صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
المؤلف : ابن الأثير الكاتب
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وليس المراد ههنا من الاعتراض إلا ما يفرق به بين الجيد والرديء لا ما يعلم به الجائز وغير الجائز، لأن كتابي هذا موضوع لذكر ما يتضمنه الكلام على اختلاف أنواعه من وصفي الفصاحة والبلاغة، فالذي أذكره في باب الاعتراض إنما هو ما اشتمل على شيء من هذين الوصفين المشار إليهما.
واعلم أن الاعتراض ينقسم قسمين: أحدهما: لا يأتي في الكلام إلا لفائدة وهو جار مجرى التوكيد، والآخر: أن يأتي في الكلام لغير فائدة، فإما أن يكون دخوله فيه كخروجه منه، وإما أن يؤثر في تأليفه نقصا وفي معناه فسادا.
فالقسم الأول وهو الذي يأتي الكلام لفائدة كقوله تعالى: " فلا أقسم بمواقع النجوم. وإنه لقسم لو تعلمون عظيم. إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون " ففي هذا الكلام اعتراضان: أحدهما قوله: " وإنه لقسم لو تعلمون عظيم " وذلك اعتراض بين القسم الذي هو " فلا أقسم بمواقع النجوم " وبين جوابه الذي هو " إنه لقرآن كريم " وفي نفس هذا الاعتراض اعتراض آخر بين الموصوف الذي هو " قسم " وبين صفته التي هي " عظيم " وهو قوله " لو تعلمون " فذانك اعتراضان كما ترى، وفائدة هذا الاعتراض بين القسم وجوابه إنما هي تعظيم لشأن المقسم به في نفس السامع، ألا ترى إلى قوله : " لو تعلمون " اعتراضا بين الموصوف والصفة وذلك الأمر بحيث لو علم وفي حقة من التعظيم، وهذا مثل قولنا: إن هذا الأمر لعظيم بحيث لو تعلم يا فلان عظمه لقدرته حق قدره، فإن ذلك يكبر في نفس المخاطب ويظل متطلعا إلى معرفة عظمه.
وكذلك ورد قوله تعالى: " ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون " وتقديره: ويجعلون لله البنات ولهم ما يشتهون، فاعترض بين المفعولين بسبحانه، وهو مصدر يدل على التنزيه، فكأنه قال:ويجعلون لله البنات وهو منزه عن ذلك، ولهم ما يشتهون، وفائدة هذا الاعتراض ههنا ظاهرة.
وكذلك ورد قوله تعالى في سورة يوسف عليه السلام: " قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم قالوا تالله لقد علمتم ماجئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين " فقوله " لقد علمتم " اعتراض بين القسم وجوابه، وفائدته تقرير إثبات البراءة من الفساد والنزاهة من تهمة السرقة، أي إنكم قد علمتم هذا منا، ونحن مع علمكم به نقسم بالله على صدقه.
وقد ورد الاعتراض في القرآن كثيرا، وذلك في كل موضع يتعلق بنوع من خصوصية المبالغة في المعنى المقصود.
ومن هذا القسم قوله تعالى: " وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون " فهذا الاعتراض بين إذا وجوابها، لأن تقدير الكلام وإذا بدلنا آية مكان آية قالوا إنما أنت مفتر، فاعترض بينهما بقوله تعالى : " والله أعلم بما ينزل " وهو مبتدأ وخبر، وفائدته إعلام القائلين إنه مفتر أن ذلك من الله وليس منه، وأنه أعلم بذلك منهم.
ومن هذا الباب قوله تعالى: " ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن أشكر لي ولوالديك " ألا ترى إلى هذا الاعتراض الذي قد طبق مفصل البلاغة، وفائدته أنه لما وصى بالوالدين ذكر ما تكابده الأم من المشاق في حمل الولد وفصاله، إيجابا للتوصية بها، وتذكيرا بحقها، وإنما خصها بالذكر دون الأب لأنها تتكلف من أمر الولد ما لا يتكلفه ومن ثم قال النبي ( لمن قال له:من أبر؟ فقال: " أمك ثم أمك ثم أمك ثم أباك " .
ومما جاء على هذا الأسلوب قوله عزوجل : " وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون. فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون " فقوله : " والله مخرج ما كنتم تكتمون " اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه، وفائدته أن يقرر في نفوس المخاطبين وقلوب السامعين أن تدارؤ بني إسرائيل في قتل النفس لم يكن نافعا لهم في إخفائه وكتمانه، لأن الله تعالى مظهر لذلك، ولو جاء الكلام غير معترض فيه لكان: وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها فقلنا اضربوه ببعضها، ولا يخفى على البليغ الفرق بين ذلك وبين كونه معترضا فيه.
ومما ورد من ذلك شعرا قول امرئ القيس:
ولو أن ما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم أطلب قليل من المال
ولكنما أسعى لمجد موثل ... وقد يدرك المجد الموثل أمثالي

(1/219)


تقديره: كفاني قليل من المال، فاعترض بين الفعل والفاعل بقوله: " ولم أطلب " وفائدته تحقير المعيشة وأنها تحصل بغير طلب ولا عناء، وإنما الذي يحتاج إلى الطلب هو المجد الموثل.
وكذلك قول جرير:
ولقد أراني والجديد إلى بلى ... في موكب طرف الحديث كرام
تقديره: ولقد أراني في موكب طرف الحديث، فاعترض بين المفعولين، وإنما جاء بهذا الاعتراض تعزيا عما مضى من تلك اللذة وذلك النعيم الذي فاز به من عشرة أولئك الأحباب، ولقد أعهدني في كذا وكذا من اللذة، وذلك قد مضى وسلف وبلي جديده، وكذلك كل جديد فإنه إلى بلى.
والاعتراض إذا كان هكذا كسا الكلام لطفاً إن كان غزلا، وكساه أبهة وجلالا إن كان مديحا أو ما يجري مجراه من أساليب الكلام، وإن كان هجاء كساه تأكيدا وإثباتا، كقول كثير:
لو أن الباخلين وأنت منهم ... رأوك تعلموا منك المطالا
فقوله " وأنت منهم " من محمود الاعتراض ونادره، وفائدته ههنا التصريح بما هو المراد، وتقدير هذا الكلام قبل الاعتراض: لو أن الباخلين رأوك، فاعترض بين اسم إن وهو الباخلين وبين خبرها وهو رأوك بالمبتدأ والخبر الذي هو " وأنت منهم " .
ومن محاسن ما جاء في هذا الباب قول المضرب السعدي:
فلو سألت سراة الحي سلمى ... على أن قد تلون بي زماني
لخبرها ذوو أحساب قومي ... وأعدائي فكل قد بلاني
وهذا اعتراض بين " لو " وجوابها، وهو من فائق الاعتراض ونادره، وتقديره: فلو سألت سراة الحي سلمى لخبرها ذوو أحساب قومي وأعدائي، وفائدة قوله: " على أن قد تلون بي زماني " أي: أنهم يخبرون عني على تلون الزمان بي، يريد تنقل حالاته من خير وشر، وليس من عجمه الزمان وأبان عن جوهره كغيره ممن لم يعجمه ولا أبان عنه.
ومن ذلك قول أبي تمام:
وإن الغنى لي لحظت مطالبي ... من الشعر إلا في مديحك أطوع
وهذا البيت في اعتراضان: الأول بين اسم " إن " وخبرها، تقديره: وإن الغنى أطوع لي من الشعر، فاعترض بين الاسم والخبر بقوله : " إن لحظت مطالبي " وأما الاعتراض الثاني: " إلا في مديحك " فجاء بالجملة الاستثنائية مقدمة، وموضعها التأخير، فاعترض بها بين الجملة التي هي خبر إن، وتقدير البيت بجملته: وأن الغنى أطوع لي من الشعر إن لحظت مطالبي إلا في مديحك، وفائدة قوله: " إلا في مديحك " من الاعتراض الذي اكتسب به الكلام رقة فائدة حسنة، والمراد به وصف جود الممدوح بالإسراع، ووصف خاطر شعره بالإسراع إذا كان في مدحه خاصة دون غيره، فهذا الاعتراض يتضمن مدح الممدوح والمادح معا، وهو من محاسن ما يجيء في هذا الموضع.
وكذلك ورد قوله:
رددت رونق وجهي في صحيفته ... رد الصقال بهاء الصارم الخذم
وما أبالي وخير القول أصدقه ... حقنت لي ماء وجهي أم حقنت دمي
فقوله " وخير القول أصدقه " اعتراض بين المفعول والفعل، لأن موضع حقنت نصب، إذ هو مفعول أبالي، وفائدته إثبات ما ماثل به بين ماء الوجه والدم: أي أن هذا القول صدق ليس بكذب.
وأما القسم الثاني وهو والذي يأتي في الكلام لغير فائدة فهو ضربان: الضرب الأول: يكون دخوله في الكلام كخروجه منه لا يكتسب به حسنا ولا قبحا، فمن ذلك قول النابغة:
يقول رجال يجهلون خليقتي ... لعل زيادا لا أبا لك غافل
فقوله " لا أبا لك " من الاعتراض الذي لا فائدة فيه، وليس مؤثرا في هذا البيت حسنا ولا قبحا.
ومثله جاء قول زهير:
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ... ثمانين حولا لا أبا لك يسأم
وقد وردت هذه اللفظة وهي " لا أبا لك " في موضع آخر فكان للاعتراض بها فائدة حسنة كقول أبي تمام:
عتابك عني لا أبا لك واقصدي
فإنه لما كره عتابها اعترض بين الأمر والمعطوف عليه بهذه اللفظة على طريق الذم.
الضرب الثاني: وهو الذي يؤثر في الكلام نقصا، وفي المعنى فسادا وقد تقدم ذكر أمثاله وأنظاره في باب التقديم والتأخير، وإنما جيء بذكره ههنا مكررا لإتمام التقسيم الاعتراضي فيما أفاد وفيما لا يفيد، وقد ذكرت من ذلك مثالا واحدا أو مثالين، فمما ورد منه قول بعضهم:
فقد والشك بين لي عناء ... بوشك فراقهم صرد يصيح

(1/220)


فإن هذا البيت من رديء الاعتراض ما أذكره لك، وهو الفصل بين قد والفعل الذي هو بين، وذلك قبيح، لقوة اتصال قد بما تدخل عليه من الأفعال ألا تراها تعد مع الفعل كالجزء منه، ولذلك أدخلت عليها اللام المراد بها توكيد الفعل، كقوله تعالى: " لقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك " وقوله تعالى: " ولقد علموا لمن اشتراه " وقول الشاعر:
ولقد أجمع رجلي بها ... حذر الموت وإني لفرور
إلا أن فصل بين قد والفعل بالقسم فإن ذلك لا بأس به، نحو قوله:قد والله كان ذاك وقد فصل هذا البيت أيضاً بين المبتدأ الذي هو الشك وبين الخبر الذي هو عناء بقوله بين لي، وفصل بين الفعل الذي هو بين وبين فاعله الذي هو صرد بخبر المبتدأ الذي هو عناء، فجاء معنى البيت كما تراه كأنه صورة مشوهة قد نقلت أعضاؤها بعضها إلى مكان بعض.
ومن هذا الضرب قول الآخر:
نظرت وشخصي مطلع الشمس ظله ... إلى الغرب حتى ظله الشمس قد عقل
أراد نظرت مطلع الشمس وشخصي ظله إلى الغرب حتى عقل الشمس:أي حاذاها، وعلى هذا التقدير فقد فصل بمطلع الشمس بين المبتدأ الذي هو شخصي وبين خبره الجملة، وهو قوله ظله إلى الغرب، وأغلظ من ذلك أنه فصل بين الفعل وفاعله بالأجنبي، وهذا وأمثاله مما يفسد المعاني ويورثها اختلالا.
واعلم أن الناثر في استعمال ذلك أكثر ملامة من الناظم، وذاك أن الناظم مضطر إلى إقامة ميزان الشعر، وربما كان مجال الكلام عليه ضيقا، فيلقيه طلب الوزن في مثل هذه الورطات، وأما الناثر فلا يضطر إلى إقامة الميزان الشعري، بل يكون مجال الكلام عليه واسعا، ولهذا إذا اعترض في كلامه اعتراضا يفسده توجه عليه الإنكار، وحق عليه الذم.
النوع التاسع عشر
في الكناية والتعريض
وهذا النوع مقصور على الميل مع المعنى وترك اللفظ جانبا.
وقد تكلم علماء البيان فيه، فوجدتهم قد خلطوا الكناية بالتعريص، ولم يفرقوا بينهما، ولا حدوا كلا منهما بفصله عن صاحبه، بل أوردوا لهما أمثلة من النظم والنثر، وأدخلوا أحدهما في الآخر فذكروا للكناية أمثلة من التعريض، وللتعريض أمثلة من الكناية، فممن فعل ذلك الغانمي وابن سنان الخفاجي والعسكري، فأما ابن سنان فإنه ذكر قول امرئ القيس:
فصرنا إلى الحسنى ورق كلامها ... ورضت فذلت صعبة أي إذلال
وهذا مثال ضربه للكناية عن المباضعة، وهو مثال للتعريض.
ووجدت في كتاب التذكرة لابن حمدون البغدادي وكان مشارا إليه عندهم بفضيلة ومعرفة، لا سيما فن الكتابة، فوجدت في كتابه بابا مقصورا على ذكر الكناية والتعريض، وما قيل فيهما نظما ونثرا، وهو محشو بالخلط بين هذين القسمين من غير فصل بينهما، وقد أورد أيضاً في بعضه أمثلة غثة باردة.
وسأذكر ما عندي في الفرق بينهما، وأميز أحدهما عن الآخر، ليعرف كل منهما على انفراده، فأقول: أما الكناية فقد حدت بحد، فقيل:هي اللفظ الدال على الشيء على غير الوضع الحقيقي بوصف جامع بين الكناية والمكنى عنه، كاللمس والجماع، فإن الجماع اسم موضوع حقيقي واللمس كناية عنه، وبينهما الوصف الجامع، إذ الجماع لمس وزيادة، فكان دالا عليه بالوضع المجازي.
هذا الحد فاسد، لأنه يجوز أن يكون حدا للتشبيه، فإن التشبيه هو اللفظ الدال على غير الوضع الحقيقي لجامع بين المشبه والمشبه به وصفة من الأوصاف، ألا ترى أنا إذا قلنا: زيد أسد، كان ذلك لفظا دالا على غير الوضح الحقيقي، بوصف جامع بين زيد والأسد، وذلك الوصف هو الشجاعة ومن ههنا وقع الغلط لمن أشرت إليه في الذي ذكره في حد الكناية.
وأما علماء أصول الفقه فإنهم قالوا في حد الكناية:إنها اللفظ المحتمل، يريدون بذلك أنها اللفظ الذي يحتمل الدلالة على المعنى وعلى خلافه.

(1/221)


وهذا فاسد، فإنه ليس كل لفظ يدل على المعنى وعلى خلافه بكناية، دليل ذلك قول النبي ( " إذا لم تستح فافعل ما شئت " فإن هذا اللفظ يدل على المعنى وعلى خلافه، وبيان ذلك أنه يقول في أحد معنييه:إنك إذا لم يكن لك وازع يزعك عن الحياء فافعل ما شئت، وأما معناه الآخر فإنه يقول: إذا لم تفعل فعلا يستحى منه فافعل ما شئت، وهذا ليس من الكناية في شيء فبطل إذا هذا الحد ومثال الفقيه في قوله: " إن الكناية اللفظ المحتمل " مثال من أراد أن يحد الإنسان فأتى بحد الحيوان، فعبر بالأعم وكذلك يقال ههنا، فإن كل كناية لفظ محتمل، وليس كل لفظ محتمل كناية.
والذي عندي في ذلك أن الكناية إذا وردت تجاذبها جانبا حقيقة ومجاز، وجاز حملها على الجانبين معا، ألا ترى أن اللمس في قوله تعالى: " أو لامستم النساء " يجوز حمله على الحقيقة والمجاز، وكل منهما يصح به المعنى، ولا يختل، ولهذا ذهب الشافعي رحمه الله إلى أن اللمس هو مصافحة الجسد الجسد، فأوجب الوضوء على الرجل إذا لمس المرأة، وذلك هو الحقيقة في اللمس، وذهب غيره إلى أن المراد باللمس هو الجماع، وذلك مجاز فيه، وهو الكناية، وكل موضع ترد فيه الكناية فإنه يتجاذبه جانبا الحقيقة والمجاز، ويجوز حمله على كليهما معا، وأما التشبيه فليس كذلك، ولا غيره من أقسام المجاز، لأنه لا يجوز حمله إلا على جانب المجاز خاصة، ولو حمل على جانب الحقيقة لاستحال المعنى، ألا ترى أنا إذا قلنا زيد أسد، لا يصح إلا على جانب المجاز خاصة، وذاك أنا شبهنا زيدا بالأسد في شجاعته، ولو حملناه على جانب الحقيقة لاستحال المعنى، لأن زيدا ليس ذلك الحيوان ذا الأربع والذنب والوبر والأنياب والمخالب.
وإذا كان الأمر كذلك فحد الكناية الجامع لها هو:أنها كل لفظة دلت على معنى يجوز حمله على جانبي الحقيقة والمجاز، بوصف جامع بين الحقيقة والمجاز.
والدليل على ذلك أن الكناية في أصل الوضع أن تتكلم بشيء وتريد غيره، يقال:كنيت بكذا عن كذا، فهي تدل على ما تكلمت به، وعلى ما أردته من غيره، وعلى هذا فلا تخلو إما أن تكون في لفظ تجاذبه جانبا حقيقة ومجاز، أو في لفظ تجاذبه جانبا مجاز ومجاز،أو في لفظ تجاذبه جانبا حقيقة وحقيقة، وليس لنا قسم رابع، ولا يصح أن تكون في لفظ تجاذبه جانبا حقيقة وحقيقة، لأن ذلك هو اللفظ المشترك، وإذا أطلق من غير قرينة تخصصه كان مبهما غير مفهوم، وإذا أضيف إليه القرينة صار مختصا بشيء بعينه، والكناية أن تتكلم بشيء وتريد غيره، وذلك مخالف للفظ المشترك إذا أضيف إلى القرينة، لأنه يختص بشيء واحد بعينه لا يتعداه إلى غيره، وكذلك لا يصح أن تكون الكناية في لفظ تجاذبه جانبا مجاز ومجاز، لأن المجاز لا بد له من حقيقة نقل عنها، لأنه فرع عليها، وذلك اللفظ الدال على المجازين إما أن يكون للحقيقة شركة في الدلالة عليه أو لا يكون لها شركة، فإن كان لها شركة في الدلالة فيكون اللفظ الواحد قد دل على ثلاثة أشياء أحدها الحقيقة، وهذا مخالف لأصل الوضع، لأن أصل الوضع أن تتكلم بشيء وأنت تريد غيره، وههنا تكون قد تكلمت بشيء وأنت تريد شيئين غيره، وإن لم يكن للحقيقة شركة في الدلالة كان ذلك مخالفا للوضع أيضا، لأن أصل الوضع أن تتكلم وأنت تريد غيره، فيكون الذي تكلمت به دالا على ما تكلمت به وعلى غيره، وإذا أخرجت الحقيقة عن أن يكون لها شركة في الدلالة لم يكن الذي تكلمت به دالا على ما تكلمت به، وهذا محال، فتحقق حينئذ أن الكناية أن تتكلم بالحقيقة وأنت تريد المجاز، وهذا الكلام في حقيقة الدليل على تحقيق أمر الكناية لم يكن لأحد فيه قول سابق.

