صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


[ جمهرة خطب العرب - أحمد زكي صفوت ]
الكتاب : جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
المؤلف : أحمد زكي صفوت
الناشر : المكتبة العلمية - بيروت
عدد الأجزاء : 3

الباب الأول
الخطب والوصايا في العصر الجاهلي
الخطب
إصلاح مرثد الخير بين سبيع بن الحارث وبين ميثم بن مثوب
كان مرثد الخير بن ينكف قيلا وكان حدبا على عشيرته محبا لصلاحهم وكان سبيع بن الحرث وميثم بن مثوب بن ذي رعين تنازعا الشرف حتى تشاحنا وخيف أن يقع بين حييهما شر فيتفانى جذماهما فبعث إليهما مرثد فأحضرهما ليصلح بينهما فقال لهما

(1/9)


مقال مرثد الخير
إن التخبط وامتطاء الهجاج واستحقاب اللجاج سيقفكما على شفا هوة في توردها بوار الأصيلة وانقطاع الوسيلة فتلافيا أمر كما قبل انتكاث العهد وانحلال العقد وتشتت الألفة وتباين السهمة وأنتما في فسحة رافهة وقدم واطدة والمودة مثرية والبقيا معرضة فقد عرفتم أنباء من كان قبلكم من العرب ممن عصى النصيح وخالف الرشيد وأصغى إلى التقاطع ورأيتم ما آلت إليه عواقب سوء سعيهم وكيف كان صيور أمورهم فتلافوا القرحة قبل تفاقم الثاي واستفحال الداء وإعواز الدواء فإنه إذا سفكت الدماء استحكمت الشحناء وإذا استحكمت الشحناء تقضبت عرى الإبقاء وشمل البلاء

(1/10)


2 - مقال سبيع بن الحرث
فقال سبيع أيها الملك إن عداوة بنى العلات لا تبرئها الأساة ولا تشفيها الرقاة ولا تستقل بها الكفاة والحسد الكامن هو الداء الباطن وقد علم بنو أبينا هؤلاء أنا لهم ردء إذا رهبوا وغيث إذا أجدبوا وعضد إذا حاربوا ومفزع إذا نكبوا وأنا وإياهم كما قال الأول
( إذا ما علوا قالوا أبونا وأمنا ... وليس لهم عالين أم ولا أب )
مقال ميثم بن مثوب
فقال ميثم أيها الملك إن من نفس على ابن أبيه الزعامة وجد به في المقامة واستكثر له قليل الكرامة كان قرفا بالملامة ومؤنبا على ترك الاستقامة وإنا والله ما نعتد لهم بيد إلا وقد نالهم منا كفاؤها ولا نذكر لهم حسنة إلا وقد تطلع منا إليهم جزاؤها ولا يتفيأ لهم علينا ظل نعمة إلا وقد قوبلوا بشرواها ونحن بنو فحل مقرم لم تقعد بنا الأمهات ولا بهم ولم تنزعنا أعراق السوء ولا إياهم فعلام مط الخدود وخزر العيون 12 والتصعر والبأو والتكبر ألكثرة عدد أم لفضل جلد أم لطول معتقد وإنا وإياهم لكما قال الأول
( لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب ... عنى ولا أنت ديانى فتخزونى )
ومقاطع الأمور ثلاثة حرب مبيرة أو سلم قريرة أو مداجاة وغفيرة
4 - مقال مرثد الخير
فقال الملك
لا تنشطوا عقل الوارد ولا تلقحوا العون القواعد ولا تورثوا نيران الأحقاد ففيها المتلفة والجائحة والأليلة وعفوا بالحلم أبلاد الكلم وأنيبوا إلى السبيل الأرشد والمنهج الأقصد فإن الحرب تقبل بزبرج الغرور وتدبر بالويل والثبور ثم قال الملك
( ألا هل أتى الأقوام بذلى نصيحة ... حبوت بها منى سبيعا وميثما )
( وقلت اعلما أن التدابر غادرت ... عواقبه للذل والقل جرهما )
( فلا تقدحا زند العقوق وأبقيا ... على العزة القعساء أن تهدما )
( ولا تجنيا حربا تجر علييكما ... عواقبها يوما من الشر أشأما

(1/11)


والتصعر والبأو والتكبر ألكثرة عدد أم لفضل جلد أم لطول معتقد وإنا وإياهم لكما قال الأول
( لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب ... عنى ولا أنت ديانى فتخزونى )
ومقاطع الأمور ثلاثة حرب مبيرة أو سلم قريرة أو مداجاة وغفيرة
4 - مقال مرثد الخير
فقال الملك لا تنشطوا عقل الشوارد ولا تلقحوا العون القواعد ولا تورثوا نيران الأحقاد ففيها المتلفة المستأصلة والجائحة والأليلة وعفوا بالحلم أبلاد الكلم وأنيبوا إلى السبيل الأرشد والمنهج الأقصد فإن الحرب تقبل بزبرج الغرور وتدبر بالويل والثبور ثم قال الملك
( ألا هل أتى الأقوام بذلى نصيحة ... حبوت بها منى سبيعا وميثما )
( وقلت اعلما أن التدابر غادرت ... عواقبه للذل والقل جرهما )
( فلا تقدحا زند العقوق وأبقيا ... على العزة القعساء أن تتهدما )
( ولا تجنيا حربا تجر عليكما ... عواقبها يوما من الشر أشأما )

(1/12)


( فإن جناة الحرب للحين عرضة ... تفوقهم منها الذعاف المقشما )
( حذار فلا تستنبثوها فإنها ... تغادر ذا الأنف الأشم مكشما )
فقالا لا أيها الملك بل نقبل نصحك ونطيع أمرك ونطفئ النائرة ونحل الضغائن ونثوب إلى السلم
5 - طريف بن العاصى والحرث بن ذبيان يتفاخران
عند بعض مقاول حمير
5 - اجتمع طريف بن العاصى الدوسى والحرث بن ذبيان وهو أحد المعمرين عند بعض مقاول حمير فتفاخرا
فقال الملك للحرث يا حارث ألا تخبرنى بالسبب الذي أخرجكم عن قومكم حتى لحقتم بالنمر بن عثمان فقال أخبرك أيها الملك خرج هجينان منا يرعيان غنما لهما فتشاولا بسيفيهما فأصاب صاحبهم عقب صاحبنا فعاث فيه السيف فنزف فمات فسألونا أخذ دية صاحبنا دية الهجين وهي نصف دية الصريح فأبى قومي وكان لنا رباء عليهم فأبينا إلا دية الصريح وأبوا إلا دية الهجين فكان اسم هجيننا ذهين بن زبراء واسم صاحبهم عنقش بن مهيرة وهى سوداء أيضا فتفاقم الأمر بين الحيين فقال رجل منا

(1/13)


( حلومكم يا قوم لا تعزبنها ... ولا تقطعوا أرحامكم بالتدابر )
( وأدوا إلى الأقوام عقل ابن عمهم ... ولا ترهقوهم سبة في العشائر )
( فإن ابن زبراء الذى فاد لم يكن ... بدون خليف أو أسيد بن جابر )
( فإن لم تعاطوا الحق فالسيف بيننا ... وبينكم وسيف أجور جائر )
فتظافروا علينا حسدا فأجمع ذوو الحجى منا أن نلحق بأمنع بطن من الأزد فلحقنا بالنمر بن عثمان فوالله ما فت في أعضادنا فأبنا عنهم ولقد أثأرنا صاحبنا وهم راغمون
فوثب طريف بن العاصي من مجلسه فجلس بإزاء الحرث ثم قال تالله ما سمعت كاليوم قولا أبعد من صواب ولا أقرب من خطل ولا أجلب لقذع من قول هذا والله أيها الملك ما قتلوا بهجينهم بذجا ولا رقوا به درجا ولا انطوا به عقلا ولا اجتفئوا به خشلا ولقد أخرجهم الخوف عن أصلهم وأجلاهم عن محلهم حتى استلانوا خشونة الإزعاج ولجئوا إلى أضيق الولاج قلا وذلا
فقال الحارث أتسمع يا طريف إني والله ما إخا لك كافا غرب لسانك ولا منهنها شرة نزوانك حتى أسطو بك سطوة تكف طماحك وترد

(1/14)


جماحك وتكبت تترعك وتقمع تسرعك
فقال طريف مهلا يا حارث لا تعرض لطحمة استنانى وذرب سنانى وغرب شبابى وميسم سبابى فتكون كالأظل الموطوء والعجب الموجوء
فقال الحرث إياى تخاطب بمثل هذا القول فو الله لو وطئتك لأسختك ولو وهصتك لأوهطتك ولو نفحتك لأفدتك
فقال طريف متمثلا
( وإن كلام المرء في غير كهه ... لكالنبل تهوى ليس فيها نصالها )
أما والأصنام المحجوبة والأنصاب المنصوبة لئن لم تربع على ظلعك وتقف عند قدرك لأدعن حزنك سهلا وغمرك ضحلا وصفاك وحلا
فقال الحارث أما والله لو رمت ذلك لمرغت بالحضيض وأغصصت بالجريض وضاقت عليك الرحاب وتقطعت بك الأسباب ولألفيت لقى

(1/15)


تهاداه الروامس بالسهب الطامس
فقال طريف دون ما ناجتك به نفسك مقارعة أبطال وحياض أهوال وحفزة إعجال يمنع معه تطامن الإمهال
فقال الملك ايها عنكما فما رأيت كاليوم مقال رجلين لم يقصبا ولم يثلبا ولم يلصوا ولم يقفوا

(1/16)


وفود العرب يعزون سلامة ذا فائش بابن له مات
نشأ لسلامة ذي فائش ابن كأكمل أبناء المقاول وكان مسرورا به يرشحه لموضعه فركب ذات يوم فرسا صعبا فكبا به فوقصه فجزع عليه أبوه جزعا شديدا وامتنع من الطعام واحتجب عن الناس واجتمعت وفود العرب ببابه ليعزوه فلامه نصحاؤه في إفراط جزعه فخرج إلى الناس فقام خطباؤهم يؤسونه وكان في القوم الملبب ابن عوف وجعادة بن أفلح فقام الملبب فقال
6 - خطبة الملبب بن عوف
أيها الملك إن الدنيا تجود لتسلب وتعطي لتأخذ وتجمع لتشتت وتحلى لتمر وتزرع الأحزان في القلوب بما تفجأ به من استرداد الموهوب وكل مصيبة تخطأتك جلل ما لم تدن الأجل وتقطع الأمل وإن حادثا ألم بك فاستبد بأقلك وصفح عن أكثرك لمن أجل النعم عليك وقد تناهت إليك أنباء من رزئ فصبر وأصيب فاغتفر إذ كان شوى فيما يرتقب ويحذر فاستشعر اليأس مما فات إذ كان ارتجاعه ممتنعا ومرامه مستصعبا فلشئ ما ضربت الأسى وفزع أولو الألباب إلى حسن العزاء

(1/17)


خطبة جعادة بن أفلح
وقام جعادة فقال أيها الملك لا تشعر قلبك الجزع على ما فات فيغفل دهنك عن الاستعداد لما يأتي وناضل عوارض الحزن بالأنفة عن مضاهاة أفعال أهل وهي العقول فإن العزاء لجزماء الرجال والجزع لربات الحجال ولو كان الجزع يرد فائتا أو يحيي تالفا لكان فعلا دنيئا فكيف وهو مجانب لأخلاق ذوي الألباب فارغب بنفسك أيها الملك عما يتهافت فيه الأرذلون وصن قدرك عما يركبه المخسسون وكن على ثقة أن طمعك فيما استبدت به الأيام ضلة كأحلام النيام 8
تساؤل عامر بن الظرب وحممة بن رافع عند أحد ملوك حمير
اجتمع عامر بن الظرب العدواني وحممة بن رافع الدوسي عند ملك من ملوك حمير فقال تساءلا حتى أسمع ما تقولان قال عامر لحممة أين تحب أن تكون أياديك قال عند ذي الرثية العديم وذي الخلة الكريم والمعسر الغريم والمستضعف الهضيم
قال من أحق الناس بالمقت قال الفقير المختال والضعيف الصوال والعيي القوال
قال فمن أحق الناس بالمنع قال الحريص الكاند والمستميد الحاسد والملحف الواجد
قال فمن أجدر الناس بالصنيعة قال من إذا أعطى شكر وإذا

(1/18)


منع عذر وإذا موطل صبر وإذا قدم العهد ذكر
قال من أكرم الناس عشرة قال من إن قرب منح وإن بعد مدح وإن ظلم صفح وإن ضويق سمح قال من ألأم الناس قال من إذا سأل خضع وإذا سئل منع وإذا ملك كنع ظاهره جشع وباطنه طبع قال فمن أحلم الناس قال من عفا إذا قدر وأجمل إذا انتصر ولم تطغه عزة الظفر قال فمن أحزم الناس قال من أخذ رقاب الأمور بيديه وجعل العواقب نصب عينيه ونبذ التهيب دبر أذنيه قال فمن أخرق الناس قال من ركب الخطار واعتسف العثار وأسرع في البدار قبل الاقتدار قال فمن أجود الناس قال من بذل المجهود ولم يأس على المعهود قال فمن أبلغ الناس قال من جلى المعنى المزيز باللفظ الوجيز وطبق المفصل قبل التحزيز قال فمن أنعم الناس عيشا قال من تحلى بالعفاف ورضى بالكفاف وتجاوز ما يخاف إلى مالا يخاف
قال فمن أشقى الناس قال من حسد على النعم وتسخط على القسم واستشعر الندم على فوت ما لم يحتم قال من أغنى الناس قال من استشعر الياس وأبدى التجمل للناس واستكثر قليل النعم ولم يسخظ على القسم قال فمن أحكم الناس قال من صمت فادكر ونظر فاعتبر ووعظ فازدجر قال من أجهل الناس قال من رأى الخرق مغما والتجاوز مغرما
9 - خطبة عامر بن الظرب العدواني وقد خطبت ابنته
خطب صعصعة بن معاوية إلى عامر بن الظرب العدواني ابنته عمرة فقال

(1/19)


ياصعصعة إنك جئت تشتري منى كبدي وأرحم ولدي عندي منعتك أو بعتك النكاح خير من الأيمة والحسيب كفء الحسيب والزوج الصالح أب بعد أب وقد أنكحتك خشية ألا أجد مثلك أفر من السر إلى العلانية أنصح ابنا وأودع ضعيفا قويا ثم أقبل على قومه فقال يا معشر عدوان أخرجت من بين أظهركم كريمتكم على غير رغبة عنكم ولكن من خط له شئ جاءه رب زارع لنفسه حاصد سواه ولولا قسم الحظوظ على قدر الجدود ما أدرك الآخر من الأول شيئا يعيش به ولكن الذي أرسل الحيا أنبت المرعى ثم قسمه أكلا لكل فم بقلة ومن الماء جرعة إنكم ترون ولا تعلمون لن يرى ما أصف لكم إلا كل ذي قلب واع ولكل شئ راع ولكل رزق ساع إما أكيس وإما أحمق وما رأيت شيئا إلا سمعت حسه ووجدت مسه وما رأيت موضوعا إلا مصنوعا وما رأيت جائيا إلا داعيا ولا غانما إلا خائبا ولا نعمة إلا ومعها بؤس ولو كان يميت الناس الداء لأحياهم الدواء فهل لكم في العلم العليم قيل ما هو قد قلت فأصبت وأخبرت فصدقت فقال أمورا شتى وشيئا شيا حتى يرجع الميت حيا ويعود لا شيء شيا ولذلك خلقت الأرض والسموات فتولوا عنه راجعين فقال ويلمها نصيحة لو كان من يقبلها
10 - حديث بعض مقاول حمير مع ابنيه وما دار بينه وبينهما من المساءلة حين كبرت سنه
كان لرجل من مقاول حمير ابنان يقال لأحدهما عمرو وللآخر ربيعة وكانا قد

(1/20)


برعا في الأدب والعلم فلما بلغ الشيخ أقصى عمره وأشفى على الفناء دعاهما ليبلو عقولهما ويعرف مبلغ علمهما فلما حضرا قال لعمرو وكان الأكبر أخبرني عن أحب الرجال إليك وأكرمهم عليك قال السيد الجواد القليل الأنداد الماجد الأجداد الراسي الأوتاد الرفيع العماد العظيم الرماد الكثير الحساد الباسل الذواد الصادر الوراد قال ما تقول يا ربيعة قال ما أحسن ما وصف وغيره أحب إلي منه قال ومن يكون بعد هذا قال السيد الكريم المانع للحريم المفضال الحليم القمقام الزعيم الذي إن هم فعل وإن سئل بذل
قال أخبرني يا عمرو بأبغض الرجال إليك قال البرم اللئيم المستخذي للخصيم المبطان النهيم العيي البكيم الذي إن سئل منع وإن هدد خضع وإن طلب جشع قال ما تقول يا ربيعة قال غيره أبغض إلي منه قال ومن هو قال النئوم الكذوب الفاحش الغضوب الرغيب عند الطعام الجبان عند الصدام
قال أخبرني يا عمرو أي النساء أحب إليك قال الهركولة اللفاء الممكورة الجيداء التي يشفي السقيم كلامها ويبري الوصب إلمامها التي إن أحسنت إليها شكرت وإن أسأت إليها صبرت وإن استعتبتها أعتبت الفاترة الطرف الطفلة الكف العميمة الردف
قال ما تقول يا ربيعة قال نعت فأحسن وغيرها أحب إلي منها قال ومن هي قال الفتانة العينين

(1/21)


