صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : التمام في تفسير أشعار هذيل
المؤلف : إبن جني
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

(1) شعر قيس بن العيزارة قال (من الطويل):
لَعَمْرك أنْسى رَوْعَتي يَومَ أقتتُدٍ ... وَهل تتركنَ نَفسَ الأسيرِ الروائعُ
وفيها:
غداة تنادوا ثم قاموا وأجمعوا ... بقتلي سلكي ليس فيها تنازُعُ
لام " تنادوا " واو لأنه من الندوة وهو الاجتماع، ألا تراهم إنما يتنادون للاجتماع أو مع الاجتماع. ومنه قول الله سبحانه (إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة) ، وإنما ينادي للاجتماع.
وفيها:
وقُلْتُ لهم شاءٌ رَغيبٌ وجامِلٌ ... فكلكم من ذلك المال شابعُ
مذهب سيبويه في " شاء " أن عينها واو ولامها ياء، ومذهب البغداديين أن عينها واو ولامها هاء. وقد تقصيت هذا الأمر في كتابي في تفسير تصريف ابي عثمان وغيره من كلامي.
وفيها:
فويلٍ ببزًّ جَرّ شَملٌ على الحصا ... فَوقِّرَ بَزٌ ما هنالك ضائعُ
أما الرفع في " ويل " فلا نظر فيه، وأما الجر فعلى انه بناه على الكسر كقوله " من الرجز " : مهلاً فداءِ لك يا فضالة " أجره الرمح ولا تهاله " وقوله " من البسيط " :
" مهلا " فداءِ لك الأقوام كلهم ... " وما أثمر من مالٍ ومن ولدِ "
أراد لأفَدِك، وليَفْدِكَ الأقوام، فبنى الاسم كما يبنيه في نحو " صه " و " مه " و " إيه " و " رويدَ " ، فكأنه قال: ليلزمه الله الويل. وأصل بناء هذا الكلم الموضوعة للأمر عندي أنها تضمنت معنى لام الأمر، ألا ترى أنّ " صَهِ " بمعنى اسكت، وأصل اسكت لتسكت، وكذلك " حذار " معناه: إحذر، وأصل إحذر: لتحذر، وكذلك " رويدَ زيداً " ، هو اسم: انظر زيدا، وأصل انظر: لتنظر، فمعنى لام الأمر موجود في جميع ذلك، فهذه علة بنائها الصريحة. ولم يفصح أحد من أصحابنا بها هذا الإفصاح، وإنما أكثر ما يقولون أنها بنيت لوقوعها موقع فعل الأمر، وليست علة بناء ما بنى من الأسماء إلا مشابهتها للحرف أو تضمنها معناه، فأما وقوعها ما كان مبنيا للأمر فلا يوجب فيها بناء ولا إعرابا. قال سيبويه: " وأما الفتح والكسر والضم والوقف فللأسماء غير المتمكنة المضارعة عندهم ما ليس باسم ولا فعل مما جاء لمعنى ليس غير نحو سوف وقد " . فهذا تصريح كما تراه، ولا مذهب لمصنف ولا متعسف عنه. وأما من قال " ويل أم بز " فإنه أزاد: " ويلٌ لام بز " ، وكثر استعمال هذه الكلمة فحذفت لام الجر والهمزة تخفيفا وحذف التنوين كما حذف فيما حكاه أبو الحسن من قولهم: " سلامُ عليكم " ، وذلك لكثرة استعماله. ويجوز أن يكون أراد " ويلُ أم بز " فرفعه بالابتداء وحذف خبره أي: ويلُ أمه واجب أو حال عليه، ثم حذف همزة " أمّ " لكثرة الاستعمال، فبقي " ويلُ مَه " كما ترى. وأما " وَيْ لمّه " فأراد ويلٌ لأمه، ثم حذف لام " ويل " والتنوين لكثرة الاستعمال، وهمزة " أُم " لذلك، فبقى " وَ يْ لمه " . ويدل على أن المراد في جميع ذلك " ويلٌ لامه " قول الشاعر " من الوافر " :
لأمِ ويلٌ ما أجنَتْ ... غداةّ أضَرَّ بالحسنِ السبيلُ
وحكى الأصمعي: " رجلٌ ويلُمَه " ، وحكى غيره: " رجلٌ ويْلُمِّه " ، فويلمه على أنه اشتق من ذلك صفة كما ترى، و " يلمه " حكاية ما يقال في مثله أَي: هو داخيةٌ يقال فيه هذا القول. قال " من البسيط " .
ويْلُمِها في هواء الحق طالبةً ... ولا كهذا الذي في الأرض مطلوب
وأما وزن قوله " ويلمه " ، فإن حكيت أصله فوزنه " فَعْ لُ عْله " وإن وزنت على ما صار إليه بعد التركيب فمثالها " فَيْعُلِّة " ، فإن قلت فإن هذا مثال غير موجود، قيل: إنما ينكر هذا لو كان المثال أصلاً برأسه، فأما وإنما هو فرع أدى إليه التركيب شيئا بعد شيء فلا ينكر ذلك، ألا ترى إلى قولهم في زجر الفرس " هِجِدّم: للواحد والاثنين والجميع سواء. فمثال " هجدم " : إفِعّل، وهذا مثال غير موجود في الأصول وإنما أصار إليه التحريف والتركيب، وأصله من قوم: " أَ جْدَ مْت بالفرس " إذا قلتَ له " أجدم " أي أسرع. قال عدي بن الرقاع " من الخفيف " :
هُنَ عُجْمٌ وقد عَلِمنَ من القولِ ... هبى واجْدَمى ويايَ وقومي
ويجوز أن يكون قولهم " ويلمه " أصله: ويل لامه، ثم حذف حرف الجر والهمزة - التي هي فاء - والتنوين، أو لم ينون لأنه نوى المعرفة كغاقِ، فبقى ويلمه. أوس " من البسيط " .
ويلمهم معشراً جُماً بيونُهمُ ... لا العرفُ عرفٌ، ولا التنكير تنكيرُ
وفيها:

(1/1)


بما هي مقناةٌ أنيقٌ نباتُها ... مربٌّ فتهواها المخاضُ النوازعِ
" مقناة " أي موافقة. وقوله: " مقاناة البياض بصفرة " أي يوافق بياضها صفرتها، ولغة هذيل " مفناة " بالفاء. ينبغي أن تكون لام المقناة بالقاف واواً من قولهم: قنوات السيئ أي وافقني فادخرته، وإما على قول الكوفيين فإنهم يحكون: قنوته وقنيته، فعلى هذا يحتما الأمرين بالواو والياء، وأما " المقناة " بالفاء فقد فسرها أبو مرو فقال: هذيل تقول " مفناة " بالفاء، وطيّ تقول " مقناة " بالقاف: قال: وهو الجانب الذي لا تطلع عليه الشمس، فهي على هذا كأنها مَفْعَلَةٌ من الفِناء، وهو الحد والجانب. وقد سبق قولنا أن الوجه أن يكون الفناء من الواو وجملا على حكم الثناء لأنهم قد قالوا: هو فناء الدار وثِناؤها بمعنى. وأما " المقناة " بالقاف على تفسير أبي عمرو فإنها بمعنى مررب، وقد فسر مرباً بالمألف، فالمقناة على هذا كالقول الأول من الواو من " قنوت " ، لان الشيء المقتنى مألوف، فهذا معنى " مرب " أيضا.
وانْسال ذو الماوَين أمْسَتْ قلاتُه ... لها حَبَبٌ تَسْتَنُّ فيه الضفادع
" ذو الماوين " : موضع. ينبغي أن يكون تثنية ماء، كأنه موضع يأتيه الماء من موضعين أو فيه ماءان، وقياسه: ذو الماءين وقد يجوز أن تقول فيه ماوان كما تقول في عطاء: عطاوان. وأصل إبدال هذه الهمزة واواً أن تكون لما همزته للتأنيث نحو: حمراوان وصفراوان، ثم يشبه ما همزته زائدة لغير التأنيث للزيادة بهمزة التأنيث فيقال: علباوان وحرباوان، ثم يُشبه ما همزته منقلبة عن الياء والواو والأصلين بما همزته منقلبة عن ياء زائدة فيقال: عطاوان وسقاوان كما قيل علباوان وحرباوان ، ثم يشبه ما همزته بدل من أصل فيقال في قرّاء وضاء: قراوان ووضاوان كما قيل: عطاوان وسقاوان. هكذا تنزيل هذه الأشياء شيئا فشيئا.
وفيها:
لها هَجَلاتٌ سَهْلةٌ ونِجادَةٌ ... دكادِكُ لا تُوبى بَهِنَّ المراضعِ
قال: الهجل بطن من الأرض لين. هذا من المذكر الثلاثي الذي جُمع بالتاء، ومثله ثِرى وثريات. أنشد الأصمعي " من الرجز " :
وامتص بَرْدَ الثَرَيات الرُّشَحِ ... مَصَّ الذُبابات الشروط البَرْسخِ
ونحوه قولهم: " يا لَثارات فلان " هو جمع " ثار " ، ومثله ما أنشده أيضا " من الرجز " :
ذو رألات شَفّها وشَفَّهُ ... شِرادُها عن شركٍ وكفَّهُ
وهو جمع رأل. وأنشد أيضا جمع حور، وهو النقصان. وقال المراد الفقعسي " من الوافر " :
تريْ عبساً يُسَوِّدُهُنَ ماءٌ ... من النَجَداتِ يحلبه الذميلُ
قالوا: جمع نجد للعرق.
وقال قيس بن عَيزارة في قصيدة " من الكامل " :
والدَّهْرُ لا يبقى على حَدثانِهِ ... بَقَرٌ بناصِفَةِ الجِواءِ ركودُ
الهمزة في " جواء " بدل من ياء لأن باب " طويت " اكثر من باب " قوَ " وإن كانت جمع قَوّ فهي بدل من واو، ويجوز في القياس أن يكون مقلوبا من الجؤوة فتكون همزته أصلية ويكون مثاله " فِلاع " .
وقال قيس بن عَيزارة " من الطويل "
ورَدَنْا الفُضاضَ قلنا شَيّفاتُنا ... بأرعنَ ينفى الطيرَ عن كل موقع
قال: " شيفاتنا " طلائعنا، الشيفة: الطليعة. ينبغي أن يكون عين الشيفة واواً لأنها " فَيْعلَة " من شاف يشوف إذا جلا، ألا ترى أنهم يقولون: " قد جَليّ الصقر والبازي " إذا رمى بطرفه وكذلك الطليعة إنما تتأمل وترمى بأبصارها هل ترى شبحا، جيشا أو غيره. قال عنترة " من الكامل " :
ولقد شربت من المدامة بعدما ... ركدتا هواجر بالمشوف المعلو
أي بالدينار المجلو. فأما رفع " شيفاتنا " ، فإن شئت فالبتداء وخبره " قبلنا " مقدم عليه، وإن شئت كان بدلا من " نا " في وردنا بدل البعض كقولك: " دخلنا تادارَ خمسةٌ من وأكثرنا " ونحو ذلك. فإن قلت فكيف تجيز البدل من ضمير المتكلم، ألا تراك لا تجيز: " قمتُ زيدٌ " ولا " كلمتني جعفراً؟ " قيل إنما لا يجوز البدل من ضمير المتكلم إذا كان بدل الكل كما تقدم آنفا. فأما بدل البعض وبدل الاشتمال فكلاهما جائز من ضمير المتكلم لما في ذلك من الفائدة. قال وهو أبيات الكتاب " من الوافر " :
ذَريني أنَّ أمْرَك لن يُطاعا ... وما ألفيتني حلمي مضاعا

(1/2)


فهذا بدل الاشتمال، كذلك بدل البعض لا فرق بينهما. وإذا كان " شيفاتنا " مبتدأ، فقبلنا متعلق بمحذوف لا محالة لانه خبر، وإذا كان " شيفاتنا " بدلا احتمل " قبلنا " أمرين: أحدهما أن يكون متعلقا ب " وردنا " ، فلا يكون فيه على هذا ضمير. والآخر أن يكون حالا من " شيفاتنا " فيتعلق حينئذ بمحذوف، ويتضمن ضميره الذي كان يكون فيه لو ظهر. ومن رفع بالظرف الظاهر كان " شيفاتنا " مرفوعا بالظرف ولا ضمر فيه لرفعه الظاهر.
فأجابه أبو عامر بن أبى الخنس الفهمي من أبيات " من الطويل " :
أقاوِمُ لا يعدو عن الظِّلِ عِزُّهُمْ ... فذو البَتِّ فيهم والفقيرُ مُدَعْدَعُ
" قوم " يكسر على أقوام، ويكسر أقوام على أقاويم إلا أن الياء تحذف لكثرة استعماله. كذا مر بنا في فرش الاستعمال. قال: ويروى " أقائم " يريد: أقوم. ينبغي أن يكون هذا شاهدا لما يقوله أبو إسحاق في همز العرب: " مصائب " ، ألا ترى أنه قال إن أصله: مصاوب، إلا أن الواو أبدلت همزة لانكسارها كما أبدلت في وسادة ووشاح ووفادة ووعاء فقيل: أسادة وأشاح وإعاء وإفادة. وأنكر ذلك عليه أبو علي رحمه الله، وقال إن همزة الواو إذا كانت أولا ومكسورة قليلا لا يقاس عليه فكيف بها إذا كانت حشوا. قال: وإنما ذاك لأن مصيبة أشبهت " فعيلة " ، فذهب في هذا إلى ما يراه أصحابنا لا إلى ما انفرد به أبو إسحاق. وفي بيت الهذلي هذا الذي هو " أقايم " تقوية لقول أبي إسحاق. ألا ترى أنه ليس في واحده ياء تشبه ياء " فعيلة " ، إنما هو اقوام، والواو قيه صحيحة فكانت يجب صحتها في تكسيرها فهذا يدل على أن البدل إنما هو لمر راجع غلى حكم الكسرة في الواو.
وقال قيس بن عيزارة من أبيات " من الطويل " :
فَدَعْنا ونحصى حولَ بيتك بالحص ... ونلخاك غلفاً سلمى زَعيمُها
ويروى: نلحاك، بالحاء. الواو في " ونحصى " تحتمل أمرين: أحدهما أن تكون للاستئناف وعطف جملة على أخرى أي: ونلخاك على كل حال، ولا موضع لهذه الواو وما بعدها. والآخر أن تكون واو المبتدأ أن واو الحال هذه متقاضية، وإذا جاز في بيت الكتاب وهو قوله " من الخفيف "
لن تراها ولو تأملت إلا ... ولها في مفارق الرأس طيبا
أن يكون تقديره: إلا وأنت ترى لها في مفارق الرأس طيبا. فيحذف الجزءان جميعا وهما ركنا الجملة كأنْ حذف أحد جزئيها في بيت الهذلي هذا أجدر الجواز. وأما لام " نلخاك " فواو لقولهم: لخطوت الصبي، إذا سقيته بالمُسْعُط، زمنه لخى - يلخى لخوا، وهو أن يكون أحد شقي بطنه مسترخيا ومنه اللخواء، وهذا واضح. وأما لام " نلحاك " بالحاء ففيه لغتان: لحوت ولحيت لحوا ولحيا، وغصن ملحُوٌّ وملحىٌّ، ومنه تلاحى الرجلان أي تشاتما، وكأن كل واحد قشر صاحبه. ومعنى " نلخاك " من اللخا يعني الوَجور، ونلخاك نقشر منك ألفاً من الدية، عن الأصمعي.
وفيها:
وسِلْمُ الصَّديق وابلٌ ومسيلُه ... ومَرْعاه وادٍ لا يُفَجىّ عميمُها
قال: " لا يفجى " ، لا يفرج من كثرته. لام " يفجىّ " واو لأنه من قولهم: قوس فَجْواء، أي منفرجة، وأنث الضمير في " عميمها " ، وهو عائد على الوادي من حيث كان الوادي في المعنى هو السلم فصار من باب قوله " من الطويل " :
تعال فإن عاهدتني لا تخونني ... نكن مثل من يا ذئب يصطحبان
وقول الله سبحانه : (ومنَ الشياطينِ مَنْ يغوصونَ له) وهو واسع كثير وإن شئت قلت ذهب بالوادي إلى البقعة كقول الله عز اسمه (إنَّكَ بالوادي المُقَدَّسِ طُوى)، فيمن لم يصرف لأنه ذهب بالوادي إلى البقعة.
وقال قيس بن خويلد من بيتين " من الطويل " :
وكادَ يُوالينا ولسنا بأرضِهم ... قبائلُ من فَهِمٍ وأفضى وثابرا
لام " أفضى " عندنا هي ياء، قالوا لأنه من فصيت السيئ أفصيه فصياً إذا أبنته من غيره، والفصية أيضا ما نين الحر والبرد. ولا اعرف الآن " فص " .
وقال قيس بن العيزارة من أربعة أبيات. " من البسيط " :
ويلهما لقحةً إذا تأوبهم ... نسعً سآمية فيها العاصير
مسع ونسع من أسماء الشمال. قال الهذلي:
قد حال بين دريسية مؤوبة ... نسع لها بعضاهِ الأرضِ تهزيز

(1/3)