(1/222)


واعلم أن الكناية مشتقة من الستر، يقال:كنيت الشيء، إذا سترته وأجري هذا الحكم في الألفاظ التي يستر فيها المجاز بالحقيقة، فتكون دالة على الساتر وعلى المستور معا، ألا ترى إلى قوله تعالى: " أو لامستم النساء " فإنه إن حمل على الجماع كان كناية لأنه ستر الجماع بلفظ اللمس الذي حقيقته مصافحة الجسد الجسد، وإن حمل على الملامسة التي هي مصافحة الجسد الجسد كان حقيقة، ولم يكن كناية، وكلاهما يتم به المعنى، وقد تأولت الكناية بغير هذا، وهي أنها مأخوذة من الكنية التي يقال فيها: أبو فلان، فإنا إذا نادينا رجلا اسمه عبد الله وله ولد اسمه محمد فقلنا: يا أبا محمد، كان ذلك مثل قولنا:يا عبد الله، فإن شئنا ناديناه بهذا، وإن شئنا ناديناه بهذا، وكلاهما واقع عليه، وكذلك يجري الحكم في الكناية، فإنا إذا شئنا حملناها على جانب المجاز، وإذا شئنا حملناها على الحقيقة، إلا أنه لا بد من الوصف لجامع بينهما، لئلا يلحق بالكناية ما ليس منها، ألا ترى إلى قوله تعالى: " إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة " فكنى بذلك عن النساء، والوصف الجامع بينهما هو التأنيث، ولولا ذلك لقيل في مثل هذا الموضع:إن أخي له تسع وتسعون كبشا ولي كبش واحد، وقيل:هذه كناية عن النساء، ومن أجل ذلك لم يلتفت إلى تأويل من تأول قوله تعالى: " وثيابك فطهر " أنه أراد بالثياب القلب، على حكم الكناية، لأنه ليس بين الثياب والقلب وصف جامع، ولو كان بينهما وصف جامع لكان التأويل صحيحا.
فإن قيل فما الدليل على اشتقاق الكناية من كنيت الشيء، إذا سترته ومن الكنية؟ قلت في الجواب:أما اشتقاقها من كنيت الشيء إذا سترته فإن المستور فيها هو المجاز، لأن الحقيقة تفهم أولا، ويتسارع الفهم إليها قبل المجاز، لأن دلالة اللفظ عليها وضعية، وأما المجاز فإنه يفهم منه بعد فهم الحقيقة، وإنما يفهم بالنظر والفكرة، ولهذا يحتاج إلى دليل، لأنه عدول عن ظاهر اللفظ فالحقيقة أظهر، والمجاز أخفى، وهو مستور بالحقيقة، ألا ترى إلى قوله تعالى: " أو لامستم النساء " فإن الفهم يتسارع فيه إلى الحقيقة التي هي مصافحة الجسد الجسد، وأما المجاز الذي هو الجماع فإنه يفهم بالنظر والفكر، ويحتاج الذاهب إليه إلى دليل، لأنه عدول عن ظاهر اللفظ، وأما اشتقاقها من الكنية فلأن محمدا في هذه الصورة المذكورة هو حقيقة هذا الرجل، أي الاسم الموضوع بإزائها أولا، وأما أبو عبد الله فإنه طار عليه بعد محمد، لأنه لم يكن له إلا بعد أن صار له ولد اسمه عبد الله، وكذلك الكناية، فإن الحقيقة لها هو الاسم الموضوع بإزائها أولاً في أصل الوضع، وأما المجاز فإنه طار عليها بعد ذلك، لأنه فرع، والفرع إنما يكون بعد الأصل، وإ،ما يعمد إلى ذلك الفرع للمناسبة الجامعة بينه وبين الأصل على ما تقدم الكلام فيه، وهذا القدر كاف في الدلالة على اشتقاق الكناية من ذينك المعنيين المشار إليهما.
فإن قيل: إنك قد ذكرت أقسام المجاز في باب الاستعارة التي قدمت ذكرها في كتابك هذا، وحصرتها في أقسام ثلاثة وهي: التوسع في الكلام، والاستعارة، والتشبيه، ونراك قد ذكرت الكناية في المجاز أيضا، فهل هي قسم رابع لتلك الأقسام الثلاثة أم هي من جملتها؟ فإن كانت قسما رابعا، فذلك نقص للحصر الذي حصرته، وإن كانت من جملتها فقد أعدت ذكرها ههنا مرة ثانية، وهذا المكرر لا حاجة إليه.
فالجواب عن ذلك أني أقول:أما الحصر الذي حصرته في باب الاستعارة فهو ذاك، ولا زيادة عليه، وأما الكناية فإنها جزء من الاستعارة، ولا تأتي إلا على حكم الاستعارة الخاصة، لأن الاستعارة لا تكون إلا بحيث يطوى ذكر المستعار له، وكذلك الكناية، فإنها لا تكون إلا بحيث يطوى ذكر المكنى عنه، ونسبتها إلى الاستعارة نسبة خاص إلى عام، فيقال:كل كناية استعارة، وليس كل استعارة كناية، ويفرق بينهما من وجه آخر، وهو أن الاستعارة لفظها صريح والصريح هو: ما دل عليه ظاهر لفظه، والكناية: ضد الصريح لأنها عدول عن ظاهر اللفظ، وهذه ثلاثة فروق أحدهما الخصوص والعموم، والآخر الصريح، والآخر الحمل على جانب الحقيقة والمجاز.
وقد تقدم القول في باب الاستعارة أنها جزء من المجاز، وعلى ذلك فتكون نسبته الكناية إلى المجاز نسبة جزء الجزء وخاص الخاص.

(1/223)


وكان ينبغي أن نذكر الكناية عند ذكر الاستعارة في النوع الأول من هذه الأنواع المذكورة في المقالة الثانية، وإنما أفردتها بالذكر ههنا من أجل التعريض، لأن من العادة أن يذكرا جميعاً في مكان واحد.
وقد يأتي في الكلام ما يجوز أن يكون كناية، ويجوز أن يكون استعارة، وذلك يختلف باختلاف النظر إليه بمفرده والنظر إلى ما بعده، كقول نصر بن سيار في أبياته المشهورة التي يحرض بها بني أمية عند خروج أبي مسلم:
أرى خلل الرماد وميض الجمر ... ويوشك أن يكون له ضرام
فإن النار بالزندين تورى ... وإن الحرب أولها كلام
أقول من التعجب:ليت شعري ... أأيقاظ أمية أم نيام
فإن هبوا فذاك بقاء ملك ... وإن رقدوا فإني لا ألام
فالبيت الأول لو ورد بمفرده كان كناية، لأنه يجوز حمله على جانب الحقيقة وحمله على جانب المجاز أما الحقيقة فإنه أخبر أنه رأى وميض جمر في خلل الرماد، وأنه سيضطرم وأما المجاز فإنه أراد أن هناك ابتداء شر كامن ومثله بوميض جمر من خلل الرماد، وإذا نظرنا إلى الأبيات جملتها اختص البيت الأول منها بالاستعارة دون الكناية.
وكثيرا ما يرد مثل ذلك ويشكل، لتجاذبه بين الكناية والاستعارة، على أنه لا يشكل إلا على غير العارف.
وأما التعريض فهو اللفظ الدال على الشيء من طريق المفهوم، لا بالوضع الحقيقي ولا بالمجازي، فإنك إذا قلت لمن تتوقع صلته ومعروفه بغير طلب:والله إني لمحتاج وليس في يدي شيء وأنا عريان والبرد قد آذاني، فإن هذا وأشباهه تعريض بالطلب، وليس هذا اللفظ موضوعا في مقابلة الطلب، لا حقيقة ولا مجازا، إنما دل عليه من طريق المفهوم، بخلاف دلالة اللمس على الجماع، وعليه ورد التعريض في خطبة النكاح، كقولك للمرأة: إنك لخلية وإني لعزب، فإن هذا وأمثاله لا يدل على طلب النكاح حقيقة ولا مجازا، والتعريض أخفي من الكناية، لأن دلالة الكناية لفظية وضعية من جهة المجاز، ودلالة التعريض من جهة المفهوم لا بالوضع الحقيقي ولا المجازي، وإنما سمي التعريض تعريضا من جهة المفهوم لا بالوضع الحقيقي ولا المجازي، وإنما سمي التعريض تعريضا لأن المعنى فيه يفهم من عرضه: أي من جانبه، وعرض كل شيء جانبه.
واعلم أن الكناية تشمل اللفظ المفرد والمركب معا، فتأتي على هذا تارة، وعلى هذا تارة أخرى، وأما التعريض فإنه يختص باللفظ المركب، ولا يأتي في اللفظ المفرد ألبتة، والدليل على ذلك أنه لا يفهم المعنى فيه من جهة الحقيقة ولا من جهة المجاز، وإنما يفهم من جهة التلويح والإشارة، وذلك لا يستقل به اللفظ المفرد، ولكنه يحتاج في الدلالة عليه إلى اللفظ المركب، وعلى هذا فإن بيت امرئ القيس من ذلك أن يذكر الجماع، غير أنه لم يذكره، بل ذكره كلاما آخر يفهم الجماع من عرضه، لأن المصير إلى الحسنى ورقة الكلام لا يفهم منهما ما أراده امرؤ القيس من المعنى لا حقيقة ولا مجازا، وهذا لا خفاء به فاعرفه.
وحيث فرقنا بين الكناية والتعريض وميزنا أحدهما عن الآخر فلنفصلهما ونذكر أقسامهما، ولنبدأ أولاً بالكناية فنقول: اعلم أن الكناية تنقسم قسمين أحدهما :ما يحسن استعماله، والآخر ما لا يحسن استعماله، وهو عيب في الكلام فاحش.
وقد ذهب قوم إلى أن الكناية تنقسم أقساما ثلاثة: تمثيلا وإردافا، ومجاورة.
فأما التمثيل فهو أن تراد الإشارة إلى معنى فيوضع لفظ معنى آخر، ويكون ذلك مثالا للمعنى الذي أريدت الإشارة إليه، كقولهم، فلان نقي الثوب:أي منزه من العيوب.
وأما الإرداف فهو أن تراد الإشارة إلى معنى فيوضع لفظ لمعنى آخر، ويكون ذلك إردافا للمعنى الذي أريدت الإشارة إليه ولازما له، فلان طويل النجاد: أي طويل القامة، فطول النجاد رادف لطول القامة ولازم له، بخلاف نقاء الثوب في الكناية عن النزاهة من العيوب، لأن نقاء الثوب لا يلزم منه النزاهة من العيوب، كما يلزم من طول النجاد طول القامة.
وأما المجاورة فهي أن تريد ذكر الشيء فتتركه إلى ما جاوره كقول عنترة:
بزجاجة صفراء ذات أسرة ... قرنت بأزهر في الشمال مفدم
يريد بالزجاجة الخمر، فذكر الزجاجة وكنى بها عن الخمر، لأنها مجاورة لها.

(1/224)


وهذا التقسيم غير صحيح، لأن من شرط التقسيم أن يكون كل قسم منه مختصا بصفة خاصة تفصله عن عموم الأصل، كقولنا الحيوان ينقسم أقساما منها الإنسان، وحقيقته كذا وكذا، ومنها الأسد وحقيقته كذا وكذا، ومنها الفرس وحقيقته كذا وكذا، ومنها غير ذلك، وههنا لم يكن التقسيم كذلك فإن التمثيل على ما ذكر عبارة عن مجموع الكناية، لأن الكناية إنما هي أن تراد الإشارة إلى معنى فيوضع لفظ لمعنى آخر، ويكون ذلك اللفظ مثالا للمعنى الذي أريدت الإشارة إليه، ألا ترى إلى قوله تعالى: " إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة " فإنه أراد الإشارة إلى النساء، فوضع لفظا لمعنى آخر، وهو النعاج، ثم مثل به النساء، وهكذا يجري الحكم في جميع ما يأتى من الكنايات، لكن منها ما يتضح التمثيل فيه وتكون الشبهية، بين الكناية والمكنى عنه شديدة المناسبة، ومنه ما يكون دون ذلك في الشبهية، وقد تأملت ذلك، وحققت النظر فيه، فوجدت الكناية إذا وردت على طريق اللفظ المركب كانت شديدة المناسبة واضحة الشبهية، وإذا وردت على طريق اللفظ المفرد لم تكن بتلك الدرجة في قوة المناسبة والمشابهة، ألا ترى إلى قولهم: فلان نقي الثوب، وقولهم اللمس كناية عن الجماع، فإن نقاء الثوب أشد مناسبة وأوضح شبها، لأنا إذا قلنا نقاء الثوب من الدنس كنزاهة العرض من العيوب اتضحت المشابهة ووجدت المناسبة بين الكناية والمكنى عنه شديدة الملاءمة، وإذا قلنا اللمس كالجماع لم يكن بتلك الدرجة في قوة المشابهة، وهذا الذي ذكر من أن من الكناية تمثيلا وهو كذا وكذا غير سائغ ولا وارد، بل الكناية هي ذاك، والذي قدمته من القول فيها وهو الحاصر لها، ولم يأت به أحدي غيري كذلك.
وأما الإرداف فإنه ضرب من اللفظ المركب إلا أنه اختص بصفة تخصه، وهي أن تكون الكناية دليلا على المكنى عنه ولازمه له،بخلاف غيرها من الكنايات، ألا ترى أن طول النجاد دليل على طول القامة ولازم له، وكذلك يقال:فلان عظيم الرماد:أي كثير الإطعام الطعام، وعليه ورد قول الأعرابية في حديث أم زرع في وصف زوجها:له إبل قليلات المسارح كثيرات المبارك، إذا سمعن صوت المزهر أيقن أنهن هوالك، وغرض الأعرابية من هذا القول أن تصف زوجها بالجود والكرم، إلا أنها لم تذكر ذلك بلفظه الصريح، وإنما ذكرته من طريق الكناية على وجه الإرداف الذي هو لازم له.
وكذلك ورد في الأخبار النبوية أيضا، وذاك أن امرأة جاءت إلى النبي ( فسألته عن غسلها من الحيض، فأمرها أن تغتسل، ثم قال: " خذي فرصة من مسك فتطهري بها " قالت: كيف أتطهر بها؟ فقال: " تطهري بها " قالت: كيف أتطهر بها؟ قال: " سبحان الله تطهري بها " فاجتذبتها عائشة رضي الله عنها إليها، وقالت " تتبعي بها أثر الدم، فقولها " أثر الدم " كناية عن الفرج على طريق الإرداف، لأن أثر الدم في الحيض لا يكون إلا في الفرج، فهو إرداف له.
ومما ورد من ذلك شعرا قول عمر بن أبي ربيعة:
بعيدة مهوى القرط إما لنوفل ... أبوها وإما عبد شمس وهاشم
فإن بعد مهوى القرط دليل على طول العنق.
ومن لطيف هذا الموضع وحسنه ما يأتي بلفظه مثل، كقول الرجل إذا نفى عن نفسه القبيح: مثلي لا يفعل هذا: أي أنا لا أفعله، فنفى ذلك عن مثله ويريد نفيه عن نفسه،لأنه إذا نفاه عمن يماثله ويشابهه فقد نفاه عن نفسه لا محالة، إذ هو ينفي ذلك عنه أجدر، وكذلك يقال:مثلك إذا سئل أعطى:أي أنت إذا سئلت أعطيت، وسبب ورود هذه اللفظة في هذا الموضع أنه يجعل من جماعة هذه أوصافهم تثبيتا للأمر وتوكيدا، ولو كان فيه وحده لقلق منه موضعه، ولم يرس فيه قدمه، وهذا مثل قول القائل إذا كان في مدح إنسان: أنت من القوم الكرام: أي لك في هذا الفعل سابقة، وأنت حقيق به، ولست دخيلا فيه.
وقد ورد هذا ف القرآن الكريم، كقوله تعالى: " ليس كمثله شيء وهو السميع البصير " والفرق بين قوله : " ليس كمثله شيء " وبين قوله ليس كالله شيء هو ما أشرت إليه، وإن كان سبحانه وتعالى لا مثل له حتى يكون لمثله مثل، وإنما ذكرت ذلك على طريق المجاز قصداً للمبالغة.
وقد يأتي هذا الموضع بغير لفظة مثل وهي مقصودة، كقولك للعربي: العرب لا تخفر الذمم: أي أنت لا تخفر الذمم، وهذا أبلغ من قولك أنت لا تخفر الذمم، وهذا أبلغ من قولك أنت لا تخفر الذمم، لما أشرت إليه.

(1/225)


وعلى نحو من هذا جاء قول أبي الطيب المتنبي:
ألست من القوم الذي من رماحهم ... نداهم ومن قتلاهم مهجة البخل
وإذا فرغت من ذكر الأصول التي قدمت ذكرها فإني أتبعها بضرب الأمثلة نثرا ونظما، حتى يزداد ما ذكرته وضوحا.
فمن ذلك ما ورد في القرآن الكريم نحو قوله تعالى: " أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا " فإنه كنى عن الغيبة بأكل الإنسان لحم إنسان آخر مثله، ثم لم يقتصر على ذلك حتى جعله ميتا، ثم جعل ما هو في الغاية من الكراهة موصولا بالمحبة، فهذه أربع دلالات واقعة على ما قصدت له مطابقة للمعنى الذي وردت من أجله، فأما جعل الغيبة كأكل الإنسان لحم إنسان آخر مثله فشديد المناسبة جدا، لأن الغيبة إنما هي ذكر مثالب الناس وتمزيق أعراضهم، وتمزيق العرض مماثل لأكل لحم الإنسان لحم من يغتابه، لأن أكل اللحم تمزيق على الحقيقة، وأما جعله كلحم الأخ فلما في الغيبة من الكراهة، لأن العقل والشرع مجتمعان على استكراهه آمران بتركها والبعد عنها،ولما كانت كذلك جعلت بمنزلة لحم الأخ في كراهته، ومن المعلوم أن لحم الإنسان مستكره عند إنسان آخر، إلا أنه لا يكون مثل كراهته لحم أخيه، فهذا القول مبالغة في استكراه الغيبة، وأما جعل اللحم ميتا فمن أجل أن المغتاب لا يشعر بغيبته ولا يحس بها، وأما جعله ما هو في الغاية من الكراهة موصولا بالمحبة فلما جبلت عليه النفوس من الميل إلى الغيبة والشهوة لها مع العلم بقبحها، فانظر أيها المتأمل إلى هذه الكناية تجدها من أشد الكنايات شبها، لأنك إذا نظرت إلى كل واحدة من تلك الدلالات الأربع التي أشرنا إليها وجدتها مناسبة لها قصدت له.
وكذلك ورد قوله تعالى: " وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطئوها " والأرض التي لم يطئوها كناية عن مناكح النساء، وذلك من حسن الكناية ونادره.
وكذلك ورد قوله تعالى: " أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا " فكني بالماء عن العلم وبالأودية عن القلوب وبالزبد عن الضلال، وهذه الآية قد ذكرها أبو حامد الغزالي رحمه الله في كتابه الموسوم ب " إحياء علوم الدين " وفي كتابه الموسوم ب " الجواهر " و " الأربعين " وأشار بها إلى أن القرآن الكريم إشارات إيماآت لا تنكشف إلا بعد الموت، وهذا يدل على أن الغزالي رحمه الله لم يعلم أن هذه الآية من باب الكنايات الذي لفظها يجوز حمله على جانبي الحقيقة والمجاز.
وقد رأيت جماعة من أئمة الفقهاء لا يحققون أمر الكناية، وإذا سئلوا عنها عبروا عنها بالمجاز وليس الأمر كذلك، وبينهما وصف جامع كهذه الآية وما جرى مجراها، فإنه يجوز حمل الماء على المطر النازل من السماء، وعلى العلم، وكذلك يجوز حمل الأودية على مهابط الأرض، وعلى القلوب، وهكذا يجوز حمل الزبد على الغثاء الرابي الذي تقذفه السيول، وعلى الضلال، وليس في أقسام المجاز شيء يجوز حمله على الطرفين معا سوى الكناية.
وبلغني عن الفراء النحوي أنه ذكر في تفسيره آية، وزعم أنها كناية، وهي قوله تعالى: " وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال " فقال:إن الجبال كناية عن أمر رسول الله ( وما جاء به من الآيات، وهذه الآية من باب الاستعارة، لا من باب الكناية، لأن الكناية لا تكون إلا فيما جاز حمله على جانبي المجاز والحقيقة، والجبال ههنا لا يصح بها المعنى إلا إذا حملت على جانب المجاز خاصة، لأن مكر أولئك لم يكن لتزول منه جبال الأرض، فإن ذلك محال.
وأما ما ورد منها في الأخبار النبوية فقول النبي ( " إنه كانت امرأة فيمن كان من قبلنا، وكان لها ابن عم يحبها، فراودها عن نفسها، فامتنعت عليه، حتى إذا أصابتها شدة فجاءت إليه تسأله، فراودها، فمكنته من نفسها، فلما قعد منها مقعد الرجل من المرأة قالت له: لا يحل لك أن تفض الخاتم إلا بحقه " فقام عنها وتركها، وهذه كناية واقعة في موقعها.
ومن ذلك أيضاً قول النبي ( " رويدك سوقك بالقوارير " يريد بذلك النساء، فكنى عنهن بالقوارير، وذاك أنه كان في بعض أسفاره وغلام أسود اسمه أنجشة يحدو، فقال له: " يا أنجشة رويدك بالقوارير " وهذه كناية لطيفة.