الاسيلة الخدين الكاعب الثديين الرداح الوركين الشاكرة للقليل المساعدة للحليل الرخيمة الكلام الجماء العظام الكريمة الأخوال والأعمام العذبة اللثام
قال فأي النساء إليك أبغض يا عمرو قال القتاتة الكذوب الظاهرة العيوب الطوافة الهبوب العابسة القطوب السبابة الوثوب التي إن ائتمنها زوجها خانته وإن لان لها أهانته وإن أرضاها أعضبته وإن أطاعها عصته قال ما تقول يا ربيعة قال بئس والله المرأة ذكر وغيرها أبغض إلي منها قال وأيتهن التي هي أبغض إليك من هذه قال السليطة اللسان الموذية للجيران الناطقة بالبهتان التي وجهها عابس وزوجها من خيرها آيس التي إن عاتبها زوجها وترته وإن ناطقها انتهرته
قال ربيعة وغيرها أبغض إلي منها ومن هي قال التي شقي صاحبها وخزى خاطبها وإفتضح أقاربها قال ومن صاحبها قال مثلها في خصالها كلها لا تصلح إلا له ولا يصلح إلا لها قال فصفه لي قال الكفور غير الشكور اللئيم الفجور العبوس الكالح الحرون الجامح الراضى بالهوان المختال المنان الضعيف الجنان الجعد البنان القئول غير المفعول الملول غير الوصول الذي لا يرع عن المحارم ولا يرتدع عن المظالم
قال أخبرني يا عمرو أي الخيل أحب إليك عند الشدائد إذا إلتقى الأقران للتجالد قال الجواد الأنيق الحصان العتيق الكفيت العريق الشديد الوثيق الذي يفوت إذا هرب ويلحق إذا طلب قال نعم الفرس والله نعت قال فما تقول

(1/22)


يا ربيعة قال غيره أحب إلي منه
قال وما هو قال الحصان الجواد السلس القياد الشهم الفؤاد الصبور إذا سرى السابق إذا جرى
قال فأي الخيل أبغض إليك يا عمرو قال الجموح الطموح النكول الأنوح الصئول الضعيف الملول العنيف الذي إن جاريته سبقته وإن طلبته أدركته قال ما تقول يا ربيعة قال غيره أبغض إلي منه قال وما هو قال البطيء الثقيل الحرون الكليل الذي إن ضربته قمص وإن دنوت منه شمس يدركه الطالب ويفوته الهارب ويقطع بالصاحب قال ربيعة وغيره أبغض إلي منه قال وما هو قال الجموح الخبوط الركوض الخروط الشموس الضروط القطوف في الصعود والهبوط الذي لا يسلم الصاحب ولا ينجو من الطالب
قال أخبرني يا عمرو أي العيش ألذ قال عيش في كرامة ونعيم وسلامة واغتباق مدامة قال ما تقول يا ربيعة قال نعم العيش والله وصف وغيره أحب إلي منه قال وما هو قال عيش في أمن ونعيم وعز وغنى عميم في ظل نجاح وسلامة مساء وصباح وغيره أحب إلي منه قال وما هو قال غنى دائم وعيش سالم وظل ناعم
قال فما أحب السيوف إليك يا عمرو قال الصقيل الحسام الباتر المجذام الماضي السطام المرهف الصمصام الذي إن هززته لم يكب وإذا ضربت به لم ينب قال ما تقول يا ربيعة قال نعم السيف نعت وغيره أحب

(1/23)


إلي قال وما هو قال الحسام القاطع ذو الرونق اللامع الظمآن الجائع الذي إن هززته هتك وإذا ضربت به بتك قال فما أبغض السيوف إليك يا عمرو قال الفطار الكهام الذي إن ضرب به لم يقطع وإن ذبح به لم ينخع قال فما تقول يا ربيعة قال بئس السيف والله ذكر وغيره أبغض إلي منه قال وما هو قال الطبع الددان المعضد المهان
قال فأخبرني يا عمرو أي الرماح أحب إليك عند المراس إذا اعتكر الباس واشتجر الدعاس قال أحبها إلي المارن المثقف المقوم المخطف الذي إذا هززته لم ينعطف وإذا طعنت به لم ينقصف قال ما تقول يا ربيعة قال نعم الرمح نعت وغيره أحب إلي منه قال وما هو قال الذابل العسال المقوم النسال الماضي إذا هززته النافذ إذا همزته
قال فأخبرني يا عمرو عن أبغض الرماح إليك قال الأعصل عند الطعان المثلم السنان الذي إذا هززته انعطف وإذا طعنت به انقصف قال ما تقول يا ربيعة قال بئس الرمح ذكر وغيره أبغض إلي منه قال وما هو قال الضعيف المهز اليابس الكز الذي إذا أكرهته انحطم وإذا طعنت به انقصم قال انصرفا الآن طاب لي الموت

(1/24)


11 - إحدى ملكات اليمن وخاطبوها
وذكروا أن ملكة كانت بسبأ فأتاها قوم يخطبونها فقالت ليصف كل رجل منكم نفسه وليصدق وليوجز لأتقدم إن تقدمت أو أدع إن تركت على علم فتكلم رجل منهم يقال له مدرك فقال إن أبي كان في العز الباذخ والحسب الشامخ وأنا شرس الخليقة غير رعديد عند الحقيقة قالت لا عتاب على الجندل فأرسلتها مثلا
ثم تكلم آخر منهم ويقال له ضبيس بن شرس فقال أنا في مال أثيث وخلق غير خبيث وحسب غير عثيث أحذو النعل بالنعل وأجزى القرض بالقرض فقالت لا يسرك غائبا من لا يسرك شاهدا فأرسلتها مثلا ثم تكلم آخر منهم يقال له شماس بن عباس فقال أنا شماس ابن عباس معروف بالندى والباس حسن الخلق في سجية والعدل في قضية مالي غير محظور على القل والكثر وبابي غير محجوب على العسر واليسر قالت الخير متبع والشر محذور فأرسلتها مثلا ثم قالت اسمع يا مدرك وأنت يا ضبيس لن يستقيم معكما معاشرة لعشير حتى يكون فيكما لين عريكة وأما أنت يا شماس فقد حللت مني محل الأهزع من الكنانة والواسطة من القلادة لدماثة خلقك وكرم طباعك ثم اسع بجد أودع فأرسلتها مثلا وتزوجت شماسا

(1/25)


12 - رواد مذحج يصفون ما ارتادوا من المراعى
عن أشياخ من بني الحرث بن كعب قالوا أجدبت بلاد مذحج فأرسلوا روادا من كل بطن رجلا فبعثت بنو زبيد رائدا وبعثت النخع رائدا وبعثت جعفى رائدا فلما رجع الرواد قيل لرائد بني زبيد ما وراءك قال رأيت أرضا موشمة البقاع ناتحة النقاع مستحلسة الغيطان ضاحكة القريان واعدة وأحر بوفائها راضية أرضها عن سمائها وقيل لرائد جعفى ما وراءك قال رأيت أرضا جمعت السماء أقطارها فأمرعت أصبارها وديثت أوعارها فبطنانها غمقة وظهرانها غدقة ورياضها مستوسقة ورقاقها رائخ ووطئها سائخ وماشيها مسرور ومصرمها محسور وقيل للنخعي ما وراءك فقال مداحي سيل وزهاء ليل

(1/26)


وغيل يواصي غيلا قد ارتوت أجزازها ودمث عزازها والتبدت أقوازها فرائدها أنق وراعيها سنق فلا قضض ولا رمض عازبها لا يفزع وواردها لا ينكع فاختاروا مراد النخعي
13 - ما دار من الحديث بين المنذر بن النعمان الأكبر وبين عامر بن جوين الطائي
وفد عامر بن جوين الطائي على المنذر بن النعمان الأكبر جد النعمان بن المنذر وذلك بعد انقضاء ملك كندة ورجوع الملك إلى لخم وكان عامر قد أجار امرؤ القيس ابن حجر أيام كان مقيما بالجبلين وقال كلمته التي يقول فيها
( هنالك لا أعطي مليكا ظلامة ... ولا سوقة حتى يئوب ابن مندله )

(1/27)


وكان المنذر ضغنا عليه فلما دخل عليه قال له يا عام لساء مثوى أثويته ربك وثويك حين حاولت إصباء طلته ومخالفته إلى عشيره أما والله لو كنت كريما لأئويته مكرما موقرا ولجانبته مسلما فقال له أبيت اللعن لقد علمت

(1/28)


أبناء أدد إني لأعزها جارا وأكرمها جوارا وأمنعها دارا ولقد أقام وافرا وزال شاكرا فقال له المنذر يا عام وإنك لتخال هضيبات أجأ ذات الوبار وأفنيات سلمي ذات الأغفار مانعاتك من المجر الجرار ذي العدد الكثار والحصن والمهار والرماح الحرار وكل ماضي الغرار بيد كل مسعر كريم النجار قال عامر أبيت اللعن إن بين تلك الهضيبات والرعان والشعاب والمصدان لفتيانا أبطالا وكهولا أزوالا يضربون القوانس ويستنزلون الفوارس بالرماح المداعس لم يتبعوا الرعاء ولم ترشحهم الإماء فقال الملك يا عام لو قد تجاوبت الخيل في تلك الشعاب صهيلا كانت الأصوات قعقعة وصليلا وفغر الموت وأعجز الفوت فتقارشت الرماح وحمى السلاح لتساقى قومك كأسا لا صحو بعدها فقال مهلا أبيت اللعن إن شرابنا وبيل

(1/29)


وحدنا أليل ومعجمنا صليب ولقاءنا مهيب فقال له يا عام إنه لقليل بقاء الصخرة الصراء على وقع الملاطيس فقال أبيت اللعن إن صفاتنا عبر المراديس فقال لأوقظن قومك من سنة الغفلة ثم لأعقبنهم بعدها رقدة لايهب راقدها ولا يستيقظ هاجدها فقال له عامر إن البغي أباد عمرا وصرع حجرا وكانا أعز منك سلطانا وأعظم شانا وإن لقيتنا لم تلق أنكاسا

(1/30)


ولا أغساسا فهبش وضائعك وصنائعك وهلم إذا بدا لك فنحن الألى قسطوا على الأملاك قبلك ثم أتى راحلته فركبها وأنشأ يقول
( تعلم أبيت اللعن أن قناتنا ... تزيد على غمز الثقاف تصعبا )
( أتوعدنا بالحرب أمك هابل ... رويدك برقا لا أبا لك خلبا )
( إذا خطرت دوني جديلة بالقنا ... وحامت رجال الغوث دوني تحدبا )
( أبيت التي تهوى وأعطيتك التي ... تسوق إليك الموت أخرج أكهبا )
( فإن شئت أن تزدارنا فأت تعترف ... رجالا يذيلون الحديد المعقربا )
( وإنك لو أبصرتهم في مجالهم ... رأيت لهم جمعا كثيفا وكوكبا )
( وذكرك العيش الرخى جلادهم ... وملهى بأكناف السدير ومشربا )
( فأغض على غيظ ولا ترم التي ... تحكم فيك الزاعبى المحربا )

(1/31)


14 - قيس بن رفاعة والحارث بن أبي شمر الغساني
كان قيس بن رفاعة يفد سنة إلى النعمان اللخمي بالعراق وسنة إلى الحارث ابن ابي شمر الغساني بالشأم فقال له يوما وهو عنده يابن رفاعة بلغني أنك تفضل النعمان على قال وكيف أفضله عليك أبيت اللعن فوالله لقفاك أحسن من وجهه ولأمك أشرف من أبيه ولأبوك أشرف من جميع قومه ولشمالك أجود من يمينه ولحرمانك أنفع من نداه ولقليلك أكثر من كثيره ولثمادك أغزر من غديره ولكرسيك أرفع من سريره ولجدولك أغمر من بحوره وليومك أفضل من شهوره ولشهرك أمد من حوله ولحولك خير من حقبه ولزندك أورى من زنده ولجندك أعز من جنده وإنك لمن غسان أرباب الملوك وإنه لمن لخم الكثير النوك فكيف أفضله عليك
15 - قيس بن خفاف البرجمي وحاتم طيئ
أتى أبو جبيل قيس بن خفاف البرجمى حاتم طيئ في دماء حملها عن قومه فأسلموه فيها وعجز عنها فقال والله لآتين من يحملها عني وكان شريفا شاعرا فلما قدم عليه قال إنه وقعت بين قومي دماء فتواكلوها وإني حملتها في مالي وأملي

(1/32)


فقدمت مالي وكنت أملي فإن تحملها فرب حق قد قضيته وهم قد كفيته وإن حال دون ذلك حائل لم أذمم يومك ولم أيأس من غدك ثم أنشأ يقول
( حملت دماء للبراجم جمة ... فجئتك لما أسلمتني البراجم )
( وقالوا سفاها لم حملت دماءنا ... فقلت لهم يكفي الحمالة حاتم )
( متى آته فيها يقل لي مرحبا ... وأهلا وسهلا أخطأتك الأشائم )
( فيحملها عنى وإن شئت زادني ... زيادة من حنت إليه المكارم )
( يعيش الندى ما عاش حاتم طيئ ... فإن مات قامت للسخاء مآتم )
( ينادين مات الجود معك فلا نرى ... مجيبا له ما حام في الجو حائم )
( وقال رجال أنهب العام ماله ... فقلت لهم إني بذلك عالم )
( ولكنه يعطي من أموال طي ... إذا جلف المال الحقوق اللوازم )
( فيعطي التي فيها الغنى وكأنه ... لتصغيره تلك العطية جارم )
( بذلك أوصاه عدي وحشرج ... وسعد وعبد الله تلك القماقم )
فقال له حاتم إن كنت لأحب أن يأتيني مثلك من قومك هذا مرباعي من الغارة على بني تميم فخذه وافرا فإن وفى بالحمالة وإلا أكملتها لك وهو مائتا بعير سوى بنيها وفصالها مع أني لا أحب أن تويس قومك بأموالهم فضحك أبو جبيل وقال لكم ما أخذتم منا ولنا ما أخذنا منكم وأي بعير دفعته إلي ليس ذنبه في يد صاحبه فأنت منه برئ فدفعها إليه وزاده مائة بعير فأخذها وانصرف راجعا إلى قومه
فقال حاتم في ذلك

(1/33)


( أتاني البرجمي أبو جبيل ... لهم في حمالته طويل )
( فقلت له خذ المرباع رهوا ... فإني لست أرضى بالقليل )
( على حال ولا عودت نفسي ... على علاتها علل البخيل )
( فخذها إنها مائتا بعير ... سوى الناب الرذية والفصيل )
( فلا من عليك بها فإني ... رأيت المن يزري بالجزيل )
( فآب البرجمى وما عليه ... من أعباء الحمالة من فتيل )
( يجر الذيل ينفض مذرويه ... خفيف الظهر من حمل ثقيل )
16 - مقال قبيصة بن نعيم لامرئ القيس بن حجر
قدم على امرىء القيس بن حجر الكندي بعد مقتل أبيه رجال من قبائل بني أسد وفيهم قبيصة بن نعيم يسألونه العفو عن دم أبيه فخرج عليهم في قباء وخف وعمامة سوداء وكانت العرب لا تعتم إلا في الترات فلما نظروا إليه قاموا له وبدر إليه قبيصة فقال إنك في المحل والقدر والمعرفة بتصرف الدهر وما تحدثه أيامه وتتنقل به أحواله بحيث لا تحتاج إلى تذكير من واعظ ولا تبصير من مجرب ولك من سودد منصبك وشرف أعراقك وكرم أصلك فى العرب محتد يحتمل ما حمل عليه

(1/34)


من إقالة العثرة ورجوع عن الهفوة ولا تتجاوز الهمم إلى غاية إلا رجعت إليك فوجدت عندك من فضيلة الرأي وبصيرة الفهم وكرم الصفح ما يطول رغباتها ويستغرق طلباتها وقد كان الذي كان من الخطب الجليل الذي عمت رزيته نزارا واليمن ولم تخصص بذلك كندة دوننا للشرف البارع كان لحجر التاج والعمة فوق الجبين الكريم وإخاء الحمد وطيب الشيم ولو كان يفدى هالك بالأنفس الباقية بعده لما بخلت كرائمنا بها على مثله ولكنه مضى به سبيل لا يرجع أخراه على أولاه ولا يلحق أقصاه أدناه
فأحمد الحالات في ذلك أن تعرف الواجب عليك في إحدى خلال ثلاث إما أن اخترت من بني أسد أشرفها بيتا وأعلاها في بناء المكرمات صوتا فقدناه إليك بنسعة تذهب مع شفرات حسامك بباقي قصرته فنقول رجل امتحن بهالك عزيز فلم يستل سخيمته إلا تمكينه من الإنتقام أو فداء بما يروح على بني أسد من نعمها فهي ألوف تجاوز الحسبة فكان ذلك فداء رجعت به القضب إلى أجفانها لم يرددها تسليط الإحن على البرآء
وإما أن وادعتنا إلى أن تضع الحوامل فتسدل الأزر وتعقد الخمر فوق الرايات
فبكى امرؤ القيس ساعة ثم رفع رأسه فقال

(1/35)


17 - رد امرئ القيس عليه
لقد علمت العرب أنه لا كفء لحجر في دم وأني لن أعتاض به جملا ولا ناقة فأكتسب به سبة الأبد وفت العضد وأما النظرة فقد أوجبتها الأجنة في بطون أمهاتها ولن أكون لعطبها سببا وستعرفون طلائع كندة من بعد ذلك تحمل في القلوب حنقا وفوق الأسنة علقا
( إذا جالت الحرب في مأزق ... تصافح فيه المنايا النفوسا ) أتقيمون أم تنصرفون
قالوا بل ننصرف بأسوأ الاختيار وأبلى الاجترار بمكروه وأذية وحرب وبلية ثم نهضوا عنه وقبيصة يتمثل
( لعلك أن تستوخم الورد إن غدت ... كتائبنا في مأزق الحرب تمطر )
فقال امرؤ القيس لا والله ولكن أستعذبه فرويدا ينفرج لك دجاها عن فرسان كندة وكتائب حمير ولقد كان ذكر غير هذا بي أولى إذ كنت نازلا بربعي ولكنك قلت فأوجبت فقال قبيصة ما يتوقع فوق قدر المعاتبة والإعتاب فقال امرؤ القيس هو ذاك

(1/36)


18 - خطبة هانئ بن قبيصة الشيباني
قال هانئ بن قبيصة الشيباني يحرض قومه يوم ذي قار
يا معشر بكر هالك معذور خير من ناج فرور إن الحذر لا ينجي من القدر وإن الصبر من أسباب الظفر المنية ولا الدنية استقبال الموت خير من استدباره الطعن في ثغر النحور أكرم منه في الأعجاز والظهور يا آل بكر قاتلوا فما للمنايا من بد
19 - خطبة عمرو بن كلثوم
أما بعد فإنه لا يخبر عن فضل المرء أصدق من تركه تزكية نفسه ولا يعبر عنه في تزكية أصحابه أصدق من اعتماده إياهم برغبته وائتمانه إياهم على حرمته
20 - أكثم بن صيفي يعزي عمرو بن هند عن أخيه
وعزى أكثم بن صيفي عمرو بن هند ملك العرب عن أخيه فقال له
إن أهل هذه الدار سفر لا يحلون عقد الرحال إلا في غيرها وقد أتاك ما ليس بمردود عنك وارتحل عنك ما ليس براجع إليك وأقام معك من سيظعن عنك ويدعك واعلم أن الدنيا ثلاثة أيام فأمس عظة وشاهد عدل فجعك بنفسه

