صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : الحيوان
المؤلف : الجاحظ
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وقد ذكرنا من شأنه في مواضع، ولو كان الباب يكبر حتى يكون لك مجموعاً ولم تعرفه تكلفت لك جمعه.
شعر في البرغوث
وقال بعضُ الأعراب:
ليلُ البراغيث عنّاني وأنْصَبِني ... لا باركَ اللَّهُ في ليل البراغيثِ
كأنهنَّ وجلدي إذْ خَلونَ به ... أيتامُ سَوْءٍ أغاروا في المواريثِ
وقال محبوب بن أبي العشَنَّط النهشليّ:
لروْضة من رِياضِ الحزْن أو طرفٌ ... من القريةِ جرْد غيرُ محروثِ
للنورِ فيه إذا مجَّ النَّدى أرجٌ ... يشفي الصداعَ ويشفي كلَّ ممغوثِ
أملا وأحلى لعَينِي إن مررتُ به ... مِن كَرْخ بغدادَ ذِي الرُّمانِ والتُّوثِ
الليلُ نِصفان: نصفٌ للهموم فما ... أقضى الرقادَ، ونصف للبراغيثِ
أبيتُ حين تُسامِينى أوائلها ... أنزو وأخلطِ تسبيحاً بتغويثِ
سُود مَداليجُ في الظلماء مؤذيةٌ ... وليس ملتمسٌ منها بمسبوثِ
وقد جعل التوثَ بالثاء، ووجه الكلام بالتاء، وتعجيمها نقطتان من فوقها.
وقال آخر:
لقد عَلِمَ البرُغوثُحين يَعَضَّنيِ ... ببغدادَ إني بالبلاد غريبُ
وقال آخر:
وَإنَّ امرأً تؤْذي البراغيثُ جِلدَه ... ويُخرجنَهُ من بيته لذليلُ
ألاَ رُبّ برغوثٍ ترَكتُ مجدّلاً ... بأبيض ماضي الشّفرَتَيْنِ صَقيل
وقال آخر:
لِقيتُ منَ البرغوث جَهْداً ولا أرى ... أميراً عَلَى البرغوثِ يقضِي ولا يُعْدِي
يقلِّبني فوقَ الفِرَاشِ دبيبُه ... وتصبح آثارٌ تَبيّنُ في جِلْدِي
وقال آخر:
ألا يا عبادَ اللّه مَنْ لقبيلةٍ ... إذا ظهرتْ في الأرض شدَّ مُغِيرُها
فلا الدِّينُ ينهاها ولا هي تنتهي ... ولا ذُو سِلاحٍ من مَعَدٍّ يَضِيرُها
وقال يزيد بن نُبيه الكِلابّي:
أصبحتُ سالمتُ البراغيثَ بعدما ... مَضَتْ لية مني وقَلَّ رُقُودها
فيا ليت شعري هل أزورنَّ بلدة ... قيلٌ بها أو باشُها وسنيدُها
وهل أسمعن الدهرَ أصوات ضُمَّر ... تُطالِع بالركبانِ صُعراً خُدُودها
وهل أرَيَن الدهرَ ناراً بأرْضها ... بنفسي وأهلي أرضُها ووفودها
تراطنُ حولي كما ذرَّ شارقٌ ... ببغداد أنباط القُري وعبيدُها
وقال آخر:
لا بارك اللهُ في البرغوثِ، إن له ... لذعاً شديداً كلذعِ الكيِّ بالنار
أقولُ والنجمُ قد غارت أوائله ... وغَلَّسَ المدلجُ الساري بأسحارِ
لبرقةٌ مِنْ براقِ الحزنِ أعمًرها ... فيها الظباءُ تُراعي غبَّ أمطارِ
أشفى لِدَائي من دربٍ به نبطٌ ... ومنزلٍ بين حَجام وجزار
مَنْ ينحرُ الشول لا يُخطى قوائمَها ... بمُدية كشرارِ النار بتارِ
وقال آخر:
إنَّ هذا المصلوبَ لا شك فيه ... هو من بعد صلبهِ مبعوثُ
حلَّ من حيثُ ليس يأكله البقُّ ولا يهتدي له البرغوتُ
بينَ حِنوىْ مطيةٍ إنْ يسقها ... سائقاها فذاك سيرٌ مكيثُ
فعليه الدبارُ والخزيُ لما ... قلتُ مَنْ ذا فقال لصٌّ خبيثُ
وقال أبو الرماح الأسديُّ:
تطاوَلَ بالفسطاط ليلي ولم يكن ... بِحنْو الغَضَى ليلٌ عَليَّ يطولُ
يؤرِّقُني حُدْبٌ صغارٌ أذلةٌ ... وإن الذي يؤذينَهُ لذليل
إذا جُلتُ بعض الليل منهن جَوْلةً ... تعلَّقْنَ بي أو جُلْنَ حيثُ أجولُ
إذا ما قتلناهنّ أُضعَفْنَ كَثْرَةً ... علينا ولا يُنعى لهنّ قتيلُ
ألا ليت شعري هل أبيتَنَّ ليلة ... وليس لبرغوث عَلَيَّ سبيلُ
وقال أبو الشَّمقمق:
يا طولَ يومي وطول لَيْلَتِيَهْ ... إن البراغيثَ قد عَبِثْنَ بِيَهْ
فيهنّ بُرغوثَةٌ مُجَوَّعَةٌ ... قد عقدَتْ بَنْدها بفقْحَتِيهْ
وقال آخر:

(1/471)


هنيئاً لاهل الرَّي طيبُ بلادهم ... وأن أميرَ الريِّ يحي بن خالدِ
تطاولَ في بغدادَ ليلى ومن يكُنْ ... ببغدادَ يلبثْ ليله غيرَ راقدِ
بلادٌ إذا جنَّ الظلامُ تقافزتْ ... براغيثها من بين مثنى وواحدِ
ديازجةٌ سود الجلود كأنها ... بغالُ بريد أرسلت في مداودِ
وقال آخر:
أرَّقَني الأُسَيْوِدُ الأسكُّ ... ليلةَ حَكَّ ليس فيها شكِّ
أحُكُّ حتى مالهُ مَحَكَ ... أحُلُّ حتى مِرْفقي مُنقَكُّ
وقال آخر:
يا أُمَّ مَثْواي عَدِمْتُ وَجْهكِ ... أنقذني ربُّ العُلا من مِصْرِكِ
ولذْعِ برغوثٍ أُرَاهُ مُهْلِكي ... أبيبُ ليلي دائمَ التحكُّكِ
تحكُّكَ الأجربِ عند المبرَكِ
وقال آخر:
الحمد للّه برغوث يُؤَرِّقني ... أحَيْلِكُ الجلْدِ لا سمْعٌ ولا بصرُ
وقال آخر:
قبيلةٌ في طولها وعَرْضِها ... لم يُطْبِقُوا عينًا لهم بغُمْضِها
خوْفَ البراغيثِ وخوفَ عضّها ... كأنّ في جلودها من مَضِّها
عقارباً ترفضُّ من مُرَفَضِّها ... إن دام هذا هربتْ منْ أرضِها
يا ربِّ فاقْتلْ بعضَها ببعضِها
معارف في البرغوث
قال: والبرغوثُ في صورة الفيل، وزعموا أنها تبيض وتفرخ، وأنهم رأوْا بيضَها رؤية العين، والبراغيث تَنَاكَحُ وهي مستدبرةٌ ومتعاظلة، وهي من الجنس الذي تطول ساعة كوْمِها.
استقذار القمل وليس الناسُ لشيء مما يعَضُّهم ويؤذيهم، من الجرجس، والبقِّ، والبراغيثِ والذِّبان - أشد استقذارًا منهم للقمل، ومن العجب أنّ قرابته أمسُّ، فأما قملة النِّسر، وهي التي يقال لها بالفارسية: دَدَه ،وهي تكون بالجبل، فإنها إذا عضّت قتلت.
القول في البعوض حدَّثني إبراهيم بن السِّنديِّ قال: لما كان أبي بالشام والياً، أحبَّ أن يسوِّي بين القَحطانيِّ والعَدناني، وقال: لسنا نقدِّمُكم إلا على الطاعة للّه عزّ وجلّ، ولللخلفاء، وكلُّكم إخْوة، وليس للنَّزاريِّ عندي شيءٌ ليس لليَمانيِّ مثله.
قال: وكان يتغدّى مع جملة من جِلَّة الفريقين، ويسوِّي بينهم في الإذن والمجلس، وكان شيخ اليمانية يدخل عليه معتمًّا، وقد جذب كوْرَ عمامته حتى غطى بها حاجبه وكان لا ينزِعها في حر ولا برد، فأراد فتى من قيس - وقد كان أبي يستخليه ويقرِّبه - أن يُسْقطه من عين أبي ويوحِشَه منه، فقال له ذات يوم ووجدَ المجلس خاليًا: إني أريدُ أن أقول شيئاً ليس يخرِجه مني إلا الشكر والحُرية، وإلا المودة والنصيحة، ولولا ما أعرفُ من تقزُّزك وتنطُّسِك؛ وأنك متى انتبهت على ما أَنا مُلْقِيه إليك لم آمَنْ أَنْ تستغشَّني، وإن لم تُظْهِرْه لي، إن هذا اليمانيّ إنما يعتم أبداً، ويمدُّ طُرّةَ العمامة حتى يغطِّي بها حاجِبَيْهِ؛ لأن به داءً لو عَلِمْتَ به لم تؤاكلْهُ.
قال: فقال أبي: فرَماني واللّه بمعنى كاد ينقضُ علييَّ جميع ما بيدي، وقلتُ: واللّه لئن أكلت معه وبه الذي به إنّ هذا لهو البلاءُ، ولئنْ منعت الجميع مؤاكلتي لأوحِشَنهم جميعاً بعد المباسطة والمباثَة والملابسة والمؤاكلة، ولئن خصَصْتُه بالمنع أو أقعدتُه على غير مائدتي، ليغضَبَنّ، ولئن غضِب ليغضَبنّ معه كل قحطاني بالشام، فبتُّ بليلة طويلة،فلما كان الغَدُو جلست، ودخلوا للسلام، جرى شيءٌ من ذكر السمومِ وغرائبِ أعمالها، فأقبل عَليَّ ذلك الشيخُ فقال: عندي من هذا بالمعاينةِ ما ليس عند أحد، خرجت مع ابن اخي هذا، ومع ابن عمّي هذا، ومع ابني هذا، أريد قَريتي الفُلانية، فإذا بقُرب الجادّةِ بعير قد نهشته أفعى، وإذا هو وافرُ اللحم، وكل شيء حَوَالََيه من الطَّير والسباع ميت، فقمنا منه على قابِ أرماحٍ نتعجب، وإذا عليه بعوض كثيرة

(1/472)


فبينا أنا أقول لأصحابي: يا هؤلاء، إنكم لترون العجَب: أولُ ذلك أن بعيراً مثل هذا يتفسَّخ من عَضةِ شيء لعله أن لا يكون في جسم عرقٍ من عروقه، أو عَصَبة من عصَبه، فما هذا الذي مَجَّه فيه، وقذفه إليه؟ ثم لم يرضَ بأن قتلَه حتى قتلَ كلّ طائر ذاق منه، وكلّ سبُعٍ عضّ عليه، وأعجب من هذا قتلُه لأكابر السِّباع والطيرِ، وترْكه قتْلَ البعوضة، مع ضَعفها ومهانتِها.
فبينا نحن كذلك إذ هبَّت ريحٌ من تلقاء الجىفةِ، فطيّرت البعوض إلى شِقّنا، وتسقط بعوضة على جبهتي، فما هو إلا أن عضتْني إذ اسْمَأَدَّ وجهي تورَّم رأسي، فكنت لا أضرِبُ بيدي إلى شيء أحكُّه من رأسي وحاجِبي، إلا انتثر في يدي، فحُمِلْت إلى منزلي في محمل وعولِجْت بأنواع العلاجِ، فَبَرَأت بعد دهر طويل، على أنه أبقى عليَّ من الشَّين أنه تركني أقَرعَ الرأس، أمرط الحاجبين.
قال: والقومُ يخوضون معه في ذلك الحديث، خَوْضَ قوم قد قتَلوا تلك القصة يقيناً.
قال: فتبسمْت، ونَكَس الفتى القيسيُّ رأسه، فظن الشيخ أنه قد جرى بيننا في ذلك ذَرْء من القول، فقال: إن هذا القيسيّ خبيث،ولعله أن يكون قد احتال لكَ بحيلة قال إبراهيم: فلم أسمع في السموم بأعجبَ من هذا الحديث.
طلسمات البعوض ويزعم أهلُ أنطاكية أنهم لا يُبْعَضونَ لِطلَّسمٍ هناك، ولو ادعى أَهلُ عقْر الدَّير، المتوسطة لأجمةِ ما بينَ البصرةَ وكَسْكَر لكان طِلَّسْمُهُمْ أَعجب.
ويزعم أَهلُ حِمْص أن فيها طِلَّسْماًَ من أَجلِهِ لا تعيشُ فيها العقارب، وإنْ طُرحَتْ فيها عقَربٌ غريبةٌ ماتَتْ من ساعتها.
و لَعَمري إنه ليجوزُ أَن تكون بلدة تضادُّ ضرباً من الحيوان فلا يعيش فيها ذلك الجنس، فيدعي كذَّابو أهلها أَن ذلك برُقْية، أَو دعوة، أَو طلّسم.
ألم عضة البرغوث والقملة
والبرغوثُ إذا عض، وكذاك القملة، فيس هناك من الحُرقة والألم ما لَه مدةٌ قصيرة ولا طويلة.
وأما البعوضُ فأشهد أن بعوضةً عضتْ ظهر قدمي، وأَنا بقرب كاذَة والعَوْجاء، وذلك بعد أَن صلى الناسُ المغرب، فلم أَزَل منها في أُكالٍ وحُرْقَة، وأنا أَسير في السفينة، إلى أن سِمعتُ أَذانِ العشاء.
ولذلك يقال: إن البعوضة لو ألحقت بمقدار جرْم الجرَّارة - فإنَّها أصغرُ العقارب ثم زيدتْ مم تضاعيف ما معها من السُّمِّ عَلَى حَسَبِ ذلك لكانت شَرّاً من الدُّوَيْبّة التي تسمى بالفارسية: دَدَهْ وهي أَكبر من القملة شيئاً، وتكون بمهرجان قَُذُق، فإنها مع صِغر جسمها تفسَخ الإنسان في أَسرعَ من الإشارة باليد، وهي تعضُّ ولا تلسع، وهي من ذوات الأفواهِ، وهي التي بزعمهم يقال لها قملة النَّسر، وذلك أن النّسر في بعض الزمان، إذا سقط بتلك الأرض سقطت منه قملة تستحيل هذه الدابةَ الخبيثةَ.
والبعوضةُ من ذواتِ الخراطيم.
وحدّثني محمد بن هاشم السِّدريّ قال: كنتُ بالزُّطِّ، فكنت واللّه أرَى البعوضَة تطير عن ظهر الثور فتسقط على الغُصْن من الأغصان، فتقلِس ما في بطنها، ثم تعود.
والبعوضة تَغْمِس خرطومها في جلد الجاموس، كما يغمِسُ الرجلُ أصابعَه في الثريد.
ومن العجب أن بين البصرة وواسط شطرين، فالشَّطر الذي يلي الطّف وباب طنج يبيت أهله في عافية، وليس عندهم من البَعوض ما يذكر، والشطر الذي يلي زقاق الهِفَّة لا ينامُ أَهله من البعوض، فلو كان هذا ببلاد الشام أَو بلاد مصر لأدَّعوا الطِّلَّسم.

(1/473)


وحدَّثني إبراهيم النَّظام قال: وردنا فم زقاق الهفة، في أجَمة البصرة،فأردنا النفوذ فمنعنا صاحبُ المسْلحة، فأرَدْنا التأخُّر إلى الَهوْر الذي خرَجْنا منه، فأبى علينا، وورَدْنا عليه وهو سكران وأَصحابُه سُكارى، فغضِب عََلَى مَلاَّح نَبَطِيٍّ، فشدّهُ قِماطاً، ثم رمى به في الأجمة، على موضعِ أرض تتصل بموضع أكواخ صاحب المسْلَحةَ، فصاح الملاح: اقتلني أيَّ قتلة شئتَ وأرحْني فأبى وطرحه، فصاح، ثم عاد صياحُه إلى الأنين، ثم خَفَتَ وناموا في كِلِلِهم وهم سكارى، فجئتُ إلى المقموط، وما جاوز وقت عتمةٍ، فإذا هو ميتٌْ، وإذا هو أَشد سواداً من الزنجي، وأشد انتفاخاً من الزقِّ المنفوخ، وذلك كله بقدر ما بين العشاء والمغرب، فقلت: إنها لمَّا لسَبَتْه ولسَعته من كلِّ جانب لسْعا عَلى لسع إن اجتماعَ سمومها فيه أَرْبَتْ عَلَى نهشة أَفعى بعيداً، فهي ضررٌ ومحنةٌ، ليس فيها شيءٌ من المرافق.
نفع العقرب والعقاربُ بأكلها مَشويةً من بعينه ريح السّبَل، فيجدُها صالحة، ويرمَى بها في الزيت، حتى إذا تفسَّخت وامتصَّ الزيتُ ما فيها من قواها فطلوْا بذلك الدهنِ الخُصى التي فيها النفخ - فرّق تلك الريح حتَّى تخمُصَ الجلِدة، ويذهب الوجع.
فإذا سمعْتَ بدُهْن العقارب فإنما يعنون هذا الدهن.
في البقّ والجِرجس والشَّرَّان والفَرَاش والأدي
وقال اللّه تعالى: " إنَّ اللّه لا يَسْتَحْيِِ أَنْ يَضْرِبَ مَثلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَها " ، قال: يريد فما دونها.
وهو قول القائل للرجل يقول: فلانٌ أسفلُ الناسِ وأنذلهُم فيقول: هو فوق ذلك يضعُ قوله فوق، في موضع: هو شَرٌّ من ذلك.
قال: وضروب من الطير لا تلتمسُ أرزاقها إلا بالليل، منها الخُفَّاش، والبُومة، والصَّدى، والضُّوْع، وغُرابُ الليل.
وللبعوض بالنهار تؤذي بعض الأذى، وإنما سلطانها بالليل، وكذلك البراغيث.
وأما القملُ فأمره في الحالات مستوٍ، وليس للذِّبَّانِ بالليل عملٌ، إلا أنّي متى بيَّتَ معتي في القبة ما صار إليها، وسكن فيها من الذِّبّان، ولم أطرُدْها بالعشيِّ وبعد العصر، فإني لا أجدُ فيها بعوضة واحدة.
شعر ورجز في البعوض
وقال الرَّاجز في خرطوم البعوضة:
مثل السَّفَاة دائمٌ طَنينُهَا ... رُكِّبَ في خُرْطُومِها سِكِّينُهَا
وقال الهذليّ:
كأنَّ وغَى الخَموشِ بجانِبَيْه ... وغَى رَكْبٍ أمَيْمَ ذوِي هِيَاطِ
والخموش: أصناف البعوض، والوغى: أصوات الملتفة التي لا يُبين واحدُها عن معنى، وهو كما تسمع من الأصوات الجيشين إذا التقيا عَلَى الحرب، وكما تسمعُ من ضجَّة السوق.
وقال الكُمَيت وهو يذكر قانصاً وصاحب قُتْرَة - لأنه لا يَبتَنِي بيته إلاّ عند شريعةٍ ينتابها الوحْش - فقال وهو يصف البعوض:
به حاضرٌ من غير جِنٍّ تروُعه ... ولا أنسٌ ذو أَرْنانٍ وذُو زَجَلْ
والحاضر: الذي لا يبرحه البعوض، لأن البعوض من الماء يتخَلق فكيف يفارقه، والماءُ الراكد لا يزال يولدُهُ؟ فإن صار نطافاً أو ضَحْضَحاً استحال دعاميص، وانسلخت الدَّعاميص فصارت فراشاً وبعوضاً، وقال ذو الرُّمّة:
وأيقنّ أنّ القِنْعَ صارتْ نِطافُه ... فَرَاشاً وأن البقْل ذاوٍ و يابسُ
وصفَ الصَّيف، وقال أبو وجْزَةَ، وهو يصِفُ القانصَ والشريعة والبعوض:
تَبِيتُ جارَتَهُ الأفعى وسامرُه ... رُمْدٌ به عاذِرٌ مِنهنَّ كالجَربِ
رَُمْدٌ في لونها، يعني البعوض، وهي التي تسِامرُ القانِصَ وتُسْهِره، والعاذِر: الأثر، يقول: في جلده عواذير وآثارٌ كآثارِ الجَرَبِ من لسع البعوض، وهو مَعَ ذلك وسْطَ الأفاعي.
وقال الراجز يصف البَعُوض:
ولَيلةٍ لم أدرِ ما كَراها ... أمارِسُ البَعُوضَ في دُجَاها
كلُّ زَجُول خَفِقٍ حَشاها ... سِتٌّ لدَى إيفائها شَوَاها
لا يطْربُ السامعُ من غناَها ... حَنّانة أعظَمُها أذاها
أرجل الجرادة والعقرب والنملة والسرطان وكذلك قوائم الجرادة، هي ستّ: يدان، ورجلان، والميشاران وبهما تعتمد إذا نَزَت.
فأما العقرب فلها ثمان أرجل، وللنملة ست أرجل.

