صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


[ البيان والتبيين - الجاحظ ]
الكتاب : البيان والتبيين
المؤلف : أبي عثمان عمرو بن بحر
الناشر : دار صعب - بيروت
الطبعة الأولى ، 1968
تحقيق : المحامي فوزي عطوي
عدد الأجزاء : 1

وسأل معاوية دغفلا النسابة عن اليمن فقال سيد وأنوك
وذكر عيينة بن حصن عند النبي فقال الاحمق المطاع
وجن اعرابي من اعراب المربد ورماه الصبيان فرجم فقالوا له أما كنت وقورا حليما فقال بلى بأبي انتم وأمي والله ما استحمقت الا قريبا وكان اول جنونه من عبث الناس به ورمى انسانا فشجه فتعلق به وهو لا يعرفه وضمه الى الوالي فقال له الوالي ولم رميت هذا وشججته قال أنا لم أرمه هو دخل تحت رميتي
وكان وكيع بن الدورقية يحمق قال الوليد بن هشام القحذمي ابو عبد الرحمن قال اخبرني ابي قال لما قدم امية خراسان قيل له لم لا تدخل وكيع ابن الدورقية في صحابتك قال هو احمق فركب يوما وسايره فقال له ما اعظم رأس برذونك قال قد كفاك الله حمله ثم سايره قليلا فقال أصلحك الله أرأيت يوم لقيت أبا فديك ما منعك ان تكون قدمت رجلا وأخرت رجلا وداعست بالرمح حتى يفتح الله عليك قال اغرب قبحك الله وأمر به فنحى
وساير سعيد بن سلم موسى امير المؤمنين والحربة في يد عبد الله بن مالك وكانت الريح تسفي التراب الذي تثيره دابة عبد الله بن مالك في وجه موسى وعبد الله لا يشعر بذلك وموسى يحيد عن سنن التراب وعبد الله فيما بين ذلك يلحظ مسير موسى فيتكلف ان يسير على محاذاته واذا حاذاه ناله ذلك التراب فلما طال ذلك عليه اقبل على سعيد بن سلم فقال ألا ترى ما نلقى من هذا المائق في مسيرنا هذا قال والله ياامير المؤمنين ما قصر في الاجتهاد ولكنه حرم التوفيق
وساير البطريق الذي خرج الىالمعتصم من سور عمورية محمد بن عبد الملك والافشين بن كاوس فساوم كل واحد منهما ببرذونه وذكر انه كان يرغبهما اويربحهما فاذا كان هذا أدب البطريق مع محله من الملك والمملكة فما ظنك بمن هو دونه منهم ولما استجلس المعتصم بطريق خرشنة تربع ومد رجليه
واجبات الملوك والامراء
قال زياد وقرأت مثل كتب الربيع بن زياد الحارثي ما كتب إلي الا

(1/339)


في اجترار منفعة او دفع مضرة وما كان في موكبي قط فتقدم عنان دابته عنان دابتي ولامست ركبته ركبتي ولا شاورت الناس قط في امر إلإ سبقهم الى الرأي فيه
كان على شرط زياد عبد الله بن الحصين صاحب مقبرة بني حصين والجعد ابن قيس النمري صاحب طاق الجعد وكانا يتعاقبان مجلس صاحب الشرطة فاذا كان يوم حمل الحربة سارا بين يديه معا فجري بينهما كلام وهما يسيران بين يديه فكان صوت الجعد ارفع وصوت عبد الله اخفض فقال زياد لصاحب حربته تناول الحربة من يد الجعد ومره بالانصراف الى منزله
وعدا رجل من اهل العسكر بين يدي المأمون فلما انقضى كلامه قال ما بعض من يسير بقربه يقول لك امير المؤمنين اركب قال المأمون لا يقال لمثل هذا اركب انما يقال لمثل هذا انصرف
وكان الفضل بن الربيع يقول مساءلة الملوك عن احوالهم من تحية النوكى فاذا اردت ان تقول كيف اصبح الأمير فقل صبح الله الامير بالكرامة فاذا اردت ان تقول كيف يجد الامير نفسه فقل أنزل الله على الامير الشفاء والرحمة والمسألة توجب الجواب فان لم يجبك اشتد عليك وان أجابك اشتد عليه
وقال محمد بن الجهم دخلت على المأمون فقال لي ما زال امير المؤمنين اليك مشتاقا فلم أدر ما جواب هذه الكلمة بعينها وأخذت لا اقصر فيما قدرت عليه من الدعاء ثم الثناء
قال ابو الحسن قال ابن جابان قال المهدي كان شبيب بن شيبة يسايرني في طريق خراسان فيتقدمني بصدر دابته فقال لي يوما ينبغي لمن ساير خليفة ان يكون بالموضع الذي اذا اراد الخليفة ان يسأله عن شيء لا يلتفت اليه ويكون من ناحية إن التفت لم تستقبله الشمس قال فبينما نحن كذلك اذ انتهينا الى مخاضة فأقحمت دابتي ولم يقف واتبعني فملأ ثيابي ماء وطينا فقلت يا ابا معمر ليس هذا في الكتاب
رجع الى النوكى
قال الهيثم بن عدي كنت قائما الى حميد بن قحطبة وهو علي برذون فتفاج

(1/340)


البرذون ليبول فقال لي تنح لا يهريق عليك البرذون الماء
وجاء رجل الى محمد بن حرب الهلالي بقوم فقال ان هؤلاء الفساق ما زالوا في مسيس هذه الفاجرة قال ما ظننت انه بلغ من حرمة الفواجر ما ينبغي ان يكنى عن الفجور بهن
وقلت لرجل من الحساب كيف صار البرذون المتحصن الى البغلة احرص منه على الرمكة والرمكة اشكل بطبعه قال بلغني ان البغلة اطيب حلوة
وقال صديق لنا بعث رجل وكيله الى رجل من الوجوه يقتضيه مالا عليه فرجع اليه مضروبا فقال ما بالك ويلك قال سبك فسببته فضربني قال وبأي شيء سبني قال هن الحمار في حر أم من أرسلك قال دعني من افترائه علي انت كيف جعلت لأير الحمار من الحرمة ما لم تجعله لحر أمي فهلا قلت اير الحمار في هن ام من ارسلك
قال ابو الحسن كان رجل من ولد عبد الرحمن بن سمرة اراد الوثوب بالشام فحمل الى المهدى فخلى سبيله واكرمه وقرب مجلسه فقال له يوما أنشدني قصيدة زهير التي أولها لمن الديار بقنة الحجر وهي التي على الراء
( لمن الديار بقنة الحجر ... أقوين من حجج ومن شهر )
فأنشده فقال المهدي ذهب والله من يقول مثل هذا قال السمري وذهب والله من يقال فيه مثل هذا فغضب المهدي واستجهله ونحاه ولم يعاقبه واستحمقه الناس
ولما دخل خالد بن طليق على المهدي مع خصومه وأنشد قول شاعرهم
( اذا القرشي لم يضرب بعرق ... خزاعي فليس من الصميم )
فغضب المهدي وقال أحمق فأنشد خالد فقال
( اذا كنت في دار فحاولت رحلة ... فدعها وفيها إن اردت معاد )
فسكن عند ذلك المهدي وقال بشار
( خليلي ان العسر سوف يفيق ... وإن يسارا من غد لخليق )
( وما كنت إلا كالزمان اذا صحا ... صحوت وان ماق الزمان أموق )
قالوا ومن النوكى ابو الربيع العامري واسمه عبد الله وكان ولي بعض منابر اليمامة وفيه يقول الشاعر

(1/341)


( شهدت بأن الله حق لقاؤه ... وأن الربيع العامري رقيع )
( أقاد لنا كلبا بكلب ولم يدع ... دماء كلاب المسلمين تضيع )
قالوا ومن النوكى ربيعة بن عسل احد بني عمرو بن يربوع وأخوه ضبيع بن عسل وفد ربيعة على معاوية فقال معاوية حاجتك قال زوجني ابنتك قال اسقوا ابن عسل عسلا فأعاد عليه العسل ثلاثا فتركه وقد كاد تنقد بطنه قال فاستعملني على خراسان قال زياد اعلم بثغوره قال فاستعملني على شرطة البصرة قال زياد اعرف بشرطته قال فاكسني قطيفة او قال هب لي مائة الف جذع لداري قال وأين دارك قال بالبصرة قال كم ذرعها قال فرسخان في فرسخين قال فدارك في البصرة او البصرة في دارك
قال غوات استعمل معاوية رجلا من كلب فذكر يوما المجوس وعنده الناس فقال لعن الله المجوس ينكحون أمهاتهم والله لو أعطيت مائة الف درهم ما نحكت أمي فبلغ ذلك معاوية فقال قاتله الله أترونه لو زاده على مائة الف فعل فعزله
وقال ابو الحسن وفد ربيعة بن عسل وهو من بني عمرو بن يربوع على معاوية فقال لمعاوية أعني بعشرة الآف جذع في بناء داري بالبصرة فقال له معاوية كم دارك قال فرسخان في فرسخين قال معاوية هي في البصرة أم البصرة فيها قال بل هي في البصرة قال معاوية فان البصرة لا تكون هكذا
وقال ابو الاحوص الرياحي
( وليس بيربوع الى العقل حاجة ... سوى دنس تسود منه ثيابها )
( فكيف بنوكى مالك ان كفرتم ... لهم هذه او كيف بعد خطابها )
( مشائم ليسوا مصلحين عشيرة ... ولا ناعب الا ببين غرابها )
قال الهيثم عن الضحاك بن رمل بينا معاوية بن مروان واقف بدمشق ينتظر عبد الملك على باب طحان وحمار له يدور بالرحى في عنقه جلجل اذ قال للطحان لم جعلت في عنق هذا الحمار هذا الجلجل قال ربما أدركتني سآمة او نعسة فاذا لم أسمع صوت الجلجل علمت انه قد قام فصحت به قال معاوية أفرأيت ان قام ثم قال برأسه هكذا هكذا وجعل يحرك رأسه يمنة ويسرة