(1/37)


وأبقى لك وعليك حكمته واليوم غنيمة وصديق أتاك ولم تأته طالت عليك غيبته وستسرع عنك رحلته وغد لا تدري من أهله وسيأتيك إن وجدك فما أحسن الشكر للمنعم والتسليم للقادر وقد مضت لنا أصول نحن فروعها فما بقاء الفروع بعد أصولها واعلم أن أعظم من المصيبة سوء الخلف منها وخير من الخير معطيه وشر من الشر فاعله
21 - خطبة قس بن ساعدة الإيادي
خطب قس بن ساعدة الإيادي بسوق عكاظ فقال أيها الناس اسمعوا وعوا من عاش مات ومن مات فات وكل ما هو آت آت ليل داج ونهار ساج وسماء ذات أبراج ونجوم تزهر وبحار تزخر وجبال مرساة وأرض مدحاة وأنهار مجراة
إن في السماء لخبرا وإن في الأرض لعبرا ما بال الناس يذهبون ولا يرجعون أرضوا فأقاموا أم تركوا فناموا يقسم قس بالله قسما لا إثم فيه إن لله دينا هو أرضى له وأفضل من دينكم الذي أنتم عليه إنكم لتأتون من الأمر منكرا ويروي أن قسا أنشأ بعد ذلك يقول
( في الذاهبين الأولين ... من القرون لنا بصائر )
( لما رأيت مواردا ... للموت ليس لها مصادر )

(1/38)


( ورأيت قومي نحوها ... تمضي الأكابر والأصاغر )
( لا يرجع الماضي إلي ... ولا من الباقين غابر )
( أيقنت أني لا محالة ... حيث صار القوم صائر )
22 - قس بن ساعدة عند قيصر
وكان قس بن ساعدة يفد على قيصر ويزوره فقال له قيصر يوما ما أفضل العقل قال معرفة المرء بنفسه قال فما أفضل العلم قال وقوف المرء عند علمه قال فما أفضل المروءة قال استبقاء الرجل ماء وجهه قال فما أفضل المال قال ما قضي به الحقوق
23 - خطبة المأمون الحارثي
قعد المأمون الحارثي في نادي قومه فنظر إلى السماء والنجوم ثم أفكر طويلا ثم قال أرعوني أسماعكم وأصغوا إلي قلوبكم يبلغ الوعظ منكم حيث أريد طمح بالأهواء الأشر وران على القلوب الكدر وطخطخ الجهل النظر إن فيما ترى لمعتبرا لمن اعتبر أرض موضوعة وسماء مرفوعة وشمس تطلع وتغرب ونجوم تسري فتعزب وقمر تطلعه النحور وتمحقه أدبار الشهور وعاجز مثر وحول مكد وشاب مختضر ويفن قد غبر وراحلون لا يئوبون وموقوفون

(1/39)


لا يفرطون ومطر يرسل بقدر فيحيي البشر ويورق الشجر ويطلع الثمر وينبت الزهر وماء يتفجر من الصخر الأير فيصدع المدر عن أفنان الخضر فيحيي الأنام ويشبع السوام وينمي الأنعام إن في ذلك لأوضح الدلائل على المدبر المقدر البارئ المصور
يأيها العقول النافرة والقلوب النائرة أنى تؤفكون وعن أي سبيل تعمهون وفي أي حيرة تهيمون وإلى أي غاية توفضون لو كشفت الأغطية عن القلوب وتجلت الغشاوة عن العيون لصرح الشك عن اليقين وأفاق من نشوة الجهالة من استولت عليه الضلالة
24 - بين مهلهل بن ربيعة ومرة بن ذهل بن شيبان
لما قتل جساس بن مرة بن ذهل الشيباني كليب بن ربيعة التغلبي تشمر أخوه مهلهل واستعد لحرب بكر وجمع إليه قومه فأرسل رجالا منهم

(1/40)


إلى بني شيبان فأتوا مرة بن ذهل بن شيبان أبا جساس وهو في نادي قومه فقالوا له
إنكم أتيتم عظيما بقتلكم كليبا بناب من الإبل فقطعتم الرحم وانتهكتم الحرمة وإنا كرهنا العجلة عليكم دون الإعذار إليكم ونحن نعرض عليكم خلالا أربعا لكم فيها مخرج ولنا فيها مقنع فقال مرة وما هي قالوا تحيي لنا كليبا او تدفع إلينا جساسا قاتله فنقتله به أو هماما فإنه كفء له أو تمكننا من نفسك فإن فيك وفاء من دمه فقال أما إحيائي كليبا فهذا ما لا يكون وأما الجساس فإنه غلام طعن طعنة على عجل ثم ركب فرسه فلا أدري أي البلاد احتوى عليه وأما همام فإنه أبو عشرة وأخو عشرة وعم عشرة كلهم فرسان قومهم فلن يسلموه لي فأدفعه إليكم يقتل بجريرة غيره وأما أنا فهل هو إلا أن تجول الخيل جولة غدا فأكون أول قتيل بينها فما أتعجل الموت ولكن لكم عندي خصلتان أما إحداهما فهؤلاء بني الباقون فعلقوا في عنق أيهم شئتم نسعة فانطلقوا به إلى رحالكم فاذبحوه ذبح الجزور وإلا فألف ناقة سود الحدق حمر الوبر أقيم لكم بها كفيلا من بني وائل فغضب القوم وقالوا لقد أسأت تبذل لنا ولدك وتسومنا اللبن من دم كليب ونشبت الحرب بينهم
25 - منافرة علقمة بن علاثة وعامر بن الطفيل العامرين
لما أسن أبو براء عامر بن مالك بن جعفر بن ملاعب الأسنة تنازع في الرياسة عامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر وعلقمة بن علاثة بن عوف بن الأحوص ابن جعفر

(1/41)


فقال علقمة كانت لجدي الأحوص وإنما صارت لعمك بسببه وقد قعد عمك عنها وأنا استرجعتها فأنا أولى بها منك فشرى الشر بينهما وسارا إلى المنافرة فقال علقمة إن شئت نافرتك فقال عامر قد شئت
والله إني لأكرم منك حسبا وأثبت منك نسبا وأطول منك قصبا
فقال علقمة والله لأنا خير منك ليلا ونهارا فقال عامر والله لأنا أحب إلى نسائك أن أصبح فيهن منك أنا أنحر منك للقاح وخير منك في الصباح وأطعم منك في السنة الشياح
فقال علقمة أنا خير منك أثرا وأحد منك بصرا وأعز منك نفرا وأشرف منك ذكرا
فقال عامر ليس لبني الأحوص فضل على بني مالك في العدد وبصري ناقص وبصرك صحيح ولكني أنافرك إني أسمى منك سمة وأطول منك قمة وأحسن منك لمة وأجعد منك جمة وأسرع منك رحمة وأبعد منك همة فقال علقمة أنت رجل جسيم وأنا رجل قضيف وأنت جميل وأنا قبيح ولكني أنافرك بآبائي وأعمامي فقال عامر آباؤك أعمامي ولم أكن لأنافرك بهم لكني أنافرك أنا خير منك عقبا وأطعم منك جدبا فقال علقمة قد علمت أن لك عقبا وقد أطعمت طيبا ولكني أنافرك إني خير منك وأولى بالخيرات منك
فخرجت أم عامر وكانت تسمع كلامهما فقالت يا عامر نافره أيكما أولى بالخيرات قال عامر إني والله لأركب منك في الحماة وأقتل منك للكمأة

(1/42)


وخير منك للمولى والمولاة فقال له علقمة والله إني لبر وإنك لفاجر وإني لولود وإنك لعاقر وإني لعف وإنك لعاهر وإني لوفى وإنك لغادر ففيم تفاخرني يا عامر فقال عامر والله إني لأنزل منك للقفرة وأنجر منك للبكرة وأطعم منك للهبرة وأطعن منك للثغرة
فقال علقمة والله إنك لكليل البصر نكد النظر وثاب على جاراتك بالسحر
فقال بنو خالد بن جعفر وكانوا يدا مع بني الأحوص على بني مالك بن جعفر لن تطيق عامرا ولكن قل له أنافرك بخيرنا وأقربنا إلى الخيرات فقال له علقمة هذا القول فقال عامر عير وتيس وتيس وعنز فذهبت مثلا نعم على مائة من الإبل إلى مائة من الإبل يعطاها الحكم أينا نفر عليه صاحبه أخرجها ففعلوا ذلك ووضعوا بها رهنا من أبنائهم على يدي رجل يقال له خزيمة بن عمرو بن الوحيد فسمى الضمين
وخرج علقمة ومن معه من بني خالد وخرج عامر فيمن معه من بني مالك وجعلا منافرتهما إلى أبي سفيان بن حرب بن أمية فلم يقل بينهما شيئا وكره ذلك لحالهما وحال عشيرتهما وقال أنتما كركبتي البعير الأدرم قالا فأينا اليمين قال كلا كما يمين وأبى أن يقضي بينهما فانطلقا إلى ابي جهل بن هشام فأبى أن يحكم بينهما وقد كانت العرب تحاكم إلى قريش فأتيا عيينة بن حصن بن حذيفة

(1/43)


أن يقول بينهما شيئا فأتيا غيلان بن سلمة الثقفي فردهما إلى حرملة ابن الأشعر المري فردهما إلى هرم بن قطبة بن سنان الفزاري فانطلقا حتى نزلا به وقد ساقا الإبل معهما حتى أشتت وأربعت لا يأتيان أحدا إلا هاب أن يقضى بينهما فقال هرم لعمري لأحكمن بينكما ثم لأفصلن فأعطياني موثقا أطمئن إليه أن ترضيا بما أقول وتسلما لما قضيت بينكما وأمرهما بالانصراف ووعدهما ذلك اليوم من قابل فانصرفا حتى إذا بلغ الأجل خرجا إليه وأقام القوم عنده أياما
فأرسل هرم إلى عامر فأتاه سرا لا يعلم به علقمة فقال يا عامر قد كنت أرى لك رأيا وأن فيك خيرا
وما حيستك هذه الأيام إلا لتنصرف عن صاحبك أتنافر رجلا لا تفخر أنت وقومك إلا بآبائه فما الذي أنت به خير منه فقال عامر نشدتك الله والرحم أن لا تفضل على علقمة فوالله لئن فعلت لا أفلح بعدها أبدا هذه ناصيتي فاجززها واحتكم في مالي فإن كنت لا بد فاعلا فسو بيني وبينه قال انصرف فسوف أرى رأيي فخرج عامر وهو لا يشك أنه ينفره عليه ثم أرسل إلى علقمة سرا لا يعلم به عامر فأتاه وقال له مثل ما قال لعامر فرد عليه علقمة بما رد به عامر وانصرف وهو لا يشك أنه سيفضل عليه عامرا ثم إن هرما أرسل إلى بنيه وبنى أبيه إني قائل غدا بين هذين الرجلين مقالة فإذا فعلت فليطرد بعضكم عشر جزائر فلينحرها عن علقمة ويطرد بعضكم عشر جزائر ينحرها عن عامر وفرقوا بين الناس لا تكون لهم جماعة وأصبح هرم فجلس مجلسه وأقبل الناس وأقبل علقمة وعامر حتى جلسا فقام هزم فقال يا بني جعفر قد تحاكمتما عندي وأنتما كركبتي

(1/44)


البعير الأدرم تقعان إلى الأرض معا وليس فيكما أحد إلا وفيه ما ليس في صاحبه وكلا كما سيد كريم وعمد بنو هرم وبنو أخيه إلى تلك الجزر فنحروها حيث أمرهم هرم وفرقوا الناس ولم يفضل هرم أحدا منهما على صاحبه وكره أن يفعل وهما ابنا عم فيجلب بذلك عداوة ويوقع بين الحيين شرا

(1/45)


أشراف العرب بين يدي كسرى
قال كسرى للنعمان بن المنذر يوما هل في العرب قبيلة تشرف على قبيلة قال نعم قال فبأي شيء قال من كانت له ثلاثة آباء متوالية رؤساء ثم اتصل ذلك بكمال الرابع فالبيت من قبيلته فيه وينسب إليه قال فاطلب ذلك فطلبه فلم يصبه إلا في آل حذيفة بن بدر وآل حاجب بن زرارة وآل ذي الجدين وآل الأشعث ابن قيس بن كندة فجمع هؤلاء الرهط ومن تبعهم من عشائرهم وأقعد لهم الحكام والعدول وقال ليتكلم كل منكم بمآثر قومه وليصدق فكان حذيفة بن بدر الفزاري أول متكلم وكان ألسن القوم فقال
26 - مقالة حذيفة بن بدر الفزاري
قد علمت العرب أن فينا الشرف الأقدم والأعز الأعظم ومأثرة للصنيع الأكرم فقال من حوله ولم ذاك يا أخا فزازة فقال ألسنا الدعائم التي لا ترام والعز الذي لا يضام قيل صدقت ثم قام شاعرهم فقال
( فزارة بيت العز والعز فيهم ... فزارة قيس حسب قيس نضالها )
( لها العزة القعساء والحسب الذي ... بناء لقيس في القديم رجالها )

(1/46)


( فهيهات قد أعيا القرون التي مضت ... مآثر قيس مجدها وفعالها )
( وهل أحد إن هز يوما بكفه ... إلى الشمس في مجرى النجوم ينالها )
( فإن يصلحوا يصلح لذاك جميعها ... وإن يفسدوا يفسد من الناس حالها )
27 - مقال الأشعث الكندي
ثم قام الأشعث الكندي وإنما أذن له أن يقوم قبل ربيعة وتميم لقرابته من النعمان بن المنذر فقال قد علمت العرب أنا نقاتل عديدها الأكثر وزحفها الأكبر وإنا لغياث الكربات ومعدن المكرمات قالوا ولم يا أخا كندة قال لأنا ورثنا ملك كندة فاستظللنا بأفيائه وتقلدنا منكبه الأعظم وتوسطنا بحبوحه الأكرم ثم قام شاعرهم فقال
( إذا قست أبيات الرجال ببيتنا ... وجدت لنا فضلا على من يفاخر )
( فمن قا كلا أو أتانا بخطة ... ينافرنا فيها فنحن نخاطر )
( تعالوا قفوا كي يعلم الناس أينا ... له الفضل فيما أورثته الأكابر )
28 - مقال بسطام الشيباني
ثم قام بسطام الشيباني فقال قد علمت العرب أنا بناة بيتها الذي لا يزول ومغرس عزها الذي لا يحول قالوا ولم يا أخا شيبان قال لأنا أدركهم للثار وأضربهم للملك الجبار وأقومهم للحكم وألدهم للخصم ثم قام شاعرهم فقال

(1/47)


( لعمري بسطام أحق بفضلها ... وأول بيت العز عز القبائل )
( فسائل أبيت اللعن عن عز قومها ... إذا جد يوم الفخر كل مناقل )
( ألسنا أعز الناس قوما ونصرة ... وأضربهم للكبش بين القبائل )
( وقائع غر كلها ربعية ... تذل لها عزا رقاب المحافل )
( إذا ذكرت لم ينكر الناس فضلها ... وعاذ بها من شرها كل وائل )
( وإنا ملوك الناس في كل بلدة ... إذا نزلت بالناس إحدى الزلازل )
29 - مقال حاجب بن زرارة
ثم قام حاجب بن زرارة التميمي فقال قد علمت معد أنا فرع دعامتها وقادة زحفها قالوا ولم ذاك يا أخا بني تميم قال لأنا أكثر الناس عديدا وأنجبهم طرا وليدا وأنا أعطاهم للجزيل وأحملهم للثقيل ثم قام شاعرهم فقال
( لقد علمت أبناء خندف أننا ... لنا العز قدما في الخطوب الاوائل )
( وأنا كرام أهل مجد وثروة ... وعز قديم ليس بالمتضائل )
( فكم فيهم من سيد وابن سيد ... أغر نجيب ذي فعال ونائل )
( فسائل أبيت اللعن عنا فإننا ... دعائم هذا الناس عند الجلائل )

(1/48)


30 - مقال قيس بن عاصم السعدي
ثم قام قيس بن عاصم السعدي فقال لقد علم هؤلاء أنا أرفعهم في المكرمات دعائم وأثبتهم في النائبات مقادم قالوا ولم ذاك يا أخا بنى سعد قال لأنا أدركهم للثار وأمنعهم للجار وأنا لا ننكل إذا حملنا ولا نرام إذا حللنا ثم قام شاعرهم فقال
( لقد علمت قيس وحندف أننا ... وجل تميم والجميع الذي ترى )
( ( بأنا عماد في الأمور وأننا ... لنا الشرف الضخم المركب في الندى )
( وأنا ليوث الناس في كل مأزق ... إذا جز بالبيض الجماجم والطلا )
( فمن ذا ليوم الفخر يعدل عاصما ... وقيسا إذا مرت ألوف إلى العلا )
( فهيهات قد أعيا الجميع فعالهم ... وقاموا بيوم الفخر مسعاة من سعى )
فقال كسرى حينئذ ليس منهم إلا سيد يصلح لموضعه وأسنى حباءهم وأعظم صلاتهم وكرم مآبهم

(1/49)


