صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : الكشكول
المؤلف : البهاء العاملي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

آخر
ولقيت في حبيبك ما لم يلقه ... في حب ليلى قيسها المجنون
لكنني لم أتبع وحش الفلا ... كفعال قيس والجنون فنون
آخر
إني لأعجب من صدودك والجفا ... من بعد ذاك القرب والإيناس
حاشا شمائلك اللطيفة أن ترى ... عوناً علي مع الزمان القاسي
آخر
سألته التقبيل في خده عشراً ... وما زاد يكون احتساب
فمذ تعانقنا وقبلته ... غلطت في العد فضاع الحساب
آخر
غمرته بناظري ولم أفه بكلمة ... أجابني حاجبه لكن بنون العظمة
البهاء زهير
أيها النفس الشريفة ... إنما دنياك جيفة
وعقول الناس في ... رعبتهم فيها سخيفة
آه ما أسعد من ... كارته فيها خفيفة
أيها المذنب ما ... ترفق بالنفس الضعيفة
أيها العاقل ما ... تبصر عنوان الصحيفة
أيها المسرف كسرت ... أبا زير الوظيفة
أيها المغرور لا ... تفرح بتوسيع القطيفة
كيف لا تهتم بالعدة ... والطرق مخوفة
حل الزاد وإلا ... ليس بعد اليوم كوفه
آخر
وإذا اعتراك الشك في ود امرء ... وأردت تعرف حلوه من مره
فاسأل فؤادك عن ضمير فؤاده ... ينبيك سرك كل ما في سره
البهاء زهير
رع الله ليلة وصل خلت ... وما خلط الصفو فيها كدر
أتت بغتة ومضت سرعة ... وما قصرت مع ذاك القصر
بغير احتيال ولا كلفة ... ولا موعد بيننا ينتظر
وكانت كما أشتهي ليلة ... وطال الحديث وطاب السمر
ومر لنا من لطيف العتاب ... عجائب ما مثلها في السير
فقلت وقد كاد قلبي يطير ... سروراً بنيل المنى والوطر
أيا قلب تعرف من قد أتاك ... ويا عين تدرين من قد حضر
ويا قمر الأفق عد راجعاً ... فقد بات عندي هذا القمر
ويا ليلتي هكذا هكذا ... وبالل بالله قف يا سحر
من خط والدي قدس الله روحه: مسألة قطعة أرض فيها شجرة مجهولة الارتفاع فطار إليها عصفور من رأسها إلى الأرض آن انتصاف النهار، والشمس في أول الجدي، في بلد عرضه إحدى وعشرون درجة، فسقط على نقطة من ظل الشجرة، فباع مالك الأرض من أصل الشجر إلى تلك النقطة لزيد، ومن تلك النقطة إلى طرف الظل لعمرو، ومن طرف الظل إلى ما يساوي ارتفاع تلك الشجرة لبكر، وهو نهاية ما يملكه من تلك الأرض. ثم زالت تلك الشجرة، وخفي علينا مقدار الظل ومسقط العصفور، وأردنا أن نعرف مقدار حصة كل واحد لندفعها إليه، والغرض أن طول كل من الشجرة والظل، وبعد مسقط العصفور عن أصل الشجرة مجهول، وليس عندنا من المعلومات شيء سوى مسافة طيران العصفور فإنها خمسة أذرع، ولكنا نعلم أن عدد أذرع كل من المقادير المجهولة صحيح لا كسر فيه. وغرضنا أن نستخرج هذه المجهولات، من دون رجوع إلى القواعد المقررة في الحساب: من الجبر والمقابلة والخطأين وغيرهما، فكيف السبيل إلى ذلك؟.
أقول: هكذا وجدت بخط والدي قدس الله سره، والظاهر أن هذا السؤال له طاب ثراه، ويخطر ببالي أن الجواب عن هذا السؤال أن يقال: لما كانت مسافة الطيران وتر قائمة كان مربعها مساوياً لمجموع مربع الضلعين بالعروس وهو خمسة وعشرون، وينقسم إلى مربعين صحيحين، أحدهما ستة عشر والآخر تسعة، فأحد الضلعين المحيطين بالقاعدة أربعة، والآخر ثلاثة، والظل أيضاً أربعة، لأن ارتفاع الشمس ذلك الوقت في ذلك العرض، خمسة وأربعون، لأنه الباقي من تمام العرض، وهو تسع وستون إذا نقص منه أربعة وعشرون: أعني الميل الكلي وقد ثبت في محله أن ظل ارتفاع خمس وأربعين لا بد أن يساوي الشاخص، ويظهر أن حصة زيد من تلك الأرض ثلاثة أذرع، وحصة عمرو ذراع، وحصة بكر أربعة أذرع، وذلك ما أردناه.

(1/103)


لا يخفى أن في البرهان على مساواة ظل ارتفاع مه للشاخص نوع مساهلة أوردتها في بعض تعليقاتي على رسالة الاسطرلاب، لكن التفاوت قليل جداً، لا يظهر للحس أصلاً، فهو كاف فيما نحن فيه.
في الكافي بطريق حسن عن أبي عبد الله رضي الله عنه أنه قال: القرآن عهد الله إلى خلقه، فقد ينبغي للمسلم أن ينظر في عهده، وأن يقرأ منه كل يوم خمسين آية. وروي أيضاً عن زين العابدين رضي الله عنه أنه قال: آيات القرآن خزائن، كلما فتحت خزانة، ينبغي لك أن تنظر فيها.
أول أسماء هذا الجدول مبدأ السنة: أعني تشرين الأول وأوله في هذا الزمان في أواسط الميزان.
وقال كوشيار في زيجه الموسوم بالجامع: إن هذه الأسماء سريانية لا رومية، وللروم أسماء غيرها، وأول تشرين الأول إنما هو أول السنة عند السريانيين؛ وأما عند الروم، فأول السنة: أول كانون الثاني وهو في هذا الزمان حوالي العشرين من درجات الجدي، قاله مولانا عبد العلي في شرح الزيج.
وشباط المشهرو كونه بالشين المعجمة، قاله كوشيار في زيجه، الموسوم بالجامع والجوهري في الصحاح جعله بالمهلمة، قال المحقق البرجندي في شرح الزيج: لعله معربة بالمهملة انتهى.
أقول: ويؤديه قاسان وإبريسم وطست. والتغيير في التعريب غير لازم البتة، فلا يريد التسرينان.
مما أوحى الله سبحانه إلى موسى على نبينا وعليه السلام: يا موسى كن خلق الثياب جديد القلب، تخفى على أهل الأرض، وتعرف في السماء.
لقي صاحب سلطان حكيماً في الصحراء يبتلع العلف ويأكله، فقال له: لو خدمت الملوك لم يحتج إلى أكل العلف، فقال الحكيم: لو أكلت العلف لم تحتج إلى خدمة الملوك.
من كلام أفلاطون: لا يستخدمك السلطان إلا لأنه يقدر فيك الزيادة عليه، وإنما يقيمك مقام الكلبتين لأخذ الجمرة التي لا يقدر أن يأخذها باصبعه، فاجهد بأن تكون بقدر زيادتك عليه، في الأمر الذي تخدمه فيه.
ومن كلامه: من مدحك بما ليس فيك من الجميل وهو راض عنك، ذمك بما ليس فيك من القبيح وهو ساخط عليك.
قال بطليموس: ينبغي للعاقل أن يستحي من ربه، إذا امتدت فكرته في غير طاعته.
ومن كلامه إن لله جل شأنه في السراء نعمة الإفضال وفي الضراء نعمة التمحيص والثواب.
روي في الكافي بطريق حسن عن الباقر رضي الله عنه أنه قال: أحب الأعمال إلى الله عز وجل ما داوم عليه العبد وإن قل.
من كتاب الروضة في الكافي بطريق صحيح عن محمد بن مسلم، قال: قال لي أبو جعفر رضي الله عنه: كان كل شيء ماء وكان عرشه على الماء، فأمر الله عز وجل الماء فاضطرم ناراً، ثم أمر النار فخمدت، فارتفع خمودها دخان، فخلق السموات من ذلك الدخان، وخلق الأرض من الرماد، الحديث.
بنى بعض أكابر البصرة داراً، وكان في جواره بيت لعجوز يساوي عشرين ديناراً وكان محتاجاً إليه في تربيع الدار؛ فبذلك لها فيه مائتي دينار، فلم تبعه فقيل لها: إن القاضي يحجر عليك لسفاهتك، حيث ضيعت مائتي دينار، لما يساوي عشرين ديناراً، قالت: فلم لا يحجر على من يشتري بمأتين، ما يساوي عشرين ديناراً، فأقحمت القاضي ومن معه جميعاً، وترك البيت في يدها حتى ماتت.
قد يقال: إن جمع القرآن لا يسمى تصنيفاً، إذ الظاهر أن التصنيف ما كان كلام المصنف.
والجواب: إن جمع القرآن إذا لم يكن تصنيفاً لما ذكرت من العلة؛ فجمع الحديث أيضاً ليس تصنيفاً، مع أن إطلاق التصنيف على كتب الحديث شايع ذائع.
من خطبة يوم الغدير: واعلموا أن هذا يوم كرمه الله تكريماً، وعظم شأنه تعظيماً، وبين ذلك في الكتاب العزيز تبييناً، فقال جل شأنه: " اليوم اكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً " هذا يوم إكمال الدين، هذا يوم إتمام النعمة على العالمين، هذا يوم ظهور الحق واليقين، هذا يوم إرغام المعاندين والمنافقين، هذا يوم الغدير، هذا يوم إظهار ما في الضمير، هذا يوم رفع الأستار، هذا يوم ملائكة السماء، هذا يوم النبأ العظيم، هذا يوم الصراط المستقيم، هذا يوم الكشف والبيان، هذا يوم الحجة والبرهان، هذا يوم النص الجلي، هذا يوم قول الأعداء: بخ بخ لك يا علي.

(1/104)


هذا يوم من كنت مولاه فعلي مولاه، هذا يوم اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، هذا يوم الإيضاح، هذا يوم الإفصاح، هذا يوم العهود، هذا يوم الشهود، هذا يوم العرفان، هذا يوم الإيقان، هذا يوم الهداية، هذا يوم الوصاية، هذا يوم الإحقاق، هذا يوم الميثاق، هذا يوم التنصيص، هذا يوم التخصيص، هذا يوم شيعة أمير المؤمنين، هذا يوم الحجة على الخلائق أجمعين.
هذا آخر ما وجد من المجلد الأول من الكشكول.
المجلد الثاني
بسم الله الرحمن الرحيم
كان ببغداد رجل متعبد اسمه رويم، فعرض عليه القضاء فتولاه، فلقيه الجنيد يوماً فقال: من أراد أن يستودع سره من لا يفشيه فعليه برويم، فإنه كتم حب الدنيا أربعين سنة حتى قدر عليها.
وروي أيضاً بطريق حسن عن أبي عبد الله رضي الله عنه قال: إن القرآن نزل بالحزن فاقرؤه بالحزن.
وروي عن أبي عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرؤا القرآن بألحان العرب وأصواتها، وإياكم ولحون أهل الفسق وأهل الكبائر، فإنه سيجيء من بعدي أقوام يرجعون القرآن ترجيع الغناء والنوح والرهبانية لا يجوز تراقيهم قلوبهم مقلوبة وقلوب من يعجبه شأنهم.
وروى أيضاً سعيد بن يسار قال: قلت لأبي عبد الله رضي الله عنه: مولاك سليم ذكر أنه ليس معه من القرآن سوى سورة يس، فيقوم فينفد ما معه من القرآن. أيعيد ما يقرأ؟ قال: نعم لابأس.
وروي فيه أيضاً عن أبي عبد الله أنه قال: سورة الملك هي مانعة من عذاب القبر، وإني لأركع بها بعد عشاء الآخرة وأنا جالس.
من كتاب من لا يحضره الفقيه. قال الصادق رضي الله عنه: المؤمن حسبه من الله نصرة أن يرى عدوه يعمل بمعاصي الله عز وجل.
روي في الكافي عن أبي عبد الله رضي الله عنه أنه كان يتصدق بالسكر، فقيل أتصدق بالسكر؟ قال: نعم إنه ليس شيء أحب إلي منه، وأنا أحب أن أتصدق بأحب الأشياء إلي.
في أواخر من لا يحضره الفقيه، الحسن بن محبوب عن الهيثم بن واقد قال: سمعت الصادق رضي الله عنه جعفر بن محمد يقول: من أخرجه الله عز وجل من ذل المعاصي إلى عز التقوى أغناه الله بلا مال، وأعزه بلا عشيرة، وآنسه بلا أنيس، ومن خاف الله عز وجل أخاف الله عز وجل منه كل شيء، ومن لم يخف الله عز وجل أخفاه الله من كل شيء، ومن رضي من الله عز وجل باليسير من الرزق رضي منه باليسير من العمل، ومن لم يستح من طلب المعاش خفت مؤنته ونعم أهله. ومن زهد من الدنيا أثبت الله الحكمة في قلبه، وأنطق بها لسانه وبصره عيوب الدنيا داءها ودواءها، وأخرجه من الدنيا سالماً إلى دار السلام.
في كتاب الروضة من الكافي بطريق حسن عن الصادق إذا رأى الرجل ما يكره في منامه فليتحول عن شقه الذي كان عليه نائماً، وليقل: " إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئاً إلا بإذن الله " .
ثم ليقل: عذت بما عاذت به ملائكة الله المقربون وأنبياؤه المرسلون وعباده الصالحون من شر ما رأيت ومن شر الشيطان الرجيم.
مما قاله بعض الأكابر في مرضه الذي مات فيه شعر:
نمضي كما مضت القبايل قبلنا ... لسنا بأول من دعاه الداعي
تبقى النجوم دوائر أفلاكها ... والأرض فيها كل يوم ناعي
وزخارف الدنيا يجوز خداعها ... أبداً على الأبصار والأسماع
كان إبراهيم بن أدهم ماراً في بعض الطرق، فسمع رجلاً ينشد ويغني بهذا البيت، شعر:
كل ذنب لك مغفور ... سوى الإعراض عني
فغشي عليه وسمع الشبلي رجلاً ينشد شعراً:
أردناكم صرفاً وإذ قد مزجتم ... فبعداً وسحقاً لا نقيم لكم وزنا

(1/105)


تولى ابن البراج قضاء طرابلس عشرين سنة أو ثلاثين. وكان للشيخ أبي جعفر الطوسي أيام قرائته على السيد المرتضى كل شهر إثني عشر ديناراً، ولابن البراج كل شهر ثمانية دنانير، وكان السيد المرتضى يجري على تلامذته، وكان قدس الله روحه يدرس في علوم كثيرة، وفي بعض السنين أصاب الناس قحط شديد، فاحتال رجل يهودي في تحصيل قوت يحفظ به نفسه، فحضر يوماً مجلس المرتضى، واستأذنه في أن يقرأ عليه من النجوم، فأذن له السيد، وأمر له بجراية تجري عليه كل يوم. فقرأ عليه برهة ثم أسلم على يده. وكان السيد قدس الله روحه نحيف الجسم، وكان يقرأ مع أخيه الرضي على ابن نباته صاحب الخطب وهما طفلان، وحضر المفيد مجلس السيد يوماً، فقام من موضعه وأجلسه فيه، وجلس بين يديه، فأشار المفيد بأن يدرس في حضوره. وكان يعجبه كلامه إذا تكلم. وكان السيد قد وقف قرية على كاغذ الفقهاء.
وحكاية رؤية المفيد في المنام فاطمة الزهراء رضي الله عنها، وأنها أتت بالحسن والحسين، وقولها له: علم ولدي هذين العلم، ومجيء فاطمة بنت الناصر بولديها الرضي والمرتضى في صبيحة ليلة المنام إلى المفيد، وقولها له: علم ولدي هذين مشهورة.
لبعض الأكابر
إذا أمسى وسادي من تراب ... وبت مجاور الرب الرحيم
فهنوني أصيحابي وقولوا ... لك البشرى قدمت على كريم
آخر
أيها المرء إن دنياك بحر ... موجه طافح فلا تأمننها
وسبيل النجاة فيها منير ... وهو أخذ الكفاف والقوت منها
المجنون
هوى ناقتي خلفي وقدامي الهوى ... وإني وإياها لمختلفان
طوبى لعبد بحبل الله معتصم ... على صراط سوي ثابت قدمه
ما زال يحتقر الدنيا بهمته ... حتى ترقت إلى الأخرى به هممه
رث اللباس جديد القلب مستتر ... في الأرض مشتهر فوق السماء سمه
إذا العيون اجتله في بذاذته ... تعلو نواظرها عنه وتقتحمه
من كلام بعض الأعلام: الويل لمن أفسد آخرته بصلاح دنياه، وفارق ما عمر غير راجع إليه، وقدم على ما خرب غير منتقل عنه.
من كلام بطليموس: الأمن يذهب وحشة الوحدة، كما أن الخوف يذهب أنس الجماعة.
كان أبو الحسن علي بن عيسى الوزير يحب أن يبين فضله على كل أحد، فدخل عليه القاضي أبو عمرو في أيام وزارته، وعلى القاضي قميص جديد فاخر غالي القيمة، فأراد الوزير أن يخجله، فقال له: يا أبا عمرو بكم شريت شقة هذا القميص؟ قال: مائة دينار، فقال أبو الحسن: ولكني شريت شقة قميصي هذا بعشرين ديناراً، فقال أبو عمرو: إن الوزير أعزه الله يجمل الثياب، فلا يحتاج إلى المبالغة فيها، ونحن نتجمل بالثياب، فنحتاج إلى المبالغة فيها، لأنا نلابس العوام ومن يحتاج إلى إقامة الهيبة في نفسه هذا يكون لباس والوزير أيده الله، يخدمه الخواص أكثر من خدمة العوام، ويعلمون أن تركه لمثل ذلك إنما هو عن قدرة.
حبس بعض الخلفاء شخصاً على غير ذنب، فبقي سنين عديدة، فلما حضرته الوفاة كتب رقعة، وقال للسجان إذا مت فأوصلها إلى الخليفة، فلما مات أوصلها إليه، فإذا فيها مكتوب أيها الغافل، إن الخصم قد تقدم، والمدعي عليه بالأثر، والمنادي جبرئيل والقاضي لا يحتاج إلى بينة.
مما أنشده عمرو بن معدي كرب في وصف الحرب شعر:
الحرب أول ما يكون فتية ... تسعى بزينتها لكل جهول
حتى إذا استعرت وشب ضرامها ... عادت عجوزاً غير ذات حليل
شمطاء جزت رأسها وتنكرت ... مكروهة للشم والتقبيل
ذكر في أوائل الثلث الأخير من النفحات: أن هذا الشيخ سافر إلى الهند وصحب أبا الرضا رتن وأعطاه رتن مشطاً زعم أنه مشط رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر في النفحات أيضاً أن هذا المشط كان عند علاء الدولة السمناني، كأنه وصل إليه من هذا الشيخ، وأن علاء الدولة لفه في خرقة ولف الخرقة في ورقة، وكتب على الورقة بخطه: هذا المشط من أمشاط رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه الخرقة قد وصلت من أبي الرضا رتن إلى هذا الضعيف وذكر أيضاً أن علاء الدولة كتب بخطه أنه يقال: إن ذلك كان أمانة من الرسول صلى الله عليه وسلم ليصل إلى الشيخ رضي الدين لألاء.