(1/342)


ومايدريك انت انه قائم قال الطحان ومن لي بحمار بعقل مثل عقل الامير
ومعاوية بن مروان هذا هو الذي قال لأبي امرأته ملأتنا ابنتك البارحة بالدم قال انها من نسوة يخبئن ذلك لأزواجهن
وصعد يوسف بن عمر المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال قد قتل الله زيدا ونصر بن سيار يريد نصر بن خزيمة
وقال علي الاسواري عمر بن الخطاب معلق بشعرة قلت وما صيره الى ذلك قال لما صنع بنصر بن سيار يريد نصر بن الحجاج بن علاط
وقالوا أحب الرشيد ان ينظر الى أبي شعيب القلال كيف يعمل القلال فادخلوه القصر وأتوه بكل ما يحتاج اليه من آلة العمل فبينا هو يعمل اذا هو بالرشيد قائم فوق رأسه فلما رآه نهض قائما فقال له الرشيد دونك ما دعيت له فاني لم اتك لتقوم إلي وانما أتيتك لتعمل بين يدي قال وأنا لم آتك ليسوء أدبي وإنما أتيتك لازداد بك في كثرة صوابي فقال له الرشيد إنما تعرضت لي حين كسدت سوقك قال ابو شعيب يا سيد الناس وما كساد عملي في جلال وجهك فضحك الرشيد حتى غطى وجهه ثم قال والله ما رأيت أنطق منه اولا ولا أعيا منه آخرا ينبغي لهذا ان يكون أعقل الناس أو أجن الناس
قال عبد الله بن شداد أرى داعي الموت لا يقلع وأرى من مضى لا يرجع ومن بقي فاليه ينزغ ولا نزهدن في معروف فان الدهر ذو صروف فكم من راغب قد كان مرغوبا اليه وطالب قد كان مطلوبا اليه والزمان ذو ألوان ومن يصحب الزمان ير الهوان
وقال الفرج بن فضاله عن يحيى بن سعيد عن محمد بن علي عن أبيه عن جده عن النبي ( اذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء اذا أكلوا الاموال دولا واتخذوا الامانة مغنما والزكاة مغرما وأطاع الرجل زوجته وعق أمه وبر صديقه وجفا أباه وارتفعت الاصوات في المساجد وأكرم الرجل مخافة شره وكان زعيم القوم أرذلهم واذا لبس الحرير وشربت الخمور واتخذت القيان والمعازف ولعن اخر هذه الامه أولها فليرتقبوا بعد ذلك ثلاث خصال ريحا حمراء ومسخا وخسفا )

(1/343)


قال الهيثم أخبرنا الكلبي قال كانت قريش تعد أهل الجزالة في الرأي العباس بن عبد المطلب وأبا سفيان وابنيهما وأمية بن خلف
قال وقال ابن عباس لم يكن في العرب أمرد ولا أشيب أشد عقلا من السائب بن الاقرع
قال حدثني الشعبي ان السائب شهد فتح مهرجان قذق ودخل منزل الهرمزان وفي داره ألف بيت فطاف فيه فاذا ظبي من جص في بيت منها ماد يده فقال أقسم بالله انه يشير الى شيء انظروا فنظروا فاستخرجوا سفط كنز الهرمزان فاذ فيه ياقوت وزبرجد فكتب فيه السائب الى عمر وأخذ منه فصا أخضر وكتب الى عمر ان رأى أمير المؤمنين ان يهبه لي فليفعل فلما عرض عمر السفط على الهرمزان قال فأين الفص الصغير قال عمر سألنيه صاحبنا فوهبته له فقال ان صاحبك بالجوهر لعالم
أخبرنا مجالد عن الشعبي قال قال السائب لجميل بن بصبهري أخبرني عن مكان من القرية لا يخرب حتى اقتطع ذلك المكان قال ما بين الماء الى دار الامارة قال فاختط لثقيف في ذلك الموضع قال الهيثم بت عندهم ليلة فاذا ليلهم مثل النهار
قال أبو الحسن قال عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بن المغيرة لمعاوية اما والله لو كنا على السواء بمكة لعلمت قال معاوية اذا كنت أكون معاوية بن أبي سفيان منزلي الأبطح ينشق عني سيله وكنت انت عبد الرحمن بن خالد منزلك أجياد أعلاه مدرة وأسفله عذرة
وقال سهيل بن عمرو أشبه أمرا بعض بزه فصار مثلا وقال محرز بن علقمة
( لقد وارى المقابر من شريك ... كثير تحلم وقليل عاب )
( صموتا في المجالس غير عي ... جديرا حين ينطق بالصواب )
وقال ابن الرقاع
( أمم تداخلت الحتوف عليهم ... أبوابهم فكشفن كل غطاء )
( فاذا الذي في حصنه متحرز ... منهم كآخر مصحر بفضاء )
( والمرء يورث مجده أبناءه ... ويموت آخر وهو في الاحياء )

(1/344)


( والقوم أشباه وبين حلومهم ... بون كذاك تفاضل الاشياء )
وقال بعضهم
( بيضاء ناصعة البياض كأنها ... قمر توسط نصف ليل مبرد )
( موسومة بالحسن ذات حواسد ... ان الحسان مظنة للحسد )
( وترى مآقيها تقلب مقلة ... حوراء ترغب عن سواد الإثمد )
وقال الآخر
( خود اذا كثر الحديث تعوذت ... بحمى الحياء وان تكلم تقصد )
وقال
( لسانك خير وحده من قبيله ... وما عد بعد في الفتى انت فاعله )
( سوى طبع الاخلاق والفحش والخنا ... أبت ذاكم أخلاقه وشمائله )
وقال الآخر
( علىامرىء هد عرش الحي مصرعه ... كأنه من ذوي الاحلام من عاد )
وقال النابغة
( أحلام عاد وأجسام مطهرة ... من المعقة والافات والاثم )
وقالت الخنساء
( خطاب معضلة فراج مظلمة ... ان جاء مفظعة هيا لها بابا )
وعد الاصمعي خصال معد فقال
( كانوا أديما ماعزا شاته ... أخلص فيه القرظ الآهب )
( او مرقيء عرق دم مفرج ... او سائل في لزبة زاعب )
( او ذمة يوفي بها عاقد ... او عقدة يحكمها آرب )
( اوحائط من غير لا نعمة ... او رحم مت بها جانب )
( او خطبة بزلاء مفصولة ... يرضة بها الشاهد والغائب )
وقال ابن نوفل يهجو
( وأنت كساقط بين الحشايا ... يصير الى الخبيث من المصير )
( ومثل نعامة تدعى بعيرا ... تعاظمها اذا ما قيل طيري )
( وان قيل احملي قالت فاني ... من الطير المربة بالوكور )
( وكنت لدى المغيرة عير سوء ... تبول من المخافة للزئير )

(1/345)


( لأعلاج ثمانية وشيخ ... كبير السن ذي بصر ضرير )
( تقول لما أصابك أطعموني ... شرابا ثم بلت على السرير )
وقال عبد يغوث
( ألا لا تلوماني كفى اللوم ما بيا ... فما لكما في اللوم خير ولا ليا )
( ألم تعلما ان الملامة نفعها ... قليل وما لومي أخي من شماليا )
( فيا راكبا اما عرضت فبلغن ... نداماي من نجران ان لا تلاقيا )
( أبا كرب والأيهمين كليهما ... وقيسا بأعلى حضرموت اليمانيا )
( جزى الله قومي بالكلاب ملامة ... صريحهم والاخرين المواليا )
( أقول وقد شدوا لساني بنسعة ... أمعشر تيم أطلقوا عن لسانيا )
( وتضحك مني شيخة عبشمية ... كأن لم تر قبلي أسيرا يمانيا )
قال ابو عثمان وليس في الارض أعجب من طرفة بن العبد وعبد يغوث وذلك انا ان لسنا جودة أشعارهما في وقت إحاطة الموت بهما لم تكن دون سائر أشعارهما في حال الامن والرفاهية
قال ابوعبيدة حدثني ابو عبد الله الفزاري عن مالك بن دينار قال ما رأيت احدا أبين من الحجاج ان كان ليرقى المنبر فيذكر إحسانه الى أهل العراق وصفحه عنهم وإساءتهم اليه حتى أقول في نفسي اني لأحسبه صادقا واني لأظنهم ظالمين له
قال وكانت العرب تخطب على رواحلها وكذلك روى النبي عن قس بن ساعدة قال أخبرني عبد الرحمن بن مهدي عن مالك بن أنس قال الوقوف على ظهور الدواب بعرفة سنة والقيام على الاقدام رخصة وجاء في الاثر لا تجعلوا ظهور دوابكم مجالس
ووقف الهيثم بن مطهر الفأفاء على ظهر دابته على باب الخيزران ان ينتظر بعض من يخرج من عندها فلما طال وقوفه بعث اليه عمر الكلواذي فقال انزل عن ظهر دابتك فلم يرد عليه شيئا فكرر الرسول اليه فقال إني رجل أعرج وان خرج صاحبي من عند الخيزران في موكبه خفت ان لا أدركه فبعث اليه ان لم تنزل أنزلناك فبعث اليه قال هو حبيس في سبيل الله ان أنزلتني عنه ان أقضمته شهرا فانظر أيهما خير له أراحة ساعة او جوع شهر قالوا له

(1/346)