(1/474)


وللسَّرَطان ثمان أرجل، وهو في ذلك يستعين بأسنانه، فكأنه يمشي على عَشر، وعيناه في ظهره، وما أكثر من يشويه ويأكله للشهوة، لا للحاجة ولا للعلاج.
شعر ورجز في البعوض
وقال الرَّاجز، ووصَفَ حالَهُ وحَالَ البَعوض:
لم أرَ كاليوم ولا مُذْ قَطِّ ... أطولَ من ليلي بنهر بَطِّ
كأنما نجومُه في رُبْط ... أبيتُ بينَ خُطَّتي مشتطِّ
من البَعُوضِ ومن التغَطِّي ... إذا تَغَنَّيْنَ غِناءَ الزُّطِّ
وهُنّ منّي بمكانِ القرطِ ... فثِقْ بوقْعٍ مثلِ وقْعِ الشَّرطِ
وقال أيضاً:
إذا البعوضُ زجَلَت أصواتُها ... وأخذ اللحنَ مغنِّياتُها
لم تطرب السامعَ خافضاتُها ... كلُّ زجُولِ تُتَّقى شَذاتُها
صغيرةٌ عظيمةٌْ أذاتها ... تنقُص عن بُغيتها بُغاتُها
ولا تصيبُ أبداً رُماتُها ... رامحةٌ خُرطومُها قَنَاتُها
وأنشدني جعفر بن سعيد:
ظَلِلْتُ بالبصرة في تَهْوَاشِ ... وفي براغيثَ أذاها فاشي
من نافر منها وذي اهتماش ... يرفع جَنْبَيِّ عن الفراش
فأنا في حَكَ وفي تخْراش ... تتركُ في جنبيِّ كالخراش
وزوجةٍ دائمةِ الهراش ... تغلي كغلي المِرجَلِ التَّشَّاشِ
تأكلُ ماجَمَّعت من تَهباش ... بل أمُّ معروف خَموشٌ ناشِ
وقال رجل من بني حِمَّانَ، وقَع في جُنْد الثغور:
أأنصُرُ أهل الشام ممن يكيدهم ... وأهلي بنَجدٍ ساءَ ذلك من نصرِ
بَراغيثُ تُرْذِيني إذا الناسُ نَوَّمُوا ... وبَقٌّ أقاسيه على ساحل البحر
فإن يك فرضٌ بَعدها لا أعُدْ لَهُ ... وإن بذلوا حُمْرَ الدنانيرِ كالجمْر
؟
في العنكبوت
قال اللّه عز وجل: " مَثَل الَّذينَ اتخذوا مِنْ دُونِ اللّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً، وَإنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلمُونَ " ، ثم قال على إثر ذلك: " وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضرِبُها للِنَّاسِ وَمَا يَعقِلها إلاّ العَالِمُونَ " يريد ذكره بالوهَن، وكذلك هو، ولم يُرِدْ إحكام الصنعة في الرِّقَّة والصَّفاقة، واستواء الرقعة، وطول البقاء، إذا كان لا يعمل فيه تعاوُرُ الأيام، وسَلِمَ من جنايات الأيدي.
شعر في العنكبوت
وقال الحُدَّانيّ:
يزهِّدُني في وُدِّ هارونَ أنه ... غَذَتْهُ بأَطْباءٍ مُلَعَّنَةٍ عُكْلُ
كأنّ قَفَا هارُونَ إذْ قَامَ مُدْبراً ... قفا عنكبوت سَلّ من دُبْرِهَا غَزْلَ
ألا ليت هاروناً يسافرُ جائعاً ... وليس عَلَى هارون خفٌّ ولا نعْلُ
وقال مزرِّدُ بن ضِرار:
ولو أنَّ شيخاً ذا بَنِينَ كأنما ... على رأسِهِ من شاملِ الشَّيْب قَوْنَسُ
ولم يَبْقَ من أضراسه غير واحدٍ ... إذ ا مَسَّه يَدْمى مِرَاراً ويَضْرَسُ
تبيِّت فيه العنكبوتُ بناتِها ... نواشئَ حتى شِبْنَ أَوْ هُنّ عُنَّسُ
لظَلَّ إليها رَانِياً وكأنه ... إذا كشّ ثورٌ من كريص مُنَمِّسُ
أجناس العنكبوت ونسْجها
قال: ومن أجناس العنكبوت جنس رديء التدبير، لأنه ينسِجُ سِترهُ على وجه الأرض، والصخور، ويجعله على ظهر الأرض خارجاً، وتكونُ الأطرافُ داخلة، فإذا وقع عليه شيءٌ مما يغْتَذِيه من شكل الذّبّان وما أشبه ذلك أخذه.
وأما الدقيق الصَّنعة فإنه يصعِّد بيته ويمدُّ الشَّعرة ناحيةَ القرون والأوتاد، ثم يسدِّي من الوسط، ثم يهيِّئُ اللُّحمة، ويهيَّئُ مَصيدَتَه في الوسط، فإذا وقع عليها ذباب تحرَّك ما هناك ارتبط ونشِبت به، فيتركه على حاله حتى إذا وثق بوَهْنِهِ وضَعْفه، غَلَّه وأدخَلَه إلى خزانته، وإن كان جائعاً مصَّ من رطوبته ورمَى به، فإذا فَرَغَ رمّ ما تشعَّثَ من نَسْجه.
وأكثرُ ما يقعُ عَلَى تلك المصيدة من الصَّيدِ عند غيبوبة الشمس.
وإنما تنسجُ الأنثى، فأما الذكرُ فإنه ينقُض ويُفسِد.

(1/475)


وولد العنكبوتِ أعجبُ من الفرُّوج، الذي يظهر إلى الدنيا كاسباً محتالاً مكتفياً.
قال: وولد العنكبوت يقومُ عَلَى النسج ساعةَ يولد.
قال: والذي ينسِجُ به لا يخرجُ من جوفه، بل من خارج جسده.
وقال الحُدَّانيُّ:
كأن قفا هارون إذ قام مُدْبراً ... قفا عنكبوت سُلَّ من دُبْرها غزْلُ
فالنحل، العنكبوت، ودود القزّ، تختلف من جهات ما يقال إنه يخْرُج منها.
العنكبوت الذي يسمى الليث
ومن العناكبِ جنسٌ يصيد الذُّبابَ صيد الفهود، وهو الذي يسمى: الليث وله ستُّ عيون، وإذا رأى الذُّبابَ لطِئَ بالأرض، وسكَّنَ أطرافه، وإذا وثَبَ لم يخطئْ، وهو من آفات الذّبّان، ولا يصيدُ إلا ذِبّان الناس.
ذبان الأسد والكلاب وذِبَّانُ الأُسْدِ علَى حِدَة، وذِبّانُ الكِلاب على حِدَة، وليس يقوم لها شيءٌ، وهي أشدُّ من الزنابير، وأضرُّ من العقارب الطيّارة، وفيها من الأعاجيب أنها تعضُّ الأُسْدَ، كما يعضُّ الكلبَ ذِبَّانُ الكَلْب.
وكذلك ذِبّانُ الكلأَ، لما يغشَى الكَلأ من بعير وغير ذلك، ولها عضٌّ مُنكَر، ولا يبلغُ مبلغَ ذِبَّانِ الأُسْد.
فمن أعاجيبها سِوى شدةِ عضِّها وسَمِّها، وأنها مقصورة علَى الأسد، وأنها متى رأت بأسد دماً من جراح أو رمْي، ولو في مقدار الخُديش الصغير فإنها تستجمعُ عليه، فلا تقلعُ عنه حتى تقتله.
وهذا شبيهٌ بما يُرْوَى ويُخبَر عن الذَّرّ، فإن الذَّرّ متى رأتْ بحيَّة خدْشاً لم تقْلِعْ عنه حتى تقتله، وحتى تأكله.
ولوع النمل بالأراك ولقد أردتُ أن أغْرسَ في داري أراكةً، فقالوا لي: إن الأراكة إنما تنبت من حبِّ الأراك، وفي نباتها عسْرٌ، وذلك أن حبّ الأراك يغرس في جوف طين، وفي قواصِرَ، ويُسقى الماءَ أياماً، فإذا نبتَ الحبُّ وظهر نباتُه فوق الطين، وُضِعت القَوْصَرَة كما هي في جوف الأرض، ولكنها إلى أنْ تصير في جوف الأرض، فإن الذرَّ يطالبها مطالبة شديدة، وإن لم تُحفظ منها بالليل والنهار أفسدتها.
فعمدتُ إلى منارات من صُفر من هذه المسارج، وهي في غاية الملاسة واللِّين، فكنتُ أَضَعُ القوصَرَة عَلَى التُّرسِ الذي فوق العمود الأملس، فأجد فيها الذرّ الكثير، فكنتُ أنقُل المنارةَ من مكان إلى مكان، فما أفلحَ ذلك الحبُّ.
ضروب العناكب
قال: والعناكب ضروبٌ: منها هذا الذي يقال له الليث، وهو الذّي يصيد الذبّان صيد الفهد، وقد ذكرنا في صدر هذا الكلام حِذقه ورفْقه، وتأتّيه وحيلته.
ومنها أجناس طِوَالُ الأرجلُ، والواحدةُ منها إذا مشت علَى جلْد الإنسان تبثَّر، ويقال إن العنكبوت الطويلة الأرجل، إنما اتخذت بيتاً وأعدَّت فيه المصايد والحبائل، والخيوطَ التي تلتفُّ على ما يدخُل بيتها من أصناف الذّبان وصغارِ الزنابير لأنها حين علِمَتْ أنها لا بدّ لها من قوت، وعرفت ضعفَ قوائمها، وأنها تعجزُ عما يقْوَى عليه الليث، احتالت بتلك الحيل.
فالعنكبوتُ، والفأر، والنحلُ، والذَّرّ، والنمل، من الأجناس التي تتقدم في إحكام شأنِ المعيشة، ومنها جنس رديء، مشنوء الصورة، غليظ الأرجل، كثيراً ما يكون في المكان التَّرِب من الصناديق والقماطر والأسفاط، وقد قيل: إنَّ بينه وبين الحيَّة، كما بين الخنفساء والعقرب.
وإناث العناكب هي العوامل: تغزل وتنسج، والذَّكَرُ أخرقِ ينقضُ ولا ينْسِجُ، وإن كان ما قال صاحب المنطق حَقّاً فما أغرَبَ الأُعجوبة في ذلك، وذلك أنه زعم أن العنكبوت تقْوَى على النَّسْج، وعلى التقدمِ في إحكام شأن المعاش حين تولد.
الكاسب من أولاد الحيوان وقالوا: وأشياءُ من أولاد الحيوان تكونُ عالمةً بصناعتها، عارفة بما يُعيشها ويُصْلحها، حتى تكون في ذلك كأُمهاتها وآبائها، حين تخرجُ إلى الدنيا، وكالفرُّوج من وََلد الدجاج، والحِسْل من ولد الضبِّاب، وفرخ العنكبوت.
وهذه الأجناسُ، مع الفأر والجرذان، هي التي من بين جميع الخلق تدَّخرُ لنفسها ما تعيش به من الطُّعم.
في النحل
زعمَ صاحبُ المنطق أن خلِيَّة من خلايا النحل فيما سلف من الزمان، اعتلتْ ومَرِض ما كان فيها من النحل، وجاء نحلٌ من خَلِيَّةٍ أخرى يقاتلُ هذا النحل حتى أخرجت العسل، وأقبل القيِّم على الخلايا يقتل بذلك النحل الذي جاء إلى خليته.

(1/476)


قال: فخرج النحلُ من الخليَّة يقاتلُ النحلَ الغريب، والرجل بينها يطردُ الغريب، فلم تلسعه نحل الخليَّة التي هو حافظُها، لدفعه المكروهَ عنها.
قال: وأجودُ العسل ما كان لونه لون الذهب.
نظام النحل
قال: والنحل تجتمع فتقسم الأعمال بينها، فبعضَها يعملُ الشّمع، وبعضها يعملُ العسل، وبعضها يبني البيوتَ، وبعضها يَسْتَقي الماء ويصبُّه في الثقْب، ويلطخه بالعسل.
ومنه ما يبكِّر إلى العمل، ومن النحل ما يَكفُّه؛ حتى إذا نهضتْ واحدةٌ طارت كلها، يقال: بَكَرَ بُكورَ اليَعْسوب، يريد أمير النحل لأنها تتبعه غُدوةً إلى عملها، ومنها ما ينقل العسل من أطرافِ الشجر، ومنها ما ينقل الشَّمعَ الذي تبني به، فلا تزالُ في عملها حتى إذا كان الليل آبت إلى مآبها.
قال: والأرْي: عمل العسل، يقال: أرت تأري أرْياً، والأرْي في غير هذا الموضع: القيء، وقال أبو ذؤيب:
بأرىِ التي تأرِي إلى كل مَغْربٍ ... إذا اصفرَّ ليطُ الشمس حان انقلابُها
ومغارب: جمع مغرب، وكل شيء واراك من شيء فهو مغرب، كما جعله أبو ذؤيب، والأصل مغرب الشمس، وقال أبو ذؤيب:
فباتَ بجَمْعٍ ثُمَّ تمَّ إلى مِنًى ... فأصبحَ رَأْداً يبتغي المزْجَ بالسَّحْلِ
المزْجُ: العسل، والسَّحْل: النقد.
ما له رئيس من الحيوان ومن الحيوان ما يكون لكل جماعة منها رأس وأمير، ومنها ما لايكونُ ذلك له، فأما الحيوان الذي لا يجد بدّاً ولا مصلحة لشأنه إلا في اتخاذ رئيس ورقيب فمثل ما يصنع الناس، ومثلُ ما تتخذ النحلُ والغَرانيق، والكَرَاكيّ.
فأما الإبل والحمير والبقر، فإن الرياسة لفحْل الهجْمة، ولعَير العانة، ولثَور الرَّبرَب، وذكورتها لاتتخذ تخذ الرُّقباء من الذُّكورة.
وقد زعم ناس أن الكراكيَّ لا تُرَى أبداً إلا فُرادَى فكأَن الذي يجمعها الذكر، ولا يجمعُها إلا أزواجاً.
ولا أدري كيف هذا القول؟ والنحل أيضاً تسير بسيرة الإبل والبقر والحمير، لأن الرئيس هو الذي يورِدُها ويُصْدِرها، وتنْهَضُ بنهوضه، وتقع بوقوعه، واليعسوب هو فحلها، فترى كما ترى، سائر الحيوان الذي يتخذ رئيساً إنما هي إناث الأجناس، إلا الناس؛ فإنهم يعلمون أن صلاحهم في اتخاذ أمير وسيِّد، ورئيس.
وزعم بعضهم أن رياسة اليعسوبِ، وفحل الهجْمة، والثورِ، والعَير، لأحد أمرين: أحدهما لاقتدار الذَّكر على الإناث، والآخر لما في طباع الإناث من حبّ ذكورتها.
ولو لم تتأمَّرْ عليها الفحولُ لكانت هي لحبِّها الفحولِ تغدو بغدوِّها، وتروح بَروَاحها.
قالوا: وكذلك الغرانيق والكراكيّ، فأما ما ذكروا من رؤساء الإبل والبقر والجواميس والحمير، فما أبعدهم في ذلك عن الصواب.
وأما إلحاقهم الغرانيقَ والكراكي بهذه المنزلة فليس علَى ما قالوا.
وعلى أنَّا لا نجدُ بُدّاً من أن يعلم أن ذكورتها أقوى على قسرِ الإناث وجمعها إليها من الإناث وعلى أنه لا بد من أن يكون بعض طاعة الإناث لها من جهة ما في طباعها من حبِّ ذكورتها، ولو كان اتخاذ الغرانيق والكراكيّ الرؤساءَ والرُّقباء إنما علته المعرفة لم يكن للغرانيق والكراكيِّ في المعرفة فضلٌ على الذّرِّ والنمل، وعلى الذِّئب والفيل، وعلى الثعلب والحمام.
أما الغنم فهي أغْثرُ وأمْوَق من أن تجري في باب هذا القول.
وقد تخضع الحياتُ للحية، والكلاب للكلب، والدُّيوك للديكِ، حتى لا تروِّمَه ولا تحاول مدافعتَه، قصة في خنوع الكلب ولقد خرجت في بعض الأسحار في طلبِ الحديث، فلما صرتُ في مربَّعة المحلَّة، ثار إليّ عِدّةُ من الكلابِ، من ضًخامها، ومما يختارُه الحُرّاس، فبينا أنا في الاحتيال لهنَّ وقد غشِينَني إذ سَكَتْنَ سكتةً واحدة معاً، ثم أخذ كل واحد في شقًّ كالخائف المستخفي، وسمعت نغمة إنسان، فانتهزتُ تلك الفُرصةَ من إمساكهنَّ عن النُّباح، فقلتُ: إنَّ هَهُنَا لَعِلَّة إذ أقبلَ رجلانِ ومعها كلبٌ أزبُّ ضخمٌ دَوسر، وهو في ساجور، ولم أرَ كلباً قط أضخم منه، فقلت: إنهنَّ إنما أمْسَكن عن النُّباح وتسترن، من الهيبة له وهي مع ذلك لا تتخذ رئيساً.
سادة الحيوان

(1/477)


ورُوِي عن عبّاد بن صهيب، عن عوف بن أبي جميلة، عن قسامة بن زُهير قال: قال أبو موسى: إن لكل شيء سادة حتى إن للنمل سادة، فقال بعضهم: سادة النمل: المتقدِّمات.
وهذا تخريج، ولا ندري ما معنى ما قال أبو موسى في هذا.
ولو كان اتخاذُ الرئيس من النحل، والكراكيِّ، والغرانيق، والإبل، والحمير، والثيران، لكثرة ما معها من المعرفة - لكانت القرود، والفيلة والذرّ، والثعالبُ، أولى بذلك، فلا بد من معرفةٍ، ولا بد من طباعٍ وصَنْعة.
والحمام يُزْجَلْن من لُؤلؤة، وهنَّ بَصريَّات وبغداديَّات، وهنّ جُمَّاعٌ من هاهنا و هاهنا، فلا تتخذ رئيساً.
طعن ناس من الملحدين في آية النَّحل
وقد طعنَ ناسٌ من الملحدين، وبعضُ من لا علم له بوجوه اللغِة وتوسُّع العرب في لُغتها، وفَهْمِ بعضها عن بعض، بالإشارة والوحي فقالوا: قد علمْنا أن الشمع شيءٌ تنقله النحل، مما يسقط على الشجر، فَتَبني بيوت العسل منه، ثم تنقل من الأشجار العسل الساقط عليها، كما يسقط التَّرَنْجُبين، والمنُّ، وغير ذلك، إلا أن مواضع الشمع وأبدانه خفيٌّ، وكذلك العسل أخفى وأقلّ، فليس العسل بقيءٍ ولا رجْع، ولا دخَلَ للنحلة في بطْنٍ قطُّ.
وفي القرآن قول اللّه عز وجل: " وَأَوْحَى رَبُّك إلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الجِبْال بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ، ثمَّ كُلي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاَسْلكِي سبُلَ رَبِّكِ ذُللاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فيهِ شِفَاءٌ للِنَّاسِ إنَّ في ذلكَ لآيةً لِقَومٍ يَتَفَكَّرون " .
ولو كان إنما ذهبَ إلى أنه شيءٌ يُلتَقَطُ من الأشجار، كالصُّموغِ وما يتولد من طِباع الأنداء والأجْواء والأشجارِ إذا تمازجت - لمان كا في ذلك عجبٌ إلا بمقدار ما نجده في أمور كثيرة.
دعوى ابن حائط في نبوة النحل
قلنا: قد زعم ابن حائط وناسٌُ من جُهَّالِ الصُّوفيَّة، أن في النحل أنبياء، لقوله عز وجل: " وَأوْحَى رَبُّك إلَى النَّحْل " ، وزعموا أن الحَوَاريِّينَ كانوا أنبياء لقوله عز وجل: " وَإذْ أَوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ " .
قلنا: وما خالف إلى أن يكون في النحل أنبياء؟ بل يجبُ أن تكون النحل كلها أنبياء، لقوله عز وجل على المخرج العامّ: " وَأَوْحَى رَبُّك إلَى النَّحُلِ " ، ولم يخصّ الأمهات والملوكَ واليعاسيب، بل أطلقَ القول إطلاقاً.
وبعدُ فإن كنتم مسلمين فليس هذا قولَ أحد من المسلمين، وإلا تكونوا مسلمين فلِمَ تجعلون الحجة علي نبوة النحل كلاماً هو عندكم باطل؟ قول في المجاز وأما قوله عز وجل: " يَخْرجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ " فالعسل ليس بشرابٍ، وإنما هو شيء يحوَّلُ بالماء شراباً، أو بالماء نبيذاً، فسماه كما ترى شراباً، إذ كان يجيء منه الشراب.
وقد جاء في كلام العرب أن يقولوا: جاءت السماءُ اليوم بأمر عظيم.
وقد قال الشاعر:
إذا سقط السماءُ بأرْضِ قوْمٍ ... رَعيناه وإن كانوا غِضَابَا
فزعموا أنهم يرعَونَ السماء، وأنَّ السماء تسقط.
ومتى خرج العسلُ من جهةِ بطونها وأجوافها فقد خرج في اللغة من بطونها وأجوافها.
ومَنْ حمل اللغة علي هذا المركب، لم يفهم عن العرب قليلاً ولا كثيراً وهذا الباب هو مفخرُ العربِ في لغتهم، وبه وبأشباهه اتسعت، وقد خاطبَ بهذا الكلام أهل تِهامة، وهُذيلاً، وضواحِيَ كِنانة، وهؤلاء أصحابُ العسل، والأعرابُ أعرَف بكل صَمْغَةٍ سائلة، وعَسلة ساقطة، فهل سمعتم بأحد أنكر هذا الباب أو طعنَ عليه من هذه الحجة؟
أحاديث في العسل
حُدِّثَ عن سفيان الثَّوريّ، قال حدَّثنا أبو طُعْمة عن بكر بن ماعز، عن ربيع ابن خُثَيْم قال: ليس للمريض عندي دواءٌ إلا العسل.
وعن هشام بن حسان، عن الحسن أنه كان يعجبه إذا استمشي الرجُل أن يشربَ اللبنَ والعسل، إبراهيمُ بنُ أبي يحيى، قال: بلغني عن ابن عباس: أن النبيَّ صلى اللهّ عليه وسلم سُئِل: أبىُّ الشراب أفضل؟ قال: الحُلْو البارد.
وسفيان الثوري عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص عن ابن مسعود قال: عليكم بالشفاءين: القرآن والعسلِ.

