صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : العقد الفريد
المؤلف : ابن عبد ربه الأندلسي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

إسماعيل بن مسرور عن جعفر بن محمد عليه السلام قال: إن الله خلق خلقاً من رحمته برحمته لرحمته، وهم الذين يقضون الحوائج للناس، فمن استطاع منكم أن يكون منهم فليكن.
الجود مع الإقلال
قال الله تبارك وتعالى فيما حكاه عن الأنصار: " ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون " .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: أفضل العطية ما كان من معسر إلى معسر.
وقال عليه الصلاة والسلام: أفضل العطية جهد المقل.
وقالت الحكماء: القليل من القليل أحمد من الكثير من الكثير.
أخذ هذا المعنى حبيب فنظمه في أبيات كتب بها إلى الحسن بن وهب الكاتب وأهدى إليه قلماً:
قد بعثنا إليك أكرمك الل ... ه بشيء فكن له ذا قبول
لا تقسه إلى ندى كفك الغم ... ر ولا نيلك الكثير الجزيل
واستجز قلة الهدية مني ... إن جهد المقل غير قليل
وقالوا: جهد المقل أفضل من غنى المكثر.
وقال صريع الغواني:
ليس السماح لمكثر في قومه ... لكن لمقتر قومه المتحمد
وقال أبو هريرة: ما وددت أن أحداً ولدتني أمه إلا أم جعفر بن أبي طالب عليه السلام، تبعته ذات يوم وأنا جائع، فلما بلغ الباب التفت فرآني فقال لي: أدخل، فدخلت. ففكر حيناً فما وجد في بيته إلا نحيا كان فيه سمن مر، فأنزله من رف لهم، فشقه بين أيدينا، فجعلنا نلعق ما كان فيه من السمن والرب، وهو يقول:
ما كلف الله نفساً فوق طاقتها ... ولا تجود يد إلا بما تجد
وقيل لبعض الحكماء: من أجود الناس؟ قال: من جاد من قلة، وصان وجه السائل عن المذلة.
وقال حماد عجرد:
أروق بخير تؤمل للجزيل فما ... ترجى الثمار إذا لم يورق العود
إن الكريم ليخفي عنك عسرته ... حتى تراه غنياً وهو مجهود
وللبخيل على أمواله علل ... زرق العيون عليها أوجه سود
بث النوال ولا نمنعك قلته ... فكل ما سد فقراً فهو محمود
وقال حاتم:
أضاحك ضيفي قبل إنزال رحله ... ويخصب عندي والمحل جديب
وما الخصب للأضياف أن يكثر القرى ... ولكنما وجه الكريم خصيب
وقال عبد الملك بن مروان: ما كنت أحب أن أحداً ولدني من العرب إلا عروة بن الورد لقوله:
أتهزأ مني أن سمنت وأن ترى ... بجسمي مس الجوع والجوع جاهد
لأني أمرؤ عافي إنائي شركة ... وأنت أمرؤ عافى أنائك واحد
أقسم جسمي في جسوم كثيرة ... وأحسو قراح الماء بارد
ومن أحسن ما قيل في الجود والإقلال، قول أبي تمام حبيب:
فلو لم يكن في كفه غير روحه ... لجاد بها فليتق الله سائله
ومن أفرط ما قيل في الجود، قول بكر بن النطاح:
أقول لمرتاد الندى عند مالك ... تمسك بجدوى مالك وصلاته
فتى جعل الدنيا وقاء لعرضه ... فأسدى بها المعروف قبل عداته
فلو خذلت أمواله جود كفه ... لقاسم من يرجوه شطر حياته
وإن لم يجز في العمر قسم لمالك ... وجاز له أعطاه من حسناته
وجاد بها من غير كفر بربه ... وأشركه في صومه وصلاته
وقال آخر في هذا المعنى وأحسن:
ملأت يدي من الدنيا مراراً ... وما طمع العواذل في اقتصادي
ولا وجبت علي زكاة مال ... وهل تجب الزكاة على الجواد
العطية قبل السؤال
قال سعيد بن العاصي: قبح الله المعروف إن لم يكن ابتدئ من غير مسألة، فالمعروف عوض عن مسألة الرجل إذ بذل وجهه، فقلبه خائف، وفراصه ترتعد، وجبينه يرشح؛ لا يدري أيرجع بنجح الطلب، أم بسوء المنقلب، قد انتفع لونه، وذهب دم وجهه. اللهم فإن كانت الدنيا لها عندي حظاً فلا تجعل لي حظاً في الآخرة.
وقال أكثم بن صيفي: كل سؤال وإن قل أكثر من كل نوال وإن جل.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لأصحابه: من كانت له إلي منكم حاجة فليرفعها في كتاب لأصون وجوهكم عن المسألة.
حبيب قال:
عطاؤك لا يفنى ويستغرق المنى ... وتبقى وجوه الراغبين بمائها
وقال حبيب أيضاً:

(1/66)


ذل السؤال شجاً في الحلق معترض ... من دونه شرق من خلفه جرض
ما ماء كفك إن جادت وإن بخلت ... من ماء وجهي إذا أفنيته عوض
إني بأيسر ما أدنيت منبسط ... كما بأكثر ما أقصيت منقبض
وقالوا: من بذل إليك وجهه فقد وفاك حق نعمتك وقالوا: أكمل الخصال ثلاث: وقار بلا مهابة، وسماح بلا طلب مكافأة، وحلم بغير ذل.
وقالوا: السخي من كان مسروراً ببذله، متبرعاً بعطائه، لا يلتمس عرض دنيا فيحبط عمله، ولا طلب مكافأة فيسقط شكره، ولا يكون مثله فيما أعطى مثل الصائد الذي يلقي الحب للطائر، لا يريد نفعها ولكن نفع نفسه.
نظر المنذر بن أبي سبرة إلى أبي الأسود الدؤلي وعليه قميص مرقوع، فقال له: ما أصبرك على هذا القميص؟ فقال له: رب مملوك لا يستطاع فراقه. فبعث إليه بتخت من ثياب. فقال أبو الأسود:
كساني ولم أستكسه فحمدته ... أخ لك يعطيك الجزيل وناصر
وإن أحق الناس إن كنت شاكراً ... بشكرك من أعطاك والعرض وافر
وسأل معاوية صعصعة بن صوجان: ما الجود؟ فقال: التبرع بالمال، والعطية قبل السؤال: ومن قولنا في هذا المعنى:
كريم على العلات جزل عطاؤه ... ينيل وإن لم يعتمد لنوال
وما الجود من يعطى إذا ما سألته ... ولكن من يعطى بغير سؤال
وقال بشار العقيلي:
مالكي ينشق عن وجهه الجد ... ب كما انشقت الدجى عن ضياء
فثجوج السماء فيض يديه ... لقريب ونازح الدار نائي
ليس يعطيك للرجاء ولا الخو ... ف ولكن يلذ طعم العطاء
لا ولا أن يقال شيمته الجو ... د ولكن طبائع الآباء
وقال آخر:
إن بين السؤال والإعتذار ... خطة صعبة على الأحرار
وقال حبيب بن أوس
لئن جحدتك ما أوليت من نعم ... إني لفي اللؤم أمضى منك في الكرم
أنسى ابتسامك والألوان كاسفة ... تبسم الصبح في داج من الظلم
رددت رونق وجهي في صحيفته ... رد الصقال بهاء الصارم الخذم
وما أبالي وخير القول أصدقه ... حقنت لي ماء وجهي أو حقنت دمي
استنجاح الحوائج
كانوا يستفتحون حوائجهم بركعتين يقولون فيهما: اللهم بك أستنجح وباسمك أستفتح، وبمحمد نبيك إليك أتوجه. اللهم ذلل لي صعوبته، وسهل لي حزونته، وارزقني من الخير أكثر مما أرجو، وأصرف عني من الشر أكثر مما أخاف.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: استعينوا على حوائجكم بالكتمان لها، فإن كل ذي نعمة محسود.
وقال خالد بن صفوان: لا تطلبوا الحوائج في غير حينها، ولا تطلبوها من غير أهلها؛ فإن الحوائج تطلب بالرجاء، وتدرك بالقضاء.
وقال: مفتاح نجح الحاجة الصبر على طول المدة، ومغلاقها اعتراض الكسل دونها.
قال الشاعر:
إني رأيت وفي الأيام تجربة ... للصبر عاقبة محمودة الأثر
وقل من جد في أمر يحاوله ... فاستصحب الصبر إلا فاز بالظفر
ومن أمثال العرب في هذا: من أدمن قرع الباب يوشك أن يفتح له.
أخذ الشاعر هذا المعنى فقال:
إن الأمور إذا انسدت مسالكها ... فالصبر يفتق منها كل ما ارتتجا
لا تيأسن وإن طالت مطالبة ... إذ تضايق أمر أن ترى فرجا
أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ... ومدمن القرع للأبواب أن يلجا
وقال خالد بن صفوان: فوت الحاجة خير من طلبها إلى غير أهلها، وأشد من المصيبة سوء الخلف منها.
وقالوا: صاحب الحاجة مبهوت، وطلب الحوائج كلها تعزير.
وقالت الحكماء: لا تطلب حاجتك من كذاب، فإنه يقر بها بالقول، ويبعدها بالفعل؛ ولا من أحمق، فإنه يريد نفعك فيضرك، ولا من رجل له آكلة من جهة رجل، فإنه لا يؤثر حاجتك على أكلته.
وقال دعبل بن علي الخزاعي:
جئتك مسترفداً بلا سبب ... إليك إلا بحرمة الأدب
فاقض ذمامي فإنني رجل ... غير ملح عليك في الطلب

(1/67)


وقال شبيب بن شيبة: إني لأعرف أمراً لا يتلاقى به اثنان إلا وجب النجح بينهما. قيل له: وما ذاك؟ قال: العقل، فإن العاقل لا يسأل ما لا يمكن ولا يرد عما يمكن.
وقال الشاعر:
أتيتك لا أدلي بقربى ولا يد ... إليك سوى أني بجودك واثق
فإن تولني عرفاً أكن لك شاكراً ... وإن قلت لي عذراً أقل أنت صادق
وقال الحسن بن هانئ:
فإن تولني منك الجميل فأهله ... وإلا فإني عاذر وشكور
وقال آخر:
لعمرك ما أخلقت وجهاً بذلته ... إليك ولا عرضته للمعاير
فتى وفرت أيدي المكارم عرضه ... عليه وخلت ماله غير وافر
ودخل محمد بن واسع على بعض الأمراء، فقال: أتيتك في حاجة فإن شئت قضيتها وكنا كريمين، وإن شئت لم تقضها وكنا لئيمين.
أراد إن قضيتها كنت أنت كريماً بقضائها، وكنت أنا كريما بسؤالك إياها، لأني وضعت الطلبة في موضعها. فإن لم تقضها كنت أنت لئيماً بمنعك، وكنت أنا لئيما بسوء اختياري لك.
وسرق حبيب هذا المعنى فقال:
عياش إنك للئيم وإنني ... إذ صرت موضع طلبي للئيم
ودخل سوار القاضي على عبد الله بن طاهر صاحب خراسان، فقال: أصلح الله الأمير:
لنا حاجة والعذر فيها مقدم ... خفيف معناها مضاعفة الأجر
فإن تقضها فالحمد لله وحده ... وإن عاق مقدور ففي أوسع العذر
قال له: ما حاجتك أبا عبد الله؟ قال: كتاب لي إن رأى الأمير - أكرمه الله - أن ينفذه في خاصته، كتبه إلى موسى بن عبد الملك في تعجيل أرزاقي. قال: أو غير ذلك أبا عبد الله نعجلها لك من مالنا؟ وإذا وددت كنت مخيراً بين أن تأخذ أو ترد. فأنشد سوار يقول:
فبابك أيمن أبوابهم ... ودارك مأهولة عامرة
وكفك حين ترى المجتدي ... ن أندى من الليلة الماطرة
وكلبك آنس بالمعتفين ... من الأم بابنتها الزائرة
ودخل أبو حازم الأعرج على بعض أهل السلطان، فقال: أتيتك في حاجة رفعتها إلى الله فبلك، فإن يأذن الله لك في قضائها قضيتها وحمدناك، وإن لم يأذن في قضائها لم تقضها وعذرناك.
وفي بعض الحديث: اطلبوا الحوائج عن حسان الوجوه.
أخذه الطائي فنظمه في شعره فقال:
قد تأولت فيك قول رسول ال ... له إذا قال مفصحاً إفصاحاً
إن طلبتم حوائجاً عند قوم ... فتنقوا لها الوجوه الصباحا
فلعمري لقد تنقيت وجهاً ... ما به خاب من أراد النجاحا
قال المنصور لرجل دخل عليه: سل حاجتك؛ قال: يبقيك الله يا أمير المؤمنين. قال: سل حاجتك فإنك لست تقدر على مثل هذا المقام في كل حين. قال: والله يا أمير المؤمنين، ما أستقصر عمرك، ولا أخاف بخلك، ولا أغتنم مالك، وإن عطاءك لشرف، وإن سؤالك لزين، وما بامرئ بذل إليك وجهه نقض ولا شين، فوصله وأحسن إليه.
استنجاز المواعيد
من أمثالهم في هذا: أنجز حر ما وعد.
وقالوا: وعد الكريم نقد، ووعد اللئيم تسويف.
وقال الزهري: حقيق على من أورق بوعد أن يثمر بفعل.
وقال المغيرة: من أخر حاجة فقد ضمنها.
وقال الموبذان الفارسي: الوعد السحابة، والإنجاز المطر.
وقال غيره: المواعيد رؤوس الحوائج، والإنجاز أبدانها.
وقال عبد الله بن عمر رحمه الله: خلف الوعد ثلث النفاق، وصدق الوعد ثلث الإيمان، وما ظنك بشيء جعله الله تعالى مدحة في كتابه، وفخراً لأنبيائه، فقال تعالى: " وذاكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد " .
وذكر جبار بن سلمى عامر بن الطفيل، فقال: كان والله إذا وعد الخير وفى، وإذا أوعد بالشر أخلف، وهو القائل:
ولا يرهب ابن العم ما عشت صولتي ... ويأمن مني صولة المتهدد
وإني وإن أوعدته أو وعدته ... ليكذب إيعادي ويصدق موعدي
وقال ابن أبي حازم:
إذا قلت في شيء نعم فأتممه ... فإن نعم دين على الحر واجب
وإلا فقل لا تسترح وترح بها ... لئلا يقول الناس إنك كاذب
ولو لم يكن في خلف الوعد إلا قول الله عز وجل: " يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون. كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون " لكفى.

(1/68)


وقال عمر بن الحارث: كانوا يفعلون ولا يقولون، ثم صاروا يقولون ويفعلون، ثم صاروا يقولون ولا يفعلون، ثم صاروا لا يقولون ولا يفعلون: فزعم أنهم ضنوا بالكذب فضلاً عن الصدق.
وفي هذا المعنى يقول الحسن بن هانئ:
قال لي ترضى بوعد كاذب ... قلت إن لم يك شحم فنفش
ومثله قول عباس بن الأحنف، ويقال إنه لمسلم بن الوليد، صريع الغواني:
ما ضر من شغل الفؤاد ببخله ... لو كان عللني بوعد كاذب
صبراً عليك فما أرى لي حيلة ... إلا التمسك بالرجاء الخائب
سأموت من كمد وتبقى حاجتي ... فيما لديك وما لها من طالب
قال عبد الرحمن بن أم الحكم لعبد الملك بن مروان في مواعيد وعدها إياه فمطله بها: نحن إلى الفعل أحوج منا إلى القول، وأنت بالإنجاز أولى منك بالمطل. واعلم أنك لا تستحق الشكر إلا بإنجازك الوعد، واستتمامك المعروف.
القاسم بن معن المسعودي قال: قلت لعيسى بن موسى، أيها الأمير، ما انتفعت بك مذ عرفتك، ولا أوصلت لي خيراً مذ صحبتك. قال: ألم أكلم لك أمير المؤمنين في كذا وسألته لك كذا؟ قال: قلت: بلى، فهل استنجزت ما وعدت، واستتممت ما بدأت؟ قال: حال من دون ذلك أمور قاطعة، وأحوال عاذرة. قلت: أيها الأمير، فما زدت على أنها نبهت العجز من رقدته، وأثرت الحزن من ربضته، إن الوعد إذا لم يشفه إنجاز يحققه، كان كلفظ لا معنى له، وجسم لا روح فيه.
وقال عبد الصمد بن الفضل الرقاشي لخالد بن ديسم، عامل الري.
أخالد إن الري قد أجحفت بنا ... وضاق علينا رحبها ومعاشها
وقد أطعمتنا منك يوماً سحابة ... أضاءت لنا برقاً وأبطأ رشاشها
فلا غيمها يصحو فييئس طامعاً ... ولا ماؤها يأتي فتروى عطاشها
وقال سعيد بن سلم: وعد أبي بشاراً العقيلي حين مدحه بالقصيدة التي يقول فيها:
صدت بخد وجلت عن خد ... ثم انثنت كالنفس المرتد
فكتب إليه بشار بالغد:
ما زال ما منيتني من همي ... والوعد غم فأرح من غمي
إن لم ترد حمدي فراقب ذمي
فقال له أبي: يا أبا معاذ، هلا استنجحت الحاجة بدون الوعيد؟ فإذ لم تفعل فتربص ثلاثاً وثلاثاً، فإني والله ما رضيت بالوعد حتى سمعت الأبرش الكلبي يقول لهشام: يا أمير المؤمنين، لا تصنع إلي معروفاً حتى تعدني، فإنه لم يأتني منك سيب على غير وعد وإلا هان علي قدره، وقل مني شكره. قال له هشام: لئن قلت ذلك لقد قاله سيد أهلك أبو مسلم الخولاني: إن أوقع المعروف في القلوب، وأبرده على الأكباد معروف منتظر بوعد لا يكدره المظل.
وكان يحيى بن خالد بن برمك لا يقضي حاجة إلا بوعد، ويقول: من لم يبت على سرور لم يجد للصنيعة طعماً.
وقالوا: الخلف ألأم من البخل، لأنه من لم يفعل المعروف لزمه ذم اللؤم وحده، ومن وعد وأخلف لزمه ثلاث مذمات: ذم اللؤم، وذم الخلف، وذم الكذب.
قال زياد الأعجم:
لله درك من فتى ... ولو كنت تفعل ما تقول
لا خير في كذب الجوا ... د وحبذا صدق البخيل
استبطأ حبيب الطائي الحسن بن وعيب في عدة وعدها إياه، فكتب إليه أبياتاً يستعجله بها. فبعث إليه بألف درهم، وكتب إليه:
أعجلتنا فأتاك عاجل برنا ... قلاً ولو أخرته لم يقلل
فخذ القليل وكن كمن لم يسأل ... ونكون نحن كأننا لم نفعل
وقال عبد الله بن مالك الخزاعي: دخلت على أمير المؤمنين المهدي وعنده ابن دأب وهو ينشد قول الشماخ:
وأشعث قد قد السفار قميصه ... يجر شواء بالعصا غير منضج
دعوت إلى ما نابني فأجابني ... كريم من الفتيان غير مزلج
فتى يملأ الشيزي ويروي سنانه ... ويضرب في رأس الكمي المدجج
فتي ليس بالراضي بأدنى معيشة ... ولا في بيوت الحي بالمتولج
فرفع رأس إلي المهدي وقال: هذه صفتك أبا العباس فقلت: بك نلتها يا أمير المؤمنين. فضحك إلي وقال: هل تنشد من الشعر شيئاً؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين. قال: فأنشدني. فأنشدته قول السموأل:
وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها ... فليس إلى حسن الثناء سبيل

(1/69)


