنة، ويذكر على المعنى. انتهى.
وقال ابن السيد البطليوسي في شرح أدب الكاتب: وسؤالي فهل ترد سؤالي، ويروى: فما ترد ولا ترد.
ويروى: بالتاء والياء. فمن روى فهل ترد على لفظ التأنيث رفع الدمنة وجعلها فاعلاً، وجعل سؤالي مفعولاً بتقدير مضاف، أي: فهل ترد جواب سؤالي دمنة.
ومن روى: فهل يرد بلفظ التذكير نصب دمنة مفعولاً، وجعل سؤالي فاعلاً ومعناه: إن سؤالي لا يرد الدمنة إلى ما كانت عليه. ومن روى: وما، واعتقد أنها نفي جاز أن يقول ترد بلفظ التأنيث ويرفع الدمنة لا غير، وجاز أن يقول: يرد بلفظ التذكير، وينصب الدمنة إن شاء، ويرفعها إن شاء. ون اعتقد أن ما استفهام، قال: يرد، على لفظ التذكير، وجعل ما في موضع نصب بيرد، وسؤالي في موضع رفع، ونصب دمنة بسؤالي لا غير.
ومن روى: ولا يرد سؤالي على لفظ التذكير نصب الدمنة، وإن شاء رفعها. ومن روى: ولا ترد على لفظ التأنيث رفع الدمنة لا غير.
ثم قال ابن السيد: ورويت في هذا البيت حكاية مستظرفة رأيت إثباتها في هذا الموضع.
روى نقله الأخبار أن طليحة الأسدي كان شريفاً، وكان يفد على كسرى فيكرمه، ويدني مجلسه.
قال طليحة: فوفدت عليه مرة، فوافقت عيداً من أعياد الفرس، فحضرت عند كسرى في جملة من حضر من أصحابه، فلما طعمنا وضع الشراب فطفقنا نشرب، فغنى المغني: البسيط
لا يتأرى لما في القدر يطلبه
فقال كسرى لترجمانه: ما يقول؟ ففسره له فقال كسرى: هذا قبيح. ثم غناه المغني: الوافر
أتتك العيس تنفخ في براها
فقال كسرى لترجمانه: ما يقول؟ فقال: لا أدري. فقال بعض جلسائه: شاهانشاه، أشتراف أف معناه: يا ملك الملوك هذا جمل ينفخ. واشتر بلغتهم: الجمل، وأف: حكاية النفخ.
قال طليحة: فأضحكني تفسيره العربية بالفارسية. قال: ثم غناه المغني بشعر فارسي لم أفهمه، فطرب كسرى، وملئت له كأس، وقام فشربها قائماً، ودارت الكأس على جميع الجلساء.
قال طليحة: وكان الترجمان إلى جانبي فقلت له: ما هذا الشعر الذي أطرب الملك هذا الطرب؟ فقال: خرج يوماً متنزهاً فلقي غلاماً حسن الصورة، وفي يمينه ورد، فاستحسنه وأمر أن يصنع له فيه شعر، فإذا غناه المغني ذلك الشعر طرب وفعل ما رأيت.
فقلت: ما في هذا مما يطرب حتى يبلغ فيه هذا المبلغ؟ فسأل كسرى الترجمان عما حاورني فيه، فأخبره، فقال: قل له: إذا كان هذا لا يطرب فما الذي يطربك أنت؟ فأدى إلي الترجمان قوله فقلت: قول الأعشى:
ما بكاء الكبير بالأطلال البيت
فأخبره الترجمان بذلك، فقال كسرى: وما معنى هذا؟ فقلت: هذا شيخ، مر بمنزل محبوبته، فوجده خالياً، قد عفا وتغير، وجعل يبكي. فضحك كسرى، وقال: وما الذي يطربك من شيخ واقف في خربة، وهو يبكي، أوليس الذي أطربنا نحن أولى بأن يطرب له؟ قال طليحة: فثقل عليه جانبي بعد ذلك.
وقوله: لات هنا ذكري جبيرة، بضم الجيم: اسم امرأة، وهو من شواهد النحويين، وتقدم توجيهه في الشاهد الثالث والثمانين بعد المائتين.
وأنشد بعده،
الشاهد الثامن والثمانون بعد السبعمائة
الكامل
غلب تشذر بالدخول
وهو قطعة من بيت، وهو:
غلب تشذر بالدخول كأنها ... جن البدي رواسياً أقدامها
على أن الباء فيه للسبية.
قال الزوزني في شرح معلقة لبيد: يقول: هم رجال غلاظ الأعناق، كالأسود، أي: خلقوا خلقه الأسود، ويهدد بعضهم بعضاً بسبب الأحقاد التي بينهم.
ثم شبههم بجن هذا الموضع في ثباتهم في الخصام والجدال. يمدح خصومه، وكلما كان الخصم أقوى، وأشد كان غالبه أقوى وأشد.
والبيت من معلقة لبيد الصحابي، وقبله:
وكثيرة غرباؤها مجهولة ... ترجى نوافلها ويخشى ذامها
وبعده:
أنكرت باطلها وبؤت بحقها ... عندي ولم يفخر علي كرامها

(3/425)


قوله: وكثيرة الواو واو رب، وجوابها: أنكرت باطلها، قال ابن السيد في شرح أدب الكاتب: يريد قبة ملك فيها قوم غرباء من كل قبيلة؛ فاخروه بين يدي الملك، فغلبهم وظهر عليهم.
وقوله: مجهولة أراد مجهول من فيها ولم يرد أن القبة نفسها مجهولة. والنافلة: الفضل. والذم: العيب والعار.
يريد أن من حضرها، يرجو أن يكون له الظهور والشرف، ويرهب أن يغلب ويظهر عليه، فيكون ذلك عاراً يبقى في عقبه، فهو لذلك يذب عن نفسه، ولا يدع غاية من المفاخرة إلا قصدها.
وشبههم بجمال غلب تشذر بأذنابها إذا تصاولت وهاجت. يقال: تشذر البعير بذنبه، إذا استنفر به وتشذر الرجل بثوبه عند القتال، إذا تحزم، وتهيأ للحرب. والغلب: الغلاظ الأعناق، الواحد أغلب. والبدي: واد تسكنه الجن فيما يزعمون.
والرواسي: الثابتة التي لا تبرح، والأصل: مجهولة غرباؤها، فحذف المضاف، وأقام الضمير المضاف إليه مقامه فاستتر في الصفة. انتهى.
وما ذهب إليها من أن المراد بكثيرة قبة الملك هو الراجح الصحيح، وهو قول الزوزني، قال: المعنى رب قبة أو دار كثرت غرباؤها وغاشيتها وجهلت، لا يعرف بعض الغرباء بعضا. افتخر بالمناظرة التي جرت بينه وبين الربيع بن زياد في مجلس النعمان بن الأسود ملك العرب، ولها قصة طويلة.
أقول: قد ذكرتها أنا في ترجمة النعمان بن المنذر في الشاهد الخامس والخمسين بعد المائة، وستأتي في رب أيضاً.
وكذا ذهب إلى هذا أبو الحسن الطوسي في شرح ديوان لبيد، قال: يعني قبة كانت تضرب على باب الملك يقعد فيها الناس حتى يؤذن لهم. ونوافلها: فضول من شرف وجوائز ومنازل. يخشى سقاط من كلام أو فعل، يلحقه منه ذام، أي: عيب. أو أنهم يرجعون بغير جائزة فيكون ذلك عيباً عليهم.
وفيها أقوال آخر: أحدها: أن المعنى وجماعة كثيرة غرباؤها. وإليه ذهب الجواليقي في شرح أدب الكاتب، قال: أي: رب جماعة كثيرة غرباؤها. ثم حذف الموصوف، وأقام الصفة مقامه. هذا أصح ما قيل فيه.
ثانيها: أن المعنى رب خطة وشأن قد جهل القضاء فيها وجهلت جهاتها.
ثالثها: أن المعنى رب حرب كثيرة غرباؤها، لأن الحرب مؤنثة. وجعلها كثيرة الغرباء، لما يحضرها من ألفاف الناس وغيرهم. وجعلها مجهولة لأن العالم بها، والجاهل يجهلان عاقبتها.
وقوله: ترجى نوافلها، أي: الغنيمة والظفر. ويخشى ذامها، أي: خلافها.
رابعها: أن المعنى رب أرض كثيرة غرباؤها، يريد: أرضاً يضل بها من سلكها إذا جهل طرقها. قال أبو جعفر، والجواليقي، والخطيب: وإنما وقع الاختلاف في ذلك أنه أقام الصفة مقام الموصوف، فاحتمل هذا المعاني، إلا أن الأشبه بما يرد الجماعة، لأن بعده:
أنكرت باطلها وبؤت بحقها
وإقامة الصفة مقام الموصوف في مثل هذا قبيح، لما يقع به من الإشكال.
ألا ترى أنك لو قلت: مررت بجالس كان قبيحاً، ولو قلت: بظريف كان حسناً. وغرباؤها مرفوع بكثيرة، أي: كثرت غرباؤها.
وقوله: غلب تشذر ... إلخ، هو خبر لمبتدأ محذوف هو ضمير الغرباء، أي: هم غلب، جمع أغلب، والأنثى غلباء. قال الطوسي: غلب: أسد غلاظ الرقاب. وقال ابن السيد: شبههم بالإبل. وعليهما فهو استعارة تصريحية. وتشذر، أصله تتشذر بالذال المعجمة. وفيه أقوال: أحدها: أن التشذر رفع اليد ووضعها، أي: إنهم كانوا يفعلون ذلك، إذا تفاخروا وتثالبوا.
وإليه ذهب الجاحظ في كتاب البيان والتبيين، قال: كانت العرب تخطب بالمخاصر، وتعتمد على الأرض بالقسي، وتشير بالعصي والقني. وقال لبيد في الإشارة:
غلب تشذر بالذحول ... ... ... ... ... .... البيت
وقيل: التشذر: الإيعاد، أي: يوعد بعضهم بعضاً. وحكى ابن السكيت: تشذرت الناقة. إذا شالت بذنبها.
وقال الطوسي: التشذر من الفحل بالذنب تغضب وإيعاد. ومن هنا قال ابن السكيت: شبههم بالإبل. وروى: غلب تشازر بتقديم المعجمة. وتشازرهم: نظر بعضهم إلى بعض بمؤخر عينه.
والذحول: جمع ذحل، بفتح الذال المعجمة وسكون الحاء المهملة، وهو الحقد. وجملة: كأنها جن حال من ضمير غلب في تشذر.
والبدي بفتح الموحدة وكسر الدال المهملة وتشديد الياء من غير همز، قال أبو عبيد: البادية، حكاه عنه الطوسي. وكذا قال أبو جعفر، والخطيب.
وقال ابن السيد: واد تسكنه الجن. وقال ابن الأنباري: هو واد لبني عامر، وقيل: موضع.

