صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : الكامل في اللغة والادب
المؤلف : المبرد
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

فأما كعب، فهو كعب بن مامة الإيادي، وكان وكان أحد أجواد العرب الذي آثر على نفسه،وكان مسافراً ورفيقه رجل من النمر بن قاسط فقل عليهما الماء فتصافناه والتصافن: أن يطرح في الإناء حجرٌ ثم يصب فيه من الماء ما يغمره لئلا يتغابنوا: وكذلك كل شيء وقف على كيله أو وزنه، والأصل ما ذكرنا فجعل النمري يشرب نصيبه، فإذا أخذ كعب نصيبه قال: اسق أخاك النمري، فيؤثره حتى جهد كعبٌ، ورفعت له أعلام الماء، فقيل له: رد كعب ولا ورود به، فمات عطشاً، ففي ذلك يقول أبو دؤاد الإيادي:
أوفى على الماء كعبٌ ثم قيل له ... رد كعب إنك ورادٌ فما وردا
فضرب به المثل، فقال جرير في كلمته التي مدح فيها عمر بن عبد العزيز:
يعود الفضل منك على قريشٍ ... وتفرج عنهم الكرب الشدادا
وقد أمنت وحشهم برفقٍ ... ويعيي الناس وحشك أن تصادا
وتبني المجد يا عمر ابن ليلى ... وتكفي الممحل السنة الجمادا
وتدعوا الله مجتهداً ليرضى ... وتذكر في رعيتك المعادا
وما كعب ابن مامة وابن سعدى ... بأجود منك يا عمر الجوادا
تعود صالح الأخلاق إني ... رأيت المرء يلزم ما استعادا
هذا كعب ابن مامة الذي ذكرناه.
وأما ابن سعدى، فهو أوس بن حارثة بن لأم الطائي، وكان سيداً مقدماً، فوفد هو وحاتم بن عبد الله الطائي على عمرو ابن هند، وأبوه المنذر بن المنذر بن ماء السماء، فدعا أوساً فقال له: أأنت أفضل أم حاتم؟ فقال أبيت اللعن لو ملكني حاتم وولدي ولحمتي لوهبنا في غداةٍ واحدةٍ. ثم دعا حاتماً فقال له: أنت أفضل أم أوسٌ؟ فقال أبيت اللعن إنما ذكرت بأوسٍ، ولأحد ولده أفضل مني.
وكان النعمان بن المنذر دعا بحلة وعنده وفود العرب من كل حي فقال: احضروا في غد، فإني ملبس هذه الحلة أكرمكم، فحضر القوم جميعاً إلا أوساً، فقيل له: لم تتخلف فقال إن كان المراد غيري فأجمل الأشياء ألا أكون حاضراً، وإن كنت أنا المراد فسأطلب ويعرف مكاني.فلما جلس النعمان لم ير أوساً، فقال اذهبوا إلى أوس فقولوا له: احضر آمناً مما خفت، فحضر فألبس الحلة، فحسده قوم من أهله، فقالوا للحطيئة: اهجه ولك ثلاثمائة ناقة، فقال الحطيئة: كيف أهجو رجلاً في بيتي أثاثاً ولا مالاً إلا من عنده ثم قال:
كيف الهجاء وما تنفك صالحةٌ ... من آل لأم بظهر الغيب تأتيني
فقال لهم بشر بن أبي خازم، أحد بني أسد بن خزيمة : أنا أهجو لكم، فأخذ الإبل وفعل، فأغار أوس على الإبل فاكتسحتها، فجعل لا يستجير حياً إلا قال: قد أجرتك إلا من أوس. وكان في هجائه إياه قد ذكر أمه، فأتى به، فدخل أوس على أمه فقال: قد أتينا ببشرٍ الهاجي لك ولي، فما ترين فيه؟ فقالت له: أو تطيعني فيه؟ قال نعم، قالت: أرى أن ترد عليه ماله، وتعفو عنه وتحبوه، وافعل مثل ذلك، فإنه لا يغسل هجاءه إلا مدحه.
فخرج إليه فقال: إن أمي سعدى التي كنت تهجوها قد أمرت فيك بكذا وكذا فقال: لا جرم والله لا مدحت أحداً حتى أموت غيرك. ففيه يقول:
إلى أوس بن حارثة بن لأمٍ ... ليقضي حاجتي فيمن قضاها
وما وطئ الثرى مثل ابن سعدى ... ولا لبس النعال ولا احتذاها
وأما حاتمٌ الذي ذكره الفرزدق، فهو حاتم بن عبد الله الطائي، جواد العرب، وقد كان الفرزدق صافن رجلاً من بني العنبر بن عمرو بن تميم إدواة في وقتٍ، فرامه العنبري وسلمه أن يؤثره وكان الفرزدق جوادا فلم تطب نفسه عن نفسه، فقال الفرزدق:
فلما تصافنا الإداوة أجهشت ... إلي غضون العنبري الجراضم
فجاء بجلمود له مثل رأسه ... ليشرب ماء القوم بين الصرائم
على ساعةٍ لو أن في القوم حاتماً ... على جوده ضنت به نفس حاتم
أما قوله: " أجهشت " فهو التسرع، وما تراه في فحواه من مقاربة الشيء، يقال: أجهش بالبكاء. والغضون: التكسر قي الجلد، والجراضم: الأحمر الممتلئ.
وقوله:
ليشرب ماء القوم بين الصرائم
فهي جمع صريمةٍ، وهي الرملة التي تنقطع من معظم الرمل، وقوله: " صريمة " يريد مصرومة، والصرم: القطع، وأتشد الأصمعي:
فبات يقول أصبح ليل حتى ... تجلى على صريمته الظلام

(1/61)


يعني ثوراً، وصريمته: رملته التي هو فيها. وقال المفسرون في قول الله عز وجل: " فأصبحت كالصريم " القلم 20 قولين، قال قوم: كالليل المظلم، وقال قوم: كالنهار المضيء، أي بيضاء لا شيء فيها، فهو من الأضداد. ويقال: لك سواد الأرض وبياضها، أي عامرها وغامرها، فهذا ما يحتج به لأصحاب القول الأخير، ويحتج لأصحاب القول الأول في السواد بقول الله تبارك وتعالى : " فجعله غثاءً أحوى " الأعلى 5، وإنما سمي السواد سواداً لعمارته، وكل خضرةٍ عند العرب سواد، ويروى:
على ساعةٍ لوأن في القوم حاتماً ... على جوده ما جاد بالماء حاتم
جعل " حاتما " تبيناً للهاء في جوده، وهو الذي يسميه البصريون البدل، أراد: على جود حاتمٍ
باب
نبذ من أقوال الحكماء
قال أبو العباس: كان يقال: إذا رغبت في المكارم فاجتنب المحارم وكان يقال: أنعم الناس عيشاً من عاش غيره في عيشه. وقيل في المثل السائر: من كان في وطن فليوطن غيره وطنه، ليرتع في وطن غيره في غربته.
قال : وأنتبه معاوية من رقدةٍ له، فأنبه عمرو بن العاص، فقال له عمرو: ما بقي من لذتك؟ قال : عينٌ خرارة في أرض خوارة، وعينٌ ساهرة لعينٌ نائمة، فما بقي من لذتك يا أبا عبد الله؟ قال : أن أبيت معرساً بعقيلة من عقائل العرب. ثم نبها وردان، فقال له معاوية: ما بقي من لذتك؟ فقال : الإفضال على الإخوان، فقال له معاوية : اسكت، أنا أحق بها منك، قال: قد أمكنك فافعل.
ويروى أن عمراً لما سئل قال: أن أستتم بناء مدينتي بمصر، وأن وردان لما سئل قال: أن ألقى كريماً قادراً في عقب إحسانٍ كان مني إليه، وأن معاوية سئل عن الباقي من لذته فقال: محادثة الرجال ويروى عن عبد الملك أنه قال: وقد سئل عن الباقي من لذته فقال: محادثة الإخوان في الليالي القمر على الكثبان العفر.
وقال سليمان بن عبد الملك: قد أكلنا الطيب، ولبسنا اللين، وركبنا الفاره، وأمتطينا العذراء، فلم يبق من لذتي إلا صديق أطرح بيني وبينه مؤونة التحفظ.
وقال رجل لرجل من قريش: إني والله ما أمل الحديث، قال: أيمل العتيق؟ وقال المهلب بن أبي صفرة: العيش كله في الجليس الممتع.
وقال معاوية: الدنيا بحذافيرها الخفض والدعة .
وقال يزيد بن المهلب: ما يسرني أني كفيت أمر الدنيا كله، قيل له: ولم أيها الأمير؟ قال:أكره عادة العجز.
ويروى عن بعض الصالحين أنه قال: لو أنزل الله كتاباً أنه معذب رجلاً واحداً لخفت أن أكونه، أو أنه راحمٌ رجلاً واحداً لرجوت أن أكونه، أو أنه معذبي لا محال ما ازددت إلا اجتهاداً لئلا أرجع على نفسي بلائمة .
أدب عمر بن عبد العزيز
ويروى أن عمر بن عبد العزيز كان يدخل إليه سالم مولى بني مخزوم وقالوا: بل زياد وكان عمر أراد شراءه وعتقه، فأعتقه مواليه، وكان عمر يسميه: أخي في الله، فكان إذا دخل وعمر في صدر مجلسه تنحى عن الصدر، فيقال له في ذلك فيقول: إذا دخل عليك من لا ترى لك عليه فضلاً فلا تأخذ عليه شرف المجلس، وهم السراج ليلة بأن يخمد، فوثب إليه رجاء بن حيوة ليصلحه، فأقسم عليه عمر فجلس، ثم قام عمر فأصلحه. فقال له رجاء: أتقوم يا أمير المؤمنين قال: قمت وأنا عمر بن عبد العزيز، ورجعت وأنا عمر بن عبد العزيز.وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " لا ترفعوني فوق قدري فتقول في ما قالت النصارى في المسيح، فإن الله اتخذني عبداً قبل أن يتخذني رسولاً " ودخل مسلمة بن عبد الملك على عمر بن عبد العزيز في مرضته التي مات فيها، فقال: ألا توصي يا أمير المؤمنين؟ قال : فيم أوصي؟ فوالله إن لي من مال، فقال: هذه مائة ألف فمر فيها بما أحببت، فقال: أو تقبل؟ قال: نعم،قال. ترد على من أخذت منه ظلماً. فبكى مسلمة ثم قال: يرحمك الله لقد ألنت منا قلوباً قاسية، وأبقيت لنا في الصالحين ذكراً .
بر علي بن الحسين بأمه
وقيل لعلي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رحمهم الله: إنك من أبر الناس بأمك ولسنا نراك تأكل مع أمك في صحفةٍ، فقال: أخاف أن تسبق يدي إلى ما قد سبقت عينها إليه فأكون قد عققتها.
لعمر بن ذر في ابنه
وقيل لعمر بن ذر حيث نظر إلى تعزيه عن إبنه كيف كان بره بك؟ فقال: ما مشيت بنهارٍ قط إلا مشى خلفي، ولا بليلٍ إلا مشى أمامي، ولا رقي سطحاً وأنا تحته.

(1/62)


لأبي المخش في ولده
وقال أبو المخش: كانت لي إبنة تجلس معي على المائدة، فتبرز كفاً كأنها طلعة، في ذراعٍ كأنها جمارة، فلا تقع عينها على أكلة نفيسة إلا خصتني بها، فزوجتها، وصار يجلس معي على المائدة ابنٌ لي فيبرز كفاً كأنها كرنافة، في ذراعٍ كأنها كربة، فوالله إن تسبق عيني إلى لقمة طيبة إلاسبقت يده إليها.
وقال الأصمعي: قيل لأبي المخش: أما كان لك ابنٌ؟ فقال: المخش، وما كان المخش؟ كان والله أشدق خرطمانياً إذا تكلم سال لعابه، كأنما ينظر من قلتين، وكأن ترقوته بوان أو خالفة، وكأن مشاش منكبيه كركرة جمل، فقأ الله عيني هاتين إن كنت رأيت بهما أحسن منه قبله ولا بعده.
قوله: " بوان أو خالفة " فهما عمودان من عمد البيت، البوان في مقدمه والخالفة في مؤخره . والكرنافة : طرف الكربة العريض الذي يتصل بالنخلة كأنه كتف.
حدثني بهذا الحديث العباس بن الفرج الرياشي عن الأصمعي، وحدثني عمن حدثه قال: مر بنا أعرابي ينشد إبناً له، فقلنا: صفه، فقال: دنينير، قلنا لم نره، فلم نلبث أن جاء بجعل على عنقه، فقلنا: لو سألت عن هذا لأرشدناك، ما زال منذ اليوم بين أيدينا.
وأنشد منشد، وأنشدني الرياشي أحد البيتين:
نعم ضجيع الفتى إذا برد الليل ... صحيراً وقرقف الصرد
زينها الله في الفؤاد كما ... زين في عين والدٍ ولد
لأم ثواب الهزانية تصف عقوق ابنها
وقالت أم ثواب الهزانية، من عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار، تعني ابنها:
ربيته وهو مثل الفرخ أعظمه ... أم الطعام ترى في ريشه زغبا
حتىإذا آض كالفحال شذبه ... أباره ونفى عن متنه الكربا
أنشا يخرق أثوابي ويضربني ... أبعد ستين عندي يبتغي الأدبا
إني لأبصر في ترجيل لمته ... وخط لحيته في وجهه عجبا
قالت له عرسه يوماً لتسمعني: ... رفقاً فإن لنا في أمنا أربا
ولو رأتني في نارٍ مسعرة ... من الجحيم لزادت فوقها حطبا
قوله: " أباره " ، فهو الذي يصلحه، يقال: أبرت النخل وأبرته خفيفة، إذا لقحته.
خبر مالك بن العجلان مع أبي جبيلة
ويرى أن مالك بن العجلان أو غيره من الأنصار كان يتحف أبا جبيلة الملك حيث نزل بهم بتمرٍ من نخلةٍ لهمشريفةٍ، فغاب يوماً، فقال أبو جبيلة: إن مالكاً كان يقوت علينا جنى هذه النخلة فجدوها، فجاء مالك وقد جدت فقال: من سعى على عذق الملك فجده، فأعلموه أن الملك أمر بذلك، فجاء حتى وقف عليه فقال:
جددت جنى نخلتي ظالماً ... وكان الثمار لمن قد أبر
فلما دخل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة أطرفوه بهذا الحديث، فقال صلى الله عليه وسلم " الثمر لمن أبر، إلا أن يشترطه المشتري " .
والفحال فحال النخل: ولا يقال لشيء من الفحول فحال غيره. وأنشدني المازني:
يطفن بفحالٍ كأن ضبابه ... بطون الموالي يوم عيدٍ تغدت
وضبابه: طلعه. وآض: عاد ورجع.
وقولها: " شذبه " تقول: قطع عنه الكرب والعثاكيل وكل مشذب مقطوع ويقال للرجل الطويل النحيف: مشذب يشبه بالجذع المحذوف عنه الكرب وأصل التشذيب القطع وقال الفرزدق:
عضت سيوف تميمٍ حين أغضبها ... رأس ابن عجلى فأضحى رأسه شذباً
أراد: عضت سيوف تميم رأس ابن عجلى حين أغضبها.
وابن عجلى : عبد الله بن خازم السلمي وأمه عجلى وكانت سوداء وهو أحد غرباء العرب في الإسلام.
للمهلب وقد سئل من أشجع الناس؟
وسئل المهلب من أشجع الناس فقال : عباد بن حصين، وعمر بن عبيد الله بن معمر، والمغيرة بن المهلب فقيل. فأين ابن الزبير وابن خازم وعمير بن الحباب فقال : إنما سئلت عن الإنس ولم أسأل عن الجن.
باب
من كلام عائشة
روى شعبة عن واقد بن محمد، عن أبي مليكة، عن القاسم بن محمد قال: قالت عائشة رضي الله عنها: من أرضى الله بإسخاط الناس كفاه الله ما بينه وبين الناس ومن أرضى الناس بإسخاط الله وكله الله إلى الناس ومن أصلح سريرته أصلح الله علانيته.
بين الحسن بن زيد وا لي
المدينة وابن هرمة

(1/63)


ويروى أن الحسن بن زيد لما ولي المدينة قال لابن هرمة: إني لست كمن باع لك دينه رجاء مدحك أو خوف ذمك قد أفادني الله بولادة نبيه الممادح، وجنبني المقابح وإن من حقه علي ألا أغضي على تقصير في حقه وأنا أقسم بالله، لئن أتيت بك سكران لأضربنك حدين: حدا للخمر، وحدا للسكر وأزيدن، لموضع حرمتك بي. فليكن تركها لله تعن عليه ولا تدعها للناس فتوكل إليهم. فنهض ابن هرمة وهو يقول:
نهاني ابن الرسول عن المدام ... وأدبني بآداب الكرام
وقال لي اصطبر عنها ودعها ... لخوف الله لا خوف الأنام
وكيف تصبري عنها وحبي ... لها حب تمكن من عظامي
أرى طيب الحلال علي خبثاً ... وطيب النفس في خبث الحرام
من كلام مطرف بن عبد الله
بن الشخير الحرشي
وقال الحسن لمطرف بن عبد الله بن الشخير الحرشي: يا مطرف، عظ أصحابك فقال مطرف: إني أخاف أن أقول ما لا أفعل.
فقال الحسن : يرحمك الله وأينا يفعل ما يقول لود الشيطان أنه ظفر بهذه منكم فلم يأمر أحد بمعروف، ولم ينه عن منكر.
وقال مطرف بن عبد الله لابنه: يا عبد الله، العلم أفضل من العمل، والحسنة بين السيئتين وشر السير الحقحقة.
قوله: " الحسنة بين السيئتين " .، يقول: الحق بين فعل المقصر والغالي. ومن كلامهم: خير الأمور أوسطها.
قوله: " وشر السير الحقحقة " وهو أن يستفرغ المسافر جهد ظهره فيقطعه، فيهلك ظهره، ولا يبلغ حاجته. يقال: حقحق السير إذا فعل ذلك . وقال الراجز:
وأنبت فعل السائر المحقحق
وحدثت أن الحسن نفى سابق الحاج وقد أسرع، فجعل يومىء إليه بإصبعه فعل الغازلة وهو يقول: " خرقاء وجدت صوفاً " .
وهذا مثل من أمثال العرب يضربونه للرجل الأحمق الذي يجد مالاً كثيراً فيعيث فيه وشبيه بهذا المثل قوله: " عبد وخلى في يديه " .
ويروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، ولا تبغض إلى نفسك عبادة ربك، فإن المنبت لا أرضا قطع، ولا ظهراً أبقى " .
قوله: " متين " ، المتين الشديد، قال الله عز وجل: " وأنلى لهم إن كيدى متين " الأعراف: 183.
وقوله: " فأوغل فيه برفق " ، يقول: ادخل فيه، هذا أصل الوغول، ويقال مشتقاً من هذا الرجل الذي يأتي شراب القوم من غير أن يدعى إليه: واغل، ومعناه أنه وغل في القوم وليس منهم، قال امرؤ القيس:
حلت لي الخمر وكنت امرأ ... عن شربها في شغل شاغل
فاليوم أسقى غير مستحقب ... إثماً من الله ولا واغل
والمنبت: مثل المحقحق، واشتقاقه من الانقطاع، يقال: انبت فلان من فلان أي انقطع منه، وبت الله ما بينهم، أي قطع، قال محمد بن نمير:
تواعد للبين الخليط لينبتوا ... وقالوا لراعي الذود: موعدك السبت
وفي النفس حاجات إليهم كثيرة ... وموعدها في السبت لو قد دنا الوقت
ويروى:
ألا قرب الحي الجمال لينبتوا
وحدثت أن ابن السماك كان يقول: إذا فعلت الحسنة فافرح بها واستقللها فإنك إذا استقللتها زدت عليها، وإذا فرحت بها عدت إليها.
ويروى عن أويسٍ القرني أنه قال: إن حقوق الله لم تترك عند مسلم درهماًٍ.
باب
يزيد بن هبيرة ينصح المنصور
ودخل يزيد بن عمر بن هبيرة على أمير المؤمنين المنصور فقال: يا أمير المؤمنين، توسع توسعاً قرشياً، ولا تضق ضيقاً حجازياً.
ويروى أنه دخل عليه يوماً فقال له المنصور: حدثنا، فقال : يا أمير المؤمنين، إن سلطانكم حديث، وإمارتكم جديدة، فأذيقوا الناس حلاوة عدلها، وجنبوهم مرارة جورها. فوالله ياأمير المؤمنين لقد محضت لك النصيحة.
ثم نهض معه سبعمائة من قيس، فأتأره المنصور بصره، ثم قال: لا يعز ملك يكون فيه مثل هذا. قوله: " محضت لك النصيحة " يقول: أخلصت لك، وأصل هذا من اللبن، والمحض منه: الخالص الذي لا يشوبه شيء، وأنشد الأصمعي:
امتحضا وسقياني ضيحا ... وقد كفيت صاحبي الميحا
ويقال: حسب محض.
وقوله: " أتاره بصره " يقول: أتبعه بصره، وحدد إليه النظر، وأنشد الأصمعي:
مازلت أرمقهم والآل يرفعهم ... حتى اسمدر بطرف العين إتآري
لأسماء بن خارجة في كرم الخلق

