صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : الكشكول
المؤلف : البهاء العاملي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

المجلد الأول
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
الحمد لله الواحد المعين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله أجمعين. وبعد فإني لما فرغت من تأليف كتابي المسمى بالمخلاة، الذي حوى من كل شيء أحسنه وأحلاه، وهو كتاب كتب في عنفوان الشباب، قد لفقته ونسقته وأنفقت فيه ما رزقته، وضمنته ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين: من جواهر التفسير وزواهر التأويل، وعيون الأخبار ومحاسن الآثار، وبدائع حكم يستضاء بنورها، وجوامع كلم يهتدي ببدورها، ونفحات قدسية تعطر مشام الأرواح وواردات أنسية تحيي رميم الأشباح، وأبيات رائقة تشرب في الكؤوس لسلاستها، وحكايات شايقة تمزج بالنفوس لنفساتها، ونفايس عرايس تشاكل الدر المنثور، وعقائل مسائل تستحق أن تكتب بالنور على وجنات الحور، ومباحثات سديدة سنحت للخاطر الفاتر حال فراغ البال، ومناقشات عديدة سمح بها الطبع القاصر أيام الإشتغال، مع ترتيب أنيق لم أسبق إليه، وتهذيب رشيق لم أزاحم عليه، ثم عثرت بعد ذلك على نوادر تتحرك لها الطباع، وتهش لها الأسماع، وطرائف تسر المحزون، وتزري بالدر المخزون، ولطائف أصفى من رايق الشراب، وأبهى من أيام الشباب، وأشعار أعذب من الماء الزلال، وألطف من السحر الحلال، ومواعظ لو قرئت على الحجارة لانفجرت، أو الكواكب لانتثرت، وفقر أحسن من ورد الخدود، وأرق من شكوى العاشق حال الصدود، فاستخرت الله تعالى، ولفقت كتاباً ثانياً يحذو حذو ذلك الكتاب الفاخر، ويستبين به صدق المثل السائر: كم ترك الأول للآخر.
ولما لم يتسع المجال لترتيبه، ولا وجدت من الأيام فرصة لتبويبه، جعلته كسفط مختلط رخيصه بغاليه، أو عقد انفصم سلكه فتناثرت لئاليه، وسميته: بالكشكول ليطابق اسمه اسم أخيه ولم أذكر شيئاً مما ذكرته فيه، وتركت بعض صفحاته على بياضها لأقيد ما يسنح من الشوارد في رياضها كيلا يكون به عن سعة ذلك نكول، فإن السائل في معرض الحرمان إذا امتلأ الكشكول فسرح نظرك في رياضه، وأسق قريحتك من حياضه، وارتع بطبعك في حدائقه واقتبس أنوار الحكم من مشارقه، وعض عليه أنياب حرصك عضاً ولا تفضه على من كان غليظ القلب فضاً، واتخذه وأخاه جليسين لوحدتك وأنيسين لوحشتك وموجبين لسلوتك وصاحبين في خلوتك ورفيقين في سفرك، ونديمين في حضرتك، فإنهما جاران باران، وسميران ساران، وأستاذان خاضعان ومعلمان متواضعان، لا بل هما حديقتان تفتحت ورودهما وخريدتان توردت خدودهما وغانيتان لا بستان حلل جمالهما؛ مائستان في برود جلالهما فصنهما عن غير طالبهما ولا تبذلهما إلا لخاطبهما
فمن منح الجهال علماً أضاعه ... ومن منع المستوجبين فقد ظلم
ذكر المفسرون في قوله تعالى
" إياك نعبد وإياك نستعين " وجوهاً عديدة للإتيان بنون الجمع والمقام مقام الإنكسار والمتكلم واحد، ومن جيد تلك الوجوه ما أورده الإمام الرازي في تفسيره الكبير وحاصله: إنه قد ورد في الشريعة المطهرة أن من باع أجناساً مختلفة صفقة واحدة، ثم خرج بعضها معيباً فالمشتري مخير بين رد الجميع وإمساكه وليس له تبعيض الصفقة برد المعيب وإبقاء السليم وهيهنا حيث يرى العابد أن عبادته ناقصة معيبة لم يعرضها وحدها على حضرة ذي الجلال بل ضم إليها عبادة جميع العابدين: من الأنبياء والأولياء والصلحاء وعرض الكل صفقة واحدة راجياً قبول عبادته في الضمن لأن الجميع لا يرد البتة؟! إذ بعضه مقبول ورد المعيب وإبقاء السليم تبعيض للصفقة وقد نهى سبحانه عباده عنه؟ فكيف يليق بكرمه العظيم فلم يبق إلا قبول الجميع وفيه المراد.
عن بعض أصحاب الحال: إنه كان يقول يوماً لأصحابه لو أني خيرت بين دخول الجنة وبين صلاة ركعتين لاخترت صلاة ركعتين؟ فقيل له وكيف ذلك قال: لأني في الجنة مشغول بحظي وفي الركعتين مشغول بحق وليي وأين ذاك عن هذا؟!.
في الإحياء رأى بعضهم الشبلي في المنام فسأله ما فعل الله بك فقال: ناقشني حجتي يئست فلما رأى يأسي تغمدني برحمته.
ورأى بعضهم بعض أصحاب الكمال في المنام فسأله عن حاله فأنشد:
حاسبونا فدققوا ثم منوا فأعتقوا ... هكذا شيمة الملوك بالمماليك يرفقوا
نظر عبد الملك بن مروان عند موته في قصره إلى قصار يضرب بالثوب المغسلة، فقال: يا ليتني كنت قصاراً، لم أتقلد الخلافة فبلغ كلامه أبا حازم.

(1/1)


فقال الحمد لله الذي جعلهم إذا حضرهم الموت يتمنون ما نحن فيه وإذا حضرنا الموت لم نتمن ما هم فيه.
عن معاذ بن جبل قال: قلت للرسول صلى الله عليه وسلم أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار قال صلى الله عليه وآله وسلم: لقد سألتني عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله: تعبد الله ولا تشرك به شيئاً وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم: ألا أدلك على أبواب الخير قلت بلى يا رسول الله قال: الصوم جنة والصدقة تطفي الخطيئة كما يطفي الماء النار وصلاة الرجل في جوف الليل شعار الصالحين ثم تلا صلى الله عليه وآله وسلم: تتجافى جنوبهم عن المضاجع حتى بلغ يعملون.
ثم قال ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه قلت بلى يا رسول الله قال: رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد؛ ثم قال: ألا أخبركم بملاك ذلك كله قلت بلى يا رسول الله قال: كف عليك هذا وأشار إلى لسانه؛ قلت يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به قال ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو قال على مناخيرهم إلا حصايد ألسنتهم قال بعض العباد: أعدت صلاة ثلاثين سنة كنت أصليها في الصف الأول لأني تخلفت يوماً لعذر فما وجدت موضعاً في الصف الأول فوقفت في الصف الثاني فوجدت نفسي تستشعر خجلاً من نظر الناس إلي وقد سبقت بالصف الأول فعلمت أن جميع صلاتي كانت مشوبة بالرياء ممزوجة بلذة نظر الناس إلي ورؤيتهم إياي من السابقين إلى الخيرات.
من كلام بعض الأعلام العزلة بدون عين العلم زلة وبدون زاء الزهد علة.
من كلام بوذرجمهر عاداني الأعداء فلم أر عدواً أعدى من نفسي.
عالجت الشجعان والسباع فلم يغلبني أحد كصاحب السوء أكلت الطيب وضاجعت الحسان فلم أر ألذ من العافية.
أكلت الصبر وشربت المر فما رأيت أشد من الفقر.
صارعت الأقران وبارزت الشجعان فلم أر أغلب من المرأة السليطة.
رميت بالسهام ورجمت بالأحجار فلم أجد أصعب من كلام السوء يخرج من فم مطالب بحق.
تصدقت بالأموال والذخاير فلم أر صدقة أنفع من رد ذي ضلالة إلى الهدى سررت بقرب الملوك وصلاتهم فلم أر أحسن من الخلاص منهم.
استمرت العادة في أقاصي بلاد الهند على إقامة عيد كبير على رأس كل مائة سنة فيخرج أهل البلد جميعاً من شيخ وشاب وصغير وكبير إلى صحراء خارج البلد، فيها حجر كبير منصوب فينادي منادي الملك لا يصعد على هذا الحجر إلا من حضر هذا العيد قبل هذا، بما جاء الشيخ الهرم الذي ذهبت قوته وعمي بصره والعجوز الشوهاء وهي ترجف من الكبر فيصعدان على ذلك الحجر أو أحدهما وربما لا يجيء أحد وقد يكون قد فني ذلك القرن بأسره فمن صعد على ذلك الحجر نادى بأعلى صوته قد حضرت العيد السابق وأنا طفل صغير وكان ملكنا فلاناً ووزيرنا فلاناً وقاضينا فلاناً، ثم يصف الأمم الماضية من ذلك القرن كيف طحنهم الموت وأكلهم البلى وصاروا تحت أطباق الثرى، ثم يقوم خطيبهم فيعظ الناس ويذكرهم الموت وغرور الدنيا ولعبها بأهلها فيكثر في ذلك اليوم البكاء وذكر الموت والتأسف على صدور الذنوب والغفلة عن ذهاب العمر، ثم يتوبون ويكثرون الصدقات ويخرجون من التبعات.
ومن عاداتهم أيضاً أنه إذا مات ملك من ملوكهم أدرجوه في أكفانه ووضعوه على عجلة وشعر رأسه يسحب على الأرض وخلفه عجوز بيدها مكنسة تدفع بها ما تعلق من التراب بشعره وهي تقول: اعتبروا أيها الغافلون شمروا ذيل الجد أيها المقصرون المغترون وهذا ملككم فلان انظروا إلى ما صيرته إليه الدنيا بعد ذلك العزة والجلالة ولا تزال تنادي خلفه كذلك إلى أن تدور به جميع أزقة البلدة ثم يودع في حفرته وهذا رسمهم في كل ملك يموت في أرضهم.
كلام بعض الأكابر إذا عصتك نفسك فيما تأمرها فلا تطعها فيما تشتهيه.
قال بعض الأبدال: مررت ببلاد المغرب على طبيب والمرضى بين يديه وهو يصف لهم علاجهم فتقدمت إليه وقلت عالج مرضي يرحمك الله فتأمل في وجهي ساعة ثم قال: خذ عرق الفقر: وورق الصبر مع إهليلج التواضع، واجمع الكل في إناء اليقين، وصب عليه ماء الخشية، وأوقد تحته نار الحزن، ثم صفه بمصفاة المراقبة في جام الرضا، وامزجه بشراب التوكل، وتناوله بكف الصدق، واشربه بكأس الإستغفار وتمضمض بعده بماء الورع واحتم عن الحرص والطمع فإن الله يشفيك إن شاء.

(1/2)


التهامي
تنافس في الدنيا غروراً وإنما ... قصارى غناها أن يعود إلى الفقر
وإنا لفي الدنيا كركب سفينة ... نظن وقوفا والزمان بنا يجري
قال بعض العباد: خرجت يوماً إلى المقابر فرأيت البلهول فقلت ما تصنع هنا؟ قال: أجالس قوماً لا يؤذوني، وإن غفلت عن الآخرة يذكروني وإن غبت لم يغتابوني.
وقيل لبعض المجانين: وقد أقبل من المقبرة من أين جئت؟ فقال من هذه القافلة النازلة قيل: ماذا قلت لهم قال: قلت لهم متى ترحلون؟ فقالوا حين تقدمون.
كان بعض أهل الكمال يقول: إذا رأيت الليل مقبلاً فرحت، وأقول أخلوا بربي، وإذا رأيت الصبح قريباً استوحشت كراهة لقاء من يشغلني عن ربي.
قال هرم بن حيان: أتيت أويس القرني، فقال لي: ما جاء بك فقلت: جئت لآنس بك فقال أويس: ما كنت أرى أحداً يعرف ربه فيأنس بغيره.
من الشيخ العطار عطر الله مرقده بالرضوان من منطق الطير قال أبو الربيع الزاهد لداود الطائي: عظني، فقال: صم عن الدنيا واجعل فطرك على الآخرة، وفر من الناس فرارك من الأسد.
وكان بعض أصحاب الحال يقول: يا إخوان الصفا هذا زمن السكوت، وملازمة البيوت، وذكر الحي الذي لا يموت.
كان الفضيل يقول: إني لأجد للرجل عندي يداً إذا لقيني أن لا يسلم علي قال أبو سليمان الداراني: بينما الربيع بن خيثم جالس على باب داره، إذ جاءه حجر فصك وجهه فشجه فجعل يمسح الدم عن جبهته، ويقول: لقد وعظت يا ربيع فقام ودخل داره، ولم يخرج حتى أخرجت جنازته.
وقال بعض العرفاء: أقل من معرفة الناس فإنك لا تدري حالك يوم القيامة فإن تكن فضيحة كان من يعرفك قليلاً.
كانت الرباب بنت امرىء القيس إحدى زوجات الحسين بن علي رضي الله عنه وشهدت معه الطف وولدت منه سكينة ولما رجعت إلى المدينة خطبها أشراف قريش فأبت وقالت لا يكون لي حمو بعد ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبقيت بعده عليه السلام لم يظلها سقف، حتى ماتت كمداً عليه.
قال ابن الجوزي ي معراجه مخاطباً له: كان إبراهيم بن أدهم يحفظ البساتين، فجاءه يوماً جندي، وطلب منه شيئاً من الفاكهة، فأبى فضربه على رأسه بسوط، فطأطأ إبراهيم له رأسه وقال: اضرب رأساً طال ما عصى الله فعرفه الجندي وأخذ في الاعتذار إليه فقال إبراهيم: الرأس الذي يليق له الاعتذار تركته ببلخ.
قال رجل لسهل: أريد أن أصحبك فقال: إذا مات أحدنا فمن يصحبه الآخر، فليصحبه الآن.
قيل للفضيل: إن ابنك يقول: قد وددت أني في مكان أرى الناس ولا يروني فبكى الفضيل وقال: يا ويح ابني أفلا أتمها لا أراهم ولا يروني.
قال العارف الكاشي: عند قوله تعالى: " لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون " كل فعل يقرب صاحبه من الله فهو بر ولا يحصل التقرب إليه إلا بالتبري عما سواه؛ فمن أحب شيئاً فقد حجب عن الله تعالى وأشرك شركاً خفياً لتعلق محبته بغير الله سبحانه، كما قال تعالى: " ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله " وآثر به نفسه على الله فقد بعد من الله بثلاثة أوجه فإن آثر الله به على نفسه وتصدق به وأخرجه من يده فقد زال البعد وحصل القرب وإلا بقي محجوباً وإن أنفق من غيره أضعافه فما نال براً، لعلمه تعالى بما ينفق واحتجابه لغيره.
قال في الإحياء من كتاب العزلة وبيان فوائدها: الفائدة السادسة الخلاص من مشاهدة الثقلاء والحمقى ومقاساة خلقهم وأخلاقهم، فإن رؤية الثقيل هو العمى الأصغر. قيل للأعمش: لم عمشت عينك فقال: من النظر إلى الثقلاء. ويحكى: أنه دخل عليه أبو حنيفة، فقال له: جاء في الخبر من سلب الله كريمتيه عوضه عنهما ما هو خير منهما فما الذي عوضك؟ فقال في معرض المطايبة: عوضني عنهما أن كفاني رؤية الثقلاء وأنت منهم. لله در من قال:
أنست بوحدتي ولزمت بيتي ... فطاب الأنس لي وصفى السرور
وأدبني الزمان فلا أبالي ... بأني لا أزار ولا أزور
ولست بسائل ما عشت يوماً ... أسار الجند أم ركب الأمير
أبو الفتح البستي
ألم تر أن المرء طول حياته ... معنى بأمر لا يزال يعالجه
كدود كدود القز ينسج دائماً ... ويهلك غماً وسط ما هو ناسجه
قال بعض العباد: إجعل الآخرة رأس مالك، فما أتاك من الدنيا فهو ربح.

(1/3)


من كلام محمد بن الحنفية رضي الله تعالى عنه من كرمت عليه نفسه، هانت عليه دنياه.
ومن كلام بعضهم يا ابن آدم إنما أنت عدد، فإذا ذهب يوم ذهب بعضك.
وقع المأمون إلى عامل تظلم منه أنصف من وليت أمره وإلا أنصفه من ولي أمرك.
لبعض الأكابر: العجب ممن عرف ربه ويغفل عنه طرفة عين.
بوذر جمهر: أعلم الناس بالدنيا أقلهم منها تعجباً.
بعض الصوفية: لو قيل أي شيء أعجب عندك؟ لقلت قلب عرف الله ثم عصاه.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكون العبد من المتقين، حتى يدع ما لا بأس به.
عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: ما أرى شيئاً أضر بقلوب الرجال من خفق النعال وراء ظهورهم.
زار بعض العلماء بعض العباد: ونقل له كلاماً عن بعض معارفه، فقال له العابد: قد أبطأت في الزيارة وجئتني بثلاث جنايات، بغضت إلي أخي وشغلت قلبي الفارغ، واتهمت نفسك.
روى عبيد بن زرارة: عن الصادق جعفر بن محمد رضي الله عنه أنه قال: ما من مؤمن إلا وقد جعل الله له من إيمانه أنساً يسكن إليه حتى لو كان على قلة جبل لم يستوحش.
أوحى الله سبحانه إلى بعض أنبيائه: إن أردت لقائي غداً في حظيرة القدس، فكن في الدنيا غريباً. وحيداً محزوناً مستوحشاً كالطير الوحداني الذي يطير في الأرض المقفرة ويأكل من رؤوس الأشجار المثمرة فإذا كان الليل آوى إلى وكره ولم يكن للطير إلا استيناساً بي واستيحاشاً من الناس في التورية: من ظلم خرب بيته وقد ورد هذا في القرآن العزيز قوله تعالى: " فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا " .
أبو العتاهية
عش ما بدا لك سالماً ... في ظل شاهقة القصور
يسعى إليك بما اشتهيت ... لدى الرواح وفي البكور
فإذا النفوس تغرغرت ... في وقت حشرجة الصدور
فهناك تعلم موقناً ... ما كنت إلا في غرور
العاصمي
تسل فليس في الدنيا كريم ... يلوذ به صغير أو كبير
وربع المجد ليس له أنيس ... وحزب الفضل ليس لهم نصير
وقائلة أراك على حمار ... فقلت لأن سادتنا حمير
الشريف الرضي
ولقد وقفت على ديارهم ... وطلولها بيد البلى نهب
وبكيت حتى ضج من لغب ... نضوي وعج بعذلي الركب
وتلفتت عيني فمذ خفيت ... عني الطلول تلفت القلب
ابن بسام
ولقد صبرت على المكروه أسمعه ... من معشر فيك لولا أنت ما نطقوا
وفيك داريت قوماً لا خلاق لهم ... لولاك ما كنت أدري أنهم خلقوا
آخر
على هذه الأيام ما تستحقه ... فكم قد أضاعت منك حقاً مؤكدا
فلو أنصفت شادت محلك بالسها ... علواً وصاغت نعل نعلك عسجدا
آخر
يا مقلتي أنت التي ... أوقعتني في حبه
غرتك رقة خده ... ونسيت قسوة قلبه
قال أفلاطون: العشق قوة غريزية متولدة من وساوس الطمع وأشباح التخيل للهيكل الطبيعي، تحدث للشجاع جبناً وللجبان شجاعة وتكسو كل إنسان عكس طباعه.
وقال بعض الحكماء: الحسن مغناطيس روحاني لا يعلل جذبه للقلوب بعلة سوى الخاصية.
وقال بعضهم: العشق الهام شوقي أفاضه الله سبحانه على كل ذي روح ليتحصل له به ما لا يمكن حصوله له بغيره.
ذكر صاحب كتاب الأغاني في أخبار علوية المجنون: إنه دخل يوماً على المأمون وهو يرقص ويصفق بيديه ويغني بهذين البيتين:
عذيري من الإنسان لا إن جفوته ... صفا لي ولا إن صرت طوع يديه
وإني لمشتاق إلى ظل صاحب ... يروق ويصفو إن كدرت عليه
فسمع المأمون وجميع من حضر المجلس من المغنين وغيرهم ما لم يعرفوه واستطرفه المأمون وقال: ادن يا علوية وردده، فردده عليه سبع مرات فقال المأمون يا علوية خذ الخلافة وأعطني هذا الصاحب.

