صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : بهجة المجالس وأنس المجالس
المؤلف : ابن عبد البر
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

لروضة من رياض الحزن معشبة ... بها الظباء تراعي غب أمطار
أشهى لقلبي من درب به نبط ... ومنزل بين حجامٍ وجزار
وقال آ خر:
ما للبراغيث أخزى الله ليلتها ... من يلق منهن ما لاقيت لم ينم
كأنهن وجلدي إذ ظفرن به ... وضمني مضجعي، يطلبنني بدم
قال أعرابي:
لم أر كاليوم ولا مذ قط ... أطول من ليلي بنهر بط
كأنما نجومه في ربط ... أبيت بين خطتي مشتط
من البعوض، ومن التغطي ... إذا تغنين غناء الزط
وكن مني بمكان القرط ... وخزنني وخزاً كوخز الشرط
وقال آخر، يصف بعوضة وخرطومها:
مثل السفاة دائم طنينها ... ركب في خرطومها سكينها
ولأبي إسحق الصابي، وهو إبراهيم بن هلال الكاتب في البعوض قال:
ألحت صروف الدهر من كل جانب ... على بأصناف الأذى والجوائح
وأخرجنني من مواطن كان جنتي ... لحسن مرابعه وحسن الروائح
وعوضنني من ذلك الظل والجني ... على الرغم من أنفي بسكني البطائح
محل خسيس لا يطيب مساؤه ... لثاويه والإصباح ليس بصابح
بليت ببقً ذي مناسر طعمه ... لحوم صناديد الرجال الجحاجح
وقد كنت في بغداد أشكو بغاثه ... فكيف اصطباري للبزاة الجوارح
أجاور في جنح الدجى كل جحفلٍ ... يجالدني أبطاله بالصفائح
إذا سفكت كفى دماً من بغوضةٍ ... فذلك جزء من دمٍ لي طائح
له وخزة في السمع قبل وقوعه ... على الجسم من تغريد نشوان صابح
فكم مستغيث ساهر العين صائح ... إلى مثله من شاهر العين صائح
وكم غائص في النوم يصفح نفسه ... لنبلة رامٍ أو لطعنة رامح
لسويد بن منجوف العبدي، وكان قديماً جاهلياً:
أبي القلب أن يأتي السدير وأهله ... وإن قيل عيش بالسدير غرير
به البق والحمى وأسد خفية ... وعمرو بن هند يعتدي ويجور
ولأعرابي من بني جفنة مازحاً:
مر الجراد على زرعي فقلت له: ... الزم طريقك لا تولع بإفساد
فقال منهم خطيب فوق سنبلةٍ ... أنا على سفرٍ لابد من زاد
ولابن المعتز في البعوض أيضاً:
بت ليلى كله لم أطرف ... لجرجس كالزئبر المنتف
يلسعننا بالسعر المخوف ... يعذب المهجة إن لم تتلف
ويثقب الجلد وراء المطرف ... حتى يرى فيه كشكل المصحف
ولي أصف ما لاقيت من البغوض بإشبيلية في الشرف، وفي مدينة قبتور ومدينة قبطيل، وذلك حين مبيتي بها، وما منه تلقي المدينة أيضاً:
بعوض قبتور والقبطيل والشرف ... قد آذنت بذهاب النفس والتلف
فمن مثير دخانٍ يستجير به ... وآخرٍ مختفٍ في الثوب ملتحف
قد غيب الرأس والرجلين مستتراً ... بالبيت من طرفٍ فيه إلى طرف
ويلي من الجرجس المثنى عقربه ... ينصب مثل عقابٍ جاع مختطف
يؤم أذني هجماً كالمهدد لي ... وكالمنادي بأخذ الهارب النطف
خرطومه كسنان لا يقوم له ... ثوب مثنى ولو قد كان من خزف
يا ويله من عدو لست تدفعه ... إلا بلطم على الأعضاء منصرف
نفي البعوض أناساً من مساكنهم ... على البحيرة في غربٍ من الشرف
وساحل البحر طولا أصل منبته ... يغشى المدينة في الأبيات والغرف
وليس عنهم بستر أو مدافعةٍ ... أو حيلةٍ قد أعدوها بمنحرف
ولغيري في البعوض ببلنسية:
ضاقت بلنسية بي ... وذاد عنها غموضي
رقص البراغيث حولي ... على غناء البعوض
باب في السجن
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر " .
روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه حبس رجلا في تهمة.

(1/194)


سجن عمر بن الخطاب الحطيئة في قوله في الزبرقان بن بدر:
دع المكارم لا ترحل لبغيها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
بعد أن سأل حساناً ولبيداً فقالا: إنه هجاء له وضعة منه، فأمر به فحبس، وقيل إنه رماه في بئر لا ماء فيها، فقال الحطيئة:
ماذا تقول لأفراخ بذي مرخٍ ... زغب الحواصل لا ماءٌ ولا شجر
ألقيت كاسبهم في قعر مظلمةٍ ... فاغفر عليك سلام الله يا عمر
أنت الإمام الذي من بعد صاحبه ... ألقت إليك مقاليد النهى البشر
لم يؤثروك بها إذ قدموك لها ... لكن لأنفسهم كانت بك الإثر
فامنن على صبيةٍ في الرمل مسكنهم ... بين الأباطح يغشاهم بها القدر
أهلي فداؤك كم بيني وبينهم ... من عرض داويةٍ يعمى بها الخبر
فكلمه فيه عبد الرحمن بن عوف، وعمرو بن العاص، واسترضياه حتى أخرجه من السجن، ثم دعاه فهدده بقطع لسانه إن عاد يهجو أحداً.
كتب على باب سجن بالعراق: هاهناتلين الصعاب، وتختبر الأحباب.
مكتوب على باب سجن كبير من سجون الملوك: هذه منازل البلوي، وقبور الأحياء، وتجربة الأصدقاء، وشماتة الأعداء.
ولأعرابي مسجون:
ولما دخلت السجن كبر أهله ... وقالوا: أبو ليلى الغداة حزين
وفي الباب مكتوب على صفحاته ... بأنك تنزو ثم سوف تلين
وقال علي بن الجهم في السجن في شعر له:
خرجنا من الدنيا من أهلها ... فلسنا من الأحياء فيها ولا الموتى
إذا جاءنا السجان يوماً لحاجةٍ ... فرحنا وقلنا جاء هذا من الدنيا
ونفرح بالرؤيا فجل حديثنا ... إذا نحن أصبحنا الحديث عن الرؤيا
فإن حسنت لم تأت عجلي وأبطأت ... وإن هي ساءت بكرت وأتت عجلي
ولبعض السجان:
ما يدخل السجن إنسان فتسأله ... ما بال سجنك إلا قال مظلوم
وقال آخر:
أسجن وقيد واغتراب وعبرة ... وفقد حبيب إن ذاك عظيم
وإن امرءًا تبقى مواثيق عهده ... على كل هذا إنه لكريم
كتب أبو العتاهية من السجن إلى الرشيد يستعطفه ويسترحمه، فوقع له في رقعته: لا بأس عليك. فأعاد عليه أبو العتاهية رقعةً أخرى فيها:
أرقت وطار عن عيني النعاس ... ونام السامرون ولم يواسوا
أمين الله أمنك خير أمنٍ ... عليك من التقى فيه لباس
تساس من السماء بكلب بر ... وأنت به تسوس كما تساس
كأن الخلق ركب فيه روح ... له جسد وأنت عليه راس
أمين الله إن الحبس باس ... وقد وقعت ليس عليك باس
لما سجن عضد الدولة فناخسرو أبا إسحق الصابي وقبض عليه، واستصفى أمواله، وذلك في حين قتله عز الدولة بختيار بن أحمد بن بويه الديلمي، وكان الصابي كاتب بختيار على ديوان الإنشاء، فزار أبو الفرج الببغاء الشاعر أبا إسحق الصابي في السجن ثم قطعه، فكتب إليه الصابي:
أبا الفرج اسلم وابق وانعم ولا تزل ... يزيدك صرف الدهر حظاً إذا نقص
مضت مدة تستام ودي غالياً ... فأرخصته والبيع غالٍ ومرتخص
وآنستني في محبسي بزيارةٍ ... شفت كمداً من صاحبٍ لك قد خلص
ولكنها كانت كحسوة طائرٍ ... فواقاً كما يستفرص السارق الفرص
وأحسبك استوحشت من ضيق محبسٍ ... وأوجست خوفاً من تذكرك القفص
تحوشيت يا قس الطيور فصاحةً ... إذا نثر المنظوم أو درس القصص
من المنسر الأشغى ومن حزة المدى ... ومن بندق الرامي ومن قصة المقص
ومن صعدة فيها من الدبق لهذم ... لفرسانكم عند الطعان بها قعص
فهذي دواهي الطير وقيت شرها ... إذا الدهر من أحدائه جرع الغصص
فأجابه أبو الفرج الببغاء:
أيا ماجداً في حلبة المجد ما نكص ... ويا كاملاً في رتبة الفضل ما نقص

(1/195)


ستخلص من هذا السرار وأيما ... هلالٍ تواري في السرار وما خلص
بدولة تاج الملة الملك الذي ... له في أعالي قبة المشتري حصص
تقنصت إلطافي وما كنت قبل ذا ... أظن بأن المرء بالبر يقتنص
فأصبحت لا أخشى أذية جارحٍ ... ورأيك لي وكر وقلبك لي قفص
باب الوكلاء
قال بعض الحكماء: لا مال لمن لا صبر له على خيانة الوكلاء وإضاعة الكفاة.
قال نصر بن سيار: لا تتخذ الوكيل داهيةً أريباً، ولا ذا عشيرة منيعة، فإنك إن قاومته أيام حياتك، عجز عنه ولدك بعد وفاتك.
كان عمر بن مهران يكتب في نهاية اسمه: اللهم احفظه ممن يحفظه.
لما مرض يعقوب بن حميد التاجر، قال له بعض ولده: أي شيءٍ تشتهي؟ قال: كبد وكيل.
قال نصر بن سيار: لعن الله وكيل الضيعة، إن عشت أكلها دونك، وإن مت ادعاها بعدك، وإن كان عاجزاً جاهلا استهلكها، وإن كان قوياً ذا عارض أعملها فيك ولم يعملها لك.
ذكر أن القحذمي مات وله ضيعة في يد وكيل، فكابر عليها.
قال شقران العلامي:
ذكرت أبا أروى فبت كأنني ... برد الأمور الماضيات وكيل
باب العادة ومالا ينسى
قال أكثم بن صيفي: ما يسرني أني مكفي أمر الدنيا. قيل: ولم؟ قال: أخاف عادة العجز.
قال العرب: العادة أملك بالإنسان من الأدب.
وقالوا: العادة طبيعة ثانية.
كان يقال: ما دخل باللبن لم يخرج إلا مع الروح.
قالوا: الخير عادة، والشر لجاجة.
قال الراجز:
تعود الخير فالخير عادة ... تدعو إلى الغبطة والسعادة
قال الشاعر:
ما إن تخلقت إلا شيمتي خلقاً ... إن الخلائق تأبى دونها الخلق
قال الشاعر:
كل امرئٍ صائرٌ يوماً لشيمته ... وإن تخلق أخلاقاً إلى حين
وقال آخر:
فإن يشرب أبو عثمان أشرب ... وإن كانت معتقةً عقارا
وإن يأكل أبو عثمان آكل ... وإن كانت خنانيصاً صغارا
وقال آخر:
وإذا صاحبت فاصحب ماجداً ... ذا عفافٍ وحياءٍ وكرم
قوله للشيء لا إن قلت لا ... وإذا قلت نعم قال نعم
وقال آخر:
وكنت إذا علقت حبال قومٍ ... صحبتهم وشيمتي الوفاء
فأحسن حين يحسن محسنوهم ... وأجتنب الإساءة إن أساءوا
أشاء سوى مشيئتهم فآتى ... مشيئتهم وأترك ما أشاء
باب في المنجمين
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من تعلم باباً من النجوم، فقد تعلم باباً من السحر، ما زاد زاد " .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا ذكر القدر فأمسكوا، وإذا ذكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا " .
قال عمر بن الخطاب: تعلموا من النجوم ما تهتدون به في ظلمات البر والبحر ثم أمسكوا.
قال الخليل بن أحمد:
أبلغا عني المنجم أني ... كافر بالذي قضته الكواكب
شاهد أن من تكهن أو نجم ... زار على المقادير كاذب
عالم أن ما يكون وما كان ... قضاء من المهيمن واجب
وقال آخر:
علم النجوم على العقول وبال ... وطلاب شيءٍ لا ينال وبال
هيهات ما أحد مضى ذو فطنةٍ ... يدري متى الأرزاق والآجال
إلا الذي هو فوق سبع سمائه ... ولوجهه الإعظام والإجلال
وقال أبو العباس الناشئ:
سألت المنجم عن رحلةٍ ... أؤمل براً عليها وبحرا
فقال المنجم لي: لا تسر ... فإنك إن سرت لاقيت شرا
فإن كان يعلم أني أسير ... فقد جاء بالنهي لغواً وهجرا
وإن كان يجهل سيري فكيف ... تراني إذا سرت لاقيت ضرا
وقال أبو تمام الطائي:
والعلم في شهب الأرماح لامعة ... بين الخميسين لاقى السبعة الشهب
يقضون بالأمر عنها وهي غافلة ... ما كان في فلك منها وفي قطب
وفيها يقول أبو الطيب المتنبي:
فتبا لدين عبيد النجوم ... ومن يدعى أنها تعقل
وقال منصور الفقيه:
قول المنجم شيء ... دعا إليه التوهم

(1/196)


فلا تصدق بشيءٍ ... مما يقول المنجم
وله أيضاً:
إذا كنت تزعم أن النجوم ... تضر وتنفع من تحتها
فلا تنكرن على من يقول ... بأنك بالله أشركتها
وله أيضاً:
لو أن نجماً تكلم ... لقال: صكوا المنجم
لأنه قال جهلاً ... بالغيب ما ليس يعلم
وقال أيضاً:
قالوا أعد فلان ... لخوف هذا القران
زادا كثيراً وداراً ... وثيقة البنيان
فقلت بات فلان ... يرجو النجاة بذان
هلا استعان على ما ... يخشى من الحدثان
بمن وقاه وليداً ... مكروه كل زمان
ومن غذاه جنيناً ... في ضيق ذاك المكان
وقال أحمد بن محمد بن عبد ربه:
فأين الزيج والقانو ... ن والأركند والكمه
وأين السند هند البا ... طل الجدول هل ثمه
سوى الإفك على الله ... تعالى منشر الرمه
إذا كان أخو النجم ... يرى الغيب بما ضمه
فلم ذا يطلب الرزق ... طلاب العاجز الهمه
وهذي الأرض قد وارت ... كنوزاً عدةً جمه
فلا والله ما لل ... ه وخلق يحتوي علمه
أخبرني عبد الله بن محمد بن يوسف، قال أخبرنا أحمد بن مالك بن عابد، قال: أخبرني أحمد ابن محمد بن عبد ربه أبو عمر الشاعر، قال: دخلت على الوزير جهور بن الضيف، وكان القحط قد ألح، والغيث قد احتبس واغتم الناس لذلك، وتحدث المنجمون بتأخر الغيث مدة طويلة، فوجدت عنده ابن عزر المنجم وجماعةً من أصحابه، وقد أقاموا الطالع وعدلوا، وقضوا بتأخير الماء شهراً. فقلت للوزير: إن هذا من أمور الله المغيبة، وأرجو أن يكذبهم الله بفضله، ثم خرجت عنه وأتيت داري، فجاء أول الليل والسماء قد تغيمت، ونمت ساعة، فما أيقظني إلا نزول الماء، فقمت وقربت مني المصباح، ودعوت بالدواة والقلم، فما رفعت يدي حتى نسخت هذه الأبيات، ثم صابحت بها الوزير، فسر بها واستحسنها. وهي:
ما قدر الله هو الغالب ... ليس الذي يحسبه الحاسب
قد صدق الله رجاء الورى ... وما رجاء عنده خائب
وأنزل الغيث على راغبٍ ... رحمته إذ فنط الراغب
قل لابن عزرا السخيف الحجا ... زري عليك الكوكب الثاقب
ما يعلم الشاهد من حكمنا ... كيف بأمرٍ حكمه غائب
وقل لعباس وأشياعه ... كيف ترى؟ قولكم الكاذب
خانكم كيوان في قوسه ... وغركم في لونه الكائب
فكلكم يكذب في علمه ... وعلمكم في أصله كاذب
ما أنتم شيءٌ ولا علمكم ... قد ضعف المطلوب والطالب
تغالبون الله في حكمه ... والله لا يغلبه غالب
محبوب الحبر الذي ماله ... في فهمه ند ولا صاحب
قد أشهد الله على نفسه ... بأنه من جهلكم تائب
وأنشدني عباس بن يحيى بن قزمان لعمه عيسى بن قزمان:
هذا بإذن الله ما شاء قدره ... وليس فيما قضى كيوان والقمر
لو كان عند النجوم السابحات بما ... يجري على الخلق من أنبائهم خبر
لم يحتلل بذراهم ريب حادثةٍ ... بل كان ينجيهم الإنذار والحذر
ما كان ينجل منهم عالم ولداً ... في ساعةٍ ما بها نحس ولا كدر
تقيه أنجمه صرف الزمان فلا ... يأتي عليه ولا يفني له عمر
هيهات ذلك أمر لا يطاق ول ... كن الفتى ينتهي حيث انتهى القدر
وللقرشي سعيد بن العاص المرواني:
مستحيل أن تدرك الأوهام ... علم غيب تغيب عنه الأنام
كيف يحتاز علمه بشري ... وهو علم قد حازه العلام
لست ممن يقول فيه يجهلٍ ... ما يقول الكندي والنظام
كل من قال إن للنجم حكما ... لم يجز فاعلمن عليه السلام

(1/197)


سطر الأولون فيه أساطي ... ر ولم يلهموا الرشاد فهاموا
إذا أرادوا بالسند هند وبالأركند والزيج روم مالا يرام
خبطوا في أمورها خبط عشوا ... ء حين ضلت في كنهها الأوهام
والذي هينموا به من قريبٍ ... هذيان آثاره البرسام
إنما السبعة الدراري أجرا ... م ولكن لا تعقل الأجرام
وصفوها بالفهم وهي شخوص ... ما لديها فهم ولا إفهام
وحكوا أنها تؤثر في العا ... لم والعالمون عن ذا نيام
كذبوا ليس للكواكب نقض ... في جميع الورى ولا إبرام
والذي قاله الأوائل فيها ... فهو مالا يقوله الإسلام
إنما سخرت بقدرة باري ... ها إلى أن يحين منه انصرام
فهي تجري في رتبة ليس تعدو ... ها ولا يستحيل فيها النظام
كل يومٍ تساق فيه إلى الغر ... ب سراعاً كما تساق السوام
ليس يقضي كيوان أمراً كما قا ... لوا، ولا المشتري ولا بهرام
لا ولا الشمس في البروج ولا البد ... ر الذي ينجلي به الإظلام
إنما الأمر الذي خلق الخل ... ق وتمضي بعزمه الأحكام
باب ثلاثةٍ من الحكم
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب: " يا علي! ثلاثة لا تؤخرها: الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت كفؤاً " .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ثلاثٌ منجيات، وثلاث مهلكات، فأما المنجيات: فالعدل في الرضى والغضب، وخشية الله في السر والعلانية، والقصد في الغني والفقر. وأما المهلكات: فشح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه " .
وروى عنه عليه السلام، أنه قال: " ثلاثة من سعادة ابن آدم: المرأة الصالحة، والمسكن الصالح، والمركب الصالح، وثلاث من شقوة ابن آدم: المرأة السوء، والمسكن السوء، والمركب السوء " .
وفي الخبر المأثور: " الخير كله في ثلاث: السكوت والكلام والنظر، فطوبى لمن كان سكوته فكره، وكلامه حكمة، ونظره عبرة " .
كان الحسن يقول: أصول الشر ثلاثة: الحرص والحسد والكبر، فالكبر منع إبليس من السجود لآدم، والحرص أخرج آدم من الجنة، والحسد حمل ابن آ دم على قتل أخيه.
قال ابن عجلان: ثلاثة لا يصلح العمل إلا بهن: التقوى، والنية الحسنة، والإصابة.
روى سفيان، عن جامع بن أبي راشد، عن ميمون بن مهران، قال: ثلاثة يؤدين إلى البر والفاجر، الأمانة تؤدي الى البر والفاجر والعهد يوفي به للبر والفاجر، والرحم توصل برةً كانت أو فاجرة.
ثلاثة لا شيء أقل منهن، ولا يزددن إلا قلة: درهم حلال تنفقه في حلال وأخ في الله تسكن إليه، وأمين تستريح إلى الثقة به.
قال عمر بن الخطاب: الفواقر في ثلاث: جار سوء في دار مقام، إن رأى حسنةً سترها، وإن رأى سيئة أذاعها. وامرأة سوء إن دخلت لسنتك، وإن غبت عنها لم تأمنها. وسلطانٍ جائر إن أحسنت لم يحمدك، وإن أسأت قتلك.
قال الحسن: لولا ثلاث ما وضع ابن آدم رأسه: المرض والفقر والموت.
قال الضحاك أو غيره من الحكماء: إذا ظفر إبليس من ابن آدم بثلاث لم يطلبه بغيرهن: إذا أعجب بنفسه، واستكثر عمله، ونسى ذنوبه.
قال مسلمة بن عبد الملك: العيش في ثلاث: سعة المنزل، وكثرة الخدم، وموافقة الأهل.
قال الخليل بن أحمد: ثلاث ينسين المصائب: مر الليالي، والمرأة حسناء، ومحادثة الإخوان.
وقال غيره: ليس لثلاثٍ حيلة: فقر يخالطه كسل، وخصومة يداخلها حسد، ومرض يداخله هرم.
وقال غيره: ثلاثة تجب مداراتهم: الملك السليط، والمرأة، والمريض.
ثلاثة يعذرون في سوء الخلق: المريض، والمسافر، والصائم.
ثلاثة لا يستخف بهم: عامل السلطان، والعالم، والصديق: لأن من استخف بالسلطان أفسد ونياة ومن استخف بالعالم أفسد دينه ومن استخف بالصديق أفسد مروءته.
ثلاثة أشياء تخلق العقل، وتفسد الذهن: طول النظر في المرآة، والاستغراق في الضحك، ودوام النظر في البحر.
ومما يفسد الذهن ثلاثة: الهم والوحدة والفكر.
ثلاثة تهرم وربما قتلت صاحبها: الجماع على الامتلاء، ودخول الحمام على البطنة، وأكل القديد اليابس.