وفود العرب على كسرى
قدم النعمان بن المنذر على كسرى وعنده وفود الروم والهند والصين فذكروا من ملوكهم وبلادهم فافتخر النعمان بالعرب وفضلهم على جميع الأمم لا يستثنى فارس ولا غيرها فقال كسرى وأخذته عزة الملك يا نعمان لقد فكرت فى أمر العرب وغيرهم من الأمم ونظرت في حالة من يقدم على من وفود الأمم فوجدت للروم حظا فى اجتماع ألفتها وعظم سلطانها وكثرة مدائنها ووثيق بنيانها وأن لها دينا يبين حلالها وحرامها ويرد سفيهها ويقيم جاهلها ورأيت الهند نحوا من ذلك في حكمتها وطبها مع كثرة أنهار بلادها وثمارها وعجيب صناعتها وطيب أشجارها ودقيق حسابها وكثرة عددها وكذلك الصين في اجتماعها وكثرة صناعات أيديها وفروسيتها وهمتها في آلة الحرب وصناعة الحديد وأن لها ملكا يجمعها والترك والخرر علة ما بهم من سوء الحال في المعاش وقلة الريف والثمار والحصون وما هو رأس عمارة الدنيا من المساكن والملابس لهم ملوك تضم قواصيهم وتدبر أمرهم ولم أر للعرب شيئا من خصال الخير في أمر دين ولا دنيا ولا حزم ولا قوة ومع أن مما يدل على مهانتها وذلها وصغر همتها محلتهم التي هم بها مع الوحوش النافرة والطير الحائرة يقتلون أولادهم من الفاقة ويأكل بعضهم بعضا من الحاجة قد خرجوا من مطاعم الدنيا وملابسها ومشاربها ولهوها ولذاتها فأفضل طعام ظفر به ناعمهم لحوم الإبل التي يعافها كثير من السباع لثقلها وسوء طعمها وخوف دائها وإن قرى أحدهم ضيفا عدها مكرمة

(1/50)


وإن أطعم أكلة عدها غنيمة تنطق بذلك أشعارهم وتفتخر بذلك رجالهم ما خلا هذه التنوخية التي أسس جدي اجتماعها وشد مملكتها ومنعها من عدوها فجرى لها ذلك إلى يومنا هذا وإن لها مع ذلك آثارا ولبوسا وقرى وحصونا وأمورا تشبه بعض أمور الناس يعنى اليمن ثم لا أراكم تستكينون على ما بكم من الذلة والقلة والفاقة والبؤس حتى تفتخروا وتريدوا أن تنزلوا فوق مراتب الناس قال النعمان أصلح الله الملك
حق لأمة الملك منها أن يسموا فضلها ويعظم خطبها وتعلو درجتها إلا أن عندي جوابا في كل ما نطق به الملك في غير رد عليه ولا تكذيب له فإن أمننى من غضبه نطقت به قال كسرى قل فأنت آمن
31 - خطبة النعمان بن المنذر
قال النعمان أما أمتك أيها الملك فليست تنازع في الفضل لموضعها الذي هي به من عقولها وأحلامها وبسطة محلها وبحبوحة عزها وما أكرمها الله به من ولاية آبائك وولايتك وأما الأمم التي ذكرت فأي أمة تقرنها بالعرب إلا فضلتها قال كسرى بماذا قال النعمان بعزها ومنعتها وحسن وجوهها وبأسها وسخائها وحكمة ألسنتها وشدة عقولها وانفتها ووفائها
فأما عزها ومنعتها فإنها لم تزل مجاورة لآبائك الذين دوخوا البلاد ووطدوا الملك وقادوا الجند لم يطمع فيهم طامع ولم ينلهم نائل حصونهم ظهور خيلهم ومهادهم الأرض وسقوفهم السماء وجنتهم السيوف وعدتهم الصبر إذ غيرها من الأمم إنما عزها من الحجارة والطين وجزائر البحور
وأما حسن وجوهها وألوانها فقد يعرف فضلهم في ذلك على غيرهم من الهند المنحرفة والصين المنحفة والروم والترك المشوهة المقشرة

(1/51)


وأما أنسابها وأحسابها فليست أمة من الأمم إلا وقد جهلت آباءها وأصولها وكثيرا من أولها حتى إن أحدهم ليسأل عمن وراء أبيه ذنيا فلا ينسبه ولا يعرفه وليس أحد من العرب إلا يسمى آباءه أبا فأبا حاطوا بذلك أحسابهم وحفظوا به أنسابهم فلا يدخل رجل في غير قومه ولا ينتسب إلى غير نسبه ولا يدعى إلى غير أبيه
وأما سخاؤها فإن أدناهم رجلا الذي تكون عنده البكرة والناب عليها بلاغه في حموله وشبعه وريه فيطرقه الطارق الذي يكتفي بالفلذة ويجتزى بالشربة فيعقرها له ويرضى أن يخرج عن دنياه كلها فيما يكسبه حسن الأحدوثة وطيب الذكر
وأما حكمة ألسنتهم فإن الله تعالى أعطاهم في أشعارهم ورونق كلامهم وحسنه ووزنه وقوافيه مع معرفتهم الأشياء وضربهم للأمثال وإبلاغهم في الصفات ما ليس لشيء من ألسنة الأجناس ثم خيلهم أفضل الخيل ونساؤهم أعف النساء ولباسهم أفضل اللباس ومعادنهم الذهب والفضة وحجارة جبالهم الجزع ومطاياهم التي لا يبلغ على مثلها سفر ولا يقطع بمثلها بلد قفر
وأما دينها وشريعتها فإنهم متمسكون به حتى يبلغ أحدهم من نسكه بدينة أن لهم أشهرا حرما وبلدا محرما وبيتا محجوجا ينسكون فيه مناسكهم ويذبحون فيه ذبائحهم فيلقى الرجل قاتل أبيه أو أخيه وهو قادر على أخذ ثاره وإدراك رغمه منه فيحجزه كرمه ويمنعه دينه عن تناوله بأذى

(1/52)


حذف 53

(1/53)


وأما وفاؤها فإن أحدهم يلحظ اللحظة ويومي الإيماءة فهي ولث وعقدة لا يحلها إلا خروج نفسه وإن أحدهم يرفع عودا من الأرض فيكون رهنا بدينه فلا يغلق رهنه ولا تخفر ذمته وإن أحدهم ليبلغه أن رجلا استجار به وعسى أن يكون نائيا عن داره فيصاب فلا يرضى حتى يفنى تلك القبيلة التي أصابته أو تفنى قبيلته لما أخفر من جواره وإنه ليلجأ إليهم المجرم المحدث من غير معرفة ولا قرابة فتكون أنفسهم دون نفسه وأموالهم دون ماله
وأما قولك أيها الملك يئدون أولادهم فإنما يفعله من يفعله منهم بالإناث أنفة من العار وغيرة من الأزواج
وأما قولك إن أفضل طعامهم لحوم الإبل على ما وصفت منها فما تركوا ما دونها إلا احتقارا لها فعمدوا إلى أجلها وأفضلها فكانت مراكبهم وطعامهم مع أنها اكثر البهائم شحوما وأطيبها لحوما وأرقها ألبانا وأقلها غائلة وأحلاها مضغة وإنه لا شيء من اللحمان يعالج ما يعالج به لحمها إلا استبان فضلها عليه
وأما تحاربهم وأكل بعضهم بعضا وتركهم إلانقياد لرجل يسوسهم ويجمعهم فإنما يفعل ذلك من يفعله من الأمم إذا أنست من نفسها ضعفا وتخوفت نهوض عدوها إليها بالزحف وإنه إنما يكون في المملكة العظيمة أهل بيت واحد يعرف فضلهم على سائر غيرهم فيلقون إليهم أمورهم وينقادون لهم بأزمتهم وأما العرب فإن ذلك كثير فيهم حتى لقد حاولوا أن يكونوا ملوكا أجمعين مع أنفتهم من أداء الخراج والوطث بالعسف

(1/53)


وأما اليمن التي وصفها الملك فإنما أتى جد الملك إليها الذي أتاه عند غلبة الجبش له على ملك متسق وأمر مجتمع فأتاه مسلوبا طريدا مستصرخا ولولا ما وتر به من يليه من العرب لمال إلى مجال ولوجد من يجيد الطعان ويغضب للأحرار من غلبة العبيد الأشرار
فعجب كسرى لما أجابه النعمان به وقال إنك لأهل لموضعك من الرياسة في أهل إقليمك ثم كساه من كسوته وسرحه إلى موضعه من الحيرة
فلما قدم النعمان الحيرة وفي نفسه ما فيها مما سمع من كسرى من تنقص العرب وتهجين أمرهم بعث إلى أكثم بن صيفي وحاجب بن زرارة التميميين وإلى الحرث بن عباد وقيس بن مسعود البكريين وإلى خالد بن جعفر وعلقمة بن علاثة وعامر بن الطفيل العامريين وإلى عمرو بن الشريد السلمي وعمرو بن معد يكرب الزبيدي والحارث بن ظالم المرى فلما قدموا عليه في الخورنق قال لهم قد عرفتم هذه الأعاجم وقرب جوار العرب منها وقد سمعت من كسرى مقالات تخوفت أن يكون لها غور أو يكون إنما أظهرها لأمر أراد أن يتخذ به العرب خولا كبعض طماطمته في تأديتهم الخراج إليه كما يفعل بملوك الأمم الذين حوله فاقتص عليهم مقالات كسرى وما رد عليه فقالوا أيها الملك وفقك الله ما أحسن ما رددت وأبلغ ما حججته به فمرنا بأمرك وادعنا إلى ما شئت
قال إنما أنا رجل منكم وإنما ملكت وعززت بمكانكم وما يتخوف من ناحيتكم وليس شيء أحب إلى مما سدد الله به أمركم وأصلح به شأنكم وأدام به عزكم والرأي أن تسيروا بجماعتكم أيها الرهط وتنطلقوا إلى كسرى فإذا دخلتم نطق كل رجل منكم

(1/54)


بما حضره ليعلم أن العرب على غير ما ظن أو حدثته نفسه ولا ينطق رجل منكم بما يغضبه فإنه ملك عظيم السلطان كثير الأعوان مترف معجب بنفسه ولا تنخزلوا له انخزال الخاضع الذليل وليكن أمر بين ذلك تظهر به وثاقة حلومكم وفضل منزلتكم وعظيم أخطاركم وليكن أول من يبدأ منكم بالكلام أكثم ابن صيفي ثم تتابعوا على الأمر من منازلكم التي وضعتكم بها فإنما دعاني إلى التقدمة إليكم علمي بميل كل رجل منكم إلى التقدم قبل صاحبه فلا يكونن ذلك منكم فيجد في آدابكم مطعنا فإنه ملك مترف وقادر مسلط ثم دعا لهم بما في خزائنه من طرائف حلل الملوك كل رجل منهم حلة وعممه عمامة وختمه بياقوته وأمر لكل رجل منهم بنجيبة مهرية وفرس نجيبة وكتب معهم كتابا
أما بعد فإن الملك ألقى إلى من أمر العرب ما قد علم وأجبته بما قد فهم مما أحببت أن يكون منه على علم ولا يتلجلج في نفسه أن أمة من الأمم التي احتجزت دونه بمملكتها وحمت ما يليها بفضل قوتها تبلغها في شىء من الأمور التي يتعزز بها ذوو الحزم والقوة والتدبير والمكيدة وقد أوفدت أيها الملك رهطا من العرب لهم فضل في أحسابهم وأنسابهم وعقولهم وآدابهم فليسمع الملك وليغمض عن جفاء إن ظهر من منطقهم وليكرمني بإكرامهم وتعجيل سراحهم وقد نسبتهم في أسفل كتابي هذا إلى عشائرهم
فخرج القوم في أهبتهم حتى وقفوا بباب كسرى بالمدائن فدفعوا إليه كتاب النعمان فقرأه وأمر بإنزالهم إلى أن يجلس لهم مجلسا يسمع منهم فلما أن كان بعد ذلك بأيام أمر مرازبته ووجوه أهل مملكته فحضروا وجلسوا على كراسي عن يمينه

(1/55)


وشماله ثم دعا بهم على الولاء والمراتب التي وصفهم النعمان بها في كتابه وأقام الترجمان ليؤدي إليه كلامهم ثم أذن لهم في الكلام
32 - خطبة أكثم بن صيفي
فقام أكثم بن صيفي فقال
إن أفضل الأشياء أعاليها وأعلى الرجال ملوكها وأفضل الملوك أعمها نفعا وخير الأزمنة أخصبها وأفضل الخطباء أصدقها الصدق منجاة والكذب مهواة والشر لجاجة والحزم مركب صعب والعجز مركب وطئ
آفة الرأي الهوى والعجز مفتاح الفقر وخير الأمور الصبر حسن الظن ورطة وسوء الظن عصمة إصلاح فساد الرعية خير من إصلاح فساد الراعي من فسدت بطانته كان كالغاص بالماء شر البلاد بلاد لا أمير بها شر الملوك من خافه البرىء المرء يعجز لا المحالة أفضل الأولاد البررة خير الأعوان من لم يراء بالنصيحة أحق الجنود بالنصر من حسنت سريرته يكفيك من الزاد ما بلغك المحل حسبك من شر سماعه الصمت حكم وقليل فاعله البلاغة الإيجاز من شدد نفر ومن تراخى تألف
فتعجب كسرى من أكثم ثم قال ويحك يا أكثم ما أحكمك وأوثق كلامك لولا وضعك كلامك في غير موضعه قال أكثم الصدق ينبىء عنك لا الوعيد قال كسرى لو لم يكن للعرب غيرك لكفى
قال أكثم رب قول أنفذ من صول

(1/56)


خطبة حاجب بن زرارة
ثم قام حاجب بن زرارة التميمي فقال
ورى زندك وعلت يدك وهيب سلطانك إن العرب أمة قد غلظت أكبادها واستحصدت مرتها ومنعت درتها وهي لك وامقة ما تألفتها مسترسلة ما لا ينتها سامعة ما سامحتها وهي العلقم مرارة والصاب غضاضة والعسل حلاوة والماء الزلال سلاسة نحن وفودها إليك وألسنتها لديك ذمتنا محفوظة وأحسابنا ممنوعة وعشائرنا فينا سامعة مطيعة إن نؤب لك حامدين خيرا فلك بذلك عموم محمدتنا وإن نذم لم نخص بالذم دونها
قال كسرى يا حاجب ما أشبه حجر التلال بألوان صخرها قال حاجب بل زئير الأسد بصولتها قال كسرى وذلك 34
خطبة الحارث بن عباد
ثم قام الحارث بن عباد البكري فقال دامت لك المملكة باستكمال جزيل حظها وعلو سنائها من طال رشاؤه كثر متحه ومن ذهب ماله قل منحه تناقل الأقاويل يعرف اللب وهذا

(1/57)


مقام سيوجف بما ينطق به الركب وتعرف به كنه حالنا العجم والعرب ونحن جيرانك الأدنون وأعوانك المعينون خيولنا جمة وجيوشنا فخمة إن استنجدتنا فغير ربض وإن استطرقتنا فغير جهض وإن طلبتنا فغير غمض لا ننثني لذعر ولا نتنكر لدهر رماحنا طوال وأعمارنا قصار
قال كسرى أنفس عزيزة وأمة ضعيفة قال الحرث أيها الملك وأنى يكون لضعيف عزة أو لصغير مرة قال كسرى لو قصر عمرك لم تستول على لسانك نفسك
قال الحرث أيها الملك إن الفارس إذا حمل نفسه على الكتيبة مغررا بنفسه على الموت فهى منية استقبلها وجنان استدبرها والعرب تعلم أنى أبعث الحرب قدما وأحبسها وهى تصرف بها حتى إذا جاشت نارها وسعرت لظاها وكشفت عن ساقها جعلت مقادها رمحى وبرقها سيفى ورعدها زئيرى ولم أقصر عن خوص خضخاضها حتى أنغمس فى غمرات لججها وأكون فلكا لفرسانى إلى بحبوحة كبشها فأستمطرها دما وأترك حماتها جزر السباع وكل نسر

(1/58)


قشعم ثم قال كسرى لمن حضره من العرب أكذلك هو قالوا فعاله أنطق من لسانه
قال كسرى ما رأيت كاليوم وفدا أحشد ولا شهودا أوفد 35
خطبة عمرو بن الشريد
ثم قام عمرو بن الشريد السلمى فقال
أيها الملك نعم بالك ودام فى السرور حالك إن عاقبة الكلام متدبرة وأشكال الأمور معتبرة وفى كثير ثقلة وفى قليل بلغة وفى الملوك سورة العز وهذا منطق له ما بعده شرف فيه من شرف وخمل فيه من خمل لم نأت لضيمك ولم نفد لسخطك ولم نتعرض لرفدك أن فى أموالنا منتقدا وعلى عزنا معتمدا إن أورينا نارا أثقبنا وإن أود دهر بنا اعتدلنا إلا أنا مع هذا لجوارك حافظون ولمن رامك كافحون حتى يحمد الصدر ويستطاب الخبر
قال كسرى ما يقوم قصد منطقك بإفراطك ولا مدحك بذمك قال عمرو كفى بقليل قصدى هاديا وبأيسر إفراطى مخبرا ولم يلم من غربت نفسه عما يعلم ورضى من القصد بما بلغ
قال كسرى ما كل ما يعرف المرء ينطق به اجلس

(1/59)


خطبة خالد بن جعفر الكلابى
ثم قام خالد بن جعفر الكلابى فقال
أحضر الله الملك إسعادا وأرشده إرشادا إن لكل منطق فرصة ولكل حاجة غصة وعى المنطق أشد من عى السكوت وعثار القول أنكأ من عثار الوعث وما فرصة المنطق عندنا إلا بما نهوى وغصة المنطق بما لا نهوى غير مستساغة وتركى ما أعلم من نفسى ويعلم من سمعى أننى له مطيق أحب إلى من تكلفى ما أتخوف ويتخوف منى وقد أوفدنا إليك ملكنا النعمان وهو لك من خير الأعوان ونعم حامل المعروف والإحسان أنفسنا بالطاعة لك باخعة ورقابنا بالنصيحة خاضعة وأيدينا لك بالوفاء رهينة
قال له كسرى نطقت بعقل وسموت بفضل وعلوت بنبل 37
خطبة علقمة بن علاثة العامري
ثم قام علقمة بن علاثة العامري فقال
نهجت لك سبل الرشاد وخضعت لك رقاب العباد إن للأقاويل مناهج وللآراء موالج وللعويص مخارج وخير القول أصدقه وأفضل الطلب أنجحه إنا وإن كانت المحبة أحضرتنا والوفادة قربتنا فليس من حضرك منا بأفضل ممن عزب عنك بل لو قست كل رجل منهم وعلمت منهم ما علمنا لوجدت له فى آبائه

(1/60)