(1/226)


وكذلك ورد حديث الحديبية وذاك أنه لما نزل رسول الله ( على الركية جاءه بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من أهل تهامة، فقال: تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا عداد مياه الحديبية معهم العوذ المطافيل، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت، وهذه كناية عن النساء والصبيان، والعوذ: جمع عائذ، وهي الناقة التي وصعت وقوي ولدها، وهذا يجوز حمله على طريق الحقيقة، كما جاز حمله على طريق المجاز: أي معهم الأموال من الإبل، وهي كانت جل أموال العرب: أي أنهم أحضروا أموالهم ليقاتلوا دونها، ولما جاز حمل العوذ المطافيل على النساء والصبيان وعلى الأموال كان من باب الكناية.
ومن ذلك ما ورد في إقامة الحد على الزاني، وهو أن يشهد عليه برؤية الميل في المكحلة وذلك كناية عن رؤية الفرج في الفرج.
ومن لطيف الكناية أن امرأة جاءت إلى عائشة رضي الله عنها فقالت لها: أقيد جملي؟ فقالت عائشة رضي الله عنها، لا، أرادت المرأة أنها تصنع لزوجها شيئا يمنعه من غيرها: أي تربطه أن يأتي غيرها، فظاهر هذا اللفظ هو تقييد الجمل، وباطنه ما أرادته المرأة وفهمته عائشة منها.
وكذلك يروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: وذاك أنه جاء إلى النبي ( فقال: يا رسول الله، هلكت، قال: " وما أهلكك " قال:حولت رحلي البارحة فقال له النبي ( : " أقبل وأدبر واتق الدبر والحيضة " ويروى أن عمرو بن العاص زوج ولده عبد الله رضي الله عنه، فمكثت المرأة عنده ثلاث ليال لم يدن منها، وإنما كان ملتفا إلى صلاته، فدخل عليها عمرو بعد ثلاث، فقال:كيف ترين بعلك؟ فقالت: نعم البعل إلا أنه لم يفتش لنا كنفا ولا قرب لنا مضجعا، فقولها " لم يفتش لنا كنفا ولا قرب لنا مضجعا " من الكناية الغراء الظاهرة.
ومن ألطف ما بلغني في هذا القول عبد الله بن سلام، فإنه رأى على رجل ثوبا معصفرا، فقال: لو أن ثوبك في تنور أهلك أو تحت قدرهم كان خيرا، فذهب الرجل فأحرقه، نظرا إلى حقيقة قول عبد الله وظاهر مفهومه، وإنما أراد المجاز منه، وهو أنك لو صرفت ثمنه إلى دقيق تخبزه أو حطب تطبخ به كان خيرا، والمعنى متجاذب بين هذين الوجهين، فالرجل فهم منه الظاهر الحقيقي فمضى فأحرق ثوبه، ومراد عبد الله غيره.
ومن هذا القسم ما ورد في أمثال العرب كقولهم:إياك وعقيلة الملح، وذاك كناية عن المرأة الحسناء في منبت السوء، فإن عقيلة الملح هي اللؤلؤة وتكون في البحر فهي حسنة وموضعها ملح.
وكذلك قولهم: لبس له جلد النمر، كناية عن العداوة، وقد يقاس على هذا أن يقال:ليس له جلد الأسد، ولبس له جلد الذئب، ولبس له جلد الأرقم، لأن هذا كله مثل قولهم: لبس له جلد النمر، إذا العداوة محتملة في الجميع.
وكذلك قولهم قلب له ظهر المجن، كناية عن تغيير المودة.
ومما ورد في ذلك شعرا قول أبي النواس.
لا أذود الطير عن شجر ... قد بلوت المر من ثمره
وهذا حكاية، وهو أنه كان لأبي نواس صديقة تغشاه، فقيل له: إنها تختلف إلى آخر من أهل الريب، فلم يصدق ذلك حتى تبعها يوما من الأيام فرآها تدخل منزل ذلك الرجل، ثم إن ذلك الرجل جاءه، وكان صديقا له، فلكمه، فصرف وجهه عنه، ثم نظم قصيدته المشهورة التي مطلعها: ؟أيها المنتاب عن عفره وهذا البيت من جملة أبياتها.
وكذلك ورد قوله أيضا:
وناظرة إلي من النقاب ... تلاحظني بطرف مستراب
كشفت قناعها فإذا عجوز ... مموهة المفارق بالخضاب
فما زالت تحمسني طويلا ... وتأخذ في أحاديث التصابي
تحاول أن يقوم أبو زياد ... ودون قيامه شيب الغراب
أتت بجرابها تكتال فيه ... فقامت وهي فارغة الجراب
فقوله " أتت بجرابها تكتال فيه " من باب الكناية، إذا الجراب يجوز حمله على الحقيقة والمجاز، وكذلك الكيل أيضا.
ومما جاء من هذا الباب قول أبي تمام في قصيدته التي يستعطف بها مالك بن طوض على قومه، ومطلعها:
أرض مصردة وأرض تثج
ما لي رأيت ترابكم يبس الثرى ... ما لي أرى أطوادكم تتهدم
" فيبس الثرى " كناية عن تنكر ذات البين، تقول: يبس الثرى بيني وبين فلان، إذا تنكر الود الذي بينك وبينه، وكذلك " تهدم الأطواد " فإنه كناية عن خفة الحلوم وطيش العقول.

(1/227)


ومن الكناية الحسنة قول أبي الطيب المتنبي في قصيدته التي يعاتب فيها سيف الدولة بن حمدان التي مطلعها:
واحر قلباه ممن قلبه شبم
وشر ما قنصته راحتي قنص ... شهب البزاة سواء فيه والرحم
يشير بذلك إلى أن سيف الدولة يستوي في المنال منه هو وغيره، فهو البازي، وغيره الرخمة، وإن حمل المعنى على جانب الحقيقة كان جائزا.
وعلى هذا ورد قول الأقيشر الأسدي، وكان عنينا لا يأتي النساء وكان كثيراً ما يصف ذلك من نفسه، فجلس إليه يوما رجل من قيس، فأنشده الأقيشر:
ولقد أروح بمشرف ذي ميعة ... عسر المكرة ماؤه يتفصد
مرح يطير من المراح لعابه ... ويكاد جلد إهابه يتقدد
ثم قال له: أتبصر الشعر؟ قال: نعم، قال: فما وصفت؟ قال: فرسا، قال: أفكنت تركبه لو رأيته؟ قال: إي والله وأثني عطفه، فكشف له عن أيره، وقال:هذا وصفت، فقم فاركبه، فوثب الرجل من مكانه، وقال: قبحك الله من جليس سائر اليوم.
وكذلك أيضاً حكى أنه وفد سعيد بن عبد الرحمن على هشام بن عبد الملك، وكان جميل الوجه، فاختلف إلى عبد الصمد بن عبد الأعلى مؤدب الوليد بن يزيد، فراوده عن نفسه، فوثب من عنده، ودخل على هشام مغضبا، وهو يقول:
إنه والله لولا أنت لم ... ينج مني سالما عبد الصمد
فقال: هشام: ولم ذلك؟ قال:
إنه قد رام مني خطة ... لم يرمها قبله مني أحد
قال:ما هي؟ قال:
راح جهلا بي وجهلا بأبي ... يدخل الأفعى على حبس الأسد
قال: فضحك هشام، وقال:لو فعلت به شيئا لم أنكره عليك.
ومن ألطف ما سمعته في هذا الباب قول أبي النواس في الهجاء:
إذا ما كنت جار أبي حسين ... فنم ويداك في طرف السلاح
فإن له نساء سارقات ... إذا ما بتن أطراف الرماح
سرقن وقد نزلت عليه أيري ... فلم أظفر به حتى الصباح
فجاء وقد تخدش جانباه ... يئن إلي من ألم الجراح
فتعبيره عن العضو المشار إليه بأطراف الرماح تعبير في غاية اللطافة والحسن.
وقد أدخل في باب الكناية ما ليس منه، كقول نصيب:
فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
وهذا يروى عن الجاحظ، وما أعلم كيف ذهب عليه مع شهرته بالمعرفة بفن الفصاحة والبلاغة، فإن الكناية هي ما جاز حمله على جانب الحقيقة كما يجوز حمله على جانب المجاز، وههنا لا يصح ذلك، ولا يستقيم، لآن الثناء للحقائب لا يكون إلا مجازا، وهذا من باب التشبيه المضمر الأداة الخارج عن الكناية، والمراد به أن في الحقائب من عطاياك ما يعرب عن الثناء لو سكت أصحابها عنه.
وأما القسم المختص بما يقبح ذكره من الكناية، فإنه لا يحسن استعماله، لأنه عيب في الكلام فاحش، وذلك لعدم الفائدة المرادة من الكناية فيه.
فما جاء منه قول الشريف الرضي يرثي امرأة:
إن لم تكن نصلا فغمد نصال
وفي هذا من سوء الكناية ما لا خفاء به، فإن الوهم يسبق في هذا الموضع إلى ما يقبح ذكره، وهذا المعنى أخذه من قول الفرزدق فمسخه وشوه صورته، فإن الفرزدق رثى امرأته فقال:
وجفن سلاح قد رزئت فلم أنح ... عليه ولم أبعث إليه البواكيا
وفي جوفه من دارم ذو حفيظة ... لو أن المنايا أمهلته لياليا
وهذا حسن بديع في معناه، وما كني عن امرأة ماتت بجمع أحسن من هذه الكناية ولا أفخم شأنا، فجاء الشريف الرضي فأخذ معناها وفعل به ما ترى، وليس كل من تصرف في المعاني أحسن في تصريفها، وأبقى هذه الرموز في تأليفها.
وقد عكس هذه القصة مع أبي الطيب المتنبي فأحسن فيما أساء به أبو الطيب طريق الكناية فأخطأ حيث قال:
إني على شغفي بما في خمرها ... لأعف عما في سراويلاتها
وهذه كناية عن النزاهة والعفة، إلا أن الفجور أحسن منها.
وقد أخذ الشريف الرضي هذا المعنى فأبرزه في أجمل صورة حيث قال:
أجن إلى ما تضمن الخمر والحلى ... وأصدف عما في ضمان المآزر
وأمثال هذا كثير، وفيما ذكرناه من هذين المثالين مقنع.
وأما التعريض فقد سبق الإعلام به، وعرفناك الفرق بينه وبين الكناية.

(1/228)


فما جاء منه قوله تعالى " قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون " وغرض إبراهيم عليه صلوات الله من هذا الكلام إقامة الحجة عليهم، لأنه قال " فاسألوهم إن كانوا ينطقون " وذلك على سبيل الاستهزاء، وهذا من رموز الكلام، والقول فيه أن قصد إبراهيم عليه السلام لم يرد به نسبة الفعل الصادر عنه إلى الضم، وإثباته على أسلوب التعريض يبلغ فيه غرضه من إلزام الحجة عليهم، والاستهزاء بهم، وقد يقال ف هذا غير ما أشرت إليه، وهو أن كبير الأصنام غضب أن تعبد معه هذه الأصنام الصغار فكسرها، وغرض إبراهيم عليه السلام من ذلك أنه لا يجوز أن يعبد مع الله تعالى من هو دونه، فإن من دونه مخلوق من مخلوقاته، فجعل إحالة القول إلى كبير الأصنام مثالا لما أراده.
ومن هذا القسم أيضاً قوله تعالى: " قال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشر مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين: فقوله " ما نراك إلى بشر مثلنا " تعريض بأنهم أحق بالنبوة منه، وأن الله لو أراد أن يجعلها في أحد من البشر لجعلها فيهم، فقالوا: هب أنك واحد من الملأ ومواز لهم في المنزلة فما جعلك أحق منهم بها؟ ألا ترى إلى قولهم: " وما نرى لكم علينا من فضل " وكان مروان بن الحكم واليا على المدينة من قبل معاوية فعزله فلما قدم عليه قال له: عزلتك لثلاث لو لم تكن إلا واحدة منهن لأوجبت عزلك:إحداهن أني أمرتك على عبد الله بن عامر وبينكما ما بينكما فلم تستطع أن تشتفي منه،والثانية كراهتك أمر زياد، والثالثة أن ابنتي رملة استعدتك على زوجها عمر بن عثمان فلم تعدها، فقال له مروان: أما عبد الله بن عامر فإني لا أنتصر منه في سلطاني، ولكن إذا تساوت الأقدام علم أين موضعه، وأما كراهتي أمر زياد فإن سائر بني أمية كرهوه، وأما استعداء رملة على عمر بن عثمان فوالله إنه لتأتي على سنة وأكثر وعندي بنت عثمان فما أكشف لها ثوبا، يريد بذلك أن رملة بنت معاوية إنما استعدت لطلب الجماع، فقال له معاوية:يا ابن الوزغ لست هناك، فقال له مروان: هو ذاك، وهذا من التعريضات اللطيفة.
ومثله في اللطافة ما يروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وذاك أنه كان يخطب يوم جمعة، فدخل عثمان بن عفان رضي الله عنه، فقال عمر: أية ساعة هذه؟ فقال عثمان: يا أمير المؤمنين انقلبت من أمر السوق فسمعت النداء، فما زدت على أن توضأت،فقال عمر: والوضوء أيضا، وقد علمت أن رسول الله ( كان يأمرنا بالغسل، فقوله : " أية ساعة هذه " تعريض بالإنكار عليه لتأخره عن المجيء إلى الصلاة وترك السبق إليها، وهو من التعريض المعرب عن الأدب.
ووقفت في كتاب العقد على حكاية تعريضية حسنة الموقع، وهي أن امرأة وقفت على قيس بن عبادة فقالت أشكو إليك قلة الفأر في بيتي، فقال: ما أحسن ما ورت عن حاجتها، املئوا لها بيتها خبزا وسمنا ولحما.
ومن خفي التعريض وغامضه ما ورد في الحديث النبوي، وهو أن النبي ( خرج وهو محتضن أحد ابني ابنته، وهو يقول: " والله إنكم لتجبنون وتبخلون وتجهلون، وإنكم لمن ريحان الله، وإن آخر وطأة وطئها الله بوج " العم أن وجا واد بالطائف والمراد به غزوة حنين، وحنين: واد قبل وج، لأن غزاة حنين آخر غزاة أوقع بها رسول الله ( مع المشركين، وأما غزوتا الطائف وتبوك اللتان كانتا بعد حنين فلم يكن فيهما وطأة، أي قتال، وإنما كانتا مجرد خروج إلى الغزو من غير ملاقاة عدو ولا قتال، ووجه عطف هذا الكلام وهو قوله ( " وإن آخر وطأة وطئها الله بوج " على ما قبله من الحديث هو التأسف على مفارقة أولاده، لقرب وفاته، لأن غزوة حنين كانت في شوال سنة ثمان، ووفاته كانت في ربيع الأول سنة إحدى عشرة، وبينهما سنتان ونصف، فكأنه قال:وإنكم لمن ريحان الله: أي من رزقه، وأ،ا مفارقكم عن قريب، إلا أنه صانع عن قوله وأنا مفارقكم عن قريب بقوله: " إن آخر وطأة وطئها الله بوج " وكان ذلك تعريضا بما أراده وقصده من قرب وفاته ( ومما ورد من هذا الباب شعرا قول الشميذر الحارثي:
بني عمنا، لا تذكروا الشعر بعدما ... دفنتم بصحراء الغمير القوافيا

(1/229)


وليس قصده ههنا الشعر، بل قصده ما جرى لهم في هذا الموضع من الظهور عليهم والغلبة، إلا أنه لم يذكر ذلك بل ذكر الشعر، وجعله تعريضا بما قصده: أي لا تفخروا بعد تلك الواقعة التي جرت لكم ولنا بذلك المكان.
ومن أحسن التعريضات ما كتبه عمرو بن مسعدة الكاتب إلى المأمون في أمر بعض أصحابه، وهو: أما بعد، فقد استشفع بي فلان إلى أمير المؤمنين ليتطول في إلحاقه بنظرائه من الخاصة، فأعلمته أن أمير المؤمنين لم يجعلني في مراتب المستشفعين، وفي ابتدائه بذلك تعدي طاعته، فوقع المأمون في ظهر كتابه: قد عرفت تصريحك وتعريضك لنفسك، وقد أجبناك إليهما.
واعلم أن هذين القسمين من الكناية والتعريض قد وردا في غير اللغة العربية، ووجدتهما كثيراً في اللغة السريانية، فإن الإنجيل الذي في أيدي النصارى قد أتى منهما بالكثير.
ومما وجدته من الكناية في لغة الفرس أنه كان رجل من أساورة كسرى وخواصه فقيل: إن الملك يختلف إلى امرأتك، فهجرها لذلك، وترك فراشها فأخبرت كسرى، فدعاه وقال له: قد بلغني أن لك عينا عذبة وأنك لا تشرب منها، فما سبب ذلك؟ قال أيها الملك بلغني أن الأسد يردها فخفته، فاستحسن كسرى منه هذا الكلام وأسنى عطاءه.
النوع العشرون
في المغالطات المعنوية
وهذا النوع من أحلى ما استعمل من الكلام وألطفه، لما فيه من التورية.
وحقيقته أن يذكر معنى من المعاني له مثل في شيء آخر ونقيض، والنقيض أحسن موقعا، وألطف مأخذا.
فالأول الذي يكون له مثل يقع في الألفاظ المشتركة، فمن ذلك قول أبي الطيب المتنبي:
يشلهم بكل أقب نهد ... لفارسه على الخيل الخيار
وكل أصم يعسل جانباه ... على الكعبين منه دم ممار
يغادر كل ملتفت إليه ... ولبته لثعلبه وجار
فالثعلب: هو هذا الحيوان المعروف، والوجار: اسم بيته، والثعلب أيضاً هو طرف سنان الرمح، فلما اتفق الاسمان بين الثعلبين حسن ذكر الوجار في طرف السنان، وهذا نقل العنى من مثل إلى مثله.
وعليه ورد قول المتنبي أيضا:
برغم شبيب فارق السيف كفه ... وكانا على العلات يصطحبان
أن رقاب الناس قالت لسيفه ... رفيقك فيسي وأنت يماني
فإن شبيبا الخارجي الذي خرج على كافور الإخشيدي، وقصد دمشق وحاصرها، وقتل على حصارها، كان من قيس، ولم تزل بين قيس واليمن عداوات وحروب،وأخبار ذلك مشهورة، والسيف يقال له " يماني " في نسبته إلى اليمن، ومراد المتنبي من هذا البيت أن شبيبا لما قتلوا فارق السيف كفه فكأن الناس قالوا لسيفه: أنت يماني وصاحبك قيسي، ولهذا جانبه السيف وفارقه وهذه مغالطة حسنة وهي كالأولى إلا أنها أدق وأغمض.
وكذلك ورد قول بعضهم من أبيات يهجو بها شاعرا، فجاء من جملتها قوله:
وخلطتم بعض القرآن ببعضه ... فجعلتم الشعراء في الأنعام
ومعنى ذلك أن الشعراء اسم سورة من القرآن الكريم والأنعام اسم سورة أيضا، والشعراء: جمع شاعر، والأنعام: ما كان من الإبل والبقر.
وكذلك ورد قول بعض العراقيين يهجو رجلا كان على مذهب أحمد بن حنبل رضي الله عنه، ثم انتقل إلى مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه، ثم انتقل إلى مذهب الشافعي رضي الله عنه:
من مبلغ عني الوجيه رسالة ... وإن كان لا تجدي لديه الرسائل
تمذهبت للنعمان بعد ابن حنبل ... وفارقته إذ أعوزتك المآكل
وما اخترت رأي الشافعي تدينا ... ولكنما تهوى الذي منه حاصل
وعما قليل أنت لا شك صائر ... إلى مالك فافطن لما أنا قائل
ومالك: هو مالك بن أنس صاحب المذهب رضي الله عنه، ومالك: هو خازن النار وهذه مغالطة لطيفة.
ومن أحسن ما سمعته في هذا الباب قول أبي العلاء بن سليمان في الإبل:
صلب العصا بالضرب قد دماها ... تود أن الله قد أفناها
إذا أرادت رشدا أغواها ... محاله من رقه إياها