(1/64)


ويروى عن أسماء بن خارجة أنه قال: لا أشاتم رجلاً، ولا أرد سائلاً، فإنما هو كريم أسد خلته، أو لئيم أشتري عرضي منه.
للأحنف بن قيس
ويروى عن الأحنف بن قيس أنه قال: وما شاتمت رجلاً، ولا زحمت ركبتاي ركبتيه، وإذا لم أصل مجتدي حتى ينتح جبينه عرقاً كما ينتح الحميت، فو الله ما وصلته .
قوله: " مجتدي " يريد الذي يأتيه يطلب فضله، يقال: اجتده يجتديه، واعتفاه يعتفيه، واعتراه يعتريه، واعتره يعتره، وعراه يعروه: إذا قصده يتعرض لنائله. وأصل ذلك مأخوذ من الجدا مقصور، وهو المطر العام النافع، يقال: أصابتنا مطرة كانت جداً على الأرض، فهذا الاسم، فإذا أردت المصدر، قلت: فلان كثير الجداء، ممدودة، كما تقول: كثير الغناء عنك، ممدودة، هذا المصدر، فإذا أردت الاسم الذي هو خلاف الفقر قلت: الغنى بكسر أوله وقصرت. قال خفاف بن ندبة يمدح أبا بكر الصديق رضي الله عنه:
ليس لشيء غير تقوى جداء ... وكل شيء عمره للفناء
إن أبا بكر هو الغيث إذ ... لم تشمل الأرض سحاب بماء
تالله لا يدرك أيامه ... ذو طرةٍ حاف ولا ذو حذاء
من يسع كي يدرك أيامه ... يجتهد الشد بأرضٍ فضاء
وهذا من طريف الشعر لأنه ممدود فهو بالمد الذي فيه من عروض السريع الأولى، وبيته في العروض:
أزمان سلمى لا يرى مثلها الرا ... ؤون في شام ولا في عراق
ثم نرجع إلى تأويل قول الأحنف.
قوله: " حتى ينتح جبينه عرقاً، فهو مثل الرشح.
وحدثني أبو عثمان المازني في إسناد له ذكره قال: قال رؤبة بن العجاج: خرجت مع أبي نريد سليمان بن عبد الملك، فلما صرنا في الطريق أهدي لنا جنب من لحم عليه كرافىء الشحم، وخريطة من كمأة، ووطب من لبن، فطبخنا هذا بهذا، فما زالت ذفرياي تنتحان منه إلى أن رجعت.
وقوله : " الحميت " ، فالحميت والزق، اسمان له، وإذا زفت أو كان مربوباً الوطب، وإذا لم يكن مربوباً ولا مزفتاً فهو سقاء ونحي، و الوطب يكون للبن والسمن، و السقاء يكون للبن والماء. قالت هند بنت عتبة لأبي سفيان بن حرب لما رجع مسلماً من عند النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة في ليلة الفتح، فصاح: يامعشر قريش، ألا إني قد أسلمت فأسلموا، فإن محمداً قد أتاكم بما لا قبل لكم به فأخذت هند برأسه، وقالت : بئس طليعة القوم أنت والله ما خدشت خدشاً، يا أهل مكة، عليكم الحميت الدسم فاقتلوه.
وأما قول رؤبة: " كرافىء الشحم " ، يريد طبقات الشحم. وأصل ذلك في السحاب إذا ركب بعضه بعضاً، يقال له: كرفئ، والجميع كرافىء .
قال أبو الحسن الأخفش: واحد الكرافىء كرفئة، وهاء التأنيث إذا جمعت جمع التكسير حذفت لأنها زائدة بمنزلة اسم ضم إلى اسم وأحسب أن أبا العباس لم يسمع الواحد من هذا فقاسه، والعرب تجترىء على حذف هاء التأنيث إذا احتاجت إلى ذلك، وليس هذا موضع حاجة إذا كانت قد استعملت الواحدة بالهاء، ونظير هذا قولهم: ما في السماء كرفئة، وما في السماء قذعملة وقذعميلة، وما في السماء طحربة وطحربة، وما في السماء قر طعبة، وما في السماء كنهورة، وهي القطعة من السحاب العظيمة كالجبل وما أشبه.
باب
لحسان بن ثابت يهجو مسافع
بن عياض التيمي
قال أبو العباس: قال حسان بن ثابت يهجو مسافع بن عياض التيمي، من تيم بن مرة بن كعب بن لؤي، رهط أبي بكر الصديق رحمه الله:
لو كنت من هاشم أو من بني أسدٍ ... أو عبد شمس أو اصحاب اللوا الصيد
أو من بني نوفل أو رهط مطلبٍ ... لله درك لم تهمم بتهديدي
أو في الذؤابة من قوم ذوي حسبٍ ... لم تصبح اليوم نكساً ثاني الجيد
أومن بني زهرة الأخيار قد علموا ... أومن بني جمح البيض المناجيد
أو في السرارة من تيم رضيت بهم ... أو من بني خلف الخضر الجلاعيد
يا آل تيم ألاينهى سفيهكم ... قبل القذاف بقول كالجلاميد
لولا الرسول فإني لست عاصية ... حتى يغيبني في الرمس ملحودي
وصاحب الغار إني سوف أحفظك ... وطلحة بن عبد الله ذو الجود

(1/65)


لقد رميت بها شنعاء فاضحة ... يظل منها صحيح القوم كالمودي
قوله: " لو كنت من هاشم " يريد هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، والنضر أبو قريش، ومن كان من بني كنانة لم يلده النضر فليس بقرشي. وبنو أسد بن عبد العزى بن قصي. وعبد شمس هو عبد شمس، بن عبد مناف بن قصي. وأصحاب اللواء بنو عبد الدار بن قصي. واللواء ممدود إذا أردت به لواء الأمير، ولكنه احتاج إليه فقصره، وقد بينا جواز ذلك، فأما اللوى من الرمل فمقصور، قال امرؤ القيس :
بسقط اللوى بين الدخول وحومل
كذا يرويه الأصمعي، وهذه أصح الروايات.
وقوله: " أو من بني نوفل " فهو نوفل بن عبد مناف بن قصي. والمطلب الذي ذكره هو ابن عبد مناف بن قصي.
وقوله: " لم تصبح اليوم نكساً " ، فالنكس الدنيء المقصر. ويقول بعضهم: إن أصل ذلك في السهام، وذلك أن السهم إذا ارتدع أو نالته أفة نكس في الكنانة ليعرف من غيره قال الحطيئة:
قد ناضلوك فأبدوا من كنانتهم ... مجداً تليداً و نبلا غير أنكاس
قوله: " مجداً تليداً " ، قالوا: نواصي الفرسان " الذين كان يمن عليهم.
وقوله: " ثاني الجيد " قد مر تفسيره في قول الله عز وجل: " ثانى عطفه ليضل عن سبيل الله " الحج: 9 وقوله: " أو من بني زهرة " ، فهو زهرة بن كلاب بن مرة. ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " خلقت من خير حيين: من هاشم وزهرة " وبنو جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي.
وقوله: " الناجيد " مفاعيل، من النجدة، والواحدة منجاد، وإنما يقال ذلك في تكثير الفعل، كما تقول: رجل مطعان بالرمح، ومطعام للطعام.
وقوله:
أو في السرارة من تيم رضيت بهم
يقول: في الصميم منهم والموضع المرضي، وأصل ذلك في التربة، تقول العرب: إذا غرست فاغرس في سرارة الوادي، ويقال: فلان في سر قومه، والسرة مثل ذلك، قال القرشي:
هلا سألت عن الذين تبطحوا ... كرم البطاح وخير سرة واد
وعن الذين أبو فلم يستكرهوا ... أن ينزلوا الولجات من أجياد
يخبرك أهل العلم أن بيوتنا ... منها بخير مضارب الأوتاد
وقوله : " أو من بني خلف الخضر " ، فإنه حذف التنوين لالتقاء الساكنين.
وليس بالوجه، وإنما يحذف من الحرف لالتقاء الساكنين حروف المد واللين، وهي الألف، والياء المكسور ما قبلها، والواو المضموم ما قبلها، نحو قولك: هذا قفا الرجل، وقاضي الرجل، ويغزو القوم، فلأما التنوين فجاز فيه هذا. لأنه نون في اللفظ، والنون تدغم في الياء والواو، وتزاد كما تزاد حروف المد واللين، ويبدل بعضها من بعض، فتقول: رأيت زيداٌ فتبدل الألف من التنوين، وتقول في النسب إلى صنعاء وبهراء صنعاني وبهراني، فتبدل النون من ألف التأنيت، وهذه جملة وتفسيرها كثير، فلذلك حذف، ومثل هذا من الشعر:
عمرو الذي هشم الثريد لقومه ... ورجال مكة مسنتون عجاف
وقال آخر :
حميد الذي أمجٌ داره ... أخو الخمر ذو الشيبة الأصلع
وقرأ بعض القراء : " قل هو الله أحد الله الصمد " الإخلاص 1 - 2 وسمعت عمارة بن عقيل يقرأ: " ولا الليل سابق النهار وكلٌ في فلك يسبحون " يس 40، فقلت: ما تريد ؟ فقال : " سابقٌ النهار " . وقوله: " أواصحاب اللوا " ، فإنما خفف الهمزة، وتخفف إذا كان قبلها ساكنٌ، فتطرح حركتها على الساكن وتحذف، كقولك: من أبوك ؟ وقوله عز وجل: " الذي يخرج الخبء في السموات والأرض " النمل 25 وخلف الذي ذكره من بني جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي .
وقوله: " الخضر الجلاعيد " يقال فيه قولان: أحدهما أنه يريد سواد جلودهم، كما قال الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهبٍ :
وأنا الأخضر من يعرفني ... أخضر الجلدة في بيت العرب
فهذا هو القول الأول. وقال آخرون :شبههم في جودهم بالبحور. وقوله: " الجلاعيد " ، يريد الشداد الصلاب، واحدهم جلعدٌ، وزاد الياء للحاجة، وهذا جمعٌ يجيء كثيراً، وذلك أنه موضع تلزمه الكسرة، فتشبع فتصير ياءً، يقال في خاتم: خواتيم، وفي دانقٍ دوانيق، وفي طابق طوابيق قال الفرزدق في مثل هذا الجمع :
تنفي يداها الحصى في كل هاجرةٍ ... نفي الدراهيم تنقاد الصياريف

(1/66)


وقوله: " قبل القذاف " يريد المقاذفة، وهذه تكون من اثنين فما فوقهما، نحو المقاتلة والمشاتمة، فباب " فاعلت " إنما هو للاثنين فصاعداً، نحو قاتلت وضاربت، وقد تكون الألف زائدة في فاعلت فتبنى للواحد، كما زيدت الهمزة أولاٌ في " أفعلت " فتكون للواحد، نحو عاقبت اللص، وعافاه الله، وطارقت نعلي.
وقوله: " وصاحب الغار " ، يعني أبا بكر رحمه الله، لمصاحبته النبي صلى الله عليه وسلم في الغار، وهذا مشهور لايحتاج إلى تفسيره .
وطلحة بن عبيد الله نسبه إلى الجود لأنه كان من أجود قريش. وحدثني التوزي قال: كان يقال لطلحة بن عبيد الله: طلحة الطلحات، وطلحة الخير، وطلحة الجود. وذكر التوزي عن الأصمعي أنه باع ضيعةٌ له بخمسة عشر ألف درهم، فقسمها في الأطباق. وفي بعض الحديث أنه منعه أن يخرج إلى المسجد أن له بين ثوبين.
وحدثني العتبي في إسناد ذكره قال: دعا طلحة بن عبيد الله أبا بكر وعمر وعثمان رحمة الله عليهم، فأبطأ عنه الغلام بشيء أراده، فقال طلحة: يا غلام، فقال الغلام: لبيك فقال طلحة: لا لبيك فقال أبو بكر: ما يسرني أني قلتها وأن لي الدنيا وما فيها. وقال عمر: ما يسرني أني قلتها ولي نصف الدنيا. قال عثمان: ما يسرني أني قلتها وأن لي حمر النعم قال: وصمت عليها أبو محمد، فلما خرجوا من عنده باع ضيعةً بخمسة عش ألف درهم، فتصدق بثمنها .
وقوله :
يظل منها صحيح القوم كالمودي
فالمودي في هذا الموضع الهالك، وللمودي موضع آخر يكون فيه القوي الجاد، حدثني بذلك التوزي في كتاب الأضداد، وأنشدني:
مودون السبيل السابلا
لرجل من العرب يرثي
وقال رجل من العرب :
خليلي عوجا بارك الله فيكما ... على قبر أهبان سقته الرواعد
فذاك الفتى كل الفتى كان بينه ... وبين المزجى نفنف متباعد
إذا نازع القوم الأحاديث لم يكن ... عيياٌ ولا عبئاٌ على من يقاعد
قوله: " على قبر أهبان " فهذا اسم علم كزيد وعمرو، واشتقاقه من وهب يهب، وهمز الواو لانضمامها، كقوله عز وجل: " وإذا الرسل أقتت " المرسلات 11 فهو " فعلت " ، من الوقت . وقد مضى همز الواو إذا انضمت. وهو لاينصرف في المعرفة وينصرف في النكرة، وكل شيء ينصرف فصرفه في الشعر جائز، لأن أصله كان الصرف، فلما احتيج إليه رد إلى أصله، فهذا قول البصريين. وزعم قوم أن كل شيء لاينصرف فصرفه في الشعر جائز، إلا " أفعل " الذي معه " منك " ، نحو : أفضل منك، وأكرم منك . وزعم الخليل وعليه أصحابه أن هذا إذا كانت معه " منك " بمنزلة " أحمر " لأنه إنما كمل أن يكون نعتاٌ " منك " ، وأحمر لا يحتاج إليها، مع " منك " بمنزلة " أحمر " وحده، قال: والدليل على أن " منك " ليست بمانعته من الصرف أنه زال عن بناء " أفعل " انصرف، نحو قولك: مررت بخير منك، وشر منك، فلو كانت " منك " هي المانعة لمنعت هنا،فهذا قول بين جداٌ .
وقوله : " المزجى " ، فهو الضعيف: يقال: زجى فلان حاجتي :أي خف عليه تعجيلها، والمزجاة من البضائع : اليسيرة الخفيفة المحمل. والنفنف وجمعها النفانف :كل ما كان بين شيئين عالٍ ومنخفض، قال ذو الرمة:
في نفنف يتطوح " .
وقوله: " ولا عبئاٌ على من يقاعد " ، فالعبء: الثقل، يقال حمل عبئاٌ ثقيلاٌ، ووكده بقوله: " ثقيلاٌ " ، ولو لم يقله لم يحتج إليه
لرجل يذكر ابنه
وقال آخر يذكر ابنه:
ألايا سمية شبي الوقودا ... لعل الليالي تؤدي يزيدا
فنفسي فداؤك من غائب ... إذا ما المسارح كانت جليدا
كفاني الذي كنت أسعى له ... فصار أباٌ لي وصرت الوليدا
قوله : " شبي " ، يقال: شببت النار والحرب إذا أوقدتهما، يقال: شب يشب شباٌ، قال الأعشى:
تشب لمقرورين يصطليانها ... وبات على النار الندى والمحلق
وقوله:
ذا ما المسارح كانت جليدا
فالمسارح الطرق التي يسرحون فيها، واحدها مسرح، والجليد يقع من السماء، وهو ندى فيه جمود، فتبيض له الأرض، وهو دون الثلج، يقال له: الجليد، والضريب، والسقيط، والصقيع.
وقالو في قوله:
رجلا عقاب يوم دجن تضرب
أي يصيبها الضريب .