(1/198)


ثلاثة يفرح بهن الجسد ويربو: الطيب، والثوب اللين، وشرب العسل.
ثلاثة تورث الهزال: شرب الماء البارد على الريق، والنوم من غير وطاء، وكثرة الكلام برفع الصوت.
فال سليمان بن موسى: ثلاثة لا ينتصفون من ثلاثة: حليمٌ من سفيه، وبر من فاجر، وشريف من دنئ.
قال أبو الدرداء: ثلاث لا يحبهن غيري: أحب الموت اشتياقاً إلى ربي، وأحب المرض تكفيراً لخطيئتي، وأحب الفقر تواضعاً لربي، فذكر ذلك لابن شبرمة، فقال: ولكني لا أحب واحدة من الثلاث، أما الفقر فو الله للغني أحب إلى منه، لأن الغنى به توصل الرحم، ويحج البيت، وتعتق الرقاب، وتبسط اليد بالصدقة. وأما المرض فو الله لأن أعافي فأشكر أحب إلى من أن أبتلي فأصبر، وأما الموت فو الله ما يمنعنا من حبه إلا ما قدمناه وسلف من أعمالنا، فنستغفر الله.
يقال: ثلاث موبقات: الحرص، وهو أخرج آدم من الجنة: والحسد دعا ابن آدم إلى قتل أخيه، والكبر حط إبليس عن مرتبته.
قال سفيان الثوري: دخلت على جعفر بن محمد، فقال لي: يا سفيان! إذا أنعم الله عليك نعمةً فاحمد الله ، وإذا استبطأت رزقاً فاستغفر الله، وإذا حزبك أمر فقل: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال لي: يا سفيان! ثلاث وأي ثلاث.
ثلاث خصال من حقائق الإيمان: الاقتصاد في الإنفاق، والإنصاف من نفسك، والابتداء بالسلام.
ثلاث من لم تكن فيه لم يطعم الإيمان: حلم يرد به جهل الجاهل، وورع يحجزه عن المحارم، وخلق يداري به الناس.
ثلاث لا يعرفون إلا في ثلاثة: الحليم عند الغضب، والشجاع عند الحرب، والأخ عند الحاجة.
قال ابن مسعود: ثلاث من كن فيه، ملأ الله قلبه إيماناً: صحبة الفقيه، وتلاوة القرآن، والصيام.
قال عمر بن الخطاب: الرجال ثلاثة: رجل عاقل عفيف مسلم ينظر في الأمور فيوردها مواردها ويصدرها مصادرها إذا أشكلت على عجزة الرجال وضعفتهم، ورجل يلبس عليه رأيه، فيأتي ذوي الرأي والمقدرة فيستشيرهم، وينزل عند ما يأمرونه به، ورجل جاهل لا يهتدي لرشد، ولا يشاور مرشداً.
قال: والنساء ثلاث. وقد ذكرتها في باب النساء.
من فقد ثلاثاً ساء عيشه: النساء، والمال، والإخوان.
ثلاث لا يأنف الكريم من القيام عليهن: أبوه، وضيفه، ودابته.
ثلاث يسهرون: قرض فأر، وأنين مريض، ووكف بيت.
ثلاثة لا راحة منها إلا بالمفارقة لها: السن المتآكلة والمتحركة، العبد الفاسد على مولاه، والمرأة الناشز عن زوجها.
ثلاث إذا كن في الرجل لم يشك في عقله وفضله: إذا حمده جاره، ورفيقه، وقرابته.
كدر العيش في ثلاث: الجار السوء، والولد العاق، والمرأة السيئة الخلق.
ثلاث الإقدام عليهن غرر: شرب السم على التجربة، وركوب البحر للغناء، وإفشاء السر إلى النساء.
قال الشاعر:
ولن يشرب السم الزعاف أخو الحجا ... مدلا بترياقٍ لديه مجرب
ثلاثة من عازهم عادت عزته ذلة: السلطان، والوالد، والعالم. وقد قيل: السلطان والوالد، والغريم.
ثلاثة تبنو الموعظة عن قلوبهم كنبو الماء عن الصفاة: امرأة مغرمة برجل، وشيخ مغرم بشرب الخمر، وملك فاجر.
ثلاث لا يستحيا منهن: طلب العلم، ومرض البدن، وذو القرابة الفقير.
ثلاث من أحسن شيءٍ فيمن كن فيه: جود لغير ثواب، ونصب لغير دنيا، وتواضع لغير ذل.
قال سفيان الثوري: ما بقي لي من نعيم الدنيا إلا ثلاث: أخٌ ثقة في الله أكتسب في صحبته خيراً، إن رآني زائغاً قومني، أو مستقيماً رغبني، ورزق واسع حلال ليست لله على فيه تبعة، ولا لمخلوق على فيه منة، وصلاة في جماعة أكفى سهوها وأرزق أجرها.
قال بزر جمهر: ثلاث نواطق وإن كن خرسا: كسوف البال دليل على رقة الحال، وحسن البشر دليل على سلامة الصدر، والهمة الدنية دليل على العزيزة الردية.
قال الشاعر:
وما ضربوا لك الأمثال إلا ... لتحذو إن حذوت على مثال
باب أربعة
أربع خصال من السعادة، وأربع من الشقاوة، فأما التي من السعادة: فالمركب الهني. أو قال: الوطي، والزوجة الصالحة، والمسكن الواسع، والجار الصالح. وأما التي من الشقاوة: فالمركب الصعب، والزوجة السوء، والمسكن الضيق، والجار السوء.
أربع تعرف بهن الأخوة: الصفح قبل الاستقالة، وتقدم حسن الظن قبل التهمة، ومخرج العذر قبل العتب، وبذل الود قبل المسألة.

(1/199)


وقال الحسن: أربع من كن فيه ألقى الله عليه محبته، ونشر عليه رحمته. من بر والديه، ورفق بمملوكه. وكفل اليتيم. وأغاث الضعيف.
أربع من سنن المرسلين: التعطر، والنكاح، والسواك، والختان.
أربع لا ينبغي للشريف أن يأنف منهن: قيامه عن مجلسه لأبيه، وحديثه ضيقه، وقيامه على فرسه - وإن كان له مائة عبد - ، وخدمته العالم ليأخذ من علمه.
ذكر بعض قريش عبد الملك بن مروان، فقال: كان آخذاً لأربع، تاركا لأربع: يأخذ بأحسن الحديث إذا حدث، وبأحسن الاستماع إذا حدث، وبأيسر المئونة إذا خولف، وبأحسن البشر إذا لقى، وكان تاركاً لمحادثة اللئيم، ومنازعة اللجوج، ومماراة السفية، ومصاحبة المأفون.
قال الحسن البصري: لما هبط آدم آوحى الله إليه: أربع فيهن جماع الأمر لك ولولدك من بعدك، أما واحدة فلى، والثانية فلك، وأما الثالثة فبيني وبينك، وأما الرابعة فبينك وبين الناس. أما التي لي: فتعبدني ولا تشرك بي شيئاً، وأما التي لك فعملك أجزيكه أفقر ما تكون إليه، وأما الني بيني وبينك: فعليك الدعاء وعلى الإجابة، وأما التي بينك وبين الناس فتصاحبهم بما تحب أن يصاحبوك به.
أربعة تحتاج إلى أربعة: الحسب إلى الأدب، والسرور إلى الأمن، والقرابة إلى المودة، والعقل إلى التجربة.
أربعة لا بقاء لها: مودة الأشرار، والبيت الذي ليس فيه تقدير، والمال الحرام، والكسب الذي ليس معه تقدير.
أربع من حصل عليها واجتمعت عنده، اجتمع له خير الدنيا والآخرة: امرأة عفيفة، وخدين موافق، ومال واسع، وعمل صالح، قال منصور الفقيه:
أفضل ما نال الفتى ... بعد الهدى والعافية
امرأة جميلة ... عفيفة مواتية
قال عبد الله بن عمر: أربع من كن فيه بوئ بهن بيتاً في الجنة: شهادة ألا إله إلا الله، وإن أصاب ذنباً استغفر الله، وإن جرت عليه نعمة، قال: الحمد الله، وإن أصابته مصيبة استرجع فقال: إنا الله وإنا إليه راجعون.
أربع تفسد العقل وتؤثر فيه: الإكثار من أكل البصل، ومن أكل الباقلاء، ومن الجماع، ومن السكر.
أربع من كن فيه كان كاملا، ومن تعلق بواحدة منهن كان من صلحاء قومه: دين يرشده، وعقل يسدده، وحسب يصونه، وحياء يقوده.
قال منصور الفقيه:
فضل التقى افضل من ... فضل اليسار والحسب
إذا هما لم يجمعا ... إلى العفاف والأدب
أربع من سلم منهن سلم من مكاره الدنيا والآخرة في الأغلب: العجلة، والتواني، واللجاجة، والعجب.
أربعة تقبح وهي في أربعة أقبح البخل في الأغنياء والفحش في النساء والكذب في القضاة والظلم في الحكام.
أربعة قالها جعفر بن محمد، لا تستقل القليل منها: الدين، والنار، والعداوة، والمرض.
قال الشاعر:
أربعة يعجب منها النهي ... يجهلها ذو مرةٍ حاسره
فواحد دنياه قدامه ... ليست له من خلفه آخره
وآخر دنياه منقوصة ... من خلفه آخره وافره
وثالث فاز بكلتيهما ... قد جمع الدنيا مع الآخره
ورابع مطرح بينهم ... ليست له دنيا ولا آخره
الأذلاء أربعة: النمام، والكذاب، والمديان، والفقير.
قالوا: أربعة تشتد معاشرتهم: الرجل المتواني، والرجل العالم، والفرس المرح، والملك الشديد المملكة.
أربعة تشتد مؤونتهم، النديم المعربد، والجليس الأحمق، والمغني التائه، والسفلة إذا أثرى.
أربعة لا ترد دعوتهم: الصائم حتى يفطر، والذاكر حتى يفتر، والإمام العدل، ودعوة المظلوم.
أربعة لا يقدرن على أن يشبعن: النار من الحطب، والبحر من الماء، والموت من الأرواح، والشره من المال.
أربعة يهدمن الجسم وربما قتلن: دخول الحمام على البطنة، وأكل القديد الجاف، والغشيان على الامتلاء، ومجامعة العجوز.
أربع لا يشبعن من أربع: عينٌ من نظر، وأذن من خبر، وأنثى من ذكر، وأرض من مطر.
أربع إذا كن في الرجل أهلكنه: حب النساء، وحب الصيد، وحب الفخار، وحب الخمر.
قال عمر بن عبد العزيز: أحب الأشياء إلى الله أربعة: القصد عند الجدة، والعفو عند المقدرة، والحلم عند الغضب، والرفق بعباد الله في كل حال.

(1/200)


قال المأمون: الناس في تصرفهم ومعايشهم بين أربعة أمور، من لم يكن منها كان عيالا عليها وكلاّ: الإمارة، والتجارة، والزراعة، والصناعة.
أربعة لا يستحيا من الختم عليها: المال لنفي التهمة، والجوهر لأمن البدل، والدواء للاحتياط، والطبب للصيانة.
قال العتبي: اجتمعت الحكماء على أربع كلمات، وهي: لا تحملن على قلبك مالا تطيق، ولا تعمل عملا ليس لك فيه منفعة، ولا تثقن بامرأة، ولا تغتر بالمال وإن كثر.
باب خمسة
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بُنى الإسلام على خمس... " الحديث.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمر: " يا عبد الله! اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك " .
قال بعض الحكماء: خمسة أشياء من أعطيها فقد كمل عيشه: صحة البدن، وهو الجزء الأكبر، والسعة في الرزق، وهو الثاني، والأمن وهو الثالث، والأنيس الموافق وهو الرابع، والدعة، فمن حرمها فقد حرم العيش.
واجتمع الحكماء أنه لا ينبغي للمرء أن ينزل بلدةً ليس فيها خمسة أشياء: سلطان قاهر، وقاضٍ عادل، وسوق قائمة، وطبيب عالم، ونهر جارٍ.
روى الأصمعي، قال: حدثنا الفضل بن عبد الملك بن أبي شهبة، قال: قال الأحنف: لا ينبغي أن تنزل بلداً حتى يكون فيه خمس خصال، فذكرها سواء.
ذكر الشافعي عن مالك، عن الزهري، قال: الذل في خمسة أشياء: حضور المجلس بلا نسخة، وعبور المعبر بلا قطعة، ودخول الحمام بلا خادم، وتذلل الشريف للدنئ لينال منه، والتذلل للمرأة لينال من مالها.
خمسة لا يستحيا من خدمتهم: السلطان، والوالد، والعالم، والضيف، والدابة.
خمسة أشياء تقبح في خمسة أصناف: الحدة في السلطان، وقلة الحياء في ذوي الأحساب، والبخل في ذوي الأموال، والفتوة في الشيوخ، والحرض في العلماء والقراء.
قال وبرة بن خداش: أوصاني عبد الله بن عباس بخمس كلماتٍ هي أحب إلى من الدهم الموقوفة في السبيل، قال لي: إياك والكلام فيما لا يعنيك أو في غير موضعه، فرب متكلم فيما لا يعنيه أو في غير موضعه قد عنت، ولا تمار سفيهاً ولا فقيها، فإن الفقيه يغلبك والسفيه يؤذيك، واذكر أخاك إذا غاب عنك أن يذكرك به، ودع ما تحب أن يدعه منك، واعمل بما تحب عمل رجل يعلم أنه يجازي بالإحسان ويكافى بالإجرام.
قال عمر بن الخطاب: من لم يكن فيه خمس فلا ترجوه لشيء من الدنيا والآخرة: من لم يعرف بالوثيقة في أرومته، والكرم في طبيعته، وبالدماثة في خلقه، وبالنبل في نفسه، وبالمخافة لربه.
خمس من طبيعة الجهال: الغضب في غير شيء، والإعطاء في غير حق، وإتعاب البدن في الباطل، وقلة معرفة الرجل لصديقه من عدوه، وتضييعه لسره.
خمسة أشياء أضيع شيءٍ في الدنيا: سراج يوقد في الشمس، ومطر وابل في أرض سبخة، وامرأة حسناء تزف إلى عنين، وطعام يستجاد ثم يقدم إلى سكران أو شبعان، ومعروف تصنعه عند من لا يشكرك.
خمس لا يشبعن من خمس: أذن من خبر، وعين من نظر، وأنثى من ذكر، وأرض من مطر، وعالم من أثر.
خمس يزدن في النسيان: إلقاء القملة، وأكل التفاح، والحجامة في النقرة، والبول في الماء الراكد، وأكل سؤر الفأرة.
ومما يدخل في هذا الباب قول الأحنف: لا راحة لحسود، ولا مروءة لبخيل، ولا إخاء لكذوب، ولا وفاء لملول، ولا سؤدد لسيء الخلق.
قال الأوزاعي: خمسة كان عليها أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم والتابعون بإحسان: لزوم الجماعة، واتباع السنة، وعمارة المسجد، وتلاوة القرآن، والجهاد في سبيل الله.
باب نوادر من الرؤيا مختصرة
قال رسول الله صلى الله وسلم: " إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب، وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثا، رؤيا المسلم جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة " .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللبن فطرة، والقيد ثبات في الدين، والغرق نار؛ لقوله تعالى: " أغرقُوا فأُدخلُوا ناراً " ، ومن رآني فقد رآني، فإن الشيطان لا يتشبه بي.
قال أبو بكر: يا رسول الله! ما أزال أرى كأني أطأ في عذرات الناس، قال: لتلين أمور الناس قال: ورأيت في صدري كالرقمتين. قال: سنتين. قال: ورأيت كأن على حلة حبرة، قال: ولد تحبر به، وفي رواية أخرى: قال له: يا رسول اللهّ! ورأيت كأن في صدري كبتين، قال النبي عليه السلام: " على أمر الناس سنتين " .