(1/230)


فالضرب: لفظ مشترك، يطلق على الضرب بالعصا، وعلى الضرب في الأرض، وهو المسير فيها، وكذلك دماها فإنه لفظ مشترك يطلق على شيئين: أحدهما يقال: دماه، إذا أسال دمه، ودماه إذا جعله كالدمية، وهي الصورة، وهكذا لفظ الفناء فإنه يطلق على عنب الثعلب، وعلى إذهاب الشيء إذا لم يبق منه بقية، يقال: أفناه، إذا أذهبه، وأفناه، إذا أطعمه الفناء، وهو عنب الثعلب، والرشد والغوي:نبتان يقال: أغواه إذا أضله، وأغواه، إذا أطعمه الغوى، ويقال: طلب رشدا، إذا طلب ذلك النبت، وطلب رشدا، إذا طلب الهداية، وبعض الناس يظن هذه الأبيات من باب اللغز، وليس كذلك، لأنها تشتمل على ألفاظ مشتركة، وذلك معنى ظاهر يستخرج من دلالة اللفظ عليه، واللغز: هو الذي يستخرج من طريق الحزر والحدس، لا من دلالة اللفظ عليه، وسأوضح ذلك إيضاحا جليا في النوع الحادي والعشرين، وهو الذي يتلو هذا النوع فليؤخذ من هناك.
ويروى في الأخبار الواردة في غزاة بدر أن النبي ( كان سائرا بأصحابه يقصد بدرا، فلقيهم رجل من العرب، فقال: ممن القوم؟ فقال النبي ( " من ماء " فأخذ ذلك الرجل يفكر ويقول:من ماء، من ماء لينظر أي بطون العرب يقال لها ماء، فسار النبي ( لوجهته، وكان قصده أن يكتم أمره، وهذا من المغالطة المثلية، لأنه يجوز أن يكون بعض بطون العرب يسمى ماء، ويجوز أن يكون المراد أن خلقهم من ماء.
وقد جاءني شيء من ذلك الكلام المنثور.
فمنه ما كتبته في فصل من كتاب عند دخولي إلى بلاد الروم أصف فيه البرد والثلج، فقلت: ومن صفات هذا البرد أنه يعقد الدر في خلفه، والدمع في طرفه، وربما تعدى إلى قليب الخاطر فأجفه أن يجري بوصفه، فالشمس مأسورة والنار مقرورة، والأرض شهباء غير أنها حولية لم ترض، ومسيلات الجبال أنهار غير أنها جامدة لم تخض.
ومكان المغالطة من هذا الكلام في قولي: " والأرض شهباء غير أنها حولية لم ترض " فإن الشهباء من الخيل يقال فيها حولية: أي لها حول، ويقال إنها مروضة: أي ذللت للركوب، وهذه الأرض مضى للثلج عليها حول فهي شهباء حولية، وقولي " لم ترض " أي لم تسلك بعد.
ومن ذلك ما ذكرته في وصف كريم، فقلت: ولقد نزلت منه بمهلبي الصنع، أحنفي الأخلاق، ولقيته فكأ،ي لم أرع ممن أحب بلوعة الفراق، ولا كرامة للأهل والوطن حتى أقول إني قد استبدلت به أهلا ووطنا، وعهدي بالأيام وهي من الإحسان فاطمة فاستولدتها بجواره حسنا.
وهذه تورية لطيفة فإن فاطمة بنت رسول الله ( والحسن رضي الله عنهما ولدها، وفاطمة: هي اسم فاعلة من الفطام، يقال:فطمت فهي فاطمة، كما يقال: فطم فهو فاطم، والحسن: هو الشيء الحسن.
ومن هذا الأسلوب ما كتبته في فصل كتاب إلى بعض الإخوان، فقلت:وعهده بقلمي وهو يتحلى من البيان بأسمائه، وتبرز أنوار المعاني من ظلمائه، وقد أصبحت يدي منه وهي حمالة الحطب، وأصبح خاطري أبا جهل بعد أن كان أبا لهب.
وهذا أحسن من الأول، وأخلب عبارة، فانظر أيها المتأمل إلى ما فيه من التورية اللطيفة، ألا ترى أن الخاطر يحمد فيوصف بأنه وقاد وملتهب، ويذم فيوصف بأنه بليد وجاهل، وأبو لهب وأبو جهل:هما الرجلان المعروفان، وكذلك حمالة الحطب هي المرأة المعروفة،وإذا ذم القلم قيل: إنه حطب، وإن صاحبه حاطب، فلما نقلت أنا هذا إلى المعنى الذي قصدته جئت به على حكم المغالطة، ووريت فيه تورية، والمسلك إلى مثل هذه المعاني وتصحيح المقصد فيها عسر جدا، لا جرم أن الإجادة فيها قليلة.
ومما يجري هذا المجرى ما ذكرته في وصف شخص بمعالي الأمور، وهو: من أبر مساعيه أنه حاز قفل المكرمات ومفتاحها، فإذا سئل منقبة كان مناعها وإذا سئل موهبة كان مناحها، وأحسن أثرا من ذلك أنه أخذ بأعنة الصعاب وألان جماحها، فإذا شهد حومة حرب كان منصورها وإذا لقي مهجة خطب كان سفاحها.
والمغالطة في هذا الكلام في ذكر المنصور والسفاح، فإنهما لقب خليفتين من بني العباس، والسفاح: أول خلفائهم، والمنصور: أخوه الذي ولي الخلافة من بعده، وهما أيضاً من النصر في حومة الحرب والسفح الذي هو الإراقة، والمهجة: دم القلب، فكأني قلت: هو منصور في حومة الحرب، ومريق لدم الخطوب، وقد اجتمع في هذا الكلام المنصور والمنصور، والسفاح والسفاح، وهذا من المغالطة المثلية لا من النقيضية، ولا خفاء بما فيها من الحسن.

(1/231)


ومن ذلك ما كتبته في كتاب إلى بعض الإخوان، فقلت: وقد علمت أن ذلك الأنس بقربه يعقب إيحاشا، وأن تلك النهلة من لقائه تجعل الأكباد عطاشا، فإن من شيمة الدهر أن يبدل الصفو كدرا، ويوسع أيام عقوقه طولا وأيام بره قصرا، وما أقول إلا أنه شعر بتلك المسروقة فأقام عليها حد القطع، ورأى العيش فيها خفضا فأزاله بعامل الرفع.
والمغالطة في هذا الكلام هي في ذكر الخفض والرفع، فإن الخفض هو سعة العيش، والخفض هو أحد العوامل النحوية، والرفع: هو من قولنا رفعت الشيء، إذا أزلته، والرفع هو أحد العوامل النحوية أيضا، وهذا من المغالطات الخفية.
ومن ذلك ما كتبته في فصل أصف فيه الحمى، وكنت إذ ذاك بحصن سميساط، وهو بلد من بلاد الأرمن، فقلت:ومما أكره في حال المرض بهذه الأرض أن الحمى خيمت بها فاستقرت، ولم تقنع بأهلها حتى سرت إلى تربتها فترى وقد أخذتها النافض فاقشعرت، ولم يشكل أمرها إلا أنها حمى أرمنية مستعجمة اللسان، وقد تشتبه الأمراض وأهل بلادها في الأبان، وإذا كانت الحمى كافرة لم تزل للمسلم حربا، وشكاتها لا تسمى شكاة وإنما تسمى طعنا وضربا، ولهذا صارت الأدوية في علاجها ليست بأدوية، وأصبحت أيام نحرها في الناس غير مبتدأة بأيام تروية، وليس موسمها في فصل معلوم بل كل فصول العام من مواسمها، ولو كاتبتها نصيبين أو ميافارقين بكتاب لترجمته بعبدها وخادمها.
والمغالطة ههنا في قولي: " وأصبحت أيام نحرها في الناس غير مبتدأة بأيام تروية " والمراد بذلك أنها تقبل بغتة من غير ترو:أي من غير تلبث، ويوم النحر:هو يوم عيد الأضحى، وقبله يوم يسمى يوم التروية، فالمغالطة حصلت بين نحر الحمى للناس ونحر الضحايا، إلا أن يوم النحر مبتدأ بيوم التروية، ولا خفاء بما في هذه المغالطة من الحسن واللطافة.
وأما القسم الآخر وهو النقيض فإنه أقل استعمالا من القسم الذي قبله لأنه لا يتهيأ استعماله كثيرا.
فمن جملته ما ورد شعرا لبعضهم، وهو قوله:
وما أشياء تشريها بمال ... فإن نفقت فأكسد ما تكون
يقال: نفقت السلعة، إذا راجت، وكان لها سوق، ونفقت الدابة إذا ماتت، وموضع المناقضة ههنا في قوله: إنها إذا نفقت كسدت، فجاء بالشيء ونقيضه، وجعل هذا سببا لهذا، وذلك من المغالطة الحسنة.
ومن ذلك ما كتبته في جملة كتاب إلى ديوان الخلافة يتضمن فتوح بلد من بلاد الكفار، فقلت في آخر الكتاب: وقد ارتاد الخادم من يبلغ عنه مشاريح هذه الوقائع التي اختصرها، ويمثل صورها لمن غاب عنها كما تمثلت لمن حضرها، ويكون مكانه من النباهة كريما كمكانها، وهي عرائس المساعي فأحسن الناس بياناً مؤهل لإبداع حسانها، والسائر بها فلان وهو راوي أخبار نصرها التي صحتها في تجريح الرجال، وعوالي إسنادها مأخوذة من طرق العوال، والليالي والأيام لها رواة فما الظن برواية الأيام والليال.
وفي هذا الفصل مغالطة نقيضية، ومغالطة مثلية، أما المغالطة المثلية فهي في قولي: " وعوالي إسنادها مأخوذة من طرق العوال " وقد تقدم الكلام على هذا وما يجري مجراه في القسم الأول، وأما المغالطة النقيضية فهي قولي " وهو راوي أخبار نصرها التي صحتها في تجريح الرجال " وموضع المغالطة منه أنه يقال في رواة الأخبار: فلان عدل صحيح الرواية، وفلان مجروح: أي سقيم الرواية غير موثوق به، فأتيت بهذا المعنى على وجه النقيض، فقلت صحة أخبار هذه الفتوح في تجريح الرجل: أي تجريحهم في الحرب، وفي هذا من الحسن ما لا خفاء به.
وقد أوردت من هذه الأمثلة ما فيه كفاية ومقنع.
فإن قيل: إن الضرب الأول من هذا النوع هو التجنيس الذي لفظه واحد ومعناه مختلف كالمثال الذي مثلته في قول أبي الطيب المتنبي ثعلب ووجار، فإن الثعلب هو الحيوان المعروف، وهو أيضاً طرف السنان وكذلك باقي الأمثلة.
قلت في الجواب إن الفرق بين هذين النوعين ظاهر، وذاك أن التجنيس يذكر فيه اللفظ الواحد مرتين، فهو يستوي في الصورة ويختلف في المعنى، كقول أبي تمام:
بكل فتى ضرب يعرض للقنا ... محيا محلى حليه الطعن والضرب
فالضرب: الرجل الخفيف، والضرب: هو الضرب بالسيف في القتال، فاللفظ لا بد من ذكره مرتين والمعنى فيه مختلف، والمغالطة ليست كذلك، بل يذكر فيها اللفظ مرة واحدة، ويدل به على مثله، وليس بمذكور.
النوع الحادي والعشرون

(1/232)


في الأحاجي
وهي الأغاليط من الكلام وتسمى الألغاز، جمع لغز وهو الطريق الذي يلتوي ويشكل على سالكه، وقيل: جمع لغز بفتح اللام وهو: ميلك بالشيء عن وجهه، وقد يسمى هذا النوع أيضاً المعمى، وهو يشتبه بالكناية تارة، وبالتعريض أخرى، ويشتبه أيضاً بالمغالطات المعنوية، ووقع في ذلك عامة أرباب هذا الفن.
فمن ذلك أن أبا الفرج الأصفهاني ذكر بيتي الأقيشر الأسدي في جملة الألغاز وهما:
ولقد أروح بمشرف ذي ميعة ... عسر المكرة ماؤه يتفصد
مرح يطير من المراح لعابه ... ويكاد جلد إهابه يتقدد
وهذان البيتان من باب الكناية، لأنهما يحملان على الفرس، وعلى العضو المخصوص، وإذا حمل اللفظ على الحقيقة والمجاز فكيف يعد من جملة الألغاز؟ وكذلك فعل الحريري في مقاماته، فإنه ذكر في الأحاجي التي جعلها حكم الفتاوي كناية ومغالطة معنوية، وظن أنهما من الأحاجي الملغزة، كقوله: أيحل للصائم أن يأكل نهارا، والنهار: من الأسماء المشتركة بين النهار الذي هو ضد الليل وبين فرخ الحبارى، فإنه يسمى نهارا، وإذا كان من الأسماء المشتركة صار من باب المغالطات المعنوية، لا من باب الأحاجي، والإلغاز شيء منفصل عن ذلك كله، ولو كان من جملته لما قيل لغز،وأحجية، وإنما قيل كناية، وتعريض،أو مغالطة، ولكن وجد من الكلام ما يطلق عليه الكناية ومنه ما يطلق عليه التعريض، ومنه ما يطلق عليه المغالطة، ومنه شيء آخر خارج عن ذلك، فجعل لغزا وأحجية.
وكنت قدمت القول بأن الكناية هي اللفظ الدال على جانب الحقيقة وعلى جانب المجاز، فهو يحمل عليهما معا، وأن التعريض هو ما يفهم من عرض اللفظ لا من دلالته عليه حقيقة ولا مجازا، وأن المغالطة هي التي تطلق ويراد بها شيئان: أحدهما دلالة اللفظ على معنيين بالاشتراك الوضعي، والآخر دلالة اللفظ على المعنى ونقيضه.
وأما اللغز والأحجية فإنهما شيء واحد، وهو: كل معنى يستخرج بالحدس والحزر، لا بدلالة اللفظ عليه حقيقة ولا مجازا، ويفهم من عرضه، لأن قول القائل في الضرس:
وصاحب لا أمل الدهر صحبته ... يشقى لنفعي ويسعى سعي مجتهد
ما إن رأيت له شخصا فمذ وقعت ... عيني عليه افترقنا فرقة الأبد
لا يدل على أنه الضرس، لا من طريق الحقيقة ولا من طريق المجاز، ولا من طريق المفهوم، وإنما هو شيء يحدس ويحزر، والخواطر تختلف في الإسراع والإبطاء عند عثورها عليه.
فإن قيل إن اللغز يعرف من طريق المفهوم وهذان البيتان يعلم معناهما بالمفهوم.
قلت في الجواب: إن الذي يعلم بالمفهوم إنما هو التعريض، كقول القائل: إني لفقير، وإني لمحتاج فإن هذا القول لا يدل على المسألة والطلب، لا حقيقة ولا مجازا، وإنما فهم منه أن صاحبه متعرض للطلب، وهذان البيتان ليسا كذلك، فإنهما لا يشتملان على ما يفهم منه شيء إلا بالحدس والحزر، لا غير وكذلك كل لغز من الألغاز.
وإذا ثبت هذا فاعلم أن هذا الباب هو اللغز والأحجية والمعمى يتنوع أنواعا: فمنه المصحف، ومنه المعكوس، ومنه ما ينقل إلى لغة من اللغات غير العربية، كقول القائل: إسمي إذا صحفته بالفارسية آخر، وهذا اسمه اسم تركي، وهو دنكر، بالدال المهملة والنون، وأخر بالفارسية ديكر بالدال المهملة والياء المعجمة بثنتين من تحت وإذا صفحت هذه الكلمة صارت دنكر، بالنون فانقلبت الياء نونا بالتصحيف، وهذا غير مفهوم إلا لبعض الناس دون بعض.
وإنما وضع واستعمل لأنه مما يشحذ القريحة، ويحد الخاطر، لأنه يشتمل على معان دقيقة يحتاج في استخراجها إلى توقد الذهن، والسلوك في معاريج خفية من الفكر.
وقد استعمله العرب في أشعارهم قليلا ثم جاء المحدثون فأكثروا منه. وربما أتي منه بما يكون حسنا وعليه مسحة من البلاغة، وذلك عندي بين بين، فلا أعده من الأحاجي، ولا أعده من فصيح الكلام.
فما جاء منه قول بعضهم:
قد سقيت آبالهم بالنار ... والنار قد تشفي من الأوار

(1/233)