هذا الهيثم بن مطهر قال هذا شيطان
وقال ابو علقمة النحوي يا آسي اني رجعت الىالمنزل انا سنق لقس فأتيت لشنشنة من لوية ولكيك وقطيع أقرن قد غدرن هناك من سمن ورقاق سر شصان وسقيط عطعط ثم تناولت عليها كأسا فقال له الطبيب خذ خرفقا وسفلقا وجرفقا فقال ويلك أي شيء هذا قال واي شيء ما قلت
وقال الزبرقان أحب صبياننا الينا العريض الورك السبط الغرة الطويل الغرلة الأبلة العقول وأبغض صبياننا إلينا الأقيعس الذكر الذي كأنما ينظر من جحر واذا سأله القوم عن ابيه هر في وجوههم
قال الهيثم قال الاشعث اذا كان الغلام سائل الغرة طويل الغرلة ملتاث الازرة كأن به لوثة فما يشك في سؤدده
قال ابو المخش كان المخش أشدق خرطمانيا سائلا لعابه كأنما ينظر من قلتين كأن ترقوته بوان او خالفة وكأن كاهله كركرة جمل فقأ الله عيني هاتين ان كنت رأيت بعده ولا قبله مثله
وكان زياد حول المنبر وبيوت الاموال والدواوين الى الازد وصلى بهم وخطب في مسجد حدان فقال عمرو بن العرندس
( فأصبح في الحدان يخطب آمنا ... وللأزد عز لا يزال تلاد )
وقال الاعرج
( والقائلين فلا يعاب خطيبهم ... يوم المقامة بالكلام الفاصل )
وقال ابن مفرغ
( ومتى تقم يوم اجتماع عشيرة ... خطباؤنا بين العشيرة تفصل )
وقال
( فيارب خصم قد كفيت دفاعه ... وقومت منه درأه فتنكبا )
وقال آخر
( وحامل ضب ضغن لم يضرني ... بعيد قلبه حلو اللسان )
( ولو أني أشاء نقمت منه ... بشغب من لسان تيحان )
وقال

(1/347)


( عهدت به هندا وهند عزيزة ... عن الفحش بلهاء العشاء نؤوم )
( رواح الضحى ميالة بخترية ... لها منطق يصبى الحليم رخيم )
وقال اخر
( وخصم يركب العوصاء طاط ... على المثلى قصاراه القراع )
( وملموم جوانبها رداح ... تزجى بالرماح لها شعاع )
وقال محلم بن فراس يرثى منصورا وهماما ابني المسجاح
( كم فيهم لو تمتعنا حياتهم ... من فارس يوم روح الحي مقدام )
( ومن فتى يملأ الشيزى مكللة ... شحم السديف ندي الحمد مطعام )
( ومن خطيب غداة الحفل مرتجل ... ثبت المقام أريب غير مقحام )
وقال خالد للقعقاع أنافرك على أينا أطعن بالرماح وأطعم للسجاح وانزل بالبراح قال لا بل على أينا افضل أبا وجدا وعما وقديما وحديثا قال خالد اعطيت يوما من سأل واطعمت حولا من أكل وطعنت فارسا طعنة شككت فخذيه بجنب الفرس قال القعقاع وأخرج نعلين فقال ربع أبي عليهما أربعين مرباعا لم تثكل فيهم تميمة ولدا
كان مالك بن الاخطل التغلبي - وبه كان يكنى - أتى العراق فسمع شعر جرير والفرزدق فلما قدم على أبيه سأله عن شعرهما فقال وجدت جريرا يغرف من بحر ووجدت الفرزدق ينحت من صخر فقال الاخطل الذي يغرف من بحر اشعرهما وقال بعضهم
( وما خير من لا ينفع الأهل عيشه ... وان مات لم يجزع عليه أقاربه )
( كهام على الاقصى كليل لسانه ... وفي بشر الأدنى حداد مخالبه )
وقال العماني
( اذا مشى لكل قرن مقرن ... ثم مشى القرن له كالأرعن )
( بصارم يفري صفيح الجوشن ... مقرطن ذاف الى مقرطن )
( يفضي الى أم الفراغ المكمن ... حيث تقول الهامة اسقني اسقني )
( كم لأبي محمد من موطن ... )
وقال العماني
( ومقول نعم لزاز الخصم ... ألد يشتق لأهل العلم )

(1/348)


( بباطل يدحض حق الخصم ... حتى يصيروا كسحاب اليكم )
وقال عبيد في حديث علي بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه حين رأى فلانا يخطب فقال هذا الخطيب الشحشح قال هو الماهر الماضي قاله الطرماح
( كأن المطايا ليلة الخمس علقت ... بوثابة تنضو الرواسم شحشح )
وقال ذو الرمة
( لدن غدوة حتى اذا امتدت الضحى ... وحث القطين الشحشحان المكلف )
يعني الحادي وكان أسد بن كرز يقال له خطيب الشيطان فلما استعمل ابنه على العراق قيل له خطيب الله فجرت الى اليوم قال ابو السليم الهذلي
( أصخر بن عبد الله ان كنت شاعرا ... فانك لا تهدي القريض لمفحم )
وقال بلعاء بن قيس
( ابيت لنفسي الخسف لما رضوا به ... ووليتهم سمعي وما كان مفحما )
وقال عبد الله بن مصعب وقف معاوية على امرأة من بني كنانة فقال لها هل من قرى قالت نعم قال وما قراك قالت عندي خبز خمير ولبن فطير وماء نمير وقال أحيحة
( والصمت أكرم بالفتى ... ما لم يكن عي يشينه )
( والقول ذو خطل اذا ... ما لم يكن لب يعينه )
وقال ابو ثمامة الضبي
( ومنا حصين كان في كل خطبة ... يقول ألا من ناطق متكلم )
وقال عبيد بن أمية الضبي واستب هو والحارث بن شيبة المجاشعي عند النعمان فقال
( ترى بيوت وترى رماح ... ونعم مزنم سحاح )
( ومنطق ليس له نجاح ... يا قصبا طار به الرياح )
( وأذرعا ليست لها ألواح ... )
وقال قيس بن الخطيم
( وبعض القول ليس له حصاة ... كمخض المرء ليس له إتاء )
وهاذ شبيه بقوله

(1/349)


( كسالى اذا لاقيتهم غير منطق ... يلهى به المتبول وهو عناء )
وقال ابو ثمامة
( أخاصمهم مرة قائما ... وأجثوا اذا ما جثوا للركب )
( اذا منطق قاله صاحبي ... تعقبت آخر ذا معتقب )
وقال الشماخ
( ومرتبة لا يستطاع بها الردى ... تركت بها الشك الذي هو عاجز )
( ويروى ( تلافى بها حلمى عن الجهل حاجز ... )
باب من الكلام المحذوف
ثم نرجع بعد ذلك الى الكلام الاول
قال هيثم عن يونس عن الحسن يرفعه ان المهاجرين قالوا يا رسول الله ان الانصار فضلونا بأنهم آووا ونصروا وفعلوا قال النبي ( اتعرفون ذاك لهم ) قالوا نعم قال ( فان ذاك ) ليس في الحديث غير هذا يريد ان ذاك شكر ومكافأة
قال وكلم رجل من قيس عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى في حاجة وجعل يمت بقرابة فقال عمر وان ذاك ثم ذكر حاجته فقال لعل ذاك لم يزده على ان قال فان ذاك ولعل ذاك فان ذاك كما قلت ولعل حاجتك ان تقضي وقال عبيد الله بن قيس
( بكرت علي عوازلي ... يلحينني وألومهنه )
( وقلن شيب قد علاك ... وقد كبرت فقلت إنه )
وقال الاسدي لعبد الله بن الزبير لاحملت ناقة حملتني اليك قال ابن الزبير إن وراكبها
وروى عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن أبي هاشم القاسم بن كثير عن قيس الخارجي انه سمع عليا يقول سبق رسول الله وصلى أبو بكر وثلث عمر وخبطتنا فتنة فما شاء الله ليس في الحديث أكثر من هذا
ولما كتب ابو عبيدة الى عمر جواب كتاب عمر في أمر الطاعون فقرأ عمر الكتاب استرجع فقال له المسلمون مات ابو عبيدة قال لا وكأن قد
وقال البابغة

(1/350)


( أزف الترحل غير ان ركابنا ... لما تزل برحالنا وكأن قد )
وأنشد ابن الاعرابي
( اذا قيل اعمى قلت ان وربما ... أكون وإني من فتى لبصير )
( اذا أبصر القلب المروءة والتقى ... فان عمى العينين ليس يضير )
( وان العمى أجر وذخر وعصمة ... وإني الى هذي الثلاث فقير )
قال ابن أبي الزناد كنت كاتبا لعمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى وكان يكتب الى عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب في المظالم فيرجعه فكتب اليه
انه ليخيل إلي أني لو كتبت اليك ان تعطي رجلا شاة لكتبت إلي أضأن أم ماعز وان كتبت اليك بأحدهما كتبت إلي اذكر او انثى فان كتبت اليك بأحدهما كتبت إلي صغير ام كبير فاذا اتاك كتابي في مظلمة فلا تراجعني والسلام
وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه اني لأستعين بالرجل الذي فيه ليس في الحديث غير هذا ثم ابتدأ بالكلام فقال ثم اكون على قفائه اذا كان أقوى من المؤمن الضعيف وأراد هو قول الأسدي
( سويد فيه فابغونا سواه ... أبيناه وان بهاه تاج )
لم يقل فيه كذا وفيه كذا وقال الراجز
( بتنا بحسان ومعزاه تئط ... في سمن حم وتمر وأقط )
( حتى اذا كاد الظلام ينكشط ... جاء بمذق هل رأيت الذنب قط )
وقيل للمنتجع بن نبهان او لأبي مهدية ما النضناض فأخرج طرف لسانه وحركه وقيل له ما الدلنظى فزحر وتقاعس وفرج ما بين منكبيه
ومن الكلام كلام يذهب السامع منه الىمعاني أهله والى قصد صاحبه كقول الله تبارك وتعالى ( وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ) وقال ( لا يموت فيها ولا يحيا ) وقال ( ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت )
وسئل المفسر عن قوله ( لهم رزقهم فيها بكرة وعشيا ) فقال ليس فيها بكرة و لا عشي وقال لنبيه ( فان كنت في شك مما نزلنا إليك فاسأل

(1/351)