(3/426)


وقال أبو عبيد البكري في معجم ما استعجم: واد لبني عامر. وقال أبو حاتم عن الأصمعي: واد لبني سعد.
وذكره أبو عبيد أحمد بن محمد بن الهروي مهموزاً، وذلك أنه ذكر حديث ابن المسيب في حريم البئر، فقال: البديء البئر التي ابتدئت، فحفرت وليست عادية. قال: والبدي في غير هذا الموضع: بلد تسكنه الجن. فإن كان هذا الذي ذكره الهروي صحيحاً فهو موضع آخر، والله أعلم، لأن البدي المذكور في الشواهد آهل يسكنه الناس ويرعونه.
أقول: قول الهروي: والبدي في غير هذا الموضع: بلد، يريد: غير مهموز، بدليل أن كلامه في المهموز، وقول البكري آهل يسكنه الناس يريد عليه بيت هذه المعلقة.
ورواسياً حال من اسم كان، لأنه في المعنى مفعول لأشبه، وصرفه للضرورة. وأقدامها فاعل رواسي، جمع قدم.
وقوله: أنكرت باطلها.... إلخ، هذا جواب رب. قال الزوزني: باء بكذا: أقر به، ومنه قولهم في الدعاء: أبوء لك بالنعمة.
يقول: أنكرت باطل دعاوي تلك الرجال الغلب، وأقررت بما كان حقاً منها عندي، أي: في اعتقادي، ولم تفخر علي كرامها، أي: ولم يغلبني بالفخر كرامها، من قولهم: فاخرته ففخرته، أي: غلبته بالفخر.
وكان ينبغي أن يقول: ولم تفخرني كرامها، ولكنه ألحق علي حملاً على معنى: ولم تتعال علي، ولم تتكبر علي. قاله الزوزني.
وأنشد بعده،
الشاهد التاسع والثمانون بعد السبعمائة
الرجز
نضرب بالسيف ونرجو بالفرج
على أن الباء الثانية زائدة في المعفول به سماعاً.
قال ابن عصفور في الضرائر: وزيادة الباء هنا ضرورة. قال ابن السيد في شرح أدب الكاتب: إنما عدى الرجاء بالباء، لأنه بمعنى الطمع، والطمع يتعدى بالباء، كقولك: طمعت بكذا.
قال الشاعر: الطويل
طمعت بليلى أن تجود وإنما ... تقطع أعناق الرجال المطامع
اه؟.
وقال في شرح أبياته: وزاد يعقوب قبله:
نحن بني جعدة أرباب الفلج
ونحن: مبتدأ، وأرباب: خبره، وبني جعدة: منصوب على الاختصاص، وروي بالرفع أيضاً.
والفلج بفتح الفاء واللام. قال أبو عبيد في معجم ما استعجم: موضع لبني قيس، وهو في أعلى بلاد قيس.
قال الراجز:
نحن بنو جعدة أرباب الفلج ... نضرب بالبيض ونرجو بالفرج
وأصله النهر الصغير. انتهى.
والبيض، بالكسر: السيوف، أي: نقاتل بالسيوف. وقال ياقوت في معجم البلدان: الفلج مدينة بأرض اليمامة لبني جعدة وقشير ابني كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصة، كما أن حجراً مدينة بني ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان.
قال الجعدي:
نحن بنو جعدة أرباب الفلج ... نحن منعنا سبله حتى اعتلج
والفلج في اللغة: الماء الجاري، ويقال: عين فلج، وماء فلج. قال أبو عبيد: الفلج: النهر. انتهى.
وقال ابن السيد: الفلج الجاري من العين. والفلج: البئر الكبير، عن ابن كناسة.
وماء فلج: جار، قال عبيد: مخلع البسيط
أو فلج ما ببطن واد ... للماء من تحته قسيب
انتهى.
وتوهم الدماميني في شرح المغني أن الفلج هنا بمعنى الظفر. قال: والظاهر أن المراد بالفلج: الظفر والفوز، لكن لم يحك صاحب الصحاح غير سكون اللام، فيحتمل أن يكون الشاعر فتحها اتباعاً لفتحة الفاء للضرورة. هذا كلامه.
وتبعه الحلبي في شرحه ونقل كلامه، وزاد عليه بأن صنيع صاحب القاموس أيضاً يقتضي سكون اللام. وتبعه شيخنا الشهاب الخفاجي أيضاً في شرح درة الغواص، وتعقبه: بأن فتح اللام لغة أصلية فيه، وتوقفه من عدم الإطلاع. ثم نقل من شرح مقامات الزمخشري له ما يؤيد كونه بالفتح.
والمشهور: نحن بنو ضبة، وهو من تغيير النساخ، والذي فيه ضبة قافية لامية، وهو: الرجز
نحن بنو ضبة أصحاب الجمل
وآخره:
ردوا علينا شيخنا ثم بجل
وهذا من أبيات المفصل، وهو مما قيل في يوم الجمل، وهو مذكور في الحماسة وغيرها، وقائله معلوم مذكور.
وقوله: نحن منعنا سبله هو جمع سبيل، وهو الطريق. واعتلجت الأرض: طال نباتها.
وهذا الرجز لم ينسبه أحد إلى قائله. والله أعلم.
وأنشد بعده،
الشاهد التسعون بعد السبعمائة
الطويل
ولكن أجراً لو فعلت بهين ... وهل ينكر المعروف في الناس والأجر
على أن الباء تزاد سماعاً بقلة في خبر لكن.

(3/427)


قال ابن جني في سر الصناعة: وقد زيدت في خبر لكن لشبهه بالفاعل. وأنشد البيت، وقال: أراد ولكن أجراً لو فعلته هين.
وقد يجوز فيه أن يكون معناه: ولكن أجراً لو فعلته بشيء هين، أي: أنت تصلين إلى الأجر بالشيء الهين، كقولك: وجوب الشكر بالبر الهين. فتكون الباء على هذا غير زائدة. انتهى.
وأفاد في تفسيره أن الخطاب لمؤنث. ولم أفق على تتمته، ولا على قائله. والله أعلم.
وأنشد بعده،
الشاهد الواحد والتسعون بعد السبعمائة
الطويل
ألا هل أتاها والحوادث جمة ... بأن امرأ القيس بن تملك بيقرا
على أن الباء قد تزاد بقلة مع أن الواقعة مع معموليها في تأويل مصدر مرفوع على أنه فاعل أتاها.
وقال ابن السيرافي في شرح أبيات الغريب: فاعل أتاها يجوز أن يكون مضمراً دل عليه معنى الكلام، كأنه قال: هل أتاها الخبر. ولكثرة استعمال الخبر أضمر، ويكون: بأن امرأ القيس في موضع نصب. هذا كلامه.
ولا مفهوم لقوله مع أن، فكان ينبغي أن يقول، وتزاد بقلة في الفاعل في غير ما ذكر قياساً. وهذا عند ابن عصفور وغيره ضرورة.
ومن زيادتها في الفاعل ضرورة بدون أن قوله: الوافر
ألم يأتيك والأنباء تنمي ... بما لاقت لبون بني زياد
فالباء في بما زائدة، وما: فاعل يأتيك. وقال ابن الضائع: الباء متعلقة ب؟ تنمي، وإن فاعل يأتي مضمر، والمسألة من التنازع. ومن ذلك: السريع
مهما لي الليلة مهما ليه ... أودى بنعلي وسرباليه
التقدير: أودى نعلاي. وقال ابن الحاجب: الباء للتعدية. وتقدم شرحهما مفصلاً.
ومن ذلك قول النمر بن تولب: الكامل
ظهرت ندامته وهان بسخطه ... شيئاً على مربوعها وعذارها
التقدير: هان سخطه. قال ابن عصفور: وبالجملة لا تنقاس زيادة الباء في سعة الكلام إلا في خبر ما، وخبر ليس، وفاعل كفى ومفعوله، وفاعل أفعل بمعنى ما أفعله. وما عدا هذا المواضع لا تزاد فيه الباء إلا في ضرورة شعر، أو شاذ من الكلام يحفظ، ولا يقاس عليه. انتهى.
ولقد أجاد ابن هشام في المغني في تحرير زيادة الباء.
والبيت من قصيدة طويلة لامرئ القيس، قالها بعد أن ذهب إلى الروم مستنجداً بقيصر للأخذ بثأر أبيه. وأولها:
سما لك شوق بعدما كان أقصرا ... وحلت سليمى بطن ظبي فعرعرا
إلى أن قال:
ألا هل أتاها والحوادث جمة ... ... ... ... ... البيت
قوله: سما لك ... إلخ، سما: علا وارتفع. وأقصر: كف. وحلت: نزلت. وبطن ظبي: موضع، ويقال: ماء من مياه كلب. وعرعر: واد.
وقوله: ألا هل أتاها الضمير لحبيبته. وقوله: والحوادث جمة، أي: كثيرة، جملة اعتراضية بين الفعل وفاعله.
وأورده الزمخشري عند قوله تعالى: " واتخذ الله إبراهيم خليلاً " على أنها جملة اعتراضية كقول امرئ القيس: والحوادث جمة، وفائدة الاعتراض الإخبار بأن هجرته عن بلاده حادثة من الحوادث. والعرب تتمدح بالإقامة في البدو، قال أبو العلاء: البسيط
ويوقدون بنجد نار بادية ... لا يحضرون وفقد العز في الحضر
قال أبو عبيد في الغريب المصنف: بيقر الرجل بيقرة، إذا هاجر من أرض إلى أرض. وأنشد هذا البيت.
وقال الجوهري: بيقر الرجل: أقام بالحضر، وترك قومه بالبادية. وأنشد هذا البيت.
وقال ابن دريد: بيقر الرجل، إذا خرج من الشام إلى العراق.
ولم يذكر ابن جني في شرح تصريف المازني غير هذا. وأنشد له البيت، والواقع يخالفه.
وتملك بفتح المثناة الفوقية: اسم امرأة، لا ينصرف. قال شارح ديوانه: تملك: بعض أمهاته.
قال صاحب الأغاني: أم امرئ القيس فاطمة بنت ربيعة، أخت كليب ومهلهل ابني ربيعة. وأم امرئ القيس بن السمط اسمها تملك بنت عمرو بن ربيعة بن زبيد ابن مذحج، رهط عمرو بن معد يكرب. وقد ذكر ذلك امرؤ القيس، فقال:
بأن امرأ القيس بن تملك بيقرا
انتهى.
ومثله في مختصر الجمهرة لياقوت وغيره، قالا: ومن بني امرئ القيس بن عمرو بن معاوية السمط، وأمه تملك بنت عمرو، من مذحج، هم التملكيون، بها يعرفون. وامرؤ القيس بن السمط بن امرئ القيس بن عمرو بن معاوية بن الحارث الأكبر الذي يقول فيه امرؤ القيس بن حجر:
يأن امرأ القيس بن تملك بيقرا
نسبه إلى جدته تملك. انتهى.