إذا المرء أعيته المروءة يافعاً ... فمطلبها كهلاً عليه ثقيل
تعيرنا أنا قليل عديدنا ... فقلت لها إن الكرام قليل
وما ضرنا أنا قليل وجارنا ... عزيز وجار الأكثرين ذليل
ونحن أناس لا نرى القتل سبة ... إذا ما رأته عامر وسلول
يقرب حب الموت آجالنا لنا ... وتكرهه آجالهم فتطول
وما مات منا سيد حتف أنفه ... ولا طل منا حيث كان قتيل
تسيل على حد السيوف نفوسنا ... وليست على غير السيوف تسيل
وننكر إن شئنا على الناس قولهم ... ولا ينكرون القول حين نقول
فنحن كماء المزن ما في نصابنا ... كهام ولا فينا يعد بخيل
وأسيافنا في كل شرق ومغرب ... بها من قراع الدارعين فلول
فقال: أحسنت! اجلس، بهذا بلغتم، سل حاجتك؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، تكتب لي في العطاء ثلاثين رجلاً من أهلي؟ قال: نعم، فرض علي إذا وعدت. فقلت يا أمير المؤمنين، إنك متمكن من القدرة وليس دونك حاجز عن الفعل، فما معنى العدة؟ فنظر إلى بن دأب كأنه يريد منه كلاماً في فضل الموعد. فقال ابن دأب:
حلاوة الفعل بوعد ينجز ... لا خير في العرف كنهب ينهز
فضحك المهدي وقال:
الفعل أحسن ما يكو ... ن إذا تقدمه ضمان
وقال المهلب بن أبي صفرة لبنيه: يا بني، إذ غدا عليكم الرجل وراح مسلماً، فكفى بذلك تقاضيا. وقال الشاعر:
أروح بتسليمي عليك وأغتدي ... وحسبك بالتسليم مني تقاضيا
وقال آخر:
كفاك مخبراً وجهي بشأني ... وحسبك أن أراك وأن تراني
وما ظني بمن يعنيه أمري ... ويعلم حاجتي ويرى مكاني
كتب العتابي إلى بعض أهل السلطان: أما بعد، فإن سحائب وعدك قد أبرقت، فليكن وبلها سالماً من علل المطل، والسلام.
وكتب الجاحظ إلى رجل وعده: أما بعد، فإن شجرة وعدك قد أورقت، فليكن ثمرها سالماً من جوائح المطل، والسلام.
ووعد عبد الله بن طاهر دعبلاً بغلام، فلما طال عليه تصدى له يوماً، وقد ركب إلى باب الخاصة، فلما رآه قال: أسأت الافتضاء، وجهلت المأخذ، ولم تحسن النظر، ونحن أولى بالفضل، فلك الغلام والدابة لما ننزل إن شاء الله تعالى. فأخذ دعبل بعنانه وأنشده:
يا جواد اللسان من غير فعل ... ليت في راحتيك جود اللسان
عين مهران قد لطمت مراراً ... فاتقي ذا الجلال في مهران
عرت عيناً فدع لمهران عيناً ... لا تدعه يطوف في العميان
قال: فنزل له عن دابته، وأمر له بالغلام.
وسأل خلف بن خليفة أبان بن الوليد جارية فوعده بها، وأبطأت عليه، فكتب إليه:
أرى حاجتي عند الأمير كأنها ... تهم زماناً عنده بمقام
وأحصر عن إذكاره إن لقيته ... وصدق الحياء ملجم بلجام
أراها إذا كان النهار نسيئة ... وبالليل تقضى عند كل منام
فيا رب أخرجها فإنك مخرج ... من الميت حياً مفصحاً بكلام
فتعلم ما شكري إذا ما قضيتها ... وكيف صلاتي عندها وصيامي
وكتب أبو العتاهية إلى رجل وعده وعداً وأخلفه:
أحسبت أرض الله ضيقة ... عني فأرض الله لم تضيق
وجعلتني فقعاً بقرقرة ... فوطئتني وطئاً على حنق
فإذا سألتك حاجة أبداً ... فاضرب لها قفلاً على غلق
وأعد لي غلاً وجامعة ... فاجمع يدي بها إلى عنقي
ما أطول الدنيا وأوسعها ... وأدلني بمسالك الطرق
ومن قولنا في رجل كتب إلى بعدة في صحيفة ومطلني بها:
صحيفة طابعها اللوم ... عنوانها بالجهل مختوم
يهدى لها والخلف في طيها ... والمطل والتسويف واللوم
من وجهه نحس ومن قربه ... رجس ومن عرفانه شوم
لا تهتضم إن بت ضيفاً له ... فخبزه في الجوف هاضوم
تكلمه الألحاظ من رقة ... فهو بلحظ العين مكلوم

(1/70)


ولا تأتدم على أكله ... فإنه بالجوع مأدوم
وقلت فيه:
صحيفة كتبت ليت بها وعسى ... عنوانها راحة الراجي إذا يئسا
وعد له هاجس في القلب وقد برمت ... أحشاء صدري به من طول ما هجسا
يراعة غرني منها وميض سنى ... حتى مددت إليها الكف مقتبسا
فصادفت حجراً لو كنت تضربه ... من لؤمه بعضا موسى لما انبجسا
كأنما صيغ من بخل ومن كذب ... فكان ذاك له روحاً وذا نفسا
وقلت فيه:
رجاء دون أقربه السحاب ... ووعد مثل ما لمع السراب
وتسويف يكل الصبر عنه ... ومطل ما يقوم له حساب
وأيام خلت من كل خير ... ودنيا قد توزعها الكلاب
لطيف الاستمناح
قال الحكماء: لطيف الاستمناح سبب النجاح، والأنفس ربما انطلقت وانشرحت بلطيف السؤال، وانقبضت وامتنعت بجفاء السائل؛ كما قال الشاعر:
وجفوتني فقطعت عنك فوائدي ... كالدر يقطعه جفاء الحالب
وقال العتابي: إن طلب حاجة إلى ذي سلطان فأجمل في الطلب إليه، وإياك والإلحاح علي، فإن إلحاحك يكلم عرضك، ويريق ماء وجهك، فلا تأخذ منه عوضاً لما يأخذ منك؛ ولعل الإلحاح يجمع عليك إخلاق الوجه، وحرمان النجاح؛ فإنه ربما مل المطلوب إليه حتى يستخف بالطالب.
وقال الحسن بن هانئ:
تأن مواعيد الكرام فربما ... حملت من الإلحاح سمحاً على بخل
وقال آخر:
إن كنت طالب حاجة فتجمل ... فيها بأحسن ما طلب وأجمل
إن الكريم أخا المروءة والنهى ... من ليس في حاجاته بمثقل
وقال مروان بن أبي حفصة: لقيت يزيد بن مزيد وهو خارج من عند المهدي، فأخذ بعنان دابته وقلت له: إني قلت فيك ثلاثة أبيات أريد لكل بيت منها مائة ألف. قال: هات، لله أبوك! فأنشأت أقول:
يا أكرم الناس من عجم ومن عرب ... بعد الخليفة يا ضرغامة العرب
أفنيت مالك تعطيه وتنهبه ... يا آفة الفضة البيضاء والذهب
إن السنان وحد السيف لو نطقا ... لا خبراً عنك في الهيجاء بالعجب
فأمر لي بها.
المدائني قال: قدم قوم من بني أمية على عبد الملك بن مروان، فقالوا: يا أمير المؤمنين، نحن ممن تعرف، وحقنا لا ينكر، وجئناك من بعيد، ونمت بقريب، وهما تعطنا فنحن أهله.
دخل عبد الملك بن صالح على الرشيد فقال: أسألك بالقرابة والخاصة، أم بالخلافة والعامة؟ قال: بل بالقرابة والخاصة. قال: يداك يا أمير المؤمنين بالعطية أطلق من لساني بالمسألة. فأعطاه وأجزل له.
ودخل أبو الريان على عبد الملك بن مروان، وكان عنده أثيراً، فرآه خائراً، فقال: يا أبا الريان، مالك خائراً؟ قال: أشكو إليك الشرف يا أمير المؤمنين. قال: وكيف ذلك؟ قال: نسأل ما لا نقدر عليه ونعتذر فلا نعذر. قال عبد الملك: ما أحسن ما استمنحت، واعتررت يا أبا الريان! أعطوه كذا وكذا.
العتابي قال: كتب الشعبي إلى الحجاج يسأله حاجة، فاعتل عليه. فكتب إليه الشعبي: والله لا عذرتك وأنت والي العراقين، وابن عظيم القريتين، فقضى حاجته.
وكان جد الحجاج لأمه عروة بن مسعود الثقفي.
العتبي قال: قدم عبد العزيز بن زرارة الكلابي على أمير المؤمنين معاوية، فقال: إني لم أزل أهز ذئاب الرحال إليك، فلم أجد معولاً إلا عليك؛ امتطى الليل بعد النهار، وأسم المجاهل بالآثار؛ يقودني إليك أمل، وتسوقني بلوى، المجتهد يعذر، وإذا بلغتك فقطني. فقال: احطط عن راحلتك رحلها.
ودخل كريز بن زفر بن الحارث على يزيد بن المهلب فقال: أصلح الله الأمير، أنت أعظم من أن يستعان بك ويستعان عليك، ولست تفعل من الخير شيئاً إلا وهو يصغر عنك وأنت أكبر منه، وليس العجب أن تفعل، ولكن العجب أن لا تفعل قال: سل حاجتك. قال: قد حملت عن عشيرتي عشر ديات. قال: قد أمرت لك بها وشفعتها بمثلها.
العتبي عن أبيه قال: أتى رجل إلى حاتم الطائي فقال: إنها وقعت بيني وبين قومي ديات فاحتملتها في مالي وأملي، فعدمت مالي وكنت أملي، فإن تحملها عني فرب هم فرجته، وغم كفيته، ودين قضيته؛ وإن حال دون ذلك حائل لم أذم يومك، ولم أيأس من غدك. فحملها عنه.
المدائني قال:

(1/71)


سأل رجل خالداً القسري حاجة، فاعتل عليه. فقال له: لقد سألت الأمير من غير حاجة. قال وما دعاك إلى ذلك؟ قال رأيتك تحب من لك عنده حسن بلاء، فأردت أن أتعلق منك بحبل مودة. فوصله وحباه وأدنى مكانه.
والأصمعي قال: دخل أبو بكير الهجري على المنصور، فقال: يا أمير المؤمنين، نغض فمي، وأنتم أهل البيت بركة، فلو أذنت لي فقبلت رأسك لعل الله يشدد لي منه. قال: اختر منها ومن الجائزة. فقال: يا أمير المؤمنين أهون علي من ذهاب درهم من الجائزة ألا تبقى حاكة في فمي. فضحك المنصور وأمر له بجائزة.
وذكروا أن جاراً لأبي دلف ببغداد لزمه كبير دين فادح حتى احتاج إلى بيع داره. فساوموه بها، فسألهم ألف دينار، فقالوا له: إن دارك تساوي خمسمائة دينار. قال: وجواري من أبي دلف بألف وخمسمائة دينار. فبلغ أبا دلف، فأمر بقضاء دينه، وقال له لا تبع دارك ولا تنتقل من جوارنا.
ووقفت امرأة على قيس بن سعد بن عبادة، فقالت: أشكو إليك قلة الجرذان، قال: ما أحسن هذه الكناية! املئوا لها بيتاً خبزاً ولحماً وسمناً وتمراً.
إبراهيم بن أحمد عن الشيباني قال: كان أبو جعفر المنصور أيام بني أمية إذا دخل البصرة دخل مستتراً، فكان يجلس في حلقة أزهر السمان المحدث. فلما أفضت الخلافة إليه، قدم عليه أزهر، فرحب به وقربه، وقال له ما حاجتك يا أزهر؟ قال: داري متهدمة، وعلي أربعة آلاف درهم، وأريد أن يبني محمد ابني بعياله، فوصله باثني عشر ألفاً، وقال. قد قضينا حاجتك يا أزهر، فلا تأتنا طالباً: فأخذها وارتحل. فلما كان بعد سنة أتاه. فلما رآه أبو جعفر، قال: ما جاء بك يا أزهر؟ قال جئتك مسلماً. قال: إنه يقع في خلد أمير المؤمنين أنك جئت طالباً. قال: ما جئت إلا مسلماً. قال: قد أمرنا لك باثني عشر ألفاً، واذهب فلا تأتنا طالباً ولا مسلماً. فأخذها ومضى. فلما كان بعد سنة أتاه، فقال: ما جاء بك يا أزهر؟ قال: أتيت عائداً. قال: إنه يقع في خلد أمير المؤمنين أنك جئت طالباً. قال: ما جئت إلا عائداً قال أمرنا لك باثني عشر ألفاً فاذهب ولا تأتنا لا طالباً ولا مسلماً ولا عائداً، فأخذها وانصرف. فلما مضت السنة أقبل، فقال له: ما جاء بك يا أزهر؟ قال: دعاء كنت أسمعك تدعو به يا أمير المؤمنين، جئت لأكتبه. فضحك أبو جعفر وقال: إنه دعاء غير مستجاب، وذلك أني قد دعوت الله تعالى به أن لا أراك، فلم يستجب لي، وقد أمرنا لك باثني عشر ألفاً، فاذهب وتعال متى شئت، فقد أعيتني فيك الحيلة.
أقبل أعرابي إلى داود بن المهلب فقال له: إني مدحتك فاستمع. قال: على رسلك، ثم دخل بيته وقلد سيفه وخرج، فقال: فإن أحسنت حكمناك، وإن أسأت قتلناك. فأنشأ يقول:
أمنت بداود وجود يمينه ... من الحدث المخشي والبؤس والفقر
فأصبحت لا أخشى بداود نبوة ... من الحدثان إذ شددت به أزري
له حكم لقمان وصورة يوسف ... وملك سليمان وعدل أبي بكر
فتى تفرق الأموال من جود كفه ... كما يفرق الشيطان من ليلة القدر
فقال: قد حكمناك، فإن شئت على قدرك وإن شئت على قدري. قال: بل على قدري، فأعطاه خمسين ألفاً. فقال له جلساؤه: هلا احتكمت على قدر الأمير! قال: لم يك في ماله ما يفي بقدره. قال له داود: أنت في هذه أشعر منك في شعرك، وأمر بمثل ما أعطاه.
الأصمعي قال: كنت عند الرشيد إذ دخل عليه إسحاق بن إبراهيم الموصلي فأنشده:
وآمرة بالبخل قلت لها اقصري ... فليس إلى ما تأمرين سبيل
فعالى فعال المكثرين تجملاً ... ومالي كما قد تعلمين قليل
فكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى ... ورأي أمير المؤمنين جميل
فقال له الرشيد: لله در أبيات تأتينا بها! ما أحسن أصولها، وأبين فصولها، وأقل فضولها! يا غلام، أعطه عشرين ألفاً. قال: والله لا أخذت منها درهماً واحداً. قال: ولم؟ قال: لأن كلامك والله يا أمير المؤمنين خير من شعري. قال: أعطوه أربعين ألفاً. قال الأصمعي: فعلمت والله أنه أصيد لدراهم الملوك مني.
العتبي عن أبيه قال:

(1/72)


قدم زيد بن منية من البصرة على معاوية - وهو أخو يعلى بن منية صاحب جمل عائشة رضي الله عنها ومتولي تلك الحروب ورأس أهل البصرة، وكانت ابنة يعلى عند عتيبة بن أبي سفيان - فلما دخل على معاوية شكا دينه، فقال: يا كعب، أعطه ثلاثين ألفاً. فلما ولى قال: وليوم الجمل ثلاثين ألفاً أخرى. ثم قال له: الحق بصهرك - يعني عتبة - فقدم عليه مصر، فقال: إني سرت إليك شهرين، أخوض فيهما المتالف، ألبس أردية الليل مرة، وأخوض في لجج السراب أخرى، موقراً من حسن الظن بك، وهارباً من دهر قطم، ومن دين لزم. بعد غنى جدعنا به أنوف الحاسدين. فقال عتبة: إن الدهر أعاركم غنى، وخلطكم بنا، ثم استرد ما أمكنه أخذه، وقد أبقى لكم منا ما لا ضيعة معه، وأنا رافع يدي ويدك بيد الله. فأعطاه ستين ألفاً كما أعطاه معاوية.
إبراهيم الشيباني قال: قال عبد الله بن علي بن سويد بن منجوف: أعدم أبي إعدامة شديدة بالبصرة وأنفض، فخرج إلى خراسان، فلم يصب بها طائلاً، فبينا هو يشكو تعزر الأشياء عليه، إذ عدا غلامه على كسوته وبلغته فذهب بهما. فأتى أبا ساسان حضين بن المنذر الرقاشي فشكا إليه حاله. فقال له: والله يا بن أخي ما عمك ممن يحمل محاملك، ولكن لعلي أحتال لك: فدعا بكسوة حسنة فألبسني إياها، ثم قال. امض بنا. فأتى باب والي خراسان فدخل وتركني بالباب، فلم ألبث أن خرج الحاجب فقال: أين علي بن سويد؟ فدخلت إلى الوالي، فإذا حضين على فراش جانبه. فسلمت على الوالي، فرد علي، ثم أقبل عليه حضين فقال: أصلح الله الأمير، هذا علي بن سويد بن منجوف، سيد فتيان بكر بن وائل، وابن سيد كهولها، وأكثر الناس مالاً حاضراً بالبصرة، وفي كل موضع ملكت به بكر بن وائل مالاً، وقد تحمل بي إلى الأمير حاجة. قال: هي مقضية. قال: يسألك أن تمد يدك في ماله ومراكبه وسلاحه إلى ما أحببت. قال: لا والله لا أفعل ذلك به، نحب أولى بزيادته. قال: فقد أعفيناك من هذه إذ كرهتها، فهو يسألك أن تحمله حوائجك بالبصرة. قال: إن كانت حاجة فهو فيها ثقة، ولكن أسألك أن تكلمه في قبول معونة منا، فإنا نحب أن يرى على مثله من أثرنا. فأقبل علي أبو ساسان فقال: يا أبا الحسن، عزمت عليك أن لا ترد على عمك شيئاً أكرمك به. فسكت. فدعا لي بمال ودواب وكساو ورقيق. فلما خرجت قلت: أبا ساسان، لقد أوقفتني على خطة ما وقفت على مثلها قط. قال: اذهب إليك يا بن أخي، فعمك أعلم بالناس منك. إن الناس إن علموا لك غرارة من مال حشوا لك أخرى، وإن يعلموك فقيراً تعدوا عليك مع فقرك.
إبراهيم الشيباني قال: ولدت لأبي دلامة ابنة ليلاً، فأوقد السراج وجعل يخيط خريطة من شقق. فلما اصبح طواها بين أصابعه وغدا بها إلى المهدي فاستأذن عليه، وكان لا يحجب عنه. فأنشده:
لو كان يقعد فوق الشمس من كرم ... قوم لقيل اقعدوا يا آل عباس
ثم ارتقوا من شعاع الشمس في درج ... إلى السماء فأنتم أكرم الناس
قال له المهدي: أحسنت والله أبا دلامة! فما الذي غدا بك إلينا؟ قال: ولدت لي جارية يا أمير المؤمنين. قال: فهل قلت فهيا شعراً؟ قال: نعم، قلت:
فما ولدتك مريم أم عيسى ... ولم يكفلك لقمان الحكيم
ولكن قد تضمك أم سوء ... إلى لباتها وأب لئيم
قال: فضحك المهدي. وقال: فما تريد أن أعينك به في تربيتها أبا دلامة؟ قال: تملأ هذه يا أمير المؤمنين، وأشار إليه بالخريطة بين إصبعيه. فقال المهدي: وما عسى أن تحمل هذه؟ قال: من لم يقنع بالقليل لم يقنع بالكثير. فأمر أن تملأ مالاً. فلما نشرت أخذت عليهم صحن الدار، فدخل فيها أربعة آلاف درهم.
وكان المهدي قد كسا أبا دلامة ساجاً. فأخذ به وهو سكران، فأتي به إلى المهدي. فأمر بتمزيق الساج عليه، وأن يحبس في بيت الدجاج، فلما كان في بعض الليل وصحا أبو دلامة من سكره ورأى نفسه بين الدجاج، صاح: يا صاحب البيت.
فاستجاب له السجان؛ فقال: مالك يا عدو الله؟ قال له: ويلك! من أدخلني مع الدجاج؟ قال: أعمالك الخبيثة، أتى بك أمير المؤمنين وأنت سكران فأمر بتمزيق ساجك وحبسك مع الدجاج. قال له: ويلك! أو تقدر على أن توقد سراجاً، وتجيئني بدواة وورق ولك سلبي هذا. فأتاه بدواة وورق: فكتب أبو دلامة إلى المهدي:

(1/73)


