صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : خزانة الأدب
المؤلف : عبد القادر البغدادي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وقوله: فظلّ طهاة اللحم الخ، هو جمع طاه، وهو الطباخ. والصفيف: الذي قد صفّف مرقّقاً على الجمر، وهو شواء الأعراب. والقدير: ما طبخ في قدر. ووصف بمعجّل، لأنهم كانوا يستحسنون تعجيل ما كان من الصيد يستطرفونه. يقول: ظلّ المنضجون اللحم وهو صنفان: صنف ينضجون شوائً مصفوفاً على الحجارة في النار والجمر، وصنف يطبخون اللحم في القدر. يقول: كثر الصيد فأخصب القوم فطبخوا واشتووا. ومن للتفصيل والتفسير، نحوهم من بين عالم أو زاهد؛ يريد أنهم لا يعدون الصنفين. وصفيف: منصوببمنضج، وهو اسم فاعل. وقدير: مجرور بتقدير مضاف معطوف على منضج؛ والتقدير: أو طابخ قدير؛ أو لا تقدير لكنه معطوف على صفيف، وخفض على الجوار أو على توهم أن الصفيف مجرور بالإضافة، وعند البغداديين هو معطوف على صفيف من قبيل العطف علىالمحلّ، ولا يشترطون أن يكون المحلّ بحق الأصالة. كذا في مغني اللبيب.
وقوله: ورحنا يكاد الطرف الخ، يقول: إذا نظرت العين إلى هذا الفرس أطالت النظر إلى ما ينظر منه، لحسنه، فلا تكاد العين تستوفي النظر إلى جميعه. ويحتمل أن يكون معناه: أنه إذا نظرت إلى هذا الفرس لم تدم النظر إليه لئلا يصاب بالعين، لحسنه.
وقوله: متى ما ترقّ الخ، أي: متى نظرت إلى أعلاه نظرت إلى أسفله،لكماله، ليستتم النظر إلى جميع جسده. أصلهما تترقّ وتتسهّل بتاءين، وجزما علىأنّ الأوّل فعل الشرط والثاني جوابه. وما زائدة، وروي:
ورحنا وراح الطرف ينفض رأسه
والطرف، بالكسر: الكريم الطرفين. وينفض رأسه، من المرح والنشاط.
وقوله: فبات عليه سرجه، في بات ضمير الكميت؛ وجملة عليه سرجه خبر بات، وبات الثاني معطوف على الأول، وبعيني خبره، أي: بحيث أراه، وقائماً حال، وغير مرسل، أي: غير مهمل. ومعناه: أنه لما جيء به من الصيد لم يرفع عنه سرجه وهو عرق، ولم يقلع لجامه فيعتلف على التعب فيؤذيه ذلك.
ويجوز أن يكون معنى فبات عليه سرجه الخ، أنهم مسافرون، كانه أراد الغدوّ فكان معدّاً لذلك. والله أعلم.
وترجمة امرئ القيس تقدمت في الشاهد التاسع والأربعين.
وأنشد بعده، وهو الشاهد الرابع بعد المائتين
وغنّ امرأً أسرى إليك ودونه ... من الأرض موماة وبيداء سملق
لما تقدّم قبله: فإن جملة قوله: ودونه من الأرض موماة من المبتدأ والخبر، حال لا الظرف وحده، كما بيناه. وصاحب الحال الفاعل المستتر في قوله أسرى العائد إلى امرئ. وأسرى: بمعنى سرى، قال في الصحاح: وسريت سرىً ومسرىً وأسريت، بمعنى: إذا سرت ليلاً. وبالألف لغة أهل الحجاز، وجاء القرآن بهما جميعاً. والكاف من إليك مكسورة، لأنه خطاب مع ناقته. ودون هنا بمعنى أمام وقدّام. والموماة بالفتح: الأرض التي لا ماء فيها؛ وفي القاموس: الموماء والموماة: الفلاة؛ والجمع الموامي. وأشار إلى أنها فوعلة: لأنه ذكرها في المعتلّ الآخر بالواو. والبيداء: القفر، فعلاء من باد يبيد: إذا هلك. والسملق: الأرض المستوية. وبيداء معطوف على موماة وسملق صفته. وجملة أسرى إليك صفة امرئ. وخبر إن المحقوقة في بيت بعده، وهو:
لمحقوقة أن تستجيبي لصوته ... وأن تعلمي أن المعان موفّق
وقد أنشد المحقق الشارح هذين البيتين في باب الضمير على أن الكوفيين استدلوا بهذا على أنه يجوز ترك التأكيد بالمنفصل، في الصفة الجارية على غير من هي له، عند امن اللبس؛ والأصل لمحقوقة أنت. وهذه مسألة خلافية بين البصريين والكوفيين يأتي الكلام فيها إن شاء الله تعالى في باب الضمير.
ومطلع هذه القصيدة:
أرقت وما هذا السهاد المؤرّق ... وما بي من سقم وما بي معشق
قال ابن قتيبة في كتاب الشعراء: سمع كسرىانوشروان يوماً الأعشى يتغنى بهذا البيت، فقال: ما يقول هذا العربيّ؟ قالوا: يتغنى بالعربية. قال: فسّروا قوله. قالوا: زعم أنه سهر من غيرمرض ولا عشق. قال: فهذا إذاً لصّ.
وبعد هذا المطلع بأبيات في وصف الخمرة، وهو من أبيات الكشّاف والقاضي:
تريك القذى من دونها وهي دونه ... إذا ذاقها من ذاقها يتمطّق
وهذا وصف بديع في صفاء الخمرة. والتمطّق: التذوّق. قال ابن قتيبة في كتاب الشعراء: أراد أنها من صفائها تريك القذاة عالية عليها، والقذى في أسفلها فأخذه الأخطل فقال:

(1/392)


ولقد تباكرني على لذّاتها ... صهباء عالية القذى خرطوم
اه، وسيأتي إن شاء الله عز وجل!، بعض هذه القصيدة في باب الضمير وبعضها في عوض من باب الظروف.
وترجمة الأعشى تقدّمت في الشاهد الثالث والعشرين.
وأنشد بعده، وهو الشاهد الخامس بعد المائتين
كما انتفض العصفور بلّله القطر
هذا عجز، وصدره:
وإني لتعروني لذكراك هزّة
على ان الأخفش والكوفيين استدلوا بهذا على أنه لم تجب قد مع الماضي المثبت الواقع حالاً؛ فإن جملة بلّله القطر من الفعل والفاعل، حال من العصفور وليس معها قد، لا ظاهرة ولا مقدرة.
وهذه المسألة أيضاً خلافية: ذهب الكوفيين إلى أن الماضي المثبت بدون قد، يقع حالاً بدليل قوله تعالى: " أو جاؤكم حصرت صدورهم " فحصرت حال بدليل قراءة الحسن البصري ويعقوب والمفضل عن عاصم: " أو جاؤكم حصرةً صدورهم " وقول أبي صخر الهذلي:
كما انتفض العصفور بلّله القطر
وقال البصريون: لا يجوز وقوعه حالاً بدون قد، لوجهين: أحدهما:انه لا يجوز يدلّ على الحال؛ والثاني: أنه إنما يصلح أن يوضع موضع الحال ما يصلح أن يقال فيه الآن، نحو: مررت بزيد يضرب؛ وهذا لا يصلح في الماضي؛ ولهذا لم يجز ما زال زيد قام، لأن ما زال وليس يطلبان الحال وقام ماض، ولا يلزم على كلامنا إذا كان مع الماضي قد، لن قد تقرّب الماضي من الحال.
وأما الآية والبيت، فقد فيهما مقدرة؛ وقال بعضهم: حصرت صفة لقوم المجرور في أول الآية، وهو: " إلا الذين يصلون إلى قوم " وما بينهما اعتراض، ويؤيده أنه قرئ بإسقاط أو. وعلى ذلك يكون جاؤكم صفة لقوم ويكون حصرت صفة ثانية. وقيل: صفة لموصوف لمحذوف، أي: قوماً حصرت صدورهم.
قال صاحب اللباب: وهذا مذهب سيبويه؛ وهو ضعيف، لأنه إذا قدّر الموصوف يكون حالاً موطّئة، وصفة الموطئة في حكم الحال في إيجاب تصدّرها بقد، وهو يمنع حذف قد، لا سيّما والموصوف محذوف، فّن الصفة تكون في صورة الحال، فالإتيان بقد يكون أولى.
وقال المبرّد: جملة حصرت، إنشائية معناها الدعاء عليهم، فهي مستانفة. وردّ بأن الدعاء عليهم بضيق قلوبهم عن قتال قومهم لا يتجّه. وقيل: حصرت بدل اشتمال من جاؤكم لأن المجيء مشتمل على الحصر. وفيه بعد، لأن الحصر من صفة الجائين، لا من صفة المجيء.
وقد بسط ابن الأنباري الكلام على هذه المسألة، في كتاب الإنصاف في مسائل الخلاف.
واستشهد ابن هشام بهذا البيت في شرح الألفيّة على أن المفعول له يجرّ باللام إذا فقد بعذ شروطه، فإن قوله هنا لذكراك، مفعول له جرّ باللام، لأن فاعله غير فاعل الفعل المعلّل. وهو قوله لتعروني؛ فإن فاعله هزة، وفاعل ذكراك المتكلم، فإنه مصدر مضاف لمفعوله وفاعله محذوف، أي: لذكري إياك.
والهزة بفتح الهاء: الحركة، يقال: هززت الشيء: إذا حركته؛ وأراد بها الرعدة. وروي بدلها رعدة.
وروى القاليّ في أماليه فترة. وسئل ابن الحاجب: هل تصح رواية القاليّ؟ فأجاب: يستقيم ذلك على معنيين: احدهما أن يكون معنى لتعروني لترعدني، أي: تجعل عندي العرواء، وهي الرعدة، كقولهم: عري فلان: إذا أصابه ذلك، لأن الفتور الذي هو السكون عن الإجلال والهيبة، يحصل عنه الرعدة غالباً عادة، فيصح نسبة الإرعاد إليه، فيكون كما انتفض منصوباً انتصاب قولك: أخرجته كخروج زيد، إما على معنى كإخراج زيد، وإما لتضمنه معنى خرج غالباً، فكأنه قيل خرج، فصحّ لذلك مثل خروج زيد، وحسن ذلك تنبيهاً على حصول المطاوع الذي هو المقصود في مثل ذلك، فيكون أبلغ في الاقتصار على المطاوع، إذ قد يحصل المطاوع دونه مثل أخرجته فلا يخرج.
والثاني: أن يكون معنى لتعروني لتأتيني وتأخذني فترة، أي: سكون، للسرور الحاصل من الذكرى؛ وعبّر بها عن النشاط لأنها تستلزمه غالباً، تسمية للمسبّب باسم السبب، كأنه قال: ليأخذني نشاط كنشاط العصفور. فيكون كما انتفض، إما منصوباً نصب له صوت صوت حمار - وله وجهان: أحدهما: أن يكون التقدير يصوّت صوت حمار، وإن لم يجز إظهاره استغناء عنه بما تقدم.

(1/393)


والثاني: أن يكون منصوباً بما تضمنته الجملة من معنى يصوّت - وإما مرفوعاً صفة لفترة، أي: نشاط مثل نشاط العصفور .. وهذه الأوجه الثلاثة المذكورة في الوجه الثاني، في إعراب كما انتفض، تجري على تقدير رواية رعدة وهزّة. وروى الرمّاني عن السكري عن الأصمعي:
إذا ذكرت يرتاح قلبي لذكرها ... كما انتفض العصفور بلّله القطر
وهذا ظاهر. اه.
وانتفض بمعنى تحرك، يقال: نفضت الثوب والشجر: إذا حركته ليسقط مافيه. وبلّه يبلّه بلاًّ: إذا ندّاه بالماء ونحوه. والقطر: المطر.
وفي شرح بديعيّة العميان لابن جابر: أن هذا البيت فيه من البديع صنعة الاحتباك وهو أن يحذف من الأول ما أثبت نظيره في الثاني، ويحذف من الثاني ما أثبت نظيره في الأول؛ فإن التقدير فيه. وإني لتعروني لذكراك هزة وانتفاضة كهزة العصفور وانتفاضته. فحذف من الأول الانتفاض لدلالة الثاني عليه، وحذف من الثاني الهزة لدلالة الأول عليه. اه.
وهذا البيت من قصيدة لأبي صخر الهذلي. أورد بعضها أبو تمام في باب النسيب من الحماسة، وكذلك الأصبهاني بعضها في الأغاني ورواها تماماً أبو عليّ القالي في أماليه، عن ابن الأنباريّ وابن دريد. وهي هذه:
لليلى بذات الجيش دار عرفتها ... وأخرى بذات البين آياتها سطر
كأنهما ملآن لم يتغيرا ... وقد مرّ للدارين من عهدنا عصر
وقفت بربعيها فعيّ جوابهافقلت وعيني دمعها سرب همر
ألا أيها الركب المخبّون هل لكم ... بساكن أجراع الحمى بعدنا خير
فقالوا: طوينا ذاك ليلاً وإن يكن ... به بعض من تهوى فما شعر السّفر
أما والذي أبكى وأضحك والذي ... أمات وأحيا والذي أمره الأمر
لقد كنت آتيها وفي النفس هجرها ... بتاتاً لأخرى الدهر ما طلع الفجر
فما هو إلا أن أراها فجاءة ... فأبهت لا عرف لديّ ولا نكر
وأنسى الذي قد كنت فيه هجرتها ... كما قد تنسّي لبّ شاربها الخمر
وما تركت لي من شذىً أهتدي به ... ولا ضلع إلا وفي عظمها كسر
وقد تركتني أغبط الوحش أن أرى ... قرينين منها لم يفزّعهما نفر
ويمنعني من بعض إنكار ظلمها ... إذا ظلمت يوماً وإن كان لي عذر
مخافة أني قد علمت لئن بدا ... لي الهجر منها ما على هجرها صبر
وأني لا أدري إذا النفس أشرفت ... على هجرها ما يبلغن بي الهجر
أبى القلب إلا حبها عامريةً ... لها كنيةً عمر وليس لها عمرو
تكاد يدي تندى إذا ما لمستها ... وينبت في أطرافها الورق الخضر
وإني لتعروني لذكراك فترة ... كما انتفض العصفور بلله القطر
تمنيت من حبي علية أننا ... على رمث في البحر ليس لنا وفر
على دائم لا يعبر الفلك موجه ... ومن دوننا الأعداء واللجج الخضر
فنقضي هموم النفس في غير رقبة ... ويغرق من نخشى نميمته البحر
عجبت لسعي الدهر بيني وبينها ... فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر
فيا حب ليلى قد بلغت بي المدى ... وزدت على ما ليس يبلغه الهجر
ويا حبها زدني جوىً كل ليلة ... ويا سلوة الأيام موعدك النضر
هجرتك حتى قيل: ما يعرف الهوى ... وزرتك حتي قيل: ليس له صبر
صدقت أنا الصب المصاب الذي به ... تباريح حب خامر القلب أو سحر
فيا حبذا الأحياء ما دمت حيةً ... ويا حبذا الأموات ما ضمك القبر
فقوله: ملآن، أصله من الآن. وقوله: أما والذي أبكى وأضحك الخ، هو من أبيات الكشاف ومغني اللبيب، أنشده في أما. وقوله: فما هو إلا أن أراها فجاءة الخ، هو من أبيات سيبويه، ويأتي شرحه إن شاء الله عز وجل في نواصب الفعل. وقوله: وما تركت لي من شذى، هو بفتح الشين والذال المعجمتين، بمعنى الشدة وبقية القوة. والضلع، بكسر الضاد وفتح اللام.

(1/394)


وقوله: تمنيت من حبي علية أناا على رمث، هو بفتح الراء والميم وبالثاء المثلثة، قال القالي: أعود يضم بعضها إلى بعض كالطوف، يركب عليها في البحر. وقوله: ما أبرم السلم النضر، يقال: أبرم السلم: إذا خرجت برمته وهي ثمرته. قال في الصحاح: البرم محركة: ثمر العضاه، الواحدة برمة؛ وبرمة كل العضاه صفراء إلا العرفط فإن برمته بيضاء؛ وبرمة السلم أطيب البرم ريحاً.
حكى الأصبهاني في الأغاني عن أبي إسحاق إبراهيم الموصلي قال: دخلت على الهادي فقال: غنني صوتاً، ولك حكمك! فغنيته:
وإني لتعزوني لذكراك هزة ... كما انتفض العصفور بلله القطر
فقال: أحسنت والله! وضرب بيده إلى حبيب دراعته فشق منها ذراعاً، ثم قال: زدني! فغنيته:
هجرتك حتى قيل: لا يعرف الهوى ... وزرتك حتى قيل: ليس له صبر
فقال: أحسنت. ثم ضرب بيده إلى دراعته فشق منها ذراعاً آخر؛ ثم قال: زدني! فغنيته:
فيا حبها زدني جوىً كل ليلة ... ويا سلوة الأحباب موعدك الحشر
فقال: أحسنت! وشقّ باقي درّاعته من شدة الطرب، ثم رفع رأسه إليّ وقال:تمن واحتكم؟ فقلت: أتمنى عين مروان بالمدينة. قال: فرأيته قد دارت عيناه في رأسه، فخلتهما جمرتين؛ ثم قال: يا ابن اللخناء، اتريد أن تشهرني بهذا المجلس، وتجعلني سمراً وحديثاً، يقول الناس أطربه فوهبه عين مروان. أما والله لولا بادرة جهلك التي غلبت على صحة عقلك، لألحقتك بمن غبر من اهلك. وأطرق إطراق الأفعوان، فخلت ملك الموت بيني وبينه ينتظر أمره. ثم رفع رأسه وطلب إبراهيم بن ذكوان وقال: يا إبراهيم خذ بيد هذا الجاهل وأدخله بيت المال، فإن أخذ جميع ما فيه فدعه وإياه؟ قال: فدخلت وأخذت من بيت المال خمسين ألف دينار.
و أبو صخر الهذلي هو عبد الله بن سالم السهمي الهذلي شاعر إسلامي من شعراء الدولة الأموية. كان متعصباً لبني مروان موالياً لهم، وله في عبد الملك بن مروان وأخيه عبد العزيز مدائح كثيرة. ولمّا ظهر عبد الله بن الزبير في الحجاز وغلب عليها، بعد موت يزيد بن معاوية، وتشاغل بنو أمية في الحرب بينهم في مرج راهط وغيره دخل عليه أبو صخر الهذلي في هذيل، ليقبضوا عطاءهم، وكان عارفاً بهواه في بني أمية، فمنعه عطاءه؛ فقال: تمنعني حقاً لي وأنا امرؤ مسلم ما أحدثت في الإسلام حدثاً ولا أخرجت من طاعة يدا! قال: عليك ببني أمية، اطلب منهم عطاءك! قال: إذاً أجدهم سبطة أكفهم، سمحة أنفسهم، بذلاً لأموالهم، وهّابين لمجتديهم، كريمة أعراقهم، شريفة أصولهم، زاكية فروعهم، قريباً من رسول الله صلى الله عليه وسلم نسبهم وسببهم ليسوا إذا نسبوا بأذناب، ولا وشائظ ولا أتباع، ولا هم في قريش كفقعة القاع؛ لهم السودد في الجاهلية والملك في الإسلام، لا كمن لا يعدّ في عيرها ولا نفيرها، ولا حكم آباؤه في نقيرها وقطميرها، ليس من أحلافها المطيّبين؛ ولا من ساداتها المطعمين؛ ولا من هاشمها المنتخبين، ولا عبد شمسها المسوّدين؟! وكيف تقاس الأرؤس بالأذناب وأين النصل من الجفن، وأين السنان من الزجّ والذنابى من القدامى؟! وكيف يفضل الشحيح على الجواد، والسوقة على الملوك، والجائع بخلاً على المطعم فضلاً؟! فغضب بن الزبير حتى ارتعدت فرائصه، وعرق جبينه، واهتز من قرنه إلى قدمه وامتقع لونه؛ ثم قال له: يا ابن البوّالة على عقبيها، يا جلف يا جاهل، أما والله لولا الحرمات الثلاث: حرمة الإسلام، وحرمة الشهر الحرام، وحرمة الحرم، لأخذت الذي فيه عيناك! ثم أمر به إلى سجن عارم، فحبس فيه مدّة، ثم استوهبته هذيل ومن له في قريش خؤولة، فأطلقه بعد سنة، وأقسم أن لا يعطيه عطاءً مع المسلمين أبداً.
فلما كان عام الجماعة وولي عبد الملك بن مروان وحجّ، لقيه أبو صخر، فقرّبه وأدناه وقال له: إنه لم يخف عليّ خبرك مع الملحد، ولا ضاع لديّ هواك ولا موالاتك. فقال: إذا شفى الله منه نفسي، ورأيته قتيل سيفك وصريع أوليائك، مصلوباً مهتوك الستر، مفرّق الجمع، فما أبالي ما فاتني من الدنيا! ثم استأذنه في مديح، فأنشده قصيدة، وأمر له عبد الملك بما فاته من العطاء، ومثله من ماله، وحمله وكساه. كذا في الأغاني.
وأنشد بعده:
يقول وقد ترّ الوظيف وساقها ... ألست ترى أن قد أتيت بمؤيد
تقدم شرحه في الشاهد الرابع والثمانين بعد المائة.

