صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : المعمرون والوصايا
المؤلف : السجستاني
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وقال آخرون: إنما عني أنه كان شابا، وذلك قوله سوداء داجية، ثم أخلس وابيض بعض رأسه ولحيته، وذلك قوله، وسحق مفوّف، ثم عاد رأسه كأنه ثغامة، فذلك قوله وأجدّ لونا بعد ذاك هجانا، والهجان البياض.
وزعم العمريّ عن عطا بن مصعب قال، حدثني عبيد بن أبان النُّميري قال، قدم فضالة بن زيد العدوانيّ على معاوية، فقال له معاوية: - كيف أنت والنِّساء يا فضالة؟ فقال: يا أمير المؤمنين،
لا باه لي إَّلا المنى وأخو المنى ... جدير بأن يلحي ابن حرب ويشتما
" الرواية، ولا قمط لي، والقمط الجماع، ومن قال باه فقد أخطأ، لأن الباءة ممدودة، وهي تاء في الإدراج " .
وفيم تصابي الشَّيخ والدَّهر دائب ... بمبراته يلحو عروقا وأعظما
رمتني صروف الدَّهر حتَّى تركننب ... أجبَّ السَّنام بعدما كنت أيهما
فخلت سهول الأرض وعثا ووعثها ... سهولا، وقد أجررت أن أتكلَّما
وكان سليطا مقولي متناذرا ... شذاه، فصرت اليوم ملعيِّ أبكما
كذلك ريب الدَّهر يترك سهمه ... أخا العزِّ والأدِّ الذَّليل المذمَّما
الأد الأيد ذو القوة " وملعيّ من العيّ " .
وحرب يحيد القوم عن لهباتها ... شهدت، فكنت المستشار المقدَّما
توسَّطتها بالسَّيف إذ هاب حميها ال ... كماة،فلم يغشوا من الحرب معظما
فلمَّا رأيت الموت ألقي بعاعه ... عليَّ تعمَّدت امرءا كان معلما
فيمَّمت سيفي رأسه وتركته ... يهرُّ عليه الذِّئب أفضح قشعما
نفدت فما لي حيلة غير أنَّني ... أجود إذا سيل البخيل فهمهما
وأبذل عفوا ما ملكت تكرُّما ... وأجبر في الَّلأواء كَّلا ومعدما
فقال له معاوية: كم أتت لك من سنة يا فضالة؟ قال: عشرون ومائة سنة.
قال: فأيّ الأشياء بك منذ كنت بها أسرَّ، وأي شيء بوقوعه كنت أشدُّ اكتئابا؟ قال: يا أمير المؤمنين، لم يقطع الظَّهر قطع الولد شيء، ولا دفع البلاء والمصائب مثل إفادة المال، والله يا أمير المؤمنين إن المال ليقع من القلب موقعا ما يقعه شيء، وإن الولد الصالح ليمثل منزلة المال، ولكن للمال فضيلة عليه، وإن كان طلب المال إنما يجمعه لولده، فإنه آثر عنده منه، لأنه قد يمنعه المال إذا طلبه منه، وإن كان يثّمره له فهو أحلى متاع الدنيا عند أهل الدنيا.
فقال معاوية: ليس كل أحد على رأيك، للمال حال، والولد حبَّة القلب ووتد النفس، وقطبة العيش، لا خير في المال لمن لا ولد له إلا أن يكون مالا ينفقه في سبيل الله.
فقال فضالة: يا أمير المؤمنين،
وما العيش إَّلا المال فاحفظ فضوله ... ولا تهلكنه في الضَّلال فتندم
فإنِّي وجدت المال عزَّا إذا التقت ... عليك ظلال الحرب ترهم بالدَّم
إذا جلَّ خطب صلت بالمال حيثما ... توجَّهت من أرضي فصيح وأعجم
وهابك أقوام وإن لم تصبهم ... بنفع، ومن يستغن يحمد ويكرم
وتعطي الَّذي يبغي وإن كان باخلا ... بما في يديه من متاع ودرهم
وفي الفقر ذلُّ للرِّقاب وقلَّ ما ... رأيت فقيرا غير نكس مذمَّم
يلام وإن كان الصَّواب بكفِّه ... ويحمد آلاءُ البخيل المدرهم
كذلك هذا الدَّهر يرفع ذا الغنى ... بلا كرم منه ولا بتحلُّم
ولكن بما حازت يداه من الغنى ... يصير أميرا للَّئيم الملطَّم
فقال معاوية: قاتل الله أخا بني أسيِّد حين يقول:
بني أمِّ المال الكثير يرونه ... وإن كان عبدا سيِّد الأمر جحفلا
وهم لمقلّ المال أولاد علَّة ... وإن كان محضا في العمومة مخولا
حدثنا أبو حاتم قال: وذكر العمريّ قال، حدثني عطاء بن مصعب عن الزِّبرقان قال عطاء، سمعته أنا وخلف الأحمر منه، قال، دخل خنَّابة بن كعب العبشمي على معاوية حين أتَّسق له الأمر ببيعة يزيد ابنه، وقد أتت لخنَّابة يومئذ أربعون ومائة سنة.
فقال له معاوية: يا خنّابة، كيف نفسك اليوم؟

(1/33)


فقال: يا أمير المؤمنين، أمتعني الله بك.
عليَّ لسان صارم إنّ هززته ... وركني صفيف والفؤاد موفَّر
كبرت وأفني الدَّهر حولي وقوَّتي ... فلم يبق إَّلا منطق ليس يهذر
وبين الحشا قلب كميٌّ مهذَّب ... متى ما يرى اليوم العشنزر يصبر
أهمُّ بأشياء كثير فتعتقي ... مشيَّة نفس، إنَّها ليس تقدر
تلعَّبت الأيَّام بي فتركنني ... أجبَّ السَّنام حائرا حين أنظر
أرى الشَّخص كالشَّخصين والشَّيخ مولع ... بقول أرى والله ما ليس يبصر
وقال خنابة لابنيه حين كبر، وحالا بينه وبين ماله:
ما أنا إن أحسنتما بي وحلتما ... عن العهد بالغرِّ الصَّغير فأخدع
جريت من الغايات تسعين حجَّة ... وخمسين حتَّى قيل أنت المقزَّع
المقزَّع المسوّد.
حدثنا أبو حاتم قال، قال الكلبيّ أخبرنا كعب الأسديّ، وكان معنا بخراسان قال، خبّرنا مروان بن الحكم قال، أُتي كعب بن ربيعة في منامه، فقيل له، كبر سنُّك، ورقّ عظمك، وحضر أجلك، فقل لولدك فليتمنّوا، فإنهم سيعطون أمانيهم.
فجمعهم، فقال: فلكل امرئ منكم أمنيته.
فقال الحريش: أتمّنى النَّعظ.
قال: فهم أنكح بني عامر.
وقال لقشير: تمنَّه.
فقال: اليقاء والجمال، فهم أجمل بني عامر، وأطولهم أعمارا، كان منهم ذو الرُّقيبة، كان في الجاهلية رجلا، ثم أدرك معاوية، ومعه ألف ظعينة، تقول هذه يا أبتاه، وهذه يا جدّاه، وهذه يا عمّاه؛ ومنهم حيدة أدرك الجاهلية، ثم أدرك بشر بن مروان، أو زمن أسد بن عبدالله بخراسان وهو عم ألف رجل وامرأة.
ثم قال لجعدة: تمنَّه.
فقال: اللبن والتَّمر، فهم أكثر بني عامر لبنا وتمرا.
ثم قال لعقيل: تمنَّه.
فقال: الإبل، فهم أكثر بني عامر لبنا وإبلا؛ ويقال، بل تمنَّى عقيل العدد والشِّدة، فليس في بني كعب بطن أشدّ ولا أعدّ من بني عقيل.
ثم قال لحبيب: تمنَّه.
قال: المحبّة من أخوتي، فكب بني كعب يتعطّف عليهم.
قالوا: وعاش أبو زبيد الطائي، وهو المنذر بن حرملة من بني حيّة خمسين ومائة سنة، وكان نصرانيا بالرقة فيما حدّث به الكلبيّ عن أبي محمد المرهبيّ، وكان يجعل له في كل أحد طعام كثير، ويهيَّأ له شراب كثير، ويذهب أصحابه يتفرّقون في البيعة، ويحملنه النساء فيضعنه في ذلك المجلس، فجعل له طعام في أحد من تلك الآحاد، وقدِّمت أباريقه وحملته النساء، فجاءه الموت، فقال:
إذا جعل المرءُ الَّذي كان حازما ... يحلُّ به حلَّ الحوار ويحمل
فليس له في العيش خيرٌ يريده ... وتكفينه ميتا أعفُّ وأجمل
أتاني رسولُ الموت يا مرحبا به ... لآتيه وسوف والله أفعل
ثم مات، فجاءه أصحابه، فوجوده ميِّتا.
وعاش الأغلب العجليّ عمرا طويلا، وقال:
إنَّ اللَّيالي أسرعت في نقضي ... أخذن بعضي وتركن بعضي
حنين طولي وحنين عرضي ... أقعدنني من بعد طول نهضي
قالوا: وقال أبو عامر رجل من أهل المدينة عن رجل من أهل البصرة، قال أبو حاتم، وحدّث به أبو الجنيد الضرير عن أشياخه قال، قال معاوية، إني لأُحبّ أن ألقي رجلا قد أتت عليه سنّ وقد رأى الناس يخبرنا عما رأى.
فقال بعض جلسائه: ذاك رجل بحضرموت.
فأرسل إليه، فأتى به، فقال له: ما اسمك؟ قال: أمد.
قال: ابن من؟ قال: ابن أبد.
قال: ما أتى عليك من السنّ؟ قال: ستون وثلاثمائة سنة.
قال: كذبت.
قال: ثم إن معاوية تشاغل عنه، ثم أقبل عليه، فقال: - ما اسمك؟ قال: أمد.
قال: ابن من؟ قال: ابن أبد.
قال: كم أتى عليك من السنّ؟ قال: ثلاثمائة وستون.
قال: فأخبرنا عمّا رأيت من الأزمان، أين زماننا هذا من ذلك؟ قال: وكيف تسأل من تكذِّب؟ قال: إني ما كذَّبتك، ولكني أحببت أن أعلم كيف عقلك.
قال: يوم شبيه بيوم، وليلة شبيهة بليلة، يموت ميّت، ويولد مولود، فلولا من يموت لم تسعهم الأرض، ولولا من يولد لم يبق أحد على وجه الأرض.
قال: فأخبرني هل رأيت هاشما؟ قال: نعم، رأيته طُوالا، حسن الوجه، يقال، إن بين عينيه بركة أو غرَّة بركة.
قال: فهل رأيت أميَّة؟

(1/34)


قال: نعم، رأيته رجلا قصيرا أعمى، يقال إن في وجهه لشرَّا أو شؤماً.
قال: أفرأيت محمداً عليه السلام؟ قال: ومن محمد؟ قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: ويحك، أفلا فخَّمت كما فخَّمه الله تعالى؟ فقلت رسول الله.
قال: فأخبرني، ما كانت صناعتك؟ قال: كنت رجلا تاجرا.
قال: فما بلغت تجارتك؟ قال: كنت لا أشتري عيبا، ولا أردّ ربحا.
قال معاوية: سلني.
قال: أسالك أن تدخلني الجنة.
قال، ليس ذاك بيدي، ولا أقدر عليه.
قال: لا أرى بيدك شيئا من أمر الدنيا ولا من أمر الآخرة، فردَّني من حيث جئت بي.
قال: أما هذه فنعم.
قال: ثم أقبل معاوية على أصحابه فقال: لقد أصبح هذا زاهداً فيما أنتم فيه راغبون.
قالوا: وعاش القلمَّس، وهو أمية بن عوف، دهرا طويلا، وهو من حكماء العرب، وكان جده الحارث بن كندة، وهو الذي يقوم بفناء البيت ويخطب العرب، وكانت العرب لا تصدر حتى يخطبها ويوصيها، فقال: " يا معشر العرب، أطيعوني ترشدوا " .
قالوا: وما ذاك؟ قال: " إنكم قوم تفرَّدتم بآلهة شّتى، وإني لأعلم ما الله بكل هذا براض، وإن كان ربَّ هذه الآلهة، إنه ليحبّ أن يعبد وحده " .
فنفرت العرب عنه ذلك العام، ولم يسمعوا له موعظة.
فلما حجّ من قابل اجتمعوا إليه، وهم مزورُّون عنه، فقال: " مالكم أيها الناس كأنكم تخشون مثل مقالتي عاما أول، إني والله لو كان الله تعالى أمرني بما قلت لكم ما أعتبتكم ولا استعتبت، ولكنه رأى مني، فإذا أبيتم فأنتم أبصر، أوصيكم بخصلتين، الدّين والحسب، فأما الدين فلَّله، ومن أعطيتموه عهدا ففوا له، ومن أعطاكم عهدا فارعوا عهده حتى تردّوه إليه؛ فأما الحسب فبذل النَّوال " .
فلما حضرته الوفاة حضره أشراف قومه من كنانة، ومات بمكة، فقالوا: قل نسمع، ومرنا نطِع، وأوصنا نقبل، وزوِّدنا منك زاداً نذكرك.
فقال: " أوصيكم بأحسابكم فإنها مقدم وافدكم، وشرفكم في محافلكم، وكفاف وجوهكم، وعنى معدمكم؛ وأوصيكم بالسائل إن كان منكم أن يسأل غيركم؛ وإن كان من سواكم وتيمّمكم فلا تخطُّنَّه ما رجا فيكم، واستوصوا بذوي أسنانكم خيرا، أجملوا مخاطبتهم، وقدّموهم أمامكم، وزيِّنوا بهم مجالسكم، وأوصيكم ببيوت الشرف فيكم، أقيموا لهم شرفهم، ولا تنزعوا الرئاسة منهم حتى لا تجدوا لها منهم أهلا، وأوصيكم بالحرب، إن ظفرتم بقوم فابقوا فيهم، فإنه حسب لكم، ويد عند عدوِّكم، فإنّ من ظفرتم به فهو ظافر بكم لا بدّ، وهو عامل فيكم بما عملتم به فيه، فلا تقتلن أسيرا فإنه ذحل عندكم ومصيبة فيكم، وإنما هو مال من مالكم، وإن الأسراء تجارة من تجارات العرب فلا تسألنّ أسيركم فوق ما عنده فيموت في أيديكم، فلا يستأسر بعده أحدٌ بكم، وأكثروا العتاقة في أسراء العرب، ودعوا العرب ترجوكم وتستبقيكم.
وأوصيكم بالضيف، فإنّ كًّلا إذا قال لم يسمع منه حتى يقول الضيف، فلا يخرجنَّ من عندكم وهو يستطيع أن يقول فيكم، وأوصيكم بالجيران فأكرموهم، فلا تغشوا منازلهم، وليصحبهم ذوو أسنانكم، وامنعوا فتيانكم صحابتهم، وأوصيكم بالخفراء خيرا فلا تغرِّموهم في غرمكم، وأغرموا في غرمهم فإنّهم عدّة لكم، يعينونكم ما داموا فيكم، وينقصونكم إذا فارقوكم ويعينون عليكم إذا خرجوا من عندكم، وأوصيكم بأياماكم خيرا، شدّوا حجبهن، وانكحوهن أكفاءهن، وأيسروا الصداق فيما بينكم، تنفق أياماكم ويكثر نسلكم، فإن نكحتم في العرب فاختاروا لكم ذوات العفاف والحسان أخلاقا، فإنكم لما يكون منهم أحمد من غيركم، وإنهم راءُون فيمن بقي من نسائكم مثل ما رأوا فيمن جاءهم منهنّ، وإذا نكحتم الغريبة " يعني المرأة من غيركم " فأعلوا صداقها، وتزوّجوا في أشراف القوام، ثم أكرموا مثوى صاحبتهم ما كانت فيكم، ولا تحرموها إذا انصرفت إلى قومها مالها، واصرفوها على أحسن حالاتها، لا تنقصوها من شيء يكون لها، فإن كريمة القوم إذا رجعت إليهم قليلا متاعها ظاهرة حاجتها غير راجعة فيكم غيرها.
وأوصيكم بالصِّلة، فإنها تديم الألفة وتسرّ الأسرة، وأحذِّركم القطيعة فإنها تورث الضغينة، وتفرِّق الجماعة، وإياكم والعجلة فإنها رأس السَّفه " .
قالوا: وعاش عمرو بن قمئة بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة ابن عكابة تسعين سنة، وقال:
يا لهف نفسي على الشَّباب ولم ... أفقد به إذ فقدته أمما