ومعنى ذلك أن هؤلاء القوم الذين هم أصحاب الإبل ذوو وجاهة وتقدم، ولهم وسم معلوم، فلما وردت إبلهم الماء عرفت بذلك الوسم، فأفرج لها الناس حتى شربت، وقد اتفق له أنه أتى في هذا البيت بالشيء وضده، وجعل أحدهما سببا للآخر، فصار غريبا عجيبا، وذاك أنه قال: سقيت بالنار، وقال: إن النار تشفي من الأوار، وهو العطش وهذا من محاسن ما يأتي في هذا الباب.
ومما يجري على هذا النهج قول أبي النواس في شجر الكرم
لنا هجمة لا يدري الذئب سخلها ... ولا راعها غض الفحالة والحظر
إذا امتحنت ألوانها مال صفوها ... إلى الحو إلا أن أوبارها خضر
ومن هذا القبيل قول بعضهم:
سبع رواحل ما ينخن من الونا ... شيم تساق بسبعة زهر
متواصلات لا الدءوب يملها ... باق تعاقبها على الدهر
هذان البيتان يتضمنان وصف أيام الزمان ولياليه، وهي الأسبوع، فإن الزمان عبارة عنه، وذلك من الألغاز الواقعة في موقعها.
وعلى هذا الأسلوب ورد قول أبي الطيب المتنبي في السن من جملة قصيدته التي مدح بها سيف الدولة عند ذكر عبوره الفرات وهي:
الرأي قبل شجاعة الشجعان
فقال:
وحشاه عادية بغير قوائم ... عقم البطون حوالك الألوان
تأتي بما سبت الخيول كأنها ... تحت الحسان مرابض العزلان
وهذا حسن في بابه.
ومن ذلك قول بعضهم في حجر المحك:
ومدرع من صنعة الليل برده ... يفوق طورا بالنضار ويطلس
إذا سألوه عن عويصين أشكلا ... أجاب بما أعيا الورى وهو أخرس
وهذا من اللطافة على ما يشهد لنفسه، وكان سمعه بعض المتأخرين من أهل زماننا، فأجاب عنه ببيتين على وزنه وقافيته وهما: ؟سؤالك جلمود من الصخر أسود خفيف لطيف ناعم الجسم أطلس
أقيم بسوق الصرف حكما كأنه ... من الزنج قاض بالخلوق مطلس
وقد رأيت هذا الشاعر، وهو حائك بجزيرة ابن عمر، وليس عنده من أسباب الأدب شيء سوى أنه قد أصلح لسانه بطرف يسير من علم النحو لا غير، وهو مع ذلك يقول الشعر طبعا، وكان يجيد في الكثير منه.
ومن الألغاز ما يرد على حكم المسائل الفقهية، كالذي أورده الحريري في مقاماته، وكنت سئلت عن مسألة منه وهي:
ولي خالة وأنا خالها ... ولي عمة وأنا عمها
فأما التي أنا عم لها ... فإن أبي أمه أمها
أبوها أخي وأخوها أبي ... ولي خالة هكذا حكمها
فأين الفقيه الذي عنده ... فنون الدراية أو علمها
يبين لنا نسبا خالصا ... ويكشف للنفس ما همها
فلسنا مجوسا ولا مشركين ... شريعة أحمد نأتمها
وهذه المسألة كتبت إلى فتأملتها تأمل غير ملجلج في الفكر، ولم ألبث أن أنكشف لي ما تحتها من اللغز، وهو أن الخالة التي الرجل خالها تصور على هذه الصورة، وذاك أن رجلا تزوج امرأتين: اسم إحداهما عائشة، واسم الأخرى فاطمة، فأولد عائشة بنتا، وأولد فاطمة ابنا، ثم زوج بنته من أبي امرأته فاطمة، فجاءت ببنت، فتلك البنت هي خالة ابنه، وهو خالها، لأنه أخو أمها. وأما العمة التي هو عمها فصورتها أن رجلا له ولد، ولولده أخ من أمه، فزوج أخاه من أمه أم أبيه، فجاء بنت، فتلك البنت هي عمته، لأنها أخت أبيه، وهو عمها، لأنه أخو أبيها، وأما قوله: " ولي خالة هكذا حكمها " فهو أن تكون أمها أخته، وأختها أمه، كما قال: " أبوها أخي وأخوها أبي " وصورتها أن رجلا له ولد ولولده أخت من أمه، فزوجها من أبي أمه، فجاءت ببنت، فأختها أمه، وأمها أخته.
وأحسن من ذلك كله وألطف وأحلى قول بعضهم في الخلخال:
ومضروب بلا جرم ... مليح اللون معشوق
له قد الهلال على ... مليح القد ممشوق
وأكثر ما يرى أبدا ... على الأمشاط في السوق
وبلغني أن بعض الناس سمع هذه الأبيات، فقال:قد دخلت السوق فما رأيت على الأمشاط شيئا، وظن أنها الأمشاط التي يرجل بها الشعر، وأن السوق سوق البيع والشراء.

(1/234)


واعلم أنه قد يأتي من هذا النوع ما هو ضروب وألوان، فمنه الحسن الذي أوردت شيئا منه كما تراه، ومنه المتوسط الذي هو دونه في الدرجة، فلا يوصف بحسن ولا قبح، كقول بعضهم:
راحت ركائبهم وفي أكوارها ... ألفان من عم الأثيل الواعد
ما إن رأيت ولا باركب هكذا ... حملت حدائق كالظلام الراكد
وهذا يصف قوما وفدوا على ملك من الملوك فأعطاهم نخلا، وكتب لهم بها كتابا، والأثيل: الموضع الذي كتب لهم إليه، والعم: العظام الرءوس من النخيل، والواعد: الأقناء من النخل، فلما حملوا الكتب في أكوارهم فكأنهم حملوا النخل، وهذا من متوسط الألغاز.
وقد جاء من ذلك ما هو بشع بارد، فلا يستخرج إلا بمسائل الجبر والمقابلة، أو بخطوط الرمل من القبض الداخل أو القبض الخارج والبياض والحمرة وغيرها، ولئن كان معناه دقيقا يدل على فرط الذكاء فإني لا أعده من اللغة العربية، فضلا عن أن يوصف بصفات الكلام المحمودة ولا فرق بينه وبين لغة الفرس والروم وغيرهما من اللغات في عدم الفهم.
وأما ما ورد من الألغاز فقد ألغز الحريري في مقاماته ألغازا ضمنها ذكر الإبرة والمرود وذكر الدينار، وهي أشهر كما يقال من قفا نبك، فلا حاجة إلى إيرادها في كتابي هذا.
وقد ورد في الألغاز شيء في كلام العرب المنثور غير أنه قليل بالنسبة إلى ما ورد في أشعارها، وقد تأملت القرآن الكريم فلم أجد فيه شيئا منها، ولا ينبغي أن يتضمن منها شيئا، لأنه لا يستنبط بالحدس والحزر كما تستنبط الألغاز.
وأما ما ورد للعرب فيروى عن امرئ القيس وزوجته عدة من الألغاز، وذاك أنه سألها قبل أن يتزوجها، فقال:ما اثنان وأربعة وثمانية؟ فقالت: أما الإثنان فثديا المرأة، وأما الأربعة فأخلاف الناقة، وأما الثمانية فأطباء الكلبة، ثم إنه تزوجها وأرسل إليها هدية على يد عبد له، وهي حلة من عصب اليمن ونحي من عسل ونحي من سمن، فنزل العبد ببعض المياه ولبس الحلة فعلق طرفها بسمرة فانشق، وفتح النحيين وأطعم أهل الماء، ثم قدم على المرأة وأهلها خلوف، فسأل عن أبيها وأمها وأخيها، ودفع إليها الهدية، فقالت له: أعلم مولاك أن أبي ذهب يقرب بعيدا ويبعد قريبا، وأن أمي ذهبت تشق النفس لنفسين، وأن أخي يرقب الشمس، وأخبره أن سماءكم انشقت، وأن وعاءيكم نضبا، فعاد العبد إلى امرئ القيس وأخبره بما قالته له، فقال: أما أبوها فإنه ذهب يحالف قوما على قومه، وأما أمها فإنها ذهبت تقبل امرأة، وأما أخوها فإنه في سرح يرعاه إلى أن تغرب الشمس، وأما قولها: " إن سماءكم انشقت " فإن الحلة انشقت، وأما قولها: " إن وعاءيكم نضبا " فإن النحيين نقصا، ثم قال للعبد: أصدقني، فقال له: إني نزلت بماء من مياه العرب، وفعلت كذا وكذا.
فهذا وأمثاله قد ورد عنهم إلا أنه يسير.
وكذلك يروى عن شن بن أقصى، وكان ألزم نفسه ألا يتزوج إلا امرأة تلائمه، فصاحبه رجل في بعض أسفاره، فلما أخذ منهما السير قال له شن: أتحملني أم أحملك؟ فقال له الرجل: يا جاهل، هل يحمل الراكب راكبا؟ فأمسك عنه، وسارا حتى أتيا على زرع، فقال شن: أترى هذا الزرع قد أكل؟ فقال له: يا جاهل، أما تراه في سنبله، فأمسك عنه، ثم سارا، فاستقبلتهما جنازة، فقال شن: أترى صاحبها حيا؟ فقال له الرجل: ما رأيت أجهل منك أتراهم حملوا إلى القبر حيا؟ ثم إنهما وصلا إلى قرية الرجل،فسار إلى بيته، وكانت له بنت، فأخذ يطرفها بحديث رفيقه، فقالت ما نطق إلا بالصواب، ولا استفهم إلا عما يستفهم عن مثله، أما قوله: " أتحملني أم أحملك " فإنه أراد أتحدثني أم أحدثك حتى نقطع الطريق بالحديث، وأما قوله " أترى هذا الزرع قد أكل " فإنه أراد هل استسلف ربه ثمنه أم لا، وأما استفهامه عن صاحب الجنازة فإنه أراد هل خلف له عقبا يحيا بذكره أم لا، فلما سمع كلام ابنته خرج إلى شن وحدثه بتأويلها فخطبها فزوجه إياها.

(1/235)


وأدق من هذا كله وألطف ما يحكى عن رجل من المناقذة أصحاب شيزر، وهو أولهم الذي استنقذه من أيدي الروم بالمكر والخديعة، ولذلك قصة ظريفة، وليس هذا موضع ذكرها، وكان قبل ملكه إياها في خدمة محمود بن صالح صاحب حلب، وكان إذ ذاك يلقب بسديد الملك، فنبا به مكانه، وحدثت له حادثة أوجبت له أن هرب ومضى إلى مدينة ترابلس في زمن بني عمار أصحاب البلد، فأرسل إليه ابن صالح واستعطفه ليعود إليه، فخافه ولم يعد، فأحضر ابن صالح رجلا من أهل حلب صديقا لابن منقذ وبينه وبينه لحمة مودة أكيدة، وأجلسه بين يديه، وأمره أن يكتب إليه كتابا عن نفسه يوثقه من جهة ابن صالح ليعود، فما وسعه إلا أن يكتب وهو يعلم أن باطن الأمر في ذلك خلاف ظاهره، وأنه متى عاد ابن منقذ إلى حلب هلك، فأفكر وهو يكتب في إشارة عمياء لا تفهم، ليضعها فيه يحذر بها ابن منقذ،فأداه فكره أن كتب في آخر الكتاب عند إنهائه : " إن شاء الله " وشدد إن وكسرها، ثم سلم الكتاب إلى ابن صالح، فوقف عليه وأرسله إلى ابن منقذ، فلما صار في يده وعلم ما فيه قال: هذا كتاب صديقي، وما يغشني، ولولا أنه يعلم صفاء قلب ابن صالح لي لما كتب إلي ولا غرني، ثم عزم على العود وكان عنده ولده، فأخذ الكتاب وكرر نظره فيه، ثم قال له: يا أبت مكانك، فإن صديقك قد حذرك، وقال: لا تعد، فقال: وكيف؟ قال: إنه قد كتب إن شاء الله تعالى في آخر الكتاب، وشدد إن وكسرها، وضبطها ضبطا صحيحا لا يصدر مثله عن سهو، ومعنى ذلك أنه يقول: إن الملا يأتمرون بك ليقتلوك، وإن شككت في ذلك فأرسل إلى حلب.
وهذا من أعجب ما بلغني من حدة الذهن وفطانة الخاطر، ولولا أنه صاحب الحادثة المخوفة لما تفطن إلى مثل ذلك أبدا، لأنه ضرب من علم الغيب، وإنما الخوف دله على استنباط ما استنبطه.
ووجد لبعض الأدباء لغز في حمام، فمنه ما أجاد فيه، كقوله: وقد أظلتها سماء ذات نجوم، لا استراق لها ولا رجوم، وهي مركبة في فلك صحت استدارته، وسكنت إدارته:
أعجب بها من أنجم ... عند الصباح ظاهره
لكنها إذا بدا ... نجم الظلام غائره
فهي على القياس جنة نعيم، مبنية على لظى جحيم، لا خلود فيها ولا مقام، ولا تزاور بين أهلها ولا سلام أنهارها متدفقة، ومياهها مترقرقة، والأكواب بها موضوعة والنمارق عنها منزوعة:
يطيع بها المولى أوامر عبده ... ويصبح طوعا في يديه مقاتله
ويرفع عنه التاج عند دخوله ... وتسلب من قبل الجلوس غلائله
هذا اللغز من فصيح الألغاز، ولا يقال: إن صاحبه في العمى صانع العكاز، وإذا تطرز غيره بلمعة من الوشي فهذا كله طراز.
ومما سمعته من الألغاز الحسان التي تجري في المحاورات ما يحكى عن عمر بن هبيرة وشريك النميري، وذاك أن عمر بن هبيرة كان سائرا على برذون له، وإلى جانبه شريك النميري على بغلة، فتقدمه شريك في المسير، فصاح به عمر: اغضض من لجامها، فقال: أصلح الله الأمير، إنها مكتوبة، فتبسم عمر ثم قال له: ويحك لم أرد هذا، فقال له شريك ولا أنا أردته.
وكان عمر أراد قول جرير:
فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا
فأجابه شريك بقول الآخر:
لا تأمنن فزاريا نزلت به ... على قلوصك واكتبها بأسيار
وهذا من الألغاز اللطيفة، وتفطن كل من هذين الرجلين لمثله ألطف وأحسن.
ومما يجري هذا المجرى أن رجلا من تميم قال لشريك النميري: ما في الجوارح أحب إلي من البازي؟ فقال له شريك: إذا كان يصيد القطا.
وكان التميمي أراد قول جرير:
أنا البازي المطل على نمير ... أتيح من السماء لها انصبابا
وأراد شريك قول الطرماح:
تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا ... ولو سلكت طرق المكارم ضلت
واعلم أن خواطر الناس تتفاضل كتفاضل الأشخاص، ومن ههنا قيل: سبحان خالق أبي موسى وعمرو بن العاص.
النوع الثاني والعشرون
في المبادي والافتتاحات
هذا النوع هو أحد الأركان الخمسة البلاغية المشار إليها في الفصل التاسع من مقدمة الكتاب.

(1/236)


وحقيقة هذا النوع: أن يجعل مطلع الكلام من الشعر أو الرسائل دالا على المعنى المقصود من ذلك الكلام: إن كان فتحا ففتحا، وإن كان هناء فهناء، أو كان عزاء فعزاء، وكذلك يجري الحكم في غير ذلك من المعاني.
وفائدته أن يعرف من مبدأ الكلام ما المراد به ولم هذا النوع.
والقاعدة التي يبني عليها أساسه أنه يجب على الشاعر إذا نظم قصيدا أن ينظر، فإن كان مديحا صرفا لا يختص بحادثة من الحوادث فهو مخير بين أن يفتتحها بغزل أو لا يفتتحها بغزل، بل يرتجل المديح ارتجالا من أولها كقول القائل:
إن حارت الألباب كيف تقول ... في ذا المقام فعذرها مقبول
سامح بفضلك مادحيك فما لهم ... أبدا إلى ما تستحق سبيل
إن كان لا يرضيك إلا محسن ... فالمحسنون إذا لديك قليل
فإن هذا الشاعر ارتجل المديح من أول القصيدة فأتى به كما ترى حسنا لائقا.
وأما إذا كان القصيد في حادثة من الحوادث، كفتح مقفل أو هزيمة جيش أو غير ذلك، فإنه لا ينبغي أن يبدأ فيها بغزل، وإن فعل ذلك دل على ضعف قريحة الشاعر وقصوره عن الغاية، أو على جهله بوضع الكلام في مواضعه.
فإن قيل: إنك قلت: يجب على الشاعر كذا وكذا فلم ذلك؟ قلت في الجواب إن الغزل رقة محضة، والألفاظ التي تنظم في الحوادث المشار إليها من فحل الكلام ومتين القول، وهي ضد الغزل، وأيضا فإن الأسماع تكون متطلعة إلى ما يقال في تلك الحوادث والابتداء بالخوض في ذكرها لا الابتداء بالغزل إذ المهم واجب التقديم.
ومن أدب هذا النوع ألا يذكر الشاعر في افتتاح قصيدة المديح ما يتطير منه، وهذا يرجع إلى أدب النفس، لا إلى أدب الدرس، فينبغي أن يحترز منه في مواضعه، كوصف الديار بالدثور والمنازل بالعفاء، وغير ذلك من تشتت الآلاف وذم الزمان لا سيما إذا كان في التهاني، فإنه يكون أشد قبحا، وإنما يستعمل ذلك في الخطوب النازلة والنوائب الحادثة، ومتى كان الكلام في المديح مفتتحا بشيء من ذلك تطير منه سامعه.
وإنما خصت الاتبداءات بالاختيار لأنها أول ما يطرق السمع من الكلام، فإذا كان الابتداء لائقا بالمعنى الوارد بعده توفرت الدواعي على استماعه، ويكفيك من هذا الباب الابتداءات الواردة في القرآن الكريم، كالتحميدات المفتتح بها في أوائل السور، وكذلك الابتداءات بالنداء كقوله تعالى في مفتتح سورة النساء: " يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة " وكقوله تعالى في أول سورة الحج: " يأيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم " فإن هذا الابتداء مما يوقظ السامعين للإصغاء إليه، وكذلك الابتداءات بالحروف كقوله تعالى: " ألم " و " طس " و " حم " وغير ذلك، فإن هذا أيضاً مما يبعث على الاستماع إليه لأنه يقرع السمع شيء غريب ليس له بمثله عادة، فيكون ذلك سببا للتطلع نحوه والإصغاء إليه.
ومن قبيح الابتداءات قول ذي الرمة:
ما بال عينك منها الماء ينسكب
لأن مقابلة الممدوح بهذا الخطاب لا خفاء بقبحه وكراهته.
ولما أنشد الأخطل عبد الملك بن مروان قصيدته التي أولها:
خف القطين فراحوا منك أو بكروا
قال له عند ذلك: لا، بل منك، وتطير من قوله، فغيرها ذو الرمة، وقال:
خف القطين فراحوا اليوم أو بكروا
ومن شاء أن يذكر الديار والأطلال في شعره فليتأدب بأدب القطامي على جفاء طبعه، وبعده عن فطانة الأدب فإنه قال:
إنا محيوك فاسلم أيها الطلل
فبدأ قبل ذكر الطلل بذكر التحية والدعاء له بالسلامة، وقد قيل: إن امرأ القيس كان يجيد الابتداء كقوله:
ألا انعم صباحا أيها الطلل البالي
وكقوله:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
ومما يكره من الابتداءات قول أبي تمام:
تجرع أسى قد أقفر الجرع الفرد
وإنما ألقى أبا تمام في مثل هذا المكروه تتبعه للتجنيس بين تجرع والجرع، وهذا دأب الرجل، فإنه كثيراً ما يقع في مثل ذلك: وكذلك استقبح قول البحتري:
فؤاد ملاه الحزن حتى تصدعا
فإن ابتداء المديح بمثل هذا طيرة ينبو عنها السمع، وهو أجدر بأن يكون ابتداء مرئية لا مديح، وما أعلم كيف يخفى على مثل البحتري وهو من مفلقي الشعراء.