(1/478)


شعبة عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، قال: مضى رجل إلى ابن مسعود فقال: إن أخي يشتكي بطنَه، وقد نُعِتَت له الخمر، فقال: سبحان اللّه ما كان اللّه ليجعلَ شفاءهُ في رجس، وإنما جُعلَ الشفاءُ في اثنين: في القرآنِ والعسل.
سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن أبي المتوكّل الناجيّ، عن أبي سعيد الخدريّ: أن رجلاً أتى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال إن أخي يشتكي بطنَه، فقال عليه السلام: اسقهِ عسلاً، ثم أتاه فقال: قد فعلت، قال: اسقهِ عسلاً، ثم أتاه فقال قد فعلتُ، فقال: اسقهِ عسلاً، ثم أتاه الرابعَة، فقال: صدق اللّه وكذئَبَ بطْنُ أخيك، اسقه عسلاً فسقاه فبَرأ الرجُل.
قال: والذي يدلُّ على صحةِ تأويلنا لقول اللّه عز وجل: " يَخْرُجُ منْ بُطُونِها شَرَابٌ مُخْتَلِف أَلْوَانُهُ فيهِ شفَاءٌ لِلنَّاسِ " ، أن تكون المعجوناتِ كلها إنما بالعسل، وكذلك الأنْبَجات.
نفع العسل وإذا ألقي في العسل اللحمُ الغريضُ فاحتاجَ صاحبه إليه بعد شهر أخرَجه طريّاً لم يتغير.
وإذا قطَرَت منه قَطْرَة علي وجه الأرض، فإن استدار كما يستدير الزِّئبقُ، ولم يَتَفَشَّ، ولم يختلط بالأرض والتراب فهو الصحيح، وأجودُه الذهبي.
ويزعمُ أصحابُ الشراب أنهم لم يروا شراباً قطُّ ألذَّ ولا أحسنَ ولا أجمعَ لما يريدون، من شراب العسل الذي يُنْتَبَذُ بمصر، وليس في الأرضِ تجارُ شراب ولا غيرِ ذلك أيْسَرَ ومنهم.
وفيه أعجوبةٌ: وذلك أنهم لا يعملونه إلا بماء النّيل أكْدَرَ ما يكون، وكلما كان أكدرَ كان أصْفى، وإن عملوه بالصافي فسَد.
وقد يُلقَى العسلُ على الزّبيب، وعلى عصير الكرْم فيجوِّدهم.
التشبيه بالعسل وهو المثَلُ في الأمور المرتفعة، فيقولون: ماءٌ كأنه العسل، ويصفُون كلَّ شيء حلْوٍ، فيقولون: كأنه العسل، ويقال: هو معسول اللسان، وقال الشاعر:
لسانُكَ معسولٌ ونفسُك شَحَّةٌ ... ودون الثُّرَيَّا مِن صديقِك مالكا
التنويه بالعسل في القرآن وقال اللّه عزَّ وجل في كتابه، وذكر أنهار الجنة، فقال: " مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتي وُعِد المُتَّقون فِيها أَنْهارٌ مِنْ مَاء غيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغيَّرْ طَعْمهُ وأَنهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ للشَّارِبينَ، وأنْهَارٌ منْ عَسَلٍ مُصَفًّى " ، فاستفتح الكلام بذكر الماء، وختمه بذكر العسلِ، وذكر الماء واللبنَ فلم يذكرْهُما في نعتهما ووصفهما إلا بالسلامةِ من الأسَنِ والتغيُّر وذَكَرَ الخمر والعسلَ فقال: " مِنْ خَمْر لَذَّةٍ للشَّاربين " و " مِنْ عَسَل مُصفَّى " ، فكان هذا ضرباً من التفضيل، وذكرها في مواضع أُخَر فنفى عنها عيوَب خَمْر الدنيا، فقال عز وجل اسمه: " لاَ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنْزفُونَ " ، فكان هذا القول الأولُ أظهر دليل على التفضيل.
في القراد
يقال: أسمَعُ من قُراد وألزَقُ من قُرَاد وماهُو إلا قراد ثَفَر، وقال الشاعر:
هم السمنُ بالسنُّوتِ لا ألْسَ فيهم ... وهم يمنعون جارهم أن يُقَرَّدَا
السنُّوت، عند أهل مكة: العسل، وعند آخرين: الكمُّون.
وقال الحطيئة:
لَعَمْرُك ما قُرَادُ بنيكَُليْب ... إذا نُزِعَ القُرَادُ بمستطاعِ
قال: وذلك أن الفحلَ يَمنَعُ أن يُخطَم، فإذا نزعوا من قُرَاداتِه شيئاً لذّ لذلك، وسكَنَ إليه، ولانَ لصاحبه، فعند ذلك يلقي الخطامَ في رأسه.
قال: وأخبرني فِراس بنُ خَنْدَقٍ، وأبو برْزةَ قال: كان جحدرٌ إذا نزلت رُفْقةٌ قريباً منه، أخذ شَنَّةً فجعل فيها قِردَاناً، ثم نثرها بقرب الإبل فإذا وجدَتِ الإبلُ مَسّها نهضتْ، وشدّ الشّنَّةَ في ذنب بعضِ الإبل، فإذا سمعتْ صوتَ الشَّنّة، وعمِلتْ فيها القردانُ نفرت، ثم كان يثبُ في ذِروة ما ندّ منها، ويقول: ارحم الغارَّة الضِّعاف يعني القِرْدان.
قال أبو بَرْزة: ولم تكن هِمَّتُه تجاوزُ بعيراً.
القراد في الهجو
قال رُشَيد بن رُمَيض:
لنا عِزٌّ ومأوَانا قريبٌ ... ومَولى لا يدِبُّ مع القُرَادِ
وهجاهم الأعشَى فقال:
فلسنا لباغي المهمَلاتِ بِقِرْفَةٍ ... إذا ما طَمَا بالليلِ مُنْتشِرَاتها
أبا مِسْمَعٍ أقْصِرْ فإن قصيدةً ... متى تأتِكمْ تُلْحَقْ بها أخَوَاتها

(1/479)


وهجاهم حُضَين بن المنذرِ فقال:
تنازعني ضبيعةُ أمْرَ قومِي ... وما كانتْ ضُبيعةُ للأمورِ
وهل كانت ضُبيعةُ غيرَ عبدٍ ... ضَمَمناه إلى نسَبٍ شطيرِ
وأوصاني أبي، فحفظتُ عنهُ ... بفكِّ الغُلِّ عن عُنُقِ الأسير
وأوصَى جَحْدَرٌ فَوَقى بَنيهِ ... بإرسال القُرَادِ على البَعيرِ
قال: وفي القردان يقول الآخر قال: وبعضهم يجعلها في البراغيث؛ وهذا باطلٌْ:
ألا يا عبادَ اللّهِ مَنْ لِقَبيلةٍ ... إذا ظَهَرَتْ في الأرض شَدَّ مُغيرُها
فلا الدِّينُ ينهاها ولا هي تنتهي ... ولا ذُو سلاحٍ من مَعَدٍّ يَضِيرُها
فمن أصناف القِرْدان: الحَمْنان، والحَلم، والقِرشام، والعَلُّ، والطِّلْح.
شعر ومثل في القراد
وقال الطِّرمَّاح:
لمَّا وَرَدَتِ الطوىّ والحوضُ كال ... صيرة دفن الإزاء ملتبدهُ
سافتْ قليلاً عَلى نصائبه ... ثم استمرَّت في طامسٍ تخده
وقد لوى أنفهُ بمشفرِها ... طلحُ قراشيمَ شاحبٌ جسده
علٌّ طويلُ الطوى كبالية السفع متى يلق العلو يصطعده
وفي لُزوق القُرادِ يقولُ الراعي:
نبتَتْ مرافقهُنَّ فَوْقَ مَزِلَّةٍ ... لا يستطيعُ بها القُرَاد مَقيلا
والعربُ تقولُ: ألْزَقُ من البرَام كما تقول: ألْزَقُ من القُراد، وهما واحدٌ.
شعر لأمية في الأرض والسماء وذكر أميةُ بنُ أبي الصَّلْتِ، خلق السماء، وإنه ذكرَ من مَلاَسَتِها أن القُراد لا يَعْلقُ بها، فقال:
والأرضُ معقلنا وكانتْ أمنا ... فيها معاقلنا وفيها نولدُ
فيها تلاميذ على قذفاتها ... حبسوا قياماً فالفرائص ترعد
فبنى الإله عليهم مخصوفة ... خلقاء لا تبلى ولا تتأود
فلو أنه تحدو البرام بمتنها ... زلَ البرام عن التي لا تقردُ
استطراد لغوي
قال: القُرَادُ أول ُ ما يكون - وهو الذي لا يكاد يُرَى من صِغَر - قَمْقَامَة، ثم يصير حَمْنَانة، ثم يصير قراداً، ثم يصير حَلَمة.
قال: ويقال للقُراد: العَلّ، والطِّلْح، والقَتِين، والبُرام، وَالقِرْشام.
قال: والقُمّل واحدتها قمَّلة، وهي من جنس القِردان، وهي أصغر منها.
تخلق القراد والقمل
قال: والقِرْدانُ يتخلَّق من عرَق البعير، ومن الوسخ والتلطُّخ بالثُّلُوط والأبوال، كما يتخلَّق من جلد الكلب، وكما يتخلق القملُ من عرق الإنسان ووسَخه، إذا انطبق عليه ثوبٌ أو شعرٌ أو ريش.
والحَلَم يعرض لأُذنَيِ الكلب أكثرَ ذلك.
أمثال وأخبار في القراد
قال: ويقال أَقطَفُ مِنْ حَلمَة، وألزَقُ من بُرَام، وأذلُّ من قُرَاد، وقال الشاعر:
يكاد خَليلي من تقارُبِ شَخصِه ... يَعَضُّ القرَادُ باسْتِه وهو قائمُ
وقال أبو حَنش لقيس بن زهير: واللّه لأنْتَ بها أذلُّ من قُراد، فقدَّمَه وضَرَبَ عُنقَه.
وقال الراجز:
قِرْدانُه في العَطنِ الحَوْليِّ ... بِيضٌ كحَبِّ الحنْظلِ المقلي
من الخَلاءَ ومن الخُوِيِّ.
ويقال كلمة الثدي: القراد، وقال عديُّ بن الرَّقاعِ:
كأنَ قرَادَيْ صدرِه طَبعتْهُمَا ... بطينٍ من الجَوْلان كتّابُ أعْجَمِ
والقُرَادُ يعرضُ لاسْتِ الجَملِ، والنمل يعرضُ للخُصَى، وقال الشاعر:
وأنتَ مكانُك من وائل ... مكان القُرَاد مِنْ اسْتِ الجَملْ
قال الممَّزِق:
تُنَاخُ طليحاً ما تُرَاعُ من الشَّذا ... ولو ظلَّي في أوصالها العَلُّ يرتَقي
ويروَى: فباتَتْ ثلاثاً لا تُرَاع، يصف شدةَ جزعها من القردان.
وقال بشار بنُ بُرد:
أعادي الهمَّ منفرداً بشوق ... عَلَى كَبِدي كما لزق القُرَادُ
وكانوا إذا خافوا الجَدبَ والأزمة تقدموا في عمل العِلهِز، والعلْهِز.
قِردَانٌ يُعالج بدم الفصْد مع شيء من وَبر، فيدّخرون ذلك كما يدّخرُ مَن خاف الحصار الأكارعَ والجاوَرْس.
والشُّعوبيّة تهجو العربَ بأكلِ العِلْهِز، والفثِّ، والدُّعاع، والهبيد، والمغافير، وأشباِه ذلك، وقال حسانُ بنُ ثابتٍ:

(1/480)


لم يُعَلَّلْنَ بالمغافير والصَّمْ ... غِ ولا شَرْيِ حنظلِ الخُطْبانِ
وقال الطِّرِمَّاح:
لم تأكلِ الفثّ والدعاعَ ولم ... تنقف هَيبداً يَجْنيه مُهْتَبِدُه
وقال الأصمعيُّ: قال رجلٌ من أهل المدينة لرجل: أيسْرُّك أن تعيشَ حتى تجيء حَلَمةٌ من إفريقية مشياً؟ قال: فأنت يسرُّك ذلك؟ قال: أخافُ أن يقول إنسانٌ: إنها بمخيض، فيُغْشَى عليَّ ومخيض على رأسِ بَريد من المدينة.
ويقولون: أمّ القرَاد، للواحدِة الكبيرة منها، ويتسمَّوْنَ بقرَاد، ويكتنون بأبي قراد، وقد ذكر ذلك أبو النجم فقال:
للأرض من أمِّ القُرادِ الأطْحَلِ
وفي العرب بنو قُراد.
في الحبارى
ونَُقولُ في الحُبارى بِقول مُوجز، إن شاء اللّه تعالى.
قال ابنُ الأعرابي: قال أعرابيٌّ إنه ليقتلُ الحُبارَى هزلاً ظلمُ الناس بعضهم لبعض، قال يقول: إذا كثرت الخطايا منَع اللّه عز وجل دَرَّ السَّحاب، وإنما تصِيب الطيرُ من الحبِّ ومن الثمر عَلَى قدْر المَطر.
وقال الشاعر:
يسقُط الطيرُ حيثُ ينْتَثِر الحَ ... بُّ وتغشَى منازلُ الكُرَماءِ
وهذا مثل قوله:
أَمَا رأيتَ الألسُنَ السِّلاطَا ... والأذرُعَ الواسعةَ السِّباطا
إن الندَى حيثُ تَرَى الضِّغاطا
ما قيل من المثل في الحبارى
وقالوا في المثل: مات فلانٌ كَمَدَ الحُبارَى: وقال أبو الأسود الدؤلي:
وزَيْدٌ ميَّتٌ كَمَدَ الحُبَارَى ... إذا ظعنت هُنيدةُ أو تُلمُّ
ويروى: ملمّ وهو اسم امرأة.
وذلك أن الطير تتحسَّر وتتحسّر معها الحُبارى، والحُبارى إذا نُتِفتْ أو تحسّرتْ أبطأ نبات ريشها، فإذا طار صُوَيحِباتها ماتت كمداً.
وأما قوله: أو تلمّ يقول: أوْ تقارِب أن تَظْعَن.
وقال عثمان بن عفان رضي اللّه عنه: كلُّ شيء يحبُّ ولدَهُ حتى الحُبارى، يضرب بها المثل في المُوق.
سلاح الحبارى وغيرها من الحيوان
قال: وللحبارَى خِزانة بين دُبُره وأمعائه، له فيها أبداً سَلْحٌ رقيق لزج، فمتى ألحّ عليها الصقرُ وقد علمت أن سُلاحها منْ أجود سِلاحها، وأنها إذا ذرقتْهُ بقي كالمكتوف، أو المدبَّقُ المقيَّد فعند ذلك تجتمع الحبارياتُ على الصقر فينتفن ريشَه كلَّه طاقةً طاقةً وفي ذلك هلاكُ الصقر.
قال: وإنما الحُبارى في سُلاحِها كالظَّرابيِّ في فُسائها، وكالثعلب في سُلاحه، وكالعقرب في إبرتها، والزنبور في شعرته، والثور في قرنه، والدِّيك في صِيصِيَته، والأفعى في نابها، والعُقابِ في كفَّها، والتمساح في ذنبه.
وكلُّ شيء معه سلاحٌ فهو أعلم بمكانه، وإذا عدم السِّلاحَ كان أبعصَرَ بوجوه الهرب؛ كالأرنب في إيثارها للصَّعْداء، لقصر يديها، وكاستعمال الأرانب للتوبير والوطء على الزَّمَعات، واتخاذ اليرابيعِ، القاصعاءَ والنَّافقاء، والدَّامَّاء، والراهِطاء.
شعر في الحبارى
وقال الشاعر:
وهم تركوك أسْلَحَ مِنْ حُبَارَى ... رأَتْ صقراً وأَشْردَ من نَعَامِ
يريد: نعامة، وقال قيسُ بن زهير:
متى تتحزَّمْ بالمناطق ظالماً ... لتجري إلى شَأوٍ بعيد وتسبحِ
تكُنْ كالحُبارَى إن أصيبتْ فمِثْلُها ... أُصيبَ وإن تفْلِتْ من الصَّقْر تسْلحِ
وقال ابن أبي فَنَنٍ، يصفُ ناساً من الكُتَّابِ، في قصيدة له ذكرَ فيها خيانَتَهم، فقال:
رَأَوْا مالَ الإمامِ لهمْ حَلالا ... وقالوا الدِّينُ دين بنَي صَهارى
ولو كانوا يحاسبُهمْ أمينٌ ... لقد سَلَحُوا كما سَلَح الحُبارَى
الخرب والنهار والخَرَب: ذكَر الحُبارى، والنهارُ: فرْخ الحُبارى، وفرخها حارض ساقطٌ لا خير فيه، وقال متمِّمُ بن نويرة:
وضَيفٍ إذا أَرغى طُروقاً بَعيرَه ... وعانٍ ثوى في القِدِّ حتى تكنَّعا
وأرملةٍ تمشي بأشعثَ مُحْثَل ... كفَرْخ الحُبَارَى رأسُه قد تصَوَّعا
وقال أعرابيّ:
أحبُّ أنْ أصطادَ ضبّاً سَحْبَلا ... وخَرَباً يرعى ربيعاً أرملا
فجعل الخَرَب أرمَل، لأن ريشه يكون أكثر، وقد ذكرنا ما في هذا الباب فيما قد سلف من كتابنا.
خبر فيه ذكر الحبارى

(1/481)


وقال أبو الحسن المدائنيّ: قال سعيد النّواءُ: قدِمْت المدينةَ فلقيتُ عليَّ بن الحسين، فقلت: يا ابنَ رسولِ اللّه، متى يُبْعثَُ أميرُ المؤمنين عليُّ بن أبي طالب؟ قال: إذا بُعِثَ الناس.
قال: ثم تذاكرنا أَيامَ الجملَ فقال: ليته كان ممنوعاً قبل ذلك بعشرين سنة أو كلمة غير هذه قال: فأتيت حسن بن حسَنٍ، فذكرتُ له ما قال، فقال: لَوَدِدْتُ واللّه أنه كان يقاتلهم إلى اليوم قال: فخرجت من فَوري ذلك إلى عليِّ بن الحسين، فأخبرته بما قال، فقال: إنه لقليلُ الإبقاء على أبيه.
قال: وبلغ الخبرُ المختارَ فقال: أيُضَرِّبُ بين ابنَي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم؟ لأقتلنَّه فتواريت ما شاء اللّه، ثم لم أشعر إلا وأنا بين يديه، فقال: الحمد للّه الذي أمكنَني منكقال فقلت: أنت استمكنْتَ منِّي؟ أمَا واللّه لولا رؤيا رأيتها لَمَا قَدرْتَ عليّ قال: وما رأيت؟ فقلت: رأيتُ عثمان بن عفان، فقالت: أنت عثمانُ بنُ عفان؟ فقال: أنا حُبَارى، تركتُ أصحابي حَيَارى، لا يهود ولا نصارى.
فقال: يا أهل الكوفة انظروا إلى ما أرى اللّه عدوّكم ثم خلَّى سبيلي، وِقد رُوي هذا الكلامُ عن شُتَيْر بن شَكَل، أَنه رأَى معاوية في النوم فقال الكلامَ الذي رُوي عن عثمان.
ووجْهُ كلامِ عليِّ بن الحسين الذي رواه عنه سعيدٌ النواءُ، إن كان صادقاً فإنه للذي كان يسمعُ من الغالية، من الإفراط والْغلوِّ والفُحْش.
فكأنه إنما أرادَ كسرهم، وأن يحُطَّهم عن الغلوّ إلى القصْد؛ فإن دين اللّه عزّ وجلّ بَيْنَ التقصير والغلوّ، وإلا فعليُّ بن الحسين أَفْقَهُ في الدين، وأعلمُ بمواضع الإمامة، من أن يخفَى عليه فضلُ ما بين عليِّ بين طلحة والزُّبير.
شعر ومعرفة في الحبارى وقال الكميت:
وعيدَ الحبارَى من بعيد تنفَّشَتْ ... لأزْرَقَ مَغْلولِ الأظافير بالخَضْبِ
والحبارى طائرٌٌ حسن، وقد يُتَّخَذُ في الدور.
وناسٌ كثيرٌ من العرب وقريش يستطيبون مَحْسِيَّ الحُبارَى جدّاً.
قال: والحُبارى من أَشد الطير طيراناً، وأَبعَدها مَسْقَِطاً وأَطولها شوْطاً، وأقلِّها عُرْجةً، وذلك أَنها تُصْطاد بظهر البَصرة عندنا، فيشقَّق عن حواصلها، فيوجد فيه الحبّة الخضراءُ غَضّةً، لم تتغير ولم تفسُد.
وأَشجار البُطم وهي الحبّة الخضراء بعيدةُ المنابت مِنَّا وهي عُلوية أو ثغْريّة، أو جَبَلِيَّة، فقال الشاعر:
ترتعي الضّرْوَ من بَرَاقش أَو هيلا ... نَ أو يانعاً من العُتُمِ
شجر الزيتون، والضّرو شجر البُطُم، وهي الحبَّة الخضراء بالجبال شجرتها.
وقال الكَودَن العِجْليّ، ويروى العُكْلي: البطم لا يعرفه أهل الجَلْس، وبلاد نجد هي الجلس، وهو ما ارتفع، والغور هو ما انخفض.
وبَراقِشُ: واد باليمن، كان لقوم عاد، وبراقشُ: كلبةٌ كانت تتشاءم بها العرب، وقال حمزة بن بيض:
بل جناها أَخٌ عَلَيَّ كريمٌ ... وعَلَى أَهلِها بَرَاقِشُ تجْنِي
القول في الضأْن والمعز
قال صاحب الضَّأن: قال اللّه تبارك وتعالى: " ثَمانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضّأْن اثْنَين وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ " ، فقدَّم ذِكرَ الضأن.
وقال عزّ وجلّ: " وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظيمٍ " ، وقد أَجمعوا على أَنه كبشٌ، ولا شيءَ أَعظمُ مما عظّم اللّه عزّ وجلّ، ومِنْ شيء فُدِيَ به نبيٌّ.
وقال تعالى: " إنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجةٌ وَاحِدةٌ " ولم يقل إنَّ هذا أَخي له تسعٌ وتسعونَ عَنْزَاً وَلي عنزٌ واحدة؛ لأن الناس يقولون: كيف النعجة؟ يريدون الزوجة.
وتسمي المها مِنْ بقَر الوحش نعاجاً ولم تسمّ بعُنُوز، وجَعلهُ اللّه عزّ وجلّ السّنّةَ في الأضاحي، والكبشُ للعقيقة وهدية العُرْس وجعل الجذَع من الضأن كالثّنِيِّ من المعْز في الأُضْحِيَة.
وهذا ما فضَّل اللّه به الضأن في الكتاب والسُّنّة.
فضل الضأْن على المعز
تولَّد الضأن مرة في السّنَة، وتُفْرِد ولا تُتئِم، والماعزة قد تولَّد مرتين، وقد تضعُ الثلاثَ وأكثرَ وأقلَّ.
والبركة والنَّماء والعددُ في الضأن، والخنزيرةُ كثيرةُ الخنانيص، يقال إنها تلد عشرينَ خِنَّوصاً، ولا نماء فيها.