الذين يقرأون الكتاب من قبلك ) قالوا لم يشك ولم يسأل
وقال عمر رضي الله تعالى عنه في جواب كلام قد تقدم وقول قد سلف منه متعتان كانتا على عهد رسول الله أنا أنهى عنهما وأضرب عليهما وهذا مثل قائل لو قال أتضربنا على الكلام في الصلاة وعلى التطبيق اذا ركعنا فيقول نعم أشد الضرب اذا كان قد تقدم منه إعلامه إياهم بحال الناسخ والمنسوخ
وقد سأل رجل بلالا مولى أبي بكر رضي الله تعلى عنه وقد أقبل من الحلبة فقال له من سبق قال سبق المقربون قال انما أسألك عن الخيل قال وانا أجيبك عن الخير فترك بلال جواب لفظه الىخير هو أنفع له
حدثنا عبد الملك بن شيبان قال حدثني يعقوب بن الفضل الهاشمي قال
كتب ابو جعفر الى سلم يأمره بهدم دور من خرج مع ابراهيم وعقر نخلهم قال فكتب اليه سلم بأي ذلك نبدأ بالدور ام بالنخل فكتب اليه أبو جعفر أما بعد فاني لو كتبت إليك بإفساد ثمرهم لكتبت الي تستأذنني بأيه نبدأ بالبرني ام بالشهريز وعزله وولى محمد بن سليمان
وقال ابن مسعود ان طول الصلاة وقصر الخطبة مئينة من فقه الرجل قال الاصمعي مئينة علامة
وقال عبد الله عليكم بالعلم فان احدكم لا يدري متى يخيل اليه
ولما أقدم عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه عمرو بن العاص من مصر قال له عمر لقد سرت سير عاشق قال عمرو اني والله ما تأبطتني الإماء ولا حملتني البغايا في غبرات المآلي قال له عمر والله ما هذا بجواب الكلام الذي سألتك عنه وان الدجاجة لتفحص في الرماد فتضع لغير الفحل والبيضة منسوبة الى طرقها وقام عمر فدخل وقام عمرو فقال قد أفحش أمير المؤمنين علينا
وجاء في الحديث لا يمنع فضل الماء ليمنع به فضل الكلأ وقال أعرابي اللهم لا تنزلني ماء سوء فأكون امرأ سوء
وقال بلعاء بن قيس

(1/352)


( وكم كان في آل الملوح من فتى ... منادى مفدى حين تبلى سرائره )
( وكم كان في آل الملوح من فتى ... يجيب خطيبا لا يخاف عواثره )
وقال آخر
( ومخاصم قاومت في كبد ... مثل الرهان فصار لي العذر )
وقال آخر
( وجه قبيح ولسان أبكم ... ومشفر لا يتوارى أضجم )
ولما رأى الفرزدق درست بن رباط الفقيمي على المنبر وكان أسود دميما قصيرا قال
( بكى المنبر الشرقي اذ قام فوقه ... أمير فقيمي قصير الدوارج )
( وقال بكى المنبر الشرقي والناس اذ رأوا ... عليه فقيميا قصير القوائم )
وانما كان يعادي بني فقيم لأنهم قتلوا اباه غالبا
قال ابو عبيدة قال رجل ليونس بن حبيب اذا أخذتم في مذاكرة الحديث وقع علي النعاس قال فاعلم انك حمار في مسلاخ انسان
ودخل عبد الله بن خازم على عبيد الله بن زياد - وهو يخطر في مشيته - فقال للمنذر بن الجارود حركه فقال يا ابن خازم انك لتجر ثوبك كما تجر المرأة البغي ذيلها قال أما والله اني مع ذلك لأنفذ بالسرية وأضرب هامة البطل المشيح ولو كنت وراء هذا الحائط لوضعت اكثرك شعرا وقد كان قبض عطاءه فصبه بين أيديهم ثم قال لعنك الله من دراهم والله ما تقومين بمؤونة خيلنا
وقال علي بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه خذ الحكمة أنى أتتك فان الحكمة تكون في صدر المنافق فتلجلج في صدره حتى تخرج فتسكن الى صاحبها
وقال عمرو بن العاص لأهل الشام يوم صفين أقيموا صفوفكم مثل قص الشارب وأعيرونا جماجمكم ساعة من النهار فقد بلغ الحق مقطعه فوانما هو ظالم او مظلوم
وقال علي بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه يومئذ عضوا على النواجذ من

(1/353)


الاضراس فانه أنبا للسيوف عن الهام
وقال رجل طد رجلك اذا اعتقبت بالسيف والعصا وانت مخير في رفعها ساعة المسالمة والموادعة ولما أقاموا ابن قميئة بين العقابين قال له أبوه طد رجليك الارض وأصر إصرار الفرس واذكر أحاديث غد وإياك وذكر الله في هذا الموضع فانه من الفشل
وقيل للحجاج من أخطب الناس قال صاحب العمامة السوداء بين أخصاص البصرة يعني الحسن
وقال الاحنف قال عمر تفقهوا قبل ان تسودوا وقال عمر أحذر من فلتات الشباب كل ما أورثك البز وأعلقك اللقب فانه ان يعظم بعدها شأنك يشتد على ذلك ندمك
كلام لعمر بن الخطاب
ولما بنى عتبة بن غزوان وأصحابه بالبصرة بناء اللبن كتب اليهم عمر قد كنت اكره لكم ذلك فان فعلتم ما فعلتم فعرضوا الحيطان وارفعوا السمك وقاربوا بين الخشب ولما بلغه أنهم قد اتخذوا الضياع وعمروا الأرضين كتب اليهم لا تنهكوا وجه الارض فان شحمتها فيه وقال عمر بع الحيوان أحسن ما يكون في عينك وقال فرقوا بين المنايا واجعلو الرأس رأسين وقال أملكوا العجين فانه احد الريعين وقال اذا اشتريت بعيرا فاجعله ضخما فان أخطأك خبر لم يخطئك سوق وقال عمر العمائم تيجان العرب وقال نعم المستند الاحتماء
وقال رسول الله الناس كالابل ترى المائة لا تجد فيها راحلة
وأنشدوا
( وكأن من زهر الخزامى والندى ... والأقحوان عليه ريطة برنس )
( واذا ترنم حوله ذبانه ... أصغى تسمع خائف متوجس )
( خرجت عليه من الضراء دواجن ... تحتث نحو ملاذوان أشوس )
( يسعى يمثل والصفير كلامه ... وتحي يداه لهن وحي الأخرس )
وقال الراعي
( ئذ خالد لا تنبذنا فصاحة ... كوحي الصفا خطت لكم في فؤاديا )

(1/354)


وقال الشاعر
( رب طرف مصرح ... عن ضمير بما هجس )
وقال آخر
( بلحن القول والطرف الفصيح ... )
وقال المثقب العبدي في استماع الثور وتوجسه وجمع باله اذا أحس بشيء من أسباب القانص وذكر ناقة
( كأنها أسفع ذو جدة ... يضمه القفر وليل سدي )
( كأنما ينظر من برقع ... من تحت روق سكب مذود )
( تصيخ للنبأة اسماعه ... إصاخة الناشد للمنشد )
( ويوجس السمع لنكرائه ... من خشية القانص والمؤسد )
وقال بعض العبيد شعرا يقع في ذكر الخطباء وفي ذكر اشداقهم وتشادقهم
( أغرك مني ان مولاي مزيدا ... سريع الى داعي الطعام سروط )
( غلام أتاه الذل من نحو شدقه ... له نسب في الواغلين بسيط )
( له نحو دور الكاس إما دعوته ... لسان كذلق الزاعبي سليط )
قال الاول ( ... إن سليطا كاسمه سليط ... )
وقال بعض العبيد وقد كان مفتوق اللهاة وشاعرا
( أشدق يفري حين لا أحد يفري ... )
وقال مؤرق العبد يتوعد مولاه
( لولا عجوز قحمة ودردق ... وصاحب جم الحديث مونق )
( كيف الفوات والطلوب مورق ... شيخ مغيظ وسنان يبرق )
( وحنجر رحب وصوت مصلق ... وشدق ضرغام وناب مخرق )
وسأل رجل عمر بن عبد العزيز عن الجمل وصفين فقال تلك دماء كف الله يدي عنه فلا أحب ان اغمس لساني فيها
ويقع على باب التطبيق قول الشاعر
( لأنتم ببيع اللحم أعلم منكم ... بضرب السيوف المرهفات القواطع )
وقال عمرو بن هداب انما كنا نعرف سؤدد مسلم بن قتيبة انه كان يركب وحده ويرجع في خمسين
وقال الاصمعي دخل حبيب بن شؤذب الأسدي على جعفر بن سليمان

(1/355)


بالمدينة فقال أصلح الله الامير حبيب بن شوذب واد الصدر جميل الذكر يكره الزيارة المملة والعقدة المنسية وفي الحديث زرغبا تزدد حبا
وقال بعضهم عن الثوري عن محمد بن عجلان عن عياض بن عبد الله قال ان الدين مجمع لكل هم هم بالليل وذل بالنهار وراية الله في ارضه فاذا اراد الله ان يذل عبدا جعله طوقا في عنقه
قال عمر بن ذر الحمد لله الذي جعلنا من أمة تغفر لهم السيئات ولا تقبل من غيرهم الحسنات
قال ابن ابي زياد كنا لا نكتب إلا سنة وكان الزهري يكتب كل شيء فلما احتيج اليه عرف انه اوعى الناس
قال فيروز بن حصين اذا اراد الله ان يزيل عن عبده نعمة كان اول ما يغير منه عقله
وقيل لمحمد بن كعب القرظي ما علامة الخذلان قال ان يستقبح الرجل ما كان عنده حسنا ويستحسن ماكان عنده قبيحا
وقال محمد بن حفص كن الى الاستماع أسرع منك الى القول ومن خطأ القول أشد حذرا من خطأ السكوت
وقال الحسن اذا جالست العلماء فكن على ان تسمع احرص منك علىان تقول وتعلم حسن الاستماع كما تتعلم حسن القول ولا تقطع على احد حديثه
قال سفيان بن عيينة كان يقال العالم مثل السراج من مر به اقتبس منه
وقال الشاعر أبودهمان الغلابي
( لئن مصر فاتتني بماكنت أرتجي ... وأخلفني منها الذي كنت آمل )
( فما كل ما يخشى الفتى بمصيبه ... وما كل ما يرجو الفتى هو نائل )
( فما كان بيني لو لقيتك سالما ... وبين الغنى الا ليال قلائل )
وقال الآخر
( وان كلام المرء في غير كنهه ... لكالنبل تهوى ليس فيها نصالها )
وقال كعب الأحبار قرأت في بعض ما أنزل الله على انبيائه عليهم السلام الهدية تفقأ عين الحكيم وتسفه عقل الحليم زحم رجل سالم بن عبد الله فزحم سالم الذي يليه فقال له يا شيخ ما أحسبك الا شيخ سوء قال سالم ما