دنيا أندادا وأكفاء كلهم إلى الفضل منسوب وبالشرف والسؤدد موصوف وبالرأي الفاضل والأدب النافذ معروف يحمى حماه ويروى نداماه ويذود أعداه لا تخمد ناره ولا يحترز منه جاره أيها الملك من يبل العرب يعرف فضلهم فاصطنع العرب فإنها الجبال الرواسى عزا والبحور الزواخر طميا والنجوم الزواهر شرفا والحصى عددا فإن تعرف لهم فضلهم يعزوك وإن تستصرخهم لا يخذلوك
قال كسرى وخشى أن يأتي منه كلام يحمله على السخط عليه حسبك أبلغت وأحسنت 38
خطبة قيس بن مسعود الشيباني
ثم قام قيس بن مسعود الشيباني فقال
أطاب الله بك المراشد وجنبك المصائب ووقاك مكروه الشصائب ما أحقنا إذ أتيناك بإسماعك ما لا يحنق صدرك ولا يزرع لنا حقدا فى قلبك لم نقدم أيها الملك لمساماة ولم ننتسب لمعاداة ولكن لتعلم أنت ورعيتك ومن حضرك من وفود الأمم أنا فى المنطق غير محجمين وفى الناس غير مقصرين إن جورينا فغير مسبوقين وإن سومينا فغير مغلوبين

(1/61)


قال كسرى غير أنكم إذا عاهدتم غير وافين وهو يعرض به فى تركه الوفاء بضمانه السواد قال قيس أيها الملك ما كنت فى ذلك إلا كواف غدر به أو كخافر أخفر بذمته قال كسرى ما يكون لضعيف ضمان ولا لذليل خفارة قال قيس أيها الملك ما أنا فيما أخفر من ذمتى أحق بإلزامي العار منك فيما قتل من رعيتك وأنتهك من حرمتك قال كسرى ذلك لأن من ائتنمن الخانة واستنجد الأثمة ناله من الخطإ ما نالنى وليس كل الناس سواء كيف رأيت حاجب بن زرارة لم يحكم قواه فيبرم ويعهد فيوفى ويعد فينجز قال وما أحقه بذلك وما رأيته إلا لى قال كسرى القوم بزل فأفضلها أشدها
خطبة عامر بن الطفيل العامري
ثم قام عامر بن الطفيل العامري فقال
كثر فنون المنطق ولبس القول أعمى من حندس الظلماء وإنما الفخر فى الفعال والعجز فى النجدة والسؤدد مطاوعة القدرة وما أعلمك بقدرنا وأبصرك بفضلنا وبالحرى إن أدالت الأيام وثابت الأحلام أن تحدث لنا أمورا لها أعلام قال كسرى وما تلك الأعلام قال مجتمع الأحياء من ربيعة ومضر على أمر يذكر قال كسرى وما الأمر الذي يذكر قال ما لي علم بأكثر مما أخبرنى به مخبر قال كسرى متى تكاهنت يا بن الطفيل قال لست بكاهن ولكنى بالرمح

(1/62)


طاعن قال كسرى فإن اتاك آت من جهة عينك العوراء ما أنت صانع قال ما هيبتى فى قفاي بدون هيبتي في وجهي وما أذهب عيني عيث ولكن مطاوعة العبث
40 - خطبة عمرو بن معديكرب الزبيدي
ثم قام عمرو بن معديكرب الزبيدي فقال
إنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه فبلاغ المنطق الصواب وملاك النجعة الارتياد وعفو الرأى خير من استكراه الفكرة وتوقيف الخبرة خير من أعتساف الحيرة فاجتبذ طاعتنا بلفظك واكتظم بادرتنا بحلمك وألن لنا كنفك يسلس لك قيادنا فإنا أناس لم يوقس صفاتنا قراع مناقير من أراد لنا قضما ولكن منعنا حمانا من كل من رام لنا هضما
41 - خطبة الحارث بن ظالم المرى
ثم قام الحرث بن ظالم المري فقال
إن من آفة المنطق الكذب ومن لؤم الأخلاق الملق ومن خطل الرأي خفة الملك المسلط فإن أعلمناك أن مواجهتنا لك عن الائتلاف وانقيادنا لك عن تصاف فما أنت لقبول ذلك منا بخليق ولا للاعتماد عليه بحقيق ولكن الوفاء بالعهود وإحكام ولث العقود والأمر بيننا وبينك معتدل مالم يأت من قبلك ميل أو زلل

(1/63)


قال كسرى من أنت قال الحرث بن ظالم قال إن في أسماء آبائك لدليلا على قلة وفائك وأن تكون أولى بالغدر وأقرب من الوزر قال الحارث إن في الحق مغضبة والسرو التغافل ولن يستوجب أحد الحلم إلا مع القدرة فلتشبه أفعالك مجلسك قال كسرى هذا فتى القوم
ثم قال كسرى قد فهمت ما نطقت به خطباؤكم وتفنن فيه متكلموكم ولولا أني أعلم أن الأدب لم يثقف أودكم ولم يحكم أمركم وأنه ليس لكم ملك يجمعكم فتنطقون عنده منطق الرعية الخاضعة الباخعة فنطقتم بما استولى على ألسنتكم وغلب على طباعكم لم أجز لكم كيرا مما تكلمتم به وإني لأكره أن أجبه وفودي أو أحنق صدورهم والذي أحب من إصلاح مدبركم وتألف شواذكم والإعذار إلى الله فيما بيني وبينكم وقد قبلت ما كان في منطقكم من صواب وصفحت عما كان فيه من خلل فانصرفوا إلى ملككم فأحسنوا موازرته والتزموا طاعته واردعوا سفهاءكم وأقيموا أودهم وأحسنوا أدبهم فإن في ذلك صلاح العامة

(1/64)


42 - مخالس بن مزاحم وقاصر بن سلمة عند النعمان بن المنذر
كان مخالس بن مزاحم الكلبي وقاصر بن سلمة الجذامي بباب النعمان بن المنذر وكان بينهما عداوة فأتى قاصر إلى ابن فرتني وهو عمرو بن هند أخو النعمان ابن المنذر وقال إن مخالسا هجاك وأنشده في ذلك أبياتا فلما سمع عمرو ذلك أتى النعمان فشكا مخالسا وأنشده الأبيات فأرسل النعمان إلى مخالس فلما دخل عليه قال لا أم لك أتهجو امرأ هو ميتا خير منك حيا وهو سقيما خير منك صحيحا وهو غائبا خير منك شاهدا فبحرمة ماء المزن وحق أبي قابوس لئن لاح لي أن ذلك كان منك لأنزعن غلصمتك من قفاك ولاطعمنك لحمك
قال مخالس أبيت اللعن كلا والذي رفع ذروتك بأعمادها وأمات حسادك بأكمادها ما بلغت غير أقاويل الوشاة ونمائم العصاة وما هجوت أحدا ولا أهجو امرأ ذكرت أبدا وإنى أعوذ بجدك الكريم وعز بيتك القديم أن ينالنى منك عقاب أو يفاجئني منك عذاب قبل الفحص والبيان عن أساطير أهل البهتان
فدعا النعمان قاصرا فسأله فقال قاصر أبيت اللعن وحقك لقد هجاه وما أروانيها سواه فقال مخالس لا يأخذن أيها الملك منك قول امرئ آفك ولا توردني سبيل المهالك
واستدلل على كذبه بقوله إني أرويته مع ما تعرف من عداوته فعرف النعمان صدقه فأخرجهما فلما خرجا قال مخالس لقاصر شقي جدك وسفل خدك وبطل كيدك ولاح للقوم جرمك وطاش عني سهمك ولأنت أضيق حجرا من نقاز وأقل قوى من الحامل على الكراز فأرسلها مثلا

(1/65)


43 - ضمرة بن ضمرة عند النعمان بن المنذر
قيل إن رجلا من بني تميم يقال له ضمرة بن ضمرة كان يغير على مسالح النعمان بن المنذر حتى أذا عيل صبر النعمان كتب إليه أن أدخل في طاعتي ولك مائة من الإبل فقبلها وأتاه فلما نظر إليه أزدراه وكان ضمرة دميما فقال تسمع بالمعيدي لا أن تراه فقال ضمرة مهلا أيها الملك إن الرجال لا يكالون بالصيعان وإنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه إن قاتل قاتل بجنان وإن نطق نطق ببيان
قال صدقت لله درك هل لك علم بالأمور والولوج فيها قال والله إني لأبرم منها المسحول وأنقض منها المفتول وأحيلها حتى تحول ثم أنظر إلى ما يئول وليس للأمور بصاحب من لا ينظر في العواقب قال صدقت لله درك فأخبرني ما العجز الظاهر والفقر الحاضر والداء العياء والسوءة السوءاء قال ضمرة
أما العجز الظاهر فالشاب القليل الحيلة اللزوم للحليلة الذي يحوم حولها ويسمع قولها فإن غضبت ترضاها وإن رضيت تفداها وأما الفقر الحاضر فالمرء لا تشبع نفسه وإن كان من ذهب خلسه وأما الداء العياء فجار السوء إن كان فوقك قهرك وإن كان دونك همزك وإن أعطيته كفرك وإن منعته شتمك فإن كان ذلك جارك فأخل له دارك وعجل منه فرارك وإلا فأقم بذل

(1/66)


وصغار وكن ككلب هرار وأما السوءة السوءاء فالحليلة الصخابة الخفيفة الوثابة السليطة السبابة التي تعجب من غير عجب وتغضب من غير غضب الظاهر عيبها والمخوف غيبها فزوجها لا يصلح له حال ولا ينعم له بال إن كان غنيا لا ينفعه غناه وإن كان فقيرا أبدت له قلاه فأراح الله منها بعلها ولا متع الله بها أهلها
فأعجب النعمان حسن كلامه وحضور جوابه فأحسن جائزته واحتبسه قبله
44 - لبيد بن ربيعة يصف بقلة
وفد على النعمان بن المنذر عامر بن مالك ملاعب الأسنة في رهط من بني جعفر ابن كلاب فيهم لبيد بن ربيعة فطعن فيهم الربيع بن زياد العبسي وذكر معايبهم وكان نديما للنعمان وكانت بنو جعفر له أعداء فلم يزل بالنعمان حتى صده عنهم فدخلوا عليه يوما فرأوا منه جفاء وقد كان يكرمهم ويقربهم فخرجوا غضابا ولبيد متخلف في رحالهم يحفظ متاعهم ويغدو بإبلهم كل صباح يرعاها وكان أحدثهم سنا فأتاهم ذات ليلة وهم يتذاكرون أمر الربيع فسألهم عنده فكتموه فقال والله لا حفظت لكم متاعا ولا سرحت لكم بعيرا أو تخبروني فيم أنتم وكانت أم لبيد يتيمة في حجر الربيع فقالوا خالك قد غلبنا على الملك وصد عنا وجهه فقال لبيد هل تقدرون على أن تجمعوا بيني وبينه فأزجره عنكم بقول ممض مؤلم لا يلتفت إليه النعمان بعده أبدا قالوا وهل عندك شيء قال نعم قالوا فإنا نبلوك

(1/67)


قال وما ذاك قالوا تشتم هذه البقلة وقدامهم بقلة دقيقة القضبان قليلة الأوراق لاصقة بالأرض تدعى التربة فقال
هذه التربة التي لا تذكي نارا ولا تؤهل دارا ولا تسر جارا عودها ضئيل وفرعها كليل وخيرها قليل أقبح البقول مرعى وأقصرها فرعا وأشدها قلعا فتعسا لها وجدعا بلدها شاسع ونبتها خاشع وآكلها جائع والمقيم عليها قانع فالقوا بي أخا بني عبس أرده عنكم بتعس ونكس وأتركه من أمره في لبس
فلما أصبحوا غدوا به معهم إلى النعمان فذكروا حاجتهم فاعترض الربيع فرجز به لبيد رجزا ما لبث معه النعمان أن تقزز منه وأمره بالانصراف إلى أهله
45 - كلمات هند بنت الخس الإيادية
أتى رجل هند بنت الخس الإيادية يستشيرها في امرأة يتزوجها فقالت انظر رمكاء جسيمة أو بيضاء وسيمة في بيت جد أو بيت حد أو بيت عز قال ما تركت من النساء شيئا قالت بلى شر النساء تركت السويداء الممراض والحميراء المحياض الكثيرة المظاظ
وقيل لها أي النساء أسوأ قالت التي تقعد بالفناء وتملأ الإناء وتمذق

(1/68)


مافي السقاء قيل فأي النساء أفضل قالت التي إذا مشت أغبرت وإذا نطقت صرصرت متوركة جارية في بطنها جارية يتبعها جارية
قيل فأي الغلمان أفضل قالت الأسوق الأعنق الذي إن شب كأنه أحمق قيل فأي الغلمان أفسل قالت الأويقص القصير العضد العظيم الحاوية الأغيبر الغشاء الذي يطيع أمه ويعصي عمه
وقيل لها أي الرجال أحب إليك قالت السهل النجيب السمح الحسيب الندب الأريب السيد المهيب قيل لها فهل بقي أحد من الرجال أفضل من هذا قالت نعم الأهيف الهفهاف الأنف العياف المفيد المتلاف الذي يخيف ولا يخاف قيل لها فأي الرجال أبغض إليك قالت الأوره النئوم الوكل السئوم الضعيف الحيزوم اللئيم الملوم قيل لها فهل بقي أحد شر من هذا قالت نعم الأحمق النزاع الضائع المضاع الذي لا يهاب ولا يطاع قالوا فأي النساء أحب إليك قالت البيضاءالعطرة كأنها ليلة قمرة قيل فأي النساء

(1/69)


أبغض اليك قالت العنفص القصيرة التي إن استنطقتها سكتت وإن سكت عنها نطقت
وقال لها أبوها يوما أي المال خير قالت النخل الراسخات في الوحل المطعمات في المحل قال وأي شيء قالت الضأن قرية لا وباء بها تنتجها رخالا وتحلبها علالا وتجز لها جفالا ولا أرى مثلها مالا قال فالإبل مالك تؤخرينها قالت هي أذكار الرجال وإرقاء الدماء ومهور النساء قال فأي الرجال خير قالت
( خير الرجال المرهقون كما ... خير تلاع البلاد أوطؤها )
قال أيهم قالت الذي يسأل ولا يسأل ويضيف ولا يضاف ويصلح ولا يصلح قال فأي الرجال شر قالت النصيط النطيط الذي معه سويط الذي يقول أدركوني من عبد بني فلان فإني قاتله أو هو قاتلي قال فأي النساء خير قالت التي في بطنها غلام تحمل على وركها غلاما يمشي وراءها غلام قال فأي الجمال خير قالت السبحل الربحل الراحلة الفحل قال

(1/70)


أرأيتك الجذع قالت لا يضرب ولا يدع قال أرأيتك الثني قالت يضرب وضرابه وفي قال أرأيتك السدس قالت ذاك العرس
وقيل لها أي الخيل أحب إليك قالت ذو الميعة الصنيع السليط التليع الأيد الضليع الملهب السريع فقيل لها أي الغيوث أحب إليك قالت ذو الهيدب المنبعق الأضخم المؤتلق الصخب المنبثق وقيل لها ما مائة من المعز قالت مؤيل يشف الفقر من ورائه مال الضعيف وحرفة العاجز قيل فما مائة من الضأن قالت قرية لا حمى بها قيل فما مائة من الإبل قالت بخ جمال ومال ومنى الرجال قيل فما مائة من الخيل قالت

(1/71)


طغى من كانت له ولا يوجد قيل فما مائة من الحمر قالت عازبة الليل وخزى المجلس لا لبن فيحلب ولا صوف فيجز إن ربط عيرها أدلى وإن ترك ولى وقيل لها من أعظم الناس في عينك قالت من كانت لي إليه حاجة
وقالت أخبث الذئاب ذئب الغضا وأخبث الأفاعي أفعى الجدب وأسرع الظباء ظباء الحلب وأشد الرجال الأعجف وأجمل النساء الفخمة الأسيلة وأقبح النساء الجهمة القفرة وآكل الدواب الرغوث وأطيب اللحم عوذه وأغلظ المواطي الحصى على الصفا وشر المال مالا يزكى ولا يذكى وخير المال سكة مأبورة أو مهرة مأمورة

(1/72)


46 - خطبة كعب بن لؤي
وخطب كعب بن لؤي وهو الجد السابع للنبي فقال
اسمعوا وعوا وتعلموا تعلموا و تفهموا تفهموا ليل ساج ونهار صاج والأرض مهاد والجبال أوتاد والأولون كالآخرين كل ذلك إلى بلاء فصلوا أرحامكم وأصلحوا أحوالكم
فهل رأيتم من هلك رجع أو ميتا نشر الدار أمامكم والظن خلاف ما تقولون زينوا حرمكم وعظموه وتمسكوا به ولا تفارقوه فسيأتي له نبأ عظيم وسيخرج منه نبي كريم ثم قال
( نهار وليل واختلاف حوادث ... سواء علينا حلوها ومريرها )
( يئوبان بالأحداث حتى تأوبا ... وبالنعم الضافي علينا ستورها )
( صروف وأنباء تقلب أهلها ... لها عقد ما يستحيل مريرها )
( على غفلة يأتي النبي محمد ... فيخبر أخبارا صدوقا خبيرها )
ثم قال
( يا ليتني شاهد فحواء دعوته ... حين العشيرة تبغي الحق خذلانا )

(1/73)


47 - خطبة هاشم بن عبد مناف يحث قريشا على إكرام زوار بيت الله الحرام
كان هاشم بن عبد مناف يقوم أول نهار اليوم الأول من ذي الحجة فيسند ظهره إلى الكعبة من تلقاء بابها فيخطب قريشا فيقول
يا معشر قريش أنتم سادة العرب أحسنها وجوها وأعظمها أحلاما وأوسطها أنسابا وأقربها أرحاما
يا معشر قريش أنتم جيران بيت الله أكرمكم بولايته وخصكم بجواره دون بني إسماعيل وحفظ منكم أحسن ما حفظ جار من جاره فأكرموا ضيفه وزوار بيته فإنهم يأتونكم شعثا غبرا من كل بلد فورب هذه البنية لو كان لي مال يحمل ذلك لكفيتكموه ألا وإني مخرج من طيب مالي وحلاله ما لم يقطع فيه رحم ولم يؤخذ بظلم ولم يدخل فيه حرام فواضعه فمن شاء منكم أن يفعل مثل ذلك فعل وأسألكم بحرمة هذا البيت ألا يخرج رجل منكم من ماله لكرامة زوار بيت الله ومعونتهم إلا طيبا لم يؤخذ ظلما ولم يقطع فيه رحم ولم يغتصب

(1/74)