(1/395)


وأنشد بعده، وهو الشاهد السادس بعد المائنين وهو من شواهد سيبويه:
أفي السلم أعياراً جفاءً وغلظة ... وفي الحرب أشباه النساء العوارك
على أن أعياراً وأشباه النساء منصوبان على الحال عند السيرافي ومن تبعه، وعلى المصدر عند سيبويه.
قال السهيلي في الروض الأنف: هذا البيت لهند بنت عتبة، قالته لفلّ قريش حين رجعوا من بدر. يقال: عركت المرأة: إذا حاضت. ونصب أعياراً على الحال؛ والعامل فيه مختزل، لأنه أقام الأعيار مقام اسم مشتق؛ فكأنه قال: في السلم بلداء جفاة مثل الأعيار. ونصب جفاء وغلظة نصب المصدر الموضوع موضع الحال، كما تقول: زيد الأسد شدّة، أي: يماثله مماثلة شديدة؛ فالشدة صفة للمماثلة، كما أن المشافهة صفة للمكالمة إذا قلت: كلّمته مشافهة، فهذه حال من المصدر في الحقيقة. وتعلّق حرف الجرّ من قولها أفي السلم، بما أدّته الأعيار من معنى الفعل، فكأنها قالت: أفي السلم تتبلدون. وهذا الفعل المختزل الناصب للأعيار، ولا يجوز إظهاره اه.
وزعم العيني أن قوله: جفاء، منصوب على التعليل، أي: لأجل الجفاء والغلظة. ولا يخفى سقوطه. والهمزة لللاستفهام التوبيخي. والسلم بكسر السين وفتحها: الصلح، يذكّر ويؤنث. والأعيار: جمع عير بالفتح: الحمار أهلياً كان ام وحشياً، وهو مثل في البلادة والجهل. والجفار قال في المصباح: وجفا الثوب يجفو: إذا غلظ، فهو جاف، ومنه جفاء البدو، وهو غلظتهم وفظاظتهم. والغلظة بالكسر: الشدذة وضد اللين والسلاسة.
وروي أمثال بدل قوله أشباه. والعوارك: جمع عارك، وهي الحائض، من عركت المرأة تعرك، كنصر ينصر، عروكاً، أي: حاضت. وبّختهم وقالت لهم: أتجفون الناس وتغلظون عليهم في السلم، فإذا أقبلت الحرب لنتم وضعفتم، كالنساء الحيض؟! حرّضت المشركين بهذا البيت على المسلمين. والفلّ بفتح الفاء: القوم المنهزمون.
وهند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، القرشية العبشمية، والدة معاوية بن ابي سفيان، اخبارها قبل الإسلام مشهورة. وشهدت أحداً وفعلت ما فعلت بحمزة؛ ثم كانت تؤلّب وتحرض على المسلمين، إلى أن جاء الله بالفتح، فأسلم زوجها ثم أسلمت هي يوم الفتح. كذا في الإصابة لابن حجر.
وأنشد بعده، وهو الشاهد السابع بعد المائتين وهو من شواهد س:
أنا ابن دارة مشهوراً بها نسبي ... وهل بدارة يا للناس من عار
على أن قوله مشهوراً حال مؤكدة لمضمون الخبر. ومضمونه هنا الفخر وروي: أنا ابن دارة معروفاً بها نسبي.
وقوله: نسبي، نائب الفاعل لقوله مشهوراً. والباء من بها متعلقة به للا نائب الفاعل، كما وهم العيني. وهذه الحال سببية. وهل للاستفهام الانكاري. ومن زائدة، وعار مبتدأ من رفعه حركة حرف الجر الزائد. وبدارة خبره. ويا للناس اعتراض بين المبتدأ والخبر. ويا للنداء لا للتنبيه؛ ولناس منادى، لا ان المنادى محذوف تقديره: قومي. واللام للاستغاثة، وهي تدخل على المنادى إذا استغيث نحو: يا لله، لا أنها للتعجب المجرد خلافاً للعيني في الثلاثة.
ودارة اسم أمّ الشاعر، وهو سالم بن دارة، قال ابن قتيبة: وهي من بني أسد، وسميت بذلك لأنها شبهت بدارة القمر، من جمالها.
وقال الحلواني في كتاب أسماء الشعراء المنسوبين إلى أمهاتهم: دارة لقب بأمه، واسمها سيفاء، كانت أخيذة أصابها زيد الخيل من بعض غطفان منبني أسد، وهي حبلى، فوهبها زيد الخيل لزهير بن أبي سلمى. فربما نسب سالم بن دارة إلى زيد الخيل اه.
وقال أبو رياش في شرح الحماسة والأصبهاني في الأغاني: دارة لقب جدّه، واسمه يربع. وعلى هذا قد روي:
أنا ابن دارة معروفاً به نسبي
وروي أيضاً: معروفاً له نسبي.
وهذا البيت من قصيدة طويلة لسالم بن دارة، هجا بها زميل بن أبير أحد بني عبد الله بن مناف الفزاري منه:
بلغ فزارة إني لن أسالمها ... حتى ينيك زميل أم دينار
لاتأمنن فزارياً خلوت به ... بعد الذي امتلّ أيّر العير في النار
وغن خلوت به في الأرض وحدكما ... فاحفظ قلوصك واكتبها بأسيار
إني أخاف عليها أن يبيّتها ... عاري الجواعر يغشاها بقسبار

(1/396)


أنا ابن دارة معروفاً له نسبي ... وهل بدارة يا للناس من عار
جرثومة نبتت في العز واعتزلت ... تبتغي الجراثيم من عرف وإنكار
من جذم قيس وأخوالي بنو أسد ... من أكرم الناس زندي فيهم واري
وأمّ دينار هي أمّ زميل. وقوله: بعد الذي امتلّ أيّر العيل الخ، العير، بالفتح: الحمار. وامتلّ أير العير، أي: شوى أير الحمار في الملة، وهي الرماد الحار. وبنو فزارو يرمون بأكل أير الحمار مشوياً. وسيأتي إن شاء الله تعالى شرح هذا مستوفى في باب المثنى. والقلوص: الناقة الشابة. واكتبها: من كتب الناقة يكتبها بضم التاء وكسرها: ختم حياءها أو خزمها بسير أو حلقة حديد لئلا ينزى عليها. والأسيار: جمع سير من الجلد. وعار الجواعر، أي: بارز الأست والفقحة. والقسبار، بضم القاف: الذكر الطويل العظم. وجرثومة الشيء، بالضم: أصله. وتبغي: من البغي، يقال: بغى عليه بغياً: إذا علا عليه واستطال فأصله تبغي على الجراثيم. والعرف، بالضم: المعروف. والجذم، بالكسر والفتح: الأصل. وورى الزند: كرمى: خرج ناره؛ ويقال: ورت بك زنادي يقال: هذا في التمدح والافتخار. وتقدم سبب هجوه لبني فزارة وسبب هذه القصيدة، مع ترجمته، في الشاهد الخامس بعد المائة.
باب التمييز
أنشد فيه، وهو الشاهد التاسع بعد المائتين
وستّوك قد كربت تكمل
على أن العدد الذي في آخره النون يضاف إلى صاحبه أكثر من إضافته إلى المميز، أي: قرب أن يكمل ستون سنة من عمرك.
وهذا المصراع من قصيدة للكميت بن زيد، مدح بها عبد الرحمن بن عنبسة بن سعيد بن العاص بن أمية. وأولها:
أ أبكاك بالعرف المنزل ... وما أنت والطلل المحول
وما أنت ويك ورسم الديار ... وستوك قد كربت تكمل
قال الأصبهاني في الأغاني: كان بين بني أسد وبين طيئ حرب، فاصطلحوا وبقي لطيئ دم رجلين، فاحتمل ذلك رجل من بني أسد، فمات قبل أن يوّفيه. فاحتمله الكميت، فأعانه فيه عبد الرحمن بن عنبسة، فمدحه الكميت، فأعانه فيه عبد الرحمن بن عنبسة، فمدحه الكميت بهذه القصيدة؛ وأعانه الحكم بن الصلت الثقفي، فمدحه بقصيدته التي أولها:
رأيت الغواني وحشاً نفورا
وأعانه زياد بن المغفل الأسدي فمدحه بقصيدته التي أولها:
هل للشباب الذي قد فات من طلب
ثم جلس الكميت، وقد خرج العطاء. فأقبل الرجل يعطي الكميت المائتين والثلثمائة وأكثر وأقلّ؛ كانت دية الأعرابي ألف بعير، ودية الحضري عشرة آلاف درهم؛ وكانت قيمة الجمل عشرة دراهم، فأدّى الكميت عشرين ألفاً عن قيمة ألفي بعير.
فقوله: أأبكاك؟، يخاطب نفسه ويقرره مستفهماً. والعرف، بضم العين والراء المهملتين: موضع. والمنزل: فاعل أبكاك؛ قال الزمخشري في كتاب الأمكنة والمياه. عرفة الأملح، وعرفة رقد، وعرفة اعيار: مواضع تسمّى العرف. وأنشد بيت الكميت. وفي المحكم لابن سيده: العرف بضمتين موضع، وقيل جبل. وأنشد البيت أيضاً. وكذا ضبطه أبو عبيد البكريّ في معجم ما استعجم، وقال: هو ماء لبني أسد. وأنشد البيت، وقال: ويخفّف بسكون الراء، قال عباس بن مرداس:
خفافيّة بطن العقيق مصيفها ... وتحتلّ في البادين وجرة والعرفا
فدلّ قول عباس أن العرف بوادي بني خفاف.
وقوله: وما أنت الخ، استفهام توبيخيّ ينكر بكاءه، وهو شيخ، على الأطلال. والطّلل: الشاخص من آثار الدار، وشخص كل شيء.
والمحول: اسم فاعل من أحول الشيء: إذا مرّ عليه حول، وهي السنة. ويك: كلمة تفجّع، وأصله ويلك. وستّوك مبتدأ، وما بعده خبره، والجملة حالية. وكرب بفتح الراء كروباً: دنا. وكرب من أخوات كاد تعمل عملها، واسمها ضمير الستين. وجملة تكمل في موضع نصب خبرها.
وترجمة الكميت بن زيد تقدمت في الشاهد السادس عشر.
وأشد بعده، وهو الشاهد العاشر بعد المائتين
فيا لك من ليل كأن نجومه ... بكلّ مغار الفتل شدّت بيذبل
على أن قوله من ليل تمييز عن المفرد الذي هو الضمير المبهم في قوله يا لك.

(1/397)


وفيه أن الضمير غي رمبهم، لتقدم مرجعه في البيت قبله، وهو قوله: ألا أيها الليل الطويل كما يأتي، فالتمييز فيه عن النسبة لا عن المفرد، ومن لبيان الجنس. وقال المرادي في شرح الألفية: من زائدة في الكلام الموجب، ولهذا يعطف على موضع مجرورها بالنصب، كقول الحطيئة:
يا سنه من قوام ومنتقبا
وصحح هذا أبو حيان في الارتشاف. ويا: حرف نداء؛ واللام للتعجب تدخل على المنادى إذا تعجّب منه. ولأجل هذا اورد ابن هشام هذا البيت في المغني؛ قال في شرح بانت سعاد: الأصل يا إياك أو يا أنت، ثم لمّا دخلت عليه لام الجر للتعجب انقلب الضمير المنفصل، المنصوب أو المرفوع، ضميراً متصلاً مخفوضاً.
وأورده المراديّ في شرح الألفية على ان اللام فيه للاستغاثة، استغاث به منه لطوله، كأنه قال: يا ليل ما أطولك! قال ابن هشام: وإذا قيل يا لزيد بفتح اللام فهو مستغاث، فإن كسرت فهو مستغاث لأجله، والمستغاث محذوف، فإن قيل يا لك احتمل الوجهين. والباء في قوله: بكل متعلّقة بشدّت. والمغار بضمّ الميم: اسم مفعول بمعنى المحكم، من أغرت الحبل إغارة: إذا أحكمت فتله. ويذبل: اسم جبل، لا ينصرف للعلمية ووزن الفعل، وصرفه للضرورة. يقول: إن نجوم الليل لا تفارق محالّها، فكأنها مربوطة بكلّ حبل محكم الفتل في هذا الحبل. وإنما استطال الليل لمقاساة الأحزان فيه.
وهذا البيت من معلّقة امرئ القيس المشهورة. وفيها خمسة أبيات في وصف الليل، وهي:
وليل كموج البحر أرخى سدوله ... عليّ بأنواع الهموم ليبتلي
فقلت له لمّا تمطى بصلبه ... وأردف أعجازاً وناء بكلكل
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل
فيا لك من ليل كأن نجومه
كأن الثريا علّقت في مصامها ... بأمراس كتان إلى صمّ جندل
فقوله: وليل، الواو واو ربّ. و السدول: الستور، جمع سدل؛ وسدل ثوبه: إذا أرخاه. يقول: ربّ ليل يحاكي أمواج البحر في توحشه وهوله، وقد أرخى عليّ ستور ظلامه مع أنواع الحزن ليختبرني: أأصبر أم أجزع! وهذا، بعد ان تغزّل، تمدّح بالصبر والجلد.
وقوله: ف4لت له لما تمطى الخ، تمطى: امتد. وناء: نهض. والكلكل: الصدر. والأعجاز: الأواخر، جمع عجز؛ وهو من استعمال الجمع موضع الواحد. وقد استشهد ابن مالك بهذا البيت على ان الواو لا تدلّ على الترتيب، لأن البعير ينهض بكلكله، والأصل: فقلت له لمّا ناء بكلكله وتمطّى بصلبه وأردف أعجازه.
وقوله: ألا أيها الليل الطويل الخ، انجلي: أمر بمعنى انكشف؛ والياء إشباع. والإصباح: الصباح. والأمثل: الأفضل. وأورد هذا البيت في تلخيص المفتاح على أن صيغة الأمر فيه للتمني، ومعناه تمنى زوال ظلام الليل بضياء الصبح؛ ثم قال: وليس الصباح بأفضل منك عندي، لاستوائهما في مقاساة الهموم، أو لأن نهاره يظلم في عينه لتوارد الهموم. فليس الغرض طلب الانجلاء من الليل لأنه لا يقدر عليه، لكنه يتمناه تخلّصاً مما يعرض له فيه، ولاستطالة تلك الليلة كأنه لا يرتقب انجلاءها ولا يتوقعه. فلهذا حمل على التمني دون التراخي.
قال الإمام الباقلاني، في إعجاز القرآن: ومما يعدونه من محاسن هذه القصيدة هذه الأبيات الثلاثة، وكان يعضهم يعارضها بقول النابغة:
كليني لهمّ يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطيء الكواكب
وصدر أراح الليل عازب همه ... تضاعف فيه الحزن من كلّ جانب
تقاعس حتى قلت ليس بمنقض ... وليس الذي يتلو النجوم بآيب
وقد جرى ذلك بين يدي بعض الخلفاء، فقدّمت أبيات امرئ القيس واستحسن استعارتها، وقد جعل لليل صدراً يثقل تنحّيه، ويبطئ تقضّيه؛ وجعل له أردافاً كثيرة. وجعل له صلباً يمتدّ ويتطاول. ورأوا هذا بخلاف ما يستعيره أبو تمام من الاستعارات الوحشية البعيدة المستنكرة. ورأوا أن الألفاظ جميلة. واعلم أن هذا صالح جميل، وليس من الباب الذي يقال إنه متناه عجيب. وفيه إلمام بالتكلف، ودخول في التعمّل انتهى.
وقوله: كأن الثريا علقت الخ، المصام بفتح الميم: موضع الوقوف. والأمراس: الحبال، جمع مرس محركة. والجندل: الحجارة. يقول: كأن الثريا مشدودةً بحبال إلى حجارة، فليست تمضي.

(1/398)


قال العسكري في التصحيف: ومما خالف فيه ابن الأعرابي الأصمعي في المعنى لا في اللفظ، قوله:
كأن الثريا علقت
فالهاء في مصامها عند الأصمعي ترجع إلى الثريا. ومعنى مصامها: موضعها ومقامها. وهو يصفالليل وأن نجومه لا تسير، من طوله، فكأن لها أواخي في الأرض تحبسها. هذا مذهب الأصمعي. و(ايت هذا البيت في نوادر ابن الأعرابي وفسره بتفسير عجيب، فقال ورواه:
كأن نجوماً علقت في مصامه
ثم فسر وقال: شبه ما بين الحوافر وجثمانه، بالأمراس، وضم جندل، يعني جثمانه. فأخذ هذا البيت وصيره في وصف الفرس، وحمله على أنه بعد:
وقد أغتدي والطير في وكناتها ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل
وترجمة امرئ القيس قد تقدمت في الشاهد التاسع والأربعين.
وأنشد بعده، وهو الشاهد الحادي عشر بعد المائتين
ويلمّها روحة والرّيح معصفة ... والغيث مرتجز والليل مقترب
لما تقدم قبله، أعني كون التمييز يكون عن المفرد إذا كان الضمير مبهماً لا يعرف المقصود منه؛ فإن الضمير في ويلمّها لم يتقدم له مرجع، فهو مبهم، ففسره بقوله: روحة: فهو تمييز عن المفرد، أي: ويلمّ هذه الروحة في حال عصف الريح. فجملة والريح معصفة حال. ومعصفة: شديدة، يقال: أعصفت الريح وعصفت، لغتان؛ والغيث هنا: الغيم. ومرتجز: مصوّت، يريد صوت الرعد والمطر. ومقترب: قد قرب.
وهذا البيت من قصيدة طويلة جداً لذي الرمة. وهذا البيت من أواخرها. شبّه بعيره بالنعام في شدّة العدو، ثم وصف النعام بما يقتضي شدة إسراعه فقال:
حتى إذا الهيق أمسى شام أفرخه ... وهنّ لا مؤيس نأياً ولا كثب
يرقدّ في ظلّ عرّاص ويطرده ... حفيف نافجة عنوانها حصب
تبري له صعلة خرجاء خاضعة ... فالخرق دون بنات البيض منتهب
كأنها دلو بئر جدّ ماتحها ... حتى إذا ما رآها خانها الكرب
ويلمّها روحة
لا يذخران من الإيغال باقية ... حتى تكاد تفرّى عنهما الأهب
الهيق، بالفتح: ذكر النعام. وشام: نظر إلى ناحية فراخه. وأفرخ: جمع فرخ. وهنّ، أي: الأفرخ. والنأي: البعد. والكثب، بفتح الكاف والمثلثة القرب. يقول: موضعهن ليس منه بالبعيد الذي يؤيسه من أن يطلبهن، أي: يحمله على اليأس، ولا بالقريب فيفتر. وقوله: يرقد، أي: يعدو الهيق عدواً شديداً. والعرّاص، بمهملات: غيم كثير البرق. والحفيف، بإهمال الأول: صوت الريح. والنافجة: الريح الشديدة الباردة. وعنوانها: أوائلها. وحصب، بفتح فكسر: فيه تراب وحصباء؛ وهذا مما يوجب الإسراع إلى المأوى.
وقوله: تبري له صعلة الخ، تبري: تعرض لهذا الهيق. صعلة: نعامة دقيقة العنق وصغيرة الرأس. خرجاء: مؤنث الأخرج، وهو ما فيه سواد وبياض. خاضعة: فيها طمأنينة. والخرق، بالفتح: الأرض البعيدة، تنخرق فيها الرياح. وبنات البيض: الفراخ، لأنها تخرج من البيضة. يقول: الهيق والصعلة يعدوان عدواً شديداً كأنهما ينتهبان الأرض انتهاباً، كأنهما يأكلانها، من شدة العدو، فهما يركضان إلى فراخهما خائفين البرد والمطر وغيرهما.
وقوله: كأنها دلو الخ، أي: كأن هذه الصعلة دلو انقطع حبلها بعد أن وصلت إلى فم البئر فمضت تهوي، شبّهها بهذه الدلو التي هوت إلى أسفل. وجدّ: اجتهد. والماتح، بالمثناة الفوقية: المستقي من البئر بالدلو. والكرب: العقد الذي على عراقيّ الدلو؛ و العراقيّ: العودان اللذان في وسط الدلو. والمراد بخانها الكرب، انقطع.
وقوله: ويلمّها روحة الخ، أي: ويل أم هذه الروحة. وإنما لم يجز أن يعود الضمير على صعلة، كما عاد عليها ضمير كأنها في البيت المتقدم، لأنه قد فسّر بروحة، والتفسير يجب أن يكون عين المفسّر، والروحة غير الصعلة؛ فلا يفسّرها. ولو قال: ويلمّها رائحة، لكان مرجع الضمير معلوماً: من صعلة، وكان من تمييز النسبة لا المفرد. والروحة: مصدر راح يروح رواحاً وروحة: نقيض غدا يغدو غدوّاً. والرواح أيضاً: اسم للوقت من زوال الشمس إلى الليل.
وقوله: لا يذخران، أي: لا يبقيانن يعني الهيق والصعلة. و الإيغال: الجدّ في العدو. والباقية: البقية. وتفرّى: تشقق. والأهب، بضمتين: جمع إهاب، أراد جلودهما. وهذا غاية في شدة العدو.