(1/106)


انتهى كلام النفحات وفيه نظر وكلامه طويل يظهر لمن رأى كلام صاحب القاموس في لفظ رتن وفيه رمز يعرفه من يعرفه فحله إن أطقت والسلام.
لما قدم هدية هدبة العذري للقتل التفت إلى زوجته، وأنشدها:
فلا تنكحي إن فرق الدهر بيننا ... أغم القفا والوجه ليس بأنزعا
فأخذت سكيناً وقطعت أنفها وقالت: الآن كن آمناً من ذلك، فقال الآن طاب ورود الموت.
ابن الدهان كتب بهما إلى بعض الحكام وقد عوفي من مرضه شعر:
نذر الناس يوم برئك صوماً ... غير أني نذرت وحدي فطراً
عالماً أن يوم برئك عيد ... لا أرى صومه وإن كان نذراً
المعري
تمنيت أن الخمر حلت لنشوة ... تجلهني كيف اطمأنت بي الحال
فأذهل أني في العراق على شفا ... ردي الأماني لا أنيس ولا مال
الرافعي
أقيما على باب الرحيم أقيما ... ولا تنيا في ذكره فتهيما
هو الرب من يقرع على الصدق بابه ... يجده رؤوفاً بالعباد رحيما
النساء حبايل الشيطان. زنا العيون النظر. الصدقة على الأقارب صدقة وصلة. الإيمان نصفان نصف شكر ونصف صبر.
للشيخ عبد القاهر يصف بعض تلامذته بقلة الرغبة في تحصيل العلم، وعدم حضور قلبه وقت القراءة.
يجيء في فضلة وقت له ... مجيء من شاب الهوى بالنزوع
ثم له جلسة مستوفز ... قد شددت أحماله بالنسوع
ما شئت من زهزهة والغنى ... بمستر اباز باذخ ل لسقي الزروع
أبو الحسن الأطروش المصري
ما زلت أدفع شدتي بتصبري ... حتى استرحت من الأيادي والمنن
إبراهيم الغزي
ليست بأوطانك اللاتي نشأت بها ... لكن ديار الذي تهواه أوطان
خير المواطن ما للنفس فيه هوى ... سم الخياط مع المحبوب ميدان
كل الديار إذا فكرت واحدة ... مع الحبيب وكل الناس إخوان
أفدي الذين دنوا والهجر يبعدهم ... والنازحين وهم في القلب سكان
كنا وكانوا بأهنى العيش ثم نأوا ... كأننا قط ما كنا وما كانوا
كان بعض الملوك غضب على بعض حاشيته، فأسقط الوزير اسمه من ديوان العطايا، فقال الملك: أبقه على ما كان عليه، لأن غضبي لا يسقط همتي.
وقيل لبعض الصوفية: لم وصف الله سبحانه بخير الرازقين؟ فقال: لأنه إذا كفر أحد لا يقطع رزقه.
كتب شخص يطلب من صديق له شيئاً، فكتب إليه صديقه إني لست قادراً على دانق لضيق يدي. فكتب الصديق إليه في ظهر الورقة إن كنت صادقاً كذبك الله، وإن كنت كاذباً صدقك الله.
العالم بأجزائه حي ناطق " وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم " لكن نطق البعض يسمع ويفهم ككلام الاثنين المتفقين في اللغة إذا سمع كل منهما كلام الآخر وفهمه، ونطق البعض يسمع ولا يفهم كالاثنين المختلفي اللغة، ومنه سماعنا أصوات الحيوانات. وسماع الحيوانات أصواتنا، ومنه ما لا يسمع ولا يفهم كغير ذلك، وهذا بالنسبة إلى المحجوبين، وأما غيرهم فيسمعون كلام كل شيء.
قال شخص لآخر: جئتك في حويجة، فقال: أقصد بها رجيلاً.
وقال شخص لآخر: جئتك في حاجة صغيرة. فقال: دعها حتى تكبر.
في وصف النساء
بيض أوانس ما هممن بريبة ... كظباء مكة صيدهن حرام
يحسبن من لين الحديث زوانياً ... ويصدهن عن الخنا الإسلام
سئل رويم عن الصوفي فقال: هو الذي لا يملك شيئاً ولا يملكه شيء.
وقال أيضاً: التصوف ترك التفاضل بين الشيئين.
من كلام سمنون المحب أول وصال العبد للحق هجرانه لنفسه، وأول هجران العبد للحق مواصلته لنفسه.
في الحديث انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً قيل: كيف ينصر ظالماً فقال صلى الله عليه وسلم: يمنعه من الظلم أكثر واذكر هادم اللذات.
التهاون بالأمر من قلة المعرفة بالأمر.
وروي أن ابن الفارض كان جالساً يوماً على شاطىء دجلة، وبيده قرن يضرب به على فخذه حتى جرحه، وهو لا يشعر، وهو ينشد هذه الأبيات شعر:
كان لي قلب أعيش به ... ضاع مني في تقلبه
رب فاردده علي فقد ... ضاق صدري في تطلبه

(1/107)


فأغلث ما دام بي رمق ... يا غياث المستغيث به
وروي أنه أنشد يوماً:
تريد مني اختبار سري ... وقد علمت المراد مني
وليس لي في سواك حظ ... فكيف ما شئت فاختبرني
فاعتراه حبس البول، واشتد عليه الألم، وكان يصبر على شدة ذلك الألم، فرآه بعض أصحابه في المنام، كأنه يدعو الله بالشفاء، فلما أخبره بذلك علم أن المقصود التأدب بآداب العبودية، وإظهار العجز، والافتقار. فخرج يدور، وكلما وصل إلى مكتب كتاب قال لمن فيه من الأطفال ادعوا لعمكم الكذاب.
استعينوا على نجاح الحوائج بالكتمان لها.
الحاجزي
هيجت وجدي يا نسيم الصبا ... إن كنت من نجد فيا مرحبا
جدد فدتك النفس عهد الهوى ... بذلك الحي وتلك الربى
إن المقيمين بسفح اللوى ... من لا أرى لي غيرهم مذهبا
أبقوا الأسى لي بعدهم مطعماً ... والدمع حتى تلتقي مشربا
مازلت أبكي الشعب من بعدهم ... حتى غدا من أدمعي معشبا
كيف احتيالي من هوى شادن ... ما رمت منه الوصل إلا أبى
ظبي من الترك ولكنه ... أضحى لحتفي فيه مستعربا
يا معرضاً عرض بي للردى ... ما كنت للإعراض مستوجبا
حملت قلبي منك ما لو غدا ... بالجبل الشامخ أضحى هبا
ويلاه من صدغ غدا في الدجا ... عقربه في الخد قد عقربا
بت ناعم البال يعيش خلي ... الوجد والأحزان والهم لي
حساد لذاتك تبلى بما ... بت من الشوق به مبتلي
يا راقد الطرف هناك الكرى ... عيني عن الرقدة في معزل
كم قلت خوفاً من دواعي الهوى ... إياك والهجر فلم تقبل
اذكر عهوداً كنت عاهدتني ... إذ نحن بالشرقي من إربل
وله
جسدنا حل وقلب جريح ... ودموع على الخدود يسيح
وحبيب مر التجني ولكن ... كل ما يفعل المليح مليح
يا خلي الفؤاد قد ملأ الوجد ... فؤادي وبرح التبريح
جد بوصل أحيى به أو بهجر ... فيه موتي لعلني أستريح
أنت للقب في المكانة قلب ... ولروحي على الحقيقة روح
بخضوعي والوصل منك عزيز ... وانكساري والطرف منك صحيح
رق لي من لواعج وغرام ... أنا منها ميت وأنت المسيح
يا غزالاً له الحشاشة مرعى ... لا خزاماً بالرقمتين وشيح
أنت قصدي من الغوير ونجد ... حين أغدو مسائلاً واروح
قد كتمت الهوى بجهدي وإن ... دام علي الغرام سوف أبوح
شعر للحاجزي
رأت قمر السماء فذكرتني ... ليالي وصلنا بالرقمتين
كلانا ناظر قمراً ولكن ... رأيت بعينها ورأت بعيني
ابن خفاجة
لا العطايا ولا الرزايا بواق ... كل شيء إلى بلى ودثور
فاله عن حالتي سرور وحزنٍ ... فإلى غاية مجاري الأمور
وإذا ما انقضت صروف الليالي ... فسواء كلا الأسى والسرور
ابن التعاويذي
أرسله إلى بعض أصحابه، وقد تأخر عن عيادته، وكان يسمى بابن الدوامي:
يا ابن الدوامي الذي ... هو بالمكارم ذو لهج
يا من به تحيى الخوا ... طر والنواظر والمهج
قل لي ودع عنك المعا ... ذير الركيكة والحجج
لم لا تعود أخاضني ... يرجو برؤيتك الفرج
صباً إليك إذا ذكر ... ت له تهلل وابتهج
لو قيل إنك معرض ... في النوم عنه لانزعج
ويعد أياماً تمر ... ولا يزال بها حجج
أنت الذي مزج الإخاء ... دمي بقلبك فامتزج
اعذر مريضاً ما عليه ... في عتابك من حرج
فإذا الصديق جنا فسو ... مح في جنايته انمزج
أحمد الحكيم الكاتب كتبه إلى بعض أصحابه في مرض:

(1/108)


فديتك ليلى مذ مرضت طويل ... ودمعي لما لاقيت منك همول
أشرب كأساً أو أسر بلذة ... ويفجعني ظبي الفلات كحيل
ويضحك سني أو تجف مدامعي ... وأصبوا إلى لهو وأنت عليل
ثكلت إذن نفسي وقامت قيامتي ... وغال حياتي عند ذلك غول
فإن ينقطع منك الرجاء فإنه ... سأبقى على حزني ضحى وأصيل
القاضي التنوخي
أنصون ماء العين من بعد امرىءٍ ... قد صان منافي الوجوه الماء
يا قبره لم تحو جسماً ميتاً ... لكن حويت مكارماً أحياء
الصنوبري
وحقك ما خضبت مشيب رأسي ... رجاء أن يدوم لي الشباب
ولكني خشيت يراد مني ... عقول ذوي المشيب فلا يصاب
لبعضهم
وقائلة لما رأت شيب لمتي ... استره عن وجهها بخضاب
أتسترعني وجه حق بباطل؟ ... وتوهمني ماء بلمع سراب؟
فقلت لها: كفي ملامك إنها ... ملابس أحزاني لفقد شبابي
السراج الوراق
وقالت يا سراج علاك شيب ... فدع لجديده خلع العذار
فقلت لها نهار بعد ليل ... فما يدعوك أنت إلى النفار
فقالت قد صدقت وما سمعنا ... بأضيع من سراج في نهار
محمود الوراق
أتفرح أن ترى حسن الخضاب ... وقد واريت حسنك في التراب
ألم تعلم وفرط الجهد أولى ... بمثلك إنه كفن الشباب
ابن خفاجة
ضحك المشيب بعارضيه وأسفرا ... فغدا وراح من الغواية مقفر
والصبح أبهى في العيون من الدجى ... وأعم إشراقاً وأبهج منظرا
والروض مونوق وليس برائق ... حتى تصادفه العيون منورا
سبط التعاويذي
ولقد نزعت عن الغوا ... ية لابساً ثوب الوقار
لما تبلج فجر فو ... دى وانجلى ليل العذار
علماً بأن الشيب يظ ... هر ما استر من عواري
وكذا المريب يسير لي ... لته ويكمن بالنهار
القاضي سوار
يا شيبة طلعت في الرأس رايقة ... كأنما نبتت في ناظر البصر
لئن حجبتك بالمقراض عن بصري ... فما حجبتك عن همي وعن فكري
الحاجزي
لمع البرق اليماني ... فشجاني ما شجاني
ذكر دهر وزمان ... بالحمى أي زمان
يا وميض البرق هل ... ترجع أيام التداني
وترى يجتمع الشمل ... فأحظى بالأماني
أي سهم فوق البين ... مصيباً فرماني
أبعد الأحباب عني ... وأراني ما أراني
يا خليلي إذا لم ... تسعداني فذراني
هذه أطلال سعدى ... والحمى والعلمان
أين أيام التصابي ... وزمان العنفوان
ذهبت تلك البشاشات ... مع الغيد الحسان
من لمى سؤر طليق ... الدمع مرعوب الجنان
كلما قال تقضي ... حادث أقبل ثاني
خمار هواك قد أتى بالقدح ... والوقت صفا فقم بنا نصطبح
كم تكتم سر حالك المفتضح ... قل علوة واكشف الغطا واسترح
لما نظر العذال حالي بهتوا ... في الحال وقالوا لوم هذا عنت
ما نعذ له الآن ولا تعرضه ... من يسمع من يعقل من يلتفت
لما صد عن عهد وصالي حالا ... لا يبرح دمع مقلتي هطالا
أدعو بلساني يفعل الله به ... قلبي وحشاشتي ينادي لالا

(1/109)


يا عاذل كم تجور في العذل علي ... دعني وتهتكي فقد راق لدي
خذ حذرك وانصرف ودعني والغي ... ما أطيب ما يقال قد جن بمي
لدواعي الهوى وفرط الخلاعة ... ألف سمع لا للوقار وطاعة
سيما والصبوح قد رفع الكأ ... س بأيدي السقاة فينا شراعة
ونداماي فتية يطرب الحا ... ضر منهم فكاهة وبراعة
معشر غادروا غازلوا صروف الليالي ... فدروا أن لذة العمر ساعة
يا خليلي عرجا بي جميعاً ... نشرب الراح كالصلاة الجماعة
خمرة لو رأى العزيز بمصر ... لونها في الكؤوس أرهى ماعة
علمت بأني مغرم لكم صب ... فعذبتموني والعذاب بكم عذب
وآلفتم بين السهاد ناظري ... فلا أدمعي ترقي ولا ينطفي كرب
خذوا في التجني كيف شئتم وأنتم ... أحبة قلبي لا ملام ولا عتب
عسى أوبة بالشعب أعطى بها المنى ... كما كان قبل البين يجمعنا الشعب
وما ذات فرخ بان عنها فأصبحت ... بذي الاثل ثكلاً دأبها النوح والندب
بأشوق من قلبي لديكم فليتني ... قضيت أسى أو ليت لم يخلق الحب
يعاتبني والذنب في الحب ذنبه ... فيرجع مغفوراً له ولي الذنب
إذا فتر جادت بالمدامع مقلتي ... كذا عند لمع البرق ينهمر السحب
ألا يا نسيماً هب من أرض حاجر ... نشدتك هل سرب الحمى ذلك السرب
وهل شجرت بالأثيل أنيقة ... يروح ويغدو مستظلاً بها الركب
لحى الله قلباً لا يهيم صبابة ... وصباً إلى تلك المنازل لا يصبو
أول شعر قاله أبو نواس في أول طفوليته:
حامل الهوى تعب ... يستخفه الطرب
إن بكى يحق له ... ليس ما به لعب
تضحكين لاهية ... والمحب ينتحب
كلما انقضى سبب ... منك جائني سبب
تعجبين من سقمي ... صحتي هي العجب
البهاء زهير
خاف الرسول من الملامة ... فكنى بسعدى عن أمامة
وأتى يعرض بالحدي ... ث برامةٍ سقياً لرامة
ففهمت منه إشارة ... بعث الحبيب بها علامة
وطربت حتى خلتني ... نشوان تلعب في المدامة
بشراي هذا اليوم قد ... قامت على الواشي قيامة
خذ يا رسول حشاشتي ... نلت السعادة والسلامة
وأعد حديثك إنه ... لألذ من سجع الحمامة
يا من يريد بن الهوان ... ومن أريد له الكرامة
مولاي سلطان الملاح ... وليس يكشف لي ظلامة
الصفي الحلي
لي حبيب يلذ ... فيه عذابي ويعذب
ليس لي منه مطمع ... لا ولا عنه مذهب
يتمنى منيتي ... وهو للقلب مطلب
إن قتل المحب ... فيه حلال وطيب
أنا فيه مخاطر ... حين يأتي ويذهب
فعلى الظهر حية ... وعلى الصدغ عقرب
ابن الغدوي
والله ما المراد مرادي فان ... نظمت فيهم مثل نظم الجمان
لكن من رام نفاق الورى ... بقوله ينظم خرج الزمان
وله في إمام في الصلاة
إمام في الركوع حكى هلالا ... ولكن في اعتدال كالقضيب
وقال تلوت قلت الشمس حسناً ... وقال ختمت قلت على القلبو
وله في تاجر
وتاجر أبصرته عشاقه ... والحرب فيما بينهم ثائر
قال على م اقتتلوا هاهنا ... قلت على عينك يا تاجر
وله في واعظ
الواعظ الأمرد هذا الذي ... قد حير الأبصار والأعينا
ولفظه يأمرنا بالتقى ... ولحظه يأمرنا بالخنا
وله في فراء

(1/110)


قلت لفراء فرا فؤادي ... وزاد صداً وطال هجرا
قد فر نومي وفر صبري ... فقال لما عشقت فرا
الشيخ علاء الدين النواجي المصري في قصيدة، يمدح بها سيد المرسلين عليه وآله أفضل صلوات المصلين شعر:
عللوه بطيبه وبرامه ... وعريب النقا وحي تهامه
يا رعى الله جيرة خيموا ... بالمنحنى من ضلوعه المستهامه
قد حموا في الحمى عقيلة خدر ... قتلت باللحاظ غزلان رامه
كلما رام من هواها خلاصاً ... وجد الوجد خلفه وأمامه
حثه الشوق بالمسير إلى ... نحو فناها وقادمنه زمامه
ضل في التيه قلبه وهداه ... نور سلمى والسرح أبدى ابتسامه
حالف السهد والسقام وعادى ... مذ نأيتم هجوعه ومنامه
فعلى م البعاد والصد والهجر؟ ... وحتى متى الجفا وإلى م؟
فعدوه بزورة من خيال ... في منام عساه يقضي مرامه
عمرك الله سايق الظعن رفقاً ... بمسيري فلا أطيق دوامه
وحنانيك خل قلباً عليلاً ... يتنشق رند الحمى وخزامه
قف به ساعة وعرج قليلاً ... بحماهم عسى يرى أعلامه
كل عام يروم منهم وصالاً ... فعسى أن يكون ذا العام عامه
الشيخ العارف عبد القادر الجيلاني
اكشف حجاب التجلي ... واحنيى بالتملي
وإن بدا لك قتلي ... فأنت في ألف حل
ما لي سوى الروح خذها ... والروح جهد المقل
أخذت مني بعضي ... فليتني كنت كلي
صرفت عني قلبي ... سلبت مني عقلي
وقفت بالباب دهراً ... عسى أفوز بوصل
من لي بأن ترتضيني ... عبيد بابك من لي
مالي بغيرك شغل ... وأنت غاية شغلي
وله في لبان
قلت له طبت يا فتى لبنا ... ففقت حسناً ورقت إحسانا
قلبي لباكم وخالفني ... فقال لما عشقت لبانا
وله في عروضي
لي عروضي مليح ... موتتي فيه حياة
عاذلاتي في هواه ... فاعلات فاعلات
وله في مغن
رب مغن قال لي ... عطف وردف مايج
هذا خفيف داخل ... وذا ثقيل خارج
وله في بدوي وكان ملتثماً
بدوي جاءنا ملتثما ... فدعوناه لأكل وعجبنا
مد في السفرة كفاً ترفاً ... فحسبنا أن في السفرة جبنا
لغيره وأظنه ابن نباتة، وقد أجاد في التوجيه إلى الغاية:
هويت أعرابية ريقها ... عذب ولي منها عذاب مذاب
رأسي بها شيبان والطرف من ... نبهان والعذال فيها كلاب
في القهوة لمامية الرومي
أنا المعشوقة السمرا ... وأجلى في الفناجين
وعود الهندلي عطر ... وذكري شاع في الصين
العباس بن الأحنف
قلبي إلى ما ضرني داعي ... يكثر إعلالي وأوجاعي
كيف احتراسي من عدوي إذا ... كان عدوي بين أضلاعي
لبعض الأعراب
أيذهب عمري هكذا لم أنل به ... مجالس يشفى قرح قلبي من الوجد
وقالوا أتدري أن في الطب راحة ... فعللت نفسي بالدواء فلم يجد
الشيخ محيي الدين ابن عربي
عقد الخلايق في الإله عقايدا ... وأنا اعتقدت جميع ما اعتقده
تاج الدين ابن عمارة
ما نلت من حب من كلفت به ... سوى غراماً عليه أو ولها
ومحنتي في هواه دائرة ... آخرها لا يزال أولها
السرمري الرمزي المحدث الحنبلي
ومن العجائب في أسامي ناقل ... الأخبار والآثار للمتأمل
كمسدد مسرهد بن مغربل ... ومعربل بن مطربل بن أرندل