ويشبه أن تكون النون هي الأصل والميم بدل منها وذلك لأن الشمال شديدة الهبوب لقوله: " نسع لها بعضاه الأرض تهزيز " ، فكأنها نسعة يجذب بها العضة. أنشدني الشجري في وصف حمامة تميل غصناً لتَفسه " من الطويل "
ينبوء بها طوراً وطورأ يميلها ... كأنه غي أشطان مُرْجٍ وجاذبِ
وفيها:
كأنّها وَسْط أيْكِ الجزْع مُعْتَرِشٌ ... ممن يُعَوِّلَ تَحْتَ الدَّجْنِ مبغورُ
في قوله " يعول " دلالة على أن عين العالة واو، والعالة أن يعرض خشباً على رؤوس شجر يتحصن فيها من السبع. ومثله ما قرأته على أبي بكر محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيي " من البسيط "
الطعن شغشغة والضرب هيقعة ... ضَرِبَ المعوّل تحت الديمة العَضُدا
هذا آخر ما خرج من شعر قيس بن عيزارة.
(2) شعر عمرو بن الداخل قال الأصمعي: اسمه زهير. قال " من الوافر " :
تَذكّر أُمَّ عَبْدِ اللهِ لّما ... نأته، والنوى منها لجوج
فيها:
تُصيخُ غلى دَوِيِّ الأرض تَهوى ... بمسمعِها كما لأصغى الشَّجيجُ
عين " تصيخ " واو قياسا واشتقاقا. أما القياس فلأنها عين، وان تكون واواً أكثر. وقد تقدم القول في هذا. وأما الاشتقاق فلأنهم قد قالوا أساخ بسمعه وأصاخ، فكأن الصاد فقلبت عن السين لأجل استعلاء الخاء كقولهم في مساليخ: مصاليخ، وفي سالغ: صالغ، لأن الخاء أخص بالغين منها ببقية حروف الحلق، وقد قالوا ساخ الماء في الأرض يسوخ أي دخل فيها. ورووا بيت أبى ذؤيب " من الكامل " :
قصر الصبوح لها فشرّج لحمها ... بالنيّ فهي تسوخ فيها الإصبع
وتثوخ وكأن الثاء بدل من السين لاجتماعها في الهمس. والتقاؤها ان المُسيخ بسمعه مصغ إلى المسموع دأب في إدخاله أذنه وإيصاله غلى حاسته كما يسوخ الماء في الأرض أي يصل إليها ويخالطها وهذا مفهوم. واما " يصغي " فمن الواو من قولهم: صغوه معك وصغاه معك، أي: ميله، والمصغي إلى الشسء، مائل بسمعه إليه. وهذا واضح.
وفيها:
وأَمْهلُها فلما وَرّكتني ... شمالاً وهي مُعْرِضة تهيجُ
وضع لفظ المضارع في معنى الماضي أي: وأمهلتها فلما وركتني. ومثله ما انشد الأصمعي " في المتقارب " :
فلما خشيت أظافيره ... نجوت وارهنه مالكا
قال الأصمعي: وهو كقولك: قمت وأصك عينه، أي وصككت عينه. ورواه غيره: نجوت وأرهنتهم مالكا. ومثله " من البسيط " :
ظلت تجوب بها البلدان ناجية ... عيديةٌ أرهنت فيها الدنانيرُ
ومثله قول بعض همدان في نسر قتله " من الطويل " :
أرحتهم منه وأطفأت سُنّة ... فإن باعدونا فالقلوبُ بِعادُ
فأرميه من جوف الخبا فاختللته ... وليلي من دون الصباح سوادُ
وقالت فتاة منهم في هذا النسر " من المتقارب " :
فيرميه خالي على رقبة ... بسهم فانفذ منه الدسيعا
وعليه بيت الكتاب " من الكامل " :
ولق أمر على اللئيم يسبني ... فمضيت ثُمََّ قلت: لا يعنيني
أي: ولق مررت. قال أبو علي قال أبو بكر: كان حق الفعال كلها أن تكون مثالا واحدا إذ كان معنى الفعل على اختلاف أمثلة واحدا إلا انه فرق بين أمثلتها لاختلاف أومنتها. قال فان انضم غلى لفظ المثال قريبة من لفظ أو حال جاز وقوع كل واحد منها موقع صاحبه وذلك نحو قولهم في الشرط: " أن قمتَ قمتُ " وأنت تريد: أن تقم اقم، فوضعت الماضي موضع المستقبل لما صحبه من حرف الشرط إذ معلوم أن الشرط لا يصح إلا مع الاستقبال وكذلك الدعاء نحو: " غفر الله لك " لما كان الدعاء في لفظ الأمر، والأمر والنهي لا يصحان إلا مع الاستئناف. وكذلك " لم أقم " لما كان نفي قمتُ، وقمت ماضٍ جاء فيه لفظ المضارع، فهذا شرح هذا فاعرفه. فأما قول الله تعالى: (واتَّبَعُوا ما تتلو الشَّياطينُ) فمعناه: تلت، وهو حكاية حال التلاوة فلذلك جاء بلفظ الحاضر. وقد ذكرنا هذا في موضع آخر من كلامنا.
وفيها:
وصفراءُ البُراية فَرْعُ نَبْعٍ ... تَضمَنَّهَا الشرائِعُ والنهوجُ

(1/4)


ويروى: فرع قان. وقال: القان الشجر التي تعمل منه القسي. كان أبو علي - رحمه الله - يجعل عين " القان " ياء ويأخذه من: قَيَّنْتُ السيئ، أي حسنته وزينته، ويذهب على أن الشجر يُحَسنُ موضعه ويجمله. وليس يبعد عندي أن يكون القين وهو موضع القيد من هذا، وذلك انه بمنزلة الخلخال والسوار من المرأة وهما للجمال والزينة. قال ذو الرمة " من البسيط " :
دانى له القيدُ في ديمومة قَذَفٍ ... قينية وانحسرتْ عنه الأناعيم
ويكشف لك عن حقيقة ما نحن بسبيله قول أبى نواس " من الطويل " :
إذا قام غنّته علي الساقِ حليةٍ ... لها خطوة عند القيام قصيرُ
فجعل القيد حلية، أي هو في مكان الحلية من لابسها، وهو أيضا من جوهر الرض كالفضة والذهب.
نجز ما خرج من شعر عمرو بن الداخل.
(3) وهذا شعر أبي ذَرّة قال الأصمعي: أبو ذُرَّة " من الرجز " :
يا أيُها الشَّاعِرُ لا يُسْمَعْ لكا ... أعجلتني ولم اكنْ أحفِلْ لكا
ليس قوله في القافيتين: " لكا، لكا " ايطاء، وذلك ان حرف الجر يتصل بالفعل قبله حتى يصير كجزء منه وذلك نحو: مررت بك، ونظرت إليك. ويدلك على أنه معه كالجزء الواحد أشياء منها: إن عبرة الفعل الواصل بحرف الجر عبرة الواصل بنفسه، ألا ترى إن مررت بزيد بمعنى جزت زيدا، ونظرت إلى عمرو بمعنى أبصرت عمرا. ومنها أنك تختار مع حرف الجر من النصب ما تختاره مع الفعل الواصل بنفسه فتختار أزيداً مررت به، كما تختار: أزيداً رأيته. ومنها أن حرف الجر هذا قد عاقب ما هو مصوغ في الكلمة حرفا منها، ألا ترى انك تقول: ذهبت بزيد، فمعنى الباء معنى همزة أفعل إذا قلت: أذْهَبتْ زيداً، وكذلك: علوت به وأعليته. نعم ويعاقب أيضا عن الفعل في قولهم: سرت بزيد، وسيّرت زيدا، وسبقت بزيد، وسبقته. ولهذا أشباه، فإذا جرى حرف الجر مجرى جزء من الفعل الذي اتصل به صار بضعة منه وطرفا له فصارت المعاملة في القافية إذن إنما هي مع الفعلين لا مع الحرفين الجارين المتصلين بهما، فكأنه لا يسمعك ولا يحفلك. وإذا كان كذلك فقد اختلفت القافيتان، ولم يكن هناك إيطاء.
وقال أبو ذَرَّة " من الرجز " :
الجدّ هُوَّ أي بني خُزَيمة ... أنْ يُنزلوني سواء الخيمة
يجوز أن يكون معناه " الجد " ، ثم حذف همزة الاستفهام تخفيفا و " هُوَّ " خبر " الجد " ، وهو ضمير ما كانوا عليه نظير الضمير في قوله: " إذا كان قد غدا فاتني " ، وقوله " أن تمزلوني " بدل من " هُوَّ " وهذه لغة في " هو " أعني الثقيل. ويجوز أن تكون الرواية " هُوٌ " أي تكسير " هاوٍ " أي محب، أي يا محبي.
وقال أُسيد بن أبى إياس من قصيدة " من الطويل " :
وأكسى لثوبِ الخالِ قَبْلَ اعتراكِه ... وأعطى لرأس المنهبِ المتجِردِ
عين " الخال " ياء لانه يختال فيه فهو من الخيلاء الأخيل. وفيها:
فَقَدْني وإياهم فانْ ألْقَ بَعْضَهُمْ ... يكونوا كتعجيل السَّنامِ المُسَرْهَدِ
عطف " إياهم " على المعنى وذلك أن " ني " من قدني، وان كانت مجرورة بإضافة " قد " إليها فإنها - في المعنى منصوبة، ألا ترى أن معنى " قدك " ليكفك، و " قدني " بمعنى ليكفني. موضع " قد " من قدك رفع بالابتداء تقول: قدك درهمان، كقولك: حسبك درهمان، وإذا جاز أن تتصور في حسبك وهي معربة معنى ليكفك كان اعتقاد ذلك مع قدك المبنية أخرى، ألا ترى إلى قوله " من الطويل " :
إذا كانت الهيجاءُ وانشقت العصا ... فحسبك والضحاك سيف مهند
ألا ترى انه محمول علة معنى: فليكفك والضحاك. ومن جر " الضحاك " عطفه على الكاف ضرورة. ونحوه قول الله سبحانه: (إنّا مُنَجُّوكَ وأهْلَكَ). لما لم يحسن عطفه على الضمير المجرور حمله على المعنى فصار تقديره: ننجي أهلك. ويجوز فيه عندي وجه آخر وهو أن يكون إياهم في موضع جر وان كان لفظه للضمير المنصوب. ألا ترى غلى قوله " من الطويل " :
فأحسن وأجمل في أسيرك إنه ... ضعيف ولم يأسر كإياك آسر

(1/5)


وجاز ذلك عندنا كما جاز قوله: أنا كأنت، وأنت كأنا، وكما جاز، مررت بك أنت، ونزلت عليهم هم. فكما باشرت هذه الضمائر ونحوها الجوار وهي ضمير المرفوع، كذلك جاز أن تباشر إياك الكاف في قوله: كإياك، وإن كانت إياك من ضمير المنصوب. والعلة الجامعة لجواز ذلك هي أن هذه الأسماء المضمرة أسماء في القيقة وعبارات عما المظهرات عبارة عنه وليست الصورة هي نفس الإعراب فنحتشم من وضع ضمير المرفوع موضع المنصوب والمجرور، وإذا كانت اسما جاز أن يقع بعضها موقع بعض كما يقع الاسم الواحد مرفوعا تارة ومنصوبا أخرى ومجرورا تارة، وان كان أكثر الاستعمال ان يَخُص كل واحد من هذه الأسماء بموضع من الإعراب خلافا على الظاهر، فكذلك يجوز ان يكون أيضا قوله " فقدني وإياهم " موضع " إياهم " جر على موضع " ني " من " قدني " ، كما كان الضحاك فيمن جره عطفا على الكاف في " حسبك " . وعلى أن " إياهم " هنا أسهل من " الضحاك " . ألا ترى أن " إياهم " لا يبين فيه حقيقة إعراب وقد وقع أيضا نفسه في موضع جر في قوله: " ولم يأسر كإياك آسِرُ " ، فكأنه لا فرق بين المنصوب والمجرور في هذا. وليس كذلك " الضحاك " لاختلاف حالي نصبه وجره، فإذا جاز " فحسبك والضحاك " كان " فقدني وإياهم " على أن " إياهم " موضع جر أجوز لا سيما ولم يظهر في " فقدك " إعراب. فالكاف في " قدك " أشبه بالمنصوب من كاف " حسبك " ، فكأن " إياهم " وان كان مجرور الموضع نصيبه. فان قلت فقد وقع الإجماع على أن ضمير المجرور لا يكون مفصولا، وأنت فصلته في هذا الموضع، ألا تراك انك لا تقول: " مررت بزيدٍ وَ كَ " ، ولا " لقيت غلامه وها " أي وغلامهما. فالجواب إن هذا إنما جاز لان لفظه لفظ المنصوب وان كان مجرورا. كما أن " أنت " من قولك: " مررت بك أنت " ، مجرورة لوقوعها توكيدا للكاف المجرورة، و " أنت " كما تراه منفصل. وإنما جاز ذلك لان لفظه لظ المرفوع المنفصل، وكذلك يجوز أن يكون " إياهم " من قوله: " فقدني وإياهم " ضميرا مجرورا وان كان مفصولا لمجيئه على لفظ المفصول. واما قوله " يكونوا كتعجيل السنام المسرهد " فانه يحتمل أمرين: أحدهما أن يكون " التعجيل " مصدرا لعجَّلت، فيكون المضاف إذن محذوفا كأنه قال يكونوا كذي تعجيل السنام، و " ذو تعجيله " هو السنام، فكأنه قال يكونوا كالسنام المسرهد. فهذا وجه ظاهر. والآخر أن يكون " التعجيل " اسما من هذا المعنى لا مصدرا، فقد جاء التفعيل اسما لا مصدرا ومن ذلك: التمييز والترغيب لقطع السنام. وقال أبو عمرو الشيباني التمييز: خيط المظلة. وقال أبو زيد: التأويل واحدته تأويله وهي أوعية برز بعض النبت يكون كقرون الكباش، ومثله التنبيت. فيكون على هذا " التعجيل " كالترغيب وزنا ومعنى فأعرفه.
(4) وهذا شعر المُعَطَّل وقد تروى لمعقل بن خُويلد. قال " من الطويل " :
لَعَمْرك لقد نادى المُنادى فراعني ... غَداةَ البُوين من بَعيدٍ فأسمعا
فيها:
جَواداً إذا ما النَّاسُ قَلَّ جَوادُهُمْ ... وسُفّاً إذا ما صَرَّح الموتُ أرْوَعا
أوقع المضاف اسم جنس وهو قوله " جوادهم " ومثله قولهم: " منعت العراق قفيزها ودرهمها، ومنعت مصر إردبها " . ومنه قول الله سبحانه: (وقالت اليهودُ يَدُ الله مغلولةٌ، غُلَّت أيديهم) معناه نعمته أي نعمة. وأنشد أبو الحسن:
الخالطين لجينهم بنضارهم ... وذوي الغنى منهم بذي القَقْرِ
أي بالفقراء. قال " والسلف " ضرب من الحيات خبيث، ويقال انه الشجاع. ينبغي أن يكون تسميتهم الحية سفاً من قولهم: " أسفَّ الطائرُ " إذا دنا من الأرض في طيرانه وذلك لمباشرة الحية الأرض بطنه، وليس يبعد جسمه من الأرض بُعْدَ ما يمشي على رجليه. فان قلت: كيف خص بهذا الاسم بعض الحياة دون بعض وهو معنى شائع في جميعها؟ قيل هذا لا يلزم في طريق الاشتقاق، ألا ترى انهم يقولون أن القارورة إنما سميت بذلك لاستقرار الماء فيها. وليس يلزم من هذا أن يقال لكل ما استقر فيه شيء قارورة، ألا ترى انه لو لزم ذلك لوجب أن تسمى البئر قارورة لاستقرار الماء فيها، وان يسمى الصندوق قارورة لاستقرار المال فيه أو المتاع فيه، وان يسمى البحر قارورة لاستقرار الماء فيه. وكان اللبس يعظم والبلاء يتسع ويشمل.
وفيها:
فقُلْتُ لهذا الدَّهْرِ انْ كُنْتَ تاركي ... بخيرٍ فَدَعْ عَمْراً واخوَتَه معا

(1/6)


يحتمل هذا أمرين: أحدهما أن يكون أراد " تاركي بخير تريده بي " كما تقول " ضربته لشر " و " أحسنت إليه لخير " . والآخر أن يكون مقلوبا أي إن كنت تاركا لي خيرا كقولك: تاركا شيئا خيارا جيدا فدع لي فلانا وفلانا.
لَعَمْرُكَ ما غَزَوْتُ دِيشَ بنَ غالِبٍ ... لِوِتْرٍ ولكن إنما كنت مُوزَعا
عين " ديش " ينبغي أن تكون واوا من قولهم " الدوش " في العين.. كذا رواه " دِيس " بكسر الدال. وقال الأصمعي: أظنه حيا من كنانة. وروى محمد بن الحسن " دَيش " وقال: هو بطن من العرب. وقال أحمد بن يحيي " دَيش " بفتح الدال أيضا وقال: هي قبيلة من الهُونِ وهم من القارة. كذلك حكياه في شعر هُذيل. وقد يجوز أن يكونَ هذا ذاك ال أن الدال عنها مفتوحة، وظاهر الأمر ان العين على هذا ياء، فأما ما قرأته على أبي بكر بن الحسن عن أحمد بن يحيي عن ابن الأعرابي من قوله " من الرجز " :
وان تكلمت جثت في فيش ... حتى تنقى كنقيق الديش
فانه أراد الديك فأبدل الكاف شينا ونحوه وقوله " من الطويل " :
فعيناش عيناها وجيدش جيدها ... سوى أن عظم الساق منش دقيقُ
والبدل كثير، منه ما أنشدنا أبو علي " من الرجز " :
يا ابن الزبير طالما عَصيكا ... وطالما عنّيتنا إليكا
لنضربن بسيفنا قفيكا
فقال: عصيك، أبال تاء " عصيت " كافا. ويحكى أن عبد بني الحساس كان إذا أنشد شعرا حسنا قال: " أحسنكَ والله " ، يريد أحسنت والله. وهو كثير.
وفيها:
فما لُمْتُ نفسي من دِواءِ خُويلدٍ ... ولكن أخو العَلْداة ضاعَ وَضُيّعا
" دواء " : علاج. هذا عندي مصدر داويتة وراضيته رضاء. قرأت على أبي بكر محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيي " من الخفيف " :
كم نرحب بما سخطت ولكن ... مرحباً بالرضاء منك وأهلا
فهذا مصدر " راضيته " ، فأما الدواء فالاسم منه. وحكى الفراء عن أبى الجراح هو الدواء، وانشد " من الطويل " :
يقولون مخمور وهذا دواؤه ... علّ إذن مشيٌ إلى البيت واجب
وأما العلداة فكالأرْطاة وكالعلقاة ألفها للإلحاق لا للتأنيث.
وقال المعطل أيضا:
ألا أصْبَحَتْ ظمياءُ قد نَزَحت بها ... نوى خَيْتَعورٌ طَرْحُها وشتاتها
وفيها:
وقالَت تَعَلَّمْ أنَّ ما بين شابةٍ ... وبين دُفاقٍ رَوْحَة وغداتُها
ينبغي أن يكون عين " شابة " واوا حملا على الأكثر من لفظ الثوب، وقد يجوز أن يكون من لفظ " الشيب " وفيها:
فأبنا لنا ريحُ الكِلاء وذِكرُهُ ... وآوا عليهم فَلُّها وشَماتُها
قال " الريح " الدَولة. يجوز أن يكون " الكلاء " مصدر كالاتة أي نحن نتكالأ وينصر بعضنا بعضا لان كلمتنا واحدة فيكون كقوله " من الرجز " :
إنّ نِزاراً أصبحت نزارا ... دعوة أبرار دَعوا أبرارا
ويجوز أن يكون أراد الكلآءة أي الحفظ فحذف الهاء. والأول أقوى.
(5) وهذا شعر ربيعة بن جَحْدَر " من الطويل " :
أَنّى تَسَدَّى طيفُ أم مسافعٍ ... وقد نام يا ابن القوم من هو ناعِسُ
لام " تسدّى " ياء لنه تفعّل من سدى الثوب، وهو الياء. يجوز إمالته، وقد قالوا أيضا: سدى إليه يسدي سديا، في معنى أسدى إليه، والمعنيان منضمان، ألا ترى أنهم يصفون السخي بانبساط يده، واللئيم بانقباضها. والسدى ما انبسط من غزل الثوب، ويجوز أن يكون " تسدى " تفعل من السدو وهو بسط يدي البعير في سيره وهذا من الواو.
فيها:
وذي ابل فَجَّعته بخيارها ... فأصبح منها وهوَ أسوانُ يائس
قال: ويروى أسيان. من قال " أسوان " فأسى يأسى عنده كشقي يشقى ومن قال أسيان فأسى يأسى كبقى وينبغي أن يكون " أسوان " من لفظ الأسوة ومعناها، إلا أنه للسلب لا للإيجاب كما تقدم في أول كتابنا هذا، فيكون من باب: أشكيت الرجل أي زلت له عما يشكوه، وأعجمت الكتاب أي أزلت استعجامه، فكذلك معنى أسوان أي قد زال عنه التأسي بغيره فأسى لذلك، ولو تذكر مصائب غيره لخف عليه حزنه. ويؤكد الياء في الكلمة إمالة الأسى. هذا هو باب الاعتبار وأن كان سيبويه قد حكى الأمالة في العشا والمكا والكيا، فإن ذلك شاذ، والعمل على غيره.
وقال رجل من هذيل: من أبيات " من الرجز " :

