صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : بدر شاكر السياب دراسة في حياته وشعره
المؤلف : إحسان عباس
الطبعة : 4
تاريخ النشر : 1978
الناشر : دار الثقافة
عنوان الناشر : بيروت لبنان
الطبعة الأولى 1969
الطبعة الثانية 1977
الطبعة الثالثة 1975
مصدر الكتاب : الوراق

[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]

رحى صفراء تتبادلها اكف التجار وتلمع لمعان السمك في جيكور ويسميها أهل المدينة " النضار " ، ولهذا الإله لهات امتد في كل دار وسجن ومقهى كأنه كرمة عساليجها من عروق تموز، وقد اطلعت هذه الكرمة ثمراتها في كل مستشفيات المجانين وفي كل مبغى لعشتار، وكانت هذه الثمرات " مصابيح لم يسرج الزيت فيها وتمسسه نار " وقد كتب عليها قول يشبه ما قاله المسيح: " هذا دمي وهذا لحمي " .
أما تموز نفسه فان لات تنوح عليه، تريده أن يرجع إلى جيكور:
وترسل النواح: " يا سنابل القمر ... دم ابني الزجاج في عروقه انفجر ... فكهرباء دارنا أصابت الحجر ... وصكه الجدار، خضه، رماه لمحة البصر ... أراد أن ينير، أن يبدد الظلام.. فاندحر " ... فهذا تموز " المعاصر " يريد ان يبدد ما يكتنف المدينة من ظلمات بنور عقله وقلبه وشعلة إلهامه، فيموت موتا عصريا بقوة من قوى المدينة نفسها إذ تصعقه " كهرباؤها " ولهذا يحس الشاعر انه أسير وأن العودة مستحيلة " فمن حيث دار اشرأبت إليه المدينة " .
ونلحظ في هذه القصيدة اجتماع رمزي تموز والمسيح، وانتقال الشاعر من نغم إلى آخر حين أراد أن يصور نواح اللات، وهذا أمر قد ألفه الشاعر في قصائده، ويجب ألا يحكم عليه بقانون عام بل يدرس في كل قصيدة على حدة، وقد جاء في هذه القصيدة طبيعيا لأنه يمثل النقلة بين موقف الشاعر الوصفي من المدينة وموقف اللات وهي تبتهل لعلها تسترد أي جزء من ابنها الذي قتلته المدينة.
وتتدرج القصيدة من تصوير دروب المدينة وهي تيه متعشب متطاول إلى تصوير ليلها فتزداد فكرة الضياع بحلكة الصورة ماديا

(1/314)


(ومعنويا لفقدان الحب والروح والألوهية في ذلك الليل)، ثم إلى تصوير اله المدينة وهو رحى من لظى لا تضيء وإنما تقتل، وشرايين تطلع مصابيح ليس فيها عنصر من النور الالاهي " لم يسرج الزيت فيها وتمسسه نار " ، وفي هذا التيه الكبير يقتل ابن جيكور فتبكيه أمه، وبذلك يحال بينه وبين جيكور التي قام من دونها سور وبوابة مغبقة. وهذه هي القصيدة الثالثة من قصائد هذه الفترة حيث نجد السياب لا يعييه المبنى الفني الدقيق، فالتقابل بين ضربين من الموت رسم بدقة حتى في الصور التفصيلية في قصيدة " النهر والموت " والتدرج بين الاختناق بالجفاف والانبعاث بالمطر في قصيدة " مدينة بلا مطر " يكاد لا يشكو أي خلل، وكذلك كان الحال في قصيدة " جيكور والمدينة " بل إننا نلحظ أن الصنعة التفننية التي لا تكون عفوية قد أخذت تستأثر باهتمام الشاعر ليكفل لبناء القصيدة مزيدا من الإحكام، ولنأخذ قصيدة " جيكور والمدينة " مثالا لذلك، فالقصيدة تعتمد أولا على تطاول الدروب التي يشبهها الشاعر بالحبال، ولكنك تحس أن صورة الحبال المتمطية ستكون محورية في حركة القصيدة، فهي تمتد وتلتف اولا على هيئة دروب لا نهايء لها، وكل شيء سيمتد بامتدادها، فالصخر يرسل غصونا، والحجار تكسب عروقا، والطريق إلى جيكور يمتد عبر الدهاليز، عبر الدجى والقلاع الحصينة (طويل هو ذلك الطريق حتى ليكون طوله وحده سببا في الخرمان من الوصول) واله المدينة قد مد كرم عساليجه في أنحاء المدينة على شكل شرايين تغلغلت في كل دار وسجن ومستشفى ومبغى، ويكون موت ابن جيكور بانفجار الزجاج في عروقه الممتدة في جسمه، وهكذا يتم انفجار عرقه لأنه لا يستطيع أن يجد الخلاص من تلك العروق الطويلة الممتدة من حوله كالأخطبوط. ولو أننا أخذنا صورة أخرى لوجدنا أن هناك دقة متعمدة في الرسم، فصورة الضوء جملة ذات أهمية تضارع أهمية الحبال في القصيدة

(1/315)


فالحبال نفسها من نار، ورب المدينة هجير لافح من النضار، وشرايينه أنحائها تطلع مصابيح لا توقد بزيت، وابن جيكور يموت مصعوقا من شرارة الكهربائية، ولو شئت تفسر القصيدة كلها من خلال صور النور لوجدتها تقوم على وحدة فكرية دقيقة: الضوء في المدينة خادع، فهو ليس نورا على الحقيقة، وإنما هو لهاث (لمعان) النضار، فإذا جاء المدينة شاعر لا يخدعه الذهب وأراد ان يبدد الظلام " ان ينير " صعقته قوى المدينة الجديدة وحرمته من العودة، وكانت محاولته اندحارا؛ وهذه المدينة التي تتوهج بتفاحات نار كهربائية تقابل جيكور - الخضراء التي مست الشمس الحزينة ذرى النخل فيها، وهكذا يقابل ضوءان: ضوء الذهب وضوء الشمس الحزينة في الأصيل - حزينة على فقد ابنها الذي احتجزته المدينة في دروبها المتشعبة. والاحتفاظ بصور الحبال المتطاولة وصور الإضاءة قد منح القصيدة إحكاما فذا، وزاد من ذلك الإحكام اختياره نغمة تسير ببطء - هي بحر المتقارب - وتمثل ببطئها تلك المسافات الطويلة التي قطعها القروي الحيران في دروب المدينة وليلها.
وليس كذلك الخامس من قصائد المرحلة الأولى السابقة للأحداث الدرامية، أعني قصيدة " المسيح بعد الصلب " فأنها شديدة الاضطراب، تتعاقب فيها صور مستمدة من قصة المسيح على غير انتقام، والشاعر يتخذ المسيح رمزا للتعبير عن حالته النفسية، ولذلك فهو المطلوب الذي استطاع أن يقوم من بين الموتى وينعش الحياة في جيكور:
حين يخضر حتى دجاها ... يلمس الدفء قلبي فيجري دمي في ثراها ... قلبي الشمس إذ تنبض الشمس نورا ... قلبي الأرض تنبض قمحا وزهرا وماء نميرا ...

(1/316)


قلبي الماء، قلبي هو السنبل ... موته البعث: يحيا بمن يأكل ... في العجين الذي يستدير ... ويدحى كنهد صغير، كثدي الحياة ... مت بالنار، أحرقت ظلماء طيني، فظل الإله ... ومن الواضح أن هذه الأبيات قد جعلت من المسيح وتموز شخصا واحدا أو رمزا لشيء واحد، ومما جعل التطابق هنا ممكنا استعارة " الخبز والنبيذ " من العشاء الرباني ومزجها بعلاقة الحياة بين الأرض والشمس في قصة تموز، ولهذا نجد حين شوي بالنار مات الجزء الطيني فيه " وظل الإله " ، وهذا البقاء للعنصر الالاهي وقف الشاعر عنده مرة أخرى حين قال:
حين دفأت يوما بلحمي عظام الصغار ... حين عربت جرحي وضمت جرحا سواه ... حطم السور بيني وبين الإله ... وقد عكس الشاعر فكرة الفداء حين جعل الشعب يحمل العبء عن " المصلوب " فيندى صليبه؛ وختم قصيدته بقول:
كان شيء مدى ما ترى العين ... كالغابة المزهرة ... كان في مرمى صليب وأم حزينة ... قدس الرب، هذا مخاض المدينة ... وهذا قد يفهم منه أن كثيرة المصلوبين لا تدل على أن الحياة لن تتجدد، بل ان موت هؤلاء هو طريق البعث من جديد، كذلك عادت جيكور صلب ابنها، وكذلك ستعود المدينة إلى الحياة

(1/317)


حين كثر المصلوبون من أبنائها. وإذا تجاوزنا هذه الفكرة وهي أن الموت طريق البعث، والبعث متدفق بالعطاء حتى يحطم الحد الفاصل بين الإنسانية والالوهية، بحيث يصبح الموت صفيرا كبيرا في آن معا ؟أقول إذا تجاوزنا هذه الفكرة لم نجد في القصيدة شيئا آخر وراءها، هذا مع الاضطراب وضعف التدرج العام فيها، وعدم وجود مسوغ للانتقال فيها من وزن إلى وزن. ويصح لنا أن نميز هنا نوعا ثالثا من الموت إلى جانب الموت في حضن الطفولة (بويب) والموت في صف المناضلين؛ فهذا الموت الثالث هو " موت تموز " أو " صلب المسيح " أي مقدمة البعث والعودة بالخصب إلى الأرض. إذا كان السياب قد سمى النوع الثاني " انتصارا " فان الثالث يستحق أن يسمى استمرارا أو خلودا لأنه طريق إلى الولادة الجديدة، وهكذا تم انتحال السياب لكل من تموز والمسيح على السواء، وتطابق مع رمزيه الكبيرين، وأصبح ورودهما في شعره متلازمين أو متعاقبين أمراً مألوفا.
وبعد هذه القصائد الخمس جفت قدرة الرمز على الاستجابة له، فقد ألح في قصيدة " مدينة بلا مطر " على أسطورة تموز وما يتصل بها من شعائر حتى كاد أن يستنزفها، وألح في قصيدة " المسيح بعد الصلب " على ما يتصل بكثير من تفرعات القصة، وكان منذ القصائد الكهفيات قد أسرف في تصور الحركة المتدرجة بين الموت أو النوم في الكهف (أو القبر) وبين اليقظة النهائية، وكان كذلك قد انفق جهدا كبيرا في المدى المتطاول ليطله ببناء فني محكم، متدرجا في ذلك من الفيض الإيحائي الذي تبعثه لفظة إلى البناء المعقد الذي يتطلب حيلا فنية في كل دقائقه وهذا هو التعليل الفني لصمته، إلى جانب أسباب نفسيه ومعيشية سبقت الإشارة إليها. ولهذا فانه حين عاد إلى ميدان الشعر لم يستطع أن يقول إلا قصيدة واحدة هي " إلى جميلة بوحيرد " وقد عاد فيها يلفق بين مختلف الوسائل التي استغلها في مرحلة الآداب والمرحلة التالية لها، فعاد

(1/318)


إلى تقمص الشعور بخزي المشرق العربي إزاء ما يقدمه المغرب العربي من تضحيات، وزاده إحساساً بالخزي أن الذي يقوم بالتضحية فتاة اسمها جميلة بوحيرد، وهو خزي يصم الرجولة المشرقية عامة، ولهذا افتتح قصيدته بما يزيد تقلصا عن التواري في كهف أو قبر حين قال:
لا تسمعيها؟. أن أصواتنا ... تخزي بها الريح التي تنقل ... وتصور ان الشرقيين حبيسو رحم من دم مظلم وانهم في الظلماء لا يسألون عن دورهم في المعركة بل عن الذين قتلوا ومن يبيكيهم (لأنهم فيما يبدو لم تعد لديهم دموع للبكاء):
باب علينا من دم مقفل ... ونحن في ظلمائنا نسأل ... من مات؟ من يبكيه؟ من يقتل؟ ... وبعد هذه الفاتحة ذهب في قصيدته مذهبا مختلفا عن الذي سلكه في القصائد الكهفية، فلم يجعل من جميلة " المشبوحة " شمسا إزاء ظلمات الكهف، وإنما صورها بمقارنتها مع الأم العظمى ؟الأرض، في مخاضها الأول:
ترتج قيعان المحيطات من أعماقها ينسح فيها حنين ... والصخر منشد بأعصابه ؟حتى يراها - في انتظار الجنين ... ومن خلال هذه الصورة المستعارة من اديث سيتول وجد أن جميلة تحمل من صنوف العذاب اشد مما حملته الارض في ذلك المخاض الأول، ثم قارن بينها وبين المسيح، فوجدها اكثر عطاء، وأسلمه هذا إلى فكرة الفداء فتحدث عن الفدية التي تقرب للإله كي ينزل المطر، ثم كيف زال عالم الألوهية، فأصبح الثائر ؟مثل جميلة - يقدم

(1/319)


دمه هدية؛ ثم قارن بينها وبين عشتار ربه الخصب فوجدها اكثر من عشتار عطاء، ثم عاد إلى المقارنة بينها وبين المسيح، فوجد أنها تستهين بكل ضروب العذاب من اجل طفل هتف بها:
؟. يا جميلة ... يا أختي النبيلة ... يا أختي القتيلة ... لك الغد الزاهي كما تستهين. ... فتعلو فوق الألم حتى تلحق بمحفل الآلهة. ويحاول ان يربط بين نهاية القصيدة وأولها فيتذكر الشعور بالخزي هؤلاء النائمين في " رحم الدم المظلم " بأنهم كوم من الأعظم، موتى حفاة عراة، ومع ذلك فان الدم في الأوراس إذا روى عروق الناس وعروق الصخور فلا بد يوما ان يثور هؤلاء الناس، ويرتفعوا من قبورهم المظلمة.
وواضح من هذا الإيجاز إنها " خطابية " تعتمد على مقارنة اثر أخرى، وأنها حين استندت إلى فكرة الفداء فقد ضاعت بين المد والجزر المتعاقبين من المفاضلة بين أي الفريقين اكثر عطاء، وقد أضفت عليها المبالغة ؟في تفضيل تضحية جميلة على كل تضحية أخرى - لونا بين التكلف، ذهني الطابع، وقد أبطلت فكرة الفداء فيها خاتمتها، لأن الذي يتصور أن جميلة فدت أمة كاملة ؟وهي مشبوحة - لا يستطيع أن يرسم لتلك الأمة دورا في الكفاح، ولا معنى لان تكون جميلة فدية عن عرب المشرق (وهم ميتون ومكومة من عظام) بل لا معنى للفدية إطلاقاً حين تكون الثورة مباراة شريفة في سبيل الوطن، أي حين يكون الاستشهاد هو الغاية التي لا يتقدم إليها واحد ليفدي الاخرين، بل يتقدم إليها المجاهدون جميعا؛ أرأيت كيف ضل السياب ضلالا بعيدا حين استعار مفهومات غريبة لا يفقه مداها ومدى ما ترمز إليه؟ هذا

(1/320)


عدا عن أن الحديث عن تقديم البشر ضحية من الحيوان للإله الوثني كي يرسل الغيث غير لائق في معرض الحديث عن فتاة مجاهدة تتحمل العذاب صابرة، هذا عدا عن أن الحديث عن عشتاروت ربة الجنس (بنوعيه) غير محمود في سياق الحديث عن فتاة تمجدها القصيدة بعطاء روحي فياض؛ ودع بعد ذلك كله تلك الصدمة التي يحس بها فريق من الناس حين يقرأون قول الشاعر:
تعلين حتى محفل الآلهة ... كالربة الوالهة ... وقوله:
ولترفعي أوراس حتى السماء ... ؟.
حتى نمس الله حتى نثور. ... فان هذه الوثنية التي انتقلت من الرموز إلى التعبير المباشر قد تصبح غصة في كثير من الحلوق التي لا تستسيغ مثل هذا التهاون والاستخفاف. لهذا كله نجد أن قصيدة " إلى جميلة بوحيرد " أسطر مفتعلة ليس فيها إلا مقارنات ذهنية ومبالغات ممجوجة وتعبيرات نابية.

(1/321)


- 27 -
سربروس في بابل
مما تقدم يتبين لنا أن محاولة بدر استئناف ما كان قد استنزفه في الطريقة والرموز يمثل افتعالا نصيبه الإخفاق، ولولا حوادث العراق الدامية التي جعلته يعود بحنق من نوع جديد لممارسة الشعر، لقدرنا أن طريقه المسدود كان يحتم عليه العودة إلى اجترار الذكريات إذا شاء أن يقنع بالقدرة على الاستمرار في قول الشعر. وتمثل القصائد السبع التي تمخض عنها عام 1960 قصائد المرحلة الثانية في هذه الفترة وتلك القصائد هي: 1 - تموز جيكور، 2 - العودة لجيكور، 3 - مرحى غيلان، 4 - رؤيا في عام 1956، 5 - مدينة السندباد، 6 - المبغى، 7 - سربروس في بابل.
وقد كان من عمل الأحداث التي أوحت له بهذه القصائد أن عمق لديه الإحساس بجيكور وحاجته إليها، وأن جعل رموزه السابقة صالحة للاستغلال بعد إذ اعتقد أنه شبع منها. فأما عمق الإحساس بجيكور فقد زاد حين ازدادت الكراهية للمدينة، وأصبح الانفصام بينها وبين الفرد الشاعر كاملا، كانت المدينة من قبل في نظرة عالما قد غادره الإله والروح والفضيلة وسيطر فيه الرب الجديد الذي يسمى نضار، فهل من المعقول أن تتوشح المدينة بالجمال بعد الأحداث التي روعته؟ لهذا عاد

(1/322)


إلى ذلك الإحساس الكامن في نفسه سخطا على المدينة وعاد يتصور أنه فيها أحد اثنين، أما المسيح وأما تموز وأما هما معا. وفي قصيدة " العودة لجيكور " تصور أنه في بغداد، ولذلك هرب منها على " جواد الحلم الأشهب " ليبحث في جيكور عن كوكب:
عن مولد للروح تحت السماء ... عن منبع يروي لهيب الظماء ... عن منزل للسائح المتعب ... ونثر في قصيدة الرموز المسيحية عن المشي على الماء والكوكب الذي رآه المجوس وإكليل الشوك وإكليل الغار والماء الذي استحال خمرا، وجاء رمز " حراء " الذي حاكت العنكبوت خيطا على بابه، رمزا باهتا بين مجموعة تلك الرموز، هذا إلى أنه خطأ من الناحية التاريخية لأن العنكبوت نسجت خيوطها على غار ثور لا على حراء.
وفي قصيدة " تموز جيكور " تصور الشاعر أنه " تموز " وأن الخنزير البري يقتله، فيتدفق دمه، وخيل إليه أن جيكور ستولد من جرحه وتتماوج فيها الغلال والأنعام ولكنه سرعان ما يكشف الحقيقة: إن تموز يعيش مرة بدموع " عشتار " ولكنه ليس لديه أم أو حبيبة ليعود إلى الحياة ولهذا فهو يغيب في ظلام الموت، دون أن ينبت دمه شقائق أو قمحا.
ان السنابل والأزاهير لا تنمو إلا إذا بعث تموز، فكيف تبعث جيكور ويبعث ربيعها الأخضر بينما تموزها ما يزال هامدا في الثرى:
هيهات أينبثق النور ... ودمائي تظلم في الوادي
أيسقسق، فيها عصفور ... ولساني كومة أعواد لا. " لا شيء سوى العدم العدم، والموت هو الموت الباقي " ؟.