(3/428)


وكذا قال العسكري في كتاب التصحيف عند ما ذكر المسلمين بامرئ القيس. وهذا خلاف ما ذكره شراح شعره من أنه أراد نفسه. وهو الأغلب على الظن.
فمنهم من قال: أمة تملك، ومنهم من قال: جدته. ويحتمل أن تكون جدته من قبل أمه، أو أمهاتها. والله أعلم.
وقد ذكرنا أبياتاً كثيرة من هذه القصيدة، وذكرنا أيضاً طرفاً من حال امرئ القيس في الشاهد السابع والستين بعد الستمائة.
وأنشد بعده،
الشاهد الثاني والتسعون بعد السبعمائة
الطويل
فأصبحن لا يسألنه عن بما به ... أصعد في علو الهوى أم تصوبا
على أنه من الغريب زيادة الباء في المجرور، فإنها زيدت مع ما المجرورة ب؟ عن.
قال ابن جني في سر الصناعة: وأما قول الشاعر:
فأصبحن لا يسألنه عن بما به
فإنه أراد الباء، وفصل بها بين عن وما جرته. وهذا من غريب مواضعها. انتهى.
وقال الفراء في آخر تفسير سورة الإنسان: قرأ عبد الله: " وللظالمين أعد لهم " فكرر اللام في الظالمين، وفي لهم. وربما فعلت العرب ذلك.
أنشدني بعضهم: الطويل
فأصبحن لا يسألنه عن بما به ... أصعد في علو الهوى أم تصوبا
فكرر الباء مرتين. ولو قال: لا يسألنه عما به لكان أبين وأجود، ولكن الشاعر ربما زاد، أو نقص ليكمل الشعر. انتهى.
وعده ابن عصفور كالفراء من ضرائر الشعر، قال: ومنها إدخال الحرف على جهة التأكيد، لاتفاقهما في اللفظ والمعنى، أو في المعنى لا في اللفظ، نحو قول بعض بني أسد: الوافر
فلا والله لا يلفى لما بي ... ولا للما بهم أبداً دواء
فزاد على لام الجر لاماً أخرى للتأكيد. ونحوه قول الآخر، وأنشده الفراء: الرمل
فلئن قوم أصابوا عزة ... وأصبنا من زمان رنقا
للقد كنا لدى أزماننا ... لصنيعين لبأس وتقى
فزاد على لام لقد لاماً أخرى للتأكيد. ونحوه قول الآخر:
فأصبحن لا يسألنه عن بما به ... ... ... ... .. البيت
فأدخل عن على الباء تأكيداً، لأنهم يقولون: سألت عنه، وسألت به. والمعنى واحد. انتهى.
وصعد في الجبل بالتثقيل، إذا علاه. وصعد في الجبل، من باب تعب، لغة قليلة. وصعد في الوادي تصعيداً إذا انحدر. والهواء: ما بين السماء والأرض. والتصوب: النزول. كذا في المصباح.
وهذا البيت لم أقف على قائله ولا تتمته. والله أعلم.
وأنشد بعده،
الشاهد الثالث والتسعون بعد السبعمائة
الوافر
لدوا للموت وابنوا للخراب
على أن اللام في قوله للموت تسمى لام العاقبة، وهي فرع لام الاختصاص.
أقول: تسميتها بلام العاقبة وبلام الصيرورة هو قول الكوفيين، ومثلوه بقوله تعالى: " فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزنا " ، وبقول الشاعر: الطويل
فللموت تغذو الوالدات سخالها ... كما لخراب الدور تبنى المساكن
وبقول الآخر: المتقارب
فإن يكن الموت أفناهم ... فللموت ما تلد الوالده
وقال ابن هشام في المغني: وأنكر البصريون ومن تبعهم لام العاقبة. قال الزمخشري: والتحقيق أنها لام العلة، وأن التعليل فيها وارد على طريق المجاز دون الحقيقة. وبيانه: أنه لم يكن داعيهم إلى الالتقاط أن يكون لهم عدواً وحزناً، بل المحبة والتبني.
غير أن ذلك لما كان نتيجة التقاطهم له، وثمرته، شبهه بالداعي الذي يفعل الفعل لأجله، فاللام مستعارة لما يشبه التعليل، كما استعير الأسد لمن يشبه الأسد. انتهى.
وفهم منه أن اللام في هذه الأبيات للتعليل. وجعلها من فروع الاختصاص أولى، لأن التعليل أيضاً من فروع الاختصاص.
وهذا المصراع من أبيات في الديوان المنسوب إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهي: الوافر
عجبت لجازع باك مصاب ... بأهل أو حبيب ذي اكتئاب
شقيق الجيب داعي الويل جهلاً ... كأن الموت كالشيء العجاب
وسوى الله فيه الخلق حتى ... نبي الله عنه لم يحاب
له ملك يندي كل يوم ... لدوا للموت وابنوا للخراب

(3/429)


قال شارح ديوانه حسين الميبذي: المصاب: من أصابته مصيبة. والاكتئاب: الحزن. فإن قلت: الكاف مغنية عن كأن؟ قلت: قال التفتازاني في المطول: إن كأن تستعمل في مقام يظن بثبوت الخبر دون التشبيه. ولام للموت لام العاقبة، وهي فرع لام الاختصاص. انتهى.
وحتى: ابتدائية، ونبي الله مفعول مقدم ليحاب بمعنى يخص، كما تقدم مجيئه بهذا المعنى في شعر زهير.
ورأيت في الفصول القصار من نهج البلاغة لسيدنا علي رضي الله عنه: " إن لله ملكاً ينادي في كل يوم: لدوا للموت، واجمعوا للفناء، وابنو للخراب " .
ورأيت أيضاً في جمهرة أشعار العرب لمحمد بن أبي الخطاب: قد روي أن بعض الملائكة، قال:
لدوا للموت وابنوا للخراب ... فكلكم يصير إلى ذهاب
والبيت الثاني هو من أبيات مغني اللبيب، ولم يعرفه شراحه، وهو لسابق البربري.
قال ابن عبد ربه في العقد الفريد: وفد عبد العزيز بن زرارة سد أهل الكوفة على معاوية، فخرج مع يزيد بن معاوية إلى الصائفة فهلك هناك، فكتب به يزيد إلى معاوية، فقال معاوية لأبيه زرارة: أتاني اليوم نعي سيد شباب العرب! فقال زرارة: يا سيدي هو ابني أو ابنك؟ قال: بل ابنك. قال: للموت ما تلد الوالدة.
أخذه سابق البربري، فقال:
وللموت تغذو الوالدات سخالها البيت
وتغذو بمعجمتين، من الغذاء، بالكسر والمد: ما به نماء الجسم وقوامه. وغذوت الصبي بالطعام واللبن فاغتذى به. وأما الغداء بالفتح وإهمال الدال فطعام الغدوة، وهو خلاف العشاء.
والسخال، بالكسر: جمع سخلة، وهي ولد الشاة من الضأن والمعز، ذكراً كان أو أنثى. وفيه إقامة الظاهر مقام الضمير، إلا أنه باللفظ المرادف، إذ أصل الكلام كما تبنى المساكن لخرابها.
وكذا نسبه إلى سابق البربري صاحب كتاب التفسح في اللغة، وقال بعد أن أوردها: إنما ابتنوا دورهم للعمران، وغذوا أولادهم للبقاء لا للفناء، فلما علموا أن المصير إلى الموت والخراب، تركوا الشيء الذي غذوا له أولادهم وابتنوا دورهم، وأخبروا بمصيرهم لذلك، اعتباراً كما قال تعالى: " فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزنا " ، وإنما التقطوه ليكون لهم قرة عين، ولكن الله عز وجل وصف أمره بتصيره إلى ذلك. فهذا على الإخبار بالصيرورة. انتهى.
وسابق البربري هو أبو سعيد سابق بن عبد الله. له أشعار حسنة في الزهد. وهو من موالي بني أمية، سكن الرقة، ووفد على عمر بن عبد العزيز، وله معه حكايات لطيفة، روى عنه مكحول، وموسى بن أعين، والمعافي بن عمران وغيرهم.
والبربري: نسبة إلى البربر، وهي بلاد كثيرة في المغرب. قال ابن الأثير في الأنساب: ليس سابق منسوباً إلى البربر، وإنما هو لقب له.
والبيت الثالث هو من أبيات مغني اللبيب أيضاً. ولم يعرفه شراحه أيضا.
وهو من أبيات أورده ابن الأعرابي في نوادره لنهيكة بن الحارث المازني، من مازن فزارة، وهي:
لا يبعد الله رب العبا ... د والملح ما ولدت خالده
هم المطعمو الضيف شحم السنا ... م والقاتلو الليلة البارده
هم يكسرون صدور الرما ... ح في الخيل تطرد أو طارده
يذكرني حسن آلائهم ... تفجع ثكلانة فاقده
فإن يكن القتل أفناهم ... فللموت ما تلد الوالده
انتهى.
ونسبه المفضل بن سلمة في كتاب الفاخر لشتيم بن خويلد الفزاري. قال: والملح هنا: البركة. يقال: اللهم لا تبارك فيه، ولا تملحه.
وكلاهما جاهليان.
وقال أبو الوليد الوقشي فيما كتبه على كامل المبرد على هذا البيت: خالدة: هي بنت أرقم، أم كردم وكريدم ابني شعبة الفزاريين، وكردم هو الذي طعن دريد بن الصمة يوم قتل أخوه عبد الله.
وهذا المصراع وقع في شعر عبيد بن الأبرص الجاهلي أيضاً، لما قتله المنذر بن ماء السماء، قال له بعض الحاضرين: ما أشد جزعك للموت!.
فقال: المتقارب
لا غرو من عيشة نافده ... وهل ير ما ميتة واحده
فأبلغ بني وأعمامهم ... بأن المنايا هي الراصده
لها مدة فنفوس العباد ... إليها وإن كرهت قاصده
فلا تجزعوا لحمام دنا ... فللموت ما تلد الوالده

(3/430)