(1/356)


أحسبك أبعدت
وسأل رجل محمد بن عمير بن عطارد وعتاب بن ورقاء في عشر ديات فقال محمد علي دية فقال عتاب الباقي علي فقال محمد نعم العون اليسار على المروءة
وقال الاحنف
( فلو مد سروي بمال كثير ... لجدت وكنت به باذلا )
( فان المروءة لا تستطاع ... اذالم يكن مالها فاضلا )
وقال يزيد بن حجية حين بلغه أن زياد بن خصفة تبعه ولم يلحق به
( أبلغ زيادا أنني قد كفيته ... أموري وخليت الذي هوغالبه )
( وباب شديد داؤه قد فتحته ... عليك وقد أعيت عليك مذاهبة )
( هبلت فما ترجو غناي ومشهدي ... اذاكان يوم لا توارى كواكبه )
قال آخر ( ومنطق حرق بالعواسل ... )
وتجردت حضرمية لزوجها ثم قالت هل ترى في خلق الرحمن من تفاوت قال أرى فطورا وقال اخر راودت امرأة شيخا واستهدفت له وابطأ عليه الانتشار فلامته فقال لها انك تفتحين بيتا وأنا أنشر ميتا
كتاب عمر بن الخطاب الى أبي موسى الاشعري
روى علي بن محمد عن عمر بن مجاشع ان عمر رضي الله تعالى عنه كتب الى أبي موسى الاشعري
أما بعد فأن للناس نفرة عن سلطانهم فأعوذ بالله ان تدركني وإياك عمياء مجهولة وضغائن محمولة واهواء متبعة ودنيا مؤثرة فأقم الحدود ولو ساعة من نهار واذا عرض لك أمران احدهما لله والآخر للدنيا فآثر نصيبك من الاخرة على نصيبك من الدنيا فان الدنيا تنفد والاخرة تبقى وكن من خشية الله على وجل وأخف الفساق واجعلهم يدا يدا ورجلا رجلا واذا كانت بين القبائل نائرة وتداعوا يا ال فلان فانما تملك نجوى الشيطان فاضربهم بالسيف حتى يفيئوا الى أمر الله وتكون دعواهم الى الله والى الامام وقد بلغ أمير المؤمنين ان ضبة تدعو يا آل ضبة وإني والله ما أعلم ان ضبة ساق الله بها خيرا قط ولا منع بها سوءا قط فاذا جاءك كتابي هذا فأنهكهم

(1/357)


عقوبة حتى يفرقوا ان لم يفقهوا وألصق بغيلان بن خرشة من بينهم وعد مرضى المسلمين واشهد جنائزهم وافتح بابك وباشر أمرهم بنفسك أنت امرؤ منهم غير ان الله جعلك أثقلهم حملا وقد بلغ امير المؤمنين أنه فشا لك ولاهل بيتك هيئة في لباسك ومطعمك ومركبك ليس للمسلمين مثلها فإياك يا عبد الله ان تكون بمنزلة البهيمة التي مرت بواد خصيب فلم يكن لها همة الا السمن وانما حتفها في السمن واعلم ان للعامل مردا الى الله فاذا زاغ العامل زاغت رعيته وان اشقى الناس من شقيت به رعيته والسلام
قال عوانة قدم علينا اعرابي من كلب وكان يحدثنا الحديث فلا يكاد يقطعه فقال له رجل أما لحديثك هذا آخر فقال اذا عجز وصلناه
وقال معاوية ليونس الثقفي اتق ان اطير بك طيرة بطيئا وفوعها قال أليس لي ولك المرجع بعد الى الله قال بلى فأستغفر الله
قال رقبة بن مصقلة ما سمعت عمر بن ذر يتكلم الا ذكرت النفخ في الصور وما سمعت احدا يحكيه الا تمنيت ان يجلد ثمانين قال وتكلم عمر ابن ذر فصاح بعض الزفانين صيحة فلطمه رجل قال عمر بن ذر ما رأيت ظلما قط أوفق لي من هذا وقال طاووس كنت عند محمد بن يوسف فأبلغه رجل من بعض أعدائه كلاما فقال رجل من القوم سبحان الله فقال طاووس ما ظننت ان قول سبحان الله معصية لله حتى كان اليوم كأنه عنده إنما سبح ليظهر استعظام الذي كان من الرجل ليوقع به
وقال الآخر
( لو كان عدواك البطيء المسهم ... اذا بدا منك الذي لا يكتم )
( وجه قبيح ولسان أبكم ... ومشفر لا يتوارى أضجم )
وقال الآخر
( يقعر القول لكيما تحسبه ... من الرجال الفصحاء المعربه )
( وهو اذا نسبته من كربه ... من نخلة نابتة في خربة )
قالت امراة الحطيئة للحطيئة حين تحول عن بني رياح الى بني كليب بئس ما استبدلت من بني رياح بعر الكبش لأنهم متفرقون وكذلك بعر الكبش يقع متفرقا

(1/358)


كلام لعائشة ام المؤمنين في قتل عثمان
روى علي بن محمد عن مسلمة بن محارب عن داود بن أبي حرب بن أبي الاسود عن ابيه أنه قال بعثني وعمران بن حصين عثمان بن حنيف الىعائشة رضي الله تعالى عنها فقلنا يا أم المؤمنين أخبرينا عن مسيرك هذا أعهد عهده اليك رسول الله ام رأي رأيته قالت بل رأي رأيته حين قتل عثمان إنا نقمنا عليه ضربة بالسوط وموقع السحابة الممحاة وإمرة سعيد والوليد فعدوتم عليه فاستحللتم منه الحرم الثلاث حرمة البلد وحرمة الخلافة وحرمة الشهر الحرام بعد ان مصناه كما يماص الإناء فاستنقى فركبتم منه هذه ظالمين فغضبنا لكم من سوط عثمان ولا نغضب لعثمان من سيفكم قلت فما أنت وسيفنا وسوط عثمان وانت حبيس رسول الله أمرك ان تقري في بيتك فجئت تضربين الناس بعضهم ببعض قالت وهل احد يقاتلني او تقول غير هذا قلنا نعم قالت ومن يفعل ذلك أزنيم بني عامر ثم قالت هل انت مبلغ عني يا عمران قال لا لست مبلغا عنك خيرا ولا شرا فقلت لكني مبلغ عنك فهاتي ما شئت قالت اللهم اقتل مذمما تعني محمد بن ابي بكر قصاصا بعثمان وارم الأشتر بسهم من سهامك لا يشوى وأرد عمارا بحفرته في عثمان
بين زياد والحكم بن عمرو
حدثنا يزيد بن هرون قال أخبرنا هشام بن حسان عن الحسن ان زيادا بعث الحكم بن عمرو على خراسان فأصاب مغنما فكتب اليه زياد ان امير المؤمنين معاوية كتب إلي يأمرني ان اصطفي له كل صفراء وبيضاء فاذا أتاك كتابي هذا فانظر ماكان من ذهب وفضة فلا تقسمه واقسم ما سوى ذلك فكتب اليه الحكم اني وجدت كتاب الله قبل كتاب أمير المؤمنين ووالله لو ان السموات والارض كانتا رتقا على عبد فاتقى الله تعالى لجعل الله له منها مخرجا والسلام
ثم أمر المنادي فنادى في الناس ان اغدوا على غنائمكم فغدوا فقسمها بينهم
وقال خالد بن صفوان ما رأينا ارضا مثل الأبلة أقرب مسافة ولا

(1/359)


أطيب نطفة ولا أوطأ مطية ولا أربح لتاجر ولا أخفى لعابد
كلام بعض الاعراب
قال الكسائي لقيت أعرابيا فجعلت أسأله عن الحرف بعد الحرف والشيء بعد الشيء أقرنه بغيره فقال تالله ما رأيت رجلا أقدر على كلمة الى جنب كلمة منها اشبه شيء بها وأبعد شيء منها منك ووصف أعرابي رجلا فقال ذاك والله ممن ينفع سلمه ويتواصف حلمه ولا يستمرأ ظلمه وقال آخر لخصمه لئن هملجت الى الباطل انك لقطوف الىالحق
ورأى رقبة بن مصقلة العبدي جارية عند العطار فقال له ما تصنع هذه عندك قال أكيل لها حناء قال أظنك والله تكيل لها كيلا لا يأجرك الله عليه
كلام عمرو بن العاص لعبد الله بن عباس
قال محمد بن سعيد عن ابراهيم بن خويطب قال عمرو بن العاص لعبد الله ابن عباس ان هذا الامر الذي نحن وأنتم فيه ليس بأول امر قاده البلاء وقد بلغ الامر بنا وبكم ما نرى وما أبقت لنا هذه الحرب حياء ولا صبرا ولسنا نقول ليت الحرب عادت ولكننا نقول ليتها لم تكن كانت فانظر فيما بقي بغير ما مضى فانك رأس هذا الامر بعد علي وانما هو امير مطاع ومأمور مطيع ومشاور مأمون وانت هو
وقال عيسى بن طلحة لعروة بن الزبير حين ابتلي برجله فقطعها يا أبا عبد الله ذهب أهونك علينا وبقي اكثرك لنا
قال ابوالحسن خطب الحجاج يوم جمعة فأطال الخطبة فقال رجل ان الوقت لا ينتظرك والرب لا يعذرك فحبسه فأتاه أهل الرجل وكلموه فيه وقالوا انه مجنون فقال ان أقر بالجنون خليت سبيله فقيل له أقر بالجنون قال لا والله لا أزعم ابتلاني وقد عافاني
وصف الابل
قالت ام هاشم السلولية ما ذكر الناس مذكورا خيرا من الإبل أحناه على احد بخير ان حملت أثقلت وان مشت أبعدت وان نحرت أشبعت وان حلبت أروت