(1/399)


واعلم أنّ قولهم: ويلمّه وويلمّها، قال ابن الشجريّ: يروى بكسر اللام وضمّها، والأصل ويل لأمّه، فحذف التنوين، فالتقى مثلان: لام ويل ولام الخفض، فأسكنت الأولى وأدغمت في الثانية فصار ويلّ أمّ مشدداً واللام مكسورة، فخفّف - بعد حذف الهمزة - بحذف إحدى اللامين. فأبوا عليّ ومن أخذ أخذه نصّوا على أن المحذوف اللام المدغمة، فأقرّوا لام الخفض على كسرتها؛ وآخرون نصّوا على أن المحذوفة لام الخفض، وحرّكوا اللام الباقية بالضمة التي كانت لها في الأصل. انتهى.
قال أبو عليّ في الإيضاح الشعري: حذف الهمزة من أمّ في هذا الموضع لازم، على غير قياس، كقوله:
يابا المغيرة والدنيا مفجّعة
ثم سئل لم لا يجوز أن يكون الأصل وي لامّه، فتكون اللام جارّة ووي التعجّب؟ فأجاب بأن الذي يدلّ على أن الأصل ويل لأمه، والهمزة من أمّ محذوفة قول الشاعر:
لأم الأرض ويل ما أجنت ... غداة أضرّ بالحسن السبيل
وقال ابن السيد، في شرح شواهد أدب الكاتب: ويلمه بكسر اللام وضمّها: فالضم أجاز فيه ابن جني وجهين: أحدهما: أنه حذف الهمزة واللام وألقى ضمّة الهمزة على لام الجرّ، كما روي عنهم " الحمد لله " بضم لام الجر.
و ثانيهما: أن يكون حذف الهمزة ولام الجر، وتكون اللام المسموعة هي لام ويل. وأما كسر اللام ففيها ثلاثة أوجه: أحدهما أن يكون أراد ويل أمه، بنصب ويل وإضافته إلى الأم، ثم حذف الهمزة لكثرة الاستعمال، وكسر لام ويل إتباعاً لكسرة الميم.
والثاني: أم يكون أراد ويل لأمه، برفع ويل على الابتداء ولأمه خبره، وحذف لام ويل وهمزة أم، كما قالوا أيش لك، يريدون أي شيء. فاللام المسموعة على هذا لام الجر.
والثالث: أن يكون الأصل ويل لأمه، فيكون على هذا قد حذف همزة أم لا غير؛ وهذا عندي أحسن هذه الأوجه، لأنه أقل للحذف والتغيير. وأجاز ابن جنًي أن تكون اللام المسموعة هي لام ويل، على أن يكون حذف همزة أم ولام الجر وكسر لام ويل إتباعاً لكسرة الميم. وهذا بعيد جداً. هذا إعلالها. وأما معناها فهو مدح خرج بلفظ الذم: والعرب تستعمل لفظ الذم في المدح، يقال: أخزاه الله ما أشعره! ولعنه الله ما أجرأه! وكذلك يستعملون لفظ المدح في الذم، يقال للأحمق: يا عاقل؛ وللجاهل: يا عالم: ومعنى هذا يا أيها العاقل عند نفسه أو عند من يظنه عاقلاً. وأما قولهم: أخزاه الله ما أشعره! ونحو ذلك من المدح الذي يخرجونه بلفظ الذم فلهم في ذلك غرضان: أحدهما: أن الإنسان إذا رأى الشيء فأثنى عليه ونطق باستحسانه، فربما أصابه بالعين وأضر به، فيعدلون عن مدحه إلى ذمه لئلا يؤذوه.
والثاني: أنهم يريدون أنه قد بلغ غاية الفضل وحصل في حد من يذم ويسب، لأن الفاضل يكثر حساده والمعادون له، والناقص لا يلتفت إليه: ولذلك كانوا يرفعون أنفسهم عن مهاجاة الخسيس ومجاوبة السفيه.
وفي " القاموس " : رجل ويلمه، بكسر اللام وضمها، داه: ويقال للمستجاد: ويلمه، أي: ويل لمه، كقولهم: لا أب لك، فركبوه وجعلوه كالشيء الواحد ثم لحقته الهاء مبالغة كداهية. انتهى.
وهذا استعمال ثان، جعل المركب في حكم الكلمة الواحدة: وليست الهاء في آخره ضميراً، بل هي هاء تأنيث للمبالغة، فلا تعريف: ولهذا يقع وصفاً للنكرة، قال أبو زيد في كتاب مسائية. يقال هو رجل ويلمّه.
وروى ابن جنّي في " سر الصناعة " عن أبي علي عن الأصمعي أنه يقال: رجل ويلمّة. قال: وهو من قولهم:
ويلمّ سعد سعدا
والاشتقاق من الأصوات باب يطول استقصاؤه؛ وعلى هذا يجوز دخول لام التعريف عليه؛ قال الرياشي: الويلمة من الرجال: الداهية الشديد الذي لا يطاق. ولا يلتفت إلى قول أبي الحسن الأخفش - فيما كتبه على كتاب مسائية - : من كلام العرب السائر أن يقولوا للرجل الداهية: إنه لو يلمه صمحمحا، والصمحمح: الشديد، هذا هو المعروف؛ والذي حكاه أبو زيد غير ممتنع، جعله اسماً واحداً. فأعربه. فاما حكاية الرياشي: في إدخال الألف واللام على اسم مضاف، فلا أعلم له وجهاً. انتهى.
أقول: الذي رواه عن العرب من قولهم: إنه لو يلمه صمحمحا، غير الذي قاله أبو زيد كما بيناه: فإنه جعل الكلمتان في حكم كلمة واحدة، فلا إضافة فيه، والهاء للمبالغة، والكلمة حينئذ نكرة، فيدخل عليها لام التعريف. فتأمل.
وترجمة ذي الرمة تقدمت في الشاهد الثامن في أوائل الكتاب.

(1/400)


وأنشد بعده، وهو الشاهد الثاني عشر بعد المائتين
ويلم أيام الشباب معيشة ... مع الكثر يعطاه الفتى المتلف الندي
على أن قوله: معيشة تمييز عن النسبة الحاصلة بالإضافة، كما بينه الشارح المحقق.
وقوله: ويلم أيام الخ، دعاء في معنى التعجب، أي: ما ألذ الشباب مع الغنى. وقد بينا قبل هذا البيت أصلها ومعناها. قال الطبرسي في شرح الحماسة: ويل، إذا أضيفت بغير لام، فالوجه فيه النصب، تقول: ويل زيد، أي: ألزم الله زيداً ويلاً. فإذا أضيفت باللام فقيل: ويل لزيد، فالوجه أن ترفع على الابتداء. وجاز ذلك مع أنه نكرة، لأن معنى الدعاء منه مفهوم، والمعنى: الويل ثابت لزيد. فالأصل في البيت: ويل لأم لذات الشباب. قصد الشاعر إلى مدح الشباب وحمد لذاته بين لذات المعاش. وقد طاع لصاحبه الكثر - وهو كثرة المال - فاجتمع الغنى والشباب له وهو سخي. انتهى.
وهذات البيت أول أبيات أربعة لعلقمة بن عبدة. وهي ثابتة في ديوانه. وقد اقتصر أبو تمام في الحماسة على البيت الأول والثاني، وهو:
وقد يعقل القل الفتى دون همه ... وقد كان لولا القل طلاع أنجد
ونسبهما لبعض بني أسد. ونسبهما في مختار أشعار القبائل، لابنه وهو خالد بن علقمة بن عبدة. ونسبهما بعضهم لابن ابنه، وهو عبد الرحمن بن علي بن علقمة بن عبدة. ونسبهما الأعلم الشنتمري في حماسته، لحميد بن سجار الضبي. وكذا هو في حاشية الصحاح منسوب لحميد.
والكثر بضم الكاف ومثله القل: المال الكثير والمال القليل؛ يقال: ماله قل ولا كثر. قال أبو عبيد: سمعت أبا زيد يقول: الكثر، والكثير واحد. قال في الصحاح: هما بالضم والكسر.
وقوله: مع الكثر، في موضع النصب صفة لمعيشة. وجملة يعطاه الخ، بالبناء للمفعول: حال من الكثر؛ والهاء ضمير الكثر، وهو المفعول الثاني للعطاء. والفتى نائب الفاعل، وهو مفعوله الأول. والمتلف، بالرفع: صفة للفتى؛ وكذلك الندي. وروي: يعطاها بضمير المؤنث على أنه عائد على المعيشة مع قيدها. والفتى قال في الصحاح: هو السخي الكريم؛ يقال: هو فتى بين الفتوة، وقد تفتى وتفاتى؛ والجمع فتيان، وفتية، وفتو على فعول، وفتي مثل عصي. والمتلف: المفرق لماله، يقال: رجل متلف لماله ومتلاف بالمبالغة. والندي: السخي، قال في الصحاح: وندوت من الجود، يقال: سن وللناس الندى فندوا بفتح الدال، ويقال: فلان ندي الكف: إذا كان سخياً. وقد روي في ديوانه البيت هكذا:
ويل بلذات الشباب معيشة
وروي أيضاً:
فويلم لذات الشباب معيشة
وقوله: وقد يعقل القل، من عقله، من باب ضرب، إذا منعه. والقل، بالضم فاعل، والفتى مفعول. وروي: وقد يقصر القل من قصره: إذا حبسه، أو من قصرت قيد البعير: إذا ضيقته، من باب دخل يدخل. وروي أيضاً: وقد يقعد القل من أقعده: إذا منعه من القيام لحاجته. والهم، بالفتح: أول العزيمة، قال ابن فارس: الهم: ما هممت به؛ وهممت بالشيء هماً، من باب قتل: إذا أردته ولم تفعله؛ ومثله الهمة بالكسر وبالتاء. وقد يطلق على العزم القوي، كذا في المصباح. ودون بمعنى قبل. وأنجد: جمع نجد، وهو ما ارتفع من الأرض.
قال في الصحاح: ومنه قولهم فلان طلاع أنجد وطلاع الثنايا: إذا كان سامياً لمعالي الأمور.
ومعنى هذا البيت قد تداوله الشعراء وتصرفوا فيه، منهم مسلم بن الوليد، فقال:
عرف الحقوق وقصرت أمواله ... عنها وضاق بها الغني الباخل
ومنه قول آخر:
أرى نفسي تتوق إلى أمور ... يقصر دون مبلغهن مالي
فلا نفسي تطاوعني ببخل ... ولا مالي يبلغني فعالي
ومنه قول الآخر:
رزقت لباً ولم أرزق مروءته ... وما المروءة إلا كثرة المال
إذا أردت مساماة تقاعد بي ... عما أحاول منها رقة الحال
وقريب منه قول الآخر:
الناس اثنان في زمانك ذا ... لو تبتغي غير ذين لم تجد
هذا بخيل وعنده سعة ... وذا جواد بغير ذات يد
وأما البيتان الأخيران من الأبيات الأربعة فهما:
وقد أقطع الخرق المخوف به الردى ... بعنس كجفن الفارسي المسرد
كأن ذراعيها على الخل بعد ما ... ونين ذراعا مائح متجرد

(1/401)


والخرق، بالفتح: الأرض الواسعة التي تنخرق فيها الرياح. والردى: نائب فاعل المخوف. والعنس، بفتح العين وسكون النون: الناقة القوية الشديدة. والخل: مصدر خل لحمه خلاً وخلولاً، أي: قل ونحف، كذا في العباب.
وقوله: " ونين " ، فعل ماض من الونى بالقصر وهو الضعف والفتور والكلال والإعياء. و " المائح " : الذي ينزل البئر فيملأ الدلو، وذلك إذا قل ماؤها؛ وفعله ماح يميح. وأما الماتح بالمثناة الفوقية، فهو مستقي الدلو. و " المتجرد " : المشمّر ثيابه.
و " علقمة " شاعر جاهلي، ونسبته - كما في " الجمهرة " لابن الكلبي و " المؤتلف والمختلف " للآمدي - علقمة بن عبدة بن ناشرة بن قيس بن عبيد بن ربيعة بن مالك بن زيد مناة بن تميم انتهى.
وعبدة بفتح العين والباء؛ وأما عبدة بن الطبيب فهو بسكون الباء. كذا في " الصحاح " . والعبدة محركة بمعنى القوة، والسّمن، والبقاء، وصلاءة الطيب، والأنفة.
قال صاحب " المؤتلف والمختلف " : علقمة في الشعراء جماعة ليسوا ممن أعتمد ذكره؛ ولكن أذكر علقمة الفحل، وعلقمة الخصي - وهما من ربيعة الجوع - فأما علقمة الفحل فهو علقمة بن عبدة... إلى آخر نسبه المذكور. ثم قال: وقيل له علقمة الفحل، من أجل رجل آخر يقال له علقمة الخصي.
وأما علقمة الخصي، فهو علقمة بن سهل أحد بني ربيعة بن مالك بن زيد مناة ابن تميم؛ ذكر أبو يقظان أنه كان يكنى أبا الوضاح. قال: وكان له إسلام وقدر. ومان سبب خصائه أنه أسر باليمن، فهرب فظفر به، فهرب ثانية، فأخذ وخصي . وكان شاعراً؛ وهو القائل:
يقول رجال من صديق وصاحب ... أراك أبا الوضاح أصبحت ثاويا
فلا يعدم البانون بيتاً يكنهم ... ولا يعدم الميراث مني المواليا
وخفّت عيون الباكيات وأقبلوا ... إلى مالهم قد بنت عنه بماليا
حراصاً على ما كنت أجمع قبلهم ... هنيئاً لهم جمعي وما كنت آليا ا.ه
وقال غيره: إنما لقب بالفحل لأنه خلف على امرأة امرىء القيس لما حكمت له بأنه أشعر منه. وذلك ما حكاه الأصمعي: أن امرأة القيس لما هرب من المنذر بن ماء السماء، وجاور في طيء، تزوج امرأة منهم يقال لها أم جندب. ثم إن علقمة بن عبدة نزل عنده ضيفاً وتذاكر الشعر، فقال امرؤ القيس: أنا أشعر منك! وقال علقمة: أنا أشعر منك! واحتكما إلى امرأته أم جندب لتحكم بينهما، فقالت: قولا شعراً تصفان فيه الخيل على روي واحد. فقال امرؤ القيس:
خليليّ مرّا بي على أمّ جندب ... لنقضي حاجات الفؤاد المعذب
وقال علقمة:
ذهبت من الهجران في كل مذهب ... ولم يك حقاً كل هذا التجنب
ثم أنشداها جميعاً. فقالت لامرىء القيس: علقمة أشعر منك! قال: وكيف ذلك؟ قالت: لأنك قلت:
فللسوط ألهوب وللساق درّة ... وللزجر منه وقع أهوج منعب
فجهدت فرسك بسوطك ومريته بساقك، وقال علقمة:
فأدركهن ثانياً من عنانه ... يمرّ كمرّ الرّائح المتحلّب
فأدرك طريدته وهو ثان من عنان فرسه، لم يضربه بسوط، ولا مراه بساق، ولا زجره! قال: ما هو بأشعر مني، ولكنك له وامق! فطلّقها، فخلف عليها علقمة، فسمّي بذلك الفحل.
وقد أورد ابن حجر في الإصابة ابنه، في المخضرمين، فيمن أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره، قال: علي بن علقمة بن عبدة التميمي، ولد علقمة: الشاعر المشهور الذي يعرف بعلقمة الفحل، وكان من شعراء الجاهلية من أقران امرئ القيس. ولعليّ هذا ولد اسمه عبد الرحمن، ذكره المرزبانيّ في معجم الشعراء. فيلزم من ذلك أن يكون أبوه من أهل هذا القسم، لأن عبد الرحمن لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم. انتهى.
وأنشد بعده، وهو الشاهد الثالث عشر بعد المائتين
لله درّ أنوشروان من رجل ... ما كان أعرفه بالدّون والسفل
على أن قوله: من رجل تمييز عن النسبة الحاصلة بالإضافة. وقد بينه الشارح المحقق رحمه الله تعالى.