ووقع في شعر سماك بن عمرو الباهلي أيضاً، وهو أول من قال: لا أطلب أثراً بعد عين، وهو جاهلي أيضاً. قال لما خير بين أن يقتل هو أو أخوه مالك - فقتلوه دون أخيه - من أبيات:
فأقسم لو قتلوا مالكاً ... لكنت لهم حية راصده
برأس سبيل على مرقب ... ويوماً على طرق وارده
فأم سماك فلا تجزعي ... فللموت ما تلد الوالده
وأنشد بعده:
فلا والله لا يلفى لما بي ... ولا للما بهم أبداً دواء
وتقدم شرحه في الشاهد الرابع والثلاثين بعد المائة في باب المنادى.
وأنشد بعده،
الشاهد الرابع والتسعون بعد السبعمائة
الكامل
رب هيضل لجب لففت بهيضل
على أن رب فيه للتكثير. أي: كثيراً ما لففت هيضلاً بهيضل.
ورب على اختيار الشارح اسم، ومحلها رفع على الابتداء، والموجب لبنائها تضمنها معنى الإنشاء الذي حقه أن يؤدى بالحرف، كالاستفهام والأمر والنهي. ورب هنا مخففة مفتوحة الباء.
قال أبو علي في كتاب الشعر: الحروف على ضربين: حرف فيه تضعيف وحرف لا تضعيف فيه.
فالأول قد يخفف بالحذف منه، كما فعل ذلك في الاسم والفعل بالحذف والقلب، وذلك نحو: إن، وأن، ولكن، ورب والقياس إذا حذف المدغم فيه أن يبقى المدغم على السكون. وقد جاء:
أزهير إن يشب القذال فإنه ... رب هيضل لجب لففت بهيضل
ويمكن أن يكون الآخر منه حرك لما لحقه الحذف والتأنيث، فأشبه بهما الأسماء، كما حرك الآخر من ضرب. انتهى المراد منه.
ورواه ابن جني في المحتسب بسكون الباء. أنشد البيت، وقال: أراد رب فحذف إحدى الباءين وبقى الثانية مجزومة، كما كانت قبل الحذف.
ورواه العسكري في كتاب التصحيف بالوجهين. أنشد البيت، وقال: رب فيه خفيفة. ورواه بعضهم: رب هيضل بتسكين الباء.
وأنشد: الوافر
ألا رب ناصر لك من لؤي ... كريم لو تناديه أجابا
وتقول العرب: رب بالتشديد، ورب بالتخفيف، ورب رجل فيسكنون الباء، ثم يقولون: رُبَّت رجل ورُبَتَ رجل، ورَبَّ رجل فيفتحون الراء ويشددون، وربما رجل مشدد ومخفف، وربتما فيفتحون. حكى ذلك قطرب. انتهى.
وبهذا النقل يرد على أبي علي، وعلى ابن يعيش في قوله تبعاً له: إنهم قالوا: رب بضم الراء، وفتح الباء خفيفة، ويحتمل ذلك وجوهاً: أحدها: أنهم حذفوا إحدى الباءين تخفيفاً، كراهية التضعيف، وكان القياس أن يسكن آخرها، لأنه لم يلتق فيها ساكنان، كما فعلوا بإن ونظائرها حين خففوها، إلا أن المسموع رب بالفتح، نحو قوله:
رب هيضل لجل لففت بهيضل
كأنهم أبقوا الفتحة مع التخفيف دلالة على أنها كانت مثقلة مفتوحة.
ويمكن أن يكون إنما فتح باء رب لأنه لما لحقه الحذف وتاء التأنيث أشبهت الأفعال الماضية، ففتحت.
وقيل: إنهم لما استثقلوا التضعيف، حذفوا الحرف الساكن.
وقد قالوا: رب بالتخفيف وسكون الباء على القياس، حذفوا المتحرك، لأنه أبلغ في التخفيف. انتهى.
وقد نقض أول كلامه بآخره.
والبيت من قصيدة لأبي كبير الهذلي، وأولها: الكامل
أزهير هل عن شيبة من معدل ... أم لا سبيل إلى الشباب الأول
أم لا سبيل إلى الشباب وذكره ... أشهى إلي من الرحيق السلسل
ذهب الشباب وفات مني ما مضى ... ونضا زهير كريهتي وتبطلي
وصحوت عن ذكر الغواني وانتهى ... عمري وأنكرني الغداة تقتلي
أزهير إن يشب القذال فإنه ... رب هيضل مرس لففت بهيضل
فلففت بينهم لغير هوادة ... إلا لسفك للدماء محلل
وقوله: أزهير ... إلخ، الهمزة للنداء. وزهير: مرخم زهير، وهي ابنته. قال السكري، وكذا قال أبو سعيد: ومنهم من يقول امرأة، ومنهم من يقول: رجل.
أقول: يرد الأخيرين قوله في الرائية كما يأتي. والمعدل: العدول. والرحيق: الخمر.
والسلسل: العذب يتسلسل في الحلق تسلسلاً. ونضا، بالنون والضاد المعجمة، بمعنى انسلخ ومضى. وزهير منادى مرخم. وكريهته: شدته على الكريهة والحرب. وتبطله: أخذه في الباطل.
والغواني: جمع غانية، وهي المرأة التي غنيت بحسنها عن الزينة. والتقتل بالقاف: التلين والتكسر والتثني.

(3/431)


وقوله: أزهير إن يشب ... إلخ، هذا أيضاً منادى مرخم. والقذال: ما بين النقرة وأعلى الأذن، وهو أبطأ الرأس شيباً. والهيضل، بفتح الهاء والضاد المعجمة: الجماعة.
وقوله: لففت بهيضل يريد: جمعت بينهم في القتال. واللجب، بفتح اللام وكسر الجيم، في الصحاح: وجيش لجب: عرمرم، أي: ذو جلبة وكثرة.
واللجب، بفتح الجيم: الصوت والجلبة. وروى بدله: مرس بكسر الراء، أي: شديد.
وقوله: فلففت بينهم ... إلخ، قال السكري: يقول: إنما لففت بينهم ليقتتلوا، لا لهوادة، ولا لصداقة، وهو قوله: إلا لسفك للدماء محلل، أي: محلل النذر إذا بلغه. ومحلل: مما يستحل. الهوادة: الصلح، وأصله من اللين يقال: هود في السير، إذا لين.
قال ابن قيبة في كتاب الشعراء: أبو كبير هو عامر بن حليس، وله أربع قصائد أولها كلها شيء واحد. ولا يعرف أحد من الشعراء فعل ذلك. انتهى.
أقول: ثانيها: الكامل
أزهير هل عن شيبة من مقصر ... أم لا سبيل إلى الشباب المدبر
فقد الشباب أبوك إلا ذكره ... فاعجب لذلك فعل دهر واهكر
قال السكري: الهكر من أشد العجب. وهذا خطاب لنفسه.
وثالثها: الكامل
أزهير هل عن شيبة من مصرف ... أم لا خلود لباذل متكلف
ورابعها: الكامل
أزهير هل عن شيبة من معكم ... أم لا خلود لباذل متكرم
قال السكري: من معكم: من مرجع، يقل: عكم يعكم.
وأبو كبير الهذلي صحابي تقدمت ترجمته مع شرح أبيات من هذه القصيدة في الشاهد الثامن بعد الستمائة.
وأنشد بعده:
ماوي يا ربتما غارة ... شعواء كاللذعة بالميسم
وتقدم شرحه قريباً في الشاهد الستين بعد السبعمائة.
وأنشد بعده،
الشاهد الخامس والتسعون بعد السبعمائة
الطويل
فإن تمس مهجور الفناء فربما ... أقام به بعد الوفود وفود
على أن ربما فيه للتكثير. وهو ظاهر.
وأورده الزمخشري عند قوله تعالى: " قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذاً " على أن قد إذا دخلت على المضارع كانت بمعنى ربما، فتوافقها في خروجها إلى معنى التكثير كما في البيت، فإن المضارع كانت بمعنى ربما، فتوافقها في خروجها إلى معنى التكثير كما في البيت، فإن المقام مقام مدح لا يناسب التقليل، وإلا لكان ذماً. ورب هنا مكفوفة بما عن عمل الجر، ومهيئة للدخول على الجملة الفعلية.
ولا يتأتى هنا ما اختار الشارح من أنها اسم مبتدأ، إذ لا مجرور موصوف بجملة فعلية. ولا يعرف على اختياره ما موقع الجملة بعد رب المكفوفة.
والبيت من أبيات أربعة أوردها أبو تمام في باب المراثي من الحماسة لأبي عطاء السندي، رثى بها يزيد بن هبيرة الفزاري، وهي:
ألا إن عيناً لم تجد يوم واسط ... عليك بجاري دمعها لجمود
عشية قام النائحات وشققت ... جيوب بأيدي مأتم وخدود
فإن تمس مهجور الفناء فربما ... أقام به بعد الوفود وفود
فإنك لم تبعد على متعهد ... بلى كل من تحت التراب بعيد
وقيل رثاه بها معن بن زائدة الشيباني، وكان من أتباع ابن هبيرة ومن أكبر أعوانه في الحروب وغيرها.
وابن هبيرة مولده الشام في سنة سبع وثمانين، ولي قنسرين للوليد بن يزيد بن عبد الملك، وكان مع مروان بن محمد آخر ملوك بني أمية، يوم غلب على دمشق وجمع له ولاية العراقين، فلما أدبرت دولة بني مروان خرج قحطبة بن شبيب في سنة اثنتين وثلاثين ومائة، أحد دعاة بني العباس، في جيوش خراسان، ثم ولده الحسن من بعده فهزموه، ولحق ابن هبيرة بمدينة واسط، فحاصره أبو جعفر المنصور مع الحسن، وجرت السفراء بين أبي جعفر وابن هبيرة، حتى جعل له أماناً، وكتب به كتاباً.
فمكث يشاور فيه العلماء أربعين ليلة حتى رضي به ابن هبيرة، ثم أنفذه إلى أبي جعفر، فأنفذه أبو جعفر إلى أخيه السفاح، فأمره بإمضائه له.
ولما تم الكتاب خرج ابن هبيرة إلى أبي جعفر في ألف وثلثمائة، فأراد أن يدخل الحجرة على دابته، فقام إليه الحاجب، فقال: مرحباً أبا خالد، انزل راشداً! وقد أطاف بالحجرة عشرة آلاف من أهل خراسان. فنزل ودعا له بوسادة، ثم قال له الحاجب: ادخل أبا خالد.