(1/7)


فَظِلْتُ في شَرَ من اللذ كيدا ... كاللَذ تزبى زبية فاصطيدا
قد عَدَّ الناس " اللذ " لغة في " الذي " ، ويمكن عندي أن يكون ذلك صنعة لا لغة، وذلك إنه يجوز أن يكون حذف الياء تخفيفا لطول الاسم بصلته فصار " اللذ " كما روينا عن قطرب " من الرجز " :
اللذِ لو شاء لكانت برا ... أو جبلاً أشَمَّ مشمخرا
فلما صار إلى " اللذ " اسكن الذال استثقالا لكسره واتباعا لإقامة الوزن. " قال بعض هذيل من الرجز:
هل لك فيما قلت لي وقلت لك ... إِن معي ذا حاجة وينفعك
وتجعلين اللذْ معي في اللَذْ معك
أراد " اللذِ " بالكسر، أما لغة أو صنعة فمنعها لإقامة الوزن. وكقول الآخر، أَشده أبو زيد " من الرجز " :
قالت سليمي اشْتَرْ لنا سويقا
يريد " اشترِ " . وكإنشاده " من الرجز " :
فاحذر فلا تكترْ كرياً اعوجا
يريد " لا تكترِ " . وكإنشاد الفراء " من الوافر " :
ومن يتقْ فأن الله مَعْهُ ... ورزق الله مؤتابٌ وغادي
يريد " يتقِ " فأجري المنفصل في هذه المواضع مجرى المتصل فصار لذلك بمنزلة فخذ وكبد وصار يتق كعلم وسلم فأسكن الذال فقال كاللذْ، وازداد الإسكان هنا حسنا لطول الاسم وإفراطه بصلته كما كان حذف النون مع إِرادتها في قوله " من الرمل " :
ولقد يغني به جيرانك ال ... ممسكو منك بأسباب الوصالِ
أحسن من قوله: الحافظوا عورة العشيرة. فيمن نصب من موضعين أحدهما أن " منك " في " افعل منك " قد عاقبت المضاف إليه فلم يجتمع مع لام التعريف نحو: الأحسن منك، والأظرف منه، كما لا يجتمع معها الإضافة. فكأن " منك " في قوله: الممسكو منك، بمنزلة الكاف في الممسكوك، كذلك حسن حذفها في " الممسكو منك " . والآخر إن " الممسكو " أطول من " الحافظو " وذلك إن لام التعريف قد تمكنت الأدلة على كونها كجزء مما دخلت عليه فعرفته. وقد أوضحت الدلائل على ذلك في كتابي " سر الصناعة " ، وفي كتابي الموسوم ب " المعرب في شرح القوافي " عن أبي الحسن وغيرهما من كلامي. فلما كانت اللام في " الممسكو " إنما هي في آخر المصراع الأول وبقية الكلمة في المصراع الثاني وعرض هذا الإدماج ازدادت الكلمة طولا إذ كانت مقتسمة من آخر المصراع الأول وأول المصراع الثاني. والمصراع الأول قد يجوز ويحسن ويكثر الوقوف عليه كما يوقف على آخر البيت نفسه، ألا ترى أن جزئي التصريع والتقفية في آخر المصراع الأول يشبهان القافيتين في آخر البيت ولذلك قطعت العرب ألف الوصل في أول المصراع الثاني في نحو بيت الكتاب " من الكامل " :
ولا يبادر بالعشاء وليدنا ... القدر ينزلها بغير جعالِ
وعليه أجاز أبو الحسن الخرم والخزم جميعا في أول المصراع الثاني كما يجوز الجميع في أول البيت فلما اسبه آخر المصراع الأول آخر البيت اجمع صار المصراعان كأنهما بيتان فازداد الأمر بذلك طولا، فازداد حذف النون لما ذكرنا حسنا، فاعرف ذلك. وفي قوله: " فاصطيدا " ثلاث لغات إنْ شئت " اصطيدا " بإخلاص كسرة الطاء، وإن شئت " اصطيدا " بإشمام الكسرة ضما، وإن شئت بإخلاص الضمة وقلب الياء واوا تقول " اصْطُودا " والأولى أجودهن ثم التي تلبيها. قال " من مشطور الرجز " :
وابتُذِلَتْ غضبى وأمُّ الرِّحال ... وقُولَ: لا أهلٌ له ولا مال
وقرأته على محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى، وقرأت أيضا عليه عنه " من مشطور الرجز " :
حُوكت على نِيرينِ إذ تُحاك ... تَخْتَبط الشَّوْكَ ولا تُشاك
وقد ذكرت ذلك في شرح تصريف أبي عثمان.
نجز ما خرج من شعر ربيعة بن جحدر ورجل من هذيل (6) وهذا شعر ربيعة بن الكَوْدَن قال " من الطويل " :
أفي كل ممسي طيفُ شمّاء طارقي ... وإنْ شحطتنا دارُها فمؤرقي
ومنها وأصحابي بريعانَ مَوْهِنا ... تلألؤ برق في سنا متألقِ

(1/8)


قال " ريعان " : بلد، ويقال جبل. ريعان يحتمل أمرين: أحدهما أن يكون " فَعْلان " من راع يريع إذا رجع. والآخر: أن يكون " فَيْعالا " من الرَّعْنِ كالغيداق والخيتام. فأما ريعان السراب فإنه " فَعْلان " من قولهم: تريَّع السراب، إذا ذهب وجاء، وقد قالوا فيه تَريَّه كأن الهاء بدل من العين. وأما " موهنا " فإنه متعلق بقوله منها " كقولك: " في الدار موهنا زيدٌ " . ويجوز أن يكون " موهنا " متعلقا بقوله: " بريعان " لان خبر عن أصحابي. ويجوز أن يكون " موهنا " حالا من " تلألؤ برق " كأنه في الأصل صفة له أي: منها تلألؤ برق موهنا، أي كائن موهنا ثم قدمت النكرة عليها فنصبته على الحال كقوله " من الوافر " :
لمية موحشاً طلل قديمُ
ولا يجوز أن تكون " موهنا " متعلقا بقوله: " متألق " أي متألق موهنا من قبل أن متألق صفة ل " سنا " والصفة لا تعمل فيما قبل الموصوف ولا يجوز أن يكون متعلقا بنفس " تلألؤ " من قبل استحالة تقدم الصلة أو شيء منها على الموصول، ولا يجوز أيضا أن يكون " موهنا " متلقا ببرق من قبل أن المضاف لا يعمل فيما قبل المضاف إليه، ولا يجوز أن يكون أيضا متعلقا بنفس " سنا " لأن قوله في " سنا " صفة لبرق ولا تعمل الصفة فيما قبل الموصوف. وكذلك أن جعلته صفة ل " تلألؤ " الحال واحدة. وكذلك ان جعلت " في سنا " متعلقا بنفس " تلألؤ " أو بنفس برق لأنه يكون في صلته، ومحال تقم الصلة على الموصول. وقد يجوز أن يكون " في سنا " صفة ل، " تلألؤ " وأن يكون صفة لبرق وأن يكون حالا من الضمير في " متألق " ، ولا يحسن أن يكون صفة لمتألق مقدمة عليه من قبل أن " متألقا " صفة، والصفات عند سيبويه لا توصف ولذلك قال أبو علي رحمه الله في قولهم: " مررت برجل عاقل ظريف " أن عاقلا صفة لرجل، و " ظريفا " صفة لرجل موصوفا بعاقل. وقوله " واصحابي بريعان " جملة في موضع نصب على الحال بقوله " منها " .
وفيها:
فَظَلّ صحابي راصدينَ طريقَها ... وظَلَّت لديهم في خباء مُروقِ
همزة " خباء " بدل من ياء لقولهم: خبيت الخباء أي أصلحته.
(7) وهذا شعر عُروة بن مُرّة أخي أبي خراش قال من أبيات " من الطويل " :
فداني ولم يَضْننْ عليَّ بنصره ... وَرَدَّ غداةَ القاع رَدَّةَ ماجدِ
عين " القال " واوا لقولهم في تكسيره: أقواع، وأقوع وكأنه من معنى: قاع الفحل الناقة بوقوعها قياعا، إذا علاها، وذلك إن القاع كل مطمئن حر الطين. والتقاؤهما إن الأرض المنخفضة تعلوها الأشياء لانخفاضها، والأرض وغيرها تعلوها بالإضافة إليها فكأنه طروقه لغيرها.
وقال عروة أيضا من أبيات " من الوافر " :
أشَتَّ عليكَ أيَّ الأمرِ تأتي ... أتستخذي صديقَك أَمْ تُغيرُ
أي أترفق به أم تغير عليه، و " أشت " تفرق. ينبغي أن يكون فاعل " أشت " مضمرا تدل الحال عليه أي: أشت الأمر عليك أي الطريقين تركبه. وقوله: " أتستخذي أم تغير " في موضع نصب لانه مفعول " أشت " يقال: شت الشعب وأشته الله.
قال " من المديد " :
شت شعب الحي بعد التئام " وشجاك الربع ربع المقام "
وهو بدل من قوله: " أي الأمر تأتي " . ولا يجوز أن يكون قوله " أي الأمر تأتي " الجملة في موضع رفع بأنها فاعلة، وذلك إن الجمل لا تكون عندنا فاعلة، ولذلك لم يجز أن يكون قوله: " ما الكلم من العربية " إذا جعلت " ما " استفهاما، و " الكلم " بعدها خبر عنها مقامة مقام الفاعل إذا قدرت العلم بمعنى أن يُعلم في قوله: " هذا باب علم ما الكلم من العربية " حتى كأنه قال: هذا باب أن يُعْلم أيَ شيء الكلم من العربية، لأن ما أقيم مقام الفاعل جار مجرى الفاعل. فأن قلت فلم لم تجز أن تكون الجملة فاعلة؟ قيل: من قبل إن الفاعل كما يكون مُظهرا، فكذلك قد يكون مضمرا، والمضمر معرفة، والجملة الخبرية لا تكون إلا نكرة.
(8) شعر الأبح بن مُرّة قال من أبيات " من الوافر " :
عليك بني معاوية بن صَخْرٍ ... فأنت بعَرْعَرٍ وهُمُ بضيمِ
ظاهر أمر عين " ضيم " إنها ياء للفظ الموجود لأن المستعمل من هذا اللفظ ما عينه ياء وهو " الضيم " . قال " من الطويل " :
أبي الضيم والنعمان يحرق نابه " عليه فأقصى والسيوف معاقله "
ولم اعرف تصريف " ض و م " في شيء من كلامهم.
فأجابه ساريةُ بن زُنيم الذي رُوى عن عمر " بن الخطاب " إنه قال: يا ساري: الجبل، الجبل. " من الوافر " :

(1/9)


لَعَلَّكَ يا أبحُّ حَسبت أني ... قتلتُ الأسْوَدَ الحسنَ الكريما
أخذتم عقله وتركتموه ... يَسوق الظُمْىَ وَسْطَ بني تميما
ذهب بتميم إلى القبيلة فلم يصرفه، كبيت الكتاب " من الكامل " :
غَلَبَ المساميحَ الوليدُ سماحةً ... وكفى قريشَ المعضلات وسادها
قال قلت: فلعله ذهب إلى حذف التنوين لالتقاء الساكنين كقوله " من الرجز " :
إذا غُطيف السلمىَ فَرَا
قيل: ما ذهب إليه صاحب الكتاب من إنه ذهب بقريش إلى القبيلة فلم يصرفه أولى، ألا تراه قال " وسادها " ولم يقل: وساده، وهذا هو الوجه ونظائره كثيرة.
(9) شعر عبد مناف بن ربع الجربي " وهو " من بني جريب. قال " من البسيط " :
ماذا يَغيرُ أبنتي ربْعِ عويلهما ... لا ترقدان ولا بؤسي لمن رقدا
قال: يقال خرج فلان يغير أهله ويميرهم، والمصدر " الغير " و " الغيار " يقول فما يرد عليهما بكاؤهما وما ينفعهما. اعلم إن " ذا " في هذا الموضع يحتمل أمرين أن يكون مع " ما " بمنزلة اسم واحد كقراءة من قرأ: (ماذا انزلَ رُبَكم؟ قالوا خيرا) بالنصب وإن " يكون " بمنزلة الذي كقراءة من قرأ: " قالوا خيرٌ " . وكالوجه الأول قوله " من الوافر " .
دعى ماذا علمت سأتقيه
ألا ترى أن معناه: دعى شيئا علمته سأتقيه، ولا يكون معناه دعى ما الذي علمته. فإذا جعلت " ماذا " في بيت الهذلي هذا بمنزلة اسم واحد احتمل ذلك الاسم أمرين: أحدهما أن يكون مصدرا البتة حتى كأنه قال: أي نفع ينفع ابنتي ربع عويلهما انفعا ما معذرا، كقولك: أي سرور يسركما غلامكما أسروراً معتدا أم سرورا كلا ولا، فهذا وجه. والآخر أن يكون ذلك الاسم الدال عليه " ماذا " غير مقصور على جنس واحد من المصدر دون غيره كقولك: أي شيء يرد عليهما عويلهما؟ كما تقول: أي شيء تحصل في هذه الحال أفضة أم ذهبا أم كسوة أم عقارا أم منزلة أم جاها. فان جعلت " ذا " بمنزلة " الذي " كان هناك محذوف عائد إلى الموصول من الصلة، وكان " الذي " مصدرا في المعنى أي: ما الغير الذي يغيره ابنتي ربع عويلهما، كقولك: ما الضرب الذي يضربه زيدا غلامه. وإن شئت كان " الذي " شائعا لا يخص جنسا دون جنس كقولك: ما الشيء الذي يرده عليهما بكاؤهما أمال أم عقار أم ضيعة أم احتساب وسلوة؟. وقد أطال أبو علي رحمه الله في تفسير هذا البيت في تذكرته وغيرها من مصنفاته.
فأما قوله " لا ترقدان " فيحتمل أمرين، أحدهما: أن يكون ذا موضع من الإعراب. والآخر أن يكون غير ذي موضع منه. فإذا كان ذا موضع منه احتمل أمرين، أحدهما: أن يكون حالا من " هما " أي عويلهما غير راقدتين، وأن شئت كان خبر مبتدأ محذوف كأنه قال: هما لا ترقدان فيكون في هذا الوجه رفعا كما كان في الذي قبله نصبا. الوجه الآخر: من القسمة الأولى أن تكون غير ذي موضع بل يكون مستأنفا غير واقع موقع المفرد.
وأما قوله " ولا بؤسى لمن رقدا " فيجوز أن يكون " بؤس " في موضع فتح لبنائها مع " لا " كقول الله سبحانه: " لا بُشرى يومئذ للمجرمين " وقوله: " لمن رقدا " خبر عنه. ويجوز على هذا أن يكون قوله " لمن رقدا " صفة ل " بُؤسى " ، والخبر محذوف. فإذا أنت فعلت هذا لم يجز أن يكون قوله " لمن رقدا " مبنيا مع " بؤسى " كما يبنى ظريف مع رجل في قولك " لا رجلَ ظريفَ " من قبل أن ظريفا جزء واحد فجائز أن يجعل مع الجزء الأول الذي هو رجل كالاسم الواحد.
وأما قوله " لمن رقدا " فإنه ثلاثة أشياء فلا يجوز أن يجعل مع غيره كالاسم الواحد لطول ذلك، ويجوز أيضا أن تُعلق اللام في قوله " لمن رقدا " بنفس بؤسى، فإذا فعلت ذلك اعتقدت في بؤسى التنوين لطول الاسم بما عمل فيه وحذفت الخبر، إلا أنه لما لم ينصرف لم يبن فيه تنوينه، ويجوز أيضا أن يجعل " لا " كليس فتعتقد رفع برسى كقوله " من مجزوء الكامل " :
" مَنْ فَرَّ عن نيرانها " ... فإنا ابنُ قيس لا بَراح

(1/10)