(1/402)


وأنوشروان هو أشهر ملوك الفرس وأحسنهم سيرةً وأخباراً. وهو أنوشروان ابن قباد ابن فيروز. وفي أيامه ولد النبي صلى الله عليه وسلم. وكان ملكاً جليلاً محبّباً للرعايا، فتح الأمصار العظيمة في الشرق، وأطاعته الملوك. وقتل مزدك الزنديق وأصحابه - وكان يقول بإباحة الفروج والأموال - فعظم في عيون الناس بقتله. وبنى المباني المشهورة، منها السور العظيم على جبل الفتح عند باب الأبواب، ومنها الإيوان العظيم الباقي الذكر؛ وليس هو المبتدئ بنائه، بل ابتدأ به سابور، وأنوشروان أتمّه وأتقنه، حتى صار من عجائب الدنيا؛ وانشق لولادة النبي صلى الله عليه وسلم. وأخبار أنوشروان مشهورة فلا نطيل بها.
وقوله: ما كان أعرفه كان زائدة بين ما وفعل التعجب. والدون بمعنى الرديء، وهو صفة، ومنه ثوب دون؛ وقيل: مقلوب من الدنوّ؛ والأدنى: الرديء. وفي القاموس: أن الدون للشريف والخسيس، ضدّ. والسفل بكسر السين وفتح الفاء: جملة سفلة، بكسر الأول وسكون الثاني، والأصل فتح الأول وكسر الثاني نحو كلمة وكلمة. قال صاحب القاموس وسفلة الناس بالكسر، وكفرحة: أسافلهم وغوغاؤهم؛ وسفلة البعير، كفرحة: قوائمه اتنهى.
والأوّل مستعار من الثاني؛ وأصل الأوّل كفرحة، وقد يخفف بحذف حركة الأول ونقل الكسر إليه، كما يقال. في لبنة لبنة؛ أو أن أسفله جمع سفيل، كعيلة جمع علي؛ كذا في الأساس. والفعل سفل ككرم سفالة، بالفتح، أي: نذل نذالة. وأما السفلة بالتحريك فهو جمع سافل. وقول مكانس:
واترك كلام السفله ... والنكتة المبتذلة
يجوز أن يقرأ بفتحتين وبفتحة فكسرة. قال في المصباح: سفل سفولاً، من باب قعد قعد، وسفل من باب قرب، لغة: صار أسفل من غيره، فهو سافل. وسفل في خلقه وعمله سفلاً، من باب قتل، وسفالاً؛ والاسم السفل بالضم. وتسفّل. خلاف جاد؛ ومنه قيل للأرذال سفلة، بفتح فكسر، وفلان من السفلة. ويقال أصله سفلة البهيمة، وهي قوائمها. ويجوز التخفيف.. والسفل خلاف العلو، بالضم، والكسر لغة؛ وابن قتيبة يمنع الضم. والأسفل خلاف الأعلى.
وأنشد بعده، وهو الشاهد الرابع عشر بعد المائتين
والأكرمين إذا ما ينسبون أبا
هذا عجز، وصدره:
سيري أمام فإن الأكثرين حصىً
على أنه كان الظاهر أن يقول آباء بالجمع؛ وإنما وحّد الأب لأنهم كانوا أبناء أب واحد.
وقوله: سيري فعل أمر للمؤنثة. وأمام بضم الهمزة: منادى مرخّم؛ أي: يا أمامة. وحصىً تمييز للأكثرين، وكذلك أبا تمييز للأكرمين. ومعنى الحصى العدد؛ وإنما أطلق على العدد لأن العرب أميون لا يقرؤون ولا يعرفون الحساب، غنما كانوا يعدون بالحصى فأطلق الحصى على العدد واشتق منه الفعل فقيل أحصيت الشيء، أي: عددته. وإذا: ظرف للأكرمين. وينسبون بالبناء للمفعول.
والأكرمين معطوف على اسم إن، وخبرها قوم في البيت الذي بعده، وهو:
قوم هم الأنف والأذناب غيرهم ... ومن يسوّي بأنف الناقة الذنبا
قوم إذا عقدوا عقداً لجارهم ... شدّوا العناج وشدّوا فوقه الكربا
وهذه الأبيات من قصيدة للحطيئة يمدح بها بغيض بن عامر بن لأي بن شمّاس بن لأي بن أنف الناقة، واسمه جعفر بن قريع بالتصغير بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم. ويهجو الزبرقان واسمه، حصين بالتصغير بن بدر بن امرئ القيس بن خلف بن بهدلة بن عوف بن كعب المذكور نسبه. وإنما لقّب جعفر بهذا، لأن أباه نحر جزوراً، فقسمها بين نسائه؛ فقالت له أمه - وهي الشّموس؛ من بني وائل بن سعد هذيم - : انطلق إلى أبيك فانظر هل بقي شيء من الجزور عنده؟ فأتاه فلم يجد إلا رأسها؛ فأخذ بأنفها يجرّه؛ فقالوا: ما هذا قال: أنف الناقة. فسمّي أنف الناقة.
وكان آل شمّاس في الجاهلية يعيّرون به ويغضبون منه. ولمّا مدحهم الحطيئة بهذا - وإنما مدح منهم بغيض بن عامر - صار فخراً لهم. وأراد بأنف الناقة بغيضاً وأهل بيته. وأراد بالذنب الزبرقان وأهل بيته.
قال ابن رشيق - في باب من رفعه الشعر ومن وضعه، من العمدة - : كان بنو أنف الناقة يفرقون من هذا الاسم، حتى إن الرجل منهم كان يسأل: ممن هو؟ فيقول: من بني قريع. فيتجاوز جعفراً أنف الناقة ويلغي ذكره فراراً من هذا اللقب. إلى أن قال الحطيئة هذا الشعر، فصاروا يتطاولون بهذا النسب ويمدذون به أصواتهم في جهارة.

(1/403)


وقوله: قوم إذا عقدوا عقداً الخ، هذا البيت من شواهد أدب الكاتب عقد الحبل والعهد يعقده عقداً. والعناج، بكسر المهملة والنون والجيم: حبل يشدّ أسفل الدّلو العظيمة إذا كانت ثقيلة ثم يشدّ إلى العراقي فيكون عوناً لها وللوذم فإذا انقطعت الأوذام فانقلبت أمسكها العناج ولم يدعها تسقط في البئر؛ يقال: عنجت الدلو أعنجها عنجاً، من باب نصر؛ والعناج اسم ذلك الحبل؛ يقال: قول لا عناج له: إذا أرسل على غير رويّة.
وإذا كانت الدلو خفيفة فعناجها خيط يشدّ في إحدى آذانها إلى العرقوة. والوذم: السيور التي بين آذان الدلو وأطراف العراقيّ. والكرب، بفتحتين: الحبل الذي يشدّ في وسط العراقيّ ثم يثنى ويثلّث ليكون هو الذي يلي الماء، فلا يعفن الحبل الكبير. يقال: أكربت الدلو فهي مكربة. والعراقيّ: العودان المصلّبان تشدّ إليهما الأوذام.
وأراد الحطيئة أنهم إذا عقدوا عقداً أحكموه ووثّقوه كإحكام الدلو إذا شدّ عليها العناج والكرب. وليس هناك عناج ولا كرب في الحقيقة، وإنما هو تمثيل. ومطلع هذه القصيدة:
طافت أمامة بالركبان آونة ... يا حسنه من قوام ما ومنتقبا
واستشهد به المراديّ في شرح الألفية على أنّ من في التمييز زائدة، ولهذا صحّ عطف المنصوب على مجرورها. أي: ياحسنه قواماً ومنتقباً. وآونة: جمع أوان، كأزمنة جمع زمان، وقوله: يا حسنه، لفظه لفظ النداء، ومعناه التعجب، فيا للتنبيه لا للنداء؛ والضمير مبهم قد فسّر بالتمييز. و القوام، بالفتح ووهم من ضبطه بالكسر: القامة، يقال: امرأة حسنة القوام، أي: القامة. وما: زائدة. والمنتقب، بفتح القاف: موضع النقاب. وبعده بأبيات:
إنّ امرأً رهطه بالشام منزله ... برمل يبرين جاراً شدّ ما اغتربا
وأورده ابن هشام في أواخر الباب الخامس من المغني على أن أصله: ومنزله برمل يبرين؛ فحذف حرف العطف، وهو الواو؛ وبابه الشعر. ثم قال: كذا قالوا؛ ولك أن تقول الجملة الثانية صفة ثانية لا معطوفة.
وقوله: امرأ، عنى الحطيئة بالمرء نفسه. وقوله: رهطه بالشام، جملة اسميّة صفة لاسم إنّ، وأراد: بناحية الشام؛ الحطيئة عبسيّ ومنزل بني عبس شرج والقصيم والجواء وهي أسافل عدنة؛ وكان الحطيئة جاور بغيض بن شمّاس المذكور، برمل يبرين وهي قرية كثيرة النخل والعيون بالبحرين بحذاء الأحساء، لبني عوف بن سعد بن زيد مناة، ثم لبني أنف الناقة. وإعرابها بالواو رفعاً، وبالياء نصباً وجرّاً، وربما التزموا الياء وجعلوا الإعراب بالحركات على النون، ويقال أيضاً: رمل أبرين، ولابن جنّي فيه كلام جيّد نقله ياقوت في معجم البلدان.
وقوله: منزله برمل يبرين، جملة اسمية ثانية، إما معطوفة بالواو المحذوفة، وإما صفة ثانية لاسم إن. وجاراً: حال من المضمر المستقرّ في قوله: برمل يبرين، العائد على المنزل. وقوله: شدّ ما اغتربا، منصوب على التعجب، وما مصدرية، أي: ما أشدّ اغترابه، والجملة خبر اسم إن. ومثله قول جرير:
فقلت للركب إذ جدّ المسير بنا ... ما بعد يبرين من باب الفراديس
وباب الفراديس من أبواب الشام. وإنما بسطت شرح هذا البيت، لأنه وقع في مغني اللبيب ولم يشرحه أحد من شرّاحه بشيء.
وسبب مدح الحطيئة بغيضاً وهجو الزّبرقان، هو ما ذكره الأصبهاني في الأغاني أن الزبرقان قدم على عمر، رضي الله عنه، في سنة مجدبة ليؤدّي صدقات قومه، فلقيه الحطيئة بقرقرى، ومعه ابناه أوس وسوادة، وبناته وامرأته، قال له الزبرقان - وقد عرفه، ولم يعرفه الحطيئة - : أين تريد؟ فقال: العراق، فقد حطمتنا هذه السنة! قال: وتصنع ماذا؟ قال: وددت أن أصادف بها رجلاً يكفيني مؤنة عيالي وأصفيه مدائحي! فقال له الزبرقان: قد أصبته، فهل لك فيه يوسعك تمراً ولبناً، ويجاورك أحسن جوار، قال: هذا وأبيك العيش، وما كنت أرجو هذا كله! عند من؟ قال: عندي. قال: ومن أنت؟ قال: الزبرقان. فسيّره إلى أمه - وهي عمّة الفرزدق - وكتب إليها: أن أحسني إليه وأكثري له من التمر واللبن.

(1/404)


وقال آخرون: بل سيذره إلى زوجته هنيدة بنت صعصعة المجاشعية، فأكرمته وأحسنت إليه؛ فبلغ ذلك بغيض بن عامر، من بني أنف الناقة، وكان ينازع الزبرقان الشرف، وكان الحطيئة دميماً سيئ الخلق فهان أمره عليها وقصّرت به؛ فأرسل إليه بغيض وإخوته: أن ائتنا. فأبى وقال: شأن النساء التقصير والغفلة، ولست بالذي أحمل على صاحبها ذنبها! وألحّوا عليه فقال: إن تركت وجفيت تحوّلت إليكم. وأطمعوه ووعدوه وعداً عظيماً، فدسّوا إلى زوجة الزبرقان أن الزبرقان يريد أن يتزوج ابنته مليكة - وكانت جميلة - فظهر منها جفوة.
وألحوا عليه في الطلب فارتحل إليهم، فضربوا له قبة، وربطوا بكلّ طنب من أطنابها حلّة هجريّة وأراحوا عليه إبلهم وأكثروا عليه التمر واللبن. فلما قدم الزبرقان سأل عنه، فأخبر بقصته؛ فنادى في بني بهدلة بن عوف وركب فرسه وأخذ رمحه، وسار حتى وقف على القريعيين، وقال: ردّوا عليّ جاري! قالوا: ما هو لك بجار، وقد اطّرحته وضيّعته! وكاد أن يقع بين الحيين حرب. فاجتمع أهل الحجا. وخيّروا الحطيئة فاختار بغيضاً؛ وجعل يمدح القريعيين من غير أن يهجو الزبرقان - وهم يحرّضونه على ذلك وهو يأبى - حتى أرسل الزبرقان إلى رجل من النمر بن قاسط، يقال له دثار بن شيبان، فهجا بغيضاً وفضّل الزبرقان، فقال من جملة أبيات:
وجدنا بيت بهدلة بن عوف ... تعالى سمكه ودجا الفناء
وما أضحى لشمّاس بن لاي ... قديم في الفعال ولا رباء
سوى أن الحطيئة قال قولاً ... فهذا من مقالته جزاء
ولما سمع الحطيئة هذا، ناضل عن بغيض وهجا الزبرقان، في عدة قصائد؛ منها قوله:
والله ما معشر لاموا امرأً جنباً ... من آل لأي بن شمّاس بأكياس
ما كان ذنب بغيض لا أبا لكم ... في بائس جاء يحدو آخر الناس
لقد مريتكم لو أن درّتكم ... يوماً يجيء بها مسحي وإبساسي
فما ملكت.. بأن كانت نفوسكم ... كفارك كرهت ثوبي وإلباسي
حتى إذا ما بدا لي غيب أنفسكم ... ولم يكن لجراحي فيكم آسي
أزمعت يأساً مبيناً من نوالكم ... ولن ترى طارداً للحرّ كالياس
ما كان ذنب بغيض أن رأى رجلاً ... ذا فاقة عاش في مستوعر شاس
جاراً لقوم أطالوا هون منزله ... وغادروه مقيماً بين أرماس
ملّوا قراه وهرّته كلابهم ... وجرذحوه بأنياب وأضراس
دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس
ماكان ذنبي أن فلذت معاولكم ... من آل لأي صفاة أصلها راسي
قد ناضلوك فسلّوا من كنانتهم ... مجداً تليداً ونبلاً غير أنكاس
والجنب بضم الجيم والنون : الغريب. والبائس: هنا الحطيئة، وهو الذي لقي بؤساً وشدّة من الفقر، يقال: أصابت الناس سنة شديدة، وكان الحطيئة فيمن انحدر مع الناس، فلم يكن به من القوة أن يكون في أوّل الناس. وقوله: لقد مريتكم الخ، أي: طلبت ما عندكم؛ وأصله من مريت الناقة، هو أن يمسح ضرعها لتدرّ. والدرّة بالكسر: اللبن. والإبساس: صوت تسكّن به الناقة عند الحلب، يقول: بس بس.
وقوله: فما ملكت بأن كانت الخ، يقول: لم أملك بغضكم فأجعله حيّاً. والفارك: المرأة المبغضة لزوجها. وقوله: كرهت ثوبي، أي: كرهت أن تدخل معي في ثوبي وأن تدخلني في ثوبها. وقوله: حتى إذا ما بدا لي الخ، أي: بدا لي ما كان غائباً في أنفسكم من البغضة. ولم يكن فيكم مصلح لما بي من الفساد وسوء الحال. والآسي: المداوي.
وقوله: أزمعت يأساً الخ، هو من أبيات مغني اللبيب، أورده على أن بعضهم قال من متعلقة بيأساً، والصواب أن تعلقها بيئست محذوفة، لأن المصدر لا يوصف قبل أن يأتي معموله. والإزماع: تصميم العزم. والمستوعر: المكان الوعر. والشأس: المكان المرتفع الغليظ. والهون بالضم: المذلة. وغادروه، أي: تركوه كالميت بين أموات القبور.

(1/405)


وقوله: ما كان ذنبي الخ، فلت بالفاء: ثلمت، والفلول: الثلم. والصفاة، بالفتح: الصخرة الملساء. أي: أردتموهم بسوء فلم تعمل فيه معاولكم. يقول: ما كان ذنبي! فإني مدحت هؤلاء لأنهم أشرف منكم ولهم مجد راس لا تطيقون إزالته. وقوله: قد ناضلوك الخ، النكس، بالكسر: السهم يقلب فيجعل أسفله أعلاه إذا انكسر طرفه. والمناضلة: المفاخرة. وأراد بالمجد القديم النواصي؛ وكانت العرب إذا أنعمت على الرجل الشريف المأسور جزواً ناصيته وأطلقوه، فتكون الناصية عند الرجل يفخر بها.
وقوله: دع المكارم الخ، أورده الفراء في معاني القرآن في سورة هود، على أن الكاسي بمعنى المكسو، كما أن العاصم في قوله تعالى: " لا عاصم اليوم " بمعنى المعصوم. قال: ولا تنكرن أن يخرج المفعول على فاعل، إلا ترى أن قوله " من ماء دافق " بمعنى مدفوق، و " عيشة راضية " بمعنى مرضية؛ يستدل على ذلك بأنك تقول: رضيت هذه المعيشة، ودفق الماء، وكسي العريان، بالبناء للمفعول، ولا تقول ذلك بالبناء للفاعل.
ولما بلغ الزبرقان هذا البيت استعدى عليه عمر بن الخطاب، رضي الله عنه فقال: ما أراه هجاك، ولكنه مدحك. فقال: سل حسان بن ثابت. فسأله؛ فقال حسان: هجاه وسلح عليه! فحبسه عمر؛ فقال وهو في الحبس:
ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ ... حمر الحواصل لا ماء ولا شجر
ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة ... فاغفر عليك سلام الله يا عمر
ذو مرخ: اسم مكان؛ وأراد بالأفراخ أطفاله الصغار. وحمر الحواصل، يعني لا ريش لها وتكلم فيه عمرو بن العاص؛ فأخرجه عمر، فقال: إياك وهجاء الناس! قال: إذاً يموت عيالي جوعاً! هذا مكسبي ومنه معاشي! وعن زيد بن أسلم عن أبيه قال: أرسل عمر إلى الحطيئة - وأنا عنده؛ وقد كلمه عمرو بن العاص وغيره فأخرجه من السجن - فأنشده:
ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ
فبكى عمر ثم قال: علي بالكرسي؛ فجلس عليه، وقال: أشيروا علي في الشاعر، فإنه يقول الهجو ويشبب بالنساء وينسب بما ليس فيهم ويذمهم، ما أراني إلا قاطعاً لسانه! ثم قال: علي بطست؛ ثم قال: علي بالمخصف، علي بالسكين، بل علي بالموس! فقالوا: لا يعود يا أمير المؤمنين؛ وأشاروا عليه أن قل: لا أعود. فقال: لا أعود يا أمير المؤمنين.
وروى عبد الله بن المبارك: أن عمر رضي الله عنه لما أطلق الحطيئة أراد أن يؤكد عليه الحجة؛ فاشترى منه أعراض المسلمين جميعاً بثلاثة آلاف درهم. فقال الحطيئة في ذلك:
وأخذت أطراف الكلام فلم تدع ... شتماً يضر ولا مديحاً ينفع
وحميتني عرض اللئيم فلم يخف ... مني وأصبح آمناً لا يفزع
وقد ترجمنا الحطيئة في الشاهد التاسع والأربعين بعد المائة.
وأنشد بعده، وهو الشاهد الخامس عشر بعد المائتين
فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة ... وابشر بذاك وقر منه عيونا
على أنه يجوز جمع المثنى فيالتمييز إذا لم يلبس: إذا كان الظاهر أن يقال: وقر منه عينين أو عيناً. لكنه جمع لعدم اللبس، ولأن أقل الجمع اثنان على رأي.
وهذا البيت أحد أبيات خمسة لأبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم. وهي:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتى أوسد في التراب دفينا
فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة ... وابشر بذاك وقر منه عيونا
ودعوتني وزعمت أنك ناصح ... ولقد صدقت وكنت ثم أمينا
وعرضت ديناً لا محالة أنه ... من خير أديان البرية دينا
لولا الملامة أو حذار مسبة ... لوجدتني سمحاً بذاك مبينا
قال السيوطي في شرح شواهد المغني: أخرج ابن إسحاق، والبيهقي في الدلائل، عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس: أن قريشاً أتت أبا طالب فكلمته في النبي صلى الله عليه وسلم؛ فبعث إليه؛ فقال له: يا ابن أخي، إن قومك قد جاؤوني فقالوا كذا وكذا؛ فأبق علي وعلى نفسك ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق أنا ولا أنت، فاكفف عن قومك ما يكرهون من قولك

(1/406)


فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد بدا لعمه فيه وأنه خاذله، فقال: " يا عم، لو وضعت الشمس في يميني والقمر في يساري، ما تركت هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك في طلبه " ؟ ثم استعبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكى؛ فلما ولى قال له - حين رأى ما بلغ من الأمر برسول الله صلى الله عليه وسلم - : يا ابن أخي امض على أمرك وافعل ما أحببت، فوالله لا أسلمك لشيء أبداً. وقال أبو طالب في ذلك هذه الأبيات انتهى.
وقد أنشد الزمخشري هذه الأبيات عند قوله تعالى " وهم ينهون عنه وينأون عنه " من سورة الأنعام بناءً على القول بأنها نزلت في أبي طالب.
وقوله: والله لن يصلوا إليك الخ، أنشد هذا البيت ابن هشام في المغني على أن القسم قد يلقى بلن نادراً. ونازعه الدماميني في الحاشية الهندية، بأنه يحتمل أن يكون مما حذف فيه الجواب لدلالة ما بعده عليه، تقديره: والله إنك لآمن على نفسك؛ فيكون قوله: لن يصلوا إليك الخ، جملة مستأنفة لا جواب القسم. وأوسد، بالبناء للمفعول: من وسدته الشيء: إذا جعلته تحت رأسه وسادة. ودفينا: حال من ضمير أوسد بمعنى مدفون.
وقوله فاصدع بأمرك الخ، يقال: صدعت بالحق إذا تكلمت به جهاراً. وقيل في قوله تعالى: " فاصدع بما تؤمر " أي: شق جماعاتهم بالتوحيد، وقيل: افرق بذلك بين الحق والباطل، وقيل: أظهر ذلك. وهو مأخوذ من قولهم: صدعت القوم صدعاً فتصدعوا، أي: فرقتهم فتفرقوا. وأصل الصدع الشق. وروي فانفذ بأمرك. والغضاضة، قال في الصحاح: يقال ليس عليك في هذا الأمر غضاضة، أي: ذلة ومنقصة. وفي المصباح: غض الرجل صوته وطرفه، ومن طرفه وصوته غضاً، من باب قتل: خفض؛ ومنه يقال غض من فلان غضاً وغضاضة: إذا تنقصه.
وقوله: وابشر بذاك، أي: بعدم وصولهم إليك، أو بظهور أمرك، أو بانتفاء الغضاضة عنك، أو بالمجموع؟ ويكون ذلك إشارة إلى ما ذكر. وابشر، بفتح الشين، لأنه يقال بشر بكذا يبشر، مثل فرح يفرح وزناً ومعنى، وهو الاستبشار أيضاً؛ والمصدر البشور، ويتعدى بالحركة فيقال بشرته أبشره، من باب قتل، في لغة تهامة وما والاها؛ والاسم منه البشر بضم الباء، والتعدية بالتثقيل لغة عامة العرب، كذا في المصباح.
وقوله: وقر منه عيوناً، أي: من أجله. قال الطيبي: وإنما جمع العين، لأن المراد عيون المسلمين، لأن قرة عينه عليه الصلاة والسلام قرة لأعينهم. وهذا المعنى صحيح، إلا أن اللفظ لا يساعد. وهو تمييز محول عن الفاعل. قال ثعلب في فصيحه: وقررت به عيناً أقر بكسر العين في الماضي وفتحها في المستقبل؛ ومصدر الأول القر والقرور بضم أولهما، ومصدر الثاني القرار والقر بفتحهما. قال شارحه أبو سهل الهروي: قولهم: أقر الله عينك، معناه لا أبكاك الله فتسخن بالدمع عينك؛ فكأنه قال: سرك الله؛ و يجوز أن يكون صادفت ما يرضيك لتقر عينك من النظر إلى غيره. وأما قول بعضهم: معناه برد الله دمعتها، لأن الدمعة السرور باردة ودمعة الحزن حارة فإنه خطأ، لأن الدمع كله حار.
وقوله: ودعوتني، أي: إلى الإيمان. وزعمت، أي: قلت؛ فإن الزعم أحد معانيه القول؛ وروي بدله. وعلمت فهو بضم التاء وثم بفتح الثاء إشارة إلى مقام القول والنصح أو الدعوة؛ وروي بدله: قبل بضم اللام ، أي: قبل هذا.
وقوله: وعرضت الخ، من زائدة على رأي من يقول بزيادتها في الإثبات، أو تبعيضية، أي: من بعض الأديان الفاضلة. وديناً، الثاني، إما تمييز وإما تأكيد للأول. وقوله: لولا الملامة، أي: لولا ملامة الكفار لي. والحذار، بالكسر: المحاذرة. وسمحاً: منقاداً. ومبيناً: مظهراً، من الإبانة وهي ضد الإخفاء.
وترجمة أبي طالب تقدمت في الشاهد الحادي والتسعين.
وأنشد بعده، وهو الشاهد السادس عشر بعد المائتين وهو من شواهد سيبويه:
ثلاثون للهجر حولاً كميلا
وهذا عجز وصدره:
على أنني بعد ما مضى
على أنه فصل بالمجرور ضرورة بين التمييز وهو حولاً وبين المميز وهو ثلاثون.
وأنشده سيبويه في باب كم، مع بيت بعده، وهو:
يذكرنيك حنين العجول ... ونوح الحمامة تدعو هديلا

(1/407)


قال الأعلم في شرح أبياته: الشاهد في فصله بين الثلاثين والحول بالمجرور ضرورة. فجعل سيبويه هذا تقوية لما يجوز في كم من الفصل عوضاً لما منعته من التصرف في الكلام بالتقدير والتأخير، لتضمنها معنى الاستفهام والتصدر بها لذلك. والثلاثون ونحوها من العدد لا تمتنع من التقديم والتأخير لأنها لم تتضمن معنى يجب لها به التصدر، فعملت في المميز متصلاً بها على ما يجب في التمييز. انتهى.
وقوله: على أنني، متعلق بما قبله من الأبيات، لا بقوله يذكرنيك، كما زعمه شارح شواهد المغني، فإن يذكرنيك خبر أنني. والحول: العا، وقال صاحب المصباح: حال حولاً، من باب قال: إذا مضى؛ ومنه قيل للعام حول وإن لم يمض، لأنه سيكون حولاً، تسميةً بالمصدر؛ والجمع أحوال.
والكميل: الكامل. وثلاثون فاعل مضى. والذكر متعد لمفعول واحد، يقال: ذكرته بلساني وبقلبي؛ والاسم ذكر بالضم والكسر، نص عليه جماعةً منهم أبو عبيدة وابن قتيبة؛ وأنكر الفراء الكسر في القلب وقال: اجعلني على ذكر منك بالضم لا غير. ويتعدى إلى مفعولين بالألف والتضعيف كما هنا، فإن الياء مفعول أول والكاف مفعول ثان. وحنين فاعله. ونوح معطوف عليه. والحنين: ترجيع الناقة صوتها إثر ولدها؛ هذا أصله، ومنه معنى الاشتياق. والعجول من الإبل: الواله التي فقدت ولدها بذبح أو موت أو هبة؛ وقيل: الناقة التي ألقت ولدها قبل أن يتم بشهر أو بشهرين.
ونوح الحمامة: صوت تستقبل به صاحبها؛ لأن أصل النوح المقابلة؛ وجملة تدعو حالم ن الحمامة. زالهديل، قال ابن قتيبة في أدب الكاتب: العرب تجعله - الهديل - مرة فرخاً تزعم الأعراب أنه كان على عهد نوح عليه السلام، فصاده جارج من جوارح الطير؛ قالوا: فليس من حمامة إلا وهي تبكي عليه. ومرةً يجعلونه الطائر نفسه. ومرةً يجعلونه الصوت. انتهى.
فعلى الأول هو مفعول تدعو بمعنى تبكيه وترثيه؛ وكذلك على الثاني، بمعنى تطلبه ليسافدها، لأنه بمعنى الذكر. قال في العباب: الهديل: الذكر من الحمام، وقيل الحمام الوحشي كالقماري والدباسي. وعلى الثالث مفعول مطلق، وناصبه إما تدعو بمعنى تهدل، وإما فعل مقدر من لفظه، أي: تهدل هديلاً، مثل: هدر يهدر هديراً.
وقال الجاحظ: يقال في الحمام الوحشي من القماري والفواخت والدباسي وما أشبه ذلك: هدل يهدل هديلاً، ويقال هدر الحمام يهدر. وقال أبو زيد: الجمل يهدر ولا يقال باللام.ولا يجوز على هذا أن ينتصب هديلاً على الحال من ضمير تدعو، لأن مجيء المصدر حالاً سماعي، ولا ضرورة هنا تدعو إليه.
ومعنى البيتين: لم أنس عهدك على بعده، وكلما حنت عجول أو صاحت حمامة وقت نفسي فذكرتك.
وهما من أبيات سيبويه الخمسين التي لم يعرف لها قائل. ونقل العيني عن الموعب، أنهما للعباس بن مرداس الصحابي والله أعلم - وتقدمت ترجمة العباس في الشاهد السابع عشر - وكذا رأيته أنا في شرح ابن يسعون على شواهد الإيضاح لأبي علي الفارسي، منسوباً إلى العباس بن مرداس.
وأنشد بعده، وهو الشاهد السابع عشر بعد المائتين وهو من شواهد س :
تقول ابنتي حين جد الرحي ... ل أبرحت رباً وأبرحت جارا
على أن رباً وجاراً تمييزان. قال ابن السراج في الأصول: وأما الذي ينتصب انتصاب الاسم بعد المقادير، فقوله: ويحه رجلاً، ولله دره رجلاً، وحسبك به رجلاً؛ قال عباس بن مرداس:
ومرة يجمعهم إذا ما تبددوا ... ويطعنهم شزراً فأبرحت فارساً
قال سيبويه: كأنه قال: فكفى بك فارساً، وإنما يريد كغيت فارساً؛ ودخلت هذه الباء توكيداً. ومنه قول الآعشى:
فأبرحت رباً وأبرحت جاراً
وهذا البيت من قصيدة للأعشى، مدح بها قيس بن معد يكرب الكندي وكان الأعشى مدحه بقصيدة دالية، فقال له قيس: إنك تسرق الشعر؛ فقال له الأعشى: قيدني في بيت حتى أقول لك شعراً. فحبسه وقيده. فقال عند ذلك هذه القصيدة. وزعم ابن قتيبة أن القائل له إنما هو النعمان بن المنذر وهذا غير صحيح، بدليل قوله فيها:
إلى المرء قيس نطيل السرى ... ونطوي من الأرض تيهاً قفارا
ومطلع هذه القصيدة:
أأزمعت من آل ليلى ابتكارا ... وشطت على ذي هوى أن تزارا
إلى أن قال بعد ثلاثة أبيات:
وشوق علوق تناسيته ... بزيافة تستخف الضفارا

(1/408)


بقية خمس من الراسما ... ت بيض تشبههن الصوارا
دفعن إلى اثنين عند الخصوص ... وقد حبسا بينهن الإصارا
فهذا يعد لهن الخلا ... وينقل ذا بينهن الحضارا
فكانت بقيتهن التي ... تروق العيون وتقضي السفارا
فأبقى رواحي وسير الغدو ... منها ذؤاب جداء صغارا
أقول لها حين جد الرحي ... ل أبرحت جداً وأبرحت جارا
إلى المرء قيس نطيل السرى ... ونطوي من الأرض تيهاً قفارا
فلا تشتكن إلي السفار ... وطول العنا واجعليه اصطبارا
رواح العشي وسير الغدو ... يد الدهر حتى تلاقي الخيارا
تلاقين قيساً وأشياعه ... يسعر للحرب ناراً فنارا
قوله: وشوق علوق، أي: رب شوق، وهو مضاف إلى علوق. والعلوق بفتح المهملة: الناقة التي تعطف على غير ولدها فلا ترأمه وإنما تشمه بأنفها وتمنع لبنها. والعلوق أيضاً من النساء: التي لا تحب غير زوجها، ومن النوق: التي لا تألف الفحل ولا ترأم الولد. والزيافة: الناقة المسرعة، وقيل المتبخترة، من زاف يزيف زيفاً: إذا تبختر في مشيته.والضفار جمع ضفرة وضفيره، بالضاد المعجمة والفاء، وهي البطان المعرض؛ والبطان بالكسر هو للقتب الحزام الذي يجعل تحت بطن البعير، وهو بمنزلة التصدير للرحل.
وقوله: بقية خمس، أي: تلك الزيافة بقية نوق خمس. والراسمات، من الرسيم وهو ضرب من سير الإبل السريع، وقد رسم يرسم رسيماً. وبيض: جمع بيضاء، أي: كريمة. والصوار، بضم الصاد وكسرها: القطيع من بقر الوحش؛ والجمع صيران.
وقوله: دفعن إلى اثنين اخ، أي: دفع قرينه تلك النوق الخمس إلى رجلين عند الخصوص، وهو موضع قرب الكوفة. والإصار بكسر الهمزة، قال الصاغاني في العباب: والإصار والأيصر: حبل قصير يشد به في أسفل الخباء إلى وتد؛ وكل حبس يحبس به شيء أو يشد به فهو إصار، قال الأعشى يصف النوق.. وأنشد هذا البيت.
وقوله: فهذا يعد، أي: يهيئ. والخلا، بفتح الخاء المعجمة: الحشيش الرطب. والحضار ، بفتح المهملة وكسرها وبعدها ضاد معجمة : الكرائم من الإبل، كالهجان: واحده وجمعه سواء. وقوله: فكانت، أي: تلك الزيافة. والسفار، بالكسر: المسافرة والسفر، وهما قطع المسافة.
وقوله: فأبقى رواحي الخ، الرواح: مصدر راح يروح، وهو نقيض غدا يغدو غدواً. والذؤاب: جمع ذؤابة، بذال مضمومة بعدها همزة فموحدة، وهي الجلدة التي تعلق على آخرة الرحل. والجداء: جمع جدية، بالجيم، وهي شيء يحشى تحت دفتي السرج والرحل. أراد أنها لم يبق من ظهرها شيء من كثرة السير. ثم بعد وصف ضمرها ببيتين آخرين قال:
أقول لها حين جد الرحيل
أي: أقول لتلك الزيافة. وجد بمعنى اشتد. وأبرحت بكسر التاء خطاب للزيافة.
قال أبو عبيد في الغريب المصنف: ما أبرح هذا الأمر: ما أعجبه. وأنشد هذا البيت.
قال شارح أبياته ابن السيرافي: المعنى اخترت ربّاً وهو الملك، وجاراً عظيم القدر. وقيل أبرحت أعجبت قال صاحب الصحاح وتبعه صاحب العباب: وأبرحه، أي: أعجبه.
وأنشد هذا البيت وقال: أي: أعجبت وبالغت. وأبرحه أيضاً بمعنى أكرمه وعظّمه.. وعلى هذا ف ربّاً مفعول به، وهو بمعنى المالك والسيد؛ والمراد به نفس الشاعر أو ممدوحه. وهذا هو الظاهر المتبادر من سوق الكلام.
وقال صاحب العباب: ويروى:
تقول له حين حان الرحيل أبرحت
أي: تقول للأعشى الناقة: أبرحت بي في طلب ربك هذا الذي طلبته وعذّبتني وحسرتني انتهى.
وعلى هذا فأبرحت معناه أصبتني بالبرح وهو الشدة والعذاب؛ ويكون رباً أصله في طلب ربك. ولا يخفى هذا التعسف، مع أن هذه الرواية غير ثابتة، وغير منسجمة مع ضمير الغائب.
وقال ابن حبيب: يريد: تقول له ناقته: أعظمت وأكرمت، أي: اخترت رباً كريماً وجاراً عظيم القدر يبرح بمن طلب شأوه. وروي أيضاً - كما في الشرح:
تقول ابنتي حين جدّ الرحيل
وإنما روي، في كتاب س وفي نوادر أبي زيد، العجز مقروناً بالفاء هكذا:
فأبرحت ربّاً وأبرحت جارا

(1/409)


وتمّمه شراح شواهده بما ذكره الشارح. وهذه الرواية لا ارتباط لها بما بعدها، كما هو الظاهر. قال أبو عبيدة، كما في النوادر: أبرحت في معنى صادفت كريماً. وقال غيره: أبرحت بمن أراد اللحاق بك تبرح به فيلقى دون ذلك شدة. والبرح: العذاب والشدة، ومن ذلك برّحت بفلان انتهى.
فالرب على الأول الممدوح، وعلى الثاني الصاحب. وقال النحاس: قال الأصمعي: أبرحت ربّاً، أي: أبلغت. وقال الأسعدي: أبرح فلان رجلاً: إذا فضله. وهذا كله على أن ربّاً مفعول به لا تمييز.
وقال الأعلم: قوله: فأبرحت ربا الخ؛ الشاهد فيه نصب ربّ ودار على التمييز. والمعنى أبرحت من ربّ ومن جار، أي: بلغت غاية الفضل في هذا النوع. وصدر البيت:
تقول ابنتي حين جدّ الرحيل أبرحت ربّاً
والمعنى على هذا. أبرح ربك وأبرح جارك. ثم جعل الفعل لغير الرب والجار، كما تقول: طبت نفساً، أي: طابت نفسك. وهذا أبين من التفسير الأول؛ وعليه يدل صدر البيت. وأراد بالرب الملك الممدوح. وكل من ملك شيئاً فهو ربه. انتهى.
وقال الشارح المحقق: أبرحت، أي: جئت بالبرح وصرت ذا برح؛ والبرح: الشدة. فمعنى أبرحت صرت ذا شدة وكمال، أي: بالغت وكملت رباً. فهو نحو كفى زيد رجلاً، أي: أبرح جار هو أنت.. فالرب على قول الأعلم الممدوح، وعلى قول الشارح نفس الشاعر؛ ومعنى البيت على هذا إنما هو بقطع النظر عما بعده وقبله؛ وإلا فلا يناسب السياق. والمقدار الذي أورده س، عجز للصدر الذي هو:
أقول لها حين جد الرحيل
والفاء من تصرف النسّاخ، فتكون التاء مكسورة، والمعنى على ما ذكره الأعلم - والله أعلم - وأورد قبله قول العباس بن مرداس السلمي:
ومرة يحميهم إذا ما تبددوا ... ويطعنهم شزراً فأبرحت فارساً
قال الأعلم: المعنى فأبرحت من فارس، أي: بالغت وتناهيت في الفروسية - وأصل أبرحت من البراح، وهو المتسع من الأرض المنكشف - أي: تبين فضلك تبين البراح من الأرض.
وترجمة الأعشى ميمون تقدمت في الشاهد الثالث والعشرين وترجمة قيس أيضاً تقدمت في الشاهد الثاني بعد المائتين.
وأنشد بعده، وهو الشاهد الثامن عشر بعد المائتين
يا جارتا ما أنت جاره
على أن جارة تمييز، لأن ما الاستفهامية تفيد التفخيم، أي: كملت جارة. وهذا المصراع عجز؛ وصدره:
بانت لتحزننا عفاره
والبيت مطلع قصيدة للأعشى ميمون.. قال الشاطبي في شرح الألفية: أجاز الفارسي أن تكون جارة في هذا البيت تمييزاً، لجواز دخول من عليها، لأن ما استفهام على معنى التعجب، فجارة يصح أن يقال فيها: ما أنت من جارة؛ كما قال الآخر:
يا سيداً ما أنت من سيد ... موطّأ الأكتاف رحب الذّراع
وروى أوله أبو علي في إيضاح الشعر:
بانت لطيّتها عراره ... يا جارة ما أنت جاره
والطية، بالكسر وتشديد الياء التحتية: النية والقصد. وعرارة: امرأة وقال قبله في قول الشاعر:
وأنت ما أنت في غبراء مظلمة
الظرف حال، والعامل ما في قوله: ما أنت من معنى المدح والتعظيم، كأنه قال: عظمت حالاً في غبراء. وليس في الكلام ما يصح أن يكون عاملاً في الظرف غير ما ذكرنا، وإذا صح معنى الفعل - وذلك من حيث ذكرنا - كان قول الأعشى: جارة، في موضع نصب بما في ما أنت؛ كما ذكرنا. انتهى.
ولا يصح أن تكون ما نافية كما زعمه العيني؛ لأن نصب جارة على التمييز إنما هو من الاستفهام التعجبي. وهذه عبارته: ما نافية وأنت مبتدأ وجارة خبر. ويروى: ما كنت جاره فهذا يؤكد معنى النفي. ويجوز أن تكون ما استفهامية في موضع الرفع على الابتداء، وأنت خبره، وجارة تكون تمييزاً والمعنى عظمت من جارة. انتهى.
ولا يخفى أن المعنى ليس على النفي؛ وإنما هو على التعجب كما ذكره الجماعة.
و بانت: من البين وهو الفراق. وقوله: لتحزننا يجوز فتح التاء وضمها، فإنه يقال حزنه يحزنه، وهي لغة قريش، وأحزنه يحزنه، وهي لغة تميم؛ وقد قرىء بهما. وحزن يأتي لازماً أيضاً، يقال: حزن الرجل فهو حزن وحزين، من باب فرح يفرح. و عفارة بفتح العين المهملة: اسم امرأة؛ وهي فاعل لأحد الفعلين على سبيل التنازع.