(3/432)


فقال له: أنا ومن معي من القواد. فقال له: إنما استأذنت لك وحدك. فدخل على أبي جعفر وحادثه ساعة ثم انصرف. فقال أبو جعفر للحاجب: قل لابن هبيرة يدع الجماعة، ويأتينا بحاشيته.
وجاء بعد في نحو من ثلاثين، فكان بعد ذلك يأتي في ثلاثة من أصحابه، يتغذى، ويتعشى عنده، وألح أبو العباس على أبي جعفر يأمره بقتله، وهو يراجعه، فكتب إليه: والله لتقتلنه، أو لأرسلن إليه من يخرجه من حجرتك ثم يقتله. فعزم على قتله، وأرسل الهيثم بن شعبة في نحو من مائة فأرسلوا إلى ابن هبيرة: إنا جئنا لنأخذ هذا المال. فقال ابن هبيرة لحاجبه: انطلق فدلهم عليه.
فأقاموا عند كل بيت نفراً، ثم جعلوا ينظرون في نواحي الدار، ومع ابن هبيرة ابنه داود وكاتبه وحاجبه، وعدة من مواليه، وبني له صغير في حجره، فأقبلوا نحوه فقام حاجبه في وجوههم فضربه الهيثم فقتله، وقاتل ابنه داود فقتل، وقتل مواليه، ونحي الصبي من حجره، وخر ساجداً، فقتل وهو ساجد.
وكان قتله بواسط يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة سنة اثنتين وثلاثين ومائة.
ولما قتل كان معن بن زائدة غائباً عند السفاح فسلم، فرثاه أبو عطاء السندي بهذه الأبيات، وقيل معن بن زائدة.
قال ابن عساكر في تاريخه الكبير: كان ابن هبيرة إذا أصبح أتى بعس، وهو القدح الكبير، وفيه لبن قد حلب على عسل، وأحياناً على سكر فيشربه، فإذ صلى الغداة جلس في مصلاه حتى يحركه اللبن، فيدعو بالغداء، فيأكل دجاجتين، وفرخي حمام، ونصف جدي، وألواناً من لحم، ثم يخرج، فينظر في أمور الناس إلى نصف النهار، ثم يدخل فيدعو جماعة من خواصه وأعيان الناس، ويدعو بالغداء فيتغدى ويعظم اللقم ويتابع، فإذا فرغ من الغداء دخل إلى نسائه، حتى يخرج إلى صلاة الظهر، ثم ينظر في أمور الناس.
فإذا صلى العصر وضع له سرير، ووضعت الكراسي للناس، فإذا أخذوا مجالسهم أتوهم بعساس اللبن والعسل، وألوان الأشربة، ثم توضع السفرة والطعام للعامة، ويوضع له ولإخوانه خوان مرتفع، فيأكل معه الوجوه ثم يتفرقون للصلاة، ثم يأتيه سماره فيحضرون مجلسه فيسامرونه حتى يذهب عامة الليل.
وكن يسأل كل ليلة عشر حوائج، فإذا أصبحوا قضيت. وكان رزقه ستمائة ألف درهم، فكان يقسم كل شهر في أصحابه من قومه، ومن الفقهاء والوجوه وأهل البيوتات أكثر من نصفها.
روي أن شريك بن عبد الله النمري سايره يوماً، فبرزت بغلة شريك، فقال له ابن هبيرة: غض من لجامها. فقال شريك: إنها مكتوبة، أصلح الله الأمير! فقال ابن هبيرة: ما ذهبت حيث أردت.
وقول ابن هبيرة: غض من لجامها، يشير إلى قول جرير: الوافر
فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعباً بلغت ولا كلابا
فعرض له شريك بقول ابن دارة: البسيط
لا تأمنن فزارياً خلوت به ... على قلوصك واكتبها بأسيار
وكان بنو فزارة في العرب يرمون بإتيان الإبل.
وأخبار ابن هبيرة ومحاسنه كثيرة.
وقوله: ألا إن عيناً لم تجد ... إلخ، افتتح كلامه بحرف التنبيه، ثم أخذ يعظم أمر الفجيعة، ويبين موقعها من النفوس، وتأثيرها في القلوب، فقال: إن عيناً لم تجد بدمعها عليك يوم واسط لشديدة البخل بما في شؤونها من الماء.
قال الجواليقي في شرح أدب الكاتب: لم تجد: لم تسمح بالبكاء. وجمود: قليلة الدمع، يقال: عين جامدة وجمود. وسنة جماد: قليلة القطر.
وقوله: عشية قام النائحات ... إلخ، عشية بدل من يوم واسط.
قال ابن السيد في شرح أدب الكاتب إن قيل: كيف جاز أن يعمل فيه لم يجد، وقد حال الخبر وهو الجمود، بين العامل والمعمول.
ولو قلت: إن الضارب أخوك زيداً، أو إن خارجاً غير مصيب يوم الجمعة لم يجز، وإنما يجب فيهما تقديم المعمول على الخبر؟ قلت: إن العشية لما كانت بدلاً من يوم، والمبدل يقدر من جملة أخرى، ويقدر معه إعادة العامل جاز ذلك.
وقد أجاز النحويون تأخر الصفة بعد الخبر في نحو: إن زيداً خارج الكريم، والصفة أشد اتصالاً بالموصوف من البدل. وأجازوا ذلك في المعطوف، نحو: إن زيداً خارج وعمراً وعمرو: على اللفظ وعلى الموضع. وإذا جاز في الصفة كان في البدل أجوز.
وقوله: قام النائحات، أي: تهيأن للنوح. والمأتم: النساء يجتمعن في الخير والشر، قال الخطيب: وأصله من الأتم وهو التقاء المسلكين، ومنه الأتوم في صفة النساء.

(3/433)


وقوله: فإن تمس مهجور ... إلخ، الفناء بكسر الفاء والمد: ساحة الدار.
والوفود: الزوار وطلاب الحاجات. قال المرزوقي: الرواية المختارة: وربما أقام بالواو.
وذلك أن جواب الشرط في قوله:
فإنك لم تبعد على متعهد
ويصير وربما أقام بيان الحال فيما تقدم من رياسته وقت توفر الناس على قصده وزيارته.
والمعنى: إن مت وصرت مهجور الساحة، وربما كانت الوفود تزدحم على بابك، فإنك الساعة لم تبعد على من يتعهدك، ويريد قضاء حقك، وإقامة الرسم في زيارتك.
ثم قال مستدركاً على نفسه:
بلى كل من تحت التراب بعيد
ويريد بالمتعهد متتبع العهود بالحفظ لها، ومنعها من الدروس. وإذا رويت فربما وجعلته جواب الشرط يكون فإنك لم تبعد استئناف كلام.
والمعنى: إن هجر فناؤك اليوم فربما كان مألفاً للوفود أيام حياتك. وتقول العرب: هذا بذاك، أي: عوض من ذاك.
وقال ابن جني في إعراب الحماسة: ينبغي أن يكون جواب الشرط مستقبلاً، وربما جاءت مكانه جملة ماضية، والشرط لا يصح إلا بالاستقبال، والمستقبل لا يكون علة للماضي؛ لئلا يتقدم المعلول على علته.
وإذا كان الأمر كذلك، فالكلام محمول على معناه دون لفظه. ألا ترى أن معناه إن أمسيت هكذا فتسل عنه بذكر ما مضى، أي: فليكن هذا بإزاء ذلك. انتهى.
وهذا البيت من الاستدراك، وهو من محاسن الشعر. والاستدراك: أن يأخذ الشاعر في معنى يرسله، أو وصف يذكره يستدركه على نفسه.
وأبو عطاء السندي قيل اسمه مرزوق، وهو قول ابن قتيبة. وقال أبو عبيد البكري في شرح أمالي القالي: هو أفلح بن يسار، مولى لبني أسد. وكان يسار سندياً، أعجمياً لا يفصح، وأبو عطاء ابنه عبد أسود لا يكاد يفصح أيضاً، جمع بين لثغة ولكنة، وهو مع ذلك من أحسن الناس بديهة، وأشدهم عارضة وتقدماً.
وهو شاعر فحل في طبقته، أدرك الدولتين. وكان من شعراء بني أمية وشيعتهم، وهجا بني هاشم، ومات عقب أيام المنصور.
ودخل يوماً على المنصور وهو يسحب الوشي والخز، فقال له المنصور: أنى لك هذا يا أبا عطاء؟ فقال: كنت ألبس هذا في الزمن الصالح. ثم ولى ذاهباً فاستخفى، فما ظهر حتى مات المنصور.
فمما قال في بني هاشم: الطويل
بني هاشم عودوا إلى نخلاتكم ... فقد قام سعر التمر صاع بدرهم
فإن قلتم رهط النبي صدقتم ... فهذي النصارى رهط عيسى بن مريم
انتهى.
وقال ابن قتيبة في كتاب الشعراء: أبو عطاء السندي اسمه مرزوق، وكان جيد الشعر، وكانت به لكنة.
قال حماد الراوية: كنت يوماً وحماد عجرد، وحماد بن الزبرقان مجتمعين، فنظر بعضنا إلى بعض فقلنا: لو بعثنا إلى أبي عطاء.
فبعثنا إليه فقلنا: من يحتال حتى يقول: جرادة، وزج، وشيطان؟ فقلت: أنا. وجاء فقال: من هاهنا؟ فقلنا: ادخل. فدخل فقلنا: أتتعشى؟ فقال: قد تأسيت. قلت: أفتشرب؟ قال: بلى. فشرب حتى استرخى. فقال حماد الراوية: كيف بصرك باللغز؟ قال: هسن. قال: الوافر
فما صفراء تكنى أم عوف ... كأن رجيلتيها منجلان
فقال: زرادة. قال: أصبت. ثم قال: الوافر
فما اسم حديدة في الرمح ترسى ... دوين الصدر ليست بالسنان
قال: زز. قال: أحسنت. ثم قال: الوافر
أتعرف مسجداً لبني تميم ... فويق الميل دون بني أبان
قال: بني سيتان. فقلنا: أصبت يا أبا عطاء، وضحكنا. انتهى.
وفي رواية غيره أنه أجابه في الأول ببيت، وهو:
فتلك زرادة وأذن ذناً ... بأنك قد عنيت به لساني
يريد بالزرادة: الجرادة. وأذن ذناً، أي: أظن ظناً.
وأنشد بعده: البسيط
هذا سراقة للقرآن يدرسه
على أن الضمير في يدرسه ضمير المصدر المفهوم من يدرس، أي: يدرس الدرس.
وقد تقدم شرحه في الشاهد الثاني والثمانين.
وتمامه:
والمرء عند الرشا إن يلقها ذيب
وأنشد بعده: المديد
غير مأسوف على زمن ... ينقضي بالهم والحزن
وتقدم شرحه في الشاهد الثالث والخمسين من باب المبتدأ.
وأنشد بعده،
الشاهد السادس والتسعون بعد السبعمائة
وهو من شواهد س: الرجز
يا رب هيجا هي خير من دعه
على أنه يجوز أن تقع الجملة الاسمية نعتاً لمجرور رب، ف؟ هي مبتدأ، وخير خبره، والجملة نعت لهيجا، وهي الحرب، تمد وتقصر، وهي هنا مقصورة.