(1/67)


وقوله: " وصرت الوليد " ،الوليد: الصغير، وجمعه ولدان، وهو في القرآن . ونظير وليد وولدان ظليم وظلمان، وقضيب وقضبان، وباب " فعال فعلان " ، نحو عقبان وذبان وغربان . وقولهم: " أمر لاينادى وليده " ، يقال فيه قولان يتقاربان، فأحدهما أنه لا يدعى له الصغار، والوجه الآخر لأصحاب المعاني، يقولون: ليس فيه وليد فيدعى، ونظير ذلك قول النابغة الجعدي:
سبقت صياح فراريجها ... وضرب نواقيس لم تضرب
أي ليست ثم، ولكن هذا من أوقاتها .وقالت أخت طرفة بن العبد:
عددنا له ستاٌ وعشرين حجة ... فلما توفاها استوى سيداٌ ضخما
فجعنا به لما رجونا إيابه ... على خير حال لا وليداٌ ولا قمحا
الوليد: ما ذكرنا، والقحم: الرجل المتناهي سناٌ ويقال ذلك في البعير قحم وقحر ومقلحم، ويقال للبعير خاصةٌ: قحارية، في وزن قراسية، وأنشد الأصمعي:
رأين قحماٌ شاب واقلحما ... طال عليه الدهر فاسلهما
المسلهم:الضامر.
لرجل آخر يرثي ابنه
وقال آخر لابنه يرثيه:
ومن عجب أن بت مستشعر الثرى ... وبت بما زودتني متمتعا
ولو أنني أنصفتك الود لم أبت ... خلافك حتى ننطوي في الثرى معا
ابراهيم بن عبد الله يرثي أخاه
وقال إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن حسن يرثي أخاه محمداٌ:
أبا المنازل يا عبر الفوارس من ... يفجع بمثلك في الدنيا فقد فجعا
الله يعلم أني لو خشيتهم ... أو آنس القلب من خوف لهم فزعا
لم يقتلوك ولم أسلم أخي لهم ... حتى نعيش جميعاٌ أو نموت معا
قوله : " يا عبر الفوارس، يصفه بالقوة منهم وعليهم، كما يقال : ناقة عبر الهواجر وعبر السرى وقوله:
أوآنس القلب من خوف لهم فزعا
يقول: أحس، وأصل الإيناس في العين، يقال آنست شخصاٌ، أي أبصرته من بعد وفي كتاب الله عز وجل : " ءانس من جانب الطور ناراٌ " القصص29
لمتمم بن نويرة يرثي أخاه
وقال متمم بن نويرة :
وقالوا: أتبكي كل قبر رأيته ... لميتٍ ثوى بين اللوى والدكادك
فقلت لهم: إن الأسى يبعث البكا ... ذروني فهذا كله قبر مالك
الأسى :الحزن وقد مر تفسيره.
لعلي بن عبد الله بن العباس يفخر
قال علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب رحمة الله ورضوانه عليه :
أبي العباس قرم بني قصي ... وأخوالي الملوك بنو وليعه
هم منعوا دماري يوم جاءت ... كتائب مسرف وبنو اللكيعة
أراد بي التي لا عز فيها ... فحالت دونه أيدٍ منيعه
قوله: " بنو وليعة " ، فهم أخواله من كندة، وأمه زرعة بن مشرحٍ الكندية ثم إحدى بني وليعةٍ.
وقوله: " كتائب مسرفٍ " يعني مسلم بن عقبة المري صاحب الحرة، وأهل الحجاز يسمونه مسرفاً وكان أراد أهل المدينة جميعاً على أن يبايعوا يزيد بن معاوية على أن كل واحدٍ منهم عبد قن له إلا علي بن الحسين، فقال حصين بن نمير السكوني من كندة: " ولا يبايع ابن أختنا علي بن عبد الله إلا على ما يبايع عليه علي بن الحسين، على أنه ابن عم أمير المؤمنين، وإلا فالحرب بيننا، فأعفي علي بن عبد الله، وقبل منه ما أراد، فقال هذا الشعر لذلك.
وقوله: " بنو اللكيعة " ، فهي اللئيمة، ويقال في النداء للئيم: يا لكع، وللأنثى: يا لكاع، لأنه موضع معرفة، كما يقال: يا فسق ويا خبث، فإن لم ترد أن تعدله عن جهته قلت للرجل: يا ألكع، وللأنثى يا لكعاء، وهذا موضع لا تقع فيه النكرة، وقد جاء في الحديث والأصل ما ذكرت لك: " لا تقوم الساعة حتى يلي أمر الناس لكع ابن لكع " ، فهذا كناية عن اللئيم ابن اللئيم، وهذا بمنزلة عمر ينصرف في النكرة، ولا ينصرف في المعرفة. ولكاع يبنى على الكسر، وسنشرح باب " فعال " للمؤنث على وجوهه الأربعة عند أول ما يجري من ذكره إن شاء الله. وقد اضطر الحطيئة فذكر " لكاع " في غير النداء، فقال يهجو امراته:
أطوف ما أطوف ثم آوي ... إلى بيتٍ قعيدته لكاع
قعيدة البيت: ربة البيت، وإنما قيل قعيدة لقعودها وملازمتها، ويقال للفرس قعدة من هذا، وهو الذي يرتبطه صاحبه فلا يفارقه، قال الجعفي :

(1/68)


لكن قعيدة بيتنا مجفوةٌ ... بادٍ جناجن صدرها، ولها غنى
الجناجن : ما يظهر عن الهزال من أطراف الصدر، واحداها جنجنٌ.
لهشام أخي ذي الرمة
وقال هشام أخو ذي الرمة:
تعزيت عن أوفى بغيلان بعده ... عزاءً وجفن العين بالماء مترع
ولم تنسني أوفى المصيبات بعده ... ولكن نكء القرح بالقرح أوجع
غيلان: هو ذو الرمة، وكان هشام من عقلاء الرجال. حدثني العباس بن الفرج في إسناده له يعزوه إلى رجل أراد سفراً، فقال: قال لي هشام بن عقبة.
إن لكل رفقةٍ كلباً يشركهم في فضله الزاد، ويهر دونهم، فإن قدرت ألا تكون كلب الرفقة فافعل، وإياك وتأخير الصلاة عن وقتها، فإنك مصليها لا محالة، فصلها وهي تقبل منك.
لحسان بن ثابت الأنصاري
وقال حسان بن ثابت الأنصاري:
تقول شعثاء لو صحوت عن ال ... كأس لأصبحت مثري العدد
أهوى حديث الندمان في قلق الص ... بح وصوت المسامر الغرد
لا أخدش الخدش بالجليس ولا ... يخشى نديمي إذا انتشيت يدي
يأبى لي السيف و اللسان وقو ... م لم يضاموا كلبدة الأسد
لبيدة الأسد : ما يتطارق من شعره بين كتفيه، ويقال : أسدٌ ذو لبدةٍ وذو لبيدٍ.
لجرير في مرضه حين عادته قيس
وحدثني عمارة قال: مرض جريرٌ مرضةً شديدةً، فعادته قيس، فقال:
نفسي الفداء لقوم زينوا حسبي ... وإن مرضت فهم أهلي وعوداي
لو خفت ليثاً أبا شبلين ذا لبدٍ ... ما أسلموني لليث الغابة العادي
إن تجر طيرٌ بأمرٍ فيه عافيةٌ ... أو بالرحيل فقد أحسنتم زادي
لعبد الرحمن بن ثابت يهاجي
عبد الرحمن بن الحكم
وقال عبد الرحمن بن حسان بن ثابت بن المنذر بن حرامٍ، وهو يهاجي عبد الرحمن بن الحكم بن أبي العاصي بن أمية بن عبد شمس :
فأما قولك: الخلفاء منا ... فهم منعوا وريدك من وداجي
ولو لا هم لكنت كحوت بحر ... هوى في مظلم الغمرات داج
وكنت أذل من وتد بقاع ... بشجج راسه بالفهر واجي
فكتب معاوية إلى مروان أن يؤدنهما وكانا تقاذفا، فضرب عبد الرحمن بن حسان ثمانين، وضرب أخاه عشرين، فقيل لعبد الرحمن بن حسان: قد أمكنك في مروان ما تريد، فأشد بذكره، وارفعه إلى معاوية، فقال: إذاً والله لا أفعل، وقد حدني كما تحد الرحل الأحرار، وجعل أخاه كنصف عبد. فأوجعه بهذا القول.
ويروى أن عبد الرحمن بن حسان لسعه زنبور فجاء أباه يبكي، فقال له: ما لك فقال: لسعني طائر كأنه ملتف في بردي حبرة. قال: قلت والله الشعر : ويروى أن معلمه عاقب صبياناً على ذنب وأراده بالعقوبة، فقال :
الله يعلم أني كنت منتبذاً ... في دار حسان أصطاد اليعاسيبا
وأعرق قوم كانوا في الشعر آل حسان فإنهم كانوا يعتدون ستة في نسق كلهم شاعر، وهم سعيد بن عبد الحمن بن حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام، وبعد هؤلاء في الوقت آل أبي حفصة، فإنهم أهل بيت كلهم شاعر، يتوارثونه كابراً عن كابر .
ويروى أن ابنة لابن الرقاع وقف بباب أبيها قوم يسألون عنه، فقالت: ما تريدون فقالوا: جئنا لنهاجيه فقالت وهي صبية.
تجمعتم من كل أوب ووجهة ... على واحد لا زلتم قرن واحد
فهذه بلغت بطبعها على صغرها مبلغ الأعشى في قلب هذا المعنى، حيث يقول لهوذة بن علي
يرى جمع ما دون الثلاثين قصرة ... ويعدو على حمع الثلاثين واحدا
باب
نبذ من كلام الحكماء
قال أبو العباس: قال عمر بن الخطاب رحمه الله: علموا أولادكم العوم والرماية، ومروهم فليثبوا على الخلل وثباً، ورووهم ما يجمل من الشعر. وفي حديث آخر: وخير الخلق للمرأة المغزل.
ويروى عن الشعبي أنه قال: قال عبد الله بن العباس: قال لي أبي: يا بني، إني أرى أمير المؤمنين قد اختصك دون من ترى من المهاجرين والأنصار، فاحفظ عني ثلاثاً: لا يجربن عليك كذباً، ولا تغتب عنده مسلماً، ولا تفشين له سراً، قال: فقلت له: يا أبه، كل واحدةٍ منها خير من ألف، فقال كل واحدة منها خير من عشرة آلاف.

(1/69)


وحدثني العباس بن الفرج في إسناد ذكره قال: نظرإلى عمرو بن العاص على بغلةٍ قد شمط وجهها هرماً، فقيل له: أتركب هذه وأنت على أكرم ناخرةٍ بمصر فقال: لا ملل عندي لدابتي ما حملت رجلي، ولا لامرأتي ما أحسنت عشرتي، ولا لصديقي ما حفظ سري، إن الملل من كواذب الأخلاق.
قوله: " على أكرم ناخرة " يريد الخيل، يقال للواحد ناخر، وقيل : ناخرة يراد جماعة، كما تقول: رجل بغال وحمار، والجماعة البغالة والحمارة، وكذلك تقول: أتتني عصبة نبيلة، وقبيلة شريفة، والواحد نبيل وشريف.
مشاورة معاوية عمرو بن العاص
في أمر عبد الله بن هاشم بن عتبة وشاور معاوية عمراً في أمر عبد الله بن هاشم بن عتبة بن مالك بن أبي وقاص وكان هاشم بن عتبة أحد فرسان علي رحمه الله فإتي بابنه معاوية، فشاور عمراً فيه، فقال،أرى أن تقتله، فقال له معاوية: إني لم أر في العفو إلا خيراً، فمضى عمرو مغضباً، وكتب إليه:
أمرتك أمراً حازماً فعصيتني ... وكان من التوفيق قتل ابن هاشم
أليس أبوه يا معاوية الذي ... أعان علياً يوم حز الغلاصم
فقتلنا حتى جرى من دمائنا ... بصفين أمثال البحور الخضارم
وهذا ابنه، والمرء يشبه عيصه ... ويوشك أن تلفى به جد نادم
فبعث معاوية بأبياته إلى عبد الله بن هاشم، فكتب إليه عبد الله بن هاشم:
معاوية إن المرء عمراً أبت له ... ضغينه خب غشها غير نائم
يرى لك قتلي يا ابن هند وإنما ... يرى ما يرى عمرو ملوك الأعاجم
على أنهم لا يقتلون أسيرهم ... إذا كان منه بيعة للمسالم
فإن تعف عني تعف عن ذي قرابةٍ ... وإن تر قتلي تستحل محارمي
فصفح عنه.
من كلام عمرو بن العاص لعائشة
وقال عمرو لعائشة رحمة الله عليهما : لوددت أنك كنت قتلت يوم الجمل فقالت: ولم لا أبا لك فقال : كنت تموتين بأجلك، وتدخلين الجنة، ونجعلك أكبر التشنيع على علي.
ما قاله عمرو بن العاص حين احتضر
وحدثني العباس بن الفرج الرياشي في إسنادٍ ذكره، آخره " ابن عباس " قال : دخلت على عمرو بن العاص وقد احتضر، فدخل عليه عبد الله بن عمرو فقال له: يا عبد الله، خذ ذلك الصندوق، فقال : لا حاجة لي فيه، قال إنه مملوء مالاً، قال: لا حاجة لي به، فقال عمرو: ليته مملوء بعراً قال: فقلت: يا أبا عبد الله، إنك كنت تقول: أشتهي أن أرى عاقلاً يموت حتى أسأله كيف يجد فكيف تجدك قال: أجد السماء كأنها مطبقة على الأرض وأنا بينهما، وأراني كأنما أتنفس من خرت إبرةٍ، ثم قال: اللهم خذ مني حتى ترضى. ثم رفع يديه فقالت: اللهم أمرت فعصينا، ونهيت فركبنا فلا بريء فأعتذر، ولا قوي فأنتصر، ولكن لا إله إلا الله ثلاثاً، ثم فاظ.
وقد روينا هذا الخبر من غير ناحية الرياشي بأتم من هذا، ولكن اقتصرنا على هذا لثقة إسناده.
قوله: " من خرت إبرة " ، يعني من ثقب إبرةٍ، يقال للدليل: خريت. وزعم الأصمعي أنه أريد به أنه يهتدي لمثل خرت الإبرة.
وقوله: " فاظ " أي مات، يقال : فاظ، وفاد، وفطس، وفاز، وفوز، كل ذلك في معنى الموت، ولا يقال : بالضاد إلا للإناء، قال رؤية:
لا يدفنون منهم من فاظا
وقال ابن جريج: " أما رأيت الميت حين فوظه " .
ومن قال ذلك للنفس قال: فاضت نفسه، يشببها بالأناء.
وحدثني أبو عثمان المازني أحسبه عن أبي زيد قال: كل العرب يقولون: فاضت نفسه إلا بني ضبة فإنهم يقولون: فاظت نفسه، وإنما الكلام الصحيح فاظ بالظاء إذا مات.
وفي الحديث أن امرأة سلام بن أبي الحقيق قالت: فاظ، وإله يهود.
نبذ من أقوال الحكماء
وحدثني مسعود بن بشر قال: قال زياد: الإمرة تذهب الحفيظة، وقد كانت من قوم إلي هنات جعلتها تحت قدمي، ودبر أذني، فلو بلغني أن أحدكم قد أخذه السل من بغضي ما هتكت له ستراً ولا كشفت له قناعاً حتى يبدي لي عن صفحته، فإذا فعل لم أناظره.
وسمع زياد رجلاً يسب الزمان فقال: لو كان يدري ما الزمان لضربت عنقه، إن الزمان هو السلطان.
وفي عهد أزدشير: وقد قال الأولون منا: عدل السلطان أنفع للرعية من خصب الزمان.

(1/70)


وقال المهلب بن أبي صفرة لبنيه: إذا وليتم فلينوا للمحسن، واشتدوا على المريب، فإن الناس للسلطان أهيب منهم للقرآن.
وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه: إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.
قوله: " يزع " أي يكف، يقال : وزع يزع إذا كف، وكان أصله " يزع " مثل يعد فذهبت الواو لوقوعها بين ياء وكره واتبعت حروف المضارع الياء لئلا يختلف الباب، وهي الهمزة، والنون، والتاء، والياء نحو أعد ونعد، وتعد، ويعد، ولكن انفتحت في " يزع " من أجل العين لأن حروف الحلق إذا كن في موضع عين الفعل أو لامه فتحن في الفعل الذي ماضيه " فعل " ، وإن وقعت الواو مما هي فيه فاء في " يفعل " المفتوحة العين في الأصل صح الفعل، نحو: وحل يوحل، ووجل يوجل، ويجوز في هذه المفتوحة ياحل وياجل وييحل وييجل، وكل هذا كراهية للواو بعد الياء، تقول: وزعته: كففته، وأوزعته: حملته على ركوب الشيء وهيأته له، وهو من الله عز وجل توفيق، ويقال: أوزعك الله شكره، أي وفقك له.
وقال الحسن مرة: ما حاجة هؤلاء السلاطين إلى الشرط فلما ولي القضاء كثر عليه الناس، فقال: لا بد للسلاطين من وزعة.
خبة الحجاج في أهل العراق
وخطب الحجاج بن يوسف ذات يوم، يوم جمعة، فلما توسط كلامه سمع تكبيراً عالياً من ناحية السوق، فقطع خطبة التي كان فيها، ثم قال: يا أهل العراق، ويا أهل الشقاق، ويا أهل النفاق، وسيئي الأخلاق، يا بني اللكيعة، وعبيد العصا، وأولاد الإماء، إني لأسمع تكبيراً ما يراد الله به، إنما يراد به الشيطان، وإن مثلي ومثلكم قول ابن براقة الهمداني:
وكنت إذا قوم رموني رميتهم ... فهل أتا في ذا يال همدان ظالم
متى تجمع القلب الذكي وصارماً ... وأنفاً حمياً تجتنبك المظالم
قوله: " يا أهل الشقاق " ، فالمشقة المعاداة، وأصله أن يركب ما يشق عليه، ويركب منه مثل ذلك. والنفاق أن يسر خلاف ما يبدي، هذا أصله، وإنما أخذ من النافقاء، وهو أحد أبواب : جحر اليربوع، وذلك أنه أخفاها فإنما يظهر من غيره، ولجحره أربعة أبواب: النافقاء والراهطاء والداماء والسابياء، وكلها ممدودة، ويقال للسابياء: القاصعاء، وإنما قيل له السابياء لأنه لا ينفذه فيبقي بينه وبين إنفاذه هنة من الأرض رقيقة، وأخذ من سابياء الولد، وهي الجلدة الرقيقة التي يخرج فيها الولد من بطن أمه. قال الأخطل يضرب ذلك مثلاً ليربوع بن حنظلة لأنه سمي باليربوع:
تسد القاصعاء عليك حتى ... تنفق أو تموت بها هزالاً
والعرب تزعم أنه ليس من ضب إلا وفي جحره عقرب، فهو لا يأكل ولد العقرب، وهي لا تضربهفهي مسألمة له، وهو مسالم لها، وأنشد:
وأخدع من ضب إذا خاف حارشاً ... أعد له عند الذنابة عقربا
وقوله: " بنو اللكيعة " يريد اللئيمة، وقد مر تفسير هذا في موضعه، قال ابن قيس الرقيات يذكر قتل بن الزبير:
إن الرزية يوم مس ... كين والمصيبة والفجيعة
بأبن الحواري الذي ... لم يعده أهل الوقيعه
غدرت به مضر العرا ... ق، وأمكنت منه ربيعه
فأصبحت وترك يا ربي ... ع وكنت سامعة مطيعة
يا لهف لو كانت له ... بالطف يوم الطف شيعه
أولم يخونوا عهده ... أهل العراق بنو اللكيعه
لو جدتموه حين يغ ... ضب لا يعرج بالمضيعه
وقوله: " عبيد العصا " يريد أنهم لا ينقادون إلا بالإذلال، كما قال ابن مفرغ الحميري :
العبد يقرع بالعصا ... والحر تكيفه الملامه
وقال جرير يهجو التيم:
ألا إنما تيم لعمرو ومالك ... عبيد العصا لم يرج عتقاً قطينها
من كلام بن الأشعث
حين ظهور الحجاج عليه
وخطب الناس عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بالمربد عند ظهور أمر الحجاج عليه فقال: أيها الناس، إنه لم يبق من عدوكم إلا كما يبقى من ذنب الوزغة تضرب به يميناً وشمالاً فلا تلبث أن تموت. فسمعه رجل من بني قشير بن كعب بن عامر بن صعصعة فقال: قبح الله هذا: يأمر أصحابه بقلة الاحتراس من عدوهم ويعدهم الغرور.
كلام عرار بن شأس لعبد الملك
حينما حمل إليه رأس ابن الأشعث

(1/71)