(1/35)


قد كنت في منعة أسرُّ بها ... أمنع ضيمي وأهبط العصما
وأسحب الرَّبط والبرود إلى ... أدنى تجاري وأنفض اللِّمما
وقال حين مضت له تسعون حجّة، وهي قصيدة:
كأنِّي وقد جاوزت تسعين حجَّة ... خلعت بها عني عذار لجامي
رمتني بنات الدَّهر من حيث لا أرى ... فما بال من يرمي وليس برام
فلو أنَّها نبل إذن لاتقَّيتها ... ولكنَّما أرمي بغير سهام
إذا ما رآني النَّاس قالوا ألم تكن ... حديثا جديد البزِّ غير كهام
فأفنى وما أفنى من الدَّهر ليلة ... ولم يغن ما أفنيت سلك نظام
على الرَّاحتين مرَّة وعلى العصا ... أنوءُ ثلاثا بعدهنَّ قيامي
وأهلكني تأميل يوم وليلة ... وتأميل عام بعد ذاك وعام
قالوا: وعاش ذو الإصبع العدوانيّ، وهو حرثان بن محرّث من عدوان ابن عمرو بن قيس بن عيلان ثلاثمائة سنة، وقال:
أصبحت شيخا أرى الشَّخصين أربعة ... والشَّخص شخصين لمَّا مسَّني الكبر
لا أسمع الصَّوت حتَّى أستدير له ... ليلا وإن هو ناغاني به القمر
وإنما قال ليلا لأن الأصوات هادئة، فإذا لم يسمع بالليل والأصوات ساكنة كان من أن يسمع بالنهار مع ضجَّة الناس ولغطهم أبعد.
كتاب الوصايا عن أبي حاتم " وأولى الوصايا " أخبرنا أبو روق قال، قال أبو حاتم قالوا، وكان ملك من ملوك اليمن يقال له، الحارث بن عمرو الكندي، بلغه عن ابنه لعوف الكندي جمال وكمال، وهو الذي يقال له: لا أحد يشبه عوفا جمالا وكمالا؛ فبعث إلى امرأة من قومها، يقال لها عصام، فقال: إنه بلغني عن بنت عوف جمال وكمال، فاذهبي، فاعلمي لي علمها.
فانطلقت حتى دخلت على أمها، وهي أمامة بنت الحارث، فأخبرتها خبر ما جاءت له، وإذا أمها كأنها خاذل من الظباء، وحولها بنات لها، كأنهن شوادن الغزلان.
فأرسلت إلى ابنتها، فقالت: يا بنيّة، إن هذه خالتك، أتتك لتنظر إلى بعض شأنك، فاخرجي إليها، ولا تستتري عنها بسيئ، وناطقيها فيما استنطقك فيه.
فدخلت عليها، ثم خرجت من عندها وهي تقول: ترك الخداع من كشف القناع.
فأرسلها مثلا.
فلما جاءت إلى الحارث قال: ما وراءك يا عصام؟ قالت: أيها الملك، صرّح " المخض " عن الزبد.
فأرسلها مثلا.
ثم قالت: أقول حقا، وأخبرك صدقا، لقد رأيت وجها كالمرآة الصينية، يزينّه حالك كأذناب الخيل المضفورة، إن أرسلته خلته السلاسل، قد تقّوسا على مثل عيني الظبية العبهرة، التي لم تر قانصا، ولم تذعرها قسورة، تبهتان المتوسم إذا فتحهما، بينهما أنف كحدّ السيف المصقول، ولم يخنس به قصر، ولم يمعن به طول، حفّت به وجنتان كالأرجوان، في بياض محض كالجمان، شقِّق فيه فم لذيذ الملتئم، فيه ثنايا غرّ، وأسنان كالدر، ذات أشر، ينطق فيه لسان، ذو فصاحة وبيان، يحركه عقل وافر، وجزاب حاضر، تلتقي دون شفتان حمَّاوان، كأنهما في لين الزبد، تحمىن ريقا كالشُّهد، نصب على ذلك عنق أبيض، كأنه إبريق فضة.
لها صدر كصدر التمثال، مدت منه عضدان مدمجتان، ممتلئتان لحما، مكتنزتان شحما، متصلة بهما ذراعان، ما فيهما عظم يمسّ، ولا عرق يجسّ، متصلة بهما كفان، رقيق قصبهما، تعقد إن شئت منهما الأنامل، وتركّب الفصوص في حفر المفاصل، نتأ في ذلك الصدر ثديان، يخرقان عنها أحيانا ثيابها، ويمنعانها من أن تقلد سخابا، أسفل من ذلك بطن طوى كطي القباطي المدمجة، كُسِىَ عُكَنا كالقراطيس المدرجة، تحيط تلك العكن بسرَّة كمدهن العاج، لها ظهر فيه كالجدول، ينتهي إلى خصر، لولا رحمة ربك لا نبتر، لها كفل يقعدها إذا نهضت، وينهضها إذا قعدت، كأنه دعص من الرمل، لبَّده سقوط الطلّ، أسفل من ذلك فخذان لفَّاوان، كأنما نصبتا على نضد جمان، متصلة بهما ساقان بيضاوان خدلَّجتان، قد وشيتا بشعر أسود، كأنه حلق الزَّرد، يحمل ذلك كله قدمان، كحذو اللسان " تبارك الله " مع لطافتهما، كيف يطيقان حمل ما فوقهما؟ وأما ما سوى ذلك فإني تركت نعته، ووصفه، لدقّته، إلا أنه كأكمل وأحسن وأجمل ما وصف في شعر أو قول.

(1/36)


قال: فبعث إلى أبيها فخطبها إليه، فزوّجها إياه، فبعث إليها من الصداق بمثل مهور نساء الملوك، بمائة ألف درهم، وألف من الإبل.
فلما حان أن تحمل إليه دخلت إليها أمها لتوصيها.
فقالت: " أي بنيّة، إن الوصية لو تركت لعقل وأدب، أو مكرمة في حسب لتركت ذلك منك، ولزويته عنك، ولكن الوصية تذكرة للعاقل، ومنبهة للغافل.
أي بنية، إنه لو استغنت المرأة بغنى أبويها وشدة حاجتهما إليها كنت أغنى الناس عن الزوج، ولكن للرجال خلق النساء، كما لهن خلق الرجال.
أي بنية، إنك قد فارقت الحِواء الذي منه خرجت، والوكر الذي منه درجت، إلى وكر لم تعرفيه، وقرين لم تألفيه، فأصبح بملكه عليك ملكا، فكوني له أمة يكن لك عبدا، واحفظي عني خصالا عشرا، تكن لك دركا وذكرا؛ فأما الأولى والثانية فالمعاشرة له بالقناعة، وحسن السمع له والطاعة، فإن في القناعة راحة القلب، وحسن السمع والطاعة رأفة الرب؛ وأما الثالثة والرابعة فلا تقع عيناه منك على قبيح، ولا يشم أنفه منك إلا طيب الريح؛ واعلمي، أي بنيّة، أن الماء أطيب الطيب المفقود، وأن الكحل أحسن الحسن الموجود.
وأما الخامسة والسادسة فالتَّعهد لوقت وطعامه، والهدوّ عند منامه، فإن حرارة الجوع ملهبة، وتنغيص النَّومة مغضبة؛ وأما السابعة والثامنة فللاحتفاظ بماله والرعاية على حشمه وعياله، فإن الاحتفاظ بالمال من حسن التقدير، والرعاية على الحشم والعيال من حسن التدبير؛ وأما التاسعة والعاشرة فلا تفشي له سرا، ولا تعصي له أمرا، فإنك إن أفشيت سرّه لم تأمني غدره، وإن عصيت أمره أوغرت صدره.
واتّقي الفرح لديه إذا كان ترحا، والاكتئاب عنده إذا كان فرحا، فإن الأولى من التقصير، والثانية من التكدير، واعلمي أنك لن تصلي إلى ذلك منه حتى تؤثري هواه على هواك، ورضاه على رضاك فيهما أحببت وكرهت.
والله يخير لك، ويصنع لك برحمته.
قال: فلما حملت إليه غلبت على أمره، وولدت منه سبعة أملاك، ملكوا من بعده.
قالوا: وأوصي زرارة بن عُدُس بن زيد بن عبد الله بن دارم بن مالك بن حنظلة ابن مالك بن زيد مناة بن تميم، أنه جمع بنيه وبني بنيه فقال: يا بنيّ، إنكم قد أصبحتم بيت تميم، بل بيت مُضر، يا بنيّ، ما هجمت على قوم قطُّ من العرب لا يعرفونني إلا أحلُّوني، فإذا نسبوني ازددت عندهم شرفا، وفي أعينهم عظما، ولا وفدت إلى ملك إلا آثرني وشفعني، خذوا من أدبي، واثبتوا عند أمري، واحفظوا وصيتي.
" إياكم أن تدخلوا عليّ في قبري حوبة أسبّ بها...
" كذا قال أبو حاتم، حوبة، وليس لها ههنا معنى، وينبغي أن تكون خربة، وهي المنقصة، أو خزّية، والحوبة الخالة، وقال قوم هي الأمُّ " .
... فوالله ما شايعتني نفسي قط على إتيان ريبة، ولا عمل بفاحشة، ولا ضمّني وعاهرة سقف بيت قط، ولا حسّنت لي نفسي الغدر منذ شدّت يداي مئزري، ولا فارقني جار على قلي، ولا حملني هواي على أمر يعييني في مضر.
يا بني، إن القالة إليكم سريعة، فاتقوا الله في الليل إذا أظلم، وفي النهار إذا انتشر يكفكم ما أهمّكم، وإياكم وشرب الخمر، فإنها مفسدة للعقول والأجساد، ذهّابة بالطريف والتلاد.
يا بني، زوّجوا النساء الأكفاء، وإلا فانتظروا بهنّ القضاء.
يا بني، قد أدركت سفيان بن مجاشع بن دارم شيخا كبيرا محجوبا، فأخبرني أنه قد حان خروج نبي بمكّة من مضر، يقال له، أحمد، عليه السلام، يدعو إلى عبادة الله، فإن أدركتموه فاتبعوه، تزدادوا بذلك شرفا إلى شرفكم، وعزَّا إلى عزّكم، إنه ليس فيكم سقط رجل واحد، ولا تمنَّيتكم أنِّي بدِّلتكم بعدَّتكم من العرب، ولولا عجلة لقيط إلى الحرب، والحرب لا يصلحها إلا الرجل المكيث لشرّفته عليكم، وهو بعد فارس مضر، وعليكم بحاجب، فإنه حليم عند الغضب، فرّاج للكرب، يجود إذا طلب إليه، ذو رأي لا ينكش، وزمَّاع لا يفحش، فاسمعوا له وأطيعوا أمره، جنَّبكم الله الردى.
" لا ينكش لا يستقصي ما فيه، يقال: نكشت البئر أي أخرجت ما فيها، والزَّمّاع العزم، لا يفحش أي لا ينتقص " .
قالوا: وأوصي سعد العشيرة بنيه لما حضرته الوفاة، فقال:

(1/37)