(1/4)


قال أبو نواس: دخلت خربة فرأيت قربة مملوءة ماء مستندة إلى حائط، فلما توسطت الخربة أبصرت نصرانياً وفوقه سقاء فلما رآني قام عن النصراني وأخذ قربته وهرب فقام النصراني غير وجل يشد سراويله في وجهي وهو يقول: يا أبا نواس إياك أن تلوم أحداً على مثل هذه الحال فإن لومك له إغراء قال فأخذت من كلامه قولي هذا دع عنك لومي فإن اللوم إغراء.
حدث عمرو بن سعيد قال: كنت في نوبتي في الحرس في أربعة آلاف إذ رأيت المأمون قد خرج ومعه غلمان صغار وشموع فلم يعرفني فقال: من أنت؟ فقلت عمرو عمرك الله، ابن سعيد أسعدك الله، ابن مسلم سلمك الله. فقال: أنت تكلؤنا منذ الليلة فقلت الله يكلؤك يا أمير المؤمنين وهو خير حافظاً وهو أرحم الرا حمين فتبسم من مقالي ثم قال:
إن أخا الهيجاء من يسعى معك ... ومن يضر نفسه لينفعك
ومن إذا ريب زمان صدعك ... بدد شمل نفسه ليجمعك
يا غلام أعطه أربع مائة فقبضتها وانصرفت.
قال المأمون ليحيى بن أكثم: ما العشق؟ فقال: سوانح تسنح للمرء يهيم بها قلبه وتتأثر بها نفسه فقال له ثمامة: اسكت يا يحيى إنما عليك أن تجيب في مسألة طلاق أو محرم صاد صيداً فأما هذه فمن مسائلنا فقال المأمون قل: يا ثمامة فقال: هو جليس ممنع وصاحب مالك مذاهبه غامضة وأحكامه جارية... يملك الأبدان وأرواحها. والقلوب وخواطرها. والعقول وألبابها. قد أعطي عنان طاعتها. وقوة تصريفها فقال له: أحسنت وأعطي ألف دينار.
قال في كتاب حياة الحيوان نقلاً عن ابن الأثير في كامل التاريخ في حوادث سنة ستمائة وثلاث وعشرون قال: كان لنا جار وله بنت اسمها صفية، فلما صار عمرها خمس عشرة سنة نبت لها ذكر وخرج لها لحية.
قال كاتب الأحرف: ونظير هذا ما أورده حمداً لله المستوفي في كتاب نزهة القلوب وأورده بعض المؤرخين أيضاً: أن بنتاً كانت في قمشة وهي من ولايات أصفهان فزوجت فحصل لها ليلة الزفاف حكة في عانتها ثم خرج لها في تلك الليلة ذكروانثيان وصارت رجلاً وكان ذلك في زمن السلطان الجايتو خدابنده ره.
كتب الصفي الحلي إلى بعض الفضلاء وقد بلغه أنه اطلع على ديوانه وقال لا عيب فيه سوى أنه خال عن الألفاظ الغريبة:
إنما الحيزبون والدردبيس ... والطخا والنقاح والعلطبيس
والغطاريس والشقحطب والسقعب ... والخربصيص والعيطموس
والحراجيج والعقنقس والعفلق ... والطرفسان والعسطوس
لغة تنفر المسامع منها ... حين تتلى وتشمئز النفوس
وقبيح أن يسلك النافر ... منها ويترك المأنوس
إن خير الألفاظ ما طرب ... السامع منه وطاب فيه الجليس
أين قولي هذا كثيب قديم ... ومقالي عفقل قدموس
لم نجد شادناً يغني قفا نبك ... على العود إذ تدار الكؤوس
أتراني إن قلت للحب يا علق ... درى أنه العزيز النفيس
أو تراه يدري إذا قلت خب ... العير أن أقول سار العيس
درست هذه اللغات وأضحى ... مذهب الناس ما يقول الرئيس
إنما هذه القلوب حديد ... ولذيذ الألفاظ مغناطيس
بعض الأكابر
جميع الكتب يدرك من قراها ... ملال أو فتور أو سآمة
سوى هذا الكتاب، فإن فيه ... بدايع لا تمل إلى القيامة
قال المحقق الزركشي في شرحه على تلخيص المفتاح الذي سماه مجلي الأفراح وهو كتاب ضخم يزيد على المطول وقفت عليه في القدس الشريف سنة تسعمائة واثنان وتسعون وهذه عبارته: اعلم أن الألف واللام في الحمد قيل: للاستغراق وقيل: لتعريف الجنس، واختاره الزمخشري ومنع كونها للإستغراق، قيل: وهي نزعة اعتزالية، ويشبه أن يقال في تبيين مراد الزمخشري: أن المطلوب من العبد إنشاء الحمد، لا الإخبار به، وحينئذ يستحيل كونها للاستغراق إذ لا يمكن للعبد أن ينشىء جميع المحامد منه ومن غيره، بخلاف كونها للجنس.

(1/5)


ومن الكتاب المذكور في بحث اللف والنشر ما صورته: قال الزمخشري في قوله تعالى " ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله " ، قال: هذا من باب اللف وترتيبه ومن آياته منامكم وابتغاؤكم من فضله بالليل والنهار إلا أنه فصل بين القرينتين الأوليين بالقرينتين الأخيرتين، لأنهما زمانان، والزمان والواقع فيه كشيء واحد، مع إعانة اللف على الإتحاد، ويجوز أن يراد منكم في الزمانين وابتغاؤكم فيهما، والظاهر الأول لتكرره في القرآن. أقول: ما ذكره الزمخشري مشكل من جهة الصناعة، لأنه إذا كان المعنى ما ذكره يكون النهار معمول ابتغاؤكم وقد تقدم عليه وهو مصدر، وذلك لا يجوز. ثم يلزم العطف على معمولي عاملين، فالتركيب لا يسوغ.
الشيخ الرئيس أبو علي ابن سينا صنف رسالة في العشق أطنب فيها المقال، وذكر فيها: أن العشق لا يختص بنوع الإنسان، بل هو سار في جميع الموجودات من الفلكيات والعنصريات والمواليد الثلاث المعدنيات والنباتات والحيوان.
كان لبهرام جور ولد واحد، وكان ساقط الهمة دني النفس، فسلط عليه الجواري والقيان الحسان حتى عشق واحدة، فلما علم الملك بذلك قال لها: تجني عليه وقولي له: أنا لا أصلح إلا لعالي الهمة أبي النفس، فترك الولد ما كان عليه حتى ولي الملك وهو من أحسن الملوك رأياً وشهامة.
ابن خفاجة
لقد جبت دون الحي كل تنوفة ... يحوم بها نسر السماء على وكر
وخضت ظلام الليل يسود فحمه ... ودست عرين الليث ينظر عن جمر
وجئت ديار الحي والليل مطرق ... ينمنم ثوب الأفق بالأنجم الزهر
أشيم بها برق الحديد وربما ... عثرت بأطراف المثقفة السمر
فلم ألق إلا صعدة فوق لامة ... فقلت قضيب قد أطل على نهر
ولا شمت إلا غرة فوق أشقر ... فقلت حباب يستدير على خمر
وسرت وقلب البرق يخفق غيرة ... هناك وعين النجم تنظر عن شزر
ابن العفيف التلمساني
تحرش الطرف بين الجد واللعب ... أفنى المدامع بين الحزن والطرب
كم ذا اردد في أرض الحمى قدمي ... تردد الشك بين الصدق والكذب
كأنني لم أعرس في مضاربها ... ولم أحط بها رحلي ولا قتبي
ولم أغازل فتاة الحي مأيسة ... في روضها بين در الحلي والذهب
تبدي النفار دلالاً وهي آنسة ... يا حسن معنى الرضا في صورة الغضب
البيت الأخير من هذه الأبيات يحوم حول قول العارف السامي الشيخ نظامي في كتاب خسرو وشيرين:
لكاتب الأحرف
وثورين حاطا بهذا الورى ... فثور الثريا وثور الثرى
ومن تحت هذا ومن فوق ذا ... حمير مسرحة في قرى
ملخص من كتاب الأغاني لأبي الفرج الإصفهاني من المجلد الخامس منه وهو مما وقفت عليه في القدس الشريف: أعشى همدان هو عبد الرحمن بن عبد الله بينه وبين همدان ثلاثة عشر أباً وهمدان بن مالك ابن زيد بن نزار بن واثلة بن ربيعة بن الجبار بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشخب بن يعرب بن قحطان.
وكان الأعشى شاعراً فصيحاً، وهو زوج أخت الشعبي الفقيه والشعبي زوج أخته وكان ممن خرج على الحجاج وحاربه مرات فظفر به وأتي به أسيراً فقال له الحجاج: الحمد لله الذي أمكنني منك، ألست القائل كذا؟ ألست العامل كذا؟ وذكر له أبياتاً كان قد قالها في هجو الحجاج وتحريض الناس على قتاله، ثم قال له ألست القائل:
وأصابني قوم وكنت أصبتهم ... فاليوم أصبر للزمان وأعرف
وإذا تصبك من الحوادث نكبة ... فاصبر فكل غيابة تتكشف
أما والله لتكونن نكبة لا تتكشف غيابتها عنك أبداً يا حرسي اضرب عنقه فضربت عنقه وكان قد أسر مدة في بلاد الديلم ثم إن بنتاً للعلج الذي كان أسره أحبته وصالت إليه ليلاً ومكنته من نفسها فأصبح وقد واقعها ثمان مرات، فقالت له: يا معشر المسلمين أهكذا تفعلون بنسائكم، فقال: نعم، فقالت: هذا هو العمل الذي به نصرتم. ثم قالت: أفرأيت أن خلصتك أتصطفيني لنفسك؟ فقال: نعم وعاهدها فلم كان الليل حلت قيوده وأخذت به طريقاً تعرفها وهربت معه، فقال في ذلك شاعر من أسراء المسلمين:

(1/6)


فمن كان يفديه من الأسر ماله ... فهمدان يفديها الغدة ايورها
الصفي الحلي
ما ملت عن العهد وحاشاي أمين ... بل كنت على البعد قوياً وأمين
لا تحسبني إذا قسي الهجر ألين ... بل لو كشف الغطاء ما ازددت يقين
الفاضل الأديب جمال البلغاء علي بن الحسين المغربي والمصرع الأول هذيان جرى على لسانه وهو محموم.
درن درن درن دبي ... أنا علي بن الحسين المغربي
سناجقي تهيئي عساكري تأهبي ... ها قد ركبت للمسير في البلاد فاركبي
أنا الذي أسد الشرى ... في الحرب لا تجفل بي
إذا تمطيت وفرقعت عليهم ذنبي ... أنا امرؤ أنكر ما يعرف أهل الأدب
ولي كلام نحوه ليس كنحو العرب ... يصانع الفرآء في النحو بجلد الثعلب
ونقصد التثليث في نتف سال قطرب ... فإن سألت مذهبي فذاك خير مذهب
آكل ما أحبه ورغبتي في الطيب ... وألبس القطن ولا أكره لبس القصب
وليس عشقي مثل عشق الجاهل الغرالغبي ... أحب من يحبني لا من غدا معذبي
وكل قصدي خلوة أكون فيها مع صبي ... فنجتلي بنت الكروم أو بني العنب
ونبتذي نأخذ في الشكوى وفي التعتب ... حتى إذا ما جادلي برشف ذاك الشنب
حكمته في الرأس إذ حكمني في الذنب ... ونلت ما أرومه منه ببذل الذهب
هذا هو المذهب إن ... سألتني عن مذهبي
ما أنا ذا ترفض كلا ولا تنصب ... ولا هوى نفسي في الجدال والتعصب
ولا جلست جاثياً في الجمع فوق الركب ... بين امرىءٍ مصدق وآخر مكذب
كلا ولا فاخرت بالنفس ولا بالنسب ... ما قلت قط ها أنا ولم أقل كان أبي
ولم أزاحم أحداً على علو منصب ... ولا دخلت قط في عمري بيت الكتب
كلا ولا كررت درسي في ظلام غيهب ... ولا عرفت النحو غير الجر بالمنتصب
كلا ولا اجتهدت في حفظ لغات العرب ... ولا عرفت من عروض الشعر غير السبب
ولا بحثت منه في المجتث والمقتضب ... كلا ولا اشتغلت بالنجوم والتطبب
وليس في المنطق والحكمة أضحى إربي ... وأين مني البحث في البسيط والمركب
والسحر ما عرفته معرفة المجرب ... ولا ربطت ضفدع الماء بصوف الأرنب
ولا كتبت اسم من أهوى بماء الطحلب ... ولا سحرت باللبان مع قشور المحلب
ولا طلبت السيمياء من فتى يسخر بي ... ولست آتي قط في فصل الشتا بالرطب
والكيمياء لم أكن أنفق فيها نشبي ... وليس في التقطير والتكليس أضحى تعبي
ولا طمعت في المحال قط مثل أشعب ... كلا ولا مخرقت للناس لأجل الطلب
ولا ضربت مندلاً لجاهل يمر بي ... ولا حملت طاسة أقرعها بالغضب
كلا ولا أظهرت في المندل رأس قهرب ... ولا دعوت الشيصبان دعوة لم يجب
كلا ولا ذكرته عهد سليمان النبي ... ولم أقل لامرأة في حلقتي قومي اذهبي
ولم أقل بينكم ابن الزنا مخيب ... أريد أن أطرده عني إلى ذي لعب
أوهمهم كيلا يروح جمعهم في شعبي ... ولا كتبت الهذيان شهلب بن سهلب
في كاغد بأحمر وأسود مكتب ... أقول هذا للسلاطين وأهل الرتب
يصلح للمحبوس أو من قد غدا في كرب ... أرد يا قوم به مسافراً لم يؤب
كتبت فيه دعوة عن ذي العلى لم يجب ... والسر في طلسمه المبغض المحبب
ولا اتخذت حية لأجعلنها سببي ... أقول يا قوم انظروا عندي فنون العجب

(1/7)


قد سليبي لها رأس كرأس الأرنب ... قد كان قدماً صادها في بلد الغرب أبي
كلا ولا بعت المعاجين على الغر الغبي ... أقول أين طالب الباه وراخي العقب
هذا الذي يجعل متن أيره كالخشب ... كلا ولا خاطبتكم بلفظ أهل المغرب
أقول هذا مقصدي إليكم من يثرب ... وقد صحبت حاجة زارت معي قبر النبي
ولم أحدثكم بما لقيته من عجب ... وإنني سافرت في البحر لأجل المكسب
فعاندتنا حوتة تروم كسر المركب ... حتى إذا ما غرق المركب بالتقلب
طفوت فوق ساحة وذو العلى يلطف بي ... ولاح لي جزيرة تلوح مثل كوكب
لما وصلت أرضها بعد العنا والنصب ... صعدت أوعى في رياض أرضها والعشب
أصطاد في صيد طيور أرضها بالقصب ... آكل من ثمارها ما طعمه كالرطب
ومشربي من مائها العذب النمير الطيب ... بينا أنا في صعدٍ من أرضها أو صبب
لقيت شيخاً جالساً في ظل كرم العنب ... لوح لي بكفه يعني به تقرب
فرحت أمشي نحوه أنظر ما يريد بي ... فسلم الشيخ سلام مؤذن بالرحب
وقال لي اجلس بكلام لفظ غير العرب ... لما هممت بالجلوس صار فوق منكبي
مطوقي منه بساقات بغير ركب ... طويلة مثل السيور أو حبال القنب
ولكاتب الأحرف وهو مما كتبته إلى بعض الأصحاب وكان في المشهد الأقدس الرضوي رضي الله عنه:
يا ريح إذا أتيت أرض الجمع ... أعني طوس فقل لأهل الربع
ما حل بروضةٍ بهائيكم ... إلا وسقى رياضها بالدمع
ولكاتب الأحرف وهو مما كتبته إلى بعض الإخوان بالنجف الأشرف:
يا ريح إذا أتيت أرض النجف ... فالثم نائباً ترابها ثم قف
واذكر خبري لدى عريبٍ نزلوا ... واديه وقص قصتي وانصرف
الصفي الحلي
قيل إن العقيق قد يبطل الس ... حر بتختيمه لسر حقيقي
وأرى مقلتيك تنفث سحراً ... وعلى فيك خاتم من عقيق
وله وقد أشرف على المدينة المشرفة صلى الله على ساكنها:
هذه قبة مولاي وأقصى أملي ... أوقفوا المحمل كي ألثم خفي جملي
مما كتبت إلى والدي طاب ثراه وهو في الهراة سنة تسعمائة وتسع وثمانون:
يا ساكني أرض الهراة أما كفى ... هذا الفراق بلى وحق المصطفى
عودوا علي فربع صبري قد عفا ... والجفن من بعد التباعد ما غفى
وخيالكم في بالي والقلب في بلبال
إن أقبلت من نحوكم ريح الصبا ... قلنا لها أهلاً وسهلاً مرحبا
وإليكم قلب المتيم قد صبا ... وفراقكم للروح منه قد سبا
والقلب ليس بخالي من حب ذات الخال
يا حبذا ربع الحمى من مربع ... فغزاله شب الغضا في أضلعي
لم أنسه يوم الفراق مودعي ... بمدامع تجري وقلب موجع
والصبر ليس بسالي عن ثغره السلسال
لكاتب الأحرف
إن هذا الموت يكرهه ... كل من يمشي على الغبرا
وبعين العقل لو نظروا ... لرأوا الراحة الكبرى
وله لما حج البيت الحرام وشاهد تلك المشاعر العظام.
يا قوم على مكة هذه أنا ضيف ... ذي زمزم ذي منى وهذا الخيف
كم أعرك عيني لأستيقن هل ... في اليقظة ما أراه أم هذا طيف
مما سمح به الطبع الجامد فيها بين حلب وآمد عند هبوب الرياح في وقت الصباح
مما أنشده الشبلي
خليلي إن دام هم النفوس ... على ما تراه قليلاً قتل
فيا ساقي القوم لا تنسني ... ويا ربة الخدر غني رمل
لقد كان شيء يسمى السرور ... قديماً سمعنا به ما فعل
من كلام بعض أصحاب القلوب: إنما بعث يوسف على نبينا وعليه السلام قميصه من مصر إلى أبيه، لأنه كان سبب ابتداء حزنه لما جاءوا به جاءوا به ملطخاً بالدم، فأحب يوسف أن يكون فرحه من حيث كان حزنه.