(1/323)


لن تولد جيكور ما دام تموزها رهن التراب.
القصيدة ثلاث خطوات: الخطوة الأولى تضمين لأسطورة تموز القديمة وانتحال الشاعر لموقف تموز ؟الخطوة الثانية: ولادة جيكور من جراح تموز القتيل - الخطوة الثالثة: رفض لهذا الميلاد لأن جيكور لا تعيش دون أن يحيا تموزها، وهو لن يحيا حقا، فالموت هو نهاية الاثنين، وبذلك تغيرت أسطورة تموز القديمة لأن البعث غير متيسر.
وليس ما يهمنا في هذه القصيدة بناؤها فانه سهل واضح يعتمد على مقدمتين ونتيجة مناقضة ولكن يهمنا منها دلالتها، فانها تومئ إلى أن مشكلة الموت التي كانت قد جعلت السياب واحدا بين موتى كثيرين في المشرق العربي (في القصائد الكهفية) عادت تقض مضجعه على صعيد فري، وأصبحت عشتاروت املا لا يتحقق، وأتخذ النخل الذي كان يرعاه " يوسوس أسراره " إن ضغط فكرة الموت جعله ينام مطمئنا إلى حضن الأرض غير جازع من مفارقة الحياة:
يا ليل أظل مسيل دمي ... ولتغد ترابا أعراقي ... ومع أن بعث ادونيس (تموز) يحمل في الأسطورة تفاؤلا جميلا ؟عودة الحياة إلى الأرض بعد الجفاف - فأن الشاعر أبى ان يتعلل بما توحيه الأسطورة من رجاء، ورضي بأن يموت هو وجيكور معا. فهذا نوع رابع من الموت هو " الخلاص من الحياة " ، لا بعث ولا تفاؤل، لا بدر ولا جيكور، عاش معا. والسر في الموت ليس هو وحسب ضغط آلام الحياة وعذابها القاسي وإنما عجز عشتار (الحبيبة - الأم) عن ان تكفل البعث المرتقب. وهنا يمكن أن نقف وقفة قصيرة نصحح بها ما راج حول شعر السياب من أخذ لبعضه وترك لبعضه

(1/324)


الآخر: فهناك من يحلو له أن يقول أن السياب أحب المطر لأنه عبر عن هذا الحب في قصيدة أو قصيدتين، ولكن الشاعر كان رهين لحظات نفسية متقلبة، فقد يكون المطر لديه عاملا من عوامل الخصب، وقد يكون طهورا يغسل الخطايا، ثم يكون في موقف ثالث صنوا للدم والدموع. وكذلك يقال في فطرة البعث: فقد كان السياب يؤمن به حين يحس بالتفاؤل، ولكن ها هو في قصيدة " تموز جيكور " ينكر البعث كله، لأنه اختار العدم ؟الراحة الأبدية، لنفسه، وليجيكور، التي كانت ترمز إلى كل ما يحبه على الأرض. ولهذا قد يبدو من التعميم التغليبي قول الأستاذ فؤاد رفقه: " أنه يبشر بالعودة الأزلية وبالصراع مع الزمنية، وهذا البعث لا بد من أن يمطر على بلاده، على حقولها وبيادرها وجذورها " (1) لأن هذا القول يمثل جانبا من الصورة، ولكنه لا يمثل الصورة في جميع جوانبها.
وحين نعيد النظر في القصائد الجيكورية ؟في هذه الفترة - نحس أن جيكور قد أصبحت قطبا محوريا في فهم مزدوجات الحياة: أي الحقيقتين ؟حين يعرضان نفسيهما معا - أحق بالقبول: جيكور أو المدينة (من حيث البقعة المكانية) العودة إلى الطفولة أو المضي في الكفاح، الموت من اجل البعث أو الموت نفسه، الأم أو الزوجة، قيم الروح أو قيم المادة، الماضي أو الحاضر، الإيمان أو الإلحاد، وفي اغلب الأحايين كان الشاعر مع الفريق الأول من هذه القيم، ولكنه كان يحس بانهزامه، إلا مرة واحدة أحس فيها جيكور اتسعت وامتدت حتى شملت كل شيء، وفاضت خضرتها على الوجود كله،
__________
(1) مجلة شعر (1960 عدد الشتاء) ص: 166.

(1/325)


وذلك حين سمع ابنه غيلان يناديه " بابا؟ بابا " (1) ؛ حينئذ أحس كأن عشتار افاضت الازاهير والثمار على العراق كله وأن كلمة " بابا " كأنما تحمل فيها يد المسيح، وأن " تموز " قد عاد بكل سنبلة تعابث كل ريح، وأحس كأن روحه في ترب الظلماء حبة حنطة و صوت أبنه ماء ؟ و تصور نفسه في قرار بويب ميتا، أي حقق العودة إلى ألام، و لكن النهر نفسه كان يهب الحياة لكل أعراق النخيل؛ الموت جميل لآن
الحيات امتدي، الموت لا يذهب بالروح وإنما يحولها إلى قوة سارية في جنبات ألكوي، فا الذي في قاع بويب هو نفسه " بعل " الذي يخطر في الجليل على الماء؟ ولدت جيكور في غيلان و امتدت حتى طغت على المدينة، فإذا أعمدة الشوارع فيها ورق توت، و إذا الشوارع
نفسها انهار تفجر، و قد أصبح صوت النسغ يهمس في الشجر؛ و تذكر المفارقة بين واقع الحال و بين هذا الحلم الذي نقله إليه صوت غيلان - الأرض في الواقع قفص من الدم و ألا ضافر و الحديد، و السيح فيها معلق بين الموت و الحياة، و عشتار فيها دون بعل، و الموت هو الذي يركض في الشوارع معلنا انه المسيح المنتظر، و النار تزعم أنها هي الفرات و الشمس تعول مبتردة، و الآفق ملبد بحسب من جليد؟ البرد يسيطر على كل شيء، و رغم ذلك كله فأن دفئا جديدا قد غمر الشاعر، فجعل الغد يورق في دمائه. و قد ألمحت من قبل إلى ما كان للشاعرة سيتول من أثر في صور هذه القصيدة، و كيفي أن نتأمل هنا انتصار جيكور على المدينة، و الاطمئنان إلى الموت الجميل، و أن نقف عند صورة النقيضين من دفء وبرد
كما رسمها الشاعر، فأنها تتصل بوجود تموز و بعل و المسيح أو عدم
__________
(1) قصيدة " مرحى غيلان " في ديوان أنشودة المطر: 18 وهي على التحقيق من قصائد هذه الفترة، فقد ذكرها السياب في رسائله متصلة بها ونشرت في مجلة المتضامن العراقي، العدد 2 ص16 وتاريخها 17 - 3 - 1960.

(1/326)


وجودهم، فغدغيا بهم يصبح الكون في قبضة الأضداد الذين ينتحلون غير حقيقتهم، حتى ليدعي الموت انه المسيح والسلام و تدعي النار أنها الماء الذي يسقي الورود لتتفتح، والشموع ترش ضريح بعل بالشحوب بدلا من الماء ، والشمس مصدر الدفء تقفقف من البرد، و عشتار مصدر الخصب تصبح رمزا للعقم لآن " بعل " غائب عنها. أن انتصار جيكور كان عودة لبعل وتموز والمسيح، للخصب والدفء والسلام، - كان بعثا للدفء الذي يستطيع ان يطرد قشعريرة الأرض وزمهرير الجو الجليدي، وكان ذلك كله معناه الخلود الذي لا ينقص منه الموت الجميل أي شيء، فخلود الشاعر في ابنه هو خلود بويب في الشجر والسنابل، والشاعر نفسه هو " بويب " فلا ضير عليه أن يرقد في القرار؛ وهكذا تستطيع قصيدة " مرحى غيلان " ان تكون ذات نبض خاص في سياق أسطورة البعث، لأنها تعج بالقوى المحركة والمتحركة (المطر ؟حبة الحنطة ؟الدم ؟ماء النهر ؟النسغ ؟البرعم ؟بعل ؟عشتار ؟المسيح ؟الريح ؟عروق الشجر - ) وتجمع عالم الأصوات والألوان، وأنواع الحركة من انسياب وسباحة وانثيال وخطران ونمو وتنفس وركض، أنها تمثل الحياة أو الفرحة بالحياة أصدق تمثيل، وتحيل الموت إلى حقيقة غير مخيفة، بل ربما جعلته حقيقة جميلة، وتجمع بالإيجاب والسلب بين الدفء والبرد، وتفجر القوى الكامنة في كل جهة مستمدة تلك الثقة من صوت جميل صغير بريء؛ فهي ليست علاقة أب بابنه وإنما هي قصة الانتصار على الموت في لحظة من اللحظات، وهذا الانتصار يحقق كل ما حرمه الشاعر (أو ما حرمه الإنسان الحق كما يراه الشاعر) من انتصار للريف على المدينة، وللحقل على الشارع، وللخضرة على الجفاف، وللدفء على البرد، وللسلام على الدمار، وللخصب على العقم؟. الخ، ولكنه لم يكن انتصارا عن طريق السواعد المناظلة وإنما كان الولادة المتجددة

(1/327)


والتقمص التناسخي.
لكن في القصيدة عيبا كبيرا لم أشر له، وذلك هو التهويل في الاستجابة، فان ذلك الانتصار الكبير لقوى الحياة حين ينطلق من لفظة صغيرة يتراءى وكأنه سكر بمقدار ضئيل من الخمر؛ حقا ان سحر اللفظة كان يفتح عوالم جديدة في ذهن السياب الشاعر وتصوراته، وقد بدأ ذلك واضحا في قصائد مختلفة، بل كانت اللفظة أحياناً هي الينبوع الذي تسترسل منه القصيدة وتستمد وحدتها، ولكن كلمة " بابا " لم تكن ذات أثر عادي وإنما كانت كالصعقة التي تترك من تصيبه منطرحا ساعات، أو كعملية تفجر متلاحقة، مع ان الطاقة المخزونة فيها يجب الأ تحدث الا انفجارا واحدا. وقد رأينا السياب في شدة انفعاله يحشد الصور حشدا متلاحقا ليشبع نزعته المتعطشة إلى التهويل في قصائد مثل " حفار القبور " و " المومس العمياء " ، ولكنه هنا لا يهول بحشد الصور، وإنما هول بالتصور، فيرسل خياله ليقتنص " حد الغاية " في نقل شعوره بأثر لفظة " بابا " بدلا من ان يكون طبيعيا أو واقعيا. وسر ذلك يعود إلى أنه في تلك الفترة لم يعد فحسب إلى ظاهرة التهويل التي تتلائم وسرعة حنقه وانفعاله وحدته بل كان محتاجا إليها وهو محنق مغيظ ساخط متبرم متمرر النفس متعطش إلى النيل من خصومه بكل وجه، ولهذا كان يرى أن العراق يعيش عهدا من عهود الرعب، وان تصوير الرعب لا يمكن أن يتم ببساطة أو دون تهويل، فذهب يذيب نفسه تحت مطارق نفسه تحت مطارق الخوف والموت، ليستطيع نقل جو مشحون بالمناظر المخيفة. ولذلك كانت تصوراته تنقل نماذج من التشويه الفظيع:
فالرؤيا " صقر من لهيب ينقض على العينين ويجتث سوادهما ويقطع الأعصاب " (1) ، وللإنسان نفسه صورة يقشعر لها البدن:
__________
(1) انظر ديوان أنشودة المطر (رؤيا في عام 1956): 116 - 127.

(1/328)


عين بلا أجفان ... تمتد من روحي ... شدق بلا أسنان ... ينداح في الريح ... يعوي أنا الإنسان. ... وعشتار على الشجرة:
صلبوها، دقوا مسمارا ... في بيت الميلاد ؟الرحم ... وصورة النهد:
النهد الاعذر فاض ليطعم كل فم ... خبز الألم ... الأقة ؟صاح القصاب - ... من هذا اللحم بفلسين ... وصورة المدينة:
الموت في الشوارع (1) ... والعقم في المزارع ... وكل ما نحبه يموت ... الماء قيدوه في البيوت ... وصورة الخراب العام:
وتجهض النساء في المجازر ... ويرقص اللهيب في البيادر ... ويهلك المسيح قبل العازر ...
__________
(1) من قصيدة " مدينة السندباد " : 153.

(1/329)


وصورة الفارس الخائن لفروسيته:
وجال في الدروب فارس من البشر ... يقتل النساء ... ويصبغ المهود بالدماء ... ويلعن القضاء والقدر. ... ولو ذهبنا نورد الأمثلة من " قصائد الرعب " لضاق المقام، لأن ذلك يعني ان ننقلها ؟أو أكثرها - على هذه الصفحات. ولست أقول ان هذا التهويل يعني كذبا على الحقيقة التاريخية، فليس الواقع التاريخي هو ما أتحدث عنه، وإنما أتحدث عن هذه القصائد من ناحيتها الفنية، وخلاصة ما أريد أن أقرره: أن السياب يتلذذ فنيا ونفسيا بتصوير هذه الصور المفزعة، وانه لو ذهب يتحدث عنها علة نحو آخر أخف إيقاعا واقل حلكة وقتاما، لما رضي عن نفسه. وقد وجد في النواحي السلبية من قصة تموز والمسيح ما يستطيع استغلاله في هذا المقام، ولهذا تحدث هن يهوذا وعن قطع أعراق تموز وعن قرابين الدم التي لا تنبت شقائق، وعن صلب (عشتار ؟حفصة) ودق المسمار في رحمها، وعن اندثار جنائن بابل وعن المقارنة بين قيام لعازر وقيام شخنوب العامل (1) وعن تمزيق سربروس (كلب الجحيم) لسيقان عشتار وهو يركض خلفها في الدروب.
ورغم هذه الويلات التي تتكدس كذنوب الضالين في هذه القصائد فكل قصيدة منها تنتهي بأمل في الغد؛ فقد جاء في نهاية قصيدة " المبغى " :
؟. ولكنني في رنة الأصفاد ...
__________
(1) انظر الحاشية ص: 126 في ديوان أنشودة المطر.

(1/330)


أحسست ماذا؟ صوت ناعوره ... أم صيحة النسغ الذي في الجذور ... وفي نهاية " رؤيا " :
ولفني الظلام في المساء ... فامتصت الدماء ... صحراء نومي تنبت الزهر ... فإنما الدماء ... توائم المطر ... ويختتم قصيدة " سربروس في بابل " بقوله:
سيولد الضياء ... من رحم ينز بالدماء. ... ويشبه ان يكون هذا الأمل تحديا من ناحية، وقانونا من قوانين الواقعية الحديثة من ناحية أخرى، وعادة قد أتقنها السياب في شعره، وإلا فان الظلمات التي تتراكم كثيفة في تلك القصائد تقتل كل أمل، تحت سياط التهويل.
ولست أقف لتحليل كل قصيدة من تلك القصائد على حدة، وإنما اكتفي ببعض تعليقات صغيرة هامشية أحياناً. فالقصيدة التي ظهرت بعنوان " المغنى " (1) في الديوان كل عنوانها قبل ذلك " جيكورالمغنى " ثم غير لفظت جيكور حيثما وردت في القصيدة ووضع موضعها " بغداد " ؛ ويبدو ان السياب كان يخشى السلطة في بغداد حين نشرها، غير انه لو أبقى فظة " جيكور " لكان في ذلك مناقضا لما
__________
(1) انظر ص: 135 من ديوان أنشودة المطر ومجلة شعر (خريف 1960): 56

(1/331)


رسمه من قبل حين اتخذ " جيكور " رمزا للريف الوادع الطيب الموشح بالفضيلة، واذن لنقص أيضا معنى الانتصار الذي سجله في قصيدة " مرحى غيلان " .
وتعد فاتحة قصيدة " رؤيا في عام 1956 " ، أعني قوله:
حطت الرؤيا على عيني صقرا من لهيب ... أنها تنقض، تجتث السواد ... تقطع الأعصاب، تمتص القذى من كل جفن؟ ... تعد هذه الفاتحة محاكاة لصورة بروميثيوس، الذي ارسل زفس لعقابه صقرا ينهش قلبه، والأقرب ان يكون السياب قد قرأ مثل هذه الصورة في قول اديث سيتول (1) :
لم يكن صقرا، وإنما دجاجة دفرة ... التقطت بذور النار من قلب بروميثيوس؟. ... قاتلة النار التي جاء بها لبني البشر ... كما تقتل الشيخوخة الرغبة الفتية ... وتنفرد قصيدة " مدينة السندباد " بخاتمتها لأن الشاعر لا يستشرف فيها غدا مشرقا، وإنما يختمها بما يناسب الجو العام في القصيدة فيقول:
وفي القرى تموت ... عشتار عطشى ليس في جنبيها زهر ... وفي يديها سلة ثمارها حجر ... ترجم كل زوجة به؛ وللنخيل ... في شطها عويل. ...
__________
(1) انظر Collected Poems ص: 391.