أمن صهباء صافية المزاج ... كأن شعاعها لهب السراج
تهش لها النفوس وتشتهيها ... إذا برزت ترقرق في الزجاج
وقد طبخت بنار الله حتى ... لقد صارت من النطف النضاج
أمير المؤمنين فدتك نفسي ... علام حبستني وخرقت ساجي
أقاد إلى السجون بغير ذنب ... كأني بعض عمال الخراج
ولو معهم حبست لهان وجدي ... ولكني حبست مع الدجاج
دجاجات يطيف بهن ديك ... يناجي بالصياح إذا يناجي
وقد كانت تخبرني ذنوبي ... بأني من عذابك غير ناجي
على أني وإن لاقيت شراً ... لخيرك بعد ذاك الشر راجي
ثم قال: أوصلها إلى أمير المؤمنين. فأوصلها إليه السجان. فلما قرأها، أمر بإطلاقه وأدخله عليه، فقال: أين بت الليلة أبا دلامة؟ قال: مع الدجاج يا أمير المؤمنين. قال: فما كنت تصنع؟ قال: كنت أقاقي معهن حتى أصبحت. فضحك المهدي وأمر بصلة جزيلة، وخلع عليه كسوة شريفة.
وكتب أبو دلامة إلى عيسى موسى، وهو والي الكوفة رقعة فيها هذه الأبيات:
إذا جئت الأمير فقل سلام ... عليك ورحمة الله الرحيم
فأما بعد ذاك فلي غريم ... من الأنصار قبح من غريم
لزوم ما علمت لباب داري ... لزوم الكلب أصحاب الرقيم
له مائة علي ونصف أخرى ... ونصف النصف في صك قديم
دراهم ما انتفعت بها ولكن ... وصلت بها شيوخ بني تميم
أتوني بالعشيرة يسألوني ... ولم أك في العشيرة باللئيم
قال: فبعث إليه بمائة ألف درهم.
ولقى أبو دلامة أبا دلف في مصاد، وهو والي العراق، فأخذ بعنان فرسه وأنشد:
إن حلفت لئن رأيتك سالماً ... بقرى العراق وأنت ذو وفر
لتصلين على النبي محمد ... ولتملأن دراهماً حجري
فقال: أما الصلاة على النبي، فنعم، صلى الله عليه وسلم؛ وأما الدراهم، فلما نرجع إن شاء الله تعالى. قال له: جعلت فداك، لا تفرق بينهما. فاستلفها له، وصبت في حجره حتى أثقلته.
ودخل أبو دلامة على المهدي، فأنشده أبياتاً أعجب بها، فقال له: سلني أبا دلامة واحتكم وأفرط ما شئت. فقال: يا أمير المؤمنين، كلب اصطاد به، قال: قد أمرنا لك بكلب؛ وهاهنا بلغت همتك، وعلى هاهنا انتهت أمنيتك؟ قال لا تعجل علي يا أمير المؤمنين، فإنه بقي علي. قال: وما بقي عليك؟ قال غلام يقود الكلب. قال: وغلام يقود الكلب. قال: وخادم يطبخ لنا الصيد. قال: وخادم يطبخ الصيد. قال ودار نسكنها. قال: ودار تسكنها. قال وجارية نأوي إليه. قال: وجارية تأوي إليها. قال: قد بقى الآن المعاش، قال: قد أقطعناك ألفي جريب عامرة وألفي جريب غامرة. قال: وما الغامرة يا أمير المؤمنين؟ قال: التي لا تعمر. قال: أنا أقطع أمير المؤمنين خمسين ألفاً من فيافي بني أسد. قال قد جعلتها كلها لك عامرة. قال: فيأذن لي أمير المؤمنين في تقبيل يده؟ قال: أما هذه فدعها. قال: ما منعتني شيئاً أيسر هي أم ولدي فقداً منه.
ودخل أبو دلامة على أبي جعفر المنصور يوماً وعليه قلنسوة طويلة - وكان قد أخذ أصحابه بلبسها وأخذهم بلبس دراريع عليها مكتوب بين كتفي الرجل: " فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم " وأمرهم بتعليق السيوف على أوساطهم - فدخل عليه أبو دلامة في ذلك الزي، فقال له: كيف أصبت أبا دلامة؟ قال: بشر حال يا أمير المؤمنين. قال: كيف ذلك؟ ويلك! قال: وما ظنك يا أمير المؤمنين بمن أصبح وجهه في وسطه، وسيفه في أسته، وقد نبذ كتاب الله عز وجل وراء ظهره. قال: فضحك أبو جعفر، وأمر بتغيير ذلك، وأمر لأبي دلامة بصلة.
وأوصل أبو دلامة إلى العباس بن المنصور رقعة فيها هذه الأبيات:
قف بالديار وأي الدهر لم تقف ... على منازل بين الظهر والنجف
وما وقوفك في أطلال منزلة ... لولا الذي استحدثت في قلبك الكلف
إن كنت أصبحت مشغوفاً بجارية ... فلا وربك لا تشفيك من شغف
ولا تزيدك إلا العل من أسف ... فهل لقلبك من صبر على الأسف

(1/74)


هذي مقالة شيخ من بني أسد ... يهدي السلام إلى العباس في الصحف
تخطها من جواري المصر كاتبة ... قد طالما ضربت في اللام والألف
وطالما اختلفت صيفاً وشاتية ... إلى معلمها باللوح والكتف
حتى إذا ما استوى الثديان وامتلأت ... منها وخيفت على الإسراف والقرف
صينت ثلاث سنين ما ترى أحداً ... كما تصان ببحر درة الصدف
بينا الفتى يتمشى نحو مسجده ... مبادراً لصلاة الصبح بالسدف
حانت لن نظرة منها فأبصرها ... مطلة بين سجفيها من الغرف
فخر في الترب ما يدري غداتئذ ... أخر منكشفاً أم غير منكشف
وجاءه القوم أفواجاً بمائهم ... لينضحوا الرجل المغشى بالنطف
فوسوسوا بقران في مسامعه ... خوفاً من الجن والإنسان لم يخف
شيئاً ولكنه من حب جارية ... أمسى وأصبح من موت على شرف
قالوا: لك الخير ما أبصرت؟ قلت لهم ... جنية أقصدتني من بني خلف
أبصرت جارية محجوبة لهم ... تطلعت من أعالي القصر ذي الشرف
فقلت من أيكم والله يأجره ... يعير قوته مني إلى ضعفي
فقام شيخ بهي من تجارهم ... قد طالما خدع الأقوام بالحلف
فابتاعها لي بألف أحمر فغدا ... بها إلي فألقاها على كتفي
فبت ألثمها طوراً وتلثمني ... طوراً ونفعل بعض الشيء في اللحف
بتنا كذلك حتى جاء صاحبها ... يبغي الدنانير بالميزان ذي الكفف
وذاك حق على زند وكيف به ... والحق في طرف والعين في طرف
وبين ذاك شهود لم أبال بهم ... أكنت معترفاً أم غير معترف
فإن تصلني قضيت القوم حقهم ... وإن تقل لا فحق القوم في تلف
فلما قرأ العباس الأبيات أعجب بها واستظرفها، وقضى عنه ثمن الجارية. واسم أبي دلامة: زند.

(1/75)


إبراهيم بن المهدي قال: قال لي جعفر بن يحيى يوماً: إني استأذنت أمير المؤمنين في الحجامة وأردت أن أخلو وأفر من أشغال الناس وأتوحد. فهل أنت مساعدي قلت: جعلني الله فداك، أنا أسعد الناس بمساعدتك، وآنس بمخالاتك. قال: فكر إلي بكور الغراب. قال: فأتيت عند الفجر الثاني فوجدت الشمعة بين يديه، وهو قاعد ينتظرني للميعاد. قال: فصلينا ثم أفضنا في الحديث حتى جاء وقت الحجامة، فأتى بحجام وحجمنا في ساعة واحدة، ثم قدم إلينا طعام فطعمنا. فلما غسلنا أيدينا خلع علينا ثياب المنادمة، وضمخنا بالخلوق، وظللنا بأسر يوم مر بنا. ثم إنه ذكر حاجة فدعا الحاجب، فقال: إذا جاء عبد الملك القهرماني فأذن له. فنسي الحاجب، وجاء عبد الملك بن صالح الهاشمي، على جلالته وسنه وقدره وأدبه، فإذن له الحاجب. فما راعنا إلا طلعة عبد الملك. فتغير لذلك جعفر بن يحيى وتنغص عليه ما كان فيه. فلما نظر عبد الملك إليه على تلك الحال دعا غلامه دفع إليه سيفه وسواده وعمامته، ثم جاء ووقف على باب المجلس، وقال: اصنعوا بي ما صنعتم بأنفسكم. قال: فجاء الغلام فطرح عليه ثياب المنادمة. ودعا بالطعام فطعم، ثم دعا بالشراب فشرب ثلاثاً، ثم قال: ليخفف عني، فإن شيء ما شربته قط. فتهلل وجه جعفر وفرح به، وكان الرشيد قد عتب على عبد الملك بن صالح ووجد عليه. فقال له جعفر بن يحيى: جعلني الله فداك، قد تفضلت وتطولت وأسعدت، فهل من حاجة تبلغها مقدرتي، أو تحيط بها نعمتي فأقضيها لك مكافأة لما صنعت؟ قال: بلى، إن قلب أمير المؤمنين عاتب علي، فسله الرضا عني. قال: قد رضي عنك أمير المؤمنين. ثم قال: علي أربعة آلاف دينار. قال حاضرة، ولكن من مال أمير المؤمنين أحب إليك. قال: وابني إبراهيم أحب أن أشد ظهره بصهر من أولاد أمير المؤمنين. قال: قد زوجه أمير المؤمنين ابنته عائشة. قال: وأحب أن تخفق الألوية على رأسه. قال: قد ولاه أمير المؤمنين على مصر. قال: وانصرف عبد الملك، ونحن نعجب من إقدامه على قضاء الحوائج من غير استئذان أمير المؤمنين. فلما كان من الغد وقفنا على باب الرشيد ودخل جعفر، فلم نلبث أن دعي بأبي يوسف القاضي ومحمد بن الحسن وإبراهيم بن عبد الملك، فعقد النكاح، وحملت البدر إلى منزل عبد الملك، وكتب سجل إبراهيم على مصر. وخرج جعفر فأشار إلينا. فلما صار إلى منزله ونحن خلفه، نزل ونزلنا بنزوله. فالتفت إلينا فقال: تعلقت قلوبكم بأول أمر عبد الملك فأحببتم معرفة آخره، وإني لما دخلت على أمير المؤمنين ومثلت بين يديه ابتدأت القصة من أولها كما كانت، فجعل يقول: أحسن والله! أحسن والله! فما صنعت؟ فأخبرته بما سأله وبما أجبته به. فجعل يقول في ذلك: أحسنت، أحسنت! وخرج إبراهيم والياً على مصر.
قدم رجل على ملك من ملوك الأكاسرة، فمكث ببابه حيناً لا يصل إليه، فتلطف في رقعة أوصلها إليه، وفيها أربعة أسطر: في السطر الأول: الضر والأمل أقدماني عليك.
والسطر الثاني: الفقر لا يكون معه صبر على المطالبة.
السطر الثالث: الانصراف بلا فائدة فتنة وشماتة للعدو.
والسطر الرابع: فإما نعم مثمرة، وإما لا مريحة.
فلما قرأها وقع تحت كل سطر منها بألف مثقال وأمر له بها.
ودخل رجل من الشعراء على يحيى بن خالد بن برمك فأنشده:
سألت الندى هل أنت حر فقال لا ... ولكنني عبد ليحيى بن خالد
فقلت شراء قال لا بل وراثة ... توارثني عن والد بعد والد
فأمر له بعشر آلاف.
ودخل أعرابي على خالد بن عبد الله القسري فأنشده:
أخالد إن لم أزرك لخلة ... سوى أنني عاف وأنت جواد
أخالد بين الحمد والأجر حاجتي ... فأيهما تأتي فأنت عماد
فأمر له بخمسة آلاف درهم.
ومن قولنا في هذا المعنى. ودخلت على أبي العباس القائد فأنشدته:
الله جرد للندى والباس ... سيفاً فقلده أبا العباس
ملك إذا استقبلت غرة وجهه ... قبض الرجاء إليك روح إلياس
وجه عليه من الحياء سكينة ... ومحبة تجري مع الأنفاس
وإذا أحب الله يوماً عبده ... ألقى عليه محبة للناس
ثم سألته حاجة فيها بعض الغلظ. فتلكأ فيها علي، فأخذت سحاية من بين يديه فوقعت فيها على البديهة:

(1/76)


ما ضر عندك حاجتي ما ضرها ... عذراً إذا أعطيت نفسك قدرها
انظر إلى عرض البلاد وطولها ... أولست أكرم أهلها وأبرها
حاشى لجودك أن يوعر حاجتي ... ثقتي سهلت لي وعرها
لا يجتني حلو المحامد ماجد ... حتى يذوق من المطالب مرها
فقضى الحاجة وسارع إليها.
وأبطأ عبد الله بن يحيى عن الديوان، فأرسل إليه المتوكل يتعرف خبره، فكتب إليه:
عليل من مكانين ... من الإفلاس والدين
ففي هذين لي شغل ... وحسبي شغل هذين
فبعث إليه بألف دينار.
عبد الله بن منصور قال: كنت يوماً في مجلس الفضل بن يحيى. فأتاه الحاجب فقال: إن بالباب رجلاً قد أكثر في طلب الإذن وزعم أن له يداً يمت بها. فقال: أدخله. فدخل رجل جميل الوجه رث الهيئة. فسلم فأحسن. فأومأ إليه بالجلوس، فجلس. فلما علم أنه قد انطلق وأمكنه الكلام قال له: ما حاجتك؟ قال له: قد أعربت بها رثاثة هيئتي وضعف طاقتي. قال: أجل، فما الذي تمت به؟ قال: ولادة تقرب من ولادتك، وجوار يدنو من جوارك، واسم مشتق من اسمك. قال: أما الجوار فقد يمكن أن يكون كما قلت، وقد يوافق الاسم الاسم، ولكن ما علمك بالولادة؟ قال: أعلمتني أمي أنها لما وضعتني، قيل: إنه ولد الليلة ليحيى بن خالد غلام وسمي الفضل، فسمتني فضيلاً، إعظاماً لاسمك أن تلحقني به. فتبسم الفضل وقال: كم أتى عليك من السنين؟ قال: خمس وثلاثون سنة. قال: صدقت، هذا المقدار الذي أتيت عليه، فما فعلت أمك؟ قال: توفيت رحمها الله. قال: فما منعك من اللحوق بنا فيما مضى؟ قال: لم ارض نفسي للقائك لأنها كانت في عامية وحداثة تقعدني عن لقاء الملوك. قال: يا غلام، أعطه لكل عام مضى من سنيه ألفاً، وأعطه من كسوتنا ومراكبنا ما يصلح له. فلم يخرج من الدار إلا وقد طاف به إخوانه وخاصة أهله.
وكتب حبيب بن أوس الطائي إلى أحمد بن أبي داود:
اعلم وأنت المرء غير معلموافهم جعلت فداك غير مفهم
أن اصطناع العرف ما لم توله ... مستكملاً كالثوب ما لم يعلم
والشكر ما لم يستثر بصنيعةكالخط تقرؤه وليس بمعجم
وتفنني في القول إكثار وقد ... أسرجت في كرم الفعال فألجم.
وقال دعبل بن علي الخزاعي في طاهر بن الحسين صاحب خراسان:
أيا ذا اليمينين والدعوتين ... ومن عنده العرف والنائل
أترضى لمثلى أنى مقيم ... ببابك مطرح خامل
رضيت من الود والعائدات ... ومن كل ما أمل الآمل
بتسليمة بين خمس وست ... إذا ضمك المجلس الحافل
وما كنت أرضى بذا من هسواك ... أيرضى بذا رجل عاقل
وإن ناب شغل ففي دون ما ... تدبره شغل شاغل
عليك السلام فإني امرؤ ... إذا ضاق بي بلد راحل
الأصمعي قال: ونظر زياد إلى رجل من ضبة يأكل أكلاً قبيحاً، وهو أقبح الناس وجهاً، فقال: يا أخا ضبة، كم عيالك؟ قال: سبع بنات أنا أجمل منهن وجهاً، وهن آكل مني: فضحك زياد وقال: لله درك! ما ألطف سؤالك! افرضوا له و لكل واحدة منهن مائة وخادماً، وعجلوا له و لهن أرزاقهم. فخرج الصبي وهو يقول:
إذا كنت مرتاد السماحة والندى ... فناد زياداً أو أخاً لزياد
يجبك امرؤ يعطى على الحمد ما له ... إذا ضن بالمعروف كل جواد
ومالي لا أثنى عليك وإنما ... طريفي من معروفكم وتلادي
ووقف دعبل ببعض أمراء الرقة، فلما مثل بين يديه قال: أصلح الله الأمير، إني لا أقول كما قال صاحب معن:
بأي الخلتين عليك أثني ... فإني عند منصرفي مسول
أبالحسنى وليس لها ضياء ... علي فمن يصدق ما أقول
أم الأخرى ولست لها بأهل ... وأنت لكل مكرمة فعول
ولكنني أقول:
ماذا أقول إذا أتيت معاشري ... صفراً يداي من الجواد المجزل
إن قلت أعطاني كذبت وإن أقل ... ضن الأمير بماله لم يجمل
ولأنت أعلم بالمكارم والعلا ... من أن أقول فعلت ما لم تفعل

(1/77)


فاختر لنفسك ما أقول فإني ... لا بد مخبرهم وإن لم أسأل
قال له: قاتلك الله! وأمر له بعشرة آلاف درهم.
العتبي قال: دخل ابن عبدل على عبد الملك بن بشر بن مروان، لما ولي الكوفة فقعد بين السماطين، ثم قال: أيها الأمير، إني رأيت رؤيا فإذن لي في قصصها. فقال: قل. فقال:
أغفيت قبل الصبح يوم مسهد ... في ساعة ما كنت قبل أنامها
فرأيت أنك رعتني بوليدة ... مفلوجة حسن علي قيامها
وببدرة حملت إلي وبغلة ... شهباء ناجية يصر لجامها
قال له عبد الملك بن بشر بن مروان: كل شيء رأيت فهو عندي إلا البغلة، فإنها دهماء فارهة. امرأتي طالق ثلاثاً إن كنت رأيتها إلا دهماء. إلا أني غلطت.
الشيباني عن البطين الشاعر قال: قدمت على علي بن يحيى الأرميني فكتبت إليه:
رأيت في النوم أني راكب فرساً ... ولي وصيف وفي كفي دنانير
فقال قوم لهم حذق ومعرفة ... رأيت خيراً وللأحلام تعبير
رؤياك فسر غداً عند الأمير تجد ... تعبير ذاك وفي الفال التباشير
فجئت مستبشراً مستشعراً فرحاً ... وعند مثلك لي بالفعل تيسير
قال: فوقع لي في أسفل كتابي: أضغاث أحلام، وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين. ثم أمر لي بكل شيء ذكرته في أبياتي ورأيته في منامي.
وقال بشار العقيلي:
حتى متى ليت شعري يا بن يقطين ... أثني عليك بما لا منك توليني
أما علمت جزاك الله صالحة ... عني وزادك خيراً يا بن يقطين
أني أريدك للدنيا وزينتها ... ولا أريدك يوم الدين للدين
وقال آخر في مثل هذا المعنى:
يا بن العلاء ويا بن القرم مرداس ... إني لأطريك في أهلي وجلاسي
أثني عليك ولي حال تكذبني ... فيما أقول فاستحيي من الناس
حتى إذا قيل ما أعطاك من صفد ... طأطأت من سوء حالي عندها رأسي
الأخذ من الأمراء
حدثنا جعفر بن محمد عن يزيد بن سمعان عن عبد الله بن ثور عن عبد الحميد ابن وهب عن أبي الخلال، قال: سألت عثمان بن عفان عن جائزة السلطان، فقال: لحم طري زكي.
جعفر بن محمد بن يحيى بن محمد العامري عن المعتمر عن عمران بن حدير، قال: انطلقت أنا ورجل إلى عكرمة، فرأى الرجل عليه عمامة متخرفة. فقال الرجل: عندنا عمائم، ألا نبعث إليك بعمامة منها؟ قال عكرمة: إنا لا نقبل من الناس شيئاً، إنما نقبل من الأمراء.
وقال هشام بن حسان: رأيت على الحسن البصري خميصة لها أعلام يصلي فيها، أهداها إليه مسلمة بن عبد الملك.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يلبس خفين أسودين أهداهما إليه النجاشي صاحب الحبشة.
وقال نافع: كان عبد الله بن عمر يقبل هدايا أهل الفتنة، مثل المختار وغيره.
ودخل مالك بن أنس على هارون الرشيد، فشكا إليه ديناً لزمه، فأمر له بألف دينار عين. فلما وضع يديه للقيام قال: يا أمير المؤمنين، وزوجت ابني محمداً فصار علي فيه ألف دينار. قال: ولابنه ألف دينار.
فلقد مات مالك وتركها زنته في مزوده.
وقال الأصمعي: حدثني إسحاق بن يحيى بن طلحة قال: كان الربيع بن خثيم في ألف ومائة من العطاء، فكلم فيه أبي معاوية فألحقه بألفين. فلما حضر العطاء نودي الربيع بن خثيم، فقيل له: في ألفين، فقعد. فنظروا على اسمه مكتوباً: كلم فيه ابن يحيى بن طلحة أمير المؤمنين فألحقه بألفين.
وقال رجل لإبراهيم بن أدهم: يا أبا إسحاق، كنت أريد أن تقبل مني هذه الجبة كسوة. قال: إن كنت غنياً قبلتها منك، وإن كنت فقيراً لم أقبلها منك. قال: فإن غني. قال: وكم مالك؟ قال: ألفا دينار. قال: فأنت تود أنها أربعة آلاف. قال: نعم. قال: فأنت فقير لا أقبلها منك.
وأمر إبراهيم بن الأغلب، المعروف بزيادة الله، بمال يقسم على الفقهاء، فكان منهم من قبل، ومنهم من لم يقبل. فكان أسد بن الفرات فيمن قبل، فجعل زيادة الله يغمص على كل من قبل منهم: فبلغ ذلك أسد ابن الفرات، فقال: لا عليه، إنما أخذنا بعض حقوقنا والله سائله عما بقي.
وقد فخرت العرب بأخذ جوائز الملوك، وكان من أشرف ما يتمولونه، فقال ذو الرمة:

(1/78)


وما كان مالي من تراث ورثته ... ولا دية كانت ولا كسب مأثم
ولكن عطاء الله من كل رحلة ... إلى كل محجوب السرادق خضرم
وقال آخر: يهجو مروان بن أبي حفصة ويعيبه بأخذه من العامة، ويفخر بأنه لا يأخذ إلا من الملوك، فقال:
عطايا أمير المؤمنين ولم تكن ... مقسمة من هؤلاء وأولئكا
وما نلت حتى شبت إلا عطية ... تقوم بها مصرورة في ردائكا
التفضيل في العطاء
تفضيل بعض الناس على بعض في العطاء
ذكر عمر بن الخطاب رضي الله عنه الفقراء، فقال: إن سعيد بن حذيم منهم. فأعطاه ألف دينار، وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا أعطيت فأغن.
وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد من العرب فأعطاهم، وفضل رجلاً منهم. فقيل له في ذلك. كل القوم عيال عليه.
وأعطى النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين المؤلفة قلوبهم فأعطى الأفرع ابن حابس التيمي وعيينة بن حصن الفزاري مائة من الإبل، وأعطى العباس ابن مرداس السلمي خمسين، فشق ذلك عليه، فقال أبياتاً، فأتاه بها وأنشده إياها، وهي:
أيذهب نهبي ونهب العبيد ... بين عيينة والأقرع
ولا كان حصن ولا حابس ... يفوقان مرداس في مجمع
وما كنت غير امرئ منهم ... ومن تضع اليوم لم يرفع
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبلال: اقطع عني لسان العباس. فأعطاه حتى أرضاه.
وقال صفوان بن أمية: لقد غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما خلق الله خلقاً أبعض إلي منه، فما زال يعطيني حتى ما خلق الله خلقاً أحب إلي منه. وكان صفوان بن أمية من المؤلفة قلوبهم.
شكر النعمة
سليمان التميمي قال: إن الله أنعم على عباده بقدر قدرته. وكلفهم من الشكر بقدر طاقتهم.
وقالوا: مكتوب في التوراة: اشكر لمن أنعم عليك وأنهم على من شكرك.
وقالوا: كفر النعمة يوجب زوالها، وشكرها يوجب المزيد فيها.
وقالوا: من حمدك فقد وفاك حق نعمتك.
وجاء في الحديث: من نشر معروفاً فقد شكره، ومن ستره فقد كفره.
وقال عبد الله بن عباس: لو أن فرعون مصر أسدى إلي يداً صالحة لشكرته عليها.
وقالوا: إذا قصرت يدك عن المكافأة. فليطل لسانك بالشكر.
وقالوا: ما نحل الله تعالى عباده شيئاً أقل من الشكر، واعتبر ذلك بقول الله عز وجل: " وقليل من عبادي الشكور " .
محمد بن صالح بن الواقدي قال: دخلت على يحيى بن خالد البرمكي، فقلت: إن هاهنا قوماً جاءوا يشكرون لك معروفاً، فقال: يا محمد، هؤلاء يشكرون معروفاً، فكيف لنا بشكر شكرهم.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما أنعم الله على عبده نعمة فرأى عليه أثرها إلا كتب: حبيب الله شاكراً لأنعمه، وما أنعم الله على عبده نعمة فلم ير أثرها عليه إلا كتب: بغيض الله كافراً لأنعمه.
وكتب عدي بن أرطأة إلى عمر بن عبد العزيز: إني بأرض كثرت فيها النعم، وقد خفت على من قبلي من المسلمين قلة الشكر والضعف عنه. فكتب إليه عمر رضي الله عنه: إن الله تعالى لم ينعم على قوم نعمة فحمدوه عليها إلا كان ما أعطوه أكثر مما أخذوا. واعتبر ذلك لقول الله تعالى: " ولقد آتينا داود وسليمان علماً وقالا الحمد لله الذي فضلنا " . فأي نعمة أفضل مما أوتي داود وسليمان.
وسمع النبي صلى الله عليه وسلم عائشة رضي الله عنها تنشد أبيات زهير بن جناب:
ارفع ضعيفك لا يحر بك ضعفه ... يوماً فتدركه عواقب ما جنى
يجزيك أو يثني عليك فإن من ... أثنى عليك بما فعلت كمن جزى
فقال النبي عليه الصلاة والسلام: صدق يا عائشة، لا شكر الله من لا يشكر الناس.
الخشنى قال: أنشدني الرياشي:
إذا أنا لم أشكر على الخير أهله ... ولم أذمم الجبس اللئيم المذمما
ففيم عرفت الخير والشكر باسمه ... وشق لي الله المسامع والفما
وأنشدني في الشكر:
سأشكر عمراً ما تراخت منبتي ... أيادي لم تمنن وإن هي جلت
فتى غير محجوب الغنى عن صديقة ... ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت
رأى خلتي من حيث يخفي مكانها ... فكانت قذى عينيه حتى تجلت
قلة الكرام في كثرة اللئام

(1/79)


قال النبي صلى الله عليه وسلم: الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة.
وقالت الحكماء: الكرام في اللئام كالغرة في الفرس.
وقال الشاعر:
تفاخرني بكثرتها قريظ ... وقبلي والد الحجل الصقور
فإن أك في شراركم قليلاً ... فإني في خياركم كثير
بغاث الطير أكثرها فراخاً ... وأم الصقر مقلات نزور
وقال السموأل:
تعيرنا أنا قليل عديدنا ... فقلت لها عن الكرام قليل
وما ضرنا أنا قليل وجارنا ... عزيز وجار الأكثرين ذليل
وقال حبيب:
ولقد تكون ولا كريم نناله ... حتى نخوض إليه ألف لئيم
قال ابن أبي حازم:
وقالوا لو مدحت فتى كريماً ... فقلت وكيف لي بفتى كريم
بلوت ومر بي خمسون حولاً ... حسبك بالمجرب من عليم
فلا أحد يعد ليوم خير ... ولا أحد يعود على عديم
وقال دعبل:
ما أكثر الناس لا بل ما أقلهم ... والله يعلم أني لم أقل فندا
إن لأغلق عيني ثم أفتحها ... على كثير ولكن ما أرى أحد
وأحسن ما قيل في هذا المعنى قول حبيب الطائي:
إن الجياد كثير في البلاد وإن ... قلوا كما غيرهم قل وإن كثروا
لا يدهمنك من دهمائهم عجب ... فإن جلهم أو كلهم بقر
وكلما أضحت الأخطار بينهم ... هلكي تبين من أضحى له خطر
لو لم تصادف شيات البهم أكثر ما ... في الخيل لم تحمد الأوضاح والغرر
الأصمعي قال: قال كسرى: أي شيء أضر؟ فأجمعوا على الفقر. فقال كسرى: الشح أضر منه، لأن الفقير يجد الفرجة فيتسع.
من جاد أولاً وضن آخراً
نزل أعرابي برجل من أهل البصرة، فأكرمه وأحسن إليه، ثم أمسك. فقال الأعرابي:
تسرى فلما حاسب المرء نفسه ... رأى أنه لا يستقر له السرو
وكان يزيد بن منصور يجري لبشار العقيلي وظيفة في كل شهر، ثم قطعها عنه فقال:
أبا خالد ما زلت سابح غمرة ... صغيراً فلما شبت خيمت بالشاطئ
جريت زماناً سابقاً ثم لم تزل ... تأخر حتى جئت تقطو مع القاطي
كسنور عبد الله بيع بدرهم ... صغيراً فلما شب بيع بقيراط
وقال مسلم بن الوليد صريع الغواني لمحمد بن منصور بن زياد:
أبا حسن قد كنت قدمت نعمة ... وألحقت شكراً ثم أمسكت وانيا
فلا ضير لم تلحقك مني ملامة ... أسأت بنا عوداً وأحسنت باديا
فأقسم لا أجزيك بالسوء مثله ... كفى بالذي جازيتني لك جازياً
وقال سليمان الأعمى، وهو أخو صريع الغواني، في سليمان بن علي:
يا سوءة يكبر الشيطان إن ذكرت ... منها العجائب جاءت من سليمانا
لا تعجبن بخير زل عن يده ... فالكوكب النحس يسقي الأرض أحيانا
من ضن أولاً ثم جاد آخراً
قدم الحارث بن خالد المخزومي على عبد الملك فلم يصله، فرجع وقال فيه:
صحبتك إذ عيني عليها غشاوة ... فلما انجلت قطعت نفسي ألومها
حبست عليك النفس حتى كأنما ... بكفيك يجري بؤسها ونعيمها
فبلغ قوله عبد الملك، فأرسل إليه فرده، وقال: أرأيت عليك غضاضة من مقامك ببابي؟ قال: لا، ولكني اشتقت إلى أهلي ووطني، ووجدت فضلاً من القول فقلت، وعلي دين لزمني. قال: وكم دينك؟ قال: ثلاثون ألفاً. قال: فقضاء دينك أحب إليك أم ولاية مكة؟ قال: بل ولاية مكة. فولاه إياها.
وقدم الحطيئة المدينة فوق إلى عتيبة بن النهاس العجلي فقال: أعطني. فقال: مالك عند فأعطيكه، وما في مالي فضل عن عيالي فأعود به عليك. فخرج عنه مغضباً. وعرفه به جلساؤه، فأمر برده، ثم قال له: يا هذا إنك وقفت إلينا فلم تستأنس ولم تسلم، وكتمتنا نفسك، كأنك الحطيئة؟ قال: هو ذلك. قال: اجلس، فلك عندما كل ما تحب. فجلس، فقال له: من أشعر الناس؟ قال: الذي يقول:
من يجعل المعروف من دون عرضه ... يفره ومن لا يتق الشتم يشتم
يعني زهيراً: قال: ثم من؟ قال: الذي يقول:

(1/80)


من يسأل الناس يحرموه ... وسائل الله لا يخيب
يعني عبيداً. قال: ثم من؟ قال: أنا.
فقال لوكيله: خذ بيد هذا فامض به إلى السوق، فلا يشيرن إلى شيء إلا اشتريته له. فمضى معه إلى السوق، فعرض عليه الخز والقز، فلم يتلفت إلى شيء منه وأشار إلى الأكسية والكرابيس الغلاظ والأقبية. فاشترى له منها حاجته، ثم قال: أمسك. قال: فإنه قد أمرني أن أبسط يدي بالنفقة قال: لا حاجة في أن يكون له على قومي يد أعظم من هذه، ثم أنشأ يقول:
سئلت فلم تبخل ولم تعط طائلاً ... فسيان لا ذم عليك ولا حمد
وأنت امرؤ لا الجود منك سجية ... فتعطى وقد يعدى على النائل الوجد
من مدح أميراً فخيبه
قال سعيد بن سلم: مدحني أعرابي فأبلغ، فقال:
ألا قل لساري الليل لا تخش ضلة ... سعيد بن سلم نور كل بلاد
لنا سيد أربى على كل سيد ... جواد حثا في وجه كل جواد
قال: فتأخرت عنه قليلاً. فهجاني فأبلغ، فقال:
لكل أخي مدح ثواب علمته ... وليس لمدح الباهلي ثواب
مدحت سعيداً والمديح مهزة ... فكان كصفوان عليه تراب
ومدح الحسن بن رجاء أبا دلف فلم يعطه شيئاً، فقال:
أبا دلف ما أكذب الناس كلهم ... سواي فإني في مديحك أكذب
وقال آخر في مثل هذا المعنى:
إني مدحتك كاذباً فأثبتني ... لما مدحتك ما يثاب الكاذب
وقال آخر في مثل هذا المعنى:
لئن أخطأت في مدحي ... ك ما أخطأت في منعي
لقد أحللت حاجاتي ... بواد غير ذي زرع
ومدح حبيب الطائي عياش بن لهيعة، وقدم عليه بمصر، واستسلفه مائتي مثقال. فشاور فيها زوجته، فقالت له: هو شاعر يمدحك اليوم، ويهجوك غداً، فاعتل عليه واعتذر إليه ولم يقض حاجته. فقال فيه:
عياش إنك للئيم وإنني ... مذ صرت موضع مطلبي للئيم
ثم هجاه حتى مات. وهجاه بعد موته، فقال فيه:
لا سقيت أطلالك الدائرة ... ولا انقضت عثرتك العاثرة
يا أسد الموت تخلصته ... من بين فكي أسد القاصرة
ما حفرة واراك ملحودها ... ببرة الرمس ولا طاهره
ومن قولنا في هذا المعنى، وسألت بعض موالي السلطان إطلاق محبوس فتلكأ فيه، فقلت:
حاشا لمثلك أن يفك أسيرا ... أو أن يكون من الزمان مجيرا
لبست قوافي الشعر فيك مدارعاً ... سوداً وصكت أوجهاً وصدورا
علا عطفت برحمة لما دعت ... ويلاً عليك مدائحي وثبورا
لو أن لؤمك عاد جوداً عشره ... ما كان عندك حاتم مذكورا
قال: ومدح ربعة الرقي يزيد بن حاتم الأزدي، وهو والي مصر فاستبطأه ربيعة. فشخص عنه من مصر وقال:
أراني ولا كفران الله راجعاًبخفي حنين من نوال ابن حاتم
فبلغ قوله يزيد بن حاتم. فأرسل في طلبه، فرد إليه. فلما دخل عليه قال له: أنت القائل:
أراني ولا كفران الله راجعاً
قال: نعم؛ قال: فهل قلت غير هذا؟ قال: لا والله؛ قال: لترجعن بخفي حنين مملوءة مالاً. فأمر بخلع نعليه وملئت له مالاً. فقال فيه لما عزل عن مصر وولي يزيد بن أسيد السلمي مكانه:
بكى أهل مصر بالدموع السواجم ... غداة غدا منها الأغر ابن حاتم
وفيها يقول:
لشتان ما بين اليزيدين في الندى ... يزيد سليم والأغر بن حاتم
فهم الفتى الأزدي إنفاق ماله ... وهم الفتى القيسي جمع الدراهم
فلا يحسب التمتام أني هجوته ... ولكنني فضلت أهل المكارم
أجود أهل الجاهلية
الذين انتهي إليهم الجود في الجاهلية ثلاثة نفر: حاتم بن عبد الله بن سعد الطائي، وهرم بن سنان المري، وكعب بن مامة الإيادي.
ولكن المضروب به المثل: حاتم وحده، وهو القائل لغلامه يسار، وكان إذا اشتد البرد وكلب الشتاء أمر غلامه فأوقد ناراً في يفاع من الأرض لينظر إليها من أضل الطريق ليلاً فيصمد نحوه، فقال في ذلك:
أوقد فإن الليل ليل قر ... والريح ما موقد ريح صر
عسى يرى نارك من يمر ... إن جلبت ضيفاً فأنت حر

(1/81)


ومر حاتم في سفره على عنزة، وفيهم أسير. فاستغاث بحاتم ولم يحضره فكاكه، فاشتراه من العنزيين وأطلقه، وأقام مكانه في القيد حتى أدى فداءه.
وقالوا: لم يكن حاتم ممسكاً شيئاً ما عدا فرسه وسلاحه، فإن كان لا يجود بهما.
وقالت نوار امرأة حاتم: أصابتنا سنة اقشعرت لها الأرض واغبر أفق السماء، وراحت الإبل حدبا حدابير، وضنت المراضع على أولادها فما تبض بقطرة، وحلقت ألسنة المال وأيقنا بالهلاك. فوالله إنا لفي ليلة صنبر، بعيدة ما بين الطرفين، إذا تضاغى صبيتنا جوعاً، عبد الله وعدي وسفانة، فقام حاتم إلى الصبيين، وقمت أنا إلى الصبية، فوالله ما سكتوا إلا بعد هدأة من الليل، وأقبل يعللني بالحديث، فعرفت ما يريد فتناومت، فلما تهورت النجوم، إذا شيء قد رفع كسر البيت ثم عاد؛ فقال: من هذا؟ قالت: إلا عليك يا أبا عدي. فقال. أعجليهم فقد أشبعك الله وإياهم. فأقبلت المرأة تحمل اثنين ويمشي جانبها أربعة، كأنها نعامة حولها رئالها. فقام إلى فرسه فوجأ لبته بمدية فخر، ثم كشطه عن جلده، ودفع المدية إلى المرأة، فقال لها: شأنك. فاجتمعنا على اللحم نشوي بالنار، ثم جعل يمشي في الحي يأتيهم بيتاً بيتاً، فيقول: هبوا أيها القوم عليكم بالنار، فاجتمعوا والتفع في ثوبه ناحية ينظر إلينا، فلا والله إن ذاق منه مزعه، وإنه لأحوج إليه منا، فأصبحنا وما على الأرض من الفرس إلا عظم وحافر، فأنشأ حاتم يقول:
مهلاً نوار أقل اللوم والعذلا ... ولا تقولي لشيء فات ما فعلا
ولا تقولي لمال كنت مهلكه ... مهلاً وإن كنت أعطى الإنس والخبلا
يرى البخيل سبيل المال واحدة ... إن الجواد يرى في ماله سبلا
ورئي حاتم يوماً يضرب ولده لما رآه يضرب كلبة كانت تدل عليه أضيافه، وهو يقول:
أقول لابني وقد سطت يديه ... بكلبة لا يزال يلدها
أوصيك خيراً بها فإن لها ... عندي يداً لا أزال أحمدها
تدل ضيفي علي في غلس ال ... ليل إذا النار نام موقدها
ذكرت طبئ عند عدي بن حاتم: أن رجلاً يعرف بأبي الخيبري مر بقبر حاتم فنزل به وجعل ينادي: أبا عدي، أقر أضيافك. قال: فيقال له: مهلاً ما تكلم من رمة بالية؟ فقال: إن طيئاً يزعمون أنه لم ينزل به أحد إلا قراه، كالمستهزئ. فلما كان في السحر وثب أبو خيبري يصيح: وا راحلتاه! فقال له أصحابه: ما شأنك؟ قال: خرج والله حاتم بالسيف حتى عقر ناقتي وأنا أنظر إليها. فتأملوا راحلته فإذا هي لا تنبعث، فقالوا: قد والله أقراك. فنحروها وظلوا يأكلون من لحمها، ثم أردفوه وانطلقوا. فبينما هم في مسيرهم إذ طلع عليهم عدي بن حاتم ومعه جمل قد قرنه ببعيره، فقال: إن حاتماً جاء في النوم فذكر لي قولك وأنه أقراك وأصحابك راحلتك وقال لي أبياتاً رددها علي حتى حفظتها وهي:
أبا الخيبري وأنت امرؤ ... حسود العشيرة شتامها
فماذا أردت إلى رمة ... بداوية صخب هامها
أتبغي أذاها وإعسارها ... وحولك غوث وأنعامها
وإنا لنطعم أضيافنا ... من الكوم بالسيف نعتامها
وأمرني بدفع راحلة عوض راحلتك فخذها، فأخذها ولحاتم بن عبد الله أيضاً:
أماوي قد طال التجنب والهجر ... وقد عذرتنا عن طلابكم العذر
أماوي إن المال غاد ورائح ... ويبقى من المال الأحاديث والذكر
أماوي إما مانع فمبين ... وإما عطاء لا ينهنهه الزجر
أماوي إني لا أقول لسائل ... إذا جاء يوماً حل في مالي النذر
أماوي ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر
أماوي إن يصبح صداي بقفرة ... من الأرض لا ماء لدي ولا خمر
تري أن ما أنفقت لم يك ضرني ... وأن يدي مما بخلت به صفر
إذا أنا دلاني الذين يلونني ... بمظلمة لج جوانبها غبر
وراحوا سراعاً ينفضون أكفهم ... يقولون قد أدمى أظافرنا الحفر
أماوي إن المال مال بذلته ... فأوله سكر وآخره ذكر