(1/410)


وقوله: يا جارتا الخ، هو التفات من الغيبة إلى الخطاب. وجارة الرجل: امرأته التي تجاوره في المنزل.. و ما: اسم استفهام مبتدأ عند س وأنت الخبر؛ وعند الأخفش بالعكس. وقال العيني: عفارة: امرأة يحتمل أن تكون هي الجارة أو غيرها، فإن كانت عينها فقد اتنقل من الإخبار إلى الخطاب، والجارة هنا زوجته انتهى.
والظاهر أن الجارة عي عفارة وأنها عشيقته فتأمل. ثم رأيت في شرح شواهد الإيضاح لأبي علي الفارسي لابن بري قال - وأنشد:
يا جارتا ما أنت جاره
وقبله:
بانت لتحزننا عفاره
ويروى:
بانت لطيتها عفارة
هو لأعشى بني قيس، و الجارة هنا زوجه، قال ابن دريد و الطية: المنزل الذي تنويه. وعفارة اسم امرأة ويحتمل أن تكون هي الجارة وغيرها؛ فإن كانت الجارة فقد انتقل من الإخبار إلى الخطاب. وقوله: يا جارتا، يريد يا جارتي، فأبدل من الكسرة فتحة فانقلبت الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها؛ ويجوز أن تكون ألف الندبة، لما وصلها حذف الهاء، كأنه لما فقدها ندبها.
وقوله: ما أنت جاره، ما نافية و أنت مبتدأ أو اسم ما، و جارة إما في موضع نصب خبر لما، وإما في موضع رفع خبر أنت. ويروى: ما كنت فهذا يؤكد النفي، كما قال تعالى " ما هذا بشراً " ويجوز أن تكون ما استفهاماً في موضع رفع بأنها خبر أنت، وجارة في موضع نصب على التغيير؛ أي: ما أنت من جاره.
ويجوز أن تكون حالاً، والعامل فيها معنى الكلام، أي: كرمت جارة، أو نبلت جارة. ويجوز أن تكون ما مبتدأ - وإن كانت نكرة - لما فيها من معنى التفخيم والتعجب، ولأنها تقع صدراً؛ غير أنه أوقعها على من يعقل، فكان الوجه ما بدأنا به.
هذا كلامه برمته؛ وتعسفه ظاهر.
وقال شارح آخر لأبيات الإيضاح: جلبه أبو علي شاهداً على أن جارة الموقوف عليها، يحتمل أن تكون تمييزاً لإمكان إدخال من عليها. ويحتمل أن تكون حالاً. ثم إنه أخذ جميع الكلام الذي نقلناه من ابن بري.
وترجمة الأعشى تقدمت الحوالة عليها في البيت الذي قبل هذا. وبعد هذا البيت:
أرضتك من حسن ومن ... دلّ تخالطه غراره
وسبتك حين تبسمت ... بين الأريكة والستاره
و الغرارة، بفتح المعجمة: الغفلى كالغرة بالكسر. و الأريكة: السرير المزين؛ والجمع أرائك.
باب المستثنى
أنشد فيه، وهو الشاهد التاسع عشر بعد المائتين
وبلدة ليس بها طوريّ ... ولا خلا الجن بها إنسي
على أن تقدم المستثنى على المنسوب والمنسوب إليه شاذ. والأصل: ولا بها إنسي خلا الجن.
قال ابن الأنباري في الإنصاف: ذهب الكوفيون إلى أنه يجوز تقديم حرف الاستثناء في أول الكلام نحو إلا طعامك ما أكل زيد، نص عليه الكسائي، وإليه ذهب الزّجّاج في بعض المواضع؛ واستدلوا بهذا البيت ونحوه. ومنعه البصريون، وأجابوا عن البيت بأن تقديره: وبلدة ليس بها طوري ولا إنسي ما خلا الجن. فحذف إنسياً وأضمر المستثنى منه، وما أظهره تفسير لما أضمره. وقيل: تقديره: ولا بها إنسي خلا الجن. فيها مقدرة بعد لا، وتقديم المستثنى فيه للضرورة، فلا يكون فيه حجة.
وهذان البيتان من أرجوزة للعجاج. وقوله: وبلدة الواو فيه واو ربّ؛ والبلدة: الأرض، يقال: هذه بلدتنا، أي: أرضنا. وروى أبو عبيد البكري في شرح نوادر القالي والصاغاني في العباب:
وخفقة ليس بها طوري
بفتح الخاء المعجمة والفاء والقاف؛ وقال: الخفقة: المفازة الملساء ذات آل.
قال أبو عبيد: هذا صحة إنشاده، لأن قبله:
وبلدة نياطها نطيّ
أي: بعيد. وبعده:
للريح في أقرابها هويّ
والأقراب: الجوانب. وجملة: ليس بها طوري صفة بلدة. و طوري بمعنى أحد، لا يكون إلا مع النفي كما هنا؛ وهو في الأصل منسوب إلى طور الدار، قال شارح النوابغ الزمخشرية: طور الدار بالضم هو ما يمتد معها من فنائها وحدودها، تقول: أنا لا أطور بفلان ولا أطور طوره، أي: لا أدور حوله ولا أدنو منه انتهى.

(1/411)


ولا وجه لقول أبي علي القالي في أماليه: إن طورياً منسوب إلى الطورة، وهي في بعض اللغات الطّيرة - على وزن العنبة - وهو ما يتشاءم به من الفأل الرديء. وقد رواه أبو زيد في نوادره بهذا اللفظ. وكذلك صاحب الصحاح و العباب وغيرهم. ورواه أبو علي القالي في أماليه طوئي على وزن طوعي قال: أنشدني أبو بكر بن الأنباري! وأبو بكر بن دريد، للعجّاج:
وبلدة ليس بها طوئيّ
وهو بمعنى طوري. وزاد فيها لغتين أيضاً قال: يقال: ما بها طؤويّ على مثال طعويّ، وما بها طاويّ غير مهموز. وأورد فيها كلمات كثيرة في هذا المعنى تلازم النفي، كقولهم: ما في الدار أحد، وما بها عريب، وما بها ديّار. وكأنه، والله أعلم، استقصى فيها جميع هذه الألفاظ.
وقوله: ولا الخ، الواو عطفت جملة بها إنسي على جملة بها طوري المنفية بليس؛ و لا لتأكيد النفي، إلا أنه فصل بين العاطف والمعطوف بجملة خلا الجن، لضرورة الشعر. قال ابن السرّاج في الأصول: وحكى عن الأحمر أنه كان يجيز: ما قام صغير ولا خلا أخاك كبير. وإنما قاسه على قوله:
وبلدة ليس بها طوري ... ولا خلا الجن ولا إنسي
وليس كما ظن، أداة استثناء، ومثلها عدا يكونان فعلين وينصب ما بعدهما على المفعول به، لأن معناهما عند سيبويه جاوز؛ وفاعلهما ضمير مصدر الفعل المتقدم على قول ومنه - في خلا - ما أنشده ابن خروف وغيره: ولا خلا الجن بالنصب. ويكونان حرفين وينجرّ ما بعدهما على أنهما حرفا جر، ومنه - في خلا - قول الأعشى:
خلا الله ما أرجو سواك وإنما ... أعدّ عيالي شعبة من عيالكما
وهذا كله ما لم تتصل بهما ما المصدرية. فإن اتصلت بهما فإن المختار النصب، والجر قليل، وتكون ما مع ما بعدها في تأويل مصدر منصوب نصب غير وسوى، عند ابن خروف، ومصدر في موضع الحال عند السيرافي.
وإنسي: واحد الإنس، بالكسر، وهو البشر، يفرق بينه وبين واحد بياء النسبة كروم وروميّ. فقوله: خلا الجن استثناء منقطع، لأنه من غير جنس المستثنى منه.
وترجمة العجّاج تقدمت في الشاهد الحادي والعشرين.
وأنشد بعده، وهو الشاهد العشرون بعد المائتين وهو من شواهد س:
فإن تمس في غار برهوة ثاوياً ... أنيسك أصداء القبور تصيح
على أنه جعل الأصداء أنيساً، مجازاً واتساعاً. لأنها تقوم - في استقرارها بالمكان، وعمارته له - مقام الأناسي.
وقوى سيبويه بهذا مذهب بني تميم في إبدال ما لا يعقل ممن يعقل، إذ قالوا: ما في الدار أحد إلا حمار، فجعلوه بمنزلة ما في الدار أحد إلا فلان.
وهذا البيت من قصيدة لأبي ذؤيب الهذلي رصى بها ابن عمّ له قتل. مطلعها:
لعمرك إني يوم فارقت صاحبي ... على أن أراه قافلاً لشحيح
وإن دموعي إثره لكثيرة ... لو أن الدموع والزفير يريح
فو الله لا أنسى ابن عم كأنه ... نشيبة ما دام الحمام ينوح
إلى أن قال بعد أبيات ثلاثة:
فإن تمس في رمس برهوة ثاوياً ... أنيسك أصداء القبور تصيح
على الكره مني ما أكفكف عبرة ... ولكن أخلّي سربها فتسيح
فما لك جيران وما لك ناصر ... ولا لطف يبكي عليك نصيح
قوله: فإن تمس يقال أمسى: إذا دخل في المساء، وهو خلاف أصبح: إذا دخل في الصباح. قال ابن القوطية: المساء ما بين الظهر إلى المغرب. والرمس: القبر؛ قال في المصباح: رمست الميت رمساً، من باب قتل: دفنته. والرمس: التراب، تسمية بالمصدر ثم سمي القبر به، والجمع رموس. وأرمسته بالألف لغة. ورهوة: مكان، قال ياقوت في معجم البلدان: قال أبو عبيد: الرهوة: الجوبه تكون في محلة القوم يسيل إليها ماء المطر.
وقال أبو سعيد: الرهو: ما اطمأن من الأرض وارتفع ما حوله؛ قال: ولا رهوة شبه تلّ يكون في متون الأرض على رؤوس الجبال ومساقط الطيور والصقور والعقبان. ورهوة طريق بالطائف، وقيل هو جبل في شعر خفاف بن ندبة، وقيل عقبة في مكان يعرف. وقال الأصمعي: رهوة في أرض بني جشم ونصر ابني معاوية بن منصور بن عكرمة بن خصفة.

(1/412)


وثاويا خبر قوله: تمس وهو متعلق برهوة، يقال ثوى بالمكان وفيه: إذا أقام. وأنيسك مبتدأ، وأصداء خبره، والجملة حال من ضمير صاويا. وجملة تصيح صفة لأصداء؛ ولا يضر إضافته إلى المعرف باللام، لأن اللام للجنس ومدخلها قريب من النكرة. والأنيس: المؤانس؛ وفعله أنست به إنساً من باب علم، وفي لغة من باب ضرب؛ والأنس بالضم اسم منه؛ واستأنست به وتأنست به: إذا سكن القلب ولم ينفر، كذا في المصباح: والأصداء: جمع صدى بالقصر، وهو ذكر البوم، وهو يسكن في القبور، وقال الأعلم: هو طائر يقال له الهامة يزعم الأعراب أنه يخرج من رأس القتيل إذا لم يدرك بثأره فيقول: اسقوني! اسقوني! حتى يؤخذ بثأره. وهذا مثل؛ وإنما يراد به تحريض وليّ المقتول على طلب دمه. فجعله جهلة العرب حقيقة. انتهى.
وقوله: على الكره مني، متعلق بقوله: أكفكف؛ يقال: كفكفت الدمع والرجل: إذا كففته ومنعته. والعبرة، بالفتح: الدمعة؛ وفعله عبرت عينه كفرحت، والسرب، بفتح السين وسكون الراء المهملتين: الطريق، يقال خلّ له سربه.
وقوله: فما لك جيران الخ، هذه الجملة جواب قوله فإن تمس. وجيران: جمع جار. ولطف بفتح اللام والطاء المهملة، هو الرقيق والملاطف. وهذا الكلام منه على طريق التحزن والتحسر.
وقد تقدمت ترجمة أبي ذؤيب في الشاهد السابع والستين والله أعلم.
وأنشد بعده، وهو الشاهد الحادي والعشرون بعد المائتين وهو من شواهد سيبويه:
والحرب لا يبقى لجا ... حمها التخيل والمراح
إلا الفتى الصبار في النج ... دات والفرس الوقاح
على أن الفتى وما بعده استثناء منقطع، بدل من قوله: التخيل والمراح. والجاحم، بتقديم الجيم على الحاء المهملة: المكان الشديد الحرّ؛ من جحمت النار فهي جاحمة: إذا اضطرمت؛ ومنه الجحيم. والتخيل: التكبر من الخيلاء. يقول: إن الحرب تزيل نخوة المنخو.
وذلك أن أصحاب الغناء يتكرمون عن الخيلاء؛ ويختال المتشبع، فإذا جرّب فلم يحمد افتضح وسقط والمراح، بالكسر: النشاط. أي: أنها تكفّ حدة البطر النشيط، والصبار: مبالغة صابر. والنجدة: الشدة والبأس. والوقاح، بالفتح: الفرس الذي حافره صلب شديد؛ ومنه الوقاحة.
وهذان البيتان قد تقدم شرحهما مفصّلاً في الشاهد الحادي والثمانين، في اسم ما ولا المشبهتين بليس.
وأنشد بعده، وهو الشاهد الثاني والعشرون بعد المائتين ، وهو من شواهد س:
عشية لا تغني الرماح مكانها ... ولا النبل إلا المشرفي المصمم
على أن ما بعد إلا، وهو المشرفي، بدل من الرماح والنبل، والاستثناء منقطع.
وأورده صاحب الكشاف، أيضاً، شاهداً على رفع الاسم الكريم في قوله تعالى: " قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله " وإنما رفع على لغة تميم. والحجازيون ينصبونه مطلقاً.
وقد جاء هذا البيت في شعرين، قافية أحدهما مرفوعة، وقافية الآخر منصوبة. والأول هو الشائع المستشهد به، وقد ورد في كتاب سيبويه مغفلاً، ولم ينسبه أكثر شراح شواهده.
والمنصوب جاء في قصيدة للحصين بن الحمام المري. أما الأول فهو لضرار بن الأزور الصحابي من قصيدة قالها في يوم الردة: قال أبو محمد الأعرابي في فرحة الأديب: أكتبنا أبو الندى: قال ضرار بن الأزور وهو فارس المحبّر في الردة، لبني خزيمة - وكان خالد بن الوليد بعثه في خيل على البعوضة: أرض لبني تميم، فقتل عليها مالك بن نويرة فارس بني يربوع، وبنو تميم تدعي أنه آمنه. فقاتل يومئذ ضرار بن الأزور قتالاً شديداً - فقال في ذلك، وبلغه ارتداد قومه من بني أسد:
بني أسد قد ساءني ما صنعتم ... وليس لقوم حاربوا الله محرم
وأعلم حقاً أنكم قد غويتم ... بني أسد فاستأخروا أو تقدموا
نهيتكم أن تنهبوا صدقاتكم ... وقلت لكم يا آل ثعلبة اعلموا
عصيتم ذوي أحلامكم وأطعتم ... ضجيماً وأمر ابن اللقيطة أشأم
وقد بعثوا وفداً إلى أهل دومة ... فقبح من وفد ومن يتيمم
ولو سألت عنا جنوب لخبّرت ... عشية سالت عقرباء بها الدم
عشية لا تغني الرماح مكانها ... ولا النبل إلا المشرفي المصمم

(1/413)


فإن تبتغي الكفار غير منيبة ... جنوب فإني تابع الدين فاعلموا
أقاتل إذ كان القتال غنيمة ... ولله بالعبد المجاهد أعلم
ضجيم هو طليحة بن خويلد، وكانت أمه حميرية أخيذة. وابن اللقيطة: عيينة بن حصن. وقوله: يا آل ثعلبة، أراد ثعلبة الحلاف بن دودان بن أسد. وقال لنا أبو الندى: عقرباء بالباء: أرض باليمامة. قال: وعقر ما بالميم باليمن، وأتنشد لرجل من جعفي في قتل مالم بنمازن أحد بني ربيعة بن الحارث:
جدعتم بأفعى بالذهاب أنوفنا ... فملنا بأنفيكم فأصبح أصلما
فمن كان محزوناً بمقتل مالك ... فإنا تركناه صريعاً بعقرما
وقوله: عشية سالت هو بتقدير مضاف، أي: لخبّرت خبر عشية سالت. وعشية الثانية بدل منها. وجنول فيما بعد هذا منادى، وهي امرأة.
والعشية واحدة العشي، قال في المصباح: العشي قيل ما بين الزوال إلى الغروب، ومنه يقال للظهر والعصر صلاتا العشيّ؛ وقيل هو آخر النهار، وقيل العشي من الزوال إلى الصباح، وقيل العشي والعشاء من صلاة المغرب إلى العتمة. وجملة لا تغني الرماح الخ، في محل جر بإضافة عشية إليها. ومكانها ظرف لقوله لا تغني، وهو العامل فيه. قال العيني: الضمير في مكانها للحرب، يدلّ عليه لفظ الجهاد، لأنه لا يكون إلا بمكان الحروب. وأغنيت عنك بالألف، مغني فلان: إذا أجزأت عنه وقمت مقامه.
وحكى الأزهري: ما أغنى فلان شيئاً، بالغين والعين، أي: لم ينفع في مهم ولم يكف مؤنة. وقوله: ولا النبل بالرفع عطفاً على الرماح. والنبل بالفتح: السهام العربية، وهي مؤنثة، ولا واحد لها من لفظها، بل الواحد سهم. وقوله: إلا المشرفي بالرفع على لغة تميم بدل من الرماح والنبل، وإن لم يكن من جنسهما، مجازاً على ما تقدم قبله. ولا وجه لما نقله ابن الأنباري عن بعضهم: من أن نصب المشرفي على المعنى، قال: كأنه أرادبقوله: لا تغني الرماح، أي: لا تستعملها ولا تستعمل إلا المشرفي. وهذا تعسف ظاهر. والمشرفي بفتح الميم، هو السيف النمسوب إلى مشارف، قال البكري في معجم ما استعجم: قال الحربي: والمشارف قرى من قرى العرب تدنو من الريف، أحدها مشرف. وقال في موضع آخر: وهي مثل خيبر ودومة الجندل وذي المروة والرحبة.
وقال البكري، في مؤتة أيضاً: وكان لقاؤهم - يعني المسلمين - الروم في قرية يقال لها مشارف من تخوم البلقاء، ثم انحاز المسلمون إلى مؤتة وهو موضع من أرض الشام من عمل البلقاء. فالسيف المشرفي، إن كان منسوباً إلى الأول فالنسبة على القياس، لأن الجمع يردّ إلى الواحد فينسب إليه، وإن كان منسوباً إلى الثاني فالنسبة على خلاف القياس.
وبهذا التحقيق يعرف ما في قول الصاغاني وغيره: والسيوف المشرفية منسوبة إلى مشارف الشام، قال أبو عبيدة: هي قرى من أرض العرب تدنو من الريف، يقال: سيف مشرفي ولا يقال مشارفي، لأن الجمع لا ينسب إليه إذا كان على هذا الوزن. انتهى.
وقال صاحب المصباح - بعد أن نقل هذا - وقيل هذا خطأ، بل هي نسبة إلى موضع من اليمن. وقا لابن الأنباري فيشرح المفضليات، عند الكلام على هذا البيت: والمشرفي منسوب إلى المشارف، وهي قرى للعرب تدنو من الريف، ويقال: بل هي منسوبة إلى مشرف، رجل من ثقيف فالقول الأول هو القول الأول من كلام البكري ويدل على الجمعية دخول اللام عليها في كلامهما. والمصمم: اسم فاعل من صمم، قال صاحب الصحاح: وصمم السيف: إذا مضى في العظم وقطعه، فإذا أصاب المفصل وقطعه. يقال: طبّق. قال الشاعر يصف سيفاً:
يصمّم أحياناً وحيناً يطبق
ومثله قول ابن النباري: والمصمم الذي يبري العظم برياً، حتى كأنه وقع في المفصل من سرعة مضائه. والمطبق الذي يقع على المفصل، ومنه قول الكميت يصف رجلاً شبهه بالسيف:
فأراك حين تهز عند ضريبة ... في النائبات مصمماً كمطبق

(1/414)