(1/332)


ويستوقفنا في هذه الخاتمة أمران: أولهما الجمع بين موت عشتار (أي حلول الجدب والعقم) وبين رجم الزوجات (والرجم يعني الخيانة) فان هذا كلام غير ملتئم، ولهذا كان أن نفهم الرجم هنا بمعنى الضرب غير المعلق بحد من الحدود. والثاني قوله بعد ذكر الزوجة: " وللنخيل في شطها عويل " ، فان إسراعه إلى ذكر النخلة (رمز الأم) في شعره يدل على ان العقل الباطن لديه لم يستطع أن يقف مرتاحا عند ذكر " الزوجة " وحدها.
وحين كان الشاعر يستسلم في بعض تلك القصائد إلى التطويل، فانه لم يكن يهتم بالتمايز بين مراحل القصيدة بمقدار اهتمامه بتكديس الصور المفزعة. ولهذا يمكن إن يقال ؟في شيء من التعتيم - ان الحرص على البناء الفني المحكم كان اقل مرتبة من الحرص الذي بذله في القصائد الكهفيات وما عاصرها من قصائد وما قبل عهد الرعب.
ولا ريب في ان الذين يظنون إن " البعث " قاعدة ثابتة في شعر السياب وأن " المطر " رمز للحياة والخصب عنده قد يهمهم أن يقرأوا قصيدة " مدينة السندباد " من بين تلك القصائد علة وجه الخصوص، ففيها الشاعر بالندامة على إلحاحه في استسقاء المطر:
تبارك الإله واهب الدم المطر ... وفيها إنكار للبعث جملة:
نود لو ننام من جديد ... نود لو نموت من جديد ... ؟.
نود لو سعى بنا الطريق ... إلى الوراء حيث بدؤه البعيد ... من أيقظ العازر من رقاده الطويل؟ ...

(1/333)


ليعرف الصباح والأصيل ... والصيف والشتاء ... لكي يجوع أو يحس جمرة الصدى ... ومن اللافت للنظر في هذه القصيدة نفسها أن السياب عاد فيها إلى رمزه القديم المحبب " قابيل " :
الموت في البيوت يولد ... يولد قابيل لكي ينتزع الحياه ... من رجم الأرض ومن منابع المياه ... فيظلم الغد ... وقد كان " قابيل " من اشد الرموز ملاءمة لموضوعه في هذه القصائد، ولكنه استبعده ؟إلا قليلا - وآثر عليه رموز تموز وعشتار والمسيح ويهوذا ولعازر وسربروس.
لنقل أذن أن السياب لم يعد إلى جيكور بل مد عهد الرعب من تاريخ صلته بالمدينة، إلا أنها كانت صلة كراهية وبغض متزايد؛ وإذا كان لقصائد السياب في عهد الرعب من ميزة فهي انها جعلته يطيل الوقوف إزاء قضية (أو على الأصح ضد قضية) ويحس انه مسئول أمام نفسه ووطنه عن تصحيح وضع يعتقد انه خطأ. ولكن توتر الأعصاب في سبيل قضية ما على نحو محموم كان يعني أنها سترتخي طالبة الراحة مما اعتراها من إرهاق؛ وسرعان ما اصبح السياب يحلم بالتخلص من المدينة وبالعودة إلى مرابع الطفولة، كان جسمه متعبا، وكان الموضوع الشعري قد استنزف طاقته الفنية وجعلها أيضاً مرهقة؛ وكذلك كان، فقد عاد إلى منطقة يسهل علبه ان يذهب منها لزيارة جيكور كل يوم، ذلك حاله في الواقع، أما في الفن، فانه يوم وقف يعلن انه قد غدا متخما من الالتزام، فإنما كان يتحدث ؟ بصراحته

(1/334)


الساذجة المعهودة ؟ عن فترة الإرهاق الذي أصابه في عهد الرعب، وعن فقدانه للموضوع الذي يستطيع به أن يجعل من الالتزام حقيقة متجددة. وفي السنوات التالية لم يبق من قضية أدبية تشغل باله سوى قضية الالتزام، ولكن أي شيء يكون حجمها إلى جانب قضية المرض المتدرج نحو الموت؟

(1/335)


فراغ

(1/336)


عولس يكتب مذكراته

(1/337)


فراغ

(1/338)


- 28 -
عولس ينتظر المعجزة
حين عاد السياب إلى البصرة عمل موظفا في مديرية الموانئ العامة بالمعقل (1) ، ويقول الأستاذ العبطة انه توظف محررا في مجلة حكومية بالبصرة (2) وهما وظيفتان متلازمتان أو وظيفة واحدة، إذ كان تحرير المجلة في مديرية الموانئ ابرز مهماته.
ولكن كيف يفر السياب من بغداد؟ وهل تصفح عنه هذه المدينة التي سماها من قبل " المبغى " ؟ أنها تطارده حيثما اتجه لترده إليها لا ضنا به وإنما إمعانا في تعذيبه. لقد تقرر أن يعقد وزراء خارجية الدول العربية مؤتمرا لهم ووقع اختيارهم على بغداد لتكون مركزا لذلك المؤتمر، واستقبل بعضهم بالمظاهرات الصاخبة ؟وبعضها للحفاوة والترحيب - وتمت اجتماعات الوزراء بين 31 كانون الثاني (يناير) و5 شباط (فبراير) من عام 1961، ولكن الشرطة في بغداد لم تكن راضية عن تلك المواكب، ولهذا عمدت إلى اعتقال من قدرت انهم دبروها، وللشرطة تقدير لا يخطى فكل من دون اسمه في سجلاتها (وان
__________
(1) انظر العبطة: 76 وهذا عنوان رسائله إلى سيمون جارجي (عام 1962).
(2) العبطة: 16 وانظر حوار العدد: 15 (ص: 128).

(1/339)


غاب أو مات) محرض يتحتم اعتقاله. كذلك الحال قبل الثورة، يقول كاراكتاكوس: " وكانت إحدى الأرامل التي توفي ولدها تتلقى مثل هذه الزيارات من رجال الشرطة بعد كل مظاهرة بحثا عن ولدها المشبوه " (1) ، وكذلك كانت الحال بعد الثورة، " وكأننا يا بدر لا رحنا ولا جينا " ؟فان الشرطة لم تقرأ مقالات بدر في التنصل من اشيوعية، ولا يهمها أن تقرأ ما دام اسمه في " كتاب مبين " . ثم لا يهمها أيضاً أن يكون في بغداد أو بعيدا عنها. بل هو في بغداد رغما عنه، وان ادعى انه هاجر منذ أسابيع إلى البصرة.
وسيق الرجل الذي حرق جميع سفنه الحمراء وهو ينادي " يا أعداء الشيوعية اتحدوا " ، ونقل في قطار بضائع في شتاء العراق القارس القاسي إلى بغداد، وزج به في السجن مع الرفاق الشيوعيين. أية سخرية تراءت لبدر الساخر الفكه في تلك اللحظة؟ لا أحد يدري، ولكن المناكفات والتعبيرات ونكأ الحزازات تركته لقى على ارض السجن أو حطاما، فاضطرت دائرة الامن إلى نقله من بين الرفاق ووضعه مع البعثيين، ولا ريب في انه كان أقرب إليهم ميولا وروحا حتى قيل انه بعد خروجه من الحزب الشيوعي تحول بعثيا. ويقول الثقة الذي روى هذه القصة (وأنا اكتم اسمه متعمدا) ؟وتلك قصة لم يشر إليها بدر بصراحة - أن البعثيين الذين دخل السجن معهم كانوا يقضون ليلهم وهم يداوون جراحهم وحروقهم لشدة ما يلقون من صنوف التعذيب حتى بلغ الأمر بأحدهم وقد تشوهت خلقته أن لف نفسه ببطانية واحرق نفسه على مرأى من السياب. وفزع الشاعر ذو الحس المرهف للموت يراه عيانا على بعد خطوة، فانهارت نفسه، وخرج من السجن معتلا، يظن ان سر الوهن في جسمه النحيل، لأنه
__________
(1) ثورة العراق: 54.

(1/340)


لا يقوى على تحمل الآلام، ولكن الوهن في الواقع كان صدمة نفسية عميقة تزلزلت لها أركان جسمه، وكانت بداية النهاية في تلك الرحلة.
تلك رواية ترجح في نظري على ما حكاه الأستاذ علي السبتي، فقد ذهب إلى أن بداية الانحدار في صحة السياب إنما جاءت اثر مروره على مقهى يجلس فيه بعض أصحابه القدامى من الشيوعيين، فلما حياهم لم يردوا التحية بمثلها وإنما لاذوا بالصمت عامدين فأحس بجرح عميق وكآبة غالبة، وطوى النفس على ألم ومرارة، وفي صباح اليوم التالي حاول الوقوف على قدميه فلم تسعفه قوته.
وأكبر الظن أن هذه الرواية تحوير لما رواه هو عن نفسه في مقالاته التي هاجم الشيوعيين، فقد قال: " بالأمس كنت أسير في شارع أبي نواس مساء حين صادفني رفيقان من الرفاق الشرفاء جدا وقد عرفاني، قال أحدهما وهو يخاطب زميله بصوت عال يقصد منه اسماعي: " صاير قومي؟ انعل أبوك؟ " (1) على أنا لو مزجنا بين رواية الأستاذ السبتي وهذه الرواية لم يكن ثمة تناقض، ولكن ليس من المعقول ان يستكثر السياب تنكر رفاق الأمس له بعد تلك المقالات، وليس من الطبيعي ان تنجرح أحاسيسه من قوم لم يترك في اديمهم موضعا لسهم جديد.
ذلك الانهيار المبكر هو الذي يفسر لنا قول السياب في أتحدى قصائد ذلك العام (2) :
منطرحا أصيح أنهش الحجار ... أريد أن أموت يا اله! ... فمع أن الموت أصبح هو " المنقذ " في نظره قبل هذه الفترة إلا أن
__________
(1) الحرية، العدد: 1471.
(2) المعبد الغريق: 29 وتاريخ القصيدة 26 - 8 - 1961.

(1/341)


هذه النغمة في استدعاء الموت الوحي موصولة بشعوره العام بالانهيار النفسي بعد إحساسه ببوادر الضعف الجسماني.
ولكن ان كانت مقالات السياب ضد الشيوعية غير كافية في إثبات " براءة الذمة " في نظر الشرطة العراقية، فان أقل منها بكثير كان يكفي لإدراج اسمه في فئة جديدة، لا ضير في ان تسمى فئة المقاومين للشيوعية، فقد أعلن هو نفسه انه عقد العزم على محاربتها حتى الرمق الأخير، ولهذا الإعلان قيمته وخطره، خصوصا حين يصدر عن شاعر لمع اسمه عنوانا على اتجاه حديث في الشعر، ولهذا دعي إلى مؤتمر يتناول الحديث في الأدب العربي المعاصر ويعقد في رومة (بتاريخ 16 - 20 تشرين الأول (أكتوبر) سنة 1961) ليكون أحد المحاضرين فيه حول موضوع " الالتزام واللا التزام في الأدب العربي الحديث " .
وسافر السياب إلى ذلك المؤتمر فمر ببيروت، ومنها أقلته الطائرة إلى رومة في صحبة صديقه أدونيس والأستاذ خليل رامز سركيس، وفي رومة نفسها التقى بعدد من أدباء العالم العربي شرقيه وغربيه وبعدد آخر من الأدباء الغربيين والمستشرقين، وجدد بدر العهد بلقاء صديقيه: الشاعرة سلمى الخضراء الجيوسي والأديب جبرا إبراهيم جبرا، وتعرف إلى محيي الدين محمد ونشأت بينهما أسباب صداقة متينة (1) ، ولم يكن من المصادفة المحض ان يجتمع في مؤتمر واحد الشاعر ستيفن سبندر والروائي ايناسيو سيلونه وبدر شاكر السياب، وهم الذين تربطهم معا رابطة الثورة على النظام الشيوعي بعد انتماء، فقد حرصت منظمة حرية الثقافة ان يكون هذا الجانب ممثلا في ذلك المؤتمر، وهو
__________
(1) شاهد بدر رغم ضعفه الجسماني - بعض معالم روما كالكوليزيوم والبلاتين وزار الفاتيكان وتجول في بعض الأحياء والمتاجر (أضواء 42، 46).

(1/342)


جانب هام في نظرها؛ أما عن صلة العضوين الأجنبيين بالأدب العربي المعاصر وصلة أناس آخرين غيرهما من عرب وغير عرب بهذا الموضوع نفسه فأمر خارج عن مجال هذه الدراسة، وكذلك يقال في مناقشة كثير من الآراء الخاطئة والآراء الظالمة (أعني الخاطئة عن سبق إصرار وتعمد) التي قيلت في الأدب العربي وفي الحضارة العربية.
إنما الحديث هنا عن السياب، وكان المحاضر السابع (أي الأخير) في ذلك المؤتمر، وكانت محاضرته ذات شقين أحدهما كلمة موجزة ؟كالتي يقرأها الطلاب في كتب تاريخ الأدب للمدارس الثانوية ؟ عن تطور الأدب العربي، والثاني الالتزام في الأدب الحديث وصلته بالشيوعية. ومما يثير الدهشة في هذا القسم من المحاضرة تردد بدر بين القضية العامة والأمثلة الساخرة الفردية التي لا تدل إلا على محاولة ادرج السخرية في غير موضعها. ومهما يكن من شيء، فان هذا القسم الثاني وهو موضوع المحاضرة يدور على فكرة محددة وهي أن الالتزام في الأدب العربي المعاصر يتجه في ثلاث وجهات: الالتزام كما يفهمه الشيوعيون، والالتزام القومي الحزبي وهو من نوع الأول ولا يختلف عنه إلا في بعض الألفاظ التي يرددها كل من الفريقين تبعا لاختلاف الشعارين، والالتزام الحق وهو مذهب الشعراء الذين بجأوا إلى الرموز يعبرون بواسطتها عن تذمرهم من أوضاع بلادهم السياسية والاجتماعية على السواء: " وتعرضت هذه الفئة من الشعراء الملتزمين التزاما حقا إلى هجوم من اليمين واليسار على السواء فهي في نظر اليسار فئة تخدم مصالح البرجوازية والإمبريالية ولا تفكر بالجماهيلار، وهي في نظر اليمين المتطرف فئة تحاول تحطيم الشعر العربي بالخروج هن أوزانه وطرائق نظمه المتوارثة مدفوعة إلى ذلك بدوافع شتى أعظمها ما يغدقه عليها الاستعمار من مال؟. (1) . ولم
__________
(1) الأدب العربي المعاصر: 250 وأضواء: 123.

(1/343)


ينس بدر في هذه المحاضرة أن يقتبس رأي ستيفن سبندر في الواقعية، وأن يشيد بالشعراء التموزيين الذين أصيبوا بخيبة أمل فأقلعوا عن الالتزام (ترى متى كانوا ملتزمين؟) وانصرفوا إلى المشاكل الذاتية والشخصية بل وحتى (إلى) افتعالها: " ورأى ذلك في نفسي أنا شخصيا فكأنني أتخمت من الالتزام فأنا اتفلت منه؛ ولا أغالي إذا قلت ان نهاية الالتزام الحق في الشعر العربي المعاصر ستكون حين ينتهي هؤلاء الشعراء منه " (1) . ومن هنا نرى أن السياب سلك نفسه في عصبة من الشعراء أطلق عليهم اسم التموزيين، ولا ادري حظ هذه الكلمة من الصواب ولكنها ليست من ابتكاره. إلا أن صراحته بقوله:انه أتخم من الالتزام فهو يحاول أن يتفلت منه، ذات دلالة عميقة على الاتجاه الذي سار فيه قبيل مؤتمر رومة ومن بعده، ولا يعادلها صراحة إلا إيماؤه ؟على طريقته العفوية الساذجة - إلى الذين يتهمون بان المستعمر يغدق الأموال عليهم لكي يحطموا صلتهم بالتراث العربي وطرائقه في الشعر.
ومع ذلك فان الفنان في السياب كان أقوى من المفكر، إذ بينما كان المفكر يعلن عن تخمته من الالتزام وعن اقتراب النهاية للالتزام الحق، كان الفنان يقول وهو يحس بألم الغربة في رومة (2) :
من جوع صعارك يا وطني أشبعت الغرب وغربانه ... صحراء من الدم تعوي، ترجف مقروره ... ومرابط خيل مهجوره ... ومنازل تلهث، أوارها ... ومقابر ينتشج موتاها. ...
__________
(1) الأدب العربي المعاصر: 251 وأضواء : 124.
(2) المعبد الغريق: 56 وتريخ القصيدة 19 - 10 - 1961.

(1/344)


ولكن هذه اللفتة الحزينة كانت قد أخذت تصبح كالنغم الضائع بين صراخ اللهفة اللاهفة إلى الجسد البعيد، وحين كان السياب في بيروت عائدا من المؤتمر (26 - 10 - 1961) كان لهاث الشهوة يحجب عن سمعه كل صوت آخر (1) :
تمزق جسمك العاري ... تمزق تحت سقف الليل نهدك بين أظفاري ... تمزق كل شيء من لهيبي غير استار ... تحجب فيك ما أهواه؟. ... فخف عائدا إلى البصرة وجيكور، إلى التراب الذي لا يحس بالراحة في سواه. ولكن لا راحة مع المرض ؟ذلك الباب الواسع الشارع على عالم الأموات:
أهكذا السنون تذهب ... أهكذا الحياة تنضب ... أحس أنني أذوب، أتعب ... أموت كالشجر (2) ... كانت حالته الصحية قد ساءت، وقد شهد مؤتمر رومة وهو كما وصفه أحد المدعوين إلى ذلك المؤتمر " جلد على عظام؟ يمشي متأرجحا بخطوات يجرها على الأرض جرا ثقيلا يتعثر معه بقدميه فيكاد يسقط على الأرض مع كل خطوة " (3) .
وتلقته بيروت مرة أخرى بصحبة زوجته إلا انه في هذه المرة كان يمشي بعكازتين، ومنذ تلك اللحظات بدأ صراع بدر مع الموت الحقيقي
__________
(1) المعبد الغريق: 146.
(2) المعبد الغريق: 52.
(3) أضواء: 46.

(1/345)


- لا الموت المتخيل ولا الآخر المرتجى - وطال به التردد بين التشبث الطبيعي بالحياة حينا وبين معانقة الموت أملأ في الخلاص من الآلم الجسدية. وسد عليه الإحساس بالموت أقطار الوجود فلم يعد يرى شيئا سواه، وإذا لاح شيء رآه في مرآة الموت أو من خلاله ؟وفي مثل هذه الحال يتلاشى الالتزام تلقائيا، ويصبح اللوم على كثرة التقلب والتردد واللحظات الخائرة، نوعا من ترف الأصحاء الذين لا يستطيعون ان يدركوا حقيقة الموت في نضارة العافية.
في بيروت دخل مستشفى بولس، ثم اسلم نفسه آلة طبيبة ألمانية مختصة بالأعصاب وحتى (19 - 6 - 62) كان يعتقد انه لمس بعض التحسن على يدها (1) ، ولكن هذا التحسن كان ضربا من التفاؤل، ولهذا كتب من بعد يقول: " أما أنا فقد ذهبت ضحية للأطباء اللبنانيين الذين كسروا ظهري فأصبحت عاجزا عن المشي دون عصا؛ وحتى مع العصا فان مشيي بطيء مضطرب؛ أهذا هو شبابي؟ (2) " وحين لقيه الأستاذ عيسى الناعوري ببيروت حدثه ان بيروت ومستشفياتها لم تستطع أن تمنحه غير اليأس من الشفاء (3) .
وكانت المشكلة الكبرى هي الناحية المادية، وقد قدر أن الإقامة في بيروت تكلفه يوميا ليرة أجرة فندق وممرضة وثمن أدوية..الخ ولم تكن النقود التي أخذها من ناشري كتبه لتسد ما يحتاج إليه، ولهذا كان لا بد من مصدر للأنفاق على علاجه، دع عنك الإنفاق على عائلته في العراق. وكتب إليه الأستاذ سيمون جارجي يخبره بأن منظمة حرية الثقافة تتبرع بتكاليف العلاج إذا هو حضر إلى لندن، فرد قائلا: " كيف
__________
(1) أضواء: 131 (من رسالة إلى سيمون جارجي).
(2) أضواء: 132 (من رسالة غير مؤرخة إلى سيمون جارجي).
(3) أضواء: 46 وانظر ما كتبه الأستاذ خالد علي مصطفى مصورا حاله اثر عودته من بيروت (ملف مجلة الإذاعة: 27).