(1/201)


رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامه: أنه دخل الجنة، وأنه رأى فيها عذقاً مدلى فأعجبه وقال: " لمن هذا! فقيل: لأبي جهل. فشق ذلك عليه صلى الله عليه وقال: ما لأبي جهل والجنة؟ والله لا يدخلها أبداً، فإنها لا يدخلها إلا نفس مؤمنة. فلما أتاه عكرمة بن أبي جهل مسلماً فرح به، وقام إليه، وتأول ذلك العذق عكرمة ابنه " .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " رأيت أني دخلت الجنة فسقيت لبنا فشربت حتى رأيت الري - أو قال: اللبن - خرج من أظفاري، قالوا: فما تأولته يا رسول الله؟ قال: العلم " .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " رأيت كأن يتبعني غنم سود يتبعها غنم عفر " قال أبو بكر: يا رسول الله تلك العرب تتبعها العجم، قال: " كذلك عبرها الملك " .
مر صهيب بأبي بكر الصديق، فأعرض عنه، فقال أبو بكر: مالك؟ أبلغك عني شيء؟ فقال: لا. إلا رؤيا رأيتها لك كرهتها. قال: وما هي؟ قال: رأيتك مجموع اليدين إلى عنقك على باب أبي الحشر الأنصاري. قال: نعم ما رأيت جمع لي ديني إلى الحشر.
قالت عائشة لأبي بكر الصديق: رأيت كأن ثلاثة أقمار سقطن في حجري، فقال لها: إن صدقت رؤياك دفن في بيتك ثلاثة من خير أهل الأرض، فلما دفن النبي عليه السلام في بيتها، قال أبو بكر: هذا أحد أقمارك وهو خيرها.
جاء رجل إلى أبي بكر فقال: رأيت كأني أبول دماً، قال: أنت رجل تأتي امرأتك وهي حائض، فاتق الله ولا تفعل.
جاء رجل إلى أبو بكر الصديق رضى الله عنه، فقال: رأيت كأني أحدث ثعلباً، قال: أنت رجل كذاب، فاتق الله ولا تفعل.
رأي النبي صلى الله عليه وسلم رؤيا، فقصها على أبي بكر، فقال: " يا أبا بكر! رأيت كأني أنا وأنت نرقي درجة فسبقتك بمرقاتين ونصف " قال: يا رسول الله! يقبضك الله إلى مغفرته ورحمته فأعيش بعدك سنتين ونصفاً.
قالت عائشة لأبي بكر: رأيت كأن بقراً نحرن حولي. قال: إن صدقت رؤياك قتل حولك فئة.
قال رجل لأبي بكر الصديق: إني رأيت الليلة في المنام نوراً عظيماً يخرج من جحر صغير فجعلت أتعجب من صغر الجحر وعظم النور، ثم إن النور أراد أن يعود في الجحر فلم يقدر. فقال أبو بكر: هي الكلمة العظيمة تخرج من الرجل يريد أن يردها فلا يستطيع.
رأى رجل في المنام كأنه يطلب بطة معها ثلاثة فراخ، فأدرك البطة وفاتته الفراخ فسئل فقيل: هذا رجل صلى العتمة، ونام عن الوتر حتى أصبح، فقال الرجل: ما تركت الوتر منذ ثلاثين سنة إلا البارحة.
قام عمر بن الخطاب رضى الله عنه قبل أب يقتل بأيام، فقال: إني رأيت ديكاً نقرني نقرتين أو ثلاثا. فوجأه أبو لؤلؤه غلام المغيرة وجئتين أو ثلاثا فقتله.
قال بعض أمراء الشام لعمر: يا أمير المؤمنين! رأيت كأن الشمس والقمر اقتتلا ومع كل واحد منهما فريق من النجوم. قال: مع أيهما كنت؟ قال مع القمر. قال: مع الآية الممحوة، لا عملت لي أبداً. فعزله وقتل مع معاوية بصفين.
قال علي بن أبي طالب: لا رؤيا لخائف. إلا أن يرى ما يحب.
رأى عامر بن عبد الله بن الزبير في النوم، امرأةً ثائرة الشعر بين الركن والمقام، وهي تقول:
آذنت زينة الحياة ببينٍ ... وانقضاءٍ من أهلها وفناء
فتأول الناس من رؤيا عامر الدنيا.
قال رجل لابن سيرين: رأيت كأني آكل خبيصاً في الصلاة. قال: الخبيص حلال طيب، ولا يحل الأكل في الصلاة، أنت رجل تقبل امرأتك وأنت صائم. قال: نعم. قال: فلا تعد.
كان ابن سيرين يعبر الأذان في النوم عملاً صالحا فيه شهرة.
وقال ابن سيرين في جنازة يتبعها الناس: هذا قائد له أتباع.
أتى رجل إلى ابن سيرين فقال: رأيت البارحة امرأة من جيراني كأنها ذبحت في بيتٍ من دارها. فقال: هذه المرأة نكحت الليلة في ذلك البيت. فعز على السائل ما ذكره؛ لأن زوج المرأة كان غائباً عنها، فلما انصرف قال له أهله: رأيت فلاناً؟ - يعنون الغائب جاره - فقال: وهل أتى؟ قالوا: نعم. وفي داره بات البارحة. فقصده وسأله، فكان كما قال ابن سيرين.
قال رجل لابن سيرين: رأيت في المنام كأن قرداً يأكل معي على مائدة. فقال: هذا غلام أمرد اتخذه بعض نسائك.
قال رجل لابن سيرين: رأيت في المنام كأن في حجري صبياً يصيح. فقال له ابن سيرين: اتق الله ولا تضرب العود.
قال رجل لابن سيرين: رأيت في المنام كأني أطير بين السماء والأرض. فقال: أراك تكثر الأماني.

(1/202)


قال رجل لابن سيرين: رأيت في المنام كأن لحيتي بلغت سرتي، وأنا أنظر إليها. فقال له: أنت رجل مؤذن تنظر في دور الجيران.
كان ابن سيرين يستحب الطيب في النوم، يقول: هو ثناء حسن. وكان يعجبه الطيب الأسود كالمسك والغالية وشبه ذلك، ويقول: يتبعه عيش وثناء حسن.
سئل ابن سيرين عن الفيل في النوم، فقال: أمر جسيم قليل المنفعة.
قال رجل لابن سيرين: ما تقول يا أبا بكر في امرأة كانت ترى في المنام كأنها تأكل رأس جزور؟ فقال: تتقي الله ولا تبغض العرب.
كان ابن سيرين يستحب الزيت في النوم، ويقول: هو بركة كله، إن أكلته أو أدخلته بيتك أو شربته أو ادّهنت به أو تلطخت، لأنه من شجرةٍ مباركة.
كان ابن سيرين يقول: الماء في لا نوم فتنة، وبلاء في الدين، وأمر شديد؛ لأن الله تعالى يقول: " إنَّ الله مُبتلِيكم بنهرٍ " . وقال: " ماءً غدقاً، لنفتنهم فيه " .
قال ابن سيرين: ومن عبر نهراً، قطع بلاءً وفتنة ومشقة، ونجا من ذلك.
أتى رجل ابن سيرين، فقال له: خطبت امرأة فرأيتها في المنام. فقال له ابن سيرين: كيف رأيتها؟ قال: رأيتها سوداء قصيرة مكسورة الفم. فقال ابن سيرين: أما الذي رأيت من سوادها فإنها امرأة لها مال، وأما ما رأيت من كسر فمها فإنها امرأة فظيعة اللسان، وأما ما رأيت من قصرها، فإنها امرأة قصيرة العمر، وتوشك أن تموت عاجلاً، فذهب فتزوجها.
كان ابن سيرين يعبر الرجل إذا رأى أنه حل إزاره أو انحل، قال: هذا رجل يرزق امرأة.
وكان ابن سيرين لا يعبر الخاتم في المنام إلا امرأة يستفيدها. وكذلك كان هشام بن حسان: لا يعبر الفص في الخاتم: إلا أنه يقول: امرأة فيها قسوة.
قال هشام بن حسان: كان ابن سيرين يسأل عن مائة رؤيا، فلا يجيب فيها بشيء إلا أنه يقول: اتق الله وأحسن في اليقظة، فإنه لا يضرك ما رأيت في النوم، وكان يجيب في خلال ذلك، ويقول: إنما أجيب بالظن، والظن يخطئ ويصيب.
قيل لابن سيرين: إنك تستقبل الرجل بما يكره، قال: إنه علم أكره كتمانه.
رأى الرشيد رؤيا فهمته، فوجه في الكرماني بريداً، فلما أتاه ومثل بين يديه خلا به وقال: بعثت فيك لرؤيا رأيتها. فقال: وما هي؟ قال: رأيت كلبين ينهشان قبل جارية من جواري. فقال له الكرماني: ما رأيت إلا خيراً يا أمير المؤمنين، فقال له الرشيد: قل ما تراه وهات ما عندك، فقال له: هذه جارية دعوتها لتجامعها، وكان لا عهد لك معها بذلك، وكانت ذات شعر، فكرهت أن تحلق فتجد أثر الموسي، وكرهت أن تبقى على هيئتها، فأخذت جلماً فحلقت بعض الشعر وتركت بعضه، فأشار الرشيد إليه بالقعود، وقام فدخل إلى نسائه، ودعا بتلك الجارية فسارها مستفهماً منها عن ذلك، فأقرت به وصدقت الكرماني، فخرج إليه الرشيد، فقال له: أصبت وسررتني، وأمر له بصلة سنية، ثم قال له: إياك أن تحدث بها ما كنت حياّ. قال: فو الله ما حدثت بها ما دام الرشيد حيا.
قال الزبير: حدثني أبو ضمرة أنس بن عياض، قال: قيل لجعفر بن محمد: كم تتأخر الرؤيا؟ فقال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم كأن كلباً أبقع يلغ في دمه، فكان شمر بن ذي الجوشن قاتل الحسين رضى الله عنه، وكان أبرص، فكان تأويل الرؤيا بعد خمسين سنة.
ذكر ابن المنتاب القاضي المالكي، قال: حدثنا بن أبي خيثمة، قال: حدثنا خالد بن خداش قال: حدثنا حماد بن زيد، قال: وجه إلى جعفر بن سليمان ليلا، وهو أمير البصرة، فدخلت عليه، فقبلت يده فقبل يدي، وإذا هو مروع، فقال: رأيت البارحة مالك بن أنس في النوم وهو يقول: بيني وبينك الله. فقلت له: مالك بن أنس من العلم بمكان، وإنه لا يطالبك إلا بما بينك وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم من القرابة والنسب. قال: فما ترى؟ قلت له: تعتق. فأعتق عن كل سوط رقبة. قال القاضي ابن المنتاب: وكان عدد الأسواط نيفاً وثلاثين سوطاً.
باب من نوادر الأخبار

(1/203)


أخبرنا أحمد بن عمر، حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثنا علي بن عمرو، حدثنا أبو عبد الله محمد ابن أحمد بن إبراهيم الكاتب الحكمي، قال: حدثنا أحمد بن عبيد بن ناصح، قال: حدثنا محمد ابن يزيد بن سنان الزيادي، قال: حدثنا شرقي بن قطامي عن أبي صالح عن ابن عباس، قال: قدم وفد بكر بن وائل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهم: فيكم أحد من إياد؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: فهل لكم علم بقس بن ساعدة الإيادي؟ قالوا: هلك يا رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كأني أنظر إليه بسوق عكاظ يخطب الناس على جمل أحمر، يقول: أيها الناس! اجتمعوا واسمعوا وعوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آتٍ آت، أما بعد: فإن في السماء لخبرا، وإن في الأرض لعبرا، نجوم تغور وتمور، ونجوم تغور ولا تمور، وسقف ومرفوع، ومهاد موضوع، أقسم قس قسما، ما كذب ولا أثم، لئن كان في الأمر رضا، ليكونن بعده سخط، وما هذا بلعب، وإن من وراء هذا لعجبا، أقسم قس قسما، فما كذب ولا أثم، إن لله ديناً هو أرضى من دين نحن عليه، ما بال الناس يذهبون ولا يرجعون، أرضوا بالمقام فأقاموا، أم تركوا فناموا. قال النبي عليه السلام: وسمعته ينشد شعراً فأيكم يحفظه؟ فقال بعضهم: أنا. فأنشده يا رسول الله؟ قال: نعم. فقال:
في الذاهبين الأولي ... ن من القرون لنا بصائر
لما رأيت موارداً ... للموت ليس لها مصادر
ورأيت قومي نحوها ... يمضي الأكابر والأصاغر
لا يرجع الماضي إلى ... ولا من الباقين غابر
أيقنت أني لامحا ... له حيث صار القوم صائر
بينما عمر بن الخطاب رضى الله عنه جالس مع أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيهم علي بن أبي طالب وجماعة من المهاجرين، فالتفت إليهم، فقال: إني سائلكم عن خصال فأخبروني بها، أخبروني عن الرجل بينما هو يذكر الشيء إذ نسيه، وعن الرجل يحب الرجل ولم يلقه، وعن الرؤيين إحداهما حق، والأخرى أضغاث أحلام، وعن ساعة من الليل ليس أحد إلا وهو فيها مروع، وعن الرائحة الطيبة مع الفجر، فسكت القوم. فقال: ولا أنت يا أبا الحسن؟ فقال: بلى والله. إن عندي من ذلك لعلماً، أما الرجل بينما هو يذكر الشيء إذ نسيه، فإن على القلب طخاءً كطخاء القمر، فإذا سرى عنه ذكر، وإذ أعيد عليه نسى وغفل. وأما الرجل يحب الرجل ولم يلقه فإن الأرواح أجناد مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف. وأما الرؤيا إحداهما حق والأخرى أضغاث؛ فإن في ابن آدم روحين، فإذا نام خرجت روح فأتت الحميم والصديق، والبعيد والقريب والعدو، فما كان منها في ملكون السموات فهي الرؤيا الصادقة، وما كان منها في الهواء فهي الأضغاث، وأما الروح الأخرى فللنفس والتقلب، وأما الساعة من الليل التي ليس أحد إلا وهو فيها مروع، فإن تلك هي الساعة التي يرتفع فيها البحر يستأذن في تغريق أهل الأرض، فتحسه الأرواح فترتاع له، وأما الرائحة الطيبة مع الفجر، فإن الفجر إذا طلع خرجت ريح من تحت العرش حركت الأشجار في الجنة فهي الرائحة الطيبة. خذها يا عمر، قال: صدقت.
قال محمد بن علي بن عبد الله بن عباس: دخلت على عمر بن عبد العزيز، وعنده رجل من النصاري، فقال له: من تجدون الخليفة بعد سليمان قال النصراني: أنت. قال: فأقبل عمر بن عبد العزيز علي فقال: دمي في ثيابك يا أبا عبد الله، قال: فقلت: سبحان الله! المجالس بالأمانة. قال محمد بن علي: فلما كان بعد ذلك جعلت ذلك النصراني من بالي، فرأيته يوماً فأمرت غلامي أن يحبسه علي، وذهبت به إلى منزلي، وسألته عما يكون، وقلت: عد لي خلفاء بني مروان واحداً واحداً. فعد لي خلفاء بني مروان واحداً واحداً. وتجاوز عن مروان بن محمد، قال محمد بن علي، فقلت له: ثم من؟ قال: ثم ابنك من الحارثية، وهو اليوم حمل.

(1/204)


كتب صاحب الروم إلى معاوية يسأله عن أفضل الكلام وما هو؟ والثاني والثالث والرابع؟ وكتب إليه يسأله عن أكرم الخلق على الله، وعن أكرم الإماء على الله، وعن أربعة من الخلق لم يركضوا في رحم، وعن قبر سار بصاحبه، وعن المجرة، وعن القوس، وعن مكان طلعت فيه الشمس لم تطلع فيه قبل ذلك ولا بعده. فلما قرأ معاوية الكتاب قال: أخزاه الله! وما علمي بما ها هنا؟ فقيل: اكتب إلى ابن عباس، فكتب إليه ابن عباس: أفضل الكلام لا إله إلا الله، كلمة الإخلاص لا عمل إلا بها، والتي تليها سبحان الله وبحمده، صلاة الخلق، والتي تليها الحمد الله، كلمة الشكر، والتي تليها الله أكبر، فاتحة الصلوات والركوع والسجود. وأكرم الخلق على الله آدم عليه السلام، وأكرم إماء الله مريم عليها السلام. وأما الأربعة الذين لم يركضوا في رحم: فآدم وحواء والكبش الذي فدى به إسماعيل، وعصا موسى حيث ألقاها فصارت ثعباناً مبيناً، وأما القبر الذي سار بصاحبه فالحوت الذي التقم يونس، وأما المجرة فباب السماء، وأما القوس فإنها أمان لأهل الأرض من الغرق بعد نوح، وأما المكان الذي طلعت عليه الشمس، لم تطلع فيه قبله ولا بعده، فالمكان الذي انفرج من البحر لبني إسرائيل مع موسى عليه السلام. فلما قدم عليه الكتاب أرسله إلى ملك الروم، فقال: لقد علمت أن معاوية لم يكن له بهذا علم، وما أصاب هذا إلا من أهل بيت النبوة.
وجه ملك الروم إلى معاوية بقارورة، فقال: ابعث إلى فيها من كل شيء حي، فبعث بها إلى ابن عباس، فقال: تملأ له ماء. فلما ورد به على ملك الروم، قال له أخوه: ما أدهاه! فقيل لابن عباس: كيف اخترت ذلك؟ قال: يقول الله عز وجل: " وجعلنا من الماء كل شيءٍ حي " .
قال المسيب بن واضح: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: حصر حصن بخراسان فأصابوا فيه رأس إنسان، فوزنوا سناً من أسنانه فوجدوها قدر منيين، فأنشأ عبد الله يقول:
أتيت بسنين قد رمتا ... من الحصن لما أثاروا الدفينا
على وزن منيين إحداهما ... تقل به الكف شيئاً رزينا
ثلاثون أخرى على قدرها ... تباركت يا أحسن الخالقينا
فماذا يقوم لأفواههم ... وما كان يملأ تلك البطونا
إذا ما تذكرت أجسامهم ... تقاصرت النفس حتى تهونا
وكل على ذاك ذاق الردى ... وبادوا جميعاً فهل خالدونا

(1/205)


روى أسامة بن زيد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: أخبرني عمر بن الخطاب قال: خرجت مع أناسٍ من قريش في الجاهلية في تجارة إلى الشام، فبينما أنا في سوق من أسواقها بدمشق إذ أنا ببطريق قد جاءني فأخذ بعنقي، فذهبت أنازعه نفسي، فقيل لي: لا تفعل فليس لك منه النصف، قال: فخرجت معه فأدخلني كنيسةً فإذا تراب كثير متراكم بعضه على بعض، فدفع إلى بمجرفة وفأساً وزنبيلا، فقال لي: انقل هذا التراب واحفر لي هاهنابئراً، قال: فجلست أفكر في أمري كيف أصنع، قال: فأتاني في الهاجرة وعليه سبنية قصب، أرى سائر جسده منها، ولم أحرك شيئاً، فقال لي: وإنك على ما أرى ما حركت شيئاً، ثم ضم كفه وأصابعه يضرب بها وسط رأسي، فقلت في نفسي: ثكلتك أمك يا عمر، أو قد بلغت ما أرى! قال: فقمت إليه بالمجرفة فضربت بها رأسه فنثرت دماغه وخر ميتاً، وخرجت إلى الطريق، وأنا لا أدري أين أسلك من بلاد الله تعالى، فمشيت بقية يومي وليلتي من الغد حتى أصبحت، ثم انتهيت إلى ديرٍ فاستظللت بظله، فخرج إلى رجل من أهل الدير، فقال: يا عبد الله! ما يقعدك ها هنا؟: فقلت: أضللت أصحابي. قال: والله ما أنت على طريق، وإنك لتنظر بعين خائف، قم فادخل الدير فأصب من الطعام والشراب، وأقم ما بدا لك، قال: فدخلت فأتاني بطعام وشراب وألطف لي، ثم صعد في النظر وخفضه، ثم قال: يا هذا! لقد علم أهل الكتاب أنه لم يبق على وجه الأرض رجل أعلم مني اليوم، وإني أجد صفتك، إنك الذي تخرجنا من هذا الدير، وتغلب على هذا البلاد. فقلت: أيها الرجل! ذهبت من الأمر في غير مذهب. قال: ما اسمك؟ قلت: عمر بن الخطاب. قال: أنت والله الذي لا إله إلا هو صاحبنا من غير شك، فاكتب لي على ديري هذا وأهله وما فيه أماناً، قال: قلت: أيها الرجل! قد صنعت معروفاً فلا تكدره، قال: إنما هو كتاب في رق، وليس عليك فيه مؤونة ولا شيء، فإن كنت صاحبنا فهو الذي أريد، وإن تكن الأخرى فأي شيءٍ يضرك؟ قلت: هات، فكتبت له أماناً ثم ختمته ودفعته إليه. قال: فدعا بنفقة وثوب فدفعها إلي، ثم دعا بأتان قد أوكفت، فقال: أتسمع؟ قلت: نعم. قال: اخرج على هذه الأتان فإنها لا تمر بقوم ولا أهل دير إلا علفوها، حتى إذا بلغت مأمنك فخل عنها واضرب وجهها مدبرة، فإنها تعلف وتسقي حتى تصل. قال: فركبتها ثم سرت عليها حتى أدركت أصحابي وهم متوجهون، فلم أمر بقوم إلا سقوها وعلفوها حتى لحقت أصحابي، فنزلت عنها، وضربت وجهها مدبرة، ثم سرت معهم حتى قدمت على أهلي. قال أسلم: فلما قدم عمر بن الخطاب الشام أتاه ذلك الراهب في خلافته، وهو صاحب دير العدس بذلك الكتاب، فلما قرأه عمر عرفه، فقال له الراهب: فِ لي بشرطي، فقال له عمر: جاء أمر غير ذلك، جاء ما ليس لعمر ولا لأبي عمر فيه شيء، فاستشار فيه عمر المسلمين، فقالوا: نرى أن تفي له يا أمير المؤمنين، قال عمر: هل عندك للمسلمين منفعة؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: فأنشأ عمر يحدثنا حديثه حتى أتى على آخره، ثم قال عمر للراهب: إن أضفتم المسلمين، وأرشدتموهم الطريق، وهديتم الضال، ومرضتم المرضى ممن يمر بكم من المسلمين فعلنا، قال: نعم يا أمير المؤمنين نفعل. قال: فوفي له عمر.