" يا بني، اتقّوا إلهكم بالليل والنهار، وإيّاكم وما يدعو إلى الاعتذار، ودعوا قفو المحصنات تسلم لكم الأمهات، وإياكم والبغي على قومكم تعمر لكم الساحات، ودعوا المراء والخصام تسلم لكم المروءة والأحلام، تحبَّبوا إلى العشائر تهبكم العمائر، وجودوا بالنوال تنم لكم الأموال، وإياكم ونكاح الورهاء فإنها أدوأ الداء، وأبعدوا من جار السوء داركم، ومن قرين الغيّ مزاركم، ودعوا الضغائن فإنها تدعو إلى التباين، ولا تكونوا لآبائكم ضرَّارا، حيّاكم ربكم، وسدّد أمركم " .
قالوا: وجمع الحارث بن كعب بنيه حين حضرته الوفاة، فقال: " يا بني، عليكم بهذا المال فاطلبوه أَجمل الطلب، ثم اصرفوه في أجمل مذهب، فصلوا به الأرحام، واصطنعوا منه الأقوام، واجعلوه جنة لأعراضكم تحسن في الناس قالتكم، فإن بذلة تمام الشرف، وثبات المروءة، وإنه ليسود غير اليد، ويؤيّد غير الأيَّد حتى يكون عند الناس نبيلا نبيها، وفي أعينهم مهيبا؛ ومن اكتسب مالا فلم يصل به رحما، ولم يعط منه سائلا، ولم يصن به عرضا بحث الناس عن أصله، فإن كان مدخولا هرتوه وهتكوه، وإن لم يكن مدخولا ألزموه ودبّيه، واكسبوه عرقا لئيما حتى يهجّنوه به " .
وقال لابنه أشعت، وهو يوصيه:
أَبنيّ أَباك يوما هالك ... فاحفظ أباك رياسة وتقلُّبا
وإِذا لقيت كتيبة فتقدَّما ... إِن المُقدَّم لا يكون الأَخيبا
تلقى الرياسة أو تموت بطعنة ... والموت يأتي من نأَى وتجنَّبا
قالوا: دعا المنذر ابنه النعمان، وهو غلام شاب، فقال: " يا بنيّ، إن لي فيك رأيا دون غيرك من لدي، فإني آمرك بما أمرني به والدي، وأنهاني عما نهاني عنه والدي، آمرك بالذلّ في عرضك، وذلك أن تكون ذلولا بالمعروف، وعليك بالانخداع في مالك، وأُحبُّ لك خلوة اللّيل وطول السَّمر، وأكره لك إخلاف الصديق، واطّراف المعرفة، واتهاك عن ملاحاة الحلماء ومواح السفهاء، إن لك عقلا وجمالا ولسانا، فاكتس من ثناء الناس ما يؤيد جمالك، ودع الكلام وأنت عليه قادر، وليكن لك من عقلك خبئ تدَّخره أبدا ليوم حاجتك.
ثم قال:
إنَّ ظنِّي بمن أَمرتُ بأَمري ... حسنَ إن أَعانت الأذنان
باستماع وما ظفرت بشيء ... إن نبا مقولي عن النعمان
قد تفرَّست في بنيّ وفيه ... فإذا الأمر ليس بالمتداني
فلئن تمّ ما أُؤَمل فيه ... ما له في بني الملوك مدان
وله ألظُّ في الجمال وفي العقل ... وحظّ من مهلة ولسان
قالوا: وأوصى مالك بن المنذر البجلي بنيه، وكان قد أصاب دما في قومه، فخرج هاربا بأهله حتى أتى بهم بني هلال، فلما احتضر أوصى بنيه، وأمرهم أن يعطوا قومه النِّف من حدثه الذي أَحدثه فيهم، وقال: " يا بني، قد أتت عليّ ستون ومائة سنة ما صافحت بيميني يمين غادر، ولا قنعت نفسي بخلّة فاجر، ولا صبوت بابنه عم لي ولا كنَّة، ولا طرحت عندي مومسة قناعها، ولا بحثُ لصديق لي بسرِّي، وإني لعلي دين شعيب النسبي، صلى الله عليه وسلم، وما عليه أحد من العرب غيري، وغير أسد بن خزيمة، وتميم بن مرّ، فاحفظوا وصيتي، وموتوا على شريعتي، إلهكم فاتقوه يكفكم المهم من أموركم، ويصلح لكم أعمالكم، وإياكم ومعصيته، ولا يحل بكم الدمار، وتوحش منكم الديار.
يا بني، كونوا جميعا، ولا تفرقوا، فتكونوا شيعا، فإنّ موتا في عزّ خير من حياة في ذلٍّ وعجز، وكلُّ ما هو كائن كائن، وكل جمع إلى تباين، الدهر صرفان، فصرف رخاء، وصرف بلاء، واليوم يومان، فيوم حبره، ويوم عبره، والناس رجلان، فرجل معك، ورجل عليك، وزوّجوا الأكفاء، وليستعملن في طيبهنّ الماء، وتجنّبوا الحمقاء، فإن ولدها إلى أفن ما يكون، إنه لا راحة لقاطع " يعني القرابة " .
وإذا اختلف القوم أمكنوا عدوّهم، وآفة العدد اختلاف الكلمة، التفضل بالحسنة يقي السيئة، والمكافأة بالسيئة الدخول فيها، العمل بالسوء يزيل النعماء، وقطيعة الرحم تورث إلمام الهمّ، وانتهاك الحرمة تزيل النعمة، عقوق الوالدين يعقب النكد، ويمحق العدد، ويخرب البلد، النصيحة لا تهجم على الفضيحة، احتمال الحقد يمنع الرِّفد، لزوم الخطية يعقب البلية، سوء الرِّعة يقطع أسباب المنفعة، الضغائن تدعو إلى التبايم.
ثم قال:

(1/38)


أكلت شبابي فأفنيته ... وأمضيت بعد دهور دهورا
ثلاثة أهلين صاحبتهم ... فبادوا وأصبحت شيخا كبيرا
قليل الطَّعام، عسير القيا ... م، قد ترك الدَّهر قيدي قصيرا
أبيت أراعي نجوم السَّما ... ءِ، أقلِّب أمري، بطونا ظهورا
قالوا: وأوصي عمرو بن الغوث بن طيء ولده، وهم: ثعل، ونبهان، وبنوهم؛ وكان عمرو قد عاش حتى كبر ولده، فقال: " يا بني، إنكم قد حللتم محلاّ تخرجون منه ولا يدخل عليكم فيه، فارعوا مرعى الضَّبّ الأعور، يرى جحره، ويعرف قدره، ولا تكونوا كالجراد، يأكل ما وجد ويأكله ما وجده؛ وإيّاكم والبغي، فإن الله إذا أراد هلاك النملة جعل لها جناحين؛ يا بني، لا تستحيوا من منع من لا يستحي من المسألة، وكلوا من الكعام وأطعموه، ولا يستحي أحدكم أن يفعل شيئا ينتفع به إذا لم يعرف، فإنه إنما يستحي حينئذ لغيره، وابدءوا الناس بالشر فإنه أشكر لخيركم وإن كان قليلا، ولا تمنعكم الكثرة أن تربعوا على أقداركم، والله يحوطكم " .
قالوا: وأوصي قيس بن معد يكرب ولده، فقال: " باسمك اللهم، احفظوا أدبي يكفكم، واتَّبعوا وصاتي تلحقوا بصالح قومكم ويستعل أمركم، إنِّي أكلكم إلى أدبي، وإن المعنيّ بكم لغائب " يعني نفسه " ، الزموا ما يجمل، واقنوا حياءكم، وأطيعوا ذوي رأيكم، وأجلُّوا ذوي أسنانكم، ولا تعطوا الدنّية، وإن كان الصبر على خطَّة الضَّيم أبقي لكم، وتناصروا تكونوا حمى، وإذا نزلتم على قومكم فلتكن محلّتكم واحدة، واهدروا الحسد يقطع عنكم النائرة، ودعوا المكافأة بالشر يحببكم الناس، وعفّوا عن الدناءة وأكرموا أهل الكفاءة، ولا تواكلوا الترافد والرياسة فيحلّ عطبكم، واتخذوا لأسراركم من علانيتكم حجابا، ولا تدبروا أعجاز ما قد أدبرت صدوره، ولا تقيَّلوا الرأي بالظن فيبدع بكم، والزموا الأناة يفز قدحكم، وأطيلوا الصمت إلا فيما يعنيكم، ولا تأخذوا ختلا، وخذوا صراحا، فهناك عزّ القرار، ومنعة الجار، واظعنوا في الأرض تبلغوا مأمنكم، ولا تعرضوا لنمائم النساء، وإياكم والغدر فإنه أحلَّني دار الغربة، واعتبروا " .
قالوا: وجمع أود بن صعب بن سعد بنيه، فقال: " يا بني، أخيفوا الناس ولا تخافوهم، واستخبروهم، ولا تخبروهم، وبئس موضع السر المرأة، وكونوا من الموتورين على حذر، وإذا دفعتم عن حقكم فاطلبوا أكثر منه، وإذا بخع لكم فاقتصروا عليه " .
قالوا: وأوصى عبقر بن أنمار البجليّ فقال: " يا بني، إذا غدوتم فبكِّروا، وإذا رحتم فهجِّروا، وإذا أكلتم فأوتروا، وإذا شربتم فأنبروا، وأبيحوا ما يؤكل فإن منعه ألأمُ اللُّؤم " .
" قال أبو حاتم: النبز الهمز، وإنما شّبهه بالصوت الذي تسمعه من الحلق إذا جرى الماء فيه " .
قالوا: وجمع صعب بن سعد بنيه عند موته، فقال: " يا بني، أوسعوا الحبا، وحلُّوا الربا، وكونوا أسى تكونوا حمى " .
" قال أبو حاتم، يقول، إذا احتبى أحدكم فليوسع الحبوة ولا ينقبض، أراد لتعظم همة أحدكم ولا تصغر؛ وقوله، وحلوا الربا، يعني، انزلوا المرتفعات من الأرض لترى نيرانكم فتقصدكم الأضياف، وقوله، وكونوا أسى، أي لتكن كلمتكم واحدة، وهو من الأسوة، أي لا تختلفوا، فيطمع فيكم أعداؤكم، ولكن، كونوا أسوة، بعضكم بعضا، تكونوا حمى، أي حرزا، لا يطمع فيكم " .
قالوا: وأوصى مالك بن عمرو الكلبيّ فقال: " يا بنيّ، عليكم بتقوى الله، وصلة الرَّحم، وأداء الأمانة، ورعاية الحق، والوفاء بالعهد، وإياكم ومعصية الله وقطيعة الرحم، فإنه لا يسلم على الضغائن الكبير، ولا يصلح عليها الصغير، وصونوا أنفسكم بالدَّعة وبذل المعروف، وكفُّوها عن سوء الرَّعة في الأمور، وإن أقبح ذلك ما كان في المطمع؛ واهجروا البغي فإنه مثبور، وتجنّبوا العجب فإنه ممقتة، ولا تقصروا عن طاعة أمرائكم، ولا توجهوا الأمور دونهم، فإنهم إن يشاركوكم فيها يكمل رأيكم، والتمسوا المحامد في مظانَّها، ولا يمنعكم من طلب المعاش اليأس، فإن أبواببه أكثر من أن يبلغها الظانُّ، استكثروا من الإبل يكثر تبعكم، ولا تضيعوا رباطكم فيهدم حصنكم، وإذا لقيتم العدو فاصبروأ، فإن في الصبر النجاة والدَّرك للتراث، وألزموا النساء البيوت، وخافوهنّ على أسراركم، واجتمعوا ولا تفرقوا، واحذروا الغدر فإنه نقمة، وليحيكم ربُّكم " .

(1/39)


قالوا: وأوصى جابر بن مالك الكلبي بنيه وقومه، فقال: " يا معشر العمائر المنتظرة للفناء والمنقطعة من الأصل، أوصيكم برهبة الله، وصلة الرحم، والفظ للعهد، والمباعدة لأهل الغدر وأهل الذكر للمعاير، وعليكم باحياء المناقب، وقد ترون المنايا تتبعها الرزايا، ولا تواكلوا النصر فتنكبوا، ولا تخاذلوا فتذلّوا، واجهدوا أبدانكم اليوم لراحتّها غدا، ولا تكنوها بالدَّعة فتحسر عند الاجتهاد، ولا تختلفوا فبخسِّر كيدكم، واحجبوا الكرائم، وتجنبوا الملاوم، وكلُّ ما يعتذر منه خطيئئة، ولتطب أنفسكم عن الدنيا، وبالصبر تدفع العظائم، ليحيكم المديل للأمم " .
قالوا: وأوصى هبيرة بن صخر الكلبيّ، ثم الغامديّ، فقال: " يا بنيّ ويا عشيرتاه، أوصيكم بتقوى الله والصبر على المضض، ففيه الفوز، لا فوز القسيّ، حافظوا على الحرم، فإن الهلاك في الغفلة عنها، والفشل في التخاذل، غيظوا العدو بإظهار السرور وإبداع الأمور، واذكروا المجامع والمواسم يأمن سربكم، فإن المحافظة أمن، وإنما المعسكر لمن صبر، وليحيّكم ربكم " .
قالوا: وأوصى الأحوص الكلبي ثم من بني عبدودٍّ، فقال: " يا عشيرتاه، إن الرأي الرأي اليوم، أوصيكم بشكر ذي النعمة، والغيرة على الحرم، والتمسك بالحسب، ولا ترضوا بالدنّية، ففيها البليّة وضياع العلم، وذهاب المهج، الموت في الغدر خير من الحياة في القسر، والفرج مع الصبر، وليحيِّكم ربكم.
قالوا: وأوصى عمرو بن يزيد الكلبيّ بنيه، فقال: " أوصيكم بتقوى الله، وبرّ الرحم، والحفظ للعيال، والإحراز للحرم، ولا تحاسدوا فتذلّوا، ولا تواكلوا فتفشلوا، تعاطفوا يصلب عودكم، وتقاربوا، وتحابّوا يظهر حزمكم، وأقلّوا المنطق ترهبوا، وتساخوا الفعال، وأميتوا الضغائن تحمدوا العواقب، واستعينوا على محاربة عدوكم بذكر المعاير، والهرب منها كرم، والتخوف لها جهاد، أزيلوا عنكم نيّة البغي، وألزوما قلوبكم الإنصاف وعزيمة العفو تنصروا، ولتكن أعلامكم ذوي الرأس منكم، وأنزلوهم منزلة الآباء في التقليد والإنفاذ لأمرهم، فإن أعظم مصائب القوم خلاف الشَّفيق المصيب، وطاعة المصيب ظفر، واتباعه يمن، وإذا حاربتم قوما فأطيلوا مواقفتهم، وتأمّلوا فيهم الفرصة، وإن أمكنكم البيات ففيه الظفر بعدوكم، وإن منحوكم أكتافهم فوسِّعوا عليهم المسرب، ونهنهوا عن لجم المذاكي، وعند تلك فأحبوا فراقهم، فإن العافية لمن اعتصم بها، ليرعكم ربُّكم " .
قالوا: وأوصى زهير بن جناب فقال: " يا بنيّ، قد كبرت سنِّي، وبلغت حرسا " يعني دهرا من عمري " وأحكمتني التجارب، والأمور تجربة واختبار، فاحفظوا عني ما أقول، وعوه، إياكم والخور عند المصائب، والتواكل عند النوائب، فإن ذلك داعية للغمّ، وشماتة لعدو، وسوء الظنّ بالربّ، وإياكم أن تكونوا بالأحداث مغترّين، ولها آمنين، ومنها ساخرين، فإنه والله ما سخر امرؤ قط إلا ابتلى، ولكن استعفوا منها، وتوقّعوها؛ فإنما الإنسان في الدنيا غرض، تعاوره الرماة، فمقصّر دونه، ومجاوز لموضعه، وواقع عن يمينه وشماله، ثم لابدّ أنه مصيبه " .
قالوا: وأوصى رياح بن ربيعة بنيه عند موته فقال: " يا بنيّ، سوِّدوا أعقلكم، فإن أمير القوم إذا لم يكن عاقلا كان آفة لمن دونه، وجودوا على قومكم، وإياكم والبخل، فإنه داء، ونعم الدواء السخاء، والتغافل فعل الكرام، والصمت جماع الحلم، والصدق في بعض المواطن عجز، واستعينوا على من لا تقوون عليه بالجموع، واعلموا أن سيِّد القوم أشقاهم، وإياكم والمنّ، فإنه مهدمة للصنيعة " .
قالوا: وأوصى الأفوه الأوديّ فقال:

(1/40)