(1/8)


قال الحسن بن سهل للمأمون: نظرت في لذات الدنيا فرأيتها مملولة خلا سبعة، خبز الحنطة ولحم الغنم والماء البارد، والثوب الناعم والرايحة الطيبة والفراش الوطيء والنظر إلى الحسن من كل شيء، فقال له: فأين أنت عن محادثة الرجال. قال: صدقت هي أولاهن.
قريب من هذا قول الرضي رحمه الله
سهم أصاب وراميه بذي سلم ... من بالعراق لقد أبعدت مرماك
آخر
بيض حرائر ما هممن بريبة ... كظباء مكة صيدهن حرام
يحسبن من لين الحديث زوانياً ... ويصدهن عن الخنا الإسلام
للتهامي
هل أعارت خيالك الريح سيرا؟ ... فهو يغدو شهراً ويرتاح شهرا
زارني في دمشق من أرض نجد ... لك طيف سرى تفكك أسرى
وأراد الخيال لثمي فصيرت ... لثامي دون المراشف سترا
واختلسنا ظبآ نجد بأرض الشام ... بعد الرقاد بدراً فبدرا
فاصرفي في الكأس من رضا بك عني ... حاش لله أن أرشف خمرا
قد كفاني الخيال منك ولو ... زرت لأصبحت مثل طيفك ذكرا
وللتهامي
هي البدر لكن تستر مدى الدهر ... وكان سرار البدر يومين في الشهر
هلالية نيل الأهلة دونها ... وكل نفيس القدر ذو مطلب وعر
لها سيف طرف لا يزايل جفنه ... ولم أر سيفاً قط في جفنه يفري
ويقصر ليلي إن ألمت لأنها ... صباح وهل لليل بقيامع الفجر
أقول لها والعيس تحدج للنوى ... أعدي لبعدي ما استطعت من الصبر
سأنفق ريعان الشبيبة دائباً ... على طلب العلياء أو طلب الأجر
أليس من الخسران أن ليالياً ... تمر بلا نفعٍ وتحسب من عمري
وله من أبيات يرثي بها ولده
أتى الدهر من حيث لا أتقي ... وخان من السبب الأوثق
فقل للحوادث من بعده ... أسفي بمن شئت أو حلقي
أمنتك لم يبق لي ما أخاف ... عليه الحمام ولا أتقي
وقد كنت أشفق مما دهاه ... فقد سكنت لوعة المشفق
ولما قضى دونه أترابه ... تيقنت أن الردى ينتقي
يعز على حاسدي أنني ... إذا طرق الخطب لم أطرق
وإني طود إذا صادمته ... رياح الحوادث لم تقلق
وله أيضاً
هل الوجد إلا أن تلوح خيامها ... فيقضي بأهداء السلام زمامها
وقفت بها أبكي فترزم أنيقي ... وتصهل أفراسي ويدعو حمامها
ولو بكت الورق الحمائم شجوها ... بعيني محى أطواقهن انسجامها
وفي كبدي أستغفر الله غلة ... إلى بردتيني عليه لثامها
وبرد رضاب سلسل غير أنه ... إذا شربته النفس زاد هيامها
فيا عجباً من غلة كلما ارتوت ... من السلسبيل العذب زاد ضرامها
خليلي هل يأتي مع الطيف نحوها ... سلامي كما يأتي إلي سلامها
ألمت بنا في ليلة مكفهرة ... فما سفرت حتى تجلى ظلامها
فأبصر مني الطيف نفساً أبية ... تيقظها عن عفة ومنامها
إذا كان حظي حيث حل خيالها ... فسيان عندي نأيها ومقامها
وهل نافعي أن يجمع الله بيننا ... بكل مكانٍ وهو صعب مرامها
أرى النفس تستحلي الهوى وهو حتفها ... بعيشك هل يحلو لنفس حمامها
أسيدتي رفقاً بمهجة عاشقٍ ... يعذبها بالبعد عنك غرامها
لك الخير جودي بالجمال فإنه ... سحابة صيف ليس يرجى دوامها
الفاضل المحقق أبي السعود أفندي صاحب التفسير والمفتي بقسطنطنية:
أبعد سليمى مطلب ومرام ... وغير هواها لوعة وغرام
وفوق حماها ملجأ ومثابة ... ودون زراها موقف ومرام

(1/9)


وهيهات أن يثنى إلى غير بابها ... عنان المطايا أو يشد حزام
هي الغاية القصوى فإن فات نيلها ... فكل مني الدنيا على حرام
محوت نقوش الجاه عن لوح خاطري ... فأضحى كأن لم يجر فيه قلام
آنست بلأواء الزمان وذله ... فيا عزة الدنيا عليك سلام
إلى كم أعاني تيهها ودلالها؟ ... ألم يأن عنها سلوة وسآم
وقد أخلق الأيام جلباب حسنها ... فأضحت وديباج البهاء رمام
على حين شيب قد ألم بمفرقي ... وعاد دهام الشعر وهو ثغام
طلائع ضعف قد أغارت على القوى ... وثار بميدان المزاج قتام
فلا هي في برج الجمال مقيمة ... ولا أنا في عهد المجون مدام
تقطعت الأسباب بيني وبينها ... ولم يبق فينا نسبة ولئام
وعادت قلوص العزم عنها كليلة ... وقد جب منها غارب وسنام
كأني بها والقلب زمت ركابه ... وقوض أبيات له وخيام
وسيقت إلى دار الخمول حمولة ... يحن إليها والدموع رهام
حنين عجول غرها البو فانثنت ... إليه وفيها أنة وضغام
تولت ليال للمسرات وانقضت ... لكل زمان غاية وتمام
فسرعان ما مرت وولت وليتها ... تدوم ولكن ما لهن دوام
دهور تقضت بالمسرة ساعة ... ويوم تولى بالمسائة عام
فلله در الغم حيث أمدني ... بطول حياة والغموم سهام
أسيح بتيهاء التحير مفرداً ... ولي مع صحبي عشرة وندام
وكم عشرة ما أورثت غير عسرة ... ورب كلام في القلوب كلام
فما عشت لا أنسى حقوق صنيعة ... وهيهات أن ينسى لدي ذمام
كما اعتاد أبناء الزمان وأجمعت ... عليه فئام إثر ذاك فئام
خبت نار أعلام المعارف والهدى ... وشب لنيران الضلال ضرام
وكان سرير العلم صرحاً ممرداً ... يناغي القباب السبع وهي عظام
متيناً رفيعاً لا يطار غرابه ... عزيزاً منيعاً لا يكاد يرام
يلوح سنا برق الهدى من بروجه ... كبرق بدا بين السحاب تسام
فجرت عليه الراسيات ذيولها ... فخرت عروش منه ثم دعام
وسيق إلى دار المهانة أهله ... مساق أسير لا يزال يضام
كذا تحكم الأيام بين الورى على ... طرائق منها جائر وتوام
فما كل قيل قيل علم وحكمة ... وما كل أفراد الحديد حسام
وللدهر ثارات تمر على الفتى ... نعيم وبؤس صحة وسقام
ومن يك في الدنيا فلا يعتبنها ... فليس عليها معتب وملام
أجدك ما الدنيا وما ذا متاعها ... وما ذا الذي تبغيه فهو حطام
تشكل فيها كل شيء بشكل ما ... يعانده والناس عنه نيام
ترى النقص في زي الكمال كأنما ... على رأس ربات الحجال عمام
فدعها وما فيها هنيئاً لأهلها ... ولا تك فيها رغبة وسوام
يعاف العرانين السماط على الخوى ... إذا ما تصدى للطعام طغام
على أنه لا يستطاع منالها ... لما ليس فيها عروة وعصام
ولو أنت تسعى إثرها ألف حجة ... وقد جاوز الطيبين منك حرام
رجعت وقد ضلت مساعيك كلها ... بخفي حنين لا تزال تلام
هب أن مقاليد الأمور ملكتها ... ودانت لك الدنيا وأنت همام
ومتعت باللذات دهراً بغبطة ... أليس بحتم بعد ذاك حمام؟

(1/10)


فبين البرايا والخلود تباين ... وبين المنايا والنفوس لزام
قضية إنقاد الأنام لحكمها ... وما حاد عنها سيد وغلام
ضرورية تقضي العقول بصدقها ... سل إن كان فيها مرية وخصام
سل الأرض عن حال الملوك التي خلت ... لهم فوق فرق الفرقدين مقام
بأبوابهم للوافدين تراكم ... بأعتابهم للعاكفين زحام
تحبك عن أسرار الشؤون التي جرت ... عليهم جواباً ليس فيه كلام
بأن المنايا أقصدتهم تبابها ... وما طاش عن مرمى لهن سهام
وسيقوا مساق الغابرين إلى الردى ... وأقفر منهم منزل ومقام
وحلوا محلاً غير ما يعبدونه ... فليس لهم حتى القيام قيام
ألم بهم ريب المنون فغالهم ... فهم تحت أطباق الرغام رغام
هذا آخر ما انتخبته منها وهي اثنان وتسعون بيتاً في غاية الجودة ونهاية السلاسة
أيضاً لكاتب الأحرف قالها على لسان الحال
أنا الفقير المعنى ذو رقة وحنين ... للناس طراً خدوم إذ هم استخدموني
يعلو مقامي قدراً إذا هم لمسوني ... ولست أسلو هواهم يوماً ولو قطعوني
هذا ومن سوء حظي وكسرتي وشجوني ... أن لست أذكر إلا عقيب رفع الصحون
من كلامهم الوقت سيف قاطع وقد نظم هذا المضون بعضهم بالفارسية وأظنه الجامي قال الزمخشري عند قوله تعالى: " إن كيدكن عظيم " استعظم كيد النساء لأنه وإن كان في الرجال أيضاً إلا أن النساء ألطف كيداً وأنفذ حيلة، ولهن في ذلك رفق ثم قال: والقصيرات منهن معهن ما ليس مع غيرهن من البوايق وعن بعض العلماء أنه قال أنا أخاف من النساء أكثر مما أخاف من الشيطان لأنه سبحانه يقول إن كيد الشيطان كان ضعيفاً وقال سبحانه في النساء " إن كيدكن عظيم " إذا قيل كم يحصل من تركيب حروف المعجم كلمة ثنائية سواء كانت مهملة أو مستعملة بشرط أن لا يجتمع حرفان من جنس واحد، فاضرب ثمانية وعشرين في سبعة وعشرين فالحاصل جواب.
فإن قيل كم يتركب منها كلمة ثلاثية بشرط أن لا يجتمع حرفان من جنس واحد فاضرب ثمانية وعشرين في سبعة وعشرين ثم المبلغ في ستة وعشرين يكن تسعة عشر ألفاً وستمائة وستة وخمسين. وإن سأل عن الرباعية فاضرب هذا المبلغ في خمسة وعشرين والقياس فيه يطرد في الخماسي فما فوقه.
ربما يستعلم مساحة الأجسام المشكلة المساحة كالفيل والجمل بأن يلقى في حوض مربع ويعلم الماء ثم يخرج منه ويعلم أيضاً ويمسح ما نقص فهو المساحة تقريباً.
كان يحيى بن معاذ كثيراً ما يقول أيها العلماء إن قصوركم قيصرية وبيوتكم كسروية ومراكبكم قارونية وأوانيكم فرعونية وأخلاقكم نمرودية وموائدكم جاهلية ومذاهبكم سلطانية فأين المحمدية صلى الله عليه وسلم؟!
القاضي أبو الحسن في الغيم والبرق
من أين للعارض الساري تلهبه؟ ... وكيف طبق وجه الأرض صيبه؟
هل استعار جفوني فهي تنجده ... أم استعان فؤادي فهو يلهبه
لبعضهم
لله أيام تقضت لنا ... ما كان أحلاها وأهناها
مرت فلم يبق لنا بعدها ... شيء سوى أن نتمناها
قبة الشافعي قبة عظيم البناء، واسعة الفضاء قصدت زيارتها، في هذه السنة وهي سنة تسعمائة واثنان وتسعون وفي رأس ميل القبة سفينة صغيرة من حديدة، وأنشد بعض الشعراء لما زار القبة ورأى ذلك الميل والسفينة في رأسه:
قبة مولاي قد علاها ... لعظم مقدارها السكينة
لو لم يكن تحتها بحار ... ما كان من فوقها سفينة
الشافعي
تحكموا فاستطالوا في تحكمهم ... عما قليل كأن الحكم لم يكن
لو أنصفوا أنصفوا لكن بغوا فبغى ... عليهم الدهر بالأحزان والمحن
فأصبحوا ولسان الحال ينشدهم ... هذا بذاك ولا عتب على الزمن
لغيره
ولا كم مذهبي والحب منهاجي ... فهل المنهاج هذا الصب منهاجي

(1/11)


يا سادة لا أداجي في محبتهم ... لو قطعوا بسيوف الصد أوداجي
لي في حمى ربعكم بالرقمتين رشا ... عني غني وإني أي محتاج
لما تجلى انجلى من نور طلعته ... ليل الدجى بسراج منه وهاج
عن الرضا رضي الله عنه وقد ذكره عنده عرفة والمشعر فقال ما وقف أحد بتلك الجبال إلا استجيب له فأما المؤمنون فيستجاب لهم في آخرتهم، وأما الكفار فيستجاب لهم في دنياهم.
قيل لابن المبارك إلى كم تكتب؟ فقال: لعل الكلمة التي تنفعني لم أكتبها بعد.
قال ابن الجوزي في كتاب صفوة الصفوة في حوادث سنة، ستمائة وخمس وأربعون في هذه السنة وقع الطاعون الجارف بالبصرة، وكان مدة الطاعون أربعة أيام، فمات في اليوم الأول سبعون ألفاً، وفي اليوم الثاني أحد وسبعون ألفاً، وفي اليوم الثالث ثلاثة وسبعون ألفاً، وأصبح الناس في اليوم الرابع موتى إلا آحاداً.
عن عبد الله قال: خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطاً مربعاً وخط وسطه خطاً خارجاً منه وخط خطوطاً صغاراً إلى جنب الخط وقال أتدرون ما هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم قال: هذا الإنسان الخط الذي في الوسط، وهذا الأجل محيط به، وهذه الخطوط الصغار الأعراض التي حوله تنهشه إن أخطاه هذا نهشه هذا وإن أخطاه هذا نهشه هذا، وذلك الخط الخارج الأمل كان ابن الأثير مجد الدين أبو السعادات صاحب جامع الأصول والنهاية في غريب الحديث من أكابر الرؤساء محظياً عند الملوك، وتولى لهم المناصب الجليلة، فعرض له مرض في كف يديه ورجليه فانقطع في منزله وترك المناصب والاختلاط بالناس، وكان الرؤساء يغشونه في منزله فحضر إليه بعض الأطباء والتزم بعلاجه، فلما طببه وقارب البرء وأشرف على الصحة دفع إليه شيئاً من الذهب، وقال: امض بسبيلك، فلامه أصحابه على ذلك، وقالوا هلا أبقيه إلى حصول الشفاء فقال لهم إنني: متى عوفيت طلبت المناصب ودخلت فيها وكلفت قبولها وأما ما دمت على هذه الحالة فإني لا أصلح لذلك فأصرف أوقاتي في تكميل نفسي ومطالعة كتب العلم ولا أدخل معهم فيما يغضب الله ويرضيهم، والرزق لابد منه فاختار عطلة جسمه ليحصل له بذلك الإقامة على العطلة عن المناصب وفي تلك المدة ألف كتاب جامع الأصول والنهاية وغيرهما من الكتب المفيدة.
في تفسير النيشابوري عند قوله تعالى في سورة الجاثية: " وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون " ما صورته قال أبو يعقوب النهرجوري: سخر لك الكون وما فيه لئلا يسخرك منه شيء وتكون مسخراً لمن سخر لك الكل فمن ملكه شيء من الكون وأسرته زينة الدنيا وبهجتها فقد جحد نعمة الله وجعل فضله وآلاءه عنده إذ خلقه حراً من الكل عبداً لنفسه فاستعبد الكل ولم يشتغل بعبودية الحق بحال.
عن أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنه أن فقيراً أتى النبي صلى الله عليه وسلم وعنده رجل غني فكف الغني ثيابه عنه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما حملك على ما صنعت؟ أخشيت أن يلصق فقره بك أو يلصق غناك به؟! فقال يا رسول الله: إذا قلت هذا فله نصف مالي، فقال رسول الله للفقير: أتقبل منه قال: لا، قال: ولم؟ قال أخاف أن يدخلني ما دخله.