(1/346)


السبيل إلى قبول عرضهم السخي وأنا منذ حوالي الشهر لست قادرا على المشي بل ولا حتى على الوقوف؟ ثم أنني موظف حكومي وإجازاتي محدودة، ولم يبق لي من حق في إجازة اكثر من شهرين: شهر يمضي حتى أستطيع المشي وشهر أقضيه في الراحة: في لبنان إذا حصل المال وإلا ففي قيظ العراق؟ وما دمتم قد تبرعتم لعلاجي فلتكن مساعدتكم لي وأنا في لبنان. قد روا المبلغ الذي أصرفه في لندن ثم حولوه لي هنا " (1) .
وأرسل أصدقاؤه من الأدباء ببيروت برقية إلى السيد عبد الكريم قاسم يوجهون فيها نظرة إلى ما يعانيه شاعر عراقي مرموق، ويطلبون إليه أن تقوم الدولة العراقية بالإنفاق على علاجه، وكان وزير الصحة آنذاك وهو السيد عبد اللطيف الشواف صديقا للسياب منذ فترة بعيدة، ولهذا تولى لقناع رئيس الوزراء بالأمر، ويقول الدكتور عبد الله السياب: أن عبد الكريم قاسم رفض تقديم له لأن بعض مقالات بدر كانت قد خلقت له بعض المتاعب (2) ، غير أن وزير الصحة لم ييأس، وتابع السعي حتى استطاع إقناع الزعيم بصرف معونة للشاعر، فصدر الأمر إلى الملحق العسكري في بيروت (الزعيم غانم إسماعيل) والى العقيد محسن الرفيعي مدير الاستخبارات العسكرية بأن يقدما للسياب مبلغا معينا وباقة من الزهر باسم رئيس الوزراء.
وهنا مسألة لا بد من أن نجلو غامضها في سبيل الحقيقة التاريخية،
__________
(1) أضواء: 131.
(2) يقول مصطفى أن أخاه فصل من وظيفته بمديرية الأموال المتوردة لأنه نظم قصيدة في عبد الكريم قاسم صور فيها شخصا يهدي إلى آخر قميصا مسموما (أي أن نوري السعيد أهدى ثيابه إلى عبد الكريم قاسم) وانه كان ينبز عبد الكريم بلقب " أبي اللقالق " ، ولعل المقالات التي يشير إليها الدكتور عبد الله هي تلك التي هاجم فيها الشيوعيين.

(1/347)


فان هذه الهبة من رئيس الوزراء قد ارتبطت في الأذهان بمدح الشاعر له، وقيل في الشاعر من اجلها انه رجل متقلب سياسيا، وبخاصة وأنه هجا عبد الكريم قاسم يوم مصرعه. ويقول الأستاذ ناجي علوش في مقدمة ديوان إقبال " أما قصة هذا المدح فهي أن بدرا حين لم يجد معينا له في محنته طرق أبواب المسئولين في العراق ليساعدوه، فما كان منهم إلا أن ساوموه على قصيدة يمدح بها الزعيم مقابل المساعدة المرجوة، وفعل بدر ما طلبوا فحصل على مبلغ ضئيل من المال " (1) ؛ ويحتاج هذا القول إلى تصحيح في موضعين: أولهما أن بدر لم يطرق أبواب المسئولين في العراق، وقد حكيت قصة البرقية ودور وزير الصحة في هذا الصدد، والثاني أن العلاقة بين تلك المساعدة والمدح لم تكن " امدح وخذ " وإنما كانت ضربا من التخجيل، فقد دفع الرجلان المكلفان بالأمر ما قرره عبد الكريم قاسم، وفيما كانا في زيارة السياب في المستشفى قالا له بلهجة عتاب: " ألا تمدح رجلا أحسن إليك " ، وأحس بدر بالحرج ؟بعد أن قبض الهبة المالية وهو في حاجة ماسة إليها - فكتب تلك المدحة؛ تلك هي رواية الدكتور عبد الله السياب، وأراها مقبولة من شتى النواحي؛ ولما انتقل بدر إلى لندن للعلاج كرر صديقه وزير الصحة سعيه لدى قاسم واستخرج له مساعدة أخرى؛ والسؤال الذي يذر قرنه في هذا المجال هو: ما مدى المثالية التي نريد أن يتحلى بها شخص على حافة القبر وهو لا يجد عونا من لائميه أنفسهم؟ أن " الاستشهاد " حقيقة لا يمكن أن تتطلبها من الآخرين ونحن نحجم عن تقديم ما هو دونها بكثير. وان من يطالب بدرا بذلك فهو أحد رجلين: أما امرؤ يرى فيه تميزا حقيقيا بنهاية بطولية، وأما امرؤ يختبئ وراء المثل الأعلى ليداوي ما يحس به من عجز وتقصير.
__________
(1) ديوان إقبال: 15 - 16.

(1/348)


وربما اربت المدة التي قضاها السياب في بيروت على ثلاثة اشهر، وقد أكد كثير ممن رأوه حاله التداعي والضعف البالغ والإعياء والاضمحلال الذي يبلغ حد التلاشي؛ قال الأستاذ أميل يوسف عواد: " ذات يوم من سنة 1962 دعاني صديقي الدكتور جميل جبر ممثل المنظمة العالمية لحرية الثقافة إلى حفلة كوكتيل تقام في مكاتب هذه المنظمة في بيروت؛ وفي هذه الحفلة تعرفت على بدر شاكر السياب الشاعر العراقي وكانت هي المرة الأولى التي شاهدته فيها، ولن أنسى تلك اللحظة التي أطل بها بدر علي، فقد تمثلت أمامي مآسي الإنسانية كلها: الفقر والمرض، الظلم والحرمان، الاستعباد والاضظهاد، ذلك لانني رأيت بدرا ينوء تحت حمل ثقيل منها، ووجدته كتلة هزيلة من الجلد الأسمر الباهت والعظام المنهارة؟ " (1) وقال الأستاذ أنسي الحاج: " كان ينقل ويحمل ويقذف كالمربوط بالجنزير، كالملفوف بالأقماط، يضؤبه الهواء من ظهره فيدفعه إلى الأمام، وحين تكون الضربة ضعيفة لا تمشي قدماه فيقف ويظل واقفا حتى تأتي ضربة الهواء أقوى؟. كنت أمشي معه مرة في بيروت، ساحة رياض الصلح. خجلت أن أعطيه ذراعي فاستعمل الحيطان؛ لم يكن يمشي، كان يستسلم للفراغ فيشيله؟. وكان لا ينقطه عن الحكي الضائع، ليس هذيانا ولكنه إغماء على الكلام؟. وكان لا ينقطع عن إبداء الود والتعبير عن العواطف الجياشة وارتجال الشعر واستذكار الشعر ولوم الشعراء وفلش حرقة قلبه على أصدقائه الشيوعيين الذين رافقهم مدة ثم تخلى عنهم وكأني به وهو يبدي حرقة قلبه عليهم، يخفي حرقة قلبه من نفسه وعلى نفسه لأنه تخلى عنهم تاركا ما كان يؤمن به إلى ما لا حاجة للأيمان به " (2) .
وأحس بدر في بعض لحظاته في بيروت أن النهاية وشيكة فكتب
__________
(1) أضواء: 43.
(2) أضواء: 34 - 35.

(1/349)


وصيته (1) :
إقبال يا زوجتي الحبيبة ... لا تعذليني ما المنايا بيدي ... ولست ؟لو نجوت - بالمخلد ... كوني لغيلان رضى وطيبه ... كوني له أباً وأما وارحمي نحيبه ... وعلميه أن يديل القلب لليتيم والفقير ... وعلميه؟.. ... ورغم انه يغضب الكلمات، فتبقى الوصية مبتورة، كأن يستسلم أحيانا لجواذب الدنيا لان مادة الحياة فيه لم تمت؛ ومن المفارقات غير العجيبة أنه كان ما يزال يؤمن بقدرته على الحب، وبقدرته على أن يكون هدف حب، وذلك تشبث بالحياة بكلتا اليدين، ولولا قسوة التعبير لقلنا انه كان في حاجة إلى كل كلمة تنضح " بالحنو " ليحس انه ما يزال يتنفس هواء هذه الأرض، وهو يتحدث عن هوى في بيروت كاد يحقق المعجزة ويشفيه من دائه: " وكان ذلك الحب هو الذي شفاني لا أدوية الدكتورة؟. الألمانية الحقيرة، شفاني حبها كما شفى الشاعر روبرت براوننغ الشاعرة الإنكليزية من الكساح بعد أن ظلت تعانيه لمدة عشرين عاما؛ لم تدم فترة لقائنا سوى عشرين يوما أو أقل. ثم ساقتني زوجي كما يسوق الراعي الغنم أمامه إلى سلم الطائرة ثم العراق، فيا لي من تعيس بزواج وبلقاء قصير كهذا وبداء خبيث كهذا " (2) ، ولا ريب في أنه كان يبحث عن المعجزة، وسيبحث عنها فيما بقي من ايام، كلما أعياه أن يجد في الطب طريقا للشفاء.
__________
(1) المعبد الغريق: 161.
(2) من رسالة إلى أدونيس بتاريخ 17/9/1964.

(1/350)


وازدادت حاله سوءا بعد عودته إلى العراق: " ما زالت صحتي متردية، سقطت أخيرا فانفطر العظم في رجلي وانفسخت في موضعين، ورغم العلاج الطويل ما زالت رجلي غير جيدة، وما زلت عاجزا عن السير إلا بمعونة العصا؛ لكنني لست يائسا ولا متشائما. ما زلت في الحياة أشياء جميلة كثيرة: الشعر والقصص واستذكار حوادث من الماضي ودفء الصداقة " (1) . ويضيف في الرسالة نفسها: " لم أكتب شيئا منذ مجيئي من بيروت إلا قصيدة شكر لزعيمنا وسأنشرها في إحدى الصحف العراقية قريبا " .
وعاد الأستاذ سيمون جارجي ممثل المنطقة العالمية لحرية الثقافة يقدم له شيئا من العون، وكان هذه المرة في صورة " زمالة " Fellowship دراسية بانكلترة حيث يدرس ويعرض نفسه على أطباء متخصصين، ووعده بان تنفق المنظمة أيضاً على معالجته (2) ، وكتب بدر يستأذن الحكومة العراقية في ذلك فوافقت، وكتب إلى الأستاذ جارجي يقول: " أنا في انتظار بطاقة السفر بالطائرة التي ترسلونها ومصاريف الشهر الأول إذا تفضلتهم؛ انها فرصتي الوحيدة في الحياة، فأما أن أعود من لندن معافى أمشي كما يمشي بقية الناس وإما الشقاء الذي لا بد أن يؤدي إلى الانتحار، فالموت خير من حياة الكسيح؟. أما زلتم عند وعدكم بتحمل تكاليف معالجتي في لندن؟ نعم فليس من عادة المنطقة العالمية لحرية الثقافي أن تنكث بوعدها أو ان تسحب هباتها " (3) . وعرج على بغداد قبل سفره، وزار صديقه جبرا في منزله؛ قال جبرا: " غير
__________
(1) من رسالة إلى أدونيس بتاريخ 13/10/1962.
(2) يقول الأستاذ جبرا إبراهيم انه هو الذي سعى له في هذه الزمالة مع بعض الأصدقاء، ليدرس باكسفورد ويتفرع لكتابة مذكراته، غير أن مرضه أخره عن السفر في الوقت المقرر للدراسة فقبل في جامعة ضرم (درم - Durham) في شمالي انجلتره (حوار ص 128 العدد: 15).
(3) أضواء: 132 (من رسالة غير مؤرخة).

(1/351)


انه في دارنا ؟وكان اليوم مشرقا جميلا - كان مرحا كثير الكلام كعادته، وبعد الغداء تجولنا في سيارتي في مدينة المنصور. لقد انتابني خاطر مظلم: رحت أتجول في الطريق الجديدة في المنصور، وشعرت كأنه يودع كل ما يراه من تراب وسماء وحجر، لم يرد أن ينتهي التجوال بنا، وكنا كدأبنا نتحدث عن الشعر، عن الشعراء، عن الحياة، عن المستقبل، عن السخط على السياسة " (1) .
وطار بدر إلى لندن (أواخر عام 1962) ووضع تحت إشراف أخصائي الأعصاب الدكتور ت.ه. ادواردز، وأدخل مستشفى سانت ماري بلندن، وأجريت له التجارب التي أمر بها الطبيب، وأعطى في عموده الفقري إبرة لتلوين النخاع الشوكي، وقرر الطبيب ان لديه اضطرابا عصبيا في المنطقة القطنية من العمود الفقري هو الذي سبب له الشلل في ظهره وساقيه، ولعله صرح بأن داءه مما لم يهتد الطب فيه إلى علاج بعد، ولا يستطيع بدقة تعيين أسبابه. وفي لندن ودرم فقد بدر من يستمع إليه وهو يبث هذيانه وهواجسه، فتحولت تلك الهواجس الهلاسية كلها إلى شعر، حتى أنه في مدى ستة وأربعين يوما نظم ما يقارب أربعين قصيدة، أكثرها في تهوين الموت على نفسه وهو يستمع إلى صوت أمه تناديه، وفي الحديث عن الأمنية الأخيرة وحال الاحتضار وعبور البرزخ نحو الموت، ويقظات من الشهوة الملتهبة وأمل خافت بالشفاء وطرح العصا والعدو إلى الزوجة والأطفال والإحساس بجمال الوهم (2) :
هرم المغني فاسمعوه برغم ذلك تسعدوه ... ولتوهموه بأن من أبد، شباب من لحون ...
__________
(1) حوار، العدد 15 (ص:28).
(2) منزل الاقنان: 131.

(1/352)


وهوى ترقرق مقلتاه له وينضح منه فوه. ... في هذه الشئون كلها تندفع كلماته كأنها قطرات دم تتساقط متتابعة من جرح فاغر. وفي لحظات كادت المعجزة تحقق ما عجز عنه العلم، لقد قتل قاسم (1) :
هرع الطبيب إلي ؟آه لعله عرف الدواء ... للداء في جسمي فجاء ... هرع الطبيب إلي وهو يقول: ماذا في العراق؟ ... الجيش ثار ومات قاسم؟ أي بشرى بالشفاء ... ولكدت من فرحي أقوم، أسير، أعدو، دون داء. ... ولكن المعجزة لم تتحقق، وسافر إلى باريس، فقضى فيها أياما تحت عناية الأستاذ جارحي الذي قدم له كل مساعدة ممكنة، فعرضه على طبيب أعصاب فرنسي، فكان ما قاله في تشخيص مرضه موافقا لما قاله الطبيب الإنكليزي، وطاف به في باريس بسيارته وأراه معالمها الكبرى، وفي الفندق الذي أقام فيه تعرف إلى الكاتبة البلجيكية " لوك نوران " وقرأ لها شيئا من قصائده، وحدثها عن سحر الطبيعة في جنوب العراق، وكانت الكاتبة تواسيه كل يوم بهدية من القرنفل، ومن اجلها كتب قصيدته " ليلة في باريس " :
لم يبق منك سوى عبير ... يبكي وغير صدى الوداع " إلى اللقاء " ... وتركت لي شفقا جمعها إناء. ... وظل قلبه لهذا الحنان إلي غمرته به حتى سماها في بعض رسائله: " شاعرتي، صديقتي، اميرة خيالي وشعري " (2) . وقد
__________
(1) منزل الاقنان: 137.
(2) أضواء: 133.

(1/353)


صاحبه في رحلته هذه بين لندن وباريس صديقه مؤيد العبد الواحد، فكانت مرافقته له تخفف عنه آلام الوحدة، وتدخل التسلية على نفسه بقراءة أشعاره لذلك الصديق، ومرة أخذ يقرأ له " أنشودة المطر " على ضوء شمعة ؟بعد أن انطفأ ضوء الكهرباء في الفندق بباريس، وكان المطر اخذ يتساقط، فقال السياب لرفيقه: لقد أمطرت لكثرة ما رددت: مطر؟ مطر؟ مطر؟ فهل سأشفى إذا ما رددت: شفاء؟ شفاء؟ شفاء؟ " (1) لقد اصبح تعلقه بالقوة السحرية التي تفاجئه بما يرد لرجليه قدرتهما على المشي هو محور تفطيره واعيا أو دون وعي، ومن هذا القبيل قوله لصديقه المذكور وهما في لندن: " أنني أتوقع معجزة تأتيني من السماء على صورة ملاك صغير بيده سعفة نخيل خضراء (لعلها من تلك النخلة التي تظلل القبر عند بويب) يضربني بها ضربة واحدة اثناء نومي في الليل، وعندما يأتي الصباح تراني أسير على قدمي وكأن شيئا لم يحدث لي؟ " (2) .
وقبل أن يعود إلى العراق طمأنه صديقه الأستاذ جارجي بأن المسئولين في المنطقة قد وافقوا على أن يكون مراسلا لمجلة حوار التي تصدرها المنظمة في بيروت؛ وعندما نتأمل هذا العطف المتوالي على شاعر أهمله اهله، فهل من حقنا أن نسأل: أكانت المنظمة تعتني بالشاعر الكبير أم كانت تعتني بالشيوعي المنشق؟ أياً كان الأمر فان بدرا لم يكن في حالة نفسية أو جسمية تجعله يرفض ما يقدم إليه، وإذا علمنا انه لدى عودته إلى بلده وجد نفسه مفصولا من عمله لأنه غاب عن مركز وظيفته مدة تجاوزت ما يسمح به القانون، إذا علمنا ذلك تملكنا خزي شديد ليس من قبيل التلذذ بالتعذيب الذاتي، وإنما هو أسى على الإنسان
__________
(1) أضواء: 54.
(2) أضواء: 49.