وروت الرواة أن الحجاج لما أخذ رأس ابن الأشعث وجه به إلى عبد الملك بن مروان مع عرار بن عمرو بن شأس الأسدي وكان أسود دميماً فلما ورد به عليه جعل عبد الملك لا يسأل عن شيئ من أمر الوقعة إلا أنبأه به عرار، في أصح لفظ، وأشبع قول، وأجزاء اختصار، فشفاه من الخبر، وملأ أذنه صواباً وعبد الملك لا يعرفه، وقد اقتحمته عينه حيث رآه فقال متمثلاً:
أرادت عراراً بالهوان ومن يرد ... لعمري عراراً بالهوان فقد ظلم
وإن عراراً إن يكن غير واضح ... فإني أحب الجون ذا المنكب العمم
فقال له عرار: أتعرفني با أمير المؤمنين قال: لا، قال: فأنا والله عرار فزاده في سروره، وأضعف له الجائزة.
كتاب صاحب اليمن إلى عبد الملك
في وقت محاربته ابن الأشعث
وكتب صاحب اليمن إلى عبد الملك وقت محاربته ابن الأشعث: إني قد وجهت إلى أمير المؤمنين بجارية اشتريها بمال عظيم لم ير مثلها قط، فلما دخل بها عليه رأى وجهاً جميلاً وخلقاً نبيلاً فألقى إليها قضيباً كان في يده فنكست لتأخذه فرأى منها جسماً بهره، فلما هم بها أعلمه الآذن أن رسول الحجاج بالباب، فأذن له، ونحى الجارية، فأعطاه كتاباً من عبد الرحمن، فيه سطور أربعة:
سائل مجاور جرم: هل جنيت لها ... حرباً تزيل بين الجيرة الخلط
وهل سموت بجرار له لجب ... جم الصواهل بين الجم والفرط
وهل تركت نساء الحي ضاحيه ... في ساحة الدار يستوقدن بالغبط
وتحتها :
قتل الملوك وسار تحت لائه ... شجر العرى وعراعر الأقوام
قال: فكتب إليه عبد الملك كتاباً، وجعل في طيه جواباً لابن الأشعث:
ما بال من أسعى لأجبر عظمه ... حفاظاً وينوي من سفاهته كسري
أظن خطوب الدهر بيني وبينهم ... ستحملهم مني على مركب وعر
وإني إياهم كمن نبه القطا ... ولو لم باتت الطير لا تسري
أناة وحملماً وانتظر بهم غداً ... فما أنا بالواني ولا الضرع الغمر
وينشد: " بالفاني " . ثم بات يقلب كف الجارية ويقول: ما أفدت فائدة أحب إلي منك، فتقول: فما بالك ياأمير المؤمنين وما يمنعك قال: يمنعني ما قال الأخطل لأني إن خرجت منه كنت ألأم العرب:
قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم ... دون النساء ولو باتت بأظهار
فما إليك سبيل أو يحكم الله بيني وبين عدو الرحمن، ابن الأشعث، فلم يقربها حتى قتل عبد الرحمن .
قوله: " فرأى منها جسماً بهره " ، يقال: بهر الليل إذا سد الأفق بظلمته، وبهر القمر إذا ملأ الأرض ببهائه، ومن ثم قيل: القمر الباهر، أنشدني المازني لرجل من بني الحارث بن كعب:
والقمر الباهر السماء لقد ... زرنا هلالاً بجحفل لجب
تسمع زجر الكماة بينهم: ... قدم، وأخر، وأرحبي، وهبي
من كل هداءةٍ كعالية الر ... مح أمونٍ وشيظم سلب
وقال طفيل الغنوي يصف كيف تزجر الخيل، فجمعه في بيت واحد:
وقيل اقدمي و اقدم وأخ وأخري ... وها، وهلاً واضرح وقادعها هبي قال أبو الحسن: وأج.
ومن زجر الخيل أيضاً: " هقب وهقط " ، وأنشدني المازني:
لما سمعت زجرهم هقط ... علمت أن فارساً منحط
وقوله: " بين الجم والفرط " هما موضعان بأعيانهما.
وقوله: " في ساحة الدار يستوقدن بالغبط " يقال فيه قولان متقاربان: أحدهما أنهن قد يئسن من الرحيل فجعلن مراكبهن حطباً، هذا قول الأصمعي. وقال غيره: بل قد منعهن الخوف من الاحتطاب، والغبيط من مراكب النساء: وكذلك الحدج قال امرؤ القيس :
تقول وقد مال الغبيط بنا معاً: ... عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزل
فأعلمك أن الغبيط لها، والمحامل إنما أول من اتخذها الحجاج، ففي ذلك يقول الراجز:
أول عبدٍ عمل المحاملا ... أخزاه ربي عاجلاً وآجلاً
وقوله: " شجر العرا " فالعرا : نبت إن ضم العين، والعراء ممدوداً وجه الأرض، قال الله عز وجل: " لنبذ بالعراء وهو مذوم " القلم : 49 . وقال الهذلي :
رفعت رجلاً لا أخاف عثارها ... ونبذت بالبلد العراء ثيابي

(1/72)


وهذا التفسير والإنشاد عن أبي عبيدة.
وقوله: " دون النساء ولو باتت بأطهار " معناه أنه يجتنبها، في طهرها، وهو الوقت الذي يستقيم له غشيانها فيه، وأهل الحجاز يرون " الأقراء " الطهر، وأهل العراق يرونه الحيض، وأهل المدينة يجعلون عدد النساء الأطهار، ويحتجون بقول الأعشى:
وفي كل أنت جاشم غزوة ... تشد لأقصاها عزيم عزائكا
مؤرثه مالاً، وفي الحي رفعة ... لما ضاع فيها من قروء نسائكا
وقوله: " ولو باتت بأطهار " ، ف " لو " أصلها في الكلام أن تدل على وقوع الشيء لوقوع غيره، تقول: لو جئتني لأعطيك، ولو كان زيد هناك لضربته، ثم يتسع فتصير في معنى " إن " الواقعة للجزاء تقول: أنت لا تكرمني ولو أكرمتك، تريد " وإن " قال الله عز وجل: " وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين " يوسف: 107، فأما قوله عز وجل: " فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً ولو افتدى به " آل عمران: 91 فإن تأويله عند أهل اللغة : لا يقبل أن يتبرأ به وهو مقيم على الكفر، ولا يقبل إن افتدى به، ف " لو " في معنى " إن " وإنما منع " لو " أن تكون من حروف المجازاة فتجزم كما تجزم " إن " أن حروف المجازاة إنما تقع لما لم يقع، ويصير الماضي معها في معنى المستقبل تقول: إن جئتني أعطيتك، وإن قعدت عني زرتك، فهذا لم يقع.،وإن كان لفظ الماضي لما أحدثته فيه " إن " وكذلك متى أتيتني أتيتك.،و " لو " تقع في معنى الماضي، تقول: لو جئتني أمس لصادفتني، ولو ركبت إلي أمس لألفيتني، فلذلك خرجت من حروف الجزاء،فإذا أدخلت معها " لا " صار معناها أن الفعل يمتنع لوجود غيره، فهذا خلاف ذلك المعنى، ولا تقع إلا على الأسماء، ويقع الخبر محذوفاً لأنه لا يقع فيها الأسم إلا وخبره مدلول عليه، فاستغني عن ذكره، لذلك تقول: لولا عبد الله لضربتك، والمعنى في هذا المكان: من قرابتك، أوصداقتك، أو نحو ذلك، فهذا معناها في هذا الوضع، ولها موضع آخر تكون فيه على غير هذا المعنى، وهي " لولا " التي تقع في معنى " هلا " للتحضيض، ومن ذلك قوله: " لولا إذا سمعتوه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً " ،النور 12 أي هلا، وقال الله عز وجل: " لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم " .المائدة 63 فهذه لا يليها إلا الفعل.، لأنها للأمر والتحضيض، مظهراً أو مضمراً.،كما قال:
تعدون عقر النيب أفضل مجدكم ... بني ضوطري لولا الكمي المقنعا
أي هلا تعدون الكمي المقنعا، " ولولا " الأولى لا يليها إلا الاسم على ما ذكرت لك.،ولا بد في جوابها من اللام أو معنى اللام.، تقول: لولا زيدٌ فعلت، والمعنى لفعلت، وزعم سيبويه أن " زيداً " من حديث " لولا " واللام والفعل حديثٌ معلقٌ بحديث " لولا " ، وتأويله أنه للشرط الذي وجب من أجلها وامتنع لحال الاسم بعدها، و " لو " لا يليها إلا الفعل مضمراً أو مظهراً.، لأنها تشارك حروف الجزاء في ابتداء الفعل وجوابه، تقول: لو جئتني لأعطيتك.، فهذا ظهور الفعل، وإضماره، قوله عز وجل: " قل لو أنتم تملكون خزآئن رحمة ربي " .الإسراء100 والمعنى والله أعلم: لو تملكون أنتم.، فهذا الذي رفع " أنتم " ولما أضمر ظهر بعده ما يفسره، ومثل ذلك: " لو ذات سوارٍ لطمتني " أراد لو لطمتني ذات سوارٍ، ومثله:
ولو غير أخوالي أرادوا نقيصتي ... جعلت لهم فوق العرانين ميسماً
وكذلك قول جرير:
لو غيركم علق الزبير بحبله ... أدى الجوار إلى بني العوام
فنصب بفعل مضمر يفسره ما بعده، لأنها للفعل، وهو في التمثيل: لو علق الزبير غيركم، وكذلك كل شيء للفعل نحو: الاستفهام، والأمر، والنهي، وحروف الفعل نحو: " إذ وسوف " وهذا مشروح في الكتاب " المقتضب " على حقيقة الشرح. وأما قوله: " وعراعر الأقوام " فمعناها رؤوس الأقوام.، الواحد عرعرة، وعرعرة كل شيءٍ أعلاه، من ذلك كتاب يزيد بن المهلب إلى الحجاج بن يوسف: " وإن العدو نزلوا بعرعرة الجبل، ونزلنا بالحضيض " ، فقال الحجاج: ليس هذا من كلام يزيد، فمن هناك؟ قيل: يحيى بن يعمر، فكتب إلى يزيد أن يشخصه إليه.
الحجاج و يحيى بن يعمر

(1/73)


وزعم التوزي قال: قال الحجاج ليحيى بن يعمر: أتسمعني ألحن؟ قال: الأمير أفصح من ذلك! قال:فأعاد عليه القول وأقسم. فقال نعم.، تجعل " أن " مكان " إن " ، فقال له: ارحل عني ولا تجاورني. قال أبو العباس: هذا على أن يزيد لم تؤخذ عليه زلةٌ في لفظ إلا واحدةٌ، فإنه قال على المنبر - وذكر عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب - فقال: " هذه الضبعة العرجاء " ، فاعتدت عليه لحناً، لأن الأنثى إنما يقال لها الضبع، ويقال للذكر الضبعان، فإذا جمع قيل ضبعان،وونما جمع على التأنيث دون التذكير، والباب على خلاف ذلك، لأن التأنيث لا زيادة فيه، وفي التذكير زيادة الألف والنون، فثني على الأصل، وأصل التأنيث أن يكون زائداً على بناء التذكير، أنه منه يخرج، مثل قائم وقائمة وكريم وكريمة، فمن حيث قلت للأنثى والذكر في التثنية كريمان على حذف الزيادة قلت: ضبعان، وتقول: له ابنان إذا أردت: له ابن وابنة، ولا تقول: في الدار رجلان إذا أردت رجلاً وامرأة، إلا على قول من قال للأنثى رجلةٌ.، فقد جاء ذلك، قال الشاعر:
كل جارٍ ظل مغتبطاً ... غير جيراني بني جبله
خرقوا جيب فتاتهم ... لم يبالو حرمة الرجله
ولا يقال للناقة والجمل جملان، ولا الثوران للثور والبقرة، لاختلاف الاسمين، إنما يكون ذلك فيما ذكرنا إلا في قول من قال للأنثى: ثورةٌ، قال الشاعر:
جزى الله الأعورين ملامةً ... وعبدة ثفر الثورة المتضاجم
قال أبو الحسن: المتضاجم: المتسع
باب
للراعي في النسيب
قال أبو العباس: قال الراعي:
ومرسلٍ ورسولٍ غير متهمٍ ... وحاجةٍ غير مزجاةٍ من الحاج
طاوعته بعد ما طال النجي بنا ... وظن أني عليه غير منعاج
ما زال يفتح أبواباً ويغلقها ... دوني، وأفتح باباً بعد إرتاج
حتى أضاء سراجٌ دونه بقرٌ ... حمر الأنامل عينٌ طرفها ساج
يا نعمها ليلةً حتى تخونها ... داعٍ دعا في فروع الصبح شحاج!
لما دعا الدعوة الأولى فأسمعني ... أخذت بردي واستمررت أدراجي
قوله:
وحاجة غير مزجاة من الحاج
المزجاة: اليسيرة الخفيفة المحمل، قال الله عز وجل: " وجئنا ببضاعةٍ مزجاةٍ " يوسف 88، والحاج: جمع حاجةٍ، وتقديره فعلةٌ وفعل، كما تقول: هامةٌ وهام، وساعة وساع، قال القطامي:
وكنا كالحريق أصاب غاباً ... فيخبو ساعةً ويشب ساعا
فإذا أراد أدنى العدد قلت: ساعات، فأما قولهم: في جمع حاجةٍ حوائج فليس من كلام العرب على كثرته على ألسنة المولدين، ولا قياس له، ويقال: في قلبي منك حوجاء، أي حاجة، ولو جمع، على هذا لكان الجمع حواجٍ يا فتى، وأصله حواجي يا فتى، ولكن مثل هذا يخفف، كما تقول في صحراء : صحار يا فتى، وأصله صحاري.
وقوله:
طاوعته بعدما طال النجي بنا
يريد المناجاة، فأخرجه على لفظ " فعيل " .،ونظيره من المصادر الصهيل، والنهيق، الشحيج، ويقال: شب الفرس شبيباً، ولذلك كان " النجي " يقع على الواحد والجماعة نعتاً، كما تقول: امرأة عدلٌ ورجل عدلٌ وقوم عدلٌ: لأنه مصدر قال الله عز وجل: " وقربناه نجياً " ، مريم 52 أي مناجياً، وقال للجماعة: " فلما استيئسوا منه خلصوا نجياً " ، يوسف 80 أي متناجين.
وقوله: " منعاج " : أي منعطف، يقال: عجت عليه أي عرجت عليه، وعجت إليه أعيج، أي عولت عليه. وقوله " بعد إرتاج " أي بعد إغلاق، يقال: أرتجت الباب إرتاجاً، أي أغلقته إغلاقاً، ويقال: لغلق الباب الرتاج، ويقال للرجل إذا امتنع عليه الكلام أرتج عليه.
وقوله:
حتى أضاء سراج دونه بقرٌ
يعني نساء، والعرب تكني عن المرأة بالبقرة والنعجة، قال الله عز وجل: " إن هذآ أخى له تسعٌ وتسعون نعجةً " ص 23 وقال الأعشى:
فرميت غفلة عينه عن شاته ... فأصبت حبة قلبها وطحالها

(1/74)


وقوله: " عينٌ " ، إنما هو جمع عيناء، وهي الواسعة العين، وتقديره: " فعل " ، ولكن كسرت العين لتصح الياء، ونحو ذلك بيضاء وبيض، وتقديره حمراء وحمر، ولو كان من ذوات الواو لكان مضموماً على أصل الباب، لأنه لا إخلال فيه، تقول: سوداء وسود، وعور. وقوله: " طرفها ساج " ولم يقل: " أطرافها " لأن تقديرها تقدير المصدر، من طرفت طرفاً، قال الله عز وجل: " ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم " ، البقرة 7 لأن السمع في الأصل مصدر. قال جرير:
إن العيون التي في طرفها مرضٌ ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
وقوله: " ساج " أي ساكن، قال الله عز وجل: " والضحى والليل إذا سجى " الضحى 1 - 2 وقال جرير:
ولقد رمينك يوم رحن بأعينٍ ... يقتلن من خلل الستور سواج
وقال الراجز:
يا حبذا القمراء والليل الساج ... وطرقٌ مثل ملاء النساج
وقوله: " حتى تخونها " : يريد تنقصها، يقال: تخونني السفر، أي تنقصني، والداعي: المؤذن.
وقوله: " شحاج " ، إنما هو استعارة في شدة الصوت، وأصله للبغل، والعرب تستعير من بعضٍ لبعض، قال العجاج ينعت حماراً:
كأن في فيه إذا ما شحجا ... عوداً دوين اللهوات مولجا
وقال جرير:
إن الغراب بما كرهت لمولعٌ ... بنوى الأحبة دائم التشحاج
وقوله: " واتمررت أدراجي " أي فرجعت من حيث جئت، تقول العرب: رجع فلان أدراجه، ورجع في حافرته، ورجع عوده على بدئه، وإن شئت رفعت فقلت: رجع عوده على بدئه، أما الرفع فعلى قولك: رجع وعوده على بدئه، أي وهذه الحاله، والنصب على وجهين: أحدهما أن يكون مفعولاً كقولك: رد عوده على بدئه.، والوجه الآخر أن يكون حالاً في قول سيبويه، لأن معناه رجع ناقضاً مجيئه، ووضع هذا في موضعه.، كما تقول: كلمته فاه إلي في، أي مشافهةً، وبايعته يداً بيدٍ، أي نقداً، ويجوز أن تقول: فوه إلى في: أي وهذه حاله، ومن نصب فمعناه في هذه الحال. قال أبو العباس: فأما " بايعته يداً بيدٍ " فلا يكون فيه إلا النصب، لأنك لست تريد بايعته ويدٌ بيدٍ كما كنت تريد في الأول، وإنما تريد النقد، ولا تبالي: أقريباً كان أم بعيداً.
لأعرابي يشكو حبيبته
ؤقال أعرابي :
شكوت فقالت كل هذا تبرما ... بحبي! أراح الله قلبك من حبي
فلما كتمت الحب قال: لشدما ... صبرت، وما هذا بفعل شجي القلب
وأدنو فتقصيني فأبعد طالباً ... رضاها، فتعتد التباعد من ذنبي
فشكواي تؤذيها وصبري يسوءها ... وتجزع من بعدي، وتنفر من قربي
فيا قوم من حيلة تعرفونها؟ ... أشيروا بها واستوجبوا الشكر من ربي
قوله: " كل هذا تبرماً " ، مردود على كلامه، كأنها تقول له: أشكوتني كل هذا تبرما ولو رفع رافع " كلا " لكان جيداً، يكون " كل هذا " ابتداء وتبرم خبره.
وشجي مخفف، من شددها فقد أخطأ، والمثل: " ويل للشجي من الخلي " ، الياء في الشجي مخففة، وفي " الخلي " مثقلة، وقياسه أنك إذا قلت: فعل يفعل فعلاً، فالاسم منه على فعل، فرق يفرق فرقاً فهو فرق، وحذر يحذر حذراً فهو حذرٌ، وبطر يبطر بطراً فهو بطرٌ فعلى هذا شجي يشجى شجى فهو شجٍ يا فتى، كما تقول: هوي يهوى فهو هوٍ يا فتى.
وقوله :
فيا قوم هل من حيلة تعرفونها
موضع " تعرفونها " خفضٌ، لأنه نعت للحيلة وليس بجواب، ولو كان ههنا شرط يوجب جواباً لا نجزم، تقول : ائتني بدابة أركبها، أي بدابةٍ مركوبة، فإذا أردت معنى: فإنك إن أتيتني بدابة ركبتها قلت: " أركبها " ، لأنه جواب الأمر، كما أن الأول جواب الاستفهام، وفي القرآن: " خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها " التوبة103، أي مطهرة لهم، وكذلك: " أنزل علينا ماءدة من السماء تكون لنا عيداً " المائدة 114 أي كائنة لنا عيداً، وفي الجواب: " فذرهم يخوضوا ويلعبوا " الزخرف 83، أي إن تركوا خاضوا ولعبوا، وأما قوله عز وجل: " ثم ذرهم في خوضهم يلعبون " الأنعام 91 فإنما هو فذرهم في هذه الحال لأنهم كانوا يلعبون، وكذلك: " ولا تمنن تستكثر " المدثر 6، إنما هو " لا تمنن " مستنكثراً فمعنى هذا: هل معروفة عندكم ؟.
لأعرابي في الملح
وقال أعرابي أنشدنيه أبو العالية:

(1/75)


ألاتسأل ذا العلم ماالذي ... يحل من التقبيل في رمضان؟
فقال لي المكي : أما لزوجةٍ ... فسبع، وأما خلةٍ فثماني
قوله: " خلةٍ " يريد ذات خلة، ويكون سماها المصدر، كما قالت الخنساء :
فإنما هي إقبال وإدبار
يجوز أن تكون نعتتها بالصدر لكثرته منها، ويجوز أن تكون أرادت ذات إقبال وإدبار، فحذفت المضاف وأقامت المضاف إليه مقامه، كما قال عز وجل: " ولكن البر من ءامن بالله " البقرة 177فجائز أن يكون المعنى بر من آمن بالله، وجائز أن يكون ذا البر من آمن بالله، والمعنى يؤول إلى شيء واحد: وفي هذا الشعر عيب، وهو الذي يسميه النحويون العطف على عاملين، وذلك أنه عطف " خلةٌ " على اللام الخافضة لزوجة، وعطف " ثمانيا " على " سبع " ، ويلزم من قال هذا أن يقول : مر عبد الله بزيد وعمرو وخالد، ففيه هذا القبح، وقد قرأ بعض القراء وليس بجائز عندنا: " واختلف اليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به بعد موتها " الجاثية 5 وبث فيها من كل دابة " وتصريف الريح آيات " الجاثية 5 فجعل " آيات " في موضع نصب وخفضها لتاء الجميع فحملها على " إن " وعطفها بالواو، وعطف " اختلافا " على " في " ولا أرى ذا في القرآن جائزاٌ لإنه ليس بموضع ضرورة، وأنشد سيبويه لعدي بن زيد العبادي:
أكل امرىء تحسبين امرأ ... ونار توقد بالليل نارا
فعطف على " امرئ " وعلى المنصوب الأول .
" قال أبو الحسن: وفيه عيب آخر أن " أما " ليست من العطف في شيء، وقد أجرى " خلة " بعدها مجراها بعد حروف العطف حملاً على المعنى، فكأنه قال: لزوجةٍ كذا ولخلة كذا " وقوله: " أما لزوجة " فهذه مفتوحة، وهي التي تحتاج إلى خبر، ومعناها: إذا قلت: أما زيدٌ فمنطلقٌ مهما يكن من شيء فزيدٌ منطلقٌ. وكذلك: " فأما اليتيم فلا تقهر " الضحى : 9 إنما هي: مهما يكن من شيء فلا تقهر اليتيم، وتكسر إذا كانت في معنى " أو " ويلزمها التكرير، تقول: ضربت إما زيداً وإما عمراً، فمعناه ضربت زيداً أو عمراً، وكذلك: " إما شاكراً وإما كفوراً " الإنسان 3، وكذلك: " إما العذاب وإما الساعة " مريم 75، و " إما تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسناً " الكهف 86، وإنما كررتها لأنك إذا قلت: ضربت زيداً أو عمراً، أو قلت: اضرب زيداً أو عمراً فقد ابتدأت بذكر الأول، وليس عند السامع أنك تريد غير الأول، ثم جئت بالشك، أو التخيير، وإذا قلت: ضربت إما زيداً وإما عمراً، فقد وضعت كلامك بالابتداء على التخيير أو على الشك، وإذا قلت: ضربت إما زيداً وإما عمراً، فالأولى وقعت لبنية الكلام عليها، والثانية للعطف، لأنك تعدل بين الثاني والأول، فإنما تكسر في هذا الموضع.
وزعم سيبويه أنها إن ضمت إليها " ما " فإن اضطر شاعر فحذف " ما " جاز له ذلك لأنه الأصل، وأنشد في مصداق ذلك:
لقد كذبتك نفسك فاكذبنها ... فإن جزعاً وإن إجمال صبر
ويجوز في غير هذا الموضع أن تقع " إما " مكسورة، ولكن " ما " لاتكون لازمة، ولكن تكون زائدة في " إن " التي هي للجزاء. كما تزداد في سائرالكلام نحو: أين تكن أكن، وأينما تكن أكن، وكذلك متى تأتني آتك، ومتى ما تأتني آتك،فتقول: إن تأتني آتك، وإما تأتني آتك، تدغم النون في الميم لاجتماعهما في الغنة، وسنذكر الإدغام في موضع نفرده به إن شاء الله، كما قال امرؤالقيس:
فإما تريني لاأغمض ساعةٌ ... من الليل إلا أن أكب فأنعسا
فيارب رب مكروب كررت وراءه ... وطاعنت عنه الخيل حتى تنفسا
وفي القرآن: " فإماترين من البشر أحدا " مريم26 وقال: " وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها " الإسراء 28 فأنت في زيادة " ما " بالخيار في جميع حروف الجزاء، إلا في حرفين،فإن " ما " لابد منها لعلة نذكرها إذا أفردنا باباٌ للجزاء إن شاء الله، والحرفان: حيثما تكن أكن،كما قال الشاعر:
حيثما تستقم يقدرلك الله ... نجاحاٌ في غابر الأزمان
والحرف الثاني " إذاما " كما قال العباس بن نرداس:
إذ ما أتيت على الرسول فقل له ... حقاٌ عليك إذا اطمأن المجلس
لايكون الجزاء في " حيث " و " إذ " إلا بما.
قال أبو العباس: وأنشدني أبو العالية:
سل المفتي المكي هل في تزاور ... ونظرة مشتاق الفؤاد جناح

(1/76)


فقال :معاذ الله أن يذهب التقى ... تلاصق أكباد بهن جراح
وأنشد لبعض المحدثين:
تلاصقنا وليس بنا فسوق ... ولم يرد الحرام بنا اللصوق
ولكن التباعد طال حتى ... توقد في الضلوع بنا حريق
فلما أن أتيح لنا التلاقي ... تعانقنا كما اعتنق الصديق
وهل حرجاٌ تراه أو حراماٌ ... مشوق ضمه كلف مشوق
وأنشدني غيره:
وماهجرتك النفس يامي أنها ... قلتك ولا أن قل منك نصيبها
ولكنهم يا أملح الناس أولعوا ... بقول إذا ما جئت: هذا حبيبها
أنها في موضع نصب، وكان التقدير " لأنها " ، فلما حذفت اللام وصلا الفعل، فعمل، تقول: جئتك أنك تحب الخير، فمعناه لأنك، وكذلك أتيتك أن تأمر لي بشيء، أي لأن وتقديره في النصب أن : " أن " الثقيلة واسمها وخبرها مصدر، تقول بلغني أنك منطلق، أي انطلاقك، فإذا قلت: جئتك أنك تريد الخير، فمعناها إرادتك الخير: أي مجيئي لأنك تريد الخير إرادة يافتى، كما قال اشاعر:
وأغفر عوراء الكريم ادخاره ... وأعرض عن شتم اللئيم تكرما
قوله:
وأغفرعوراء الكريم ادخاره
أي أدخره ادخاراٌ، وأضافه إليه، كما ثقول: ادخاراٌ له، وكذلك قوله: " تكرماٌ " إنما أراد للتكرم فأخرجه مخرج أتكرم تكرماٌ .
قال أبو العباس : وأنشدني أبو العالية:
مازلت أبغي الحي أتبع ظلهم ... حتى دفعت إلى ربيبة هودج
قالت: وعيش أبي وأكبر إخوتي ... لأنبهن الحي إن لم تخرج
فخرجت خفية قولها، فتبسمت ... فعلمت أن يمينها لم تخرج
فلثمت فاها آخذاٌ بقرونها ... شرب النزيف ببرد ماء الحشرج
وزاد فيها الجاحظ عمرو بن بحر:
وتناولت رأسي لتعرف مسه ... بمخضب الأطراف غير مشنج
تقول العرب: هودج، وبنو سعد زيد مناة ومن وليهم يقولون فودج. وقوله:
فعلمت أن يمينها لم تحرج
يقول: لم تضق عليها، يقال: حرج يحرج إذا دخل في مضيق والحرجة: الشجر الملتف المتضايق ما بينه، قال الله عز وجل: " فلا يكن في صدرك حرج منه " الأعراف 2 وقال تعالى: " يجعل صدره ضيقاٌ حرجا " الأنعام 125 وقرىء " حرجاٌ " ، فمن قال: " حرجاٌ " أراد التوكيد للضيق، كأنه قال: ضيق شديد الضيق. ومن قال: " حرجاٌ " جعله مصدراٌ، مثل قولك: ضيق ضيقاٌ. وقوله : " ببرد ماء الحشرج " فهو الماء الجاري على الحجارة.
لقيس بن معاذ في النسيب
وقال قيس بن معاذٍ أحد بني عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة وهو المجنون و حدثني عبد الصمد بن المعذل قال: سمعت الأصمعي يثبته ويقول: لم يكن مجنوناٌ، إنما كانت به لوثة كلوثة أبي حية:
ولم أر ليلى بعد موقف ساعةٍ ... ببطن منى ترمي جمار المحصب
ويبدي الحصا منها إذا قذفت به ... من البرد أطراف البنان المخضب
فأصبحت من ليلى الغداة كناظر ... مع الصبح في أعقاب نجم مغرب
ألا إنما غادرت يا أم مالك ... صدى أينما تذهب به الريح يذهب
هذا البيت من أعجب ما قيل في النحافة.
ومما يستطرف في هذا الباب قول عمر بن أبي ربيعة:
رأت رجلاٌ أما إذا الشمس عارضت ... فيضحى وأما بالعشي فيخصر
أخا سفر جواب أرض تقاذفت ... به فلوات فهو أشعثٌ أغبر
قليلاٌ على ظهر المطية ظله ... سوى ما نفى عنه الرداء المحبر
ومن هذا الباب قول القائل:
فأصبحت في أقصى البيوت يعدنني ... بقية ما أبقين نصلاٌ يمانيا
بقية بدل من الياء في يعدنني بدل الاشتمال
تجمعن من شتى، ثلاثٌ وأربعٌ ... وواحدةٌ حتى كملن ثمانيا
يعدن مريضاٌ هن هيجن ما به ... ألا إنما بعض العوائد دائيا
وفي هذا الباب أشياء كثيرة تأتي في موضعها إن شاء الله تعالى، ومن الإفراط فيه قوله:
فلو أن ما أبقيت مني معلقٌ ... بعود ثمام ما تأود عودها
الثمام: نبت ضعيف، واحدته ثمامة، وهذا متجاوز كقول القائل:
ويمنعها من أن تطير زمامها

(1/77)


وأحسن الشعر ما قارب فيه القائل إذا شبه، وأحسن منه ما أصاب به الحقيقة، ونبه فيه بفطنته على ما يخفى عن غيره، وساقه برصفٍ قوي واختصار قريب.
وقال قيس بن معاذ:
وأخرج من بين الجلوس لعلني ... أحدث عنك النفس في السر خاليا
وإني لأستغشي وما بي نعسة ... لعل خيالاٌ منك يلقى خياليا
وفي هذا الشعر:
أشوقاٌ ولما تمض لي غير ليلةٍ ... رويد الهوى حتى تغب لياليا
هذا من أحسن الكلام واوضحه معنى.
ويستحسن لذي الرمة قوله في مثل هذا المعنى:
أحب المكان القفر من أجل أنني ... به أتغنى باسمها غير معجم
لبعض القرشيين
وأنشد ابن عائشة لبعض القرشيين:
وقفوا ثلاث منى بمنزل غبطةٍ ... وهم على غرض هنالك ما هم
متجاورين بغير دار إقامةٍ ... لو قد أجد تفرقٌ لم يندموا
ولهن بالبيت العتيق لبانةٌ ... والركن يعرفهن لو يتكلم
لو كان حياٌ قبلهن ظعائناٌ ... حيا الحطيم وجوههن وزمزم
وكأنهن وقد صدرن لواغباٌ ... بيض بأفنية المقام مركم
اللاغب المعيي، قال الله عز وجل: " وما مسنا من لغوب " ق 38 والمركم: الذي بعضه على بعض، والمرأة تشبه ببيضة النعامة كما تشبه بالدرة، قال الله عز وجل: " كأنهن بيض مكنون " والمكنون: المصون، والمكن: المستور، يقال : أكننت السر، قال الله عز وجل: " أو أكننتم في أنفسكم " البقرة 235 وقال أبو دهبل، وأكثر الناس يرويه لعبد الرحمن بن حسان:
وهي زهراء مثل لؤلؤة الغوا ... ص ميزت من جوهر مكنون
وقال ابن الرقيات :
واضحٌ لونها كبيضة أدح ... ي لها في النساء خلقٌ عميم
العميم: التام، والأدحي: موضع بيض النعامة خاصة، وشعر عبد الرحمن هذا شعر مأثور مشهور عنه.
لعبد الرحمن بن الأشعث
في بنت معاوية
وروى بعض الرواة أن أبا دهبل الجمحي كان تقياٌ وكان جميلاٌ، فقفل من الغزو ذات مرة، فمر بدمشق، فدعته امرأةٌ إلى أن يقرأ لها كتاباٌ، وقالت: إن صاحبته في هذا القصر، وهي تحب أن تسمع ما فيه، فلما دخلت به برزت له امرأةٌ جميلة، وقالت له: إنما احتلت لك بالكتاب حتى أدخلتك. فقال لها: أما الحرام فلا سبيل إليه، فقالت: فلست تراد حراماٌ، فتزوجته، وأقام عندها دهراٌ حتى نعي بالمدينة، ففي ذلك يقول وقد استأذنها ليلم بأهله ثم يعود، فجاء وقد اقتسم ميراثه، فلما هم بالعود إليها نعيت له، فهذا ما روي من هذا الوجه والذي كأنه إجماع أنه لعبد الرحمن بن حسان، وهو في بيت معاوية:
صاح حيا الإله أهلاٌ وداراٌ ... عند أصل القناة من جيرون
هن يساري إذا دخلت من البا ... ب وإن كنت خارجاٌ فيميني
فبتلك ارتهنت بالشأم حتى ... ظن أهلي مرجمات الظنون
وهي زهراء مثل لؤلؤة الغوا ... ص ميزت من جوهر مكنون
إذا ما نسبتها لم تجدها ... في سناءٍ من المكارم دون
ثم خاصرتها إلى القبة الخضر ... راء تمشي في مرمرٍ مسنون
تجعل المسك واليلنجوج والن ... د صلاءً لها على الكانون
قبةٌ من مراجلٍ ضربتها ... عند برد الشتاء في قيطون
المسنون: المصبوب على استواء. والمراجل: ثياب من ثياب اليمن، قال العجاج:
بشيةٍ كشية الممرجل
والقيطون: البيت في جوف بيت.
وقال آخر:
وأبصرت سعدى بين ثوبي مراجلٍ ... وأثواب عصبٍ من مهلهلة اليمن
ويروى أن يزيد بن معاوية قال لمعاوية: أما سمعت قول عبد الرحمن بن حسان في ابنتك؟ قال: وما الذي قال؟ قال : قال:
وهي زهراء مثل لؤلؤة الغوا ... ص ميزت من جوهر مكنون
قال معاوية: صدق، فقال يزيد: وقال:
وإذا ما نسبتها لم تجدها ... في سناءٍ من المكارم دون
قال: صدق، فقال إنه قال:
ثم حاصرتها إلى القبة الخضر ... راء تمشي في مرمر مسنون
قال معاوية: كذب.
باب
عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب عند رسول الله

(1/78)


قال أبو العباس: حدثني مسعود بن بشر، قال: حدثني محمد بن حربٍ، قال: أتى عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم فكساه حلةً وأقعده إلى جانبه، ثم قال: " إنه ابن أمي، وكان أبوه يرحمني " .
لرجل من بني ضبة يخاطب بني تميم
قال: وأنشدني مسعود قال: أنشدني طاهر بن علي بن سليمان قال: أنشدني منصور بن المهدي لرجل من بني ضبة بن أد، يقوله لبني تميم بن مر بن أد:
أبني تميم إنني أنا عمكم ... لا تحرمن نصيحة الأعمام
إني أرى سبب الفناء وإنما ... سبب الفناء قطيعة الأرحام
فتداركوا بأبي وأمي أنتم ... أحسابكم برواجح الأحلام
خطبة عبد الله بن الزبير
حين ورد عليه خبر قتل أخيه مصعب
ويروى أنه أتى عبد الله بن الزبير " خبر " قتل مصعب بن الزبير خطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال : إنه أتانا خبر قتل المصعب فسررنا به، واكتأبنا له، فأما السرور فلما قدر له من الشهادة. وحيز له من الثواب، وأما الكآبة فلوعةٌ يجدها الحميم عند فراق حميمه، وإنا لله ما نموت حبجاً كميتة آل أبي العاص، إنما نموت قتلاً بالرماح، وقعصاً تحت ظلال السيوف، فإن يهلك المصعب فإن في آل الزبير منه خلفاً.
قوله: " حبجاً " ، يقال: حبج بطنه، إذا انفتخ، وكذلك حبط بطنه. المقعص:المقتول. واللوعة: الحرقة، يقال: لاع يلاع لوعة يا فتى فهو لائع، ويقال: لاع يافتى، على القلب، وأنشد أبوزيد:
ولا فرحٍ بخيرٍ إن أتاه ... ولا جزعٍ من الحدثان لاع
من كلام زياد
قال: وحدثني مسعود في إسنادٍ ذكره قال: قال زياد لحاجبه: يا عجلان، إني وليتك هذا الباب، وعزلتك عن أربعة. عزلتك عن هذا المنادي إذا دعا للصلاة فلا سبيل لك عليه، وعن طارق الليل فشرٌ ما جاء به، ولو جاء بخير ما كنت من حاجته، وعن رسول صاحب الثغر فإن إبطاء ساعةٍ يفسد تدبير سنة، وعن هذا الطباخ إذا فرغ من طعامه.
قال : وحدثني مسعود قال: قال زياد: يعجبني من الرجل إذا سيم خطة الضيم أن يقول: " لا " بملء فيه، وإذا أتى نادي قومٍ علم أين ينبغي لمثله أن يجلس فجلس، وإذا ركب دابة حملها ما تحب ولم يبعثها إلى ما تكره.
بلاغة جعفر بن يحيى
وكتب إلى جعفر بن يحيى: إن صاحب الطريق قد اشتط فيما يطلب من الأموال، فوقع جعفر: هذا رجل منقطع عن السلطان، وبين ذؤبان العرب بحيث العدد والعدة، والقلوب القاسية، والأنوف الحمية، فليمدد من المال بما يستصلح به من معه ليدفع به عدوه، فإن نفقات الحروب يستظهر لها. ولا يستظهر عليها.
ورفع قوم إليه شكية عاملهم. فوقع في قصتهم: يا هذا، قد كثر شاكوك، " وقل حامدوك " ، فإما عدلت، وإما اعتزلت. وزعم الجاحظ قال: قال ثمامة بن أشرس النميري: ما رأيت رجلاً أبلغ من جعفر بن يحيى و المأمون. وقال مويس بن عمران: ما رأيت رجلاً أبلغ من يحيى بن خالد، وأيوب بن جعفر.
وقال جعفر بن يحيى لكتابه: إن قدرتم أن تكون كتبكم كلها توقيعاتٍ فافعلوا.
نبذ من الأقوال الحكيمة
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو تكاشفتم ما تدافنتم " ، يقول: لو علم بعضكم سريرة بعض لاستثقل تشييعه ودفنه.
وقال عليه السلام:، " اجتنبوا القعود على الطرقات، إلاأن تضمنوا أربعاٌ: رد السلام وغض الأبصار، وإرشاد الضال. وعون الضعيف " .
وقالت هند بنت عتنة :إنما النساء أغلال، فليختر الرجل غلاٌ ليده وذكرت هند بنت المهلب بن أبي صفرة النساء فقالت: ما زين بشيء كأدب بارع، تحته لب ظاهر.
وقالت هند بنت المهلب بن أبي صفرة :إذا رأيتم النعم مستدرة فبادروا بالشكر قبل حلول الزوال.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " افصلوا بين حديثكم بالاستغفار " .
وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: قيدوا النعم بالشكر، وقيدوا العلم بالكتاب .
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: العجب لمن يهلك والنجاة معه، فقيل: كيف يا أمير المؤمنين؟ قال: الاستغفار.
وقال الخليل بن أحمد: يعني الخليل: كن على مدارسة ما في قلبك أحرص منك على حفظ ما في كتبك .
وقال ابن أحمد يعني الخليل: اجعل ما في كتبك رأس مال، وما في صدرك للنفقة وقيل لنصر بن سيار: إن فلاناٌ لا يكتب، فقال: تلك الزمانة الخفية.