(1/12)


روى أنه كان في جبل لبنان رجل من العباد منزوياً عن الناس في غار في ذلك الجبل، وكان يصوم النهار ويأتيه كل ليلة رغفيف يفطر على نصفه ويتسحر بالنصف الآخر، وكان على ذلك الحال مدة طويلة لا ينزل من ذلك الجبل أصلاً، فاتفق أن انقطع عنه الرغيف ليلة من الليالي، فاشتد جوعه وقل هجوعه فصلى العشائين وبات في تلك الليلة في انتظار شيء يدفع به الجوع فلم يتيسر له شيء، وكان في أسفل ذلك الجبل قرية سكانها نصارى فعندما أصبح العابد نزل إليهم واستطعم شيخاً منهم فأعطاه رغيفين من خبز الشعير، فأخذهما وتوجه إلى الجبل وكان في دار ذلك الشيخ كلب جرب مهزول، فلحق العابد ونبح عليه وتعلق بأذياله فألقى عليه العابد رغيفاً من ذينك الرغيفين ليشتغل به عنه، فأكل الكلب ذلك الرغيف ولحق العابد مرة أخرى وأخذ في النباح والهرير فألقى إليه العابد الرغيف الآخر فأكله ولحقه تارة ثالثة واشتد هريره وتشبث بذيل العابد ومزقه فقال العابد سبحان الله! إني لم أر كلباً أقل حياءً منك إن صاحبك لم يعطني إلا رغيفين وقد أخذتهما مني ماذا تطلب بهريرك وتمزق ثيابي، فأنطق الله تعالى الكلب فقال: لست أنا قليل الحياء، إعلم أني ربيت في دار النصراني أحرس غنمه وأحفظ داره وأقنع بما يدفع إلي من خبز أو عظام، وربما نسيني فأبقى أياماً لا آكل شيئاً ربما تمضي أيام لا يجد هو لنفسه شيئاً ولا لي ومع ذلك لم أفارق داره منذ عرفت نفسي ولا توجهت إلى باب غيره، بل كان دأبي أنه إن حصل شيء شكرت وإلا صبرت، وأما أنت فبانقطاع الرغيف عنك ليلة واحدة لم يكن عندك صبر ولا كان لك تحمل حتى توجهت من باب رزاق العباد إلى باب نصراني وطويت كشحك عن الحبيب وصالحت عدوه المريب فقل أينا أقل حياءً أنا أم أنت؟ فلما سمع العابد ذلك ضرب بيديه على رأسه وخر مغشياً عليه مات لأبي الحسين بن الجزار حمار فكتب إليه بعض أصحابه
مات حمار الأديب قلت لهم ... مضى وقد فات فيه ما فاتا
من مات في عزه استراح ومن ... خلف مثل الأديب ما ماتا
فأجابه ابن الجزار
كم من جهول رآني ... أمشي لأطلب رزقا
فقال لي صرت تمشي ... وكل ماش ملقى
فقلت مات حماري ... تعيش أنت وتبقى
من كلا الأستاذ الأعظم الشيخ محمد البكري الصديقي خلدت أيام إفاداته وهو مما كتبته عنه بمصر المحروسة سنة اثنين وتسعين وتسعمائة.
بين أهل القلوب والحق حال ... هو سر يدق عنه المقال
ما لشخص إلى علاهم طريق ... لا ولا في الحديث عنهم مجال
احذر احذر أهل القلوب وسلم ... أمرهم إنهم فحول رجال
لا يكن منك ذرة بنكير ... فسيوف الأقوال منها صقال
وشباها يشب نار انتقام ... ليس يطفي لوقدها اشتعال
مرهفات بترتقد وتفري ... سلها فتية الوغى الأبطال
فإذا ما رأيت نكراً فأول ... ليزول الإنكار والإشكال
لا ترد وسعة المقال لحال ... رب حال يضيق عنه المقال
لو ترى القوم في الدياج سكارى ... وعليهم أديرت الجريال
كل بسط من بسطهم مستفاد ... كل عطف لسكرهم ميال
شاهدوا الحق من سرايا نفوس ... جل عن كشفها الرفيع منال
إنما العين بالحقيقة للعين ... تجلت فما هناك خيال
تحت أستار عزة وجلالٍ ... ما سواها جميعه أسمال
يا لقومي من سكرة بمدام ... ما لعقل الندمان منها خبال
هاتها هاتها على كل حال ... واسقنيها فما عليك مقال
لا تبالي لعاذل في هواها ... لم يذقها فقوله بطال
كل ذنب لشاربيها سماح ... وعشار لمحتسيها مقال
فشمال والكأس فيها يمين ... ويمين لا كأس فيها شمال
الذي بقسطنطنية من العمارات في يومنا هذا من تقرير بعض الثقات وخطه سنة تسعمائة واثنان وتسعون.
محلات حارات المسلمين

(1/13)


الجوامع مساجد الحارات - مكتب خانه - الأبنية العالية والخانقاهات - الزوايا التي فيها المشايخ والعباد - الخانات - العيون المبني عليها - المحال المعدة للوضوء - الفرون - مدارات الرحى - المواضع الوسيعة التي يجلب إليها أشياء - الحمامات.
حارات الكفار
النصارى. حارات اليهود - الكنايس - المنارات.
لما دنى موت الشبلي قال بعض الحاضرين وهو محتضر أيها الشيخ قل لا إله إلا الله فأنشد الشبلي:
إن بيتاً أنت ساكنه ... غير محتاج إلى السرج
كتب ابن دقيق إلى ابن نباتة في سفره:
كم ليلة فيك وصلنا السرى ... لا نعرف الغمض ولا نستريح
واختلف الأصحاب ما ذا الذي ... يزيل من شكويهم أو يريح
فقيل تعريسهم ساعة ... وقيل بل ذكراك وهو الصحيح
فأجابه ابن نباتة
في ذمة الله وفي حفظه ... مسراك والعود بعزم نجيح
لو جاز أن تسلك أجفاننا ... إذاً فرشنا كل جفن قريح
لكنها بالبعد معتلة ... وأنت لا تسلك إلا الصحيح
الشيخ محمد البكري الصديقي وهو ما كتبته عنه بمصر المحروسة.
شربنا قهوة من قشر بن ... تعين على العبادة للعباد
حكت في كف أهل اللطف صرفاً ... زباداً زائباً وسط الزباد
سئل محمد بن سيرين عن الرجل يقرأ عليه القرآن فيصعق، فقال: ميعاد بيننا وبينه أن يجلس على حايط ثم يقرأ عليه القرآن من أوله إلى آخره فإن سقط فهو كما قال لله در من قال:
لو كنت تعلم ما أقول عذرتني ... أو كنت أعلم ما تقول عذلتكا
لكن جهلت مقالتي فعذلتني ... وعلمت أنك جاهل فعذرتكا
قال كثير من المفسرين عند قوله تعالى بسم الله: إن لفظ اسم يمكن أن يكون مقحماً كما في قول لبيد وقد بلغ مائة وخمسة وأربعين سنة وهو القائل:
ولقد سئمت من الحياة وطولها ... وسؤال هذا الناس كيف لبيد؟
ولما احتضر قال يخاطب ابنتيه
تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما ... وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر
فقوما وقولا بالذي تعلمانه ... ولا تخمشا وجهاً ولا تحلقا شعر
وقولا هو المرؤ الذي لا صديقه ... أضاع ولا خان الخليل ولا غدر
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولاً كاملاً فلقد عذر
ونازع في بعض فضلاء العربية وقال: لو جاز إقحام الاسم، لجاز أن يقول: ضربت اسم زيد وأكلت اسم الطعام ثم قال: والحق أن السلام اسم من أسماء الله تعالى والكلام إغراء والمعنى الزما اسم الله تعالى فكأنه قال عليكما بسم الله وتقدم المغرى به ورد في اللغة.
قال الراجز يا أيها الماتح دلوي دونكا أي دونك دلوي أو يقال: إن المراد اسم الله حفيظ عليكما كما يقول الناظر إلى شيء يعجبه: اسم الله عليه يعوذه بذلك من السوء. ملخص من حاشية السيوطي على البيضاوي.
قال في حياة الحيوان عند ذكر الحجل إن بعض مقدمي الأكراد حضر على سماط بعض الأمراء، وكان على السماط حجلتان مشويتان فنظر الكردي إليهما وضحك فسأله الأمير عن ذلك فقال: قطعت الطريق في عنفوان شبابي على تاجر، فلما أردت قتله تضرع فما أفاد تضرعه فلما رآني أقتله لا محالة التفت إلى حجلتين كانتا في الجبل، فقال: اشهدا عليه أنه قاتلي، فلما رأيت هاتين الحجلتين تذكرت حمقه، فقال الأمير قد شهدتا ثم أمر بضرب عنقه.
لبعضهم
إن الوجود وإن تعدد ظاهراً ... وحياتكم ما فيه إلا أنتم
أنتم حقيقة كل موجود بدا ... ووجود هذي الكائنات توهم
في باطني من حبكم ما لو بدا ... أفتى بسفك دمي الذي لا يعلم
نعمتموني بالعذاب وحبذا ... صب بأنواع العذاب لينعم
لبعض أصحاب الشهود أظنه شيخ محيي الدين:
لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي ... إذا لم يكن ديني إلى دينه داني
فقد صار قلبي قابلاً كل صورة ... فمرعى لغزلان وديراً لرهبان
وبيتاً لأوثان وكعبة طائف ... وألواح تورية وأوراق قرآن
أدين بدين الحب أنى توجهت ... ركائبه أرسلت ديني وإيماني
غيره

(1/14)


قال لي العاذل في حبه ... وقوله زور وبهتان
ما وجه من أحببته قبلة ... قلت ولا قولك قرآن
آخر
أعظم ما لاقيته ... من معضلات الزمن
وجه قبيح لامني ... في حب وجه حسن
البدر البشتكي
وقالوا يا قبيح الوجه تهوى ... مليحاً دونه السمر الرشاق
فقلت وهل أنا إلا أديب ... فكيف يفوتني هذا الطباق
النواجي
غالطني اللاحي على ... من هممت فيه وعذل
وقال يحكي وجهه ... بدر الدجى قلت أجل
في التضمين لبعضهم
إن كنت تعجز أن تفوه بوصفه ... حسناً ومثلك من يفوق قريضه
سل عن سواد الشعر نرجس طرفه ... يخبرك بالليل الطويل مريضه
ابن الخراط في غلام على خده ثلاث خالات كنقط الشين:
في خده الروضي لا تحسبوا ... ثلاث شامات بدت عن حقيق
بل كاتب الحسن على خده ... نقط بالعنبر شين الشقيق
لكاتب الأحرف
يا بدر دجى خياله في بالي ... مذ فارقني وزاد في بلبالي
أيام نواك لا تسل كيف مضت ... والله مضت بأسوء الأحوال
وله
يا عاذل كم تطيل في أتعابي ... دع لومك وانصرف كفاني ما بي
لا لوم إذا همت من الشوق فما ... ذاق قلبي فرقة الأحباب
مما كتبته إلى الهراة إلى والدي طاب ثراه من قزوين سنة تسعمائة وواحد وثمانين.
بقزوين جسمي وروحي ثوت ... بأرض الهراة وسكانها
وهذا تغرب عن أهله ... وتلك أقامت بأوطانها
القيراطي
لم يبك حين بكيت من ... هجرانه متحسرا
لكن حكى لك خده ... المصقول صورة ما جرى
جمال العارفين الشيخ محيي الدين بن عربي.
مرضي من مريضة الأجفان ... عللاني بذكرها عللاني
شدت الورق في الرياض وناحت ... شجو هذا الحمام مما شجاني
يا خليلي عرجا بعناني ... لأرى رسم دارها بعياني
وإذا ما بلغتما الدار حطا ... وبها صاحباي فلتبكيان
وقفا بي على الطلول قليلاً ... نتباكى أو ابك مما دهاني
لو ترانا براته نتعاطى ... أكؤساً للهوى بغير بنان
والهوى بيننا يسوق حديثاً ... طيباً مرباً بغير لسان
لرأيتم ما يذهل العقل فيه ... يمن والشآم معتنقان
كذب الشاعر الذي قال قبلي ... وبأحجار عقله قد رماني
أيها المنكح الثريا سهيلاً ... عمرك الله كيف يلتقيان
هي شامية إذا ما استهلت ... وسهيل إذا استهل يماني
مطلب العارفين الصدق في العبودية والقيام بحقوق الربوبية.
أنشد الشيخ شمس الدين محمد الغالاتي لصاحبه شمس الدين المحلي المشهور بالسبع وقد غابت زوجته بإيهام أنها ذاهبة إلى الحمام، وبقيت ثمانية أيام وكان اسمها الست، أخرى اسمها رابعة:
بحق واحد بلا ثان منير الدمس ... طلق ثلاثة وخل رابعة بالخمس
ذي الست يا سبع غابت يوم ثامن أمس ... تسعى لغيرك فعاشر غيرها يا شمسي
ابن الوردي فيمن طال شعره إلى قدميه:
كيف أنسى جميل شعر حبيبي؟ ... وهو كان الشفيع في لديه
شعر الشعر أنه رام قتلي ... فرمى نفسه على قدميه
وله فيمن وصل شعره إلى ردفه:
ذوائبه تقول لعاشقيه ... قفوا وتأملوا قلقي وذوبوا
فإني قد وصلت إلى مكان ... عليه تحسد الحدق القلوب
الصنوبري
بالذي ألهم تعذيبي ثناياك العذابا ... والذي ألبس خديك من الورد نقابا
والذي صير حظي منك هجراً واجتنابا ... والذي أودع في فيك من الشهد شرابا
ما الذي قالته عيناك لقلبي فأجابا.
ابن الزين في أعمى
قد تعشقت فاتر اللحظى أعمى ... طرفه من حيائه ليس يلمح

(1/15)


لا تعيبن نرجس اللحظ منه ... فهو في روض حسنه لم يفتح
غيره في محموم
لا أحسد الناس على نعمة ... وإنما أحسد حماكا
أما كفاها أنها عانقت ... قدك حتى قبلت فاكا
مرض ابن عنين، فكتب إلى السلطان هذين البيتين:
انظر إلي بعين مولى لم يزل ... يولي الندى وتلاف قبل تلاف
أنا كالذي أحتاج ما تحتاجه ... فاغنم دعائي والثناء الوافي
فحضر السلطان إلى عيادته، وأتى إليه بألف دينار وقال له: أنت الذي وهذه الصلة وأنا العايد.
قال بعض الأدباء: قول الملك وأنا العايد يمكن حمله على ثلاثة وجوه ثالثها أن يكون من العود بالصلة مرة أخرى.
لإبراهيم بن سهل وكان يهودياً فأسلم وحسن إسلامه:
تنازعني الآمال كهلاً ويافعا ... ويسعدني التعليل لو كان نافعا
وما اعتنق العليا سوى مفرد غدا ... لهول الفلا والشوق والنوق رائعا
رأى غرمات الحق قد نزعت به ... فساعدني الله النوى والنوازعا
وركباً دعتهم نحو يثرب نية ... فما وجدت إلا مطيعاً وسامعا
يسابق وخد العيش ماء شؤونهم ... فينفون بالشوق المدى والمدامعا
قلوب عرفن الحق بالحق وانطوت ... عليها جنوب ما ألفن المضاجعا
خذوا القلب يا ركب الحجاز فإنني ... أرى الجسم في أسر العلائق كانعا
مع الجمرات ارموه يا قوم إنه ... حصاة تلقت من يد الشوق صارعا
ولا ترجعوه إن قفلتم فإنما ... أمانتكم أن لا تردوا الودائعا
تخلص أقوام وأسلمني الهوى ... إلى غلق سدت علي المطامعا
هم دخلوا باب القبول بقرعهم ... وحسبي أن ألفى لبيتي قارعا
أنيفك عزمي عن قيود الأناة أو ... يفك الهوى عن طيبة القلب طايعا؟
ويسعف ليت في قضاء لبانتي ... ويترك سوف فعل عزمي المضارعا
إذا أشرق الإرشاد خابت بصيرتي ... كما تبعث شمس السراب المخادعا
فلا الزجر ينهاني وإن كان مرهباً ... ولا النصح يثنيني وإن كان ناصعا
فيا من بناء الحرف خامر طبعه ... فصار لتأثير العوامل مانعا
بلغت نصاب الأربعين فزكها ... بفعل ترى فيه منيباً وراجعا
وبادر بوادي السم إن كنت راقيا ... وعاجل وقوع الفتق إن كنت راقعا
فما اشتبهت طرق النجاة وإنما ... ركبت إليها من يقينك ظالعا
كان بعض الحكماء يقول: لا تطلب من الكريم يسيراً فتكون عنده حقيراً. نقل في الإحياء عن الصادق جعفر بن محمد رضي الله عنه أنه قال: مودة يوم صلة، ومودة شهر قرابة ومودة سنة رحم، ماسة من قطعها قطعه الله. وكان الحسن يقول: كم من أخ لم تلده أمك وقال بعضهم: القرابة تحتاج إلى المودة، والمودة لا تحتاج إلى القرابة وقيل لحكيم: أيما أحب إليك أخوك أو صديقك فقال: إنما أحب الأخر إذا كان صديقاً من باب حقوق الأخوة.
أنشد الشيخ شهاب الدين ابن حجر حين انهدمت منارة جامع المؤيد بمصر المحروسة وكان الناظر عليه قاضي القضاة بدر الدين محمود العيني لجامع مولانا المؤيد.
لجامع مولانا المؤيد رونق ... منارته بالحسن تزهو بلا مين
تقول وقد مالت عليه تأملوا ... فليس على جسمي أضر من العيني
ولما وصل ذلك إلى العيني:
أنشد
منارة كعروس الحسن قد جليت ... وهدمها بقضاء الله والقدر
قالوا أصيبت بعين قلت ذا غلط ... ما آفة الهدم إلا خسة الحجر
ابن نباتة في غلام حضر في وليمة طهور.
قام غلام الأمير يحسب في ... يوم طهور البنين طاووسا
فأنزل الحاضرون من شبق ... وصاد ذاك الطهور تنجيسا
الشيخ علاء الدين الودائي في مليح من المغل
وظبي من بني الأتراك حلو التيه والدل
له قد كغصن البان ميال إلى العدل
أقول لعاذلي فيه رويدك يا أبا جهل
فقلبي من بني تيم وعقلي من بني ذهل

(1/16)


وما يبرى هو المشتاق الأريقة المغل
في القاموس عند ذكر النفس ما صورته: النفس في قول صلى الله عليه وسلم: لا تسبوا الريح فإنها من نفس الرحمن وأجد نفس ربكم من قبل اليمن: اسم وضع موضع المصدر من نفس تنفيساً أي فرج تفريجاً، والمعنى أنه تفرج الكرب وتنشر الغيث وتذهب الجدب وقوله صلى الله عليه وسلم من قبل اليمن المراد ما تيسر له صلى الله عليه وسلم من أهل المدينة، فإنهم يمانون من النصرة والإيواء.
مدت السماط بين يدي كسرى، فلما صحنت الصحون انقلب من بعضها شيء على السفرة فنظر كسرى إلى ماد السماط شزراً، فعلم أنه يقتله البتة، فأكفاء الصحن بأجمعه على السفرة فقال له كسرى ما هذا الفعل، فقال: أيها الملك تيقنت أنك قاتلي على ذلك الأمر الحقير الذي لا يوجب القتل فتكون مذموماً عند الناس فأردت أن أفعل ما لو قتلتني به لم تذم فعفى عنه وقربه.
طعن الزمخشري في قرائة ابن عامر: " وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركائهم " وجعلها سمجة وقد شنع عليه كثير من الناس.
قال الكواشي: كلام الزمخشري يشعر: بأن ابن عامر ارتكب محظوراً، وأنه غير ثقة، لأنه يأخذ القراءة من المصحف لا من المشايخ، ومع ذلك أسندها إلى النبي صلى الله عليه وسلم وليس الطعن في ابن عامر طعناً فيه، وإنما هو طعن في علماء الأمصار، حيث جعلوه أحد القراء السبعة المرضية وفي الفقهاء حيث لم ينكروا عليه وإنهم يقرؤونها في محاريبهم والله أكرم من أن يجمعهم على الخطأ انتهى كلامه.
قال أبو حيان: أعجب لعجمي ضعيف في النحو يرد على عربي صريح محض قرائة متواترة موجود نظيرها في كلام العرب، وأعجب لسوء ظن هذا الرجل بالقراء الأئمة الذين تخيرتهم هذه الأمة لنقل كتاب الله شرقاً وغرباً، واعتمدهم المسلمون لضبطهم ومعرفتهم وديانتهم.
وقال المحقق التفتازاني: هذا أشد الجرم حيث طعن في إسناد القراء السبعة وروايتهم، وزعم أنهم إنما يقرؤن من عند أنفسهم، وهذه عادته يطعن في تواتر القراءات السبع، وينسب الخطأ تارة إليهم كما في هذا الموضع، وتارة إلى الرواة عنهم وكلاهما خطأ؛ لأن القراء ثقات، وكذا الروايات عنهم.
وقال ابن المنير: نتبرأ إلى الله ونبرأ من جملة كلامه عما رماهم به فقد ركب عميا، وتخيل القرائة اجتهاداً واختياراً، لا نقلاً وإسناداً، ونحن نعلم أن هذه القرائة قرأها النبي صلى الله عليه وسلم على جبرئيل كما أنزلها عليه وبلغت إلينا بالتواتر عنه، فالوجوه السبعة متواترة جملاً وتفصيلاً، فلا مبالاة بقول الزمخشري وأمثاله، ولولا عذر أن المنكر ليس من أهل علمي القرائة والأصول، لخيف عليه الخروج عن ربقة الإسلام، ومع ذلك فهو في عهدة خطيرة وزلة منكرة، والذي ظن أن تفاصيل الوجوه السبعة فيها ما ليس متواتراً غلط، ولكنه أقل غلطاً من هذا، فإن هذا جعلها موكولة إلى الآراء ولم يقل ذلك أحد من المسلمين. ثم إنه شرع في تقرير شواهد من كلام العرب لهذه القرائة.
وقال في آخر كلامه: ليس الغرض تصحيح القرائة بالعربية بل تصحيح العربية بالقرائة.
ابن مكانس
لله ظبي زارني في الدجا ... مستوفراً ممتطياً للخطر
فلم يقف إلا بمقدار أن ... قلت له أهلاً وسهلاً ومر
النواجي
شغفت به رشيق القد ألمى ... يعذبني بهجران وبين
وقال احمل مشيباً مع سهاد ... فقلت له على رأسي وعيني
لبعضهم
يا غايب الشخص عن عيني ومسكنه ... على الدوام بقلبي الواله العاني
أضحى المقدس لما أن حللت به ... لكنه ليس فيه عين سلوان
ولبعضهم ملغزاً في علي
اسم الذي تيمني أوله ناظره ... إن فاتني أوله فإن لي آخره
ولبعضهم ملغزاً في إبراهيم
سماه إبراهيم مالكه ... ولحسنه وصف يصدقه
أضحى كإبراهيم يسكن في ... نار القلوب وليس تحرقه
ولآخر فيه:
عجبت لنار قلبي كيف تبقى ... حرارتها وحبك يحتويه
فيا نيرانه كوني سلاماً ... وبرداً إن إبراهيم فيه
سعد الدين ابن العربي فيمن اسمه أيوب:
يلوم على حبه العاذلون ... ولا سمع للعذل فيه ولا