(1/360)


كتاب الحسن بن علي الى زياد ورد زياد عليه
حدثني سليمان بن أحمد الخرشي قال حدثني عبدالله بن محمد بن حبيب قال طلب زياد رجلا كان في الأمان الذي سأله الحسن بن علي لأصحابه فكتب فيه الحسن رضي الله تعالى عنه الى زياد
من الحسن بن علي الى زياد اما بعد فقد علمت ما كنا أخذنا لأصحابنا وقد ذكر لي فلان أنك عرضت له فأحب ان لا تعرض له الا بخير
فلما أتاه الكتاب ولم ينسب الحسن الى ابي سفيان غضب فكتب
من زياد بن ابي سفيان الى الحسن اما بعد أتاني كتابك في فاسق يؤويه الفساق من شيعتك وشيعة أبيك وأيم الله لأطلبنهم ولو بين جلدك ولحمك وان أحب لحم إلي آكله للحم انت منه
كتاب معاوية الى زياد
فلما وصل الكتاب الحسن وجه به الى معاوية فلما قرأه معاوية غضب وكتب
من معاوية بن أبي سفيان الى زياد بن ابي سفيان اما بعد فان لك رأيين رأيا من ابي سفيان ورأيا من سمية فأما رأيك من أبي سفيان فحلم وحزم وأما رأيك من سمية فكما يكون رأي مثلها وقدكتب إلي الحسن بن علي انك عرضت لصاحبه فلا تعرض له فاني لم أجعل لك اليه سبيلا وان الحسن ابن علي ممن لا يرمي به الرجوان والعجب من كتابك اليه لا تنسبه الى أبيه أفإلى أمه وكلته وهو ابن فاطمة بنت محمد فالآن حين اخترت له والسلام
خطبة مصعب بن الزبير
قدم مصعب بن الزبير العراق فصعد المنبر ثم قال
بسم الله الرحمن الرحيم ( طسم تلك آيات الكتاب المبين نتلو عليك من نبإ موسى و فرعون بالحق لقوم يؤمنون ان فرعون علا في الارض وجعل اهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح ابناءهم ويستحيي نساءهم انه كان من المفسدين ) وأشار بيده نحو الشام ( ونريد ان نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ) وأشار بيده نحو الحجاز ( ونمكن لهم في الارض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون )

(1/361)


وأشار بيده نحو العراق
وكتب محمد بن كعب القرظي فقيل له والانصاري قال أكره ان أمن على الله بما لم أفعل
عمرو بن العاص وعبد الله بن عباس
وقام عمرو بن العاص بالموسم فأطرى معاوية وبني أمية وتناول بني هاشم ثم ذكر مشاهده بصفين فقال ابن عباس يا عمرو انك بعت دينك من معاوية فأعطيته ما في يدك ومناك ما في يد غيره فكان الذي أخذ منك فوق الذي أعطاك وكان الذي أخذت منه دون ما أعطيته وكل راض بما أخذوا أعطى فلما صارت مصر في يدك تتبعك فيها بالعزل والتنقص حتى لو ان نفسك فيها لألقيتها اليه وذكرت مشاهدك بصفين فما ثقلت علينا يومئذ وطأتك ولا نكأتنا فيها حربك وان كنت فيها لطويل اللسان قصير السنان آخر الحرب اذا أقبلت وأولها اذا أدبرت لك يدان يد لا تبسطها الى خير ويد لا تقبضها عن شر ووجهان وجه مؤنس ووجه موحش ولعمري ان من باع دينه بدنيا غيره لحري ان يطول حزنه على ما باع واشترى لك بيان وفيك خطل ولك رأي وفيك نكد ولك قدر وفيك حسد فأصغر عيب فيك أعظم عيب في غيرك فقال عمرو اما والله ما في قريش أحد أثقل وطأة علي منك ولا لأحد من قريش قدر عندي مثل قدرك
كلام عمرو بن عتبة
وراى عمرو بن عتبة بن أبي سفيان رجلا يشتم رجلا وآخر يسمع منه فقال للمستمع نزه سمعك عن استماع الخنا كما تنزه لسانك عن الكلام به فان السامع شريك القائل وانما نظر الىشر ما في وعائه فأفرغه في وعائك ولو ردت كلمة جاهل في فيه لسعد رادها كما شقي قائلها
خصمان عند زياد
قال عوانة اختصم الى زياد رجلان في حق كان لأحدهما على الآخر فقال المدعي أيها الامير انه لبسطوا علي بخاصة ذكر أنها له منك فقال زياد صدق وسأخبرك بمنفعتها له ان يكن الحق له عليك أخذتك به وان يكن لك عليه حكمت عليه ثم قضيت عنه

(1/362)


تابين عائشة لابي بكر الصديق
ولما توفي ابو بكر رضي الله تعالى عنه قامت عائشة رضي الله تعالى عنها على قبره فقالت نضر الله وجهك وشكر لك صالح سعيك فلقد كنت للدنيا مذلا بإدبارك عنها وللآخرة معزا بإقبالك عليها وان كان لأجل الأرزاء بعد رسول الله رزؤك وأكبر المصائب فقدك وان كتاب الله ليعد بجميل العزاء فيك حسن العوض منك فأنتجز من الله موعده فيك بالصبر عنك وأستخلصه بالاستغفار لك
تأبين الاحنف بن قيس
وقامت فرغانة بنت أوس بن حجر على قبر الأحنف بن قيس وهي على راحلة فقالت إنا لله وإنا اليه راجعون رحمك الله أبا بحر من مجن في جنن ومدرج في كفن فوالذي ابتلاني بفقدك وبلغنا يوم موتك لقد عشت حميدا ومت فقيدا ولقد كنت عظيم الحلم فاضل السلم رفيع العماد واري الزناد منيع الحريم سليم الاديم وان كنت في المحافل لشريفا وعلى الارامل لعطوفا ومن الناس لقريبا وفيهم لغريبا وان كنت لمسودا والى الخلفاء لموفدا وان كانوا لقولك لمستمعين ولرأيك لمتبعين ثم انصرفت
وصف عمرو بن العاص لمعاوية
قال ابو الحسن قال عمرو بن العاص ما رأيت معاوية قط متكئا على يساره واضعا احدى رجليه علىالاخرى كاسرا أحدى عينيه يقول للذي يكلمه يا هناه إلا رحمت الذي يكلمه
كلام لعمر بن الخطاب
وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كونوا أوعية الكتاب وينابيع العلم وسلو الله رزق يوم بيوم ولا يضيركم ان لا يكثر لكم
بين معاوية وعائشة
وكتب معاوية الى عائشة ان اكتبي الي بشيء سمعته من أبي القاسم فكتبت اليه سمعت ابا القاسم يقول من عمل بما يسخط الله عاد حامده من الناس له ذاما

(1/363)


وصية عالم لابنه
أوصى بعض العلماء ابنه فقال أوصيك بتقوى الله وليسعك بيتك واملك عليك لسانك وابك على خطيئتك
فضل الشورى
قال بكر بن أبي بكر القرشي قال اعرابي ما غبنت قط حتى يغبن قومي قيل وكيف ذلك قال لا أفعل شيئا حتى أشاورهم قيل لرجل من عبس ما اكثر صوابكم قال نحن ألف رجل وفينا حازم ونحن نطيعه فكأننا ألف حازم
الحجاج اول مجر لنوع من السفن وأول صانع للمحامل
قال ابو الحسن أول من اجرى في البحر السفن المقيرة المسمرة غير المخرزة والمدهونة وغير ذوات الجآجىء وكان أول من عمل المحامل الحجاج قال بعض رجاز الاكرياء
( اول عبد عمل المحاملا ... أخزاه ربي عاجلا وآجلا )
وقال آخر
( شيب اصداغي وهن بيض ... محامل لقدها نقيض )
كلام بعض الاعراب
قال الاصمعي سمعت اعرابيا يقول لوتنحل رجل أخا شقيقا لم يأمن ان يبدو منه ما يبدو من الثوب ذي الخرق فرحم الله رجلا أغضى على الاقذاء واستمتع بالظاهر وقال الاصمعي سمعت بعض الاعراب يقول من ولد الخير أنتج له فراخا تطير بالسرور ومن ولد الشر أنبت له نباتا مرا مذاقه قضبانه الغيظ وثمره الندم وأنشد النضر بن شميل
( يحب بقائي المشفقون ومدتي ... الى اجل لو يعلمون قريب )
( وما أربي في أرذل العمر بعدما ... لبثت شبابي قبله ومشيبي )
وانشد ابن الأعرابي
( يا ابن الزبير جزاك الله لائمة ... هلا انتهيتم وفي الأقوال تعتيب )
( تنزو لتدرك من كعب غطارفة ... لاتستوي بسرة العرجون والطيب )
( كما ترى فرخ عش لا حراك به ... وفوقه من نسال الريش تزغيب )

(1/364)