48 - خطبة هاشم بن عبد مناف في قريش وخزاعة
تنافرت قريش وخزاعة إلى هاشم بن عبد مناف فخطبهم بما أذعن له الفريقان بالطاعة فقال في خطبته
أيها الناس نحن آل إبراهيم وذرية إسماعيل وبنو النضر بن كنانة وبنو قصي بن كلاب وأرباب مكة وسكان الحرم لنا ذروة الحسب ومعدن المجد ولكل في كل حلف يجب عليه نصرته وإجابة دعوته إلا ما دعا إلى عقوق عشيرة وقطع رحم يا بني قصي أنتم كغصني شجرة أيهما كسر أوحش صاحبه والسيف لا يصان إلا بغمده ورامي العشيرة يصيبه سهمه ومن أمحكه اللجاج أخرجه إلى البغي
أيها الناس الحلم شرف والصبر ظفر والمعروف كنز والجود سؤدد والجهل سفه والأيام دول والدهر غير والمرء منسوب إلى فعله ومأخوذ بعمله فاصطنعوا المعروف تكسبوا الحمد ودعوا الفضول تجانبكم السفهاء وأكرموا الجليس يعمر ناديكم وحاموا الخليط يرغب في جواركم وأنصفوا من أنفسكم يوثق بكم وعليكم

(1/75)


بمكارم الأخلاق فإنها رفعة وإياكم والأخلاق الدنية فإنها تضع الشرف وتهدم المجد وإن نهنهة الجاهل أهون من جريرته ورأس العشيرة يحمل أثقالها ومقام الحليم عظة لمن انتفع به
فقالت قريش رضينا بك أبا نضلة وهي كنيته
49 - خطبة عبد المطلب بن هاشم
يهنئ سيف بن ذي يزن باسترداد ملكه من الحبشة
لما ظفر سيف بن ذي يزن بالحبشة أتته وفود العرب وأشرافها وشعراؤها تهنئه وتمدحه ومنهم وفد قريش وفيهم عبد المطلب بن هاشم فاستأذنه في الكلام فأذن له فقال
إن الله تعالى أيها الملك أحلك محلا رفيعا صعبا منيعا باذخا شامخا وأنبتك منبتا طابت أرومته وعزت جرثومته وثبت أصله وبسق فرعه في أكرم معدن وأطيب موطن فأنت أبيت اللعن رأس العرب وربيعها الذي به تخصب وملكها الذي به تنقاد وعمودها الذي عليه العماد ومعقلها الذي إليه يلجأ العباد سلفك خير سلف وأنت لنا بعدهم خير خلف ولن يهلك من أنت

(1/76)


خلفه ولن يخمل من أنت سلفه نحن أيها الملك أهل حرم الله وذمته وسدنة بيته أشخصنا إليك الذي أبهجك بكشف الكرب الذي فدحنا فنحن وفد التهنئة لا وفد المرزئة
50 - خطبة أبي طالب في زواج الرسول بالسيدة خديجة
خطب أبو طالب حين زواج النبي بالسيدة خديجة فقال
الحمد لله الذي جعلنا من زرع إبراهيم وذرية إسماعيل وجعل لنا بلدا حراما وبيتا محجوجا وجعلنا الحكام على الناس ثم إن محمد بن عبد الله ابن أخي من لا يوازن به فتى من قريش إلا رجح عليه برا وفضلا وكرما وعقلا ومجدا ونبلا وإن كان في المال قل فإنما المال ظل زائل وعارية مسترجعة وله في خديجة بنت خويلد رغبة ولها فيه مثل ذلك وما أحببتم من الصداق فعلى

(1/77)


خطب الكهان
51 - الكاهن الخزاعي ينفر هاشم بن عبد مناف على أمية بن عبد شمس
ولي هاشم بعد أبيه عبد مناف ما كان إليه من السقاية والرفادة فحسده أمية بن عبد شمس بن عبد مناف على رياسته وإطعامه وكان ذا مال فتكلف أن يصنع صنيع هاشم فعجز عنه فشمت به ناس من قريش فغضب ونال من هاشم ودعاه إلى المنافرة فكره هاشم ذلك لسنة وقدره فلم تدعه قريش حتى نافره على خمسين ناقة سود الحدق ينحرها ببطن مكة والجلاء عن مكة عشر سنين فرضى بذلك أمية وجعلا بينهما الكاهن الخزاعي وهو جد عمرو بن الحمق ومنزله بعسفان وكان مع أمية همهمة بن عبد العزى الفهرى وكانت ابنته عند أمية فقال الكاهن
والقمر الباهر والكوكب الزاهر والغمام الماطر وما بالجو من طائر وما اهتدى بعلم مسافر من منجد وغائر لقد سبق هاشم أمية إلى المآثر أول منه وآخر وأبو همهمة بذلك خابر

(1/78)


فقضى لهاشم بالغلبة وأخذ هاشم الإبل فنحرها وأطعمها وغاب أمية عن مكة بالشأم عشر سنين فكانت هذه أول عداوة وقعت بين هاشم وأمية
52 - عوف بن ربيعة الأسدي يتكهن بمقتل حجر بن الحارث
كان حجر بن الحارث أبو امرئ القيس ملك بني أسد وكان له عليهم إتاوة كل سنة لما يحتاج إليه فبقي كذلك دهرا ثم بعث إليهم من يجبي ذلك منهم وحجر يومئذ بتهامة فطردوا رسله وضربوهم فبلغ ذلك حجرا فسار إليهم فأخذ سرواتهم وخيارهم وجعل يقتلهم بالعصا فسموا عبيد العصا وأباح الأموال وصيرهم إلى تهامة وحبس جماعة من أشرافهم منهم عبيد بن الأبرص الشاعر فقال شعرا يستعطفه فيه ومنه قوله
( أنت المليك عليهم ... وهم العبيد إلى القيامة )
فرق لهم وعفا عنهم وردهم إلى بلادهم فلما صاروا على مسيرة يوم من تهامة تكهن كاهنهم وهو عوف بن ربيعة بن عامر الأسدي فقال لهم يا عبادي قالوا لبيك ربنا فقال من الملك الصلهب الغلاب غير المغلب في الإبل كأنها الربرب لا يقلق رأسه الصخب هذا دمه ينثعب وهو غدا أول من يستلب قالوا ومن هو ربنا قال لولا تجيش نفس جاشية لأخبرتكم أنه حجر ضاحية

(1/79)


فركبوا كل صعب وذلول حتى بلغوا عسكر حجر فهجموا عليه في قبته فقتلوه
53 - كاهن بني الحارث بن كعب يحذرهم غزو بني تميم
كان بنو تميم قد أغاروا على لطيمة لكسرى فيها مسك وعنبر وجوهر كثير فأوقع كسرى بهم وقتل المقاتلة وبقيت أموالهم وذراريهم في مساكنهم لا مانع لها وبلغ ذلك بني الحارث بن كعب من مذحج فمشى بعضهم إلى بعض وقالوا اغتنموا بني تميم فاجتمعت بنو الحارث وأحلافها من زيد وحزم بن ريان في عسكر عظيم وساروا يريدون بني تميم فحذرهم كاهن كان مع الحارث واسمه سلمة بن المغفل وقال
إنكم تسيرون أعقابا وتغزون أحبابا سعدا وربابا وتردون مياها جبابا فتلقون عليها ضرابا وتكون غنيمتكم ترابا فأطيعوا أمري ولا تغزوا تميما ولكنهم خالفوه وقاتلوا بني تميم فهزموا هزيمة نكراء

(1/80)


54 - أحد كهان اليمن يفصل في أمر هند بنت عتبة
كان الفاكه بن المغيرة المخزومي أحد فتيان قريش وكان قد تزوج هند بن عتبة وكان له بيت للضيافة يغشاه الناس فيه بلا إذن فقال يوما في ذلك البيت وهند معه ثم خرج عنها وتركها نائمة فجاء بعض من كان يغشى البيت فلما وجد المرأة نائمة ولى عنها فاستقبله الفاكه بن المغيرة فدخل على هند وأنبها وقال من هذا الخارج من عندك قالت والله ما انتبهت حتى أنبهتني وما رأيت أحدا قط قال الحقي بأبيك وخاض الناس في أمرهم فقال لها أبوها يا بنية العار وإن كان كذبا بثيني شأنك فإن كان الرجل صادقا دسست عليه من يقتله فيقطع عنك العار وإن كان كاذبا حاكمته إلى بعض كهان اليمن قالت والله يا أبت إنه لكاذب فخرج عتبة فقال إنك رميت ابنتي بشيء عظيم فإما أن تبين ما قلت وإلا فحاكمني إلى بعض كهان اليمن قال ذلك لك فخرج الفاكه في جماعة من رجال قريش ونسوة من بني مخزم وخرج عتبة في رجال ونسوة من بني عبد مناف فلما شارفوا بلاد الكاهن تغير وجه هند وكسف بالها فقال لها أبوها أي بنية ألا كان هذا قبل أن يشتهر في الناس خروجنا قالت يا أبت والله ما ذلك لمكروه قبلي ولكنكم تأتون بشرا يخطئ ويصيب ولعله أن يسمني بسمة تبقى على ألسنة العرب فقال لها أبوها صدقت ولكني سأخبره لك فصفر بفرسه فلما أدلى عمد إلى حبة بر فأدخلها في إحليله ثم أوكى عليها وسار فلما نزلوا على الكاهن أكرمهم ونحر لهم فقال له عتبة إنا أتيناك في أمر وقد خبأنا لك خبيئة فما هي قال برة في

(1/81)


كمرة قال أريد أبين من هذا قال حبة بر في إحليل مهر قال صدقت فانظر في أمر هؤلاء النسوة فجعل يمسح رأس كل واحدة منهن ويقول قومي لشأنك حتى إذا بلغ إلى هند مسح يده على رأسها وقال انهضي غير رقحاء ولا زانية وستلدين ملكا يسمى معاوية
فلما خرجت أخذ الفاكه بيدها فنثرت يده من يدها وقالت إليك عنى والله لأحرصن أن يكون ذلك الولد من غيرك فتزوجها أبو سفيان فولدت له معاوية
55 - خمسة نفر من طيئ يمتحنون سواد بن قارب الدوسي
خرج خمسة نفر من طيئ من ذوي الحجا والرأي منهم برج بن مسهر وهو أحد المعمرين وأنيف بن حارثة بن لأم وعبد الله بن سعد بن الحشرج أبو حاتم طييء وعارف الشاعر ومرة بن عبد رضى يريدون سواد بن قارب الدوسي ليمتحنوا علمه فلما قربوا من السراة قالوا ليخبأ كل رجل منا خبيئا ولا يخبر به صاحبه ليسأله عنه فإن أصاب عرفنا علمه وإن أخطأ ارتحلنا عنه فخبأ كل رجل منهم خبيئا ثم صاروا إليه فأهدوا له إبلا وطرفا من طرف الحيرة فضرب عليهم قبة ونحر لهم فلما مضت ثلاث دعا بهم فدخلوا عليه فتكلم برج وكان أسنهم فقال جادك السحاب وأمرع لك الجناب

(1/82)


وضفت عليك النعم الرغاب نحن أولو الآكال والحدائق والأغيال والنعم الجفال ونحن أصهار الأملاك وفرسان العراك يورى عنهم أنهم من بكر بن وائل
فقال سواد والسماء والأرض والغمر والبرض والقرض والفرض إنكم لأهل الهضاب الشم والنخيل العم والصخور الصم من أجأ العيطاء وسلمى ذات الرقبة السطعاء
قالوا إنا كذلك وقد خبأ لك كل رجل منا خبيئا لتخبرنا باسمه وخبيئه فقال لبرج أقسم بالضياء والحلك والنجوم والفلك والشروق والدلك لقد خبأت برثن فرخ في إعليط مرخ تحت آسرة الشرخ قال ما أخطأت شيئا فمن أنا قال أنت برج بن مسهر عصرة الممعر وثمال المحجر

(1/83)


ثم قام أنيف بن حارثة فقال ما خبييء وما اسمي فقال والسحاب والتراب والأصباب والأحداب والنعم والكثاب لقد خبأت قطامة فسيط وقذة مريط في مدرة من مدى مطيط قال ما أخطأت شيئا فمن أنا قال أنت أنيف قاري الضيف ومعمل السيف وخالط الشتاء بالصيف
ثم قام عبد الله بن سعد فقال ما خبيئي وما اسمي فقال سواد أقسم بالسوام العازب والوقير الكارب والمجد الراكب والمشيح الحارب لقد خبأت نفاثة فنن في قطيع قد مرن أو أديم قد جرن قال ما أخطأت حرفا فمن أنا قال أنت ابن سعد النوال عطاؤك سجال وشرك عضال وعمدك طوال وبيتك لا ينال
ثم قام عارف فقال ما خبيئى وما اسمي فقال سواد أقسم بنفنف اللوح

(1/84)


والماء المسفوح والفضاء المندوح لقد خبأت زمعة طلا أعفر في زعنفة أديم أحمر تحت حلس نضو أدبر قال ما أخطأت شيئا فمن أنا قال أنت عارف ذو اللسان العضب والقلب الندب والمضاء الغرب مناع السرب ومبيح النهب
ثم قام مرة بن عبد رضى فقال ما خبيئي وما اسمي فقال سواد أقسم بالأرض والسماء والبروج والأنواء والظلمة والضياء لقد خبأت دمة في رمة تحت مشيط لمة قال ما أخطأت شيئا فمن أنا قال أنت مرة السريع الكرة البطئ الفرة الشديد المرة
قالوا فأخبرنا بما رأينا في طريقنا إليك فقال والناظر من حيث لا يرى والسامع قبل أن يناجى والعالم بما لا يدري لقد عنت لكم عقاب عجزاء في شغانيب دوحة جرداء تحمل جدلا فتماريتم إما يدا وإما رجلا فقالوا كذلك ثم مه قال سنح لكم قبل طلوع الشرق سيد أمق

(1/85)


على ماء طرق قالوا ثم ماذا قال ثم تيس أفرق سند في أبرق فرماه الغلام الأزرق فأصاب بين الوابلة والمرفق
قالوا صدقت وأنت أعلم من تحمل الأرض ثم ارتحلوا عنه
56 - حديث مصاد بن مذعور القيني
كان مصاد بن مذعور القيني رئيسا قد أخذ مرباع قومه دهرا وكان ذا مال فند ذود من أذواد له فخرج في بغائها قال فإني لفي طلبها إذ هبطت واديا شجيرا كثيف الظلال وقد تفسخت أينا فأنخت راحلتي في ظل شجرة وحططت رحلي ورسغت بعيري واضطجعت في بردى فإذا أربع جوار كأنهن اللآلي يرعين بهما لهن فلما خالطت عيني السنة أقبلن حتى جلسن قريبا مني وفي كف كل واحدة منهن حصيات تقلبهن فخطت إحداهن ثم طرقت فقالت قلن يا بنات عراف في صاحب الجمل النياف والبرد الكثاف والجرم الخفاف ثم طرقت الثانية فقالت

(1/86)


مضل أذواد علاكد كوم صلاخد منهن ثلاث مقاحد وأربع جدائد شسف صمارد ثم طرقت الثالثة فقالت رعين الفرع ثم هبطن الكرع بين العقدات والجرع فقالت الرابعة ليهبط الغائط الأفيح ثم ليظهر في الملا الصحصح بين سدير وأملح فهناك الذود رتاع بمنعرج الأجرع قال فقمت إلى جملي فشددت عليه رحله وركبت ووالله ما سألتهن من هن ولا ممن هن فلما أدبرت قالت إحداهن أبرح فتى إن جد في طلب فماله غيرهن نشب وسيثوب عن كثب ففزع قلبي والله قولها فقلت وكيف هذا وقد خلفت بوادي عرجا عكامسا فركبت السمت الذي وصف لي حتى انتهيت إلى المواضع فإذا ذودي رواتع فضربت أعجازهن

(1/87)


حتى أشرفت على الوادي الذي فيه إبلي فإذا الرعاء تدعو بالويل فقلت ما شأنكم قالوا أغارت بهراء على إبلك فأسخفتها فأمسيت والله مالي قال غير الذود فرمى الله في نواصيهن بالرغس وإني اليوم لأكثر بني القين مالا
57 - حديث خنافر بن التوءم الحميري مع رئيه شصار
كان خنافر بن التوءم الحميري كاهنا وكان قد أوتي بسطة في الجسم وسعة في المال وكان عاتيا فلما وفدت وفود اليمن على النبي وظهر الإسلام أغار على إبل لمراد فاكتسحها وخرج بأهله وماله ولحق بالشحر فخالف جودان بن يحيى الفرضمي وكان سيدا منيعا ونزل بواد من أودية الشحر مخضبا كثير الشجر من الأيك والعرين قال خنافر وكان رئيي في الجاهلية لا يكاد يتغيب عنى فلما شاع الإسلام فقدته مدة طويلة وساءني ذلك فبينا أنا ليلة بذلك الوادي نائما إذ هوى هوى العقاب فقال خنافر فقلت شصار فقال اسمع أقل قلت قل أسمع فقال عه تغنم لكل مدة نهاية وكل ذي أمد إلى غاية قلت أجل فقال كل دولة إلى أجل ثم يتاح لها حول انتسخت النحل ورجعت إلى حقائقها الملل إنك سجير موصول والنصح لك مبذول وإني آنست بأرض الشأم نفرا من آل العذام حكاما على الحكام يذبرون ذارونق من الكلام ليس

(1/88)


بالشعر المؤلف ولا السجع المتكلف فأصغيت فزجرت فعاودت فظلفت فقلت بم تهينمون وإلام تعتزون قالوا خطاب كبار جاء من عند الملك الجبار فاسمع يا شصار عن أصدق الأخبار واسلك أوضح الآثار تنج من أوار النار فقلت وما هذا الكلام فقالوا فرقان بين الكفر والإيمان رسول من مصر من أهل المدر ابتعث فظهر فجاء بقول قد بهر وأوضح نهجا قد دثر فيه مواعظ لمن اعتبر ومعاذ لمن ازدجر ألف بالآى الكبر قلت ومن هذا المبعوث من مضر قال أحمد خير البشر فإن آمنت أعطيت الشبر وإن خالفت أصليت سقر فآمنت يا خنافر وأقبلت إليك أبادر فجانب كل كافر وشايع كل مؤمن طاهر وإلا فهو الفراق لا عن تلاق قلت من اين أبغي هذا الدين قال من ذات الإحرين والنفر اليمانين أهل الماء والطين قلت أوضح قال الحق بيثرب ذات النخل والحرة ذات النعل فهناك أهل الطول والفضل والمواساة والبذل ثم املس عنى فبت مذعورا أراعي الصباح فلما برق لي النور امتطيت راحلتي وآذنت أعبدي واحتملت بأهلي حتى وردت الجوف فرددت الإبل على أربابها بحولها وسقابها وأقبلت أريد صنعاء فأصبت بها معاذ بن جبل أميرا لرسول الله فبايعته على الإسلام وعلمني سورا من القرآن فمن الله علي بالهدى بعد الضلالة والعلم بعد الجهالة