(1/17)


يسمى بأيوب محبوبنا ... ولكن عاشقه المبتلى
ابن نباتة في موسى
رأيت في جلق غزالا ... تحار في وصفه العيون
فقلت ما الاسم قال: موسى ... قلت هنا تحلق الذقون
ابن العفيف في مالك
مالك قد أحل قتلي برمح ... القد منه وراح قلبي طعينه
ليس يفتي سواه في قتل صب ... كيف يفتي؟ ومالك بالمدينه
ابن نباتة مضمناً في من اسمه فرج:
أقول لقلبي العاني: تصبر ... وإن بعد المساعف والحبيب
عسى الهم الذي أمسيت فيه ... يكون وراء فرج قريب
ولبعضهم فيمن اسمه فرح بالمهملة:
يا خبيراً بالمعمى خبرة تعلو وتطفو ... هات قل لي أيما اسمٍ عندما يقلب حرف
عز الدين الموصلي فيمن اسمه سعيد:
اسم الذي شاقني سعيد ... ولي شقاء به يزيد
إذا اجتمعنا يقول ضدي ... هذا شقي وذا سعيد
ابن نباتة في صديق له عشق غلاماً اسمه علم:
لي صديق يسوؤني ... ما يقاسي من الألم
كيف تخفي شجونه ... وهي نار على علم
برهان الدين القيراطي فيمن لقبه مشمش:
ومهفهف في خده ... نار تهيج لي الهوى
قد لقبوه بمشمشٍ ... لكنه مر النوى
البهاء زهير
أنا من يسمع منه ويرى ... لا تكذب عن غرامي خبرا
لي حبيب كملت أوصافه ... حق لي في حبه أن أعذرا
حين أضحى حسنه مشتهرا ... رحت في الوجد به مشتهرا
كل شيء من حبيب حسن ... لا أرى مثل حبيبي لا أرى
أحور أصبحت فيه حائرا ... أسمر أمسيت منه سمرا
وتراني باكياً مكتئبا ... وتراه ضاحكاً مستبشرا
أيها الواشون ما أغفلكم؟! ... لو علمتم ما جرى في ما جرى
قد أذعتم عن فؤادي سلوة ... إن هذا لحديث مفترى
بين قلبي وسلوى والهوى ... مثل ما بين الثريا والثرى
ولبعضهم في رجل صبغ لحيته وفي جبهته أثر يزعم أنه من السجود:
قالت وقد أبصرت بلحيته ... صبغاً وسجادة بجبهته
هذا الذي كنت قبل أعرفه ... يكذب في وجهه ولحيته
ولبعضهم
أحرى الملابس أن تلقى الحبيب به ... يوم اللقاء هو الثوب الذي خلعا
الدهر لي ما تم إن غبت يا أملي ... والعيد ما كنت لي مرأى ومستمعا
ولبعضهم
فيا رسولي إلى من لا أبوح به ... إن المهمات فيها يعرف الرجل
بلغ سلامي وبالغ في الخطاب له ... وقبل الأرض عني عندما تصل
بالله عرفه عني إن خلوت به ... ولا تطل فحبيبي عنده ملل
وتلك أعظم حاجاتي إليك فإن ... تنجح فما خاب فيك القصد والأمل
ولم أزل في أموري كلما عرضت ... على اهتمامك بعد الله أتكل
فالناس بالناس والدنيا مكافأة ... والخير يذكر والأخبار تنتقل
لجامع هذا الكتاب
لعينيك فضل جزيل علي ... وذاك لأني يا قاتلي
تعلمت من سحرها فعقدت ... لسان الرقيب مع العاذل
في إخراج الحرف المضمر
أغن عناني لا أفيق لظلمه ... ويطمعني في أن يفك عناء
إذا قال إني خاف غيالحيلة ... يظن الضنا إن جاء زال شقاء
جلا حيث أضحى في حشا كل ... شيق جلي خصال لاح ليس خفاء
يذود أناساً ما يصدهم صدا ... يزيد ضناهم ما يرى ويشاء
وكل الورى تزهو بعارض خاله ... لغرته ضوء الصباح إزاء
وفيه أيضاً
أطاع الدور في الجد السني ... صفاجد الفتى جد غني
بري من تحقق ظن عيب ... شدي لا يصبر عن شدي
ووجه صفحة شفق جلاه ... حثيث هز سجسجه غوي
لمنصور شدته خندريس ... ملازمة لملك كسروي

(1/18)


قوي لا يصبر عن ضعيفٍ ... كظيم غيظه عنف وطي
خليل ابن العلاني المقدسي ومن خطه نقلته
مذ عرفت الأنام أحمدت رائي ... في انفرادي وطاب وقتي وحالي
واعتزلت الورى وهذا عجيب ... أشعري يقول بالاعتزال
في القهوة
يقولون لي قهوة البن ... هل تباح وتؤمن آفاتها
فقلت نعم هي مأمونة ... ما الصعب الامضا فاتها
لبعضهم
قف واستمع ما قاله ... ملك الهوى لجليسه
تكك الملاح يحلها ... من حل عقدة كيسه
الصاحب بن عباد في من اسمه عباس وهو ألثغ
وشادن قلت له ما اسمه؟ ... فقال لي بالغنج عباث
فصرت من لثغته ألثغاً ... وقلت أين الطاث والكاث؟
آخر في لثغ
رشاء من آل يافث ... طرفه للسحر نافث
ماله في الحسن ثانٍ ... وهو للبدرين ثالث
مخطىء السين إلى ... ثاء المثاني والمثالث
قلت عدني بوصال ... قال دع عنك الوثاوث
القاضي البيضاوي صاحب التصانيف المشهورة اسمه عبد الله؛ ولقبه ناصر الدين وكنيته أبو الخيرين عمر بن محمد بن علي البيضاوي، وبيضا قرية من أعمال شيراز تولى القضاء بفارس، وكان زاهداً عابداً متورعاً، دخل تبريز فصادف دخوله مجلس إجلاس بعض الفضلاء، فجلس في أخريات القوم بصف النعال بحيث لم يعلم أحد بدخوله، فأورد المدرس اعتراضات وتبجح، وزعم أن أحداً من الحاضرين لا يقدر على جوابها فلما فرغ من تقريرها، ولم يقدر أحد من الحاضرين على التخلص عنها، شرع البيضاوي في الجواب، فقال له المدرس: لا أسمع كلامك حتى أعلم أنك فهمت ما قررته فقال القاضي: تريد أن أعيد كلامك بلفظه أم بمعناه، فبهت المدرس وقال: أعدها بلفظها فأعادها، وبين أن في تركيب ألفاظه لحناً ثم إنه أجاب عن تلك الاعتراضات بأجوبة شافية، ثم أورد لنفسه اعتراضات بعددها وطلب من المدرس الجواب عنها، فلم يقدر فقام الوزير من المجلس وأجلس البيضاوي في مكانه وسأله من أنت؟ فقال البيضاوي ناصر الدين وطلب قضاء شيراز فأعطاه ما طلبه أكرمه وخلع عليه، وكانت وفاة البيضاوي سنة خمس وثمانين وستمائة؛ وذك في تبريز وقبره هناك، ومن مصنفاته كتاب الغاية في الفقه وشرح المصابيح والمنهاج والطوالع والمصباح في الكلام وأشهر مصنفاته في زماننا هذا تفسيره الموسوم بأنوار التنزيل.
ابن الوردي في مليحة ومليح يلعبان بالنرد.
مهفهفان لعبا ... بالنرد أنثى وذكر
قالت أنا قمرته ... قلت اسكتي فهو قمر
آخر
لا تحسبوا من همت في حبه ... معبس الوجه لقلب قسا
وإنما ريقته خمرة ... فكلما استنشقها عبسا
من تفسير النيسابوري عند قوله تعالى: " اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم " ما صورته: وفي بعض الأخبار المروية المسندة تشهد عليه أعضاؤه بالزلة فتطاير شعرة من جفن عينه فتستأذن في الشهادة له فيقول الحق تعالي تكلمي يا شعرة عينه واحتجي لعبدي فتشهد له بالبكاء من خوفه فيغفر له وينادي مناد هذا عتيق الله بشعرة.
قيس هو مجنون ليلى اسمه أحمد وقيس لقبه وحاله أشهر من أن يذكر ومن شعره قوله:
وآذيتني حتى إذا ما قتلتني ... بقول يحل العصم سهل الأباطح
تجافيت عني حين لالى حيلة ... وخلفت ما خلفت بهن الجوانح
إلى كوكب النصر انظري كل ليلة ... فإني إليه بالعشية ناظر
عسى يلتقي لحظي ولحظك عنده ... ونشكو إليه ما تجن الضمائر
لبعض المتأخرين
إذا رأيت عارضاً مسلسلا ... في وجنة كجنحة يا عاذلي
فاعلم يقيناً أنني من أمة ... تنقاد للجنة بالسلاسل
يقال إن أغنج بيت قالته العرب قول الأعشى:
قالت هريرة لما جئت زائرها ... ويلي عليك وويلي منك يا رجل
ذكر صاحب الأغاني: أن المأمون، قال: يوماً لبعض جلسائه، أنشدوني بيتاً لملك يدل على أن قائله ملك فأنشده بعضهم:
قول امرىء القيس
أمن أجل أعرابية حل أهلها ... جنوب الحمى عيناك تبتدران

(1/19)


فقال: ليس في هذا ما يدل على أنه ملك، فإنه يجوز أن يقول: هذا سوقي حضري ثم قال: الشعر الذي يدل على أن قائله ملك قول الوليد بن اليزيد:
إسقني من سلاف ريقة سلمى ... واسق هذا النديم كاساً عقارا
أما ترون إشارته إلى قوله: هذا النديم؟ فإنها إشارة ملك.
لجامع هذا الكتاب وهو مما سنح بالخاطر في طريق الحجاز.
ما زلت عليه بالكرى محتالا ... حتى وافى خياله مختالا
لولا حذر انتباهه تفجعني ... في القرب به قمت له إجلالا
من أبيات الحاجزي
قد كنت لما كنت في غبطة ... أحب طول العمر حباً كثير
واليوم قد صرت لما حل بي ... أحسد من مات بعمر قصير
ذكر في الكامل في حوادث سنة مائتان وخمس وثمانون: أنه حدث بالبصرة ريح صفراء، ثم خضراء، ثم سوداء ثم تتابعت الأمطار وسقط برد وزن كل واحدة مائة وخمسون درهماً وفي هذه السنة حدث بالكوفة ريح صفراء وبقيت إلى المغرب، ثم اسودت فتضرع الناس إلى الله سبحانه وتعالى ثم حصل مطر عظيم ومطرت قرية من نواحي الكوفة تسمى أحمد آباد حجارة سوداء وبيضاء في أوساطها طين وحمل منها إلى بغداد فرأته الناس.
قال بعض العارفين: إذا كان أبونا آدم عليه السلام بعد ما قيل له: اسكن أنت وزوجك الجنة لما صدر منه ذنب واحد، أمر بالخروج من الجنة، فكيف نرجو نحن دخولها مع ما نحن مقيمون عليه من الذنوب المتتابعة والخطايا المتوالية؟!
هويته أعجمياً فوق وجنته ... لامية عوذتها من أحرف القسم
في وصفها السن الأقلام قد نطقت ... وطال شرحي في لامية العجم
هل مثل حديثها على السمع ورد ... هل أحسن من طلعتها الصب وجد
واها للسان فتن العقل به ... لو حث على السجدة إبليس سجد
في بعض التواريخ بعد إيراد جماعة ممن قتله العشق أو أدهشه أنشد المؤرخ هذين البيتين:
إذا كان حب الهائمين من الورى ... بليلى وسلمى يسلب اللب والعقلا
فماذا عسى أن يصنع الهائم الذي ... سرى قلبه شوقاً إلى العالم الأعلى
في بعض التفاسير عند قوله تعالى: " أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله " والآية في سورة الزمر ما لفظه: كان أبو الفتح بن برهاني قد برع في الفقه، وتقدم عند العوام وحصل له مال كثير ودخل بغداد وفوض إليه تدريس النظامية وأدركه الموت بهمدان، فلما دنت وفاته قال لأصحابه: أخرجوا فخرجوا فطفق يلطم وجهه ويقول: يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله، ويقول يا أبا الفتح ضيعت العمر في طلب الدنيا وتحصيل الجاه والمال والتردد إلى أبواب السلاطين وينشد:
عجبت لأهل العلم كيف تغافلوا ... يجرون ثوب الحرص عند المهالك
يدورون حول الظالمين كأنهم ... يطوفون حول البيت وقت المناسك
ويردد هذه الآية حتى مات إلى هنا بلفظ المفسرة نعوذ بالله من الموت على هذه الحالة ونسأله جل شأنه أن يمن علينا بالتوفيق للخلاص من هذا الوبال والضلال.
يا من له الرونق البديع ... سرك ما عشت لا أذيع
فاحكم بما شئت في فؤادي ... فإنني سامع مطيع
وهو حمول لكل شيء ... يهوى على أنه خليع
أبو نواس
كسر الجرة عمدا ... وسقى الأرض شرابا
صحت والإسلام ديني ... ليتني كنت ترابا
لبعضهم
إذا حرك الوجد السماع فإنه ... مباح وإلا فالسماع حرام
ومن هزه طيب استماع حديثكم ... فمال من الأشواق ليس يلام
ولا عجب إن شتت الحب جمعه ... فليس لأخوال المحب نظام
غذا بلبان الحب قدماً وماله ... سواه إذا آن الفطام فطام
يسير مع الأشواق أنى توجهت ... وليس له في الكاينات مقام
لبعضهم
حلفت مقلته لا تهجع ... أو ترى الشمل بجمع يجمع
وتقضى في منى القرب المنى ... ولنيل الوصل فيها يرجع
واله يطمع في عرب الحمى ... بالرضا لا خاب ذاك المطمع

(1/20)


كاد أن تحرقه نار الأسى ... ولهيب الشوق لولا الأدمع
كلما لعلع سعد باللقى ... في الدجى وقال هذا لعلع
قال يا سعد أعد ذكر الحمى ... إنه أطيب شيء يسمع
قال الجاحظ: كنت مع محمد بن إسحق بن إبراهيم الموصلي وهو يريد الإنصراف من سر من رأى إلى مدينة السلام، والدجلة في غاية الزيادة في حراقة فأمر بالخمر فشربنا ثم أمر يشد الستارة بيننا وبين جواريه وأمرهن بالغناء فغنت إحداهن.
كل يوم قطيعة وعتاب ... ينقضي دهرنا ونحن غضاب
ليت شعري أنا خصصت بهذا ... دون غيري أم هكذا الأحباب؟
ثم سكنت فغنت أخرى
وارحمتا للعاشقين ... ما إن يرى لهم معين
فإلى متى هم يبعدون؟ ... ويطردون ويهجرون
ويعذبون من الأحبة ... بالجفا ما يصنعون
فقالت لها إحداهن: يا فاجرة فيصنعون ماذا؟ قالت: يصنعون هكذا، وضربت بيدها الستارة، فهتكتها وبرزت علينا كالقمر وألقت نفسها في دجلة، وكان على رأس محمد غلام رومي بديع الجمال وبيده مروحة يروح بها، فألقى نفسه فوقها وهو يقول:
لا خير بعدك في البقا ... والموت ستر العاشقين
واعتنقا في الماء وغاصا فطرح الملاحون أنفسهم في أثرهما؛ فلم يقدروا على إخراجهما وأخذهما الماء وغابا رحمهما الله تعالى.
وكان ابن الجوز يعظ على المنبر، إذ قام إليه بعض الحاضرين، وقال أيها الشيخ ما تقول في امرأة بها داء الابنة؟ فأنشد على الفور في جوابه:
يقولون، ليلى في العراق مريضة ... فيا ليتني كنت الطبيب المداويا
وكان له مرأة تسمى نسيم الصبا فطلقها وندم، فحضرت يوماً مجلس وعظه وحال بينه وبينها امرأتان فأنشد مخاطباً لهما:
أيا جبلي نعمان بالله خليا ... نسيم الصبا يخلص إلي نسيمها
قال الفاضل الأديب صلاح الدين الصفدي في شرح لامية العجم ما صورته حضر يوماً في صفد سنة ست وعشرين وسبعمائة مجلس الشيخ الإمام علي بن الصلاح الفارسي، وقد عقد مجلساً يتكلم فيه على سورة الضحى، فاستطرد الكلام إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، فقال: ذهب بعض الصوفية إلى أن قال فإن لم تكن بمعنى إن غبت عن وجودك ولم تكن رأيته وحسن ذلك واستحسنه من حضر فقلت إن هذا حسن لو ساعده الأعراب، فإن هذا شرط وجوب وهما مجزومان واللفظ الصحيح على ذلك التقدير فإن لم تكن تره بالجزم فاعترف بذلك.
ومن الكتاب المذكور: سئل أبو الفرج ابن الجوزي كيف ينسب قتل الحسين رضي الله عنه إلى يزيد وهو بالشام والحسين رضي الله عنه بالعراق، فأنشد قول الرضي:
سهم أصاب وراميه بذي سلم ... من بالعراق لقد أبعدت مرماك
كتب: إلى شيخ الإسلام الشيخ عمر وهو المفتي بالقدس الشريف أبياتاً في بعض الأغراض فأجبته أدام الله مجده بهذه الأبيات:
يا أيها المولى الذي قد غدا ... في الخلق والخلق عديم المثال
وحل من شامخ طود العلى ... في ذروة المجد وأوج الكمال
وعطر الكون بمنظومة ... نظامها يزري بعقد اللئال
كأنها بكر بألحاظها ... سحر به تسلب لب الرجال
أو روضة ممطورة مر في ... أرجائها صبحاً نسيم الشمال
لو لم يكن أسحرني لفظها ... لقلت حقاً هي سحر حلال
يا سادة فاقوا الورى عبدكم ... أحقر من أن تحضروه ببال
أرضعتموه در ألطافكم ... وما له عن ودكم من فصال
ومذ أناخ الركب في أرضكم ... سلا عن الأهل وعم وخال
أنتم بنو اللطف وألطافكم ... على الورى ما برحت في اتصال
في قمة الفضل لكم منزل ... ما مر في وهم ولا في خيال
وعبدكم أعجزه مدحكم ... فصار باللغز يطيل المقال
يا سيداً قد حاز من سائر ... الفنون حظاً وافراً لا ينال
ما بلدة أولها سورة؟ ... بل جبل صعب بعيد المنال