(1/237)


وحكي أنه لما فرغ المعتصم من بناء قصره بالميدان جلس فيه وجمع أهله وأصحابه، وأمرهم أن يخرجوا في زينتهم، فما رأى الناس أحسن من ذلك اليوم، فاستأذن إسحق بن إبراهيم الموصلي في الإنشاد، فأذن له، فأنشد شعرا حسنا أجاد فيه، إلا أنه استفتحه بذكر الديار وعفائها فقال:
يا دار غيرك البلى ومحاك ... يا ليت شعري ما الذي أبلاك
فتطير المعتصم بذلك، وتغامز الناس على إسحق بن إبراهيم كيف ذهب عليه مثل ذلك مع معرفته وعلمه وطول خدمته للملوك، ثم أقاموا يومهم وانصرفوا، فما عاد منهم اثنان إلى ذلك المجلس وخرج المعتصم إلى سر من رأى، وخرب القصر.
فإذا أراد الشاعر أن يذكر دارا في مديحه فليذكر كما ذكر أشجع السلمي حيث قال:
قصر عليه تحية وسلام ... خلعت عليه جمالها الأيام
وما أجدر هذا البيت بمفتتح شعر إسحق بن إبراهيم الذي أنشده للمعتصم، فإنه لو ذكر هذا أو ما جرى مجراه لكان حسنا لائقا.
وسئل بعضهم عن أحذق الشعراء فقال: من أجاد الابتداء والمطلع، ألا ترى إلى قصيدة أبي نواس التي أولها:
يا دار، ما فعلت بك الأيام ... لم تبق فيك بشاشة تستام
فإنها من أشرف شعره وأعلاه منزلة، وهي مع ذلك مستكرهة الابتداء، لأنها في مدح الخليفة الأمين، وافتتاح المديح بذكر الديار ودثورها مما يتطير منه، لا سيما في مشافهة الخلفاء والملوك.
ولهذا يختار في ذكر الأماكن والمنازل ما رق لفظه وحسن النطق به، كالعذيب والغوير ورامة وبارق والعقيق، وأشباه ذلك.
ويختار أيضاً أسماء النساء في الغزل نحو سعاد وأميم وفوز، وما جرى هذا المجرى.
وقد عيب على الأخطل في تغزله بقذور، وهو اسم امرأة، فإنه مستقبح في الذكر، وقد عيب على غيره التغزل باسم تماضر، فإنه وإن لم يكن مستقبحا في معناه فإنه ثقيل على اللسان، كما قال البحتري:
إن للبين منة لا تؤدى ... ويدا في تماضر بيضاء
فتغزله بهذا الاسم مما يشوه الغزل، ويثقل من خفته، وأمثال هذه الأشياء يجب مراعاتها والتحرز منها.
وقد استثنى من ذلك ما كان اسم موضع تضمن وقعة من الوقائع، فإن ذكره لا يكره، وإن كان في اسمه كراهة، كما ذكر أبو تمام في شعره مواضع مكروهة الأسماء لضرورة ذكر الوقائع التي كانت بها، كذكر الحشال وعقوقس وأمثالهما، وكذلك ذكر أبو الطيب المتنبي هنزيط وشميصاط وما جرى مجراهما، وهذا لا عيب في ذكره لمكان الضرورة التي تدعو إليه، وهكذا يسامح الشاعر والكاتب أيضاً في ذكر ما لا بد من ذكره وإن قبح، ومهما أمكنه من التورية في هذا المقام فليسلكها، وما لا يمكنه فإنه معذور فيه.
واعلم أنه ليس من شرط الابتداء ألا يكون مما يتطير منه فقط، فإن من الابتداءات ما يستقبح وإن لم يتطير منه، كقول أبي تمام:
قدك اتئب أربيت في الغلواء
وكقوله:
تقي جماتي لست طوع مؤنبي
وكقول أبي الطيب المتنبي:
أقل فعالي بله أكثره مجد
وكقوله:
كفي أراني ويك لومك ألوما
والعجب من هذين الشاعرين المفلقين يبتدئان بمثل ذلك ولهما من الابتداءات الحسنة ما أذكره.
أما أبو تمام فإنه افتتح قصيدته التي مدح بها المعتصم عند فتحه مدينة عمورية فقال:
السيف أصدق أنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب
بيض الصفائح لا سود الصحائف في ... متونهن جلاء الشك والريب
وهذه الأبيات لها قصة، وذاك أنه لما حضر المعتصم مدينة عمورية زعم أهل النجامة أنها لا تفتح في ذلك الوقت،وأفاضوا في هذا، حتى شاع، وصار أحدوثة بين الناس، فلما فتحت بنى أبو تمام مطلع قصيدته على هذا المعنى، وجعل السيف أصدق من الكتب التي خبرت بامتناع البلد واعتصامها، ولذلك قال فيها:
والعلم في شهب الأرماح لامعة ... بين الخميسين لا في السبعة الشهب
أين الرواية أم أين النجوم وما ... صاغوه من زخرف فيها ومن كذب
تخرصا وأحاديثا ملفقة ... ليست بنبع إذا عدت ولا غرب
وهذا من أحسن ما يأتي في هذا الباب.
وكذلك قوله في أول قصيدة يمدحه بها أيضا، ويذكر فيها خروج بابك الخرمي عليه، وظفره به، وهي من أمهات شعره، فقال:

(1/238)


الحق أبلج والسيوف عوار ... فحذار من أسد العرين حذار
وكذلك قوله متغزلا:
عسى وطن يدنو بهم ولعلما ... وأن تعتب الأيام فيهم فربما
وهذا من الأغزال الحلوة الرائقة، وهو من محاسن أبي تمام المعروفة.
وكذلك قوله في أول مرثية:
أصم بك الناعي وإن كان أسمعا ... وأصبح مغنى الجود بعدك بلقعا
وأما أبو الطيب فإنه أكثر من الابتداءات الحسنة في شعره، كقوله في قصيدة يمدح بها كافورا، وكان قد جرت بينه وبين ابن سيده نزغة، فبدأ قصيدته بذكر الغرض المقصود فقال:
حسم الصلح ما اشتهته الأعادي ... وأذاعته ألسن الحساد
وهذا من بديع الابتداء ونادره.
وكذلك ورد قوله في سيف الدولة، وكان ابن الشمشقيق حلف ليلقينه كفاحا، فلما التقيا لم يطق ذلك، وولى هاربا، فافتتح أبو الطيب قصيدته بفحوى الأمر فقال:
عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم ... ماذا يزيدك في إقدامك القسم
وفي اليمين على ما أنت واعده ... ما دل أنك في الميعاد متهم
وكذلك قوله وقد فارق سيف الدولة وسار إلى مصر، فجمع بين ذكر فراقه إياه ولقائه كافورا في أول بيت من القصيدة، فقال:
فراق ومن فارقت غير مدمم ... وأم ومن يممت خير ميمم
ومن البديع النادر في هذا الباب قوله متغزلا في مطلع قصيدته القافية وهي:
أتراها لكثرة العشاق ... تحسب الدمع خلقة في المآقي
وله مواضع أخر كثيرة لا حاجة إلى ذكرها.
ومن محاسن الابتداءات التي دلت علىالمعنى من أول بيت في القصيدة ما قرأته في كتاب الروضة لأبي العباس المبرد، فإنه ذكر غزوة غزاها الرشيد هارون رحمه الله في بلاد الروم، وأن نقفور ملك الروم خضع له، وبذل الجزية، فلما عاد عنه واستقر بمدينة الرقة وسقط الثلج نقض نقفور العهد، فلم يجسر أحد على إعلام الرشيد، لمكان هيبته في صدور الناس، وبذل يحيى بن خالد للشعراء الأموال على أن يقولوا أشعارا في إعلامه، فكلهم أشفق من لقائه بمثل ذلك، إلا شاعرا من أهل جدة يكنى أبا محمد، وكان شاعرا مفلقا، فنظم قصيدة وأنشدها الرشيد أولها:
نقض الذي أعطيته نقفور ... فعليه دائرة البوار تدور
أبشر أمير المؤمنين فإنه ... فتح أتاك به الإله كبير
نقفور، إنك حين تغدرا، نأى ... عنك الإمام لجاهل مغرور
أظننت حين غدرت أنك مفلت ... هبلتك أمك ما ظننت غرور
فلما أنهى الأبيات قال الرشيد: أو قد فعل؟ ثم غزاه في بقية الثلج وفتح مدينة هرقلة.
وقرأت في كتاب الأغاني لأبي فرج الأصبهاني ما رواه من شعر سديف في تحريض الخليفة السفاح رحمه الله على بني أمية، فقال:قدم سديف من مكة إلى الحيرة، والسفاح بها، ووافق قدومه جلوس السفاح للناس، وكان بنو أمية يجلسون عنده على الكراسي تكرمة لهم، فلما دخل عليه سديف حسر لثامه، وأنشده أبياتا من الشعر، فالتفت رجل من أولاد سليمان بن عبد الملك وقال لآخر جانبه قتلنا والله العبد، فلما أنهى الأبيات أمر بهم السفاح فأخرجوا من بين يديه وقتلوا عن آخرهم، وكتب إلى عماله بالبلاد يأمرهم بقتل من وجدوه منهم ومن الأبيات:
أصبح الدين ثابتا في الأساس ... بالبهاليل من بني العباس
أنت مهدي هاشم وهداها ... كم أناس رجوك بعد إياس
لا تقيلن عبد شمس عثارا ... واقطعن كل رقلة وغراس
أنزلوها بحيث أنزلها الله ... بدار الهوان والإتعاس
خوفهم أظهر التودد فيهم ... وبهم منكم كحز المواسي
أقصهم أيها الخليفة واحسم ... عنك بالسيف شأفة الأرجاس
واذكرن مصرع الحسين وزيد ... وقتيلا بجانب المهراس
ولقد ساءني وساء سوائي ... قربهم من منابر وكراسي
وهذه الأبيات من فاخر الشعر ونادره افتتاحا وابتداء وتحريضا وتأليبا، ولو وصفتها من الأوصاف ما شاء الله وشاء الإسهاب والإطناب لما بلغت ما لها من الحسن.
ومن لطيف الابتداءات ما ذكره مهيار وهو:
أما وهواها عذرة وتنصلا ... لقد نقل الواشي إليها فأمحلا

(1/239)


سعى جهده، لكن تجاوز حده ... وكثر فارتابت، ولو شاء قللا
فإنه أبرز الاعتذار في هيئة الغزل، وأخرجه في معرض النسيب، وكان وشي به إلى الممدوح فافتتح قصيدته بهذا المعنى فأحسن.
ومما جاء على نحو من ذلك قول بعض المتأخرين من العراقيين
وراءك أقوال الوشاة الفواجر ... ودونك أحوال الغرام المخامر
ولولا ولوع منك بالصد ما سعوا ... ولولا الهوى لم أنتدب للمعاذر
فسلك في هذا القول مسلك مهيار، إلا أنه زاد عليه زيادة حسنة، وهي المعاتبة على الإصغاء إلى أقوال الوشاة والاستماع منهم، وذلك من أغرب ما قيل في هذا المعنى.
ومن الحذاقة في هذا الباب أن تجعل التحميدات في أوائل الكتب السلطانية مناسبة لمعاني تلك الكتب، وإنما خصصت الكتب السلطانية دون غيرها لأن التحاميد لا تصدر في غيرها، فإنها تكون قد تضمنت أمورا لائقة بالتحميد، كفتح مقفل، أو هزيمة جيش، أو ما جرى هذا المجرى.
ووجدت أبا إسحاق الصابي على تقدمه في فن الكتابة قد أخل بهذا الركن الذي هو من أوكد أركان الكتابة فإذا أتى بتحميدة في كتاب من هذه الكتب لا تكون مناسبة لمعنى ذلك الكتاب، وإنما تكون في واد والكتاب في واد، إلا ما قل من كتبه.
فما خالف فيه مطلع معناه أنه كتب كتابا يتضمن فتح بغداد وهزيمة الأتراك عنها، وكان ذلك فتحا عظيما فابتدأ بالتحميد، فقال: الحمد لله رب العالمين، الملك الحق المبين، الوحيد الفريد، العلي المجيد، الذي لا يوصف إلا بسلب الصفات، ولا ينعت إلا برفع النعوت، الأزلي بلا ابتداء الأبدي بلا انتهاء، القديم لا منذ أمد محدود، الدائم لا إلى أجل معدود، الفاعل لا من مادة استمدها ولا بآلة استعملها، الذي لا تدركه الأعين بلحاظها، ولا تحده الألسن بألفاظها، ولا تخلقه العصور بمرورها، ولا تهرمه الدهور بكرورها، ولا تضارعه الأجسام بأقطارها، ولا تجانسه الصور بأعراضها، ولا تجاريه أقدام النظر أو الأشكال، ولا تزاحمه مناكب القرناء والأمثال، بل هو الصمد الذي لا كفء له، والفذ الذي لا توأم معه، والحي الذي لا تخرمه المنون، والقيوم الذي لا تشغله الشئون، والقدير الذي لا تئوده المعضلات، والخبير الذي لا تعييه المشكلات.
وهذه التحميدة لا تناسب الكتاب الذي افتتح بها، ولكنها تصلح أن توضع في صدر مصنف من مصنفات أصول الدين، ككتاب الشامل للجويني، أو كتاب الاقتصاد، أو ما جرى مجراهما، وأما أن توضع في صدر كتاب فتح فلا.
وهو وإن ساء في هذا الموضع فقد أحسن في مواضع أخر، وذاك أنه كتب كتابا عن الخليفة الطائع رحمه الله تعالى إلى الأطراف عند عوده إلى كرسي ملكه، وزوال ما نزل به وبأبيه المطيع رحمه الله من فادحة الأتراك، فقال: الحمد لله ناظم الشمل بعد شتاته،وواصل الحبل بعد بتاته، وجابر الوهن إذا ثلم، وكاشف الخطب إذا أظلم، والقاضي للمسلمين بما يضم نشرهم، ويشد أزرهم، ويصلح ذات بينهم، ويحفظ الألفة عليهم، وإن شابت ذلك في الأحيان الشوائب من الحدثان فلن يتجاوز بهم الحد الذي يوقظ غافلهم، وينبه ذاهلم، ثم إنهم عائدون إلى فضل ما أولاهم الله وعودهم، ووثق لهم ووعدهم،من إيمان سربهم وإذاب شربهم، وإعزاز جانبهم، وإذلال مجانبهم، وإظهار دينهم على الدين كله ولو كره المشركون.
وهذه تحميدة مناسبة لموضوع الكتاب، وإن كانت المعاني فيها مكررة كالذي أنكرته عليه وعلى غيره من الكتاب، وقدمت القول فيه في باب السجع، فليؤخذ من هناك.

(1/240)


ومن المبادي التي قد أخلقت وصارت مزدراة أن يقال في أوائل التقليدات، إن أحق الخدم بأن ترعى خدمة كذا وكذا، وإن أحق من قلد الأعمال من اجتمع فيه كذا وكذا، فإن هذا ليس من المبادي المستحسنة، ومن استعمله أولاً فقد ضعفت فكرته عن اقتراح ما يحسن استعماله من المبادئ، والذي تبعه في ذلك إما مقلد ليس عنده قوة على أن يختار لنفسه، وإما جاهل لا يفرق بين الحسن والقبيح والجيد والرديء وأهل زماننا هذا من الكتاب قد قصروا مبادي تقاليدهم على هذه الفاتحة دون غيرها، وإن أتوا بتحميدة من التحاميد كانت مباينة لمعنى التقليد الذي وضعت في صدره، وكذلك قد كان الكتاب يستعملون في التقليدات مبدأ واحدا لا يتجاوزونه إلى غيره، وهو " هذا ما عهد فلان إلى فلان " والتحميد خير ما افتتح به التقليدات وكتب الفتوح وما جرى مجراهما، وقد أنكرت ذلك على مستعمله في مفتتح تقليد أنشأته بولاية وال فقلت: كانت التقليدات تفتتح بكلام ليس بذي شأن، ولا يوضع في ميزان، ولا يجتنى من أفنان، وغاية ما يقال هذا ما عهد فلان إلى فلان، وتلك الفاتحة لم تكن جديدة فتخلق بتطاول الأيام، ولا حسنة النظم فيضاهى بمثلها من ذوات النظام، وهذا التقليد مفتتح بحمد الله الذي تكفل لحامده بالزيادة، وبدأ النعمة ثم قرنها من فضله بالإعادة، وهو الذي بلغ بنا من مآرب الدنيا منتهى الإرادة، وسلم إلينا مقاده فذلل لنا بها كل مقادة، ووسد الأمر منا إلى أهله فاستوطأت الرعايا منه على وسادة، ونرجو أن يجمع لنا بين سعادة الأولى والأخرى حتى تتصل هذه السعادة بتلك السعادة، ثم نصلى على نبيه محمد الذي ميزه الله على الأنبياء بشرف السيادة، وجعل انشقاق القمر له من آيات النبوة وانشقاق الإيوان من آيات الولادة، وعلى آله وأصحابه الذين شادوا الدين من بعده فأحسنوا في الإشادة، وبسطت عليهم الدنيا كما بسطت على الذين من قبلهم فلم يحولوا عن خلق الزهادة، أما بعد كذا وكذا، ثم أنهيت التقليد إلى آخره.
ومن الحذاقة في هذا الباب أن يجعل الدعاء في أول الكتاب من السلطانيات والإخوانيات وغيرهما مضمنا من المعنى ما بني عليه ذلك الكتاب، وهذا شيء انفردت بابتداعه، وتراه كثيراً فيما أنشأته من المكاتبات، فإني توخيته فيها وقصدته.
فمن ذلك ما كتبته في الهناء بفتح، وهو: هذا الكتاب مشافه بخدمة الهناء للمجلس السامي الفلاني جدد الله له في كل يوم فتحا، وبدل عرش كل ذي سلطان لديه صرحا، وجعل كل موقف من مواقف جوده وبأسه يوم فطر ويوم أضحى، وكتب له على لسان الإسلام ولسان الأيام ثناء خالدا ومدحا، وأسكنه بعد العمر الطويل دارا لا يظمأ فيها ولا يضحى، ثم أخذت بعد ذلك في إنشاء الكتاب المتضمن ما يقتضيه معاني ذلك الفتح.
ومن ذلك ما ذكرته في الهناء بمولود، وهو جدد الله مسرات المجلس السامي الفلاني ووصل صبوح هنائه بغبوقه، وأمتعه بسليله المبشر بطروقه، وأبقاه حتى يستضيء بنوره ويرمي عن فوقه، وسربه أبكار المعاني حتى تخلق أعطافها بخلوقه، وجعله كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه، ثم أخذت في إتمام الكتاب بالهناء بالمولود على حسب ما اقتضاه ذلك المعنى.
فتأمل ما أوردته ههنا من هذين المثالين، وانسج على منوالهما فيما تقصده من المعاني التي تبني عليها كتبك، فإن ذلك من دقائق هذه الصناعة.
وأما فواتح الكتب التي أنشأتها فمنها ما اخترعته اختراعا ولم أسبق إليه، وهي عدة كثيرة وقد أوردت ههنا بعضها.