" عليكم بتقوى الله وصلة الرحم، وحسن التعزِّي عن الدنيا بالصبر، والنظر فيما حزبكم لما بعده تفلحوا، وتفقّدوا حالاتكم بالمعرفة لحقوق أعلامكم فإنهم بكم عزُّوا، وأنتم بهم أعزّ منكم بغيرهم، كونوا من الفتن على حذر، ولا تأمنوا على أحسابكم السفهاء، ولا تشركوهم في سرّكم، فإنهم كالضأن في رعيتها، كلامهم ذعر، وفعلهم عسر، لا يستحيون من دناءة، ولا يراقبون محرما، ولا يغضبنّ منكم امرؤ لسفيه على ابن عمه وإن وزعه، ولا تطمئنوا إلى أجسامهم، واستوحشوا من عقولهم، ولا تثقوا بناحيتهم، وإن حاربتم فاتخذوهم حشوا فيما بينكم، فإن النظر قبل اللقّاء حزم، ولا حزم بعد الندامة، فإذا اقتادكم امرؤ فوقِّروه بالإجلال والمناصحة تبلغوا بذلك من العدو، وتنالوا به المحامد، فإن لغد أمرا، والأيام دُوَل، فتأهّبوا، وتصنّعوا لحلولها.
ثم قال: أما بعد، فإن التجربة علم، والأدب عون، والكفّ عن ذلك مضرّة، وليكن جلساؤكم أهل المروءة والطلب لها، وإياكم ومجالسة الأشرار، فإنها تعقب الضغائن، والرفض لهم من أسباب الخير، والحلم محجزة عن الغيظ، والفحش من العيّ، والغيّ مهدمة للبناء " يعني المعالي " ، ومن خير ما ظفرت به الرجال اللسان الحسن " اللسان ههنا الثناء " - قال الله عز وجل (لسان صدق في الآخرين).
وفي ترك المراءِ راحة للبدن، فلينظر كل رجل منكم إلى جهته، فإن العجب كبر، والكبر قائد إلى البغض، واشنأوا البغي، فإنه المرعى الوخيم، واستصلحوا الخلل، وتحاموا الذُّلّ، اللهم عليك بأهل الحسد للنعم " .
وقال الأقوه:
لنا معاشر لن يبنوا لقومهم ... وإن بنى قومهم ما أفسدوا عادوا
لا يرعوون ولن يرعوا لمرشدهم ... والغيُّ منهم معا والجهل ميعاد
كانوا كمثل لقيم في عشيرتهم ... إذ أهلكت بالَّذي قدَّموا عاد
أو بعده كقدار حين طاوعه ... على الغواية أقوام فقد بادوا
والبيت لا يبتني إلاَّ له عمد ... ولا عماد إذا لم ترس أوتاد
فإن تجمَّع أقوام ذوو حسب ... تصطاد أمرهم، فارُّشد مصطاد
لا يصلح النَّاس فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جهَّالهم سادوا
إذا تولّى سراة القوم أمرهم ... نما على ذاك أمر القوم وازدادوا
تهدي الأمور بأهل الرَّأي ما صلحت ... فإن تولَّت فبالأشرار تنقاد
أمارة الغيِّ أن تلقي الجميع لدى ال ... إبرام للأمر للأذناب ينقاد
كيف الرَّشاد إذا ما كنت في نفر ... لهم عن الرُّشد أغلال وأقياد
أعطوا غواتهم جهلا مقاءَتهم ... فكلهم في حبال الغيِّ منقاد
أخف الرَّحيل إلى قوم وإن بعدوا ... فيهم صلاح لمرتاد وإرشاد
فسوف أجعل بعد الأرض دونكم ... وإن دنت رحم منكم وميلاد
إنَّ النَّجاة إذا ما كنت ذا بصر ... مراجع الغيِّ أبعاد فأبعاد
والخير تزداد منه ما بقيت به ... والشرُّ يكفيك منه قلَّ ما زاد
قالوا: وأوصى حصن بن حذيفة بن بدر الفزاريّ بنيه، وكان سبب موته أن كرز بن عامر العقيليّ طعنه، وكان له بنون عشرة، فأوصاهم عند موته، واشتد به مرضه، فقال: - الموت أروح مما أنا فيه، فإياكم يطيعني؟ قالوا: كلُّنا لك مطيع.
فبدأ بأكبرهم، فقال: خذ سيفي هذا، فضعه على صدري، ثم اتّكئ عليه حتى يخرج من ظهري.
فقال: يا أبتاه، وهل يقتل الرجل أباه؟ فعدل عنه إلى ولده، كلّهم يقول مقالة الأول، حتى انتهى إلى عُيينة، فقال: - يا أبتاه، أليس لك فيما تأمرني به سلوى وراحة، ولك مني فيه طاعة؟ قال: بلى.
قال: فمرني كيف أصنع.
قال حصن: ألق السيف يا بنيّ، فإني أردت أن أبلوكم فأعرف أطوعكم لي في حياتي، فهو أطوعكم لي بعد وفاتي، فاذهب فأنت سيّد ولدي من بعدي، ولك رياستي.
فجمع بني بدر، فأعلمهم بذلك، ثم قال:

(1/41)


" اسمعوا ما أوصيكم به، لا يتَّكلنّ آخركم على فعال أوّلكم، فإن الذي يدرك به الأول حجة على الآخر، وانكحوا الكفيء من العرب فإنه عزّ حادث، وإذا حاربتم فأوقعوا، وقولوا واصدقوا، فإنه لا خير في الكذب، وصونوا الخيل فإنها حصون الرجال، وأطيلوا الرماح فإنها قرون الخيل، واغزوا الكثير بالكثير، وبذلك كنت أغلب، ولا تغزوا إلا بالعيون " يعني بالأشراف " ، ولا تسرحوا حتى تأمنوا الصباح، وعجّلوا القرى فإن خيره أعجله، وأعظوا على حسب المال، فإنه أبقى لكم، ولا تحسدوا من ليس مثلكم، فإنما يحسد القوم أمثالهم، ولا تحكروا على الملوك فإن أيديهم أطول من أيديكم، ولا تأمنوا صرعات البغي، ونضحات الغدر، وفلتات المزاح، واقتلوا " كرز بن عامر " فإنه قتلني " .
فمات.
فقام عُيينة بالرياسة، وقتل كرزا، وأدرك النبي صلى الله عليه وسلم، وكان من المؤلَّفة قلوبهم.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم فيما يذكرون: هذا الأحمق في دينه، المطاع في قومه.
قالوا: وأوصى مضرّس بن ربعيّ ابنه فقال: " يا بنيّ، إن الأسف مرض، والطمع لؤم، واليأس عجز، فاسل عما فات، واحرص فيما تستقبل، وفكِّر ثم قدِّر، ثم احضر " .
وقال:
لا تهلكنَّ النفَّس لوما وحسرة ... على الشَّيء سدَّاه لغيرك قادره
فلا تيأسا من صالح أن تناله ... وإن كان شيئا بين أيد تبادره
وما فات فاتركه إذا عزَّ واصطبر ... على الدَّهر إن دارت عليك دوائره
ولا تظلم المولى ولا تضع العصا ... على الجهل إن طارت عليك دوائره
قالوا: وأوصى أبو قيس بن صرمة فقال: " لا تنكلوا عن العدو، ولا تبخلوا عن الصديق، وجازوا ذا النعمة، وتمسّكوا بحرمة الجار، وتبادلوا، وقدّموا أهل العيّ، وأوفوا بالعهد، وإياكم والبغي، فإنه أقوى سلاح عدوكم " .
وأنشد:
يقول أبو قيس وأصبح غادبا ... ألا ما استطعتم من وصاني فافعلوا
أوصيكم بالله والبرِّ والتُّقى ... وأعراضكم، والبرُّ بالله أوَّل
وإن قومكم سادوا فلا تحسدوهم ... وإن كنتم أهل السَّيادة فاعدلوا
وإن نزلت إحدى الدَّواهي بقومكم ... فأنفسكم دون العشيرة فابذلوا
وإن طلبوا عرفا فلا تحرموهم ... وإن كان فضل العرف فيهم فافضلوا
وإن أنتم أعوزتم فتعفَّفوا ... وما حمَّلوكم في النَّوائب فاحملوا
قالوا: وأوصى الحارث بن الحكم آكل الذراع بنيه، فقال: " يا بنيّ، لا تبكوا على الزمان فإنه لا يزداد على رجل على السن من أهله قربا إلا ازدادوا منه بعدا، استأنوا العشيرة، ولا تمشوا بينها بالنميمة، وكونوا لقومكم أتباعا، وإيّاكم والبغي، فإنه آخر مدة القوم، وجازوا بالحسنة، ولا تكافئوا بالسيئة ولا تردّوا الكرامة، ولا تبغوا، غنيتم وبقيتم " قوله هذا دعاء لهم " .
قالوا: لما حضر الحطيئة الوفاة قيل له، أوصِه.
قال: ويل للشِّعر من راوية السوء.
قيل: أوصه.
قال: أخبروا آل شمَّاخ بن ضرار أنه أشعر العرب.
قالوا: أوصه.
قال: بماذا؟ قالوا: في مالك، فإنه كثير.
قال: هو لذكور ولدي دون النساء.
قالوا: ليس كذلك قال الله عز وجل.
قال: لكن أنا أقوله.
قالوا: أوصه.
قال: بماذا؟ قالوا: عبدك هذا قد طالت صحبته.
قال: اشهدوا أنه عبد ما بقى على الأرض عبسيٌّ.
ثم قال: احملوني على حمار، فإنه بلغني أن الكريم لا يموت على حمار.
فحمل عليه، فمات.
وصية قيس بن عاصم المنقريّ بنيه، قال: " أوصيكم بتقوى الله عز وجل، وسوِّدوا أكبركم، فإن القوم إذا سوَّدوا أكبرهم لم يفقدوا أباهم، وضعوا كرائمكم في أعقابكم، وتزوّجوا في مثل ذلك، فإنكم إذا فعلتم مثل ذلك خلفتم أباكم، وعليكم بطلب المال واصطناعه، فإن المال منبهة للكريم، ويستغنى به عن اللئيم، وإياكم ومسألة الرجال، فإنها آخر كسب المرء، ولا يعلمنّ بمدفني بكر بن وائل، فإني كنت أغاورهم في الجاهلية، وكانت بيني وبينهم خماشات، فأخاف أن يفتنوكم في دينكم، أو يدخلوا عليكم غضاضة، ولا تنوحوا عليّ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم سنح عليه " .
قالوا: وأوصى عوف بن كنانة الكلبيّ بنيه، فقال:

(1/42)


" يا بنيّ، احفظوا وصيتي، فإنها أنصح الجبلة لكم، وإن أنتم حفظتموها سدتم قومكم بعدي، إلهكم فاتقّوه، ولا تخونوا، ولا تستثيروا السباع في مرابضها فتندموا، وجازوا الناس بالكف عن مساوئهم تسلموا، ونصحّوا وخفُّوا عند نائبتهم، ولا تستبطئو في حق، والزموا الصمت إلا من حق تحمدوا، وابذلو التحية تسلم لكم الصدور، ولا تظانَّو بالمنافع فتباغضو، واستتروا من العامّة تجلَّوا، ولا تكثرو مجالس الناس فيستخف بكم، ولا تزايلوهم فتعادوا، وإن نزلت معضلة فاصبروا، وأَلبسوا الهر أثوابه، فإن لسان الصدق مع المسكنة خير من لسان السوء مع الميسرة، وذلُّو لمن ذلّ لكم فإن أقرب الوسائل المودّة، ولا تعلموا الناس أَقتاركم فتهونوا عليهم، ويجمّلوا تنجبوا، وإياكم والعزبة فإنها ذلّة، ولا تضعوا الكرائم إلا عند الأكفاء، وابتغوا لأنفسكم المعالي، ولا يخلجنكم جمال النساء عن صراحة النسب، فإن مناكحة الكرام مدارج الشرف، واخضعوا لقومكم، ولا تبغوا عليهم، ولا تخالفوهم فيما اجتمعوا عليه، فإن الخلاف يزري بالرئيس المطاع، وليكن معروفكم بعدهم في غيرهم، ولا توحشوا أفنيتكم من أهلها، فإن إيحاشها إخماد الناس ودفع الحقوق، وأذكوا النار، وأحيوا الحقوق، ولا تبذلوا الوجوه إلى غير مكرميها فتكلحوها، وتحشوها الدناءة، وتقصروا بها، ولا تحاسدوا فتبورا.
والتمسوا بالتودد المنازل عند الولاة، فإنهم من وضعوا أفرد، ومن رفعوا أنجد، وابتنوا المباني بالأدب ومصافاة أهل الحبا، وابتاعوا المحبة بالجود، واجتنبوا البخل، ووقِّروا ذوي الفضيلة، وخذوا عن أهل التجارب، ولا تحتقروا الرجال من غير خبرة؛ وإنما المرء بذكاء قلبه وتعبير لسانه، وإذا خوِّفتم داهية فتثبتوا قبل العجلة، ولا يمنعنكم من المعروف صغر قدره، فإن له ثوابا، ولا تعفِّروا الأقدام إلا لأخطارها، وتنبَّلوا تسمُ اليكم الأبصار، وارفضوا النمائم بينكم تسلموا، وكونوا أنجاد عند الملمات تعّوا، واحذروا النجعة التي في المنعة.
وأكرموا الجار، وآثروا حق الضيف، وألزموا السفهاء الحلم تقلّ همومكم، وإياكم والحرص فإنه من أسباب المتالف، واتخذوا الزهد جنة تسترح أبدانكم، وإياكم والفرقة فإنها ذلّ، ولا تكلفوا أنفسكم فوق طاقتها فتعجزوا، فلأن تلاموا وبكم قوة خير من أن تعانوا بالعجز، وعليك بالجد فإنّ به يمنع الضيم، وإياكم والتفريط فيه يكون الخلل، ولا أجدبتم أبدا، ولا غلبتم - أو - قال - ولا خذلتم.
حدثنا أبو حاتم قال: وذكر بعض أهل العلم أن هشام بن عبد الملك أرسل إلى سليمان الكلبي، وكان رجلا جامعا للأدب فاضلا، ذا رأى.
قال سليمان: فدخلت عليه، وهو في غرفة له، قد علا نفسي. وانتفخ سحري، فسلمت عليه، فردّ عليّ، وأضرب عني حتى سكن جأشي، ثم قال لي: - يا سليمان، قد بلغني عنك ما أحب، وإذا بلغني عن أحد من رعيتي مثل الذي بلغني عنك أسرعت إليه بما يحب، واستعنت به على مهم أمري، وإن محمد ابن أمير المؤمنين بالمكان الذي بلغك، وهو جلدة ما بين عيني، وإني أرجو أن يبلِّغ الله به أفضل ما بلّغ بأحد من أهل بيته، وقد ولاك أمير المؤمنين تأديبه وتعليمه، وماله، والنظر فيما يصلح الله به أمره، فعليك بتقوى الله، وأداء الأمانة فيه، فإنك تقصد فيه بخصال، لو لم تكن إلا واحدة كنت قمنا ألاّ تضيّعها، فكيف إذا اجتمعت؟ أما أولها فإنك مؤتمن عليه، وحقّ لك أداء الأمانة فيه؛ وأما الثانية فأنا إمام ترجوني، وتخافني؛ وأما الثالثة فكلما ارتقى الغلام في الأمور درجة ارتفعت معه، ففي هذا ما يرغبّك فيما أوصيك به، فادخل عليه في خاصّة أهل القرآن، وذوي الأسنان، فإنك منهم بين خصلتين، إما أن يسمع منهم كلاما فيعيه ويحفظه فيكون لك صونه وذكره، وإما أن يراهم الناس يخرجون من عنده فيرون أنكم على مثل ما هم عليه.
ولا تدخل عليه الفسّاق ولا شربة الخمر، فإنك منهم بين خصلتين، إما أن يسمع منهم كلاما قبيحا فيعيه ويحفظه ويأخذ به فتريد تحويله عن ذلك فلا تقدر عليه، وإما أن يراهم الناس يخرجون من عندكم فيرون أنكم على مثل ما هم عليه.