(1/21)


وما سوى آخرها قد غدا ... إسماً وفعلاً وهو حرف يقال
وقلبه فعل وإسم لما ... يصير منه الجسم مثل الخلال
وعجزها أن ينتقص نصفه ... من صدرها فهو طعام حلال
وما سوى أولها قلبه ... أمر به كل جميع الخصال
وقلبها إن زال نصف له ... يصير ما قلبي غدا منه غال
وإن تزده النصف منه يكن ... حاجب من يرمي بقلبي نبال
مولاي إن العبد من شعره ... في خجل متصل وانفعال
قال يراعي حين كلفته ... تحرير هذا الهذر ماذا الخبال
يقابل الدر بهذا الحصا ... لاشك في عقلك بعض اختلال
فكتب خلد الله ظلاله في الجواب:
حلت وقد جئت برفع النقاب ... وابتسمت عن نظم در الحباب
وأسفرت إذ ما بدت تنجلي ... فخلت بدراً قد بدا من سحاب
تمايست عجباً ومالت قناً ... وعطرت بالطيب تلك الرحاب
واسرعت نحوي وقد أبدعت ... وأودعت سمعي لذيذ الخطاب
وأرشفتني من لمى لفظها ... فرحت سكران بغير الشراب
مستغرقاً في بحر ألفاظها ... كأنني مما عراني مصاب
وليس ذا مستغرباً حيثما ... أبرزها بحر خضم عباب
فيا إمام النظم أذكرتني ... بهذه العادة عصر الشباب
فحركت ساكن شوقي إلى ... أن رحت سكران بغير الشراب
ألغزت يا مولاي في بلدة ... قدامها الداعي بنص الكتاب
مضافها الروح بلا شبهة ... مطهراً من دنس الإرتياب
إذا أزلت القلب من لفظها ... تصر فصيح العرب لب اللباب
وإن تزدها واحداً تلفها ... سفينة تجري بما يستطاب
كذاك إن زدت إلى قلبها ... واواً تجد إسماً لمولى الثواب
عساك إن جئت إلى حبها ... تقدس الذات وتنفي الشواب
وتثلج الصدر بما صغته ... من در لفظ ومعانٍ عذاب
فاسلم ودم في نعم ملغزاً ... في أرفع القدس رفيع الجناب
وكتب في آخر هذه الأبيات هذا المصراع دامت معاليك ليوم الحساب مما ينسب إلى جار الله الزمخشري.
العلم للرحمن جل جلاله ... وسواه في جهلاته يتغمغم
ما للتراب وللعلوم وإنما ... يسعى ليعلم أنه لا يعلم
وللإمام الرازي
نهاية أقدام العقول عقال ... وغاية سعي العالمين ضلال
ولم نستفد من سعينا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقال
وأرواحنا محبوسة في جسومنا ... وحاصل دنيانا أذى ووبال
ولجامع الكتاب بالعربية في هذا المضمون أيضاً:
يا بدر دجى فراقه الجسم أذاب ... قد ودعني فغاب صبري إذ غاب
بالله عليك أي شيء قالت؟ ... عيناك لقلبي المعنى فأجاب
لبعض المغاربة
وكان يعشق غلاماً أعور يسمى بركات:
بركات يحكي البدر عند تمامه ... حاشاه بل بدر السما يحكيه
لم تزو إحدى زهرتيه وإنما ... كملت بذاك بدائع التشبيه
فكأنه رامٍ يغمض طرفه ... ليصيب بالسهم الذي يرميه
ابن دقيق العبد
أتبعت نفسك بين ذلة كادح ... طلب الحياة وبين حرص مؤمل
وأضعت عمرك لا خلاعة ماجن ... حصلت فيه ولا وقار مبجل
وتركت حظ النفس في الدنيا وفي ... الأخرى ورحت عن الجميع بمعزل
لما كان الخلاف بين القوم في أصالة أنوار ما عدا القمر من الكواكب واكتسابها غير مختص بالبعض، بل واقعاً في الكل كما هو مشهور، وفي الكتب مسطور، وكان من المعلوم أن قول العلامة بعد ذكر اكتساب نور القمر من الشمس: اختلفوا في أنوار سائر الكواكب، إشارة إلى هذا الخلاف الواقعي المعروف بين الفريقين حملنا كلامه على العموم.
فإن قلت: فهلا جعلت الضمير في قوله: والأشبه أنها ذاتية راجعاً إلى البعض بنوع من الاستخدام.

(1/22)


قلت: لا يخفى ما فيه من البعد والتعسف فإن التعبير عن اختيار شق ثالث غير معروف أصلاً بمثل هذه العبارة يشبه الرطانة كما يشهد به الذوق السليم.
فإن قلت: يمكن حمل كلامه ابتداءاً على بيان الخلاف في البعض أعني الخمسة المتحيرة وتخصيصه نقل الخلاف بالخلاف بالبعض ليس بمعنى: أنه لا خلاف في غيرها حتى يكون كاذباً في دعواه، إذ الخلاف في الكل يستلزم الخلاف في البعض.
قلت: عدم وجدان طريق الى إثبات ذاتية أنوار الكل إنما يصلح وجهاً لتخصيص الدليل بالبعض، لا لنقل الخلاف في البعض، والقول: بأنه غير كاذب في هذا النقل، لأن الخلاف في الكل يستلزم الخلاف في البعض، كلام مموه لا يحسن صدوره عن ذي روية، إذ المحذور ليس لزوم كذب العلامة في هذا النقل، بل لزوم كون كلامه حينئذ كلاماً مرذولاً شديد الفجاجة، كثير السماجة، ونظيره أن يقول بعض الطلبة: اختلف المعتزلة والأشاعرة في أفعال العباد هل هي صادرة عنهم حقيقة أو كسباً؟ والأصح الأول، فيقال له: يا هذا الخلاف إنما هو في كل أفعالهم، فكيف نقلته في بعضها؟ فيجيب: بأن الخلاف في الكل يستلزم الخلاف في البعض، وإنما نقلت الخلاف في البعض لأني لم أجد طريقاً إلى إثبات صدور الكل حقيقة، وهذا كلام لا يرتاب ذو مسكة في تهافته وسخافته، ومفاسد الكلام غير منحصرة في كونه كاذباً، بل كثير من مفاسده لا يقصر في الشناعة عن كذبه.
فإن قلت: في كلام العلامة شواهد كثيرة دالة على أن كلامه مختص بالخمس المتحيرة، منها قوله: فإن قيل: هذا إنما يصح في الكواكب التي تحت الشمس، وأما في العلوية إلى آخره، فإن المتبادر من العلوية في مصطلحهم هو ما فوق الشمس، من السيارات لا جميع ما فوقها منها ومن الثوابت، ومنها أن كلامه هذا مذكور في ذيل بيان خسوف القمر واستفادة نوره من الشمس، وحيث أنه من السيارة فيناسبه ذكر أحوالها لا أحوال بقية الكواكب ومنها أن قوله بعيد هذا المبحث: اختلفوا في أنه هل للكواكب لون؟ والأكثر على أن الأظهر ذلك مثل كمودة زحل ودرية المشتري والزهرة وحمرة المريخ وصفرة عطارد وفي الشمس خلاف، وأما في القمر فلونه ظاهر في الخسوف، لا ريب أنه بيان للاختلاف في ألوان السيارات فقط كما يشهد له التمثيل بها فيكون ما قبله بياناً للاختلاف في أنوارها فقط أيضاً، إذ لواحق الكلام تدل على أن المراد من سوابقه ذلك.
ومنها قوله: فإن قيل: أحد الكواكب غير الشمس هو الذي يعطي الباقية الضوء، قلنا: إن كان من الثوابت لرؤي الكوكب القريب منه هلالياً ونحوه دائماً إلى آخره، إذ لو كان مراده العموم لكان للمعترض أن يقول: المستنير أيضاً من الثوابت فلا يختلف الوضع بالقرب والبعد، فلا يتم الدليل.
قلت: ليس في هذه القرائن دلالة وأثبتها شهادة هي ما صدرت به كلامك والأمر فيه سهل، فإن حمل العلوية على معناه اللغوي ليس أمراً شنيعاً لا يمكن الإقدام على ارتكابه، ليلتجيء إلى حمل العبارة على ذلك المعنى السخيف فراراً عن الوقوع فيه، كيف؟! وأمثال ذلك في عبارات القوم أكثر من أن تحصى وأوفر من أن تستقصى، وكم حملوا المصطلحات على معانيها اللغوية لأيسر حادث وأدنى باعث فضلاً عن مثل ما نحن فيه.
وأما شهادة ذكر كلامه هذا في ذيل بحث استفادة نور القمر من الشمس فشهادة ضعيفة جداً، إذ ذكر استفادة كوكب واحد يناسبه ذكر الكواكب الأخر بأسرها أيضاً، بل هذا أولى؛ فإنه هو محل النزاع والخلاف وأما شهادة ذكر الألوان فمنخرط أيضاً، فإن قوله: اختلفوا في أنه هل للكواكب لون؟ لا ريب أنه إشارة إلى الخلاف المشهور بين القوم في أنه هل لشيء من الكواكب غير القمر لون أم لا؟ ولذلك عدوا في ألوانها حمرة قلب العقرب أيضاً، وقول العلامة: مثل كمودة زحل ودرية المشتري الخ بتعدد السبع السيارة جميعاً في معرض التمثيل، قرينة ظاهرة على ذلك، وإلا فلا يخفى سماجة قوله: اختلفوا في أنه هل للسبع السيارة لون؟ والأظهر ذلك مثل ألوان هذه السبع، ولو أن غرضه ما زعمت، لكان ينبغي أن يقول: والأظهر ذلك لكمودة زحل ودرية المشتري بلام التعليل.

(1/23)


وأما حمل التمثيل على إرادة كل واحد، فكأنه قال: والأظهر أن للسبعة ألواناً مثل كل واحد منها، فلا يخفى سماجته، ولعل عدم التعرض لذكر الثوابت لكون ألوانها لا يخرج عن الألوان الخمسة الموجودة في السيارات، فلا حاجة إلى ذكرها، إذا المراد هو الإيجاب الجزئي وهو ظاهر.
وأما شهادة قوله: قلنا: إن كان من الثوابت الخ على العموم وإلا يورد الاعتراض الذي ذكرته، فشهادة مقبولة لو كان معنى كلامه ما فهمته، وليس كذلك، إذ معنى كلامه: أن ذلك الكوكب الذي يعطي الباقية الضوء إن كان من الثوابت لم يتغير الثوابت القريبة منه عن الهلالية ونحوها في شيء من الأوقات، بل يكون ملازمة لوضع واحد دائماً لعدم تطرق البعد والقرب إليها، وإن كان من المتحيرة، لزم منه ما لزم في الاستفادة من الشمس من رؤية المستضيء تارة هلالياً، وتارة نصف دائرة ونحوها بسبب اعتوار القرب والبعد عليه، ولو كان معنى كلامه ما زعمت لم يكن للترديد الذي ذكره، ثمرة، بل كان لغواً محضاً وكان يجب الاقتصار على الشق الثاني فقط، وهذا ظاهر على من سلك جادة الإنصاف وخلع ربقة الاعتساف، ثم مما يشهد شهادة معدلة بأن كلام العلامة عام في كل الكواكب سيارها وثابتها.
قوله في أواخر المبحث: والفرق بأن العلوية والثوابت يستنير معظم الجزء المرئي منها الخ لتشريكه الثوابت مع العلوية في استنارة معظم المرئي منها في هذا المقام ينادي على ما هو المقصد والمرام، والقول: بأن ذكر الثوابت إنما هو لنسبة حال العلوية بحالها في كونهما مشتركين في ذلك الحكم، لكونها فوق الشمس، لا لإثبات عدم استنارتها من الشمس كلام لا أظنك وكل ألمعي ترتابان في عدم وثاقة أركانه فلا حاجة للتصدي لصدع بنيانه.
والله الهادي.
إذا تقرر هذا فلا بأس بتوضيح الكلام الذي أوردناه على تقدير إغماض العين عما أسلفناه وقبول كون كلام العلامة خاصاً بالخمس المتحيرة لا غير، وهو يستدعي تمهيد مقدمة هي: أن نفوذ الشعاع في الجسم على ضربين.
الأول: نفوذ مرورو تجاوز عنه إلى ما ورائه كنفوذ شعاع الشمس في بعض الأفلاك والعناصر منحدراً إلينا ونفوذ شعاع البصر في بعض العناصر والأفلاك مرتقياً إلى الكواكب.
الثاني: نفوذ وقوف واجتماع من غير تجاوز إلى ما ورائه كنفوذ ضوء النار في الجمرة والحديد المحماة وضوء الشمس في الشفق والثلج ونحوهما ونفوذ شعاع البصر في القطعة الثخينة من الجمد والبلور والماء الصافي الذي له عمق يعتد به.
والنفوذ الأول لا يستلزم تكيف الجسم بالضوء النافذ فيه وإن كان شديداً ولا انعكاسه عنه إلى ما يقابله، ولو فرض حصوله ففي غاية الضعف والقلة، بخلاف الثاني فإنه يوجب تكيف الجسم بالضوء وانعكاسه عنه تكيفاً وانعكاساً ظاهرين وسيما إن كان ذا لون كما ما نحن فيه، وعلى مثل هذا بني الشيخ الرئيس جواب سؤال أبي الريحان له عن سبب إحراق الشعاع المنعكس عن الزجاجة المملوؤة ماءً، دون المملؤة هواءً كما هو مذكور في موضعه وحينئذ أقول: حاصل كلامي على العلامة: إن القائل باستفادة أنوار الكواكب من الشمس، له أن يجعل نفوذ شعاعها فيها من قبيل النفوذ الثاني، فيستنير أعماقها به كالكرة من البلور الصافية، أو التي لها لون ما إذا أشرقت عليها الشمس ونفذ شعاعها في جميع أعماقها نفوذ اجتماع، فإنه إذا نظر إليها من أي الجهات كان يرى كلها مستنيراً فلا يلزم في اختلاف تشكلات الكواكب كما في القمر إذ لم يبق شيء من أجزائها مظلماً وهذا ظاهر لا سترة فيه.
وليت شعري كيف يورد عليه أنه لو نفذ شعاع الشمس في أعماقها لكانت شفيفة لا محالة، فلا يمنع نفوذ شعاع البصر فيها ولا يحجب ما ورائها الخ، فإن هذا الموردان أراد النفوذ بالمعنى الأول فنحن لم نقل به الكواكب، كيف؟ وهو مكيفة بالضوء تكيفاً ظاهراً وهو منعكس عنها انعاكاساً باهراً، وإن أراد النفوذ بالمعنى الثاني لم يلزم كونها شفيفة، بل غاية ما يلزم منه نفوذ شعاع البصر فيها أيضاً بهذا المعنى لا بالمعنى الأول، فكيف يلزم أن لا يحجب ما وراءها عن الرؤية على أن للمانع أن يمنع لزوم نفوذ شعاع البصر في أعماق الجسم كنفوذ شعاع الشمس فيه بهذا المعنى وإن كنا غير محتاجين، في إتمام كلامنا إلى هذا المنع.

(1/24)


والقائل: بأنه لو لم يكن شعاع البصر ألطف من شعاع الشمس فلا يكون أكثف فكيف ينفذ الثاني دون الأول، إن أراد معنى التبادل أي كيف ينفذ فيه شعاع الشمس تارة ولا ينفذ فيه شعاع البصر أخرى، فحق، لكن لا ينفعه ولا يضرنا، وإن أراد معنى الاجتماع أي كيف لا ينفذ شعاع البصر حال نفوذ شعاع الشمس؟ ففيه نظر ظاهر لجواز أن يكون شدة الشعاع المكتسب القائم بالجسم وبهوره مانعاً من نفوذ شعاع البصر فيه كما هو محسوس في الثلج والبلور الثخين إذا أشرقت عليه الشمس، فإن شعاع البصر يكل ويتفرق بمجرد الوقوع على سطحها ولا يمكنه النفوذ في أعماقها، وهذا ظاهر، ومنه يظهر أنه يكفي في حجب السيارات ما ورائها مجرد استضائتها الباهرة للبصر لكنا ضممنا ألوانها الأصلية إلى أنوارها الكسبية وجعلنا المجموع موجباً للحجب كما نقلنا عن السيد السند بحصول زيادة الحجب بها في الجملة، فاتضح بما تلوناه حال القول: بأنه لو كان ضوء الخمس المتحيرة مستفاداً من الشمس لما حجبت ما وراءها، واستبان بما قررناه أنه على تقدير كون كلام العلامة مخصوصاً بهذه الخمس فقط وكلامنا عليه باق بحاله، والحمد لله على جزيل إفضاله.
سعد الدين ابن عربي
ترى يسمح الدهر الضنين بقربكم ... وأحظى بكم يا جيرة العلم الفرد
إذا لم يكن لي عندكم يا أحبتي ... محل ولا قدر فإن لكم عندي
القيراطي
حسنات الخد منه قد أطالت حسراتي ... كلما سآء فعالاً قلت إن الحسنات
راحت وفود الأرض عن قبره ... فارغة الأيدي ملاء القلوب
قد علمت ما رزأت إنما ... يعرف قدر الشمس بعد الغروب
لبعضهم
وإذا صاحبت فاصحب ماجداً ... ذا عفاف وحياء وكرم
قوله للشيء: لا، إن قلت: لا ... وإذا، قلت: نعم، قال: نعم
الصلاح الصفدي
صديقك مهما جنى غطه ... ولا تخف شيئاً إذا أحسنا
وكن كالظلام مع النار إذ ... يواري الدخان ويبدي السنا
للشيخ جمال الدين مطروح
عانقته فسكرت من طيب الشذا ... غصن رطيب بالنسيم قد اغتذى
نشوان ما شرب المدام وإنما ... أضحى بحمر رضابه متنبذا
أضحى الجمال بأسره في أسره ... فلأجل ذاك على القلوب استحوذا
وأتى العذول يلومني من بعدها ... أخذا الغرام علي فيه مأخذا
لا أنتهي لا أنثني لا أرعوي ... عن حبه فليهذ فيه من هذا
والله ما خطر السلو بخاطري ... ما دمت في قيد الحياة ولا إذا
إن عشت عشت على هواه وإن أمت ... وجداً به وصبابة يا حبذا
أرجاني
أرى بين أيامي وشعري قد بدا ... لتعجيل إتلافي خلاف تحددا
فقد أصبحت أسوداً وشعري أبيضاً ... وعهدي بها بيضاً وشعري أسودا
آخر
يا من هجروا وغيروا أحوالي ... ما لي جلد على جفاكم ما لي
جودوا بوصالكم عن مدنفكم ... فالعمر قد انقضى وحالي حالي
ابن واصل
من شاب قد مات وهو حي ... يمشي على الأرض مشي هالك
لو كن عمر الفتى حساباً ... كان له شيبه فذالك
أسماء الأنبياء الذين ذكروا في القرآن العزيز خمسة وعشرون: نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، آدم، إدريس، نوح، هود، صالح، إبراهيم، لوط، إسمعيل، إسحق، يعقوب، يوسف، أيوب، شعيب، موسى، هرون، يونس، داود، سليمن، إلياس، اليسع، زكريا، يحيى، عيسى، وكذا ذو الكفل عند كثير من المفسرين.
نقل الإمام الرازي في التفسير الكبير اتفاق المتكلمين على أن من عبد ودعا لأجل الخوف من العقاب أو الطمع في الثواب لم تصح عبادته ولا دعاؤه ذكر عند قوله تعالى: " ادعوا ربكم تضرعاً وخيفة " وجزم في أوائل تفسير الفاتحة بأنه لو قال: أصلي لثواب الله أو الهرب من عقابه فسدت صلاته.