(1/89)


58 - شافع بن كليب الصدفي يتكهن بظهور النبي
قدم على تبع الآخر ملك اليمن قبل خروجه لقتال المدينة شافع بن كليب الصدفي وكان كاهنا فقال له تبع هل تجد لقوم ملكا يوازي ملكي قال لا إلا ملك غسان قال فهل تجد ملكا يزيد عليه قال
أجده لبار مبرور ورائد بالقهور ووصف في الزبور فضلت

(1/90)


أمته في السفور يفرج الظلم بالنور أحمد النبي طوبى لأمته حين يجي أحد بني لؤي ثم أحد بني قصي
فنظر تبع في الزبور فإذا هو يجد صفة النبي
59 - سطيح الذئبي يعبر رؤيا ربيعة بن نصر اللخمي
ورأى ربيعة بن نصر اللخمي ملك اليمن وقد ملك بعد تبع الآخر رؤيا هالته فلم يدع كاهنا ولا ساحرا ولا عائفا ولا منجما من أهل مملكته إلا جمعه إليه فقال لهم إني قد رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها فأخبروني بها وبتأويلها قالوا له اقصصها علينا نخبرك بتأويلها قال إني إن أخبرتكم بها لم أطمئن إلى خبركم عن تأويلها فإنه لا يعرف تأويلها إلا من عرفها قبل أن أخبره بها فقال له رجل منهم فإن كان الملك يريد هذا فليبعث إلى سطيح وشق فإنه ليس أحد أعلم منهما فيها يخبرانه بما سأل عنه فبعث إليهما فقدم عليه سطيح قبل شق فقال له إني قد رأيت رؤيا

(1/91)


هالتني وفظعت بها فأخبرني بها فإنك إن أصبتها أصبت تأويلها قال أفعل رأيت حممة خرجت من ظلمة فوقعت بأرض تهمة فأكلت منها كل ذات جمجمة فقال له الملك ما أخطأت منها شيئا يا سطيح فما عندك في تأويلها فقال أحلف بما بين الحرتين من حنش ليهبطن أرضكم الحبش فليملكن ما بين أبين إلى جرش فقال له الملك وأبيك يا سطيح إن هذا لنا لغائط موجع فمتى هو كائن أفي زماني هذا أم بعده قال لا بل بعده بحين أكثر من ستين أو سبعين يمضين من السنين قال أفيدوم ذلك من ملكهم أم ينقطع قال لا بل ينقطع لبضع وسبعين من السنين ثم يقتلون بها أجمعين ويخرجون منها هاربين قال ومن يلي ذلك من قتلهم إخراجهم قال يليه إرم ذي يزن يخرج عليهم من عدن فلا يترك أحدا منهم باليمن قال أفيدوم ذلك من سلطانه أم ينقطع قال بل ينقطع قال ومن يقطعه قال نبي زكي يأتيه الوحي من قبل العلى قال وممن هذا النبي قال رجل من ولد غالب بن فهر بن مالك ابن النضر يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر قال وهل للدهر من آخر قال

(1/92)


نعم يوم يجمع فيه الأولون والآخرون يسعد فيه المحسنون ويشقى فيه المسيئون
قال أحق ما تخبرنا يا سطيح قال نعم والشفق والغسق والفلق إذا انشق إن ما أنبأتك به لحق
60 - شق أنمار يعبر رؤيا ربيعة بن نصر أيضا
ثم قدم عليه شق فقال له كقوله لسطيح وكتمه ما قال سطيح لينظر أيتفقان أم يختلفان قال نعم رأيت حممة خرجت من ظلمة فوقعت بين روضة وأكمه فأكلت منها كل ذات نسمة
فلما سمع الملك ذلك قال ما أخطأت يا شق منها شيئا فما عندك في تأويلها قال أحلف بما بين الحرتين من إنسان لينزلن أرضكم السودان فليغلبن على كل طفلة البنان وليملكن ما بين أبين إلى نجران فقال له الملك وأبيك يا شق إن هذا لنا لغائظ موجع فمتى هو كائن أفي زماني أم بعده قال لا بعده بزمان ثم يستنقذكم منهم عظيم ذوشان ويذيقهم أشد الهوان قال ومن هذا العظيم الشأن قال غلام ليس بدنى ولا مدن يخرج عليهم من بيت ذي يزن قال أفيدوم سلطانه أم ينقطع قال بل ينقطع برسول

(1/93)


مرسل يأتي بالحق والعدل بين أهل الدين والفضل يكون الملك في قومه إلى يوم الفصل قال وما يوم الفصل قال يوم تجزى فيه الولاة يدعى فيه من السماء بدعوات يسمع منها الأحياء والأموات ويجمع فيه بين الناس للميقات يكون فيه لمن اتقى الفوز والخيرات قال أحق ما تقول قال إي ورب السماء والأرض وما بينهما من رفع وخفض إن ما أنبأتك به لحق ما فيه أمض
فوقع في نفس ربيعة بن نصر ما قالا فجهز بنيه وأهل بيته إلى العراق بما يصلحهم وكتب لهم إلى ملك من ملوك فارس يقال له سابور فأسكنهم بالحيرة فمن بقية ولده النعمان بن المنذر ملك الحيرة وهو النعمان بن المنذر بن النعمان بن المنذر بن عمرو بن امرئ القيس بن عمرو بن عدي بن ربيعة بن نصر
61 - وفود عبد المسيح بن بقيلة على سطيح
عن ابن عباس رضي الله عنه قال
لما كان ليلة ولد النبي ارتج إيوان كسرى فسقطت منه أربع عشرة شرفة فعظم ذلك على أهل مملكته فما كان أوشك أن كتب إليه

(1/94)


صاحب اليمن يخبره أن بحيرة ساوة غاضت تلك الليلة وكتب إليه صاحب السماوة يخبره أن وادي السماوة انقطع تلك الليلة وكتب إليه صاحب طبرية أن الماء لم يجر تلك الليلة في بحيرة طبرية وكتب إليه صاحب فارس يخبره أن بيوت النيرات خمدت تلك الليلة ولم تخمد قبل ذلك بألف سنة فلما توارت الكتب أبرز سريره وظهر لأهل مملكته فأخبرهم الخبر فقال الموبذان أيها الملك إني رأيت تلك الليلة رؤيا هالتني قال له وما رأيت قال رأيت إبلا صعابا تقود خيلا عرابا قد اقتحمت دجلة وانتشرت في بلادنا قال رأيت عظيما فما عندك في تأويلها قال ما عندي فيها ولا في تأويلها شيء ولكن أرسل إلى عاملك بالحيرة يوجه إليك رجلا من علمائهم فإنهم أصحاب علم بالحدثان فبعث إليه عبد المسيح بن بقيلة الغساني
فلما قدم عليه أخبره كسرى الخبر فقال له أيها الملك والله ما عندي فيها ولا في تأويلها شيء ولكن جهزني إلى خال لي بالشام يقال له سطيح قال جهزوه فلما قدم إلى سطيح وجده قد احتضر فناداه فلم يجبه وكلمه فلم يرد عليه فقال عبد المسيح
( أصم أم يسمع غطريف اليمن ... يا فاضل الخطة أعيت من ومن )
( أتاك شيخ الحي من آل سنن ... أبيض فضفاض الرداء والبدن )
( رسول قيل العجم يهوى للوثن ... لا يرهب الرعد ولا ريب الزمن )

(1/95)


فرفع إليه رأسه وقال عبد المسيح على جمل مشيح إلى سطيح وقد أوفي على الضريح بعثك ملك بني ساسان لارتجاج الإيوان وخمود النيران ورؤيا الموبذان رأى إبلا صعابا تقود خيلا عرابا قد اقتحمت في الواد وانتشرت في البلاد
يا عبد المسيح إذا كثرت التلاوة وظهر صاحب الهراوة وفاض وادى السماوة وغاضت بحيرة ساوة وخمدت نار فارس فليست بابل للفرس مقاما ولا الشام لسطيح شاما يملك منهم ملوك وملكات عدد سقوط الشرفات وكل ما هو آت آت ثم قال
( إن كان ملك بني ساسان أفرطهم ... فإن ذا الدهر أطوارا دهارير )
( منهم بنو الصرح بهرام وإخوته ... والهرمزان وسابور وسابور )
( فربما أصبحوا يوما بمنزلة ... تهاب صولهم الأسد المهاصير )
( حثوا المطي وجدوا في رحالهم ... فما يقوم لهم سرج ولا كور )
( والناس أولاد علات فمن علموا ... أن قد أقل فمحقور ومهجور )
( والخير والشر مقرونان في قرن ... فالخير متبع والشر محذور )

(1/96)


ثم أتى كسرى فأخبره بما قاله سطيح فغمه ذلك ثم تعزى فقال إلى أن يملك منا أربعة عشر ملكا يدور الزمان فهلكوا كلهم في أربعين سنة وكان آخر من هلك منهم في أول خلافة عثمان رضي الله عنه
62 - شق وسطيح ينبئان بأصل ثقيف
عن ابن الكلبي قال كان قسي وهو ثقيف مقيما باليمن فضاق عليه موضعه ونبا به فأتى الطائف وهو يومئذ منازل فهم وعدوان بني عمرو بن قيس ابن عيلان فانتهى إلى الظرب العدواني فوجده نائما تحت شجرة فأيقظه وقال من أنت قال أنا الظرب قال على ألية إن لم أقتلك أو تحلف لي لتزوجني ابنتك ففعل وانصرف الظرب وقسي معه فلقيه ابنه عامر بن الظرب فقال من هذا معك يا أبت فقص قصته قال عامر لله أبوه لقد ثقف أمره فسمى يومئذ

(1/97)


ثقيفا وعير الظرب بتزويجه قسيا وقيل زوجت عبدا فسار إلى الكهان يسألهم فانتهى إلى شق بن مصعب البجلى وكان أقربهم منه فلما انتهى إليه قال إنا قد جئناك في أمر فما هو قال جئتم في قسي وقسي عبد إياد أبق ليلة الواد في وج ذات الأنداد فوالي سعدا ليفاد ثم لوى بغير معاد يعنى سعد بن قيس ابن عيلان بن مضر ثم توجه إلى سطيح الذئبي حي من غسان ويقال إنهم حي من قضاعة نزول في غسان فقالوا إنا جئناك في أمر فما هو قال جئتم في قسي وقسي من ولد ثمود القديم ولدته أمه بصحراء تريم فالتقطه إياد وهو عديم فاستعبده وهو مليم
فرجع الظرب وهو لا يدري ما يصنع في أمره وقد وكد عليه في الحلف والتزويج وكانوا على كفرهم يوفون بالقول فلهذا يقول من قال إن ثقيفا من ثمود لأن إيادا من ثمود
63 - تنافر عبد المطلب بن هاشم والثقفيين إلى عزى سلمة الكاهن
كان لعبد الملك بن هاشم مال بالطائف يقال له ذو الهرم فغلبه عليه خندف ابن الحارث الثقفي فنافرهم عبد المطلب إلى عزى سلمة الكاهن أو إلى نفيل ابن عبد العزى جد عمر بن الخطاب فخرج عبد المطلب مع ابنه الحرث وليس له يومئذ غيره وخرج الثقفيون مع صاحبهم وحرب بن أمية معهم على عبد المطلب فنفد ماء عبد المطلب فطلب إليهم أن يسقوه فأبوا فبلغ العطش منه كل مبلغ وأشرف

(1/98)


على الهلاك فبينا عبد المطلب يثير بعيره ليركب إذ فجر الله له عينا من تحت جرانه فحمد الله وعلم أن ذلك منه فشرب وشرب أصحابه ريهم وتزودوا منه حاجتهم ونفد ماء الثقفيين فطلبوا إلى عبد المطلب أن يسقيهم فأنعم عليهم فقال له ابنه الحارث لأنحنين على سيفي حتى يخرج من ظهري فقال عبد المطلب لأسقينهم فلا تفعل ذلك بنفسك فسقاهم ثم انطلقوا حتى أتوا الكاهن وقد خبئوا له رأس جرادة في خرزة مزادة وجعلوه في قلادة كلب لهم يقال له سوار فلما أتوا الكاهن إذا هم ببقرتين تسوقان بينهما بخرجا كلتاهما تزعم أنه ولدها ولدتا في ليلة واحدة فأكل النمر أحد البخرجين فهما ترأمان الباقي فلما وقفتا بين يديه قال الكاهن هل تدرون ما تريد هاتان البقرتان قالوا لا قال الكاهن ذهب به ذو جسد أربد وشدق مرمع وناب معلق ما للصغرى في ولد الكبرى حق فقضى به للكبرى ثم قال ما حاجتكم قالوا قد خبأنا لك خبئا فأنبئنا عنه ثم نخبرك بحاجتنا قال خبأتم لي شيئا طار فسطع فتصوب فوقع في الأرض منه بقع فقالوا لاده أي بينه
قال هو شيء طار فاستطار ذو ذنب جرار وساق كالمنشار ورأس كالمسمار فقالوا لاده قال إن لاده فلاده هو

(1/99)


رأس جرادة في خرز مزادة في عنق سوار ذي القلادة قالوا صدقت فأخبرنا فيم اختصمنا إليك قال أحكم بالضياء والظلم والبيت والحرم أن المال ذا الهرم للقرشي ذي الكرم فقضى بينهم ورجعوا إلى منازلهم على حكمه
وروى الجاحظ لعزى سلمة أنه قال
والأرض والسماء والعقاب والصقعاء واقعة ببقعاء لقد نفر المجد بني العشراء للمجد والسناء
64 - منافرة عبد المطلب بن هاشم وحرب بن أمية
تنافر عبد المطلب بن هاشم وحرب بن أمية إلى النجاشي ملك الحبشة فأبى أن ينفر بينهما فجعلا بينهما نفيل بن عبد العزى بن رياح فقال لحرب

(1/100)


يا أبا عمرو أتنافر رجلا هو أطول منك قامة وأعظم منك هامة وأوسم منك وسامة وأقل منك ملامة وأكثر منك ولدا وأجزل صفدا وأطول منك مذودا وإني لأقول هذا وإنك لبعيد الغضب رفيع الصوت في العرب جلد المريرة جليل العشيرة ولكنك نافرت منفرا
فغضب حرب وقال إن من انتكاس الزمان أن جعلت حكما
65 - ما أمر به عبد المطلب بن هاشم في منامه من حفر زمزم
ولي عبد المطلب بن هاشم السقاية والرفادة بعد عمه المطلب وشرف في قومه وعظم شأنه ثم إنه حفر زمزم وهي بئر إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام التي أسقاه الله منها وكانت جرهم قد دفنتها وكان سبب حفره إياها أنه قال بينا أنا نائم بالحجر إذ أتاني آت فقال احفر طيبة قلت وما طيبة فذهب وتركني فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه فجاءني فقال احفر برة قلت وما برة فذهب وتركني فلما كان من الغد رجعت إلى مضجعي

(1/101)


فنمت فيه فجاءني فقال احفر المضنونة قلت وما المضنونة فذهب عني فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه فجاءني فقال احفر زمزم إنك إن حفرتها لا تندم فقلت وما زمزم قال تراث من أبيك الأعظم لا تنزف أبدا ولا تذم تسقي الحجيج الأعظم مثل نعام جافل لم يقسم ينذر فيها ناذر لمنعم تكون ميراثا وعقد محكم ليس كبعض ما قد تعلم وهي بين الفرث والدم عند نقرة الغراب الأعصم عند قرية النمل
فلما بين له شأنها ودله على موضعها وعرف أنه قد صدق غدا بمعوله ومعه ابنه الحارث ليس له ولد غيره فحفر بين أساف ونائلة في الموضع الذي تنحر فيه قريش لأصنامها وقد رأى الغراب ينقر هناك فلما بدا له الطوى كبر فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته

(1/102)


خطب الكواهن
66 - الشعثاء الكاهنة تصف سبعة إخوة
كانت عثمة بنت مطرود البجلية ذات عقل ورأي مستمع في قومها وكانت لها أخت يقال لها خود وكانت ذات جمال وميسم وعقل فخطب سبعة إخوة غلمة من بطن الأزد خودا إلى أبيها فأتوه وعليهم الحلل اليمانية وتحتهم النجائب الفرة فقالوا نحن بنو مالك بن غفيلة ذي النحيبن فقال لهم انزلوا على الماء فنزلوا ليلتهم ثم أصبحوا غادين في الحلل والهيئة ومعهم ربيبة لهم يقال لها الشعثاء كاهنة فمروا بوصيدها يتعرضون لها وكلهم وسيم جميل وخرج أبوها فجلسوا إليه فرحب بهم فقالوا بلغنا أن لك بنتا ونحن كما ترى شباب وكلنا يمنع الجانب ويمنح الراغب فقال أبوها كلكم خيار فأقيموا نرى رأينا ثم دخل على ابنته فقال ما ترين فقد أتاك هؤلاء القوم فقالت أنكحني على قدري ولا تشطط في مهري فإن تخطئني أحلامهم لا تخطئني أجسامهم لعلي أصيب ولدا وأكثر عددا فخرج أبوها فقال أخبروني عن أفضلكم
قالت ربيبتهم الشعثاء الكاهنة اسمع أخبرك عنهم هم إخوة وكلهم أسوة

(1/103)