(1/482)


قال: وفضل الضأن على المعز أن الصوف أغلى وأثمنُ وأكثرُ قدراً من الشعر، والمثلُ السائر: إنما فلانٌ كبشٌ من الكِباش، وإذا هجَوه قالوا: إنما هو تيسٌ من التيوس إذا أرادوا النتن أيضاً، فإذا أرادوا الغاية في الغباةِ قالوا: ما هو إلا تيسٌ في سفينة.
والحُمْلاَنُ يلعبُ بها الصبيان، والجداءُ لا يُلعبُ بها، ولبنُ الضأن أطيبُ وأخثَرُ وأدسم، وزُبْده أكثر، ورؤوس الضأن المشوِيّةُ هي الطيبة المفضلة، ورؤوس المعْز ليس عندها طائل.
ويقال رؤوس الحُملان، ولا يقال رؤوس العِرْضان.
ويقال لِلُّوطِيِّ الذي يلعب بالحُدَّر من أولاد الناس: هو يأكل رؤوس الحُملان؛ لمكان ألية الحَمل، ولأنه أخْدل وأرطب، ولم يقولوا في الكناية والتعريض: هو يأكل رؤوس العِرضان.
والشِّواءُ المنعوتُ شِواءُ الضأن، وشحمُه يصير كلُّه إهالةً أوَّله وآخرُهُ، والمعْز يبقى شحمُه على حاله، وكذلك لحمه، ولذلك صار الخبَّازون الحُذَّاقُ قد تركوا الضأن؛ لأن المعْز يبقى شحمه ولحمه، فيصلح لأن يسخَّن مراتٍ، فيكون أربَحَ لأصحاب العُرس.
والكباشُ للهدايا وللنطاح، فتلك فضيلةٌ في النجدة وفي الثقافة، ومن الملوك من يُرَاهِنُ عليها، ويضع السَّبَق عليها، كما يراهن على الخيل.
والكبشُ الكراز يحمل الراعيَ وأداةَ الراعي، وهو له كالحمار في الوقير، ويعيش الكرَّازُ عشرين سنة.
وإذا شَبِقَ الراعي وَاغتَلم اختارَ النعجة على العنز، وإذا نعتوا شكلاً من أشكال مشي البراذِين الفُرَّه قالوا: هو يمشي مشْي النِّعاج.
وقال اللّه عزّ وجلّ: " وَمِنْ أَصوَافِها وَأَوْبَارِها وَأَشْعَارِهَا " فقدّم الصُّوف.
والبُخْت هي ضأن الإبل، منها الجمّازات، والجواميس هي ضأن البقر، يقال للجاموس الفارسية: كاوْماش.
ولا يُذْكرُ الماعزُ بفضيلةٍ إلا ارتفاعَ ثمن جلده، وغَزَارةَ لبَنه، فإذا صِرْتَ إلى عدَدِ كثرة النِّعاج وجلودِ النعاج والضأن كلِّها أرْبَى ذلك على ما يفضُلُ به الماعزُ الضأن في ثمنِ الجلد، والغَزر في اللبن.
قول ابنة الخس ودغفل في المعز
وقيل لابنة الخُسّ: ما تقولين في مائة من الماعز؟ قالت: قِنًى! قيل: فمائة من الضأن؟ قالت: غِنًى، قيل: فمائة من الإبل؟ قالت: مُنًى! وسئل دَغْفل بن حنظلة عن بني مخزوم، فقال: مِعزَى مَطيرة، عليها قُشَعْرِيرة، إلا بني المغيرة؛ فإن فيهم تشادُقَ الكلام، ومصاهرة الكرام.
ما قيل من الأمثال في العنز
وتقول العرب: لهو أصْرَدُ من عَنزٍ جَرْباء وتقول العرب: العنز تُبْهِي ولا تُبْنِي لأن العنز تصعَد على ظهور الأخْبِيةِ فتقطعها بأظلافها، والنعجةَ لا تفعل ذلك.
هذا، وبيوتُ الأعراب إنما تُعْمَلُ من الصوف والوبَر، فليس للماعز فيها معونة، وهي تخرِّقها، وقال الأول:
لو نزلَ الغيثُ لأَبْنَيْنَ امرأً ... كانت له قبَّةٌ سَحْقَ بجادْ
أبناه: إذا جعل له بناء، وأبنية العرب: خيامهم؛ ولذلك يقولون: بنى فلانٌ على امرأته البارحة،
ضرر لحم الماعز
وقال لي شمؤون الطبيب: يا أبا عثمان، إياك ولحم الماعز؛ فإنه يورثُ الهمَّ، ويحرِّك السّوداء، ويورثُ النِّسيان، ويُفسدُ الدمَ وهو واللّه يخبِّل الأولاد.
وقال الكلابيُّ: العُنُوق بعد النُّوق، ولم يقل: الحمَل بعد الجمَل.
وقال عمرُو ابن العاص للشيخ الجُهنيِّ المعترض عليه في شأن الحكَمين: وما أنتَ والكلامَ يا تيس جُهينة؟ ولم يقلْ يا كبشَ جُهينة؛ لأن الكبشَ مدحٌ والتَّيس ذمٌّ.
وأما قوله: إن الظّلف لا يُرَى مع الخُفِّ فالبقرُ والجواميس والضأن والمعْز في ذلك سواء.
قال: وأُتُيَ عبدُ الملكِ بن مرْوان في دخوله الكوفة على موائد بالجِداء، فقال: فأين أنتم عن العماريس؟ فقيل له: عماريس الشّام أطيب.
وفي المثل: لهو أَذَلُّ من النقَد، النقَد هو المعز، وقال الكذّابَ الحِرْمازيُّ:
لو كنتمُ قولاً لكنتمُ فَندَا ... أو كنتمُ ماءً لكنتمُ زَبَدا
أو كنتمُ شاءً لكنتم نَقَدا ... أو كنتم عوداً لكنتم عُقَدا
اشتقاق الأسماء من الكبش
قال: والمرأة تسمى كَبْشَةً، وكُبَيشة، والرجل يكنى أبا كَبْشة، وقال أبو قُردودة:
كبيشة إذ حاولتْ أن تَبِ ... ينَ يستبقُ الدمعُ مني استباقا

(1/483)


وقامتْ تريكَ غداة الفراقِ ... كشحاً لطيفاً وفخذاً وساقا
ومنسدلاً كمثاني الحبا ... ل توسعه زَنْبقاً أو خلاقا
وأول هذه القصيدة:
كبيشةُ عِرْسي تريدُ الطَّلاقا ... وتسألُني بعْدَ وَهْنٍ فِراقا
قول القصاص في تفضيل الكبش على التيس
وقال بعض القُصّاص: ومما فضل اللّه عزّ وجلّ به الكبْش أن جعله مستورَ العورة من قُبُل ومن دبُر، وممَّا أهان اللّه تعالى به التيس أن جعله مهتوكَ الستر، مكشوف القبُل والدُّبُرِ.
التيس في الهجاء
وقال حسّان بن ثابتٍ الأنصاريُّ:
سألت قريشاً كلها فشرارُها ... بنو عامر شاهتْ وجوهُ الأعابِدِ
إذا جلسوا وسْطَ النَّدِيِّ تجاوبوا ... تجاوُبَ عِتْدَان الربيعِ السَّوافِدِ
وقال آخر:
أعثمانُ بنُ حَيّانَ بنِ أدم ... عَتوٌُ في مَفارِقِه يبولُ
ولو أني أشاءُ قد ارفأنَّتْ ... نَعامَتُه ويعلمُ ما أقولُ
وقال الشاعر:
سُمِّيتَ زَيداً كي تزيد فلم تُزِدْ ... فعادَ لك المسْمِي فسَمَّاك بالقَحْرِ
وما القحْرُ إلا التّيسُ يعتك بَولُه ... عليه ويمني في الَّلبان وفي النَّحْرِ
نتن التُّيوس
فالتَّيس كالكلب؛ لأنه يقزَحُ ببوله، فيريدُ به حاقَّ خَيشومه، وبول التَّيس من أخْثَر البَولِ وأَنتنِه، وريحُ أبدانِ التُّيوس إليها ينتهي المثَل، ولو كان هذا العرَضُ في الكبش لكان أعذرَ له؛ لأن الخموم واللخَن، والعفَن والنَّتْن، لو عرض لجلدِ ذي الصُّوفِ المتراكم، الصَّفيق الدقيق، والملتفِّ المستكثِف؛ لأن الرِّيح لا تتخلَّله، والنسيم لا يتخرّقه - لكان ذلك أشبه.
فقد علِمْنا الآن أن للتيسِ مع تخلخل شعره، وبروز جلده وجفوف عرَقه، وتقطع بخارِ بدنه - فضلاً ليس لشيء سواه، والكلبُ يُوصَفُ بالنَّتْن إذا بلّه المطَر، والحيَّات توصفُ بالنّتن، ولعل ذلك أن يجدَه من وَضع أنفه على جلودها.
وبولُ التّيس يخالط خَيشومَه، وليس لشيء من الحيوان ما يشْبِهُ هذا، إلا ما ذكرْنا من الكلب، على أن صاحب الكلب قد أنكَرَ هذا.
وجلود التُّيوس، وجلود آباط الزِّنْج، مُنتِنَة العرَق، وسائر ذلك سليم، والتيس إبطٌ كله، ونتْنه في الشتاء كنتْنه في الصيف، وإنا لندخل السكّةَ وفي أقصاها تَيَّاس، فنجِدُ نتْنها من أدناها، حتى لا يكاد أحدُنا يقطعُ تلك السكة إلا وهو مخمَّرُ الأنف، إلاما كان مما طبَعَ اللّه عزّ وجلّ عليه البَلَوِيّ وعليّاً الأسواري؛ فإن بعضَهما صادقَ بعضاً على استطابة ريح التيوس، وكان ربما جلسا على باب التَّيَّاس؛ ليستنشقا تلك الرائحة، فإذا مرَّ بهما من يعرفهما وأنكر مكانهما، ادّعيا أنهما ينتظران بعض من يخرجُ إليهما من بعض تلك الدُّور.
المكّيّ وجاريته فأما المكي فإنه تعشَّقَ جاريةً يقال لها سَنْدَرة، ثم تزوجها نَهاريَّة وقد دعاني إلى منزلها غيرَ مرّة، وخَبَّرني أنها كانت ذاتَ صُنان، وأنه كان معجَباً بذلك منها، وأنها كانت تعالجه بالمرتك، وأنه نهاها مراراً حتى غضب عليها في ذلك، قال: فلما عرَفَتْ شهوتي كانت إذا سألَتْني حاجة ولم أقضها قالت: واللّه لأتَمَرَْتَكَنَّ، ثم واللّه لأتَمرتكَنَّ، ثمَّ واللّه لأتَمَرْتكنَّ فلا أجِدُ بُدّاً من أن أقضي حاجتها كائناً ما كان.
اشتهاء ريح الكرياس وحدّثني مُويس بن عمران، وكان هو والكذب لا يأخذان في طريق، ولم يكن عليه في الصدق مَؤونة، لإيثاره له حتى كان يستوي عنده ما يضرُّ وما لا يضر - قال: كان عندنا رجل يشتهي ريح الكِرْياس لا يشفيه دونه شيء، فكان قد أعدَّ مِجْوَباً أو سكة حديد في صورة المِبرد، فيأتي الكراييس التي تكون في الأزقة القليلة المارة، فيخرِق الكِرياس ولا يبالي، أكان من خزَف أو من خشب، ثم يضعُ منخرَيه عليه، حتى يقضِيَ وطرَه.
قال: فلقي الناسُ من سَيَلان كرايِيسهم شرّاً حتى عثَروا عليه فما منعَهُم من حبسه إلا الرحمة له من تلك البليّة، مع الذي رأوا من حسن هيئته، فقال لهم: يا هؤلاء، لو مررتم بي إلى السلطانِ كان يبلغُ من عقابي أكثر مما أبلغ من نفسي؟ قالوا: لا واللّه وتركوه.
نتن العنز

(1/484)


قالوا: وهذا شأنُ التَّيس، وهو أبو العنز، ولا تلد الحيَّة إلا حيّة، ولا بد لذلك النّتْن عن ميراث في ظاهر أو باطن، وَأَنْشدوا لابن أحمر:
إني وجدْت بني أعْيَا وجاملهم ... كالعنز تَعطفُ رَوقَيها فتَرتضعُ
وهذا عيب لا يكون في النِّعاج.
مثالب العنز
والعَنز هي التي ترتضع من خِلفِها وهي مُحَفَّلة، حتى تأتيَ على أقصى لبنِها، وهي التي تنزع الوتد وتقلِبُ المِعْلَف، وتنثر ما فيه.
وإذا ارتعتِ الضائنة والماعزة في قصيل، نبتَ ما تأكله الضائنة، ولا ينبت ما تأكله الماعزة، لأن الضائنة تقرِض بأسنانها وَتقطع، والماعزة تقبض عليه فتثيره وتجذبه، وهي في ذلك تأكله، ويضرب بها المثلُ بالموق في جلْبها حَتْفَها على نفسها، وقال الفرزدق:
فكانتْ كَعَنْزِ السُّوءِ قامتْ بظِلْفِها ... إلى مُدْيَةٍ تحتَ التُّرابِ تُثيرُها
تيس بني حمان
وقال الشاعر:
لَعَمْرُك ما تَدْرِي فَوَارِسُ مِنْقَرٍأَفِي الرأْسِ أَمْ فِي الإستِ تُلْقَى الشَّكائمُ
وألْهى بَني حِمَّانَ عَسْبُ عَتودِهم ... عن المجْد حتى أحرزَتْهُ الأكارِمُ
وذلك أن بني حمَّان تزعم أن تيسهم قرَعَ شاةً بعد أن ذُبح وأنه ألقحها.
أعجوبة الضأن
قالوا: في الضأن أعجوبةٌ؛ وذلك أن النعجة ربما عظمت ألْيَتُها حتى تسقطَ على الأرض، ويمنعها ذلك من المشي، فعند الكبش رِفقٌ في السِّفاد، وحِذْقٌ لم يُسْمَعْ بأعجبَ منه، وذلك أنه يدنو منها ويقف منها موقفاً يعرِفُه، ثم يصكّ أحدَ جانبي الأليةِ بصدره، بمقدارٍ من الصكّ يعرفه، فيفرج عن حياها المقدار الذي لا يعرفه غيرُه، ثم يسفَدُها في أسرَعَ من اللَّمح.
فضل الضأن على الماعز
وقالوا: والضأنُ أحمَلُ للبرد والجَمد ولِلرِّيح والمطر.
قالوا: ومن مفاخر الضأن على المعز أن التمثيل الذي كان عند كسرى والتَّخييرَ، إنما كان بين النعجة والنخلة، ولم يكن هناك للعنز ذِكر وعلى ذلك الناسُ إلى اليوم.
والموتُ إلى المعزَي أسْرَع، وأمرَاضها أكثر، وإنما معادِن الغنَم الكثير الذي عليه يعتمدُ الناسُ الجبالُ، والمعز لا تعيش هناك، وأصوافُ الكِباش أمنَعُ للكِباشِ من غِلَظ جُلودِ المعز، ولولا أن أجوافَ الماعز أبردُ وكذلك كُلاها، لَمَا احتَشَتْ من الشّحم كما تحتشي.
جمال ذكورة الحيوان وقبح التيوس
وذكورة كلِّ جنس أتمُّ حُسناً من إناثها، وربما لم يكنْ للإناث شيءٌ من الحُسنِ، وتكون الذكورةُ في غاية الحسن؛ كالطواويس والتَّدارج، وإناثها لا تدانيها في الحُسن، ولها من الحسن مقدارٌ، وربما كُنَّ دونَ الذُّكورة، ولهنّ من الحسن مقدار، كإناث الدَّراريج والقَبَج والدجاج والْحمام، والوراشين، وأشباه ذلك.
وإذا قال الناس: تيّاس، عُرِف معناه واستُقْذِرَتْ صناعته، وإذا قالوا: كَبَّاش، فإنما يعنُون بيعَ الكبَاش واتخاذها للنِّطاح.
والتُّيوسُ قبيحة جدّاً، وزاد في قبحها حُسْن الصَّفايا.
التشبيه بالكباش والتفاؤل بها
وإذا وصفوا أعذاق النخلِ العِظام قالوا: كأنَّها كِباش.
وقال الشاعر:
كأنَّ كِباشَ السَّاجِسِيَّةِ عُلِّقت ... دُوينَ الخوافي أو غرايرَ تاجِرِ
وصَوّر عُبيدُ اللّه بن زياد، في زقاق قصره، أسداً، وكلباً، وكبشاً فقَرَنَه مع سَبُعين عظيمَي الشأن: وحشيًّ، وأهليّ؛ تفاؤلاً به.
شعر في ذم العنز
ومما ذمُّوا فيه العنز دونَ النعجةِ قولُ أبي الأسودِ الدُّؤَلي:
ولستُ بمعراضٍ إذا ما لقيته ... يعبِّس كالغَضْبان حين يقولُ
ولا بِسبس كالعنز أطولُ رِسْلها ... ورِئمانها يومان ثم يزولُ
وقال أبو الأسود أيضاً:
ومن خير ما يتعاطي الرجالُ ... نصيحةُ ذي الرأي للمجتبيها
فلا تكُ مثلَ التي استخرجتْ ... بأظلافها مديةً أو بفيها
فقام إليها بها ذابح ... ومن تدع يوماً شعوبُ يجيها
فظلتُ بأوصالها قدرُها ... تحشُّ الوليدةُ أو تشتويها
وقال مسكين الدارميّ:
إذا صَبَّحَتْني من أُناسٍ ثَعالبٌ ... لترفع ما قالوا مَنَحْتُهُم حَقْرَا

(1/485)


فكانوا كعنزِ السَّوءِ تثغُو لحَيْنها ... وتحفِرُ بالأظلافِ عن حتفها حَفْرَا
وقال الفرزدق:
وكان يُجيرُ الناس من سيف مالكٍ ... فأصبح يبغي نفسه من يُجيرُها
وكان كعنز السُّوء قامت بظلفها ... إلى مُدْية تحت التراب تثيرها
أمنية أبي شعيب القلال وقال رمضانُ لأبي شُعيبٍ القَلاَّل - وأبو الهُذَيل حاضر - : أيَّ شيء تشتهي؟ وذلك نصفُ النهار، وفي يومٍ من صَيف البصرة، قال أبو شعيب: أشتهي أن أجيءَ إلى بابِ صاحب سَقَط، وله على باب حانوته أليةٌ معلقة، من تلك المبزَّرة المشرّجة، وقد اصفرّت، ووَدكُها يقطر من حاقِّ السِّمَن، فآخُذَ بحِضْنها ثم أفتح لها فمي، فلا أزال كَدْماً كدماً، ونهشاً نهشاً، وودكها يسيلُ على شِدْقي، حتى أبلغَ عَجْب الذّنب قال أبو الهذيل: ويلك قتلتَني قتلتني يعني من الشهوة.
باب في الماعز
قال صاحب الماعز: في أسماء الماعز وصفاتها، ومنافعها وأعمالها، دليلٌ على فضلها، فمن ذلك أن الصفية أحسن من النعجة، وفي اسمها دليل على تفضيلها، ولبنها أكثر أضعافاً، وأولادُها أكثرُ أضعافاً، وزُبْدُها أكثرُ وأطيب.
وزعم أبو عبد اللّه العتبيّ أن التيس المشْراطيّ قرع في يومٍ واحد نيِّفاً وثمانين قَرْعَة، وكان قاطعَ الشهادة، وقد بِيع من نسل المِشْراطيّ وغيره الجديُ بثمانين درهماً، والشاةُ بنحوٍ من ذلك، وتحلب خمسة مَكاكيك وأكثر، وربما بيع الجلد جلد الماعز فيشتَريه الباضورَكي بثمانين درهماً وأكثر.
والشاة إذا كانت كذلك فلها غَلَّةٌ نافعة تقوم بأهل البيت.
والنعال البقريّة من السِّبت وغير السِّبت مقسومٌ نفعُها بين الماعز والبقر، لأن للشُّرُك من جلودها خطَراً، وكذلك القِبال والشِّسْع.
ووصفَ حُميد بن ثَوْر جلداً من جلودها، فقال:
تتابَعَ أعوامٌ علينا أطَبْنها ... وأقبَلَ عامٌ أصْلحَ الناسَ واحدُ
وجاءتْ بذي أونَين مازال شاتُه ... تُعمِّر حتى قيل هل ماتَ خالدُ
وقال راشد بن سِهابُ:
ترى رائداتِ الخيل حول بيوتنا ... كمِعْزَى الحجاز أعْوَزَتْها الزَّرائبُ
لحم الماعز والضأن
ومن منافعها الإنتفاعُ بشحم الثرْب والكلية، وهما فوق شحم الألْية، وإذا مدحوا اللحمَ قالوا: لحم الماعز الخَصيِّ الثَّنيّ وقال الشاعر:
كأن القوم عُشُّوا لَحمَ ضأنٍ ... فَهُمْ نَعِجُون قد مالت طُلاَهمْ
والمَمرورون الذين يصرَعون، إذا أكلوا لحم الضأن اشتدَّ ما بهم، حتى يصرعَهم ذلك في غيرِ أوان الصرْع.
وأوان الصَّرْع الأهِلَّةُ وأنصاف الشهور، وهذان الوقتان هما وقتُ مدِّ البحر وزيادة الماء، ولزيادة القمر إلى أن يصيرَ بدراً أثرٌ بيِّنٌ في زيادة الدِّماء والأدمغة، وزيادة جميع الرطوبات.
أمثال في المعز والضأن
ويقال: فلانٌ ماعزٌ من الرِّجال، وفلانٌ أمْعَزُ مِنْ فلان، والعِتاق مَعْزُ الخَيْل، والبراذين ضأنها، وإذا وصفوا الرّجُل بالضعف والموق قالوا: ماهو إلا نعجةٌ من النعاج، ويقولون في التقديم والتأخير: ما له سَبَدٌ ولا لَبَد.
وقال الشاعر:
نشبى وما جمعتُ من صفدَ ... وحويتُ من سبدَ ومن لبدِ
هم تقاذفت الهموم بها ... فنزعن من بلدٍ إلى بلدِ
يا روحَ منْ حسمت قناعتُه ... سَببَ المطامع من غدٍ وغدِ
من لم يكنْ لله متهماً ... لم يمسِ محتاجاً إلى أحدِ
وهذا شعر رويتُه على وجْه الدهر.
وزعم لي حُسَين بن الضّحّاك أنه له، وما كان لِيَدَّعيَ ما ليس له.
وقال لي سعدانُ المكفوف: لايكون: فنَزَعْنَ من بلد إلى بلَد بل كان ينبغي أن يقول: فنازعن.
؟فضل الماعز
وقال: والماعزة قد تُولَّد في السنة مرتين، إلا ما ألقي منها في الدِّياس، ولها في الدِّياس نفعٌ موقعُه كبير، وربما باعوا عندنا بطنَ الماعز بثمنِ شاةٍ من الضأن.
قال: والأقِط للمعز، وقرونها هي المنتفع بها.
قال: والجدْيُ أطيبُ من الحمل وأكرم، وربما قدموا على المائدةِ الحملَ مقطوع الألية من أصل الذَّنَب؛ ليوهِمُوا أنه جَدْي.