(1/354)


العربي الذي يحيا دون ضمانات اجتماعية، فيعيش فريسة لتقلبات الظروف والسياسات ويموت ميتة الكلاب الضالة.
وليس من قبيل الثناء على السياب أن تقول انه استقبل أمر الفصل دون غضب، إذ كانت نفسه مرتاحة إلى الثورة التي ذهبت بقاسم وحكمه: " العهد الجديد في العراق منعش للروح مجدد للقوى، ولعله هو السبب المباشر في التحسن الذي طرأ على صحتي منذ وصولي إلى العراق " (1) . نعم أن كل ما يتصل بقطع رزقه وهو في تلك الحال يورثه صدمة: " ولولا الصدمة التي أصابتني نتيجة لفصلي من العمل لكنت الآن أحسن كثيرا " (2) ولكنها كانت هذه المرة خفيفة، وبعد فترة قصيرة الغي قرار الفصل.
ولم يكن السياب يطمع في دخل كبير، إذ كان يعلم ان حاله لا تسعف على شيء من ذلك، وقد صرح للأستاذ جارجي بأن ما يعادل أربعمائة ليرة لبنانية في الشهر يكفيه ليعيش وعائلته عيش الكفاف، وهذه مقدمة مكشوفة لسؤال تال: كم أتقاضى شهريا عن عملي مراسلا لمجلة حوار؟: :أنني مدفوع لأن اتجه هذا الاتجاه المادي في التفكير نتيجة الظرف الذي أنا فيه " وبعد بضعة أسابيع يكتب قائلا: " استلمت مع الشكر صكا بمبلغ أربعين دولارا لقاء اشتغالي مراسلا أدبياً لمجلة حوار " (3) .
وكان منذ عاد من باريس يستعمل شيئا من الدهونات ودواء وصفه له الطبيب الفرنسي، ويحس ان نقطة الضعف لديه هي أن عموده الفقري لا يعينه على المشي بل يخذله مرات عديدة، حتى ليسقط على الأرض
__________
(1) أضواء: 133 (من رسالة بتاريخ 30 - 3 - 63).
(2) أضواء: 137 (من رسالة بتاريخ 20 - 4 - 63).
(3) أضواء: 135 (من رسالة بتاريخ 11 - 6 - 63).

(1/355)


رغم استعانته بالعصا. ولهذا تجيء لفظة " التحسن " أو " التحسن البطيء " في رسائله ضعيفة الدلالة. وقد كان يشكو اكثر الشكوى من موضع الإبرة التي زرقوه بها في العمود الفقري لتلوين النخاع، وهو يطلب نوعين من الدواء هما " المستينون " (Mestinon) والترنيورين (Terneurine) كما يلح دائما على صديقه جارجي ليراجع الطبيب الفرنسي في شأنه، فيصف له مزيدا من الدواء ويطلب إليه أن يقتطع ثمن ما يرسله من راتبه المخصص له عن مراسلة حوار (1) .
ولم يكن القائمون على حوار بحاجة إلى بينات جديدة عن مناوأته للشيوعيين ومذهبهم، بل لعلهم كانوا يعلمون أن ليس ثمة من تعادل في الفائدة المتبادلة، فهم قد استطاعوا أن يكسبوا شاعرا قوميا ؟في نظر القوميين - لقاء مبلغ زهيد يدفع اكثر منه أضعافا إلى من هم أقل منه شأنا بكثير، ولم يكن هو في الوقت نفسه يستديم المرتب الجديد حين يهاجم الشيوعيين، وإنما كان حنقه عليهم ما يزال متقدا، وكان ارتياحه إلى العهد الجديد جزءا من موقفه العام ضدهم، ولذلك لا تخفى نغمة السخرية بهم في رسالة إلى سيمون جارجي يقول فيها: " هل تسمع إخبار العراق؟ لقد انهار " الأبطال " الشيوعيون فراحوا يدلون بالاعترافات المفصلة المخزية؟. سوف تجمع هذه الاعترافات ؟كما أظن - في كتاب، وسأقتطف منه بعض الأجزاء لأضمنها كتابي عن التجربة الشيوعية في العراق " (2) . إذن كان ما يزال يأمل في أن يؤلف في أن يؤلف كتابا في تلك التجربة، يجمع فيه مقالاته التي نشرها في صحيفة " الحرية " ويضيف إليها أموراً أخرى صالحة لتكبير الصورة.
وكان الدفق الشعري الذي دفعت به الوحدة والمرض والاغتراب
__________
(1) أضواء: 136، 138.
(2) أضواء: 133.

(1/356)


وهو في لندن قد انحسر لدى عودته إلى بلده، إذ اصبح قادرا على الشكوى بغير الشعر، ولكنه كان شديد الرصد لهذا الذي حدث، يتلمس اسبابه، فحينا يرى أنها ركود طبيعي بعد الجهد الذي بذله في لندن وكانت حصيلته ديوانا سماه " منزل الاقنان " طبع اثر عودته لبيروت: " أنني أمر في فترة ركود بعد فترة النشاط المحموم في انجلتره حيث أنتجت منزل الاقنان؟ " (1) وحينا يرجح ان يكون الركود أو الجفاف ناشئا عن الجو العائلي الذي يعيش فيه (2) وحينا آخر لأنه يفتقر إلى تجارب جديدة (3) وكان كل ما نظمه منذ عودته حتى 20 - 4 - 1963 ثلاث قصائد، وارتفع العدد إلى أربع بعد ما يزيد على خمسة أسابيع، وبعد أسبوعين آخرين يتحدث عن ديوان جديد " لعله سيكون خير ما أنتجت حتى الآن " ويسأل صديقه أدونيس: " كم يدفع شريف الأنصاري في هذا الديوان " (4) وأغلب الظن ان قصائد ذلك الديوان لم تكن مما نظمه بعد عودته من باريس، وإنما ضم متفرقات من قصائد لم تنشر في الدواوين السابقة، نظمت من قبل، وهذا هو ؟فيما أقدر - ما سماه من بعد " شناشيل ابنة الجلبي " لأن اكثر قصائده مما نظم في لندن وباريس.
في تلك الأثناء حدث حادث له دلالته من بعض نواحيه على مفهوم السياب للعلاقات التي كان ينشئها بدافع الرغبة في الحصول على ما يكفل الكفاف، فقد انفصل أدونيس عن مجلة شعر وعصبة الشعراء الملتفين حولها وكتب قصيدة نشرت في صحيفة أخرى، فبادر السياب إلى تهنئة صديقه على القصيدة وإظهار الشماتة بمجلة شعر، بعد أن كفته " حوار " ما
__________
(1) من رسالة إلى أدونيس بتاريخ 20 تموز 1963.
(2) أضواء: 133.
(3) أضواء: 136.
(4) من الرسالة السابقة إلى أدونيس.

(1/357)


كانت تضطلع به المجلة الأولى من مدد مادي: " اكتب قصائد على مستواها، انك ابتدأت من حيث الشهرة خارج نطاق جماعة شعر منذ الآن، وسوف يخلو لك الميدان فلا منافس، منذ أول قصيدة تنشرها بعد انفكاكك من دار " شعر " وهنيئا لشعر بشعرائها الباقين ؟ماء إلى حصان العائلة، وهلم جرا " (1) .
ان ضروب ذلك النشاط وأنواع الاهتمام التي كان يبديها بدر تجاه أمور مختلفة متفاوتة تنبئ عن أن نسمة الحياة كانت ما تزال تتردد في بنيته النحيلة بقوة، وتشير أول رسالة من العراق بعث بها إلى حوار عن مدى انشغال نفسه بالموضوع الذي تحدث فيه إلى المؤتمرين برومة أعني موضوع الالتزام، ومع أنه لم يأت بشيء جديد حول تلك المشكلة نفسها، نجد لديه صورة جديدة يحاول أن يصوغ فيها رأيه في حقيقة الشعر: " أن الأثر الأدبي أو الفني يشبه اللؤلؤ وان عملية الخلق الأدبي تشبه إلى حد كبير عملية انبثاق اللؤلؤ وتولده داخل المحار؛ وحين يدخل إلى المحارة جسم غريب يحدث في أنسجتها الداخلية التهابا يجعلها تحيط ذلك الجسم الغريب بما نسميه فيما بعد لؤلؤة. وفي الإمكان إدخال جسم غريب إلى المحار بالإكراه لإحداث الالتهاب وتوليد اللؤلؤة، لكن مثل ذلك اللؤلؤ لن يكون إلا صناعيا لا يداني اللؤلؤ الأصيل في الجودة " (2) ، ومعنى هذا أن الجسم الغريب هو المؤثرات الخارجية كالتوجيه السياسي أو ما اشبه، مما يعده بدر إلزاما لا التزاما؛ أما الرسالة الآنية فأنها حافلة بأخبار الأدب في العراق، مما يدل على تتبع حي للحركة الأدبية هنالك، وإذا كان لنا أن نوجه الانتباه إلى شيء يتصل ببدر في تلك الرسالة فهو فهمه الدقيق لمعنى عمود الشعر ومخالفته للذين يطلقون هذا الاصطلاح على كل الشعر
__________
(1) من رسالته السابقة إلى أدونيس.
(2) حوار، العدد 6، ص: 107.

(1/358)


القديم حتى ظهور الشعر الجديد، فهو يرى أن المقصود بعمود الشعر هو طريقة استعمال المجاز، (وحتى الصفات أحياناً)، ومن أجل ذلك أتهم أبو تمم في القديم بالخروج على عمود الشعر مع انه لم ينظم على الطريقة الجديدة، ومع ذلك فان الذين يستعملون هذه اللفظة اليوم يقولون أن أبا تمام كان شاعرا " عموديا " .
ولكن هذه الطاقة الجديدة سرعان ما انحسرت، أثر برد شديد ألم به فأدخل مستشفى المواني بالمعقل، وطال به الرقود على سرير المستشفى، " ولم تتخذ احتياطات لوقاية ظهره من التعفن فحصل احتقان وجرح أخذ يتسع ويعمق حتى بدأ عموده الفقري فوصفت له بعض العلاجات كان أنجعها مرهم ينفق منه أنبوبا واحدا يداف بالبودر الطبي " (1) . ولذلك كتب يستصرخ صديقه رئيس تحرير مجلة حوار لعله يمده بالدواء اللازم: " شفيت من ذات الرئة لكن امتلأ ظهري من منتصفه حتى فخذي بجراح ناغرة فاغرة. لا تسأل عن العذاب والالم. دواء هذه الجراح الناجع في بيوت في صيدلياتها، واسمه درمنت بودر Dermont Powder أو هكذا اذكر؟. " (2) .
واجتمع عليه وهو في المستشفى الاقلال من الاهلين: البسر والأسرة ؟كما حكى المعري عن نفسه - فقد قطع عنه النصف الثاني من مرتبة ؟بعد فترة من قطع نصفه الاول، وفقد جدته التي كفلته بعد وفاة أمه (في 10 - 5 - 1964) وكتم الخبر عنه عشرين يوما (3) لئلا يصاب بنكسة، وأخيرا كان لا بد مما ليس منه بد، ولا ريب في أن الخبر كان
__________
(1) جريدة الثورة العربية، بتاريخ 18 - 7 - 1965.
(2) حوار، العدد: 15، وفي رسالة إلى جبرا بتاريخ 14 - 3 - 64 يذكر إصابته بذات الرئة وان هذا المرض قد كاد يزول إلا انه يشكو من سلوخ وكدمات في ظهره (ملف مجلة الإذاعة: 5).
(3) الثورة العربية 18 - 7 - 1965.

(1/359)


مؤلما، وان كان الانشغال بالآلام الذاتية يطغى على النفس ويقف كالدخان بين العين والمرئي أو بين البصيرة والتصور (1) .
وفي مطلع الربيع من عام 1964 تقرر نقله إلى الكويت، ومن الواضح ان الدافع إلى ذلك أمران: جودة العناية في مستشفياتها وقلة التكاليف المادية التي قد يتحملها معوز مثل بدر، وكان جرحه الناغر قد جف، وأصبح رحيله ممكنا، ولنستمع إلى رفيق طفولته وصباه الأستاذ محمد علي إسماعيل بقص قصة سفره إلى حاضرة البترول: " وصباح يوم سفره إلى الكويت كان الوجوم مخيما على زوجته وأطفاله وعمه وصهره وكنا في شرفة حديقة المطار وفوجئنا بامتناع ممل الخطوط عن السماح له بالسفر نظرا لحالته الصحية، وقبل إقلاع الطائرة أرسلت شخصا في المستشفى لجلب شهادة من الطبيب المختص، وكان بدر يلبس الكوفية والدشداشة ذات الجيب الجانبي فقلت له: عزيزي بدر، أنك في زي كويتي كامل فقال: لا، إن الزي ليس كاملا إذ ليس في الجيب دفتر صكوك. ثم اذن له بالسفر بعد ذلك فساروا به في عربته من الباب الرئيسي ووقفنا خلف السياج احمل طفلته الصغيرة آلاء التي كانت الوحيدة التي تلوح له فلا يراها، وحين صعوده سلم الطائرة محمولا حملت الرياح الكوفية من رأسه وطرحتها على جسم الطائرة من أعلى فتلطف بعض الركاب فجذبها وألبسه إياها على الدرج، وكان هذا آخر العهد به " (2) .
دخل بدر الجناح الرابع من المستشفى الأميري بالكويت في 6 - 7 - 1964 فقرر الطبيب الذي تولى فحصه انه يشكو من ضعف عام ومن عدم القدرة على المشي معتمدا على نفسه، وعند تشخيص
__________
(1) كان بدر قد فقد أباه أيضاً في هذه المرحلة من مرضه.
(2) الثورة العربية (التاريخ نفسه).

(1/360)


مرضه وجد انه يعاني من Amytrophic Iateral Sclerosis أي " تطلب جانبي ضموري " وهو ؟كما يقول معجم شرف الطبي: " مرض جمع بين الالتهاب النخاعي الأمامي المزمن والتصلب الجانبي وأهم أعراضه ضمور العضلات مع تشنج الأطراف ومبالغة في المنعكسات وينتهي بالموت لانتشاره نحو النخاع المستطيل " (1) ومثل هذا التشخيص يتفق مع ما قاله الدكتور ادواردز بلندن وما قاله الطبيب الفرنسي، ويدل على أن إقامة بدر في المستشفى لم تكن في نظر الأطباء إلا انتظار للمصير المحتوم، ولكن هذا لا يمنع من بذل كل عناية لتخفيف الآلام عنه. وقد لازمه أثناء مرضه أخ كويتي كريم هو الأستاذ علي السبتي، فقد تعهده بالرعاية، وكانت صحبته تصله بالعالم الخارجي، وتهون عليه عذاب الوحدة، وتيسر له ما يحتاجه من شئون، هذا عدا عما بذله الأطباء والممرضون من عناية به. ويقول الأستاذ السبتي انه لطول الإقامة في السرير أصيب بتقرحات في الجلد، ولكن هذا لم يرد فيما قرره الأطباء. غيران السبتي يشهد ؟ويؤكد الطبيب شهادته - بان طول الإقامة كان مسئولا عن تدهور حاله النفسية. وفي رسالة إلى أدونيس يبدو عليها بعض الاضطراب في الخط والسهو في غير موضع (وهي تحمل تاريخ 17 - 9 - 1964) نجده ما يزال يتحدث في شيء من الهدوء عن صحته العامة وعن تدفق ينبوع الشعر: " صحتي العامة لا بأس بها، لكن ساقي الكسيحتين ما زالتا على وضعيهما، إن نفسي تتدفق بالشعر، لكنه يدفق من ينبوع ألم عظيم ويأس لا طرب. البارحة فحسب كتبت قصيدة ليس فيها حزن ولا يأس ولا ألم " ، وكان الذي أثار هذه القصيدة أن السبتي سافر إلى لبنان وعاد يحمل إليه أنباء عن " أحبائه " في بيروت ؟أي عن " هواه " فيها - وشاع السرور في نفسه لأن
__________
(1) انظر مادة Sclerosis ص: 806.

(1/361)


" الأحباء " وعدوا بأن يكتبوا إليه، ولعل السبتي إنما ألف قصة اللقاء والرسالة لينعش صديقه بشيء من الأمل، أما قصة الهوى نفسه فربما كانت مما حدثه به السياب في إحدى زياراته له.
ولكن هذه الخفقة لم تلبث أن ذابت كما يذوب الحبيب الطافي، وظل بدر فريسة لنوبات من الكآبة والاضطراب العصبي، وكان اشد ما يؤلمه قلقه على زوجه وأطفاله، وحين أصبحت نوباته " مرضية " أخذ يتردد عليه طبيب نفسي فقرر انه مصاب بما يسمى Reactive Anxiety أي " القلق الارتكاسي " أو " الانعكاسي " ؟وهو انعكاس للمرض الجسمي نفسه؛ وحين كانت النوبة تستبد به، فأنها كانت تتركه فريسة للوساوس والرؤى المزعجة، فينسرب في أحلام يقظة مخيفة ولا يكاد يستفيق من حلم راعب حتى يتردى في حلم آخر أشد هولا.
وفي أثناء تلك النوبات كان " الكابوس الشيوعي " ؟إن صحت التسمية - يضغط على نفسه ضغطا خانقا يسلمه إلى الرعب والهلع. دخل عليه صديقه السبتي في إحدى حالاته تلك، فلما استفسره عما يجد أخبره بأن أنباء موثوقة وصلته تؤكد ان جماعة من الشيوعيين تأتمر به لتقتله، قال السبتي: " فأخذت أطمئنه ثم رفعت وسادته ووضعت تحتها حافظة تقود خاوية وقلت له: هذا مسدس تستطيع استعماله ان دعت الحاجة إلى ذلك " ثم خرج ذلك الصديق وهو يوهمه أنه سيتصل بدوائر الأمن لتأخذ الحيطة اللازمة، وغاب عنه بعضا من الوقت وعاد إليه فبادره السياب قائلا أن أنباء أخرى وصلته تؤكد أنه قد تم القبض على تلك العصابة.
ومن الطبيعي أن يقال ان مثل هذه النوبة كانت تعني تضخم الوهم إلى درجة فاض فيها على منطقة التعقل الواعي وحطم السياج القائم بين المنطقتين، ولكن هذا التضخم لم يكن ليتم لولا أن السياب تقمص

(1/362)


صورة الطفل الذي صوره في قصائده من قبل ضحية للشيوعيين، فإذا هو ذلك الطفل نفسه يصرخ ؟دون صوت (1)
آه يا أمي ... عرفت الجوع والآلام والرعبا ... حين رأى الحبال والعصي تملأ الطريق لتسحب جسمه وتمزقه أي أن بدرا أصبحت تخايله صور الأحداث المرعبة التي رسمها بتهويل في وصفه لأحداث الموصل وكركوك وغيرهما.
وكان هنالك كابوس آخر يعتصر وعيه فلا ينفذه منه الا هربه التام إلى منطقة الرؤى: كانت الشهوة الجنسية التي عبر عنها تعبيرا احموما في قصائد الغربة في بيروت ولندن ما تزال تصب عليه سياطها، ولكنه لم يتحدث عنها في قصائده التي نظمها في الكويت، واكتفى بحديث الحب المتسامي، ولهذا تحولت لديه إلى رؤى كابوسية: دخل عليه السبتي ذات يوم فوجد ممرضة هندية تقف أمامه وهو يشتد في تقريعها وتوبيخها فلما سأله عن السبب في حدة: " ألا تخجل هذه المرأة من الدخول علي والنساء العاريات يحطن بي!! "
فإذا انجابت عنه هذه الرؤى عاد إلى طبيعته الأصلية يتحدث فيطيل أو يتوجه بالحنين إلى زوجه وأطفاله فيكتب الشعر والرسائل أو يتخذ من المناجاة والتوسل إلى الله بأن يمن عليه بالشفاء سفينة تبحر به من " بحران " المرض إلأى بر الهدوء والسكينة. لقد عجز العلم عن أن يحقق له الشفاء، وفي مثل هذه الحال تستسلم النفس إلى تعليق الرجاء بالغيب، ولهذا كان بدر يتمنى في تلك الحال لو كان لدى المسلمين شخصية شبيهة بالعذراء تجيب دعاء الزمنى والضعفاء ؟ونسي في مرضه
__________
(1) شناشيل: 42.