(1/111)


وسرندل بن عرندل لو بسملوا ... فيها لظلت رقية للدمل
أبو الحسن التهامي في قصيدة
هل الوجد إلا أن تلوح خيامها ... فيقضي بإهداء السلام ذمامها
وقفت بها أبكي فترزم أينقي ... وتصهل أفراسي وتدعو حمامها
ولو بكت الورق الحمايم شجوها ... بعيني محي انسجامها
وفي كبدي استغفر الله غلة ... إلى برد لثامها
وبرد رضاب سلسل غير أنه ... إذا شربت هيامها
فيا عجباً من غلة كلما ارتوت ... من السلسبيل العذب زاد اضطرامها
خليلي هل يأتي مع الطيف نحوها ... سلامي كما يأتي إلي سلامها
ألمت بنا في ليلة مكفهرة ... فما سفرت حتى تجلى ظلامها
فأبصر مني الطيف نفساً أبيةً ... تيقظها عن عفة ومنامها
إذا كان حظي حيث حل خيالها ... لسيان عندي نأيها ومقامها
فهل نافعي أن يجمع الله بيننا ... بكل مكان وهو صعب مرامها
أرى النفس تستحلي الهوى وهو حتفها ... بعيشك هل يحلو لنفسٍ حمامها
أسيدتي رفقاً بمهجة عاشق ... يعذبها بالبعد عنك غرامها
لك الخير جودي بالجمال فإنه ... سحابة صيف ليس يرجى دوامها
النووي
وجدت القناعة أصل الغنى ... وصرت بأذيالها متمسك
فلا ذا يراني على بابه ... ولا ذا يراني به منهمك
وعشت غنياً بلا درهم ... أمر على الناس شبه الملك
ابن الوردي في أعورين أحدهما جالس بجنب الآخر:
أعور باليمنى إلى جنبه ... أعور باليسرى قد انضما
فقلت يا قوم انظروا واعجبوا ... من أعورين اكتنفا أعمى
أبو علي سينا
لا أركب البحر أخشى ... علي فيه المعاطب
طين أنا وهو ماء ... والطين في الماء ذائب
لبعضهم
ليس الخمول بعار ... على امرء ذي جلال
فليلة القدر تخفي ... على جميع الليالي
ابن الحلاوي في مشرف مطبخه، وكان أحول:
يجيء إلينا بالقليل يظنه ... كثيراً وليس الشج إلا لعينيه
ومن سوء حظي أن رزقي مقدر ... براحة مرء يبصر الشيء مثليه
ولبعضهم في مليح له رقيب أحول:
أحوى الجفون له رقيب أحول ... الشيء في إدراكه شيئان
يا ليته ترك الذي أنا مبصر ... وهو المخير في المليح الثاني
ولآخر وكان أحول
شكرت إلهي إذ بليت بحبها ... على نظر أغنى عن النظر الشزر
نظرت إليها والرقيب يخالني ... نظرت إليه فاسترحت من العذر
ابن نقادة
شكوت صبابتي يوماً إليها ... وما ألقاه من ألم الغرام
فقالت أنت عندي مثل عيني ... نعم صدقت ولكن في السقام
الشافعي
لا يدرك الحكمة من عمره ... يكدح في مصلحة الأهل
ولا ينال العلم إلا فتى ... خال من الأفكار والشغل
لو أن لقمان الحكيم الذي ... سارت به الركبان بالفضل
بلى بفقر وعيال لما ... فرق بين التيس والبغل
قال الصلاح الصفدي
إذا كنت لا ترجى لدفع ملمة ... ولا أنت ذا مال فنرجوك للقرا
ولا أنت ممن يرتجى لكريهة ... عملنا مثالاً مثل شخصك من خرا
القاضي عبد الوهاب
أطال بين الديار ترحالي ... قصور مالي وطول آمالي
إن بت في بلدة مشيت إلى ... أخرى فما تستقر أحمالي
كأنني فكرة الموسوس ما ... تبقى مدى ساعة على حال
العباس بن الأحنف
سألونا عن حالنا كيف أنتم؟ ... فقرنا وداعهم بالسؤال

(1/112)


ما حللنا حتى ارتحلنا فما ... نفرق بين النزول والارتحال
السراج الوراق في جوخة كان قد قلبها:
يا صاح جوختي الزرقاء تحسبها ... كنسج داود في سرد وإتقان
قلبتها فغدت إذ ذاك قائلة ... سبحان من قد بلا قلبي وأبلاني
إن النفاق لشيء لست أعرفه ... فكيف يطلب مني الآن وجهان؟
لطيف قول ابن دانيال
ما عاينت عيناي في عطلتي ... أقل من حظي ومن بختي
قد بعت عبدي وحماري وقد ... أصبحت لا فوقي ولا تحتي
ابن رواحة
لاموا عليك وما دروا ... أن الهوى سبب السعادة
إن كان وصل فالمنى ... أو كان هجر فالشهادة
وله أيضاً في عكس هذا المعنى
يا قلب دع عنك الهوى قسراً ... ما أنت قط بحامد أمرا
أضعت دنياك بهجرانه ... إن نلت وصلاً ضاعت الأخرى
ابن الوردي من قصيدة
إعتزل ذكر الأغاني والغزل ... وقبل الفضل وجانب من هزل
ودع اللهو لأيام الصبى ... فلأيام الصبى نجم أفل
واترك الخمرة لا تحفل بها ... كيف يسعى في جنون من عقل
وافتكر في منتهى حسن الذي ... أنت تهواه تجد أمراً جلل
واتق الله فتقوى الله ما ... جاورت حاولت قلب امرء إلا وصل
واطلب العلم ولا تكسل فما ... أبعد الخير على أهل الكسل
قيمة الإنسان ما يحسنه ... أكثر الإنسان منه أو اقل
ليس يخلو المرء من ضد ولو ... حاول العزلة في رأس الجبل
جانب السلطان واحذر بطشه ... لا تخاصم من إذا قال فعل
لا تل الحكم وإن هم سألوا ... رغبة فيك وخالف من عزل
إن نصف الناس أعداء لمن ... ولي الأحكام هذا إن عدل
عسل الدولة إن يحلو لمن ... ذاقه فالسم في ذاك العسل
لا يوازي لذة الحكم بما ... ذاقه الشخص إذا الشخص انعزل
قصر الآمال في الدنيا تفز ... فدليل القصد تقصير الأمل
إن من يطلبه الموت على ... غفلة منه جدير بالوجل
ملك كسرى تغن عنه كسرة ... وعن البحر اجتزاء بالوشل
إعتبر نحن قسمنا بينهم ... تلقه حقاً وبالحق نزل
حبك الأوطان عجز ظاهر ... فاغترب تلق عن الأهل بدل
فبمكث الماء يبقى آسناً ... وسرى البدر به البدر اكتمل
قاطع الدنيا فمن عاداتها ... تخفض العالي وتعلي من سفل
واترك الحيلة فيها واقتدي ... إنما الحيلة في ترك الحيل
لا تقل أصلي وفصلي أبداً ... إنما أصل الفتى ما قد حصل
قد يسود المرء من غير أبٍ ... وبحسن السبك قد يخفى الزغل
ابن وكيع
لقد رضيت همتي بالخمول ... ولم ترض بالرتب العالية
وما جهلت طيب طعم العلا ... ولكنها تؤثر العافية
آخر
لذ خمولي وحلى مره ... إذ صانني عن كل مخلوق
نفسي معشوقي ولي غيرة ... تمنعني من بذل معشوقي
غيره
تنازعني النفس أعلى الأمور ... وليس ليست من العجز لا أنشط
ولكن لأن بقدر المكان ... يكون سلامة من يسقط
ابن التعاويذي في ذم قوم
أفنيت شطر العمر في مدحكم ... ظناً بكم إنكم أهله
وعدت أفنيه هجاءً لكم ... فضاع عمري فيكم كله
قال بعض العارفين لرجل من الأغنياء: كيف طلبك للدنيا؟ فقال: شديد. قال: فهل أدركت منها ما تريد؟ قال: لا، قال: هذه التي صرفت عمرك في طلبها لم تحصل منها ما تريد، فكيف التي لم تطلبها؟!

(1/113)


هذه الأبيات مما سمح به الطبع الجامد. حال الحلول ببلدة آمد وكنت متوزع الخاطر، ذا قلب حزين، ودمع ماطر، لأن الزمان غير مساعد، والدهر للأحباب مباعد، والقافلة قد طولوا الإقامة، حتى حصل كمال الملالة والسآمة، وذلك بسبب منع الحكام، للطمع في أخذ شيء من الحطام، فبقيت هناك اثني عشر يوماًن لا أعرف مأكلاً ولا نوماً، حتى يسر الله سبحانه الرواح، وقد كادت تزهق الأرواح.
لما احتضر سلمان الفارسي رضي الله عنه، تحسر عند موته، فقيل له: على م تأسفك يا أبا عبد الله؟ فقال: ليس تأسفي على الدنيا، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلينا وقال: ليكن بلغة أحدكم كزاد الراكب، وأخاف أن نكون قد جاوزنا أمره، حولي هذه الأشياء، وأشار إلى ما في بيته، وإذا هو سيف؛ ودست، وجفنة.
لما أتي ببلاد من بلاد الحبشة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأنشده بلسان الحبشة شعراً:
اره بره كنكره ... كرا كرى مندره
فقال لحسان: أجعل معناه عربياً، فقال حسان شعر:
إذا المكارم في آفاقنا ذكرت ... فإنما بك فينا يضرب المثل
لبعضهم
إذا غلب المنام فنبهوني ... فإن العمر ينقصه المنام
فإن كثر الكلام فسكتوني ... فإن الوقت يظلمه الكلام
قال بعض العارفين، عند قوله تعالى: " وجعلنا من بين أيديهم سداً " هو طول الأمل، وطمع البقاء، " ومن خلفهم سداً " وهو الغفلة عما سبق من الذنوب، وقلة الندم عليها والاستغفار منها.
سمع بعض الزهاد في يوم من الأيام شخصاً يقول: أين الزاهدون في الدنيا الراغبون في الآخرة.
فقال له الزاهد: يا هذا، إقلب كلامك، وضع يدك على من شئت.
لكاتبهما
وثقت بعفو الله عني في غد ... وإن كنت أدري أنني المذنب العاصي
وأخلصت حبي في النبي وآله ... كفا في خلاصي يوم حشري إخلاصي
في الخبر عن سيد البشر صلى الله عليه وسلم أنه يفتح للعبد يوم القيامة كل يوم من أيام عمره أربعة وعشرون خزانة، عدد ساعات الليل والنهار، فخزانة يجدها مملوءة نوراً وسروراً، فيناله عند مشاهدتها من الفرح والسرور وما لو وزع على أهل النار لأدهشهم عن الإحساس بألم النار، وهي الساعة التي أطاع فيها ربه، ثم يفتح له فيها خزانة أخرى فيراها مظلمة منتنة مفزعة، فيناله عند مشاهدتها من الجزع والفزع، ما لو قسم بين أهل الجنة لنغص عليهم نعيمها. وهي الساعة التي عصى فيها ربه؛ ثم يفتح له خزانة أخرى فيراها فارغة ليس فيها ما يسره ولا ما يسؤوه، وهي الساعة التي نام فيها أو الشغل فيها لشيء من مباحات الدنيا، فيناله من الغبن والأسف على فواتها ما لا يوصف، حيث كان متمكناً من أن يملأها حسنات، ومن هذا قوله تعالى: " ذلك يوم التغابن " .
في الأعراف: " إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم " .
قال في الكشاف: فيه دليل بين أن الجن لا يرون، ولا يظهرون للإنس، وأن إظهارهم أنفسهم ليس في استطاعتهم، وأن زعم من يدعي رؤيتهم زور ومخرقة. انتهى كلامه.
وقال الإمام في التفسير الكبير: ليس فيه دليل على ذلك، كما زعمه صاحب الكشاف، فإن الجن يراهم كثير من الناس، وقد رآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والأولياء من بعده. انتهى كلامه. وقريب منه كلام البيضاوي، لله در من قال: شعر
حتى م أنت بما يلهيك مشتغل؟ ... عن نهج قصدك من خمر الهوى ثمل؟
تمضي من الدهر بالعيش الذميم إلى ... وأنت منقطع والقوم قد وصلوا
وتدعي بطريق القوم معرفة ... كم ذا التواني وكم يغري بك الأمل
فانهض إلى ذروة العلياء مبتدراً ... عزماً لترقى مكاناً دونه رجل
فإن ظفرت فقد جاوزت مكرمة ... بقاؤه ببقاء الله متصل
وإن قضيت بهم وجداً فأحسن ما ... يقال عنك قضى من وجده الرجل
كان تلامذة أفلاطون ثلاث فرق: وهم الإشراقيون، والرواقيون، والمشائيون، فالإشراقيون: هم الذين جردوا ألواح عقولهم عن النقوش الكونية فأشرقت عليهم لمعات أنوار الحكمة، من لوح النفس الأفلاطونية، من غير توسط العبارات، وتخلل الإشارات.

(1/114)


والرواقيون: هم الذين كانوا يجلسون في رواق بيته، ويقتبسون الحكمة من عباراته وإشاراته. والمشائيون: هم الذين كانوا يمشون في ركابه ويتلقون منه فرائد الحكمة في تلك الحالة، وكان أرسطو من هؤلاء وربما يقال: إن المشائين: هم الذين كانوا يمشون في ركاب أرسطو لا في ركاب أفلاطون.
في الحديث نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قيل وقال. قال في الفايق: أي نهي عن فضول ما يتحدث به الناس، من قولهم: قيل كذا، وقال فلان كذا، وبناؤهما على أنهما فعلان محكيان، والإعراب على إجرائهما مجرى الأسماء خلوين عن الضمير، ومنه قولهم: إنما الدنيا قيل وقال، وقد يدخل عليهما حرف التعريف.
قال في النهاية في حديث علي رضي الله عنه: الأبدال بالشام، هم الأولياء والعباد، والواحد بدل كحمل، وبدل كحمل، سموا بذلك، لأنه كلما مات واحداً بدل آخر.
النيشابوري في تفسير قوله تعالى: " سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم " والآية في حم السجدة، أورد نبذاً من عجائب فتوحات المسلمين، من زمان معاوية إلى زمان الب ارسلان وذكر حرب الب ارسلان مع ملك الروم، وأطنب فيه. ثم أورد بعد ذلك، كلاماً طويلاً في بيان أن بدن الإنسان يحكي مدينة معمورة فيها كل ما تحتاج إليه المدينة.
وأورد النيشابوري أيضاً في تفسير قوله تعالى: " ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضة ومعارج عليها يظهرون ولبيوتهم أبواباً وسرراً عليها يتكئون وزخرفاً وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين " والآية في سورة الزخرف، حكايات عن التجملات والزينة التي كانت لبعض الملوك والخلفاء العباسيين، والفقر والقناعة التي كانت لبعض العابدين.
ثم نقل عن بعض الأكابر، أنه قال: إن قوله تعالى: " ولولا أن تكون الناس أمة واحدة " اعتذار من الله تعالى إلى أنبيائه، وأوليائه، أنه لم تزو عنهم الدنيا، إلا لأنها ليس لها خطر عنده، وأنها فانية باينة، فاثر لهم العقبى الباقية بأهلها.
اعلم أن الأصحاب لما رأوا اجتماع النتيجتين المتنافيتين الحاصلتين من قولهم الكلام صفة لله تعالى، وكل ما هو صفة لله تعالى، فهو قديم، فالكلام قديم، والكلام مترتب الأجزاء مقدم بعضها على بعض، وكلما هو كذلك فهو حادث، فالكلام حادث، منع كل طائفة مقدمة فيها كالمعتزلة للأولى والكرامية للثانية، والأشاعرة للثالثة، والحنابلة للرابعة، والحق أن الكلام يطلق على معنيين على الكلام النفسي، وعلى الكلام اللساني، وقد يقسم الأخير إلى حالتين ما للمتكلم بالفعل وما للمتكلم بالقوة، وتبين الكل بالضد كالنسيان للأول والسكوت للثاني والخرس للثالث، والمعنى يطلق على معنيين: المعنى الذي هو مدلول اللفظ، والمعنى الذي هو القائم بالغير، فالشيخ الأشعري لما قال: الكلام هو المعنى النفسي فهم الأصحاب منه، أن المراد منه مدلول اللفظ حتى قالوا بحدوث الألفاظ، وله لوازم كثيرة فاسدة كعدم التكفير لمنكري كلامه ما بين الدفتين، لكنه علم بالضرورة من الدين أنه كلام الله تعالى ، وكلزوم عدم المعارضة والتحدث بالكلام، بل نقول المراد بن الكلام النفسي بالمعنى الثاني شاملاً للفظ أو المعنى قائماً بذات الله تعالى ، وهو مكتوب في المصاحف مقروء بالألسنة محفوظ في الصدور، وهو غير القراءة والكتابة والحفظ الحادثة كما هو المشهور من أن القراءة غير المقروء، وقولهم إنه مترتبة الأجزاء قلنا لا نسلم بل المعنى في النفس لا ترتب فيه ولا تأخر كما هو قائم بنفس الحافظ ولا ترتب فيه، نعم الترتب إنما يحصل في التلفظ لضرورة عدم مساعدة الآلة وهو حادث منه، ويحمل الأدلة اتلتي يدل على الحدوث على حدوثه جمعاً بين الأدلة، وهذا البحث وإن كان ظاهره خلاف ما عليه، متأخروا القم لكن بعد التأمل يعرف حقيته. والحق أن هذا المحمل محمل صحيح لكلام الشيخ، ولا غبار عليه فأحفظه والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
لا تأسفن من الدنيا على أمل ... فليس باقيه إلا مثل ماضيه
للشيخ أبي الفتح البستي
زيادة المرء في دنياه نقصان ... وربحه غير محض الخير خسران
وكل وجدان حظ لا ثبات له ... فإن معناه في التحقيق فقدان