(1/206)


روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن أبيه، قال: خرجت في الجاهلية بتجارة إلى الشام فنزلت في بعض الطريق لقضاء حاجة، وتقدمتني القافلة، فإني لكذلك إذ أقبل إلى راهب على أتانٍ له قد خرج في بعض الزيارات يريد فلسطين وهو يذهب عطشاً، وكان يوماً صائفاً، فسلم على واستسقاني ماء. ولم يكن معي غير فضلة في إداوةٍ معلقة على كفل الفرس، فآثرته بها، وتبين له ذلك، فشكر لي فعلى، وشكا تعباً لحقه، وأنه يريد النزول والراحة قليلا، وهو خائف من الوحدة وفساد الطريق، وكأنه أراد الأنس بي. فقلت له: انزل فإني أونسك ولا أتركك. وكنت عارفاً بالطريق، فعرجنا إلى ظل شجرة أرزٍ فعرسنا تحتها، وقلت: أعينه، ثم ألحق القافلة بعد تعريسها بساعة، وكان له غلام ورحل قد تأخرا عنه، فكان مع ذلك ينتظر، فلما نزلنا استلقى على جنبه ونام، وركبت فرسي أطلب بعض الحياض التي كنت أعرفها لأملأ إداوتي منها، فوجدت واحداً منها فملأت الإداوة، ورجعت والراهب نائم بحاله، وإذا بثعبان عظيم يسير إليه لينهشه، فاخترطت سيفي ونزلت إليه فلحقته، وقد كاد ينقره فقتلته، وجلست أخفر الراهب إلى أن قام وقد استراح من تعبه، فعرضت عليه الماء فشرب، ونظر إلى الثعبان فهاله أمره، فعرفته أنه قصده وأني قتلته فشكر، وقال: قد أحييتني مرتين، ووجب حقك علي، قد حبست نفسك علي، ونزلت معي حتى استرحت، وآنستني من الوحدة ووحشة الطريق، وأنا مع ذلك في غربة. ولا أدري بماذا أكافئك، ثم ركبنا وسرنا فما لحقنا القافلة إلا مساء، وطلبت رحلي وغلاماً كان معي إلى أن وجدته، فأنزلت الراهب معي إلى أن أصبحنا، فجاءه غلامه ورحله، فقال لي: أين تريد؟ فعرفته أني أريد دمشق بتجارةٍ معي، فسألني عنها فأخبرته، فقال لي: أي تريد؟ تدخل معي إلى مصر فإن لي بها حالا جميلة وجاهاً عريضاً، ولعلي أكافئك على ما أوليتني، فإن يدي تقصر هاهناعن مكافأتك، وعلي أن أربحك في تجارتك ضعف ما تأمله من الربح منها، فوقع كلامه بقلبي، فقلت له: على أن تخرج معي من يكفلني ويحملني في طريقي، أو تضيفني إلى من يبلغني هذا هذا المكان، فإني إذا بلغته عرفت الطريق إلى موضعي. قال: بل أردك إليه من طريق هو أقرب من طريقك هذا. فسرت معه فرأيت رجلاً جميل الصحبة والمرافقة، وكان فيه مع ذلك فهم وعلم، وكان من أبناء القبط الأولين، وكان يخبرني عن مصر وأهلها في القديم، وعن عجائبها وطلسماتها وملوكها، وخبر بخت نصر وكيف دخل البلد وأخذه بالحيلة التي تمت له حتى وصل إليه وما كان بعد ذلك، ولم نزل في أنس إلى أن دخلنا مصر، فلم نكن نمر بموضع ولا ديرٍ إلا تلقونا بالإكرام والجميل، وعدينا النيل، وسرنا حتى دخلنا الإسكندرية، فأنزلني عنده وأتاه جماعة من أهله وذوي قرابته وجماعة من وجوه أهل البلد، وكان مقدماً عندهم، فسلموا عليه وهنأوه بالسلامة وقضوا حوائجه وأكرموه وأتحفوه، ولم يكن يدخل إليه أحد من أهله وغيرهم إلا أخبرهم بخبري، وأني خلصته من العطش بما كان معي من الماء، وأني آثرته على نفسي، وخبرهم بما كان من أمر الثعبان. فما منهم أحد إلا برني وأكرمني. واجتمعت لي دنانير كثيرة، ووجه أقاربه وباع منهم ومن غيرهم البضاعة التي كانت معي، وأفضلت فيها فضلاً كثيراً، وأقمت أكثر من شهر وأنا أطوف بالإسكندرية، وأنظر إلى عجائبها ومنارها ثم استأذنته للخروج، فقال لي: إن لنا عيداً وقد حضر، فأقم عندي حتى تشاهده وأوجه معك من يخفرك إلى حدود أرض الحجاز، فأجبته إلى ذلك، وحضر العمد، وزينت كنائس الإسكندرية، وخصوا منها كنيسة مرخمة عظيمة كانوا يجتمعون إليها بأحدث الزي، وكان خارج الكنيسة أسطوان كبير واسع مفروش بالبسط، وقد جلس عليه رؤساؤهم وبطارقتهم، وكان من عاداتهم أن يضربوا خارج الأسطوان في فسيح هناك بصولجان وكرةٍ تطير إلى ذلك الأسطوان، فمن وقعت في حجره الكرة من أولئك البطارقة والرؤساء، حكم له بولاية مصر، قال عمرو: فأجلسني وسط أولئك الوجوه والبطارقة فإني لمشغول بالنظر إليهم وإلى زيهم، وأولئك خارج الأسطوان يضربون تلك الكرة إذ طارت إلى فسقطت في حجري فأكبروا ذلك، وجعلوا يتأملوني ويعجبون مني، ومن سقوط الكرة في حجري، ثم ردوا الكرة إلى خارج، وضربوها أيضاً مرة أخرى، فطارت حتى سقطت ثانية، فازدادوا عجباً، وجعل بعضهم ينظر إلى بعضٍ ويزمزمون بكلامهم، وأنا لا أعرف ما يقولون. ثم

(1/207)


أخوجوا الكرة وضربوها مرة ثالثة فسقطت في حجري ودخلت في كمي، فزاد تعجبهم وقالوا: إن هذا الأمر يراد أو بطل فعل الكرة. وأقمت حتى انقضت أيام عيدهم، فسألته أن يأذن لي في الخروج إلى الحجاز، فأذن لي في ذلك، بعد أن شرط على أن لا أترك زيارته في كل وقتٍ يمكني، وأنفذني مع غلام له وجهزني بطريفٍ من ثياب الوشي التي كانت تعمل بالإسكندرية، وثياب من دبيق دمياط، وأكسية رقيقةً من صوف، وفصوص وغير ذلك، فانصرفت إلى أهل بوفر حال، وأخرجني الغلام من ناحية أستغني فيها عن الخفير، وكان الغلام الذي وجهه به معي يدري أمرهم، فسألته عن أمرة الكرة فعرفني أن من عاداتها ذلك اليوم، ألا يقع في حجر أحدٍ إلا ولي مصر، وأنهم عجبوا من ذلك، وقالوا: هذا رجل عربي وغريب. وكيف يلي هذا مصر؟! وصرفوا الأمر إلى فساد فعل الكرة، قال عمرو: فوقع في نفسي من ذلك أمر لم أعرف الوجه فيه، وسرت إلى منزلي وأنا أوفر التجار الذين خرجت معهم إلى الشام وأحسنهم حالا، وعرض في نفسي شيء من أمر مصر، فقلت: أحمل تجارة إلى بلد الروم، وأدخل إلى الملك ولعله أن يقلدني أمر مصر، ثم قلت: إن هذا النظر فاسد، وهل يترك الملك بطارقته وأصحابه ويوليني أنا وأنا عربي على غير دينه؟ فسمعت قائلاً يقول: لابد لفلان من ذلك ويصير منه إلى ما يحب. فزاد ذلك في قوة أملي في الولاية على مصر إلى أن كان من أمر النبي صلى الله عليه وسلم ما كان، وجاءته هدية المقوقس، وقال: " إنكم ستفتحون مصر فاستوصوا بالقبط خيراً، وجازوا أهلها بالجميل، فإنهم خؤولة إبراهيم " ، فلما سمعت ذلك تحققت أنه سيكون لي يد على مصر.وا الكرة وضربوها مرة ثالثة فسقطت في حجري ودخلت في كمي، فزاد تعجبهم وقالوا: إن هذا الأمر يراد أو بطل فعل الكرة. وأقمت حتى انقضت أيام عيدهم، فسألته أن يأذن لي في الخروج إلى الحجاز، فأذن لي في ذلك، بعد أن شرط على أن لا أترك زيارته في كل وقتٍ يمكني، وأنفذني مع غلام له وجهزني بطريفٍ من ثياب الوشي التي كانت تعمل بالإسكندرية، وثياب من دبيق دمياط، وأكسية رقيقةً من صوف، وفصوص وغير ذلك، فانصرفت إلى أهل بوفر حال، وأخرجني الغلام من ناحية أستغني فيها عن الخفير، وكان الغلام الذي وجهه به معي يدري أمرهم، فسألته عن أمرة الكرة فعرفني أن من عاداتها ذلك اليوم، ألا يقع في حجر أحدٍ إلا ولي مصر، وأنهم عجبوا من ذلك، وقالوا: هذا رجل عربي وغريب. وكيف يلي هذا مصر؟! وصرفوا الأمر إلى فساد فعل الكرة، قال عمرو: فوقع في نفسي من ذلك أمر لم أعرف الوجه فيه، وسرت إلى منزلي وأنا أوفر التجار الذين خرجت معهم إلى الشام وأحسنهم حالا، وعرض في نفسي شيء من أمر مصر، فقلت: أحمل تجارة إلى بلد الروم، وأدخل إلى الملك ولعله أن يقلدني أمر مصر، ثم قلت: إن هذا النظر فاسد، وهل يترك الملك بطارقته وأصحابه ويوليني أنا وأنا عربي على غير دينه؟ فسمعت قائلاً يقول: لابد لفلان من ذلك ويصير منه إلى ما يحب. فزاد ذلك في قوة أملي في الولاية على مصر إلى أن كان من أمر النبي صلى الله عليه وسلم ما كان، وجاءته هدية المقوقس، وقال: " إنكم ستفتحون مصر فاستوصوا بالقبط خيراً، وجازوا أهلها بالجميل، فإنهم خؤولة إبراهيم " ، فلما سمعت ذلك تحققت أنه سيكون لي يد على مصر.

(1/208)


روى ابن جريج، قال: حدثني يعلى بن مسلم عن سعيد بن جبير، أنه قال: سمعته يقول: كان رجل من بني إسرائيل يقرأ، فإذا بلغ " بعثنا عليكم عباداً لنا أولى بأسٍ شديد " بكى وفاضت عيناه، ثم يطبق المصحف. فعل ذلك ما شاء الله من الزمان، ثم قال: أي رب! أرني هذا الرجل الذي جعلت هلاك بني إسرائيل على يديه، فأرى في المنام مسكيناً سائلاً يقال له: بخت نصر ببابل، فانطلق بمال وأعبدٍ له، وكان رجلاً موسراً، فقيل له: أين تريد؟ فقال: أريد التجارة. فنهض حتى نزل ببابل فاكتري بها منزلاً ليس فيه أحد غيره، وجعل يدعو المساكين ويعطيهم ويلطف بهم حتى لم يبق أحد منهم إلا جاء، فقال: هل بقى مسكين غيركم؟ قالوا: نعم، مسكين بفج آل فلان مريض يقال له: بخت نصر. فقال لغلمته: انطلقوا وانطلق معهم حتى أتاه، فقال له: ما اسمك؟ قال: بخت نصر، قال لغلمته: احتملوه. فنقله إليه فمرضه حتى براً، وكساه وأعطاه نفقةً، ثم أذن الإسرائيلي بالرحيل، فبكى بخت نصر، فقال له الإسرائيلي: ما يبكيك؟ قال: أبكي أنك فعلت معي ما فعلت ولا أجد شيئاً أجزيك به. قال: بل شيئاً يسيراً إن ملكت أطعتني. فجعل بخت نصر يلتوي ويقول: تستهزئ بي؟ ولا يمنعه أن يعطيه ما سأل إلا أنه يستهزئ به، وأبي عليه. فبكى الإسرائيلي وقال: لقد علمت أنه ما يمنعك أن تعطيني ما سألت إلا أن الله تعالى يريد أن ينفذ ما قضى وما قد كتبه عنده في كتابه، ثم ضرب الدهر ضرباته، فقال سيحون وهو ملك فارس ببابل: إنا لو بعثنا طليعةً إلى الشام كان حسناً. قالوا: وما يمنعك؟ قال: فمن ترون؟ قالوا: فلان. فبعث رجلاً وأعطاه مائة ألف، فخرج وخرج بخت نصر في مطبخه لا يخرج إلا أن يأكل، لا همة له غير شبع بطنه، فلما قدم الشام رأى صاحب الطليعة أرضاً أكثر أرض الله خيلا ورجلا وسلاحاً، فكسر ذلك في ذرعه، فلم يسأل ولحقه جزع، وجعل بخت نصر يمشي في مجالس أهل الشام فلا يدع مجلساً إلا وهو يقول لأهله: ما يمنعكم أن تغزوا بابل مع كثرة ما أرى معكم من الخيل والرجل، فلو غزو تموها لأصبتم بها المال والعيال. قالوا: فلا نحسن القتال ولا نعرفه، حتى استنفد مجالس أهل الشام، ثم رجع إلى الطليعة ولم ينل منهم كثير نيلٍ لما رأى، وجعل بخت نصر يقول لمن يلج على الملك: لو دعاني الملك لأخبرته غير ما يخبره فلان - يعني الطليعة - فرفع ذلك إليه، فدعاه، فأخبره الخبر، وقال: إن فلاناً لما رآها أكثر أرض الله خيلا ورجلا حسبهم أجلد الناس، فكسر ذلك في ذرعه، ولم يسألهم عن شيء، وإن لم أدع مجلساً بالشام إلا جالست أهله، فقلت لهم كذا فقالوا لي كذا، فقال الطليعة لبخت نصر بعد خروجه من عند الملك: فضحتني أيها الرجل، فهل لك في مائة ألفٍ تأخذها وتنزع عما قلت؟ قال: لو أعطيتني بيت مال بابل لما نزعت. ثم أن الدهر ضرب ضربه، وقال الملك: لو بعثنا جريدة خيلٍ إلى الشام، فإن وجدوا مساغاً ساغوا، وإلا انهبوا ما قدروا عليه؟ قالوا: فما ضرك لو فعلت؟ قال: فمن ترون؟ قالوا: فلان أو فلان. قال لهم: بل الرجل الذي أخبرني بما أخبر. فدعا بخت نصر، فأرسله وأرسل معه أربعة آلافٍ من فرسانهم، فانطلقوا فجاسوا خلال الديار، فسبوا ما شاءوا وخربوا ولم يقتلوا، ورمى في جنازة سيحون فمات، فقالوا: استخلفوا رجلا. فقالوا: على رسلكم حتى يأتي أصحابكم من وجهتهم، فأمهلوا حتى جاء بخت نصر فقسم ما جاء به في الناس، فقالوا: ما رأينا أحق بالملك من هذا؟ فملكوه. فلم ضرب له ملكه بجرانه، قال لهم يوماً: موعدكم ثالثة فمن استأخر بعدها منكم فليمش إلى خشبته، فغزا الشام، فذلك حين قتل، وخرب بيت المقدس وانتزع حليته وحملها، وجعل يشرب فيها الخمور وخواناً يأكل عليها الخنازير، وحمل التوراة معه ثم ألقاها في النار، وقدم فيما قدم بمائة وصيف منهم دانييل وعزير، وكان يقال له عزريا، وحنانيا وميشائيل، فقال لإنسان: أصلح لي أجسام هؤلاء، لعلي أختار منهم أربعة يخدمونني. فقال دانييل لأصحابه: اعلموا أنهم إنما نصروا عليكم بما غيرتم من دين آبائكم. لا تأكلوا لحم الخنزير، ولا تشربوا الخمور. فقالوا للذي يصلح أجسامهم: هل لك أن تطعمنا طعاماً هو أهون عليك في المؤونة مما تطعم أصحابنا، فإن لم نسمن قبلهم أكثر من سمنهم رأيت رأيك؟ قال: ماذا؟ قالوا: خبز الشعير والكراث. ففعل، فسمنوا قبل أصحابهم. فأخذهم بخت نصر يخدمونه. قال: فبينما

(1/209)