(1/363)


قصة البوصيري وقصيدته المشهورة في مدح الرسول - ؛ ولدى الأستاذ السبتي مسودة قصيدة بخط السياب يمدح فيها الإمام علي بن أبي طالب ويستعطفه على حاله ويتوسل بجاهه رجاء الشفاء.
وفي 15 - 11 - 1964 أخذ الممرض يدلك جسمه، فشعر فجأة بألم حاد في فخذه اليسرى، وكانت تلك بداية تحول خطير في مرضه فعندما صور موضع الألم بالأشعة أظهرت الصورة حقيقتين مرعبتين: الأولى أن هناك كسرا في عنق عظم الفخذ والثانية انه كان قد أصيب بمرض خبيث جعل العظم ينكسر كأنه قشة من حركة خفيفة كالتدليك. وزاده هذا الكسر كساحا وربطه بسرير مقعدا لا يروم مكانه، وحين حدث التطور التالي لم يستطع جسمه الهزيل مزيدا من المقاومة، فقد أصيب بنزلة رئوية شعبية Bronchopneumonia فارق على أثرها الحياة في الساعة الثانية والدقيقة الخمسين من بعد الظهر يوم 24 - 12 - 1964، وختمت تلك السلسلة الطويلة من الآلام الجسدية المبرحة والعذاب النفسي المؤرق ومعاناة الوحدة والغربة والفقر وغياب الرجاء وتوقع الموت في كل لحظة على مدى أربع سنوات.
وقد يقال في تعليل مرض السياب أشياء كثيرة: فمن الناس من يتحدث عن هزاله الموروث وضعف جسمه بعامة ويقرنه بالمصاعب التي واجهها مشردا وجائعا ومسجونا ومحروما أحياناً من مورد الرزق، ومنهم من يتحدث عن استعداد خاص في العائلة للسل لان خاله توفي بهذا المرض، ولأن عمة له أصبحت به، ومنهم من يتحدث عن شدة شبقه وإسرافه في الناحية الجنسية، ومنهم من يقرن بين الصدمة النفسية التي أصابته في السجن وبين الوهن العام الذي أصاب جسده من بعد، وقد تجد من يقرن المرض بالرعب استولى عليه اثر هجومه الحاد السافر على الشيوعيين، ولكن الطبيب إدوارد قد رد على هؤلاء جميعا حين قال ان العلم لم يتوصل بعد إلى سر ذلك المرض.

(1/364)


واراني هنا مضطرا للوقوف عند قول أحد الأدباء: " وكان بدر مع ذلك كله يزيد دائه بكثرة الشراب؛ لقد كان الشراب رفيقه الدائم في حالتي الصحة والمرض، وكثرة الشراب تسرع حتى بالأجسام السليمة إلى القبر " (1) ، وقد كان من الممكن أن أعيد هنا أيضاً قول الدكتور ادوادز، ولكن الأمر يتعلق بحقيقة هذا السؤال: هل كان بدر يكثر من الشراب حقا؟ وقد سألت بعض من عرفوه عن الكثب، فأكد أخوه مصطفى أنه مسرفا في الشراب قبل الزواج قم اصبح اقباله عليه قليلا من بعد. وشهد ثان كان يعمل معه في جريدة " الحرية " بأن صفة " الإسراف " هنا لا تنطبق عليه، ووضع الدكتور عبد الله السياب الجواب على هذه المسألة وضعا أدق حين قال: " لم يكن بدر يشرب كثيرا، وإذا جلس للشرب لم يتناول كمية كبيرة، ولكن لضعف صحته كان قليل من الشراب يتركه فاقد الوعي مدة ساعات " .
توفي بدر بعد ظهر يوم الخميس، وفي يوم الجمعة التالي نقل جثمانه إلى البصرة، ولرجح مرة أخرى إلى الأستاذ محمد علي إسماعيل ونستمع إلى ما يرويه: " وقفت سيارة كبيرة حمراء اللون فيها شخصان كويتيان، وقفت في محلة السيف بالبصرة، وسأل الكويتيان هل يوجد مسجد قريب، فأجاب شخصان آخران: أن جامع السيف مفتوح لصلاة العصر، وكانت السماء ممطرة وأدخلت الجنازة، وصلى عليها أربعة
__________
(1) من مقال للأستاذ عيسى الناعوري بمجلة الإخاء العراقية (عدد أيلول 1965) ويشير الأستاذ رشدي العامل إلى إحدى الجلسات فيقول: " شرب بدر حتى ثمل تماما، كنت اذهب بع فأغسل وجهه وكان يعود ليطلب شرابا جديد " وقد ذكر أن الشراب هو " البيرة " وإذا دل هذا على إسرافه في ليلة فلا يستشهد به على الإسراف المتواصل، كما أن ضعفه أمام النوع المذكور من الشراب قد يعني أن القليل من الكحول كان يترك في جسمه أثراً قويا. (أنظر ملف مجلة الإذاعة:29).

(1/365)


أشخاص كانوا بقية من بقي في المسجد " (1) . وقد قرن بعضهم بين وفاة بدر وبين " المطر " خامس المشيعين لتلك الجنازة، وهي التفاتة لا بأس بها، فان " المطر " في شعر بدر يمثل الحياة والموت معا، ولكنا حين نأخذ في إثارة هذه اللفتات، قد نقف عند لون السيارة أيضاً فنجد ان " اللون الأحمر " لم يتخل عن بدر وان حاول بدر التنصل منه، ولو أمعنا في الإثارة لربطنا بين الميت الذي لفظته أمواج الخليج في قصيدته " غريب على الخليج " وبين موت بدر نفسه غريبا على سيف الخليج نفسه، وإذا ذهبنا هذا المذهب لم نكد نحجم عن القول بأن مالية بدر الصحيح الجسم لم تسعفه على الرحلة، وتكفل المرض باطلاعه على دنيا لم يكن يعرفها فكأن تطاول المرض إنما أعطاه فرصة ليودع بيروت ورومة ولندن وباريس وهذا سياق متشعب والخوض فيه ضرب من التفسيرات الباطنية.
وأبين من كل ذلك دلالة على فداحة العبء الذي ينهض به الفرد العربي حيا وميتا أن نذكر حادثة أخرى لا تتحمل التفسير الباطني أبداً: كان أحد الأربعة الذين يرافقون الجنازة قد اتصل هاتفيا بدار الفقيد ليخبر زوجه أن الجنازة قد وصلت. ولكن ما الذي يجري في تلك الساعة؟ كانت الزوجة ومن يعاونها من أقربائها قد أخذوا يقومون بنقل الأثاث لإخلاء البيت الذي يسكنونه فقد أصرت مصلحة الموانئ على ضرورة إخلائه غير مصغية إلى التماس الشفعاء وتوسلات الضعفاء. مصلحة المواني آلة إلكترونية لا مجال فيها لغير الأرقام، والأرقام تقول: انه منذ كذا وكذا انقطعت صلة المسمى بدر شاكر السياب بتلك المصلحة، ومعنى ذلك ان البيت لم يعد بيته.
لن نقف عند هذه المفارقة أيضاً، فمن ذا الذي يجرؤ أن يلوم بدرا على ما كان يحس به من قلق تجاه الأيتام الثلاثة وامهم؟ ولكنه حينئذ
__________
(1) الثورة العربية 18 - 7 - 1965.

(1/366)


كان قد استراح من كل هم وقلق، ووري التراب في مقبرة الحسن البصري، بقضاء الزبير، بينما كان صديقه علي السبتي يردد في دخيلة نفسه: " لا تبعد؟ لا تبعد " !!

(1/367)


- 29 -
اضمحلال الرموز
عاد السياب إلى أحضان " الروحية " ادعانا لصورة الأم، وتقبلا لإرادتها، فقد كان يحس أنه لا يستغني عن وجه من وجوه اللقاء بها، وهذا معناه أن يؤمن ؟على الأقل - بتلاقي الأرواح بعد الموت، أو أن يؤمن باتحاد النفوس الإنسانية في رحم الأم الكبرى (الأرض) مثلما آمن بالقوى لسارية التي تحرك مخاض تلك فتربو وتهتز وتلد، واتخذ لتلك القوى أسماء مثل تموز وعشتار وأتيس وغيرها، وقد أبعده كفاحه النضالي عن مجال " الروحية " حين جعله يتخذ من الحزب ومبادئه قوة يستند إليها فتغنيه عن السند الذي كان يحتاج إليه وهو متفرد منعزل في شبابه الباكر لا يجد إلا " النخلة الفرعاء " مستندا يحمل روحه وجسده، وحين خطأ بعد انهيار الركن الجماعي الأول ليعانق ركنا جماعيا جديدا في القومية المغلقة ؟حسب مفهومه - بنوع من الدين القومي استند إلى هذا الركن فترة من الزمن غير طويلة، ذلك أنه ؟لا شعوريا - اكتشف حقيقة موقفه الجديد من خلال رموز الأرض، فكأنه كان من خلال هذا الانتماء الجماعي يعود مرة أخرى إلى الام، إلى فرديته القديمة، ولذلك فانه سرعان ما تحول من تموز إلى المسيح أو وحد بينهما في القوة الرمزية، وسرعان ما وجد نفسه ؟في حومة مجلة " الشعر " - يبشر بقيم دينية في الفن؛ وإذا كان هذا هو الجانب

(1/368)


العفوي في تلك العودة فان وجهها الإرادي يتمثل في محاولته الإمعان في البعد عن اليساريين ويعد إقداما على التظرف إلى النقيض، لكي يثبت لنفسه أنه قد بلغ إلى حيث لا يرجو عودة اليهم، وألى حيث لا يستطيعون أن يمدوا إليه حبالهم أو عصيهم؛ ومن جراء هذا التحول نفسه أخذ الشك يساوره حول جدوى الالتزام، فحاول أولا أن يوسع من مفهوم هذا المصطلح، ثم أن يعلن عن ضجره من الموقف الالتزامي جملة، ثم أن يتخلى عنه تحت وطأة المرض وحدة الإحساس بالمشكلة الفردية التي تمثلت في مرضه وما جره من نتائج؛ ومن الإنصاف للسياب أن نلمح في سريرته نقاء لم تستطع أن تطمسه أنواع العذاب الجسدي الذي كان يعتصره، إذ نجده ما يزال معذب النفس والضمير أيضاً بين التخلي عن التزامه القديم وبين ضرورات المشكلة الفردية التي كانت تستحوذ على كل كوة يتسرب منها النور إلى عالمه، وحسبنا أن نجده يقول وهو مقيد بالعجز والمرض والحرمان: " مالي وما للعالم كيفما سار فليسر، رغم أن صوتا تحت ذلك الصوت يهمس: كلا، أنه عالمي ويهمني الاتجاه الذي يسير فيه " (1) ، فذلك الصوت الهامس الذي لم يلبث إلا قليلا حتى خفت؛ للضغط الشديد الذي يعانيه شاعر يتوقع الموت، هو الصوت الذي يعبر عن تألم الشاعر لتخليه عن المسئولية الجماعية؛ وقد يقول بعض الناس أن قصيدته التي حيا فيها الخلاص من قاسم إنما كانت تكفيرا عن موقف من النفاق الذي اضطرته إليه ظروف الحياة (أو على التحقيق ظروف الموت البطيء)، وقد يرى فيها آخرون امتداد للنقمة على اليساريين الذين أيدوا قاسما وأيدهم بنفوذه وسلطانه، وهي كذلك دون ريب، ولكنها تدل على أن الشاعر صحا فيه إحساسه القديم بالرابطة بينه وبين قضية أمته، مهما يختلف
__________
(1) من رسالة إلى أدونيس بتاريخ 5/3/62 صادرة من مصلحة الموانئ العراقية (البصرة).

(1/369)


التقدير بيننا لتلك الرابطة (1) :
مرحى لجيش الأمة العربية انتزع الوثاق ... يا اخوتي بالله بالدم بالعروبة بالرجاء ... هبوا فقد صرع الطغاة وبدد الليل الضياء ... فلتحرسوها ثورة عربية، صعق " الرفاق " ... منها وخر الظالمون؟.. ... غير أننا يجب ألا نتوقع شيئا كثيرا في هذه الناحية، فمن المعروف أن إلحاح السقم يخلق في المريض مشاعر مريرة، ويجعل مزاجه منحرفا وتصوراته مئوفة، فالسياب الصحيح المعافى طالما مجد انتفاض الجزائر وروح التضحية والاستشهاد لدى أبنائها، وعير عرب المشرق بالركون إلى الكهوف والقبور ؟في استسلامهم الطويل - ولكن السياب المريض حين تحدث عن " ربيع الجزائر " (2) لم يستطع أن يرى إلا صورة الموت والأشلاء والخراب والقبور واليتامى، وكأنه يقول للجزاءر: ماذا نفعت كل تلك التضحيات؟ ويسخر على لسان المجاهد من الحصاد الذي أعطته الثورة في حوار بين الأطفال الجائعين وأبيهم المجاهد، إذ يقول الأطفال:
وماذا حملت لنا من هديه ... فيرد أبوهم قائلا:
غدا ضاحكا أطلعته الدماء. ... كان السياب حين كتب القصيدة، لا يستطيع أن يفهم معنى " الغد " عند الأحياء، ولذلك ركز نظره في الواقع، فرأى واقع الجزائر صورة
__________
(1) منزل الاقنان: 137.
(2) منزل الاقنان: 19.

(1/370)


في نفسه المحطمة الكسيحة:
وها أنت تدمع فيك العيون ... وتبكين قتلاك. نامت وغى فاستفاق ... بك الحزن؛ عاد اليتامى يتامى، ... ردى عاد ما ظن يوما فراق؛ ... سلاما بلاد الثكالى بلاد الايامى ... سلاما، سلاما؟ ... أن مثل هذه القصيدة يدل على أن السياب لم يتخل عن الالتزام وحسب بل انه كان عاجزا ؟حينئذ - عن التمسك به، رغم شيء من الحسرة على فراقه.
وحين ابتعد ظل الالتزام عن الشعر اخذ ظل الرموز ينحسر أيضا، ذلك لأن السياب ربط بين الرمز والنضال السياسي، فجعل الرمز طريقة للتعمية والتستر وملاذا من وجه التضريح الذي يلقي بصاحبه في أغلال الاضطهاد أو غيابات السجون، وقد عبر عن ذلك في محاضرته بروما حين قال: " وساعدت الظروف السياسية؟. حيث الإرهاب الفكري وانعدام الحرية على اللجوء إلى الرمز " (1) ، أي انه جعل الرمز مرادفا للحكاية الكنائية التي يوري فيها الشاعر عن غايته بمحمل تمثيلي، وهذا تحديد ضيق للرمز، وقصر له على مظهر واحد. وبسبب هذا التحديد نفسه فقد السياب صلته " الرمزية " بقصة تموز ولم يعد يلجأ إلى استغلال الأسطورة كما كان يفعل من قبل. ولست أعني أن الأسماء الأسطورية أو الرمزية قد اختفت من شعره بل ظل يذكر تموز وعشتار وقابيل والمسيه، ولكنه لم يتعد مرحلة التمثيل أو التشبه ليوضح بذكرها فكرة أو صورة، بل أن المرض جعله يضيف إليها أسماء أخرى
__________
(1) انظر أضواء: 123.

(1/371)


أهمها: عولس والسندباد والحسن البصري، ثم لا يتجاوز في هذه أيضاً جانب التمثيل، وهذه الأسماء الثلاثة تشير إلى التجواب، وقد أراد أن يقرن نفسه بها حين كان يتنقل بين البلدان طلبا للاستشفاء، ولكن وردوها على خاطره ذو دلاله عكسية، فهي من ذلك النوع الذي يضرب تاها في الأرض دون كلل على التقيض من حالهن لأنه مقيد إلى سرير، لذلك كان يحس وهو يتمثلها بنعمة القدرة على المشي والرحلة الإرادية المغامرة المتصلة بقوة الجسد، وحين نتذكر وقوفه عند هرقل أيضا ؟ومعه تموز في صراعه للرب الأسطوري " موت " - فأننا ندرك تماما أي راحة كان يجدها في تمثل هذه الأسماء (1) :
بالعقل المفتول والسواعد المجدوله ... هرقل صارع الردى في غاره المحجب ... بظلمة من طلب ... وقام تموز بجزح فاغر مخضب ... يصك (موت) صكة، محجبا ذيوله ... وخطوه الجليد بالشقيق والزنابق ... كان يتشبث بالقوة ويريد ان يصرع الموت، فاستغل الشعر سلاحا:
رميت وجه الموت يهوي نحوي ... كأنه الستار في رواية هزيلة ... رميت وجه الموت ألف مرة ... ؟..
فأنتضي من سيفي المجرد ... ويقطر الشعر ولا يغيض ...
__________
(1) منزل الاقنان: 73.