(1/115)


يا عامراً لخراب الدهر مجتهداً ... تالله هل لخراب الدهر عمران؟
ويا حريصاً على الأموال تجمعها ... أنسيت أن سرور المال أحزان
يا خادم الجسم كم تسعى لخدمته ... أتطلب الربح فيما فيه خسران
أقبل على النفس واستعمل فضائلها ... فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان
دع الفؤاد عن الدنيا وزخرفها ... فصفوها كدر والوصل هجران
وأوع سمعك أمثالاً افصلها ... كما يفصل ياقوت ومرجان
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم ... فطالما استعبد الإنسان إحسان
وإن أساء مسيء فليكن لك في ... عروض زلته صفح وغفران
وكن على الدهر معواناً لذي أملٍ ... يرجو نداك فإن الحر معوان
واشدد يديك بحبل الله معتصماً ... فإنه الركن إن خانتك أركان
من يتقي الله يحمد في عواقبه ... ويكفه شر من عزوا ومن هانوا
من استعان بغير الله في طلب ... فإن ناصره عجز وخذلان
من كان للخير مناعاً فليس له ... على الحقيقة إخوان وأخدان
من جاد بالمال مال الناس قاطبة ... إليه والمال للإنسان فتان
من سالم الناس يسلم من غوائلهم ... وعاش وهو قرير العين جذلان
من مد طرفاً لفرط الجهل نحو هوى ... أغضى على الحق يوماً وهو حزنان
من عاشر الناس لاقى منهم نصباً ... لأن أخلاقهم بغي وعدوان
من كان للعقل سلطان عليه غداً ... وما على نفسه للحرص سلطان
ومن يفتش على الإخوان يقلهم ... فجل إخوان هذا العصر خوان
ولا يغرنك حظ جره خرق ... فالخرق هدم ورفق المرء بنيان
فالروض يزدان بالأنوار فاغمة ... والحر بالعدل والإحسان يزدان
صن حر وجهك لا تهتك غلالته ... فكل حر لحر الوجه صوان
وإن لقيت عدواً فالقه أبداً ... والوجه بالبشر والإشراق غضان
من استشار صروف الدهر قام له ... على حقيقة طبع الدهر برهان
من يزرع الشر يحصد في عواقبه ... ندامة ولحصد الزرع إبان
من استنام إلى الأشرار قام وفي ... قميصه منهم صل وثعبان
كن ريق البشر إن المرء همته ... صحيفة وعليها البشر عنوان
ورافق الرفق في كل الأمور فلم ... يذمم يندم رفيق ولم يذممه إنسان
أحسن إذا كان إمكان ومقدرة ... فلن يدوم على الإنسان إمكان
دع التكاسل في الخيرات تطلبها ... فليس يسعد بالخيرات كسلان
لا ظل للمرء أحرى من تقى ونهى ... وإن أظلته أوراق وأغصان
الناس إخوان من والته دولته ... وهم عليه إذا عادته أعوان
سحبان من غير مال باقل حص ... وباقل في ثرآء المال سحبان
لا تحسب الناس طبعاً واحداً فلهم ... غرائز لست تحصيها وأكنان
ما كان ماء كصدآء لوارده ... نعم ولا كل نبت فهو سعدان
وللأمور مواقيت مقدرة ... وكل أمر له حد وميزان
فلا تكن عجلاً في الأمر تطلبه ... فليس يحمد قبل النضج بحران
حسب الفتى عقله خلا يعاشره ... إذا تحاماه إخوان وخلان
هما رضيعا لبان حكمة وتقى ... وساكناً وطن مال وطغيان
إذا بنا نباخ بكريم موطن فله ... وراءه في بسيط الأرض أوطان
يا ظالماً فرحاً بالعز ساعده ... إن كنت في سنة فالدهر يقظان
يا أيها العالم المرضي سيرته ... أبشر فأنت بغير الماء ريان

(1/116)


ويا أخا الجهل لو أصبحت في لججٍ ... فأنت ما بينها لاشك ظمآن
لا تحسبن سروراً دائماً أبداً ... من سره زمن ساءته أزمان
إذا جفاك خليل كنت تألفه ... فاطلب سواه فكل الناس إخوان
وإن نبت بك أوطان نشأت بها ... فارحل فكل بلاد الله أوطان
خذها سوائر أمثال مهذبة ... فيها لمن يبتغي التبيان تبيان
ما ضر حسانها والطبع صائغها ... إن لم يصغها قريع الشعر حسان
أبو الفتح البستي
يا أكثر الناس إحساناً إلى الناس ... وأكثر الناس إغضاء من الناسي
نسيت وعدك والنسيان مغتفر ... فاغفر فأول ناس أول الناس
في السكنى وفي السفر
الله جارك في بدو وفي حضر ... والعز دارك في السكنى وفي السفر
حرست في سفر عمت ميامنه ... مشيعاً بالعلى والنصر والظفر
حكى الإمام فخر الدين الرازي، في أول السر المكتوم، قال: قال ثابت بن قرة في الكحل: ذكر بعض الحكماء كحلاً يقوي البصر إلى حيث يرى ما بعد عنه كأنه بين يديه، قال: وفعله بعض أهل بابل، فحكى أنه رأى جميع الكواكب الثابتة والسيارة في موضعها، وكان ينفذ بصره في الأجسام الكثيفة، وكان يرى ما ورائها فامتحنته أنا وقسطا بن لوقا، ودخلنا بيتاً وكتبنا كتاباً وكان يقرأه علينا ويعرفنا أول سطره وآخره كأنه معنا، وكنا نأخذ القرطاس ونكتب، وبيننا جدار وثيق، فأخذ قرطاساً ونسخ ما كنا نكتبه كأنه ينظر فيما نكتبه.
يقال إن زرقاء اليمامة كانت ترى الفارس من بعد ثلاثة أيام، ونظرت إلى حمام يطير في الجو فقالت:
يا ليت ذا القطا لنا ... ونصف مثله معه
إلى قطاة أهلنا ... إذن لنا قطاً مأه
يقال: إنها وقعت في شبكة صائد، فعدها كانت كما قالته الزرقاء وهي ست وستون.
إذا عرفت هذا فنقول: إن عند مقدم محمد صلى الله عليه وسلم كان العالم مملؤاً من الكفر والشرك والفسق، أما اليهود فكانوا من المذاهب الباطلة، في التشبيه، وفي الافتراء على الأنبياء، وفي تحريف التوراة، وقد بلغوا الغاية. وأما النصارى: فقد كانوا في إثبات التثليث، وتحريف الإنجيل، قد بلغوا الغاية. وأما المجوس فقد كانوا في إثبات الإلهين ووقع المحاربة بينهما، وفي تحليل نكاح الأمهات والبنات، وقد بلغوا الغاية. وأما العرب فقد كانوا في عبادة الأصنام، وفي النهب والغارة وقد بلغت النهاية، وكانت الدنيا مملؤة من هذه الأباطيل فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم، وقام بدعوة الخلق إلى دين الحق، انقلبت الدنيا من الباطل إلى الحق، ومن الكذب إلى الصدق، ومن الظلم إلى النور، وبطلت هذه الكفريات، وزالت هذه الجهالات في أكثر بلاد العالم، وفي وسط المعمورة وانطلقت انطقت الألسنة بتوحيد الله، واستنارت العقول بمعرفة الله، ورجع الخلق من حب الدنيا إلى حب المولى بقدر الإمكان، وإذا كان لا معنى للنبوة إلا تكميل الناقصين في القوة النظرية والقوة العملية، ورأينا أن هذا الأثر حصل بمقدم محمد صلى الله عليه وسلم أكمل وأكثرها مما ظهر بسبب مقدم موسى وعيسى عليهما السلام، علمنا أنه كان سيد الأنبياء وقدوة الأصفياء.
فائدة طبية: سر بعد الطعام ولو خطوة، نم بعد الحمام ولو لحظة، بل بعد الجماع ولو قطرة.
كتب بعض الأفاضل مع كرسي أهداه شعر:
أهديت شيئاً يقل لولا ... أحدوثة الفال والتبرك
كرسي تفألت فيه لما ... رأيت مقلوبة يسرك
لمهيار في السيف على طريق اللغز:
وابن سررت به إذ قيل لي ذكر ... فصنته ويصان الدر في الصدف
أخشى عليه السوافي أن تهب فما ... تراه في غير حجري أو على كتفي
أغار عجباً عليه أن أقبله ... يوماً وتقبيله أدنى إلى شرفي
يتيه من فوق كرسي وهبت له ... من اللجين بقد قام كالألف
لأبي إسحاق الصابي في معارضة غلامين، أحدهما أسود والآخر أبيض، شعر:
قد قال ظبي وهو أسود للذي ... ببياضه يعلو علو الخائن

(1/117)


ما فخر خدك بالبياض وهل ترى ... أن قد أفدت به مزيد محاسني
لو أن خالاً فيه مني زانه ... ولو أن منه في خالاً شانني
قال الباخرزي
القبر الموت أخفى سترة للبنات ... ودفنها يروي من المكرمات
أما رأيت الله سبحانه ... قد جعل النعش بجنب البنات
آخر
فإن وعدت لم يلحق القول فعلها ... وإن أوعدت فالقول يسبقه الفعل
لشهاب الدين، أحمد بن يوسف الصفدي، ما يكتب على السيف شعر:
أنا أبيض كم جئت يوماً أسوداً ... فأعدته بالنصر يوماً أبيضا
ذكر إذا ما سل يوم كريهة ... جعل الذكور من الأعادي حيضا
اختال ما بين المنايا والمنى ... وأجول في وقت القضايا والقضا
للصاحب إسمعيل بن عباد رحمه الله، ووصف أبياتاً أهديت إليه شعر:
أتتني بالأمس أبياته ... تعلل روحي بروح الجنان
كبرد الشباب وبرد الشراب ... وظل الأمان ونيل الأماني
وعهد الصبى ونسيم الصبا ... وصفو الدنان ورجع القيان
قال الحريري ناقلاً عن عجوزة تشتكي من معيشتها: وهو مذكور في المطول مسجع: فمذ أغبر العيش الأخضر وأزور المحبوب الأصفر،أسود يومي الأبيض، وأبيض فودي الأسود، حتى رثى لي العدو الأزرق؛ فيا حبذا الموت الأحمر.
قال الحريري في درة الغواص: بين أي لفظ بين لا تدخل إلا على المثنى أو المجموع كقولك الدار بينهما والدار بين الإخوة، وأما قوله تعالى: " مذبذبين بين ذلك " فإن لفظته ذلك تؤدي عن شيئين، وكشف هذا بقوله تعالى: " لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء " ونظيره: " لا نفرق بين أحد من رسله " وذلك أن لفظة أحد في قوله تستغرق الجنس الواقع على المثنى والمجموع.
المسافة: البعد، وأصلها من الشم، كأن الدليل إذا كان في فلاة أخذ التراب فاستافه أي شمه ليعلم أين هو من بقاع الأرض.
الخلف اسم من الأخلاف، وهو في المستقبل؛ كالكذب في الماضي.
قال الشيخ بدر الدين محمد بن مالك: اعلم أن اسم المعنى الصادر عن الأفعال كضرب. أو قائم بذاته كالعلم، ينقسم إلى مصدر، واسم مصدر. فإن كان أوله ميم مزيدة هي لغير مفاعلة، كالمضرب والمحمدة أو كان لغير ثلاثي كالغسل والوضوء فهو اسم المصدر، وإلا فهو المصدر.
من أظرف الأشعار
قلت وقد لج لح في معاتبتي ... وظن أن الملال من قبلي
خدك ذا الأشعري حنفني ... وكان من أحمد المذاهب لي
حسنك ما زال شافعي أبداً ... يا مالكي كيف صرت معتزلي
آخر
بين المحبين سر ليس يفشيه ... قول ولا قلم للخلق يحكيه
ابن المعتز
قد يبعد الشيء من شيء يشابهه ... إن السماء نظير الماء في اللون
آخر
أمسيت أحسد أترجاً وأحسبه ... في صفرة اللون من بعض المساكين
عجبت منه فما أدري أصفرته ... من فرقة الغصن أو من خوف سكين؟
ثقلت زجاجات أتتنا فرغاً ... حتى إذا ملئت بصرف الراح
خفت فكادت أن تطير بما حوت ... وكذا الجسوم تخف بالأرواح
حكي أن بعض الأرقاء، كان عند مالك يأكل الخاص ويطعمه الخشكار. فاستنكف الرقيق من ذلك وطلب البيع فباعه فاشتراه من يأكل الخشكار ويطعمه النخالة، فطلب البيع فاشتراه من يأكل النخالة ولا يطعمه شيئاً. فطلب البيع فباعه فشراه من لا يأكل شيئاً وحلق رأسه وكان في الليل يجلسه، ويضع السراج على رأسه بدلاً من المنارة فأقام عنده ولم يطلب البيع.
فقال له النحاس لأي شيء رضيت بهذه الحالة عند هذا المالك؟ قال: أخاف من أن يشتريني في هذه المرة من يضع الفتيلة في عيني عوضاً من السراج.
قد ينقسم التشبيه باعتبار الطرفين، أي المشبه والمشبه به إلى أربعة أقسام، ملفوف وهو أن يؤتى على طريق العطف أو غيره بالمشبهات أولاً ثم بالمشبه بها كقول امرء القيس شعر:
كأن قلوب الطير رطباً ويابساً ... لدى وكرها العناب والحشف البالي
ومفروق: وهو أن يؤتى بمشبه ومشبه به ثم بآخر وآخر كقول المرقش يصف النساء شعر:

(1/118)


النشر مسك والوجوه دنانير ... وأطراف الأكف عنم
والتسوية وهو أن يتعدد المشبه دون الثاني كقول شاعر شعر.
صدغ الحبيب وحالي ... كلاهما كالليالي
وثغره في صفاء ... وأدمعي كاللئالي
والجمع وهو أن يتعدد المشبه به دون الأول كقول البحتري
بات نديماً لي حتى الصباح ... أغيد مجدول مكان الوشاح
كأنها يبسم عن لؤلؤ ... منضد أو برد أو أقاح
والتشبيه في البيت الثاني. وشبه الحريري ثغر المحبوب في بيت واحد بخمسة أشياء كما يقول:
يفتر عن لؤلؤ رطب وعن برد ... وعن أقاح وعن طلع وعن حبب
نعم ما قاله الشيخ الفاضل محمود بن عمر القزويني الخطيب في الإيضاح وأورده العلامة التفتازاني في المطول في بحث الاستعارة العنادية، وهي التي لا يمكن اجتماع طرفيها كما إذا استعير المعدوم للموجود الذي لا غناء في وجوده، وهو هذا ثم الضدان إن كانا قابلين للقوة والضعف كان استعارة اسم الأشد للأضعف أولى، فكل من كان أقل علماً أو أضعف قوة كان أولى بأن يستعار له اسم الميت، لكن الأقل علماً أولى بذلك من الأقل قوة، لأن الإدراك أقدم من الفعل في كونه خاصة للحيوان لأن أفعاله المختصة به أعني الحركات الإرادية مسبوقة بالإدراك، وإذا كان الإدراك أقدم وأشد اختصاصاً به، كان النقصان أشد تبعيداً له من الحياة، وتقريباً إلى ضدها وكذلك في جانب الأشد، فكل من كان أكثر علماً كان أولى بأن يقال له إنه حي انتهى كلامه.
من شرح لامية العجم: المعتزلة طائفة من المسلمين يرون أفعال الخير من الله وأفعال الشر من الإنسان وأن الله تعالى يجب عليه رعاية الأصلح للعباد، وأن القرآن مخلوق محدث ليس بقديم، وأن الله تعالى ليس بمرئي يوم القيامة، وأن المؤمن إذا ارتكب الذنب مثل الزنا وشرب الخمر كان في منزلة بين المنزلتين، يعنون بذلك أنه ليس بمؤمن ولا كافر، وأن من دخل النار لم يخرج منها، وأن الأيمان قول وعمل واعتقاد، وأن إعجاز القرآن في الصرف عنه لا أنه في نفسه معجز، ولو لم يصرف العرب عن معارضته لأتوا بما يعارضه، وأن المعدوم شيء، وأن الحسن والقبح عقليان. وأن الله تعالى حي لذاته لا بحياة، وعالم لذاته لا بعلم قادر بذاته لا بقدرة.
قال العلامة التفتازاني ولكون المثل مما فيه غرابة استعير للفظ الحال أو الصفة أو القصة إذا كان لهما شأن عجيب، كقوله تعالى: " مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً " أي حالهم العجيب الشأن، وكقوله تعالى: " وله المثل الأعلى " أي الصفة العجيبة، وكقوله تعالى: " مثل الجنة التي وعد المتقون " أي فيما قصصنا عليكم من العجائب قصة الجنة العجيبة.
قال الصفدي وقد غلطوا الحريري في قوله: فلما در قرن الغزالة طمر طموراً ظهر ظهوراً الغزالة وقالوا لا يقال غزالة إلا في الشمس، فإذا أرادوا تأنيث الغزال قالوا ظبية، وإلا فهي اسم للشمس ولا يدخلها الألف واللام في الأكثر.
قرأ بعض المغفلين في بيوت بالرفع، فقال شخص: يا أخي إنما القراءة في بيوت بالجر فقال: يا مغفل إذا كان الله سبحانه وتعالى يقول: " في بيوت أذن الله أن ترفع " تجرها أنت لماذا!؟.
قال الصفدي: حكي أن عمر بن الخطاب سأل عمرو بن معدي كرب أن يريه سيفه المشهور بالصمصامة، فأحضره عمرو له، فانتضاه عمر وضرب به فما حاك، فطرحه من يده وقال ما هذا إذا سل بشيء، فقال له عمرو يا أمير المؤمنين أنت طلبت مني السيف ولم تطلب مني الساعد الذي يضرب به فعاتبه، وقيل إنه ضربه.
وقال في ذيله: ذكر المؤرخون أن علياً رضي الله عنه قتل من الخوارج يوم النهروان ألفي نفس وكان يدخل فيضرب بسيفه حتى ينتهي ويخرج ويقول لا تلوموني ولوموا هذا ويقومه بعد ذلك.
ومن ضربات علي المشهورة ضربته مرحباً فإنه ضربه على البيضة ضربة فقدها وقده نصفين.
وما أحلى قول أبي الحسن الجزار يمدح علي بن سيف الدين أو الدولة شعر:
أقول لسيفي مرحباً بتقني ... بأن علياً بالمكارم قاتله
وضرب عمرو بن عبد ود العامري، وكان جباراً عتلاً عنيداً من الرجال، فقطع فخذه من أصلها، ونزل عمرو، فأخذ فخذ نفسه، فضرب بها علياً، فتوارى عنها، فوقعت في قوائم بعير فكسرتها.
للصفدي
وبيضاء المحاجر من معد ... كأن حديثها ثمر الجنان