(1/241)


فمن ذلك مفتاح كتاب إلى ديوان الخلافة، وهو: نشأت سحابة من سماء الديوان العزيز النبوي جعل الله الخلود لدولته أوطانا، والحدود لها أركانا، ونصب أيامها في أيام الدهر أحيانا، وصورها في وجهه عينا وفي عينه إنسانا، ومد ظلها على الناس عدلا وإحسانا، وجمع الأمم على دين طاعتها وإن تفرقوا أديانا، وأتاها من معجزات سلطانه ما لم ينزل به لغيرها سلطانا، فارتاح الخادم لالتقائها،و بسط يده لاستسقائها، وقال:رحمة مرسلة لا تخشى رعودها، ولا تخلف وعودها، ومن شأنها ترويض الصنائع التي تبقي آثارها، لا الحمائل التي تذوي أزهارها، وقد يعبر عن الكتاب ونائله، بالسحاب ووابله، فإن صدر عن يد كيد الديوان العزيز فقد وقع التشبيه موقع الصواب، وصدق حينئذ قول القائل: إن البحر عنصر السحاب، لكن فرق بين ما يجود بمائه، وما يجود بنعمائه، وبين ما يسم الأرض الماحلة، وبين ما يسمي الأقدار الخاملة، وما زالت كتب الديوان العزيز تضرب لها الأمثال، وتصرف نحوها الآمال، ويرى الحسد فيها حسدا، وإن عد في غيرها من سييء الأعمال وهذا فصل من أول الكتاب.
ومن جملة الكتب المشار إليها مفتتح كتاب كتبته إلى بعض الإخوان وأرسلته إليه من الموصل إلى أرض الشمال من بلاد الروم، وهو طلع كوكب من أفق المجلس السامي لا خلت سيادته من عدو وحاسد، ولا شينت بتوأم يخرجها عن حكم الواحد، ولا عدمت صحبة الجدود المتيقظة في الزمن الراقد، ولا أوحشت الدنيا من ذره الخالدد الذي هو عمر خالد، ولا زال مرفوعا إلى المحل الذي يعلم به أن الدهر للناس ناقد، والكواكب تختلف مطالعها في الشمال والجنوب، فمنها ما يطلع دائما في أحدهما وهو في الآخر دائم الغروب، وكتاب المجلس كوكب لم ير بهذه الأرض مطلعه، وإن علم من السماء أين موضعه، ولما ظهر الآن للخادم سبح له حامدا، وخر له ساجدا، وقال:قد عبدت الكواكب من قبلي فلا عجب أن أكون لهذا الكوكب عابدا، وها أنا قد أصبحت بالعكوف على عبادته مغرى، وقال الناس: هذا ابن كبشة الكتاب لا ابن كبشة الشعري.
وهذا مطلع غريب، والسياقة التالية لمطلعه أغرب، ومن أغرب ما فيها قولي " وها أنا قد أصبحت بالعكوف على عبادته مغرى، وقال الناس هذا ابن كبشة الكتاب لا ابن كبشة الشعري " والمراد بذلك أن ابن كبشة كان رجلا في الجاهلية يعبد الشعري فخالف بذلك دين قومه، ولما بعث النبي صلى الله عليه وسلم قالت قريش: هذا قد خالف ديننا، وسموه " ابن أبي كبشة " أي أنه قد خالفنا كما خالف أبو كبشة قومه في عبادة الشعري، فأخذت أنا هذا المعنى وأودعته كتابي هذا فجاء كما تراه مبتدعا غريبا.
ومن جملة الكتب المشار إليها مفتتح كتاب كتبته إلى بعض الإخوان بالشام، وهو: طلعت من الغرب شمس فقيل: قد آذنت أشارط الساعة بالاقتراب، ولم يعلم أن تلك الأنوار إنما هي أنوار الكتاب، لم يألف الأبصار من قبله أن تطلع الشمس من المغرب، وليس ذلك إلا كتاب المجلس لا سلبه الله مزية هذا الوصف الكريم، وأتاه من الفضل ما يقال معه وفوق كل ذي علم عليم، وأحيا النفوس من كلمها بروح كلمه كما شفي غليلها من أقلامه بسقيا الكليم، ولما ورد عن الخادم صار ليله نهارا، وأصبح الناس في الحديث به أطوارا، والمنصف منهم يقول: قد جرت الشمس إلى مستقرها والشمس لا تجد قرارا.
وهذا الكتاب في الحسن والغرابة كالذي قبله.
ومن جملة الكتب المشار إليها مفتتح كتاب كتبته إلى بعض الإخوان، وهو: تأوب زور من جانب المجلس السامي أدنى الله داره، وجعل كلماته التامة جاره، وأشهد أفعال التقوى ليله وأفعال المكارم نهاره، ووهبه من أعوام العمر طواله ومن أعوام العيش قصاره، ولا أقدر السابقين إلى المعالي أن يجروا معه ولا أن يشقوا غباره، وليس ذلك الزور إلا سطورا في قرطاس ولا فرق بين الكتاب وبين مرسله في ملاطفة الإيناس، والله لا يصغر ممشى هذا الزائر، ويقر عيني برؤيته حتى لا أزال به قرير الناظر، ومع هذا فإني عاتب لتأخره وههنا مظنة العتاب، ومن تأخر عنه كتاب صديقه فلا بد أن يخطر له خاطر الارتياب، والضنين بالمودة لا يرى إلا ظنينا، وقد قيل إنها وديعة وقليلا ما تجد على الودائع أمينا.
وهذا فصل من أول الكتاب.

(1/242)


ومن جملة الكتب المشار إليها مفتتح كتاب كتبته إلى بعض الإخوان، وهو: سنحت روضة من جانب المجلس السامي جعل الله المعالي له رداء، ونهايات المساعي له ابتداء، وفداه بمن يقصر عن درجته حتى تكون الأكارم له فداء،وهدى المحامد لأفعاله وأهدى البقاء لأيامه حتى يجتمع له الأمران هدى وإهداء، وأتاه من السيادة ما يجعل أعداءه أصادق ومن السعادة ما يجعل أصدقاءه أعداء، فاستنشق الخادم رباها، وتلقى بالتحية محياها، واستمتع بأزهارها التي أنبتها سقيا الأقلام لا سقي الغمام، وقال:هذا ربيع الأرواح لا ربيع الأجسام، ولو رام الإحاطة بوصفها لكانت الأقوال المطولة فيها مختصرة، ولكنه اكتفى بأن رفعها على رأسه حتى يتمثل أن الجنة في شجرة، ومن أوصافها أنها جاءت رائدة ومن شأن الروض أن يرتاد، وحلت محاسنها التي هي في غيرها من حظ البصر وفيهما من حظ السمع والبصر والفؤاد، ولما سرح فيها نظره وجد شوقه حمامة تغرد في أكنافها، وتردد الشجى لبعد أليفها إذا رددته الحمائم لقرب ألافها، وهذا قول له عند إخوان الصفاء علامة، وإذا تمثل كتاب الحبيب روضة فهل يتمثل شوق محبه إلا حمامة، وأي فرق بين هذه وبين أخواتها من ذوات الأطواق؟ لولا أنها تملي شجوها على صفحات القلوب وتلك تمليه على عذبات الأوراق.
وهذا فصل من الكتاب، وهو غريب عجيب وفيه معنيان مبتدعان، وأعجبهما وأغربهما قولي : " حتى يتمثل أن الجنة في شجرة " وهذا مستخرج من الحديث النبوي.
ومن جملة الكتب المشار إليها مفتتح كتاب كتبته إلى بعض الإخوان وهو: تضوعت نفحة من تلقاء المجلس السامي رعى الله عهده وسقاه، وصان وده ووفاه، ويسر لي إلقاء العصا بملقاه، فعطرت الطريق التي سايرتها، والريح التي جاورتها، وأتت فأفرشتها خدي، وضممت عليها ودي، وجعلتها درعا لجيبي ولطيمة لردني وسخابا لعقدي، وعلمت أنها ليست بنفحة طيب، ولكنها كتاب حبيب، فإن مناشق الأرواح غير مناشق الأجسام، ولا يستوي عرف الطيب وعرف الأقلام، ثم مددت يدي إلى الكتاب بعد أن صافحت يد موصله، كما صافحت عبقة مندله، وقلت أهلا بمن أدنى من الحبيب مزارا، وأهدى لعيني قرة ولقلبي قرارا.
وهذا في الغرابة كأخواته التي تقدمت.
ولم أستقص ما اخترعته من هذا الباب في مطالع الكتب.
وأما ما أتيت به بالحسن من المعاني ولكنه غير مخترع، فمن ذلك مطلع كتاب كتبته عن الملك نور الدين أرسلان بن مسعود صاحب الموصل إلى الملك الأفضل علي بن يوسف يتضمن تعزية وتهنئة: أما التعزية فبوفاة أخيه الملك العزيز عثمان صاحب مصر، وأما التهنئة فبوراثة الملك من بعده، وهو: لا يعلم القلم أينطق بلسان التعزية أم بلسان التهنئة، لكنه جمعهما جميعاً فأتى بهما على حكم التثنية، وفي مثل هذا الخطب يظل القلم حائرا، وقد وقف موقف السخط والرضا فسخط أولاً ثم رضي آخرا، وهذا البيت الناصري يتداول درجات العلى فما تمضي إلا وإليه ترجع، وشموسه وأقماره تتناقل مطالع السعود فما يغيب منها غائب إلا وآخر يطلع، والناس إن فجعوا بماجد ردفه من بعده ماجد، وإن قيل إن الماضي كان واحدا قيل بل الآتي هو الواحد.
وهذا فصل من أول الكتاب، ثم كتبت في هذا المعنى كتابين آخرين، وفي الذي أوردته من هذا الفصل مقنع.
ومن هذا الأسلوب ما كتبته إلى بعض الإخوان جوابا عن كتابه، وكانت الكتب قد انقطعت بيني وبينه زمانا، وهو: لقاء كتب الأحباب كلقاء الأحباب، وقد يأتي بعد يأس منها فيشتبه لها دمع السرور بدمع الاكتئاب، ومن أحسنها كتاب المجلس السامي الفلاني جعل الله الليالي له صحبا والمعاني له عقبا، ورفع مجده فوق كل ماجد حتى تكون حسناتهم لدى حسناته ذنبا، ولا زال اسمه في الأفواه عذبا وذكره في الألسنة رطبا، ووده لكل إنسان إنسانا ولكل قلب قلبا.
ثم انتهيت إلى آخر الكتاب على هذا النسق، وإنما ذكرت ههنا مبتدأه لأنه الغرض المقصود في هذا الموضع.
ومن ذلك ما كتبته إلى بعض الإخوان جوابا عن كتابه، وهو: البشرى تعطى للكتاب كما تعطى لمرسله، وكل منهما يوفى حق قدره وينزل في منزله، وكذلك فعل الخادم بكتاب المجلس السامي الفلاني لا زال محله أنيسا، وذكره للفرقدين جليسا، وسعيه على المكارم حبيسا، ومجده جديد الملابس إذا كان المجد لبيسا.
وههنا ذكرت من هذا الكتاب كما ذكرته من الذي قبله فإني لم أذكر إلا مبدأه الذي هو الغرض.

(1/243)


ومما ينتظم في هذا السلك ما كتبته في صدر كتاب يتضمن تعزية، وهو:لو لم يلبس قلمي ثوب الحداد لهجر مداده، ونضي عنه سواده، وبعد عن قرينته، وعاد إلى طينته وحرم على نفسه أن يمتطي يدا، أو يجري إلى مدى، لكنه أحد فندب، وبكى فسكب، وسطر هذا الكتاب من دموعه، وضمنه ما حملته أحناء ضلوعه، وإنما استعار ذلك من صاحبه الذي أعداه، وأبدى إليه من حزنه ما أبداه، وهو نائب في تعزية سيدنا أحسن الله صبره، ويسر أمره، وأرضى عنه دهره، ثم أنهيت الكتاب إلى آخره.
ومن محاسن هذا الباب أن يفتتح الكتاب بآية من القرآن الكريم، أو بخبر من الأخبار النبوية، أو ببيت من الشعر، ثم يبني الكتاب عليه.
فمن ذلك ما كتبته في ابتداء كتاب يتضمن البشرى بفتح، وهو:
ومن طلب الفتح الجليل فإنما ... مفاتيحه البيض الخفاف الصوارم
وقد أخذنا بقول هذا الشاعر الحكيم، وجعلنا السيف وسيلة إلى استنتاج الملك العقيم، وراية المجد لا تنصب إلا على النصب، والراحة الكبرى لا تنال إلا على جسر من التعب، وكتابنا هذا وقد استولينا على مملكة فلانة، وهي المملكة التي تمسي الآمال دونها صرعى، وإذا قيس إليها غيرها من الممالك كانت أصلا وكان غيرها فرعا، وهذا فصل من أول الكتاب.
ومن ذلك ما كتبته في مفتتح تقليد بالحسبة، وهو: " ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون " هذا أمر يشتمل على معنى الخصوص دون العموم، ولا يختص به إلا ذوو الأوامر المطاعة وذوو العلوم وقد جمع الله لنا هذين الوصفين كليهما، وجعلنا من المستحلفين عليهما، فلنبدأ أولاً بحمده الذي هو سبب للمزيد، ثم لنأخذ في القيام بأمره الذي هو على كل نفس رقيب عتيد، ولا ريب أن إصلاح العباد يسري إلى الأرض حتى تزكو بطونها وتنام عيونها، ويشترك في بركات السماء ساكنها ومسكونها، والأمر بذلك حمل إن لم تتوزعه الأكف ثقل على الرقاب، وإذا انتشرت أطراف البلاد فإنها تفتقر إلى مساعدة من مستنيب ومستناب، وقد اخترنا لمدينة فلانة رجلا لم نأل في اختياره جهدا، وقدمنا فيه خيرة الله التي إذا صدقت نيتها صادفت رشدا، وهو أنت أيها الشيخ فلان، فابسط يدك بقوة إلى أخذ الكتاب، وكن كحسنة من حسناتنا التي يرجح بها ميزان الثواب، وحقق نظرنا فيك فإنه من نور الله الذي ليس دونه حجاب. فتأمل كيف فعلت هذه الآية التي بنيت التقليد عليها، وهو من محاسن المبادي والافتتاحات.
وكذلك فعلت في موضع آخر، وهو مفتتح كتاب كتبته إلى شخص كلفته السفارة إلى مخدومه في حاجة عرضت، وهو: " إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا " هذا القول تتبع آثاره، وتحمل عليه أنظاره، وأولى الناس بسيدنا من شاركه في لحمة أدبه، وإن لم يشاركه في لحمة نسبه، فإن المناقب أقارب والمآثر أواصر:
وليس يعرف لي فضلي ولا أدبي ... إلا امرؤ كان ذا فضل وذا أدب
ونتيجة هذه المقدمة بعث خلقه الكريم على عوارف أفضاله، واستهداء صنيعة جاهه التي هي أكرم من صنيعة ماله، ولا تجارة أربح من هذه التجارة، والساعي فيها شريك في الكسب بريء من الخسارة.
وأما الأخبار النبوية فيسلك بها هذا المسلك: بأن يذكر الخبر في صدر الكتاب، ثم يبني عليه.
ولنذكر منها ولو مثالا واحدا، وهو توقيع كتبته لولد رجل من أصحاب السلطان توفي والده ونقل ما كان باسمه إليه، فقلت: قال النبي صلى الله عليه وسلم " أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن مات وترك مالا فلورثته ومن ترك دينا أوكلا أو ضياعا فإلي وعلي " وهذا خلق من الأخلاق النبوية لا مزيد على حسنه، وأساليب المكارم بأسرها موضوعة في ضمنه، ونحن نرجو أن نمشي على أثره فنتنزل منزلة رديفة، أو أن نتشبه به فنبلغ مبلغ مده أو نصفيه، وقد أرانا الله ذلك في قوم صحبونا فأسعفناهم بمباغي الأنعام، وأحمدناهم صحبة الليالي والأيام، وتكفلنا أيتامهم من بعدهم حتى ودوا أن يكونوا هم الأيتام، وهذا فلان ابن فلان رحمه الله ممن كان له في خدمة الدولة قدم صدق، وأولية سبق، وحفظ كتاب المحافظة عليها فقيل له في تلاوته اقرأ وارق، ثم أنهيت التوقيع إلى آخره

(1/244)


فتأمل مفتتح هذا التوقيع فإنه تضمن نص الخبر من غير تغيير، وقد ضمنته بعض خبر آخر من الأخبار النبوية، وهو قوله " اقرأ وارق " قال النبي صلى الله عليه وسلم : " يقال لصاحب القرآن اقرأ وارق ورتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها " وقد مثلت لك ههنا أمثالا يقتدي بها، فاخذ حذوها، وامض على نهجها.والله الموفق للصواب.
النوع الثالث والعشرون
في التخلص والاقتضاب
وهذا النوع أيضاً كالذي قبله في أنه أحد الأركان الخمسة التي تقدمت الإشارة إليها في الفصل التاسع من مقدمة الكتاب.
وينبغي لك أيها المتوشح لهذه الفضيلة أن تصرف إليه جل همتك، فإنه مهم عظيم من مهمات البلاغة.
التخلص
أما التخلص - وهو أن يأخذ مؤلف الكلام في معنى من المعاني فبينا هو فيه إذ أخذ في معنى آخر غيره وجعل الأول سببا إليه - فيكون بعضه آخذا برقاب بعض،من غير أن يقطع كلامه، ويستأنف كلاما آخر، بل يكون جميع كلامه كأنما أفرغ إفراغا، وذلك مما يدل على حذق الشاعر، وقوة تصرفه، من أجل أن نطاق الكلام يضيق عليه، ويكون متبعا للوزن والقافية فلا تواتيه الألفاظ على حسب أرادته، وأما الناثر فإنه مطلق العنان يمضي حيث شاء، فلذلك يشق التخلص على الشاعر أكثر مما يشق على الناثر.
وأما الاقتضاب فإنه ضد التخلص، وذاك:أن يقطع الشاعر كلامه الذي هو فيه ويستأنف كلاما آخر غيره من مديح أو هجاء أو غير ذلك، ولا يكون للثاني علاقة بالأول.
وهو مذهب العرب ومن يليهم من المخضرمين، وأما المحدثون فإنهم تصرفوا في التخلص فأبدعوا وأظهروا منه كل غريبة.
فمن ذلك قول أبي تمام:
يقول في قومس صحبي وقد أخذت ... منا السرى وخطا المهرية القود
أمطلع الشمس تبغي أن تؤم بنا ... فقلت كلا ولكن مطلع الجود
وهذان البيتان من بديع ما يأتي في هذا الباب ونادره.
وكذلك قوله أيضاً في وصف أيام الربيع ثم خرج من ذكر الربيع وما وصفه به من الأوصاف فقال:
خلق أطل من الربيع كأنه ... خلق الإمام وهديه المنتشر
في الأرض من عدل الإمام وجوده ... ومن النبات الغض سرج تزهر
تنسي الرياض وما يروض، جوده ... أبدا على مر الليالي يذكر
وهذا من ألطف التخلصات وأحسنها.
وكذلك قوله في قصيدته الفائية التي أولها:
أما الرسوم فقد أذكرن ما سلفا
فقال فيها:
غيداء جاد ولي الحسن سنتها ... فصاغها بيديه روضة أنفا
يضحي العذول على تأنيبه كلفا ... بعذر من كان مشغوفا بها كلفا
ودع فؤادك توديع الفراق فما ... أراه من سفر التوديع منصرفا
تجاهد الشوق طورا ثم تجذبه ... جهاده للقوافي في أبي دلفا
وهذا أحسن من الذي قبله، وأدخل في باب الصنعة.
وكذلك جاء قوله:
زعمت هواك عفا الغداة كما عفت ... منها طلول باللوى ورسوم
لا والذي هو عالم أن النوى ... أجل وأن أبا الحسين كريم
ما حلت عن سنن الوداد ولا غدت ... نفسي على إلف سواك تحوم
وهذا خروج من غزل إلى مديح أغزل منه.
ومن البديع في هذا الباب قول أبي نواس من جملة قصيدته المشهورة التي أولها:
أجارة بيتينا أبوك غيور
فقال عند الخروج إلى ذكر الممدوح:
تقول التي من بيتها خف مركبي ... عزيز علينا أن نراك تسير
أما دون مصر للغنى متطلب ... بلى إن أسباب الغنى لكثير
فقلت لها واستعجلتها بوادر ... جرت فجرى في جريهن عبير
ذريني أكثر حاسديك برحلة ... إلى بلد فيها المصيب أمير
ومما جاء من التخلصات الحسنة قول أبي الطيب المتنبي في قصيدته الدالية التي أولها:
عواذل ذات الخال في حواسد
وأورد نفسي والمهند في يدي ... موارد لا يصدرن من لا يجالد
ولكن إذا لم يحمل القلب كفه ... على حالة لم يحمل الكف ساعد
خليلي إني لا أرى غير شاعر ... فكم منهم الدعوى ومني القصائد
فلا تعجبا إن السيوف كثيرة ... ولكن سيف الدولة اليوم واحد