(1/25)


النيشابوري أورد في تفسير قوله تعالى: " ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب " نبذاً من أوصاف الحجاج وذكر أنه قتل مائة ألف وعشرون ألف رجل صبراً بغير ذنب وأنه وجد في سجنه ثمانون ألف رجل وثلاثون ألف امرأة منهم ثلاثة وثلاثون أللفاً ما يجب على أحد منهم قطع ولا قتل ولا صلب.
الإنسان يطلق على المذكر والمؤنث وربما يقال للأنثى: إنسانة وقد جاء في قول الشاعر:
لقد كستني في الهوى ... ملابس الصب الغزل
إنسانة فتانة ... بدر الدجى منها خجل
إذا زنت عيني بها ... فبالدموع تغتسل
أورد هذه الأبيات الثلاثة صاحب القاموس وقال هذا الشعر كأنه مولد قال في القاموس: الإنس البشر كالإنسان الواحد إنسي وقال فصل النون الناس يكون من الإنس ومن الجن جمع أنس أصله أناس جمع عزيز أدخل عليه ال انتهى كلامه قال كاتب الأحرف: إن كلام القاموس صريح في جواز إطلاق الإنس: على الجن وهو بعيد جداً فليتدبر ذلك.
قال المحقق التفتازاني في شرح الكشاف عند قوله تعالى في سورة النساء: " وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله " ، ما صورته: كان بنو حمدان ملوكاً أوجههم للصباحة، وألسنتهم للفصاحة، وأيديهم للسماحة، وأبو فراس أوحدهم بلاغة وبراغة، وفروسية وشجاعة، حتى قال الصاحب بن عباد: بدىء الشعر بملك، وختم بملك يعني امرىء القيس، وأبا فراس وقد أدركه حرفة الأدب وأصابته عين الكمال فأسرته الروم في بعض وقايعها فازدادت رومياته رقة ولطافة.
فمنها ما قال وقد سمع حمامة. بقربه تنوح على شجرة عالية:
أقول وقد ناحت بقربي حمامة ... أيا جارتا هل تشعرين بحالي
معاذ الهوى ما ذقت طارقة النوى ... ولا خطرت منك الهموم ببالي
أيا جارتا ما أنصف الدهر بيننا ... تعالي أقاسمك الهموم تعالي
أيضحك مأسور وتبكي طليقة ... ويسكت محزون ويندب سالي
لقد كنت أولى منك بالدمع مقلة ... ولكن دمعي في الحوادث غالي
انتهى كلامه والغرض بالاستشهاد قوله: تعالي بكسر اللام وكان القياس تعالى بالفتح. في معرفة قدر الاجتماع مع الأحباب.
قال بعض الحكماء: إذا أردت أن تعرف ربك، فاجعل بينك وبين المعاصي حائطاً من حديد.
سمنون المحب
وكان فؤادي خالياً قبل حبكم ... وكان بذكر الخلق يلهو ويمزح
إلى أن دعا قلبي الهوى وأجابه ... فلست أراه عن فنائك يبرح
دميت ببين منك إن كنت كاذباً ... وإن كنت في الدنيا بغيرك أفرح
وإن كان شيء في البلاد بأسرها ... إذا غبت عن عيني بعيني يملح
وإن شئت واصلني وإن شئت لا تصل ... فلست أرى قلبي بغيرك يصلح
اختلطت غنم الغارة بغنم أهل الكوفة، فتورع بعض عباد الكوفة عن أكل اللحم، وسئل كم تعيش الشاة؟ قالوا: سبع سنين، فترك أكل لحم الغنم سبع سنين.
من وصايا سليمان بن داود عليه السلام: يا بني إسرائيل لا تدخلوا أجوافكم إلا طيباً، ولا تخرجوا من أفواهكم إلا طيباً.
كان بعض العباد يقول: لو وجدت رغيفاً من حلال لأحرقته، ثم سحقته ثم جعلته ذروراً لأداوي به المرضى.
كتب الشيخ الجنيد إلى الشيخ علي بن سهل الأصبهاني: سل شيخك أبا عبد الله محمد بن يوسف البناء: ما الغالب على أمره فسئله فقال: اكتب إليه والله غالب على أمره.
ومن كلام سمنون المحب أول وصال العبد للحق هجرانه لنفسه، وأول هجران العبد للحق مواصلته لنفسه.
من كلام أبي سهل الصعلوكي الصوفي: من تصدر قبل أوانه، فقد تصدى لهوانه. ومن كلامه أيضاً: قد تعدى من تمنى أن يكون كمن تعنى.
قال بعض الأكابر من الصوفية التصوف كمثل السرسام أوله هذيان وآخره سكون، فإذا تمكنت خرست. قال الشيخ العارف مجد الدين البغدادي: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقلت له: ما تقول في حق ابن سينا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: هو رجل أراد أن يصل إلى الله تعالى بلا وساطتي، فحجبته بيدي هكذا فسقط في النار.
لما ماتت ليلى أتى المجنون إلى الحي وسئل عن قبرها ولم يهدوه إليه، فأخذ يشم تراب كل قبر يمر به حتى شم تراب قبرها فعرفه وأنشد:

(1/26)


أرادوا ليخفوا قبرها عن محبها ... وطيب تراب القبر دل على القبر
ثم ما زال يكرر البيت حتى مات ودفن إلى جنبها.
وقفت أعرابية على قبر أبيها، فقالت: يا أبت إن في الله تعالى عوضاً عن فقدك، وفي رسول الله أسوة في مصيبتك، ثم قالت: اللهم نزل بك عبدك خالياً مقفراً من الزاد محشوش المهاد غنياً عما في أيدي العباد، فقيراً إلى ما في يدك يا جواد وأنت أي رب خير من نزل به المرملون واستغنى بفضله المقلون وولج في سعة رحمته المذنبون اللهم فليكن قرى عبدك منك رحمتك ومهاده جنتك ثم بكت وانصرفت.
في مليح يحرث
لله حراث مليح غدا ... في كفه المحراث ما أجمله؟!
كأنه الزهرة قدامه ... الثور يراعي مطلع السنبله
للإمام زين العابدين بن الحسين رضي الله عنه
وإذا بليت بعسرة فاصبر لها ... صبر الكريم فإن ذلك أحزم
لا تشكون إلى الخلائق إنما ... تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم
لبعض الحكماء
لا تبدين لعاذل أو غادر ... حاليك في السراء والضراء
فلرحمة المتوجعين مرارة ... في القلب مثل شماتة الأعداء
لبعضهم
لو جرى دمعك يا هذا دما ... ما تقدمت إلينا قدما
عندنا منك أمور كلها ... حيرة فيما لدينا وعمى
نح علينا أسفاً أو لا تنح ... واقرع السن علينا ندما
لو أردناك لنا ما فتنا ... أو وصلنا حبلنا ما انصرما
أنت لو سالمتنا نلت المنى ... كل من سالمنا قد سلما
محمود الوراق
عطيته إذا أعطى سرور ... وإن أخذ الذي أعطى أثابا
فأي النعمتين أحق شكراً؟ ... وأحمد عند منقلب إيابا
أنعمته التي أهدت سروراً ... أم الأخرى التي أهدت ثوابا
ابن الوردي في مليح صياد
لوجنة صيادكم نسخة ... حريرية ملحة في الملح
يقول لنبت العذار اجتهد ... ومد الشباك وصد من سبح
ابن نباتة في مليح يصيد الكركي
ومولع بفخاخ ... يصفها وشراك
قالت لي العين ماذا ... يصيد قلت كراكي
ابن العدوي في شابين فيم جلس أحدهما يغني والآخر ساكت:
مجلسكم مجلس هني ... يجعل مال البخيل فيئا
وفيه ظبي يقول شيء ... وآخر لا يقول شيئا
عبد الخالق بن أسد الحنيفي في مليح اسمه أحمد:
قال العواذل ما اسم من؟ ... أضنى فؤادك قلت: أحمد
قالوا أتحمده وقد ... أضنى فؤادك؟ قلت: أحمد
النواجي فيمن اسمه أبو بكر:
حب أبي بكر به دمعي كبحر فائض ... وكل من يعذلني عليه فهو رافضي
شمس الدين ابن الصائغ فيمن اسمه علي:
قال العذول عندما ... شاهدني في شغلي
بمن فتنت في الورى؟ ... فقلت: دعني بعلي
ولبعضهم وقد أخذ محبوبه عنه واسمه عليل:
يا سادة دمع عيني ... أضحى إليهم رسولي
قلبي لديكم عليل ... بالله ردوا عليلي
رؤي الجنيد بعد موته في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: طارت تلك الإشارات وطاحت تلك العبارات، وغابت تلك العلوم، واندرست تلك الرسوم، وما نفعنا إلا ركيعات كنا نركعها في السحر قال الخواص: المحبة محو الإرادات واحتراق جميع الصفات والحاجات.
لبعضهم
أكثر العذل، أو فدع ... ليس في سلوتي طمع
لست أشكو الهوى ولو ... صنع الوجد ما صنع
أنا قدري مذلتي ... في الهوى عز وارتفع
في هوى من بحسنه ... كمل الحسن واجتمع
قمر لو رأى سنا ... وجهه البدر ما طلع
كلما صاح باسمه ... سائق في السرى شرع
قام يسعى لحبه ... كل من كل وانقطع

(1/27)


العشق: انجذاب القلوب إلى مغناطيس الحسن، وكيفية هذا الانجذاب لا مطمع في الاطلاع على حقيقتها وإنما يعبر عنها بعبارات تزيدها خفاء وهو كالحسن في أنه أمر يدرك ولا يمكن التعبير عنه وكالوزن في الشعر.
وما أحسن قول بعض الحكماء من وصف الحب ما عرفه ولله در عبد الله بن أسباط القيرواني حيث يقول:
قال الخلي الهوى محال ... فقلت لو ذقته عرفته
فقال هل غير شغل قلب ... إن أنت لم ترضه صرفته
وهل سوى زفرة ودمع؟ ... إن هو لم يزدجر كففته
سئل الصلاح الصفدي عن قول قيس:
أصلي فلا أدري إذا ما ذكرتها ... أإثنين صليت الضحى أم ثمانيا؟
ما وجه الترديد بين الاثنين والثمانية؟ فقال: كأنه لكثرة السهو واشتغال الفكر كان يعد الركعات بأصابعه، ثم أنه يذهل، فلا يدري هل الأصابع التي ثناها هي التي صلاها، أم الأصابع المفتوحة؟! وأقول: لله در الصلاح في هذا الجواب الرائق الذي صدر عن طبع أرق من السحر الحلال وألطف من الخمر إذا شيب بالزلال وإن كنا نعلم أن قيساً لم يقصد ذلك.
السري السقطي قال: خرجت من الرملة إلى بيت المقدس، فمررت بأرض معشبة وفيها غدير ماء فجلست آكل من العشب وأشرب من الماء وقلت في نفسي، إن كنت أكلت أو شربت في الدنيا حلالاً فهو هذا.
فسمعت هاتفاً يقول: يا سري فالنفقة التي أوصلتك إلى ها هنا من أين هي؟! قال قثم الزاهد: رأيت راهباً على باب بيت المقدس كالواله، فقلت له أوصني فقال: كن كرجل احتوشته الضباع فهو خائف مذعور يخاف أن يسهو فتفترسه، أو يلهو فتنهشه، فليله ليل مخافة إذا أمن فيه المغترون، ونهاره نهار حزن إذا فرح فيه الباطلون، ثم أنه ولى وتركني فقلت: زدني، فقال إن الظمآن: يقنع بيسير الماء.
ابن العدوي في مخلف الوعد:
ووعدت أمس بأن تزور فلم تزر ... فغدوت مسلوب الفؤاد مشتتا
لي مهجة في النازعات وعبرة ... في المرسلات وفكرة في هل أتى
قال الشيخ المقتول في بعض مصنفاته: اعلم أنك ستعارض بأعمالك وأقوالك وأفكارك، وسيظهر عليك من كل حركة فعلية أو قولية أو فكرية صور روحانية، فإن كانت تلك الحركة عقلية صارت تلك الصورة مادة لملك تلتذ بمنادمته في دنياك وتهتدي بنوره في أخراك، وإن كانت تلك الحركة شهوية أو غضبية صارت تلك الصورة مادة لشيطان يؤذيك في حال حياتك ويحجبك عن ملاقات النور بعد وفاتك.
ولما احتضر ذو النون المصري، قيل له: ما تشتهي؟ فقال: أشتهي أن أعرفه قبل الموت بلحظة.
ويقال: إن ذا النون كان أصله من النوبة توفي سنة خمس وأربعين ومأتين، في الحديث: وليس عند ربك صباح ولا مساء.
قال علماء الحديث: المراد أن علمه سبحانه حضوري لا يتصف بالمضي والاستقبال كعلمنا، وشبهوا ذلك بحبل، كل قطعة منه لون في يد شخص يمده على بصر نملة، فهي لحقارة باصرتها ترى كل آن لوناً، ثم يمضي ويأتي غيره فيحصل بالنسبة إليها ماض وحال ومستقبل، بخلاف من بيده الحبل فعلمه سبحانه وتعالى وله المثل الأعلى بالمعلومات كعلم من بيده الحبل، وعلمنا بها كعلم تلك النملة، وما أحسن ما قال العارف الرومي في المثنوي.
الحلاج
سقوني وقالوا لا تغني ولو سقوا ... جبال سراة ما سقيت لغنت
قال الشيخ الثقة أمين الدين أبي علي الطبرسي عند قوله تعالى: " إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة " اختلفوا في معنى قوله تعالى على وجوه.
أحدها: أن كل معصية يفعلها العبد جهالة وإن كانت على سبيل العمد، لأنه يدعو إليها الجهل ويزينها للعبد، عن ابن عباس وعطا ومجاهد وقتادة، وهو المروي عن أبي عبد الله رضي الله عنه فإنه قال: كل ذنب عمله العبد وإن كان عالماً فهو جاهل حين خاطر بنفسه في معصية ربه، فقد حكى سبحانه قول يوسف عليه السلام لإخوته: " هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون " فنسبهم إلى الجهل لمخاطرتهم بأنفسهم في معصية الله تعالى.
وثانيها: أن معنى بجهالة: أنهم لا يعلمون كنه ما فيه من العقوبة كما يعلم الشيء ضرورة عن الفراء.