( ما فيكم قد علمنا من محافظة ... يوم الحفاظ ولا خيرا لمنكوب )
( وأنتم تحت أرواق البيوت اذا ... هبت شآمية درن طحاريب )
( أنتم مناخ الخنا قبحا لخلتكم ... فكلكم يابني البلقاء مقشوب )
( في ذمتي ان تضجوا من مصادمتي ... كما تضج من الحر الجناديب )
( ما بين أدبس نتاج له دفر ... ومقصد القلب ذي ستين معصوب )
( خالي سماعة فاعلم لا خفاء به ... لقد هوى بك يادفين شنخوب )
( صعب مناكبه تعيا الكماة به ... خوفا وتصطادهم منه كلاليب )
وأنشد ابن المعذل
( تواعد للبين الخيلط لينبتوا ... وقالوا لراعي الظهر موعدك السبت )
( ففاجأني بغتا ولم أخش بينهم ... وأفظع شيء حين يفجؤك البغت )
( مضى لسليمان منذ مالم ألاقها ... سنون توالت بيننا خمس او ست )
( وفي النفس حاجات اليكم كثيرة ... بربانها في الحي لو اخر الوقت )
( تأيمت حتى لامني كل صاحب ... رجاء سليمى ان يئيم كما إمت )
( لئن بعت حظي منك يوما بغيره ... لبئس اذا يوم التغابن ما بعت )
( تمنى رجال ان اموت وعهدهم ... بأن يتمنوا لو حييت اذا مت )
( وقد علموا عند الحقائق أنني ... اخو ثقة ما ان ونيت ولا إنت )
( واني و قد سيرت نبلي وإنني ... كأني وقد وقعت أنصالها رشت )
وقال احمد بن المعذل انشدني اعرابي من طي
( ولست بميال الى جانب الغنى ... اذا كانت العلياء في جانب الفقر )
( وإني لصبار على ما ينوبني ... وحسبك ان الله أثنى على الصبر )
خطبة للحجاج
حدثني محمد بن يحيى بن علي عن عبد الحميد عن عبد الله بن ابي عبيدة ابن محمد بن عمار بن ياسر قال خرج الحجاج يريد العراق واليا عليها في اثنى عشر راكبا علىالنجائب حتى دخل الكوفة فجأة حين انتشر النهار - وقد كان بشر بن مروان بعث المهلب الى الحرورية - فبدأ الحجاج بالمسجد فدخله ثم صعد المنبر وهومتلثم بعمامة خز حمراء فقال علي بالناس فحسبوه وأصحابه خوارج فهموا به حتى اذا اجتمع الناس في المسجد قام فكشف عن وجهه

(1/365)


ثم قال
( انا ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى اضع العمامة تعرفوني )
اما والله إني لأحتمل الشر بحمله وأحذوه بنعله وأجزيه بمثله وإني لأرى رؤوسا قد اينعت وحان قطافها واني لصاحبها واني لانظر الىالدماء ترقرق بين العمائم واللحى قد شمرت عن ساقها فشمر
ثم قال
( هذا أوان الشد فاشتدي زيم ... قد لفها الليل بسواق حطم )
( ليس براعي إبل ولا غنم ... ولا بجزار على ظهر وضم )
وقال أيضا
( قد لفها الليل بعصلبي ... أروع خراج من الدوي )
( مهاجر ليس باعرابي ... )
إني والله يا اهل العراق ومعدن الشقاق والنفاق ومساوىء الاخلاق ما أغمز تغماز التين ولا يقعقع لي بالسنان ولقد فررت عن ذكاء وفتشت عن تجربة وجريت من الغاية ان امير المؤمنين كب كنانته ثم عجم عيدانها فوجدني أمرها عودا وأصلبها عمودا فوجهني اليكم فانكم طالما أوضعتم في الفتن واضطجعتم في مراقد الضلال وسننتم سنن الغي اما والله لألحونكم لحو العصا ولأعصبنكم عصب السلمة ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل فانكم لكأهل ( قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ) إني والله لا أعد إلا وفيت ولا أهم إلا امضيت ولا أخلق إلا فريت فإياي وهذه الجماعات وقال وقيل وما تقول وفيم انتم وذاك أما والله لتستقيمن على طريق الحق او لأدعن لكل رجل منكم شغلا في جسده من وجدت بعد ثلاثة من بعث المهلب سفكت دمه وأنهيت ماله
ثم دخل منزله
كتاب الحجاج الىقطري
بسم الله الرحمن الرحيم
قال ابو الحسن كتب الحجاج بن يوسف الى قطري بن الفجاءة

(1/366)


سلام عليك اما بعد فانك مرقت من الدين مروق السهم من الرمية قد علمت حيث تجرثمت ذلك انك عاص لله ولولاة امره غير انك اعرابي جلف أمي تستطعم الكسرة وتشتفي بالتمرة والامور عليك حسرة خرجت لتنال شبعة فلحق به طغام صلوا بمثل ما صليت به من العيش يهزون الرماح ويستنشقون الرياح على خوف وجهد من أمورهم وما أصبحوا ينتظرون اعظم مما جهلوا معرفته ثم اهلكهم الله بنزحتين والسلام
جواب قطري بن الفجاءة
فأجابه قطري بن الفجاءة
من قطري بن الفجاءة الى الحجاج بن يوسف سلام على الهداة من الولاة الذين يرعون حريم الله ويرهبون نقمه فالحمد لله على ما اظهر من دينه وأظلع به أهل السفالة وهدى به من الضلالة ونصر به عند استخفافك بحقه كتبت إلي تذكر اني اعرابي جلف أمي استطعم الكسرة واشتفي بالتمرة ولعميري يا ابن أم الحجاج انك لميت في جبتك مطلخم في طريقتك وفي وثيقتك لا تعرف الله ولا تجزع من خطيئتك يئست واستيأست من ربك فالشيطان قرينك لا تجاذبه وثاقك ولاتنازعه خناقك فالحمد لله الذي شاء ابرز لي صفحتك وأوضح لي طلعتك فوالذي نفس قطري بيده لعرفت ان مقارعة الابطال ليست كتصدير المقال مع اني ارجو ان يدحض الله حجتك وان يمنحني مهجتك
بين معاوية وعدي بن حاتم
قال خالد بن يزيد الطائي كتب معاوية الى عدي بن حاتم حاجيتك ما لا ينسى يعني قتل عثمان فذهب عدي بالكتاب الىعلي فقال ان المرأة لا تنسى قاتل بكرها ولا أبا عذرها فكتب اليه عدي ان ذلك مني كليلة شيباء
وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى يا غلام ارفع ذلك النشيل يعني روثا وقيل له أين خرج هذا الحبن قال تحت منكبي
وقيل لقتيبة اين خرج بك هذا الخراج قال بين الرانفة والصفنة
وقيل لرقبة ما بال القراء أشد شيء نهمة وغلمة قال اما الغلمة فانهم لا يزنون وأما النهمة فلأنهم يصومون وعرض عليه رجل الغداء فقال له يا

(1/367)


هذا ان أقسمت علي وإلا فدعني
وقال مورق العجلي ما تكلمت بكلمة في الغضب أندم عليها في الرضى وقد سألت الله حاجة منذ اربعين سنة فما اجابني ولا يئست منها ولا اتكلم إلا فيما يعنيني قيل مكتوب في حكمة داود عليه السلام علىالعاقل ان يكون عالما بأهل زمانه مالكا للسانه مقبلا علىشأنه ولما قدم الفرزدق الشام قال له جرير وكان هناك ما ظننت انك تقدم بلدا انا فيه قال الفرزدق إني طالما خالفت رأي العجزة وقال يونس بن حبيب اذا قالوا غلب الشاعر فهو الغالب واذا قالوا مغلب فهو المغلوب قال امرؤ القيس
( وإنك لم يفخر عليك كعاجز ... ضعيف ولم يغلبك مثل مغلب )
وقال بعضهم
( إني امرؤ ينفع قومي مشهدي ... أذب عنهم بلساني ويدي )
وقال قتيبة بن مسلم اذا غزوتم فأطيلوا الاظفار وقصروا الشعور
ونظر مخنث الىشيخ قبيح الوجه في الطريق فقال ألم ينهكم سليمان بن داود عليهما السلام عن الخروج بالنهار
وعزى اعرابي ناسا فقال يرحم الله فلانا لقد كان كثير الإهالة دسم الاشداق وقال الشاعر
( ترى ودك السديف على لحاهم ... كلون الراء لبده الصقيع )
وقال اعرابي رحم الله فلانا ان كان لضخم الكاهل ثم جلس وسكت وقال اخر كان والله نقي الاظفار قليل الاسرار وسار رجل اعرابيا بحديث فقال أفهمت قال بل نسيت
هجاء واثلة السدوسي لعبد الله بن المهلب
قال واثلة بن خليفة السدوسي يهجو عبد الملك بن المهلب
( لقد صبرت للذل أعواد منبر ... تقوم عليها في يديك قضيب )
( بكىالمنبر الغربي اذا قمت فوقه ... وكادت مسامير الحديد تذوب )
( رأيتك لماشبت أدركك الذي ... يصيب سراة الأزد حين تشيب )
( سفاهة أحلام وبخل بنائل ... وفيك لمن عاب المزون عيوب )
( وقد أوحشت منهم رساتيق فارس ... وبالمصر دور جمة ودروب )

(1/368)


( اذا عصبة ضجت من الجرح ناسيت ... مزوينة ان النسيب نسيب )
رثاء بشار لعمر بن حفص
وقال بشار الأعمى في عمر بن حفص
( ما بال عينك دمعها مسكوب ... حربت فأنت بنومها محروب )
( وكذاك من صحب الحوادث لم يزل ... تأتي عليه سلامة ونكوب )
( يا أرض ويحك أكراميه فانه ... لم يبق للعتكي فيك ضريب )
( أبهى علىخشب المنابر قائما ... يوما وأحزم إن تشب حروب )
( ان الرزية لا رزية مثلها ... يوم ابن حفص في الدماء خضيب )
( لا يستجيب ولا يحير لسانه ... ولقد يحير لسانه ويجيب )
( غلب العزاء على ابن حفص والأسى ... إن العزاء بمثله مغلوب )
( إذ قيل أصبح في المقابر ثاويا ... عمر وشق لواؤه المنصوب )
( فظللت أندب سيف آل محمد ... عمرا وعز هنالك المندوب )
( فعليك يا عمر السلام فاننا ... باكوك ما هبت صبا وجنوب )
قال اسماعيل بن غزوان الاصوات الحسنة والعقول الحسان كثيرة والبيان الجيد والجمال البارع قليل
وذكر ابو الحارث صاحب مسجد ابن رغبان فقال ان حدثته سابقك الى ذلك الحديث وان سكت عنه اخذ في الترهات
وقال ابو وهب انا استثقل الكلام كما يستثقل حريث السكوت كما قال ابن شبرمة لاياس بن معاوية شكلي وشكلك لا يتفقان أنت لا تشتهي ان تسكت وانا لا اشتهي ان أسمع
وقال ابو مقتل بن درست اذا لم يكن المستمع احرص على الاستماع من القائل على القول لم يبلغ القائل في منطقه وكان النقصان الداخل على قوله بقدر الخلة بالاستماع منه
وقال ابن بشار البرقي كان عندنا واحد يتكلم في البلاغة فسمعته يقول لو كنت انا ليس انا وانا ابن من انا منه لكنت انا انا وانا ابن من انا منه فكيف وانا انا وابن من انا منه
وقالوا ثلاث يسرع اليهن الخلف الحريق والتزويج والحج