(3/434)


والدعة: الخفض والراحة. والهاء عوض من الواو، تقول منه: ودُع الرجل بالضم، فهو وديع، أي: ساكن، ووداعٌ أيضاً. والموادعة: المصالحة. ويا: حرف تنبيه، أو حرف نداء، والمنادى محذوف.
ورب هنا للتكثير، وهي اسم مبتدأ على ما اختاره الشارح المحقق لا خبر لها، والجملة التي هي نعت مجرورها، قد سدت مسد الخبر، لا يقدر لها جواب يعلم في محل مجرورها.
وهو من رجز للبيد بن ربيعة العامري الصحابي، أورده ثعلب في أماليه، وهو:
لا تزجر الفتيان عن سوء الرعه ... يا رب هيجا هي خير من دعه
في كل يوم هامتي مقزعه ... نحن بنو أم البنين الأربعه
نحن خيار عامر بن صعصعه ... المطعمون الجفنة المدعدعه
والضاربون الهام تحت الخيضعه ... يا واهب المال الجزيل من سعه
إليك جاوزنا بلاداً مسبعه ... إذ الفلاة أوحشت في المعمعه
يخبرك عن هذا خبير فاسمعه
فقال النعمان: ما هو؟ فقال:
مهلاً أبيت اللعن لا تأكل معه
فقال النعمان: ولم؟ قال:
إن استه من برص ملمعه
قال النعمان: وما علي؟؟! قال:
وإنه يدخل فيها إصبعه ... يدخلها حتى يواري أشجعه
كأنما يطلب شيئاً ضيعه
الرعة: حالة الأحمق التي رضي بها.
وقوله: مقزعة، يقول: أنا أقاتل في كل يوم وأقاتل. والمدعدعة: المملوءة. والخيضعة: أصوات الحرب. انتهى.
وهذا السياق مبتور لا ينتفع به، وأوفى ما رأيته ما رواه السيد المرتضى علم الهدى في أماليه المسماة بغرر الفرائد، ودرر القلائد، قال: إن عمارة، وأنساً، وقيساً، والربيع، بني زياد العبسيين، وفدوا على النعمان ابن المنذر، ووفد عليه العامريون بنو أم البنين، وعليهم أبو براء عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب، وهو ملاعب الأسنة، وكان العامريون ثلاثين رجلاً، وفيهم لبيد ابن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب، وهو يومئذ غلام له ذؤابة.
وكان الربيع بن زياد العبسي ينادم النعمان ويكثر عنده، ويتقدم على من سواه، وكان يدعى الكامل لشطاطه، وبياضه، وكماله، فضرب النعمان قبة على أبي براء، وأجرى عليه، وعلى من كان معه النزل، وكانوا يحضرون النعمان لحاجتهم، فافتخروا يوماً بحضرته، فكاد العبسيون يغلبون العامريين.
وكان الربيع إذا خلا بالنعمان طعن فيهم. وذكر معايبهم، ففعل ذلك مراراً لعداوتهم لبني جعفر، لأنهم كانوا أسروه، فصد النعمان عنهم حتى نزع القبة عن أبي براء، وقطع النزل، ودخلوا عليه يوماً، فرأوا منه جفاء وقد كان قبل ذلك يكرمهم، ويقدم مجلسهم، فخرجوا من عنده غضاباً، وهموا بالانصراف، ولبيد في رحالهم يحفظ أمتعتهم، ويغدو بإبلهم فيرعاها، فإذا أمسى انصرف بها.
فأتاهم تلك الليلة، وهم يتذاكرون أمر الربيع، فقال لهم: ما لكم تتناجون؟ فكتموه، وقالوا له: إليك عنا. فقال: أخبروني فلعل لكم عندي فرجاً. فزجروه، فقال: لا والله لا أحفظ لكم، ولا أسرح لكم بعيراً أو تخبروني.
وكانت أم لبيد عبسية في حجر الربيع، فقالوا له: إن خالك قد غلبنا على الملك، وصد عنا وجهه.
فقال لهم: هل تقدرون أن تجمعوا بيني وبينه غداً، حين يقعد الملك، فأرجز به رجزاً ممضاً مؤلماً، لا يلتفت إليه النعمان بعده أبداً؟ قالوا له: وهل عندك ذلك؟ قال: نعم.
قالوا: إنا نبلوك بشتم هذه البقلة، وقدامهم بقلة دقيقة القضبان، قليلة الورق، لاصقة فروعها بالأرض - تدعى التربة - فاقتلعها من الأرض وأخذها بيده، وقال: هذه البقلة التربة الثفلة الرذلة، التي لا تذكي ناراً، ولا تسر جاراً، عودها ضئيل، وفرعها ذليل، وخيرها قليل. بلدها شاسع، ونبتها خاشع، وآكلها جائع، والمقيم عليها قانع. أقصر البقول فرعاً، وأخبثها مرعى، وأشدها قلعاً، فحرباً لجارها وجدعاً. القوا بي أخا عبس، أرجعه عنكم بتعس ونكس، وأتركه من أمره في ليس.
فقالوا: نصبح، ونرى فيك رأينا. فقال لهم عامر: انظروا إلى غلامكم هذا، فإن رأيتموه نائماً، فليس أمره بشيء، إنما تكلم بما جرى على لسانه. وإن رأيتموه ساهراً فهو صاحبكم.

(3/435)


فرمقوه بأبصارهم، فوجدوه قد ركب رحلاً يكدم واسطته حتى أصبح. فلما أصبحوا، قالوا: أنت والله صاحبه. فحلقوا رأسه، وتركوا له ذؤابتين، وألبسوه حلة، وغدوا به معهم، فدخلوا على النعمان، فوجدوه يتغدى، ومعه الربيع، ليس معه غيره، والدار والمجالس مملوءة بالوفد.
فلما فرغ من الغداء أذن للجعفريين فدخلوا عليه، والربيع إلى جانبه. فذكروا للنعمان حاجتهم، فاعترضهم الربيع في كلامهم، فقال لبيد، وقد دهن أحد شقي رأسه وأرخى إزاره، وانتعل نعلاً واحدة - وكذلك كانت الشعراء تفعل في الجاهلية إذا أرادت الهجاء - فمثل بين يديه ثم قال:
يا رب هيجا هي خير من دعه ... إذ لا تزال هامتي مقزعه
نحن بني أم البنين الأربعة ... ونحن خير عامر بن صعصعه
المطعمون الجفنة المدعدعه ... والضاربون الهام تحت الخيضعه
مهلاً أبيت اللعن لا تأكل معه ... إن استه من برص ملمعه
وإنه يدخل فيها إصبعه ... يدخلها حتى يواري أشجعه
كأنما يطلب شيئاً ضيعه
فلما فرغ لبيد التفت النعمان إلى الربيع يرمقه شزراً. قال: أكذلك أنت؟ قال: كذب والله ابن الحمق اللئيم؟ فقال النعمان: أف لهذا الطعام، لقد خبث علي طعامي. فقال الربيع: أبيت اللعن، أما إني قد فعلت بأمه! لا يكني. وكانت في حجره.
فقال لبيد: أنت لهذا الكلام أهل؟! أما إنها من نسوة غير فعل، وأنت المرء قال هذا في يتيمته.
ووجدت في رواية أخرى: أما إنها من نسوة فعل. وإنما قال ذلك لأنها كانت من قوم الربيع، فنسهبا إلى لقبيح وصدقه عليها، تهجيناً له ولقومه.
فأمر الملك بهم جميعاً فأخرجوا، وأعاد أبي براء القبة، وانصرف الربيع إلى منزله، فبعث إليه النعمان بضعف ما كان يحبوه به، وأمره بالانصراف إلى أهله. فكتب إليه: إني قد تخوفت أن يكون قد وقع في صدرك ما قال لبيد، ولست برائم حتى تبعث من يجردني ليعلم من حضرك من الناس أني لست كما قال.
فأرسل إليه إنك لست صانعاً بانتفائك مما قال لبيد شيئاً، ولا قادراً على رد ما زلت به الألسن، فالحق بأهلك! ثم كتب إليه النعمان في جملة ما كتبه أبياتاً جواباً عن أبيات كتبها إليه الربيع مشهورة: البسيط
شمر برحلك عني حيث شئت ولا ... تكثر علي ودع عنك الأقاويلا
قد قيل ذلك إن حقاً وإن كذباً ... فما اعتذارك من شيء إذا قيلا
وقد جاءنا هذا الخبر من عدة طرق، وفي كل زيادة على الآخر، ولم نأت بجميع الخبر على وجهه، بل أسقطنا منه ما لم نحتج إليه. انتهى.
وقال أبو الحسن الطوسي في شرح ديوان لبيد: إن بني أم البنين وجماعة منهم، أتوا النعمان أول ما ملك، في أسارى من بني عامر يشترونهم منه. إلى آخر ما أوردناه في الشاهد الثامن والأربعين بعد المائتين في شرح قوله:
قد قيل ذلك إن حقاً وإن كذباً ... ... ... ... ... البيت
وساق هذا الخبر كالطوسي الخطيب التبريزي في شرح ذيل المعلقات، وأورد الأبيات كثعلب إلا البيت الأول.
وقوله:
يخبرك عن هذا خبير فاسمعه
فإنه أسقطهما.
وقوله:
في كل يوم هامتي مقزعه
قال السيد المرتضى: القزع: تساقط بعض الشعر والصوف، وبقاء بعضه. يقال: كبش أقزع، وناقة قزعاء.
وقوله: نحن بنو أم .... إلخ، هذا البيت من شواهد سيبويه، أورده في باب الاختصاص الذي يجري على ما جرى عليه النداء. قال: وأما قول لبيد:
نحن بنو أم البنين الأربعة
فلا ينشدونه إلا رفعاً، لأنه لم يرد أن يجعلهم إذا افتخروا أن يعرفوا بأن عدتهم أربعة، ولكنه جعل الأربعة وصفاً ثم قال: المطعمون الفاعلون، بعد ما حلاهم ليعرفوا. انتهى.
وخالفه المبرد، وقال: النصب فيه جيد على وجهين: أحدهما: أن أم البنين امرأة شريفة، وبنوها الأربعة كلهم سيد فينصب بني على الفخر.
والوجه الآخر: على معنى أعني، بلا مدح ولا ذم.
قال النحاس بعد ما نقله: هذا الذي ذهب إليه سيبويه صحيح، ألا تراه قال: إنه لم يرد أن يجعلهم... إلخ، فهذا قول صحيح. فيجوز أن يكون بنو خبر نحن، والأربعة نعت كما قال سيبويه، والمطعمون خبر بعد خبر.