(1/82)


وقد يعلم الأقوام لو أن حاتماً ... أراد ثراء المال كان له وفر
فإن وجدي رب واحد أمه ... أجرت فلا قتل عليه ولا أسر
ولا أظلم بن العم إن كان إخوتي ... شهوداً وقد أودى بإخوته الدهر
غنينا زماناً بالتصعلك والغنى ... وكلاً سقاناه بكاسيهما الدهر
فما زادنا بأواً على ذي قرابة ... غنانا ولا أزرى بأحلامنا الفقر
وأما هرم بن سنان فهو صاحب زهير الذي يقول فيه:
متى تلاق على علاته هرماً ... تلق السماحة في خلق وفي خلق
وكان سنان أبو هرم سيد غطفان، وماتت أمه وهي حامل به، وقالت: إذا أنا مت فشقوا بطني فإن سيد غطفان فيه. فلما ماتت شقوا بطنها فاستخرجوا منه سناناً.
وفي بني سنان يقول زهير:
قوم أبوهم سنان حين تنبسهم ... طابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا
لو كان يقعد فوق الشمس من كرم ... قوم بأولهم أو مجدهم قعدوا
جن إذا فزعوا إنس إذا أمنوا ... مرزءون بهاليل إذا قصدوا
محسدون على كان من نعم ... لا ينزع الله منهم ما له حسدوا
وقال زهير في هرم بن سنان:
وأبيض فياض يداه غمامة ... على معتفيه ما تغب نوائله
تراه إذا ما جئته متهللاً ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله
أخور ثقة لا تتلف الخمر ماله ... ولكنه قد يتلف المال نائله
أخذ الحسن بن هانئ هذا المعنى فقال:
فتى لا تغول الخمر شحمة ماله ... ولكن أياد عود وبوادي
وقال زهير في هرم بن سنان وأهل بيته:
إليك أعملتها فتلا مرافقها ... شهرين يجهض من أرحامها العلق
حتى دفعن إلى حلو شمائله ... كالغيث ينبت في آثاره الورق
من أهل بيت برى ذو العرش فضلهم ... يبنى لهم في جنان الخلد مرتفق
المطعمون إذا ما أزمة أزمت ... والطيبون ثياباً كلما عرقوا
كأن آخرهم في الجود أولهم ... إن الشمائل والأخلاق تتفق
إن قامروا أو فاخروا فخروا ... أو ناضلوا نضلوا أو سابقوا سبقوا
تنافس الأرض موتاهم إذا دفنوا ... كما تنوفس عند الباعة الورق
وقال فيهم أيضاً:
وفيهم مقامات حسان وجوههم ... وأندية ينتابها القول والفعل
على مكثريهم حق من يعتفيهم ... وعند المقلين السماحة والبذل
فما كان من خير ألوه فإنما ... توارثه آباء آبائهم قبل
وهل ينبت الخطى إلا وشيجه ... وتغرس إلا في منابتها النخل
وأما كعب بن مامة الإيادي، فلم يأت عنه إلا ما ذكر من إيثاره رفيقه النمري بالماء حتى مات عطشاً ونجا النمري، وهذا أكثر من كل ما أثني لغيره.
وله يقول حبيب:
يجود بالنفس إن ضن البخيل بها ... والجود بالنفس أقص غاية الجود
وله ولحاتم الطائي يقول:
كعب وحاتم اللدان تقسما ... خطط العلا من طارف وتليد
هذا الذي خلف السجاب ومات ذا ... في المجد ميتة خضرم صنديد
إلا يكن فيها الشهيد فقومه ... لا يسمحون به بألف شهيد
أجواد أهل الإسلام
وأما أجواد أهل الإسلام فأحد عشر رجلاً في عصر واحد لم يكن قبلهم ولا بعدهم مثلهم.
فأجواد الحجاز ثلاثة في عصر واحد: عبيد الله بن العباس، وعبد الله بن جعفر، وسعيد بن العاص.
وأجواد البصرة خمسة في عصر واحد، وهم: عبد الله بن عامر بن كريز وعبيد الله بن أبي بكرة، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومسلم بن زيادة، وعبيد الله بن معمر القرشي، ثم التمي، وطلحة الطلحات، وهو طلحة بن عبد الله بن خلف الخزاعي، وله يقول الشاعر يرثيه، ومات بسجستان وهو وال عليها:
نضر الله أعظماً دفنوها ... بسجستان طلحة الطلحات
وأجواد أهل الكوفة ثلاثة في عصر واحد، وهم: عتاب بن ورقاء الرياحي، وأسماء بن خارجة الفزاري، وعكرمة بن ربعي الفياض.
جود عبيد الله بن عباس

(1/83)


أنه أول من فطر جيرانه، وأول من وضع الموائد على الطرق، وأول من حيا على طعامه، وأول من أنهبه، وفيه يقول شاعر المدينة:
وفي السنة الشهباء أطعمت حامضاً ... وحلواً ولحماً تامكا وممزعا
وأنت ربيع لليتامى وعصمة ... إذ المحل من جو السماء تطلعا
أبوك أبو الفضل الذي كان رحمة ... وغوثاً ونوراً للخلائق أجمعا
ومن جوده: أنه أتاه رجل وهو بفناء داره، فقام بين يديه فقال: يا بن عباس، إن لي عندك يداً، وقد احتجت إليها. فصعد فيه بصره وصوبه، فلم يعرفه، ثم قال له: ما يدك عندنا؟ قال رأيتك واقفاً بزمزم وغلامك يمتح لك من مائها، والشمس قد صهرتك، فظللتك بطرف كسائي حتى شربت قال: إني لأذكر ذلك، وإنه يتردد بين خاطري وفكري، ثم قال لقيمه: ما عندك؟ قال: مائتا دينار وعشرة آلاف درهم؛ قال فادفعها إليه وما أراها تفي بحق يده عندنا. فقال له الرجل: والله لو لم يكن لإسماعيل ولد غيرك لكان فيه ما كفاه فكيف وقد ولد سيد الأولين والآخرين محمداً صلى الله عليه وسلم، ثم شفعه بك وبأبيك.
ومن جوده أيضاً: أن معاوية حبس عن الحسين بن علي صلاته حتى ضاقت عليه حاله. فقيل له: لو وجهت إلى ابن عمك عبيد الله، فإن قد قدم بنحو من ألف ألف درهم. فقال الحسين: وأين تقع ألف ألف من عبيد الله، فوالله لهو أجود من الريح إذا عصفت، وأسخى من البحر إذا زخر. ثم وجه إليه مع رسوله بكتاب ذكر فيه حبس معاوية عنه صلاته وضيق حاله، وأنه يحتاج إلى مائة ألف درهم. فلما قرأ عبيد الله كتابه، وكان من أرق الناس قلباً وألينهم عطفاً، انهملت عيناه، ثم قال: ويلك يا معاوية مما اجترحت يداك من الإثم أصبحت حين لين المهاد، رفيع العماد، والحسين يشكو ضيق الحال، وكثرة العيال، ثم قال لقهرمانه: احمل إلى الحسين نصف ما أملكه من فض وذهب وثوب ودابة، وأخبره أني شاطرته مالي، فإن أقنعه ذلك وإلا فارجع واحمل إليه الشطر الآخر؛ فقال له القيم: فهذه المؤن التي عليك من أين تقوم بها؟ قال: إذا بلغنا ذلك دللتك على أمر يقيم حالك. فلما أتى الرسول برسالته إلى الحسين، قال: إنا الله حملت والله على ابن عمي وما حسبته يتسع لنا بهذا كله؛ فأخذ الشطر من ماله. وهو أول من فعل ذلك في الإسلام.
ومن جوده: أن معاوية بن أبي سفيان أهدى إليه وهو عنده بالشام من هدايا النيروز حللاً كثيرة ومسكاً وآنية من ذهب وفضة ووجهها مع حاجبه، فلما وضعها بين يديه نظر إلى الحاجب وهو ينظر إليها، فقال: هل في نفسك منها شيء؟ قال: نعم والله، إن في نفسي منها ما كان في نفس يعقوب من يوسف عليهما السلام؛ فضحك عبيد الله، وقال: فشأنك بها فهي لك. قال: جعلت فداك، أخاف أن يبلغ ذلك معاوية فيجد علي. قال: فاختمها بخاتمك وادفعها إلى الخازن فإذا حان خروجنا حملها إليك ليلاً. فقال الحاجب: والله لهذه الحيلة في الكرم أكثر من الكرم ولوددت أني لا أموت حتى أراك مكانه - يعني معاوية - فظن عبيد الله أنها مكيدة منه، قال: دع عنك هذا الكلام فإنا قوم نفي بما وعدنا، ولا ننقض ما أكدنا.
ومن جوده أيضاً: أنه أتاه سائل وهو لا يعرفه، فقال له: تصدق، فإني نبئت أن عبيد الله بن عباس أعطى سائلاً ألف درهم واعتذر إليه؟ فقال له: وأين أنا من عبيد الله؟ قال أين أنت منه في الحسب أم كثرة المال؟ قال: فيهما؛ قال: أما الحسب في الرجل، فمروءته وفعله، وإذا شئت فعلت، وإذا فعلت كنت حسيباً، فأعطاه ألفي درهم واعتذر له من ضيق الحال؛ فقال له السائل: إن لم تكن عبد الله بن عباس فأنت خير منه، وإن كنت هو فأنت اليوم خير منك أمس؛ فأعطاه ألفاً أخرى. فقال السائل: هذه هزة كريم حسيب، والله لقد نقرت حبة قلبي فأفرغتها في قلبك، فما أخطأت إلا باعتراض الشك بين جوانحي.
ومن جوده أيضاً: أنه جاءه رجل من الأنصار فقال: يا بن عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنه ولد لي في هذه الليلة مولود، وإني سميته باسمك تبركاً مني به، وإن أمه ماتت.

(1/84)


فقال عبيد الله: بارك الله لك في الهبة وأجزل لك الأجر على المصيبة، ثم دعا بوكيله، فقال: انطلق الساعة فاشتر للمولود جارية تحضنه، وادفع إليه مائتي دينار للنفقة على تربيته، ثم قال للأنصاري: عد إلينا بعد أيام فإنك جئتنا وفي العيش يبس وفي المال قلة. قال الأنصاري: لو سبقت حاتماً بيوم واحد ما ذكرته العرب أبداً، ولكنه سبقك، فصرت له تالياً، وأنا أشهد أن عفوك أكثر من مجهوده، وكل كرمك أكثر من وابله.
جود عبد الله بن جعفر
ومن جود عبد الله بن جعفر أن عبد الرحمن بن أبي عمار دخل على نخاس يعرض قياناً له، فعلق واحدة منهن، فشهر بذكرها حتى مشى إليه عطاء وطاووس ومجاهد يعذلونه، فكان جوابه أن قال:
يلومني فيك أقوام أجالسهم ... فما أبالي أطار اللوم أم وقعا
فانتهى خبره إلى عبد الله بن جعفر، فلم يكن له هم غيره، فحج فبعث إلى مولى الجارية، فاشتراها منه بأربعين ألف درهم، وأمر قيمة جواريه أن تزينها وتحليها، ففعلت. وبلغ الناس قدومه فدخلوا عليه، فقال: مالي لا أرى ابن أبي عمار زارنا! فأخبر الشيخ، فأتاه مسلماً. فلما أراد أن ينهض استجلسه ثم قال: ما فعل حب فلانة؟ قال: في اللحم والدم والمخ والعصب. قال: أتعرفها لو رأيتها؟ قال: لو أدخلت الجنة لم أنكرها فأمر بها عبد الله أن تخرج إليه وقال له: إنما اشتريتها لك، ووالله ما دنوت منها، فشأنك بها، مباركاً لك فيها. فلما ولى، قال يا غلام، احمل معه مائة ألف درهم ينعم بها معها. قال: فبكى عبد الرحمن فرحاً، وقال: يا أهل البيت، لقد خصكم الله بشرف ما خص به أحداً قبلكم من صلب آدم، فتهنئكم هذه النعمة، وبورك لكم فيها.
ومن جوده أيضاً: أنه أعطى امرأة سألته مالاً عظيماً. فقيل له: إنها لا تعرفك. وكان يرضيها اليسير. قال: إن كان يرضيها اليسير فإني لا أرضى بالكثير، وإن كانت لا تعرفني فأنا أعرف نفسي.
جود سعيد بن العاص
ومن جود سعيد بن العاص: أنه مرض وهو بالشام، فعاده معاوية ومعه شرحبيل بن السمط ومسلم بن عقبة المري، ويزيد بن شجرة الرهاوي، فلما نظر سعيد معاوية وثب عن صدر مجلسه إعظاماً لمعاوية، فقال له معاوية: أقسمت عليك أبا عثمان أن لا تتحرك، فقد ضعفت بالعلة. فسقط، فتبادر معاوية نحوه حتى حنا عليه وأخذه بيده، فأقعده على فراشه وقعد معه، وجعل يسائله عن علته ومنامه وغذائه، ويصف له ما ينبغي أن يتوقاه، وأطال القعود معه. فلما خرج التفت إلى شرحبيل بن السمط، ويزيد بن شجرة، فقال: هل رأيتما خللا في مال أبي عثمان؟ فقالا: ما رأينا شيئاً ننكره. فقال لمسلم بن عقبة: ما تقول؟ قال: رأيت. قال: وما ذاك؟ قال: رأيت على حشمه ومواليه ثياباً وسخة ورأيت صحن داره غير مكنوس، ورأيت التجار يخاصمون قهرمانه. قال: صدقت، كل ذلك قد رأيته فوجه إليه مع مسلم بثلاثمائة ألف. فسبق رسول يبشره بها ويخبره بما كان، فغضب سعيد وقال للرسول: إن صاحبك ظن أنه أحسن فأساء، وتأول فأخطأ. فأما وسخ ثياب الحشم فمن كثرة حركته اتسخ ثوبه؛ وأما كنس الدار فليست أخلاقنا أخلاق من جعل داره مرآته، وتزينه لبسه، ومعروفه عطره، ثم لا يبال بمن مات هزلاً من ذي لحمة أو حرمة. وأما منازعة التجارة قهرماني، فمن كثرة حوائجه وبيعه وشرائه لم يجد بداً من أن يكون ظالماً أو مظلوماً؛ وأما المال الذي أمر به أمير المؤمنين، فوصلته كل ذي رحم قاطعة، وهنأته كرامته المنعم بها عليه، وقد قبلناه وأمرنا لصاحبك منه بمائة ألف، ولشرحبيل بن السمط بمثلها، وليزيد بن شجرة بمثلها، وفي سعة الله وبسط يد أمير المؤمنين ما عليه معولنا.
فركب مسلم بن عقبة إلى معاوية فأعلمه. فقال: صدق ابن عمي فيما قال، وأخطأت فيما انتهيت إليه، فاجعل نصيبك من المال لروح بن زنباع عقوبة لك، فإنه من جنى جناية عوقب بمثلها، كما أنه فعل خيراً كوفئ عليه.

(1/85)


ومن جوده أيضاً: أن معاوية كان يداول بينه وبين مروان بن الحكم في ولاية المدينة، فكان مروان يقارضه. فلما دخل على معاوية قال له: كيف تركت أبا عبد الملك؟ - يعني مروان - قال: تركته منفذاً لأمرك، مصلحاً لعملك. قال معاوية: إنه كصاحب الخبزة كفى إنضاجها فأكلها. قال: كلا يا أمير المؤمنين، إنه من قوم لا يأكلون إلا ما حصدوا. ولا يحصدون إلى ما زرعوا. قال: فما الذي باعد بينك وبينه؟ قال: خفته على شرفي وخافني على مثله. قال: فأي شيء كان له عندك؟ قال: أسوءه حاراً وأسره غائباً. قال: يا أبا عثمان، تركتنا في هذه الحروب. قال: حملت الثقل وكفيت الحزم. قال: فما أبطأ بك؟ قال: غناك عني أبطأني عنك. وكنت قريباً، لو دعوت لأجبناك، ولو أمرت لأطعناك. قال: ذلك ظننا بك. فأقبل معاوية على أهل الشام، فقال يا أهل الشام هؤلاء قومي وهذا كلامهم. ثم قال: أخبرني عن مالك، فقد نبئت أنك تتجر فيه. قال: يا أمير المؤمنين، لنا مال يخرج لنا منه فضل، فإذا كان ما خرج قليلاً أنفقناه على قلته، وإن كان كثيراً فكذلك، غير أنا لا ندخر منه شيئاً عن معسر، ولا طالب، ولا مستحمل، ولا نستأثر منه بفلذة لحم، ولا مزعة شحم. قال: فكم يدوم لك هذا؟ قال: من السنة نصفها. قال: فما تصنع باقيها؟ قال: نجد من يسلفنا ويسارع إلى معاملتنا. قال: ما أحد أحوج إلى أن يصلح من شأنه منك. قال: إن شأننا لصالح يا أمير المؤمنين، ولو زدت في مالي مثله ما كنت إلا بمثل هذه الحال. فأمر له معاوية بخمسين ألف درهم، وقال: اشتر بها ضيعة تعينك على مروءتك. فقال سعيد: بل أشتري بها حمداً وذكراً باقياً، أطعم بها الجائع، وأزوج بها الأيم، وأنك بها العاني؛ وأواسي بها الصديق، وأصلح بها حال الجار. فلم تأت عليه ثلاثة أشهر وعنده منها درهم. فقال معاوية: ما فضيلة بعد الإيمان بالله هي أرفع في الذكر ولا أنبه في الشرف، من الجود، وحسبك أن الله تبارك وتعالى جعل الجود أحد صفاته.
ومن جوده أيضاً ما حكاه الأصمعي، قال: كان سعيد بن العاص يسمر معه سماره إلى أن ينقضي حين من الليل، فانصرف عنه القوم ليلة ورجل قاعد لم يقم. فأمر سعيد بإطفاء الشمعة وقال: حاجتك يا فتى؟ فذكر أن عليه ديناً أربعة آلاف درهم، فأمر له بها. وكان إطفاؤه للشمعة أكثر من عطائه.
جود عبيد الله بن أبي بكرة
ومن جود عبيد الله بن أبي بكرة: أنه أدلى إليه رجل بحرمة، فأمر له بمائة ألف درهم. فقال: أصلحك الله، ما وصلني أحد بمثلها قط. ولقد قطعت لساني عن شكر غيرك، وما رأيت الدنيا في يد أحد أحسن منها في يدك، ولولا أنت لم تبق لها بهجة إلا أظلمت ولا نور إلا انطمس.
جود عبيد الله بن معمر
القرشي التيمي
ومن جود عبيد الله بن معمر القرشي: أن رجلاً أتاه من أهل البصرة كانت له جارية نفيسة قد أدبها بأنواع الأدب حتى برعت وفاقت في جميع ذلك، ثم إن الدهر قعد بسيدها ومال عليه. وقدم عبيد الله بن معمر البصرة من بعض وجوهه فقالت لسيدها: إني أريد أن أذكر لك شيئاً أستحي منه، إذ فيه جفاء مني، غير أن يسهل ذلك علي ما أرى من ضيق حالك، وقلة مالك وزوال نعمتك، وما أخافه عليك من الاحتياج، وضيق الحال، وهذا عبيد الله بن معمر قدم البصرة، وقد علمت شرفه وفضله وسعة كفه وجود نفسه، فلو أذنت لي فأصلحت من شأني، ثم تقدمت بي إليه وعرضتني عليه هدية، رجوت أن يأتيك من مكافأته ما يقيلك الله به وينهضك إن شاء الله. قال فبكى وجداً عليها وجزعاً لفراقها منه، ثم قال لها: لولا أنك نطقت بهذا ما ابتدأتك به أبداً. ثم نهض بها حتى أوقفها بين يدي عبيد الله، فقال: أعزك الله، هذه جارية ربيتها ورضيت بها لك فاقبلها مني هدية. فقال: مثلي لا يستهدي من ملك، فهل لك في بيعها، فأجزل لك الثمن عليها حتى ترضى؟ قال: الذي تراه. قال: يقنعك مني عشرة بدر، في كل بدرة عشرة آلاف درهم؟ قال: والله يا سيدي ما امتد أملي إلى عشر ما ذكرت، ولكن هذا فضلك المعروف، وجودك المشهور. فأمر عبيد الله بإخراج المال حتى صار بين يدي الرجل وقبضه، وقال للجارية: ادخلي الحجاب. فقال سيدها: أعزك الله لو أذنت لي في وداعها؟ قال: نعم. فوقفت وقام، وقال لها وعيناه تدمعان:
أبوح بحزن من فراقك موجع ... أقاسي به ليلاً يطيل تفكري