هو كذلك إذ رأى بخت نصر رؤيا، فجلس ثم نسيها، ثم عاد فرآها، ففزع فقام من نومه، ثم عاد فرقد فرآها، فخرج إلى الحجر فنسيها، فلما أصبح. دعا العلماء والكهان، فقال: أخبروني بشيءٍ رأيت البارحة، وإذا أخبرتموني بما رأيت. فأولوا لي رؤياي، وإلا فليمش كل رجل منكم إلى خشبته، موعدكم ثلاث. فقالوا: هذا خبر قد أظلنا منه بلاء، فكيف بالنجاة منه، فجعل دانييل يقول كلما مر به رجل من رجاله: لو دعاني الملك لأخبرته بما رأى وأولت ذلك. فجعلوا يقولون: ما أحمق هذا الغلام الإسرائيلي! إلى أن مر به كهل فقال ذلك له، فرفعه إلى الملك وقال له: ماذا رأيت؟ قال: رأيت تمثالا. قال: إيه. قال: ورأسه من ذهب. قال: إيه، قال: وعنقه من فضة، قال: إيه: قال وصدره من حديد. قال: إيه. قال وبطنه من صفر. قال: إيه: قال ورجلاه من آنك. قال: إيه. قال: وقدماه من فخار. قال: نعم، هذا الذي رأيت. قال: فجاءت حصاة فوقعت في رأسه ثم في عنقه ثم في صدره ثم في بطنه ثم في رجليه ثم في قدميه فأهلكته، قال: نعم، فما تأويل هذا؟ قال: أما الذهب فملكك، وأما الفضة فملك ابنك من بعدك ثم ملك ابن ابنك، وأما الفخار فملك النساء. فكساه جبة سبنية وسوره وأجازه وأمر أن يطاف به في القرية، وأخبر أن خاتمة جائز على ما ختم، فلما رأت ذلك فارس، قالوا: ما الأمر إلا أمر هذا الإسرائيلي فكيف نهدمه؟ قالوا: ائتوه من نحو الفتية الثلاثة أصحابه، ولا تذكروا له دانييل فإنه لا يصدقكم عليه، فأتوه، فقالوا: إن هؤلاء الفتية الثلاثة ليسوا على دينك، وهم يكرهون ما تستحسنه، وآية ذلك أنك إذا قربت إليهم لحم الخنزير والخمر لم يأكلوا ولم يشربوا، فأمر بحطب كثير فوضع، ثم أوقدت النار ورماهم فيها، فلما كان من آخر الليل أمر بالنظر إليهم فإذا هم يتحدثون، وإذا معهم رابع يروح عليهم ودانييل يصلي، قال: من هذا يا دانييل؟ قال: هذا جبريل، ظلمت القوم. فأمر بهم فأنزلوا. قال: ومسخ الله عز وجل بخت نصر من الدواب كلها، فجعله من كل صنف من الدواب رأسه من السباع الأسد، ومن الطير النسر، وملك ابنه بعده، وكان دانييل يسدده، وكان معه ثم رماه عنه وأقصاه، ثم أنه رأى كفاً فرجت بين لوحين مكتوب فيها سطران، فدعا الكهان والعلماء، فلم يجد عندهم منه علماً، فقالت أمه: إنك لو دعوت دانييل وأعدت إليه منزلته ومنك ومن أبيك عرفك، فدعاه فقال: إني معيد إليك منزلتك من أبي، فأخبرني ما هذان السطران؟ قال: أما معيد لي منزلي من أبيك فلا حاجة لي بذلك، وأما السطران فإنك تقتل الليلة. فال: فأمر أن يخرج كل من في القصر، فأخرجوا أجمعين، وأمر بقفل أبوابه فغلقت الأبواب، وأدخل معه رجلا وضع بيده سيفاً، وقال له: كل من جاءك من خلق الله الليلة فاقتله، ولو قال: أنا فلان - يعني نفسه - وبعث الله عليه البطن، فجعل يمشي والآخر نائم، فبينما هو كذلك إذ استيقظ ونهض إليه، فقال: أنا فلان. فضربه بالسيف فقتله؟ قال الله تعالى: " وإن عدتم عدنا " . قال: فبعث الله عليهم العرب، فلم يزالوا يسومونهم سوء العذاب، ولا يزالون إلى يوم القيامة في ذلة وصغار. قال ابن جريج: فبلغني أن سعيد بن جبير كان يحدث بهذا الحديث، فلما بلغ هذا الموضع أخذه رسول الحجاج بن يوسف. كذلك إذ رأى بخت نصر رؤيا، فجلس ثم نسيها، ثم عاد فرآها، ففزع فقام من نومه، ثم عاد فرقد فرآها، فخرج إلى الحجر فنسيها، فلما أصبح. دعا العلماء والكهان، فقال: أخبروني بشيءٍ رأيت البارحة، وإذا أخبرتموني بما رأيت. فأولوا لي رؤياي، وإلا فليمش كل رجل منكم إلى خشبته، موعدكم ثلاث. فقالوا: هذا خبر قد أظلنا منه بلاء، فكيف بالنجاة منه، فجعل دانييل يقول كلما مر به رجل من رجاله: لو دعاني الملك لأخبرته بما رأى وأولت ذلك. فجعلوا يقولون: ما أحمق هذا الغلام الإسرائيلي! إلى أن مر به كهل فقال ذلك له، فرفعه إلى الملك وقال له: ماذا رأيت؟ قال: رأيت تمثالا. قال: إيه. قال: ورأسه من ذهب. قال: إيه، قال: وعنقه من فضة، قال: إيه: قال وصدره من حديد. قال: إيه. قال وبطنه من صفر. قال: إيه: قال ورجلاه من آنك. قال: إيه. قال: وقدماه من فخار. قال: نعم، هذا الذي رأيت. قال: فجاءت حصاة فوقعت في رأسه ثم في عنقه ثم في صدره ثم في بطنه ثم في رجليه ثم في قدميه فأهلكته، قال: نعم، فما تأويل هذا؟ قال: أما الذهب فملكك، وأما الفضة فملك ابنك من بعدك ثم ملك ابن ابنك، وأما الفخار فملك النساء. فكساه جبة سبنية وسوره وأجازه وأمر أن يطاف به في القرية، وأخبر أن خاتمة جائز على ما ختم، فلما رأت ذلك فارس، قالوا: ما الأمر إلا أمر هذا الإسرائيلي فكيف نهدمه؟ قالوا: ائتوه من نحو الفتية الثلاثة أصحابه، ولا تذكروا له دانييل فإنه لا يصدقكم عليه، فأتوه، فقالوا: إن هؤلاء الفتية الثلاثة ليسوا على دينك، وهم يكرهون ما تستحسنه، وآية ذلك أنك إذا قربت إليهم لحم الخنزير والخمر لم يأكلوا ولم يشربوا، فأمر بحطب كثير فوضع، ثم أوقدت النار ورماهم فيها، فلما كان من آخر الليل أمر بالنظر إليهم فإذا هم يتحدثون، وإذا معهم رابع يروح عليهم ودانييل يصلي، قال: من هذا يا دانييل؟ قال: هذا جبريل، ظلمت القوم. فأمر بهم فأنزلوا. قال: ومسخ الله عز وجل بخت نصر من الدواب كلها، فجعله من كل صنف من الدواب رأسه من السباع الأسد، ومن الطير النسر، وملك ابنه بعده، وكان دانييل يسدده، وكان معه ثم رماه عنه وأقصاه، ثم أنه رأى كفاً فرجت بين لوحين مكتوب فيها سطران، فدعا الكهان والعلماء، فلم يجد عندهم منه علماً، فقالت أمه: إنك لو دعوت دانييل وأعدت إليه منزلته ومنك ومن أبيك عرفك، فدعاه فقال: إني معيد إليك منزلتك من أبي، فأخبرني ما هذان السطران؟ قال: أما معيد لي منزلي من أبيك فلا حاجة لي بذلك، وأما السطران فإنك تقتل الليلة. فال: فأمر أن يخرج كل من في القصر، فأخرجوا أجمعين، وأمر بقفل أبوابه فغلقت الأبواب، وأدخل معه رجلا وضع بيده سيفاً، وقال له: كل من جاءك من خلق الله الليلة فاقتله، ولو قال: أنا فلان - يعني نفسه - وبعث الله عليه البطن، فجعل يمشي والآخر نائم، فبينما هو كذلك إذ استيقظ ونهض إليه، فقال: أنا فلان. فضربه بالسيف فقتله؟ قال الله تعالى: " وإن عدتم عدنا " . قال: فبعث الله عليهم العرب، فلم يزالوا يسومونهم سوء العذاب، ولا يزالون إلى يوم القيامة في ذلة وصغار. قال ابن جريج: فبلغني أن سعيد بن جبير كان يحدث بهذا الحديث، فلما بلغ هذا الموضع أخذه رسول الحجاج بن يوسف.

(1/210)


وروى حماد، عن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس: أن رجلاً من علماء أهل الشام وجد نعت بخت نصر وأنه غلام يتيم، وله والدة، وله ذؤابة في رأسه من أهل بابل، وأنه تقدم فسأل عنه وعن أمه حتى عرفهما بالنعت، فنزل عليهما وكان وهو غلام يسوق العجاجيل والدجاج، فقال له ذات يوم: إنك ستملك فارس والشام، فاكتب لي أماناً ولقومي. قال: ما أدري ما هذا الذي يذكر، فلم يزل به حتى قال له: اكتب أنت ما شئت، وكتب له ولقومه أماناً، فأراد أن يختمه، فلم يكن لبخت نصر خاتم فأخذ خاتم حديد من نطاق أمه فختمه، ثم أنه دخل الشام، فأتاه الرجل فحيل بينه وبينه، فقال لمقدمته: إن للملك ودخل عليه، فقال: ما تعرفني؟ قال: ما أعرفك. فقص عليه القصة وذكره، ودفع إليه الأمان. فقال: ما أدري ما هذا الذي تذكر، ورثث هذا كابراً عن كابر عن آبائي. فلم يزل به حتى أقر. فوفي له وأمنه، وقال: لا يسمع هذا منك أحد. ولما ظهر على الشام، إذ هو بدم يحيى بن زكريا يغلي، فقال: لأقتلن على هذا الدم حتى يسكن، فقتل عليه سبعين ألفاً، فجاء قاتله فقال: إن هذا الدم لا يسكن أبداً حتى تقتلني فأنا قتلته فقتله وسكن الدم، وظهر على الشام وخرب بيت المقدس وحرق التوراة، وجاء معه دانييل وميخائيل وعزير وحزقاييل ودفعهم إلى صاحب مطبخه، ثم ذكر الرؤيا وزاد فيها فيجىء بنيٌ من العرب فيغلب وينقض تلك الأوثان كلها ويكون الدين كله لله.
وقال ابن الكلبي: كان سنمار الرومي من أصنع الناس للبنيان، فبنى لبعض ملوك العرب بنياناً سر به وأعجبه، وخاف إن استبقى سنمار بني بعده مثل ذلك البنيان، لغيره من الملوك، فأمر به فرمى من فوق القصر فمات، فضربت به العرب الأمثال في سوء الجزاء، حتى قال بعضهم:
جزاني جزاه الله شر جزائه ... جزاء سنمارٍ وما كان عن ذنب
سوى رصه البنيان سبعين حجة ... يعلى عليه بالقراميد والسكب
فلما رأى البنيان تم سحوقه ... وآض كمثل الطود ذي الباذخ الصعب
وظن سنمار به كل حظوةٍ ... وفاز لديه بالمودة والقرب
فقال اقذفوا بالعلج من رأس شاهقٍ ... فذاك لعمر الله من أعظم الخطب
كتب ملك الروم إلى معاوية: إن الملوك لم تزل تراسل بعضهم بعضاً، وتجتهد أن يغرب بعضهم على بعض، أفتأذن في ذلك؟ فأذن له. فوجه إليه رجلين أحدهما طويل والآخر أيد، فقال معاوية لعمرو: أما الطويل فقد أصبنا كفؤاً له وهو قيس بن سعد بن عبادة، وأما الآخر الأيد فقد احتجنا إلى رأيك فيه. فقال: هاهنا رجلان كلاهما إليك بغيض: محمد بن الحنفية، وعبد الله بن الزبير. قال معاوية: الذي هو أقرب إلينا منهما فلما دخل الرجلان وجه إلى قيس ابن سعد فدخل، فلما مثل بين يديه معاوية نزع سراويله فرمى بها إليه فلبسها فبلغت ثندوته، فأطرق مغلوباً. وقيل لقيس في ذلك: لم تبذلت في حضرة معاوية؟ هلا فعلت غير ذلك؟ فقال:
أردت لكيما يعلم الناس أنها ... سراويل قيسٍ والوفود شهود
وألا يقولوا غاب قيس وهذه ... سراويل عاديً نمته ثمود
وإني من القوم اليمانين سيد ... وما الناس إلا سيد ومسود
وبّ جميع الناس أصلي ومنصبي ... وجسم به أعلو الرجال مديد
ثم وجه إلى محمد بن الحنفية، فدخل فخبر بما دعى إليه، فقال: قولوا له: إن شاء فليجلس وليعطني يده حتى أقيمه أو يقعدني، وإن شاء فليكن القائم وأنا القاعد، فاختار الرومي الجلوس، فأقامته، فانصرف الطويل والأيد مغلوبين.
قلت: أما هذا الخبر فمنكر ليس بصحيح، ولا له أصل لأنه يخالف أخلاق قيس ومحمد، وليس فيه كبير فائدة لمنزلتهما.
باب جامع من المذكرات
مما لم يذكر في الأبواب المتقدمات
كان يقال: المتقون سادة، والفقهاء قادة ومجالستهم زيادة - يعني في الخير.
قال عبد الله بن عباس رضى الله عنه: حلق القفا مما يزيد في الحفظ.
وقال عبد الله بن عباس أيضاً: حلق الرأس لا يصح في العقوبة، لأن الله عز وجل جعل حلق الرأس نسكاً لمرضاته.
قال عمر بن عبد العزيز: إياكم والمثلة في العقوبة: حز الرأس واللحية.

(1/211)


وقال عبد الله بن عباس: إني لأسمع بالحكم من حكام المسلمين يعدل فأفرح به، ولعلي لا أتحاكم أبداً، وإني لأسمع بالغيث يصيب البلدان فأفرح ومالي فيها سائمة، وإني لآتي على الآية فأود أن الناس يعملون بها، ويعلمون منها ما أعلم.
سأل رجل مطرف بن الشخير عن شيء، فقال: يا ابن أخي لا تحمل سعة الإسلام على ضيق صدرك.
كان يقال: لكل شيءٍ آفة، وآفة العلم النسيان، وآفة العبادة الرياء، وآفة الحياء الضعف، وآفة اللب العجب، وآفة الظرف الصلف، وآفة الجود الشرف، وآفة الجمال التيه، وآفة السؤدد الكبر، وآفة الحلم الذل.
كان يقال: العجب ممن يخاف العقاب ولم يكفن ورجا الثواب ولم يعمل.
قال حارثة بن بدر الغداني:
طربت بقانونٍ وما كنت أطرب ... سفاها وقد جربت فيمن يجرب
وما اليوم إلا مثل أمس الذي مضى ... ومثل الغد الجائي وكل سيذهب
ومن وصايا إبليس، من النوادر أبيات أنس بن إياس يخاطب حارثة بن بدر الغداني هذا:
أحار بن بدرٍ قد وليت ولايةً ... فكن جرذا فيها تخون وتسرق
ولا تحقرن يا حار شيئاً وجدته ... فحظك من ملك العراقين سرق
وباه تميماً بالغني إن للغنى ... لساناً به المرء الهيوبة ينطق
فإن جميع الناس إما مكذب ... يقول بما يهوى وإما مصدق
يقولون أقوالاً ولا يعرفونها ... فإن قيل هاتوا حققوا لم يحققوا
فأجابه حارثة:
جزاك إله الناس خير جزائه ... فقد قلت معروفاً وأوصيت كافيا
أشرت بشيءٍ لو أشرت بغيره ... لألفيتني فيه لذلك عاصيا
امتحن يحيى بن أكثم رجلا أراده للقضاء، فقال: ما تقول في رجلين أنكح كل واحدٍ منهما الآخر أمه، فولد لكل واحد منهما ولد، فما قرابة ما بين الولدين؟ فلم يعرف. فسئل عن ذلك، فقال: كل واحدٍ منهما عم الآخر لأمه.
دخل رجل على عبد الملك بن مروان فقال له: إني تزوجت امرأة وزوجت ابني أمها، ولا غناء بنا عن رفدك، فقال له عبد الملك: إن أخبرتني ما قرابة أولادكما إذا ولدتما، فعلت؟ فقال: يا أمير المؤمنين! هذا حميد بن بحدل، قد قلدته سيفك ووليته ما وراء بابك، سله عنهما، فإن أصاب لزمني الحرمان، وإن أخطأ اتسع لي العذر. فدعا به فسأله، فقال: يا أمير المؤمنين! إنك ما قدمتني على العلم بالأنساب، ولكن على الطعن بالرماح. أحدهما عم الآخر والآخر خاله.
لو تزوج رجل امرأة، وزوج ابنه ابنتها، ثم ولد لهما، كان أحد المولودين عم الآخر، والآخر ابن أخيه.
كان يقال: ثمانية إن أهينوا فلا يلوموا إلا أنفسهم؛ الذاهب إلى مائدة لم يدع إليها، وطالب الفضل من اللئام، والداخل بين اثنين في حديثهما من غير أن يدخلاه فيه، والمستخف بالسلطان، والجالس مجلساً ليس له بأهل، والمقبل بحديثه على من لا يسمع منه ولا يصغي إليه.
ذكر الخشني عن أبي حاتم عن الأصمعي، قال: تذاكر نفر من الجن عيافة بني أسد، فقالوا: لو نظرنا إلى بعض ذلك فأتوهم، وقالوا: إنا ضلت لنا ناقة، فلو أرسلتم معنا بعض من يقفو لنا أثرها، فقالوا لغليم منهم: انطلق معهم، فاستردفه أحدهم ثم ساروا، فلقيهم عقاب كاسر إحدى جناحيها، فاقشعر الغلام فبكى، فقالوا: ما بالك؟ فقال: كسرت جناحاً ورفعت جناحاً، حلفت بالله صراحاً ما أنت بإنسي ولا تبغي لقاحاً.
قال الخشني: الجناح يؤنث ويذكر.
نذرت امرأة أن تكسو ثوباً غزلته فأتقنته أفضل رجل بالبصرة، فقيل لها: الحسن، فأتت به الحسن فأرسل بها إلى أبي قلابة، فردها أبو قلابة، وقال: إن الناس أصابوا فيك وأخطأت في.
قال أبو عبيد: العارضة كناية عن الندى، فإذا قيل: فلان شديد العارضة فذاك كناية عن سفه الكف بالعطاء. وإذا قيل: فلان يقتصد، فذلك كناية عن البخل. وإذا قيل العامل مستقص، فذلك كناية عن الجور. وأما قولهم في المثل: هذا أجل من الحرش، فإن الأصمعي ذكر في تفسيره ذلك، أن الضب قال لابنه: إذا سمعت صوت الحرش فلا تخرجن، قال: وذلك أنهم يزعمون: أن الحرش تحريك اليد عند حجر الضب ليخرج إذا ظن أنها حية. قال: وسمع ابنه يوماً صوت الحفر، فقال: يا أبت! هذا الحرش؟ فقال: يا بني! هذا أجل من الحرش، فأرسلهما مثلا وأنشد:

(1/212)


وأفطن من ضب إذا خاف حارشاً ... أعد له عند الناس عقربا
وفي المثل: تعلمني بالضب وأنا حرشته.
لأبي البلاد الطهوي، وكان من شياطين العرب:
لهان على جهينة ما ألاقى ... من الروعات يوم رحى بطان
لقيت الغول تسري في ظلامٍ ... بسهبٍ كالعباية صحصحان
فقلت لها: كلانا نقض أرضٍ ... أخو سفرٍ فصدي عن مكاني
فصدت وانتحيت لها بعضبٍ ... حسامٍ غير مؤتشبٍ يماني
فقد سراتها والبرك منها ... فخرت لليدين وللجران
فقالت: زد، فقلت: رويد إني ... على أمثالها ثبت الجنان
شددت عقالها وحططت عنها ... لأنظر غدوةً ماذا دهاني
إذا عينان في وجهٍ قبيحٍ ... كوجه الهر، مشقوق اللسان
ورجلا مخدجٍ ولسان كلبٍ ... وجلدٍ من فراءٍ أو شنان
أما قوله: فقالت: زد. فإنهم يزعمون - فيما ذكر عمرو بن بحر الجاحظ - : إن الغول يستزيد بعد الضربة الأولى، لأنها تموت من ضربة وتعيش من ضربتين إلى ألف، يقول: إذا ضربت ضربة ماتت، إلا أن يعيد عليها الضارب قبل أن تقضي ضربة أخرى، فإنه إن فعل ذلك لم تمت، ولذلك قال شاعرهم:
فثنيت والمقدار يحرس أهله ... فليت يميني قبل ذلك شلت
وهذا عندي من أكاذيب الأعراب، وحماقات عمرو بن بحر ومجونه.
ومن ذلك قول مدرج الريح، وهو عامر المجنون، وإنما قيل له مدرج الريح بشعر قاله في امرأة من الجن، زعم أنه كان يهواها وتتراءى له، فمن شعره يقول:
لابنة الجني في الجو طلل ... دارس الآيات عافٍ كالخلل
درسته الريح من بين صبا ... وجنوبٍ درجت حيناً وطل
وكان مدرج الريح محمقاً، وأما قول عبيد بن أيوب العنبري:
فلله در الغول أي رفيقةٍ ... لصاحب قفرٍ خائفٍ يتقفر
أرنت بلحنٍ بعد لحنٍ وأوقدت ... حوالي نيراناً تبوخ وتزهر
فإن العرب تذكر أن الغيلان توقد النيران بالليل للعب والتخييل وإضلال أبناء السبيل.
قلت: والدليل على أن الشياطين تضل الناس في الطريق، وتحيدهم عن سبيلهم، قوله الله تعالى: " كالذي استهوتهُ الشياطينُ في الأرض حيرانَ " ومن الدليل على صحة الغيلان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنشده كعب بن زهير قصيدته اللامية التي يقول فيها:
كانت مواعيد عرقوبٍ لها مثلاً ... وما مواعيده إلا الأباطيل
فما تدوم على حالٍ تكون بها ... كما تلون في أثوابها الغول
فلم ينكره.
قال أبو عمر: وكان عبيد بن أيوب هذا جوالا في مجهول الأرض، فلما اشتد خوفه وطال تردده، أمعن في الهرب، فقال:
لقد خفت حتى لو تمر حمامة ... لقلت عدو أو طليعة معشر
فإن قيل: أمن قلت: هذي خديعة ... وإن قيل: خوف قلت حق فشمر
وخفت خليلي ذا الصفاء ورابني ... وقيل فلان أو فلانة فاحذر
فلله در الغول أي رفيقةٍ ... لصاحب قفرٍ خائفٍ متنفر
في أبيات كثيرة، وأما قول أمية بن أبي الصلت:
والحية الذكر الرقشاء أخرجها ... من جحرها أمنات الله والقسم
إذا دعا باسمها الإنسان أو سمعت ... ذات الإله أتت في مشيها رزم
من خلفها حمة لولا الذي سمعت ... قد كان بيتها في جحرها الحمم
ناب حديد وكف غير وادعةٍ ... والخلق مختلف واللون والشيم
إذا دعين بأسماءٍ أجبن لها ... لنافثٍ يفتديه الله والكلم
لولا مخافة لابً كان عذبها ... عرجاء تظلع في أنيابها عسم
وقد بلته فذاقت بعض مصدقه ... فليس في سمعها من رهبةٍ صمم
فكيف يأمنها أم كيف تألفه ... وليس بينهما قربى ولا رحم
فإنه يقول: إنها خرجت لاستحلافه إياها، لا لرحمٍ بينها ولا نسب، وقد أوضحنا في كتاب " التمهيد " أن من الحيات صنفان من الجن، وأن منهم من أسلم، فغير نكير أن يخضع لذكر الله وأسمائه.