(1/486)


وقال عمر بن الخطاب، رضي اللّه عنه - وعقولُ الخلفاء فوقَ عقولِ الرّعية، وهم أبْصَرُ بالعيش، استعملوا ذلك أو تركوه - فقال: أتُرَوْنَ أني لا أعرِفُ الطيبات؟ لبابُ البُرّ بصغار المعزى.
وملوكنا يُحمَل معهم في أسفارهم البعيدة الصفايا الحواملُ، المعروفاتُ أزمانِ الحمل والوضع، ليكون لهم في كل منزلٍ جِداءٌ مُعَدَّة، وهم يقدرون على الحُملانِ السِّمان بلا مؤونة.
والعَناق الحمراء والجِداءُ، هي المثل في المعْز والطِّيب، ويقولون: جِداء البَصرة، وجِداء كَسْكر.
وسلْخ الماعز على القَصَّاب أهوَن، والنَّجّار يذكر في خصال السَّاج سَلَسَهُ تحت القَدُوم والمثقَب والميشار.
أمارات حمل الشاة
وقيل لأعرابي: بأي شيءٍ تعرفُ حملَ شاتك؟ قال: إذا تورَّم حيَاها ودجَتْ شَعْرتها واستفاضت خاصرتها.
وللداجي يقال: قد كان ذلك وقد دَجَا ثوبُ الإسلام، وكان ذلك وثَوبُ الإسلام داجٍ.
المِرْعِزِيِّ وقرابة الماعزة من الناس
قال: وللماعز المِرْعِزِيّ؛ وليس للضأن إلا الصوف.
والكِسَاءُ كلها صوفٌ ووبر وريشٌ وشعرٌ، وليس الصوف إلا للضأن، وذوات الوبر كالإبل والثعالب، والخُزَز والأرنب، وكلاب الماء، والسّمُّور، والفَنَك، والقاقُم، والسِّنجاب، والدِّباب.
والتي لها شعر كالبقر والجواميس، والماعز، والظباء، والأُسْد، والنمور، والذئاب، والبُبور، والكلاب، والفهود، والضباع، والعِتاق، والبراذين، والبغالِ، والحمير، وما أشبه ذلك.
والإنسان الذي جعله اللّه تعالى فوقَ جميع الحيوان في الجمال والاعتدال، وفي العقل والكرم، ذو شعر.
فالماعزة بقرابتها من الناس بهذا المعنى أفخر وأكرم.
الماعز التي لا ترد
وزعم الأصمعيُّ أن لبني عُقَيلٍ ماعزاً لا ترِد ؛ فأحَِسَبُ واديَهم أخصبَ واد وأرطبه، أليس هذا من أعجب العجَب؟.
جلود الماعز
ومن جلودها تكون القِربُ، والزِّقاق، وآلة المشاعِل، وكلُّ نتِحْي وسعْن، ووَطْب، وشُكَيَّة وسِقاءٍ، ومَزَادَةٍ، مسطوحةً كانت أو مثلوثة، ومنها مايكون الخون، وعِكْمُ السَّلْف، والبطائن والجُرُب، ومن الماعزة تكون أنطاع البُسط، وجِلال الأثقال في الأسفار، وجِلال قِبابِ الملوك، وبقباب الأدَم تتفاخر العرب، وللقباب الحمر قالوا: مضر الحمراء، وقال عَبيد بن الأبرص:
فاذهبْ إليكَ فإني من بني أسَدٍ ... أهلِ القِباب وأهلِ الجُردِ والنادي
الفخر بالماعز
وقالوا: وفخرتم بكبشة وكبيشة وأبي كبشة، فمِنَّا عنز اليمامة وعنز وائل، ومنا ماعز بن مالك، صاحب التوبة النَّصوح.
وقال صاحبُ الماعز: وطعنتم على الماعزة بحفرها عن حتفها، فقد قيل ذلك للضأن. من ذلك البكري للغنبرية، وهي قيلة وصار معها إلى النبي فسأله الدهناء، فاعترضت عنه قيلة، فقال لها البكري: إني وإياك كما قال القائل: عن حتفها تبحث ضأن بأظلافها؟ فقالت له العنبرية: مهلاً، فإنك ما علمت: جواداً بذي الرجل، هادياً في الليلة الظلماء، عفيفاً عن الرفيقة؟؟! فقال: لا زلت مصاحباً بعد أن أثنيت علي بحضرة الرسول بهذا!
ضرر الضأن ونفع الماعز
وقالوا: والنعجة حرب، واتخاذها خسران، إلا أن تكون في نعاج سائمة، لأنها لا ترفع رأسها من الأكل. والنعجة آكلُ من الكبش، والحجر آكل من الفحل، والرمكة آكل من البرذون. والنعجة لا يقوم نفعها بمؤونتها. والعنز تمنعُ الحيَّ الجلاء، فإن العرب تقول: إن العنوق تمنع الحيَّ الجلاء.
والصفية من العراب أغرر من بخُتيةٍ بعيداً.
ويقال: أحمق من راعي ضأن ثمانين!.
كرم الماعز
وأصناف أجناسِ الأظلاف وكرامها بالمعز أشبه، لأن الظباء والبقر من ذوات الأذناب والشعر، وليست من ذوات الألايا والصوف. والشمُل، والتعاويذ والقلائد، إنما تتخذ للصفايا، ولا تُتخذ للنعاج، ولا يخاف على ضروعها العين والنفس.
والأشعار التي قيلت فلي الشاء إذا تأملتها وجدت أكثرها في المعز: في صفاياها وفي حوها، وفي تيوسها وفي عنوقها وجدائها. وقال مخارق ابن شهاب المازني - وكان سيداً كريماً، وكان شاعراً - فقال يصف تيس غنمه:
وراحت أصَيلاناً كأن ضروعَها ... دلاء وفيها واتدُ القرن لبلب
له رعثات كالشُّنوف وغُرَّةٌ ... شديخٌ ولون كالوذيلة مذُهبُ

(1/487)


وعينا أحم المقلتين وعصمةٌ ... ثنى وصلها دان من الظلف مكثب
إذا دوحةٌ من مخلف الضال أربلت ... عطاها كما يعوذُرى الضال قرْهَبُ
تلاد رقيق الخدّ إنْ عُدَّ نجرهُ ... فصردان نعمَ النجر منه وأشعب
أبو الغُرِّ والحوِّ اللواتي كأنها ... من الحسن في الأعناق جزعٌ مثقبُ
إذا طاف فيها الحالبانِ تقابلت ... عقائلُ في الأعناقِ منها تحلبُ
ترى ضيفها فيها يبيت بغبطةٍ ... وضيفُ ابن قيس جائعٌ يتحوبُ
قال: فوفد ابن قيس هذا، على النعمان، فقال له: كيف المخارقُ فيكم؟ قال: سيد شريف، من رجل يمدح تيسه، ويهجو ابن عمه! وقال الراجز:
أنعتُ ضاناً أمجرتْ غثاثاً
والمِجَر: أن تشربَ فلا تروى. وذلك من مثالبها.
وقال رجل لبعض ولد سليمان بن عبدِ الملك: " ماتت أمُّك بغراً، وأبوك بشما! " .
وقال أعرابي:
مولى بني تيمٍ، ألستَ مؤدياً ... منيحتنا كما تؤدى المنائح
فإنك لو أديت صعدةَ لم تزلْ ... بعلياء عندي، ما ابتغى الربحَ رابح
لها شعرٌ داجٍ وجيدٌ مقلص ... وخلقٌ زخاريّ وضرعٌ مجالحُ
ولو أشليتْ في ليلةٍ رجبيةٍ ... لأرواقها هطلٌ من الماء سافحُ
لجاءت أمامَ الحالبينِ وضرعُها ... أمامَ صفاقَيها مبدٌّ مضارحُ
وويلُ أمها كانت نتيجةَ واحد ... ترامى بها بيدُ الإكام القراوح
أصناف الظلف وأصناف الحافر ليس سبيلُ الظلفِفي التشابه سبيلَ أصناف الحافر، والخفة. واسم النعم يشتمل على الإبل والبقر والغنم.وبعد بعض الظلف من بعض، كبعده من الحافر والخف؛ لأن الظلف للضأن والمعز والبقر والجواميس والظباء والخنازير وبقر الوحش، وليس بين هذه الأجناس تسافد ولا تلاقح، لا الغنم في الغنم من الضأن والماعز، ولا الغنم في سائر الظلف ولا شيء من سائر تلك الأجناس تسافدُ غيرها أو تُلاقِحُها. فهي تختلف في الصوف والشعر، وفي الأنس والوحشة، وفي عدم التلاقح والتسافد وليس كذلك الحافر والخف.
رجَز في العنز
وقال الراجز:
لَهَفي على عنْزين لا أنساهما ... كأنَّ ظِلَّ حَجَرٍ صُغْرَاهُما
وصالِغٌ مُعْطِرةٌ كُبراهما
قوله: صالغٌ، يريد انتهاء السنّ، والمعطرة: الحمراء؛ مأخوذة من العِطر، وقوله: كأن ظلّ حجَر صُغراهما يريد أنها كانت سوداء، لأن ظِلَّ الحجَر يكونُ أَسودَ، وكلما كان الساتر أشدَّ اكتنازاً كان الظلُّ أشدَّ سواداً.
قولهم أظل من حجر وتقول العرب: ليس شيءٌ أظلَّ من حجَر، ولا أدفأ من شجَر، وليس يكون ظلٌّ أبرَدَ ولا أشدَّ سواداً من ظلِّ جبل، وكلما كان أرفع سَمْكاً، وكان مَسْقِطَ الشمس أبعَد، وكان أكثر عرضاً وأشدَّ اكتنازاً، كَان أشدَّ لسواد ظله.
ويزعم المنجِّمون أن الليلَ ظلٌّ الأرض، وإنما اشتدَّ جدّاً لأنه ظلُّ كُرةِ الأرض، وبقدر ما زاد بدنها في العِظَم ازدادَ سوادُ ظِلِّها.
وقال حميد بن ثَور:
إلى شَجَرٍ ألمَى الظلالَ كأنها ... رواهبُ أحْرَمْنَ الشرابَ عُذُوبُ
والشفَّة الحمَّاء يقال لها لَمْياء، يصِفُون بذلك اللِّثة، فجعَل ظِلَّ الأشجار الملتفَّة ألمى.
أقط الماعز
وقال امرؤ القيس بن حُجْر:
لنا غَنَمٌ نُسوِّقها غِزارٌلنا ... كأنَّ قرُونَ جِلَّتِها العِصِيُّ
فدلّ بصفة القرون عَلَى أنها كانت ماعزة، ثم قال:
فتمْلأُ بيتَنا أَقِطاً وسَمْناً ... وحَسْبُكَ من غِنًى شِبعٌ ورِيُّ
فدلَّ عَلَى أن الأقط منها يكون.
استطراد لغوي وقال: ويقال لذواتِ الأظلاف: قد ولِّدت الشاة والبقرة، مضمومة الواو مكسورة اللام مشدودة، يقال هذه شاة تُحلَب قفيزاً، ولا يقال تحلُب، والصواب ضم التاء وفتح اللام.

(1/488)


ويقال أيضاً: وضعَتْ، في موضع وُلِّدت، وهي شاة رُبَّى، من حينِ تضعُ إلى خمسةَ عشَرَ يوماً - وقال أبو زيد: إلى شهرين - مِنْ غنم رُباب، مضمومة الرَّاء عَلَى فُعال، كما قالوا: رَجُل ورُجال، وظئر وظؤار وهي رُبَّى بيّنة الرِّباب والرِّبَّة بكسر الرّاء، ويقال هي في رِبابها، وأنشد:
حَنِينَ أمِّ البَوِّ في رِبابها
والرِّباب مصدر، وفي الرُّبى حديث عمر: دَعِ الرُّبَّى والماخِض والأَكولة، وقال أبو زيد: ومثل الرّبّى من الضأن الرّغوث، قال طَرَفة:
فليتَ لنا مكانَ المَلْكِ عَمرٍو ... رَغُوثاً حَوْلَ قُبَّتِنا تخُور
وقالوا: إذا وضعت العنز ما في بطنها قيل سَليل ومَلِيط، وقال أبو زيد: هي ساعةَ تضعَه من الضأن والمعز جميعاً، ذكراً كان أو أنثى: سخلةٌ، وجمعُها سَخْل وسِخَال، فلا يزال ذلك اسمَه ما رضعَ اللبَن، ثم هي البَهْمة للذكر والأنثى، وجمعُها بَهْم، وقال الشاعر:
وليس يَزْجُرُكُم ما تُوعَظُون به ... والبَهْمُ يزجرُها الراعي فتنزجرُ
ويروى: يُزْجَر أحياناً، وإذا بلغَتْ أربعة أشرٍ وفُصِلتْ عن أمهاتها، وأكلَتْ من البقل واجترّت، فما كان من أولاد المعز فهو جَفْر، والأنثى جَفْرة، والجمع جِفَار، ومنه حديث عمر رضي اللّه عنه، حين قضى في الأرنبِ يُصِيبها المحرمُ بجَفْر.
فإذا رَعَى وقوِيَ وأتى عليه حولٌ فهو عريض، وجمعه عِرْضان، والعَتُود نحوٌ منه، وجمعه أعْتِدة وعِتْدان، وقال يونس: جمعه أعْتدة وعتد، وهو في ذلك كلِّه جدْيٌ، والأنثى عَناق، وقال الأخطل:
واذْكرْ غُدَانةَ عِتْداناً مُزَنَّمَةً ... من الحبلَّق يُبْنَى حولها الصِّيَرُ
ويقال له إذا تبع أمَّه وفطِم: تِلوٌ، والأنثى: تِلوة؛ لأنه يتلو أمَّه.
ويقال للجَدْي: إمَّر والأنثى أَمَّرَةٌ، وقالوا: هِلّع وهِلّعة، والبدرة: العَناق أيضاً، والعُطعُط: الجدي، فإذا أتى عليه الحولُ فالذكر تيس والأنثى عَنْز، ثم يكون جذَعاً في السَّنة الثانية، والأنثى جَذَعة، ثم ثَنِيّاً في الثالثة، والأنثى ثَنِيَّة، ثم يكون رَباعياً في الرابعة، والأنثى رباعيَة، ثم يكون سَديساً، والأنثى سَدِيس أيضاً مثل الذكر بغير هاء، ثم يكون صالغاً والأنثى صالغة، والصالغُ بمنزلة البازل من الإبل، والقارحِ من الخيل، ويقال: قد صَلَغَ يَصْلغُ صُلوغاً، والجمع الصُّلَّغ، وقال رؤبة:
والحربُ شهباءُ الكباشِ الصُّلَّغ
وليس بعد الصالغ شيءٌ.
وقال الأصمعيّ: الحُلاّم والحُلاّن من أولاد المعز خاصة، وجاء في الحديث: في الأرنب يصيبها المحرِمُ حُلاَّم، قال ابن أحمر:
تُهدِي إليه ذراعَ البكْر تَكرمَةً ... إمّا ذَكِيّاً وإمّا كان حُلاَّنا
ويروى: ذراع الجدي ويروى: ذَبيحا، والذبيح هو الذي أدْرَك أن يضحَّى به، وقال مهلهل بنُ ربيعة:
كلُّ قتيلٍ في كليبٍ حُلاَّمْ ... حتى ينال القتلُ آلُ هَمامْ
وقالوا في الضأن كما قالوا في المعز، إلا في مواضع، قال الكسائي: هو خروف، في موضع العريض، والأنثى خروفة، ويقال له حَمَل، وَالأنثى من الحِمْلان رِخل والجمع رُخال، كما يقال ظئر وظؤار وَتَوأم وتؤام، والبَهْمة: الضأن وَالمعز جميعاً، فلا يزال كذلك حتى يَصِيف، فإذا أكل وَاجترّ فهو فرير وفُرارة وفُرفور، وعمرُوس، وهذا كله حينَ يسمَنُ ويجتر، والجِلاَم، بكسر الجيم وتعجيم نقطة من تحت الجيم، قال الأعشى:
سَوَاهِمُ جِذْعانها كَالجِلام ... وَأقرَحَ منها القيادُ النسورا
يعني الحوافر.
واليَعْر: الجدي، بإسكان العين، وقال البُريقُ الهذليّ: مُقِيماً بأملاح كما رُبط اليَعْرُ والبذَجُ: من أولاد الضأن خاصة، وقال الراجز:
قد هَلَكَتْ جارتُنا من الهَمَجْ ... فإن تجُعْ تأكل عَتُوداً أو بَذَجْ
والجمع بذجَان.
دعاء أعرابي وقال أعرابيّ: اللَّهم مِيتَةً كمِيتَةِ أبي خارجة قالوا: وما ميتة أبي خارجة؟ قال: أكل بذَجَاً، وَشرب مِشعَلاً، ونام في الشمس، فأتَتْه المنيَّةُ شبْعان ريانَ دفآن.
تيس بني حمان وفي المثل: أغلم من تيس بني حِمّان، وبنو حمّان تزعم أنه قَفَط سبعين عنزاً وقد فُريت أوداجه.
فهذا من الكذِب الذي يدخلُ في باب الخرافة.
؟زعم لصاحب المنطق

(1/489)