(1/43)


وانظر إذا سمعت منه الكلمة العوراء فلا تؤنبه بها فتمحِّكه، ولكن احفظها عليه، فإذا قام من مجلسه فانقله إلى ما هو أحسن منه؛ وإذا سمعت منه الكلمة المعجبة ففطِّن القوم لها، فإنهم عسى ألا يكونوا فهموها وفهمتها باهتمامك بها، حتى يقوموا وقد سمعوا منه كلاما حسنا، ويروونه عنه، ويرفعونه به.
وإذا حضر الناس أبوابكم فعجلوا إذنهم، ثم ليحسن بشركم بهم، وأطيبوا للناس طعامهم، فإذا فرغوا من الغذاء والعشاء فمن أحب أقام للحديث من قبل نفسه، ومن أحب انصرف إلى أهله، فإن للناس حوائج عند زيارتكم، وإذا أعطيتم أهل القرآن وحملة العلم وأهل الفضل فإنكم تؤجرون على إعطائهم إلا أن يكون في سبب النجدة أو وسيلة، فإنكم ملوك، والناس سوق، وإنما تسودون الناس ويطأون أعقابكم ببارع الفضل ولين الجناح.
قال الشاعر:
فإنَّك لن ترى طردا لحرّ ... كإلصاق به بعض الهوان
ولم تجلب مودَّة ذي وفاء ... بمثل البذل أو لطف اللِّسان
وخذه بعلم نسبه في العرب حتى لا يخفى عليه منه قليل ولا كثير، وعلّمه منازل القمر، وأنواع الخطب، ومواضع الكلام، ومعرفة الجواب.
وإن هو احتبس عن تأديبه ومروّاته فادخل عليه، وإن كان من أهله في لحافه حتى تجرّ برجله إلى ما ينفعه الله به، وإياك أن تكتم عليه، فيؤدي ذلك إليّ غيرك، فأنزل لك عما يسرُّك إلى ما يضرُّك، ولا يخرجنَّ إلا معتمَّا، ولا يركبنّ محذوفا، ولا مهلوبا، ولا يعقدن له ذنب دابة إلا من لثق، ولا يركبنّ سرجا صغيرا فتبدو منه أليتاه كفعل الفسّاق، ولا يسيرنّ متلفِّتا ولا طامحا.
فخذه بهذه الخصال، وزده من عندك ما استطعت، فإني سأقيس عقله اليوم وبعد اليوم، فإن رأيته قد ازداد خيرا إلى ما كان عليه رؤي فضل أمير المؤمنين عليك، وإن كانت الأخرى فلا تلم إلا نفسك.
وقد أجريت عليك ألف درهم في كل شهر، سوى كسوتك وجتئزتك.
قالوا: وأوصى أبجر بن جابر العجليّ فقال: " يا بنيّ، إن سرّكم طول البقاء وحسن الثناء والنِّكاية في الأعداء، فإذا استقبلتم الخميس فاستقبلوهم بوجوهكم، وإياكم أن تمنحوهم أكتافكم فتطعنوا بالرماح في أدباركم، فإن أمثل القوم بقيّة الصابر عند نزول الحقائق.
وحدثنا الرياشيّ عن الأصمعي قال: قال أبجر العجليّ لابنه حجّار لما أراد الإسلام: إذا قدمت المصر فاستكثر من الصديق، فإنك على العدو قادر، وإياك والخطب فإنها نشوار كثير العثار.
قال أبو حاتم، وكان البذّال أبو العلاء، وهو من بني مازن بن عمرو بن تميم مرض، فقالوا: كيف تجدك؟ فقال: أجدني مغفورا.
قالوا: يا أبا العلاء، أوص.
قال: بما أوصي؟ ثم قال:
يا ابني حريث ارفعا وسادي ... واستوصيا بالجلَّة التِّلاد
فإنَّما حولكم الأعادي ثم قال: ما لكما عندي وصية غير هذا.
" وابنا حريث ابنا أخيه " .
وصية شبث بن ربعيّ وأوصى شبث بن ربعيّ فقال: هذا ما أوصى به شبت بم ربعي، أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن الجواد في الجنة، وأن البخيل في النار.
انظروا ابنتي فلا تزوّجوها إلا كريما، ولا تدفنوني عند مقابر بني طهيَّة.
وصية وكيع بن أبي سود قال: وأوصى وكيع بن أبي سود، وكان أحمق الناس، وأظهر " هم " موقا، فقال: " يا بنيّ، إنيّ لو قد هلكت أتاكم قوم قد شمَّروا ثيابهم، وحلقوا شواربهم، وعفّروا جباههم، فقالوا، إن لنا على أبيكم دينا فاقضوا دين أبيكم، إلا وإنّ قبل أبيكم تبعات إن يغفرها الله له فالدّين أهون مما هنالك، وإن تكن الأخرى فلا يهلكنّ أبوكم وتذهب أموالكم " .
وصية ابن الأهتم قال لما ثقل ابن الأهتم أظهر ماله ودعا بنيه، فقال: " يا بنيّ، دُونكم، فقد كفيتكم كدَّه، وصفا لكم ما اشتهيتم منه، وإنما جمعته لنبوة الزمان، وجفوة السلطان، ومباهاة العشيرة، وأيم الله لوددت أنه كان بين صلعي حمار بالفلاة، أو بقراء مقحل " .
وصية المهلب قال: ولما حضرت المهلب الوفاة جمع بنيه فقال:

(1/44)


" أوصيكم بتقوى الله وصلة الرحم، فإن تقوى الله تعقب الجنة، وإن صلة الرحم تنسئ في الأجل، وتثري المال وتجمع الشَّمل، وتكثر العدد، وتعمر الدار، وتعزّ الجانب، وأنهاكم عن معصية الله وقطيعة الرحم فإن معصية الله تعقب النار، وإن قطيعة الرحم تورث القلّة والذُّلة، وتفرق الجمع، وتدع الدار بلا قِع، وتطمع العدو، وتبدي العورة.
يا بنيّ، قومكم، قومكم، إنه ليس لكم فضل عليهم، بل هم أفضل منكم، إذ فضلَّوكم وسوَّدوكم، ووطئو أعقابكم، وبلغوا حاجتكم فيما أردتم، فلهم بذلك حقّ عليكم وبلاء عندكم، ولا تؤدُّون شكره، ولا تقومون بحقه، فإذا طلبوا فأطلبوهم، وإذا سألوا فأعطوهم، وإن لم يسألوا فابتدأوهم، وإن شمتوا فاحتملوا لهم، وإن غشوا أبوابكم فلتفتح لهم، ولا تغلق دونهم.
يا بنيّ، أني أحب للرجل منكم أن يكون لفعله الفضل على لسانه، وأكره أن يكون للسانه الفضل على فعله.
يا بنيَّ، اتقوا الجواب وزلّة اللسان، فإني رأيت الرجل يعثر قدمه فيقوم من زلته، فينتعش منها سويا، ويزل لسانه فيوفيه وتكون فيه هلكته، يا بنيّ، إذا غدا عليكم رجل وراح فكفى بذلك مسألة وتذكرة بنفسه، يا بني، ثيابكم على غيركم أجمل منها عليكم، ودوابُّكم تحت غيركم أجمل منها تحتكم، يا بني، أَحيوا المعروف وافعلوه، واكرهوا المنكر واجتنبوه، وآثروا الجود على البخل، واصطنعوا العرب وأكرموهم، فإن العربي تعده العدة فيموت دونك، ويشكر لك، فكيف بالصنيعة إذا وصلت إليه في احتمالها وشكرها، والوفاء منها لصاحبها؟.
يا بنيّ، سوِّدوا أكابركم وأعزّوا ذوي أسنانكم تعظموا بذلك، وارحموا صغيركم، وقرِّبوه، وأَلطفوه، وأجيروا يتيمكم، وجودوا عليه بما قدرتم، وخذوا على أيدي سفهائكم، وتعهدوا جيرانكم وفقراءكم بما قدرتم عليه، واصبروا للحقوق، واحذروا عار عدوّكم عليكم في الحرب بالأناة والتؤدة في اللقاء، وعليكم بالتماس الخديعة في الحرب لعدوّكم، وإياكم والنزَّق والعجلة، فإن لمكيدة والأناة والخديعة أنفع من الشجاعة.
واعلموا أن القتال والمكيدة مع الصبر، فإذا كان القضاء عند اللقاء، فإن ظفر امرؤ وأخذ بالحزم قال العاقل: قد أتى الأمر من وجه، وإن لم يظفر قال: ما ضيّع ولا فرّط، ولكن القضاء غالب، فالزموا الحزم على أي الحالين وقع الأمر، والزموا الطاعة والجماعة، وإياكم والخلاف وفراق الجماعة، تواطأوا، وتوازروا، وتواصلوا، وتعاطفوا فإن ذلك يثبت المودة، وتحابّوا، وخذوا فيما أوصيكم به بالجدّ والقيام به تظفروا بدنياكم ما كنتم فيها وآخرتكم إذا صرتم إليها، ولا قوة إلا بالله، وليكن أول ما تبدءون به أنفسكم إذا أصبحتم، تعلموا االقرآن والسنن والفرائض، تأدبوا بأدب الصالحين من قبلكم، من سلفكم الصالح، ولا تقاعدوا أهل الدَّعارة والريبة، ولا تخالطوهم، ولا يطمعن في ذلك منكم، وإياكم والخفّة في مجالسكم وكثرة الكلام، فإنه لا يسلم منه صاحبه، وأدُّوا حق الله عليكم فإني قد أبلغت إليكم الوصية، واتخذت لله عليكم الحجة " .
قال: وتوفِّى الملّب رحمه الله تعالى بمو الروذ بخراسان، فقال نهار بن توسعة:
ألا ذهب الغزو المقرَّب للغنى ... ومات النَّدى والحزم بعد المهلَّب
أَقام بمرو الرُّوذ رهن ثوابه ... وقد غيِّبنا عن كلِّ شرق ومغرب
قالو: ثم ولى بعده قتيبة بن مسلم الباهليّ، فدخل عليه نهار بن توسعة، فقال له قتيبة: - أأنت القائل في المهلب، ألا ذهب الغزو؟ فقال: أنا الذي أقول:
ما كان مذ كنَّا ولا كان قبلنا ... ولا هو فينا كائن كابن مسلمِ
أَعمَّ لأهل الشَّرك قتلا بسيفه ... وأقسم فينا مغنما بعد مغنم
فقال: إن شئت فأقلل، وإن شئت فأكثر، والله لا تصيب منى خيرا، يا غلام، حلِّق على اسمه.
ولزم منزله حتى ولى يزيد بن المهلب خراسان، فأتاه نهار، فدخل عليه، وأنشأ يقول:
إِن يكُ ذنبي يا قتيبة أَنَّني ... بكيت امرأً في المجد قد كان أَوحدا
أَبا كلِّ مظلوم ومن لا أبا له ... وغيث مغياث أَطلعن التَّلدُّدا
رفشأنك، إِنَّ اله إِن سؤت محسن إِليَّ إِذا أَبقى يزيدا وخلدا فقال له: احتكم.
قال: مائة ألف.
فأعطاه مائة ألف درهم.

(1/45)