أي: ليس عندي براح. وتكون اللام بعد بؤسى خبرا عنها. ويجوز أيضا على هذا أن تجعل اللام صفة لها، والخبر محذوف. ويجوز أيضا أن تعلق اللام بؤسى كما جاز فيما قبل، إلا أن بؤسى على هذا القول منونة في التقدير، كانت اللام بعدها خبرا عنها وصفة لها أو متعلقة بها نفسها من قبل أن التنوين إنما يحذف من الاسم المبني مع " لا " الناصبة، فأما الرافعة فإنها لا تعترض على تنوين ما بعدها بنفيه ولا إثباته.
وفيها:
كأنَّهُمْ تَحْتَ صَيْفيَّ له نَحَمٌ ... مُصَرَّح طحرت أسناؤه القَردا
" أسناؤه " هي جمع سنا وهو الضوء. لام " سنا " واو لقولهم في التثنية: سنوان. وهو عندي السنة " كذا " وذلك لانهم يقولون: حول مجرَمٌ، وحول منجرد. وإذا تجرد الشيء ظهر وزال عنه ما يخامره ويستره فأنار للعين وبدا فكأن عليه ضوءً ونوراً، ولان السنة أيضا مشهورة معلومة الهدة شائعة المعرفة في الكافة فكأنَ عليها نوراً وضياءً
حتى إذا أسلكوهم في قُتائدَة ... شكلاّ كما تَطْرُدُ الجَمَّالةُ الشُرُدا
همزة " قتائدة " وهي موضع، حشو لأنها حشو ولم يدل على زيادتها دليل، ولا تحملها على جُرائض وحُطائط لقلة ذينك.
وقال المُعتَرض بن حَبواء الظَفَري من أبيات " من الوافر " :
تركنا الضَبْعَ ساريةً إليهم ... تنوب اللحم في سرب المخيمِ
المخيم ويقال جبل. لا يخلو " المخيم " من أن يكون مفعولا محذوف العين كمبيع ومكيل. فأما " فَعيل " فيبعد عندي لأنك لا تعرف في الكلام تصريف " م خ م " ، وعلى انه لا ينكر أن تأتي في الكلام الكلمة ولا تستعمل حروفها في غيرها، ألا أن من جنونا تركيبها من " م ج ن " ، ولا تجد لهذه الأحرف تصريفا في غير هذه الكلمة. وكذلك كوكب وابنم وعُرَ يقصان والسَيْبَ والقيقب. ونظائر ذلك أكثر من أن يحاط بها، فكذلك " مخيم " يجوز أن يكون تركيبه من " م خ م " ، إن لم تجد ذلك تصرفا في غير هذا الحرف، ولكن الأظهر أن يكون مخيم مفعولا من خام يخيم إذا جبن واصله: مخيوم، فلحقه ما لحق مكيلا ومبيعا على اختلاف الرجلين فيه. فإن قلت فإن " خام " غير متعد، ألا ترى إلى قوله " من الكامل " :
إذ يتقون بي الأسنة لم أخم ... عنها ولو أنى تضايق مقدمي
فكيف جاز أن تبني مفعولا من فعل غير متعد؟ قيل: قد يمكن أن يكون أصله غير مخيم فيه أو إليه ثم حذف الجر فارتفع الضمير فاستتر في اسم المفعول كقول لبيد:
الناطق المبروز والمختوم
أي المبروز به ثم حذف حرف الجر فصا المجرور مرفوعا فضمنه اسم المفعول كما قال " من الطويل " .
" كأنّ ثبيراً في عرانين ويله " ... كبير أناس في بجاد مزمل
أي مزمل به أو فيه، ثم حُذف الحرف فارتفع ما كان مجروراً فاستكن في اسم المفعول، ومزمل عندنا وصف لبجاد لا لكبير على الجواز كما ظن قوم، ولو ثنيت على هذا فقلت: كبير أناس في بجادين مزملين، فثنيت اسم المفعول لما استتر فيه الضمير، ولو جئت به على الأصل لقلت: في بجادين مزمل بهما أو فيهما، فلم تثنه لأنه لا ضمير الآن فيه، ألا ترى إن حرف الجر وما جرَه في موضع رفع بمزمَل، ومحالٌ أن يكون فيه ضمير وقد رفع ما بعده؛ لأن الفعل وما جرى مجراه لا يَرفع اسمين إلا على وجه الاتباع وطريق الإشراك. وكان هذا الوادي أو الجبل إنما سمى مخيما لأن قوما حاموا فيه أو خاموا إليه أي فزعوا إليه واعتصموا به أما باستخفائهم في الوادي أو توَقُّلهم في الجبل. والله أعلم.
لهامهم بمِدْفارٍ صياحٌ ... يُدَعَي بالشراب بني تميم
قال " مدفار " بلد لبني تميم، وإنما هو مِدْفرٌ فمدَه فقال: مدفار. لو أنه قال بمدفر مقصورا غير ممدود لجاز في وزن هذا البحر، ألا ترى أنه من الوافر، وكأن الجزء يكون لهامهمي: " مفاعلتن " ، بمدفر: " مفاعلن " ، فكان الجزء يكون معقولا كما ترى، إلا أنه آثر ارتكاب الضرورة مخافة زحاف الجزء، وليس هذا مذهب الجفاة الفصحاء. قال أبو عثمان في تصريفه: " وأما الجفاة الفصحاء فأنهم لا يبالون كسر البيت مخافة زيغ الإعراب " . يعني أبو عثمان بكسر البيت الزحاف لا الكسر الصريح، فأما الكسر البتة فغير جائز على حال فاعرف ذلك. فأجابه عبد مناف بن ربع " من الوافر " :
ألا أبْلغْ بني ظَفَرٍ رسولاً ... ورَسْبُ الدَّهْرِ يَحْدُث كُلَّ حين

(1/11)


أحقاً أنَّكُمْ لما قَتَلْتُمْ ... ندامايَ الكرامَ هَجَوتموني
" أنَّ " مرفوعة الموضع بالظرف الذي هو حقا، وذلك أن " حقاً " هذه في الأصل إنما هي مصدر: حققت الأمر حقا، ثم أنه استعمل استعمال الظرف فرفع أن كما يرفعها الظرف في قولك: " في غالب ظني أنك منطلق " فإن قلت فلعل موضع " أنَ " نصب بالفعل الذي هو " حقا " مصدره كأنه قال: أتحقون حقا أنكم قتلتم. قيل هذا فاسد، وذلك أن حقا هذه قد أزيلت عن أصلها فأصيرت إلى أحكام الظرف. والدليل على رفض ذلك الأصل والمصير إلى حكم هذا الفرع ما انشده أبو زيد " من الطويل " :
أحقاً بني أبناء سلمى بن جندل ... تهدّدّكم إياي وسْطَ المجالسِ
فارتفاع " تهددكم " به يزيل عنك هذه الشبهة في بابه.
وفيها:
وَرَدْناه بأسيافٍ حِدَادٍ ... خَرَجْنَ قُبيلُ من عِنْدِ القُيوِن
قلما يستعمل البناؤ على الضم في " قبلُ " و " بعدُ " وهما مصغرتان، واكثر ما يأتي البناء فيهما مكبرتين. وعلة ذلك عندي أن بناءهما يلحقهما بضعف الحرف، وتحقيرهما يبقى عليهما قوة الاسم فتنافت الحالان فَقَلَّ لذلك جمعهما. ومما جاء محقرا من ذلك ما أنشدناه محمد بن علي عن أبي إسحاق للشنفري " من الطويل " :
إذا وردت أصدرتها ثم إنها ... تنوب فتأتي من تُحيتُ ومن عَلُ
فأن قلت قد اتسع عنهم تحقير المبنى وذلك في الأسماء الموصولة وأسماء الإشارة نحو قولهم في تحقير ذا: ذيّا، وفي تا: تّيا، وفي الذي: اللذيّا، وفي التي: اللتيا، وفي أُلا: أُليا، وفي أولاء: أُليَاء، وهو واسع وكلها مبني. قيل هذه أسماء لا أصل لها في الإعراب فلما حقرت لم تنجذب إلى تمكن المعرب فاحتمل التحقير مع بنائها كما يحتمل في وصفها نحو: مررت بهذا العاقل، وبالذي في الدار الظريف. والتحقير ضرب من الوصف يعرض للاسم. قال أبو علي: ألا ترى إ، فائدة قولك: مررت بدويرة، وهو فائدة قولك: مررت بدار صغيرة. وليس كذلك " قبلُ " و " بعد " و " تحت " من قبل أن هذه أسماء معربة الأصول في نحو: جئت قبلك ومن قبلك وبعدك ومن بعدِك، وصار تحتك ومن تحتِك. وإنما بُنيت في بعض المواضع لشبه ما من شبه الحرف عارضها، فلما كان أصلها الإعراب وكثر به الاستعمال كرهوا أن يدخلها التحقير وهو من خواص الاسم فيقوي فيها من قوة الاسمية، وأن يصيروها إلى ضعف الحرف ببنائها لأن ما فيها من قوة الاسمية أنهضها وجذب بصبعها عن ضعف الحرفية فلذلك قَلَّ البناء في محقرها لتدافع الأمرين. وإنما جاز بعد ذلك البناء لأن المحقر في كثير من المواضع مراعى في حكم المكبر، ألا ترى إنك تقول في تحقير " مقام " : مُقيِّم بالإعلال لا غير؛ لاعتلال مكبره، وتقول في " مِقْوَد " : مُقَيْوِد، فتصحه لصحة مكبره. فكما جاز تحقير " قبلُ " و " بعدُ " معربين كذلك جاز تحقيرهما - وأنْ قَلَّ - مبنية. هذا وجه جواز هذا، وذلك وجه امتناعه، فلذلك تعدَّل الأمر فيهما أو كاد.
وقال عبد مناف بن ربع الجربي أيضا " من الطويل " :
أَلا ليتَ جَيْشَ العَيْر لاقوا كتيبةً ... ثلاثين منا ضَرْعَ ذاتِ الحفائِلِ
" الحفائل " يجوز في القياس همزه من وجه وترك همزه من آخر، أما وجه همزه فأن يكون واحده حفلية أو حُفالة أو نحو ذلك فجرى مجرى سفينة وسفائن ورسالة ورسائل وحُسالة وحسائل ودجاجة ودجائج وركوبة وركائب. وأما وجه ترك همزه فأن يكون في واحده باء متحركة نحو حِشْيَل وحثايل وعِثْيَر وعثاير، فكأنه اذن " حَفْيَل " و " حفايل " أو " عُليُب " و " علايب " .
فِدى لبنى عَمْرو وآل مُؤَمِّلٍ ... غَداةَ الصباحِ فِديةً غَيْرَ باطِلِ

(1/12)


يقول: افديهم فدية ليس فيها باطل، أي احب أن أفديهم. أما قولهم " فدى " فيحتمل أمرين، أحدهما: أن يكون منصوبا بفعل مضمر كأنه قال: افديهم فدى، والفراء يمد ويقصر. فقوله: " فدية غير باطل " بدل من قوله " فدى " أو منصوب بفعل آخر دل عليه " فدى " . واللام التي في " لبنى " وصف لفدى، ولا يجوز على هذا أن تعلق اللام بنفس فدى وذلك أن المصدر إنما يعمل إذا كان في تقدير " أنْ والفعل " نحو: عجبت من ضربك زيداً، أي: من أنْ ضربت زيدا. وإذا كان المصدر تابعا لفعله منصوبا نصب المصدر به لم يجز أن يقدر تقدير " أنْ " والفعل. ألا ترى إنك لا تقول: قُمْتُ أَنْ قُمْتَ، كما تقول: قمت قياما. فإذا كان كذلك كانت اللام في قوله: " فدى لبنى عمرو " متعلقة بنفس الفعل الناصب لفدى كما إنك إذا قلت: ضربت ضربا زيداً، فإنك تنصب زيدا بنفس ضربت لا بضرب، فهذا وجه. والآخر: أن يكون مرفوعا لانه خبر مبتدأ محذوف كأنه قال: أنا فدى لبنى عمرو. فإذا كان كذلك احتملت اللام أمرين. أحدهما: أن يكون صفة لفدى، والآخر: أن تكون متعلقة بنفس " فدى " ، فلا يكون فيها أذن ضمير لتعلقها بالظاهر. وإذا كانت صفة كان فيها ضمير لتعلقها بالمحذوف. ووجه ثالث: وهو أن يكون " فدى " هنا مبنيا لوقوعه موقع الأمر، كأنه قال: لأفد بني عمرو، فيكون في " فدى " على هذا ضمير الشاعر عبد مناف، وتكون اللام على هذا متعلقة بنفس " فدى " إلا أنه لما نكرّه نونه كقوله " من البسيط " :
مهلاَ فداء لك الأقوام كلهم ... " وما أثمر من مال ومن ولدِ "
وكما انشد أبو زيد " من الرجز " :
ويهاً فداء لكَ يا فضاله ... " أجرَّه الرمح ولا تهاله "
أي: لأَفدك يا فضالة. ولا يجوز أن تكون اللام في " لبنى " على هذا الوجه وصفا لفدى؛ لأنه جارٍ مجرى الفعل، والفعل لا يجوز وصفه كما إن اللام من " سقياَ لك " لا يجوز أن تكون وصفا لسقياً لوقوعه موقع: سقاك الله وأما قوله: " غداة الصباح " ، والغداة لا تكون إلا للصباح دون المساء، فإنما فائدة ذلك إن الصباح وأن كان في الأصل مصدرا واسما لمعنى المصدر ثم ظرفا في قولك: جئتك صباحا، كأنه قد دخله فيما بعد معنى آخر جديد، وهو أنه قد صار كالعبارة عن الغارة وبث الخيل على العدو وكقولهم: هذا من فرسان الصباح، أي فرسان غارة الصباح. قال " من الطويل " :
بجرد تعادى بالكماة شوازبا ... وخَيل إلى داعي الصَباح سراع
فكأنه قال: غداة الغارة. وإذا كان كذلك حصلت فيه الفائدة، ألا ترى أنه ليس كل غداة للغارة كما أن كل غداة لا تكون إلا صبحاً فاعرف ذلك.
هْمُ منعوكم من حُنين ومائِه ... وهم أسلكوكم أَنْفَ عاذِ المطافِلِ
والمطاحل. وروى أبو عمرو: أنف عاد، بالدال غير معجمةٍ. الألف فيهما جميعا منقلبة من عاد يعود، ومن عاذ بالشيء يعوذ. ويجوز فيهما كليهما أن يكونا فاعلا من عدوت ومن العداوة، وهي الأرض المطمئنة التي لا ماء لها فتكون اللام محذوفة لسكونها أو سكون أو سكون اللام بعدها كقولك: عجبت من قاضِ البلد.والقول الأول القوي. ويجوز أيضا أن يكونا فاعلا من عاد يعود، وعاذ يعوذ كأنه من الأصل: عائد وعائذ، إلا أن العين حذفت كلاث وشاكٍ.
وفيها:
وآخرَ عَريان تَعَلَّقَ ثوبُه ... بأهداب غُصْنٍ مُدْرا لم يقاتِلِ
يكون " مدبرا " حالا من الضمير في عريان، ويجوز أن يكون حالا من الهاء في ثوبه. فقد جاءت الحال من المضاف إليه كقوله:
كأنّ حوامَيه مدبرا
وكقوله:
كأنّ سراته لدى البيت قائما
وقد تقدم ذكره.
وفيها:
تركنا ابن حَنواء الحَعور مُجَدَّلا ... لدى نفرٍ رؤوسهم كالفياشلِ
ذهب بعضهم غلى زيادة اللام في " فيثلة " لقولهم في معناها الفيشة قال " من الرجز " :
وفيشة ليست كهذا الفيشِ

(1/13)


وان يكونان اصلين أمثل فتكون فيشلة: " فيعلة " من " د ف ل " ، وتكون فيشة كبيضة. ومثله: " عددطيس وطيسل " ، فطيس كبيت وطيسل كصيرف. وذهب محمد بن حبيب إلى زيادة اللام في غسل واشتقها من العنس، فوزن غسل على هذا " فَعْللَ " . اللام الثانية زائدة لا محالة. ولو بنيت مثلها من الضرب لقلت: ضَرْبْل، ومن القيام: قومل، ومن البيع: بَيْعلَ. فأما زيادة اللام قي غير هذا فقولهم: ذلك وأولالك وهنالك، وعبدل وزيدل في معنى زيد وعبد الله. وقالوا للأفحج: فحجل.ومثل طيس وطيسل في تداخل الأصلين قولهم: ضَيّاط وضيطار، وجاء بالهيل والهَيلِيان. وقالوا: الهِلِّمان، ومثله رخو ورخود، وأشباهه كثيرة.
وفيها:
فعيني ألا فأبكي دُبَيّة أنه ... وَصولٌ لارحام، ومِعطْاءُ سائل
دببة: علم، فيجوز أن يكون تصغير " دَباة " كقناة وقُنية، وحصاة وحُصيّة. وأما لامه فياء لقولهم: أرض مدببة إذا أصابها الدَّبي. وقد قيل فيما أظن: مَدْبُوَّةٌ، فهي على هذا واو، والفاء الأولى في قوله " فيعن " عاطفة على ما قبلها كالجواب له وهو كقولك، قام زيد فقم معه. فالفاء عاطفة، وكالجواب. وأما الفاء الثانية فكالجواب أيضا لقوله: " ألا " ، وذلك أن فيها معنى التنبيه وافتتاح الكلام فكأنه قال: أنبهك يا عيني فابكي. ومثله قوله " من الطويل " .
ألا فاسقياني فَيْهَجا جَيْدَريّة بما سحاب يسبق الحق وباطلي واما همزته " معطاة " فبدل من واو يقال: عطوت الشيء أي تناولته وأعطانيه غيري. قال " من الطويل " :
وتعطو برخص غير شثنٍ ... كأنه أساريع أو مساويك اسحل
وقال الآخر " من الطويل " :
تَحُتُّ بقرنيها بَريرَ أراكه ... وتعطوا بظلفيها إذا الغصن طالها
وقال عبد مناف أيضا " من الكامل " : ولقد أتاكم ما تصوب سيوفنا بعد الهَوَادةَ كُلَّ أحمر صِمْصِمِ " قال " أبو عمرو: بعد الهداوة أي بعد هدوء من الليل. وصمصم ليث من الرجال إذا كان له كلام وعارضة وهم المَلْيَثَةُ والملاوث.تفسير أبي عمرو الهداوة بأنها الهدوء ليس تفسيرا لفظيا، وإنما هو تفسير على المعنى دون اللفظ. وقد يمكن أن تكون الهداوة من لفظ: هدأت إلا انه لو أبدل الهمزة من هدأة واوا كما قالوا في النسب إلى الشاء والماء: شاوى وماوية، وهي المرآة إنما هي منسوبة إلى الماء وبها سميت المرآة لصفائها وبريقها. وعليه بيت الكتاب " من الرجز " :
ورب خرق نازح فَلاتُه ... لا يتفع الساويّ فيها شاتُه
ولا حماراه ولا عَلاتُه ... إذا علاها اقتربت وفاتُه
ويؤكد عندك البدل إنا لا نعرف في اللغة تصريف " ه د و " ، ومثله عندي ما أنشدناه أبو علي " من الطويل " :
موالي حلف لا موالي قرابة ... ولكن قطينا يحلبون الأتاويا
حمله أبو علي على أنه مثل " من مشطور الرجز " :
سماء الإله فوق سبع سمائيا
قالوا: وإذن ابد من همزة الأتآيّ، ولم يذكر البدل. وقد كان الأليق به لو فعل. وقوله: " المليثة " و " الملاوث " ليسا من لفظ واحد وإنما مليئة من الليث كمسبعة من السبع وعينها ياء كما ترى. واما الملاوث فإنه من لاث يلوث، كأنّ الناس يلوثون بهن أمورهم وحوائجهم. رجل ملاث ورجال ملاوث. وأصله مصدر وصف به.
وفيها:
لولا تفلق بالحجارة رأسه ... قبل السيوف أتاكم لم يُكْلَمِ
أراد: لولا ان تفلق فحذف " أنْ " وأوقع الفعل. وقد سبق القول في مثله فيه قول رؤبة " من الرجز " :
لولا يُدالي خفضةَ القدحِ انزرَقْ
وفيها:
كانت على حَيّانَ صولةٍ ... منى فأخضبُ صفحتيهِ من الدمِ
أنث " أولاً " حملا على المعنى كبيت الكتاب " من الكامل " :
الحربُ أولُ ما تكون فُتيّةٌ ... تسعى ببزتها لكل جَهولِ
فيمن رفع " فُتَيَة " ، وله نظائر. وقوله " فأخضبُ " أي فخضبت، فوضع المضارع موضع الماضي كما قال: " من الكامل " :
ولقد أمرُّ على اللئيم يسبني ... فمضيت ثُمّتَ قلتُ لا يعنيني
وقد قدمت القول على هذا الفصل.
وفيها: أنْحي صبيَّ السيفِ وسْطَ بيوتهم شقّ المعيّث في أديم المَلْطَمِ

(1/14)