(3/436)


ويجوز أن يكون بدلاً من نحن والمطعمون خبر، والأربعة صفة للبنين. فإذا رفع، فإنما أفاد هذا النسب. فإذا نصب فالخبر ما بعده، ونصبه على الاختصاص. انتهى.
وكذا ذهب ثعلب في أماليه، قال بعضهم ينصب بني وليس بالوجه، لأنه ليس مدحاً يمدح نفسه بأن عددهم أربعة.
والعرب تفعل هذا في بني، ورهط، ومعشر، وآل. قال الفراء: كأنهم قالوا: نحن جميعاً نقول ذلك. انتهى.
وأم البنين: اسمها ليلى بنت عامر. قاله السهيلي في الروض.
وقال السيد المرتضى: هي بنت عمرو بن عامر بن ربيعة بن صعصعة، وكانت تحت مالك بن جعفر بن كلاب، ولدت له عامر بن مالك ملاعب الأسنة. وطفيل ابن مالك فارس قرزل، وهو أبو عامر بن الطفيل، وقرزل: فرس كانت له. وربيعة ابن مالك أبا لبيد، وهو ربيع المقترين. ومعاوية بن مالك معود الحكماء. وإنما لقب بهذا لقوله: الوافر
أعوذ مثلها الحكماء بعدي ... إذا ما الحق في الأشياع نابا
وولدت عبيدة الوضاح. فهؤلاء خمسة. وقال لبيد: أربعة، لأن الشعر لا يمكنه غير ذلك.
قال السهيلي: وسمي ملاعب الأسنة في ويوم سوبان، وهو يوم كانت فيه وقعة في أيام جبلة، وهي أيام حرب كانت بين قيس وتميم. وجبلة: اسم لهضبة عالية.
وسبب تسميته ملاعب الأسنة أن أخاه الذي يقال له فارس قرزل، وهو الطفيل، كان أسلمه في ذلك اليوم وفر، فقال شاعر: الطويل
فررت وأسلمت ابن أمك عامراً ... يلاعب أطراف الوشيج المزعزع
فسمي ملاعب الرماح، وملاعب الأسنة. قال لبيد:
وأبنا ملاعب الرماح ... ومدره الكتيبة الرداح
انتهى.
وقال مغلطاي في الزهر الباسم: يخدش فيه ما ذكره سابقاً: أن عامر بن مالك ملاعب الرماح، وعامر بن الطفيل ملاعب الأسنة لقبا بهما مبالغة في وصف شجاعتهما.
ثم قال السهيلي: وسمي معاوية معود الحكماء بقوله:
يعود مثلها الحكماء بعدي ... إذا ما الأمر في الحدثان نابا
وفي هذا الشعر:
إذا سقط السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا
وقول السيد المرتضى: إن لبيداً إنما قال أربعة، وهم خمسة لضرورة الشعر، هذا قول الفراء، وهو قول فارغ. والصواب كما قال ابن عصفور في الضرائر: لم يقل إلا أربعة، وهم خمسة، على جهة الغلط. وإنما قال ذلك لأن أباه كان مات، وبقي أعمامه، وهم أربعة.
وهو مسبوق بالسهيلي، فإنه قال: وإنما قال الأربعة لأن أباه كان قد مات قبل ذلك، لا كما قال بعض الناس. وهو قول يعزى إلى الفراء، أنه قال: إنما قال أربعة، ولم يقل خمسة من أجل القوافي. فيقال له: لا يجوز للشاعر أن يلحن لإقامة وزن الشعر، فكيف بأن يكذب لإقامة الوزن.
وأعجب من هذا أنه استشهد به على تأويل فاسد تأوله في قوله سبحانه: " ولمن خاف مقام ربه جنتان " ، وقال: أراد جنة واحدة وجاء بلفظ التثنية لتتفق رؤوس الآي، وكلاماً هذا معناه. فصمي صمام ما أشنع هذا الكلام، وأبعده عن العلم، وفهم القرآن، وأفل هيبة قائله من أن يتبوأ مقعده من النار، فحذار منه حذار.
ومما يدلك أنهم كانوا أربعة حين قال لبيد هذه المقالة أن في الخبر يتم لبيد وصغر سنه، وأن أعمامه الأربعة استصغروه أن يدخلوه معهم إلى النعمان. فبان بهذا أنهم كانوا أربعة. ولو سكت الجاهل لقل الخلاف. انتهى.
وقوله:
المطعمون الجفنة المدعدعة
الجفنة، بفتح الجيم: القصعة الكبيرة. قال أبو حنيفة في كتاب النبات: ولا آنية أكبر من الجفنة.
والمدعدعة في قول لبيد هي المملوءة، فهو بالدال المهملة. قال في الصحاح: دعدعت الشيء: ملأته. وجفنة مدعدعة، أي: مملوءة. وقوله: تحت الخيضعة بالخاء والضاد المعجمتين.
قال السيد: ذكر الأصمعي أن لبيداً، قال: تحت الخضعة يعني الجلبة والأصوات، فغيرته الرواة. وقيل: إن الخيضعة أصوات وقع السيوف. والخيضعة أيضاً: البيضة التي تلبس على الرأس. والخيضعة: الغبار. والقول يحتمل كل ذلك. انتهى.
وقال أبو عبيد في الغريب المصنف: الخيضعة: البيضة. وأنشد هذا البيت. ورد عليه علي بن حمزة في كتاب التنبيهات بأن هذا لم يقله أحد قط، وإنما اختلاف أهل العلم في رواية الشعر، فرواه قوم: تحت الخيضعة، كما روي، وفسروه بأن قالوا: الخيضعة: اختلاط الأصوات في الحرب.

(3/437)


ورواه آخرون: تحت الخضعة، وقالوا: هي السيوف. وقال أبو حاتم: إنما قال لبيد تحت الخضعة، فزادوا الياء فراراً من الزحاف. انتهى.
وقوله: بلاداً مسبعة، البلاد: الأراضي. وأرض مسبعة بالفتح، أي: ذات سباع. والمعمعة، قال صاحب الصحاح: هي صوت الحريق في القصب ونحوه، وصوت الأبطال في الحرب.
والملمع: الذي يكون في جسده بقع تخالف سائر لونه. والأشجع: أصول الأصابع التي تتصل بعصب ظاهر الكف.
وترجمة لبيد تقدمت في الشاهد الثاني والعشرين بعد المائة.
وأورد ابن الحباب السعدي في كتاب مساوي الخمر حكاية مناسبة رأينا إيرادها هنا، قال: ذكر بديع الزمان الهمذاني أنه لاعب أبا سعيد، خليفة أبي علي الحسين بن أحمد بجرجان، الشطرنج على خاتمين، قمره البديع عليهما، فأبى أن يعطيه إياهما، فذكر قصة طويلة أفضت الحال فيها بينهما بعد مراسلات بهجاء من البديع، وإغلاظ من الآخر، إلى أن اجتمع هو والبديع على مائدة صاحب أبي علي الحسين.
قال البديع: وكان هذا الرجل أقرع، ولم يكن أحد يجسر أن يذكر بحضرته القرع ولا القرعة، ولا تقارع الأقران، ولا الأقرع بن حابس، ولا بني قريع، ولا يقرأ سورة القارعة. فلما وضعت المائدة أمسكت عن الطعام، فقال: مالك لا تأكل؟ فقلت: وأشرت إلى أبي سعيد:
مهلاً أبيت اللعن لا تأكل معه ... استقذرته وتجنب قرعه
فإنه ينحي عليها إصبعه ... يحك تلك الهامة الملمعه
لا تدنه وذلك الرأس معه ... ومره إن أدنيته أن يضعه
إن لم يزايل عن حماك موضعه ... فارسم لفراشك ذا أن يصفعه
قال: فأطرقت الجماعة، وبقي الأستاذ داهشاً، ثم قال: يا مولاي إن لم يحتشمني ما يحتشم المائدة؟ فقلت له: أطال الله بقاءك، ما أسرع ما أراك تتقذر؟ وحياتك علي لأنشدنك فيه ألف بيت بعضها يلعن بعضاً، إلا أن يعطيني خاتميه عطاء صغرياً.
فقال الأستاذ: أمر الخاتمين أسهل، فما السبب؟ فقصصت القصة عليه، فمال إليه، وقال: أشهد أنك ساقط الهمة، أما علمت أنه إن قمر أو قمر أعطى الخطر! ثم تناول الخاتمين، وناولنيهما، وسألني السكوت عنه، وعاهدني أن لا أزيد. انتهى.
ونشد بعده،
الشاهد السابع والتسعون بعد السبعمائة
الخفيف
رب رفد هرقته ذلك اليو ... م وأسرى من معشر أقيال
على أن الأكثر مراعاة الأصل في وقوع صفة مجرور رب جملة فعلية، سواء كانت مذكورة أو مقدرة.
وقد اجتمعنا في هذا البيت. أما الأول فهو جملة: هرقته صفة لرفد، وهو القدح الكبير. وإراقة الرفد كناية عن القتل والإماتة.
وأما الثاني فإن أسرى مجرور ب؟ رب المذكورة بطريق التبعية، ومن معشر متعلق بأسرى، وصفة أسرى محذوف، تقديره: حصلت لي، ولا جواب لرب في الموضعين، لأن معنى الكلام تام لا يفتقر إلى شيء سوى الصفة المقدرة. ورب اسم محلها الرفع على الابتداء لا خبر لها، للاستغناء بالصفة عن الخبر. هذا تقدير كلامه.
وأقول يؤخذ من تقديره حصلت لي أن تاء هرقته مضمومة. وليس كذلك، فإن هذا الكلام خطاب للأسود بن المنذر كما يأتي بيانه، فكان ينبغي أن يقول: حصلت لك بالخطاب. وقد أصاب فيما يأتي قريباً: وأسرى من معشر أقيال، أي: أسرتهم.
وقوله: رفد، الرفد: القدح الضخم، وهو قول الأصمعي فيما نقله أبو حنيفة في كتاب النبات عند ذكر أقسام الأواني، وضبطه بكسر الراء، وأنشد هذا البيت، وقال: وكذلك المرفد بكسر الميم.
وكذا نقل ابن الأنباري في شرح المفضليات عن أحمد بن عبيد تلميذ الأصمعي. قال: وروى أحمد: رب رفد الرفد بالكسر، وقال: هو القدح. والرفد بالفتح: العمل.
قال ابن الأنباري: وقال أبو عبيدة: الرفد بفتح الراء: القدح الضخم بما فيه من القرى. والرفد بالكسر: المعونة. يقال: رفدته عند الأمير، أي: أعنته. هرقته أصله أرقته، فالهاء بدل من الهمزة.
وقوله: هريق رفده كناية عن الموت، هو أحد قولين. قال الزمخشري في أساس البلاغة: هريق رفد فلان، إذا قتل، كما يقال: صفرت وطابه، وكفئت جفنته.
وقال ابن الأنباري عند قول سلمة بن الخرشب الأنماري: الطويل
هرقن بساحوق جفاناً كثيرة ... وغادرن أخرى من حقين وحازر

(3/438)