(1/213)


ومن عجائب الدنيا، صنم قادس في غرب الأندلس على البحر من كورة شذونة، وقد ذكره الأوائل، ونقل أهل الأخبار خبره، ومن أحسن ما قيل في وصفه من النظم ما أنشده غير واحد لأبي عثمان الشذوني العروضي، يخاطب بعض قواد شذونة، إذ أدخله إليه فرآه على قرب في تلك الجزيرة، فقال:
يا سيدا أبصرت عيني به عجباً ... فما أبالي يقول الناس عن رهبي
لله ما أبصرته في شذونة من ... عجائب كنت في إبصارها سببا
آثار مملكةٍ دلت على ملكٍ ... أذل بالملك أعناق الورى حقبا
وأسودٍ واقفٍ في رأس صومعةٍ ... كأنه فوقها بالروح قد صلبا
مقدماً رجله اليمنى ليرفعها ... كأنه يشتكي من طول ما تعبا
يمد يمناه بالمفتاح تحسبه ... مناولا غيره عجلان مكتئبا
وصكه في اليد اليسرى قد انقبضت ... كأنه ساتر عنا لما كتبا
يومي إلى البحر نحو الغرب وجهته ... مستقبلاً لغروب الشمس منتصبا
لابد والله من قفلٍ سيفتحه ... مفتاحه بعد الميقات أو قربا
وسائلٍ لي عما ضل جوهره ... والذهن في فك معناه قد انتشبا
أجبته إن في أخباره عجباً ... فلا تسل عنه صفراً كان أو ذهبا
قال علي بن أبي طالب رضى الله عنه: ما خلق الله خلقاً أشر من الخزر، ما بعث منهم نبي ولا صديق.
قال علي بن أبي طالب رضى الله عنه لابنه الحسن: يا بني! كم بين الإيمان واليقين؟ قال: أربع أصابع. قال: وكيف؟ قال: الإيمان ما سمعناه بآذاننا وصدقناه بقلوبنا، واليقين ما رأيناه بأعيننا فتيقنا، وبين السمع والبصر أربع أصابع. قال: أشهد أنك ابن رسول الله.
قال الحكماء: شيئان أعيت الحكماء الحيلة فيهما، إذا أقبل الأمر أعيت الحيلة فيه أن يدبر، وإذا أدبر أعيت الحيلة فيه أن يقبل.
قال خالد بن صفوان: احترس من العين فو الله لهي أنم من اللسان.
كان يقال: من أحبك نهاك، ومن أبغضك أغراك.
كان يقال: مثلت الدنيا بطائر، فالبصرة ومصر جناحان، والشام والعراق والجزيرة وما والاها الجوف، واليمن الذنب.
تقول العرب: مضر رحاها خندف، وهامتها تميم، وفرسانها قيس، وأئمتها كنانة، ولسانها أسد.
قال الخشني: لا تكرم ولا تعظم إلا من يرجى خيره، أو يخاف شره، أو يقتبس من علمه، أو من بركة دعائه.
خطب أرسطو طاليس يوماً فأطال، وعنده شاب مطرق، فقال له: مالك لا تتكلم؟ قال: إن الله خلق الإنسان أذنين اثنين ولساناً واحداً ليسمع أكثر مما يقول.
من أمثال العرب: من يجمع بين الأروى والنعام! لأن الأروى لا تسهل، وإنما تسكن الجبال، والنعام يسكن السهل، ولا ترقى الجبال.
ومن قولهم: بيضة البلد؛ فمدح وذم، فمن المدح قول علي رضى الله عنه: أنا بيضة الإسلام، ومن المدح قول حسان:
وابن الفريعة أمسى بيضة البلد
يعني نفسه. وأما الذم فقول الراعي في عدي بن الرقاع:
لو كنت من أحدٍ يهجي هجوتكم ... يا ابن الرقاع ولكن لست من أحد
تأبى قضاعة أن تدري لكم نسباً ... وابنا نزارٍ فأنتم بيضة البلد
ابنا نزارٍ: ربيعة ومضر.
قال قبيصة بن جابر الأسدي، يوم صفين:
قد حافظت في حربها بنو أسد ... ما مثلها تحت العجاج من أحد
لسنا بأوباشٍ ولا بيض البلد قيل للأموية: أي شيءٍ أحسن؟ قالت: القصور والبيض في الحدائق الخضر.
قال أبو لبيد الرياحي: سألت شيخاً لنا: أي شيء أحسن؟ قال: بيضة في روضة.
تقول العرب: لا شيء أظل من حجر، ولا أفيأ من شجر.
قال الشاعر:
إذا لم يكن فيكن ظل ولا جنى ... فأبعدكن الله من شجرات
وقال آخر:
فلا تجزعن على أيكةٍ ... أبت أن تظلك أغصانها
وقال آخر، هو الحسن بن هانئ:
لا أذود الطير عن شجرٍ ... قد بلوت المر من ثمره
كلم الحجاج امرأة من الخوارج، وهي معرضة عنه، فقيل لها: يكلمك الأمير وأنت معرضة عنه؟ فقالت: إني لأستحي أن أنظر إلى من لا ينظر الله إليه.
قال رجل من بني كلاب من الخوارج، يخاطب معاوية بن أبي سفيان رحمه الله:

(1/214)


قد سرت سير كليب في عشيرته ... لو كان فيهم غلام مثل جساس
الطاعن الطعنة النجلاء عاندها ... كطرة البرد أعيا فتقها الآسى
قال عمر بن الخطاب: ما أبالي على أي حال أصبحت؟ أعلى ما أحب أم على ما أكره، لأني لا أدري فيم الخيرة، أفيما أحب أم فيما أكره. وما أبالي إذا استخرت الله في الأمر أكان أو لم يكن.
وأما قول الشاعر:
طلب الأبلق العقوق فلما ... لم ينله أراد بيض الأنوق
فالأبلق لا يكون عقوقاً أبداً، يقال: أعقت الدابة إذا عظم بطنها للحمل، والذكر لا يكون عقوقاً، والأنوق الرخم لا يكاد يرى بيضة ولا يوجد لأنه في صدوع الصخر من الجبال الشامخة، ولا منفعة فيه، ولا يصاب إلا بمشقة ونيل مكروه.
وأما الزجر بالغراب عندهم فلاشتقاق اسمه من الغربة والاغتراب، ومنه أخذ الغريب. وقيل له: حاتم بن بحير لهذا، ويشتقون من الصرد: التصريد والصرد، والصرد هو البرد، قال الشاعر:
دعا صرد يوماً على غصن شوحطٍ ... وصاح بذات البين فيها غرابها
فقلت: أتصريد وشحط وغربة ... فهذا لعمري نأيها واغترابها
وقال آخر:
تغني الطائران ببين سلمى ... على غصنين من غرب وبان
فكان البين أن بانت سليمى ... وبالغرب اغتراب غير دان
وقال سلامة بن جندل:
ومن تعرض للغربان يزجرها ... على سلامته لابد مشئوم
وقال آخر:
ولست أبالي حين أغدو مسافراً ... أصاح غراب أم تعرض ثعلب
وقد أوضحنا هذا المعنى بالآثار المرفوعة، والأخبار والأشعار في كتاب " التمهيد " ، والحمد الله تعالى.
باب من منثور الحكم والأمثال
منتقى من نتائج عقول الرجال
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا حليم إلا ذو عثرة، ولا حكيم إلا ذو تجربة " .
خير المقال ما صدقه الفعال.
رأس الدين صحة اليقين.
كفر النعمة لؤم، وصحبة الجاهل شؤم.
من الفساد إضاعة الزاد.
امحض أخاك النصيحة، وإن كانت عنده قبيحة.
التجارب ليس لها غاية، والعاقل يستزيد منها إلى غير نهاية.
من بذل لك مودته، أجزل لك عطيته.
الأحمق لا يبالي ما قال، والعاقل يتعاهد المقال.
من غلب عليه العجب، ترك مشورة الرجال.
جانب مودة الحسود، وإن زعم أنه ودود.
إذا جهل عليك الأحمق، فالبس له سلاح الرفق.
من طلب إلى لئيمٍ حاجةً، فهو كمن طلب صيد السمك في المفاوز.
مؤمل النفع من اللئام، كزارع السمسم في الحمام.
إذا صادقت الوزير، لم تخف الأمير.
لا تثق بالأمير إذا خانك الوزير.
من كان السلطان يطلبه، ضاق عليه بلده.
الزائر لمن يستثقله مذل لنفسه.
صديقي درهمي، إذا سرحته فرج همي وقضى حاجتي.
من جالس عدوه فليحترس من منطقه.
من عرف بالصدق جاز كذبه، ومن عرف بالكذب لم يجز صدقه.
من عرف من نفسه الكذب، لم يصدق الصادق.
كثرة الذنوب مفسدة للقلوب.
من بذل لك نصحه، فاحتمل غضبه.
من بذل لك ماله، فاصبر على ما يأتي منه.
لن يذهب من مالك ما وعظك.
من قل خيره على أهله، فلا ترج خيره.
قتل أرضا عالمها، وقتلت أرض جاهلها.
الإكثار من الملامة يولد القطيعة.
صاحب الزلل موكل به الندم.
الشجاعة لمن كانت له الدولة.
لا ترسل الكسلان في حاجتك فيتكاهن عليك.
عناء في غير منفعة خسارة حاضرة.
من ألح في المسألة على غير الله، استحق الحرمان.
صحبة الفاسق شين، وصحبة الفاضل زين.
من أكثر الكلام على المائدة غش بطنه، واستثقله إخوانه.
الكريم يواسي إخوانه في دولته.
من حفظ سره ركب أمره.
من جرى في ميدان أمله، عثر في عنان أجله.
من أحبك نهاك، ومن أبغضك أغراك.
من لم تقدر على مكافأته، فانصح له.
من لم يصبر على البلاء، لم يرض بالقضاء.
من استهوته الخمر والنساء، أسرع إليه البلاء.
إذا احترق الفؤاد، ذهب الرقاد.
من تسلط على الناس بغير سلطان، لم يسلم ممن الهوان.
الغريب الناصح خير من القريب الغاش.
من نسى إخوانه في الولاية، أسلموه في العزل والشدة.
من لم ينلك البر في حياته، لم تبك عيناك على وفاته.
من لم يقنع برزقه، عذب نفسه.
من اجترأ على السلطان، تعرض للهوان.
إذا لم يواتك البازي في صيده، فاتنف ريشه.
الهم ظلمة جلاؤها الفرج.

(1/215)


فقد الصبر، أعظم مصائب الدهر.
ساعات السرور جالبة للمحذور.
فكر في المعاد، تنس أمور العباد.
الصعود إلى السماء، أيسر من صرف القضاء.
من مدحك بما لا يعلم منك جهراً، ذمك بما لا يعلم منك سرا.
أمسك لسانك يسلم جنانك.
الحجة تدعو إلى المذهب الصحيح، والشبهة تدعو إلى المذهب الفاسد.
إن قدرت ألا تسمع أذنك سرك فافعل؛ فإن الدهر إذا عرف لذة كذرها.
لقاء الأحبة مسلاة للهموم.
حسن التدبير مع الكفاف، خير من التبذير مع الإيسار.
أشد الأشياء تأييداً للعقل مشاورة العلماء، والأناة في الأمور، والاعتبار بالتجارب. وأشدها إضراراً بالعقل الاستبداد والتهاون والعجلة.
أصعب من السلو التذلل للعدو قليل مهنً، خير من كثير مكدر.
كلب شاكر، خير من صاحبٍ غادر.
روضة العلم أزين من روضة الرياحين.
الكتاب مفيد علم من سلف، باقٍ لمن خلف.
القلم لسان الغائب.
رب خيرٍ جديد ألذ من مالٍ عتيد.
السلام وحسن البشر، ربما زرعا المودة في القلوب.
الحسود مغتاظ على من لا ذنب له عنده.
المرأة العفيفة الجميلة المواتية جنة الدنيا.
موت الولد العاق والزوجة المهارشة نعمة سابغة.
في الوجوه تظهر المودات.
القلوب تجازي، وبضميرك تستدل.
من الآفات كثرة الالتفات.
ومن كلام أكثر بن صيفي: مع كل حبرة عبرة، مع كل فرحة ترحة.
لا جماعة لمن اختلف عليه.
الانقباض عن الناس مكسبة للعداوة، والإفراط في الأنس مكسبة لقرناء السوء.
رب عجلة تعقب ريثاً.
العجز والتواني سبب الفاقة.
من مأمنه يؤتى الحذر.
اسع بجدً أو فذر.
جدك لا كدك.
ستساق إلى ما أنت لاق.
من جهل شيئاً عاداه، ومن أحب شيئاً استعبده.
ويل عالم من امرىءٍ جاهل.
إن قدرت أن ترى عدوك أنك صديقه فافعل.
كم بين روعة الفراق، وفرح التلاق.
من أشد العذاب فرقه الأحباب.
احذر من وترته وإن أحسنت إليه.
سوقي نفيس، خير من قرشي خسيس.
العقل كالزجاج إن يصدع لم يرقع.
موت مريح خير من فقرٍ صريح.
خير القريض والكلام ما إذا فرغ منشده وقائله، أحب إعادته سامعه.
إذا لم تقبل الحجة منك فالسكوت أولى بك.
من وعظه اليسير استغنى عن الكثير.
إذا جاء القدر عمى البصر.
إذا جاء الحين غطى العين.
إن غلبت على القول لم تغلب على السكوت.
في الإنصاف للعلماء زيادة، وفي الإنصاف للجهال سلامة.
من نظر أبصر، ومن فكر اعتبر.
العيال سوس المال.
حسبك من المال ما نفعك، ومن الدين ما ورعك.
لا ينطق لسانك إلا على ما يتسع به بنانك.
من حكم فليعدل، ومن قضى فليفصل.
إذا صدق العيان لم يحتج إلى برهان.
إذا خان البرهان فزعت إلى العيال.
شفاء الصدور في التسليم للمقدور.
شدة الحاجة ربما بعثت الحيلة.
ويح ابن آدم كيف ينهي ولا يرعوي، أم كيف يأمر ولا ينتهي.
الكذب عار وربما نفع.
الحلف لؤم، وربما افتقر إليه.
العذر قبيح، وربما حسن.
البخل مذموم وربما حمد.
لا شيء تراه العين، أحلى من اجتماع إلفين.
حفظك ما في يدك خير من طلبك ما في يد غيرك.
من التواني ما يكون سبباً للحرمان.
من حلم ساد، ومن تعلم ازداد.
العجب من ورثة الموتى، كيف لا يزهدون في الدنيا؟!.
من أيقن بالأجر، رغب في الصبر.
الإفراط في العتاب، يدعو إلى الاجتناب.
من نم عندك، نم بك.
من سعى إليك سعى عليك.
رب أخ لك لم تجمعك به ولادة.
لا يرتفع الرجل فوق قدره إلا لذلً يجده في نفسه.
مدح الغائب تعريض بالحاضر.
أخر الشر إذا شئت تعجيله.
ما أحق من غدر بألا يوفى له.
الحق أبلج، والباطل لجلج.
الخط صورة فأحسنها أبينها.
ذم الإنسان لنفسه في الملاء، مدح منه لها في الخلاء.
بطن جائع خير من ظلم شائع.
الثقيل عذاب وبيل.
رب بزة ظاهرة، تحتها خلة باطنة.
علم الرجل، ابنه الباقي بعده.
من عالته امرأة، لم يفقد ذلا.
شهود الزور كلاب القبور.
العيان رائد الاستحسان.
الاشتياق يذهب بالعناق.
ليس بالتحفظ في الأمور يسلم من المقدور.
من تردى بثوب السخاء غاب عن الناس عيبه.
من يفرغ للشر يطلبه، أتيح له من يغلبه.
من أمل أحداً هابه، ومن لم يدرك الشيء عابه.
لا يضر السحاب نباح الكلاب.
قال حسان:
ما أبالي أنب بالحزن تيسٌ ... أم لحاني بظهر غيب لئيمُ
وقال الأخطل:

(1/216)