(1/119)


إذا قامت لحاجتها تثنت ... كأن عظامها من خيزران
للكاتب جمال الدين محمد
الناس قد أثموا فينا بظنهم ... وصدقوا بالذي أدري وتدرينا
ماذا يضرك في تصديق ظنهم ... بأن نحقق ما فينا يظنونا
حملي وحملك ذنباً واحداً ثقة ... بالعفو أجمل من إثم الورى فينا
نمقه في بلدة كرمان سنة ألف وتسع وعشرون.
قال الصفدي وقد رأيت لأبي القاسم الجرجاني مصنفاً قد قسم اللام فيه إلى أحد وثلاثين قسماً وفصلها وذكر على كل قسم شواهد ولا بأس بذكرها هيهنا من غير تمثيل، وهي لام التعريف، لام املك، لام الاستحقاق، لام كي، لام الجحود، لام إن. لام الابتداء، لام التعجب، لام تدخل على المقسم به، لام جواب القسم، لام المستغاث به لام المستغاث من أجله؛ لام الأمر، لام المضمر، لام تدخل في النفي بين المضاف والمضاف إليه، لام تدخل على فعل المستقبل لازمة في القسم لا يجوز حذفها، لام يلزمه إن المكسورة إذا خففت من الثقل، لام العاقبة وسماها الكوفيون لام الصيرورة، لام التبيين لام لولا لام التكسير التكثير لام يزاد في عندك وما أشبهه، لام تزاد في لعل، لام لإيضاح المفعول من أجله، لام تعاقب حروفها، لام تكون بمعنى إلى، لام الشرط، لام توصل الأفعال إلى المفعولين.
سأل بعض المغفلين إنساناً فاضلاً، قال: كيف تنسب إلى اللغة؟ فقال: لغوي فقال له أخطأت في ضم اللام، إنما الصحيح ما جاء في القرآن " إنك لغوي مبين " .
حكي الشريف أبو يعلى ابن الهبارية، قال: ولقد كنا ليلة بأصبهان في دار الوزارة في جماعة من الرؤساء، وعد جماعة بأسمائهم، فلما هدأت سكنت العيون واستولى على الحركات السكون، سمعنا صراخاً وصوتاً مرتفعاًن وولولة واستغاثة، قمنا وإذا الشيخ الأديب أبو جعفر القصاص ينيك أبا علي الحسن بن جعفر البذنجي الشاعر، وذلك يستغيث ويقول: إنني شيخ أعمى فما يحملك على نيكي، وذلك لا يلتفت إليه إلى أن فرغ وسل منه كذراع البكر، وقام قائلاً إني كنت أتمنى أن أنيك أبا العلاء المعري، لكفره وإلحاده، ففاتني فلما رأيتك شيخاً أعمى فاضلاًن نكتك لأجله.
كل حيوان دموي فإنه ينام ويستيقظ، وكل ذي جفن يطبقه عند النوم، وقد يحلم غير الإنسان من ذوات الأربع؛ يظهر ذلك من شمائلها وحركاتها وأصواتها في النوم.

(1/120)


قال الصفدي: جماعة رزقوا السعادة، ولم يأت بعدهم من نالها: منهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه في القضاء، أبو عبيدة في الأمانة، أبو ذر رضي الله عنه في صدق اللهجة أبي بن كعب في القرآن، زيد بن ثابت في الفرائض، ابن عباس رضي الله عنه في تفسير القرآن، الحسن البصري في التذكير، وهب بن منبه في القصص، ابن سيرين في التعبير، نافع في القراءة أبو حنيفة في الفقه قياساً، ابن إسحق في المغازي، مقاتل في التأويل، الكلبي في قصص القرآن ابن الكلبي الصغير في النسب. أبو الحسن المدايني في الأخبار، محمد بن جرير الطبري في علوم الأثر، الخليل في العروض، فضيل بن عياض في العبادة، مالك بن أنس في العلم الشافعي في فقه الحديث، أبو عبيدة في الغريب، علي بن المديني في علل الحديث، يحيى بن معين في الرجال، أحمد بن حنبل في السنة، البخاري في نقد الصحيح، الجنيد في التصوف، محمد بن نصر المروزي في الاختلاف، الجبائي في الاعتزال، الأشعري في الكلام، أبو القاسم الطبراني في العوالي، عبد الرزاق في ارتحال الناس إليه، ابن مندة في سعة الرحلة، أبو بكر الخطيب في سرعة الخطابة، سيبويه في النحو، أبو الحسن البكري في الكذب، أياس في التفرس، عبد الحميد في الكتابة والوفا، أبو مسلم الخراساني في علو الهمة والجزم، الموصلي النديم في الغنى، أبو الفرج الإصفهاني صاحب الأغاني في المحاضرة، أبو معشر في النجوم، الرازي في الطب، الفضل بن يحيى في الجود جعفر بن يحيى في التوقيع، ابن زيدون في سعة العبارة، ابن القرية في البلاغة الجاحظ في الأدب والبيان، الحريري في المقامات، البديع الهمداني في الحفظ، أبو نؤاس في المطايبات والهزل، ابن حجاج في سخف الألفاظ، المتنبي في الحكم والأمثال شعراً، الزمخشري ففي تعاطي العربية، النسفي في الجدل، جرير في الهجاء الخبيث، حماد الراوية في شعر العرب، معاوية في الحلم، المأمون في حب العفو، عمرو بن العاص في الدهاء الوليد في شرب الخمر، أبو موسى الأشعري في سلامة الباطن، عطاء السلمي في الخوف من الله، ابن النواب البواب في الكتابة، القاضي الفاضل في الترسل، العماد الكاتب في الجناس، ابن الجوزي في الوعظ، أشعب في الطمع، أبو نصر الفارابي في نقل كلام القدماء ومعرفته وتفسيره، حنين بن إسحق في ترجمة اليوناني إلى العربي، ثابت بن قرة في تهذيب ما نقل من الرياضي إلى العربي، ابن سينا في الفلسفة وعلوم الأوائل، الإمام فخر الدين في الإطلاع على العلوم، السيف الآمدي في التحقيق، النصير الطوسي في المجسطي، ابن هيثم في الرياضي، نجم الدين الكاشي الكاتبي في المنطق، أبو علي المعري في الاطلاع على اللغة، أبو العينا في الأجوبة المسكتة، مزيد في البخل، القاضي أحمد بن أبي داود في المروة وحسن التقاضي، ابن المعتز في التشبيه، ابن الرومي في التطير، الصولي في الشطرنج، أبو محمد الغزالي في الجمع بين المعقول والمنقول، أبو الوليد بن الرشيد في تلخيص كتب الأقدمين الفلسفية والطبية، محيي الدين بن عربي في علم التصوف.
ومن نوادر الخيال، حكي أن بعضهم كتب إلى امرأة يهويها، مري خيالك أن يمر بي، فكتبت إليه إبعث إلي بدينارين، حتى أجيء غليك بنفسي في اليقظة.
القوة المخيلة لا تستقل بنفسها في رؤية المنام، بل تفتقر الرؤية إلى القوة المفكرة والحافظة، وساير القوى العقلية، فمن رأى كأن أسداً تخطى إليه وتمطى ليفترسه فالقوة المفكرة تدرك ماهية سبع ضار، والذاكرة تدرك افتراسه وبطشه، والحافظة تدرك حركاته وهيئاته، والمخيلة هي التي رأت تلك جميعاً وتخيلته.
قال الصفدي: قد تكلم الفقهاء فيمن رأى النبي صلى الله عليه وسلم وأمره بأمر هل يلزمه العمل به أو لا قالوا إن أمره بما يوافق أمره يقظة ففيه خلاف، وإن أمره بما يخالف أمره فإن قلنا أن من رآه صلى الله عليه وسلم على الوجه المنقول في صفته فرؤياه حق، فهذا من قبيل تعارض الدليلين والعمل بأرجحهما، وما ثبت في اليقظة فهو أرجح، فلا يلزمنا العمل بما أمره فيما يخالف أمره يقظة.

(1/121)


من كتاب يتيمة الدهر للإمام الثعالبي رحمه الله: جرى بين الشعراء بحضرة الصاحب في ميدان اقتراحه. أقرأني أبو بكر الخوارزمي كتاباً لأبي محمد الخازن، ورد في ذكر الدار التي بناها الصاحب بأصبهان، وانتقل إليها واقترح على أصحابه وصفها، وهذه نسخته بعد الصدر نعم الله عند مولانا الصاحب مترادفة، ومواهبه له متضاعفة، وآراء أولياء النعم كبت الله أعدائهم، تتظاهر كل يوم حسناً في إعظامه، وبصائرهم تتراىء قوة في إكرامه والوفود إلى بابه المعمور بالفال المسعود، فرأيناه يوماً مشهوداً وعيداً يجنب عيداً، واجتمع المادحون، وقال القائلون، ولو حضرتني القصائد لأنفدتها إلا أني علقت من كل واحدة ما علق بحفظي، والشيخ مولاي يعرف ملك النسيان لرقي، قصيدة الأستاذ أبي العباس أولها شعر:
دار الوزارة ممدود سرادقها ... ولاحق بذرى الجوزاء لاحقها
والأرض قد واصلت غيض السماء بها ... فقطرها أدمع بحري سوابقها
تود لو أنها من أرض عرصتها ... وأن أنجمها فيها طوابقها
فمن يجالس يخلفن الطواوس قد ... لبسن مجسدة راقت طرايقها
تفرعت شرفات في مناكبها ... يرتد عنها كليل العين رامقها
مثل العذارى وقد شدت مناطقها ... وتوجت بأكاليل مفارقها
كل امرء شق عنه الحجب رؤيتها ... وأشرقت في محياه مشارقها
مخلف قلبه فيها وناظره ... إذا تجلت لعينيه حقائقها
والدهر حاجبها يحمي مواردها ... عن الخطوب إذا صالت طوارقها
موارد كلما هم العفاة بها ... عادت مفاتح للنعمى مغالقها
دار الأمير التي هذي وزيرتها ... أهدت لها وشحاً راقت نمارقها
تزهي بها مثل ما تزهي لسيدنا ... مؤيد الدولة المأمون طارقها
هذي المعالي التي اغتص الزمان بها ... وافتك منسوقة والله ناسقها
إن الغمائم قد آلت معاهدة ... لا زايلتها ولا زالت تعانقها
لأرضها كلما جادت مواهبها ... وفي ديار معاديها صواعقها
ومنها قصيدة الشيخ أبي الحسن صاحب البريد ابتداؤها:
دار على العز والتأييد مبناها ... وللمكارم والعلياء مغناها
دار تباهي به الدنيا وساكنها ... هذا وكم كانت الدنيا تمناها
فاليمن أقبل مقروناً بيمناها ... واليسر أصبح مقروناً بيسراها
من فوقها شرفات طال أدناها ... يد الثريا فقل لي كيف أقصاها؟
كأنها غلمة مصطفة لبست ... بيض الغلايل أمثالاً وأشباها
انظر إلى القبة الغبراء الغراء مذهبة ... كأنما الشمس أعطتها محياها
تلك الكنائس قد أصبحن رايقة ... مثل الأوانس تلقانا ونلقاها
فالربع بالمجد لا بالصحن متسع ... والبهو لا بالحلي بل بالعلى باها
لما بنى الناس في دنياك دورهم ... بنيت في دارك الغراء دنياها
ولو رضيت مكان البسط أعيننا ... لم تبق عين لنا إلا فرشناها
وهذه وزراء الملك قاطبة ... بياذق لم تزل ما بينها شاها
فأنت أرفعها مجداً وأسعدها ... جداً وأجودها كفاً وأكفاها
وأنت ادبها وأنت آكبها ... وأنت سيدها وأنت مولاها
كسوتني من لباس العز أشرفه ... المال والعلم والسلطان والجاها
ولست أقرب إلا بالولاء وإن ... كانت لنفسي من علياك قرباها
وقصيدة ابن الطيب الكاتب أولها
ودار ترى الدنيا عليها مدارها ... يجوز السماء أرضها وديارها
بناها ابن عباد ليعرض همه ... على همم إشراقهن اقتصارها
ترد على الدنيا بهاكل غدرة ... إذا ما تبارت داره وديارها

(1/122)


وإن قيل بهتاناً حكت تلك هذه ... فقد تتوازى ليله ونهارها
فإن لم يكن في صحن دارك بعض ما ... بصدرك فالدنيا يصح اعتذارها
ومنها قصيدة أبي سعيد الرستمي افتتاحها:
نصبن لحبات القلوب حبائلاً ... عشية حل الحاجبيات حائلا
نشدنا عقولاً يوم برقة منشد ... ضللن فطالبنا بهن العقائلا
عقائل من أحياء بكر بن وائل ... تحيين يحببن للعشاق بكر بن وائلا
عيون ثكلن الحسن منذ فقدتها ... ومن ذا رأى قبلي عيوناً ثواكلا
جعلت ضنى جسمي لديها ذرايعاً ... وسائل دمعي عندهن وسائلا
وركب سروا حتى حسبت بأنهم ... بسرعتهم عدواً إليك المراحلا
إذا نزلوا أرضاً رأوني نازلاً ... وإن رحلوا عنها رأوني راحلا
وإن أخذوا في جانب ملت آخذاً ... وإن عدلوا عن جانب ملت عادلا
وإن وردوا ماء وردت وإن طووا ... طويت وإن قالوا تحولت قائلا
وإن نصبوا للحرب للحر حر ... وجوههم تحولت حرباء على الجذع مائلا
وإن عرفوا أعلام أرض عرفتها ... وإن أنكروا أنكرت منها مجاهلا
وإن عزموا سيراً شددت رحالهم ... وإن عزموا حلاً حللت الرحائلا
وإن وردوا ماء حملت سقائهم ... أو انتجعوا أرضاً حدوت الزوائلا
يظنون أني سائل فضل زادهم ... ولولا الهوى ما ظنني الركب سائلا
واقسمت بالبيت الجديد بناؤه ... بحي ومن يحفى إليه المراقلا
هي الدار أبناء الندى من حجيجها ... نوازل في ساحاتها وقوافلا
يزرنك بالآمال مثنى وموحداً ... ويصدرن بالأموال جماً وجاملا
قواعد إسماعيل يرفع سمكها ... لنا كيف لا نعتدهن معاقلا؟
فكم أنفس تهوي إليها مغذة ... وأفئدة تهوي إليها حوافلا
وسامية الأعلام يلحظ دونها ... سنا النجم في آفاقها متطائلا
نسخت بها إيوان كسرى بن هرمز ... فأصبح في أرض المدائن عاطلا
فلو أبصرت ذات العماد عمادها ... لأمست أعاليها حياء أسافلا
ولو لحظت جنات تدمر حسنها ... درت كيف تبني بعدهن المجادلا؟
تناطح قرن الشمس من شرفاتها ... صفوف ظباء فوقهن موايلا
وعول بأطراف الجبال تقابلت ... ومدت قروناً للنطاح موائلا
كأشكال طير الماء مدت جناحها ... وأشخصن أعناقاً لها وحواصلا
وردت شعاع الشمس فارتد راجعاً ... وسدت حبوب الريح فارتد ناكلا
إذا ما ابن عباد مشى فوق أرضها ... مشى الدهر في أكنافها متماثلا
كنايس ناطت بالنجوم كواهلاً ... وعادت فألقت بالنجوم كلاكلا
وفيحاء لو مرت صبا الريح بينها ... لضلت فظلت تستثير الدلائلا
متى ترها خلت السماء سرادقاً ... عليها وأعلام النجوم تمائلا
هواء كأيام الهوى فرط رقة ... وقد فقد العشاق فيها العواذلا
وماء على الرضراض يجري كأنه ... صفائح تهر قد سبكن جداولا
كأن بها من شدة الجري جنة ... فقد ألبستهن الرياح سلاسلا
ولو أصبحت داراً لك الأرض كلها ... لضاقت بمن ينتاب دارك سائلا
عقدت على الدنيا جداراً فحزتها ... جميعاً ولم نترك لغيرك طايلا
وأغنى الورى عن منزل من بنت له ... معاليه فوق الشعر بين منازلا
ولا غرو أن يستحدث الليث بالثرى ... عريناً وأن يستطرق البحر ساحلا

(1/123)


ولم يعتمد داراً سوى حومة الوغا ... ولا خدماً إلا القنا والقنابلا
ولا حاجباً إلا حساماً مهنداً ... ولا حاملاً إلا سناناً وعاملا
ووالله لا أرضى لك الدهر خادماً ... ولا البدر منتاباً ولا البحر نائلا
ولا الفلك الدوار داراً ولا الورى ... عبيداً ولا زهر النجوم قبائلا
أحدت بضبع الدهر حتى دفعتها ... إلى غاية أمسى بها النجم جاهلا
وإن الذي يبنيه مثلك خالد ... وساير ما يبني الأنام إلى بلى
قصيدة أبي الحسن الجرجاني
ليهن ويسعد من به سعد الفضل ... بدار هي الدنيا وسائرها فضل
تولى لها تدبيرها رحب صدره ... على قدره والشكل يعجبه الشكل
بنية مجد تشهد الأرض أنها ... ستطوي وما حاوي السماء لها مثل
تكلف أحداق العيون تخاوصاً ... إليها كأن الناس كلهم قبل
منار لأبصار السراة وربها ... مثال لآمال العفاة إذا ضلوا
سحاب علا فوق السحاب مصاعداً ... وأحرى بأن يعلو وأنت له وبل
وقد أسبل الحيرى كمي مفاخر ... بصحن بها للملك يجتمع الشمل
كما طلع النسر المنير مصفقاً ... جناحيه لولا أن مطلعه غفل
بنيت على هام العداة بنية ... تمكن منها في قلوبهم الغل
ول كنت ترقى هامهم شرفاً لها ... أتوك بها جهد المقل ولم يألوا
ولكن أراها لو هممت برفعها ... آبى الله أن تعلو عليك فلم تعلو
تحج له الآمال من كل وجهة ... وينحر في حافاتها البخل والمحل
وما ضرها أن لا تقابل دجلة ... وفي حافتيها يلتقي الفيض والهطل
تجلى لأطراف العراق سعودها ... فعاد إليه الملك والأمن والعدل
كذا السعد قد ألقى عليها شعاعه ... فليس لنحس في مطارفها فعل
وقالوا تعدى خلقه من بنائها ... وكان ما غير النوال له شغل
فقلت إذا لم يلهه ذاك من ندا ... فماذا على العلياء إن كان لا يخلو
إذا النصل لم يذمم نجاراً وشيمة ... توثق في غمد يصان به النصل
تمل على رغم الحوادث والعدى ... علاك وعش للجود ما قبح البخل
قصيدة أبي القاسم ابن علاء أولها:
دار تمكنت المناجح فيها ... نطقت صعود العالمين بفيها
وقصيدة أبي محمد المنجم
هجرت ولم أنو الصدود ولا الهجرا ... ولا أضمرت نفسي الصدود ولا الغدرا
وكيف؟ وفي الأحشاء نار صبابة ... تشبب لي في كل جارحة جمرا
تقول لي الأفكار لما دعوتها ... لتنظم في معمور بنيانه شعرا
بنى مسكناً باني المفاخر أم فخراً ... وجنتنا الأولى بدت أم هي الأخرى؟
أم الدار قد أجرى الوزير سعودها ... فلم تجر دار في الثرى ذلك المجرى
وتبدو صحون كالظنون فسيحة ... تقدرها حلماً فينعتها حزرا
وفي القبة العلياء زهر كواكب ... من الغرب المضروب والذهب المجرى
إذا ما سماء الطرف المحلق دونها ... رآها سماء صحف أنجمها قفرا
قصيدة أبي القاسم الزعفراني
سرك الله بالبناء الجديد ... نلت حال الشكور لا المستزيد
هذه الدار جنة الخلد في الدنيا ... فصلها وأختها بالخلود
أمة زينت لسيدها المالك ... لا زينة الفتاة السرود
حليها حسنها فقد غنيت عن ... كل مستطرف بلبس جديد
إرم المسلمين لا ذكر شداد ... بن عاد فيها ولا اسم شديد
ما تشككت أن رضوان قد حان ... ولاثم مثلها في الصعيد