أما الكبير فمالك جرئ فاتك يتعب السنابك ويستصغر المهالك وأما الذي يليه فالغمر بحر غمر يقصر دونه الفخر نهد صقر وأما الذي يليه فعلقمة صليب المعجمة منيع المشتمة قليل الجمجمة وأما الذي يليه فعاصم سيد ناعم جلد صارم أبي حازم جيشه غانم وجاره سالم وأما الذي يليه فثواب سريع الجواب عتيد الصواب كريم النصاب كليث الغاب وأما الذي يليه فمدرك بذول لما يملك عزوب عما يترك يفنى ويهلك وأما الذي يليه فجندل لقرنه مجدل مقل لما يحمل يعطى ويبذل وعن عدوه لا ينكل
فشاورت أختها فيهم فقالت أختها عثمة ترى الفتيان كالنخل وما يدريك ما الدخل اسمعي منى كلمة إن شر الغريبة يعلن وخيرها يدفن انكحي في قومك ولا تغررك الأجسام فلم تقبل منها وبعثت إلى أبيها أنكحنى مدركا فأنكحها أبوها على مائة ناقة ورعاتها وحملها مدرك فلم تلبث عنده إلا قليلا حتى صبحهم فوارس من بني مالك بن كنانة فاقتتلوا ساعة ثم إن زوجها وإخوته وبني عامر انكشفوا فسبوها فيمن سبوا فبينما هي تسير بكت فقالوا ما يبكيك أعلى فراق زوجك قالت قبحه الله قالوا لقد كان جميلا قالت قبح الله جمالا

(1/104)


لانفع معه إنما أبكي على عصياني أختى وقولها ترى الفتيان كالنخل وما يدريك ما الدخل وأخبرتهم كيف خطبوها فقال لها رجل منهم يكنى أبا نواس شاب أسود أفوه مضطرب الخلق أترضين بي على أن أمنعك من ذئاب العرب فقالت لأصحابه أكذلك هو قالوا نعم إنه مع ما ترين ليمنع الحليلة وتتقيه القبيلة قالت هذا أجمل جمال وأكمل كمال قد رضيت به فزوجوها منه
67 - طريفة الخير تتكهن بسيل العرم وخراب سد مأرب
قال عبد الملك بن عبد الله بن بدرون في شرح قصيدة الوزير عبد المجيد بن عبدون التي قالها في رثاء دولة بني الأفطس بالأندلس
كان أول من خرج من اليمن في أول تمزيقهم عمرو بن عامر مزيقياء وكان سبب خروجه أنه كانت له زوجة كاهنة يقال لها طريفة الخير وكانت رأت في منامها أن سحابة غشيت أرضهم فأرعدت وأبرقت ثم صعقت فأحرقت كل ما وقعت عليه ففزعت طريفة لذلك فزعا شديدا وأتت الملك عمرا وهي تقول ما رأيت اليوم أزال عني النوم رأيت غيما رعد وبرق طويلا ثم صعق فما وقع على شيء إلا احترق فلما رأى ما داخلها من الفزع سكنها ثم إن عمرا دخل حديقة له ومعه جاريتان من جواريه فبلغ ذلك طريفة فخرجت إليه وخرج معها وصيف لها اسمه سنان فلما برزت من بيتها عرض لها ثلاث مناجيد منتصبات على

(1/105)


أرجلهن واضعات أيديهن على أعينهن وهي دواب تشبه اليرابيع فقعدت إلى الأرض واضعة يديها على عينيها وقالت لوصيفها إذا ذهبت هذه المناجيد فأخبرني فلما ذهبت أعلمها فانطلقت مسرعة فلما عارضها خليج الحديقة التي فيها عمرو وثبت من الماء سلحفاة فوقعت في الطريق على ظهرها وجعلت تروم الانقلاب فلا تستطيع وتستعين بذنبها فتحثو التراب على بطنها من جنباته وتقذف بالبول قذفا فلما رأتها طريفة جلست إلى الأرض فلما عادت السلحفاة إلى الماء مضت إلى أن دخلت على عمرو وذلك حين انتصف النهار في ساعة شديدة الحر فإذا الشجر يتكفأ من غير ريح فلما رآها عمرو استحيا منها وأمر الجاريتين بالتنحي ثم قال لها يا طريفة فكهنت وقالت والنور والظلماء والأرض والسماء إن الشجر لهالك وليعودن الماء كما كان في الزمان السالك قال عمرو ومن خبرك بهذا قالت أخبرتني المناجد بسنين شدائد يقطع فيها الولد الوالد قال ما تقولين قالت أقول قول الندمان لهفا لقد رأيت سلحفا تجرف التراب جرفا وتقذف بالبول قذفا فدخلت الحديقة فإذا الشجر من غير ريح يتكفا قال عمرو وما ترين قالت داهية دهياء من أمور جسيمة ومصائب عظيمة قال وما هو ويلك قالت أجل إن فيه الويل وما لك فيه من قيل وإن الويل فيما يجىء به السيل فألقى عمرو نفسه عن فراشه وقال ما هذا يا طريفة قالت هو خطب جليل وحزن طويل وخلف قليل قال وما علامة ما تذكرين قالت اذهب إلى السد فإذا رأيت جرذا يكثر بيديه في السد الحفر ويقلب برجليه من أجل الصخر فاعلم أن غمر الغمر

(1/106)


وأن قد وقع الأمر قال وما هذا الذى تذكرين قالت وعد من الله نزل وباطل بطل ونكال بنا نكل فبغيرك يا عمرو فليكن الثكل فانطلق عمرو فإذا الجرذ يقلب برجليه صخرة ما يقلبها خمسون رجلا كذا فرجع إلى طريفة فأخبرها الخبر وهو يقول
( أبصرت أمرا عادنى منه ألم ... وهاج لي من هوله برح السقم )
( من جرذ كفحل خنزير الأجم ... أو كبش صرم من أفاريق الغنم )
( يسحب صخرا من جلاميد العرم ... له مخاليب وأنياب قضم )
( ما فاته سحلا من الصخر قصم )
فقالت طريفة وإن من علامات ما ذكرت لك أن تجلس فتأمر بزجاجة فتوضع بين يديك فإن الريح تملؤها من تراب البطحاء من سهلة الوادي ورمله وقد علمت أن الجنان مظللة لا يدخلها شمس ولا ريح فأمر عمرو بزجاجة فوضعها بين يديه ولم يمكث إلا قليلا حتى امتلأت من تراب البطحاء فأخبر عمرو طريفة بذلك وقال لها متى يكون هلك السد قالت له فيما بينك وبين سبع سنين قال ففي أيها يكون قالت لا يعلم بذلك إلا الله ولو علمه أحد لعلمته ولا تأتى على ليلة فيما بيني وبين سبع سنين إلا ظننت الهلاك في غدها أو في مسائها ثم رأى عمرو فى نومه سيل العرم وقيل له آية ذلك أن ترى الحصباء في سعف النخل فنظر إليها فوجد الحصباء فيها قد

(1/107)


ظهرت فعلم أن ذلك واقع وأن بلادهم ستخرب فكتم ذلك وأخفاء وأجمع على بيع كل شئ له بأرض مأرب وأن يخرج منها هو وولده فخرج ثم أرسل الله تعالى على السد السيل فهدمه

(1/108)


وقال أبو الفرج الأصبهاني في الأغاني
وسارت القبائل من أهل مأرب حين خافوا سيل العرم وعليهم مزيقياء ومعهم طريفة الكاهنة فقالت لهم
لا تؤموا مكة حتى أقول وما علمني ما أقول إلا الحكيم المحكم رب جميع الأمم من عرب وعجم قالوا لها ما شأنك يا طريفة قالت خذوا البعير الشدقم فخضبوه بالدم تكن لكم أرض جرهم جيران بيته المحرم
وروى الميداني في مجمع الأمثال قال
ألقت طريفة الكاهنة إلى عمرو بن عامر الذي يقال له مزيقيا بن ماء السماء وكانت قد رأت في كهانتها أن سد مأرب سيخرب وأنه سيأتي سيل العرم فيخرب الجنتين فباع عمرو بن عامر أمواله وسار هو وقومه حتى انتهوا إلى مكة فأقاموا بمكة وما حولها فأصابتهم الحمى وكانوا ببلد لا يدرون فيه ما الحمى فدعوا طريفة فشكوا إليها الذي أصابهم فقالت لهم قد أصابني الذي تشكون وهو مفرق بيننا قالوا فما تأمرين قالت

(1/109)


من كان منكم ذا هم بعيد وجمل شديد ومزاد جديد فليلحق بقصر عمان المشيد فكانت أزد عمان ثم قالت من كان منكم ذا جلد وقسر وصبر على أزمات الدهر فعليه بالأراك من بطن مر فكانت خزاعة ثم قالت من كان منكم يريد الراسيات في الوحل المطعمات في المحل فليلحق بيثرب ذات النخل فكانت الأوس والخزرج ثم قالت من كان منكم يريد الخمر الخمير والملك والتأمير ويلبس الديباج والحرير فليلحق ببصرى وغوير وهما من أرض الشام فكان الذين سكنوها من آل جفنة من غسان ثم قالت من كان منكم يريد الثياب الرقاق والخيل العتاق وكنوز الأرزاق والدم المهراق فليلحق بأرض العراق فكان الذين سكنوها آل جذيمة الأبرش ومن كان بالحيرة وآل محرق
68 - حديث زبراء الكاهنة مع بني رئام من قضاعة
كان ثلاثة أبطن من قضاعة مجتورين بين الشحر وحضرموت بنو ناعب وبنو داهن وبنو رئام وكانت بنو رئام أقلهم عددا وأشجعهم لقاء وكانت لبني رئام عجوز تسمى خويلة وكانت لها أمة من مولدات العرب تسمى زبراء وكان يدخل على خويلة أربعون رجلا كلهم لها محرم بنو إخوة وبنو أخوات وكانت خويلة عقيما وكان بنو ناعب وبنو داهن متظاهرين على بني رئام فاجتمع بنو رئام ذات يوم في عرس لهم وهم سبعون رجلا كلهم شجاع بئيس فطعموا وأقبلوا على شرابهم وكانت

(1/110)


زبراء كاهنة فقالت لخويلة انطلقي بنا إلى قومك أنذرهم فأقبلت خويلة تتوكأ على زبراء فلما أبصرها القوم قاموا إجلالا لها فقالت يا ثمر الأكباد وأنداد الأولاد وشجا الحساد هذه زبراء تخبركم عن أنباء قبل انحسارالظلماء بالمؤيد الشنعاء فاسمعوا ما تقول قالوا وما تقولين يا زبراء قالت
واللوح الخافق والليل الغاسق والصباح الشارق والنجم الطارق والمزن الوادق إن شجر الوادي ليأدو ختلا ويخرق أنيابا عصلا وإن صخر الطود لينذر ثكلا لا تجدون عنه معلا
فوافقت قوما أشارى سكارى فقالوا ريح خجوج بعيدة ما بين الفروج أتت زبراء بالأبلق النتوج
فقالت زبراء مهلا يا بني الأعزة والله إنى لأشم ذفر الرجال تحت الحديد

(1/111)


فقال لها فتى منهم يقال له هذيل بن منقذ يا خذاق والله ما تشمين إلا ذفر إبطيك فانصرفت عنهم وارتاب قوم من ذوي أسنانهم فانصرف منهم أربعون رجلا وبقي ثلاثون فرقدوا في مشربهم وطرقتهم بنو داهن وبنو ناعب فقتلوهم أجمعين وأقبلت خويلة مع الصباح فوقفت على مصارعهم ثم عمدت إلى خناصرهم فقطعتها وانتظمت منها قلادة وألقتها في عنقها وخرجت حتى لحقت بمرضاوى بن سعوة المهري وهو ابن أختها فأناخت بفنائه فاستعدته على بني داهن وبني ناعب فخرج في منسر من قومه فطرقهم فأوجع فيهم
69 - كاهنة ذي الخلصة تتكهن بما في بطن رقية بنت جشم
زعموا أن رقية بنت جشم بن معاوية ولدت نميرا وهلالا وسواءة ثم اعتاطت فأتت كاهنة بذي الخلصة فأرتها بطنها وقالت إني قد ولدت ثم اعتطت فنظرت إليها ومست بطنها وقالت
رب قبائل فرق ومجالس حلق وظعن حزق في بطنك زق

(1/112)


فلما مخضت بربيعة بن عامر قالت إني أعرف ضرطي بهلال أي هو غلام كما أن هلالا كان غلاما
70 - رأى سلمى الهمدانية في حريم المرادى
أغار رجل من مراد يقال له حريم على إبل عمرو بن براقة الهمداني وخيل له فذهب بها فأتى عمرو سلمى الهمدانية وكانت بنت سيدهم وعن رأيها كانوا يصدرون فأخبرها أن حريما المرادى أغار على إبله وخيله فقالت والخفو والوميض والشفق كالإحريض والقلة والحضيض إن حريما لمنيع الحيز سيد مزيز ذو معقل حريز غير أني أرى الحمة ستظفر منه بعثرة بطيئة الجبرة فأغر ولا تنكع فأغار عمرو فاستاق كل شيء له فأتى حريم بعد ذلك يطلب إلى عمرو أن يرد عليه بعض ما أخذ منه فامتنع ورجع حريم

(1/113)


71 - تنافر العجفاء بنت علقمة وصواحباتها إلى الكاهنة السعدية
روى أن العجفاء بنت علقمة السعدي وثلاث نسوة من قومها خرجن فاتعدن بروضة يتحدثن فيها فوافين بها ليلا في قمر زاهر وليلة طلقة ساكنة وروضة معشبة خصبة فلما جلسن قلن ما رأينا كالليلة ليلة ولا كهذه الروضة روضة اطيت ريحا ولا أنضر ثم افضن في الحديث فقلن أي النساء أفضل قالت إحداهن الخرود الودود الولود قالت الأخرى خيرهن ذات الغناء وطيب الثناء وشدة الحياء قالت الثالثة خيرهن السموع الجموع النفوع غير المنوع قالت الرابعة خيرهن الجامعة لأهلها الوادعة الرافعة لا الواضعة قلن فأي الرجال أفضل قالت إحداهن خيرهم الحظ الرضى غير الحظل البطى
قالت الثانية خيرهم السيد الكريم ذو الحسب العميم والمجد القديم قالت الثالثة خيرهم السخي الوفي الرضي الذي لا يغير الحرة ولا يتخذ الضرة قالت الرابعة وأبيكن إن في أبي لنعتكن كرم الأخلاق والصدق عند التلاق والفلج عند السباق ويحمده أهل الرفاق قالت العجفاء عند ذلك كل فتاة بأبيها معجبة
وفي بعض الروايات أن إحداهن قالت إن أبي يكرم الجار ويعظم الخطار وينحر العشار بعد الحوار ويحمل الأمور الكبار ويأنف من الصغار فقالت

(1/114)


الثانية إن أبي عظيم الخطر منيع الوزر عزيز النفر يحمد منه الورد والصدر فقالت الثالثة إن أبي صدوق اللسان حديد الجنان رذوم الجفان كثير الأعوان يروى السنان عند الطعان قالت الرابعة إن أبي كريم النزال منيف المقال كثير النوال قليل السؤال كريم الفعال
ثم تنافرن إلى كاهنة معهن في الحي فقلن لها اسمعي ما قلنا واحكمي بيننا واعدلي ثم أعدن عليها قولهن فقالت لهن كل واحدة منكن ماردة بأبيها واجدة على الإحسان جاهدة لصواحباتها حاسدة ولكن اسمعن قولي خير النساء المبقية على بعلها الصابرة على الضراء مخافة أن ترجع إلى أهلها مطلقة فهي تؤثر حظ زوجها على حظ نفسها فتلك الكريمة الكاملة وخير الرجال الجواد البطل القليل الفشل إذا سأله الرجل ألفاه قليل العلل كثير النفل ثم قالت كل واحدة منكن بأبيها معجبة
72 - عفيراء الكاهنة تعبر رؤيا مرثد بن عبد كلال
روى أن مرثد بن عبد كلال قفل من غزاة عزاها بغنائم عظيمة فوفد عليه زعماء العرب وشعراؤها وخطباؤها يهنئونه فرفع الحجاب عن الوافدين وأوسعهم عطاء واشتد سروره بهم فبينما هو كذلك إذ نام يوما فرأى رؤيا في المنام أخافته وأذعرته وهالته في حال منامه فلما انتبه أنسيها حتى لم يذكر منها شيئا وثبت ارتياعه في نفسه بها فانقلب سروره حزنا واحتجب عن الوفود حتى أساءوا به الظن ثم إنه حشر الكهان فجعل يخلو بكاهن كاهن ثم يقول له أخبرني عما أريد أن أسألك عنه

(1/115)


فيجيبه الكاهن بأن لا علم عندي حتى لم يدع كاهنا علمه إلا كان إليه منه ذلك فتضاعف قلقه وطال أرقه وكانت أمه قد تكهنت فقالت له أبيت اللعن أيها الملك إن الكواهن أهدى إلى ما تسأل عنه لأن أتباع الكواهن من الجان ألطف وأظرف من أتباع الكهان فأمر بحشر الكواهن إليه وسألهن كما سأل الكهان فلم يجد عند واحدة منهن علما مما أراد علمه ولما يئس من طلبته سلا عنها ثم إنه بعد ذلك ذهب يتصيد فأوغل في طلب الصيد وانفرد عن أصحابه فرفعت له أبيات من ذرا جبل وكان قد لفحه الهجير فعدل إلى الأبيات وقصد بيتا منها كان منفردا عنها فبرزت إليه منه عجوز فقالت له أنزل بالرحب والسعة والأمن والدعة والجفنة المدعدعة والعلبة المترعة فنزل عن جواده ودخل البيت فلما احتجب عن الشمس وخفقت عليه الأرواح نام فلم يستيقظ حتى تصرم الهجير فجلس يمسح عينيه فإذا هو بين يديه فتاة لم ير مثلها قواما ولا جمالا فقالت أبيت اللعن أيها الملك الهمام هل لك في الطعام فاشتد إشفاقه وخاف على نفسه لما رأى أنها عرفته وتصام عن كلمتها فقالت له لا حذر فداك البشر فجدك الأكبر وحظنا بك الأوفر ثم قربت إليه ثريدا وقديدا وحيسا وقامت تذب عنه حتى انتهى أكله ثم سقته لبنا صريفا وضريبا فشرب ما شاء وجعل يتأملها مقبلة ومدبرة فملأت عينيه حسنا وقلبه هوى فقال لها ما اسمك يا جارية قالت اسمي عفيراء فقال لها يا عفيراء من الذي دعوته بالملك الهمام قالت مرثد العظيم الشان حاشر الكواهن والكهان لمعضلة بعد عنها الجان فقال يا عفيراء

(1/116)