(1/86)


ولولا قعود الدهر بي عنك لم يكن ... يفرقنا شيء سوى الموت فاعذري
عليك سلام لا زيادة بيننا ... ولا وصل إلا أن يشاء ابن معمر
قال عبيد الله بن معمر: قد شئت ذلك، فخذ جاريتك، وبارك الله لك في المال. فذهب بجاريته وماله، فعاد غنياً.
فهؤلاء أجواد الإسلام المشهورون في الجود المنسوبون إليه، وهم أحد عشر رجلاً كما ذكرنا وسمينا، وبعدهم طبقة أخرى من الأجواد، قد شهروا بالجود وعرفوا بالكرم، وحمدت أفعالهم. وسنذكر ما أمكننا ذكره منها إن شاء الله تعالى.
الطبقة الثانية من الأجواد
الحكم بن حنطب
قيل لنصيب بن رباح: خرف شعرك أبا محجن؛ قال: لا، ولكن خرف الكرم، لقد رأيتني ومدحت بن حنطب، فأعطاني ألف دينار ومائة ناقة وأربعمائة شاة.
وسأل أعرابي الحكم بن حنطب، فأعطاه خمسمائة دينار فبكى الأعرابي فقال: ما يبكيك يا أعرابي؟ لعلك استقللت ما أعطيناك؟ قال: لا والله، ولكني أبكي لما تأمل الأرض منك، ثم أنشأ يقول:
وكأن آدم حين حان وفاته ... أوصاك وهو يجود بالحوباء
ببنيه أن ترعاهم فرعيتهم ... وكفيت آدم عيلة الأبناء
العتبي قال: أخبرني رجل من أهل منبج، قال: قدم علينا الحكم بن حنطب، وهو مملق فأغنانا. قال: كيف أغناكم وهو مملق؟ قال: علمنا المكارم فعاد غنينا على فقيرنا.
معن بن زائدة
وكان يقال فيه: حدث عن البحر ولا حرج، وحدث عن معن ولا حرج. وأتاه رجل يسأله أن يحمله، فقال: يا غلام، أعطه فرساً وبرذوناً وبغلاً وعيراً وبعيراً وجارية، وقال: لو عرفت مركوباً غير هؤلاء لأعطيتك.
العتبي قال: لما قدم معن بن زائدة البصرة واجتمع إليه الناس، أتاه مروان بن أبي حفصة أخذ بعضادتي الباب، فأنشده شعره الذي قال فيه:
فما أحجم الأعداء عنك بقية ... عليك ولكن لم يروا فيك مطمعا
له راحتان الحتف والجود فيهما ... أبى الله إلا أن يضر وينفعا
يزيد بن المهلب
وكان هشام بن حسان إذ ذكره قال: والله إن كانت السفن لتجري في جوده.
وقيل ليزيد بن المهلب: مالك لا تبني داراً؟ قال: منزلي دار الإمارة أو الحبس.
ولما أتى يزيد بن عبد الملك برأس يزيد بن المهلب نال منه بعض جلسائه، فقال له: مه! إن يزيد بن المهلب طلب جسيماً، وركب عظيماً، ومات كريماً.
ودخل الفرزدق على يزيد بن المهلب في الحبس فأنشده:
صح في قيدك السماحة والجو ... د وفك العناة والإفضال
قال: أتمدحني وأنا في هذه الحال؟ قال: أصبتك رخيصاً فاشتريتك. فأمر له بعشرة آلاف.
وقال سليمان بن عبد الملك لموسى بن نصير: اغرم ديتك خمسين مرة. قال: ليس عندي ما أغرم. قال: والله لتغر من ديتك مائة مرة. قال يزيد بن المهلب: أنا أغرمها عنه يا أمير المؤمنين. قال: اغرم، فغرمها عنه مائة ألف.
العتبي قال: أخبرني عوانة قال:

(1/87)


استعمل الوليد بن عبد الملك عثمان بن حيان المري على المدينة وأمره بالغلظة على أهل الظنة، فلما استخلف سليمان أخذه بألفي ألف درهم. فاجتمعت القيسية في ذلك، فتحملوا شطرها وضاقوا ذرعاً بالشطر الثاني، ووافق ذلك استعمال سليمان يزيد بن المهلب على العراق. فقال عمر بن هبيرة: عليكم بيزيد بن المهلب فما لها أحد غيره. فتحملوا إلى يزيد وفيهم عمر بن هبيرة، والقعقاع بن حبيب، والهذيل بن زفر بن الحارث، وانتهوا إلى رواق يزيد. قال يحيى بن أقتل - وكان حاجباً ليزيد بن المهلب، وكان رجلاً من الأزد - : فاستأذنت لهم، فخرج يزيد إلى الرواق فقرب ورحب، ثم دعاء بالغداء، فأتوا بطعام، ما أنكروا منه أكثر مما عرفوا. فلما تغدوا، تكلم عثمان بن حيان وكان لساناً مفوهاً وقال: زادك الله في توفيقك أيها الأمير، إن الوليد بن عبد الملك وجهني إلى المدينة عاملاً عليها، وأمرني بالغلظة على أهل الظنة وصخذ عليهم، وإن سليمان أغرمني غرماً، والله ما يسعه مالي ولا تحمله طاقتي، فأتيناك لتحمل من هذا المال ما خف عليك، وما بقي والله ثقيل علي. ثم تكلم كل منهم بما حضره، وقد اختصرنا كلامهم، فقال يزيد بن المهلب: مرحباً بكم وأهلاً، إن خير المال ما قضيت فيه الحقوق، وحملت به المغارم. وإنما لي من المال ما فضل عن إخواني، وأيم الله، لو علمت أن أحداً أملأ بحاجتكم مني لهديتكم إليه، فاحتكموا وأكثروا. فقال عثمان بن حيان: النصف، أصلح الله الأمير. قال: نعم وكرامة، اغدوا على مالكم فخذوه. فشكروا له وقاموا فخرجوا. فلما صاروا على باب السرادق، قال عمر بن هبيرة: قبح الله رأيكم، والله ما يبالي يزيد أنصفها تحمل أم كلها، فمن لكم بالنصف الباقي؟ قال القوم: هذا والله لرأي. وسمع يزيد مناجاتهم، فقال لحاجبه: انظر يا يحيى إن كان بقي على القوم شيء فليرجعوا. فرجعوا إليه. وقالوا: أقلنا. قال: قد فعلت. قالوا: فإن رأيت أن تحملها كلها فأنت أهلها، وإن أبيت فما لها أحد غيرك. قال: قد فعلت. وغدا يزيد بن المهلب إلى سليمان. فقال: يا أمير المؤمنين أتاني عثمان بن حيان وأصحابه، قال: أمسك في المال؟ قال: نعم. قال سليمان: والله لآخذنه منهم. قال يزيد: إني قد حملته. قال: فأده. قال يزيد: والله ما حملته إلا لأؤديه، ثم قال: يا أمير المؤمنين، إن هذه الحمالة وإن عظم خطبها، فحمدها والله أعظم منها، ويدي مبسوطة بيدك. فابسطها لسؤالها. ثم غدا يزيد بالمال على الخزان فدفعه إليهم. فدخلوا على سليمان فأخبروه بقبض المال. فقال: وفت يمين سليمان، احملوا إلى أبي خالد ماله: فقال عدي ابن الرقاع العاملي:
والله علينا من رأى كحمالة ... تحملها كبش العراق يزيد
الأصمعي قال: قدم على يزيد بن المهلب قوم من قضاعة من بني ضنة، فقال رجل منهم:
والله ما ندري إذا ما فاتنا ... طلب إليك من الذي نتطلب
ولقد ضربنا في البلاد فلم نجد ... أحداً سواك إلى المكارم ينسب
فاصبر لعادتنا التي عودتنا ... أو لا فأرشدنا إلى من نذهب
فأمر له بألف دينار. فلما كان في العام المقبل وفد عليه فقال:
مالي أرى أبوابهم مهجروة ... وكأن بابك مجمع الأسواق
حابوك أما هابوك أم شاموا الندى ... بيديك فاجتمعوا من الآفاق
إني رأيتك للمكارم عاشقاً ... والمكرمات قليلة العشاق
فأمر له بعشر آلاف درهم.
ومر يزيد بن المهلب في طريق البصرة بأعرابية فأهدت إليه عنزاً فقبلها، وقال لابنه معاوية: معاوية: ما عندك من نفقة؟ قال: ثمانمائة درهم. قال: ادفعها إليها. قال: إنها لا تعرفك ويرضيها اليسير. قال: إن كانت لا تعرفني، فأنا أعرف نفسي، وإن كان يرضيها اليسير، فأنا لا أرضى إلا بالكثير.
يزيد بن حاتم
وكتب إليه رجل يستوصله، فبعث إليه ثلاثين ألف درهم، وكتب إليه: أما بعد، فقد بعثت إليك بثلاثين ألفاً لا أكثرها امتناناً، ولا أقللها تجبراً، ولا أستثنيك عليها ثناءً، ولا أقطع لك بها رجاء، والسلام.
وكان ربيعة الرقى قد قدم مصر فأتى يزيد بن حاتم الأزدي، فلم يعطه شيئاً، فخرج وهو يقول:
أراني ولا كفران الله راجعاًبخفي حنين من نوال ابن حاتم

(1/88)


فسأل عنه يزيد، فأخبر أنه قد خرج، وقال كذا، وأنشد البيت؛ فأرسل في طلبه، فأتي به فقال: كيف قلت؟ فأنشده البيت. فقال: شغلنا عنك. ثم أمر بخفيه فخلعتا من رجليه وملئتا مالاً، وقال: ارجع بها بدلاً من خفي حنين. فقال فيه لما عزل عن مصر وولي مكانه يزيد بن أسيد.
بكى أهل مصر بالدموع السواجم ... غداة غدا منها الأغر ابن حاتم
وفيها يقول:
لشتان ما بين اليزيدين في الندى ... يزيد سليم والأغر ابن حاتم
فهم الفتى الأزدي إتلاف ماله ... وهم الفتى القيسي جمع الدراهم
فلا يحسب التمتام أني هجوته ... ولكنني فضلت أهل المكارم
وخرج إليه رجل من الشعراء يمدحه، فلما بلغ مصر وجده قد مات، فقال فيه:
لئن مصر فاتتني بما كنت أرتجي ... وأحلفني منها الذي كنت آمل
فما كل ما يخشى الفتى بمصيبه ... ولا كل ما يرجو الفتى هو نائل
وما كان بيني لو لقيتك سالماً ... وبين الغنى إلا ليال قلائل
أبو دلف
واسمه القاسم بن إسماعيل، وفيه يقول علي بن جبلة:
إنما الدنيا أبو دلف ... بين مبداه ومحتضره
فإذا ولى أبو دلف ... ولت الدنيا على أثره
وقال فيه رجل من شعراء الكوفة:
الله أجرى من الأرزاق أكثرها ... على العباد على كفى أبي دلف
بارى الرياح فأعطى وهي جارية ... حتى إذا وقفت أعطى ولم يقف
ما خط لا كاتباه في صحيفته ... يوماً كما خط لا في سائر الصحف
فأعطاه ثلاثين ألفاً.
ومدحه آخر فقال له:
يشبهه الرعد إذا الرعد رجف ... كأنه البرق إذا البرق خطل
كأنه الموت إذا الموت أزف ... تحمله إلى الوغى الخيل القطف
إن سار سار المجد أو حل وقف ... انظر بعينيك إلى أسنى الشرف
هل ناله بقدرة أو بكلف ... خلق من الناس سوى أبي دلف
فأعطاه خمسين ألفاً.
أخبار معن بن زائدة
قال شراحيل بن معن بن زائدة: حج هارون الرشيد وزميله أبو يوسف القاضي، وكنت كثيراً ما أسايره، إذ عرض له أعرابي من بني أسد فأنشده شعراً مدحه فيه وأفرط؛ فقال له هارون: ألم أنهك عن مثل هذا في مدحك يا أخا بني أسد؟ إذا قلت فينا فقل كقول القائل في أب هذا:
بنو مطر يوم اللقاء كأنهم ... أسود لها في غيل خفان أشبل
هم يمنعون الجار حتى كأنما ... لجارهم بين السماكين منزل
بهاليل في الإسلام سادوا ولم يكن ... كأولهم في الجاهلية أول
وما يستطيع الفاعلون فعالهم ... وإن أحسنوا في النائبات وأجملوا
هم القوم إن قالوا أصابوا وإن دعوا ... أجابوا إن أعطوا أطابوا وأجزلوا
هم القوم إن قالوا أصابوا وإن دعوا ... أجابوا وأن أعطوا أطابوا وأجزلوا
خالد بن عبد الله القسري
وهو الذي يقول فيه الشاعر:
إلى خالد حتى أنحن بخالد ... فنعم الفتى يرجى ونعم المؤمل
بينما خالد بن عبد الله القسري جالس في مظلة له إذ نظر إلى أعرابي يخب به بعيره مقبلاً نحوه، فقال لحاجبه: إذا قدم فلا تحجبه. فلما قدم أدخله عليه فلم وقال:
أصلحك الله قل ما بيدي ... فما أطيق العيال إذ كثروا
أناخ دهر ألقى بكلكله ... فأرسلوني إليك وانتظروا
فقال خالد: أرسلوك وانتظروا؟ والله لا تنزل حتى تنصرف إليهم بما يسرهم، وأمر له بجائزة عظيمة وكسوة شريفة.
عدي بن حاتم
دخل عليه ابن دارة فقال: إني مدحتك؟ قال: أمسك حتى آتيك بمالي، ثم امدحني على حسبه، فإني أكره ألا أعطيك ثمن ما تقول، لي ألف شاة وألف درهم وثلاثة أعبد وثلاث إماء وفرسي هذا حبس في سبيل الله، فامدحني على حسب ما أخبرتك. فقال:
تحن قلوصى في معد وإنما ... تلاقي الربيع في ديار بني ثعل
وأبقى الليالي من عدي بن حاتم ... حساماً كنصل السيف سل من الخلل

(1/89)


أبوك جواد لا يشق غباره ... وأنت جواد ما تعذر بالعلل
فإن تتقوا شراً فمثلكم اتقى ... وإن تفعلوا خيراً فمثلكم فعل
قال له عدي: أمسك لا يبلغ مالي أكثر من هذا.
أصفاد الملوك على المدح
سعيد بن مسلم الباهلي قال: قدم على الرشيد أعرابي من باهلة وعليه جبة حبرة ورداء يمان، قد شده على وسطه، ثم ثناه على عاتقه، قد عصها على فوديه، وأرخى لها عذبة من خلفه. فمثل بين يدي الرشيد. فقال سعيد: يا أعرابي. خذ في شرف أمير المؤمنين. فاندفع في شعره. فقال الرشيد: يا أعرابي، أسمعك مستحسناً وأنكرك متهماً، فقل لنا بيتين في هذين - يعني محمداً الأمين وعبد الله المأمون ابنيه وهما عن حفافيه - فقال: يا أمير المؤمنين، حملتني على الوعر القردد، ورجعتني عن السهل الجدد، روعة الخلافة، وبهر الدرجة، ونفور القوافي على البديهة، فأرودني تتألف لي نوافرها، ويسكن روعي. قال: قد فعلت: وجعلت اعتذارك بدلاً من امتحانك. قال: يا أمير المؤمنين، نفست الخناق، وسهلت ميدان السباق؛ فأنشأ يقول:
بنيت لعبد الله ثم محمد ... ذرى قبة لإسلام فاخضر عودها
هما طنباها بارك الله فيهما ... وأنت أمير المؤمنين عمودها
فقال الرشيد: وأنت يا أعرابي، بارك الله فيك، فسل ولا تكن مسألتك دون إحسانك. قال: الهنيدة يا أمير المؤمنين. فأمر له بمائة ناقة وسبع خلع.
وقال مروان بن أبي حفصة: دخلت على المهدي فاستنشدني؛ فأنشدته الشعر الذي أقول فيه:
طرقتك زائرة فحي خيالها ... بيضاء تخلط بالحياء دلالها
قادت فؤادك فاستقاد ومثلها ... قاد القلوب إلى الصبا فأمالها
حتى انتهيت إلى قولي:
شهدت من الأنفال آخر آية ... بتراثهم فأردتم إبطالها
أوتجحدون مقالة عن ربكم ... جبريل بلغها النبي فقالها
هل تطمسون من السماء نجومها ... بأكفكم أو تسترون هلالها
قال: وأنشدته أيضاً شعري الذي أقول فيه:
يا بن الذي ورث النبي محمداً ... دون الأقارب من ذوي الأرحام
الوحي بين بنى البنات وبينكم ... قطع الخصام فلات حين خصام
ما للنساء مع الرجال فرضية ... نزلت بذلك سورة الأنعام
إني يكون وليس ذاك بكائن ... لبني البنات وراثة الأعمام
ألغى سهامهم الكتاب فحاولوا ... أن يشرعوا فيها بغير سهام
ظفرت بنو ساقي الحجيج بحقهم ... وغررتم بتوهم الأحلام
قال مروان بن أبي حفصة: فلما أنشدت المهدي الشعرين، قال: وجب حقك على هؤلاء - وعنده جماعة من أهل البيت - قد أمرت لك بثلاثين ألفاً، وفرضت على موسى خمسة آلاف، وعلى هارون مثلها، وعلى علي أربعة آلاف، وعلى العباس كذا، وعلى فلان كذا. فحسبت سبعين ألفاً. قال: فأمر بالثلاثين ألفاً فأتي بها، ثم قال: اغد على هؤلاء، وخذ ما فرضت لك، فأتيت موسى، فأمر لي بخمسة آلاف، وأتيت هارون فأمر لي بمثلها، وأتيت علياً، قال: قصر بي دون إخوتي فلن أقصر بنفسي، فأمر لي بخمسة آلاف، فأخذت من الباقين سبعين ألفاً.
ودخل أعشى ربيعة على عبد الملك بن مروان وعن يمينه الوليد، وعن يساره سليمان. فقال له عبد الملك: ماذا بقي يا أبا المغيرة؟ قال: مضى ما مضى وبقي ما بقي، وأنشأ يقول:
وما أنا في حقي ولا في خصومتي ... بمهتضم حقي ولا قارع سني
ولا مسلم مولاي من سوء ما جنى ... ولا خائف مولاي من سوء ما أجني
وفضلى في الأقوال والشعر أنني ... أقول الذي أعني وأعرف ما أعني
وأن فؤادي بين جنبي عالم ... بما أبصرت عيني وما سمعت أذني
وإني وإن فضلت مروان وابنه ... على الناس قد فضلت خير أب وابن
فضحك عبد الملك، وقال للوليد وسليمان: أتلوماني على هذا؟ وأمر له بعشرة آلاف.
العتبي قال: دخل الفرزدق على عبد الرحمن الثقفي بن أم الحكم، فقال له عبد الرحمن: أبا فراس، دعني من شعرك الذي لا يأتي آخره حتى ينسى أوله، وقل في بيتين يعلقان أفواه الرواة، وأعطيكها عطية لم يعطكها أحد قبلي. فغدا عليه وهو يقول:

(1/90)