(1/79)


وقال نصر بن سيار لولا أن عمر بن هبيرة كان بدوياٌ ما ضبط عمال العراق وهو لا يكتب .
وفادى رسول الله صلى الله عليه وسلم من رأى فداءه من أسرى بدرٍ، فمن لم يكن له فداءٌ أمره أن يعلم عشرة من المسلمين الكتابة، ففشت الكتابة بالمدينة.
ومن أمثال العرب: خير العلم ما حوضر به، يعني: ما حفظ وكان للمذاكرة.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لاتزال أمتي صالحاٌ أمرها ما لم تر الفيء مغنماً، والصدقة مغرماً " .
وقال علي بن أبي طالب عليه السلام: " يأتي على الناس زمان لا يقرب فيه إلا الماحل، ولا يظرف فيه إلا الفاجر، ولا يضعف فيه إلا المنصف، يتخذون الفيء مغنماً، والصدقة مغرماً، وصلة الرحم مناً، والعبادة استطالةً على الناس، فعند ذلك يكون سلطان النساء، ومشاورة الإماء، وإمارة الصبيان " .
نبذ من أخبار الحجاج
ويروى عن محمد بن المنتشر بن الأجدع الهمداني، قال: دفع إلي الحجاج أزاد مرد بن الهربذ، وأمرني أن أستخرج منه وأغلظ عليه، فلما انطلقت به قال لي: يا محمد، إن لك شرفاً وديناً، وإني لاأعطي على القسر شيئاً، فاستأدني وارفق بي، قال: ففعلت، فأدى إلي في أسبوع خمسمائة ألف، قال: فبلغ ذلك الحجاج فأغضبه، وانتزعه من يدي، ودفعه إلى رجل كان يتولى له العذاب، فدق يديه ورجليه، ولم يعطهم شيئاً.
قال محمد بن المنتشر: فإني لأمر يوماً في السوق إذا صائحٌ بي: يا محمد، فالتفت فإذا به معرضاً على حمارٍ، مدقوق اليدين والرجلين، فخفت الحجاج إن أتيته، وتذممت منه، فملت إليه، فقال لي: إنك وليت مني ماولي هؤلاء فأحسنت، وإنهم صنعوا بي ما ترى ولم أعطهم شيئاً، وههنا خمسمائة ألف عند فلان، فخذها فهي لك، قال: فقلت: ما كنت لآخذ منك على معروفي أجراً، ولا لأرزأك على هذه الحال شيئاً، قال: فأما إذا أبيت فاسمع أحدثك: حدثني بعض أهل دينك عن نبيك " صلى الله عليه وسلم " كثيراً، قال: إذا رضي الله عن قوم أمطرهم المطر في وقته، وجعل المال في سمحائهم، واستعمل عليهم خيارهم، وإذا سخط عليهم استعمل عليهم شرارهم، وجعل المال عند بخلائهم، وأمطرهم المطر في غير حينه. قال: فانصرفت فما وضعت ثوبي حتى أتاني رسول الحجاج، فأمرني بالمسير إليه، فالفيته جالساً على فرشه والسيف منتضىً في يده، فقال لي: ادن، فدنوت شيئاً، ثم قال: ادن، فدنوت شيئاً، ثم صاح الثالثة: ادن لا أبا لك! فقلت: ما بي إلى الدنو من حاجة، وفي يد الأمير ما أرى. فأضحك الله سنه، وأغمد سيفه عني، فقال لي: اجلس، ما كان من حديث الخبيث؟ فقلت له: أيها الأمير، والله ما غششتك منذ استنصحتني، ولا كذ بتك منذ استخبرتني، ولا خنتك منذ ائتمنتني. ثم حدثته الحديث، فلما صرت إلى ذكر الرجل الذي المال عنده أعرض عني بوجهه، وأومأ إلي بيده، وقال: لا تسمه، ثم قال: إن للخبيث نفساً، وقد سمع الأحاديث.
ويقال: كان الحجاج إذا استغرب ضحكاً والى بين الإستغفار، وكان إذا صعد المنبر تلفع بمطرفه ثم تكلم رويداً فلا يكاد يسمع، ثم يتزيد في الكلام، حتى يخرج يده من مطرفه ويزجر الزجرة فيفزع بها أقصى من في المسجد وكان يطعم في كل يوم ألف مائدة، على كل مائدة ثريدٌ وجنبٌ من شواءٍ وسمكة طريةٌ، ويطاف به في محفةٍ على تلك الموائد ليتفقد أمور الناس، وعلى كل مائدة عشرة، ثم يقول: يا أهل الشأم، اكسروا الخبز لئلا يعاد عليكم. وكان له ساقيان، أحدهما يسقي الماء والعسل، والآخر يسقي اللبن. ويروى أ ن ليلى الأخيلية قدمت عليه فأنشدته:
إذا ورد الحجاج أرضاً مريضةً ... تتبع أقصى دائها فشفاها
شفاها من الداء العقام الذي بها ... غلامٌ إذا هز القناة ثناها

(1/80)


فقال لها:لا تقولي: غلام، قولي: همامٌ، ثم قال لها: أي نسائي أحب إليك أن أنزلك عندها الليلة؟قالت: ومن نساؤك أيها الأمير؟ قال أم الجلاس بنت سعيد بن العاصي الأموية، وهند بنت أسماء بن خارجة الفزارية، وهند بنت الملهب بن أبي صفرة العتكية، فقالت: القيسية أحب إلي. فلما كان الغد دخلت عليه فقال: يا غلام أعطها خمسمائة، فقالت:أيها الأمير، اجعلها أدماً فقال قائل: إنما لك بشاء، قالت: الأمير أكرم من ذلك، فجعلها إبلاً إناثاً استحياء، وإنما كان أمر لها بشاءٍ أولاً. والأدم: البيض من الإبل وهي أكرمها.ويروى عن بعض الفقهاء قال: دعاني الحجاج فسألني عن الفريضة المخمسة وهي أمٌ وجدٌ وأخت، فقال لي:ما قال فيها الصديق رحمه الله؟قلت، أعطى الأم الثلث والجد ما بقي لأنه كان يراه أباً، قال:فما قال فيها أمير المؤمنين؟ يعني عثمان رحمه الله قلت: جعل المال بينهم أثلاثاً،قال:فما قال فيها ابن مسعود؟ قال: قلت أعطى الأخت النصف، والأم ثلث ما بقي والجد الثلثين؟لأنه كان لا يفضل أما على جد. قال:فما قال فيهازيد بن ثابت؟قال: قلت أعطى الأم الثلث، وجعل ما بقي بين الأخت والجد.، للذكر مثل حظ الأنثيين، لأنه كان يجعل الجد كأحد الإخوة إلى الثلاثة، قال:فزم بأنفه ثم قال: فما قال فيها أبو ترابٍ؟ قال: قلت أعطى الأم الثلث والأخت النصف والجد السدس، قال: فأطرف ساعة ثم رفع رأسه فقال: فإنه المرء يرغب عن قوله. وجلس الحجاج يأكل ومعه جماعة على المائدة منهم محمد بن عمير بن عطارد بن حاجب بن زرارة، وحجار بن أبجر بن بجير العجلي، فأقبل في وسطٍ من الطعام على محمد بن عمير بن عطاردٍ فقال: يا محمد، أيدعوك قتيبة بن مسلم إلى نصرتي يوم رستقباذ فتقول: هذا أمر لاناقة لي فيه ولا جمل لا جعل الله لك فيه ناقة ولا جملاٌ ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟! ياحرسي، خذ بيده وجرد سيفك فاضرب عنقه، فنظر إلي حجاربن أبجر وهو يبتسم، فدخلته العصبية، وكان مكان حجارٍ من ربيعة كمكان محمد بن عمير من مضر، وأتى الخباز بفرنيةٍ فقال: اجعلها مما يلي محمداً فإن اللبن يعجبه، يا حرسي، شم سيفك وانصرف.
وكان محمدٌ شريفاً، وله يقول الشاعر:
علم القبائل من معد وغيرها ... إن الجواد محمدٌ بن عطارد
وذكرت بنو دارم يوماً بحضرة عبد الملك، فقالوا: قوم لهم الحظ، فقال عبد الملك: أتقولون ذلك وقد مضى منهم لقيط بن زرارة ولا عقب له، ومضى القعقاع بن معبد بن زرارة ولا عقب له، ومضى محمد بن عمير بن عطارد ولا عقب له، والله لاتنسى العرب هؤلاء الثلاثة أبداً.
قوله: " شم سيفك " ، يقول: اغمده، ويقال: شمت السيف: إذا سللته، وهو من الأضداد، ويقال: شمت البرق إذا نظرت من أي ناحية يأتي.
قال الأعشى:
فقلت للشرب في درنى وقد ثملوا: ... شيموا، وكيف يشيم الشارب الشارب الثمل!
وقال الفرزدق:
بأيدي رجالٍ لم يشيموا سيوفهم ... ولم تكثر القتلى بها حين سلت
وهذا البيت طريف عند أصحاب المعاني، وتأويل لم يشيموا: لم يغمدوا ولم تكثر القتلى، أي لم يغمدوا سيوفهم إلا وقد كثرت القتلى " بها " حين سلت.
علي بن جبلة والحسن بن سهل
وحدثني الحسن بن رجاء قال: قدم علينا علي بن جبلة إلى عسكر الحسن بن سهل والمأمون هناك بانياً على خديجة بنت الحسن بن سهل المعروفة ببوران، فقال الحسن: ونحن إذا ذاك نجري على نيف وسبعين ألف ملاحٍ، وكان الحسن بن سهل يسهر مع المأمون، يتصبح فيجلس الحسن للناس إلى وقت انتباهه، فلما ورد علي قلت: قد ترى شغل الأمير، قال: إذن لا أضيع معك. قلت: أجل. فدخلت على الحسن بن سهل في وقت ظهوره فأعلمته مكانه، فقال: ألاترى ما نحن فيه؟ قلت: لست بمشغول عن الأمر له، فقال: يعطى عشرة آلاف درهمٍ إلى أن نتفرغ له، فأعلمت ذلك علي بن جبلة، فقال في كلمة له:
أعطيتني يا ولي الحق مبتدئاً ... عطيةً كافأت مدحي ولم ترني
ما شمت برقك حتى نلت ريقه ... كأنما كنت بالجدوى تبادرني
باب
للمفضل بن الملهب
بن أبي صفرة في الشجاعة والنجدة
قال أبو العباس: قال المفضل بن المهلب بن أبي صفرة:

(1/81)


هل الجود إلا أن تجود بأنفسٍ ... على كل ماضي الشفرتين قضيب
وما خير عيشٍ بعد قتل محمدٍ ... ويعد يزيد والحرون حبيب
ومن هو أطراف القنا خشية الردى ... فليس لمجدٍ صالح بكسوب
وما هي إلا رقدة تورث العلا ... لرهطك ما حنت روائم نيب
وقوله ؛
ومن هر أطراف القنا خشية الردى
يقول: من كره، قال عنترة بن شداد :
خلفت لهم والخيل تردى بنا معاً ... نفارقهم حتى يهروا العواليا
عوالي زرقاً من رماح ردينةٍ ... هرير الكلاب يتقين الأفاعيا
والردى: الهلاك، وأكثر ما يستعمل في الموت. يقال: ردي يردى ردًى، قال الله عز وجل: " وما يغنى عنه ماله إذا تردى " الليل 11، وهو " تفعل " من الردى في أحد التفسيرين، وقيل: إذا تردى في النار، أي إذا سقط فيها.
وقوله: " الحرون " فإن حبيب بن المهلب كان ربما انهزم عنه أصحابه فلا يريم مكانه، فكان يلقب الحرون .
وقوله:
وما هي إلا رقدة تورث العلا
فهذا مأخوذ من قول أخيه يزيد بن المهلب، وذلك أنه قال في يوم العقر وهو اليوم الذي قتل فيه : قاتل الله ابن الأشعث ما كان عليه لو غمض عينيه ساعة للموت، ولم يكن قتل نفسه وذلك أن ابن الأشعث قام في الليل وهو في سطح، للبول، فزعموا أنه ردى نفسه، وغير أهل هذا القول يقولون: بل سقط منه بسنة النوم .
وقوله: " تورث العلا لرهطك " فالمعنى تورث العلا رهطك، وهذه اللام تزاد في المفعول على معنى زيادتها في الإضافة، تقول: هذا ضاربٌ زيداً، وهذا ضاربٌ لزيدٍ، لأنها لا تغير معنى الإضافة إذا قلت: هذا ضارب زيدٍ وضارب له.
وفي القرآن: " وأمرت لأن أكون أول المسلمين " الزمر12. وكذلك " إن كنتم للرءيا تعبرون " يوسف43 ويقول النحويون في قوله تعالى: " قل عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون " النمل 72 إنما هو " ردفكم " والنيب : جمع ناب، وهي المسنة من الإبل، وتقديرها " فعل " ساكنة، وأبدلت من الضمة كسرة لتصح الياء، كما قلت في أبيض: بيضٌ، وإنما هو مثل أحمر وحمرٍ، وكذلك أشيب وشيبٌ، فتقدير ناب ونيب إذا جاء على " فعل " و " فعل " تقدير أسد وأسدٍ، ووثنٍ ووثن، وناب تقديرها " فعلٌ " وإنما انقلبت الباء ألفاً فسكنت، وإنما تنقلب إذا كانت في موضع حركة. والروائم قد مضى تفسيرها .
شيخ من الأعراب وامرأته
وأنشدني الزيادي قال :أنشدني أبو زيد، نظر شيخٌ من الأعراب إلى امرأته تتصنع وهي عجوز فقال:
عجوز ترجي أن تكون فتيةٌ ... وقد لحب الجنبان واحدودب الضهر
تدس إلى العطار سلعة بيتها ... وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر
قال أبو الحسن: وزادني غير أبي العباس في شعر هذا الأعرابي:
وماغرني إلا خضابٌ بكفها ... وكحل بعينيها وأثوابها الصفر
وجاؤوا بها قبل المحاق بليلةٍ ... فكان محاقاً كله ذلك الشهر
قال: فقالت له امرأته:
ألم تر أن الناب تحلب علبةٌ ... ويترك ثلب، لا ضرابٌ ولا ظهر
قال: ثم استغاثت بالنساء. وطلب الرجال فإذا هم خلوفٌ، فاجتمع النساء عليه فضربنه.
قوله: " قد لحب الجنبان " ،يقول: قل لحمهما، يقال :بعير ملحوبٌ وقد لحب مثل عرق.
وقوله:
تدس إلى العطار سلعة بيتها
يريد السويق والدقيق وما أشبه ذلك، وكل عرضٍ فالعرب تقول له: سلعة، أنشدني عمارة بن عقيل شعراٌ يمدح به خالد بن يزيد بن مزيد الشيباني ويذم تميم ابن خزيمة بن حازم النهشلي:
أأترك إن قلت دراهم خالدٍ ... زيارته؟ إني إذاٌ للئيم
وقد يسلع المرء اللئيم اصطناعه ... ويعتل نقد المرء وهو كريم
فتى واسطٌ في ابني نزارٍ، مجببٌ ... إلى ابني نزارٍ، في الخطوب عميم
فليت ببرديه لنا كان خالدٌ ... وكان لبكرٍ في الثراء تميم
فيصبح فينا سابقٌ متمهلٌ ... أغر، وفي بكرٍ أغم بهيم
قوله :
وقد يسلع المرء اللئيم اصطناعه
أي يكثر سلعته لا صطناعه.
وقوله: " أغم بهيم " ، فالغم كثرة شعر الوجه والقفا، قال هذبة بن خشرمٍ العذري:

(1/82)