ويقال: إن مخلد بن يزيد بن المهلب هو الذي أعطاه، لأن أباه قد كان قدَّمه خليفة على خراسان، فكان يقول بعد موت مخلد: رحم الله مخلدا، ما ترك لي بعده من قول.
قالوا: وقدم قيس بن زهير على النَّمر بن قاسط بعد الهباءة ليقيم فيهم، فقال: يا معشر النمر، أنا قيس بن زهير، غريب، حريب، فانظروا إلى امرأة قد أذلها الفقرر وأدّبها الغنى، لها حسب وجمال، فزوِّجونها.
فنظروا له امرأة على ما وصف، يقال لها " ظبية " ابنة الكّيس النمريّ.
فقال لهم: إني ل أقيم فيكم، إني فخور غيور آنف، ولعّلني أن لا أغار حتى أرى، ولا أفخر حتى أسمع، ولا آنف حتى أظلم.
فأقام حتى ولد له غلام، فسماه " خليفة " ثم بدا له أن يرتحل عنهم، فقال لهم: " إن لكم عيّ حقا، وإني أوصيكم بخصال فاحفظوها، عليكم بالأَناة فإن بها تنال الفرصة، وتسويد من لا تعابون بتسويده، والوفاء، فإن يعيش الناس، وإعطاء ما تريدون إعطاءه قبل المسألة، ومنع ما تريدون منعه قبل القسر، وإجلرة الجار على الدهر، وتنفيس المنازل عن بيوت الأيامى، وخلط الضيف بالعيال.
وأنهاكم عن الرِّهان فإني به أَثكلت مالكا، وعن البغي فإنه صرع زهيرا، وعن السرف في الدماء، فإنّ قتل أهل الهباءة ألزمني العار، ولا تعطوا في الفضول فتعجزوا عن الحقوق، ولا تبيتوا بعراص الغدر، وإياكم وعورات الناس، ولا تردّوا النساء عن الأَكفاء فإن لم تصيبوا الأكفاء فإن خير أزواجهن القبر، واعلموا أني أصبحت ظالما مظلوما، ظلمني بنو بدر بقتل مالك، فقتلت من لا ذنب له.
ثم قال:
إنَّ يوم الهباءة أَورثني الذُّلَّ ... فأصبحت ظالما مظلوما
كان ظلمي قتل سراة بني بدر ... فأصبحت بعدهم مرحوما
فخضبت السَّنان من ثغر القوم ... وكانوا للنَّاظرين نجوما
كان ثاري لمالك بن زهير ... واحدا كان فيهم معلوما
فقتلت الجميع من حذر الثكل ... لقد كنت في الدِّماء نهوما
كان ظلمي، وكان ظلمهم أَمس ... عظيما ورأيهم موصوما
لطم القوم داحسا حذر السَّبق ... لقد كان داحس مشئوما
ظلمونا بقتلنا وظلمنا ... معشرا كان يومهم محتوما
إِنَّ للنمر في إِجارتها الجار ... وأَمن الطَّريد حظَّا عظيما
يأمن الجار فيهم وترى وسطهم ... ذا خئولة معموما
يملأ الدَّلو قبل دلو أَخي النمر ... وما حوض جارهم مهدوما
وصية مجاشع ذكروا أن مجاشع بن شريف، أو مخاسن بن معاوية بن شريف قل في حرب النعمان بن الشُّقيقة: " يا بني تميم، أقلُّ الناس رحمة الملوك، إن الملوك ينككِّلون بالشقيّ السعيد، ومنجاة من ناوأ الملوك الصبر وكتمان السرّ، وأول الظفر الاجتماع، وأول البلاء الفشل، وآفة الكرم جوار اللئام، وقد غلب على الكرم من سبق إليه، احفظوا ألسنتكم يعمِ عدوكم كيدكم، إنه من كتم سره عمى كيده على عدوه " .
وصية أسيد بن أوس ذكروا أن أُسيد بن أوس انطلق إلى الحارث بن الهبولة الغساني، وكان أسيد أخا معاوية بن شريف لأمه، وأمها ماويّة بنت الرضا البارقي، يستمده في حرب ابن الشقيقة، فلما قدم عليه قال: " إنما يوثق في الشدّة بذي القرابة، وبصفاء الإخوان، وبصدق أهل الوفاء، إن خير السجيّة ما لم يتكلّف، وخير الأعوان على البخل السخاء، والعفو منتهى البرّ، الزم البرَّ يبرُّك بنوك، أَخِّر الغضب وادفع بالإناة، وآخر الدواء الكيّ، وخير الثواب الشكر، وخطل القول غواية، ومنتهى البرّ الهوى، والصدق تمام المروءة، والكذب يفسد الفعال، وتصرّف الأحوال بغيرّ الرجال، وأغنى الخصال عن المادة العفاف، وخير السِّيرة العفو، وترك العقوبة يسلُّ السَّخيمة " .
وصية صيفي بن رياح ذكروا أت صيفي بن رياح أبا أكثم بن صيفي قال: " سلطانك على أخيك على كل حال، فإذا أخذ السيف فلا سلطان لك عليه، وكفى بالمشرفية واعظا، وترك الفخر أبقى للثناء، وأسرع الجرم عقوبة البغى، وشر النَّصرة التعديّ، واَلأم الأخلاق أضيفها، ومن سوء الأدب كثرة العتاب، واقرع الأرض بالعصا " . فذهبت مثلا.
وصية أبي جهم بن حذيفة العدويّ

(1/46)


قال أبو حاتم، وحدثنا الثِّقة عن أبي يعقوب الثقفي عن عبد الملك بن عمير اللخمي قال: جاء أبو جهم بن حذيفة العدويّ، وهو يومئذ ابن مائة سنة إلى مجلس اقريش فأوسعوا له عن صدر المجلس " وقائل يقول، بل كان عروة بن الزبير " .
فقال أبو الجهم: يا بني أخي، أنتم خير لكبيركم من مهرة لكبيرهم.
قالوا: وما شن مهرة وكبيرهم؟ قال: كان الرجل منهم إذا أسنّ وضعف أتاه ابنه أو ولُّه فعقله بعقال، ثم قال: قم. فإن استتَّم قائما، وإلاّ حمله إلى مجلس لهم يجري على أحدهم فيه رزقه حتى يموت، فجاء شابّ منهم إلى أبيه، ففعل ذلك به، فلم يستتم قائما، فحمله، فقال: يا بنيَّ، أين تذهب بي؟ فقال: إلى سنَّة آباك. فقال: يا بني، لا تفعل، فوالله لقد كنت تمشي خلفي فما أخلِّفُك، وأُماشيك فما أَبذُّك " أي أسبقك " ، وأسقيك الدُّواية " يعني اللبن " قائما.
وكانت العرب إذا أُسقى الغلام اللبن قائما كان أسرع لشبابه.
فقال: لا جرم، لا أذهب بك.
فاتخذته مهرة سنَّة.
وصية أبي الأسود الدؤلي وأوصى أبو الأسود الدؤلي ابنته ليلة البناء بها فقال: " يا بنية، كان النساء أحق بأدبك مني، ولكن لا بد لي منه، يا بنية، إن أطيب الطيب الماء، وأحسن الحسن الحسن الدُّهن، وأحلى الحلاوة الكُحل، يا بنية، لا تكثري مباشرة زوجك فيملَّك، ولا تباعدي عنه فيجفوك، ويعتل عليك، وكوني كما قلت لأمّك: خذي العفو كمُّي تستديمي موَّدتي ولا تنطقي في سورتي حين أَغضب
فإنِّي رأَيت الحبَّ في الصَّدر والأذى ... إذا اجتمعتا لم يلبث الحبُّ يذهب
وصية أبي بكر الصديق رضي الله عنه قالوا: أوصى أبو بكر عمر بن الخطاب، رضي الله عنهما، فقال: " أن لله عملا بالليل لا يقبله بالنهار، وعملا بالنهار لا يقبله بالليل، إنه لا يقبل نافلة حتى تؤدّى الفريضة، فإنه إنما ثقلت موازينه يوم القيامة باتِّباعهم الحقَّ، وثقله عليهم؛ ويحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق غدا أن يكون ثقيلا، وإنما خفّت موازين من خفَّت موازينه يوم القيامة اتّباعهم الباطل في الدنيا وخفَّته عليهم، ويحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يكون خفيفا؛ إن الله ذكر أهل الجنة فذكرهم بأحسن أعمالهم، وتجاوز عن سيئهم، فإذا ذكرتهم قلت إني أخاف ألا أكون من هؤلاء، وذكر أهل النار فذكرهم بأسوأ أعمالهم، وتجاوز عن حسنهم، فإذا ذكرتهم قلت إني لأرجو ألا أكون من هؤلاء، وذكر آية الرحمة وآية العذاب ليكون العبد راغبا راهبا لا يتمنى على الله غير الحق، ولا يلقى بيديه إلى التهلكة، فإن حفظت وصيتي فلا يكوننّ غائب أبغض إليك من الموت، ولست بمعجِزِه.
قالوا: وقال ابن داب، قالت أسماء بنت عميس: دخل عمر بن الخطاب على أبي بكر رضي الله عنهما في اليوم الذي قُبض فيه.
فقال: يا عمر، صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيت أُثرته إيّانا على أهله، ووالله إن كنا لنرسل إليهم من فضله ما يأتينا منه، وصحبتي ورأيتي، والله ما نمت فحلمت، ولا توهمت فشبِّه لي، وإني لعلى بصرة من رأى.
يا عمر، إن أول ما أحذرك به نفسك، فإن لكل نفس شهوة، فإذا أجابتها إليها دعتها إلى ما هو أعظم منها، وأحذِّرك هؤلاء الرهط من المهاجرين، فإني قد رأيتهم طمحت أبصارهم، ونفخت أجوافهم، وتمنى كل امرئ منهم لنفسه، فاحملهم على الطريق الواضح يكفوك أنفسهم، واعلم أنهم لن يزالوا لك هايبين ما هِبتَ الله عزّ وجل، فَرِقين منك ما فرقت منه.
هذه وصيتي إياك، وأَقرأ عليك السلام.
وصية عمر بن الخطاب، رضي الله عنه وذكروا عن قطر بن خليفة وغيره أن عمر بن الخطاب دعا عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما، فقال: " أي بُنيّ، إذا قام الخليفة بعدي فائته، فقل له، إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقرئك السلام، ويوصيك بتقوى الله وحده لا شريك له، ويوصيك بالمهاجرين والأنصار، أن تقبل من محسنهم، وتتجاوز عن مسيئتهم، ويوصيك بأهل الأمصار خيرا، فإنهم غيظ العدوّ وجباة الفيء، لا تحمل فيئهم إلا عن فضل منهم، ويوصيك بأهل البادية خيرا، فإنهم أصل العرب ومادة الإسلام، أن تأخذ من حواشي أموالهم فيردَّ غلى فقرائهم، ويوصيك بأهل الذمّة خيرا، أن تقاتل من ورائهم ولا يكلَّفوا فوق طاقتهم.
وصية علي بن أبي طالب، رضي الله عنه

(1/47)


قال أبو حاتم، وحدوثونا عن أبي مخنف قال، حدثني عبد الرحمن بن جندب عن أبيه قال، دخلت على بن أبي طالب، رضي الله عنه، أسأل به لّما ضربه ابن ملجم، فقمت قائما، ولم أجلس لمكان ابنته، دخلت وهي مستترة، فدعا علي الحسن والحسين، رضوان الله عليهم، فقال: " أوصيكما بتقوى الله، ولا تبغيا الدنيا وإن بغتكما، ولا تبكيا على شيء منها زوى عنكما، قولا الحق، وارحما اليتيم، وأَعينا الضائع، وأَضيفا الجائع، وكونا للظالم خصما، وللمظلوم عونا، ولا تأخذكما في الله لومة لائم.
ثم نظر إلى ابن الحنفية، فقال: - هل فهمت ما أوصيت به أَخويك؟ قال: نعم.
قال: أوصيك بمثله، وأَوصيك بتوقير أخويك، وتزيين أمرهما، ولا تقطع أمرا دونهما.
وقال لها: أوصيكما به، فإنه شقيقكما، وابن أبيكما، وقد علمتما أن أباكما كان يحبّه، فأحبّاه.
وذكر آخرون عن إبراهيم بن أيوب الأسدي قال: حدثني عمرو بن شمر عن جابر الجعفيّ عن محمد بن عليّ قال: أوصى عليّ الحسن بن هلي رضي الله عنهم، هذا ما أوصى به علي بن أبي طالب، أوصى أنه يشهد أن لا إله إل الله، وحده لا شريك له، وأن محمد عبده ورسوله، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، ثم إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أُمرت، وأنا أول المسلمين.
وإني أوصيك يا حسن وجميع ولدي ومن بلغه هذا بتقوى الله ربَّكم، ولا تموتنّ إلا وأنتم مسلمون، واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، فإني سمعت حبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: صلاح ذات البين أفضل من عام الصيام والصلاة، انظروا ذوي أرحامكم فصلوهم يهونّ عليكم الحساب، والله الله في الأيتام، فلا تغيّرنّ أفواههم بحضرتكم، والله، الله في الضَّعيفَّين، فإن آخر ما تكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قال: أوصيكم بالضعيفين خيرا.
والله، الله في القرآن فلا يسبقكم بالعمل به غيركم، والله، الله في الصلاة، فإنها عمود دينكم، والله، الله في الزكاة فإنها تطفئ غضب ربكم عنكم، والله الله في صيام رمضان فإن في صيامه جنَّة لكم من النار، والله، الله في الحج فإن بيت الله إذا خلا لم تناظروا، والله، الله في الفقراء والمساكين، فشاركوهم في معايشكم وأموالكم.
عليكم يا بنيّ بالبر والتواصل والتَّبارّ، وإياكم والتقاطع والتدابر والتفرق، وتعاونوا على البّر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، حفظكم الله من أهل بيت، وحفظ فيكم نبيَّكم، صلى الله عليه وسلم.
حدثنا أبو حاتم قال: وأخبرونا أن ابن ملجم خطب امرأة، وكان عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه ذكروا أنه قتل أخاها، فقالت: - أتزوجك على ثلاثة آلاف، وعبد، وقينة، وقتل علي بن أبي طالب.
فقال: لك الثلاثة آلاف، والعبد، والقينة.
فأبى أن يقتل لها عليّا.
فقالت: والله، لا أُنكحك نفسي.
ثم جاد لها بعد بقتله.
فخرج، فضربه بسيفه في رأسه، فقتله، فقُتل.
ثم أتى به دار المرأة، فأشرفت وهم يحرقونه. فقالت:
ثلاثة آلاف وعبد وقينة ... وقتل عليّ بالحسام المصمَّم
فلا مهرَ أَغلى من عليّ وإن غلا ... ولا فتك إِلاَّ دون فتك ابن مُلجم
قال: فلما غيَّبه الحسن بن علي، رضى الله عنهما، صعد المنبر، فجعل يريد الكلام، فتخنقه العبرة.
" قال رجل: فرأيته كذلك وأنا في أصل المنبر أنظر إليه، وكنت من أَنزر الناس دمعه، ما أقدر أن أبكي من شيء، فلما رأيت الحسن يريد الكلام، وتحنقه العبرة " صرت بعد من أغزر الناس دمعة، ما أشاء أن أبكي من شيء إلا بكيت.
قال: ثم إن الحسن انطلق، فقال، الحمد لله رب العالمين، وإنا لله وإنا إليه راجعون، نحتسب عند الله مصابنا بأبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنا لن نصاب بمثله أبدا، ونحتسب عند الله مصابنا بخير الآباء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألا إنِّي لا أقول فيه الغداة إلا حقا، لقد أصيبت به البلاد والعباد والشجر والدواب، فرحم الله وجهه، وعذب قاتله.
ثم نزل، فقال: عليَّ بابن مُلجم.
فأتى به.
فإذا رجل واضح الجبين والثَّنايا، له شعر وارد " يعني طويلا " يخطر به حتى وقف، فلم يسلِّم.
فقال: يا عدوّ الله، قتلت أمير المؤمنين، وخير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(1/48)