(1/28)


وثالثها: أن معناها: أنهم يجهلون أنها ذنوب ومعاص فيفعلونها، إما بتأويل يخطئون فيه، وإما بأن يفرطوا في الاستدلال على قبحها عن الجبائي وضعف الرماني هذا القول: بأنه خلاف ما أجمع عليه المفسرون، ولأنه يوجب أن لا يكون لمن علم أنها ذنوب توبة، لأن قوله تعالى: " إنما التوبة " يفيد أنها لهؤلاء دون غيرهم.
في الكافي في باب المعيشة في باب عمل السلطان عن أبي عبد الله رضي الله عنه في قول الله عز وجل: " ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار " قال: هو الرجل يأتي السلطان فيحب بقاءه إلى أن يدخل يده إلى كيسه فيعطيه.
في آخر المجلس السادس والسبعين من أمالي ابن بابويه: كتب هارون الرشيد إلى أبي الحسن موسى بن جعفر رضي الله عنه عظني وأوجز، قال: فكتب إليه: ما من شيء تراه عينك إلا وفيه موعظة.
سئل الشيخ أبو سعيد عن التصوف، فقال: استعمال الوقت بما هو أولى به.
وقال بعضهم: هو الانقلاع عن العلائق والانقطاع إلى رب الخلائق في أواخر باب الإرادة من الكافي عن محمد بن سنان، قال: سألته عن الإسم ما هو؟ فقال: صفة لموصوف.
مر المجنون على منازل ليلى بنجد فأخذ يقبل الأحجار، ويضع جبهته على الآثار فلاموه على ذلك، فحلف أنه لا يقبل في ذلك إلا وجهها ولا ينظر إلا جمالها، ثم رؤي بعد ذلك وهو في غير نجد يقبل الآثار ويستلم الأحجار فليم على ذلك، وقيل له: إنها ليست من منازلها.
فأنشد
لا تقل دارها بشرقي نجد ... كل نجد للعامرية دار
فلها منزل على كل أرض ... وعلى كل دمنة آثار
الشيخ محيي الدين ابن عربي
إذا تبدي حبيبي بأي عين أراه؟ ... بعينه لا بعيني فما يراه سواه
لبعضهم
نجب الأعمار بنا تثب ... ما أسرع ما تصل النجب
والشمس تطير بأجنحة ... والليل تطارده الشهب
والدهر يجد بفعل الجد ... فليس يليق بك اللعب
ما القصد سواك فخل ... هواك وكن رجلاً فلك الطلب
العرش لأجلك مرتفع ... والفرش لأجلك منتصب
والجو لأجلك منخرق ... والريح تمور بها السحب
والزهر لجهلك مبتسم ... والغيم لغمرك ينتحب
وكان سماء الدنيا البحر ... وحب كواكبها حبب
وكان الشمس سفينته ... وشراع ذوائبها ذهب
سل دهرك أين قرون ... الأرض تجبك: بأنهم ذهبوا
ساروا عنا سيراً عجلا ... فكان مسيرهم الخبب
واستوحشت الأوطان لهم ... لما أنست بهم الترب
ما أفصحهم ولقد صمتوا ... ما أبعدهم ولقد قربوا
يا لاعب جد بفعل الجد ... فليس الأمر به لعب
واهجر دنياك وزخرفها ... فجميع مناصبها نصب
فكأنك والأيام وقد ... فتحت باباً فيها النوب
وبقيت غريب الدار فلا ... رسل يأتيك ولا كتب
وسلاك الأهل ومن الصحب ... كأنهم لك ما صحبوا
فإذا نقر الناقور وصاح ... ويومئذ يوم عجب
فيصيخ السمع ويجسو الجمع ... ويجري الدمع وينسكب
وجميع الناس قد اجتمعوا ... ثم افترقوا ولهم رتب
ذا مرتفع ذا منخفض ... ذا منجزم ذا منتصب
فهناك المكسب والخسران ... وثم الراحة والتعب
آخر
نسمات هواك لها أرج ... تحيي وتعيش بها المهج
وبنشر حديثك يطوي ... الغم عن الأرواح ويندرج
وببهجة وجه جلال جمال ... كمال صفاتك أبتهج
لا كان فؤاد ليس يهم ... على ذكراك وينزعج
لا أعتب قلب الغافل عنك ... فليس على الأعمى حرج
ما الناس سوى قوم عرفوك ... وغيرهم همج همج
قوم فعلوا خيراً فعلوا ... وعلى الدرج العليا درجوا
فهموا المعنى فهم المعنى ... فبذكر الله لهم لهج

(1/29)


دخلوا فقراء إلى الدنيا ... وكما دخلوا منها خرجوا
شربوا بكؤوس تفكرهم ... من صرف هواه وما مزجوا
يا مدعياً لطريقهم ... قوم فطريقك منعوج
تهوى ليلى وتنام الليل ... وحقك ذا طلب سمج
آخر
عظمت آياتك يا ملك ... فالملك بحكمك والملك
ولهيبة أمرك سار الفلك ... ودار بقدرتك الفلك
وكذاك رحى الأيام تدو ... ر بسير عجيب لا يدرك
غرر نفل تسع عشر ... بيض ودع ظلم ظلم حلك
عميت أبصار ولاة الشر ... ك فقيد أسرهم الشرك
واغليلس ليل بلوغ الكيف ... فلم تر نحوك منسلك
وأضاء نهارك للعقلاء ... فمذ وجدوا جدداً سلكوا
نطق العقلاء العلماء خ ل بشرح الطر ... ف فمذ وصلوا إليك ارتبكوا
آخر
في الدهر تحيرت الأمموالحاصل منه لهم ألمبعجائبه ومصائبه
أمواج زواخر تلتطموالعمر يسير مسير الشمسفليس تقر له قدم
قدمان له يسعى بهمافضحى ودجى، ضوء ظلموالناس بحلم جهالتهم
فإذا ذهبوا ذهب الحلمصم بكم عميٌ بهمنعم قسمت لهم نعم
فرقوا فرقاً فرقوا فرقاًومضوا طرقاً لا تلتئمذا مرتفع ذا منتصب
ذا منخفض ذا منجزملا يفتكرون لما وجدوالا يعتبرون لما عدموا
أهواء نفوسهم عبدواوالنفس لعابدها صنمواسم الإسلام على ذا الخلق
وليس المسلم عشرهمأوليس المسلم من سلمت؟منه نفس ويد وفم
لابن الملحي في بحر كان وكان
يا من نسميه إنسانفكر بنفسك ترى العجبفليس في الخلق أعجب
من خلقة الإنسانحدث قليل تسلمواسمع كثير تنتفع
فإن منطقك واحدومسمعك اثنانهوى النفوس يثور
نار الطباع فتشتعلوالقلب قدر خفيفةسريعة الغليان
وذي قدور البواطنلها معارف السنةتنضج طعام المعاني
فتخرج الألوانفكل شخص لسانهمن قدر قلبه يغترف
إن كان طيب فطيبوإن كان غير فكانوالآنية ما تنتضح
إلا بما في وسطهاوالقول وصف القابلإذا تكلم بان
قل خير تغنم أو اسكتتسلم ولا تعتب أحداًوإن خلوت فعندك
آذان للحيطانإذا تمشي حالكراجل فلا تطلب فرس
ففي مزيد التكلفيخشى من النقصانالنمل قد كان عمراً
يمشي بأربع قوائمطلب لنفسه زيادةجناح للطيران
لما نبت له جناحينبداجنا الحين والتلفومات بعد حياتوا
في الطريق والمسلانوالذئب حصل نعجةوجاء إلى نهر قد صفا
ابصر خيال النعجةحسبتهما ثنتانفقا اصعد هذاي
واترك الأخرى تقتفنزل وخلى النعجةغدت إلى القطعان
وغاص في الماء يخبطهعلى الخيال الذي رأىحتى تعب وتوحل
فأبصر الذئب ملقىفي الماء وهو تعبانفدكه فرد حربة
فمات في بحر الأمللا صيد حصل ولا هونجا من الحدثان
وكل ما في الدنيامثال ما في الساقيةوكلنا نحن نسعى
كما سعى السرحان
وله أيضاً
النفس صحبتك عمركوما أراك عرفتهاقبيح تدخل منزل
ما تعرف السكانالنفس والعقل ضدينهي تنبسط وهو ينقبض
وهو يقول رب عادلوهي تقول رحمانلسقت قاضي طمعها
يقل لها تلحقي الأملمن جاء إلى القاضيوحده خرج وهو فرحان
أبوك عاداه شيطانمن جنة الخلد اخرجوما عصيت لوالدك
واقبل عداوة الشيطانفهو عدو وحاسديفرح إذا نلت معصية
وقصده أن تهلكوتحرم الرضوانقصيب أقوام راحة
تكون راحة يقع لقومحايط يوسع على الجيرانعلى الخلايق تجرد
تقطع طريق الآخرةما يقطع السيف إلامجرد عريان
من هو بنفسه كاملدع لا يكمل ظاهرهوايش يحتاج ينقش
مخيم السلطاناي من يسبح عينهوهو تسح بها الدما
كمن فرش في الحانهليقرأ القرآناصطاد صياد اطياراً؟
في بعض أيام الشتاوجاءها وهو يرعدوالدمع في الأجفان
وصار يكتف ويحذفويحو في الكيس ما حوىوعينه بالبرودة
شديدة الحرمانفقال منها طائرصيادنا من ذوي التقى

(1/30)


مهما أن عينو تبكيفإننا بأمانقالوا تطاول عينو
طالع كقرن الظباما خلف هذا الفارةأمان ولا إيمان
وكان لابن الملحي على بحر كان وكان:
مثل ضرب لابن آدم لما اثير من الثرى ... وحل في ذي الدنيا وعاد إلى ماثار
بغلارؤه نائم في البر والليل معتكر ... حلوا وثاقه وساروا به سريعاً فسار
جاؤا به طاحونة فأدخلوه للعمل ... وعينه مشدودة وقد ربط بزيار
ضرب بسوط الإرادة على طول ليله ... يظن أنه يقطع سفراً من الأسفار
والصبح حلوا وثاقه وجوبه موضع أخذ ... أبصر مكانو الأول وعاد إلى الآثار
كأنه من مكانه ما زال قط ولا برح ... أو كان في النوم يبصر أو في خيال الإزار
هذا مثل لابن آدم في الأرض كان من القدم ... سير بدرب الأحشة وصل إلى ذي الدار
عمل وعينوا لبصيرة قد سدها كف الأمل ... حتى مضى ليل غمر وجاءت الأسحار
حلوه حثوا بسيره سرع إلى الأرض الأوله ... وصال فحلو عينو طلع إلى الأسرار
تراب كان في الأول رتب على هذا الجسد ... ثم التراب الأول رجع إليه وصار
التوبة تهدم الحوبة، الفقر يخرس الفطن عن حجته، الكامل من عدت هفواته، المرض حبس البدن، والهم حبس الروح، المفروح به هو المحزون عليه، الفرار في وقته ظفر، أقرب رأيك إلى الصواب أبعدها عن هواك.
قال أبو حنيفة لمؤمن الطاق: مات إمامك يعني جعفر الصادق رضي الله عنه، فقال له مؤمن الطاق: لكن إمامك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم فضحك المهدي وأمر لمؤمن الطاق بعشرة آلاف درهم.
أهدى الشريف إلى الملك صلاح الدين ابن أيوب هدايا، وكان الرسول يخرج منها واحدة ويعرضها على الملك، فأخرج مروحة من خوص النخل.
وقال أيها الملك هذه مروحة ما رأى الملك ولا أحد من آبائه مثلها، فاستشاط الملك غضباً وتناولها منه وإذا عليها مكتوب:
أنا من نخلة تجاور قبرا ... ساد من فيه سئر الناس طرا
شملتني سعادة القبر حتى ... صرت في راحة ابن أيوب أقرا
فعرف أنها من خوص النخل الذي في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم فقبلها الملك ووضعها على رأسه، وقال للرسول: صدقت صدقت.
لقي الحجاج أعرابياً فقال له: ما بيدك؟ قال: عصاي اركزها لصلاتي، وأعدها لعداتي، وأسوق بها دابتي، وأقوى بها على سفري، وأعتمد عليها في مشيي ليتسع خطوي، وأثب بها على النهر وتؤمنني العثر، وألقي عليها كسائي فيقيني الحر وتجنبني القر وتدني إلي ما بعد مني وهي محمل سفرتي وعلاقة أدواتي، أقرع بها الأبواب، وألقي بها عقور الكلاب، وتنوب عن الرمح في الطعام وعن السيف عند منازلة الأقران ورثتها عن أبي وسأورثها ابني بعدي، وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى فبهت الحجاج وانصرف.
من تاريخ ابن زهرة الأندلسي: أبو يزيد البسطامي خدام أبا عبد الله جعفر بن محمد الصادق سنين عديدة، وكان يسميه طيفور السقاء، لأنه كان سقاء داره، ثم رخص له في الرجوع إلى بسطام فلما قرب منها خرج أهل البلد ليقضوا حق استقباله، فخاف أن يدخله العجب بسبب استقبالهم، وكان ذلك في شهر رمضان فأخذ من سفرته رغيفاً وشرع في أكله وهو راكب على حماره، فلما وصل إلى البلد وجاء علماؤها وزهادها إليه وجدوه يأكل في شهر رمضان، قل اعتقادهم فيه وحقر في أعينهم وتفرق أكثرهم عنه، فقال: يا نفس: هذا علاجك، ومن كلامه: لا يكون العبد محباً لخالقه، حتى يبذل نفسه في مرضاته سراً وعلانية، فيعلم الله من قلبه أنه لا يريد إلا هو.

(1/31)


وسئل ما علامة العارف؟ فقال: عدم الفتور عن ذكره جل جلاله وعدم الملال من حقه وعدم الأنس بغيره، وقال: ليس العجب من حبي لك وأنا عبد فقير، ولكن العجب من حبك لي وأنت ملك قدير، وقيل له: بأي شيء يصل العبد إلى أعلى الدرجات؟ فقال: بالخرس والعمى والصمم، ودخل عليه أحمد بن خضرويه البلخي فقال له أبو يزيد: يا أحمد كم تسيح؟ فقال: إن الماء إذا وقف في مكان واحد نتن، فقال له أبو يزيد: كن بحراً حتى لا تنتن. وقال: التصوف صفة الحق ألبسها العبد، وقال: من عرف الله فليس له مع الخلق لذة، ومن عرف الدنيا فليس له في معيشته لذة، ومن انفتحت عين بصيرته بهت ولم يتفرغ للكلام، وقال لا يزال العبد عارفاً ما دام جاهلاً فإذا زال جهله زالت معرفته، وقال ما دام العبد يظن أن في الخلق من هو شر منه، فهو متكبر، وقيل له: هل يصل العبد إليه في ساعة واحدة؟ فقال: نعم، ولكن الربح بقدر السفر، وسأله رجل: من أصحب؟ فقال: من لا يحتاج إلى أن تكتمه شيئاً مما يعلمه الله تعالى منك.
قال كاتب الأحرف: إن ملاقات أبي يزيد البسطامي لأبي جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنه، وكونه سقاء في داره سلام رضي الله عليه، أوردها جماعة من أصحاب التاريخ، وأوردها الفخر الرازي في كثير من كتبه الكلامية وأوردها السيد الجليل رضي الدين علي بن طاووس في كتاب الطرائف، وأوردها العلامة الحلي قدس الله روحه في شرحه على التجريد، وبعد شهادة أمثال هؤلاء بذلك لا عبرة بما في بعض الكتب كشرح المواقف: من أن أبا يزيد لم يلق الإمام رضي الله عنه ولم يدرك زمانه، بل كان متأخراً عنه بمدة مديدة، وربما يدفع التنافي من البين بجعل المسمى بهذا الاسم اثنين، أحدهما طيفور السقاء الذي لقي الإمام رضي الله عنه وخدمه، والآخر شخص غيره، ومثل هذا الاشتباه يقع كثيراً، وقد وقع مثله في المسمى بأفلاطون، فقد ذكر صاحب الملل والنحل أن جماعة متعددين من الحكماء القدماء كل منهم كان يسمى أفلاطون.
في استخراج اسم المضمر، مرة ليلقي أوله ويخبر بعدد الباقي، فاحفظه، ثم ليخبر بما عدا ثانية ثم بما عدا ثالثة وهكذا، ثم اجمع المحفوظات واقسم الحاصل على عددها بعد إلقاء واحد منها، ثم أنقص من خارج القسمة المحفوظ الأول فالباقي هو عدد الحرف الأول ثم أنقص منه المحفوظ الثاني فالباقي هو عدد الحرف الثاني وهكذا في استخراج اسم الشهر المضمر أو البرج المضمر، مرة ليأخذ لكل ما فوق المضمر ثلاثة ثلاثة وله مع ما تحته اثنين اثنين ثم يخبرك بالمجموع فيلقي 24 ثم يلقي الباقي في اثني عشر وتعد الباقي من محرم أو من الحمل فما انتهى إليه فهو المضمر.
في استخراج العدد المضمر: مرة ليلقي منه ثلاثة ثلاثة ويخبرك بالباقي، فيأخذ لكل واحد منه 70 ثم مرة ليلقي منه سبعة سبعة ويخبرك بالباقي فيأخذ لكل واحد منه 15 ثم مرة ليلقي منه خمسة خمسة ويخبرك بالباقي فيأخذ لكل واحد منه 21 ثم يجمع الحواصل ويلقي من المجتمع مائة وخمسة فما بقي هو المطلوب.
الأرجوزة المشهورة للفاضل مجد الدين ابن مكانس.
هل من فتى ظريف معاشر ... لطيف يسمع من مقالي
ما يرخص اللئالي أمنحه ... وصية سارية سرية
تنير في الدياجي كلمعة ... السراج جالبة السراء
جليلة الأبناء ماجنة ... خليعة بليغة مطيعة
رشيقة الألفاظ تسهل ... للحفاظ جادت بها القريحة
في معرض النصيحة أنا الشفيق ... الناصح أنا المجد المازح
أسلك مع الجماعة في طرق ... الخلاعة أجد للأكياس
عهد أبي نؤاس إن تبتغ ... الكرامة وتطلب السلامة
أسلك مع الناس الأدب ترى ... من الدهر العجب لن لهم الخطابا
واعتمد الآدابا تنل بها الطلابا ... وتسحر الألبابا
إليس حلى الخلاعة واخلع رد الرقاعة ... ولا تطاول بنشب
ولا تفاخر بنسب فالمرؤ إبن اليوم ... والعقل زين القوم

(1/32)


ما أروض السياسة لصاحب الرياسة ... إن شئت تلفى محسنا
فلا تقل قط أنا وإن أردت ... لا تهن إذا ائتمنت لا تخن
العز في الأمانة والكيس في الفطانة ... القصد باب البركة
والخرق داعي الهلكة لا تغصب الجليسا ... لا توحش الأنيسا
لا تصحب الخسيسا ... لا تسخط الرئيسا
لا تكثر العتابا تنفر ... الأصحابا فكثرة المعاتبة
تدعو إلى المجانبة وإن حللت ... مجلساً بين سراة رؤسا
واحذر وبال السخف لا تلفظن كاذباً ... لا تهمل الملاعبا
قرب الندامى يلجي للنرد والشطرنج ... واختصر السؤالا
وقلل المقالا ولا تكن معربدا ... ولا بغيضاً نكدا
ولا تكن مقداما تسطو على الندامى ... لا تسلك الأقداحا
تنغص الأفراحا لا تقطع الطوافة ... لا تهجر السلافة
لا تحمل الطعاما والنقل والمداما ... فذاك في الوليمه
شناعة عظيمة لا يرتضيها آدم ... غير مقل عادم
وقل من الكلام ما لاق بالمدام ... كرائق الأشعار
وطيب الأخبار واترك كلام السفلة ... والنكت المبتذلة
وقالت الأكياس إذا أريق الكأس ... بادره بالمنديل
في غاية التعجيل فشملة الكرام ... سفنجة المدام
وإن رقدت عندهم فلا تشاكل عبدهم ... فإن سلمت مرة
فلا تعد يا غرة
لا تأمنن الثانية فإن تلك القاضية ... والدب فاحذره حذر
فإنه إحدى الكبر فيا لها فيضحة ... ومحنة قبيحة
فاعلها لا يكرم وإن رزي لا يرحم ... كم أسكن الترابا
ذو غيرة دبابا وكم فتى من دبه ... أصبح مفضى الثقبة
جازوه من جنس العمل وصار في الناس مثل ... ليس له من آسي
كمثل بعض الناس كفته تلك شهرة ... ومثلة وعبرة
إياك والتطفيلا فشومه وبيلا ... تباً لها من محسنة
وثلمة وهجنة لا تقرب اللطاعة ... فإنها دلاعة
ولا تكن مبذولا ولا تكن ملولا ... وإن دعاك إخوة
إلى ارتشاف القهوة فلا تصقع ذقنكا ... ولا تزرهم بابنكا
ولا بجار الدار ولا بشخص طاري ... ولا بخل تألفه
ولا صديق تصدفه ولا تقل لمن تحب ... ضيق الكرام يصطحب
فهذه أمثال غالبها ... محال سيرها الأعراب
الجاعة السغاب قد وضعوها في الورى ... طيزاً لأولاد الخرا
وإن حلت مشربه مع سوقة لاكتبه ... فاقلل من المدام
في مجلس العوام ولا تكن ملحاحا ... واجتنب المزاحا
لأنهم إن مزحوا ابتدؤا وافتتحوا ... وذقننوا ومرحضوا
وانصفعوا وانخمضوا كن كابن حجاج ولا ... ترتدوا صفع بالدلا
فكثرة المجون نوع من الجنون ... والأمر فيه محتمل

(1/33)