(1/245)


وهذا هو الكلام الآخذ بعضه برقاب بعض، ألا ترى إلى الخروج إلى مدح الممدوح في هذه الأبيات كأنه أفرغ في قالب واحد، ثم إن أبا الطيب جمع بين مدح نفسه ومدح سيف الدولة في بيت واحد، وهو من بدائعه المشهورة.
وكذلك قوله أيضا، وهو من أحسن ما أتى به من التخلصات، وهو في قصيدته التي أولها:
سرب محاسنه حرمت ذواتها
فقال في أثنائها:
ومطالب فيها الهلاك أتيتها ... ثبت الجنان كأنني لم آتها
ومقانب بمقانب غادرتها ... أقوات وحش كن من أقواتها
أقبلتها غرر الجياد كأنما ... أيدي بني عمران في جبهاتها
الثابتين فروسة كجلودها ... في ظهرها والطعن في لباتها
فكأنها نتجت قياما تحتهم ... وكأنهم ولدوا على صهواتها
تلك النفوس الغالبات على العلا ... والمجد يغلبها على شهواتها
سقيت منابتها التي سقت الورى ... بيدي أبي أيوب خير نباتها
فانظر إلى هذين التخلصين البديعين، فالأول خرج به إلى مدح قوم الممدوح، والثاني خرج به إلى نفس الممدوح، وكلاهما قد أغرب فيه كل الإغراب.
وعلى هذا جاء قوله:
إذا صلت لم أترك مصالا لفاتك ... وإن قلت لم أترك مقالا لعالم
وإلا فخانتني القوافي وعاقني ... عن ابن عبيد الله ضعف العزائم
والشعراء متفاوتون في هذا الباب، وقد يقصر عنه الشاعر المفلق المشهور بالإجادة في إيراد الألفاظ واختيار المعاني، كالبحتري، فإن مكانه من الشعر لا يجهل، وشعره هو السهل الممتنع الذي تراه كالشمس قريبا ضوؤها بعيدا مكانها، وكالقناة لينا مسها خشنا سنانها، وهو على الحقيقة قينة الشعراء في الإطراب، وعنقاؤهم في الإغراب، ومع هذا فإنه لم يوفق في التخلص من الغزل إلى المديح بل اقتضبه اقتضابا، ولقد حفظت شعره فلم أجد له من ذلك شيئا مرضيا إلا اليسير، كقوله في قافية الباء من قصيدة:
وكفاني إذا الحوادث أظلم ... ن شهابا بغرة ابن شهاب
وكقوله في قافية الدال من قصيدة:
قصدت لنجران العراق ركابنا ... يطلبن أرحبها محلة ما جد
آليت لا تلقين جداً صاعدا ... في مطلب حتى تناخ بصاعد
وكقوله في قصيدته التي أولها:
حلفت لها بالله يوم التفرق
فإنه تشوق إلى العراق من الشام، وصف العراق ومنازله ورياضه، فأحسن في ذلك كله، ثم خرج إلى مدح الفتح بن خاقان بسياقة آخذ بعضها برقاب بعض، فقال:
رباع من الفتح بن خاقان لم تزل ... غنى لعديم أو فكاكا لموثق
ثم أخذ في مدحه بعد ذلك بضروب من المعاني.
وكذلك ورد قوله في قصيته التي أولها:
ميلوا إلى الدار من ليلى نحييها
فإنه وصف البركة فأبدع في أوصافها، ثم خرج منها إلى مدح الخليفة المتوكل، فقال:
كأنها حين لجت في تدفقها ... يد الخليفة لما سال واديها
وأحسن ما وجدته له، وهو مما لطف فيه كل التلطيف، قوله في قصيدته التي يمدح بها ابن بسطام ومطلعها:
نصيب عينك من سح وتسجام
فقال عند تخلصه إلى المديح:
هل الشباب ملم بي فراجعة ... أيامه لي في أعقاب أيام
لو أنه بابل عمر يجاذبه ... إذا تطلبته عند ابن بسطام
وهذا من الملائح في هذا الباب.
وله مواضع أخرى يسيرة بالنسبة إلى كثرة شعره.
وقال أبو العلاء محمد بن غانم المعروف بالغانمي: إن كتاب الله خال من التخلص.
وهذا القول فاسد، لأن حقيقة التخلص إنما هي الخروج من كلام إلى آخر غيره بلطيفة تلائم الكلام الذي خرج منه والكلام الذي خرج إليه، وفي القرآن الكريم مواضع كثيرة من ذلك، كالخروج من الوعظ والتذكير بالإنذار والبشارة بالجنة إلى أمر ونهي ووعد ووعيد، ومن محكم إلى متشابه، ومن صفة لنبي مرسل وملك منزل إلى ذم شيطان مريد وجبار عنيد، بلطائف دقيقة، ومعان آخذ بعضها برقاب بعض.

(1/246)


فما جاء من التخلص في القرآن الكريم قوله تعالى: " واتل عليهم نبأ إبراهيم إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون. قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين. قال هل يسمعونكم إذ تدعون. أو ينفعونكم أو يضرون. قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون. قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون. أنتم وآباؤكم الأقدمون. فإنهم عدو لي إلا رب العالمين الذي خلقني فهو يهدين. والذي هو يطعمني ويسقين. وإذا مرضت هو يشفين. والذي يميتني ثم يحين. والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين. رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين. واجعل لي لسان صدق في الآخرين. واجعلني من ورثة جنة النعيم. واغفر لأبي إنه كان من الضالين. ولا تخزني يوم يبعثون. يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. وأزلفت الجنة للمتقين. وبرزت الجحيم للغاوين. وقيل لهم أينما كنتم تعبدون من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون. فكبكبوا فيها هم والغاوون. وجنود إبليس أجمعون. قالوا وهم فيها يختصمون. تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين. وما أضلنا إلا المجرمون. فما لنا من شافعين. ولا صديق حميم. فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين " هذا كلام يسكر العقول، ويسحر الألباب، وفيه كفاية لطالب البلاغة، فإنه متى أنعم فيه نظره وتدبر أثناءه ومطاوي حكمته على أن في ذلك غنى عن تصفح الكتب المؤلفة في هذا الفن، ألا ترى ما أحسن ما رتب إبراهيم عليه السلام كلامه مع المشركين حين سألهم أولاً عما يعبدون سؤال مقرر لا سؤال مستفهم، ثم أنحى على آلهتهم، فأبطل أمرها بأنها لا تضر ولا تنفع ولا تبصر ولا تسمع، وعلى تقليد آبائهم الأقدمين فكسره وأخرجه من أن يكون شبهة فضلا عن أن يكون حجة، ثم أراد الخروج من ذلك إلى ذكره الإله الذي لا تجب العبادة إلا له، ولا ينبغي الرجوع والإنابة إلا إليه، فصور المسألة في نفسه دونهم، بقوله: " فإنهم عدو لي " على معنى إني فكرت في أمري فرأيت عبادتي لها عبادة للعدو وهو الشيطان، فاجتنبتها، وآثرت عبادة من الخير كله في يده، وأراهم بذلك أنها نصيحة ينصح بها نفسه، لينظروا فيقولوا: ما نصحنا إبراهيم إلا بما نصح به نفسه، فيكون ذلك أدعى لهم إلى القبول لقوله، وأبعث على الاستماع منه، ولو قال فإنهم عدو لكم لم يكن بتلك المثابة، فتخلص عند تصويره المسألة في نفسه إلى ذكر الله تعالى، فأجرى عليه تلك الصفات العظام، من تفخيم شأنه وتعديد نعمه من لدن خلقه وأنشأه إلى حين وفاته مع ما يرجى في الآخرة من رحمته، ليعلم من ذلك أن من هذه صفاته حقيق بالعبادة، واجب على الخلق الخضوع له، والاستكانة لعظمته، ثم خرج من ذلك إلى ما يلائمه ويناسبه، فدعا الله بدعوات المخلصين، وابتهل إليه ابتهال الأوابين، لأن الطالب من مولاه إذا قدم قبل سؤاله وتضرعه الاعتراف بالنعمة كان ذلك أسرع للإجابة، وأنجح لحصول الطلبة، ثم أدرج في ضمن دعائه ذكر البعث ويوم القيامة، ومجازاة الله تعالى من آمن به واتقاه بالجنة ومن ضل عن عبادته بالنار، فجمع بين الترغيب في طاعته والترهيب من معصيته، ثم سأل المشركين عما كانوا يعبدون سؤالا ثانياً عند معاينة الجزاء، وهو سؤال موبخ لهم مستهزئ بهم، وذكر ما يدفعون إليه عند ذلك من الندم والحسرة على ما كانوا فيه من الضلال، وتمني العودة ليؤمنوا، فانظر أيها المتأمل إلى هذا الكلام الشريف الآخذ بعضه برقاب بعض، مع احتوائه على ضروب من المعاني فيخلص من كل واحد منها إلى الآخر بلطيفة ملائمة، حتى كأنه أفرغ في قالب واحد، فخرج عن ذكر الأصنام وتنفير أبيه وقومه من عبادتهم إياها مع ما هي فيه من التعري عن صفات الإلهية حيث لا تضر ولا تنفع ولا تبصر ولا تسمع إلى ذكر الله تعالى فوصفه بصفات الإلهية فعظم شأنه وعدد نعمه، ليعلم بذلك أن العبادة لا تصح إلا له، ثم خرج من هذا إلى دعائه إياه وخضوعه له، ثم خرج منه إلى ذكر يوم القيامة وثواب الله وعقابه، فتدبر هذه التخلصات اللطيفة المودعة في أثناء هذا الكلام.

(1/247)


وفي القرآن مواضع كثيرة من التخلصات، كالذي ورد في سورة الأعراف، فإنه ذكر فيها قصص الأنبياء والأمم الخالية من آدم إلى نوح عليهما السلام، وكذلك إلى قصة موسى عليه السلام، حتى انتهى إلى آخرها الذي هو : " واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين. واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون. الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون " هذا تخلص من التخلصات الحسان، فإن الله تعالى ذكر الأنبياء والقرون الماضية إلى عهد موسى عليه السلام، فلما أراد ذكر نبينا صلوات الله عليه وسلامه ذكره بتخلص انتظم به بعض الكلام ببعض، ألا ترى أنه قال موسى عليه السلام: " واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة " فأجيب بقوله تعالى : " قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين " من حالهم كذا وكذا، ومن صفتهم كيت وكيت، وهم الذين " يتبعون الرسول النبي الأمي " ثم وصفه صلوات الله عليه بصفاته إلى آخر الكلام.
ويالله العجب كيف يزعم الغانمي أن القرآن خال من التخلص؟ ألم يكفه سورة يوسف عليه السلام فإنها قصة برأسها، وهي مضمنة شرح حاله مع إخوته من أول أمره إلى آخره، وفيها عدة تخلصات في الخروج من معنى إلى معنى، وكذلك إلى آخرها.
ولو أخذت في ذكر ما في القرآن الكريم من هذا النوع لأطلت، ومن أنعم نظره فيه وجد من ذلك أشياء كثيرة.
وقد جاءني من التخلصات في الكلام المنثور أشياء كثيرة، وسأذكر ههنا نبذة يسيرة منها.
فمن ذلك ما أوردته في كتاب إلى بعض الإخوان أصف فيه الربيع، ثم خرجت من ذلك إلى ذكر الأشواق، فقلت: وكما أن هذه الأوصاف في شأنها بديعة، فكذلك شوقي في شأنه بديع، غير أنه لحره فصل مصيف وهذا فصل ربيع، فأنا أملي أحاديثه العجيبة على النوى، وقد عرفت حديث من قتله الشوق فلا أستفض حديث من قتله الهوى.
ومن هذا الأسلوب ما كتبته في كتاب إلى بعض الإخوان أيضا، وأرسلته إليه من بلاد الروم، وهو كتاب يشتمل على وصف البرد وما لاقيته منه، ثم خرجت من ذلك إلى ذكر الشوق، فقلت: ومما أشكوه من بردها أن الفرو لا يلبس إلا في شهر ناجر، وهو قائم مقام الظل الذي يتبرد به من لفح الهواجر، ولفظ شدته لم أجد ما يحققه فضلا عما يذهبه، فإن النار المعدة له تطلب من الدفء أيضاً ما أطلبه، لكن وجدت نار أشواقي أشد حرا فاصطليت بجمرها التي لا تذكي بزناد ولا تئول إلى رماد، ولا يدفع البرد الوارد على الجسد بأشد من حر الفؤاد، غير أني كنت في ذلك كمن سد خلة بخلة، واستشفى من علة بعلة، وأقتل ما أغلك ما شفاك فما ظنك بمن يصطلي نار الأشواق، وقد قنع من أخيه بالأوراق فضن عليه بالأوراق.
ومما ينتظم في هذا العقد ما ذكرته في مفتتح كتاب يتضمن عناية ببعض المتظلمين، فاستطردت فيه المعنى إذ ذكر المكتوب إليه، وهو: هدايا المكارم أنفس من هدايا الأموال، وأبقى على تعاقب الأيام والليال، وقد حمل هذا الكتاب منها هدية تورث حمدا وتكسب مجدا، وهي خير ثوابا وخير مردا، ولا يسير بها إلا سجية طبعت على الكرم، وخلقت من عنصر الديم، كسجية مولانا أعلاه الله علوا تفخر به الأرض علىالسماء، وتحسده شمس النهار ونجوم الظلماء، ولا زالت أياديه مخجلة صوب الغمام، معدية على نوب الأيام، مغنية بشرف فضلها على شرف الأخوال والأعمام، وتلك الهدية هي تجريد الشفاعة في أمر فلان ومن إيمان المرء سعيه في حاجة أخيه، وإن لم يمسه بشيء من أسباب أواخيه، فإن المؤمنين إخوة وإن تباينت مناسبهم، وتفاوتت مراتبهم، ومن صفتهم أن يسعى بذمتهم أدناهم، وخيرهم من عناه من الأمر ما عناهم، ثم مضيت على هذا النهج إلى آخر الكتاب.

(1/248)


ومن ذلك ما كتبته من كتاب إلى صديق استحدثت مودته، وهو من أهل العراق، وكنت اجتمعت به بالموصل ثم سارعني، فكتبت إليه أستهديه رطبا، فقلت: هذه المكاتبة ناطقة بلسان الشوق الذي تزف كلمه زفيف الأوراق، وتسجع سجع ذوات الأطواق، وتهتف وهي مقيمة بالموصل فتسمع من هو مقيم بالعراق، وأبرح الشوق ما كان عن فراق غير بعيد، وود استجدت حلته واللذة مقترنة بكل شيء جديد، وأرجو ألا يبلى قدم الأيام لهذه الجدة لباسا، وأن يعاذ من نظرة الجن والإنس حتى لا يخشى جنة ولا بأسا، وقد قيل: إن للمودات طعما كما أن لها وسما، وإن ذا اللب يصادق نفسا قبل أن يصادق جسما، وإني لأجد لمودة سيدنا حلاوة يستلذ دوامها، ولا يمل استطعامها، وقد أذكرتني الآن بحلاوة الرطب الذي هو من أرضها، وغير عجيب لمناسبة الأشياء أن يذكر بعضها ببعضها، إلا أن هذه الحلاوة تنال بالأفواه وتلك تنال بالأسرار، وفرق بين ما يغترس بالأرض وما يغترس بالقلب في شرف الثمار، فلا ينظر سيدنا علي في هذا التمثيل، ولربما كان ذلك تعريضا ينوب مناب التطفيل.
وهذا من التخلصات البديعة، فانظر أيها المتأمل كيف سقت الكلام إلى استهداء الرطب وجعلت بعضه آخذا برقاب بعض، حتى كأنه أفرغ في قالب واحد؟ وكذلك فليكن التخلص من معنى إلى معنى.
وهذا القدر من الأمثلة كاف للمتعلم.
ومما أستظرف من هذا النوع في الشعر قول ابن الزمكرم الموصلي وهو:
وليل كوجه البرقعيدي مظلم ... وبرد أغانيه وطول قرونه
سريت ونومي فيه نوم مشرد ... كعقل سليمان بن فهد ودينه
على أولق فيه التفات كأنه ... أبو جابر في خبطه وجنونه
إلى أن بدا ضوء الصباح كأنه ... سنا وجه قرواش وضوء جبينه
وهذه الأبيات لها حكاية، وذاك أن هذا الممدوح، وهو شرف الدولة قراوش ملك العرب، وكان صاحب الموصل، فاتفق أنه كان جالسا مع ندمائه في ليلة من ليالي الشتاء، وفي جملتهم هؤلاء الذين هجاهم الشاعر، وكان البرقعيدي مغنيا، وسليمان بن فهد وزيرا، وأبو جابر حاجبا، فالتمس شرف الدولة من هذا الشاعر أن يهجو المذكورين ويمدحه، فأنشد هذه الأبيات ارتجالا، وهي غريبة في بابها: لم يسمع بمثلها، ولم يرض قائلها بصناعة التخلص وحدها، حتى رقي في معانيه المقصودة إلى أعلى منزلة، فابتدأ البيت الأول يهجو البرقعيدي، فجاءه في ضمن مراده ذكر أوصاف ليل الشتاء جميعها، وهي الظلمة والبرد والطول، ثم إن هذه الأوصاف الثلاثة جاءت ملائمة لما شبهت به مطابقة له، وكذلك البيت الثاني والثالث، ثم خرج إلى المديح بألطف وجه، وأدق صنعة وهذا يسمى الاستطراد، وما سمعت في هذا الباب بأحسن من هذه الأبيات.
ومما يجري على هذا الأسلوب ما ورد لابن الحجاج البغدادي، وهي أبيات لطيفة جدا:
ألا يا ماء دجلة لست تدري ... بأني حاسد لك طول عمري
ولو أني استطعت سكرت سكرا ... عليك فلم تكن يا ماء تجري
فقال الماء: ما هذا عجيب ... بم استوجبته يا ليت شعري
فقلت له: لأنك كل يوم ... تمر على أبي الفضل بن بشر
تراه ولا أراه، وذاك شيء ... يضيق عن احتمالك فيه صبري
وما علمت معنى في هذا المقصد ألطف ولا أرق ولا أعذب ولا أحلى من هذا اللفظ، ويكفي ابن الحجاج من الفضيلة أن يكون له مثل هذه الأبيات.
ولا تظن أن هذا شيء انفرد به المحدثون لما عندهم من الرقة واللطافة، وفات من تقدمهم لما عندهم من قشف العيش وغلظ الطبع، بل قد تقدم أولئك إلى هذا الأسلوب، وإن أقلوا منه وأكثر منه المحدثون، وأي حسن من محاسن البلاغة والفصاحة لم يسبقوا إليه؟ وكيف لا وهم أهله ومنهم علم وعنهم أخذ؟ فمن ذلك ما جاء للفرزدق وهو:
وركب كأن الريح تطلب عندهم ... لها ترة من جذبها بالعصائب
سروا يخبطون الليل وهي تلفهم ... إلى شعب الأكوار من كل جانب
إذا آنسوا نارا يقولون ليتها ... وقد خصرت أيديهم نار غالب
فانظر إلى هذا الاستطراد ما أفحله وأفخمه.
واعلم أنه قد يقصد الشاعر التخلص فيأتي به قبيحا، كما فعل أبو الطيب المتنبي في قصيدته التي أولها:
مثل القطر أعطشها ربوعها
فقال عند الخروج من الغزل إلى المديح:

(1/249)