فقال: يا حسن، دعني من كلامك هذا، هل لك في أَمر أَعرضه عليك، لا بأس لك به إن قبلته.
قال: وما هو؟ قال: أسير إلى معاوية بالشام، عدوّ أبيك فأَروم قتله، فإن قتلته كنت قد قتلت أَعدى الناس لكم، وإن لم أقتله قُتلت فأنا مقتول في كلتا الحالتين.
قال: لا والله يا عدوّ الله حتى أنفذ فيك ما أمرني به أمير المؤمنين.
قال: وما الذي أمرك به أبوك؟ قال: جمعنا، فقال، يا بنيّ، إياكم أن تخوضوا في دماء المسلمين، وأن تقولوا، قُتل أمير المؤمنين، أَلا لا يقتلنَّ فيّ إلا قاتلي، وضربة بضربة، فإياك يا حسن والمثلة، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنها، ولو بالكلب العقور.
قال، يقول عبد الرحمن بن ملجم، والله إن كان أبوك ما علمنا لعدلا في الرضى والغضب إلا ما كان منه يوم صقين، حين حكم في دين الله، أَفشكَّ أبوك، أَي بُنيّ، في دينه؟ فضربه ضربة، تلقاه بخنصره، فقطعها. ثم ضربه أخرى في الموضع الذي ضرب فيه أباه، فقتله.
وحدثونا، أن معاوية رحمه الله عليه فخر يوما والحسن جالس.
فقال معاوية: أنا ابن بطحاء مكة، أنا ابن أَغزرها جودا، وأكرمها جُدودا، أنا ابن من ساد قريشا فضلا، ناشيا وكهلا.
فقال الحسن رضي الله عنه، أَعليَّ تفتخر يا معاوية؟ أنا ابن عروق الثَّرى، أنا ابن مأوى التُّقى، أنا ابن من جاء بالهدى، أنا ابن من ساد الدنيا بالفضل السابق والجود الرائق والحيب الفائق، أنا ابن من طاعته طاعة الله، ومعصيته معصية الله، فهل لك أب كأبي تتباهى به، أو قديم كقديمي تساميني به؟ قل، نعم؛ أو، لا.
قال: بلى أقول، لا، وهي لك تصديق.
فقال الحسن:
الحق أَبلجُ ما يخيل سبيله ... والقُّ ذوو الأَلباب
قال، وحدثونا عن أبي نعيم عن اسماعيل بن ابراهيم بن المهاجر قال: سمعت عبد الملك بن عمير قال، حدثني رجل من ثقيف قال: استعملني عليّ بن أبي طالب، رضي الله عنه على عكبرا، ولم يكن السواد يسكنه المصلون فقال لي بين أيديهم، استوف خراجهم منهم، فلا يجدوا فيك ضعفا ولا رخصة، ثم قال لي، رُح إليّ عند الظهر. فرحنا إليه، فلم أجد عليه حاجبا، يحجبني دونه، ووجدته جالسا وعنده قدح، وكوز ماء.
فدعا بظبيه " يعني جرابا صغيرا " .
فقلت في نفسي لقد أمنني حين يخرج إليّ جوهرا، فإذا عليها خاتم.
فكسر الخاتم، فإذا فيها، سويق.
فصبه في القدح، فشرب نته، وسقاني، فلم أصبر.
فقلت: يا أمير المؤمنين، أتصنع هذا بالعراق؟ طعام العراق أكثر من ذلك.
فقال: إنما أشتري قدر ما يكفيني، وأكره أن يفنى فيضع فيه غيره، فإني لم أختم عليه بُخلا عليه، وإنما حفظي لذلك، وأنا أكره أن أدخل بطني إلا طيبا، وإني قلت لك بين أيديهم الذي قلت لك لأنهم قوم خدع، وأنا آمرك الآن بما تأخذهم به إن أنت فعلت، وإلا أخذك الله به دوني، وإن بلغني عنك خلاف ما آمرك به عزلتك.
لا تبيعنّ لهم رزقا يأكلونه، ولا كسوة شتاء ولا صيف، ولا تضربنّ رجلا منهم سوطا في طلب درهم، فإنا لم نؤمر بذلك، ولا تبيعنّ لهم دابة يعملون عليها؛ إنا أُمرنا أن نأخذ منهم العفو.
قال: إذن أجيئك كما ذهبت.
قال: وإن فعلت.
قال: فذهبت، فتتبعت ما أمرني به، فرجعت، ووالله ما بقى درهم واحد إلا وفّيته.
وصية معاوية رحمه الله عليه قالوا: وأخبروني أن معاوية لما حضرته الوفاة قال لابنه يزيد: " إني كفيتك الحلِّ والتِّرحال، أو قال الرَّحل والترحال، ووطأت لك الأشياء، وذللت لك الأعزاء، وأخضعت لك أعناق العرب، وجمعت لك ما جمع واحد، فانظر أهل الحجاز، فإنهم أصلك، فأكرم من قدم عليك منهم، وتعهد من غاب عنك منهم، وانظر أهل العراق، فإن سألوك أن تعزل عنهم في كل يوم عاملا فافعل، فإن عزل عامل أحبُّ إليك من أن يشهر عليك مائة ألف سيف؛ وانظر أهل الشام فليكونوا بطانتك وعيبتك، وإذا أصبت بهم عدوّك فارددهم إلى بلادهم، فإنهم إن أقاموا بغير بلادهم أخذوا بغير أخلاقهم.

(1/49)


وإني لست أخاف عليك من قريش إلا الحسين بن عليّ، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، رضي الله عنهم؛ فأما الحسين، فإن له رحما وحقا عظيما، فإن قدرت عليه فاصفح عنه، فإني لو أُتي به عفوت عنه؛ وأما ابن عمر، فيُقيدُّه إيمانه؛ وأما ابن الزبير فخب، ضب، يجثم لك جثوم الأسد، ويروغ روغان الثعلب، فإن أمكنته الفرصة وثب، فإن فعل فقدرت عليه أن تقطّعه إِربا فافعل " .
قال، وحدثونا عن ابن عياش المنتوف قال، لما حضر معاوية الموت، ويزيد ابنه غائب بيت المقدس، وقال آخرون، بل في الصيد، دعا معاوية مسلم ابن عقبة المرّيّ، والضَّحَّاك بن قيس الفهريّ، فقال: " أبلغا يزيد عنّي قولا، قولا له، انظر أهل العراق فإن سألوا عزل عامل في كل يوم فاعزل عنهم، فإن عزل عامل أهون من أن يشهر عليك مائة ألف سيف، ثم لا تدري على ما أنت منهم، وانظر أهل الشام فاجعلهم الشعار والدِّثار، فإن رابك من عدوّك ريب فارمهم بهم، فإن أظفرك الله بهم فاردد أهل الشام إلى بلادهم، ولا يقيموا في بلاد غيرهم، فيتأدّبوا بغير أدبهم.
إني لست أخاف عليك غير عبد الله بن عمر، وحسين بن عليّ، وعبد الله بن الزبير، فأما عبد الله بن عمر فرجل قد وقذه الورع، ولا والله، لا تؤتى من قبله، وأما حسين بن عليّ فأرجوا أن يكفيكه الله بمن قتل أباه وخذل أخاه، وأما ابن الزبير فإنه خب ضبّ، فإذا طلع فأثبت له، فقلّما مارست رجلا مثله، فوالله لو قذفته في بئر مملوء زفتا لخرج منه متملِّسا " قال، فمات معاوية.
فقام الحاك بن قيس خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: " إن معاوية كان حدّ العرب، وفخر العرب، وهذه أكفانه، نحن مُدرجوه فيها، ومخّلون بينه وبين ربّه، فمن أراد حضوره فليحضر بعد الظهر " .
فصلّى عليه الضحاك بن قيس.
وقال ابن خريم الأَسدي:
أَتى الحدثان نسوة آل حرب ... بمقدار صمدن له صمودا
فردَّ شعورهنَّ السُّود بيضا ... وردَّ وجوههنَّ البيض سودا
وقال ابن الكلبي عن أبى عبد الرحمن المدني قال، لما حضر معاوية الموت جعل يقول:
إِن تناقش يكُن نقاشك يا ربِّ ... عذابا لا طوق لي بالعذاب
أَو تجاوز فأَنت ربٌ رحيم ... عن مُسيْ، ذوبه كالتُّراب
وأما ابن داب فقال، لما ثقل معاوية بعث إلى يزيد ابنه، وهو في بعض ضياعه، فأتاه غلام له، يقال له " عجلان " فأخبر بثقله، فأقبل، وقال في ذلك شعرا:
جاءَ البريد بقرطاس يخبُّ به ... فأَوجس القلب من قرطاسة جزعا
قالوا، لك الويل، ما في كتابكم ... قالوا، الخليفة أَمسى مدنفا وجعا
فمادت الأرض أَو كادت تميد بنا ... كأَنَّ أَغبر من أَركانها انصدعا
من لا تزل نفسه توفى على شرف ... توشك مقادير تلك النَّفس أَن تقعا
لمَّا انتهينا وباب الدار منصفق ... لصوت رملة ريع القلب فانصدعا
فلما دخل على معاوية خلا به، وأخرج عنه أهل بيته.
فقال: يا بنيَّ، قد جاء أمر الله، وهذا أوان هلاكي، فما أنت صانع بهذه الأمة من بعدي؟ فمن أجلك آثرت الدنيا على الآخرة، وحملت الوزر على ظهري لتعلو بني أبيك.
قال يزيد: آخذهم بكتاب الله وسنّة نبيّه صلى الله عليه وسلم، آخذهم به، وأقتلهم عليه.
فقال: أو لا تسير بسيرة أبي بكر الذي قاتل أهل الردّة، ومضى والأمة عنه راضون؟ قال: لا، إلا بكتاب الله وسنّة نبيّه، آخذهم به، وأقتلهم عليه.
قال: أولا تسير بسيرة عمر الذي مصّر الأمصار، وجنّد الأجناد، وفرض العطيّة، وجبي الفيء، وقاتل العدوّ، ومضى والأمة عنه راضون.
قال: لا، إلا بكتاب الله وسنة رسوله، آخذهم به، وأقتلهم عليه.
قال: أولا تأخذ بسيرة عثمان عمك الذي أكل في حياته، وورّث في مماته، واستعمل أقاربه؟ قال: لا، إلا بكتاب الله وسنة نبيه، آخذهم به وأقتلهم عليه.
قال: أولا تسير بسيرة أبيك الذي أكل في حياته وورث بعد وفاته، واحتمل الوزر على ظهره؟ قال: لا إلا بكتاب الله وسنّة نبيه، آخذهم به وأقتلهم عليه.
قال: يا يزيد، انقطع منك الرجاء، أظنك ستخالف هؤلاء، جميعا، فتقتل خيار قومك، وتغزو حرم ربك بأوباش الناس، فتطعمهم لحومهم بغير الحق فتدركك مرّته فجأة، فلا دنيا أصبت ولا آخرة أدركت.

(1/50)


يا يزيد، إذا لم تصب الرشد وتطلع ذا الحق فإني قد أوطأت لك المنابر، وأذللت لك أهل العز، وأخضعت لك رقاب العرب، وكفيتك الرحلة والترحال، وجمعت لك ما لم يجمع واحد، وإني لست أخاف أن ينازعك في هذا الأمر إلا ثلاثة نفر، الحسين بن علي، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير.
فأما ابن عمر فرجل وقذته العبادة، وتخّلى من الدنيا وشغل نفسه بالقرآن، ولا أظنه يقاتل إلا أن يأتيه الأمر عفوا، وأما الذي يجثم جثوم الأسد، ويروغ روغان الثعلب، وإن أمكنته فرصة وثب فابن الزبير، فإن هو فعل فاستمكنت منه فقطِّعه إربا إربا إلا أن يلتمس منك صلحا، فإن فعل فاقبل منه، واحقن دماء قومك تقبل قلوبهم إليك، وأما الحسين بن علي فإن له رحما وحقا وولادة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أظن أهل العراق تاركيه حتى يخرجوه عليك، فإن قدرت عليه فاصفح عنه، فإني لو كنت صاحبه لعفوت عنه.
وحدثونا، أنه كان عند معاوية خمسة رهط حين حضرته الوفاة، الضحاك ابن قيس الفهريّ، ومسلم بن عقبة المرّي، وثور بن معن السلميّ، وزياد بن عمرو ابن معاوية العقيلي، والنعمان بن بشير الأنصاري، فقال: " بلّغوا يزيد عني السلام، وقولوا له، انظر أهل الحجاز فإنهم قومك وعشرتك، فأكرم من قدم عليك منهم، وصل من غاب، وانظر أهل الشام فإنهم جندك، فأكرمهم، وإذا هاجك هيج فارمه بهم، فإن فتح عليك فارددهم إلى بلادهم، فإنهم إن يسكنوا بغير بلادهم أخذوا بغير أخلاقهم.
وزعموا أنه كان يحوَّل في مرضه الذي مات فيه، وهو يقول: إنكم لتحوّلون جسدا حولا قلَّبا إن ينج من النار غدا فهو الرجل كل الرجل، وله يوم من ابن الأدبر طويل " يعني حجرا وأصحابه " .
ثم أنشد:
لقد جمعت لكم من جمع ذي حسب ... وقد كفيتكم الترِّحال والنَّصبا
وابن الأدبر حجر بن يويد الكندي.
فلما مات معاوية، فدفن، دخل زياد بن عمرو العقيلي على يزيد، فقال: - يا أمير المؤمنين، مضى ابن أبي سفيان فردا لشأنه، وخلِّفت، فانظر بعده كيف تصنع، أقمنا على المنهاج، واركب محجّة السداد، فأنت المرتجي والمفزع.
فقال يزيد: لا حول ولا قوة إلا بالله، إيّاه أستعين، وعليه توكلت، ونعم الوكيل.
وصية الربيع بن خُثيم: وحدثونا عن إسرائيل قال، أوصى الربيع بن خُثيم، وأشهد الله عليه، وكفى بالله شهيدا وجازيا لعباده الصالحين ومشيبا، أني رضيت بالله ربّا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيّا، وبالقرآن إماما، وأني أرضى لنفسي ولمن أطاعني أن يعبد الله في العابدين، ويحمد الله في الحامدين وينصح لجماعة المسلمين.
وقال هرم بن حيان لما حضرته الوفاة، وقيل له، أوصِ.
فقال: لا أدري ما أوضي، ولكن بيعوا درعي، فاقضوا ديني، فإن لم يف فبيعوا فرسي، فإن لم يتمّ فبيعوا غلامي، وأوصيكم بخواتيم سورة النحل، ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، إلى... لهو خير الصابرين.
فقال قتادة: أوصي والله بجماع الأمر، ومن أوصى بما أوصى الله به فقد أبلغ.
وصية عبد الملك بن مروان قالوا: لما حضر عبد الملك بن مروان الوفاة دعا بنيه، فأوصاهم، فقال: " يا بني، أوصيكم بتقوى الله، فإنها أحصن كهف، وأزين حلية، ليعطف الكبير منكم على الصغير، وليعرف الصغير منكم حقّ الكبير، وإياكم والاختلاف والفرقة، فإن بها هلك الأولون قبلكم، وذلّ ذوو العدد والكثرة، انظروا مسلمة فاصدروا عن رأيه، فإنه جنتَّكم الذي به تستجنون، ونائبكم الذي عنه تفترُّون، أكرموا الحجّاج فإنه وطَّأ لكم المنابر، وكونوا عند القتال أحرارا، وعند المعروف منارا، وكونوا بني أمّ بررة، إحلولوا في مرارة، ولنوا في شدّة " .
قال: ثم رفه رأسه إلى الوليد، فقال: يا وليد، لا أعرفّنك إذا وضعتني في حفرتي تمسح عينيك وتعصرهما فعل الأمة، ولكن إذا وضعتني في حفرتي فشمِّر واتَّزر، والبس جلد النَّمر، ثم اصعد المنبر، فادع الناس إلى البيعة، فمن قال كذا، فقل كذا.
وأومأ إليه، من قال: لا، فاقتله.
ثم بعث إلى خالد وعبد الله ابني يزيد بن معاوية فقال: - أتعلان لم بعثت إليكما؟ - قالا: نعم، يا أمير المؤمنين، لترينا عافية الله إياك.
- قال: لا ولكن لأسلكما، هل في أنفسكما من بيعة الوليد شيء، فأقيلكما.
- قالا: معاذ الله يا أمير المؤمنين.
- قال: والله. لو قلتما غير ذلك لضربت أعناقكما.
فقاما، فخرجا.