وقد ذكر أرسطوطاليسُ في كتاب الحيوان، أنه قد ظهر ثورٌ وَثَب بعد أنْ خُصي، فنزا على بقرةٍ فأحلبَها.
ولم يَحْكِ هذا عن مُعاينةٍ، والصدورُ تضيق بالردِّ على أصحاب النظر وتضِيق بتصديق هذا الشَّكْل.
أحاديث وآثار في الغنم قال: وحدَّثنا سعد بن طريق، عن الأصبغ بن نُباتة قال: سمعت عليّاً يقول: ما أَهْلُ بيتٍ لهمْ شاةٌ إلا يُقَدَّسُون كُلَّ لَيْلَةٍ.
وقال: حدثنا عنبسة القطَّان، قال حدَّثنا السكن بن عبد اللّه بن عبد الأعلى القرشيّ، عن رجل من الأنصار، أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال: امْسَحُوا رُعامَ الشَّاءِ، ونَقُّوا مرابِضَها مِنَ الشَّوْكِ والحِجَارَةِ، فإنَّها فِي الجَنَّةِ.
وقال: ما مِنْ مُسْلمٍ له شاةٌ إلا قدِّس كُلَّ يومٍ مَرَّةً، فإنْ كانَتْ لَهُ شَاتانِ قُدِّسَ في كلِّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ، قال: وحدثنا عنبسة القطان، بهذا الإسناد، أن رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: " أُوصِيْكُمْ بالشَّاءِ خَيْراً، فَنَقُّوا مَرابِضَها مِنَ الحِجَارةِ والشَّوْكِ فَإنَّها فِي الجَنَّةِ " .
وعن محمد بن عجلان، عن وهب بن كَيسان، عن محمد بن عمرو بن عطاء العامريّ من بني عامر بن لؤَيّ، أن رجلاً مرَّ على أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه، وهو بالعقيق، فقال: أين تريد؟ قال: أريد غُنَيمة لي، قال: امسح رُعامها، وأطِبْ مُرَاحها، وصلِّ في جانبِ مُراحها؛ فإنها من دوابِّ الجنة.
وعن فرج بن فضالة، عن معاوية بنُ صالح، عن رجل من أصحاب أبي الدرداء، أنه عَمِلَ طعاماً اجتهد فيه، ثم دعاه فأكل، فلما أكل قال: الحمد للّه الذي أطعَمَنَا الخميرَ، وأَلبسَنا الحَبيرَ، بعد الأسودَينِ: الماء والتمر، قال: وعند صاحبِه ضائنة له، فقال: هذه لك؟ قال: نعم، قال: أطِبْ مُراحها واغسِلْ رُعامها، فإنها من دوابِّ الجنة، وهي صفوة اللّه من البهائم.
قال: وحدَّثنا إبراهيم بن يحيى، عن رجل، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم، أنه قال: إن اللّه عزّ وجلّ خَلَقَ الجنة بيضاءَ، وخيرُ الزِّيِّ البياض، قال: وبعث إلى الرُّعيان: من كانت له غنمٌ سُودٌ فليَخْلِطْها بعُفْر، فإنَّ دمَ عفراءَ أزكى من دمِ سَودَاوين.
وحدثنا أبو المقدام قال: حدَّثنا عبد الرحمن بن حبيب، عن عطاء، عن ابن عباس، أن رسولَ اللّه صلّى اللّهُ عليه وسلم دعا بالرُّعاة فجُمعوا له، فقال: " مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَرْعَى غَنَماً سُوداً فَلْيَخْلِطْ فِيها بِيضاً " .
قال: وجاءته امرأةٌ فقالت: يا رسول اللّه، إني اتخذت غنماً رجوت نسلها ورِسلها وإني لا أُراها تنمو، قال: فما ألوانها؟ قالت: سود، قال: " عفِّري " ، أي اخلطي فيها بِيضاً.
قال: وحدثنا طلحة بنُ عمرو الحضْرَميّ، عن عطاء، أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال: " الغَنَمُ بَرَكَةٌ مَوْضُوعَةٌ، والإبلُ جمالٌ لأَهْلِها، والخيرُ مَعْقُودٌ في نَواصِي الخَيْلِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ " ، حنظلةُ بن أبي سفيان المكّي قال: سمعت طاووساً يقول: من هاهنا أطلعَ الشيطان قرنَيه، من مطلع الشمس، والجفاءُ والكِبْرُ في أهل الخيل والإبل، في الفدَّادينَ أهل الوبر، والسكينةُ في أهل الغنم.
قال وحدثنا بكر بن خُنيس، عن يحيى بن عُبَيد اللّه بن عبد اللّه بن مَوْهب، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: " رأسُ الكفر قِبَلَ المشرق، والفخرُ والخُيلاءُ في أهل الخيل والإبل والفدادين أهل الوبر، والسكينة في أهل الغنم، والإيمانُ يمانٍ والحكمة يمانية.
وعن عوف بن أبي جَميلة، عن الحسن، أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: " الفخرُ في أهل الخيل، والجفاءُ في أهل الإبل، والسكينة في أهل الغنم " .
وعن عثمان بن مقْسَم، عن نافع، أن ابنَ عمرَ حدثه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: السكينة في أهل الغنَم.
والفدَّاد: الجافي الصوتِ والكلامِ، وأنشدنا أبو الرُّدينيّ العكليّ: جاءت سُليمٌ ولها فَديدُ.
أخبار ونصوص في الغنم

(1/490)


وكان من الأنبياء عليهم السلام مَنْ رعى الغنم، ولم يَرع أحدٌ منهم الإبل، وكان منهم شعيب، وداود، وموسى، ومحمد؛ عليهم السلام، قال اللّه جلّ وعزّ: " وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسى، قال هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيهَا وأهُشُّ بهَا عَلَى غَنَمِي وَليَ فِيها مَآرِبُ أُخْرَى " .
وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلم يرعى غُنَيمات خديجة.
والمعْزبون بنزولهم البُعدَ من الناسِ، في طباع الوحش.
وجاء في الحديث: من بَدَا جَفا.
ورِعاءُ الغنم وأربابها أرقُّ قلوباً، وأبعد من الفظاظة والغلظة.
وراعى الغنم إنما يرعاها بقرب الناس، ولا يُعْزِبُ، ولا يبدو، ولا ينتجع، قالوا: والغنم في النوم غُنْمٌ.
وقالوا في الغنم: إذا أقبلتْ أقبلتْ، وإذا أدبرت أقبلت.
الحامي والسائبة والوصيلة وكان لأصحاب الإبل مما يحرمونه على أنفسه: الحامي والسائبة، ولأصحاب الشاءِ الوصيلة.
العتيرة والرجيبة والغذوى والعتيرة أيضاً من الشَّاء، وكان أحدهم إذا نذر أن يذبحَ من العتائر والرجبية كذا وكذا شاة، فبلغ الذي كان يتمنَّى في نذره، وشحّ على الشاء قال: والظِّباء أيضاً شاء، وهي تُجْزِي إذا كانت شاء: فيجعل عتائره من صيدِ الظباء، وقال الحارث بن حِلِّزة:
عنَتاً باطلاً وظُلماً كما تُعْ ... تتَرُ عن حجْرَةِ الرَّبيضِ الظّباءُ
وقال الطّرِمَّاح:
كَلَوْنِ الغَرِيِّ الفَرْدِ أجْسَدَ رأسَه ... عَتائرُ مظلومِ الهَديِّ المذبَّحِ
ومنها الغَدويُّ والغَذَوِيّ جميعاً، وقال الفرزدق:
ومهورُ نِسْوَتِهِمْ إذا ما أنكَحُوا ... غَذَوِيُّ كلِّ هبَنْقَعٍ تِنْبَالِ
ميل الحيوان على شقه الأيسر وقال أبو عتَّاب: ليس في الأرض شاة ولا بعيرٌ ولا أسَدٌ ولا كلْبٌ يريدُ الرُّبوض إلا مال على شِقِّه الأيسر، إبقاءً على ناحية كبده.
قال: ومتى تفقدتم الصفايا التي في البيوت، والنعاجَ، والجِداء، والحُمْلاَن وجدتموها كذلك.
معالجة العقاب الفريسة قال: والعقاب تستعمل كفها اليمنى إذا أصْعَدَتْ بالأرانب والثعالب في الهواء، وإذا ضربتْ بمخالبها في بطون الظِّباء والذئاب، فإذا اشتكت كبدها أحسّت بذلك، فلا تزال إذا اصطادت شيئاً تأكلُ من كبدِه، حتى تبرأ، وإن لم تُعاين فريسة فربما جلَّت على الحمار الوحشيِّ فتنقضُّ عليه انقضاضَ الصخرة، فَتقدُّ بدابرتها ما بين عجْب ذنبه إلى منسِجه، وقد ذكرنا من شأنها في باب القول فيها ما فيه كفاية.
أخذ الحيوان على يساره حين يهرب قال: وليس في الأرضِ هاربٌ من حَرْبٍ أو غيرها استعملَ الحُضْر إلا أخَذَ على يساره، إذا ترك عَزْمَه وسَوْم طبيعته، وأنشد:
تخامَصَ عن وحْشِيِّه وهو ذاهلٌ ... وفي الجوف نارٌ ليس يخبو ضِرامُها
وأنشد الأصمعي للأعشى:
ويسَّر سَهْماً ذا غِرَار يسوقُهُ ... أمين القُوَى في ضالةِ المترنّمِ
فمرّ نَضِيَّ السَّهْمِ تحت لبانِه ... وحالَ على وحْشِيِّهِ لم يعَتِّمِ
قال: ووضع: على موضع: عن.
ميل شقشقة الجمل ولسان الثور وفي بابٍ آخرَ يقول أوسُ بن حَجَر:
أوْ سَرَّكم في جُمادَى أن نصالحكم ... إذِ الشقاشق معدولٌ بها الحَنَكُ
وذلك أنه ليس في الأرض جملٌ هاج وأخرج شِقْشِقَتَه إلا عدَلَ بها إلى أحدِ شِقَّي حنَكه، والثورُ إذا عدا عدل بلسانه عن شِقِّ شماله إلى يمينه، وقال عَبْدَةَ بن الطبيب:
مُستَقبِلَ الريحِ يهفو وهو مُبْتَرِكٌ ... لِسانه عن شِمَالِ الشِّدقِ معدولُ
حال الثور عند الكر والفر قال: وإذا كرَّ الكلبُ أو الثور فهو يصْنَعُ خلاف صَنيعِه عند الفرّ، وقال الأعشى:
فلما أضاء الصبحُ قام مبادراً ... وحان انطلاقُ الشاةِ من حيثُ يمما
فصبحهُ عندَ الشروق غديةٍ ... كلابُ الفتى البكري عوف بن أرقما
فأطلَقَ عن مجنوبِها فاتبعنَه ... كما هيَّج السامي المعسلُ خشْرَما
فأنحَى علَى شُؤمي يديهِ فذَادها ... بأظمأَ من فرع الذؤابةِ أسحَما
ثم قال:
وأدَبَر كالشِّعْرَى وُضُوحاً ونُقْبَة ... يُواعِسُ من حُرِّ الصّرِيمةُ مُعظَما

(1/491)


علة غزو العرب أعداءهم من شق اليمين قال: ولعلمِ العرب بأن طبع الإنسان داعيةٌ إلى الهرب من شِقِّ الشمال، يحبُّون أن يأتوا أعداءهم من شِقَّ اليمين، قال: ولذلك قال شُتيم بن خُويلد:
فجئناهمُ من أيمنِ الشِّق غُدْوَةً ... ويأتي الشّقِيَّ الحَين من حيث لا يدري
وأما روايةُ أصحابنا فهي: فجئناهم من أيمنِ الشق عندهم.
الأعسر من الناس واليَسَر وإذا كان أكثُر عمل الرجُل بيساره كان أعسَر، فإذا استوى عملاً بهما قيل أعسرُ يسَرَ، فإذا كان أعسر مُصْمَتاً فليس بمستوى الخلق، وهو عندهم إذا كان كذلك فليس بميمون الخلْق، ويشتقُّون من اليد العُسْرى العُسْر والعُسرة، فلما سمَّوها الشِّمال أجْرَوْها في الشؤْم وفي المشؤُوم على ذلك المعنى، وسموها اليد اليَسارَ واليدَ اليسرى على نَفْي العُسر والنكَد، كما قالوا: سليم، ومفازة، ثم أفصحوا بها في موضعِ فقالوا اليد الشؤْمَى.
مما قيل من الشعر في الشمال ومما قالوا في الشمال قولُ أبي ذُؤيب:
أ بِالصَّرمِ من أسماء جَدَّ بكَ الذي ... جَرَى بيننا يومَ استَقَلَّت رِكَابُها
زجَرْتَ لها طَيْرَ الشِّمالِ فإن يكن ... هَوَاك الذي تهوى يُصِبْكَ اجْتنَابُها
وقال شُتيم بن خويلد:
وقلتُ لسَيّدِنا يا حليم ... إنّك لم تَأْسُ أَسْواً رفيقَا
زجرتَ بها ليلةً كلها ... فجئت بها مُؤيِداً خَنفقيما
أعنتَ عَدِيّاً على شأَْوَهَا ... تُعادي فريقاً وتبقي فريقا
أَطَعْتَ غُرَيِّبَ إبْطَ الشِّمَال ... تُنَحِّي لحِد المَواسِي الحُلوقا
وقال آخر:
وهوَّنَ وجدْي أنني لم أكنْ لهم ... غرابَ شِمَال ينفضُ الرِّيشَ حاتما
وإذا مال شِقُّة قالوا: احْولَّ شِقُّه، وقال الأشتر بن عُمارة:
عَشِيَّةَ يدعو مِعْتَرٌ يالَ جَعْفَرٍ ... أخوكم أخوكم أحُوَلُ الشِّقِّ مائِلُه
وقال آخر:
أيَّ أخ كانَ لي وكنتُ له ... أشفَق من والدٍ على ولدِ
حتى إذا قاربَ الحوادثُ من ... خَطْوِي وحلَّ الزمانُ من عُقَدي
احوَلّ عنِّي وكان ينظُر مِن ... عيني ويرمي بِساعدِي ويَدِي
الوقت الجيد في الحمل على الشاء قال الأصمعيّ: الوقت الجيِّد في الحمل على الشاء أن تخلَّى سبعةَ أشهُرٍ بعد ولادها، ويكون حملها خمسة أشهر، فتولَّد في كل سنَة مرة، فإن حُمِل عليها في كل سنة مرتين فذلك الإمغال، يقال: أمغَل بنو فُلانٍ فهم مُمْغلون، والشاةُ ممغل.
وإذا وُلِّدت الشاةُ ومضَى لها أربعةُ أشهر فهي لجبة، والجميع اللِّجاب واللَّجبات، وذلك حين يأخذ لبنها في النقصان.
استطراد لغوي قال: والأير من البعير: المِقْلَم، ومن الحافر الجُرْدَان، ومن الظلف كله: القضيب، ومن الفرَس العتيق: النَّضِيّ، زعم ذلك أبو عبيدة.
وما أراد من الحافر الفحلَ فهو الوِداق، وهو من الإبل الضَّبَعة، ومن الضأن الحُنوّ، ويقال: حنَت تحنو حُنُوّاً، وهي نعجةٌ حانٍ كما ترى، وما كان من المعْز فهو الحِرْمَة، ويقال: عنز حَرْمَى، وأنكر بعضهم قولهم: شاةٌ صارف وزعم أنه مولد.
قال: وهو من السباع الإجعال، يقال: كلبةٌ مُجْعِل، فإذا عظُم بطنها قيل أجَحَّتْ فهي مُجِحّ.
وما كان من الخف فهِو مِشْفَر، وما كان من الغنم فهو مِرَمّة، وما كان من الحافر فهو جَحْفَلةٌ.
وإذا قلتَ لكلِّ ذات حمْلٍ وضعتْ، جاز، فإذا ميزْتَ قلت للخف: نُتِجَتْ، وللظِّلف: ولِّدت، والبقرةُ تجري هذا المجرى، وقلتَ للحافر: نتِجَتْ.
ويقال للحافر من بين هذا كله إذا كان في بطنها ولد: نَتوج، وإذا عظم بطنُ الحافر قيل قد أعقّتْ فهي عَقوق، والجماعُ عُقُقٌ، وبعضهم يقول: عقائق.
ويقال للبقرة الوحشية نعجة، والبقرة تجري مجرى الضائنة في حالها.
وما كان من الخف فصوته بُغام، فإذا ضجَّتْ فهو الرُّغاء، فإذا طرِّبت في إثر ولَدها قبل حنَّتْ، فإذا مدت الحنين قيل سَجَرت.
قال: والإلماعُ في السباع وفي الخيل، دون البهائم، وهو أن تشرق ضروعها.
قال: والخروف في الخيل والضأن، دون البهائم كلها.

(1/492)


قال: ويقال للطير: قد قمطها يقمطها، ويقال للتيس والكلب: قد سَفِدَ يُسْفَد سِفاداً، ويقال في الخيل: كامها يكُومُها كَوْماً، وكذلك في الحافر كلِّه، وفي في الحمار وحده: باكها يبُوكها بَوْكاً.
قولهم: ما له سَبَد ولا لَبَد وتقول العرب: ما له عندي سَبَدٌ ولا لَبَد، فقدّموا السّبَد، ففي هذا المعنى أنهم قدموا الشَّعر على الصوف.
فإن قال قائل: فقد قدَّموا في مواضع كثيرةٍ ذكرَ ما هو أخَسُّ فقالوا: ما له عندي قليلٌ ولا كثير، والعِير والنَّفير حتى قالوا: الخلّ والزيت، وقالوا: ربيعة ومُضَر، وسُلَيم وعامر، والأوس والخزرج، وقال اللّه: " لاَ يُغادِرُ صَغِيرةً ولاَ كَبِيرةً إلاَّ أَحْصَاهَا " .
والذي يدلُّ على أن ذلك الذي قلنا كما قلنا قولُ الراعي:
حتى إذا هبَطَ الغِيطانَ وانقطعت ... عنه سلاسل رَمْل بينها عُقَدُ
لاقى أطيْلِسَ مَشّاءً بأكْلُبِهِ ... إثْرَ الأوابد ما يَنْمِي له سَبَدُ
فَقَدَّمَ السَّبدَ، ثم قال:
يُشْلِي سَلُوقيَّة زُلاًّ جواعِرُها ... مِثلَ اليعاسيب في أصلابها أوَدُ
وقال الراعي:
أما الفقيرُ الذي كانت حَلُوبَتُه ... وَفْقَ العِيالِ فلم يُتْرَكْ له سَبَدُ
وهو لو قال: لم يُترك له لَبَد، ولو قال: ما ينمي له لَبَدَ لقام الوزْنُ، ولكان له معنى، فدلَّ ذلك على أنه إنما أراد تقديم المقدَّم.
مفاخرة بين صاحب الضأن وصاحب الماعز
قال صاحب الضأن: فَخَرتم على الضأن بأن الإنسان ذو شعر، وأنه بالماعز أشبه، فالإنسان ذو أْليةٍ، وليس بذي ذنب، فهو من هذا الوجه بالضأن أشبه.
قال صاحبُ الماعز: كما فخرتم بقوله: " ثمَانِية أَزْوَاجٍ مِنَ الضّأنِ اثْنَيْنِ " وقلتم: فقد قدَّمها، فقال اللّه: " يَا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ " .
فإن وجب لضأنك التقديمُ على الماعز بتقديم هذه الآية وجَبَ للجنِّ التقديمُ بتلك الآية.
في الضفادع
علَّمك اللّه علماً نافعاً، وجعلَ لك من نفسك سامعاً، وأعاذك من العُجْبِ، وعرّفك لباسَ التقوى، وجَعَلك من الفائزين.
اعلمْ، رحمك اللّه تعالى، أن اللّه جل وعز قد أضاف ست سُوَر من كتابه إلى أشكال من أجناس الحيوان الثلاثة، منها مما يسمونها باسم البهيمة وهي سورة البقرة، وسورة الأنعام، وسورة الفيل، وثلاثة منها مما يعدون اثنتين منها من الهمج، وواحدةً من الحشرات.
فلو كان موقعِ ذِكر هذه البهائم، وهذه الحشرات والهمج، من الحكمة والتدبير، موقِعَها من قلوب الذين لا يعتبرون ولا يفكرون، ولا يميزون، ولا يحصلون الأمور، ولا يفهمون الأقدار لما أضاف هذه السور العظامَ الخطيرة، و الشريفة الجليلة، إلى هذه الأمور المحقّرة المسْخِفَة، والمغمورة المقهورة.
ولأمر ما وضعها في هذا المكان، ونوَّه بأسمائها هذا التنويه، فافهم، فإن الأديبَ الفَهِم، لا يعوِّد قلبَه الاسترسال، وخُذْ نفسَك بالفكرة، وقلبَك بالعبْرة.
وأنا ذاكرٌ من شأن الضفدع من القول ما يحضر مثلي، وهو قليلٌ في جنب ما عند علمائنا، والذي عند علمائنا لا يحَسُّ في جنب ما عند غيرهم من العلماء، والذي عند العلماء قليل في جنب ما عند الأنبياء، والذي عند الأنبياء قليل في جنب ما عند اللّه تبارك وتعالى.
من ذلك الضِّفدِع، لا يصيحُ ولا يمكنه الصياح حتى يدخل حنكَه الأسفل في الماء، فإذا صار في فمه بعض الماء صاح، ولذلك لا تسمعُ للضفادعِ نقيقاً إذا كُنَّ خارجاتٍ من الماء.
والضفادعُ من الحيوان الذي يعيشُ في الماء، ويبيضُ في الشطّ، مثل الرّق والسُّلحفاة، وأشباه ذلك.
والضفادعُ تنقّ، فإذا أبصرت النار أمسكت.
زعم في الضفادع
والضفادع من الحيوان الذي يُخلقَ في أرحام الحيوان، وفي أرحام الأرَضِين، إذا ألقحتها المياه، لأن اليَخَّ يخراسان يُكبس في الآزاج، ويحالُ بينه وبين الرِّيح والهواء والشمس، بأحكمِ ما يقدرون عليه وأوثقه، ومتى انْخرق في تلك الخزانة خَرْقٌ في مقدار مَنْخِر الثور حتى تدخلَه الريح، استحال ذلك اليخُّ كله ضفادع.
ولم نعرف حقَّ هذا وصدقَه من طريق حديث الرجل والرجلين، بل نجدُ الخبرُ عنه كالإطباق، وكالخبر المستفيض الذي لا معارضَ له.
أعجوبة في الضفادع

(1/493)