ما ضر تغلب وائلٍ أهجوتها ... أم بلت حيث تناطح البحران
وقال آخر:
ما يضر البحر أمسى زاخراً ... أن رمى فيه غلام بحجر
وقال جرير:
زعم الفرزدق أن سيقتل مربعاً ... أبشر بطول سلامة يا مربع
وقال آخر:
تهددني لتقتلني نمير ... متى قتلت نمير من هجاها
باب من نوادر الفلاسفة مختصرة
قيل لأرسطو طاليس: ما الفلسفة؟ قال: فقر وصبر، وعفاف وكفاف، وهمة وفكرة.
قيل لسقراط: بم فضلت أهل زمانك؟ قال: لأن غرضي في الأكل الحياة، وغرضهم في الحياة أن يأكلوا.
قيل لسقراط: ما أتعب فلاناً بخضاب لحيته؟ فقال: لخوف المطالبة بالحكمة، ولا تطلب إلا من المشايخ.
قال بقراط: أعظم آفة الحيوان الصامت من صممته، وأعظم آفة الحيوان الناطق من نطقه.
قيل لجالينوس: بم فقت أصحابك في علم الطب؟ فقال: لأني أنفقت في زيت السراج لدرس الكتب مثل ما أنفقوا في شرب الخمر.
كتب فيلسوف إلى طبيب: صناعتي أقرب الصناعات من صناعتك؛ لأنك تصلح الأبدان وأنا أصلح النفوس.
قيل لفيلسوف: أين بلغت بك الحكمة؟ قال: إلى الوقوف على القصور عنها.
قال أنوشروان لبزر جمهر: من أدبك؟ قال: قريحتيٍ، نظرت إلى ما استحسنت من غيري فاستعملته، وما استقبحته اجتنبته، ولقد تفقدت من كل شيء محاسنه، فأخذت من الخنزير قناعته، ومن الكلب محافظته، ومن القرد مساعدته، ومن الحمار صبره، ومن الغراب بكوره، ومن السنور لطافة المسألة عند الخوان.
قيل لرجل من الحكماء: لمن أنت أرحم؟ قال: لعالمٍ جاز عليه حكم جاهل.
وقيل له: متى يكون البليغ عييا، والعيُّ بليغاً؟ فقال: إذا وصف حبيباً، وإذا احتج البليغ على محبوب.
قيل للإسكندر: رأيناك تعظم معلمك، أكثر من تعظيمك لأبيك؟ فقال: لأن أبي سبب موتى، ومعلمي سبب حياتي.
نظر حكيم إلى قوم يرمون ولا يصيبون ويسبون الرمى، فجلس في الهدف إلى الغرض، فقيل له: جلست هناك! قال: لأني لم أر موضعا أوقى من هذا.
قيل لبعض الحكماء: متى أثرت فيك الحكمة؟ قال: مذ بدا لي عيب نفسي.
رأى أفلاطون رجلاً معجباً بنفسه، فقال: وددت أن أعدائي مثلك في الحقيقة، وأنا مثلك في ظنك.
كان رجل مصوراً فترك التصوير وتتطبب، فقيل له في ذلك، فقال: الخطأ في التصوير تدركه العيون، وخطأ الطبيب تواريه القبور.
سعى إلى الإسكندر بعض رجاله برجل من أصحابه فقال له: أتحب أن أقبل قولك فيه، على أن أقبل قوله فيك؟ قال: لا. قال: فكف إذاً عن الشر ليكف الشر عنك.
قال الإسكندر لجلسائه: ينبغي للرجل أن يستحي من أن يأتي قبيحاً في منزله من أهله؛ وفي غير منزله ممن يلقاه.
أتى الإسكندر يوماً جاسوس يخبره عن عسكر دارا الفارسي، وأخبره أن فيه خلقاً كثيراً، فقال له: إن الذئب وإن كان واحداً لا تهو له كثرة الغنم.
كان في أصحاب الإسكندر رجل يسمى الإسكندر لا يزال ينهزم في الحرب، فقال له: إما غيرت اسمك، وإما غيرت فعلك.
قيل للإسكندر: قد بسط الله لك في الملك، فأكثر من النساء ليكثر ولدك ونسلك، فقال لا يصح لمن غلب الرجال أن تغلب عليه النساء.
سأل الإسكندر رجلان من خاصته أن يحكم بينهما، فقال: الحكم يرضي أحدكما ويسخط الآخر، فاستعملا الحق ليرضيكما جميعاً.
وقال له أصحابه: قد بسط الله ملكك وعظم سلطانك، فبأي الأشياء أنت أسر: بما نلت من أعدائك، أم بما بلغت من سلطانك؟ قال: كلاهما يسير، وأعظم ما أسر به ما سننت في الرعية من السنن الجميلة والشرائع الحسنة.
قال الإسكندر: ينبغي للرجل إذا صافى مصافياً أن يتوقى مباشرته، ولا يسترسل إليه فيما يشينه.
قال بعض الحكماء لتلاميذه: استعملوا الكذب عند الضرورة كما تستعملون الدواء.
ولما مات الإسكندر قال نادبه: حركنا الإسكندر بسكونه.
أخذه أبو العتاهية فقال:
يا علي بن ثابتٍِ بان مني ... صاحب جل فقده يوم بنتا
قد لعمري حكيت لي غصص المو ... ت وحركتني لها وسكنتا
قال الموبذ بوم مات قباذ: كان الملك أمس أنطق منه اليوم، وهو اليوم أوعظ منه أمس.
أخذ أبو العتاهية هذا المعني، فقال:
وكانت في حياتك لي عظات ... وأنت اليوم أوعظ منك حيا

(1/217)


يقال: إن الإسكندر مات وكان عمره ستاً وثلاثين سنة، هذا قول الفرس ومنهم من يقول: كان عمره ثلاثاً وثلاثين سنة، وفي قول الفرس: إنه ملك أربع عشرة سنة. وأن قتله لدارا كان في السنة الثالثة من ملكه، وزعم الروم أن ملكه كان ثلاثاً وعشرين سنة وأنه مات وعمره ثلاث وأربعون سنة وهم أعلم به، وزعموا أنه مات بشهرزور، وأنه حمل إلى الإسكندرية ودفن بها، وأقامت عليه النوائح شهوراً. وقيل: بل مات بالإسكندرية.
قال بعض الحكماء: لا تغترن بحسن الكلام وطيبه إذا كان الغرض المقصود منه ضاراً؛ فإن الذين يخدعون الناس إنما يخلطون السم بالحلو من الأطعمة والأشربة، ولا يصعبن عليك الكلام الغليظ، إذا كان الغرض المقصود إليه نافعاً؛ فإن أكثر الأدوية الجالبة للصحة مرة مستبشعة.
قيل لبعض الحكماء: أي شيءٍ أنفع الأشياء؟ قال: الاعتدال. قيل: وما الاعتدال؟ قال: هو الشيء الذي الزيادة فيه والنقص منه ضرر.
يروى أن المسيح عليه السلام قال: أمر لا تعلم متى يغشاك، ينبغي أن تستعد له قبل أن يفجأك.
باب الرياء
جاء رجل إلى البني صلى الله عليه وسلم، فقال: إني أحب الجهاد في سبيل الله، وأحب أن يرى مكاني وموضعي، وإني أتصدق وأعمل العمل وأحب أن يراه الناس. فأنزل الله عز وجل: " فمنْ كان يرجو لقاءَ ربهِ فليعمل عملاً صالحاً، ولا يشرك بعبادةِ ربهِ أحداً " .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من راءى بعمله، راءى الله به، ومن سمع بعمله سمع الله به بين خلقه وحقره وصغره " .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قال الله عز وجل: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل لي عملاً أشرك فيه غيري فهو إلى غيري، ليس لي منه شيء، وأنا منه برئ " .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا وما الشرك الأصغر؟ قال: الرياء، يقول الله تعالى يوم القيامة، يوم يجازى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون فيهم خيراً " .
وروى في الحديث المرفوع: " الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل " .
روى الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير، قال: إن الملك ليصعد بعمل العبد مستفتحاً به، حتى إذا انتهى إلى ربه قال: اجعلوه في سجين، إني لم أرد بهذا. قال الأوزاعي: فما ظنك بما قد خفي عن الملك.
وروى عن النبي عليه السلام أنه قال: " أخوف ما أخاف عليكم الرياء، والشهوة الخفية، حبك أن تحمد بما لم تفعل " وقيل: بما عملت من الخير. والأول أجود. لأنه قد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال له رجل: يا رسول الله! أني أعمل العمل أريد به وجه الله، ثم يبلغني أن الناس يتحدثون به فيسرني. قال: " ذلك عاجل بشري المؤمن " .
قال الشاعر:
إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل ... خلوت ولكن قل على رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ساعة ... ولا أن ما تخفيه عنه يغيب
لهونا عن الأعمال حتى تتابع ... علينا ذنوب بعدهن ذنوب
فيا ليت أن الله يغفر ما مضى ... ويأذن لي في توبةٍ فأتوب
وقال آخر:
كم من مصل لا يطي ... ل صلاته لسوى الطمع
متلهيا إما خلا ... وإذا بصرت به ركع
يدعو وجل دعائه: ... ما للفريسة لا تقع
وقال الغزال:
ومراء أخذ النا ... س بسمتٍ وقطوب
وخشوع يشبه السق ... م وضعف في الدبيب
قلت: هل تألم شيئاً ... قال أثقال الذنوب
قلت: لا تعن بشيءٍ ... أنت في قالب ذيب
إنما تنبي عن الوث ... بة في حال الوثوب
ليس من يخفى عليه ... منك هذا بلبيب
قال محمود الوراق:
أيها المغرور مهلا ... فلقد أوتيت جهلا
كم إلى كم تحسن القو ... ل ولا تحسن فعلا
ظاهر يجعل والباطن لا ... يخفى على ربك كلا
وقال محمود الوراق:
تصنع كي يقال له أمين ... وما يغني التصنع للأمانة
ولم يرد الإله به ولكن ... أراد به الطريق إلى الخيانة
باب في الشيب ومدحه

(1/218)


قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من شاب شيبةً في الإسلام كانت له نوراً يوم القيامة " .
قال جعفر الخواص: رأيت يحيى بن أكثم في النوم، فقلت ما فعل الله بك؟ قال: أوقفني بين يديه فسألني وناقشني، وقال: يا شيخ السوء! لولا شيبتك لأدخلتك النار - رددها ثلاثاً - فقلت: يا رب! ما هكذا حدثني عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري عن أنس، عن نبيك، عن جبريل، عنك. قال: وما هو؟ قلت: " حدث أنه من شاب شيبةً في الإسلام لم تحرقه بالنار " ، فقال الله عز وجل: " صدق عبد الرزاق، وصدق معمر، وصدق الزهري، وصدق أنس، وصدق نبي، وصدق جبريل؟ انطلقوا به إلى الجنة " .
وقال أبو موسى الزمن: رأيت أبا الوليد الطيالسي في النوم فقلت: يا أبا الوليد، أليس قدمت؟ قال: بلى. قلت: فما فعل الله بك. قال: غفر لي ورحمني وطيبني بيده، وقال: هكذا أفعل بأبناء الخمسين والسبعين.
وممن مدح الشيب من الشعراء الفرزدق، حيث يقول:
تفاريق شيب في السواد لوامع ... وما خير ليلٍ ليس فيه نجوم
وقال أبو هفان:
تعجبت هند من شيبي فقلت لها ... لا تعجبي فبياض الصبح في السدف
وزادها عجباً أن رحت في سملٍ ... وما درت هند أن الدر في الصدف
وقال دعبل:
أهلاً وسهلاً بالمشيب فإنه ... سمة العفيف وحلية المتحرج
وكأن شيبي نظم درً زاهرٍ ... في تاج ذي ملكٍ أغر متوج
وقال أيضاً:
أحب الشيب لما قيل ضيف ... لحبي للصيوف النازلينا
لمحمد بن عبد الملك الزيات:
وعائبٍ عابني بشيبي ... لم يعد لما ألم وقته
فقلت غذ عابني بشيبي ... يا عائب الشيب لا بلغته
وقال آخر:
لا يرعك المشيب يا بنة عبد الله ... فالشيب جلة ووقار
إنما تحسن الرياض إذا ما ... ضحكت في خلالها الأنوار
ولأبي الفتح البستي:
ما استقامت قناة رأيي إلا ... بعدما عوج المشيب قناتي
ولدعبل بن علي:
تعجبت أن رأت شيبي فقلت لها: ... لا تعجبي من يطل عمر به يشب
شيب الرجال لهم زين وتكرمة ... وشيبكن لكن الويل فاكتئبي
فينا لكن وإن شيب بدا أرب ... وليس فيكن بعد الشيب من أرب
وقال أبو الحسن علي بن محمد السهواجي، وسهواج بلدة من أعمال مصر:
ومما زاد في طول اكتئابي ... طلائع شيبتين ألمتابي
فأما شيبة ففزعت منها ... إلى المقراض من حب التصابي
وأما أختها فكففت عنها ... لتشهد بالبراء من الخضاب
فيا عجباً لذلك من مشيبٍ ... أقمت به الدليل على الشباب
وروى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: " أعمار أمتي ما بين الستين والسبعين، وأقلهم من تجاوز ذلك " . قال أبو هريرة: وأنا من أقلهم، وقاله أبو سلمة ومحمد بن عمرو.
ومن حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " من تعظيم خلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم " .
رأى إياس بن قتادة شعرةً بيضاء في لحيته، فقال: أرى الموت يطلبني، وأراني لا أفوته، أعوذ بك يا رب من فجأة الموت. يا بني سعد! قد وهبت لكم شبابي فهبوا لي شيبي.
وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: " خير شبابكم من تشبه بكهولكم، وشر كهولكم من تشبه بشبابكم " . من حديث أنس.
وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: " إن الله عز وجل ليكرم أبناء السبعين ويستحي من أبناء الثمانين أن يعذبهم " .
باب في خضاب الشيب ونتفه
قال محمود الوراق:
إذا ما الشيب جار على الشباب ... فعاجله وغالط في الحساب
وقل لا مرحباً بك من نزيلٍ ... وعذبه بأنواع العذاب
بنتفٍ أو بقص كل يومٍ ... وأحياناً بمكروه الخضاب
فإن هو لم يحر وأتى لوقته ... فقل في رحب دار واقتراب
ولا تعرض له إلا بخيرٍ ... وإن عدي على شرخ الشباب
وخذ للشيب أهبته وبادر ... وخل عنان رحلك للذهاب

(1/219)


فقد جد الرحيل وأنت ممن ... يسير على مقدمة الركاب
وقال محمود الوراق:
وذي حيلةٍ في الشيب ظل يحوطه ... فيخضبه طوراً وطوراً ينتف
وما لطفت للشيب حيلة عالمٍ ... على الدهر إلا حيلة الشيب ألطف
وقال محمود أيضاً:
اشتعل الشيب فأفنيته ... وكل مقراضي فأعتقته
كنت إذا استقصيت قصي له ... وقلت في نفسي أفنيته
عارضني من جانبٍ آخرٍ ... كأنني قد كنت زملته
الشيب ما ليست له حيلة ... أعياني الشيب فخليته
وله أيضاً:
يا خاضب الشيبة نح فقدها ... فإنما تدرجها في كفن
أما تراها منذ عاينتها ... تزيد في الرأس بنقص البدن
أنشدني بعض شيوخي لابن محاسن في الخضاب:
يا من يغير شببه بخضابه ... ليكون عند الغانيات وجيها
هبك المشيب أحلته عن حاله ... فغضون وجهك كيف تصنع فيها
هيهات توهمها بأنك تربها ... فإذا خلت بك كنت صنو أبيها
ولمنصور الفقيه:
هبني سترت مشيبي ... تستراً عن حبيبي
فهل أروح وأغدو ... إلا بوجه مريبٍ
وقال آخر:
صبغت الرأس ختلاً للغواني ... كما غطى على الريب المريب
أعلل مرةً وأساء أخرى ... ولا تحصى على الكبر العيوب
يقوم بالثقاف العود لدناً ... ولا يتقوم العود الصليب
وقال آخر:
فما منك الشباب ولست منه ... إذا سألتك لحيتك الخضابا
ولابن المعتز:
ماذا تريدين من جهلي وقد سلفت ... سنو شبابي وهذا الشيب قد وخطا
أروح للشعرة البيضاء ملتقطاً ... فيصبح الشيب للسوداء ملتقطا
وقد مدح ابن المعتز الخضاب فقال:
وقالوا: النصول مشيب جديد ... فقلت: الخضاب شباب جديد
إساءة هذا بإحسان ذا ... فإن عاد هذا فهذا يعود
ولمحمود الوراق:
أتفرح أن ترى حسن الخضاب ... وقد واريت بعضك في التراب
ألم تعلم وفرط الجهل أولىبمثلك أنه كفن الشباب
لقد ألزمت لهزمتيك هوناً ... وذلا لم يكن لك في الحساب
أحين رمى سواد الرأس شيب ... فغيره فزعت إلى الخضاب
فكنت كمن أطل على عذابٍ ... ففر من العذاب إلى العذاب
تهي لنقلة لابد منها ... فقد أثبت رجلك في الركاب
وقال آخر:
يا أيها الرجل المسود شيبه ... كيما يعد به من الشبان
أقصر فلو سودت كل حمامةٍ ... بيضاء ما عدت من الغربان
وقال ابن الرومي:
رأيت خضاب المرء عند مشيبه ... حداداً على شرخ الشبيبة يلبس
وإلا فما يغني الفتى من خضابه ... أيطمع أن يخفي شباب مدلس
فكيف بأن يخفي المشيب لخاضب ... وكل ثلاثٍ صبحه يتنفس
وهبه يواري شيبه أين ماؤه ... وأين أديم للشبيبة أملس
وقال محمود الوراق:
طويت عوار الشيب من فرطٍ قبحه ... بأقبح منه فافتضحت وما انطوى
وأصبحت مرتاداً لنفسك ضلةً ... وقبلك ما أعيا الفلاسفة الألى
وله أيضاً، ويروي لغيره:
يا خاضب الشيب الذي ... في كل ثالثةٍ يعود
إن النصول إذا بدا ... فكأنه شيب جديد
هذي بديهة روعةٍ ... مكروهها أبداً عتيد
فدع المشيب لما أرا ... د فلن يعود كما تريد
كان عقبة بن عامر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم يخضب بالسواد، ويتمثل:
اسود أعلاها وتأبى أصولها ... فياليت ما يسود منها هو الأصل
وقال آخر:
نصول الشيب طوقني بطوق ... يلوح على من تحت السواد
إذا أبصرته فكأن وخزاً ... بأطراف الأسنة في فؤادي
باب جامع مختصر في الشيب والبكاء
على فقد الشباب
قال منصور النمري:

(1/220)


ما واجه الشيب من عين وإن ومقت ... إلا لها نبوة عنه ومرتدع
أبكي شباباً سلبناه وكان وما ... توفي بقيمته الدنيا ولا تسع
قد كدت تقضي على فوت الشباب أسًى ... لولا يعزيك أن العيش منقطع
ما كدت أوفي شبابي كنه عزته ... حتى انقضى فإذا الدنيا له تبع
قال المبرد: هذا من الشعر البديع في معناه، الذي ليس لأحد من المحدثين مثله، وقد أخذه الباهلي في قوله:
اذهب إليك فما الدنيا بأجمعها ... من الشباب بيومٍ واحدٍ بدل
قال الفرزدق:
وتقول كيف يميل مثلك للصبا ... وعليك من سمة الكبير عذار
والشيب ينهض في الشباب كأنه ... ليل يصيح بجانبيه نهار
وقال الأخطل:
هل الشباب الذي قد فات مردود ... أم هل دواء يرد الشيب موجود
لن يرجع الشيب شباناً ولن يجدوا ... عدل الشباب له ما أورق العود
وقال أيضاً:
لقد لبست لهذا الدهر أعصره ... حتى تخلل رأسي الشيب واشتعلا
وبان مني شبابي بعد لذته ... كأنما ضيفا نازلا رحلا
وقال منصور الفقيه:
من شاب قد مات وهو حي ... يمشي على الأرض مشي هالك
لو أن عمر الفتى حساب ... كان له شيبه فذلك
وقال محمود الوراق:
مني السلام على الدنيا وبهجتها ... فقد نعاها إلى الشيب والكبر
لم يبق لي لذة إلا التعجب من ... صرف الزمان وما يأتي به القدر
إحدى وسبعون لو مرت على حجر ... لكان من حكمه أن يفلق الحجر
وقال نفطويه:
شيئان لو بكت الدماء عليهما ... عيناي حتى بؤذنا بذهاب
لم يبلغا المعشار من حقيهما ... فقد الشباب وفرقة الأحباب
وقال آخر:
كان الشباب رداءً قد بهجت به ... فقد تطاول فيه للبلى خرق
وبان منشمراً عني ومنقبضاً ... كالليلِ ينهض في أعجازه الفلق
وقال يوسف بن هارون:
نظرت إلى بعين من لم يعدل ... لما تمكن طرفها من مقتلي
فجعلت أطلب وصلها بتلطفٍ ... والشيب يغمزها بألا تفعلي
وقال محمود الوراق:
أمن بعد ستين تبكي الطلولا ... وتندب رسماً وانياً محيلا
وقد نجم الشيب في عارضيك ... وجر على مفرقك الذيولا
وله أيضاً:
أليس عجيباً بأن الفتى ... يصاب ببعض الذي في يديه
فمن بين باكٍ له موجع ... وبين معزٍ معذٍ إليه
ويسلبه الشيب شرخ الشباب ... وليس يعزيه خلق عليه
وقال سهل الوراق:
أرى الشيب مذ جاوزت خمسين حجةً ... يدب دبيب الصبح في غسق الظلم
هو السقم إلا أنه غير مؤلمٍ ... ولم أر مثل الشيب سقماً بلا ألم
وقال آخر:
والشيب أعظم جرماً عند غانيةٍ ... من ابن ملجم عند الفاطميينا
وقال علي بن جبلة:
جلال مشيبٍ نزل ... وأنس شبابٍ رحل
طوى صاحب صاحباً ... كذاك اختلاف الدول
أعاذلتي أقصري ... كفي بالمشيب العذل
جلال ولكنه ... تحاماه حور المقل
وقال ابن مقبل:
قالت سليمى وقد كانت على مقةٍ ... لا خير في المرء بعد الشيب والكبر
قال الأصمعي: سمعت أعرابياً يقول: للموت تقحم على الشيب كتقحم الشيب على الشباب.
وقال مسلم بن الوليد:
الشيب كره وكره أن يفارقني ... أعجب بشيءٍ على البغضاء مردود
وقال آخر:
جانبك النوم والقرار ... أن منعت وصلها نوار
رأت مشيباً وفي الغواني ... عمن بدا شيبه ازورار
حتى إذا استيقنت بأني ... قد شاب صدغاي والعذار
ألوت بخدً إلى اللواتي ... زعمن أن المشيب عار
تمسح رأسي وهي تنادي ... أحتى على رأسك الغبار