أي: هو يمضي في نفس العظم ويبريه، وكأنه إنما طبق أي وقع على المفصل. فهذا الرجل حين يهز لما ينوب من الخطوب، كهذا السيف في مضائه، أي: يركب معالي الأمور وشدادها، ولا يثنيه شيء، كهذا السيف. وإنما كانت الرماح والنبل لا تغني، لأن الحرب إذا كانت بالليل لا تغني إلا السيوف، لاختلاط القوم ومواجهة - بعضهم بعضاً، كذا قال العيني. وهذا من تفسير العشية بالليل. وليس كذلك، بل هو من شدة المحاربة حيث استقل عملهما فنازل بالسيف: وذلك أن أول الحرب المناضلة بالسهام، فإذا تقاربوا فالتراشق بالرماح فإذا التقوا فالمجالدة بالسيوف. فالشاعر يصف شدة المحاربة، بالتقاء الفريقين، فلم يفد حينئذ إلا التضارب بالسيوف.
وأما الثاني، وهو الشعر المنصوب، فمطلع القصيدة:
جزى الله أفناء العشيرة كلها ... بدارة موضوع عقوقاً ومأثما
بني عمنا الأدنين منهم ورهطنا ... فزارة إذ رامت بنا الحرب معظما
ولما رأيت الودّ ليس بنافعي ... وإن كان يوماً ذا كواكب مظلما
صبرنا، وكان الصبر منا سجية ... بأسيافنا يقطعن كفاً ومعصما
يفلقن هاماً من رجال أعزة ... علينا، وهم كانوا أعق وأظلما
فليت أبا شبل رأى كرّ خيلنا ... وخيلهم بين الستار فأظلما
نطاردهم نستنقذ الجرد كالقنا ... ويستنقذون السمهري المقوّما
عشية لا تغني الرماح مكانها ... ولا النبل إلى المشرفي المصمما
لدن غدوة حتى إذا الليل ما ترى ... من الخيل إلا خارجيا مسوما
وهذه القصيدة مسطورة في المفضليات، وعدتها واحد وأربعون بيتاً.
وأفناء العشيرة: أوباشهم، يقال: هو من أفناء الناس: إذا لم يعلم ممن هو. و دارة موضوع: اسم مكان، وكذلك الستار وأظلم، موضعان. وقوله: نطاردهم الخ، هذا هو العامل في عشية. وروي:
نقاتلهم نستنقذ الجرد كالقنا ... ويستودعون السمهري المقوّما
وروى ابن قتيبة:
نحاربهم نستودع البيض هامهم ... ويستودعون السمهري المقوّما
والجرد: الخيل القصيرة الشعور؛ وذلك مدح لها. والسمهري: القنا. والقوّم: المعدل المثقف. يقول: نحن نستنقذ الخيل الجرد منهم، وهم يستنقذون الرماح منا بأن نطعنهم بها ونتركها فيهم.
وقوله: لدن غدوة الخ، ظرف لنطاردهم أيضاً. والخارجي من الخيل: الجواد في غير نسب تقدم له، كأنه نبغ بالجودة؛ وكذلك الخارجي من كل شيء. والمسوّم: المعلم للحرب. يقول: إن الناس انكشفوا في هذه الحرب فلم يبق إلا أهل هذه الخيل الأشداء، الذين سوّموا أنفسهم وخيلهم، شجاعة وجراءة؛ لأنه لا يثبت عند انهزام الناس إلا الأبطال.
وفي هذه القصيدة بيت من شواه سيبويه، وأورده المرادي في باب إعراب الفعل من شرح الألفية:
ولولا رجال من رزام بن مازن ... وآل سبيع أو أسوءك علقما
لأقسمت لا تنفك مني محارب ... على آلة حدباء حتى تندّما
أورده شاهداً على نصب أسوءك بإضمار أن بعد أو. ورزام هو رزام بن مازن ثعلبة بن سعد بن ذبيان. ووهم العيني فزعم أنه أبو حي من تميم، قال: وهو رزام بن مالك بن عمرو بن تميم. وسبيع بالتصغير، هو سبيع بن عمرو بن فتية مصغر فتاة بن أمة بن بجالة بن مازن بن ثعلبة بن سعد بن ذبيان. وكان سبيع شريفاً؛ وهو صاحب الرهن التي وضعت على يديه في حرب عبس وذبيان؛ ولما حضره الموت قال لابنه مالك بن سبيع: إن عندي مكرمة لا تبيد أبداً إن احتفظت بهذه الأغيلمة.. وعلقم منادى مرخّم علقمة، وهو علقمة بن عبيد بن عبد بن فتية المذكور.. وآل سبيع بالجر عطفاً على مجرور من. وأسوءك مؤول بمصدر معطوف على رجال. وروي: ولولا رجال من رزام أعزة بالرفع صفة رجال.
وقوله: لأقسمت لا تنفك الخ، هو جواب لولا. وقوله: لا تنفك الخ؛ جواب القسم. ومحارب: قبيلة؛ وهو محارب بن خصفة بن قيس بن عيلان. والآلة: الحالة، والحدباء ، بالحاء المهملة: الصعبة. والمعنى: لولا أن هؤلاء الرجال أو مساءتك لحملت على أمر عظيم صعب، لا تطمئن عليه إذا ركبته. وتندّم أصله تتندم بتاءين، فحذف إحداهما.

(1/415)


وأما ضرار بن الأزور فهو مالك بن أوس بن جذيمة بن ربيعة بن مالك بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة الأسدي. الفارس، الشاعر، الصحابي. أتى النبي صلى الله عليه وسلم، وأنشده:
خلعت القداح وعفت القيا ... ن والخمر تقلية واستهالا
وكرّي المحبر في غمرة ... وجهدي على المسلمين القتالا
فيا ربّ لا أغبنن بيعتي ... فقد بعت أهلي ومالي بدالا
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ربح البيع.
قال ابغوي: ولا أعلم لضرار غيرها ويقال: إنه كان له ألف بعير برعاتها، فترك جميع ذلك وحضر وقعة اليرموك وفتح الشام. وكان خالد بن الوليد بعثه في سرية فأغار على حي من أسد، فأخذوا امرأة جميلة؛ فسأل ضرار أصحابه أن يهبوها له، ففعلوا، فوطئها ثم ندم؛ فذكر ذلك لخالد فكتب إلى عمر رضي الله عنه، فكتب إليه: أن أرضخه بالحجارة! فجاء الكتاب وقد مات ضرار. وقيل: إنه ممن شرب الخمر مع أبي جندل، فكتب فيهم أبو عبيدة إلى عمر، فكتب إليه عمر: أن ادعهم فسائلهم، فإن قالوا إنها حلال فاقتلهم، وإن زعموا أنها حرام فاجلدهم! ففعل فقالوا: إنها حرام؛ فجلدهم.
وضرار هو الذي قتل مالك بن نويرة بأمر خالد بن الوليد - كما تقدم شرحه مفصّلاً في الشاهد السادس والثماني واختلف في وفاة ضرار، فقال الواقدي: استشهد باليمامة. وقال موسى بن عقبة: بأجنادين. وقيل: نزل حران فمات بها. والله أعلم.
وأما الحصين بن الحمام المري، فهو جاهلي. وهو بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين. والحمام بضم الحاء المهملة وتخفيف الميم. وهو فارس شاعر.
قال ابن قتيبة في كتاب الشعراء: هو من بني مرة، جاهلي، يعد من أوفياء العرب. قال أبو عبيدة: اتفقوا على أن أشعر المقلّين ثلاثة: المسيب بن علس، والحصين بن الحمام، والمتلمّس.
وهذه نسبته، كما في الجمهرة وشرح المفضليات: الحصين بن الحمام بن ربيعة بن مساب بضم الميم وتخفيف السين بن حرام بن وائلة بن سهم بن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار.
وأنشد بعده، وهو الشاهد الثالث والعشرون بعد المائتين وهو من شواهد س:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب
على انه عند سيبويه استثناء منقطع جعل كالمتصل، لصحة دخول البدل في المبدل منه. وبينه الشارح المحقق أحسن بيان.
وقوله: أن سيوفهم الخ، مؤول بمصدر مجرور، أي: غير كون سيوفهم بها فلول الخ. والفلول: جمع فلّ، بفتح الفاء، وهو كسر في حدّ السيف؛ وسيف أفلّ بين الفلل؛ يقال: فلّه فانفلّ أي: كسره فانكسر؛ وفللت الجيش أي هزمتهم. والقراع: المضاربة، مصدر قارعه؛ يقال قرعته بالمقرعة: إذا ضربته بها؛ وقرعت الباب: إذا طرقته. والكتائب: جمع كتيبة، وهي الطائفة المجتمعة من الجيش.
وهذا البيت مشهور، قد تداوله العلماء في تصانيفهم، وقد أورده علماء البديع شاهداً لتأكيد المدح بما يشبه الذمّ؛ فإنه نفى العيب عن هؤلاء القوم على جهة الاستغراق، ثم أثبت لهم عيباً وهو تثلم سيوفهم من مضاربة الجيوش. وهذا ليس بعيب، بل هو غاية المدح؛ فقد أكد المدح بما يشبه الذم. وأورده صاحب الكشاف أيضاً، عند قوله تعالى: لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم.
على أن الآية أشبه بتأكيد الذم بما يشبه المدح: عكس البيت فإن إطلاق الحجة على قول الذين ظلموا، ذم في صورة مدح، لا أنه مدح في صورة ذم.
وأورده سيبويه في باب ما لايكون إلا على معنى ولكن. قال النحاس: فرق سيبويه بين هذا الباب وبين الباب الذي قبله، لأن الذي قبله يجوز فيه الرفع والنصب، والنصب أجود؛ وهذا الباب لا يجوز فيه عنده غلا النصب، لنه ليس من الأول في شيء. وأجاز المبرد في جميع ما في هذا الباب الرفع، وكذا في: لا عيب فيهم غير أن سيوفهم انتهى.
وعلى قول المبرد فتكون غير بدلاً من الضمير المستقر في الظرف.
وهذا البيت من قصيدة للنابغة الذبياني، مدح بها عمرو بن الحارث الأصغر بن الحارث الأعرج بن الحارث الأكبر، ملوك الشام الغسانيين، وذلك لما هرب من النعمان بن المنذر اللخمي، من ملوك الحيرة. وليس الممدوح بها النعمان بن الحارث - كما وهم شارح شواهد المغني - لتصريح الممدوح بها في القصيدة، كما سيأتي. ومطلع القصيدة:

(1/416)


كليني لهمّ يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطيء الكواكب
وتقدم شرح هذا البيت وسبب هروبه، في الشاهد السابع والثلاثين بعد المائة مفصلاً. وقال بعد ثلاثة أبيات شرحت هناك:
حلفت يميناً غير ذي مثنوية ... ولا علم إلا حسن ظن بصاحب
لئن كان للقبرين قبر بجلّق ... وقبر بصيداء التي عند حارب
وللحارث الجفنيّ سيد قومه ... ليلتمسن بالجمع أرض المحارب
البيت الأول من شواهد سيبويه، أورده بنصب ما بعد إلا على الاستثناء المنقطع، لأن حسن الظن ليس من العلم. ورفعه جائز على البدل من موضع العلم وإقامة الظن مقام العلم اتساعاً ومجازاً. وقوله: غير ذي مثنوية، هو مصدر بمعنى الاستثناء في اليمين؛ أي: حلفت غير مستثن في يميني، ثقة بفعل هذا الممدوح، وحسن ظن به.
وروى أبو عبيدة:
وما ذاك إلا حسن ظن بصاحب
وعليه فلا شاهد فيه، والإشارة لليمين.. وجملة المصراع الثاني على الروايتين معترضة بين القسم وجوابه. وقوله: لئن كان للقبرين الخ، اللام الداخلة على إن موطئة للقسم، أي: وطأت أن الجواب الذي بعد الشرط للقسم؛ فجملة قوله الآتي: ليلتمسن بالجمع الخ، جواب القسم. وجواب الشرط محذوف دل عليه جواب القسم، واسم كان ضمير عمرو الممدوح المتقدم في قوله:
علي لعمرو نعمة بعد نعمة ... لوالده ليست بذات عقارب
وأراد بالقبرين المقبورين: الحارث الأعرج، ابن الحارث الأكبر، وهو الجفني الآتي ذكره. يقول: لئن كان عمرو ابن هذين الرجلين المقبورين في هذين المكانين، ليمضينّ أمره وليلتمسن أرض من حاربه. وجلّق بكسر الجيم واللام المشددة، هي الشام. وصيداء مدينة بالشام بالساحل. وحارب: موضع، وقيل اسم رجل.
وقوله: للحارث الجفني الخ، بفتح الجيم، وهو جفنة بن عمرو مزيقياء بن عامر بن ماء السماء؛ وهم الملوك الذين كانوا بالشام. وقوله: ليلتمسن، هذا جواب القسم مؤكد بالنون الخفيفة. وقوله: بالجمع، أي: بجموع العساكر والجيوش.
وقال بعدما ذكر:
لهم شيمة لم يعطها الله غيرهم ... من الناس والأحلام غير عوازب
مجلتهم ذات الإله ودينهم ... قويم فما يرجون غير العواقب
والشيمة: الطبيعة. وقوله: والأحلام الخ، أي: لا تعزب عقولهم عنهم كما تعزب الماشية عن أهلها، أي: لا تغيب. وقوله: مجلتهم ذات الإله، المجلة بفتح الميم والجيم: الكتاب، لأنه يجلّ ويعظّم؛ وأراد به الإنجيل، لأنهم كانوا نصارى. قال العسكري في كتاب التصحيف: قرأته على ابن دريد: مجلتهم بالجيم، وقال لي: سمعت أبا حاتم يقول: رواية الأصمعي بالجيم، قال: وهو كتاب النصارى.
وكذا كل كتاب جمع حكمة وأمثالاً، فهو عند العرب مجلة، ومن هذا سمى أبو عبيدة كتابه الذي جمع فيه أمثال العرب المجلة. وروى أيضاً: محلتهم بالحاء المهملة أي: منزلتهم بيت المقدس وأرض الشام ومنازل الأنبياء وهي القدس. وروى ابن السكيت: مخافتهم يريد يخافون أمر الله. وذات الإله: كتابه. وقويم: مستقيم. وقوله: فما يرجون الخ، قال الأصمعي: أي: ما يطلبون إلا عواقب أمورهم، فليس يرجون شيئاً من أمر الدنيا، وإنما يرجون ما بعد الموت.
وبعد البيت المستشهد به، أعني قوله:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم
تخيّرن من أزمان يوم حليمة ... إلى اليوم قد جرّبن كل التجارب
وأورده ابن هشام ف يالمغني على أن من تأتي لابتداء الغاية في الزمان أيضاً، وهو مذهب الكوفيين والأخفش والمبرد وابن درستويه، بدليل: " من أول يوم " .
وفي الحديث: فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة. وهذا البيت. وقيل: التقدير: من مضي أزمان، ومن تأسيس أول يوم. وردّه السهيلي بأنه لو كان هكذا لاحتيج إلى تقدير الزمان! وتخيرن وجربن كلاهما بالبناء للمفعول؛ والنون ضمير السيوف. والتجارب: جمع تجربة. وكل منصوب على المصدر. وإلى متعلقة بقوله تخيّرن.
ويوم حليمة، قال العسكري ف يالتصحيف: هو يوم كان بين ملوك الشام، من الغسانيين، وملوك العراق، قتل فيه المنذر - غما جد النعمان أو أبوه - وقيل في هذا اليوم ما يوم حليمة بسرّ انتهى.

(1/417)


وفي الدرة الفاخرة لحمزة الأصبهاني، وهي الأمثال التي جاءت على وزن أفعل التفضيل، وكذلك في مستقصى الأمثال للزمخشري، واللفظ للأول: أعز من حليمة هي بنت الحارث بن أبي شمر الغساني الأعرج ملك عرب الشام، وفيها سار المثل فقيل: ما يوم حليمة بسر أي: خفي.
وهذا اليوم هو اليوم الذي قتل فيه المنذر بن المنذر ملك عرب العراق، فسار بعربها إلى الحارث الأعرج الغساني - وهو ابن الحارث الأكبر، وكان في عرب الشام - وهو أشهر أيام العرب. وإنما نسب هذا اليوم إلى حليمة لأنها حضرت المعركة محضضة لعسكر أبيها؛ فتزعم العرب أن الغبار ارتفع في يوم حليمة حتى سدّ عين الشمس وظهرت الكواكب المتباعدة من مطلع الشمس، فسار المثل بهذا اليوم قالوا: لأرينك الكواكب ظهرا. وأخذه طرفة فقال:
إن تنوّله فقد تمنعه ... وتريه النجم يجري بالظهر
وفي شرح ديوان النابغة : سبب ذلك أن الملك كان في الضجاعم، فأتى رجل منهم رجلاً من غسان يقال له جذع، فسأله الخراج، فأعطاه ديناراً؛ فقال: هات آخر، وشدد عليه، فاستأجله فلم يفعل، فلما ضيق عليه دخل جذع منزله فالتحف على سيفه ثم خرج، فضرب به الضجعمي فقتله.
فقال القاتل: خذ من جذع ما أعطاك. ووثبت غسان ورأسوا عليهم رجلاً، ثم أوقعوا بالضجاعم فغلبتهم غسان وأخذت الملك منهم.. وأما حليمة فهي ابنة الغساني الذي رئس عليهم، وكانت من اجمل النساء، فأعطاها طيباً وأمرها أن تطيّب من مرّ بها من جنده؛ فجعلوا يمرون بها وتطيبهم، فمر بها شاب فلما طيبته تناولها فقبلها؛ فصاحت وشكت ذلك إلى أبيها؛ فال: اسكتي فما في القوم أجلد منه، حين فعل هذا بك واجترأ عليك، فإنه إما أن يبلي بلاء حسناً، فأنت امرأته، وإما أن يقتل، فذاك أشد عليه مما تريدين به من العقوبة، فأبلى الفتى، ثم رجع فزوّجه ابنته حليمة انتهى.
وفي القاموس: وحليمة بنت الحارث بن أبي شمر، وجه أبوها جيشاً إلى المنذر بن ماء السماء، فأخرجت لهم مركناً من طيب وطيبتهم منه - والمركن، بكسر الميم: الإجانة التي تغسل فيها الثياب - وسببه: أن غسان كانت تؤدي كل سنة إلى ملك سليح دينارين من كل رجل، وكان يلي ذلك سبطة بن المنذر السليحي، فجاء سبطة يسأل الدينارين من جذع بن عمرو الغساني، فدخل جذع منزله فخرج مشتملاً بسيفه، فضرب به سبطة حتى برد، وقال: خذ من جذع ما أعطاك. يضرب في اغتنام ما يجود به البخيل. وسليح، كجريح: قبيلة باليمن. وجذع، بكسر الجيم وسكون الذال المعجمة ثم إن جيش الحارث توجه إلى المنذر، فقالوا: أتينا من عند صاحبنا، وهو يدين لك ويعطيك حاجتك؛ فتباشر هو وأصحابه وغفلوا بعض الغفلة، فحمل ذلك الجيش على المنذر فقتلوه. فقيل في ذلك اليوم: ما يوم حليمة بسر أي: بخفي. فصار يضرب لكل أمر مشهور.
وترجمة النابغة تقدمت في الشاهد الرابع بعد المائة.
وانشد بعده، وهو الشاهد الرابع والعشرون بعد المائتين وهو من شواهد سيبويه:
فتىً كملت أخلاقه غير أنه ... جواد فما يبقي من لمال باقيا
لما تقدم بله. قال ابن جني في إعراب الحماسة: أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن، قراءة عليه، عن أحمد بن يحيى قال: لما أنشدته - يعني ابن الأعرابي - قول الشاعر:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم
قال: هذا استثناء قيس، يقولون: غير أن هذا أشرف من هذا، وهذا أطرف من هذا. يكون مدحاً بعد مدح. وأنشد فيه أيضاً:
فتى تمّ فيه ما يسرّ صديقه ... على أن فيه ما يسوء الأعاديا
انقضت الحكاية. وهذا الاستثناء على إغرابه جار مجرى الاستثناء المعهود؛ ألا ترى أنه إذا قال: فتىً تمّ فيه ما يسر صديقه، جاز أن يظن أنه مقصور على هذا وحده، فإذا قال: على أن فيه ما يسوء عاديا، أزال هذا الظن، وصار معناه أن فيه مسرة لأوليائه ومساءة لأعدائه، وليس مقصوراً علىأحد الأمرين. فهو إخراج شيء من شيء، لخلاف الثاني الأول. وكذلك: فتى كملت أخلاقه.. البيت، لما كان إتلافه للمال عيباً عند كثير من الناس، استثنى هذه الحالة فأخرجها من جملة خلال المدح، لمخالفتها إياها عندهم وعلى مذهبهم. وليس شيء يعقد على أصله فيخرج عنه شيء منه في الظاهر، إلا وهو عائد إليه وداخل فيه في الباطن، مع التأمل. انتهى كلامه.
وأورده علماء البديع أيضاً في باب تأكيد المدح بما يشبه الذم.