وفيها أعجوبة أخرى: وذلك أنا نجد، من كِبارها وصغارها، الذي لا يحصى في غِبِّ المطر، إذا كان المطر ديمة، ثم نجدُها في المواضع التي ليس بقربها بحرٌ ولا نهرٌ، ولا حوضٌ، ولا غديرٌ، ولا وادٍ، ولا بيرٌ، ونجدها في الصَّحاصح الأماليس، وفوق ظهورِ مساجد الجماعة، حتى زعم كثيرٌ من المتكلفين، ومن أهل الخسارة وممن لا يحتفل بسوء الحال عند العلماء، ولا يكترث للشكّ - أنها كانت في السحاب.
ولذلك طمع بعضُ الكذَّابين ممن نَكْرَهُ اسمه، فذكر أن أهل أيذَج مُطِروا مرةً أكبر شبابيطَ في الأرض، وأسمنَها وأعذَبها وأعظمها، وأنهم اشتوَوا، وملَّحوا، وقرّسوا، وتزوَّدَ منه مسافرهم، وإنما تلك الضفادع شيءٌ يخلق في تلك الحال بمزاوجَة الزمان، وتلك المطرة، وتلك الأرض، وذلك الهواء.
معارف في الضفدع
والضفادعُ من الخلْق الذي لا عظامَ له.
ويزعم أصحاب الغرائب أن العَلاجيمَ منها الذكورة السود.
ويقال: أرْسَح مِن ضِفدِع.
وتزعمُ الأعرابُ أن الضفدِع كان ذا ذنب، وأن الضَّبَّ سلبه إياه وذلك في خُرافة من خرافات الأعراب، ويقول آخرون: إن الضفدع إذا كان صغيراً كان ذا ذنب، فإذا خرجتْ له يدانِ أَو رجلان سقَطَ.
جملة من الأمثال وتقول العرب: لا يكون ذلك حتى يُجمع بين الأرْوَى والنعام وحتى يُجمع بين الماء والنار، وحتى يشِيبَ الغراب، وحتى يَبيْضَّ القار، وحتى تقع السماءُ على الأرض.
ومن حديث الأمثال: حتى يجيءَ نشيطٌ من مَرْو، وهو لأهل البصرة، وحتى يجيء مصْقلة من طَبرِسْتانَ، وهو لأهل الكوفة.
وقال اللّه عزّ وجلّ: " وَلاَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حتَّى يَلِجَ الجَملُ في سَمِّ الخِيْاطِ " .
وتقول العرب: لا يكون ذلك حتي يُجمع بين الضب والنون، وحتى يُجمع بين الضفدع والضَّبّ، وقال الكميت:
يؤلِّفُ بين ضِفْدِعةٍ وضَبٍّ ... ويَعجبُ أن نَبَرَّ بني أبينا
وقال في النون والضبّ:
ولو أنهم جاؤُوا بشيء مُقارب ... لشيءٍ وبالشكْل الموافق للشِّكلِ
ولكنهم جاءُوا بحيتانِ لُجّةٍ ... قوامِسَ والمكنيِّ فينا أبا الحِسْلِ
معارف في الضفدع
وهو من الخلق الذي لا يصاب له عَظْم، والضفدعُ أجْحظ الخلقِ عيناً، والأسد تنتابُها في الشرائع، وفي مَناقِع المياه، والآجام والغياضِ، فتأكلها أكلاً شديداً.
وهي من الخلق المائيّ الذي يصبرُ عن الماء أياماً صالحة، والضفادع تعظُم ولا تسمَن، كالدُّرّاج والأرنب، فإنَّ سِمَنهما أن يحتملا اللحم.
وفي سواحل فارس ناسٌ يأكلونها.
قول مسيلمة في الضفدع
ولا أدري ما هيّجَ مسيلمةَ على ذكْرِها، ولِمَ ساء رأيه فيها، حيثُ جعلَ بزعمه فيما نزل عليه من قرآنه: يا ضفْدَعُ نِقَّي كَمْ تَنقِّين نصفُكِ في الماء ونصفُكِ في الطين لا الماء تُكَدِّرِين، ولا الشارب تمنعين.
معيشة الضفادع مع السمك
والضفادعُ من الخلْق الذي يعيشُ مع السمك في الماء، وليس كل شيء يعيشُ في الماء فهو سَمَك، وقد قال الصَّلتانُ العبْدِيّ، في القضاء الذي قضى بين جرير والفرزدق، و الفصْلِ الذي بينهما:
فإن يكُ بحرُ الحنظليَّين زاخراً ... فما تستوي حِيتانُه والضفادعُ
طلب الحيَّات والضفادع
والحيات تأني مناقِعَ الماء، تطلب الضفادع، والفأر تكون بقرب المياه كثيرةً، فلذلك تأتي الحياتُ تلك المواضعَ، ولأن صيدها من أسهل الصيد عليها، وهي تعرف صيْدها، ألا تراها تحيدُ عن ابن عُرْسٍ، وإن رأتْ جُرَذاً أكبر منه لم تنهْنِهْه دون أَن تبتلعه؟ وترى الوَرَلَ فتفرُّ منه، وترى الوَحَرة فتشدُّ عليها، وترى القُنفُذ وإن صغُر - فلا تجترئُ أنْ تمرّ به خاطفة، وترى الوَبْرة، وهي مثلُ ذلك القنفذِ مرتين فتأكلها.
ولطلبها الضفادعَ بالليل في الشرائع يقول الأخطل:
ضفادعُ في ظلْماء ليلٍ تجاوبَتْ ... فدلَّ عليها صوتها حَيَّةَ البحرِ
وقد سرَق معناه بعضُ الشُّعراء، فقال وهو يذكر الضفدع، وأنه لا ينقّ حتى يدخل حنَكه الماء:
يُدْخِل في الأشداق ماءً ينصفُهُ ... كيما ينِقَّ والنَّقيقُ يُتلفه
شعر في الضفادع
وقال زهير:
وقابلٌ يتغنَّى كلما قدَرَت ... عَلى العَرَاقي يداه قائماً دَفقَا

(1/494)


يُحيلُ في جدولٍ تحبُو ضفادِعُه ... حَبْو الجوارِي ترى في مائه نُطُقَا
يخرُجْن من شَرَبَاتٍ ماؤها طحِلٌ ... على الجُذوع يخَفْنَ الغَمّ والغَرَقا
وقال أَوسُ بن حجَر:
فباكَرْنَ جَوْناً للعلاجيم فوقَهُ ... مَجالِسُ غَرْقَى لا يُحَلاَ ناهِلُه
جون قال: يريد غديراً كثيرَ الماء، قال: وإذا كثر الماءُ وكثر عُمْقُه اسودَّ في العين، والعلاجيم: الضفادع السود؛ وجعلها غرقى، يقول: هي فيما شاءت من الماء، كقولك: فلان في خير غامر من قِبَل فلان، وجعل لها مجالس حول الماء وفوقه، لأن هذه الأجناس - التي تعيش مع السمك في الماء وليست بسمك - أكثرُ حالاتهن إذْ لم تكن سمكا خالصاً أن تظهر علَى شُطوط المياه، وفي المواضع التي تبيض فيها من الدَّغَل، وذلك كالسّرطان والسُّلحفاة، والرَّق، والضفدع، وكلبِ الماء، وأشباه ذلك.
استطراد لغوي ويُقال: نقّ الضفْدِع ينقُّ نقيقاً، وأنقض ينقِضُ إنقاضاً ، وقال رُؤبةُ:
إذا دنا منهن إنقاض النُّقُقْ ... في الماء والساحلُ خضخاضُ البَثَقْ
سمع الضفدع
وقد زعم ناسٌ أن أبا الأخْزَر الحِمّاني حيث قال:
تسمُّع القِنْقِنِ صوتَ القنقِن
إنما أراد الضفدع، قالوا: وكذلك الطِّرماحُ حيث يقول:
يخافِتْنَ بعض المضغِ من خشيةِ الرّدَى ... ويُنْصِتْنَ للصوتِ انتصاتَ القناقِنِ
قالوا: لأن الضفِدع جيِّد السمع إذا تركَ النقيق وكان خارجاً من الماء، وهو في ذلك الوقتِ أَحذر من الغراب والعصفور والعَقْعَق، وأسمعُ من فرَس، وأسمع من قُراد، وأسمع من عُقاب، وبكل هذا جاء الشعر.
ذكر ما جاء في الضفادع في الآئار
إبراهيم بن أبي يحيي، عن سعيد بن أَبي خالد بن فارض، عن سعيد بن لمسيب، عن عبد الرحمن بن عثمان التيمي أن النبي صلى اللّه عليه وسلم نهى عن قتل الضفدع.
قال: وحدَّثنا سعيد عن قتادة قال: سمعتُ زُرارةَ يحدِّث أنه سمع عبد اللّه بن عَمْرو يقول: لا تسبُّوا الضفادع فإنَّ أصواتها تسبيح.
قال: وحدثنا هشامٌ صاحبُ الدّستوائي، عن قتادة عن زُرارةَ بنِ أوفى، عن عبد اللّه بن عمرو أنه قال: لا تقتلوا الضفادعَ، فإن نقيقهُنَّ تسبيحِ، ولا تقتلوا الخفاش، فإنه إذا خرب بيت المقدس قال: يا ربِّ سلِّطني على البحر حتى أغرقهم.
وعن حماد بن سَلمةَ، عن قتادة، عن زُرارة، قال: قال عبد الله بن عمرو: لا تقتلوا الخفاش، فإنه استأذن البحر أن يأخذ من مائه فيطفئَ بيتَ المقدس حيث حرِّق، ولا تقتلوا الضفادع، فإن نقيقها تسبيح.
وعن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذِئب، وفي إسناد له: أن طبيباً ذكر الضِّفدِعِ عن النبي صلى اللّه عليه وسلم، ليُجْعل في دواء، فنهى النبي صلى اللّه عليه وسلم عن قتل الضفدع.
ما يوصف بجودة الحراسة وشدة الحذر والعربُ تصف هذه الأصناف التي ذكرناها بجودة الحراسة، وبشدة الحذَر، وأعطَوا الثعلبَ والذَّئب أموراً لا يبلغها كثيرٌ من الناس.
قول صاحب المنطق في الغرانيق وقال صاحبُ المنطق في الغرانيق قولاً عجيباً، فزعم أن الغرانيق من الطيور القواطع، وليست من الأوابد، وأنها إذا أَحسّتْ بتغيُّرِ الزمان اعتزمت على الرجوع إلى بلادها وأوكارها، وذكر أنها بعيدةٌ سحيقة، قال: فعند ذلك تتخذ قائداً وحارساً، ثم تنهض معاً، فإذا طارت ترفعت في الجواء جدّاً، كي لا يعرض لها شيء من سباع الطير، أو يبلغَها سهمٌ أَو بُنْدُق، وإن عاينَتْ غيماً أو مطراً، أو خافَتْ مطراً، أو سقطتْ لطلبِ ما لا بدَّ لها منه من طعم، أو هجم عليها الليل أمسكَتْ عن الصياح، وضمَّتْ إليها أجنحتها، فإذا أرادت النوم أدخل كل واحد منها رأسَه تحتَ جناحِه، لأنه يرى أن الجناح أحْمَلُ لما يَرِدُ عليه من رأسه، أَو بعض ما في رأسه: من العين وغير ذلك، ويعلم أنه ليس بعد ذهابِ الرأس حياة، ثم ينام كل واحد منها وهو قائم على رجليه، لأنه يظن أنه إن مكَّنهما نام إن كان لا يحب النوم، أوْ نام ثقيلا إن كان يحب أن يكون نومّه غراراً، فأما قائدها وسائقها وحارسُها، فإنه لا ينامُ إلا وهو مكشوفُ الرأس، وإن نام فإن نومُه يكونُ أقلُّ من الغِشاش، وينظُرُ في جميع النواحي، فإن أحسَّ شيئاً صاحَ بأعلى صوته.
صيد طير الماء

(1/495)


وسألتُ بعضَ من اصطادَ في يومٍ واحد مائة طائر من طير الماء، فقلت له: كيف تصنعون؟ قال: إن هذا الذي تراه ليس من صيْدِ يوم واحد، وإن كلَّه صِيدَ في ساعة واحدة، قلت له: وكيف ذاك؟ قال: وذلك أنا نأتي مناقعَ الماء ومواضِع الطير، فنأخذ قَرعةً يابسة صحيحة، فنرمي بها في ذلك الماء، فإذا أَبصرها الطير تدنو منه بدفع الرِّيحِ لها في جهته، مرة أو مرتين فِزع، فإذا كثر ذلك عليه أنس، وإنما ذلك الطير طير الماء والسّمكِ، فهي أبداً على وجه الماء، فلا تزالُ الرِّيح تقرِّبها وتباعدها، وتزداد هي بها أُنْساً، حتى ربما سَقَط الطائرُ عليها، والقرعة في ذلك إما واقفةٌ في مكان، وإما ذاهبةٌ وجائية، فإذا لم نرها تنفرُ منها أخذنا قَرعة أُخرى، أو أخذناها بعينها، وقطعنا موضِعَ الإبريق منها، وخرَقْنا فيها موضِعَ عينين، ثم أخَذَها أحَدُنا فأدخَلَ رأسَه فيها، ثم دخل الماء ومشى فيه إليها مشياً رُويْداً، فكلما دنا من طائر قبض على رجليه ثم غمسه في الماء، ودقّ جَناحَه وخَلاّهُ، فبقي طافياً فوق الماء يسبحُ برجليه، ولا يطيقُ الطيران، وسائرُ الطير لا ينكر انغماسه، ولا يزال كذلك حتى يَأتيَ على آخر الطير، فإذا لم يبق منها شيء رَمى بالقرعة عن رأسه، ثمّ نلقطها ونجمعها ونحملها.
علاج الملسوع قال: ومن جيِّدِ ما يُعالجَ به الملسوعُ، أن يُشَقَّ بطنُ الضفدع، ثم يرفَد به موضع اللسعة، ولسنا نعني لدغة الحية، وإنما نعني لسعة العقرب.
والضفدع إذا رأى النار أمسك عن النقيق، وإذا رأى الفجر. والأُسدُ إذا رأت النار أحجمت عن الإقدام، وإذا اشتد الأصوات.
استطراد لغويّ قال: ويقال للضفدع: نقّ ينقّ، وهدر يهدِر، وقال الراعي:
فأوردهُنَّ قبيلَ الصباح ... عيناً ضَفادعُها تَهْدِرُ
قول صاحب المنطق في الضفادع والسمك
وأما قولُ صاحبُ المنطق في أن الضفادع لا تنقّ حتى تُدِخَلَ فكها الأسفل في الماء، لزن الصوت لا يجيئُها حتى يكون في فكها ماء فقد قال ذلك، وقد، وافقه عليه ناسٌ من العلماء، وادعوا في ذلك العِيان.
فأما زعمه أَن السمكة لا تبتلع شيئاً من الطعم إلا ببعض الماء، فأيُّ عيان دلَّ على هذا؟ وهذا عَسِرٌ.
أَحضِرْني على اسم اللّه ذِهنك، وفرِّغْ لما أُلقيه إليك قَلْبَكَ، فربَّ حرْف من حروف الحكم الشريفة، والأمثال الكريمة - قد عَفا أثرُه، ودثر ذكرُه، ونبا الطَّرفُ عنه، ولم يُشغَل الذهنُ بالوقوف عليه، وربَّ بيتٍ هذا سبيله، وخطبةٍ هذه حالها.
ومدارُ الأمر على فهم المعاني لا الألفاظ، والحقائق لا العبارات، فكم من دارس كتاباً خرَج غُفْلاً كما دخل، وكم من متفهِّم لم يفهم؟ ولن يستطيع الفهم إلا من فرَّع قلبه للتفهم، كما لا يستطيعُ الإفهام إلا من صحت نيتُه في التعليم.
فضل الإنسان على سائر الحيوان
فأقول: إن الفرق الذي بين الإنسان والبهيمة، والإنسان والسَّبُع والحشرة، والذي صَبَّرَ الإنسان إلى استحاق قول اللّه عز وجلَّ: " وَسَخَّرَ لَكمْ ما في السَّموَاتِ وما في الأرْضِ جَميعاً مِنْهُ " ليس هو الصورة، وأنه خُلِقَ من نطفة وأن أباه خلق من تراب، ولا أنه يمشي على رجليه، ويتناول حوائجه بيديه، لأن هذه الخصالَ كلها مجموعة في البُلْه والمجانين، والأطفال والمنقوصين.
والفرق الذي هو الفَرق إنما هو الاستطاعة والتمكين، وفي وجُودِ الاستطاعة وجودُ العقل والمعرفة، وليس يوجِبُ وجودُهما وُجودَ الاستطاعة.
وقد شرَّف اللّه تعالى الجانَّ وفَضّله على السّبُع والبهيمة، بالذي أَعطاه من الاستطاعة الدالة عَلَى وجود العقل والمعرفة.
وقد شَرَّف اللّه الملائكةِ وفضلهم عَلَى الجانّ، وقدمهم علَى الإنسان وألزمهم من التكليف عَلَى حسب ما خوَّلهم من النعمة، وليست لهم صورة الإنسان ولم يخْلَقُوا من النُّطَف، ولا خلُق أبوهم من التراب، وإنما الشأنُ في العقل، والمعرفة، والاستطاعة.
أفتظنُّ أَن اللّه عز وجل يخصُّ بهذه الخصال بعضَ خلقِه دون بعض، ثم لا يطالبهم إلا كما يطالب بعضَ من أعدمه ذلك، وأعْراه منه؟َ فِلمَ أعطاه العقل،إلا للاعتبار والتفكير؟ ولِمَ أعطاه المعرفة، إلا ليؤْثر الحقَّ على هواه؟ ولِمَ أعطاهُ الاستطاعة، إلا لإلزام الحجة؟.

(1/496)


فهل فكَّرتَ قطُّ في فصل ما بينك وبين الخلق المسخَّر لك، وبين الخلق الذي جُعِل لك والخلق المسلط عليك؟ وهل فكَّرت قط في فصل ما بين ما جعله عليك عادياً؟ وبين ما جعله لك غاذياً؟ وهل فكرتَ قطُّ في فصل ما بين الخلق الذي جُعل لك عذاباً، والخلق الذي جعُل لك قاتِلاً، وبين ما آنسه بِك وبين ما أوْحَشَهُ منك، وبين ما صغَّره في عينك وعظّمه في نفسك، وبين ما عظَّمه في عينك وصغَّره في نفسك؟.
بل هل فكرت في النحلة والعنكبوت والنملة، أنت ترى اللّه تقدَّس وعزّ كيف نوّه بذكره ورفع من قدرها، وأضاف إليها السُّوَر العظامَ، والآياتِ الجسامَ، وكيفَ جعل الإخبارَ عنها قرآناً وفرقاناً، حيث يقول: " وَأَوْحَى ربُّكَ إلى النَّحْلِ " ، فقفْ عَلَى صغر النحلة وضعْفَ أيْدِها، ثم ارْم بعقلك إلى قول اللّه: " ثمَّ كلي مّنْ كلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً " فإنك تجدُها أكبر من الطَّود، وأوسعَ من الفضاءِ، ثم انظر إلى قوله: " حَتَّى إذَا أَتَوْا عَلَى وادِي النَّمْلِ " ، فما ترى في مقدار النملة في عقل الغبيِّ، وغير الذّكيّ؟ فانظر كيف أَضاف الوادي إليها، وخبر عن حذرها ونصحها لأصحابها، وخوفها ممن قد مُكّنَ، فإنك تجدُها عظيمةَ القدر، رفيعةَ الذكر، قد عظمها في عقلك، بعد أن صغرها في عينك.
عَجزُ الإنسان وصِغَرُ قَدْرِهِ
وخبِّرني عن اللّه تعالى، أمَا كان قادراً أن يعذِّب الكنعانيينَ، والجبابرة، والفراعنة، وأبناءَ العمالقة: من نَسْلِ عاد وثمود، وأهل العتوِّ والعُنُود بالشياطين ثم بالمردةَ، ثم بالعفاريت، ثم بالملائكة الذين وكّلهم اللّه تعالى بسَوْق السحاب، وبالمدِّ والجزْر، وبِقبضِ أرواح الخلق، وبقلب الأرَضين، وبالماء والريح، وبالكواكب والنيران، وبالأسْد والنمور والبُبُور وبالفيَلة والإبل وبالجواميس، وبالأفاعُي والثعابين وبالعقارب والجرارات، وبالعقبان والنسور، وبالتماسيح، وباللُّخم والدُّلفِين.
فلمَ عذَّبهم بالجراد والقُمَّل والضفادع؟ وهل يتلقَّى عقلك قبل التفكير إلا أنه أراد أن يعرِّفهم عجْزهم، ويذكَّرهم صِغَر أقدارِهم، ويدُلَّهم على ذلك بأذلِّ خلقه، ويعرفهم أن له في كل شيء جُنْداً، وأن القَويَّ من قَوَّاهُ وأعانه، والضعيف من ضَعَّفه، والمنصورَ من نصرَه، والمخذول من خَلاّه وخذله، وأنه متى شاء أن يقتل بالعسل الماذي والماء الزُّلال كما يقتلُ بالسمّ الساري، والسيف الماضي قتل؟.
ولِمَ كان النبيُّ صلى اللّه عليه وسلم إذا رأى على جسده البَثْرةَ ابتهلَ في الدعاء وقال:إن اللّه تعالى إذا أراد أن يعظمَ صغيراً عظمه؟.
ولم قال لنا: " فَأَرْسَلَنَا عَليْهِمُ الطُّوفَانَ وَالجَرَادَ والقُمَّلَ والضَّفادِع وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاَتٍ " . فافهمْ عنه تعالى ذكره، وتقدست أسماؤه قوله: " آيات " ثم قال: " مُفَصَّلات " ، فهل وقفت قطُّ عَلَى هذه الآياتِ؟ وهل توهّمْت تأويلَ قوله: هذا آية وغيرْ آية؟ وهل وقفت علَى فصل ما بين الآية وغير الآية، وإذا كانت مفصَّلات كان ماذا، وإذا لم تكن مفصلات كان ماذا.
فافهم قوله: " فَأَرْسلَنَا عَلَيْهِم " ، وما في الأرض أنقصُ معرفة وعلماً، ولا أضعفُ قوة وبطشاً، ولا أوْهَنُ رُكناً وعَظماً من ضِفدِع، فقد قال - كما ترى: " فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ والْجَرَاد والقمَّلِ والضَّفَادِعَ والدَّمَ " ، فقد جعله - كما ترى - أُفضل آياته والعذابَ الذي أرسله عَلَى أعدائه.
وقد قال جل وعز: " فإذَا جاءَ أَمْرُنَا وفارَ التَّنُّورُ " فأظهر الماء جلّ ثناؤه من أبعد مواضع الماء من ظنونهم، وخَبَّرَنا بذلك كي لا نخلِيَ أنفسنا من الحذر والإشفاق، ولنكون علماء بالعِلم الذي أعطانا، ولنكون راجين خائُفين، ليصحّ الاختيار، ويحسُنَ الاختبار: " فَتَبَارَكَ اللّه أَحسَنُ الخَالِقينَ " ، ما أحسنَ ما قدَّر، وأتقَنَ ما برأ.