قال: " صبيّ السيف " : حرفه. ينبغي أن تكون لام صبي واوا لانه من صَبَوتُ أي: مِلتُ وذلك أن حرف السيف مما يُمال إلى الضريبة لضربها، ألا تراه قد قرنه باُنجى وهي " أععْلُ " من نحوتُ نحوَ كذا أي: ملت إليه، فإن قلت فعلَّه من صبَأتُ أي: مِلتُ. فذلك يضعف هنا لانه لو كان منها مخففا لجاز تحقيقه ولم اسمعه محققا، وليس بقياس أن تجعله مما ألزم التخفيف كبرى والنبيّ والبريّة لقلّة ذلك.
وقال عبد مناف من بيتين " من الطويل "
وماليَ فيهم معتَبٌ أن عَتبتُهُ ... عليهم، وما فيهم لدي الظلمِ مَنْصَرُ
يقول لا يعتبونني ولا ينصرونني. ينبغي أن تكون الهاء في " عَتبتهُ " ضمير مصدر فكأنه قال: ان عتبت عتبا عليهم. فأضمره لدلالة فعله عليه كما قال " من مجزوء الكامل " :
مِن كُلّ ما نال الفتى ... قد نلته إلا التحيّة
أي قد نلت من كلّ شيء قد نلت نيلا. وقوله: " من كل ما نال " هو مفعول نلتُ كقولك من الماء شربت ومن الطعام أكلت فإذا استوفى مفعوله علمت أن الهاء في " نلته " إنما هي ضمير مصدر لا ضمير مفعول، وكذلك قول الآخر وهو من أبيات الكتاب " من البسيط " .
هذا سراقَةُ للقرآن يدرُسُهُ ... والمرء عند الرشا أن يلقها ذيب
أي يدرس درسا. ألا ترى أن قوله " للقرآن " هو مفعول " يدرس " ، فإن قلت فإن هذا الفعل لا يتعدى باللام، ألا تراك لا تقول: درست للقرآن، فإنه لما قدمه جاز إلحاق اللام به لأن تقديم المفعول يضعف الفعل شيئا. ألا ترى إلى قول الله تعالى: (إنْ كُنْتُمْ للرؤيا تَعْبُرون). أي: تعبرونها. فإذا جاز " أريد لأنسى ذكرها وأردت لكيما لا ترى لي ذلّةً، فهو مع التقديم أجوز من ضمير المصدر. قراءة ابن عامر: فبهُداهم اقتدِ " : أي اقتد الاقتداء. ومنه قولهم: من كذب كان شرا له وابلغ من قوله: " من الوافر " :
إذا نُهى السفيهُ إليه ... وخالَفَ والسفيهُ إلى خلاف
أي إلى السَفه، ألا ترى أنه لم يذكر فعلا فيدلّ على مصدره وإنما ذكر اسما وهو السفيه. ودلالة الفعل على مصدره أقوى من دلالة السم عليه، فالهاء إذن ي " عتبنُه " منصوبة على المصدر، ويجوز أيضا أن تكون منصوبة لأنها مفعول له فيصير تقديره: ما فيهم أعتاب إن عتبت له ومن أجله. أي من أجل امتناعه. فحذف المضاف كقوله " من المتقارب " :
وأهلَكَ مهرَ أبيكَ الدواءُ ... ليس له من طعامٍ نصيب
أي فقدُ الدواء. وأنشدناه أبو علي رحمه الله وأنشدنا أيضا معه " من الطويل " :
وإني لاستحيي وفي الحق مستحى ... إذا جاءَ باغي العُرفِ إن أتعذّرا
أي في ترك الحق مستحى. وأنشده الرواة للخنساء " من البسيط " : يا صخرُ ورادّ ماءٍ قد تناذره أهلُ المواردِ ما في ورده عارُ أي ما في ترك ورده، وهو كثير.
ومما اتصل به من شعر أبي ذؤيب:
ردّوا السبيّ والنَّعم ... يا حَبَّذا ريحُ الدم
نظر السيرافي في الحاشية: أظنه عنه مكسور. وهذا في الحقيقة ليس مكسورا وإنما هو من بحر آخر وهو المنسرح. الضرب الثالث ووزنه " يا حبْ بذا " : " مستفعلن " . " ريحُ حُدْ دَم " : " مفعولن " وبيته من البحر " ويلمّ سعد سعدا " فاستعمل ابو ذؤيب " مفعولن " مكان " مستفعلن " ، فانتقل من بحر غلى بحر. فأما أن يكون كسرا فلا وذلك أن الشعر المكسور هو الذي لا يقبله وزن من الأوزان فأما إذا قبله بعضا فاعتقاد كسره خطأ.
(10) وهذا شعر أبى شهاب قال " من الطويل " :
ألا يا عناءَ القلب من أمِّ عامرٍ ... ودينتهِ من حُبِّ لا يجاوِرُ
فيها: صَناعٌ بأشفاها حَصانٌ بِشكْرِها جَوادٌ بقوت البطن والعِرقُ زاخِرُ لام " الأشفى " ياء لانه من " شفيت " . والتقاؤهما أنه يصل ويشفى من الصنعة كما يصل الدواء ويشفى من المرض. يزيد في انسك بذاك قوله " من الطويل " : وداويتها حتى شتَتَتْ حبشيّةً كأنَّ سندساً وسدوسا فقوله: " داويتها " كقولهم: صنع فرسه، وفي البيت صناع وإنما هو لجودة صنعتها. فهذه مواضع إنما يجمعها التأمل ولطف التوفيق والتوصل.
فإنَّك عمرَ الله أنْ تَسْأليهمُ ... بأحسابِنا إذ ما تجلُّ الكبائِرُ

(1/15)


عمر الله: منصوب على المصدر أي: عمّرتُكِ الله تعميرا. فجاء المصدر محذوف الزيادة كقولهم: مررت بزيد وحدّه. أي أوحدته بمروري إيحادا. وقال بعض بني أميّة أنشده ابن الأعرابي:
دَعْ عنكَ غلق الباب
يريد: أغلقه. ومن المصادر المحذوفة الزيادة قول الشمّاخ وهو من أبيات الكتاب " من الطويل " :
أتتني سليم قَضُّها بقضيضها ... تُمَسِّحُ حولي بالبقيع سبالَها
فتاقض محذوف الزيادة أي: انقضاضها. ألا ترى أن صاحب الكتاب فسَّره فقال: " كأنه يقول انقضّ آخرهم على أولهم " . فأما قضيتها فليس بمحذوف الزيادة، ألا ترى أن فيه الياء زائدة لكنه محرف الصورة عن مصدر انقضّ الذي هو انقضاض. ومثله في التحريف لا في الحذف قول القطامي " من الوافر " .
اكفراً بعد ردَ الموت عني ... وبعد عطائك المائة الرّتاعا
فالعطاء ليس محذوف الزيادة، ألا ترى أن فيه الألف زائدة وإنما فيه الانحراف عن " إفعال " إلى " فَعال " . وقد يجوز في قوله: " بقضيضها " أن يكون القضيض جمع " قَضّ " كعبد وعبيد، ورهن ورهين، وعون وعوين، وطسَ وطسيس.
ومعنى نصب " عمر الله " انه كأنه قال: سألت الله أن يعمّرك كما تحب أن يعمّرك. فعمر الله إذن مصدر مضاف إلى الفاعل أي تعمير الله إياك. فأما " ما " من قوله: " إذا ما تجلّ الكبائر " فيحتمل أمرين. أحدهما: أن يكون زائدة كأنه قال: إن تسأليهم إذ يكبر الكبراء لضيق الزمان وشدته فتبين بذلك أفعالهم ويحسن به الثناء عليهم. والآخر: أن يكون نفيا كأنه قال: إذا تصغر الكبراء لضيق الحال وشدة الزمان فتتساوى أحوال الناس وهذا في المعنى كقول الحسن رضوان الله عليه: " لن يزال الناس بخير ما تفاوتت أحوالهم " .
وفيها:
فما ذرَّ الشمس حتى كأنما ... ألاحَ بهم قبلَ الشُرَيقةِ طائر
الشرق: الشمس فلذلك لما حقّر الحق التاء.
(11) وقال ابو ضبّ من قصيدة
ولقدْ أقودُ الجيشَ احمل رايتي ... للجيشِ يَقْدُمُهُمْ كميٌ أسودُ
لام " الكمي " ياء لانه عندهم من كمي الرجل شهادته يكميها إذا سترها. والتقاؤهما أنه يسَّتَّرُ بشجاعته من أن يعرض ضرب الخلل له. وحكى أبو زيد في تكسيره: أكماء.
وأنشد " من الطويل " :
تركت ابنتك للمغيرة والقنا ... شوارعُ والأكماء تَشْرق بالدم
وقال أبو ضب أيضا " من الطويل " :
كأنَ حَويّا والجَدِيَّة فوقه ... حُسام صقيل قَصّهُ الضربُ فانحنى
لام " الجدية " وهي هنا الدم واو، وقد تقدم ذكر ذلك.
فيها:
ولم يحبْنها لكن جناها وليُّه ... فَآدَ وآساده فكان كما جنى
لم يفسره، والقول فيه أن معنى " آد " : اثقل. أنشد أبو علي لحسان " من المتقارب " :
وقامت ترئيك مغدودنا ... إذا ما تنوء به آدها
أي أثقلها. ومعناه أثقله وليه أي من تلزمه تبعته. وآسى هو الحاني عليه، فكان كالجاني عليه. ولام " آسى " واو لان معناه جعل نفسه أسوة صاحبه.
(12) وقال خُويلد بن واثلة من أبيات " من الطويل " :
فقلت لهم قوم بأعناء نخلةِ ... وأجوازها فيهم قراري ومولدي
واحد " الأعناؤ " وهي النواحي " عنا " مقصور. وقد تقدم القول على أن لام " عنا " واو.
(13) شعر أبي قُلابة " من البسيط " :
يا دارُ أعرفها وحشا منازلُها ... بين القوائمِ مِن رَهطٍ فألبانِ
ليس قوله " أعرفها " وصفا لدار، وذلك أن الجملة نكرة ودار هذه مخصوصة لقصدك أيها بندائك اياها، والمعرفة لا توصف بالنكرة، ألا تراك تقول: " يا رجلُ الظريف أقبلْ " ، وإذا كان كذلك فقوله " اعرفها " استئناف خطاب فكأنه قال لصاحبه: أنا أعرفها ومثله بيت الكتاب للأحوص:
يا دار حَسَرها البلى تحسيرا ... وسفت عليها الريح بعدك مُورا
ولكن قوله " بحزوي " من قوله " من الطويل "
أداراً بحُزوي هجت للعين عَبْرَةً ... فماء الهوى يَرْفَضَ أو يترقرق
صفة لدار لانه أخجها مخرج النكرة. واما قوله " من الوافر " :
ألا يا بيت بالعلياء بيتُ
فهو كبيت الهذلي: يا دار اعرفها. وكذلك قوله " من الرجز " :
يا هندُ هندٌ بين خِلْبٍ وكبد

(1/16)


و " وحشا " حال من " ها " في قوله اعرفها، والناصب لها " اعرفها " أي: أعرفها وحشا. ويجوز أن تكون حالا من " دار " والعامل فيها على هذا حرف النداء كما قال " من البسيط " :
يا بؤس للدهر ضرارا لأقوامِ
وكذلك قوله " من البسيط " :
يا دار ميَّة بالعلياء فالسند ... أقوى وطال عليها سالف الأبد
قوله: :العلياء " في موضع نصب على الحال من " دار " فاعرف ذلك. ويجوز أن يكون " اعرفها " حالا من " دار " ولم يحتج إلى إظهار الضمير لان الأل هنا فعل لا اسم فاعل.
فيها:
يا وَيْك عمّار لِمْ تدعو لتقتلني ... وقد أُجيبُ إذا يدعون أقراني
أعمل الأول من الفعلين، أراد: وقد أجيب أقراني إذا يدعون. ومثله من أعمال الأول كثير. أنشدنا أبو علي لذي الرمة " من الوافر " :
ولم امدح لأرضية بشعري ... لئيما أن يكون أصاب مالا
وأنشد أبو زيد " من الطويل " : قطوب فما تلقاه إلاّ كأنما زوى وجهه أن لاكَهُ فوه حنظلِ وقد يجوز أن يكون قوله: وقد أجيب إذا يدعون أقراني، على أعمال الثاني، ويكون " أقراني " في موضع ب " يدعون " ، كأنه أراد: وقد أجيب إذا يدعو أقراني. إلا أنه جاء بعلامة هذا الجمع مع تقدم الفعل على قولهم: " أكلوني البراغيث " .
قال: وروى أبو عمرو: " ويك عمار " جعله مخروما. اعلم ان هذا الذي قاله خطأ وذلك ان الخرم لا يصح في هذا البحر أصلا لأنه من البسيط وأوله سبب لأن تفعيله " مس تف علن فاعلن " ، وإنما الخرم فيما أوله وتد مجموع، فإذا حذف الأول من المتحركين خلفه للابتداء به الثاني منها، فأما ما أوله " مس تف علن " فانك أن حذفت الميم لزمك الابتداء بالساكن وهو السين. فأما هذا الإنشاد فلا يصح لأنه يصير تقطيعه إلى " وَي كعم " : فاعلن، و " فاعلن " لا يجوز في أول البسيط على وجه من الوجوه، وإنما المتجوز في زحاف " مس تف علن " : مفاعلن ومُفْتَعِلُن وفَعلتُن. فقوله: مخروم، خطأ لما ذكرت لك. ولكن الوجه فيه عندي أن يكون أراد " يا " فحذفها لفظا وهو ينويها تقدبرا ومثله ما أنشده أبو العباس وغيره من قوله " من الطويل " :
لعمري لسعدُ بن الضباب إذا شتا ... أحب إلينا منك فأقرس حمر
وإنما البيت " لعمري لسعد بن الضباب " . ولا بد من تقدير إرادة " لعمري " ألا ترى أن أحد لا يجيز خرم " فعولن " كله. وقوله " لعمري " وزنه: فعولن. ونحو هذا مما حذف لفظا وهو مثبت تقديرا مذهب سيبويه في قوله " من المتقارب " :
أكُلَّ امرئ تحسبين امرأ ... ونارٍ تَوَقَّدُ بالليل نارا
ألا تراه ذهب إلى أنه كأنه قد لفظ ب " كلّ " مرة اخرى، فكأنه قال: " وكل نار " ، ولولا ذلك لكان فيه عطف على عاملين، وليس هذا مذهب صاحب الكتاب. إلا أن حذف " كل " من بيت عدي امثل من حذف " يا " من بيت الهذلي، ألا ترى أنه قد تقدم ذكر " كل " في أول البيت فصار لذلك كأنه قد جيء به في آخره، وحذف " يا " من أول بيت الهذلي لم يتقدمها مثلها، فيكون كالعوض من حذفها. وعلى هذا يتوجه عندنا قراءة حمزة: " والأرحام " كأنه قال: وبالأرحام فحذف الباء بعد أن اعملها وصار تقدم الباء في " به " دالا عليها، وكالعوض منها. وإذا جاز ما يحكى عن رؤية إذا قيل له: " كيف أصبحت " فيقول: " خير عافاك الله " وهو يريد " بخير " ، فيحذف الباء لفظا ويعملها تقديرا ومعنى. وقول الآخر:
رسْمُ دارٍ وقفت في طلله ... كِدت أقضي الغداة من جلله
وهو يريد " رب " فيحذفها ويعملها، ولّما يتقدم لها ولا للباء في حكاية رؤية دليل عليها، كان حذف الباء في قوله " والأرحام " وإرادتها لتقدم ذكرها في " به " أمثل.
وفيها:
إذا لا يقاتل أطراف الظبات إذا ... استوقدن إلا كماةٌ غير أجبان
قال " استوقدن " أي التهمن. هذا إذا " استفعل " في معنى " فَعَل " نحو: عجب واستعجب، وهزئ واستهزأ، وقَرَّ واستقر. وقد تقدم ذكره. وأجبان جمع جبان، كسر " فَعال " على " أفعال " ، ومثله: جواد وأجواد وجباء الناقة وأجباء وعراء وأعراء، وهو قليل. ونحو: شريف وأشراف، وقد قدمنا إحصاء ما كسر من " فعيل " على " فعال " ، ومبلغه فيما جمعته بضعة عشر حرفا. ونحوه: شريف وأشراف، وقد قدمنا إحصاء ما كسر من " فعيل " على " أفعال " ، ومبلغه فيما جمعته بضعة عشر حرفا. ونحوه: عدو وأعداء، وفلو وأفلاء. وقال أبو قلابة أيضا ويقال بل قالها المعطل " من الكامل "

(1/17)


أمِن القَتولِ منازِل ومُعَرَّسُ ... كالوشم في ضاحي الذراع يكرس
رَدْعُ الخلوقِ بجلدها فكأنه ... رَيْطٌ عتاقٌ في المصان مُضَرَّسُ
قال: " المصان " حيث يصان. اعلم انه يريد هنا الموضع المستقر كالبيت والغرقة والخزانة ونحو ذلك مما لا ينقل فجرى مجرى المَدْخَل والمخرج أي موضع الدخول والخروج، ولو أراد الظرف الذي يصان فيه كالتخت والصندوق لقال: " مصْوَن " كالمحلب والمخيط والمقطع والميزر ونحوه مما ينقل ويستعمل، وكان حينئذ يجب فيه تصحيح العين كما تصح في مِروحة ومِسورة لانه منقوص مما لابد من صحته وهو " مفْعال " كأنه مِراوح ومِسوار.
قال السكري: المصان كل ما صنت به ثوبا. هذا لفظه البتة وهو فاسد لانه إن أراد موضعا ثابتا غير منتقل فتحه، وان أراد ظرفا يصان فيه الثوب كالتخت ونحوه كسر فقال " مِصْوَن " كما تقدم. ومثله قولهم للدرجة " مَرْقاة " بالفتح وللسلم " مرقاة " وكذلك " المَسقاة " الذي يُسقى فيه، والمِسقاة الإناء يسقى به وفيه. قوله: " كل ما صنعت به ثوبا " عبارة شيئة ضيقة لأنه كل ما صين به الثوب وغيره من جميع المصونات، وأما وصف " الربط " بالجميع وهو عناق بالواحد وهو عتيق فجائز، وقد ورد به القرآن وفصيح الكلام. قال الله سبحانه: (وينشئ السَّحابَ الثِّقالَ)، فجمع. وقال: (الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا)، فوحَّدَ، وكلاهما كثير.
يا حَبَّ ما حُبُّ القتولِ وحُبُها ... فلسق، فلا يُنْضِبْكَ حبٌ مُفلِسُ
ينبغي أن يكون " حَبَّ " ترخيم حبة اسم علم أو حبّى كسكرى أو حبّاء كورقاء. وقوله " ما حُبُّ القتول " لفظ استفهام في معنى التعظيم كقول الله تعالى: (ما الحاقة؟) و(ما القارعة؟). ثم اخبر بعد ذلك فقال: " حبها فَلَس " أي لا نيل معه. ويجوز وجه آخر وهو أن يكون أراد يا حبذا حُبُّ القتول، فوضع " ما " لايهامها موضع " إذا " ، إلا أن " ما " نكرة فهي منصوبة الموضع - كقوله " من البسيط " :
" وزاده كلفا في الحب أن منعت " ... وأحَبَّ شيئا إلى الإنسان ما مُنعا
ويجوز أن يكون " ما " معرفة موصولة، والعائد عليها محذوف أي: " يا حَبّ الذي هو حب القتول " . وحذفه كقراءة من قرأ: " تماما على الذي أحسن " . وحذف أيضا المقصود بالمحبة المعلم به محذفه في قوله تعالى: " نِعْمَ العَبْدُ " أي: نعم العبد هو.
وفيها:
يا برق يخفي للقتول كأنِّه ... غابٌ تشيْمه حَريقٌ يُبَّسُ
قال " تشيمه " دخل فيه، هذا من قولهم: شمت السيف، أي أغمدته وقوله: " يخفي " في موضع نصب على الحال أي: يا برق خافيا. معناه ظاهرا ومثله قوله " من السريع " :
يا دار أقوت بعد إصرامها ... عاما وما يُبكيك من عامها
وقد تقدم القول في نظيره.
وقال أبو قلابة أيضا " من الوافر " :
يئست من الحذية أمَّ عمرو ... غداة إذ انتحوني بالجناب
" قال " أبو عمرو: الحذية: العطية. لأم الحذية واو لقوله " من الطويل " :
وقائلةٍ ما كان حذوة بعلها ... غداتئذ من شاء قِرد وكاهل
ولام " انتحوني " : واو لأنه من نحوت الشيء، و " أم عمرو " منصوبة على النداء ويجوز أن يكون مفعول " الحذية " أي: يئست من أن أحذى أم عمرو فأعمل المصدر، وفيه اللام كقوله " من الطويل " :
لقد علمت أولى المغيرة أنني ... كررت فلم أنكل عن الضرب مسمعا
وفيها:
يُصاح بكاهِلٍ حولي وعمروٍ ... وهم كالضارياتِ من الكلاب
لام " ضار " واو لقولهم في مصدره: الضراوة. قال عمر رضى الله عنه: " اتقوا هذه المجازر فأن لها ضراوة كضراوة الخمر "
يسامُونَ الصبوح بذي مُراخٍ ... وأخرى القوم تحت حريق غاب
لا يخلو " مراح " من أن يكون " فُعالاً " أو " مُفْعَلاً " . فأن كان فُعالاً فمن لفظ المَرْخ، وإن كان مُفْعَلاً فهو من لفظ: ريَخت فلانا تربيخا إذا ذللته. قال الراجز:
بمثلهم يريّخ المرَيَخ ... والحسب الأوفى وعزجنبخ
والعين في بادئ الرأي ياء ويجوز أن يكون " مُراخ " مُفاعَلاً من راخيت ولامه واو لا مِن الرخو.
(14) وقال أبو بثينة القُرَمي من أبيات " من الوافر " :
فأغريهم ولا أُغري أليّاً ... فدى لصحابةِ المغُرين نفسي