(1/51)


فقال لبنيه، احفظوا هذه الأبيات عني:
اِنفوا الضَّغائن عنكم وعليكم ... عند المغيب وفي حضور المشهد
بصلاح ذات البين طول بقائكم ... إن مدَّ في عمري وإن لم يمدد
ولمثل ريب الدَّهر ألِّف بينكم ... بتراحم، وتواصل، وتودُّد
حتى تلين قلوبكم وجلودكم ... لمسزَّد منكم وغير مسوَّد
إنَّ القداح إذا جمعن فرامها ... بالكسر ذو حنق وبطش أيِّد
عزَّت فلم تكسر وإن هي بدِّدت ... فالوهن والتَّكسير للمتندِّد
فلما توفى عبد الملك سجَّاه الوليد بثوبه، ثم سعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: " لم أر مثلها مصيبة، فقد الخليفة ونيل الخلافة، فإنّا لله وإنا إليه راجعون على أعظم المصيبة، والحمد لله رب العالمين على أعظم النعمة " .
ثم دعا الناس إلى البيعة، فبايعوه، ولم يختلف عليه أحد.
وصية الحجاج بن يوسف وحدثونا عن أبي عبد الرحمن التميمي عن سيف عن شيخ ثقيف قال في وصية الحجاج: هذا ما أوصى به الحجاج بن يوسف: " أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأنه يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، ولا نفرق بين أحد من رسله، وقالوا سمعنا وأطعنا، غفرانك ربّنا، وإليك المصير، لا نفرِّق بين أحد من خلفاء الله، ولا نتّهم الله في قضائه فيهم، هم لي أولياء، وأنا لهم وليٌّ في الدنيا والآخرة، من اتّهم الله على قضائه فيهم أو نكث عهده أو عصاه، أو خلع عطاء الله الذي ولاّهم فأنا لذلك عدوّ في الدنيا والآخرة، على هذا أحيا، وعليه أموت، وعليه أبعث، وبه أخاصم، وإن صلاة الحجاج ونسكه ومحياه ومماته لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت، وأنا أوّل المسلمين " .
وصيّة رجل من أهل الشام قال أبو حاتم، وحدثونا عن أبي يعقوب عن ابن عمير - يعني عبد الملك - أن رجلا من أهل الشام أوصى ابنه عند موته، وذكر أنه بلغه أن معاذ بن جبل قال: " يا بنيّ، أظهروا اليأس مما عند الناس فإنه غني، وإياكم وطلب الحاجات فإنه فقر حاضر، وإياكم وما يعتذر منه من القول والفعل، وإذا صلّيت يا بنيّ فاسبغ الوضوء، وصلِّ صلاة مودّع يرى أنه لن يئُوب إلى أهله، فإن استطعت أن تكون اليوم خيرا منك أمس، وغدا خيرا منك اليوم فافعل " .
وصية أبي عبيدة بن الجراح قال أبو حاتم، وحدثونا عن لوط بن يحيى عن عبد الملك بن نوفل بن مساحق عن سعيد بن أبي سعيد قال، لما طعن أبو عبيدة بالأردن - وبها قبره - دعا من حضره من المسلمين، فقال: " إني أوصيكم بوصية إن قبلتموها لن تزالوا بخير وبعدها تهلكوا، أقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وصوموا شهر رمضان، وحجُّوا، واعتمروا، وتواصلوا، وانصحوا لأمرائكم، ولا تبغضوهم، ولا تلهكم الدنيا، فإن امرؤا لو عمرِّ ألف حول ما كان له بدّ من أن يصير إلى مثل مصرعي هذا الذي ترون، إن الله قد كتب الموت على بني آدم، فهم ميِّتون وأكيسهم أطوعهم لربّه، وأعلمهم ليوم معاده، والسلام عليكم " .
يا معاذ بن جبل، صلِّ بالناس.
فمات أبو عبيدة، فقام معاذ في الناس، فقال: يا أيها الناس، توبوا إلى ربكم من ذنوبكم توبة نصوحا، فإن عبدا يلقى الله تائبا من ذنبه إلا كان حقا على الله أن يغفر له، ومن كان عليه دين فليقضه، فإن العبد مرتهن بدينه، ومن أصبح منكم مهاجرا أخاه فليصافحه، فإنه لا ينبغي للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، والذَّنب في ذلك عظيم.
أيها الناس، قد فجعتم برجل ما أرى أني رأيت عبدا من عباد الله قطّ أبرأ صدرا منه، ولا أبعد منه غائلة، ولا أشد حبّا للعافية، ولا أنصح للعامة منه، فترحّموا عليه، رحمة الله، واحضروا الصلاة عليه، رحمة الله عليه.
وصية معاذ بن جبل قال أبو حاتم، وحدثونا عن لوط بن يحيى قال، حدثني الصَّقعب بن زهير عن شهر بن حوشب قال: أتى آت معاذ بن جبل عند موته، فقال، أوصني بما ينفعني قبل أن تفارقني ولا أراك ولا تراني، ثم لعلّي أحتاج إلى سؤال بعدك فلا أجد فيهم مثلك.

(1/52)


فقال له معاذ: بل صلحاء الناس كثير بحمد الله، ولن يضيِّع الله أهل هذا الدِّين، خذ عنِّي ما آمرك به، وأوصيك به، " كن من الصامتين بالنهار، والمستغفرين بالأسحار، والذاكرين الله على كل حال، ولا تشرب الخمر، ولا تعقَّنَّ والديك، ولا تأكل مال اليتيم، ولا تفرَّ من الزحف، ولا تدع الصلاة المكتوبة، وصل رحمك، وانصح لجماعة المسلمين، وكن بالمؤمنين رءوفا رحيما، وأنا لك بالجنة زعيم " .
ومات رحمة الله عليه، وصلّى عليه عمرو بن العاص.
وصية عمر بن عبد العزيز قال أبو حاتم، حدثونا عن وصيّة عمر بن عبد العزيز قال، لما خضرت الوفاة عمر قبل له: اكتب يا أمير المؤمنين إلى يزيد بن عبد الملك فأوصيه بالأمر.
قال، وبما أوصيه؟ إني لأعلم أنه من بني مروان.
ثم أمر بالكتاب إليه: " أما بعد، فاتّق يا يزيد الصُّرعة على الغفلة، فلا تقال العثرة، ولا تقدر على الرجعة، وتترك ما تتركه لمن لا يحمدك، وترجع إلى من لا يعذرك " .
قالوا: ودخل مسلمة بن عبد الملك على عمر في مرضه الذي قبض فيه، فقال: " إنك قد أفغرت ولدك من هذا المال، وتركتهم عالة لا مال لهم، وأنهم لا بدّ لهم مما يصلحهم فاوص بهم إليّ وإلى نظرائي من أهل بيتك نكفك مئونتهم " .
فقال عمر: أجلسوني.
فأُجلس.
فقال: يا مسلم بن عبد الملك، أما ما ذكرت أني قد أفغرت أفواه ولدي من هذا المال فتركتهم عالة لا مال لهم، فلم أمنعهم حقَّا هو لهم، ولست معطيهم حقّ غيرهم؛ وأما ما سألت من الوصاة بهم إليك وإلى نظرائك من أهل بيتي فإن وصيِّي فيهم ووليِّي الله الذي نزل الكتاب، وهو يتولّى الصالحين.
يا مسلمة بن عبد املك، إنما بنو عمر أحد رجلين، إما رجل اتّقى الله فسيرزقه حتى يقبضه إليه، وإما رجل غدر وفجر فوالله لا يكون عمر أول من قوّاه على معصية الله، أدع لي بنيَّ.
فدعوهم، وهم يومئذ اثنا عشر رجلا.
فجعل يصعِّد بصره فيهم، ويصوّبه حتى اغرورقت عيناه، ثم قال: " هذا يزعم أني تركتكم عالة لا مال لكم، بل تركتكم من الله بخير، إنكم لا تمرّون بامرئ مسلم ولا معاهد إلاّ ولكم عليه حق واجب، يا بنيّ، إني ميَّلت رأيي في الدنيا بين أن تفتقروا في الدنيا وبين أن أدخل الجنة، أو تستغنوا في الدنيا وبين أن أدخل النار، فكان أن تفتقروا في الدنيا إلى آخر يوم من الدنيا أحبَّ إلىّ من دخول النار طرفة عين، قوموا عصمكم الله، ورزقكم.
ومسلمة يسمع.
حدثنا أبو حاتم قال، وحدثونا عن أبي بكر بن الضحّاك بن قيس الفهريّ قال: شهدنا مع سليمان بن عبد الملك جنازة رجل من قريش، فجلست قريبا منه، فأخذ حفنة من تراب، فقبض عليها، ثم أرسل أصابعه، وبسط كفّه والتراب فيها، ثم قال: " إن هذا المدفن طّيب " .
قال: فوالله الذي لا إله غيره ما أتت له جمعة حتى دفنَّاه إلى جنب القرشيّ، ليس بينهما أحد.
وصية سليمان بن عبد الملك.
حدثنا أبو حاتم قال: وحدثونا عن ابن عيّاش قال، أخبرني حصن، قال: كان سليمان غزا معنا الصائفة، فما رأينا رجلا كان أورع، ولا أحسن صلاة، ولا أكثر صدقة منه، قال، فوالله، إني لقائم على رأس سليمان أذبّ عنه بمنديل، إذ تشمَّم فوجد رائحة.
فقال: ائتوني من هذا الخبز.
فأتوه بثلاثة أرغفة عظام من خبز الفرنيّ، فقال: - يا غلام، انطلق إلى المطبخ، فانظر، هل تصيب لي مخَّا.
فانطلق، فنكت عظما مما طبخ، ثم أقبل به في شيٍّ.
فلما رآه قال: ويلك، ما هذا؟.
فانصرف الغلام، فما ترك في المطبخ عظما إلا نكته، ثم أتى به في صحفة.
قال: فوالله إن وضعه على " يعني:خوان " وما وضعه إلا على الأرض، فأكل تلك الأرغفة الحارة بذلك المخّ، ثم وثب، فدخل على أم سلمة بنت عمر ابن سهل، فما نزل عن بطنها إلا وهو مغشيّ عليه.
فأقام يوما وليلة ثم أفاق، فقال: هو الموت، عليّ برجاء بن حيوة الكنديّ.
وكان من أخصّ الناس به، فأتاه.
فقال: يا هذا، قد ترى ما نزل بي من الأمر، فما رأيك؟.
قال: بل يرفع الله صرعتك يا أمير المؤمنين، ويعلي كعبك.
قال: أيها الرجل، هو والله الموت.
قال رجاء: ذلك ما كتب الله على الأنبياء قبلك، وإن نقض فإلى روح الله ورحمته إن شاء الله.
فقال: ما شاء الله كان، ويفعل الله ما يشاء، من ترى لهذا الأمر يا رجاء؟ قال: ابنك داود.
قال: كيف؟ وهو ابن أمّ ولد، وأهل بيتي لا يرون ذلك.

(1/53)


قال رجاء: فقلت عبيد الله بن مروان، رجل من أهل بيتك.
قال: والله، ما يستنضج الكراع.
قلت: فأخوك سعيد بن عبد الملك.
قال: إن كانت أمُّه لغالبة على رأيه.
فذاكرته عمر بن عبد العزيز.
قال: أعمر؟ قلت: نعم.
قال: وكيف أصنع بوصية عبد الملك؟ فإنه أخذ عليّ وعلى الوليد أنّ أيَّنا بقي بعد صاحبه أن يعقد لابني عاتكة - يعني يزيد ومروان - .
قلت: يا أمير المؤمنين، بنو أخيك بالباب.
قال: أدخلهم، لا قرَّبهم الله.
قال: فدخل أربعة عشر من ولد الوليد، فسلموا عليه.
فلما نظر إليهم قال: ألكم حاجة؟ قالوا: يسلمك الله يا أمير المؤمنين.
قال: إذا شئتم.
فلما ولُّوا قال:
إنَّ بنيَّ صبية صيفيون ... أفلح من كان له ربعيُّون
إنَّ بنيَّ صبية صغار ... أفلح من كان له كبار
قال رجاء: قلت يا أمير المؤمنين، قد أفلح من تزكَّى، وذكر اسم الله فصلَّى.
قال: نعم، أستغفر الله.
قال رجاء: يا أمير المؤمنين، فاعهد عهدا، وأشهد عليه.
ففعل.
فلم يلبث بعد ذلك إلا سبعة أيام حتى هلك.
قال: فخرج رجاء بالكتاب، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: " هذا عهد أمير المؤمنين " .
فقال يحيى بن سعيد بن العاص: وما فيه؟: فنظر إليه رجاء نظرة تكاد تقتلعه من الأرض، وقال: وما أنت والكلام؟ ثم تأوّل هذه الآية " وإن تعدُّوا نعمة الله لا تحصوها " ؛ أي في عمرو بن سعيد وما كان منه.
فقال رجل ليحيى بن سعيد: مالك والكلام، والسيف يقطر دما؟.
قال: أردت أن استقري ما عند القوم.
قال هشام: لا الآن، فيه رجل من ولد عبد الملك.
فقال له رجاء: يا أحول، ما أنت والكلام؟ قال: ففضّ الكتاب بعد موت سليمان، فإنه فيه عمر بن عبد العزيز، ويزيد ابن عبد الملك من بعده.
فسلّم ولده ورضوا.
قال ابن عياش، وأخبرنا... الطلت مولى لبني أمية قال: ثم أقبل رجاء إلى عمر بن عبد العزيز، وهو في المقصورة، فأخذ بيده، فجعل يتلكَّأ.
فقال له رجاء: إن الذي تصنع شرٌّ.
فقال عمر: إن هذا الأمر ما سألته الله في صلاة ولا سرّ ولا علانية.
فلما انصرف من الجنازة، وصلى على سليمان قلت، لأنظرن ما يصنع.
وكتب في الآفاق بردّ المظالم، وعزل أهل بيته عن الأعمال، وأظهر عزلهم، ورد مظالمهم، وكان مقامه بدابق شهرين، ثم انصرف إلى منزله بدير سمعان، فلم يزل بها إلى أن توفى، رحمة الله عليه.

(1/54)