قوله: هرقن، يعني الخيل. وساحوق: موضع. أي: قتلت أصحاب الجفان، ومن كان يقري فيها، ويحتلب، فكأنها لما قتلت أصحابها هراقتها، كما قال الأعشى: رب رفد هرقته ذلك اليوم، إلخ.
ومثله قول امرئ القيس: الوافر
وأفلتهن علباء جريضاً ... ولو أدركنه صفر الوطاب
وعلباء: رجل. والجريض: الذي قارب الموت، فهو يجرض بريقه، أي: يغص. والوطاب: جمع وطب، وهو سقاء اللبن.
وقوله: وغادرن أخرى، أي: تركن جفاناً لم يرقنها. وروى: وأدين أخرى، أي: جئن بأسرى، وغير ذلك. فاللفظ على اللبن، والمعنى على القوم.
وقوله: من حقين وحازر، أي: من سيد وشريف ودون ذلك. ومثله قول أبي زبيد: البسيط.
يا جفنة كنضيح الحوض قد كفئت ... بثني صفين يعلو فوقها القتر
أي: قتل صاحبها، فذهبت وبطلت. ومثله قول الآخر: الوافر
وماذا بالقليب قليب بدر ... من الشيزى تكلل بالسنام
انتهى.
وكذا في شرح الفصيح للمرزوقي قال فيه: الصفر، بالكسر: الخالي، يقال: صفرت الآنية تصفر صفراً، فهي صفرة.
وقيل اشتقاق الصفر في الشهور منه، لأن وطابهم كانت حينئذ تخلو من الألبان. ويقال في الكناية عن الهلاك: صفرت وطابهم. وهذا كما يقال: أريق جفانهم.
انتهى.
وكذا نقل ابن المستوفي عن الأصمعي، قال: يريد قتلت صاحب ذلك الرفد، فبطل رفده. والرفد: اللبن والعطية والمعونة. والرفد المصدر. ويقال للقدح الذي يقرى فيه رفد. والرفد: المحلب الذي يحلب فيه. وأما القول الآخر، فهو نهب الماشية وأخذها.
قال شارح ديوان الأعشى: معناه رب رجل كانت له إبل يحلبها فاستقتها، فذهب ما كان يحلبه في الرفد، وهو القدح.
وقوله: وأسرى: هو جمع أسير كجرحى جمع جريح. والمعشر: الجماعة من الناس. وأقيال: روي بالمثناة التحتية والفوقية.
أما الأول فهو جمع قيل بفتح القاف مخفف قيل كسيد، وهو الملك مطلقاً، وقيل: الملك من ملوك حمير، وقيل: هو دون الملك الأعلى، سمي به لأنه يقول ما يشاء فينفذ. والمرأة قيلة، ويجمع على أقوال أيضاً، حكاه ابن السكيت.
فالأول على اللفظ، والثاني بالنظر إلى الاشتقاق من القول، كما قالوا في جمع: ريح أرياح وأرواح.
وقال الدماميني في الحاشية الهندية: وقال جماعة: لهذه الكلمة اشتقاقان: فمن قال أقوال فهو من القول، ومن جمعه على أقيال، فهو من قولهم: تقيل أباه، أي: اتبعه في النسب، كما تسمي تبعاً من تبع الذي قبله في الملك.
قال هؤلاء: ولو كان من القول لم يجز في جمعه إلا أقوال، كما لا يقال في الميت المخفف إلا أموات، ولا يقال أميات على اللفظ.
قال ابن الشجري: ولا يلزم ذلك، لأنهم قالوا من جفوت، ومن الشوب: مجفو، ومشوب على الأصل، ومجفي ومشيب على لفظ جفي وشيب. ولم يطردوا ذلك في نحو: مغزو ومدعو، فلم يقولوا: مغزي، ومدعي، وإن قالوا: غزي ودعي.
فكذلك قالوا: أقيال على لفظ قيل، وإن لم يقولوا أميات. قلت: يرد هذا بأنه لا يصار إلى خلاف الأصل ما وجد عنه مندوحه.
ولا شك أن جمع قيل المشتق من القول على أقيال رعاية للفظ الياء خارج عن الأصل، فإذا وجد مشتقاً عند جمعه كذلك من التقيل، لم يخرج عن الأصل، لكان قول أولئك الجماعة بالاشتقاقين هو الراجح لا محالة. انتهى كلامه.
وأما الرواية بالمثناة الفوقية فهو جمع قتل بكسر القاف وسكون المثناة، وله معنيان: أحدهما: العدو المقاتل.
والثاني: الشبه والنظير، أي: العدل في المقاتلة، كما يقال: سب للعديل في المسابة. يقال هما: قتلان، أي: مثلان. وكل منهما قيل به هنا.
قال ابن الأنباري: وقول الأعشى: من معشر أقتال يعني الأعداء والقتلة الذين قتلوا أصحابك.
وأما أبو عبيدة فإنه قال: هم الأشباه. وأنشد في أنهم الأعداء لابن قيس الرقيات: الخفيف
واغترابي عن عامر بن لؤي ... في بلاد كثيرة الأقتال
وأنشد أحمد في القتل المثل والشبه، في وصف بعيرين: الرجز
من كل قتلين إذا ما ازدحما ... أدرك هذا غرب هذا بعدما
أغرب ذاك ذرعه فانصرما
وقول الشارح المحقق: إن صفة أسرى محذوفة تقديرها ما ذكره، هذا مستغنى عنه يجعل من معشر متعلقاً بفعل صفة لأسرى، والتقدير: وأسرى حصلت من معشر أقيال، كما قال الزمخشري في المفصل: هرقته، ومن معشر: صفتان لرفد وأسرى.

(3/439)


وكأن الشارح علق من معشر بأسرى، لأنه بمعنى رب مأخوذين من معشر. ولا ضرورة إليه.
واعلم أن ما اختاره الشارح من جعل رب مبتدأ، لا خبر له مخالف للبصريين والكوفيين.
أما البصريون فقد قالوا: إنها حرف لأنها لا تقبل شيئاً من خواص الاسم، من الإخبار عنه والإضافة، وعود الضمير إليه، ودخول أل والتنوين.
ولأنها لو كانت اسماً لجاز أن يتعدى إليها الفعل بنفسه، إن كان متعدياً، وبحرف الجر إن كان لازماً، فيقال: رب رجل أكرمت، وبرب رجل مررت، كما يقال: كم رجل أكرمت وبكم رجل مررت، إذ ليس في كلامهم اسم يتعدى إليه الفعل بنفسه إلا ويجوز أن يتعدى إليه الفعل اللازم بواسطة حرف الجر. والشارح معترف بجميع هذا.
وأما الكوفيون فقد قالوا: إنها اسم مثل كم، وقالوا: محلها رفع بالابتداء قولنا: رب رجل كريم لقيته، وفي نحو: ورب قتل عار. ومحلها نصب على المصدر في نحو: رب ضرب ضربت، مثل كم ضربة ضربت.
وعلى الظرف في نحو: رب يوم سرت مثل: كم يوم سرت. وعلى المفعول به في نحو: رب رجل ضربت، نحو: كم رجل ضربت.
والشارح تبع الكوفيين في اسميتها، وخالفهم في جعلها مبتدأ لا خبر له أبداً. وهذا لا يتمشى له في نحو: رب ضربة ضربت، ولا يطرد له في المكفوفة بما كقوله تعالى: " ربما يود الذين كفروا " كما اعترف به، وجعلها في هذا حرفاً. وجعلها نوعين بحسب الاستعمالين مع اتحاد المعنى، تعسف لا ضرورة تدعو إليه.
وما أورده من الإشكالين على حرفيتها يضمحلان بجعلها حرفاً زائداً لا يتعلق بشيء، وهو مذهب جماعة من النحويين، كالباء ومن الزائدتين في نحو: " كفى بالله شهيداً " ، و " هل من خالق " ، ولعل الجارة في لغة عقيل، ولولا الجارة الضمير، نحو: لولاي، ولولاك، ولولاه، وكاف التشبيه، وحرف الاستثناء وهو خلا وعدا وحاشا إذا خفضن.
فهذه الحروف كلها لا تتعلق بشيء. ذكرها ابن هشام في الباب الثالث من المغني. فيكون محل مجرور رب في نحو: رب رجل كريم عندي، رفعاً على الابتداء، ومنه:
ورب قتل عار
وفي نحو: رب رجل كريم لقيت، نصباً على المفعولية، ولا يجوز أن يكون مبتدأ والجملة بعده خبر والرابط محذوف، أي: لقيته، لأن في ذلك تهيئة العامل للعمل، وقطعه عنه.
ومثله:
رب رفد هرقته البيت.
وكذلك: أسرى من معشر فإنه بتقدير: أسرتهم. وفي نحو: رب رجل كريم لقيته، رفعاً أو نصباً، وفي نحو: رب ضرب ضربت، نصباً على المفعول المطلق، وفي نحو: رب يوم سرت، نصباً أيضاً على الظرف.
والدليل على ما ذكرنا أنه يجوز مراعاة محل مجرورها كثيراً، نحو: رب امرأة صالحة لقيت، ورجلاً صالحاً، وإن لم يجز، نحو: مررت بزيد، وعمراً إلا قليلاً، كما يأتي نقله من المغني.
لكنه قال في الكلام على أقسام العطف على المحل: إنه له ثلاثة شروط: أحدها: إمكان ظهور ذلك المحل في الفصيح. وهذا الشرط مفقود هنا، ولعله مستثنى منه.
وقد ذهب ابن هشام في الباب الثالث من المغني إلى أنها لا تتعلق بشيء، فقال: الرابع أي: مما استثني من قولهم: لا بد لحرف الجر من متعلق: رب في نحو: رب رجل صالح لقيته أو لقيت، لأن مجرورها مفعول في الثاني، ومبتدأ في الأول، أو مفعول على حد: زيداً ضربته، ويقدر الناصب بعد المجرور به، لا قبل الجار، لأن رب لها الصدر من بين حروف الجر، وإنما دخلت في المثلين لإفادة التكثير أو التقليل، لا لتعدية عامل. هذا قول الرماني وابن طاهر.
وقال الجمهور: هي فيهما حرف جر معد. فإن قالوا: إنها عدت العامل المذكور فخطأ، لأنه يتعدى بنفسه، ولاستيفائه معموله في المثال الأول.
وإن قالوا: عدت محذوفاً تقديره حصل أو نحوه كما صرح به جماعة، ففيه تقدير لما معنى الكلام مستغن عنه ولم يلفظ به في وقت. انتهى.
وقال أيضاً في بحث رب من الباب الأول: وتنفرد رب بوجوب تصديرها، ووجوب تنكير مجرورها، ونعته إن كان ظاهراً، وإفراده وتذكيره وتمييزه بما يطابق المعنى إن كان ضميراً، وغلبة حذف معداها ومضيه، وإعمالها محذوفة بعد الفاء كثيراً، وبعد الواو أكثر، وبعد بل قليلاً، وبدونهن أقل.
وبأنها زائدة في الإعراب دون المعنى، فمحل مجرورها في نحو: رب رجل صالح عندي رفع على الابتداء. وفي نحو: رب رجل صالح لقيت نصب على المفعولية. ونحو: رب رجل صالح لقيته، رفع أو نصب، كما في زيداً لقيته.

(3/440)