فلا تنكحي إن فرق الدهر بيننا ... أغم القفا والوجه ليس بأنزعا
والعرب تكره الغمم. والبهيم: الذي لا يخلط لونه غيره من أي لون كان .
وقولها:
ألم تر أن الناب تحلب علبة
تقول فيها منفعة على حال، والعلبة: إناء لهم من جلود يحلبون فيه، من ذلك قوله:
لم تتلفع بفضل مئزرها ... دعدٌ، ولم تغد بالعلب
ومن أمثال العرب: " قد تحلب الضجور العلبة " ، يضربون ذلك للرجل البخيل الذي لا يزال ينال منه الشيء القليل، والضجور: الناقة السيئة الخلق، إنما تحلب حين تطلع عليها الشمس فتطيب نفسها، والثلب: الذي قد انتهى في السن من الإبل .
من أقوالهم في الفقر و الغنى
وقال آخر :
لم أر مثل الفقر أوضع للفتى ... ولم أرى مثل المال أرفع للرذل
ولم أر عزاً لامرئ كعشيرةٍ ... ولم أر ذلاً مثل نأي عن الأصل
ولم أر من عدم أضر على امرئٍ ... إذا عاش بين الناس من عدم العقل
وقال آخر :
لعمري، لقوم المرء خير بقيةٍ ... عليه، وإن عالوا به كل مركب
من الجانب الأقصى وإن كان ذا غنى ... جزيل ولم يخبرك مثل مجرب
وإن خبرتك النفس أنك قادرٌ ... على ما حوت أيدي الرجال فكذب
إذا كنت في قومٍ عداً لست منهم ... فكل ما علفت من خبيثٍ وطيب
العدا: الغرباء في هذا الموضع، ويقال للأعداء عداً، والعداة الأعداء لا غير.
وقال أعرابي من باهلو:
سأعمل نص العيس حتى يكفني ... غنى المال يوماً أو غنى الحدثان
فللموت خيرٌ من حياة يرى لها ... على المرء ذي العلياء مس هوان
متى يتكلم يلغ حكم مقاله ... وإن لم يقل قالوا عديم بيان
كأن الغنى في أهله بورك الغنى ... بغير لسانٍ ناطقٌ بلسان
من أخبار حارثة بن بدر الغداني
ونظير هذا الشعر ما حدثنا به في أمر حارثة بن بدرٍ الغداني، فإنا حدثنا عن حارثة بن بدر، وكان رجل بني تميم في وقته. وكان قد غلب على زيادٍ، وكان الشراب قد غلب عليه، فقيل لزيادٍ: إن هذا قد غلب عليك وهو مستهترٌ بالشراب، فقال زياد: كيف لي بأطراح رجلٍ هو يسايرني منذ دخلت العراق، لم يصكك ركابي ركباه، ولا تقدمني فنظرت إلى قفاه، ولا تأخر عني فلويت عنقي إليه، ولا أخذ علي الشمس في شتاءٍ قط، ولا الروح في صيف قط، ولا سألته عن علم إلا ظننت أنه لم يحسن غيره. فلما مات زيادٌ جفاه عبيد الله، فقال له حارثة: أيها الأمير، ما هذا الجفاء مع معرفتك بالحال عند أبي المغيرة فقال له عبيد الله: إن أبا المغيرة كان قد برع بروعاً لا يلحقه معه عيب، وأنا حدثٌ، وإنما أنسب إلى من يغلب علي، وأنت رجل تديم الشراب، فمتى قربتك فظهرت رائحة الشراب منك لم آمن أن يظن بي، فدع النبيذ وكن أول داخل علي وآخر خارج عني، فقال له حارثة: أنا لا أدعه لمن يملك ضري ونفعي، أفأدعه للحال عندك قال : فاختر من عملي ما شئت، قال: توليني رامهرمز، فإنها أرض عذاةٌ، وسرق فإن بها شراباً وصف لي. فولاه إياهما، فلما خرج شيعه الناس، فقال أنس بن أبي أنيس:
أحار بن بدرٍ قد وليت إمارةً ... فكن جرذاً فيها تخون وتسرق
ولا تحقرن يا حار شيئاً وجدته ... فحظك من ملك العراقين سرق
وباه تميماً بالغنى إن للغنى ... لساناً به المرء الهيوبة ينطق
فإن جميع الناس، إما مكذبٌ ... يقمل بما يهوى وإما مصدق
يقولون أقوالاً ولا يعلمونها ... ولو قيل: هاتوا حققوا لم يحققوا
ورثى حارثة بن بدرٍ زياداً وكان زياد مات بالكوفة، ودفن بالثوية فقال:
صلى الله على قبر وطهره ... عند الثوية يسفي فوقه المور
زفت إليه قريشٌ نعش سيدها ... فثم كل التقى والبر مقبور
أبا المغيرة والدنيا مفجعةٌ ... وإن من غرت الدنيا لمغرور
وقد كان عندك بالمعروف معرفةٌ ... وكان عندك للنكراء تنكير
وكنت تغشي وتعطي المال من سعةٍ ... إن كان بيتك أضحى وهو مهجور

(1/83)


الناس بعدك قد خفت حلومهم ... كأنما نفخت فيها الأعاصير
ونطير هذا قول مهلهل يرثي أخاه كليباً، وكان كليبٌ إذا جلس لم يرفع بحضرته صوت، ولم يستب بفنائه اثنان:
ذهب الخيار من المعاشر كلهم ... واستب بعدك يا كليب المجلس
وتقاولوا في أمر كل عظيمة ... لو كنت حاضر أمرهم لم ينسبوا
قول حارثة: " الثوية " ، فهي بناحية الكوفة، ومن قال الثوية: فهو تصغير الثوية، وكل ياء أخرى فوقعت معتلةً طرفاً في التصغير فوليتها ياء التصغير فهي محذوفة، وذلك قولك في عطاءٍ: عطي، وكان الأصل عطييٌ، كما تقول في سحاب: سحيب، ولكنها تحذف لاعتلالها، واجتماعياءين معها، وتقول في تصغير أحوى: أحي، في قول من قال في أسود: أسيد، وهو الوجه الجيد، لأن الياء الساكنة إذا كانت بعدها واو متحركة قلبتها ياء، كقولك: أيام، والأصل " أيوام " ، وكذلك سيد، والأصل سيودٌ، ومن قال في تصغير أسود: أسيودٌ فهو جائز، وليس كالأول قال في تصغير أحوى أحيو يا فتى، فتثبت الياء، لأنه ليس فيها ما يمنعها نم اجتماع الياءات، ومن قال أسود، فإنما أظهر الواو، لأنها كانت في التكبير متحركة، ولا تقول في عجوز إلا عجيزةٌ لأنها ساكنة، وإنما يجوز هذا على بعدٍ إذا كانت الواو في موضع العين من الفعل، أو ملحقة بالعين، نحو واو جدول، وإنما استجازوا إظهارها في التصغير للتشبيه بالجمع،لأن ما جاوز الثلاثة فتصغيرهعلى مثال جمعه، ألا تراهم يقولون في الجمع: أساود وجداول. فهذا على التشبيه بهذا. فإن كانت الواو في موضع اللام كانت منقلبة على كل حال، تقول في غزوة: غزيةٌ، وفي عروة : عريةٌ، فهذا شرح صالح في الموضوع، وهو مستقصى في الكتاب المقتضب.
وقوله: " يسفي فوقه المور " ، فمعناه أن الريح تسفيه، وجعل الفعل للمور وهو التراب، وتقول: سقاك الله الغيث، ثم يجوز أن تجعل الفعل للغيث، فتقول: سقاك الغيث يا فتى، وقال علقمة بن عبدة:
سقاك يمانٍ ذو حبي وعارضٌ ... تروح به جنح العشي جنوب
وقوله :
زفت إليه قريش نعش سيدها
يقال: زففت السرير، وزففت العروس. وحدثني أبو عثمان المازني قال: حدثني الزيادي قال : سمعت قوماً من العرب يقولون: أزففت العروس، وهي لغةٌ.
وقوله: " نعش سيدها " يريد موضعه من النسب، لأنه نسبه إلى أبي سفيان. وكان رئيس قريش من قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، وله يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كل الصيد في بطن الفرا " . وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يفرش فراشاً في بيته في وقت خلافته فلا يجلس عليه إلا العباس بن عبد المطلب وأبو سفيان بن حرب، ويقول: هذا عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا شيخ قريش. وكان حرب بن أمية رئيس قريش يوم الفجار، فكان آل حرب إذا ركبوا في قومهم من بني أمية قدموا في المواكب، وأخليت لهم صدور المجالس، إلا رهط عثمان رضي الله عنه، فإن التقديم لهم في الإسلام بعثمان. وكان أبو سفيان صاحب العير يوم بدرٍ، وصاحب الجيش يوم أحد وفي يوم الخندق، وإليه كانت تنظر قريش في يوم فتح مكة، وجعل له رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه من دخل في داره فهو آمن قي حديث مشهور.
وقوله :
كأنما نفخت فيها الأعاصير
هذا مثل، وإنما يراد خفة الحلوم. والإعصار فيما ذكر أبو عبيدة: ريح تهب بشدة فيما بين السماء والأرض. ومن أمثال العرب : " إن كنت ريحاً فقد لاقيت إعصاراً " ، يضرب للرجل يكون جلداً فيصادف من هو أجلد منه، قال لله عز وجل : " فأصابها إعصارٌ فيه نارٌ فاحترقت " البقرة 266 وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كل الصيد في بطن الفرا " يعني الحمار الوحشي، وذلك أن أجل شيئ يصيده الصائد الحمار الوحشي، فإذا ظفر به، فكأنه قد ظفر بجملة الصيد، والعرب تختلف فيه، فبعضهم يهمزه فيقول: هذا فرأ، كما ترى، وهو الأكثر، وبعضهم لا يهمزه، ومن أمثالهم " أنكحنا الفرا، فسنرى " أي زوجنا من لا خير فيه فسنعلم كيف العاقبة، وجمعه في القولين جميعاً " فراءٌ " كما ترى، ونظيره: جملٌ وجمالٌ، وجبلٌ وجبالٌ قال الشاعر :
بضرب كآذان الفراء فضوله ... وطعنٍ كإيزاع المخاض تبورها

(1/84)


الإيزاع: دفع الناقة ببولها، يقال : أوزعت به إيزاعاً، وأزغلت به إزغالً، وذلك حين تلقح، فعند ذلك يقال لها: خلفةٌ، وللجميع المخاض، وقد مر هذا. والبور: أن تعرض على الفحل ليعلم أهي حامل أم حائل ؟
لضابئ البرمجي وهو في السجن
وقال ضابئ بن الحارث البرمجي :
ومن يك أمسى بالمدينة رحله ... فإني وقياراً بها لغريب
وما عاجلات الطير تدني من الفتى ... نجاحاً ولا عن ريثهن يخيب
ورب أمور لا تضيرك ضيرةً ... وللقلب من مخاشتهن وجييب
ولا خير فيمن لا يوطن نفسه ... على نائبات الدهر حين تنوب
وقوله :
فإني وقياراً بها لغريب
أراد: فإني لغريب بها وقياراٌ، ولو رفع لكان جيداٌ، تقول: إن زيداٌ منطلقٌ وعمراٌ وعمرو، فمن قال: " عمراٌ " فإنما رده على زيد، ومن قال: " عمرو " فله وجهان من الإعراب: أحدهما جيد، والآخر جائز، فأما الجيد فأن تحمل عمراٌ على الموضع، لأنك إذا قلت: إن زيداٌ منطلق فمعناه زيد منطلق فرددته على الموضع، ومثل هذا لست بقائم ولا قاعداً، والباء زائدةٌ، لأن المعنى لست قائماٌ ولا قاعداٌ، ويقرأ على وجهين: " أن الله برىءٌ من المشركين ورسوله " التوبة 3 " ورسوله " التوبة 3 والوجه الآخر لأن يكون معطوفاٌ على المضمر في الخبر، فإن قلت إن زيداٌ منطلق هو وعمرو حسن العطف لأن المضمر المرفوع إنما يحسن العطف عليه إذا أكدته، كما قال الله تعالى : " فاذهب أنت وربك فقاتلا " المائدة 24 و " اسكن أنت وزجك الجنة " البقرة35 إنما قبح العطف عليه بغير تأكيد لأنه لا يخلو من أن يكون مستكنا في الفعل بغير علامة، أو في الاسم الذي يجري مجرى الفعل، نحو إن زيداً ذهب وإن زيداٌ ذاهب فلا علامة له، أو تكون له علامة يتغير لها الفعل عما كان نحو ضربت، سكنت الباء التي هي لام الفعل من أجل الضمير لأن الفعل والفاعل لاينفك أحدهما عن صاحبه فهما كالشيء الواحد، ولكن المنصوب يجوز العطف عليه، ويحسن بلا تأكيد، لأنه لا يغير الفعل إذ كان الفعل قد يقع ولا مفعول فيه، نحو ضربتك وزيداً، فأما قول الله عز وجل: " لو شاء الله ما أشركنا ولا ءاباؤنا " الأنعام 148 فإنما يحسن بغير توكيد لأن " لا " صارت عوضاً، والشاعرإذا احتاج أجراه بلا توكيد لا حتمال الشعر ما لا يحسن في الكلام. وقال عمر بن أبي ربيعة :
قلت إذا أقبلت وزهرٌ تهادى ... كنعاج الملا تعفسن رملا
وقال جرير :
ورجا الأخيطل من سفاهة رأيه ... ما لم يكن وأبٌ له لينالا
فهذا كثير. فأما النعت إذا قلت إن زيداً يقوم العاقل فأنت مخير إن شئت قلت العاقل فجعلته نعتاً لزيد، أو نصبته على المدح وهو بإظمار أعني، وإن شئت رفعت على أن تبدله من المضمر في الفعل، وإن شئت كان على قطع وابتدءٍ، كأنك قلت إن زيداً قام، فقيل من هو فقلت: العاقل، كما قال الله عز وجل: " قل أفأنبئكم بشرٍ من ذلكم النار " الحج : 72، أي هو النار والآية تقرأ على وجهين على ما فسرنا: " قل إن ربي يقذف بالحق علام الغيوب " سبأ: 48 و " علام الغيوب " سبأ : 48.
وقوله:
وما عاجلات الطير تدني من الفتى ... نجاحاً ...................................
يقول: إذا لم تعجل له طير سانحةٌ فليس ذلك بمبعدٍ خيراً عنه، ولا إذا أبطأت خاب، فعاجلها لا يأتيه بخير، وآجلها لا يدفعه عنه، إنما له ما قدر له، والعرب تزجر على السانح وتتبرك به، وتكره البارح وتتشاءم به، والسانح: ما أراك مياسره فأمكن الصائد، والبارح: ما أراك ميامنه فلم يمكن الصائد، إلا أن ينحرف له، وقد قال الشاعر:
لا يعلم المرء ليلاً ما يصبحه ... إلا كواذب مما يخبر الفال
والفال والزجر والكهان كلهم ... مضللون، ودون الغيب أقفال
وقوله:
ورب أمورٍ لا تضيرك ضيرةً ... وللقلب من مخشلتهم وجيب
فإن العرب تقول: ضارة يضيرة ضيرةً، ولا ضرر عليه، وضره يضره، ولا ضرر عليه ولا ضر عليه، ويقال أصابه ضر بمعنى، والضر مصدر، والضر اسم، وقد يكون الضر من المرض، والضر عاماً، وهذا معنى حسن، وقد قال أحد المحدثين، وهو إسماعيل بن القاسم أبو العتاهية:

(1/85)


وقد يهلك الإنسان من باب أمنه ... وينجو بإذن الله من حيث بحذر
وقال الله عز وجل: " فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً " النساء : 19.
وقال رجل لمعاوية: والله لقد بايعتك وأنا كاره، فقال معاوية: قد جعل الله في الكره خيراً كثيراً .
وقوله :
ولا خير فيمن لا يوطن نفسه ... على نائبات الدهر حين تنوب
نظيره قول كثير :
أقول لها يا عز كل مصيبةٍ ... إذا وطنت يوماً لها النفس ذلت
وكان عبد الملك بن مروان يقول: لو كان قال هذا البيت في صفة الحرب لكان أشعر الناس .
وحكي عن بعض الصالحين أن ابناً له مات فلم ير به جزعٌ، فقيل له في ذلك، فقال : هذا أمر كنا نتوقعه، فلما وقع لم ننكره.
باب
جرير بن عبد الله البجلي عند معاوية
قال أبو العباس: وجه علي بن أبي طالب رضي الله عنه جرير بن عبد الله البجلي إلى معاوية رحمه الله يأخذه بالبيعة له، فقال له: إن حولي من ترى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار، ولكني اخترتك لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيك: " خير ذي يمن " ، إيت معاوية فخذه بالبيعة، فقال جرير: والله ياأمير المؤمنين ما أدخرك من نصرتي شيئاً، وما أطمع لك في معاوية، فقال علي رضي الله عنه: إنما قصدي حجة أقيمها عليه، فلما إتاه جرير دافعه معاوية، فقال له جريرٌ: إن المنافق لا يصلي حتى لا يجد من الصلاة بداً، ولا أحسبك تبايع حتى لا تجد من البيعة بداً فقال له معاوية: إنها ليست بخدعة الصبي عن اللبن إنه أمر له ما بعده، فأبلعني ريقي. فناظر عمراً، فطالت المناظرة بينهما، وألح عليه جرير، فقال له معاوية: ألقاك بالفصل في أول مجلس إن شاء الله تعالى.
ثم كتب لعمرو بمصر طعمة، وكتب عليه: " ولا ينقض شرطٌ طاعة " ، فقال عمرو: يا غلام اكتب، ولا تنقض طاعة شرطاً، فلما اجتمع له أمره رفع عقيرته ينشد ليسمع جريراً:
تطاول ليلي واعترتني وساوسي ... لآتٍ أتى بالترهات البسابس
أتاني جريرٌ والحوادث جمةٌ ... بتلك التي فيها اجتداع المعاطس
أكايده والسيف بيني وبينه ... ولست لأثوب الدني بلابس
إن الشأم أعطت طاعةً بمنية ... تواصفها أشياخها في المجالس
فإن يفعلو أصدم علياً بجبهةٍ ... تفت عليه كل رطبٍ ويابس
وإني لأرجو خير ما نال نائلٌ ... وما أنا من ملك العراق بيائس
كتاب معاوية إلى علي
وكتب إلى علي رضي الله عنه: بسم الله الرحمن الرحيم، من معاوية بن صخر إلى علي بن أبي طالب : أما بعد: فلعمري لو بايعك القوم الذين بايعوك وأنت بريء من دم عثمان كنت كأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم أجمعين، ولكنك أغريت بعثمان المهاجرين، وخذلت عنه الأنصار، فأطاعك الجاهل، وقوي بك الضعيف. وقد أبى أهل الشام إلا قتالك حتى تدفع إليهم قتلة عثمان، فإن فعلت كان شورى بين المسلمين. ولعمري ما حجتك علي كحجتك على طلحة والزبير، لأنهما بايعاك ولم أبايعك. وما حجتك على أهل الشام كحجتك على أهل البصرة لأن أهل البصرة، أطاعوك ولم يعطك أهل الشام، وأما شرفك في الإسلام، وقرابتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم وموضعك من قريش فلست أدفعه. ثم كتب في كتاب إليه في آخر الكتاب بشعر كعب بن جعيل، وهو:
أرى الشأم تكره ملك العراق ... وأهل العراق لهم كارهيناً
وكلا لصاحبه مبغضاً ... يرى كل ما كان من ذاك دينا
إذا ما رمونا رميناهم ... ودناهم مثل ما يقرضونا
فقالوا: علي إمامٌ لنا ... فقلنا: رضينا ابن هند رضينا
وقالوا: نرى أن تدينوا له ... فقلنا: ألا لا نرى أن ندينا
ومن دون ذلك خرط القتاد ... وضربٌ وطعنٌ يقر العيونا
وأحسن الروايتين: " يفض الشؤونا " . وفي آخر هذا الشعر ذم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه أمسكنا عن ذكره.