(1/18)


" ألياً " منصوب على أنه حال لا مفعول به. أي: ولا أغربهم ألياً. أي بالغت في إغرائهم فحذف المفعول به لتقدم ذكره في قوله: " فأغريهم " . وقد يجوز أن يكون أراد: ولا أري بهم أو منهم أليا، فينصبه مفعولا به. ومن أمثال الكتاب: " إلاّ حظيَّة فلا أليّة " أي: فليست ألية. ومعناه: نفسي فداء لأصحابي المغرين. ولا ابعد أن تكون الرواية: " فدى لصاحبتي المغرين نفسي " فتحذف الياء لفظا لالتقاء الساكنين. فأجابه أُهْبان بن لُعْط بن عروة من أبيات " من الوافر " :
فليت أبا بثينة غير فخْرٍ ... شهدتُ بنى عُتيبة إذ أبيروا
حذف اسم ليت ضرورة. أراد: فليتني يا أبا بثينة شهدت بني عتيبة. ومثله ما أنشده أبو زيد " من الطويل " :
فليت دفعت الهم عن ساعةً ... فبتنا على ما خليت ناعمي بالِ
أراد: فليتك. وله نظائر.
وقال ضُبيس بن رافع العَضَلي يعيّرهم " من الطويل " :
أنتم أكلتم سحفةَ ابن مُخَرَمٍ ... حُبيش فلم يأمنكم أحد بعدي
ليس هذا باستعمال ل " لم " في المستقبل، وإنما معناه بعدما فعلتم، والوقتان جميعا ماضيان، وهذا كقولك: أحسنت إليك ثم لم أزل بعد إلى هذه الغاية مقيماً على حسن الرأي فيك، ولكنه لو قال فلن يأمنكم أحد بعد؛ لكانت " بعد " مستقبلة.
وفيها:
وقد خبَأوا جُردانه لرئيسهم ... معاوية الفلحاء انك ماشُكد
أنت لتأنيث لفظ " معاوية " . وقياسه لولا معاملة اللفظ: " معاوية الأفلح " ومثله قول الآخر " من الطويل " :
وعنترة الفلحاء جاء مُلأَماً ... كأنك فِنْدٌ من عماية اسود
ومن تأنيث اللفظ ما أنشدناه أبو علي " من الوافر " :
وما ذكر فأن يكبر فأنثى ... شديد الأزم ليس بذي ضروس
يريد: القراد. وذلك إنه ما دام صغيرا قراد، فإذا كبر قيل له حلمة. فقوله " أنثى " إنما يريد تأنيث اللفظ لا غير. ومثله مما أطلق عليه أنثى ولا حقيقة تأنيث تحته قوله " من الطويل " :
وكنا إذا الجبار صَعَّرَ خده ... ضربناه فوق الأنثيين على الكَرْدِ
يريد بالأنثيين الادنيين، ومنه قولهم لبيضتي الإنسان: الأنثيان. وهذا مما يضعف عندك التذكير في نحو: " حسن دارك " ، و " اضطرم نارك " ، وإن كان تأنيثا غير حقيقي، ألا ترى أنه قد أطلق لفظ " أنثى " على ما لا حقيقة تأنيث فيه إطلاقه على المرأة والجارية ونحوه، فكما لا يجوز: " قام المرأة " كذلك يضعف: " حسن دارك " فاعرفه.
وفيها:
وأنْ يجدوا يوماً على بظر أمهم ... طعاماً فلا رعوى عليه ولا قصد
وضع كل واحد من المفردين موضع الجميع أي: بظور أمهاتهم. ومنه: " من الوافر " :
كلوا في بطن بطنكم تَعِفّوا ... فإن زمانكُمْ زَمَنٌ خَميصُ
وقال: الرعوي: البُقيا، شيء يرجع إليه، أرعوي: رجع. وهذا كلام يفهم من ظاهره أن الرعوي من لفظ أرعويت، وليس الأمر فيما عند أهل التصريف كذلك وإنما هو عندهم من لفظ رعيت، وأصلها " رعيا " إلا إن اللام قلبت واواً لأن " فعلى " هنا اسم لا صفه. وقد سبق القول على هذا. وعلى أن بعض أصحابنا ذهب إلى أن " أرعويت " ليس لامه في الأصل واوا بل اصله عندهم " أرعيت " فكره اجتماع الياءين فقلبت الأولى واوا ليختلف اللفظان، وكأن قائل هذا القول شجع عليه من موضعين. أحدهما: أن معنى أرعويت من معنى المباناة والرعاية، والآخر: انه لم يأت عنهم لفظ " ر ع و " ، فلما كان المعنى واحدا ولم يجد لفظ " ر ع و " في الكلام جمله على أنه من لفظ " رعيت " وأن البدل وقع رغبة في اختلاف الحرفين كما وقع في الحيوان على ما رآه الخليل.
(15) وقال أبو بثينة الصّاهلي من أبيات " من الوافر " :
متَى ما تَبْلُغُهُمْ يوما تجدْهم ... على ما ناب شرَّ بني الدِئيل
الئل وعرفج وضمرة بنو بكر. قال: أراد الديل فهمزه. ليس الأمر عندنا نحن كذا وإنما هو " الُئل " كَسرَّ الكلمة على " فعيل " وواحدها " دُئل " أي يجدهم شر من تسمى بهذا الاسم من بني الدئل وبني الدُوَل وبني دُئل، وكسره على الهمزة لحاجته إلى الحركة بالكسر فجاء به على الكليب والعبيد واتبع الأول الثاني بحرف الحلق كالشعير والصئين. ويروي " شربني لديل " أراد شربني ديل، فم أقحم اللام لتوكيد الإضافة كقوله:
يا بؤس للجهل ضراباً لأقوام
وفيها:

(1/19)


إذا مَسحوا سبالهم بدُهْنٍ ... ألهفك عَبْدَ للرجل القتيلِ
وضع الواحد موضع الجماعة كبيت الكتاب " من الطويل " :
أتني سُليم قضها بقضيضها ... تسمح حولي بالبقيع سبالها
والعامل في " إذا " محذوف للدلالة عليه من الأبيات التي قبله، كأنه إذا مسحوه فرحوا وجذلوا له، يهجوهم بذلك. ولا يجوز أن يعمل ما بعد الهمزة فيما قبلها أيضا عليه فيجوز أن يضمر له ما يتناوله مما هو في معناه.
فأجابه سارية بن زُنيم من أبيات " من الوافر " :
قَعودٌ في بيوتٍ واضعات ... يشوبون النواطِلَ بالثميل
(16) شعر البُريق بن عِياض قال من قصيدة " من الوافر " :
فَرَقَّعْتُ المصادِرَ مستقيماً ... فلا عينا وَجَدْتُ ولا ضِمارا
قال: قيل " المصادر " جمع صَدْر على غير قياس، مثله ما حكاه صاحب الكتاب: شِبْه ومثابه. قال ويروي مستفيئاً أي راجعا، هذا " استفعل " في معنى " فَعَل " وقد تقدم نظائره أي فاء. ومثله " من البسيط " :
عفوا بسهم فلم يُضْرَرْ به أحد ... ثم استفاءوا فقالوا:حبذا الوَضَح
أي رجعوا.
فلا تَنْسَوا أبا زيد لفقدٍ ... إذا الخفرات أجلين الفرارا
قال: أجلين أمرين، أي هرين، وفررن. ينبغي أن يكون " الفرار " هنا مفعولا له أي: هربن للفرار، ومثله من المفعول له وفيه اللام بيت الكتاب " من الرجز " :
يركبُ كُلَّ عاقر جُمِهورِ ... مخافةً وزعَلَ المحسورِ
والهولَ من تهول الهُبورِ
أي وللهول، ومثله لمزاحم " من الطويل " :
لك الخير إن زمعت صرمي وأصبحت ... قوى الحبل بترا حذها الصرم جادف
أي للصرم، وقول الهذلي " من الطويل " :
فلما اصطففن السير والتف كورها ... عليها كما التفت عروش الجداولِ
وفيها:
بمرتجزٍ كأنَ على ذراه ... ركابَ الشام يحملن البُهارا
قال: قالوا البُهار عدل فيه أربعمائة رطل، وقال أبو عمرو: البهار ستمائة رطل. ينبغي أن يكون " فُعالاً " من بهرني الأمر، لأن الثقل بهر حامله.
وفيها:
ألا يا عينِ ما فابكي عُبَيْداً ... وعَبْدَ اللهِ والنفرَ الخيارا
الفاء بعد النداء سببها عندي ما في النداء من معنى الخبر. وذلك قولك " ألا يا نفس فاصطبري " وقوله " من البسيط " :
يا عين فابكي حنيفاً وسط حيهم ... الكاسرين القنا في عورة الدبر
ألا ترى أن معناه: أدعوك فابكي، كما تقول: أثنى عليك فزدني من إحسانك. ويدلك على أن في النداء طرفا من الخبر أن رجلا لو قال لها: " يا وانية " لوجب عليه الحد، كما أنه لو قال لها: " أنت زانية " كان الأمر كذلك.
وعادِية يُهَلِّكُ من يراها ... إذا بُثَّتْ على فَزَعٍ جهارا
ليست " على " هنا مثلها في قولك: بثت الخيل على زيد، وعلى سرح فلان إنما هي للحال كقولك: قدمت على ناقة أي قدمت وناقتُك معك، ووردت البلد على شدة أي والشدةُ مصاحبة حاضرة، ومثله قول الأعشى " من الطويل " :
تضيَّفته يوما فقرَب مقعدي ... وأصفدني على الزمانة قائدا
أي: أصفدني قائدا على ما أنا عليه من الزمانة، ف " على " هذه للحال الأولى في نحو قوله " قدمت على فلان " في موضع المفعول به، ألا ترى أن عبرتها عبرته أي أتيت فلانا، ولذلك تقول: قدمت عليك على ناقة. فالأولى مفعول بها والثانية حال حتى كأنه قال: أتيتك محتاجا، ولو كانتا لمعنى واحد لا اجتمعتا، فكأنه قال: إذا بثت وهناك جزع.
فما أن شائك من أسْدِ تَرْجٍ ... أبو شبلين قد منع الخِدارا
بأجرأ جرأةً منه وأدهى ... إذا ما كارب الموت استدارا
جرأة هنا منصوب على التمييز لا على المصدر وذلك إن " افعل " هذه الموضوعة للمفاضلة نحو: " احسن منك " ، و " اكرم منك " ، لا يجوز استعمال المصدر معها من قبل إن الغرض في المصدر إنما هو التوكيد و " أفعل " هذه قد استغنت بما فيها من المبالغة عن التوكيد بالمصدر، فكذلك لا تقول: " ما أحسنه حسنا ولا إحسانا " ولا " ما اكرم زيدا كرما ولا إكراما " فإذا كان كذلك كان " جرأة " منصوبا على التمييز كقوله " هذه جرأة جريئة " و " هذا شعر شاعر " وكقوله " من الطويل " :
ولولا دفاع الله ضَلَّ ضلالنا ... ولسرنا إنا نُشَلَ ونوأد

(1/20)


وكقولهم: " جن جنونه " و " خرجت خوارجه " . ومنه قول الله سبحانه: (فاذْكُروا اللهَ كذِكرِكُم آباءكُمْ أو أشَدَّ ذِكراً). وكأنه قال والله أعلم: أو ذكراً أشد ذكرا، فجعل للذكر ذكرا مبالغة. وذاكرت أبا علي رحمه الله بهذه الآية فأخذ ينظر فيها مستأنفاً للنظر ويردد من القول ما دلني إنه لم يكن قدم فيها فيما قبل نظرا فعجبت من ذلك مع كثرة بحثه وطول مزاولته. فأن قلت فهلا كان تقديره عندك: (فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو ذكراً أشد) ثم قدم وصف النكرة عليها فنصب على الحال منها كقوله " من الوافر " :
لمية موحشاً طلل قديم ... عفاه كل أسحم مستديم
قيل إن هذا باب ذكره سيبويه إنه قلما يجيء غي الكلام واكثر ما يجيء في الشعر، وما كانت هذه حاله لم يحسن حمل التنزيل عليه. وقال البريق بن عياض من أبيات " من الطويل " :
وكنت إذا الأيام أحدثن هالِكا ... أقول شَوى ما لم يُصِبْنَ صميمي
هذا على حذف المضاف أي أحدثن هلك هالك. ويجوز أن يكون على ظاهره فيكون الهالك هنا مصدرا كالفالج والباطل والباغز وهو النشاط.
أنشدنا أبو علي الفارسي " من البسيط " :
واستحمل الشوق مني عِرْمِساَ أُجُداَ ... تخال باغزها بالليل مجنونا
فكأنه قال: أحدثن هُلكا، ومثله من المصادر على فاعل إلا أنه بالتاء قولهم: العافية والعاقبة والخاصَّة والقاطبة.
وفيها:
فأصبحتُ لا أدعو من الناس واحداً ... سوى وِلْدَة في الدارِ غيرَ حكيمِ
لك أن تجعل " سوى " صفة لواحد وغير حكيم استثناءَ، ولك أن تقلب هذا فنجعل " غير حكيم " صفة ل " واحداً " و " سوى " استثناءً، والوجه الأول كراهية للفصل بين الصفة والموصوف بالاستثناء على أن ذلك مَرَ بنا أنشدنا أبو علي " من الطويل " :
أمَرَتْ من الكتان خيطاً وأرسلت ... رسولا إلى أخرى جرياً يعينها
ففصل بين " رسول " و " جرى " بقوله: " إلى أخرى " . ولك أن تجعلهما جميعا وصفين وليس لك أن تجعلهما استثناءين، كما لا يجوز لك أن تنصب بالفعل الواحد ظرفين من جنس واحد. وكما لا يجوز لك أن تُعَدّى ما يتعدى إلى الواحد إلى مفعولين نحو: ضربت زيدا، وشتمت خالدا، ليس أن تجعلهما استثناءين الثاني بدل من الأول لأن معنى الثاني ليس كمعنى الأول. ولا يجوز حمله على الغلط لأن هذا بدل لا يجوز في قرآن ولا شعر. وأما " ولدة " فقال أبو علي هي جمع ولد كأخ واخوة وليس مصدرا كوجهة لأن وجْهَ " ولدة " قائم معروف.
وأما قولهم: هو لدتي، فمصدر وصف به.
وقال البريق أيضا من أبيات " من الطويل " :
لنا الغَوْرُ والإعراض في كل صَيْفَةٍ ... فذلك عضر قد خلاها وذا عَصْرُ
قال " ها " تنبيه. قد يجوز أن يكون " ها " ضمير الإعراض أي خلافيها ثم حذف حرف الجر وأوصل الفعل، ومثله قوله:
في ساعة يُحَبُها الطعام
أي يحب فيها. وقال أيضا " من المتقارب " :
ونائحةٍ صوتُها رائِعْ ... بعثت إذا ارتفع المِرْزَمُ
كذا رواه " إذا " ولو قال " إذ " للماضي لكان أشبه، ووجه استعمال " إذا " في الماضي إنه حكى ما كان عليه أي أنه كان يبعثها إذا ارتفع، ونحوه قولهم: كان زيد سيفعل كذا، أي كان متوقعا منه ذاك، وعكسه في الزمان وإن كان نظيره في حكاية الحال قول الله تعالى: (إذ الأغلال في أعناقهم) و " إذ " لما مضى، وإنما هذا حديث عما يكون في القيامة إلا إنه حكى الحال قال " إذ " حتى كأن المخاطبين بهذا حضور للحال. في هذا ضرب من تصديق الخبر أي: كأن الأمر حاضر لا شك فيه وواقع لا ارتياب به. وحكاية الحالين الماضية والآتية كثير في القرآن والشعر، منه ما أنشدناه أبو علي وقرأته على أبي بكر محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى في قوله " من الرجز " :
جارية في رمضان الماضي ... تقطّع الحديث بالإيماض
ومنه قول الله تعالى: (هذا مِنْ شيعته وهذا من عدوّه) فقال " هذا " و " هذا " ولم يقل أحدهما كذا والآخر كذا، فكذلك قوله: " بعثت إذا ارتفع المرزم " أي: كنت موصوفا بأني أبعثها إذا ارتفع المرزم.
وقال البريق أيضا من أبيات " من الطويل " :
فواللهِ لولا نعمتي وازْدَريتَها ... للاقيت ما لاقى أبنُ صفوان بالنَّجدِ

(1/21)