(1/221)


نظر كسرى إلى رجلين من مرازبته أحدهما قد شاب رأسه قبل لحيته، والآخر قد شابت لحيته قبل رأسه، فأراد أن يعرف جواب كل واحد منهما عن حاله تلك. فقال لأحدهما: لم شاب رأسك قبل لحيتك؟ قال: لأن شعر رأسي خلق قبل شعر لحيتي، والكبير يشيب قبل الصغير. وقال للآخر: لم شابت لحيتك قبل رأسك؟ قال: لأنها أقرب إلى الصدر موضع الهم والغم.
قال حبيب:
شاب رأسي وما رأيت مشيب ال ... رأس إلا من فضل شيب الفؤاد
قيل لعبد الملك بن مروان: أسرع إليك المشيب. قال: فكيف لا أشيب وأنا أعرض عقلي على الناس في كل أسبوع - يعني الخطبة.
روى عن ابن عباس رحمه الله، قال: شيب الناصية من الكرم، وشيب الصدغين من الروع، وشيب الشارب من الفحش، وشيب القفا من اللؤم.
قال مكي بن إبراهيم:
مشيب لئام الناس في ذروة القفا ... وشيب كبار الناس فوق المفارق
قال قيس بن عاصم: الشيب خضاب المنية.
قال بعض الحكماء: الشيب موت الشعر.
قال معمر بن سليمان: الشيب مراحل الموت.
نظر بعض الأعاجم إلى شيبٍ في رأسه أو لحيته، فجمع نساءه وقال: تعالين فاندبنني إذا مات بعضي، لأبصر كيف تندبنني إذا مات كلي.
باب الكبر والهرم
قال الله تعالى: " ومن نعمره ننكسه في الخلق " .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللهم إني أعوذ بك أن أرد إلى أرذل عمر " .
وكان صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من الغم والهم والكسل والهرم.
وفد عمرو بن مسعود السلمي على معاوية بن أبي سفيان، وكان صديقاً لأبي سفيان، فلما مثل بين يدي معاوية عرفه، فقال له: كيف أنت وحالك؟ فقال: ما يسأل أمير المؤمنين عمن سقطت ثمرته، وذبلت بشرته، وابيض شعره، وانخني ظهره، وكثر منه ما يحب أن يقل، وصعب منه ما كان يحب أن يذل، وترك المطعم وكان المنعم، وهجر النساء وكن الشفاء، وقصر خطوه، وذهب لهوه، وكثر سهوه، وثقل على الأرض، وقرب بعضه من بعض، فقل إيحاشه، وكثر ارتعاشه، فنومه سبات، وهمه تارات، وأنشد شعراً حسناً في معناه، تركته لطوله.
وقال أبو عبيدة: عاش أنس بن مدرك الخثعمي مائة سنة وأربعا وخمسين سنة، وكان سيد خثعم في الجاهلية، وفارسها. وأدرك الإسلام فأسلم، وقال في كبره:
إذا ما امرؤ عاش الهنيدة سالماً ... وخمسين عاماً بعد ذاك وأربعا
تبدل مر العيش من بعد عذبه ... وأوشك أن يبلي وأن يتسعسعا
ونادي به الأدني وترضى به العدا ... إذا صار مثل الدال أحدب أخضعا
رهينة قعر البيت ليس يريمه ... لقىً ثاوياً لا يبرح البيت مضجعا
يخبر عمن مات حتى كأنما ... رأى الصعب ذا القرنين أو راء تبعا
قال أبو عبيدة: عمر نصر بن دهمان الأشجعي مائة وتسعين سنة، واعتدل بعد ذلك وصار شاباً، واسود شعره، وكان أعجوبة غطفان في سائر العرب وفيه قال الشاعر:
ونصر بن دهمان الهنيدة عاشها ... وتسعين حولاً ثم قوم فانصاتا
وعاد سواد الرأس بعد بياضه ... ولكنه من بعد ذا كله ماتا
روى سفيان بن عيينة، عن عبد الملك بن عمير، قال: دخل عمرو بن حريث على أبي العريان الهيثم بن الاسود النخعي يعوده ويزوره، فقال: كيف تجدك يا أبا العريان؟ قال أجدني قد ابيض مني ما كنت أحب أن يسود، واسود مني ما كنت أحب أن يبيض، ولأن مني ما كنت أحب أن يشتد، واشتد مني ما كنت أحب أن يلين. وزاد غيره في هذا الخبر: وأجدني يسبقني من بين يدي، ويدركني من خلفي، وأنسي الحديث، وأذكر القديم، وأنعس في الملاء، وأسهر في الخلاء، وإذا قمت قربت الأرض مني، وإذا قعدت بعدت عني. ثم اتفقت الرواية:
فاسمع أنبئك بآيات الكبر
تقارب الخطو وضعف في البصر
وقلة الطعم إذا الزاد حضر
وكثرة النسيان ما بي مدكر
وقلة النوم إذا الليل اعتكر
أوله نوم وثلثاه سهر
وسعلة تعتادني مع السحر
وتركي الحسناء في حين الطهر
وحذراً أزداده إلى حذر
والناس يبلون كما يبلي الشجر
وقال يحيى بن الحكم الغزال:
تسألني عن حالتي أم عمر ... وهي ترى ما حل بي من الغير

(1/222)


وما الذي تسأل عنه من خبر ... وقد كفاها الكشف عن ذاك النظر
وما تكون حالتي مع الكبر ... اربد مني الوجه وابيض الشعر
وصار رأسي شهرة من الشهر ... ويبست نضرة وجهي واقشعر
ونقص السمع بنقصان البصر ... وصرت لا أنهض إلا بعد شر
لو ضامني من ضامني لم أنتصر ... فانظر إلى واعتبر ثم اعتبر
فإن للحلوم في معتبر
قال معاوية بن أبي سفيان: من أخطأه سهم المنية قيده الهرم.
مر شيخ قد انحنى بفتى شاب، فقال له: أتبيع القوس يا شيخ؟ فقال له: إن كبرت أخذتها بلا ثمن.
لأعرابي في الصلع:
قد ترك الدهر صفاتي صفصفا
فصار رأسي جبهةً إلى القفا
كأنه قد كان ربعاً فعفا
أمسى وأضحى للمنايا هدفا
وقال تميم بن مقبل العجلاني:
كان الشباب لحاجاتٍ وكن له ... فقد فرغت إلى حاجاتي الأخر
يا حر أمست بشاشات الصبا ذهبت ... فلست منها على عينٍ ولا أثر
يا حر أمسى سواد الرأس خالطه ... شيب القذال اختلاط الصفو بالكدر
يا حر من يعتذر من أن يلم به ... ريب الزمات فإني غير معتذر
قد كنت أهدي ولا أهدي فعلمني ... حسن المقادة أني فاتني بصري
قالت سليمى لأختيها وقد صدقت ... لا خير في العيش بعد الشيب والكبر
قالت امرأة لرجل عهدته شابا ثم رأته شاخ: أين شبابك؟ قال: أودى به خصال من طال أمده، وكثر ولده، وضعف جلده، وذهب عدده.
قال منصور الفقيه:
يا من دعته الغواني ... عماً وقد كان شبا
قد كنت ورداً جنيناً ... فصرت ورداً مربا
مر أعرابي وهو شيخ كبير ببعض الغلمان، فقال له: من قيدك أيها الشيخ؟ قال: الذي هو دائب في فتل قيدك، وأنشده:
الدهر أبلاني وما أبليته ... والدهر غيرني وما يتغير
والدهر قيدني بقيد مبرمٍ ... فمشيت فيه وكل يوم يقصر
وقال آخر:
حنتني حانيات الدهر حتى ... كأني خاتل أدنو لصيد
قريب الخطو يحسب من رآني ... ولست مقيداً أني بقيد
قال عبد الرحمن بن أبي بكرة: من طالت أيامه، كانت مصيبته في أحبابه، ومن قصرت أيامه كانت مصيبته في نفسه.
قال محمود الوراق:
ألا رب ذي أملٍ كاذب ... بعيد الرجاء قوي الطمع
تمني البقاء تمادي به ... أجاب القضاء فماذا صنع
تجرد أكثر جثمانه ... وفرق ما كان منه جمع
ودل المشيب على رأسه ... وأعقب من بعد شيبٍ صلع
وقوس متنيه بعد اعتدالٍ ... وأثبت في الرجل منه الظلع
فمن ذا يسر بطول البقاء ... إذا كان يبدع هذي البدع
سأل الحجاج رجلاً من بني ليث، قد بلغ سناً كبيرة، قال: كيف طعمك؟ قال: إذا أكلت ثقلت، وإذا تركت ضعفت. قال: فكيف نكاحك؟ قال: إذا بذل لي عجزت، وإذا منعت شرهت. قال: كيف نومك؟ قال أنام في المجمع، وأسهر في المضجع. قال: كيف قيامك وقعودك؟ قال: إذا أردت الأرض تباعدت مني، وإذا أردت القيام لزمتني. قال: فكيف مشيتك؟ قال: تعقلني الشعرة، وأعثر بالبعرة.
وذكر المبرد قال: نظر محمد بن عبد الله بن طاهر إلى حاجب له قد رفع حاجبه عن عينيه بعصابةٍ من الكبر، فقال له: كم أتى لك من السنين يا أبا المجد؟ فقال مجيباً له:
يا ابن الذي دان له المشرقا ... ن من بعد أن دان له المغربان
إن الثمانين وبلغتهاقد أحوجت سمعي إلى ترجمان
وبدلتني بالشطاط انحنا ... وكنت كالصعدة تحت السنان
وقاربت مني خطاً لم تكن ... مقاربات وثنت لي العنان
وأنشأت بيني وبين الورى ... عيابة من غير نسج العيان
لم تبق لي عظماً ولا مفصلاً ... إلا لساني وكفاني اللسان
أدعو به الله وأثنى به ... على الأمير الطاهري الجنان
فقرباني بأبي أنتما ... من وطني قبل اصفرار البنان

(1/223)


وقبل منعاي إلى نسوةٍ ... أوطانها حران والرقتان
قال عبد الرحمن بن أبي بكرة: من تمنى طول العمر، فليوطن نفسه على المصائب، وأقلها فقد الأحبة والقرابات.
قال لبيد:
المرء يأمل أن يعي ... ش وطول عيشٍ قد يضره
تفني بشاشته ويبقى ... بعد حلو العيش مره
وتخونه الأيام حتى ... لا يرى شيئاً يسره
قال التيمي:
إذا كانت السبعون سنك لم يكن ... لدائك إلا أن تموت طبيب
وإن امرءاً قد سار سبعين حجةً ... إلى منهلٍ من ورده لقريب
إذا ما مضى القرن الذي كنت فيهم ... وخلفت في قرنٍ فأنت غريب
قام أبو العباس عبد الله بن إبراهيم بن الأغلب، فوجد في ظهره ما يجد الكبير، فأنشأ يقول:
ولقد كنت كالقناة قديماً ... ثم نادت بي الحوادث طاط
فتضويت للحوادث رغماً ... بعد تعديل قامةٍ وشطاط
وأديم قد كان يبرق حسناً ... فتغشى الأديم بعد انبساط
قال محمود الوراق:
ابيض مني الرأس بعد سواده ... ودعا المشيب شبيبتي لنفاد
واستحصد القوم الذي أنا منهم ... وكفى بذاك علامة لحصادي
كان أبو بكر بن عياش قد بلغ ثمانين سنة، فكان يتمثل:
بلغت ثمانين أو جزتها ... فماذا أؤمل أو أنتظر
ومما ينسب إلى بلعام بن راشد السكسكي:
إذا ما المنايا أخطأتك وصادفت ... حميمك فاعلم أنها ستعود
ولما رأيك الشيب أيقنت أنه ... رجوع غضارات الشباب بعيد
وقال منصور النمري:
ما تنقضي خسرة مني ولا جزع ... إذا ادكرت شباباً ليس يرتجع
ما كدت أوفي شبابي كنه عزته ... حتى مضى فإذا الدنيا له تبع
وقال محمود الوراق:
أيها النادب الشباب الذي قد ... كنت تجفوه مرةً وتعقه
لو بكيت الشباب عمر الليالي ... لم تكن باكياً بما يستحقه
قال أبو العتاهية:
مضى عني الشباب بغير أمري ... فعند الله أحتسب الشبابا
فزعت إلى خضاب الشيب منه ... وإن نصوله فضح الخضابا
وما من غايةٍ إلا المنايا ... لمن خلقت شبيبته وشابا
وقال محمود الوراق:
سقياً لأيامٍ تولت بها ... أحسن ما كانت صروف الزمن
إذ أنت في شرخ الشباب الذي ... يحسن فيه منك غير الحسن
ولي وما الدنيا بأقطارها ... لليوم والساعة منه ثمن
ولمحمود الوراق أيضاً:
إذا ما دعوت الشيخ شيخاً هجوته ... وحسبك مدحا للفتى قول يا فتى
أشبه أيام الشباب التي مضت ... وأيامنا في الشيب بالفقر والغنى
وقال آخر:
إذا رأيت صلعاً في الهامه ... وحدباً بعد اعتدال القامه
وصار شعر الرأس كالثغامه ... فايئس من الصحة والسلامه
وقال النمر بن تولب:
يحب الفنى طول السلامة والبقا ... فكيف ترى طول السلامة يفعل
يرد الفنى بعد اعتدالٍ وصحة ... ينوء إذا رام القيام ويحمل
وكان النضر بن شميل ينشد:
يحب بقائي المشفقون ومدتيإلى أجل لو يعلمونقريب
وما إن أرى في أرذل العمر بعدما ... لبست شبابي كله ومشيبي
وأصبحت في قومٍ كأن لست منهم ... وبانت لداتي منهم وضروبي
وقال رجل ليزيد بن هرون: يا أبا خالد! كيف أصبحت؟ فقال:
أصبحت لا يحمل بعضي بعضا
كأنما كان شبابي قرضا
فاستؤدي القرض فكان فرضا
وصرت عوداً نخراً مرفضاً
وقال حميد بن ثور:
أرى بصري قد رابني بعد صحةٍ ... وحسبك داءً أن تصح وتسلما
ولن يلبث العصران يوماً وليلةً ... إذا طلبا أن يدركا ما تيمما
وقال لبيد بن ربيعة:
كانت قناتي لا تلين لعامزٍ ... فألانها الإصباح والإمساء
ودعوت ربي في السلامة جاهداً ... ليصحني فإذا السلامة داء
وقال لبيد أيضاً:

(1/224)


أليس ورائي إن تراخت منيتي ... لزوم العصا تحنى عليها الأصابع
أخبر أخبار القرون التي مضت ... أدب كأبي كلما قمت راكع
وقال أبو النجم العجلي:
إن الفتى يصبح للأسقام
كالغرضٍ المنصوب للسهام
أخطأ رامٍ وأصاب رام
وأظنه أخذه من قول زهير:
رأيت المنايا خبط عشواء من تصب ... تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم
وقال آخر:
من عاش أخلقت الأيام جدته ... وخانه ثقتاه السمع والبصر
وقال أعرابي:
إذا الرجال ولدت أولادها ... واضطربت من كبرٍ أعضادها
وجعلت أسقامها تعتادها ... فهي زروع قددنا حصادها
وقال عروة بن الورد:
أليس ورائي أن أدب على العصا ... فيأمن أعدائي ويسأمني أهلي
رهينة قعر البيت كل عشيةٍ ... يطيف بي الوالدان أهدج كالرأل
شبه هدجان الشيخ الضعيف في مشيه بهدجان الرأل، والرأل: ولد النعام والجميع: رئال ورئلان.
قال أبو الرجف:
أشكو إليك وجعاً بركبتي
وهدجاناً لم يكن بمشيتي
كهدجان الرأل خلف الهيقت
وقال أبو حية النميري:
وقد جعلت إذا ما قمت يوجعني ... ظهري فقمت قيام الشارب السكر
وكنت أمشي على رجلي معتدلاً ... فصرت أمشي على أخرى من الشجرٍ
وقال آخر:
إن الأمور إذا الأحداث دبرها ... دون الشيوخ يرى في بعضها الخلل
وإن أتت للشباب الغر نادرةً ... فإن أكثر ما يأتي لها الخطل
قال أبو العتاهية:
أسرع في نقصٍ امرىءٍ تمامه
وقال أيضاً:
من يعش يكبر ومن يكبر يمت ... والمنايا لا تبالي من أتت
وقال محمود الوراق:
يحب الفتى طول البقاء وإنه ... على ثقةٍ أن البقاء فناء
زيادته في الجسم نقص حياته ... وليس على نقص الحياة نماء
إذا ما طوى يوماً اليوم بعضه ... ويطويه إن جن المساء مساء
جديدان لا يبقى الجميع عليهما ... ولا لهما بعد الجميع بقاء
قال محمد بن نصر: كنت بأرض الطفاوة، إذ سمعت امرأةً تكلم أخرى من طاقٍ إلى طاقٍ فقالت لها: ما تقولين في ابن العشرين؟ قالت ريحانة تشمين. قالت فما تقولين في ابن الثلاثين؟ قالت قرة عين الناظرين. قالت فما تقولين في ابن الأربعين؟ قالت: قوى الظهر في ماء مكين. قالت: فما تقولين في ابن الخمسين؟ قالت: تعرفين وتنكرين. قالت: فما تقولين في ابن الستين؟ قالت: كثير السعال والأنين. قالت: فما تقولين في ابن السبعين؟ قالت: اكتبيه في الضارطين.
ذكر ابن الأنباري، عن ثعلب، عن ابن الأعرابي، قال: كان العرب تقول: الرجل يزداد قوةً إلى الأربعين، فإذا بلغ الأربعين اصلهب إلى الستين، فإذا جاوز الستين أدبر. وقال: اصلهب بقي على حال واحدة. وأنشد:
وفيت ستين واستكملت عدتها ... فما بقاؤك إذ وفيت ستينا
فاحتل لنفسك يا حسان في مهلٍ ... فكل يوم ترى ناساً يموتونا
وذكر أبو الحسن الأخفش، قال: أنشدني أبو العباس ثعلب لبعض حكماء العرب:
ابن عشرٍ من السنين غلام ... همه اللعب مولع بالغرام
وابن عشرين مولع بالغواني ... لا يبالي ملامةً اللوام
والذي يبلغ الثلاثين عاماً ... فضروب لدى الوغى بالحسام
فإذا جازها بعشر سنينٍ ... كان أقوى من كل قرن مسام
وابن خمسين للنوائب يرجى ولنقض الأمور والإبرام
وابن ستين حازم الرأي طب ... كامل العقل ضابط للكلام
وابن سبعين قد تولى وأودى ... وتثنى فما له من قوام
والذي يبلغ الثمانين عاماً ... ذاهب الذهن دائب الأسقام
وابن تسعين تائه قد تناهى ... إن تسعين غاية الأعوام
فإذا جازها بعشرٍ فحي ... مثل ميتٍ مودع بالسلام
باب الوصايا الموجزة
قال جابر بن عبد الله: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته بأيام يقول: " لا يموتن أحدكم إلا وهو حسن الظن بالله " .

(1/225)