(1/124)


كل مستخدم فداء زير ... الزم الانس كل جاف شديد
خدمته الرجال بعد الأسود ... عمل الجن كل جاف مريد
فابتنوا ما لو أن هامان يدنو ... منه لم يرض صرحه للصعود
وتولى الإقبال خدمته فيه ... على الرسم فاستعان بالتسديد
قال للجص كن رصاصاً وللآجر ... لما علاه كن من حديد
فتناهى البنيان وارتفع الإيوان ... حتى أناف بالتشييد
وتبدت من فوقه شرفات ... كنساء أشرفن في يوم عيد
قسماً لا مدحت إلا ابن عباد ... بنيل الشباب والتخليد
لا لقيت الأنام إلا بوجه ... ماؤه لا يجول في جلمود
ويد ما حسرت ردني عنها ... فهي سيف يصان عن تجريد
أجمع الناس أنه أفضل الناس ... اضطراراً أغنى عن التقليد
فلهذا أعد قربي منه ... نعمة ليس فوقها من مزيد
لا ذكرت العراق ما عشت إلا ... أن أراه يؤمه في الجنود
قصيدة أبي القاسم ابن المنجم أولها
هي الدار قد عم الأقاليم نورها ... فلو قدرت بغداد كانت تزورها
فلو خيرت دار الخلافة بادرت ... إليها وفيها تاجها وسريرها
ولو قد تبقت سر من را بحالها ... لسارت إليها دورها وقصورها
لتسعد فيها يوم حان حضورها ... وتشهد دنياً لا يخاف غرورها
فما علمت عين الزمان بمثلها ... وحاشا لها من أن يحين نظيرها
يقول الأولى قد فوجئوا بدخولها ... وحبرهم تحبيرها وحبيرها
أفي كل قصر غادة وحليها؟ ... وفي كل بيت روضة وغديرها؟
فآبوا بها أثوابها من نقوشها ... فلا ظلم إلا حين ترخي ستورها
معظمة إلا إذا قيل سمكها ... بهمة بانيها فتلك نظيرها
هي الهمة الطولى أجالت بفكرها ... مباني تكسوها العلى وتعيرها
فجاء بدار دارة السعد نجمها ... وجنبت المحذور ليس بطورها
وقال لها الله الوفي صفاته ... سأحميك ما ضم الليالي كرورها
أهنيك بالعمران والعمر دايم ... لبانيك ما أفنى الدهور صرورها
وقد أسجل الإقبال عمدة ملكنا ... وخطت بأعلام السعود سطورها
ودارت لها الأفلاك كيف أدرتها ... ودانت إلى أن قيل أنت مديرها
وهاك ابنة الفكر التي قد خطبتها ... وقدمت من قبل الزفاف مهورها
فإن كان للدار التي قد بنيتها ... نظير ففي عرض القريض نظيرها
إلا جررت الذيل في ساحة العلى ... وقلت القوافي قد أعيد جريرها
قال محمود الوراق:
إلهي لك الحمد الذي أنت أهله ... على نعم ما كنت قط لها أهل
إذا ازددت تقصيراً تزدني تفضلاً ... كأني بالتقصير أستوجب الفضلا
لبعضهم
بكت علي غداة البين حين رأت ... دمعي يفيض وحالي حال مبهوت
فدمعتي ذوب ياقوت على ذهب ... ودمعها ذوب در فوق ياقوت
سئل أبو فراس المشهور بالفرزدق، أحسدت أحداً على شعر؟ قال: ما حسدت إلا ليلى الأخيلية في شعرها هذا:
ومخرق عنه القميص تخاله ... بين البيوت من الحياء سقيما
حتى إذا حمي الوطيس رأيته ... تحت الخميس على اللواء زعيما
لا تقربن الدهر آل مطرف ... لا ظالماً أبداً ولا مظلوما
ثم قال: مع أني قائل هذه الأبيات، شعر:
وركب كان الريح تطلب عندهم ... لهاترة من جذبها بالعصائب
سروا يخبطون الليل وهي تلفهم ... إلى شعب الأكوار من كل جانب
إذا أبصروا ناراً يقولون ليتها ... وقد خصرت أيدهم نار غالب

(1/125)


روي أن الفرزدق تعلق بأستار الكعبة، وعاهد الله على ترك الهجاء والقذف اللذين كان قد ارتكبهما، فقال شعراً:
ألم ترني عاهدت ربي وأنني ... لبين رتاج قائماً ومقام
أطعتك يا إبليس تسعين حجة ... فلما انقضى عمري وتم تمامي
فزعت إلى ربي وأيقنت أنني ... ملاق لأيام الحتوف حمامي
يقال: إن أشعب مر يوماً فجعل الصبيان يعبثون به، فقال لهم ويلكم سالم بن عبد الله يفرق تمراً من صدقة عمر، فمر الصبيان يعدون إلى دار سالم بن عبد الله وعدا أشعب معهم وقال: ما يدريني لعله يكون حقاً.
رأت الضبع ظبية على حمار، فقالت: أردفيني على حمارك، فأردفتها، فقالت: ما أفره ارفه حمارك ثم سارت يسيراًن فقال: ما أفره حمارنا، فقالت الظبية: إنزلي قبل أن تقولي: ما أفره حماري، وما رأيت أطمع منك.
حكي أن بعض الفقراء أتى إلى خياط ليخيط به فتقاً كان في قميصه، فوقف المسكين متوقعاً ينتظر فراغه، فلما فرغ طواه، وجعله تحته وأطال في ذلك فقال أجير عنده: ما تدفعه إليه؟ قال: اسكت لعله ينساه ويروح.
لبشار بن برد
يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة ... والأذن تعشق قبل العين أحيانا
قالوا بمن لا ترى تهوى فقلت لهم ... الأذن كالعين توفي القلب ما كانا
قال علي رضي الله عنه: سرك أسيرك؛ فإن تكلمت به صرت أسيره، ونظم هذا بقوله رضي الله عنه شعراً:
صن السر عن كل مستخبر ... وحاذر فما الحزم إلا الحذر
أسيرك سرك إن صنته ... وأنت أسير له إن ظهر
مدح رجل هشام بن عبد الملك، فقال: يا هذا إنه قد نهي عن مدح الرجل في وجهه فقال: ما مدحتك ولكن ذكرتك نعم الله عليك لتجد ذلك شكراً. فقال هشام: هذا أحسن من المدح، فوصله وأكرمه.
لبعضهم
ما سمت العجم المهمان مهماناً ... إلا لإكرام ضيف كا من كانا
فالمه سيدهم والمان منزلهم ... والضيف سيدهم ما لازم المانا
قال محمد بن سليمان الطفاوي: حدثني أبي عن جدي، قال: شهدت الحسن البصري في جنازة النوار امرأة الفرزدق، وكان الفرزدق حاضراًن فقال له الحسن وهو عند القبر: ما أعدت يا أبا فراس لهذا المضجع؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله منذ ثمانين سنة فقال له الحسن: هذا العمود فأين الطنب؟ فقال الفرزدق في الحال شعراً:
أخاف وراء القبر إن لم يعافني ... أشد من الموت التهاباً وأضيقا
إذا جاء في يوم القيامة قائد ... عنيف وسواق يسوقا الفرزدقا
لقد خاب من أولاد دارم من مشى ... إلى النار مغلول القلادة أزرقا
يقاد إلى نار الجحيم مسربلاً ... سرابيل قطران لباساً محرقا
لبعضهم
إذا عن أمر فاستشر فيه صاحباً ... وإن كنت ذا رأي يشير على الصحب
فإني رأيت العين تجهل نفسها ... وتدرك ما قد حل في موضع الشهب
أنشد بعضهم
يا رب قد أحسنت عوداً وبدأة ... إلي فلم ينهض بإحسانك الشكر
فمن كان ذا عذر لديك وحجة ... فعذري إقراري بأن ليس لي عذر
وقال الأحنف بن قيس: يضيق صدر الرجل بسره، فإذا حدث به قال اكتمه علي، وأنشده:
إذا المرء أفشى سره عند غيره ... ولام عليه غيره فهو أحمق
إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه ... فصدر الذي يستودع السر أضيق
وقال بعضهم: نقيض هذا المعنى شعر:
فلا أكتم الأسرار لكن أذيعها ... ولا أدع الأسرار تعلو على قلبي
فإن قليل العقل من بات ليله ... تقلبه الأسرار جنباً إلى جنب
وقال الحسن بن هاني
إذا نحن أثنينا عليك بصالح ... فأنت كما نثني وفوق الذي نثني
وإن جرت الألفاظ يوماً بمدحة ... لغيرك إنسان فأنت الذي نعني
قال بعضهم
إذا ما المدح صار بلا نوال ... من الممدوح كان هو الهجاء
وقال
أخو كرم يغني الورى من بساطه ... إلى روض مجد بالسماح مجود
وكم لجباه الراغبين لديه من ... مجال سجود في مجالس جود
لأبي تمام

(1/126)


تعود بسط الكف حتى لو أنه ... أراد ثناها لم تطعه أنامله
هو البحر من أي النواحي أتيته ... فلجته المعروف والجود ساحله
ولو لم يكن في كفه غير نفسه ... لجاد بها فليتق الله سائله
لأبي الطيب المتنبي
وفي النفس حاجات وفيك فطانة ... سكوتي بيان عندها وخطاب
وما كنت لولا أنت إلا مسافراً ... له كل يوم بلدة وصحاب
للأرجاني
إقرن بأيك رأي غيرك واستشر ... فالحق لا يخفى على الاثنين
فالمرء مرآة تريه وجهه ... ويرى قفاه بجمع مرآتين
للكميت بن زيد الأسدي
أتصرم الحبل حبل البيض أم تصل؟ ... وكيف؟ والشيب في فوديك مشتعل
لما عبأت لقوس المجد أسهمها ... حيث الجدود على الإحسان تنتصل
أحرزت من عشرها تسعاً وواحدة ... فلا العمى لك من رام ولا الشلل
الشمس آذتك إلا أنها امرأة ... والبدر آذاك إلا أنه رجل
قيل: جاء الكميت إلى الفرزدق فقال: يا عم إني قلت: قصيدة أريد عرضها عليك فقال: قل فأنشده قوله: طربت وما شوقاً إلى البيض أطرب فقال له الفرزدق: إلى ما طربت؟ ثكلتك أمك فقال: ولا لعباً مني وذو الشيب يلعب:
ولم تلهني دار ولا رسم منزل ... ولم يتطربني بنان مخضب
ولا أنا ممن يزجر الطير همه ... أصاح غراب أم تعرض ثعلب
قال المرتضى رضي الله عنه: يجب الوقوف على الطير، ثم يبدء بهمه ليفهم الغرض.
ولا السانحات البارحات عشية ... أمر سليم القرن أم مر أعضب
ولكن إلى أهل الفضائل والنهى ... وخير بني حواء والخير يطلب
فقال الفرزدق: هؤلاء بنو دارم، فقال الكميت:
إلى النفر البيض الذي بحبهم ... إلى الله فيما نابني أتقرب
فقال الفرزدق: هؤلاء بنو هاشم، فقال الكميت:
بنو هاشم رهط النبي محمد ص ... بهم ولهم أرضى مراراً وأغضب
فقال الفرزدق: لو جزتهم إلى سواهم لذهب قولك باطلاً.
للأرجاني
ما كنت أسلو وكان الورد منفرداً ... فكيف أسلو؟ وحول الورد ريحان
قال السكاكي: المجاز عند السلف قسمان: لغوي وعقلي واللغوي قسمان: راجع إلى معنى الكلمة، وراجع إلى حكم، والراجع إلى الكلمة قسمان: خال عن الفائدة ومتضمن لها، والمتضمن قسمان: استعارة، وغير استعارة. أورده العلامة التفتازاني في الفصل الأول من آخر كتاب البيان.
لبعضهم ظرافة
كأننا والماء من حولنا ... قوم جلوس حولهم ماء
فقال ابن الوردي فيه:
وشاعر أوقد الطبع الذكاء له ... فكاد يحرقه من فرط إذكاء
أقام يجهد أياماً قريحته ... وشبه الماء بعد الجهد بالماء
قال أحمد بن محمد أبو الفضل السكري المروزي من المزدوجة: ارتجم فيها أمثال الفرس شعر:
من رام طمس الشمس جهلاً أخطى ... الشمس بالتطيين لا تغطى
أحسن ما في صفة الليل وجد ... الليل حبلى ليس يدري ما تلد
من مثل الفرس ذوي الأبصار ... الثوب رهن في يد القصار
إن البعير يبغض الحشاشا ... لكنه في أنفه ما عاشا
نال الحمار من سقوط في الوحل ... ما كان يهوى ونجا من العمل
نحن على الشرط القديم المشترط ... لا الزق منشق ولا العير سقط
في المثل السائر للحمار ... قد ينهق الحمار للبيطار
العنز لا يسمن إلا بالعلف ... لا يسمن العنز بقول ذي لطف
البحر غمر الماء في العيان ... والكلب يروي منه باللسان
لا تك من نصحي ذا ارتياب ... ما بعتك الهرة في الجراب
من لم يكن في بيته طعام ... فما له في محفل بيته مقام
كان يقال من أتى خواناً ... من غير أن يدعى إليه هانا
ومما أحتويه من ذلك بعد المزدوجة:
إذا الماء فوق غريق طما ... فقاب قناة وألف سوا

(1/127)


إذا وضعت على الرأس التراب فضع ... من أعظم التل أن النفع عنه يقع
في كل مستحسن عيب ولا ريب ... ما يسلم الذهب إلابريز من عيب
ما كنت لو أكرمت أستعصي ... لا يهرب الكلب من القرص
طلب الأعظم من بيت الكلاب ... كطلاب الماء في لمع السراب
من مثل الفرس سار في الناس ... التبن الشكر يسقى بعلة الآس
تبختر إخفاء لما فيه من عرج ... وليس له، فيما تكلفه فرج
وله
ما أقبح الشيطان لكنه ... ليس كما ينقش أو يذكر
إنتهز الفرصة في حينها ... والتقط الجوز إذا ينثر
نطلب أصل المرء من فعله ... ففعله عن أصله يخبر
فررت من قطر إلى منقب نفنف ... علي بالوابل مثعنجر منفجر
إن تأت عوراً فتعاور لهم ... وقل أتاكم رجل أعور
خذه بموت تغتم عنده ال ... حمى فلا يشكو ولا يجأر
الباب فانصب حيث ما يشتهي ... صاحبه فهو به أبصر
الكلب لا يذكر في مجلس ... إلا تراءى عند ما يذكر
قال بعضهم
الشرف بالهمم العالية لا بالرمم البالية. الكذوب متهم، وإن وضحت حجته، وصدقت لهجته. عثرة الرجل تزل القدم. ربما أصاب الأعمى رشده وأخطأ البصير قصده. لا تعادي أحداً فإنك لا تخلو عن معاداة عاقل أو جاهل. فاحذر حيلة العاقل وجهل الجاهل إستح من ذم من لو كان حاضراً لبالغت في مدحه، ومدح من لو كان غائباً لسارعت إلى ذمه.
فصل في أمثال العرب
إن أخا الهيجاء من يسعى معك، ومن يضر نفسه لينفعك. إذا كنت مناطحاً فناطح بذوات القرون إياك أن يضرب لسانك عنقك. إذا قلت له زن طأطأ رأسه وحزن. رب أكلة تمنع أكلات. رب رمية من غير رام. رب أخ لم تلده أمك. ربما كان السكوت جواباً. رب ملوم لا ذنب له. رب عين أنم من لسان. ركوب الخنافس ولا المشي على الطنافس. سحائب الصيف عن قليل تنقشع. طرف الفتى يخبر عن إيمانه لسانه. عند الصباح يحمد القوم السرى. عين عرفت زرفت. إعقلها وتوكل. عند الامتحان يكرم المرء أو يهان. كل كلب ببابه نباح. كثرة العتاب تورث البغضاء. الكلام السؤال أنثى والجواب ذكر. كلما تزرع تحصده. كلب جوال خير من أسد رابض. لقد ذل من بالت عليه الثعالب. لكل صارم نبوة، ولكل جواد كبوة لعل له عذراً وأنت تلوم. لكل ساقطة لاقطة. لسان من رطب ويد من حطب. ليس النائحة الثكلى كالمستأجرة. ما حك جلدك مثل ظفرك. معاتبة الإخوان خير من فقدهم. يا حبذا الإمارة ولو على الحجارة. يكسو الناس واسته عارية. يدك منك وإن كانت شلاء.
فصل في أمثال العامة والمولدين
الحاوي لا ينجو من الحيات. الشاة المذبوحة لا يؤلمها سلخ. طلع القرد في الكنيف، وقال هذه المرآة لهذا الوجه الظريف. الغائب حجته معه. النكاح يفسد الحب. النصح بين الناس تفريق تقريع الحولى مع العورى، ملوزة العينين. الحر حر ولو مسه الضر. الزرنيخ له العمل والاسم للنورة. تعاشروا كالإخوان وتعاملوا كالأجانب. سواء قوله وبوله. شهر ليس لك فيه رزق لا تعد أيامه. ضرب الطبل تحت الكسا. غش القلوب تظهره فلتات اللسان وصفحات الوجوه. فر من الموت وفي الموت وقع. فم يسبح وقلب يذبح. فلان كالكعبة يزار ولا يزور. فلانة كالإبرة تكسو الناس وهي عارية عريانة. كلما طار قصوا جناحه. من اعتمد على شرف آبائه فقد عقم عقهم. من سعادة المرء أن يكون خصمه عاقلاً. العجول عجول وإن ملك. والمتثبت مصيب وإن هلك.
قال الصفدي: وحكي لي من لفظة المولى جمال الدين بن نباتة بدمشق المحروسة سنة اثنين وثلاثين، قال: أنشدت فلاناً وسماه وهو بعض مشايخ أهل العصر ولم أذكره أنا فإنه من العلم في محل لم يشركه فيه غيره. قولي في مرثية ابن لي توفي، وعمره دون سنة، وهو شعر:
يا راحلاً عني وكانت به ... مخايل للفضل مرجوة
لم تكتمل حولاً وأورثتني ... ضعفاً فلا حول ولا قوة