(1/497)


وكان السبب الذي سلطه اللّه تعالى عَلى العَرِم، وهو مُسَنَّاةُ جَنّتَيْ بلادِ سبإ، جُرَذاً، فهو الذي خَرقه، وبدَّل نعمتَهم بؤساً، ومُلكهُمْ يَبَاباً وعِزَّهمْ ذلاَّ، إلى أن عادوا فقراء، فقال اللّه: " وَبَدَّلنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكلٍ خَمطٍ وأَِثلٍ وشَيءٍ مِنْ سِدْر قَليل " ، هذا بعد أن قال: " لَقَدْ كانَ لِسَبأ في مسَاكِنهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَال كُلُوا من رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفْورٌ، فَأَعْرَضوا فَأَرْسَلْنَا عَليْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ " .
شعر في سد مأرب وقال الأعشى:
ففي ذاكَ للمُؤْتَسِي أُسْوَةٌ ... ومأربُ قفَّى عليه العَرِمْ
رُخامٌ بنَتْه لهم حميرٌ ... إذا جاء ماؤُهُمُ لم يَرِمْ
وأنشد أبو عمرو بنُ العلاء:
من سَبَأ الحاضرِينَ مَأْرِبَ إذ ... يبْنُونَ منْ دونِ سَيلهِ العَرِمَا
معارف في الجراد
ثم انظر إلى الجراد وهذا باب القول فيه.
قال: فأولُ ما يبدو الجرادُ إذا باض سَرْءٌ، وسَرؤُه: بيضُه.
يقال: سَرأَتْ تَسرأ سَرْءاً.
فانظر الآن، فكم ترى فيه من أعجوبةٍ، ومن آيةٍ بليغة، فأوَّل ذلك التماسُها لبيضها الموضعَ الصَّلد، والصخور الصُّمَّ المُلْسَ، ثقةً بأنها إذا ضربَتْ بأذنابها فيها انفرجت لها.
ذنب الجرادة وإبرة العقرب
ومعلومٌ أن ذنَب الجرادةَ ليس في خلقة المسمارِ، ولا طرف، ذنبها كحدِّ السِّنان، ولا لها من قوة الأسْر، ولذنبها من الصّلابة ما إذا اعتمدَتْ به على الكُدْيِةَ والكَذّانة جرح فيهما فكيف وهي تتعدى إلى ما هو أصلبُ من ذلك، وليس في طرف ذنبها كإبرة العقرب؟.
وعَلَى أن العقرب ليس تخرق القمقم من جهة الأيْد وقوة البدن، بل إنما ينفرجُ بطبعٍ مجعول هناك، وكذلك انفراجُ الصخورِ لأذناب الجراد.
ولو أن عُقاباً أرادتْ أن تخرق في جلد الجاموس لما انخرق لها إلا بالتكلُّفِ الشديدِ، والعُقابُ هي التي تَنْكدرُ على الذئب الأطلس فتقدّ بدابرتها ما بين صَلاهُ إلى موضع الكاهل.
فإذا غرزَت الجرادة وألقت بيضها، وانضمَّت عليها تلك الأخاديد التي أحدثتْها، وصارت كالأفاحيص لها، وصارت حافظةً لها ومربِّية، وصائنة وواقية، حتى إذا جاء وقتُ دبيبِ الرُّوح فيها أحدث اللّهُ في أمرها عجباً آخر، فسبحان من استخزنها حكمتَه، وحشاها بالأدلة عليه،وأنطقَها بأنها مدبرة، ومُذلَّلةٌ ميسرة، ليفكر مفكر، ويعتبر معتبر ذَلِكمُ اللّهُ رَبُّ العَالمِينَ، وتبارك اللّه ربُّ العالمين.
مراتب الجراد
وقال الأصمعي: يقال: قد سرأت الجرادة تسرأ سَرْءًا، فإذا خرج من بيضه فهو دَباً والواحدة دَباة، ويخرج أصهَبَ إلى البياض، فإذا اصفرَّ وتلوَّنت فيه خطوطٌ واسودَّ فهو بُرقان، يقال رأيت دباً بُرقاناً، والواحدة بُرقانة، فإذا بدت فيه خطوطٌ سُودٌ وبيضٌ وصُفر فهو المسَيَّح، فإذا بدا حجْمُ جناحِه فذلك الكُتْفان، لأنه حينئذٍ يكتف المشي واحدة كتفانة، قال ابن كناسة:
يكتِفُ المشْيَ كالذي يتخطَّى ... طنُباً أو يشكُّ كالمتمادِي
يصف فرساً، فإذا ظهرت أجنحتُه وصار أحمرَ إلى الغبْرة فهو الغَوْغاء والواحدة غوغاءه، وذلك حين يستقلُّ ويموجُ بعضه في بعضِه ولا يتوجَّهُ جهةً، ولذلك قيل لرعاع الناس غوغاء، فإذا بدتْ في لونه الحمرة والصفرة، وبقي بعضُ الحمرة، واختلف في ألوانه، فهو الخيفان، والواحدة خَيفانة، ومن ثمَّةَ قيل للفَرَس خَيفانة.
فإذا اصفرّت الذكورةُ واسودّت الإناثُ ذهبت عنه أسماء غير الجراد، فإذا باض قيل غَرَزَ الجرادُ، وقد رزَّ.
فإذا كثر الجرادُ في السماء وكثُف فذلك السُّدُّ، ويقال:رأيتُ سُدًّا مِنْ جَرادٍ، ورأيتُ رِجْلاً من جَرادٍ، للكثير منه، وقال العجاج:
سَيْرَ الجراد السُّدِّ يرتاد الخَضِرْ
مثل في الجراد
و مما تقول العرب: أصْرَد منْ جرادة، وإنما يُصْطاد الجراد بالسّحَر، إذا وقع عليه الندى طلبَ مكاناً أرفع من موضعه.
فإن كان مع النَّدى بَرَدٌ لبَدَ في موضعه، ولذلك قال الشاعر:
وكتيبةٍ لبَّسْتُها بكتيبةٍ ... كالثائر الحيران أشرفَ للنَّدَى

(1/498)


الثائر: الجراد، أشرف: أتى على شَرَف، للندى: أي من أجْل الندى.
استطراد لغوي ويقال: سخّتِ الجرادة تسخُّ سَخّاً، ورزَّت وأرزّت، وجرادةٌ رزَّاءُ ورازّ ومُرِزّ: إذا غمزَت ذنبها في الأرض، وإذا ألْقَت بيضها قيل: سَرأت تَسْرأ سَرْءًا.
ويقال: قد بَشرَ الجرادُ الأرضَ فهو يبشرها بشراً: إذا حَلقَها فأكل ما عليها، ويقال: جَردَ الجرادُ: إذا وقع على شيء فجردَه، وأنشدني ابن الأعرابي:
كما جَرَد الجارودُ بكرَ بْنَ وائل
ولهذا البيت سُمِّي الجارود.
وأنشدني آخر:
يقول أمِيرٌ: ها جَرادٌ وضبَّةٌ ... فقد جَردَت بيتي وبيتَ عِياليا
وهذا من الاشتقاق.
ومنه قيلُ ثوب جَرْدٌ، بإسكان الراء، إذا كان قد انجرد وأخْلَق، قالت سُعدَى بنت الشَّمَرْدان:
سَبَّاءُ عادية وهادي سُرْبةٍ ... ومُقاتلٌ بطلٌ وليثٌ مِسْلعُ
أجَعلتَ أسعدَ للرِّماح دريئة ... هبِلتْكَ أُمُّكَ أيَّ جَرْدٍ ترقعُ
تطيرُّ النابغة ويدخلُ في هذا الباب ما حدّثنا به الأصمعيّ، قال: تجهز النابغةُ الذبيانيُّ مع زَبَّان بن سَيَّارٍ الفزاريّ، للغزو، فلما أراد الرحيلَ نظرَ إلى جرادة قد سقطتْ عليه، فقال:جرادَةٌ تجرُد، وذات لونين، غيري منْ خرج في هذا الوجه: ولم يلتفتْ زَبّانُ إلى طِيرته وزجْره، ونفذ لوجهه، فلما رجع إلى موضعه الذي كان النابغةُ فارقه فيه، وذكر ما نال من السلامة والغنيمة، أنشأ يذكر شأن النابغة فقال:
تخبّر طيرَهُ فيها زيادٌ ... لتُخبره وما فيها خَبيرُ
أقامَ كأنَّ لُقمانَ بنَ عادٍ ... أشارَ له بحكمته مَشيرُ
تعَلَّمْ أنهُ لا طيْرَ إلا ... على متَطيِّر وهو الثِّبورُ
بلى شيءٌ يوافقُ بعضَ شيء ... أحاييناً وباطله كثيرُ
واسم النابغة زياد بن عمرو، وكنيته أبو ثُمامة، وأنشدني أبو عبيدة:
وقائلةٍ: مَنْ أَمّها واهتَدَى لها؟ ... زيادُ بنُ عمرو أمَّها واهتدى لها
استطراد لغوي قال: ويقال أبشرت الأرض إبشاراً: إذا بُذِرَتْ فخرج منها بذرها، فعند ذلك يقال: ما أحَسَنَ بَشرةَ الأرض.
وقال الكميت - وكنية الجراد عندهم: أمُّ عوف، وجناحاها: بُرْدَاها - ولذا قال:
تُنَفِّضُ بُردَيْ أُمِّ عوفٍ ولم تَطِرْ ... لنا بارِقٌ بخْ للوَعيدِ وللرّهْبِ
وأنشدنا أبو زيد:
كأن رِجْليهِ رجْلا مُقْطفٍ عَجِلٍ ... إذا تجاوَبَ مِنْ بُرْدَيْهِ ترنيمُ
يقول: كأنَّ رجلَي الجندب، حين يضربُ بهما الأرض من شدة الحرِّ والرَّمضاء، رِجلا رجل مُقْطِف، والمقطف: الذي تحته دابَّةٌ قَطوف، فهو يهمزُها برجليه.
شعر في الجندب والجراد
وقال أبو زبيدٍ الطائي، يصفَ الحرَّ وشدته، وعملَ الجندب بكُراعيه:
أيُّ ساعٍ سَعَى ليقْطع شَرْبي ... حينَ لاحَتْ للصابح الجوزاءُ
واستَكَنّ العُصْفُورُ كَرْهاً مع الضَّ ... بُّ أوفى في عودِهِ الحِرباءُ
ونفَى الجندَبُ الحصَى بكُراعَ ... يهِ وأذْكَتْ نيرانَها المعزاءُ
وأنشد أبو زيد، لعوف بن ذِرْوَة، في صفة الجراد:
قد خفت أن يحدَرَنا للمِصْرَينْ ... ويتركَ الدِّينَ علينا والدَّينْ
زَحْفٌ من الخَيْفانِ بعد الزّحْفَيْنْ ... مِنْ كلِّ سَفْعاء القَفا والخدَّينْ
مَلعونةٍ تسلَخْ لوناً عن لونْ ... كأنها مُلتفَّةٌَ في بُرْدينْ
تُنْحِي على الشِّمراخِ مثل الفأسَيْنْ ... أو مثل مِئشار غليظِ الحَرْفينْ
أنصبَه مُنصِبُه في قِحْفَين
وعلى معنى قوله:
تُنحي عَلَى الشمراخ مثلَ الفأسينْ ... أو مثلَ مِئشار عليظِ الحرفينْ
قال حمادٌ لأبي عطاء:
فما صفراءُ تُكنَى أمَّ عوفٍ ... كأن رُجَيْلتَيْها مِنْجَلانِ
تشبيه الفرس بالجرادة
ويُوصَفُ الفرسُ فيشبه بالجرادة، ولذا قال الشاعر:
فإذا أتيتَ أباكَ فاشترِ مثلها ... إنَّ الرِّداف عن الأحبَّة يَشْغَلُ

(1/499)


فإذا رفعْتَ عِنانَها فجرادةٌ ... وإذا وضعْتَ عنانَها لا تفشل
ولم يرض بشرُ بن أبي خازِم بأن يشَبهه بالجرادة حتى جعله ذكراً، حيث يقول:
بكلِّ قِيادِ مُسْنِفَةٍ عَنُودٍ ... أضَرَّ بها المسالِح والعِوارُ
مُهارِشَةِ العِنَانِ كأنّ فيها ... جَرَادَةَ هَبْوةٍ فيها اصفرارُ
فوصفها بالصُّفرة، لأنَّ الصفرة هي الذكورة، وهي أخفُّ أبداناً، وتكونُ لخفة الأبدان أشدُّ طيراناً.
تشبيه مسامير الدرع بحدق الجرادة
ويوصف قَتيرُ الدِّرع ومساميرُها فيشَبَّه بحدَق الجراد، وقال قيس بن الخطيم:
ولما رأيتُ الحرب حرباً تجرَّدَتْ ... لبست مع البردَيْنِ ثوبَ المحاربِ
مضاعفةً يغشَى الأناملَ فضلُها ... كأنَّ قتيريْهَا عيونُ الجنادبِ
وقال المقنَّع الكِنْديّ:
ولي نَثرةٌ ما أبْصَرَتْ عينُ ناظرٍ ... كصُنْعٍ لها صُنعاً ولا سَرْدِها سَرْدَا
تلاحَمَ منها سَردُها فكأنما ... عيونُ الدَّبا في الأرضِ تجردُها جَرْدا
وقال عمرو بن معد يكرِبَ:
تمناني ليقاني أبيٌّ ... وددتُ وأين ما منِّي ودادِي
تمناني وسابغتي دلاصٌ ... خَوس الحسِّ محكمةُالسرادِ
مضاعفةٌ تخيرَّها سُليمٌ ... كأنَّ سِكاكَها حَدَقُ الجرادِ
تشبيه وسط الفرس بوسط الجرادة
ويوصفُ وسط الفرَس بوَسط الجرادة، قال رجلٌ من عبد القيس يصف فرَساً:
أمَّا إذا ما استُدْبرَِتْ فَنَعامةٌ ... تَنْفِي سَنابِكُها رَضيضَ الجَنْدَلِ
تشبيه الحباب بحدق الجراد
ويوصفُ حَباب الشراب بحدق الجراد، قال المتلمِّس:
كأني شاربٌ يومَ استَبدُّوا ... وحثّ بهم وراءَ البِيدِ حادِي
عُقاراً عُتِّقَتْ في الدّنِّ حتى ... كأنَّ حَبابَها حَدَقُ الجراد
لعاب الجندب
وإذا صفا الشَّرابُ وراقَ شبَّهوه بلُعاب الجندب، ولذا قال الشاعر:
صفراء من حَلَبِ الكرومِ كأنّها ... ماءُ المفاصِل أو لُعابُ الجُنْدُبِ
ولُعاب الجندب سمٌّ عَلَى الأشجار، لا يقع على شيء إلا أحرقه.
زعم في الدَّبا ولا يزالُ بعضُ من يدَّعي العِلمَ يزعمُ أن الدَّبا بُريد الخُضرة، ودونها النهر الجاري، فيصيرُ بعضه جسراً لبعضِ، وحتى يعبُر إلى الخضرة، وأن تلك حيلة منها.
وليس ذلك كما قال: ولكنّ الزَّحفَ الأول من الدبا يريد الخضرة، فلا يستطيعها إلا بالعبور إليها، فإذا صارت تلك القطعة فوق الماء طافيةً صارت تلك لعمري أرضاً للزحف الثاني الذي يريد الخضرة، فإن سمَّوا ذلك جسراً استقام، فأما أن يكون الزحفُ الأولُ مهَّد للثاني وَمكّن له، وآثرَه بالكفاية فهذا ما لا يُعرُف.
ولو أن الزحْفين جميعاً أشرفا على النهر، وأمسَكَ أحدُهما عن تكلُّف العبور إلى أن يمهِّد له الآخر - كان ذلك قولاً.
استطراد لغوي ويقال في الجراد: خِرقة من جراد، والجميع خِرَق، وقال الشاعر:
وكأنها خِرَقُ الجرَادِ ... يثورُ يومَ غُبارِ
ويقال للقطعة الكثيرة منها رجْل جراد، ورجلةٌ من جراد، والثَّوْل: القطعة من النحل.
وتوصف كثرة النّبْلِ، ومرورها، وسرعة ذلك بالجراد، وقال أبو النجم:
كأنما المَعْزاءُ من نِضالها ... رجلُ جرادٍ طار عن حِدَالها
وإذا جاء منه ما يسدُّ الأفق قالوا: رأينا سُدّاً من جراد، وقال المفضل النُّكريّ:
كأنَّ النَّبلَ بينهمُ جرادٌ ... تُهيِّجه شآمِيَةٌ خَرِيقُ
والمرتجل: الذي قد أصابَ رجْل جرادٍ، فهو يشويه.
وقال بعضُ الرُّجَّاز، وهو يصف خيلاً قد أقبلت إلى الحيّ:
حتى رأينا كدُخانِ المرتجِلْ ... أو شَبَهَ الحَفَّانِ في سفحِ الجَبَلْ
ولأن الحفانَ أتمُّها أبداناً، قال ابنُ الزِّبَعرَى:
ليتَ أشياخي ببدرِ شهدوا ... جَزَع الخزرجِ من وقعِ الأسلْ
حينَ ألقتْ بِقُباء بَرْكَها ... واستَحَرَّ القتلُ في عبدِ الأشَل
ساعةً ثمَّ استخفوا رَقصاً ... رَقَصَ الحفان في سَفْحِ الجَبَلْ

(1/500)


وقبلنا الضَّعف منْ ساداتِهمْ ... وعدلنا مَيلَ بدرٍ فاعتَدَل
طيب الجراد الأعرابي
والجرادُ الأعرابيُّ لا يتقدمه في الطِّيب شيء، وما أُحصِي كم سمِعتُ من الأعرابُ مَنْ يقول: ما شبِعتُ منه قطُّ وما أدعُهُ إلا خوفاً من عاقبته؛ أو لأني أعيا فأتركه.
أكل الجراد والجرادُ يطيب حارّاً وبارداً، ومشويّاً ومطبوخاً، ومنظوماً في خيط، ومجعولاً في الملَّة.
والبيض الذي يتقدَّمُ في الطيب ثلاثةُ أجناس: بيض الأسْبور وبيض الدَّجاج، وبيضُ الجراد فوقَ بيض الأسبور في الطيب، وبيضُ الأسبور فوق بيض الدَّجاج.
وجاء في الأثر، أن الجراد ذكرَ عندَ عمر فقال: ليت لنا منه قَفْعَةً أو قفعتين.
وهو يؤكل يابساً وغير يابس، ويجعل أُدْماً ونَقْلاً.
والجرادُ المأكولُ ضروبٌ، فمنه الأهوازيّ، ومنه المذنّب، وأطيبُه الأعرابيّ، وأهل خُراسان لا يأكلونه.
قصة في الولوع بأكل الجراد وحدَّثني رَتْبيل بن عمرو بن رَتْبيل قال: واللّه إني لجالس على باب داري في بني صبير، إذ أقبلت امرأةٌ لم أر قط أتم حسناً ومِلحاً وجسماً منها، ورأيت في مشيها تأوُّداً، ورأيتها تَتَلَفَّتُ، فلم ألبَثْ أن طلعتْ أخرى لا أدري أيتهما أقدِّم، إذ قالت التي رأيتها بديًّا للأُخرى: ما لك لا تلحقيني؟ قالت: أنا منذ أيام كثيرة أُكثرُ أكلَ هذا الجراد، فقد أضعفَني فقالت: وإنك لتحبِّينَه حُبًّا تحتملين له مثلَ ما أرى بكِ من الضَّعف؟ قالت: واللّه إنه لأحبُّ إليَّ من الحبل.
طرفة في الجراد
وقال الأصمعي: قال رجلٌ من أهل المدينة لامرأته: لاجزَاكِ اللّه خيراً، فإنك غيرُ مُرْعِيَةٍ ولا مبقية قالت: لأنا واللّه أرْعَى وأٍبقى من التي كانت قبلي قال: فأنت طالقٌ إن لم أكنْ كنتُ آتيها بجرادةٍ فتطبخ منها أربعة ألوان، وتَشْوي جنبَيها فرفعَتهُ إلى القاضي فجعل القاضي يفكر ويطلبُ له المخرج، فقال للقاضي: أصلحك اللّه أأشكلتْ عليك المسألة؟ هي طالقٌ عشرين.
تشبيه الجيش بالدبا
ووصف الراجزُ حرباً، فوصفَ دنوَّ الرّجَّالة من الرّجَّالة، فقال:
أو كالدَّبا دبّ ضُحًى إلى الدَّبَا
قول أبي إسحاق في آية الضفادع
وقرأ بعضُ أصحابنا بحضرة أبي إسحاق: " وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرنَا بِهَا فَما نَحْنُ لكَ بمُؤْمِنِينَ، فأرْسَلْنَا عََلَيْهِمْ الطُّوفانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاَتٍ " فقال رجلٌ لأبي إسحاق: انظر كيف قرَنَ الضفادعَ مع ضعفها إلى الطوفان، مع قوة الطوفان وغلبته، قال أبو إسحاق: الضفادعُ أعجبُ في هذا الموضع من الطوفان، وإذا أراد اللّه تعالى أن يصيِّر الضفادعَ أَضرَّ من الطوفان فعل.
شعر في تشبيه بالجراد
وقال أبو الهنْدِي:
لمَّا سِمعتُ الدِّيك صاحَ بسُحْرة ... وتوسّط النَّسْرانِ بَطْنَ العقربِ
وتتابعَتْ عُصَب النُّجوم كأنها ... عُفْرُ الظِّباء على فروعِ المرْقَبِ
وبَدا سُهَيلٌ في السماء كأنه ... ثَوْرٌ وعارضَه هِجَانُ الرّبْرَب
نَبَّهْتُ نَدْمَانِي فقلتُ له: اصطَبحْ ... يا ابن الكرامِ من الشَّراب الأصهْبِ
صفراءُ تنْزُو في الإناء كأنها ... عَيْنُ الجرادةِ أو لعابُ الجُنْدُبِ
نَزْوَ الدَّبا مِنْ حَرِّ كلِّ ظهيرة ... وقَّادَةٍ حِرْباؤُها يتقلَّبُ
وقال أبو الهنديّ أيضاً:
فإنَّ هذا الوطْبَ لي ضائرٌ ... في ظاهر الأمر وفي الغامض
إنْ كُنْتَ تَسْقِيني فَمِنْ قَهْوَةٍ ... صفراءَ مثلِ المُهْرَةِ الناهضِ
تنْزُو الفقاقيعُ إذا شُعْشِعَتْ ... نَزْوَ جَرَادِ البلدِ الرَّامِض
وقال الأفْوهُ:
بمناقِبٍ بِيضٍ كأنَّ وجُوهَهُمْ ... زَهرٌ قُبيلَ ترَجُّل الشَّمسِ
دَبُّوا كمنتشر الجرادِ هَوَتْ ... بالبطن في دِرعٍ وفي تُرْسِ
وكأنها آجالُ عادِية ... حَطَّتْ إلى إجْل من الخُنْسِ
أقوال فيما يضر من الأشياء

(2/1)