(1/418)


وهذا البيت من أبيات للنابغة الجعدي، رثى بها أخاه. وقد أوردها أبو تمام في باب المراثي من الحماسة، وهي من قصيدة..وقبله:
ألم تعلمي أني رزئت محارباً ... فما لك منه اليوم شيء ولا ليا
ومن قبله ما قد رزئت بوحوح ... وكان ابن أمي والخليل المصافيا
فتى كملت خيراته غير أنه ... جواد فما يبقي من المال باقيا
فتى تم فيه مايسر صديقه ... على أن فيه ما يسوء الأعاديا
يقول لمن يلحاه في بذل ماله ... أأنفق أيامي وأترك ماليا
يدر العروق بالسنان ويشتري ... من الحمد ما يبقى وإن كان غاليا
قوله: ألم تعلمي الخ ، يخاطب امرأته. ومحارب، قال أبو عبيد البكري في شرح نوادر القالي: هو محارب بن قيس بن عدس، من أشراف قومه. وهو تفجع وتوجع.
يقول: قد فجعنا به فأصبحنا لا نستمتع به ولا ننتفع بمكانه. ثم ذكر أنه قد فجع قبله بأخيه وحوح، وهو مأخوذ من قولهم وحوح الرجل: إذا ردد صوتاً في صدره، وهو نحو النحنحة.
وقوله: فتىً كملت الخ، روي أيضاً: فتى كملت فيه المروءة، ويجوز أن يحمل الفتى على ابنه وعلى أخيه ... قال المرزباني في الموشح: أخبرني الصولي عن أبي العيناء عن الأصمعي قال: أنشدت الرشيد أبيات النابغة الجعدي، من قصيدته الطويلة:
فتى تم فيه ما يسر صديقه
فتى كملت أعراقه غير أنه
أشم طويل الساعدين سميدع ... إذا لم يرح للمجد أصبح غاديا
فقال الرشيد: ويله، لم لم يروحه في المجد كما أغداه! ألا قال:
إذا راح للمعروف أصبح غاديا
فقلت: أنت والله يا أمير المؤمنين، في هذا، أعلم منه بالشعر.
ومن أبيات الغزل في هذه القصيدة
بدت فعل ود، فلما تبعتها ... تولت وبقت حاجتي في فؤاديا
وحلت سواد القلب لا أنا باغياً ... سواها ولا في حبها متراخيا
قال شارح أبيات الموشح: قوله فعل ذي ود، إما مصدر لبدت، لأن المصادر وما يشتق منها يعبر عنها بلف الفعل، قال تعالى: والذين هم للزكاة فاعلون أو لفعل محذوف، أي: بدت وفعلت فعل ذي ود، أي فاعلةً فعله. وقال العيني: هو بتقدير: كفعل ذي ود، والمعنى: فعلت معي فعل ذي محبة...
وقوله: وحلت سواد القلب، هذا البيت من شواهد النحاة أوردوه شاهداً على عمل لا عمل ليس في المعرفة، وهو شاذ. وأجيب عنه بوجهين: أحدهما: أن الأصل لا أرى باغياً، فلما حذف الفعل برز الضمير، فباغياً حال. والثاني: أن أنا مبتدأ، والفعل المقدر المذكور خبره. وروي: لا أنا مبتغ سواها وعليه لا شاهد فيه.
وأنشد بعده، وهو الشاهد الخامس والعشرون بعد المائتين
فما ترك الصنع الذي قد تركته ... ولا الغي مني ليس جلداً وأعما
على أن ليس، ولا يكون، وخلا، وعدا، لا يستعملن في الاستثناء المفرغ، وقد جاء التفريغ في ليس، كما في البيت، فإن المستثنى منه محذوف، أي: ما ترك الصنع شيئاً إلا جلداً وأعظماً. فالمنصوب بعد ليس خبرها، واسمها قد بينه الشارح. والرواية إنما هي
فما ترك الصنع الذي قد صنعته
بالخطاب مع عمر بن عبد العزيز، أراد بصنعه تقريب ضده: زيد بن أسلم، وما عامل به الأحوص من الجفاء. وقوله: ولا الغيظ عطف على الصنع. ثم ذكر الشارح أن هذه الأفعال لم تستعمل إلا في الاستثناء المتصل.. أقول: قد وردت خلا في الاستثناء المنقطع، كقول العجاج - وهو من أبياته - كما مر شرحه:
وبلدة ليس بها طوري ... ولا خلا الجن بها إنسي
فإن قوله إنسي هو المستثنى منه، والجن هو المستثنى، وجنس كل منهما مغاير لجنس الآخر.
والبيت من قصيدة للأحوص الأنصاري - وتقدمت ترجمته في الشاهد الخامس والثمانين - روى صاحب الأغاني بسنده: أن عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة أدنى زيد بن أسلم، وجفا الأحوص، فقال له الأحوص:
ألست أبا حفص هديت مخبريأفي الحق أن أقصى وتدني ابن أسلما
فقال عمر: ذلك هو الحق... قال الزبير: وأنشدنيها عبد الملك ابن الماجشون:
ألا صلة الأرحام أقرب للتقى ... وأظهر في أكفائه لو تكرما
فما ترك الصنع الذي قد صنعته ... ولا الغيظ مني ليس جلداً وأعظما

(1/419)


وكنا ذوي قربى إليك فأصبحت ... قرابتنا ثدياً أجد مصرما
وكنت لما أرجوه منك كبارق ... لوى قطره من بعد ما كان غيما
وقد كنت أرجى الناس عندي مودة ... ليالي كان الظن غيباً مرجما
أعدك حرزاً إن جنيت ظلامة ... ومالاً ثرياً حين أحمل مغرما
تدارك بعتبى عاتباً ذا قرابة ... طوى الغيظ لم يفتح بسخط له فما
وهذه القصيدة أرسلها إلى عمر وهو منفي بدهلك، كان سليمان بن عبد الملك قد نفاه - لما تقدم في ترجمته - فبقي هناك محبوساً مدة سليمان، ثم ولي عمر بن عبد العزيز فكتب إليه يستأذنه في القدوم ويمدحه، فأبى أن يأذن له. وكان فيما كتب إليه:
أيا راكباً إما عرضت فبلغن ... هديت أمير المؤمنين رسائلي
وقل لأبي حفص إذا ما لقيته ... لقد كنت نفاعاً قليل الغوائل
فكيف ترى للعيش طيباً ولذة ... وخالك أمسى موثقاً في الحبائل
وأنشد بعده، وهو الشاهد السادس والعشرون بعد المائتين
وكل أبي باسل غير أنني ... إذا عرضت أولى الطرائد أبسل
على أن غيراً تستعمل في الاستثناء المتصل. وقد مر مافيه آنفاً.
وهذا البيت من قصيدة مشهورة للشنفرى تسمى لامية العرب، مطلعها:
أقيموا بني أمي صدور مطيكم ... فإني إلى قوم سواكم لأميل
فقد حمت الحاجات والليل مقمر ... وشدت لطيات مطايا وأرحل
وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى ... وفيها لمن خاف القلى متغزل
لعمرك ما بالأرض ضيق على امرئ ... سرى راغباً أو راهباً وهو يعقل
ولي دونكم أهلون: سيد عملس ... وأرقط زهلول وعرفاء جيال
هم الأهل لا مستودع السر ذائع ... لديهم ولا الجاني بما جر يخذل
وكل أبي باسل غير أنني
وإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن ... بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل
وما ذاك إلا بسطة عن تفضل ... عليهم وكان الأفضل المتفضل
وهذه القصيدة قد شرحها جماعة، منهم الخطيب التبريزي، والزمخشري، وابن الشجري، وابن أكرم. ولم يحضرني الآن غير الأول والثاني: قال القالي في أماليه: إن القصيدة المنسوبة إلى الشنفرى، التي أولها: أقيموا بني أمي صدور مطيكم له هي من المقدمات في الحسن والفصاحة والطول. وكان أقدر الناس على قافية. انتهى.
وعدتها ثمانية وستون بيتاً، وقد استشهد الشارح منها بستة أبيات أخر في باب الجمع، وفي الأفعال الناقصة، وفي رب من حروف الجر، وفي حروف الشرط. وقوله: أقيموا بني أمي الخ، يقال: أقام صدر مطيته. إذا جد في السير، وكذلك إذا جد في أمر كان. يؤذن قومه بالرحيل، وأن غفلتهم عنه توجب مفارقتهم. و بني أمي: منادى، وأضاف الأبناء إلى الأم لأنها أشد شفقة، كما قيل في قوله تعالى حكاية عن هرون: يا ابن أم. و أميل، هنا بمعنى مائل، ونظيره كثير نحو أكبر وأوحد.
وقوله: فقد حمت الحاجات الخ، يريد تنبهوا من رقدتكم، فهذا وقت الحاجة، ولا عذر لكم، فإن الليل كالنهار في الضوء والآلة حاضرة. و حمت بضم الحاء المهملة، يقال: حم الشيء، بالبناء للمفعول، أي: قدر وهيئ.
وأقمر الليل، أي: أضاء.و الطية، بكسر الطاء المهملة، قال صاحب الصحاح: الطية النية، قال الخليل: الطية تكون منزلاً وتكون منتأى، تقول: مضى لطيته، أي: لنيته التي انتواها، وبعدت عنا طيته وهو المنزل الذي انتواه، ومضى لطيته، وطية بعيدة: أي شاسعة.
وقوله: وفي الأرض منأى الخ، المنأى: اسم مكان من نأى أي: بعد، وهو متعلق قوله عن الأذى. و القلى، بكسر القاف: البغض، وإن فتحتها مددت. ومتعزل، بفتح الزاء: اسم مكان من تعزله بمعنى اعتزله.

(1/420)


وقوله: ولي دونكم الخ، أورد الشارح هذا البيت في باب الجمع. ودون هنا بمعنى غير.و السيد، بكسر السين: الذئب، والأنثى سيدة، وربما سمي به الأسد.و العملس، بفتح العين والميم واللام المشددة:القوي على السير السريع. وأراد بالأرقط النمر، وهو ما فيه سواد يشوبه نقط بيض.و الزهلول بضم الزاي: الأملس، وفي العباب: يقال للضبع عرفاء لكثرة شعر رقبتها. وأنشد هذا البيت.و جيأل، على وزن فيعل: اسم للضبع معرفة، وتكون بدلاً من عرفاء، وهو غير منصرف للعلمية والتأنيث.
وقوله: هم الأهل الخ، أي: ما ذكرته من الوحوش هم الأهل لا غيرهم. وبين وجه انحصار الأهلية فيهم دون من عداهم من الإنس بقوله: لا مستودع السر إلى آخره، أي: السر المستودع عندهم غير ذائع. والجاني: اسم فاعل من جنى عليه جناية، أي: أذنب. والباء سببية. وجر بمعنى جنى، يقال: جر عليهم جريرةً، أي: جنى عليهم جناية، ويخذل، بالبناء للمفعول، من خذلته وخذلت عنه، من باب قتل، والاسم الخذلان: إذا تركت نصرته وإعانته وتأخرت عنه.
وقوله: وكل أبي الخ، أي: كل واحد من هذه الوحوش. والأبي: الصعب الممتنع؛ من أبى بأبى فهو آب وأبي.
والباسل: الجريء الشجيع؛ من بسل بسالة، مثل ضخم ضخامة، بمعنى شجع فهو باسل. وقوله: غير أنني الخ، استثناء منقطع. وعرضت من عرض له كذا، من باب ضرب: أي: ظهر. وأولى: مؤنث الأول. والطريدة: ما طردت من صيد وغيره، والمراد هنا الفرسان ومطاردة الأقران في الحرب إذا حمل بعضهم على بعض؛ يقال: هم فرسان الطراد. وأبسل: أفعل تفضيل.
وقوله: وإن مدت الأيدي الخ، وصف عدم شرهه على الطعام وصبره على الجوع. وهذا مدح عند العرب. والزاد: ما يؤكل؛ وأصله الطعام المتخذ للسفر. والباء في قوله: بأعجلهم، زائدة دخلت في خبر الكون المنفي. وقد استشهد له شراح الألفية بهذا البيت. وأجشع: أفعل تفضيل من الجشع بفتحتين، وهو أشد الحرص؛ وفعله من باب فرح. وأعجل، الأول، بمعنى عجل بفتح فكسر، لا أنه أفعل تفضيل كالثاني، لأن مراده أن ينفي العجلة كبير مدح. والشرط والجواب هنا، كلهما حكاية حال ماضية، ولذلك صح وقوع لم في جواب الشرط.
وقوله: وما ذاك إلا بسطة الخ، الإشارة راجعة إلى عدم مد يده إلى الزاد مستعجلاً، وقيل راجعة إلى مجموع ما مدح به نفسه. والبسطة: السعة. والتفضل: الإنعام يقال: تفضل عليه وأفضل إفضالاً بمعنى. والأفضل خبر كان تقدم على اسمها وهو المتفضل.
والشنفرى شاعر جاهلي قحطاني من الأزد. وهو كما في الجمهرة وغيرها من بني الحارث بن ربيعة بن الأواس بن الحجر بن الهنء بن الأزد. وهو بفتح الشين وآخره ألف مقصورة وهو اسمه.
والأواس بفتح الهمزة. والحجر بفتح الحاء المهملة وسكون الجيم. والهنء بتثليث الهاء وسكون النون وبعدها همزة.
وزعم بعضهم أن الشنفرى لقبه - ومعناه عظيم الشفة - وأن اسمه ثابت بن جابر. وهذه غلظ كما غلظ العيني في زعمه أن اسمه عمرو بن براق بفتح الباء وتشديد الراء المهملة بل هما صاحباه في التلصص، وكان الثلاثة أعدى العدائين في العرب، لم تلحقهم الخيل؛ ولكن جرى المثل بالشنفرى فقيل: أعدى من الشنفرى.
ومن حديثه ما ذكره أبو عمرو الشيباني - كما نقله ابن الأنباري في شرح المفضليات، وحمزة الأصبهاني في الدرة الفاخرة - ؛ قال: أغار تأبط شراً - وهو ثابت بن جابر - والشنفرى الأزدي، وعمرو بن براق على بجيلة بفتح الباء وكسر الجيم. فوجدوا بجيلة قد أقعدوا لهم على الماء رصداً؛ فلما مالوا له في جوف الليل قال لهم تأبط شراً: إن بالماء رصداً. وإني لأسمع وجيب قلوب القوم - أي: اضطراب قلوبهم - قالوا: والله ما نسمع شيئاً، ولا هو إلا قلبك يجب! فوضع يده على قلبه فقال: والله ما يجب وما كان وجاباً! قالوا: فلا والله ما لنا بد من ورود الماء! فخرج الشنفرى، فلما رآه الرصد عرفوه، فتركوه فشرب ثم رجع إلى أصحابه فقال: والله ما بالماء أحد، ولقد شربت من الحوض! فقال تأبط شراً: بلى، لا يريدونك ولكن يريدونني.

(1/421)


ثم ذهب ابن براق فشرب ثم رجع، فلم يعرضوا له، فقال: ليس بالماء أحد! فقال تأبط شراً: بلى، لا يريدونك ولكن يريدونني! ثم قال للشنفرى: إذا أنا كرعت في الحوض فإن القوم سيشدون علي فيأسرونني، فاذهب كأنك تهرب ثم ارجع فكن في أصل ذلك القرن، فإذا سمعتني أقول: خذوا، خذوا فتعال فاطلقني. وقال لابن براق: إني سآمرك إن تستأسر للقوم، فلا تبعد منهم ولا تمكنهم من نفسك.
ثم أقبل تأبط شراً، حتى ورد الماء، فلما كرع في الحوض شدوا عليه فأخذوه وكتفوه بوتر، وطار الشنفرى فأتى حيث أمره، وانحاز ابن براق حيث يرونه؛ فقال تأبط شراً: يا بجيلة، هل لكم في خير! هل لكم أن تياسرونا في الفداء ويستأسر لكم ابن براق! فقالوا: نعم، ويلك يا ابن براق! إن الشنفرى قد طار، فهو يصطلي نار بني فلان، وقد علمت الذي بيننا وبين أهلك، فهل لك أن تستأسر ويياسرونا في الفداء! فقال: أما والله حتى أروز نفسي شوطاً أو شوطين.
فجعل يعدو في قبل الجبل ثم يرجع، حتى إذا رأوا أنه قد أعيا وطمعوا فيه اتبعوه، ونادى تأبط شراً: خذوا! خذوا! فذهبوا يسعون في أثره؛ فجعل يطعمهم ويبعد عنهم؛ ورجع الشنفرى إلى تأبط شراً فقطع وثاقه، فلما رآه ابن براق قد قطع عنه انطلق، وكر إلى تأبط شراً فإذا هو قائم؛ فقال: أعجبكم يا معشر بجيلة عدو ابن براق، أما والله لأعدون لكم عدواً أنسيكموه! ثم انطلق هو والشنفرى. انتهى.
ومن المشهورين في العدو السليك بن السلكة وهو تميمي من بني سعد. والسليك بالتصغير: فرخ الحجلة، والنثى سلكة بضم السين وفتح اللام؛ وهي اسم أمه، وكانت سوداء، وإليها نسب.
وذكر أبو عبيدة السليك في العدائين، مع المنتشر بن وهب الباهلي، وأوفى بن مطر المازني. والمثل للسليك من بينهم، فقيل: أعدى من السليك.
ومن حديثه فيما ذكره أبو عبيدة، كما نقله حمزة الأصبهاني في الدرة الفاخرة: أن السليك رأته طلائع لجيش بكر بن وائل، جاؤوا متجردين ليغيروا على بني تميم، ولا يعلم بهم، فقالوا: إن علم بنا السليك أنذر قومه فبعثوا إليه فارسين على جوادين، فلما هايجاه خرج يعدو كأنه ظبي، فطارداه يوماً أجمع، ثم قالا: إذا كان الليل أعيا فيسقط فنأخذه.
فلما أصبحا وجدا أثره قد عثر بأصل شجرة، وقد وثب وانحطمت قوسه؛ فوجدا قطعة منها قد ارتزت بالأرض؛ فقالا: لعل هذا كان من أول الليل ثم فتر، فتبعاه فإذا أثره متفاجاً قد بال في الأرض وخدها، فقالا: ماله! قاتله الله! ما أشد متنه! والله لا نتبعه! فانصرفا. ووصل السليك إلى قومه فأنذرهم، فكذبوه لبعد الغاية، وجاء الجيش فأغاروا عليهم.
رجعنا إلى حديث الشنفرى. روى الأصبهاني في الأغاني، وابن الأنباري في شرح المفضليات: أن الشنفرى أسرته بنو شبابة وهم حي من فهم بن عمرو بن قيس عيلان وهو غلام صغير، فلم يزل فيهم حتى أسرت بنو سلامان بن مفرج بسكون الفاء وآخره جيم رجلاً من فهم ثم أحد بني شبابة بفتح الشين المعجمة، ففدته بنو شبابة بالشنفرى؛ فكان الشنفرى في بني سلامان بفتح المهملة يظن أنه أحدهم، حتى نازعته ابنة الرجل الذي كان في حجره - وكان قد اتخذه ابناً - فقال لها: اغسلي رأسي يا أخية فأنكرت أن يكون أخاها فلطمته، فذهب مغاضباً إلى الذي هو في حجره فقال له: أخبرني من أنا؟ فقال له: أنت من الأواس بن الحجر؛ فقال: أما إني سأقتل منكم مائة رجل بما اعتبدتموني! ثم إن الشنفرى لزم دار فهم وكان يغير على بني سلامان على رجليه فيمن تبعه من فهم، وكان يغير عليهم وحده أكثر، وما زال يقتل منهم حتى قتل تسعة وتسعين رجلاً، حتى قعد له في مكان أسيد بن جابر السلاماني بفتح الهمزة وكسر السين ومع أسيد ابن أخيه وخازم البقمي - وكان الشنفرى قتل أخا أسيد بن جابر - فمر عليهم الشنفرى، فأبصر السواد بالليل فرماه - وكان لا يرى سواداً إلا رماه - فشك ذراع ابن أخي أسيد إلى عضده، فلم يتكلم، وكان خازم منبطحاً يرصده، فقطع الشنفرى بضربة أصبعين من أصابع خازم، وضبطه خازم حتى لحقه أسيد وابن أخيه، فأخذوا سلاح الشنفرى وأسروه وأدوه إلى أهلهم، وقالوا له: أنشدنا فقال: إنما النشيد على المسرة فذهبت مثلاً. ثم ضربوا يده فقطعوها؛ ثم قالوا له - حين أرادوا قتله - أين نقبرك؟ فقال:
لا تقبروني! إن قبري محرم ... عليكم ولكن أبشري أم عامر

(1/422)