أراد: وقد ازدريتها، وليست هذه الواو واوَ حال وإنما هي عاطفة جملة على جملة فهو كقوله: قدم محمد، وقد انصرف سعيدٌ، وقد قامت الصلاة، تعطف جملة على جملة وليست واحدة منها منصوبة الموضع بالأخرى.
وقال البريق " من الوافر " :
رَميتُ بثابتٍ من ذي نُمارٍ ... وأردفَ صاحبانِ له سواه
فيها:
وأومأت الكنانةَ أنَ فيها ... معابل كالجحيم لها لظاه
قال " لظاه " توقُدٌّ وحِدَّةٌ، أراد إلى الكنانة فلما حذف حرف الجر أوصل الفعل، وقد تقدم نظيره.
وفيها:
وأحْرِ بآخرٍ قانٍ وإني ... وثالثكم كمعتسفِ السفاه
قال أي: سفهاء البهمي قوله في أول قوافيها سواء وجمعه بينهما وبين السفهاء ولظاه يدلك على أنه بنى القصيدة على التقيد لا على الإطلاق، لأنه لو أطلقها لقال سواه والسفاه فاختلف الروّيان مع هناك من الأقوام. نعم وليس الرويان متقاربين تقارب الميم والنون والطاء والدال والصاد والسين ونحو ذلك، فيجوز ارتكاب الأكفاء في ذلك، ألا ترى إلى بعد " ما " بين الهاء والتاء، وإذا كان كذلك كاد يفسد علينا أصلا مجتمعا عليه كلنا. ألا ترى إلى وقوع الإجماع على انه ليس في الشعر روى مقيد يمكن إطلاقه إلا وهو بين ضرب أطول منه وضرب أقصر منه، وذلك نحو الضرب الثاني من " الرمل " وهو: " فاعلان " ، ألا تراه فوق " فاعلن " ودون فاعلاتن، وكذلك الضرب السابع من " الكامل " وهو " متفاعلان " ، ألا تراه فوق " متفاعلن " ودون " متفاعلان " ، وكذلك الضرب الثاني من " المتقارب " هو " فعول " وهو فوق " فَعَل " ودون " فعولن " . وقوله في هذا البيت " سواه " و " لظاه " . وزنه " فعول " ، والضرب الأول من " الوافر " لا يجوز فيه هذا التقيد لانه إذا قَيَد كان " فعول " ، ويمكن إطلاقه قصير " فعولن " ، وليس تحت " فعول " ضرب اقصر منه بل لا يجوز غبه إلا " فعولن " مقطوفا كما ترى، فأما ما أنشده الرواة من قول جرير " من الوافر " :
متى كان الخيام بذي طلوح ... يقيت الغيث أيتها الخيام
وقال عمرو بن كلثوم " من الوافر "
بشبان يرون القتل مجدا ... وشيب في اللقاء مجربينا
فإنما هو تقييد يعرض في الإنشاد في مذهب بعض العرب، وليس شيئا مجتمعة عليه كل اللغات في جميع الإنشاد. ألا ترى أن بعضهم يطلق بحرف اللين فيقول الخيامو، وبعضهم ينون فيقول: الخيامن، وليس شيء من ذلك جائز في قولهم: سواه وسفاه ولظاه؛ لأنه متى أطلقت اختلف الرويان فصار " سواهو " مع " لظاتي " و " لسفاتي " فقد صح بذلك انه مقيد وانه يمكن إطلاقه إلا انه ليس تحته ضرب أقصر منه على ما تقدم به الشرط فقد بان بذلك خروج هذه القيافة عن سائر القوافي. قال: قلت فان هذا الروي مقيد لا يمكن إطلاقه لأنه إن أطلقه اختلف روياه، وإنما الشرط في الروي المقيد إذا أمكن إطلاقه، وهذا ليس ممكنا فقد سقط ما رمت إلزامه. قيل: هذا ساقط عنا من وجهين، أحدهما: أنه إنما شرط نفس إطلاق ولم يشرط اختلاف الرويين ولا اتفاقهما. والآخر: إنك لم تعتقد إطلاقه جعلت ضرب الوافر " فعول " بناء البتة لا على وجه تقييد الإنشاد في بعض مذاهب العرب دون بعض، وهذا ما لا يراه أحد، ألا ترى أن الإجماع واقع على أن الوافر ثلاثة أضرب، وأنت إن بنيت على هذا التقيد البتة أن له أربعة أضرب فالأمر كما تراه قبيح ضعيف إلا أن له عندي من القياس وجها ما، وذلك أن أبا الحسن قد ذكر أن بعضهم يُنشد " من الرجز " :
أقول إذا جئن مذبّحاتِ ... ما أقربَ الموتَ من الحياة
فيقف بالهاء فيقول " الحياة " ، وهو لا يقف في " مذبحات " ، إلا بالتاء، فكما اختلف الرويان في التقيد والوقف لنية اتفاقهما في الإطلاق، كذلك يجوز أن تقول " سواهو " مع " السفاتي " فيختلف الرويان في الوصل، فيحتمل ذلك بعض الاحتمال لنية اتفاقهما في الوقف، وعلى أن هذا أضعف من " مذبحات " مع " الحياة " من قبل ان العمل إنما هو مع الإطلاق لا مع التقيد، ألا ترى أن أكثر الشعر مطلق واقله مقيد. ووجه آخر: وهو أن يجوز " لظاهو " و " السفاهو " فيطلق هاء التأنيث هاء ينوى به الوقف كما حكى صاحب الكتاب من قول بعضهم في العدد الشهربعة " .
ومما أجرى فيه الوصل مجرى الوقف من قولهم " العيهل " و " الكلكل " وقوله " من الوافر " :
ومَنْ يتقْ فإن الله معه ... ورزق الله مُؤتابٌ وغادي
وهو كثير فاعرفه.

(1/22)


فلما رَدَّ سامِعَهُ إليه ... وجَلَّى عن عمايته عماه
قال: " سامعة " : أذنه. لا يخلو " السامع " هنا من أن يكون صفة كضارب وشاتم، أو اسما هنا، فإن جعلته صفة فهو على انك نسبت الفعل إليها لظهوره ووقوعه عنها فتكون الأذن كأنها هي السامعة كما قيل للعين " ناظرة " ، قال الشاعر " من الطويل " :
تصد وتبدي عن أسيل وتتقي ... بناظرة من وحش وجرة مطفلِ
قد قيل " الناظرة " هنا العين، وهذا في إسناد الفعل إليه كقوله: " يداك أو كتا وفوك نفخ " ، وكقولهم: " فعله برأي عيني وسمع أذني " . قال:
وَهُمُ زبابٌ حائرٌ ... لا تسمع الآذان رعدا
وكما سمى السيف ماضيا صارما، وان كان آلة، والفعل لغيره، وإنما هو مصروم به أي مقطوع، أنشدنا أبو علي " من المتقارب "
ومن يسمع الصوتَ لا يستجيب ... ومن يستجيب ولا يَسْمَعُ
فقال: يعني السمع واللسان، وهذا كثير. وكان قياسه أن يؤنث فيقول: فلما ردت سامعته إليه كقوله " بناظرة من وحش وجرة " فيمن أراد بالناظرة العينَ لان الأذن أنثى كما أن العين كذلك، إلا أنه ذكرَّ، ذهب بالأذن إلى العضو كما أنث " البعض " في قول الله سبحانه: " تلتقطه بعضُ السَّيارة " ، لان بعض السيارة سيارة وإذا جاز تأنيث المذكر على ضرب من ضروب التأول كان تذكير المؤنث لما في ذلك من رد الفرع غلى الأصل أجدر، وان شئت جعلت السامع هنا اسما بمنزلة الناظر في العين، ويقوى هذا تذكيره ولو أراد الصفة لكان الأظهر التأنيث.
وفيها:
فقال: إليكما عنه ولولا ... مقام الجد ما رقبوا ألاه
قال: ألاه لا يألونه، يقول: لولا يوم من الأيام وقاك الله به شرا، " قال " أبو عمرو: الجد الحظ. " ما رقبوا ألاه " أي لم يكونوا يألونه، هذا جميع ما فسر به البيت. وهو عندي من " إلا لا " وهو العهد. قال الأعشى:
أبيض لا يرهبُ الهُزال ولا ... يقطع رحما ولا يخون إلا
وفيه وجه آخر أحسن من هذا، يقول: لولا جده ونفاذه ما بالوا بقوله " إليكما " أي لم يحفلوا بتحذيره أي بقوله " إليكما " ، كما تقول إذا قال لك الأمير " عليك زيدا " لولا طاعة الأمير لما حفلت علاه. فإن قلت فان " إلى " و " على " إذا اتصلا بالضمير كانا كالياء البتة نحو " إليك " و " عليه " . قيل إنما ذلك ما داما حرفين. وأما في هذا الموضع فقد صارا اسمين فجرى قوله: " لم احفل ألاه " مجرى لم أجد عصاه. كما تقول إذا قال: ما قال زيد ما أحفل به، أي بقوله: " ما " ، فتجعلها اسما تمدها، فهذا وجه حسن فيه لطف وصنعة.
على أنى قلبت بني جُريب ... زمانَ زمانُهم فيمن قلاه
قال: أرادا زمان زمانهم مساعد لهم يكون في الخير والشر، وقلاة: ابغضه. ينبغي أن يكون الكلام على تقدير حذف المضاف أي زمان زمانهم في قلي من قلى أهله فحذف المضافين من الموضعين جميعا كما تقول: " زيد في شغله يعبد الله " .
ولم تفقدْ طوال الدهر حَيّاً ... أخاك السوء حتى لا تراه
أي ما دمت تراه فلم تفقده إذا لم تره. قوله " حيا " : حال من " أخاك " ففدم حال المظهر عليه، ومثله قوله:
شتى تؤوب ب الحلبة
وقال توسعة أبو نهار " من الكامل " :
وكأنّ مهري إذا أجَدَّ إيابُه ... يبْرى بجو حمامة لحام
أي: حمامة تبري بجو لحمام، فلما قدم وصف النكرة عليها نصب على الحال منها. وأما " السَّوء " بفتح السين فكأنه المصدر الحقيقي لسؤته سوء كصغته صوغا، وكأن السُّوء الاسم منه، إلا أن " السَّوءَ " بفتح السين لا يستعمل إلا وصفا كهذا البيت أو مضافا إليه كقولهم: " وهذا غلام سوء " ، قال أبو الحسن: لو أخبرت عن سَوء من قولهم: " هذا غلام سوء " لم يجز لانه كان يلزمك أن تقول: " هذا الذي غلامه سوء " فتجعله خبر مبتدأ، وإنما يستعمل مضافا إليه، وكذلك لا يجوز الأخبار عنه وهو وصف لأنك لو أخبرت عن السّوء من قولك: " رأيت غلامك السَّوء " للزمك أن تقول: الذي رأيت غلامك إياه السوء: فيفسد من وجهين، أحدهما: أن تجعله خبرا، وليس ذاك مستعملا، والآخر: انك تصف بالمضمر، وهذا فاسد. وقال عثمان لا تخبر عن " مذ " في قولك: " لم أره مذ يومان " ونحو ذلك من قبل انك لو أخبرت عنها لجعلتها مبتدأ وهي لا تكون إلا مبتدأة، وكذلك ما نقض أصلا لا يمكن نقضه، لم يجز الدخول له تحت ذلك.
وفيها:

(1/23)


فقلتُ له وليس علي خداع ... مُجيبا للنصيح وانْ عصاه
فاعل " عصاه " مضمر يدل عليه الحال أي: وان عصاه قلبي، يدل على ذلك البيت الذي قبله والبيت الذي بعده. وقال البريق أيضا " من الوافر " :
فأمّا أُمسِ لا فتيانَ عندي ... فقد قَطَّعْتُ بالفتيان عَيْشي
في هذا البيت دلالة على جواز تكسير أمثلي الجموع وذلك كقوله: لا فتيان عندي، ألا ترى أن " لا " المبنية مع الاسم بعدها إنما ذلك الاسم واحد يدل على جنسه كقولنا: " لا غلام لك " ، ففي هذا نفي جميع الغلمان، فالغلام إذن واحد وقع موقع جنسه. فكذلك قوله: " لا فتيان عندي " إذا فُصَل هذا الجنس فتيانا، ففتيان ها هنا كالواحد الدال على جنسه، وإذا كان في حكم الواحد حَسُنَ تكسيره فكأنه نفى جميع الفتايين لان محل فتيان من فتايين لو نطق به محل رجل من رجال، ونحوه أيضا ما أنشده أبو الحسن من قوله:
كم دون سلمى فلوات بيدُ
وكذلك قوله جل وعز: (كم تروا من جناتٍ وعيونٍ) فهذا كقولك: " كم تركت من دار وبستان " . فدخول " من " عليه يشهد بأنه تحت الجمع الذي فوقه، ألا ترى إن " من " هنا لا يأتي بعدها الواحد إلا نائبا عن جماعة ودالا عليها، وعلى هذا جاء عنهم " عُريان " و " عرايين " ، و " عقبان " و " عقابين " ، قال " من الطويل " :
عقابين يوم الجن تعلو وتَسْفُلُ
ومنه اسقيه وأساق، وأعبد وأعابد، وأصرام وأصاريم. قال كعب بن معدان الأشقري " من الطويل " :
سنشرب كأسا مُرَّةً تترك الفتى ... تليلاً لفيه للغرابين والرخم
جمع غربانن ومنه قول العجلان بن خُليدة " من الطويل "
جمعت لرهط العائذين سَريّةً ... كما جمع المغمور أشفية الصدر
جمع شفاء اشفية، ثم إنهم قالوا في جمع اشفية: أشافٍ (17) وقال عبد بن حبيب " من الوافر "
تركنا صُبْعَ سُمْيَ إذا استباءت ... كأنّ عجيجهنَّ عجيج نيب
قال: سُمْي بلد لم يمر بي من تركيب " س م ي " غير هذا الحرف، وقد يمكن أن يكون من سموت، إلا أنه لما جاء علما لحقه التغيير كما لحق نحو حياة ومعدى كرب. واستباءت " استفعلت " بمعنى " فعلت " ؛ لان معناه يبوء بعضها أي يرجع، كذا قال، فهذا كقَرَّ واستقر وسخر واستسخر وقد تقدم القول على نظيره. وكذلك رواية أبى عمرو: استآبت لان معناها آبتْ، ويجوز أن يكون " سُمْي " فُعُلاً في الأصل كأنه سُمُوٌ ثم غيرت إلى سِمُ كادْلِن ثم أسكنت العين تخفيفا واقر القلب بحالة كقولك في رَضيَِ: رَضْيَ، ويجوز أيضا أن يكون مثالا لم يُسَمَّ فاعله، ثم كأنه سمى، ثم أسكنت تخفيفا كقوله:
قالت أراه دالفاً قد دُنى له
(18) وقال أبو المُورِّق اللحياني من أبيات " من الطويل " :
ولكنْ بني السكران أولاد جَثلة ... يعود لما ألقت من السَّه في الفمِ
ومن الست بالفم، جثلة: اسم أمهم، وخثلة بالخاء: مسترخية البظر. من قال " السَّه " فالعين محذوفة، ومن قال " الست " فاللام المحذوفة وهو أكثر من حذف العين وأقرب إلى القياس. وقال السكري بالهاء الأصلية، وهاء التأنيث، وهذا خطأ، إنما التاء عين الفعل في " أستاه " ولو كانت تاء " الست " للتأنيث لبقى الاسم المتمكن على حرف واحد لانه لا اعتداد بتاء التأنيث.
وقال أيضا " من الوافر " :
إذا نَزَلنْ بنو ليث عُكاظاً ... رأيت على رؤوسهم الغُرابا
الغراب ها هنا جنس يراد به الغربان، وفيه مجاز لانه لا يجوز أن يكون جمع غربان الدنيا على رؤوسهم حتى ولو تناهوا في الكثرة.
(19) وقال حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام " من الطويل " :
لحى الله قوماً لم نَدَعْ من سراتهم ... لهم أحداً يندوهم غير ثاقِب
قال: يندوهم: يجلس إليهم في ناديهم. في هذا دلالة على إن لام النادي والندى والنداء واو، وقوله غير ثاقب استثناء، وليس حالا؛ لأن ثاقبا اسم رجل.
فيها:
نُفَجيّ خُمام الناس عَنّا كأنما ... يفجئهم جسم من النار ثاقب
لام " نفجي " واو، لأنه فسره فقال: معناه ندفع، وذلك إنه من قولهم " قوس فجواء " إذا بان وتراها عن كبدها كأنه اندفع عنها.
ألَمْ يُلْهِ خصى الطابخي وأيره ... بني شَجَعٍ عنا رؤوسَ الثعالبِ

(1/24)


قال: هو رجل قتلوه فأكلوه. استعمل الخصى بلا هاء وهو قليل، وإنما العرف فيه الخُصْية كقولها " من الرجز " :
لست أبالي أن أكون محمقه ... إذا رأيت خصية مُعَلَّقه
فإذا صاروا إلى التثنية كانت بلا تاء. قال " من الرجز " :
تقول يا رباه يا رب هلِ ... إنْ كنت من هذا مُنجيّ أجلي
أما بتطليق وأما بارحلي ... كأنّ خصيبه من الندلدلِ
ظرف عجوز فيه ثنتا حنظل
وقد جاء نحو هذا قال " من الطويل " :
أخصيي حمار بات بكدم نجمة ... أتؤكل جاراتي وجارك سالم
وقال:
يا بأبي أنت ويا فوق البيب ... يا بأبي خصياك من خصى وزُب
أراد: يا بأبي خصييك وزبك من خصى وزب، فثنى على لفظ أحدهما كقوله:
لنا قمراها والنجوم الطوالع
وكسيرة العمرين ونحو ذلك. وقوله " رؤوس الثعالب " نصبه على الشتم كقوله " من الطويل "
وجوه قرود تبتغي مَنْ تجادعُ
(20) وقال عباس بن مرداس " من الطويل " :
فجللتها حُصى جنادةَ غدرْرة ... وأيقنت ما أندى حُليسا وجابرا
أندى: أخزى، والمندية: الداهية والفاضحة أيضا، والمنديات: المخزيات. لام " المنديات " عندي واو وذلك إنها تندى في النادي وتذكر في المجالس، ولام النادي كما تقدم واو. وقال القطامي " من البسيط " :
لولا كتائب من عمرو تصول بنا ... أوديت يا خيرَ من يندو له النادي
فأجابه رجل من بني لحيان " من الطويل " :
فدى ركبي ضب تلادي فأننا ... تكلنا عليه داخلا ومجاهرا
يريد: اتكلنا عليه، تكَل يُتْكِل. وداخلا ومجاهرا: سرا وعلانية. مثل تكَلَ يَتْكِلُ في حذف فائه وتحريك التاء في مضارعه قولهم: تقى يتقي وتجه يتجه وتسع يتسع. قوله: " داخلا ومجاهرا " ينتصب على الحال وأن كان قد فسره بقوله: سراً وعلانية، لأنه تفسير على محصول المعنى دون موضوع اللفظ.
(21) وقال أبو الرعّاش الصاهلي " من الرجز "
إنك لو شَهِدْت يوم الخنْدمة ... إذ فَرَّ صفوان وفَرَّ عِكْرمَه
وأبو يزيد قائم كالموتمه
قال " الموتمة " أم اليتيم، أيتمت فهي موتمة، بخط السيرافي في الحاشية. الصواب أن يقال الموتمة لها أولاد يتامى، والفعل أيتمت كما يقال أطفلت وأجرت فهي مجرية، إذا كان لها جراء، هذا الذي قاله من جهة القياس على ما ذكره، ولكن الرواية احكم من القياس فأن جاءت مخالفة له اتبع ورفضت، ومع هذا فله وجه من القياس قائم وذلك إنها هي أيضا تيتم من ولدها كما ييتم هو منها ثم ينقل فعلها فيقال: أيتمها الله كقدم وأقدمه الله وضرم وأضرمه غيره، قالوا: واليتيم المنفرد، فلهذا يقال يتيمة ثم يقال أيتمها الله. ومن رواه كالمؤتمة احتمل أمرين، أحدهما: إن يكون من باب همز: " أحَبُّ المُؤْقِدِينَ إليَّ مُؤْسي، والآخر: إن يكون من قولهم: ما في سيره أتَم، في معنى يَتَمٌ أي فتور، ومنه اليتيم لضعفه وفتوره. وقوله: " وأبو يزيد " هو على الخرم؛ لأن الواو زائدة وقد تقدم نحو ذلك، ومن قال " وأبو يزيد " بسكون الألف فأنه أبدل إبدالا على حد " قريتُ " و " أخطيت " .
(22) شعر سلمى بن المقعد القرمي " من الطويل "
" و " أفلت منا العلقمي تزحفا ... وقد خطفت بالظهر واللمّة اليدُ
جريضاً وقد ألقى الرداء وراءه ... وقد ندر السيف الذي يتقلَّدُ
موقع " ج ر ض " في كلامهم الشدة، منه قولهم: جَمَلٌ جِرواض وجرائض للشديد، ومنه الجَرَض للشدة عند الموت. وأما همزة " الرداء " فمنقلبة من ياء لقولهم: فلان حسن الردية، وأما همزة " الوراء " فاصلية، لقولهم في تحقيرها: وُرَيِّئَة، فثبات الهمزة يدل على كونها أصلا، ولو كانت بدلا لعادت ياء وحذفت كسماء وسُمّة وعظاءة وعُظيّة، تقول العرب: " فلان وُرَسِّئَة الحائط " فيها:
جمعنا عليهم طائفيهم بغارةٍ ... هزيم كما انقار الخباء الممددُ
طائفاهم: ناحيتاهم. همزة " الطائف " بدل من ياء لأنه من طاف الخيال يطيف، إذا ألَمَّ بناحيته، ويجوز أن يكون بدلا من واو من طاف القوم يطوفون بالشيء، إذا أحاطوا به. وأما همزة " الخباء " فبدل من ياءٍ لأنهم يقولون: خبيت الخباء أي اصلحته، وليست من لفظ " خبأت " وإن كان المعنى عليه، وقد تقدم ذكره. وعين " اتقار " واو لأنه من قَوَّرْتُ.