وأنت ابن بطحاوي قريش فإن تشأ ... تكن في ثقيف سيل ذي حذب غمر
وأنت ابن فرع ماجد لعقيلة ... تلقت له الشمس المضيئة بالبدر
قال: أحسنت. وأمر له بعشرة آلاف.
أبو سويد قال: أخبرني الكوفي قال: اعترض الفضل بن يحيى بن خالد في وقت خروجه إلى خراسان فتى من التجار كان شخص إلى الكوفة فقطع به وأخذ جميع ما كان معه، فأخذ بعنان دابة الفضل وقال:
سأرسل بيتاً ليس في الشعر مثله ... يقطع أعناق البيوت الشوارد
أقام الندى والبأس في كل منزل ... أقام به الفضل بن يحيى بن خالد
قال فأمر له بمائة ألف درهم.
العتبي: قال أبو الجنوب مروان بن أبي حفصة أبياتاً ورفعها إلى زبيدة بنت جفعر يمتدح ابنها محمداً، وفيها يقول:
لله درك يا عقيلة جعفر ... ماذا ولدت من العلا والسودد
إن الخلافة قد تبين نورها ... للناظرين على جبين محمد
فأمرت أن يملأ فمه دراً.
وقال الحسن بن رجاء الكاتب: قدم علينا علي بن جبلة إلى عسكر الحسن ابن سهل والمأمون هناك بانياً على خديجة بنت الحسن بن سهل، المعروفة ببوران، ونحن إذ ذاك نجري على نيف وسبعين ألف فلاح، وكان الحسن بن سهل مع المأمون يتصبح، فكان الحسن يجلس للناس إلى وقت انتباهه. فلما قدم علي ابن جبلة نزل بي، فقلت له، قد قوي شغل الأمير. قال: إذاً لا أضيع معك. قلت: أجل. فدخلت على الحسن بن سهل في وقت ظهوره فأعلمته مكانه. فقال: ألا ترى ما نحن فيه؟ فقلت: لست بمشغول عن الأمر له. فقال: يعطى عشرة آلاف إلى أن نتفرغ له. فأعلمت علي بن جبلة. فقال في كلمة له:
أعطيتني يا ولي الحق مبتدئاً ... عطية كافأت حمدي ولم ترني
ما شمت برقك حتى نلت ريقه ... كأنما كنت بالجدوى تبادرني
عرض رجل لابن طوق، وقد خرج متنزهاً في الرحبة، فناوله رقعة فيها جميع حاجته، فأخذها فإذا فيها:
جعلتك دنياي فإن أنت جدت لي ... بخير وإلا فالسلام على الدنيا
فقال: والله لأصدقن ظنك. فأعطاه حتى أغناه.
عرض دعبل بن علي الشاعر لعبد الله بن طاهر الخراساني، وهو راكب في حراقة له في دجلة، فأشار إليه برقعة، فأمر بأخذها فإذا فيها:
عجبت لحراقة بن الحسين ... كيف تسير ولا تغرق
وبحران: من تحتها ... واحد وآخر من فوقها مطبق
وأعجب من ذاك عيدانها ... إذا مسها كيف لا تورق
فأمر له بخمسة آلاف درهم وجارية وفرس.
وخرج عبد الله بن طاهر، فتلقاه دعبل برقعة فيها:
طلعت قناتك بالسعادة فوقها ... معقودة بلواء ملك مقبل
تهتز فوق طريدتين كأنما ... تهفو يقص لها جناحاً أجدل
ربح البخيل على احتيال عرضه ... بندى يديك ووجهك المتهلل
لو كان يعلم أن نيلك عاجل ... ما فاض منه جدول في جدول
فأمر له بخمسة آلاف.
ووقف رجل من الشعراء إلى عبد الله بن طاهر فأنشده:
إذا قيل أي فتى تعلمون ... أهش إلى البأس والنائل
وأضرب للهام يوم الوغى ... وأطعم في الزمن الماحل
أشار إليك جميع الأنام ... إشارة غرقى إلى ساحل
فأمر له بخمسين ألف درهم.
أحمد بن مطير قال: أنشدت عبد الله بن طاهر أبياتاً كنت مدحت بها بعض الولاة، وهي:
له يوم بؤس فيه للناس أبؤس ... ويوم نعيم فيه للناس أنعم
فيقطر يوم الجود من كفه الندى ... ويقطر يوم البؤس من كفه الدم
فلو أن يوم البؤس لم يثن كفه ... عن الناس لم يصبح على الأرض محرم
ولو أن يوم الجود فرغ كفه ... لبذل الندى ما كان بالأرض معدم
فقال لي عبد الله: كم أعطاك؟ قلت خمسة آلاف؛ قال: فقبلتها؟ قلت: نعم، قال لي: أخطأت، ما ثمن هذه إلا مائة ألف.
ودخل حماد عجرد على أبي جعفر بعد موت أبي العباس أخيه فأنشده:
أتوك بعد أبي العباس إذ بانا ... يا أكرم الناس أعراقاً وعيدانا
لو مج عود على قوم عصارته ... لمج عودك فينا الشهد والبانا
فأمر له بخمسة آلاف درهم.
القحذمي قال:

(1/91)


جاء موسى شهوات إلى سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان، فقال: إن هنا جارية تعشقتها، وأبوا أن ينقصوني عن مائتى دينار. فقال: بورك فيه. فذهب إلى سعيد بن خالد بن أسيد، وأمه عائشة بنت طلحة الطلحات، فدعا بمطرف خز فبسطه وعقد في كل ركن من أركانه مائة دينار، وقال لموسى: خذ المطرف بما فيه، فأخذه، ثم غدا عليه فأنشده:
أبا خالد أعني سعيد بن خالد ... أخا العرف لا أعني ابن بنت سعيد
عميد الندى ما عاش يرضى به الندى ... فإن مات لم يرض الندى بعميد
دعوه دعوه إنكم قد رقدتم ... وما هو عن أحسابكم برقود
العتبي: سمعت عمي ينشد لأبي العباس الزبيري:
وكل خليفة وولي عهد ... لكم يا آل مروان الفداء
إمارتكم شفاء حيث كانت ... وبعض إمارة الأقوام داء
فأنتم تحسنون إذا ملكتم ... وبعض القوم إن ملكوا أساءوا
أأجعلكم وغيركم سواء ... وبينكم وبينهم الهواء
هم أرض لأرجلكم وأنتم ... لأيديهم وأرجلهم سماء
فقلت له: كم أعطي عليها؟ قال: عشرين ألفاً.
الأصمعي قال: حدثني رؤبة قال: دخلت على أبي مسلم صاحب الدعوة، فلما أبصرني نادى: يا رؤبة، فأجبته:
لبيك إذ دعوتني لبيكا ... أحمد رباً ساقني إليكا
الحمد والنعمة في يديكا
قال: بل في يدي الله تعالى. قلت له: وأنت إذا أنعمت أجدت. ثم قلت: يأذن لي الأمير في الإنشاد؟ قال: نعم، فأنشدته:
ما زال يأتي الملك من أقطاره ... وعن يمينه وعن يساره
مشمراً لا يصطلى بناره ... حتى أقر الملك في قراره
فقال: يا رؤية، إنك أتيتنا وقد شف المال واستنفده الإنفاق، وقد أمرنا لك بجائزة وهي تافهة يسيرة، ومنك العود وعلينا المعول، والدهر أطرق مستتب فلا تجعل بيننا وبينك الأسدة. قال رؤبة: فقلت: الذي أفادني الأمير من كلامه أكثر من الذي أفادني من ماله.
ودخل نصيب بن رباح على هشام فأنشده:
إذا استبق العلا سبقتهم ... يمينك عفواً ثم صلت شمالك
فقال هشام: بلغت غاية المدح فسلني. فقال: يا أمير المؤمنين، يداك بالعطية أطلق من لساني بالمسألة؟ قال: لا بد أن تفعل؟ قال: لي ابنة نفضت عليها من سوادي فكسدها فلو أنفقها أمير المؤمنين بشيء يجعله لها؟ قال: فأقطعها أرضاً، وأمر لها بحلي وكسوة فنفقت السوداء.
الرياشي عن الأصمعي، قال: مدح نصيب بن رباح عبد الله بن جعفر، فأمر له بمال كثير، وكسوة شريفة، ورواحل موقرة براً وتمراً. فقيل له: أتفعل هذا بمثل هذا العبد الأسود؟ قال: أما لئن كان عبداً إن شعره في لحر، ولئن كان أسود إن ثناءه لأبيض، وإنما أخذ مالاً يفنى، وثياباً تبلى، ورواحل تنضى، وأعطى مديحاً يروى، وثناء يبقى.
وذكروا عن أبي النجم العجلي أنه أنشد هشاماً شعره الذي يقول فيه:
الحمد لله الوهوب المجزل
وهو من أجود شعره، حتى انتهى إلى قوله:
والشمس في الجو كعين الأحول
وكان هشام أحول، فأغضبه ذلك، فأمر به فطرد. فأمل أبو النجم رجعته، فكان يأوي إلى المسجد. فأرق هشام ذات ليلة فقال لحاجبه: ابغنى رجلاً عربياً فصيحاً يحدثني وينشدني. فطلب له ما سأل، فوجد أبا النجم، فأتى به. فلما دخل عليه قال: أين تكون منذ أقصيناك؟ قال: حيث ألفاني رسولك. قال: فمن كان أب النجم أبا مثواك؟ قال: رجلين أتغدى عند أحدهما وأتعشى عند الآخر. قال: فما لك من الولد؟ قال: ابنتان. قال: أزوجتهما؟ قال: زوجت إحداهما. قال: فبم أوصيتها ليلة أهديتها؟ قال: قلت لها:
سبي الحماة وابهتي عليها ... وإن أبت فازدلفي إليها
ثم اقرعي بالعود مرفقيها ... وجددي الخلف به عليها
قال: هل أوصيتها بعد هذا؟ قال: نعم:
أوصيت من برة قلباً برا ... بالكلب خيراً والحماة شرا
لا تسأمي خنقاً لها وجرا ... والحي عميهم بشر طرا
وإن كسوك ذهباً ودرا ... حتى يروا حلو الحياة مرا

(1/92)


قال هشام: ما هكذا أوصى يعقوب ولده. قال أبو النجم: ولا أنا كيعقوب ولا ولدي كولده. قال: فما حال الأخرى؟ قال: هي ظلامة التي أقول فيها:
كان ظلامة أخت شيبان ... يتيمة ووالداها حيان
الرأس قمل كله وصئبان ... وليس في الرجلين إلا خطيان
فهي التي يذعر منها الشيطان
قال هشام لحاجبة: ما فعلت بالدنانير التي أمرتك بقبضها؟ قال: هي عندي، وهمس خمسمائة دينار. قال له: ادفعها لأبي النجم ليجعلها في رجلي ظلامة مكان الخيطين.
أبو عبيدة قال: حدثني يونس بن حبيب قال: لما استخلف مروان بن محمد دخل الشعراء يهنئونه بالخلافة، فتقدم إليه طريح بن إسماعيل الثقفي، خال الوليد بن يزيد، فقال: الحمد الله الذي أنعم بك على الإسلام إماماً، وجعلك لأحكام دينه قوماً، ولأمة محمد المصطفى جنة ونظاماً، ثم أنشده شعره الذي يقول فيه:
تسوء عداك في سداد ونعمة ... خلافتنا تسعين عاماً وأشهرا
فقال مروان: كم الأشهر؟ قال: وفاء المائة يا أمير المؤمنين، تبلغ فيها أعلى درجة وأسعد عاقبة في النصرة والتمكين. فأمر له بمائة ألف درهم.
ثم تقدم إليه ذو الرمة متحانياً كبرة قد انحلت عمامته منحدرة على وجهه، فوقف يسويها. فقيل له: تقدم. قال: إني أجل أمير المؤمنين أن أخطب بشرفه مادحاً بلوثة عمامتي فقال مروان: ما أملت أنه قد أبقت لنا منك مي ولا صيدح في كلامك إمتاعاً. قال: بلى والله يا أمير المؤمنين، أرد منه قراحاً، والأحسن امتداحاً. ثم تقدم فأنشد شعراً يقول فيه:
فقلت لها سيري أمامك سيد ... تفرع من مروان أو من محمد
فقال له: ما فعلت مي؟ فقال: طويت غدائرها ببرد بلى، ومحا الترب محاسن الخد فالتفت مروان إلى العباس بن الوليد، فقال: أما ترى القوافي تنثال انثيالاً، يعطى بكل من سمى من آبائي ألف دينار. قال ذو الرمة: لو علمت لبلغت به عبد شمس.
الربيع حاجب المنصور قال: قلت يوماً للمنصور: إن الشعراء ببابك وهم كثيرون طالت أيامهم، ونفدت نفقاتهم. قال: أخرج إليهم فاقرأ عليهم السلام وقل لهم: من مدحني منكم فلا يصفني بالأسد، فإنما هو كلب من الكلاب، ولا بالحية، فإنما هي دويبة منتنة تأكل التراب، ولا بالجبل، فإنما هو حجر أصم، ولا بالبحر، فإنما هو غطامط لجب، ومن ليس في شعره هذا فليدخل ومن كان في شعره هذا فلينصرف فانصرفوا كلهم إلا إبراهيم بن هرمة، فإنه قال له: أنا له يا ربيع، فأدخلني. فأدخله، فلما مثل بين يديه، قال المنصور يا ربيع، قد علمت أنه لا يجيبك أحد غيره، هات يا بن هرمة. فأنشده قصيدته التي يقول فيها:
له لحظات عن حفافى سريره ... إذا كرها فيها عذاب ونائل
لهم طينة بيضاء من آل هاشم ... إذا أسود من كوم التراب القبائل
إذا ما أبي شيئاً مضى كالذي أبى ... وإذا قال إني فاعل فهو فاعل
فقال: حسبك، هاهنا بلغت، هذا عين الشعر، قد أمرت لك بخمسة آلاف درهم. فقمت إليه وقبلت رأسه وأطرافه ثم خرجت؛ فلما كدت أن أخفى على عينيه سمعته يقول: يا إبراهيم. فأقبلت إليه فزعاً، فقلت: لبيك، فداك أبي وأمي. قال: احتفظ بها فليس لك عندنا غيرها. فقلت: بأبي وأمي أنت، أحفظها حتى أوافيك بها على الصراط بخاتم الجهبذ.
علي بن الحسين قال: أنشد علي بن الجهم جعفراً المتوكل شعره الذي أوله:
هي النفس ما حملتها تتحمل
وكان في يد المتوكل جوهرتان. فأعطاه التي في يمينه، فأطرق متفكراً في شيء يقوله ليأخذ التي في يساره. فقال: مالك مفكراً؟ إنما تفكر فيما تأخذ به الأخرى خذها لا بورك لك فيها. فأنشأ يقول:
بسر من رى إمام عدل ... تغرف من بحره البحار
يرجى ويخشى لكل أمر ... كأنه جنة ونار
الملك فيه وفي بنيه ... ما اختلف الليل والنهار
يداه في الجود ضرتان ... عليه كلتاهما تغار
لم تأت منه اليمين شيئاً ... إلا أتت مثله اليسار
وقال آخر في الهول:
إذا سألت الندى عن كل مكرمة ... لم تلف نسبتها إلا إلى الهول
لو زاحم الشمس ألفى الشمس مظلمة ... أو زاحم الصم ألجاها إلى الميل

(1/93)


أمضى من الدهر إن نابته نائبة ... وعند أعدائه أمضى من السيل
ودخل شاعر من أهل الري يقال له أبو يزيد على عبد الله بن طاهر صاحب خراسان فأنشده:
اشرب هنيئاً عليك التاج مرتفقاً ... من شاذياخ ودع غمدان لليمن
فأنت أولى بتاج الملك تلبسه ... من هوذة بن علي وابن ذي يزن
فأمر له بعشر آلاف درهم.
ودخلت ليلى الأخيلية على الحجاج فأنشدته:
إذا ورد الحجاج أرضاً مريضة ... تتبع أقصى دائها فشفاها
شفاها من الداء العضال الذي بها ... غلام إذا هز القناة سقاها
فقال لها: لا تقولي غلام، ولكن قولي: همام. ثم قال: أي النساء أحب إليك أنزلك عندها؟ قال: ومن نساؤك أيها الأمير؟ قال أم الجلاس بنت المهلب بنت سعيد بن العاص الأموية، وهند بنت أسماء من خارجة الفزارية، وهند بنت المهلب بن أبي صفرة العتكية. قالت: القيسية أحب إلي. فلما كان من الغد دخلت عليه. قال: يا غلام، أعطها خمسمائة. قالت: أيها الأمير، أحسبها أدما. قال قائل: إنما أمر لك بشاء قالت: الأمير أكرم من ذلك. فجعلها إبلاً إناثا على استحياء، وإنما كان أمر لها بشاء أولاً.
كتاب الجمانة في الوفود
قال الفقيه أبو عمر أحمد بن عبد ربه: قد مضى قولنا في الأجواد والأصفاد على مراتبهم ومنازلهم، وما جروا عليه، وما ندبوا إليه، من الأخلاق الجميلة، والأفعال الجزيلة؛ ونحن قائلون بعون الله وتوفيقه في الوفود الذين وفدوا على النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى الخلفاء والملوك، فإنها مقامات فضل، ومشاهد حفل يتخير لها الكلام، وتستهذب الألفاظ، وتستجزل المعاني. ولا بد للوافد عن قومه أن يكون عميدهم وزعيمهم الذي عن قوته ينزعون، وعن رأيه يصدرون؛ فهو واحد يعدل قبيلة، ولسان يعرب عن ألسنة. وما ظنك بوافد قوم يتكلم بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم أو خليفته، أو بين يدي ملك جبار في رغبة أو رهبة، فهو يوطد لقومه مرة، ويتحفظ ممن أمامه أخرى؛ أتراه مدخراً نتيجة من نتائج الحكمة، أو مستبقياً غريبة من غرائب الفطنة، أم تظن القوم قدموه لفضل هذه الخطة إلا وهو عندهم في غاية الحذلقة واللسن، ومجمع الشعر والخطابة. ألا ترى أن قيس بن عاصم المنقري لما وفد على النبي صلى الله عليه وسلم، بسط له رداءه وقال: هذا سيد الوبر. ولما توفي قيس بن عاصم قال فيه الشاعر:
عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحما
تحية من ألبسته منك نعمة ... إذا زار عن شحط بلادك سلما
وما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما
وفود العرب على كسرى
ابن القطامي عن الكلبي قال:

(1/94)