(1/372)


ولكن الشعر لا يصلح سلاحا لدفع المنية، ولا بد من ساعدي هرقل وإرادة تموز. ثم أن بينه وبين " عولس " رابطة أخرى، لأنه مثله ترك زوجا وفيه تنتظره وتعد الساعات لعودته، ولهذا يعود إلى ذكره غير مرة في قصائد هذه الفترة.
على أن المرض ربط بينه ؟ربط تطابق - وبين أيوب، ويمثل استدعاؤه لصورة أيوب نهاية المرحلة التي بلغها في حمى " الروحية " ، ولعله لولا المرض لم يبلغها، ولكن المرض هو الذي منح شكلا مثاليا للعلاقة بين الإنسان والإله؛ فأيوب يمثل فلسفة الاستسلام والرضى من جانب الانسان، كما يمثل حقيقة " لا يسأل عما يفعل " من جانب الله، لان حكمته اعمق من كل فكر إنساني. غير أن " رمز " ايوب ؟في ذهن السياب - لم يكن عميق الموقع. فهو لم يكن مثل أيوب في بدء المرض حين نسمعه يصرخ في وجه الإله (1) :
صائد الرجال ... وساحق النساء أنت، يا مفجع ... يا مهلك العباد بالرجوم والزلازل ... يا موحش المنازل ... منطرحا أمام بابك الكبير ... أحسن بانكساره الظنون في الضمير ... أثور؟ أغضب؟ ... وهل يثور في حماك مذنب؟ ... ثم يستكين استكانة أيوب (2) :
لك الحمد مهما استطال البلاء ...
__________
(1) المعبد الغريق: 33.
(2) منزل الاقنان: 36.

(1/373)


ومهما استبد الألم ... لك الحمد إن الرزايا عطاء ... وأن المصيبات بعض الكرم ... ذلك لأنه رغم تجسيده للرضى بكل ما كتبته يد الله، يؤمن بأن الشفاء أمر قريب:
لك الحمد يا راميا بالقدر ... ويا كاتبا بعد ذاك الشفاء ... ويتمثل اتحاده مع أيوب في قصيدته " قالوا لأيوب " ، دون أن يزايله أيضاً الأمل في الشفاء، فقد كان ذلك الأمل هو العامل الموجه لذلك الرضى المطلق (1) :
يا رب لا شكوى ولا من عتاب ... ألست أنت الصانع الجسما ... فمن يلوم الزارع التما ... من حوله الزرع، فشاء الخراب ... لزهرة والماء للثانية ... هيهات تشكو نفسي الراضيه ... أني لأدري أن يوم الشفاء ... يلمح في الغيب ... سينزع الأحزان من قلبي ... وينزع الداء، فأرمي الدواء؟.. ... ولكنه ؟قبيل النهاية - حين ضاع كل أمل يتحدث في شيء من التبرم والنزق، وبدلا من " يا رب " التي تدل على الضراعة
__________
(1) منزل الاقنان: 114.

(1/374)


الاستسلامية أخذ يستعمل " يا إله " أو " أيها الإله " ؟مبقيا مسافة بعيدة بين الإنسان والله، فيها ترتفع الشكوى الإنسانية وفيها تنطلق الرحمة ولكن على شكل " رصاصة " (1) :
أليس يكفي أيها الإله ... أن الفناء غاية الحياة ... فتصبغ الحياة بالقتام ... تحيلني ؟بلا ردى - حطام ... سفينة كسيرة تطفو على المياه ... هات الردى، أريد أن أنام ... بين قبور أهلي المبعثره ... وراء ليل المقبره ... رصاصة الرحمة يا إله! ... والحق أن ألفته للرموز المتعلقة بأرباب الأساطير ثم برمز المسيح على مجه الخصوص، قد محت حينا المسافة القائمة بين الله والانسان، فهو حين أصيب بفزع بالغ من الموت لدى نبوءة عراف هندي تقول أن الحياة ستنتهي يوم 2 شباط 1962 وجد نفسه يحاسب الله في حنق بالغ لأنه يصرع الأطفال ويخيب الآمال (2) :
يكاد يهوي من صراخي عنده التاج ... ويهدم عرشه ويخر، تطفأ حوله الآباد والآزال ... ويقطر لابن آدم قلبه ألما وينفطر ... فإذا كان للمرض من اثر في موقفه من الالوهية، فهو انه عاد به
__________
(1) ديوان إقبال: 46.
(2) المعبد الغريق: 80، وهذا يرد في معرض الحلم، ولكن ذلك لا ينقص شيئا من الحقيقة التي أتحدث عنها.

(1/375)


إلى معرفة الحد الذي لا يصح للإنسان أن يجاوزه في تصوره للإله، حتى وان كان ثائرا شاكيا. ولولا المرض لما تعرض هذا الجانب في السياب إلى مثل الاختبار العسير، فقد كانت راحته النفسية في عودته إلى " الروحية " ، وكان من الممكن أن يظل مطمئنا في ذلك الحمى الآن، لان السكينة فيه هي السكينة فيه هي السكينة عينها التي تنبع من قلب الأم؛ وليس من المصادفات ان تصبح " النخلة " رمزا للإله ؟في بعض لحظات المزج بين السكينتين - كما كانت دائما رمزا للأم (1) :
وابصر الله على هيئة نخلة، ... كتاج نخلة يبيض في الظلام
أحسسه أقول: " يا بني، يا غلام ... وهبتك الحياة والحنان والنجوم ؟.. ومن الأسماء الأسطورية التي عثر عليها في هذه الفترة " ايكار " (2) و " اورفيوس " وقد ذكر الأول في حديثه عن شباك وفيقة (3) :
إيكار يسمح بالشمس ... ريشات النسر وينطلق ... إيكار تلقفه الأفق ... وزماه إلى اللجج الرمس ... وتبدو الصورة بعيدة الصلة بما حولها إلا أن يعني أن شباك وفيقة هو نفسه إيكار وأنه قد نأى عن الأعين المنتظرة ثم سقط فوارته
__________
(1) المعبد الغريق : 51 - 52.
(2) ايكار ابن ديدالوس، جنح نفسه هو وأبوه بأجنحة من شمع وطارا من تيه مينوس في كريت، ولكن ايكار اقترب كثيرا من الشمس فذاب جناحاه وسقط في البحر ومات غرقا.
(3) المعبد الغريق: 5 - 6.

(1/376)


اللجج، أي ضاع من دنياه إلى الأبد. وأما اورفيوس فانه يمثله لأنه شق طريقه بالحنين والغناء، وفتح بأنغامه مغالق الفناء، والسياب وقف عند دار جده في جيكور فرأى عالم الفناء نفسه، مع انه ظل طوال حياته يمنح جيكور الضياء ويكسوها الرواء بشعره (1) :
وبالغناء يا صباي يا عظام يا رميم ... كسوتك الرداء والضياء ... ومع ذلك انطبق من حولها فكا الفناء كما انطبقا على " يورديس " ولم يستطع إنقاذها.
__________
(1) المعبد الغريق: 48.

(1/377)


- 30 -
أسطورتان
هكذا كانت اكثر الأسماء الأسطورية أو الرمزية في هذه المرحلة تنطبق على السياب وتلائم ذاته وفرديته، أما الجانب الجماعي منها فكان قد توارى لانعدام الحاجة إليه. ولم يحاول في هذه الأسماء أن يتجاوز الإشارة أو موضع العلاقة، إلا في قصيدتين بناهما كاملتين على الأساس الاسطوري، ولعلهما ؟فيما ارى - خير قصيدتين من قصائد هذه الفترة من حيث العناية بالبناء الفني، وهما " المعبد الغريق " و " نار إرم " .
أما قصيدة " المعبد الغريق " فقد استوحاها السياب من خبر عارض ذكر روايه أن في بحيرة شيني التي يصب فيها نهر الباهنج في الملايو معبدا بوذيا غرق في قعر البحيرة بسبب زلزال بركاني حدث قبل ألف سنة، وفي المعبد كنوز تحرسها تماسيح ووحش له عين حمراء واحدة في مثل حجم كرة البنج بونج؟. " (1) ومن هذا الخيط نسج الشاعر قصيدة كاملة: فصور شيخا في حانة يعب الخمر ويقص قصته عن " رحم البحيرة " الذي تفجر باللظمى حتى قر عليه كلكل معبد مليء بالكنوز وطفا التمساح فوقه يحرح فوقه يحرس تلك الكنوز وسمى الوحش ذا
__________
(1) مجلة شعر (العدد: 22) ص:45.

(1/378)


العين الواحدة " الأخطبوط " ، وهنا تذكر ان هذين الحيوانين وغيرهما من الحيوانات عاشت آلاف السنين ولم يستطع الفناء ان يصيبها بسهامه وسخر من الإنسان الفاني الذي يحرس ألوفا من الكنوز الغارقة (دون فلك الضمير)، وهو ما يزال عبدا مسترقا (1) :
هنالك ألف كنز من كنوز العالم الغرقى ... ستشبع ألف طفل جائع وتقيل آلافا من الداء ... وتنقذ ألف شعب من يد الجلاد، لو ترقى ... إلى فلك الضمير! ... أكل هذا المال في دنيا الأرقاء ... ولا يتحررون، وكيف وهو يصفد الاعناق، يربطها إلى الداء؟ ... والتفت الشاعر إلى عوليس الذي ما فتئ يجوب البلاد، فأخذ يقنعه بالذهاب إلى معبد شيني لان العودة إلى الوطن لم تعد مجدية إذ شاب الابن وأصبحت الزوجة عجوزا خرقة، وتبين له ان كنوز ذلك المعبد في انتظاره، أما شبع من الدم الذي أريق على أرض طروادة؟ ومن اجل ماذا؟ من اجل فجور أنثى اسمها (هيلين) وإشباع الرغبة في الثأر؟ أهكذا يقتل الإنسان أخاه؟ إن أرض طروادة لا تفترق في شيء عن ارض العراق التي شهدت أنها الحقد وهي تتدفق بالخناجر والعصي، وبالأجساد التي تجرر بالحبال. وهل الذي شهد حرب طروادة وعقارب " الرقاع " وهي تبث السم في الجسوم يجفل من بعض حيوانات تحرس الكنز؟
هلم نشق في الباهنج حقل الماء بالمجذاف ... ويلح الشاعر في النداء على " عوليس " ليقطعا معا ليل آسية الطويل قبل ان تطلع عليه شمس " النظار " فيأكل هذا الوحش الموتى ويشرب
__________
(1) المعبد الغريق: 97.

(1/379)


من دم الأحياء ويدس في القبلات مدى من حشرجات الموت، ويؤكد له أن عهد النبوات لم يظهر بعد، وان شريعة القوة والغضب ما تزال هي المسيطرة، وان تأليه القائمين على البحيرة أمر ممكن فطالما رفع الإنسان آلهته إلى قمة جبل .
ويبدو ان نواة القصيدة في مخيلة الشاعر كانت تعتمد المقارنة بين الوحوش الخالدة حارسة الكنز في البحيرة، وبين الإنسان الفاني الذي يحرس آلافا من الكنوز دون أن يستطع التحرر، ثم تطورت القصيدة بين يديه إلى مستوى جديد حين استحضر صورة عوليس وحرب طروادة وأخذ يجري المقارنة بينهما وبين وضع العراق في عهد قاسم، ولكنه لم يستطع ان يدرك معنى عميقا وراء عودته هو وعوليس إلى بحيرة شيني، فقد بدأ من طبيعة القصيدة أول الأمر أنها دعوة إلى استغلال مخزونات الطبيعة في سبيل رقي الإنسان ونهضته بدلا من انشغاله بالحروب والفتن، ثم تبين أنه يريد العودة إلى بحيرة شيني لأنه يريد أن يتوارى في ظلمات ليل آسية قبل ان يطلع " التبر " مثل وحش يأكل الموتى، انه يريد هو وصاحبه أن ينعما في ظلمات القرون وغيابات الجهل، مطمئنين إلى ان شريعة " الغضب " وتأليه الإنسان للقوى التي يورد تأليهها ما يزالان يحكمان الوجود؛ وهذه غاية من أسوأ ما تنتهي إليه قصيدة حتى ولو كنا اأخذ هذا القول على محمل السخرية. ولا ريب في أن الذي أوقع السياب في هذا المزلق هو فكرته الوعظية عن الذهب وقدرته على إفساد النفوس، تلك الفكرة التي استدها شعريا من اديث سيتول واستمدها معتقدا من القصص الذي يتمتع أحياناً بمسحة دينية، ورآها عمليا فكرة محببة حين أخفق في أن يجد " النقود " التي تعينه على المرض ومصاعب العيش. وتتعرض القصيدة لعيب آخر، عدا هذا التحول القاصم الذي أصابها، وهو تفكك التعبير وانبساطه وتمدده دون اعتماد على الايجاد، وقد ظهرت المقارنات فيها ؟من ثم

(1/380)


ساطعة تفسيرية، وتلك عودة إلى عهد " حفار القبور " و " المومس العمياء " ؛ وهذا المبنى اقرب إلى طبيعة السياب إلا أنه من الناحية الفنية أشد صلة بالتقرير أو الإقناع الذهني. ومع ذلك فأننا نميز هذه القصيدة بالحرص على المبنى الفني المحكم إذا نحن قارناها بأكثر قصائد هذه الفترة.
وبين " المعبد الغريق " و " إرم ذات العماد " مشابه شكلية؛ إذ يفتتح الحديث في كل منهما قاص، فالأول كان يهمس جاحظ العينين وهو يعب الخمر عما حدث في البحيرة من هوي للمعبد تحت سطح الماء، والثاني كان يشرب الشاي ويدخن سيكارة وهو يقص قصة " إرم " التي اختفت عن عيون الناس فهي تطوف الأرض فلا تراها إلا عين امرئ سعيد مرة كل أربعين سنة، ويشرك المعبد وإرم في الاختفاء عن الانتظار ولكن كلا منهما يمثل رمزا مستقلا، فالمعبد يمثل السعي نحو المستقبل، نحو الكنز المخبا، وإرم حلم الماضي (1) .
حلم صباي ضاع ؟. آه ضاع حين تم ... وعمري انقضى. ... وليس في بناء قصيدة " ارم " جهد كالذي بذله الشاعر في القصيدة السابقة، لأنه هنا اكتفى بقصة قصيرة ومنح للقصيدة شكلها البسيط، ولكنه اعتمد على بعض ضروب الربط والاستنكار، ففي خلال القصة ربط بين بحثه عن اللؤلؤة الفريدة وبين " نجمته البعيدة " وتذكر قصة عنتر وعبلة، وفي سيره حول سور ارم تذكر السندباد وطوافه حول بيضة الرخ، وفي وقفته في الظلام رأى نفسه مثل ناسك لا يقبله الاله في حماه وهو يدعو مسترحما؛ وبقوة هذه الانتقالات التي لم تتحول إلى استطرادات، تعمقت الأسطورة وازدادت خصبا، وتعمقت إيحاءاتها في نفس القارىء؛ ولكن السياب لا يستطيع ان يترك مشكلة يطرحها
__________
(1) الشناشيل: 18.

(1/381)


دون حل، ولذلك قدم التفسير الختامي لها رغم أنها قادرة دون ذلك التفسير على ان تنقل من خلال الحلم الأسطوري شعورا عميقا بالأسى على استلاب اليقظة للمعجزة التي حققها الحلم، وحين يقول السياب:
وقال جدنا ولج في النشيج ... ولن أراها بعد أن عمري انقضى ... وليس يرجع الزمان ما مضى ... سوف أراها فيكم فانتم الأريج ... بعد ذبول زهرتي. ... فانه ملتزم بتعميق الأسى على " الضائغ " من طريق استخلاص العبرة أو المغزى الكامن وراء احتجاب ارم، وهي طريقة مدرسية توضيحية لم يستطع الاستغناء عنها لأنه كان يؤثر أن يكون ما يقوله مفهوما واضحا بذاته دون لجوء إلى تأويلات مختلفة؛ وقد سلمت قصيدة " إرم " من التفكك والتمدد في التعبير فجاءت تعبيراتها محكمة موشحة بالايجار غالبا، وكان ذلك من العوامل التي تقوي تأثيرها في النفس إلى جانب بساطتها القصصية، وواقعيتها في النقل. وحين أحس السياب انه حقق في هذه القصيدة مبنى جميلا نظم على مثالها قصيدة " شناشيل ابنة الجلبي " (1) فجاءت صنوا لها في الغاية والمبنى المكون من أسطورة وحل، وفي شيء من اتساق السرد وان كانت قصيدة الشناشيل مثقلة بتزاحم الصور.
وتدل قصيدة الشناشيل على انه كان في مقدوره أن يخلق الأسطورة ولكنه كان ؟فيما يبدو - معجلا عن ذلك، لأسباب أقواها ان اللجوء إلى الأسطورة يتطلب تأنيا في الرسم للمبنى، وكان في هذه
__________
(1) نظمت قصيدة " ارم " يوم 21 - 2 - 1963 وبعد ثلاثة أيام نظمت قصيدة الشناشيل.

(1/382)


الفترة يتدفق بالشعر تلقائيا كأنه يخشى التأمل والصمت؛ كان حديثه إلى نفسه هو البرهان الوحيد على أنه ما يزال يحيا وينتج شعرا، وكان ذلك الحديث هو نفسه تلك القصائد، وفي مثل هذا الانسياب الطوعي يتضاءل الاهتمام بخطة البناء، ويصبح أي دفق شعوري هامر قادرا على التحول إلى إيقاعات تسمى شعرا؛ وهناك سبب آخر يبعده عن الرمز والأسطورة وذلك هو سطوع الحقيقة المادية على نحو يتضاءل إلى جانبه كل رمز، بل يصبح أي لجوء إلى الرمز مضحكا. ومن اجل التعبير عن تلك الحقيقة المادية ؟بكل أبعادها - جاء الشعر منساقا بقوتها وسطوعها، ولم تدع قوتها مجالا للتأمل، لأنها كانت أقوى من كل ما قد يستشف منها (1) :
ممض ما أعاني: شل ظهر وانحنت ساق ... على العكاز أسعى حين أسعى عاثر الخطوات مرتجفا ... غريب غير نار الليل ما واساه من أحد ... بلا مال بلا أمل يقطع قلبه أسفا ... ألست الراكض العداء في الأمس الذي سلفا؟ ... ولهذا كان اللجوء إلى الصراحة السافرة والقول التحقيقي المحض طريق الشاعر التي قل ان يجد طريقا سواها (2) :
ألفيتني أحسب ما ظل في جيبي من النقد ... أيشتري هذا القليل الشفاء؟ ... وتحت سياط هذه الحقيقية المادية وسفافيدها لم يعد الشاعر يعنى حتى بقوة اللمح الشعري. انه يريد ان يصور كل ما في عالمه المحدود على
__________
(1) منزل الاقنان : 87.
(2) منزل الاقنان : 100.