(1/25)


وقال سلمى بن المقعد أيضا " من الوافر " :
ستعلمُ يا فُضيلُ أنْ التقينا ... ذراعي هِرَّةٍ رُبطَتْ بحبلِ
فَلَسْتَ بقاتلي أنْ رُمْتَ قتلي ... ولا آذتك أمُّكَ أم قَمْلِ
قال: " ذراعي هرة " نداء أي: يا ذراعي هرة، فإذا كان كذلك كان مفعول " تعلم " محذوفا إن كانت بمعنى عرفت، وإن كانت بمعنى " علمت " فمفعولاها محذوفان. وصار قوله " فلست بقاتلي إن رمت قتلي " دليلا عليهما وبدلا في اللفظ، والمعنى منهما، فكأنه قال: ستعلم إنك إن رمت قتلي قصرت عنه، كما صار قوله تعالى: " لهم مَغْفِرةٌ واجرٌ عظيم " بدلا من المفعول المحذوف، ودليلا عليه في قوله: " وَعَدَ اللهُ الذينَ آمنوا وعمِلوا الصالحات " وكما إن قوله " من الطويل " :
عشية ما وَدَّ ابن غَرَاء أمَّه ... لها من سوانا إذ دعا أبوانِ
فقوله: " لها من سوانا أبوان " بدل من مفعول وددت وله نظائر.
وقال سلمى أيضا " من الطويل "
فيوماً بأذناب الدحوض وتارةً ... انسئها في زهوِه والسوائلِ
" الزهو " : المكان المرتفع الظاهر من الأرض. و " السوائل " : جمع مسيل وهو ما سال فيه الماء من الأودية. هذا مما تقدم القول على نظيره، وذلك إن المسيل لما أشبه المصدر نحو: المسير والمحيض جمعه جمع اسم الفاعل فقال: السوائل، فأما أبو علي رحمه الله فأنشدنا " من الطويل "
فليتك حال البحرُ دونك كله ... وكنت لقي تجري عليه السوائِلُ
وذهب إلى إنه جمع " سيل " ، وكلاهما على تشبيه المصدر باسم الفاعل، والمكان جارٍ مجرى المصدر لاشتراكهما في جريانهما على الفعل وقد سبق ذكر ذلك.
وقال سلمى أيضا:
وقلت تجنبها قريُّ فإنني ... مُطأطئها في وسط عز الصواهل
قال " قريّ " اسم رجل، يحتمل لام قرى أمرين: الواو فيكون كسريّ من السَرْو، والياء فيكون كسرى النهر لأنهم قد كسره على سُريان، وقد يمكن أن يكون من قرأت مخفف الهمزة، وألزم التخفيف لكونه علما.
وقال سلمى " من الوافر " :
رجال بني زُبيدٍ غيبتهم ... جبال أمُول لا سُقيتْ أمولُ
" أمول " : فعول، من لفظ الأمل، ولا يجوز أن يكون " فعل " من لفظ المال لأنه لو كان كذلك لوجب تصحيح العين لمشابهة الزيادة في أوله زيادة الفعل، وقد سبق نحو هذا في لوقة وألوقة.
وقال أيضا " من الكامل " :
إنا نزعنا من مجالس نخلة ... فنجير من حُثُنٍ بياضَ ألَمْلَما
" ألملم " عندنا فَعَلْعَل من لفظ الألم كصمحمح وبَرَهْرَهة، ولا يكون من لفظ " لَمْلَمْتُ " ، وهذا حجر ململم؛ لأن ذوات الأربعة لا تلحقها الزيادة من أولها إلا الأسماء الجارية على أفعالها نحو: مُدَحْرَج ومُسَرْهَفِ. وكذلك القول فيمن روى: يَلَمْلَم؛ لأن الياء بدل من همزة " ألَمْلَم " لأنا لا نعرف في الكلام لفظ " ي ل م " . هذا هو الوجه، وقد يجوز أن يكون أصلا برأسه وأن لم يتصرف في غير هذا، وقد تقدم القول على مثله.
وفيها:
لّما عَرَفْنا إنهم آثارنا ... قلنا وشمسَ لنخضِبنهم دَما
" شمس " : صنم اقسم به. ينبغي أن يكون قولهم على هذا " عبد شمس " غير مصروف إنما أرادوا به عبد هذا الصنم فأضافوه إليه على اعتقادهم في الأصنام إنها آلهة لهم كما قالوا: عبد العزى وعبد اللات وعبد بغوث ونحو ذلك، ويكون هذا الصنم معتقدا فيه التأنيث كتأنيث اللات والعزى والسجة والبجة ونحو ذلك من الأصنام، فلذلك لم تصرف شمس. فأن قلت ما أنكرت أن يكون هذا الصنم مذكرا إلا أنه لم تصرف شمس لأنها مؤنثة؟ قيل: هذا ظاهر عنا وذلك أن المذكر إذا سمي بمؤنث ثلاثي صرف نحو: رجل سميته هندا وجُمْلاً وقدما وكبدا فكذلك لو كان هذا الصنم مذكرا لوجب إذا سمى بشمس أن يصرف أيضا، وقد كان أبو علي رحمه الله يقول في قولهم: " عبد شمس " وتركهم صرف " شمس " إنما ذلك لأنه ذهب فيه إلى الشيء بعينه كقول الخليل في الحارث والعباس، وإن شمس من قولهم عبد شمس كقولهم. " من الكامل "
وإلى أبن أم أُناسَ ارحل ناقتي
جعل " أناس " كأنه هو الأم فدخله تأنيث الأم فلم يصرفه.
(23) وقال الحَشْر النابري " من الطويل " :
فيا عجباً منكم تميم وداركم ... بعيد بجنبي نخلةٍ فالمناقِب

(1/26)


ذكرّ " بعيد " ولم يقل بعيدة، وذلك لما قدمناه من تشبيه العرب " فعيلاً " بفعول، وتشبيه فَعول بفُعول. ومنه " قوله تعالى " : " إنَّ رحمةَ الله قريبٌ من المحسنين " . وقوله " من الطويل " :
بأعين أعداء وهُنَّ صديقُ
وقال تعالى: (فأنهم عَدوٌّ لي إلا رب العالمين)، وقرأت على أبي بكر محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى " من الطويل "
ألا ليت أيام الصفاءِ جديدُ ... ودهراً تَوَلَّى يا بثين يعودُ
ومنه قولهم: " جُلّة خصيف " و " ناقة سديس " و " ريح خريق " وهو كثير.
وفيها:
تقول هُذيل لا غَزاوة عنده ... بلى، غزوات بينهن توائب
الغزاوة كالشقاوة والبناوة والسراوة والزذاوة، مصدر " الرذي " الحسير من الإبل ونحوها، وأكثر ما تأتي " الفَعالة " مصدرا إذا كانت لغير المتعدي كما ترى، فأما الغزاوة ففعلها متعدٍ وهو غزوت، وكأنها إنما جاءت على: غَزُوَ الرجلُ، أي جاد غزوه، وقَضُوَ: جاد قضاؤه، كما إن قولهم في التعجب: ما اضربَ زيدا، كأنه على " ضَرُب " إذا جاد ضربه وكذلك: ما أخرجه، على " خَرُج " ، وما آكله على " أكُلَ " وإن لم ينطقوا به. وعلى إننا روينا عن محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى: " ضَرُبَتْ يَدُه " أي جاد ضربها، وكان أبو علي رحمه الله يستحسن هذه الحكاية على الكوفيين لموافقتها موجب القياس عنده.
(24) وقال عمر بن قيس المخزومي من هُذيل " من الوافر "
أجنّي كلما ذُكرت قُريمٌ ... أبيت كأنني أُكوى بجَمْرِ
قال قوله: " أجنّي " أراد من أجل أني، وكلمة يقولونها: " لا حين بك " أي لا خفاء بك، وهو ظاهر أي أدرك ما أردت ولا خفاء بما تريد. معناه يرجع عندي إلى أنه قال: أبجدّي كلما كان كذا وكذا، وتأويل ذلك أن " ج ن ن " إنما هي موضوعة لخفاء الشيء ومنه الجن، ولذلك قيل لهم الخافي لاستتارهم، قال القُحيف " من الوافر " :
ديارُ الحي تضربها الطِلالُ ... بها أهل من الخافي ومال
ومنه الجنان القلب لاستتاره، وجنون الليل أي ظلمته، وكذلك بقية الباب ومنه قولهم: لا جن بهذا الأمر أي لا خفاء به، فكذلك قوله: " أجني كلما ذكرت قريم أبيت كذا " أي: أبجد مني ذلك، والجد في الأمر مما يلابس الفكر ويجنه القلب ويشعره الفكر، وكأن النفس مُجِنّة له ومنطوية عليه كقوله:
وحفظة أكَنَّها ضميري
أي: أضمرها وأجنها وانطوى عليها، وقوله:
ثم انطويت على غمر
وقول الآخر " من الخفيف " :
ولنقل الجبال أهون من بث حدي ... ث، حنت عليه الضلوعُ
وهذا باب واسع جدا في الشعر القديم والمولد جميعا؛ فلهذا ما رجع قوله " أجني " إلى معنى: أجدّي، فهذا اقرب مأخذاً من أن يقول إنه أراد: من أجل أني، ثم حذف حرف الجر فصار: أجل أني، ثم حذف الهمزة من أجل والهمزة من أن واللام أيضا وكسر الجيم لأن هذه أعمال كثيرة، ولك عن جميعها سعة ومندوحة.
فأجابه ساعدة بن عمرو " من الوافر " :
فزلت تُحمَل الموصولَ حتى ... تنيك من الكنائن رابَ عشر
قال: الموصول: السيف، وراب عشر مثل قوله: قاب، ينبغي أن يكون قبل للسيف الموصول لما وصل به من قائمه، وأما الكنائن فجمع كَنّة أنشدنا أبو علي " من الوافر " :
وأنّ كنائني لنساء صِدق ... وما ألّى بنيّ ولا أساءوا
ونحو من كنة وكنائن، حرة وحرائر وجزة وجزائر وحقة وحقائق ولصة ولصائص وظنة وظنائن وهمة وهمائم - تأنيث شيخ هم - ، وعثة وعثائث. وقوله " تحمل الموصول " أي تجعل له حمائل، ولم يذكر أبو سعيد هذا بشيء. وقوله في " راب عشر " أي قاب، معناه زهاء عشر. ومقياس عشر كقول الله سبحانه: (فكان قاب قوسين) أي: قياس قوسين. وعينه عندي ياء لأنه من الريب، وذلك أن الذي يقيس على الشيء لا بد فيه من ترخيم وتظن، وليس مم يُعلم قياسا بمنزلة ما يدرك ضرورة وعياما، فالنفس به كالمستريبة وليست فيه على يقين علم المشاهدة، ألا ترى إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: " إنكم لترون ربكم كما ترون ليلة البدر لا تضامون في رؤيته " ، أي: لا تلقكم فيه كلفة البحث والنظر بل يُعْلَمُ القديم سبحانه ضرورة لا استدلالاً ولا قياسا.
(25) وقال غاسل بن غُزَيّة الحُرَبي " من البسيط " :
أمن أُمية لا طيفٌ ألَمَّ بنا ... بجانبِ الفرع والأعراء قد رقدوا

(1/27)


قال: الأعراء القوم الذين لا يهمهم الأمر، واحدهم عِرْوٌ، اللام على ما ترى واو، وقد يجوز أن تكون ياء كأنه عارٍ مما يلحق المهم بالأمر فيعود إلى أنه من العُرْى، وخيل أعراء. وأراد: من أميمة طيف، فزاد " لا " كما قال الهذلي " من الكامل " :
أفعنك لا برقٌ كأنّ وميضَه
فزاد " لا " وهو كثير، واكثر ذلك مع النفي كقوله " من الرجز " :
وما ألوم البيض ألاّ تسخرا ... لما رأين الشمط القفندرا
يريد: أن تسخر، وكقول الله سبحانه: (لئلا يعلم أهلُ الكتاب) أي: ليعلم وذلك لتوكيد النفي، ونظيره عندي زيادة لام الإضافة مع حال الإضافة كقولهم: لا أبا لك، ولا يدا لك و " قول الشاعر " :
يا بؤس للحرب التي ... وضعت أراهط فاستراحوا
و " قوله " :
يا بؤس للجهل ضرارا لأقوام
فزيدت اللام وتوكيدا للإضافة، ومثله في التوكيد قوله:
أطربا وأنت قِنسَّريُّ ... والدهر بالإنسان دواريُّ
أي دوار، فزاد ياء بالإضافة توكيدا لمعنى الصفة، وقد سبق القول على ذلك.
وفيها:
فقلت:رُدي وقولي القومُ قد طلعوا ... للغور، والغزو يستذكى وينجردُ
قال: يستذكي ويتحرك ويشتد، وهو عندي " يستفعل " في معنى " يفعل " ولامه واو، فكأنه يذكو كما تذكو النار.
وفيها:
ارجع حتى يشيحوا أو يشاح بكم ... أو تهبطوا الليث إنْ لم يَعْدُنا لَددُ
عين " تشيحوا " ياء لظهورها في قوله " من الطويل " :
بدرت إلى أولاهم فسبقتهم ... وشايحت قبل اليوم إنك شيح
وعين " الليث " على ظاهرها ياء وهي من لفظ الليث إلا أن يجيء أمر يستنزل عن الظاهر، وكذلك فعل صاحب الكتاب في " سِيد " حمله على لفظه فقال فيه: " سُييد " كفيل وفيل. فقد حصل هذا عيارا يوزن به غيره.
ثم انْصَبَبْنا جبال الصفر معرضة ... عن اليسارِ وعن أَيماننا جَدَدُ
قوله: " جبال الصُفْر معرضة " جملةَ في موضع الحال من " نا " والجملة إذا جرت حالا لم يكن لها يد، أما من الحرف الرابط وهو الواو وأما من الضمير وان اجتمعا كان أقوى. فمثال الواو وحدها قولنا: مررت بزيد وعمرو جالس، ومثال الضمير وحده قولنا: مررت بزيد وجهه مكشوف، ومثال اجتماعهما قولنا: مررت بزيد وعلى يده باز، وليس في قوله: " جبال الصفر معرضة " حرف رابط ولا ضمير راجع، فالحرف لا يحسن إضماره وحذفه لقلة ذلك، ألا ترى إلى ضيق حكاية أبي عثمان عن أبي زيد من قولهم: " أكلت لحما سمكا تمرا " ، فإذا كان كذلك عدلت إلى تقدير حذف الضمير لاتساع ذلك فكأنه قال: جبال الصفر عن اليسار منان ودل على ذلك أمران، أحدهما: أن المعنى عليه، ودلالة الحال في اليان جارية مجرى دلالة اللفظ، والآخر: ما ظهر من الضمير فيما عطف عليه من قوله: " عن إيماننا " ، فكأنه قال عن يسارنا أو عن اليسار منا، فأما اليسار فلم تأت عنهم فيما علمت مجموعة، بل " اليمين " قد تجمع شمال وشمائل وأشْمُل، قال العجلي " من الرجز " :
يبري لها من أيمُنٍ وأشمل ... ذو خرق طلس وشخص مُذألِ
وأما اليسار فلم تجمع، وعلة ذلك عندي شيئان، أحدهما، استغناؤهم عن تكسيرها بتكسير " شمال " فيكون هذا مما قاله سيبويه: " وقد يستغنون بالسيئ عن الشيء حتى يكون المُستغنى عنه مسقطا من كلامهم البتة " ، والآخر أن اليسار واليُسرى إنما هو تفاؤل باليُسر وعدول عن الشؤم، وإنما هي الشؤمى ضد اليُمنى، قال:
فأنحى على شؤمي يديه
فلما كانت فرعا معدولا إليه عن أصل قد استمر تكسيره ضاق موضعها فلم يعامل الفرع في التصرف معاملة الأصل، فهذا فرق. وأعلم انه ليس في كلام العرب اسم في أوله ياء مكسورة إلا قوله " يسار " حكاها بعض الكوفيين وقد سألت نفسي عن ذلك واجب عنه في بعض ما أثبته عن نفسي من كلامي في موضع غير هذا فتركته هنا.
وفيها:
حين السيوف بأيدي القوم ناهلةٌ ... تصدر عنهم وفيهم تارة تَردُ
ينبغي أن تكون عين " تارة " واوا اشتقاقا وقياسا جميعا، أما الاشتقاق فلأنه من معنى " التَّوْرِ " ، والتور: الرسول. قال " من السريع " :
والتور فيما بيننا مُعْمَلٌ ... يرضى به المأتيّ والمُرْسِلُ

(1/28)