قدم النعمان بن المنذر على كسرى وعنده وفود الروم والهند والصين، فذكروا من ملوكهم وبلادهم، فافتخر النعمان بالعرب وفضلهم على جميع الأمم، لا يستثنى فارس ولا غيرها. فقال كسرى - وأخذته عزة الملك - يا نعمان، لقد فكرت في أمر العرب وغيرهم من الأمم، ونظرت في حال من يقدم علي من وفود الأمم، فوجدت الروم لها حظ في اجتمع ألفتها، وعظم سلطانها، وكثرة مدائنها، ووثيق بنيانها، وأن لها ديناً يبين حلالها وحرامها، ويرد سفيهها، ويقيم جاهلها؛ ورأيت الهند نحواً من ذلك في حكمتها وطبها، مع كثرة أنهار بلادها وثمارها، وعجيب صناعاتها، وطيب أشجارها، ودقيق حسابها، وكثرة عددها؛ وكذلك الصين في اجتماعها، وكثرة صناعات أيديها في آلة الحرب وصناعة الحديد، وفروسيتها وهمتها، وأن لها ملكاً يجمعها، والترك والخزر على ما بهم من سوء الحال في المعاش، وقلة الريف والثمار والحصون، وما هو رأس عمارة الدنيا من المساكن والملابس، لهم ملوك تضم قواصيهم، وتدبر أمرهم؛ ولم أر للعرب شيئاً من خصال الخير في أمر دين ولا دنيا، ولا حزم ولا قوة؛ مع أن مما يدل على مهانتها وذلها وصغر همتها، محلتهم التي هم بها مع الوحوش النافرة، والطيرة الحائرة؟ يقتلون أولادهم من الفاقة، ويأكل بعضهم بعضاً من الحاجة؟ قد خرجوا من مطاعم الدنيا وملابسها ولهوها ولذتها، فأفضل طعام ظفر به ناعمهم لحوم الإبل التي يعافها كثير من السباع، لثقلها وسوء طعمها وخوف دائها؛ وإن قرى أحدهم ضيفاً عدها مكرمة، وإن أطعم أكلة عدها غنيمة؛ تنطق بذلك أشعارهم، وتفتخر بذلك رجالهم، ما خلا هذه التنوخية التي أسس جدي اجتماعها، وشد مملكتها، ومنعها من عدوها، فجرى لها ذلك إلى يومنا هذا؛ وإن لها مع ذلك آثاراً ولبوساً، وقرى وحصوناً، وأموراً تشبه بعض أمور الناس - يعني اليمن. ثم لا أراكم تستكينون على ما بكم من الذلة والقلة، والفاقة والبؤس، حتى تفتخروا وتريدوا أن تنزلوا فوق مراتب الناس.
قال النعمان: أصلح الله الملك، حق لأمة منها أن يسموا فضلها، ويعظم خطبها، وتعلو درجتها، إلا أن عندي جواباً في كل ما نطق به الملك، وفي غير رد عليه ولا تكذيب له، فإن أمنني من غضبه نطقت به. قال كسرى: قل، فأنت آمن.
قال النعمان: أما أمتك أيها الملك فليست تنازع في الفضل، لموضعها الذي هي به من عقولها وأحلامها، وبسطة محلها، وبحبوحة عزها، وما أكرمها الله به من ولاية آبائك وولايتك. وأما الأمم التي ذكرت، فأي أمة تقرنها بالعرب إلا فضلتها. قال كسرى: بماذا؟ قال النعمان: بعزها ومنعتها وحسن رجوا وبأسها وسخائها وحكمة ألسنتها وشدة عقولها وأنفتها ووفائه.
فأما عزها ومنعتها، فإنها لم تزل مجاورة لآبائك الذين دوخوا البلاد، ووطدوا الملك، وقادوا الجند، لم يطمع فيهم طامع، ولم ينلهم نائل، حصونهم ظهور خيلهم، ومهادهم الأرض، وسقوفهم السماء، وجبنتهم السيوف، وعدتهم الصبر؛ إذ غيرها من الأمم، إنما عزها الحجارة والطين وجزائر البحور.
وأما حسن وجوهها وألوانها، فقد يعرف فضلهم في ذلك على غيرهم من الهند المنحرفة، والصين المنحفة، والترك المشوهة، والروم المقشرة.
وأما أنسابها وأحسابها، فليست أمة من الأمم إلا وقد جهلت آباءها وأصولها وكثيراً من أولها، حتى إن أحدهم ليسأل عمن وراء أبيه دنياً، فلا ينسبه ولا يعرفه، وليس أحد من العرب إلا يسمي آباءه أباً فأباً، حاطوا بذلك أحسابهم، وحفظوا به أنسابهم، فلا يدخل رجل في غير قومه، ولا ينتسب إلى غير نسبه، ولا يدعى إلى غير أبيه.
وأما سخاؤها، فإن أدناهم رجلاً الذي تكون عنده البكرة والناب، عليها بلاغه في حموله وشبعه وريه، فيطرقه الطارق الذي يكتفي بالفلذة ويجتزئ بالشربة، فيعقرها له، ويرضى أن يخرج عن دنياه كلها فيما يكسبه حسن الأحدوثة وطيب الذكر.
وأما حكمة ألسنتهم، فإن الله تعالى أعطاهم في أشعارهم ورونق كلامهم وحسنه ووزنه وقوافيه، مع معرفتهم بالأشياء، وضربهم للأمثال، وإبلاغهم في الصفات، ما ليس لشيء من ألسنة الأجناس. ثم خيلهم أفضل الخيل، ونساؤهم أعف النساء، ولباسهم أفضل اللباس، ومعادنهم الذهب والفضة، وحجارة جبلهم الجزع، ومطاياهم التي لا يبلغ على مثلها سفر ولا يقطع بمثلها بلد قفر.

(1/95)


وأما دينها وشريعتها، فإنهم متمسكون به، حتى يبلغ أحدهم من نسكه بدينه أن لهم أشهراً حرماً، وبلداً محرماً، وبيتاً محجوجاً، ينسكون فيه مناسكهم، ويذبحون فيه ذبائحهم، فيلقى الرجل قاتل أبيه أو أخيه، وهو قادر على أخذ ثأره وإدراك رغبته منه، فيحجزه كرمه، ويمنعه دينه عن تناوله بأذى.
وأما وفاؤها، فإن أحدهم يلحظ اللحظة ويومئ الإيماءة فهي ولث وعقدة لا يحلها إلى خروج نفسه. وإن أحدهم ليرفع عوداً من الأرض فيكون رهناً بدينه، فلا يغلق رهنه، ولا تخفر ذمته؛ وإن أحدهم ليبلغه أن رجلاً استجار به، وعسى أن يكون نائياً عن داره، فيصاب، فلا يرضى حتى يفني تلك القبيلة التي أصابته أو تفنى قبيلته، لما خفر من جواره؛ وإنه ليلجأ إليهم المجرم المحدث من غير معرفة ولا قرابة، فتكون أنفسهم دون نفسه، وأموالهم دون ماله.
وأما قولك أيها الملك: يئدون أولادهم؛ فإنما يفعله من يفعله منهم بالإناث أنفة من العار وغيرة من الأزواج.
أما قولك: إن أفضل طعامهم لحوم الإبل على ما وصفت منها؛ فما تركوا ما دونها إلا احتقاراً له، فعمدوا إلى أجلها وأفضلها، فكانت مراكبهم وطعامهم؛ مع أنها أكثر البهائم شحوماً، وأطيبها لحوماً، وأرقها ألباناً، وأقلها غائلة، وأحلاها مضغة؛ وإنه لا شيء من اللحمان يعالج ما يعالج به لحمها إلا استبان فضلها عليه.
وأما تحاربهم وأكل بعضهم بعضاً، وتركهم الانقياد لرجل يسوسهم ويجمعه؛ فإنما يفعل ذلك من يفعله من الأمم إذا أنست من نفسها ضعفاً، وتخوفت نهوض عدوها إليها بالزحف، وإنه إنما يكون في المملكة العظيمة أهل بيت واحد يعرف فضلهم على سائر غيرهم، فيلقون إليهم أمورهم، وينقادون لهم بأزمتهم؛ وأما العرب، فإن ذلك كثير فيهم، حتى لقد حاولوا أن يكونوا ملوكاً أجمعين، مع أنفتهم من أداء الخراج والوطف بالعسف.
وأما اليمن التي وصفها الملك، فإنما أتى جد الملك الذي أتاه عند غلبة الحبش له، على ملك متسق، وأمر مجتمع، فأتاه مسلوباً طريداً مستصرخاً. قد تقاصر عن إيوائه، وصغر في عينه ما شيد من بناءه؛ ولولا ما وتر به من يليه من العرب، لمال إلى مجال، ولوجد من يجيد الطعان، ويغضب للأحرار، من غلبة العبيد الأشرار.
قال: فعجب كسرى لما أجابه النعمان به، وقال: إنك لأهل لموضعك من الرياسة في أهل إقليمك ولما هو أفضل. ثم كساه كسوته، وسرحه إلى موضعه من الحيرة.
فلما قدم النعمان الحيرة وفي نفسه ما فيهم مما سمع من كسرى من تنقص العرب وتهجين أمرهم، بعث إلى أكثم بن صيفي وحاجب بن زرارة، التميميين وإلى الحارث بن عباد وقيس بن مسعود، البكريين، وإلى خالد بن جعفر وعلقمة ابن علاثة وعامر بن الطفيل، العامريين، وإلى عمرو بن الشريد السلمي، وعمرو ابن معد يكرب الزبيدي، والحارث بن ظالم المري. فلما قدموا عليه في الخورنق، قال لهم: قد عرفتم هذه الأعاجم وقرب جوار العرب منها، وقد سمعت من كسرى مقالات تخوفت أن يكون لها غور، أو يكون إنما أظهرها لأمر أراد أن يتخذ به العرب خولاً كبعض طماطمته في تأديتهم الخراج إليه، كما يفعل بملوك الأمم الذين حوله، فاقتص مقالات كسرى وما رد عليه. فقالوا: أيها الملك، وفقك الله، ما أحسن ما رددت، وأبلغ ما حججته به! فمرنا بأمرك، وادعنا إلى ما شئت. قال: إنما أنا رجل منكم، وإنما ملكت وعززت بمكانكم، وما يتخوف، من ناحيتكم، وليس شيء أحب إلي مما سدد الله أمركم، وأصلح به شأنكم، وأدام به عزكم؛ والرأي أن تسيروا بجماعتكم أيها الرهط وتنطلقوا إلى كسرى، فإذا دخلتم نطق كل رجل منكم بما حضره، ليعلم أن العرب على غير ما ظن أو حدثته نفسه، ولا ينطق رجل منكم بما يغضبه، فإنه ملك عظيم السلطان، كثير الأعوان، مترف معجب بنفسه؛ ولا تنخزلوا له انخزال الخاضع الذليل، وليكن أمر بين ذلك تظهر به وثاقة حلومكم، وفضل منزلتكم، وعظمة أخطاركم؛ وليكن أول من يبدأ منكم بالكلام أكثم بن صيفي، لسني محله، ثم تتابعوا على الأمر من منازلكم التي وضعتكم بها؛ وإنما دعاني إلى التقدمة بينكم علمي بميل كل رجل منكم إلى التقدم قبل صاحبه فلا يكونن ذلك منكم فيجد في آدابكم مطعناً، فإنه ملك مترف، وقادر مسلط. ثم دعا لهم بما في خزانته من طرائف حلل الملوك، كل رجل منهم حلة، وعممه عمامة وختمه بياقوته، وأمر لكل رجل منهم بنجيبة مهرية وفرس نجيبة، وكتب معهم كتاباً:

(1/96)


أما بعد، فإن الملك ألقى إلي من أمر العرب ما قد علم، وأجبته بما قد فهم، بما أحببت أن يكون منه على علم، ولا يتلجلج في نفسه أن أمة من الأمم التي احتجزت دونه بمملكتها، وحمت ما يليها بفضل قوتها، تبلغها في شيء من الأمور التي يتعزز بها ذوو الحزم والقوة والتدبير والمكيدة، وقد أوفدت أيها الملك رهطاً من العرب لهم فضل في أحسابهم وأنسابهم، وعقولهم وآدابهم، فليسمع الملك، وليغمض عن جفاء إن ظهر من منطقهم، وليكرمني بإكرامهم، وتعجيل سراحهم، وقد نسبتهم في أسفل كتابي هذا إلى عشائرهم.
فخرج القوم في أهبتهم، حتى وقفوا بباب كسرى بالمدائن، فدفعوا إليه كتاب النعمان، فقرأه وأمر بإنزالهم إلى أن يجلس لهم مجلساً يسمع منهم. فلما أن كان بعد ذلك بأيام، أمر مرازبته ووجوه أهل مملكته فحضروا وجلسوا على كراسي عن يمينه وشماله، ثم دعا بهم على الولاء والمراتب التي وصفهم النعمان بها في كتابه، وأقام الترجمان ليؤدي إليه كلامهم، ثم أذن لهم في الكلام.
فقام أكثم بن صيفي فقال: إن أفضل الأشياء أعاليها، وأعلى الرجال ملوكها، وأفضل الملوك أعمها نفعاً، وخير الأزمنة أخصبها، وأفضل الخطباء أصدقها. الصدق منجاة، والكذب مهواة، والشر لجاجة، والحزم مركب صعب، والعجز مركب وطيء آفة الرأي الهوى، والعجز مفتاح الفقر، وخير الأمور الصبر. حسن الظن ورطة، وسوء الظن عصمة. إصلاح فساد الرعية خير من إصلاح فساد الراعي. من فسدت بطانته كان الغاص بالماء. شر البلاد بلاد لا أمير بها. شر الملوك من خافه البريء. المرء يعجز لا المحالة. أفضل الأولاد البررة. خير الأعوان من لم يراء بالنصيحة. أحق الجنود بالنصر من حسنت سريرته. يكفيك من الزاد ما بلغك المحل. حسبك من شر سماعه. الصمت حكم وقليل فاعله. البلاغة الإيجاز. من شدد نفر، ومن تراخى تألف.
فتعجب كسرى من أكثم، ثم قال: ويحك يا أكثم! ما أحكمك وأوثق كلامك لولا وضعك كلامك في غير موضعه! قال أكثم: الصدق ينبئ عند لا الوعيد؛ قال كسرى: لو لم يكن للعرب غيرك لكفى؛ قال أكثم: رب قول أنفذ من صول.
ثم قام حاجب بن زرارة التميمي فقال: ورى زندك، وعلت يدك، وهيب سلطانك، إن العرب أمة قد غلظت أكبادها، واستحصدت مرتها، ومنعت درتها؛ وهي لك وامقة ما تألفتها، مسترسلة ما لا ينتها، سامعة ما سامحتها؛ وهي العلقم مرارة، والصاب غضاضة، والعسل حلاوة، والماء الزلال سلاسة؛ نحن وفودها إليك، وألسنتها لديك، ذمتنا محفوظة، وأحسابنا ممنوعة، وعشائرنا فينا سامعة مطيعة، وإن نؤب لك حامدين خيراً فلك بذلك عموم محمدتنا، وإن نذم لم نختص بالذم دونها.
قال كسرى: يا حاجب، ما أشبه حجر التلال بألوان صخرها؛ قال حاجب: بل زئير الأسد بصولتها؛ قال كسرى: وذلك.
ثم قام الحارث بن عباد البكري فقال: دامت لك المملكة باستكمال جزيل حظها، وعلو سنائها. من طال رشاؤه كثر متحه، ومن ذهب ماله قل منحه. تناقل الأقاويل يعرف به اللب، وهذا مقام سيوجف بما ينطق فيه الركب، وتعرف به كنه حالنا العجم والعرب؛ ونحن جيرانك الأدنون، وأعوانك المعينون، خيولنا جمة، وجيوشنا فخمة؛ إن استنجدتنا فغير ربض، وإن استطرقتنا فغير جهض، وإن طلبتنا فغير غمض، لا ننثني لذعر، ولا نتنكر لدهر؛ رمحنا طوال، وأعمارنا قصار.
قال كسرى: أنفس عزيزة، وأمة والله ضعيفة.
قال الحارث: أيها الملك، وأنى يكون لضعيف عزة، أو لصغير مرة.
قال كسرى: لو قصر عمرك لم تستول على لسانك نفسك.
قال الحارث: أيها الملك، إن الفارس إذا حمل نفسه على الكتيبة، مغرراً بنفسه على الموت، فهي منية استقبلها، وحياة استدبرها؛ والعرب تعلم أني أبعث الحرب قدماً وأحسبها وهي تصرف بهم؛ حتى إذا جاشت نارها، وسعرت لظاها، وكشفت عن ساقها، جعلت مقادها رمحي، وبرقها سيفي، ورعدها زئيري، ولم أقصر عن خوض خضاخضها، حتى انغمس في غمرات لججها، وأكون فلكاً لفرساني إلى بحبوحة كبشها، فأستمطرها دماً، وأترك حماتها جزر السباع، وكل نسر قشعم.
ثم قال كسرى لمن حضره من العرب: أكذلك هو؟ قالوا: فعاله أنطق من لسانه. قال كسرى: ما رأيت كاليوم وفداً أحشد، ولا شهوداً أوفد.

(1/97)


ثم قام عمرو بن الشريد السلمي فقال: أيها الملك، نعم بالك، ودام في السرور حالك؛ إن عاقبة الكلام متدبرة، وأشكال الأمور معتبرة، وفي كثير ثقلة، وفي قليل بلغة، وفي الملك سورة العز. وهذا موطن له ما بعده، شرف فيه من شرف، وخمل فيه من خمل. لم نأت لضيمك، ولم نفد لسخطك، ولم نتعرض لرفدك؛ إن في أموالنا مرتقداً، وعلى عزنا معتمداً؛ إن أورينا ناراً أثقبنا، وإن أود دهر بنا اعتدلنا؛ إلا أنا مع هذا لجوارك حافظون، ولمن رامك مكافحون؛ حتى يحمد الصدر، ويستطاب الخبر.
قال كسرى: ما يقوم قصد منطقك بإفراطك، ولا مدحك بذمك.
قال عمرو: كفى بقليل قصدي هادياً، وبأيسر إفراطي مخبراً. ولم يلم من عزفت نفسه عما يعلم، ورضي من القصد بما بلغ.
قال كسرى: ما كل ما يعرف المرء ينطق به، اجلس.
ثم قام خالد بن جعفر الكلابي فقال: أحضر الله الملك إسعاداً، وأرشده إرشاداً؛ إن لكل منطق فرصة، ولكل جابة غصة؛ وعي المنطق أشد عي السكوت، وعثار القول أنكى من عثار الوعث؛ وما فرصة المنطق عندنا إلا بما نهوي، وغصة المنطق بما لا نهوي غير مستساغة، وتركي ما أعلم من نفسي ويعلم من سمعني أنني له مطيق أحب إلي من تكلفي ما أتخوف ويتخوف مني؛ وقد أوفدنا إليك ملكنا النعمان، وهو لك من خير الأعوان، ونعم حامل المعروف والإحسان أنفسنا بالطاقة لك باخعة، ورقابنا بالنصيحة خاضعة، وأيدينا لك بالوفاء رهينة.
قال له كسرى: نطقت بعقل، وسموت بفضل، وعلوت بنبل.
ثم قام علقمة بن علانة العامري فقال: أنهجت لك سبل الرشاد، وخضعت لك رقاب العباد؛ إن للأقاويل مناهج، وللآراء موالج، وللعويص مخارج؛ وخير القول أصدقه، وأفضل الطلب أنجحه؛ إنا وإن كانت المحبة أحضرتنا، والوفادة قربتنا، فليس من حضرك منا بأفضل ممن عزب عنك، بل لو قست كل رجل منهم، وعلمت منهم ما علمنا، لوجدت له في آبائه دنياً أنداداً وأكفاء، كلهم إلى الفضل منسوب، وبالشرف والسودد موصوف، وبالرأي الفاضل والأدب النافد معروف؛ يحمي حماه، ويروي نداماه، ويذود أعده؛ لا تخمد ناره، ولا يحترز منه جاره. أيها الملك، من يبل العرب يعرف فضلهم فاصطنع العرب فإنها الجبال الرواسي عزاً، والبحور طمياً، والنجوم الزواهر شرفاً، والحصى عدداً؛ فإن تعرف لهم فضلهم يعزوك، وإن تستصرخهم لا يخذلوك.
قال كسرى - وخشي أن يأتي منه كلام يحمله على السخط عليه - : حسبك، أبلغت وأحسنت.
ثم قام قيس بن مسعود الشيباني فقال: أطاب الله بك المراشد، وجنبك المصائب، ووقاك مكروه الشصائب، ما أحقنا إذا أتيناك بإسماعك، ما لا يحنق صدرك، ولا يزرع لنا حقداً في قلبك. لم نقدم أيها الملك لمساماة، ولم ننتسب لمعاداة، ولكن لتعلم أنت ورعيتك ومن حضرك من وفود الأمم أنا في المنطق غير محجمين، وفي البأس غير مقصرين، إن جورينا فغير مسبوقين، وإن سومينا فغير مغلوبين.
قال كسرى: غير أنكم إذا عاهدتم غير وافين، وهو يعرض به في تركه الوفاء بضمانه السواد.
قال قيس: أيها الملك، ما كنت في ذلك إلا كواف غدر به، أو كخافر أخفر بذمته.
قال كسرى: ما يكون لضعيف ضمان، ولا لذليل خفارة.
قال قيس: أيها الملك، ما أنا فيها خفر من ذمتي، أحق بإلزامي العار منك فيما قتل من رعيتك، وانتهك من حرمتك.
قال كسرى: ذلك لأن من ائتمن الخانة واستنجد الأثمة ناله من الخطأ ما نالني، وليس كل الناس سواء؛ كيف رأيت حاجب بن زرارة، لم يحكم قواه فيبرم، ويعهد فيوفي، ويعد فينجز؟ قال: وما أحقه بذلك وما رأيته إلا لي.
قال كسرى: القوم بزل، فأفضلها أشدها.
ثم قام عامر بن الطفيل العامري فقال: كثر فنون المنطق، ولبس القول أعمى من حندس الظلماء؛ وإنما الفخر في الفعال، والعز في النجدة، والسودد مطاوعة القدرة، وما أعلمك بقدرنا، وأبصرك بفضلنا، وبالحري، إن أدالت الأيام وثابت الأحلام، أن تحدث لنا أموراً لها أعلام.
قال كسرى: وما تلك الأعلام؟ قال: مجتمع الأحياء من ربيعة ومضر، على أمر يذكر.
قال كسرى: وما الأمر الذي يذكر؟ قال: ما لي علم بأكثر مما خبرني به مخبر.
قال كسرى: متى تكاهنت يا بن الطفيل؟ قال: لست بكاهن، ولكني الرمح طاعن. قال كسرى: فإن أتاك آت من جهة عينك العوراء ما أنت صانع؟ قال ما هيبتي في قفاي بدون هيبتي في وجهي، وما أذهب عيني عيث، ولكن مطاوعة العبث.

(1/98)