(1/128)


فأعجباه وكتبهما بخطه، وكتب الثاني فلا حول ولا قوة إلا بالله فقلت: يا مولا إن أردت بقول إلا الله البركة فأتم ذلك بالعلي العظيم، وإن كان غير ذلك فقد أفسدت المعنى.
وحكي أن بعض العرب مر على قوم فقال لأحدهم: ما اسمك؟ فقال: منيع. وسأل آخر؟ فقال: وثيق. وسأل آخر؟ فقال: شديد. وسأل آخر؟ فقال: ثابت، فقال ما أظن الأفعال وضعت إلا من أسمائكم.
مسألة: تقول أكلت السمك حتى رأسها برفع السين، ونصبها، وجرها أما الرفع فبأن تكون حتى للابتداء، وكأن الخبر محذوفاً بقرينة أكلت وهو مأكول. وأما النصب فبأن تكون حتى للعطف، وهو ظاهر، والثالث أظهر. وكان الفراء يقول أموت وفي قلبي من حتى لأنها ترفع وتنصب وتجر.
قد سمت العرب ساعات النهار أسماء: الأولى الذرور، ثم البزوغ، ثم الضحى، ثم الغزالة ثم الهاجرة، ثم الزوال، ثم الدلوك، ثم العصر، ثم الأصيل، ثم الصبوب، ثم الحدور، ثم الغروب.
ويقال فيه أيضاً: البكور، ثم الشروق، ثم الإشراق، ثم الرأد، ثم الضحى، ثم المتوع ثم الهاجرة، ثم الأصيل، ثم العصر، ثم الطفل، ثم الحدور، ثم الغروب.
الأمثال المنظومة قال لبيد
ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل
غيره وغيره
إذا جاء موسى وألقى العصا ... فقد بطل السحر والساحر
أكل خليل هكذا غير منصف؟ ... وكل زمان بالكرام بخيل؟
الخير لا يأتيك متصلا ... والشر يسبق سيله المطر
إنما أنفسنا عارية ... والعواري حكمها أن تسترد
إذا ملك لم يكن ذاهبة ... فدعه فدولته ذاهبة
إن كنت لا ترضى بما قد ترى ... فدونك الحبل به فاختنق
إذا كان رب البيت بالدف مولعا ... فشيمة أهل البيت كلهم الرقص
إذا ما أراد الله إهلاك نملة ... سمت بجناحيها إلى الجو تصعد
ضاقت ولو لم تضق لما انفرجت ... والعسر مفتاح كل ميسور
الرزق يخطي باب عاقل قومه ... ويبيت بواباً بباب الأحمق
إذا لم تستطع أمراً فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع
وإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني كامل
عتبت على سلم فلما تركته ... وجربت أقواماً بكيت على سلم
من لم يعدنا إذا مرضنا ... ومات لم نشهد الجنازة
ولربما بخل الكريم وما به ... بخل ولكن سوء حظ الطالب
أقلب طرفي لا أرى غير صاحب ... يميل مع النعماء حيث تميل
كنت من كربتي أفزع إليهم ... فهم كربتي فأين الفرار
قال الشريف أبو الحسن العقيلي
نحن الذين غدت رحى أحسابهم ... ولها على قطب الفخار مدار
قوم لعضن نداهم من رفدهم ... ورق ومن معروفهم أثمار
من كل وضاح الجبين كأنه ... روض خلائقه لها أزهار
لأبي نواس في خزيمة
خزيمة خير بني حازم ... وحازم خير بني دارم
ودارم خير تميم وما ... كمثلهم في بني آدم
قال الرضي رضي الله عنه يخاطب الطايع
مهلاً أمير المؤمنين فإننا ... في دوحة العلياء لا نتفرق
ما بيننا يم الفخار تفاوت ... أبداً كلانا في التفاخر معرق
إلا الخلافة ميزتك فإنني ... أنا عاطل منها وأنت مطوق
قيل: إن الخليفة لما سمع ذلك قال على رغم أنف الرضي.
وقيل إنه كان يوماً عنده وهو يعبث بلحيته ويرفعها إلى أنفه، فقال له الطائع: أظن أنك تشم رائحة الخلافة فيا، فقال بل رائحة النبوة.
أقبل رجل على عمر بن الخطاب، فقال: ما اسمك؟ فقال: شهاب بن حرقة، قال: ممن؟ قال: من أهل حرة النار، قال: وأين مسكنك؟ قال: بذات لظى، فقال: فأدرك قومك فقد احترقوا.
سئل بعض العرب عن اسمه؟ فقال: بحر، قال: ابن من؟ قال: ابن فياض، فقال: ما كنيتك؟ فقال: أبو الندى، فقال: لا ينبغي لأحد لقائك إلا في زورق.

(1/129)


قال ابن الرومي
كأن أباه حين سماه صاعداً ... رأى كيف يرقى للمعالي ويصعد
القاضي شهاب الدين
ومن قال إن القوم ذموك كاذباً ... وما منك إلا الفضل يوجد والجود
وما أحد إلا لفضلك حامداً ... وهل عيب لين الناس أو ذم محمود؟
لغيره في جوابه
علمت بأني لم أذم بمجلس ... وفيه كريم القول مثلك موجود
ولست أزكي النفس إذ ليس نافعي ... إذا ذم مني الفعل والاسم محمود
وما يكره الإنسان من أكل لحمه ... وقد آن أن يبلى ويأكله الدود
لأبي تمام في المفاخرة
جرى حاتم في حلبة منه لو جرى ... بها القطر قال الناس أيهما القطر؟
فتى أذخر الدنيا أناساً ولم يزل ... لها باذلاً فانظر لمن بقي الذخر
فمن شاء فليفخر بما شاء من ندى ... فليس لحي غيرنا ذلك الفخر
جمعنا العلى بالجود بعد افتراقها ... إلينا كما الأيام يجمعها الشهر
وعند أكثر الناس أن أبا تمام، كان أبوه نصرانياً، يقال: له نندوس العطار، من حاسم جاسم قرية من قرى حوران بالشام فغير اسم أبيه.
قال: وضع بعضهم كتاباً في المفاضلة بين الورد والنرجس، كما صنف الفضلاء مفاخرات السيف والقلم. ومفاخرات البخل والكرم، ومفاخرة مصر والشام، ومفاخرة الشرق والغرب، ومفاخرة العرب والعجم، ومفاخرة النثر والنظم. ومفاخرة الجواري والمردان، وكل ذلك يمكن الإتيان بالحجة من وجه. وأما المفاخرة المسك والزباد فما للعقل فيه مجال، وللجاحظ في ذلك رسالة بديعة.
قال صاحب الأغاني: إن رجلاً قال لجرير من أشعر الناس؟ قال: قم حتى أعرفك الجواب فأخذ بيده وجاء إلى أبيه عطية، وقد أخذ عنزاً له فاعتقلها وعل يمتص ضرعها فصاح به اخرج يا أبت، فخرج شيخ رميم ذميم رث الهيئة وقد سال لبن العنز على لحيته، فقال ترى هذا؟ قال: نعم، قال أو تعرفه؟ قال: لا قال: هذا أبي أفتدري لم كان يشرب من ضرع العنز؟ قال: لا، قال: مخافة من أن يسمع صوت الحلب فيطلب منه، ثم قال: أشعر الناس من فاخر بهذا الأب ثمانين شاعراً: وقارعهم فغلبهم جميعاً.
قال: أبو الدر مؤدب سيف الدولة أبياتاًك وزنها هذا شعر:
يا عاذلي كف الملام عن الذي ... أضناه طول سقامه وشفائه
إن كنت ناصحه فداو سقامه ... وأعنه ملتمساً لأمر شفائه
حتى يقال بأنك الخل الذي ... يرجى لشدة دهره ورخائه
أولا فدعه فما به يكفيه من ... طول الملام فلست من نصحائه
نفسي الفداء لمن عصيت عواذلا ... في حبه لم أخش من رقبائه
فقال أبو الطيب أحمد بن الحسين المتنبي إجازة لهذه:
عذل العواذل حول قلبي التائه ... وهو الأحبة منه في سودائه
يشكو الملام إلى اللوائم حرة ... ويصد حين يلمن عن برحائه
وبمهجتي يا عاذل الملك الذي ... أسخطت أعذل منك في إرضائه
إن كان قد ملك القلوب فإنه ... ملك الزمان بأرضه وسمائه
الشمس من حساده والبدر من قرنائه ... والنصر من رقبائه والسيف من أسمائه
أين الثلاثة من ثلاث خلاله ... من حسنه وإبائه ومضائه
مضت الدهور وما أتين بمثله ... ولقد أتى فعجزن عن نظرائه
فاستزاده سيف الدولة فقال
القلب أعلم يا عذول بدائه ... وأحق منك بجفنه وبمائه
فومن أحب لأعصينك في الهوى ... قسماً به وبحسنه وبهائه
أأحبه وأحب فيه ملامة ... إن الملامة فيه من أعدائه
عجب الوشاة من اللحاة وقولهم ... دع ما نراك ضعفت من إخفائه
ما الخل إلا من أود بقلبه ... ورأى بطرف لا يرى بسوائه
إن المعين على الصبابة بالأسى ... أولى برحمة ربه ورجائه
مهلاً فإن العذل من إسقامه ... وترفقاً فالسمع من أعضائه

(1/130)


وهب الملامة كاللذاذة في الكرى ... مطرودة بسهاده وبكائه
لا تعذل المشتاق في أشواقه ... حتى تكون حشاك في أحشائه
إن المحب مضرجاً بدموعه ... مثل القتيل مضرجاً بدمائه
والعشق كالمعشوق يعذب قربه ... للمبتلى وينال من حوبائه
لو قلت للدنف الحزين فديته ... مما به لأغرته بفدائه
وفي الأمير هوى العيون فإنه ... ما لا يزول ببأسه وسخائه
يستأسر البطل الكمي بنظرة ... ويحول بين فؤاده وعزائه
إني دعوتك للنوائب دعوة ... لم يدع سامعها إلى أكفائه
فأتيت من فوق الزمان وتحته ... متصلصلاً وأمامه وورائه
طبع الحديد فكان من أجناسه ... وعلي المطبوع من آبائه
من للسيوف بأن تكون سميها ... في أصله وفرنده ووفائه
قال الله تعالى: " يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس " قال الصفدي: ذهب بعض من الناس إلى أن المراد بهذه الآية أهل البيت وبنو هاشم، وأنهم النحل وأن الشراب القرآن والحكمة، وذكر هذا بعضهم في مجلس المنصور أبي جعفر، فقال بعض الحاضرين: جعل الله طعامك وشرابك مما يخرج من بطون بني هاشم. فأضحك من في المجلس.
قوله تعالى: " فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشراً إن هذا إلاملك كريم " قال وهب: بلغني أن نساء مصر اللاتي فتن به في ذلك المجلس وقلن حاش لله ما هذا بشراً. قال محمد بن علي أردن. ما هذا أهل أن يدعى للمباشرة، بل مثله منزه عن الشهوة. وقرأ ما هذا بشر بكسر الشين والباء: بمعنى مملوك. وأنكر الزجاج هذه القراءة لأنها تخالف رسم المصحف لأنه بالألف.
حسين بن إبراهيم مستوفي دمشق:
قالوا تخل عن النساء ومل إلى ... حب الشباب فذا بلطفك أجمل
فأجبتهم شاورت أيري قال لي ... هذي مضائق لست فيها أدخل
لبعضهم
أغار إذا أنست في الحي أنة ... حذاراً وخوفاً أن تكون لحبه
وقد ظرف من قال
لعمرك ما شربت الخمر جهلاً ... ولكن بالأدلة والفتاوي
فإني قد مرضت بداء همي ... فأشربها حلالاً للتداوي
قيل: كان لبدر بن عمار، وهو ممدوح المتنبي في بعض أشعاره منشي أعور يعرف بابن كروس ويحسد أبا الطيب ويشنأه، لما كان يشاهد من سرعة خاطره، ومبادرة قوله، لأنه لم يجر في المجلس شيء بتة إلا ارتجل فيه شعراً، فقال لبدر بن عمار يوماً أظنه ما أظنه يعمل هذا قبل حضوره وبعد، ومثل هذا لا يجوز أن يكون، وأنا أمتحنه بشيء أحضره للوقت، فلما كمل المجلس ودارت الكؤوس أخرج لعبة قد استعدها ولها شعر في طولها تدور على لولب إحدى رجليها مرفوعة، وفي يدها طاقة ريحان تدار فإذا وقفت حذاء إنسان شرب، فوضعها من يده ونقرها فدارت فقال أبو الطيب:
وجارية شعرها شطرها ... محكمة نافذ أمرها
تدور وفي يدها طاقة ... تضمنها مكرهاً شبرها
فإن أسكرتنا ففي جهلها ... بما فعلته بنا غدرها
فأدبرت فوقفت حذاء أبي الطيب فقال:
جارية ما لجسمها روح ... بالقلب من حبها تباريح
في يدها طاقة تشير بها ... لكل طيب من طيبها ريح
سأشرب الكأس من إشارتها ... ودمع عيني في الخد مسفوح
وأداراها بيده فوقفت حذاء بدر، فقال أبو الطيب عند ذلك شعراً:
يا ذا المعالي ومعدن الأدب ... سيدنا وابن سيد العرب
أنت عليم بكل معجزة مفخرة ... فلو سألنا سواك لم يجب
أهذه قابلتك راقصة ... أم رفعت رجلها من التعب
وقال في تلك الحال
إن الأمير أدام الله دولته ... لفاخر كسيت فخراً به مضر
في الشرب جارية من تحتها خشب ... ما كان والدها جن ولا بشر
قامت على فرد رجل من مهابته ... وليس تعلم ما تأتي وما تذر
وأديرت فسقطت فقال له بديهاً:
ما نقلت في مشية عند مشيها قدماً ... إلا اشتكت من دوارها ألما

(1/131)


لم أر شخصاً من قبل رؤيتها ... يفعل أفعالها وما عزما
فلا تلمها على تواقعها ... أطر بها أن رأتك مبتسما
فمدحها بشعر كثير وهجاها بمثله، ولكنه لم يحفظ، فخجل ابن كروس الأعور وأمر بدر برفعها، فرفعها فرفعت، فقال أبو الطيب شعراً:
وذات غدائر لا عيب فيها ... سوا أن ليس تصلح للعناق
إذا هجرت فعن غير اختيار ... وإن زارت فعن غير اشتياق
ثم قال أبو الطيب: ما حملك على ما فعلت، فقال له بدر: أردت نفي الظنة الظنون عن أدبك، فقال له أبو الطيب شعراً:
زعمت أنك تنفي الظن عن أدبي ... وأنت أعظم أهل العصر مقدارا
إني أنا الذهب المعروف مخبره ... يزيد في السبك للدينار دينارا
فقال له بدر: بل والله للدينار قنطارا، فقال:
برجاء جودك يطرد الفقر ... وبأن تعادى ينفد العمر
فخر الزجاج بأن شربت به ... وزرت على من عافها الخمر
وسلمت منها وهي تسكرنا ... حتى كأنك هابك السكر
ما يرتجى أحد لمكرمة ... إلا الإله وأنت يا بدر
لأبي الفرج البستي في الثعالبي
أخ لي زكي النفس والأصل والفرع ... يحل محل العين مني والسمع
تمسكت منه إذ بلوت إخاءه ... على حالتي وضع النوائب والرفع
بأوعظ من عقل وآنس من هوى ... وأرفع أرفق من طيع وأنفع من شرع
للشهاب
وكنا خمس عشرة في اليتام ... على رغم الحسود بغير آفة
فقد أصبحت تنويناً وأضحى ... حبيب لا تفارقه الإضافة
لبعضهم
ولما قضينا من منى كل حاجة ... ومسح بالأركان من هو ماسح
وشدت على دهم المهاري رحالنا ... ولم ينظر الغادي الذي هو رائح
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطي الأباطح
من كتاب المزار في الصبر، وروى البيهقي عن ذي النون المصري قال: كنت في الطواف وإذا أنا بجاريتين قد أقبلتا، وأنشأت إحداهما وهي تقول:
صبرت على ما لو تحمل بعضه ... جبال برضوي حنين لم تزل أصبحت تتصدع
ملكت دموع العين ثم رددتها ... إلى ناظري فالعين في القلب تدمع
فقلت: فماذا يا جارية؟ فقالت: من مصيبة نلتها لم تصب أحداً قط، قلت: وما هي؟ قالت: كان لي شبلان يلعبان أمامي وكان أبوهما ضحى بكبشين فقال أحدهما لأخيه: يا أخي أريك كيف ضحى أبونا بكبشيه؟ فقام وأخذ الآخر شفرة فنحره فهرب القاتل، ودخل أبوهما فقلت له: إن ابنك قتل أخاه، وهرب فخرج في طلبه فوجده قد افترسه السبع، فرجع الأب فمات في الطريق ظمأً وجوعاً حزناً.
فائدة: الطعوم تسعة: وهي الحلو، والمر. والحامض، والمز. والمالح والحريف، والعفص، والدسم، والتفه، لأن الجسم إما أن يكون كثيفاً أو لطيفاً أو معتدلاً والفاعل فيه إما البرودة أو الحرارة أو المعتدل بينهما، فيفعل الحار في الكثيف مرارة، وفي اللطيف حرافة، وفي المعتدل ملوحة، والبرودة في الكثيف عفوصة، وفي اللطيف حموضة، وفي المعتدل قبضاً، والمعتدل في الكثيف حلاوة، وفي اللطيف دسومة وفي المعتدل تفاهة وقد يجتمع طعمان كالمرة والقبض في الخضض الحصص ويسمى البشاعة والمرارة والملوحة في السبخة ويسمى الزعوقة، وزعم بعضهم أن أصول الطعوم أربعة: الحلاوة والمرارة والملوحة والحموضة، وما عداها مركب منها.
قد اختلف الحكماء في وجود المزاج المعتدل وعدمه، قال فخر الدين الرازي: ما ذكره الشيخ في الشفاء يدل على أن المركب المعتدل قد يكون موجوداً إلا أنه لا يستمر ولا يدوم، ثم قال بعد كلام طويل وأما المعتدل المزاج ما امتزج من العناصر على أكمل أحواله فقد قالوا لما كان الاعتدال الحقيقي ممتنعاً وجب أن يكون كلما قرب إليه أولى باسم الاعتدال.
قال الإمام العلامة شمس الدين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن ساعد الأنصاري احتجوا على تعلل وجود المعتدل بامتناع مكان يستحقه، لأن مكان المركب مكان ما يغلب عليه من البسايط، وهذه بسائط متعادلة، فيجب أن لا يستحق مكاناً فيمتنع وجوده.