(1/86)


قوله: " ولكنك أغريت بعثمان المهاجرين " فهو من الإغراء وهو التحضيض عليه، يقال أغريته به، وآسدته الكلب على الصيد أوسه إيساداً، ومن قال: أشليت الكلب في معنى أغريت فقد أخطأ، إنما أشليته دعوته إلي وآسدته أغريته.
وقول ابن جعيل:
وأهل العراق لهم كارهينا
محمول على " أرى " ومن قال :
وأهل العراق لهم كارهونا
فالرفع من وجهين: أحدهما قطعٌ وابتداءٌ، ثم عطف جملة على جملة بالواو، ولم يحمله على أرى، ولكن كقولك كان زيدٌ منطلقاً، وعمرو منطلقٌ الساعة، خبرت بخبر بعد خبر، والوجه الآخر أن تكون الواو وما بعدها حالاً، فيكون معناها " إذ " ، كما تقول رأيت زيداً قائماً وعمرو منطلق، تريد إذ: عمٌرو منطلق. وهذه الآية تحمل على هذا المعنى، وهو قول الله عز وجل: " يغشى طائفةً منكم وطائفةٌ قد أهمتهم أنفسهم " آل عمران: 154، والمعنى والله أعلم: إذ طائفةٌ في هذه الحال وكذلك قراءة من قرأ: " ولو أنما في الأرض من شجرةٍ أقلامٌ والبحر يمده من بعده سبعة أبحرٍ " لقمان: " 27، أي والبحر هذه حاله، وإن قرأ " والبحر " فعلى " أن " 0 وقوله:
ودناهم مثل ما يقرضونا
يقول جزيناهم. وقال المفسرون في قوله عز وجل: " مالك يوم الدين " الفاتحة: 4. قالوا: يوم الجزاء والحساب، ومن أمثال العرب: " كما تدين تدان " ، وأنشد أبو عبيدة:
واعلم وأيقن أن ملكك زائلٌ ... واعلم بأن كما تدين تدان
وللدين مواضع منها كا ذكرنا، ومنها الطاعة ودين الإسلام من ذلك يقال: فلان في دين فلانٍ، أي لم يكونوا في دين ملك، وقال زهيرٌ:
لئن حللت بجو في بني أسدٍ ... في دين عمرو وحالت بيننا فدك
فهذا يريد: في طاعة عمرو بن هند، والدين: العادة، يقال: ما زال هذا ديني ودأبي وعادتي وديدني وإجرياي، قال المثقب العبدي:
تقول إذا درأت لها وضيني ... أهذا دينه أبداً وديني
أكل الدهر حل وارتحالٌ ... أما تبقي علي وما تقيني
وقال المكيت بن زيدٍ :
على ذاك إجرياي وهي ضريبتي ... وإن أجلبوا طراً علي وأحلبوا
وقوله:
فقلنا: رضينا ابن هند رضينا
يعني معاوية بن أبي سفيان، وأمه هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف.
وقوله: " أن تدينوا له " ، أي أن تطيعوه وتدخلوا في دينه: أي في طاعته: وقوله:
ومن دون ذلك خرط القتاد
فهذا مثل من أمثال العرب، القتاد: شجيرة شاكة غليظة أصول الشوك، فلذلك يضرب خرطه مثلاً في الأمر الشديد، لأنه غاية الجهد. ومن قال: " يفض الشؤونا " ، فيفض يفرق، تقول: فضضت عليه المال. والشؤون، وأحدها شأن، وهي مواصل قبائل الرأس، وذلك أن للرأس أربع قبائل، أي قطع مشعوبٌ بعضها إلى بعض، فموضع شعبها يقال له: الشؤون، واحدها شأنٌ، وزعم الأصمعي قال: يقال إن مجاري الدموع منها، فلذلك يقال استهلت شؤونه، وأنشد قول أوس من حجرٍ:
لا تحزنيني بالفراق فإنني ... لا تستهل من الفراق شؤوني
ومن قال " يقر العيونا " ، ففيه قولان: أحدهما للأصمعي، وكان يقول: لا يجوز غيره، يقال: قرت عينه وأقرها الله، وقال: إنما هو بردت من القر، وهو خلاف قولهم: سخنت عينه وأسخنها الله، وغيره يقول: قرت هدأت، وأقرها الله أهدأها الله، وهذا قول حسن جميل، والأول أغرب وأطرف.
جواب علي بن أبي طالب لمعاوية
فكتب إليه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه جواب هذه الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم، من علي بن أبي طالب إلى معاوية بن صخر، أما بعد: فإنه أتاني منك كتاب امرىء ليس له بصرٌ يهديه، ولا قائدٌ يرشده، دعاه الهوى فأجابه، وقاده فاتبعه، زعمت أنك إنما أفسد عليك بيعتي خطيئتي في عثمان. ولعمري ما كنت إلا رجلاً من المهاجرين أوردت كما أوردوا، وأصدرت كما أصدروا، وما كان الله ليجمعهم على ضلال، ولا ليضربهم بالعمى.

(1/87)


وبعد، فما أنت وعثمان إنما أنت رجل من بني أمية، وبنو عثمان أولى بمطالبة دمه، فإن زعمت أنك أقوى على ذلك، فادخل فيما دخل فيه المسلمون، ثم حاكم القوم إلي. وأما تمييزك بينك وبين طلحة والزبير وأهل الشام وأهل البصرة، فلعمري ما الأمر فيما هناك إلا سواءٌ، لأنها بيعةٌ شاملة، لا يستثنى فيها الخيار، ولا يستأنف فيها النظر. وأما شرفي في الإسلام، وقرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وموضعي من قريش، فلعمري لو استطعت دفعه لدفعته " .
ثم عاد النجاشي أحد بني الحارث بن كعب فقال له: إن ابن جعيلٍ شاعر أهل الشام، وأنت شاعر أهل العراق، فأجب الرجل، فقال: ياأمير المؤمنين، أسمعني قوله، قال: إذاً أسمعك شعر شاعرٍ، فقال النجاشي يجيبه:
دعاً يا معاوي مالن يكونا ... فقد حقق الله ما تحذرون
أتاكم عليٌ بأهل العراق ... وأهل الحجاز فما تصنعونا
وبعد هذا ما نمسك عنه.
قوله: " ليسي له بصر يهديه " ،فمعناه يقوده، والهادي: هو الذي يتقدم فيدل، والحادي: الذي يتأخر فيسوق، والعنق يسمى الهادي لتقدمه، قال الأعشى:
إذا كان هادي الفتى في البلا ... د صدر القناة أطاع الأميرا
يصف أنه قد عمي فإنما تهديه عصاً، ألا تراه يقول:
وهاب العثار إذا ما مشى ... وخال السهولة وعثاً وعورا
وقال القطامي:
إني وإن كان قومي ليس بينهم ... وبين قومك إلا ضربة الهادي
وقال أيضاً:
قربن يقصون من بزل مخيسة ... ومن عرابٍ بعيداتٍ من الحادي
وقوله: " ولا قائد يرشده " قد أبان به الأول.
وقوله: " دعاه الهوى " فالهوى من " هويت " مقصور، وتقديره " فعل " ، فانقلبت الياء ألفاً، فلذلك كان مقصوراً، وإنما كان كذلك لأنك تقول: هوي يهوى، كما تقول: فرق يفرق وهو هو، كما تقول: هو فرق، كما ترى، وكان المصدر على " فعل " ، بمنزلة الفرق والحذر والبطر. لأن الوزن واحد في الفعل واسم الفاعل، فأما الهواء، من الجو فمدود، يدلك على ذلك جمعة إذا قلت: أهويةٌ، لأن أفعله إنما تكون جمع فعالٍ و فعالٍ و فعولٍ و فعيل، كما تقول قذالٌ وأقذلةٌ وحمار وأحمرةٌ، فهواءٌ كذلك، والمقصور جمعه أهواء فاعلم، لأنه على فعل، وجمع فعل أفعالٌ كما تقول: جمل وأجمال وقتب وأقتاب، قال الله عز وجل: " واتبعوا أهواءهم " محمد: 14. وقوله هذا هواء يا فتى في صفة الرجل إنما هو ذمٌ، يقول: لا قلب له، قال الله عز وجل: " وأفئدتهم هواء " إبراهيم: 43 أي خالية، وقال زهير:
كأن الرحل منها فوق صعلٍ ... من الظلمان جؤجؤه هواء
وهذا من هواء الجو، قال الهذلي:
هواءٌ مثل بعلك مستميتٌ ... على ما في وعائك كالخيال
وكل واو مكسورة وقعت أولاً فهمزها جائز ينشد: " على ما في إعائك " ، ويقال: وسادةٌ وإسادةٌ وشاحٌ وإشاحٌ.
وأما قوله: " فما أنت وعثمان " فالرفع فيه الوجه لأنه عطف اسماً ظاهراً على اسم مضمر منفصل وأجراه مجراه، وليس ههنا فعل، فيحمل على المفعول، فكأنه قال: فما أنت وما عثمان، هذا تقديره في العربية، ومعناه لست منه في شيء، قد ذكر سيبويه رحمه الله النصب وجوزه جوازاً حسناً وجعله مفعولاً معه، وأضمر كان من أجل الاستفهام، فتقديره عنده: ما كنت و فلاناً. وهذا الشعر كما أصف لك ينشد:
وأنت امرؤ من أهل نجدٍ وأهلنا ... تهامٍ وما النجدي والمتغور
وكذلك قوله:
تكلفني سويق الكرم جرمٌ ... وما جرمُ وما ذاك السويق
فإن كان الأول مضمراً متصلاً كان النصب، لئلا يحمل ظاهر على مضمر، تقول: ما لك وزيداً وذلك أنه أضمر الفعل، فكأنه قال في التقدير: وملابستك زيداً، وفي النحو تقديره: مع زيد. وإنما صلح الإضمار لأن المعنى عليه إذا قلت: ما لك وزيداً فإنما تنهاه عن ملابسته، إذا لم يجز " وزيدٍ " وأضمرت لأن حروف الاستفهام للأفعال، فلو كان الفعل ظاهراً لكان على غير إضمار، نحو قولك: ما زلت و عبد الله حتى فعل، لأنه ليس يريد: ما زلت ومازال عبد الله، ولكنه أراد: وما زلت بعبد الله. فكان المفعول مخفوضاً بالياء، فلما زال ما خفضه وصل الفعل إليه فنصبه، كما قال تعالى: " واختار موسى قومه سبعين رجلاً " الأعراف 155، فالواو في معنى مع، وليست بخافضة، فكان ما بعدها على الموضع، فعلى هذا ينشد هذا الشعر:

(1/88)


فما لك والتلدد حول نجدٍ ... وقد غصت تهامة بالرجال
ولو قلت: ما شأنك وزيداً لا ختير النصب، لأن زيداً لا يلتبس بالشأن، لأن المعوطف على الشيء أبداً في مثل حاله، ولو قلت: ما شانك وشأن زيد لرفعت، لأن الشأن يعطف على الشأن، وهذه الآية تفسر على وجهين من الإعراب: أحدهما هذا، وهو الأجود فبها وهو قوله عز وجل: " فأجمعوا أمركم وشركاءكم " يونس : 71. فالمعنى والله أعلم: مع شركائكم، لأنك تقول: جمعت قومي، وأجمعت أمري، ويجوز أن يكون لما أدخل الشركاء مع الأمر حمله على مثل مثل لفظه. لأن المعنى يرجع إلى شيء واحد، فيكون كقوله:
ياليت زوجك قد غدا ... مقتلداً سيفاً ورمحا
وقال آخر:
شراب ألبانٍ وتمرٍ أقط "
وهذا بين.
خالد بن يزيد بن معاوية
عند عبد الملك بن مروان
ويروى أن عبد الله بن يزيد بن معاوية أتى أخاه خالداً، فقال: يا أخي، لقد هممت اليوم أن أفتك بالوليد بن عبد الملك فقال له خالد: بئس والله ما هممت به في ابن أمير المؤمنين، وولي عهد المسلمين فقال: إن خيلي مرت به فعبث بها وأصغرني، فقال له خالد: أنا أكفيك، فدخل خالد على عبد الملك و الوليد عنده، فقال: يا أمير المؤمنين، الوليد ابن أمير المؤمنين، وولي عهد المسلمين، فقال: إن خيلي مرت به فعبث بها وأصغرني، فقال له خالد: أنا أكفيك، فدخل خالد على عبد الملك والوليد عنده، فقال يا أمير المؤمنين، الوليد ابن أمير المؤمنين، وولي عهد المسلمين، مرت به خيل ابن عمه عبد الله بن يزيد فعبث بها، وأصغره، وعبد الملك مطرق، فرفع رأسه، فقال: " إن الملوك إذا دخلوا قريةً أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون " النمل 34، فقال خالد : " وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرنها تدميراً " الإسراء: 16، فقال عبد الملك: أفي عبد الله تكلمني والله لقد دخل علي فما أقام لسانه لحناً فقال له خالد: أفعلى الوليد تعول فقال عبد الملك: إن كان الوليد يلحن فإن أخاه سليمان، فقال له خالد: وإن كان عبد الله يلحن فإن أخاه خالد، فقال له الوليد : اسكت يا خالد، فوالله ما تعد في العير ولا في النفير، فقال خالد: اسمع يا أمير المؤمنين، ثم أقبل عليه وقال: ويحك فمن العير والنفيرغيري؟ جدي أبو سفيان صاحب العير، وجدي عتبة بن ربيعة صاحب النفير، ولكن لو قلت: غنيمات، و حبيلات، والطائف ورحم الله عثمان لقلنا: صدقت أما قوله: " في العير " فهي عير قريش التي أقبل بها أبو سفيان من الشأم فنهد إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وندب إليها المسلمين، وقال: " لعل الله ينفلكموها " ، فكانت وقعة بدر، وساحل أبو سفيان بالعير، فكانت الغنيمة ببدر، كما قال الله عز وجل: " وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم " الأنفال: 7 . أي غير الحرب، فلما ظفر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأهل بدر، قال المسلمون: انهد بنا يا رسول الله إلى العير، فقال العباس رحمه الله: إنما وعدكم الله إحدى الطائفتين.
وأما النفير فمن نفر من قريش ليدفع عن العير، فجاؤوا فكانت وقعة بدر، وكان شيخ القوم عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، وهو جد خالد من قبل جدته هند، أم معاوية بنت عتبة، ومن أمثال العرب :
لست في العير يوم يحدون ... بالعير ولا في النفير يوم النفير
ثم اتسع هذا المثل حتى صار يقال لمن لا يصلح لخير ولا لشر ولا يحفل به: لا في العير، ولا في النفير.
وقوله: " غنيمات، وحبيلات " يعني أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لما أطرد الحكم بن أبي العاصي بن أمية. وهو جد عبد الملك بن مروان لجأ إلى الطائف، فكان يرعى غنيمات، ويأوي إلى حبيلة وهي الكرمة.
وقوله: " رحم الله عثمان " : أي لرده إياه.
وقولنا " أطرده " : أي جعله طريداً، وطرده: نحاه، كما تقول حمدته: أي شكرته، وأحمدته: أي صادفته محموداً. وكان عثمان رحمه الله استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في رده متى أفضى الأمر إليه، روى ذلك الفقهاء.
باب
لرجل من بني أسد يمدح يحيى بن حيان
قال أبو العباس: قال رجل من بني أسدٍ بن خزيمة يمدح يحيى بن حيان أخا النخع بن عمرو بن علة بن جلد مذحج، وهو مالك:

(1/89)


ألا جعل الله اليمانين كلهم ... فدى لفتى يحيى بن حيان
ولولا عريق في من عصبيةٍ ... لقلت وألفا من معد بن عدنان
ولكن نفسي لم تطب بعشيرتي ... وطابت له نفسي بأبناء قحطان
وهذا من التعصب المفرط.
وحدثني شيخ من الأزد ثقة عن رجل منهم أنه كان يطوف بالبيت، وهو يدعو لأبيه، فقيل له: ألاتدعو لأمك فقال: إنها تميمية.
وسمع رجل يطوف بالبيت، وهو يدعو لأمه ولا يذكر أباه، فعوتب، فقال: هذه ضعيفة، وأبي رجل يحتال لنفسه.
وحدثني المازني عمن حدثه قال: رأيت رجلاً يطوف بالبيت، وأمه على عنقه، وهو يقول:
أحمل أمي وهي الحماله ... ترضعني الدرة والعلاله
لا يجازى والد فعاله
قوله: " الدرة " فهو اسم ما يدر من ثدييها، ابتداء كان ذلك أو غير ذلك والعلالة لا تكون إلا بعد، يقال: عله يعله و يعله علاً، والاسم العلالة، وكل شيء كان على " فعلت " من المدغم. فمضارعه إذا كان متعدياً إلى مفعول يكون على يفعل، نحو رده يرده، وشجه يشجه، وفر يفره، فإذا قلت: فر يفر، فإنما ذلك لأنه غير متعد إلى مفعول، ولكن تقول: فررت الدابة أفره. وجاء " فعل يفعل " من المتعدي في ثلاثة أحرف يقال: عله يعله و يعله، وهره يهره ويهره: إذا كرهه،ويقال: أحبه يحبه، وجاء حبه يحبه، ولا يكون فيه " يفعل " قال الشاعر :
لعمرك إنني وطلاب مصر ... لكالمزداد مما حب بعدا
وقال آخر:
وأقسم لولا تمره ما حببته ... وكان عياض منه أدنى و مشرق
وقرأ أبو رجاء العطاردي: " فاتبعوني يحبكم الله " آل عمران31، ففعل في هذا شيئين أحدهما أنه جاء به من " حببت " والآخر أنه أدغم في موضع الجزم وهو مذهب تميم وقيس وأسد وجماعة من العرب يقولون: رد يا فتى، يدغمون، ويحركون الدال الثانية لالتقاء الساكنين فيتبعون الضمة الضمة. ومنهم من يفتح لالتقاء الساكنين فيقول: رد يا فتى، لأن الفتح أخف الحركات، ومنهم من يقول رد يافتى فيكسر: لأن حق التقاء الساكنين الكسر، فإذا كان الفعل مكسوراً ففيه وجهان: تقول: فر يا فتى للإتباع وللأصل في ألتقاء الساكنين، وتفتح. لأن الفتح أخف الحركات، وإذا كان مفتوحاً فالفتح للإتباع، ولأنه أخف الحركات، والكسر على أصل التقاء الساكنين، نحو. عض، يا فتى، وعض يا فتى، فإذا لقيته ألف ولام فالأجود الكسر، من أجل ما بعده، وهي لام المعرفة، نحو :
فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعباً بلغت ولا كلابا
ومنهم من يجري مجرى الأول، فتقع لام المعرفة بعد انقضاء الحركة في الأول فيقول:
ذم المنازل بعد منزلة اللوى ... والعيش بعد أولئك الأيام
ومن كان من شأنه أن يتبع أو يكسر فعلى ذلك، ومما جاء في القرآن على لغة من يكسر قوله عز وجل " ومن يشاق فإن الله شديد العقاب " الحشر 4 وأما أهل الحجاز فيجرونه على القياس الأصلي، فيقول: اردد و اغضض، ويقولون: افرر من زيد واعضض. لما سكن الثاني ظهر التضعيف لأنه لا يلتقي ساكنان، وكل ذلك من قولهم وقول التميميين قياس مطرد بين، وقد شرحناه في الكتاب المقتضب على حقيقة الشرح.
لرجل في الصبر
وقال آخر :
إذا ضيقت أمراً ضاق جداً ... وإن هونت ما قد عز هانا
فلا تهلك لشيء فات يأساً ... فكم أمر تصعب ثم لانا
سأصبر عن رفيقي إن جفاني ... على كل الأذى إلا الهوانا
فإن المرء يجزع في خلاءٍ ... وإن حضر الجماعة أن يهانا
لعبيد بن أيوب العنبري
وقال آخر أحسبه من لصوص بني سعد.
قال أبو الحسن: هو عبيد بن أيوب العنبري، وأنشد هذا الشعر ثعلب:
فإني وتركي الإنس من بعد حبهم ... وصبري عمن كنت ما إن أزايله
لكالصقر جلى بعد ما صاد قنية ... قديراً ومشوياً عبيطاً خرادله
أهابوا به فازداد بعداً وصده ... عن القرب منهم ضوء برقٍ ووابله
ألم ترني صاحبت صفراء نبعة ... لها ربذي لم تفلل معابله
وطال احتضاني السيف حتى كأنما ... يلاط بكشحي جفنه و حمائله
أخو فلواتٍ صاحب الجن وانتحى ... عن الإنس حتى قد تقضت وساءله

(1/90)