(1/383)


حقيقته، ولذلك ضاع الحد بين ما يمكن ان يقال وما يمكن ان يظل مطويا وراء حجاب الصمت؛ فإذا ثار على زوجته عبر عن تلك الثورة بمرارة لا تطاق، وإذا أحس بالحرمان الجنسي اندفعت الكلمات المحمومة تقول في صراحة (1) :
نهداها ... يتراعشان، جوانب الظهر ... تصطك، سوف تبل بالقطر ... وهناك أمثلة كثيرة تعبر عن وقائع الحال بصراحة لا تعرف الكنابة أو المواربة، وتقترب في دقتها من الخبر الصحيح، لا أرى موضعا لإيرادها.
قلت: كان في مقدور بدر أن يخلق الاسطورة، لأنه بعيد عودته إلى حمى " الروحية " آثر الانسحاب من المدينة والعودة إلى جيكور عملا ؟لا تصورا، وحين صدم بواقع جيكور عاد إلى الماضي واخذ يحيي قصصه القديمة، وكأن في مقدوره ؟كما فعل في قصيدة الشناشيل - ان يجعل من كل قصة اسطورة، ولكنه لم يفعل، واكتفى بالتذكر والاستعادة، إذ لم يكن الماضي سوى مثابة للراحة من آلام الواقع؛ وهذا إيجاز لما تم يتطلب التوضيح من زاوية العلاقة بالشعر.
__________
(1) الشناشيل: 69، وانظر أيضاً: منزل الاقنان: 61 - 63.

(1/384)


- 31 -
مذكرات أمس اليوم
هاجر بدر من بغداد وهو مغص النفس من المدينة لأنها أولا حاولت ان تحرق جيكور في نفسه ولأنها ثانيا امتلأت بمناظر دموية مرغبة؛ ولكن جيكور لم تستطع ان تنسيه هاتين الحقيقتين عن المدينة، لأنه وجد " المدينة " تحاول ان تعدو إلى الريف، فتحول مقبرة أم البروم إلى جزء منها؛ لقد عرف أن الأحياء يجلون عن ديارهم، أما امتداد يد المدينة لطرد الموتى من قبورهم فانه شيء غير معهود (1) :
ولكن لم أر الأموات قبل ثراك يجلبها ... مجون مدينة وغناء راقصة وخمار ... ولهذا استيقظت في نفسه صورة المدينة التي رسمها من قبل في " مدينة بلا مطر " وما أشبهها من قصائد، فيقول:
مدينتنا منازلها رحى ودروبها نار ... لها من لحمنا المعروك خبز فهو يكفينا ... علام تمد للأموات أيديها وتختار ... وعاد يرى فيها عروق تموز التي قال عنها من قبل (2) :
__________
(1) المعبد الغريق: 25.
(2) قصيدة " جيكور والمدينة " في أنشودة المطر: 105.

(1/385)


شرايين في كل دار وسجن ومقهى ... وسجين وبار وفي كل ملهى ... وفي كل مستشفيات المجانين ... في كل مبغى لعشتار ... فهو لذلك يقول في العدوان على أم البروم:
تسلل ظلها الناري من سجن ومستشفى ... ومن مبغى ومن خمارة؟. من كل ما فيها ... المدينة حيثما كانت في نظرة واحدة لا تتغير، أنها مبادءة للرذيلة ، فهي تستبيح الاعتداء على الموتى:
لتثمر بالرنين من النقود وضجة السفر ... وقهقهة البغايا والسكارى في ملاهيها ... وتكاد قصيدة " ام البروم " ان تكون إعادة للمادة التي أوردها السياب في قصائد هاجم فيها المدينة، فهي مثال على عودة الشاعر إلى وسائله المألوفة واستغلاله لها.
وأما نفوره من المدينة لأنها امتلأت بمناظر القتل والحرق والصلب فانه ظل ينبعث في نفسه بين الحين والحين رغم استقراره في جيكور طلبا للطمأنينة. ولهذا عبر عنه في بعض قصائده مثل " المعبد الغريق " و " ابن الشهيد " . وتستوقفنا تلك المقدمة التي كتبها للقصيدة الثانية حين نشرها بمجلة الآداب: " يسرني أن يعود الولد الضال إلى بيته، وان أعود إلى الآداب التي على صفحاتها متنفسي الطبيعي الذي أعاهد نفسي أن يدوم أبدا " (1) . ولكن هذا العهد لم يكن إلا ومضة عابرة،
__________
(1) الآداب (عدد حزيران) 1962 وانظر المعبد الغريق: 125.

(1/386)


إذ سرعان ما وجد نفسه يعلق في شباك حوار ومنظمة حرية الثقافة ؟لحاجته إلى المال - .
ولو كان ثمة مجال للحديث عن تجاوب التوأمين عند ذكر العلاقة بين الإنسان والمكان لقلنا دون تردد ان السياب أحس بزحف المرض وبشبح الموت يسعى نحوه حين رأى الفناء قد أناح بكلكله فوق جيكور، فقد مان هو ولقرية يرتبطان كالتوأمين بمراحل الولادة والصبا والشباب والأكتهال، وحين رأى السياب نفسه في مرآة القرية التي أحبها ندت عنه صرخة تقول: " جيكور شابت " ؛ لقد كان يهدف حين عاد إليها ان يعيش ؟كما عاش الطفل القديم - في " ظل النخل " (1) الذي يمتد فيئه " كأهداب طفل " ، ولكن الحيرة تملكته إزاء هذه المسافة التي قطعتها جيكوز في الزمن (2) :
جيكور ماذا أنمشي نحن في الزمن ... أم أنه الماشي ... ونحن فيه وقوف؟ أين أوله ... وأين آخره؟ هل مر أطوله؟ ... أم مر أقصره الممتد في الشجن ... أن جيكور هذه التي تحيره ليست هي التي يريدها ولذلك طالبها بأن ترد إليه أي تعود كما كانت، بل طالبها بأن تعيده إلى الحياة لأنه يرى نفسه يرى نفسه في مآتها ميتا:
ردي إلي الذي ضيعت من عمري ... أيام لهوي؟. وركضي خلف أفراس ...
__________
(1) المعبد الغريق: 109.
(2) المعبد الغريق: 110.

(1/387)


تعدو من القصص الريفي والسمر ... ؟..
جيكور لمي عظامي وانفضي كفني ... من طينه واغسلي بالجدول الجاري ... قلبي الذي كان شباكا على النار ... وأراد من جيكور ان تمد إليه افياءها:
أفياء جيكور أهواها ... كأنها انسرحت من قبرها البالي ... من قبر أمي التي صارت أضالعها التعبى وعيناها ... من أرض جيكور ترعاني وأرعاها ... ولكن يجوز كانت قد تقلصت افياؤها وتغضنت وجناتها " جيكور شابت وولى صباها " (1) ، ولهذا عاد يسألها سؤال الحيران:
هل ترى أنت في ذكرياتي دفينه ... أم ترى أنت قبر لها فابعثيها ... وابعثيني؛ وهيهات ما للصبا من رجوع ... أن ماضي قبري وانى قبر ماضي؟. (2) ... ولم تكن جيكور وحدها هي التي أدركها الخراب، بل قلب جيكور نفسه كان قد توقف عن النبض، وقلب جيكور هو " بيت الجد " الذي فتح بدر فيه عينيه على الدنيا ولذلك رثى هذا البيت مرتين، وكان كأنه ينتحب وهو يصرخ في أولاهما: (3)
__________
(1) المعبد الغريق: 41.
(2) المعبد الغريق: 143.
(3) انظر قصيدة " دار حدى " في المعبد الغريق: 45 وما بعدها.

(1/388)


طفولتي صباي أين أين كل ذاك ... ورأى الفناء يحدق إليه من الحجار كما وجد صنوه في دمه:
أم أنني رأيت في خرابك الفناء ... محدقا إلي منك، من دمي ... مكشرا من الحجار؟ ... وسماه في القصيدة الثانية، " منزل الاقنان " (1) ، وهي تسميه غريبة، إذ من المعروف أن القن تعني " من يولد عبدا " ، فهل اختار الشاعر هذه التسمية لأن نزعة إقطاعية ساورته في تلك اللحظة أو لأنه كان ينظر في شيء من الاحتقار إلى الإقطاعيين الذي لم تبق منهم بقية سوى جدران بيت خرب؟ ليس هناك جواب حاسم ولكنا نعلم من قصيدة أخرى أن لفظة " قن " ترد في معرض التنقص والتحقير:
ونفسا حدها بين السرير وبين قائمة الحساب كأنها قن ... من الأقنان (2) ... ولكنا لا ندري لمن كان يوجهها وهو يتحدث عن بيت جده.
وحين وجد السياب أن الفناء قد عصف برواء جيكور التفت بشدة إلى ذكريات الماضي، وأراد ان يبعثه حيا أو ان يعيد بناء لبناته من جديد، ومما قوى التفاته إلى ذكرياته، وقوعه في براثن المرض، فإن العودة إلى الماضي أصبحت ملجأه من حاضره المعذب بالأسقام، ولهذا انقسم شعره في هذه الفترة في موضعين ذاتيين على الأغلب: الحديث عن آثار الماضي وصوره أو الحديث عن آلام الحاضر، وقد يجمع بين الموضوعين علاقة الشاعر بالموت.
__________
(1) انظر ديوان منزل الاقنان: 82 وما بعدها.
(2) إقبال: 26.

(1/389)


إن الذين مهدوا للسياب سبيل السفر إلى إحدى الجامعات الإنكليزية ليدرس فيها ويتفرغ لتدوين مذكراته قد غفلوا عن حقيقة هامة: وهي عجز السياب الفاضح عن كتابة مذكرات ذات طابع تاريخي فني متناسق وتدرج محكم؛ إذ لو فعل ذلك لصب مادة شعره كلها على شكل نثري؛ ولهذا اختار هو الشكل الشعري فكتب ثلاثة دواوين وبعض رابع تحدث فيها عن ذكريات الماضي وعن ابرز لحظات الحاضر، وواضح ان جانبا كبيرا من الماضي إنما اعتمد على الحلم وان اكثر الحاضر كان خلوا من الأحداث ومعنى ذلك ان السياب لو حاول ان يكتب مذكراته لجاءت مخفقة بطيئة ضعيفة الحركة وهي انا أن تعتمد التأمل في تجارب الماضي والحاضر، وذلك شيء لا يحسنه، وأما أن تحوي أحداثاً مثيرة (عدا فترة الخصومة مع الشيوعية) وهو لا يملكها. ولهذا أحسن صنعا بمذكراته حين صاغها في قوالب شعرية.
وتكاد كل صور الماضي تستعاد من جديد: فتحيا الأساطير القديمة التي تحكي عن الجنية وسندباد وقمر الزمان وعنتر وتصحو " وفيقة " من هجعتها العميقة ويتراءى للعين شباكها الذي يمثل نافذة الأمل، ويعود خيال ابنة الجلبي وشناشيل شباكها؛ ويلخص الشاعر تاريخ حياته في قصيدة " ليلة في العراق " (1) كما يتحدث عن تاريخ حبيباته السبع وعن مصايرهن في قصيدة " أحبيني " (2) ؛ حتى الراعي القديم ينبعث حيا ليتحدث إلى النهر الذي عرفه في الصبا، وليجدد العهد لهالة (3) ؛ وفي ليلة شتائية كثيرة المطر والثلج بلندن رأى فتاة ذكرته بآخر فتاة احبها قبل زوجته (4) كذلك عاد يستحث تصوراته القديمة عن
__________
(1) الشناشيل: 39.
(2) الشناشيل: 59.
(3) انظر قصيدة " يا نهر " في المعبد الغريق: 84 - 88.
(4) منزل الاقنان: 70.

(1/390)


بودلير الذي أوحى له من قبل بقصيدة " الروح والجسد " (1) ؛ وفي قصيدة " فرار عام 1953 " (2) استعادة لرحلته إلى الكويت وما انتابه من حنين إلى العراق. وقد كشفت هذه الذكريات عن حقيقة هامة هي العلاقة بين الطفولة والمطر وقيمة رمز المطر في حياة السياب. فقد بدأ أن الذي يفتنه من منظر المطر وما يصحبه من برق ورعد إنما هو ما يتكشف عنه الجو الماكر من وجود، وقد ارتبط ذلك الجو في ذهنه بحلمه الكبير، أن يتزوج (أو ان يرى على الأقل) بنت القصر المنيف، وهذا هو الحلم الذي عبر عنه في قصيدة " شناشيل ابنة الجلبي " وقرنه بمنظر المطر:
وأرعدت السماء فطار منها ثمة انفجرا ... شناشيل ابنة الجلبي ... ثم تلوح في الأفق ... ذرى قوس السحاب؟. ... ولهذا تجاوز منظر المطر دائما إلى ما وراءه، ولعل هذا الإحساس هو الذي كان يسيطر على نفسه وهو يكتب إلى زوجته (3) :
من خلل الضباب والمطر ... ألمح عينيك تشعان بلا انتهاء ... فالزوجة هنا ؟من قبيل الشعور بالجميل - قد حلت محل " ابنة الجلبي " وان لم تكن كذلك في مطاوي شعوره.
وقد كان يحس ؟دون تهويل - ان الماضي هو الحقيقة
__________
(1) المعبد الغريق: 115.
(2) المعبد الغريق: 131.
(3) منزل الأقنان: 41.

(1/391)


الوحيدة التي تستحق ان تعاش، ولذلك كان يرى صلته بالحاضر نوعا من الكذب والتصنع، فيحتاجه إحساس شامل بالتعب (1) :
تعبت من تصنع الحياة ... أعيش بالامس، وادعو أمسي الغدا ... كأنني ممثل من عالم الردى ... ؟..
تعبت " كالطفل " إذا أتعبه بكاه. ... ولهذا كانت أقوى صور الماضي يقظة في نفسه هي صورة الأم، وكان للمرض أثر كبير في مضاعفة الرابطة وتضخيم الحاجة إليها؛ واتخذ بدر للعودة إلى الام طريقين: إيحائية وعامدة؛ فمن الأساليب التي اتبعها في الطريقة الإيحائية ان جعل أما تفتش في لوعة عن ابنتها التي اختطفها الموت في قصيدة " الأم والطفلة الضائعة " (2) ، وذلك عكس للواقع الذي كان يعانيه، وزيادة في إحساسه بأنه هو الميت على التحقيق وان أمه هي التي تبحث عنه. ومن العبارات الدالة في هذه القصيدة قوله: " مضت عشر سنوات " ، فان هذا المقدار من السنوات هو الذي يفصله عن وفيقة: (3)
عشر سنين سرتها إليك، يا ضجيعة تنام ... ذلك ان الحديث عن وفيقة إنما كان أيضاً حديثا عن أمه بطريقة ايحائية، فوفيقة تجمع في طبيعة حياتها وموتها بين بدر وامه، فهي فتاة من عائلته (وفيقة بنت صالح بن محمد بن السياب) ماتت أمها وتركتها يتيمة، كما حدث لبدر، ثم توفيت في حال وضع وتركت طفلا يتيما. فهي في
__________
(1) المعبد الغريق: 36 - 37.
(2) المعبد الغريق: 59.
(3) المعبد الغريق: 73.

(1/392)


شخصها تمثل مشكلة بدر وهي في موتها تمثل الام، وكان هذا التلاقي في المصيبة هو الذي يعطف بدرا إليها، ولهذا نحس ان حديثه عنها وإن حمل ألفاظ الحب، لا يعني إلا " إسقاطا " نفسيا أو نقلا، ولهذا يقول لها " يا اقرب الورى إلي " (1) رغم بعدها العميق عنه، وهو البعد الذي يصوره بقوله:
وأنت في القرار من بحارك العميقة ... أغوص لا أمسها، تصكني الصخور ... تقطع العروق في يدي، أستغيث: " آه يا وفيقه " ؟ ... وهي نفس عملية الغوص على المحار الضائع حين يتحدث عن طفولته وأمه وعن أحلامه على ضفة بويب.
ولهذا أيضاً كان شباكها الأزرق إحدى نوافذ الرجاء ؟وان كان رجاء شارعا على الموت (2) ؛ وقد استيقظت وفيقة في نفسه على أثر أغنية سمعها لام كلثوم (3) ، وكانت هذه الاستفاقة من أشد اليقظات أسى على أن وفيقة تزوجت غيره:
واشرب صوتها فيظل يرسم في خيالي صف أشجار ... أغازل تحتها عذراء؛ أواها ... على أيامي الخضراء بعثرها وواراها ... زواج. ليت لحن العرس كان غناء حفار ... وليس واضحا أي زواج يعنيه بدر: أهو زواج وفيقة من غيره، أم زواجه هو، وحين نبلغ قوله:
__________
(1) المعبد الغريق: 73.
(2) انظر قصائده في وفيقة في المعبد الغريق: 5 - 23.
(3) الشناشيل: 86.

(1/393)


قساة كل من لاقيت: لا زوج ولا ولد ... ولا خل ولا أب أو أخ فيزيل من همي ... تعود وفيقة فتتخذ دور " الأم " لأن الأم هي الوحيدة التي كانت كفاء بإزالة همه بين ذلك الصف الطويل من علاقات القربى والصداقة. لهذا فأني لا أرى فصلا بين الحديث عن جيكور وبويب والأم ووفيقة، لانها جميعا ترمز لشيء واحد؛ ذلك أن وفيقة ليست كسائر الحبيبات اللواتي عرضن له في طريق الحياة، وأقربهن إليها ؟رغم التفاوت الكبير - ذات المنديل الأحمر التي كانت تكبره بسبع سنوات.
تلك هي الطريقة الإيحائية التي اتخذها للحديث عن الأم، فأما الطريقة العامدة فأنها تتمثل حينا في استدعاء الام له ليلحق بها (1) :
وتدعو من القبر أمي: " بني احتضني فبر الردى في عروقي ... فدفء عظامي بما قد كسوت ذراعيك والصدر، واحم الجراح ... جراحي بقلبك أو مقلتيك ولا تحرفن الخطى عن طريقي " ... ويكون جوابه على هذا الدعاء:
فيا قبرها افتح ذراعيك؟. ... أني لآت بلا ضجة، دون آه! ... ويتصور هذا الاستدعاء في صورة يد ممدودة إليه تحجب إليه الموت (2) :
أوشك أن أعبر في برزخ من جامدات الدماء ... تمتد نحوي كفها، كف أمي بين أهليها: ... " لا مال في الموت، ولا فيه داء " . ...
__________
(1) منزل الاقنان: 17.
(2) منزل الاقنان: 101 - 102.

(1/394)