(1/132)


قال الصفدي: وفي هذه الحجة نظر، وذك أنا عنينا بالمعتدل ما تكافأت فيه الكيفيات، فهذا يجب أن يتكافى فيه الكميات، لأن الجزء اليسير من النار يقاوم بحرارته كثيراً من جوهري الماء والأرض، فعلى هذا يجوز وجود المعتدل باعتبار الكيفيات دون الكميات، ويكون مكانه الذي يستحقه هو مكان ما غلب عليه من العناصر بكميته لا بكيفيته لأن الاعتبار في المزاج إنما هو بالكيفية فقط، والاعتبار في الحيز إنما هو بالكم والثقل والخفة، فالحجة المذكورة غير موجهة.
قال الصفدي في سبب ما يرى الأحول الواحد اثنين: أقول: زعموا أنه إذا حدث التاء الحدقة بسبب ارتخاء عضلها، أو تحويل الرطوبة الجليدية عن وضعها في إحدى الجهتين دون الأخرى، يبقى الجهة التي قد تحول وضها بتطبع الصورة المنتقلة من رطبوتها الجليدية لا في الفصل المشترك بل في موضع آخر بسبب الغمز الذي حدث منه التحويل، كما إذا أشرقت الشمس على ماء في البيت فإنه يشرق منه نور في السقف، فلو تغير وضع الماء تغير موضع انطباعه في السقف، كذلك تغير وضع الحدقة يوجب انتقال موضع انطباع ما في الجليدية، فتبقى الصورة الصورتين فيرى الواحد اثنين.
قال الشيخ الإمام العلامة شمس الدين محمد بن إبراهيم بن ساعد الأنصاري وله كتاب في المناظر والمرايا: قولهم إن الأحول يرى الشيء شيئين ليس على إطلاقه، بل إنما يرى الشيء شيئين، إذا كان حوله إنما هو باختلاف المقلتين يمنة ويسرة، أو بسبب الارتفاع والانخفاض، ودام وألف فلا.
ومما يؤيد ذلك ان الإنسان إذا غمز إحدى حدقتيه حتى يخالف الأخرى يمنة أو يسرة، فإنه يرى الشيء شيئين، ويوجد في الناس غير واحد ممن حوله بالارتفاع والانخفاض قد ألف تلك الحالة، فلا يرى الشيئين، والحق أن الذي يغمز إحدى عينيه حتى يرتفع أو ينخفض عن أختها، إنما يرى الشيء شيئين، لأنه يرى الشيء المرئي بإحدى العينين قبل الأخرى فيصل إلى التقاطع الصليبين شبح هو هذا الشبح، فيرى الواحد اثنين فقط، ولولا ذاك لرأى هذا الرائي الشيء الواحد متكثراً بغير نهاية على نسبة زوج الزوج البتة، كما في تضعيف الرقعة الشطرنج.
ذكر أن الحجاج خرج يوماً متنزهاً فلما فرغ من تنزهه، صرف عنه أصحابه وانفرد بنفسه، فإذا هو بشيخ من عجل فقال له: من أين أيها الشيخ؟ قال: من هذه القرية، قال: كيف ترون عمالكم؟ قال: شر عمال يظلمون الناس ويستحلون أموالهم؛ قال: فكيف قولك في الحجاج؟ قال: ذلك ما ولي العراق أشر منه قبحه الله وقبح من استعمله، قال: أو تعرف من أنا؟ قال: لا، قال الحجاج، فقال: أتعرف من أنا؟ قال: لا، قال: أنا مجنون بني عجل، أصرع في كل يوم مرتين، فضحك وأمر له بصلة جليلة.
قال الشيخ بدر الدين محمد بن جمال الدين محمد بن مالك: الاسم الدال على أكثر من اثنين بشهادة التأمل، إما أن يكون موضوعاً للآحاد المجتمعة دالاً عليها دلالة تكرار الواحد بالعطف وإما أن يكون موضوعاً لمجموع الآاد، دالاً عليها دلالة المفرد على جملة أجزاء مسماه، وإما أن يكون موضوعاً للحقيقة ملغى فيه اعتبار الفردية، إلا أن الواحد ينتفي بنفيه، فالموضوع للآحاد المجتمعة: سواء كان له واحد من لفظه مستعمل كرجال وأسود، أو لم يكن كأبابيل، والموضوع لمجموع الآحاد، هو اسم الجمع، سواء كان له واحد من لفظه كركب وصحب، أو لم يكن كقوم ورهط والموضوع للحقيقة بالمعنى المذكور هو اسم الجنس، وهو غالباً فيما يفرق بينه وبين واحدة بالتاء كتمرة وتمر وعكسه كمأة وجبائة.
ولكن على ما أنزله من خزائنه فجعلته في خزائنك وحلت بيننا وبينه لله در قائله:
وما أحد من ألسن الناس سلما ... ولو أنه ذاك النبي المطهر
فإن كان مقداماً يقولون أهوج ... وإن كان مفضالاً يقولون مبذر
وإن كان سكيتاً يقولون أبكم ... وإن كان منطيقاً لون مهدر مهذر
وإن كان صواماً وبالليل قائماً ... يقولون زراق يرائي ويمكر
فلا تكترث بالناس في المدح والثناء ... ولا تخشى غير الله فالله أكبر

(1/133)


دخل شريك بن الأعور على معاوية وكان دميماً، فقال له معاوية: إنك لدميم والجميل خير من الدميم، وإنك لشريك وما لله شريك، وإن أباك الأعور، والصحيح خير من الأعور، فكيف سدت قومك؟ فقال له: إنك لمعاوية: فما معاوية إلا كلبة عوت فاستعوت الكلاب، وإنك لابن صخر والسهل خير من الصخر، وإنك لابن حرب والسلم خير من الحرب، وإنك لابن أمية وما أمية إلا أمة فصغرت فكيف صرت علينا أمير المؤمنين؟ ثم خرج من عنده، وهو يقول شعراً:
أيشتمني معاوية بن حرب؟ ... وسيفي صارم ومعي لساني
وحولي من بني عمي ليوث ... ضراغمة تهش إلى الطعان
قيل: إنه لما سمع بعضهم قول أبي تمام:
لا تسقني ماء الملام لأنني ... صبٌّ قد استعذبت ماء بكائي
جهز له كوزاً، وقال: إبعث لي في هذا قليلاً من ماء الملام. فقال أبو تمام: لا أبعثه حتى تبعث لي بريشة من جناح الذل.
لمحيي الدين ابن قرناص
قد أتينا للرياض حين تجلت ... وتحلت بحلية الألوان
ورأينا خواتم الزهر لما ... سقطت من أنامل الأغصان
لله در قائله
مجرة جدول وسماء آس ... وأنجم نرجس وشموس ورد
ورعد مثالث وسحاب كأس ... وبرق مدامة وضباب ند
قال في كتاب المستطرف: ذكر نبذة من سرقات الشعراء وسقطاتهم. من ذلك قول قيس بن الحطيم، وهو شاعر الأوس وشجاعها:
وما المال والأخلاق إلا معارة ... فما اسطعت من معروفها فتزود
وكيف يخفى؟ ما أخذه من قصيدة طرفة بن العبد، وهي معلقة على الكعبة:
لعمرك ما الأيام إلا معارة ... فما اسطعت من معروفها فتزود
وقول عبدوة بن الطيب:
فما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما
أخذه من قول امرىء القيس:
فلو أنها نفس تموت شوية ... ولكنها نفس تساقط أنفسا
وجرير على سعة تبحره وقدرته على الشعر قال:
فلو كان الخلود بفضل مال ... على قوم لكان لنا الخلود
أخذه من قول زهير وهو شعر مشهود يحفظه الصبيان، وترويه النسوان، وهو:
فلو كان حمد يخلد المرء لم يمت ... ولكن حمد المرء غير مخلد
وقد قال السماخ الشماخ:
وأمر ترجي النفس ليس بنافع ... وآخر تخشى ضيره لا يضيرها
وهو مأخوذ من قول غيره:
ترجى النفوس الشيء لا تستطيعه ... وتخشى من الأشياء ما لا يضيرها
لمحي الدين ابن قرناص
خلقنا بأطراف القنا في ظهورهم ... عيوناً ولها وقع السيوف حواجب
لقوا نبلنا مرد العوارض وانثنوا ... لأوجههم منا لحىً وشوارب
حكي أن بعضهم دخل بأمرد إلى بيته، وكان بينهما ما كان، فلما خرج الأمرد ادعى أنه الفاعل، فقيل له ذلك، فقال: فسدت الأمانات، وحرمت اللواطة إلا أن يكون بشاهدين قال بعض الشعراء:
إن المهذب في اللوا ... طة ليس يعدله شريك
فإذا خلا بغلامه ... فالله يعلم من ينيك
قيل: إن معن بن زائدة دخل على المنصور، فقال له: يا معن تعطي مروان بن أبي حفصة مائة ألف على قوله:
معن بن زائدة الذي زادت به ... شرفاً على شرف بنو شيبان
فقال: كلا إنما أعطيته على قوله:
ما زلت يوم الهاشمية معلناً ... بالسيف دون خليفة الرحمن
فمنعت حوزته وكنت وقى له ... من وقع كل مهند وسنان
فقال المنصور: أحسنت يا معن، وأمر له بالجوائز.
قال معاوية يوماً لرجل من أهل اليمن: ما كان أجهل من قومك حين ملكوا عليهم امرأة، فقال: أجهل من قومي قومك الذين قالوا: لما دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم " اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم " ولم يقولوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه.
وفد ابن أبي محجن على معاوية فقال له: أنت الذي أوصاك أبوك بقوله:
إذا مت فادفني إلى جنب كرمة ... يروي عظامي الباليات في الممات عروقها
ولا تدفنني في الفلاة فإنني ... أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها

(1/134)


فقال ابن أبي محجن: بل أنا الذي يقول أبي:
لا تسأل الناس ما مالي وكثرته ... وسائل الناس ما جودي وما خلقي
أعطى الحسام غداة البين حصته ... وعامل الرمح أرويه من العلق
وأطعن الطعنة النجلاء عن غرض عرض ... وأكتم السر فيه ضربة العنق
ويعلم الناس أني من سراتهم ... إذا أمس بضر عدة الفرق
قال معاوية له: أحسنت يا ابن أبي محجن، وأمر له بصلة.
لابن قلاقس
سرى وحنين الجو بالطل يرشح ... وثوب الغوادي بالبروق موشح
وفي طي أبراد النسيم جميلة ... بأعطافها نور المنى يتفتح
تضاحك في مسرى مثنى المعاطف عارض ... مدامعه في وجنة الروض تسفح
ويورى به كف الصبا زند بارق ... شرارته في فحمة الليل تقدح
يحكى أن بعض الأكابر مر بامرأة من بعض أحياء العرب، فقال لها: ممن المرأة قالت: من بني تميم، وهم يكسرون أول الفعل، فأراد العبث بها، فقال لها: أكتنون قالت: نعم نكتني، فقال لها: معاذ الله ولو فعلته لوجب علي الغسل، فأجابته على الفور، وقالت له: دع إذاً أتعرف العروض؟ قال: نعم، قالت: قطع قول الشاعر:
حولوا عنا كنيستكم ... يا بني حمالت الحطب
فلماذا أخذ بقطعه، قال: حولوا عن فاعلات ناكني فاعل، فقالت: من الفاعل فقال الله أكبر إن للباغي مصرعاً.
احتج خطب معاوية يوماً فقال: إن الله تعالى يقول: " وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم " فعلام تلوموني؟ فقال الأحنف: إنا والله لا نلومك على ما في خزائن الله، ومن سقطات الشعراء ما قيل: إن أبا العتاهية كان من نقده للشعر كثير السقط روي أنه لقي محمد بن مناذر، فمازحه وضاكه، ثم إنه دخل على الرشيد فقال: يا أمير المؤمنين هذا شاعر البصرة يقول: قصيدة في كل سنة، وأنا أقول في السنة مأتي قصيدة فأدخله الرشيد إليه فقال: ما هذا الذي يقول أبو العتاهية؟ فقال: محمد بن مناذر يا أمير المؤمنين لو كنت أقول كما يقول:
ألا يا عتبة الساعة ... أموت الساعة الساعة
كنت أقول كثيراً لكني أقول:
إن عبد الحميد يوم تولى ... هد ركناً ما كان بالمهدود
ما درى نعشه ولا حاملوه ... ما على النعش من عفاف وجود
فأعدب الرشيد قوله، وأمر له بعشرة آلاف درهم، فكاد أبو العتاهية يموت غيظاً وأسفاً.
وكان بشار بن برد يسمونه إمام المحدثين، ويسلموا إليه في الفضلية، وبعض أهل اللغة يستشهدون بشعره، لزوال الطعن عليها فيها، فمع ذلك قال في شعره:
إنما عظم معلمي جستي حبني ... قصب السكر لا عظم الحمل
وإذا أوتيت أدنيت منها بصلاً ... غلب المسك على ريح البصل
وأين هذا من قول الآخر؟!
إذا قامت لمشيتها تثنت ... كأن عظامها من خيزران
قال أبو الطيب أحمد بن الحسين المتنبي، في قوم هربوا وتفرقوا عن قتل ممدوحه:
وضاقت الأرض حتى صار هاربهم ... إذا رأى غير شيء ظنه رجلا
ومما خرج عليه قوله:
فقلقت بالهم الذي قلق الحشا ... قلاقل عيس كلهن قلاقل
وأقبح من ذلك قوله:
ونهب نفوس أهل النهب أولى ... بأهل المجد من نهب القماش
أخذه من قول أبي تمام:
إن الأسود أسود الغاب همتها ... يوم الكريهة في المسلوب لا السلب
قال أبو عبد الله الزبيري: اجتمع راوية جرير، وراوية كثير، وراوية جميل وراوية الأحوص، وراوية نصيب. وافتخر كل منهم، وقال صاحبي أشعر فحكموا السيدة سكينة بنت الحسين رضي الله عنها بينهم لعقلها وبصرها، فخرجوا حتى استأذنوا عليها وقد ذكروا لها أمرهم، فقالت لراوية جرير أليس صاحبك الذي يقول:
طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... وقت الزيارة فارجعي بسلام
وأي ساعة أحلى من الزيارة بالطروق، قبح الله صاحبك، وقبح شعره فهلا قال: فادخلي بسلام؟! ثم قالت لراوية كثير: أليس صاحبك يقول:
يقر بعيني ما تقر بعينها ... وأحسن شيء ما به العين قرت

(1/135)


وليس شيء أقر لعينها من النكاح، أفيحب صاحبك أن ينكح قبح الله صاحبك، وقبح شعره، ثم قالت راوية جميل: أليس صاحبك الذي يقول:
فلو تركت عقلي معي ما طلبتها ... وإن طلابيها لما فات من عقلي
فما أرادها، ولكن طلب عقله، قبح صاحبك، وقبح شعره، ثم قالت لراوية نصيب: أليس صاحبك الذي يقول:
أهيم بدعد ما حييت فإن أمت ... فواحزني من ذا يهيم بها بعدي
فما له همة إلا من يتعشقها بعده. قبحه الله، وقبح شعره هلا قال:
أهيم بدعد ما حييت وإن أمت ... فلا صلحت دعد لذي خلة بعدي
ثم قالت لراوية الأحوص: أليس صاحبك الذي يقول:
من عاشقين تواعدا وتراسلا ... ليلاً إذا نجم الثريا حلقا
باتا بأنعم ليلة وألذها ... حتى إذا وضح الصباح تفرقا
قبح الله صاحبك، وقبح شعره، هلا قال: تعانقا؟! فلم تثن على واحد منهم. وأحجم رواتهم عن جوابها.
قيل: أمسك على النابغة الجعدي الشعر أربعين يوماً، فلم ينطق. ثم إن بني جعدة غزوا قوماً فظفروا، فلما سمع فرح وطرب فاستحثه الشعر، فذل له ما استصعب عليه، فقال له قومه: والله لنحن بإطلاق لسان شاعرنا أسر من الظفر بعدونا.
وقال الخليل ره: الشعراء أمراء الكلام يتصرفون فيه، أنى شآؤا، جايز لهم فيه ما لا يجوز لغيرهم: من إطلاق المعنى وتقييده، وتسهيل اللفظ وتعقيده.
وقال بعضهم: لم نر قط أعلم بالشعر والشعراء من خلف الأحمر، كان يعمل الشعر على ألسنة الفحول من القدماء، فلا يتميز عن مقولهم، ثم نسك وكان يختم القرآن كل يوم ويلية ختمة، وبذلك له بعض الملوك مالاً جزيلاً على أن يتكلم له في بيت شعر فأبى.
وكان الحسن بن علي رضي الله عنهما يعطي الشعراء، فقيل له في ذلك، فقال رضي الله عنه: خير مالك ما وقيت به عرضك.
وقال أبو الزياد الزناد: ما رأيت أروى للشعر من عروة، فقلت له: ما أرواك يا أبا عبد الله؟ وقال ما روايتي من رواية عايشة، ما كان ينزل بها شيء إلا أنشدت شعراً.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتمثل بهذا: " كفى الإسلام والشيب للمرء ناهياً " .
مما نقله من مقالات الصوفية.
خليلي إني كلما لاح بارق ... من الأفق الغربي جدد حدد لي وجدا
وإن قابلتني نفحة بابلية ... وجدت لمسراها على كبدي بردا
وليس ارتياحي للرياح وإنما ار ... تياحي لقوم أعقبوا وصلهم صدا
ومنها
ولو قيل لي ماذا تريد من المنى ... لقلت منائي من أحبتي القرب
فكل بلائي في رضاهم غنيمة ... وكل عذاب في محبتهم عذب
ومنها
يا مظهر الشوق باللسان ... ليس لدعواك من بيان
لو كان ما تدعيه حقاً ... لم تذق الغمض أو تراني
ومنها
ومن يك من بحر اللقا ذاق ... جرعة فإني من ليلي لها غير ذائق
وأعظم شيء نلته من وصالها ... أماني لم تصدق كلمعة بارق
ومنها
آه من البارق الذي لمعا ... ماذا بقلبي ومهجتي صنعا
ومنها
ليلي بوجهك مشرق ... وظلامه في الناس ساري
فالناس في سدف الظلا ... م ونحن في ضوء النهار
ومنها
قلت للنفس إن أردت رجوعا ... فارجعي قبل أن تسد الطريق
ومنها
وكان الصديق يزور الصديق ... لطيب الحديث وطيب التداني
فصار الصديق يزور الصديق ... لبث الهموم وشكوى الزمان
ومنها
إن العيون لتبدي في تقلبها ... ما في الضماير من ود ومن حنق
ومنها
تلوح في هذه الأيام دولتكم ... كأنها ملة الإسلام في الملل
لله در من قال
إذا المرء لم يرض ما أمكنه ... ولم يأت من أمره أحسنه
فدعه وقد ساء تدبيره ... سيضحك يوماً ويبكي سنه
غيره
وإن حياة المرء بعد عدوه ... وإن كان يوماً واحداً لكثير
وما أحسن ما قال المتنبي
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا

(1/136)