(1/369)


قال المهلب ليس شيء أنمى من بقية السيف فوجد الناس تصديق قوله فيما نال ولده من السيف وصار فيهم من النماء
وقال علي بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه بقية السيف أنمى عددا واكثر ولدا ووجد الناس ذلك بالعيان للذي صار اليه ولده من نهك السيف وكثرة الذرء وكرم النجل
قال الله تبارك وتعالى ( ولكم في القصاص حياة يا أولي الالباب ) وقال بعض الحكماء قتل البعض احياء للجميع وقال همام الرقاشي
( أبلغ أبا مسمع عني مغلغلة ... وفي العتاب حياة بين أقوام )
( قدمت قبلي رجالا لم يكن لهم ... في الحق ان يلجوا الأبواب قدامي )
( لو عد قبر وقبر كنت أكرمهم ... قبرا وأبعدهم من منزل الذام )
( حتى جعلت اذا ما حاجة عرضت ... بباب قصرك أدلوها بأقوام )
الحجاج وامرأة خارجية
وقال الحجاج لامرأة من الخوارج والله لاعدنكم عدا ولاحصدنكم حصدا فقالت أنت تحصد والله يزرع فانظر أين قدرة المخلوق من قدرة الخالق
ولم يظهر من عدد القتلى مثل الذي ظهر في آل ابي طالب وآل الزبير وال المهلب وقال الشاعر في ال الزبير
( ال الزبير بنو حرة ... مروا بالسيوف صدورا حناقا )
( يموتون والقتل داء لهم ... يغيثون يوم السباق السباقا )
( اذا فرج القتل من عيصهم ... ابى ذلك العيص الا اتفاقا )
احترقت دار ثمامة فقالوا له ما اسرع خلف الحريق قال فأنا استحرق الله وقال ثمامة سمعت قاصا بعبادان يقول في دعائه اللهم ارزقنا الشهادة وجميع المسلمين قال وتساقط الذبان على وجهه فقال الله اكبر كثر الله بكم القبور قال وسمع اعرابي رجلا يقرأ سورة براءة فقال ينبغي ان يكون هذا اخر القران قيل له ولم قال رأيت عهودا تنبذ وقال ابو عبد العزيز قال الغزال القاص في قصصه ليت الله لم يكن خلقني وأنا الساعة أعور فحكيت ذلك لأبي عتاب الجزار فقال أبوعتاب بئس ما قال

(1/370)


وددت والله الذي لا إله الا هو ان الله لم يكن خلفني وأني الساعة أعمى مقطوع اليدين والرجلين
عمر والزبرقان والحطيئة
ولما استعدى الزبرقان على الحطيئة فأمر عمر بقطع لسانه قال الزبرقان نشدتك الله يا امير المؤمنين ان تقطعه فان كنت لا بد فاعلا فلا تقطعه في بيت الزبرقان قيل له انه لم يذهب هناك انما اراد ان يقطع لسانه عنك برغبة او رهبة
من كلام العرب
وتقول العرب قتلت أرض جاهلها وقتل أرضا عالمها وتقول ذبحني العطش والمسك الذبيح وركب بنو فلان الفلاة فقطع العطش أعناقهم وتقول العرب فلان لسان القوم ونابهم الذي يفترون عنه وهؤلاء أنف القوم وخراطيمهم وبيان لسان الارض يوم القيامة وفلان اصطلمه الوادي وفلان عين البلد
قال الاصمعي قال رجل لأبي عمرو بن العلاء أكرمك الله قال محدثة قال وكان ابو عون يقول كيف انت أصلحك الله
وكان الاصمعي يقول قولهم جعلت فداك وجعلني الله فداك محدث وقد روى علماء البصريين ان الحسن لما سمع صراخا في جنازة أم عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر فالتفت قال له عبد الأعلى جعلت فداك لا والله ما أمرت ولا شعرت قال الاصمعي صلى أعرابي فأطال الصلاة والىجانبه ناس فقالوا ما أحسن صلاته قال وانا مع هذا صائم قال الشاعر
( صلى فأعجبني وصام فرابني ... عد القلوص عن المصلى الصائم )
وقال طاهر بن الحسين لأبي عبد الله المروزي منذكم صرت الىالعراق يا أبا عبدالله قال دخلت العراق منذ عشرين سنة وانا أصوم الدهر منذ ثلاثين سنة قال يا أبا عبدالله سألناك عن مسألة فأجبتنا عن مسألتين
العرب والمراثي
بسم الله الرحمن الرحيم
قال عوانة قال زياد بن أبيه من سعادة الرجل ان يطول عمره ويرى في عدوه مايسره قال الباهلي قيل لأعرابي مابال المراثي أجود أشعاركم

(1/371)


قال لأنا نقول وأكبادنا تحترق قال ابو الحسن كانت بنو أمية لا تقبل الراوية إلا ان يكون راوية للمراثي قيل ولم ذاك قال لأنها تدل على مكارم الاخلاق
عمر والشعر
وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه من خير صناعات العرب الابيات يقدمها الرجل بين يدي حاجته يستنزل بهاالكريم ويستعطف بها اللئيم وقال شعبة كان سماك بن حرب اذا كان له الى الوالي حاجة قال فيه أبياتا ثم يسأله حاجته
لص ينطق بالحكمة
قال ابوالحسن كان شظاظ لصا فأغار على قوم من العرب فطرد نعمهم فساقها ليلته حتى أصبح فقال رجل من أصحابه لقد أصبحنا على قصد من طريقنا قال ان المحسن معان
عبد الملك بن مروان وتعقله
وقال ابو الحسن أربى غلام من بني علي علىعبد الملك وعبد الملك يومئذ غلام فقال له كهل من كهولهم لما رآه ممسكا عن جواب المربي عليه لو شكوته الى عمه انتقم لك منه قال أمسك يا كهل فاني لا أعد انتقام غيري انتقاما قال ابو الحسن خاص جلساء عبد الملك يوما في قتل عثمان فقال رجل منهم يا أمير المؤمنين في اي سنك كنت يومئذ قال كنت دون المحتلم قال فما من حزنك عليه قال شغلني الغضب له عن الحزن عليه
وكان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه اذا اشترى رقيقا قال اللهم ارزقني انصحهم حياء وأطولهم عمرا وكان اذا استعمل رجلا قال ان العمل كبر فانظر كيف تخرج منه
الكرخي المتفقة
ومضى أبو عبد الله الكرخي الى الربض فجلس على بابه ونفش لحيته وادعى الفقه فوقف عليه رجل فقال له اني أدخلت إصبعي في أنفي فخرج عليها دم فقال احتجم قال جلست طبيبا او فقيها قالوا بينا الشعبي جالس في

(1/372)


مجلسه وأصحابه يناظرونه في الفقه واذا شيخ بقربه قد أقبل عليه بعد ان طال جلوسه فقال له اني أجد في قفاي حكة أفترى لي ان أحتجم قال الشعبي الحمد لله الذي حولنا من الفقه الى الحجامة وذكر ناس رجلا بكثرة الصوم وطول الصلاة وشدة الاجتهاد فقال اعرابي كان شاهدا لكلامهم بئس الرجل هذا أيظن ان الله لا يرحمه حتى يعذب نفسه هذا التعذيب
وقال ابن عون أدركت ثلاثة يتشددون في السماع وثلاثة يتساهلون في الأغاني فأما الذين يتساهلون فمحمد بن سيرين والقاسم بن محمد ورجاء حيوة
وقال رجل من أصحاب ابن لهيعة ما رأيت أحسن أدبا من عبدالله بن المبارك والمعافى بن عمران قال ابو الحسن حدثني عبد الأعلى قال رأيت الطرماح مؤدبا بالري فلم أر احدا آخذ لعقول الرجال ولا أجذب لأسماعهم الى حديثه منه ولقد رأيت الصبيان يخرجون من عنده كأنهم قدجالسوا العلماء
وكان رجل يبلغه كلام الحسن البصري فبينا الرجل يطوف بالبيت اذا سمع رجلا يقول عجبا لقوم أمروا بالزاد ونودي فيهم بالرحيل وحبس أولهم علىاخرهم قال فقلت في نفسي هذا الحسن
قال وأربعة من قريش كانوا رواة الناس للأشعار وعلماءهم بالأنساب والاخبار مخرمة بن نوفل بن وهيب بن عبد مناف بن زهرة وأبو الجهم بن حذيفة بن غانم بن عامر بن عبد الله بن عوف وحويطب بن عبد العزى وعقيل بن أبي طالب
وكان عقيل أكثرهم ذكرا لمثالب الناس فعادوه لذلك وقالوا فيه وحمقوه وسمعت ذلك العامة منهم فلا تزال تسمع الرجل يقول قد سمعت الرجل يحمقه حتى ألف بعض الاعداء فيه الاحاديث فمنها قولهم ثلاثة حمقاء كانوا اخوة ثلاثة عقلاء والأم واحدة علي وعقيل وأمهما فاطمة بنت أسد بن هاشم وعتبة ومعاوية ابنا أبي سفيان وأمهما هند بنت عتبة بن ربيعة وعبد الملك ومعاوية ابنا مروان وأمهما عائشة بنت معاوية بن المغيرة بن ابي العاص فكيف وجعدة بن هبيرة يقول

(1/373)


( أبي من بني مخزوم ان كنت سائلا ... ومن هاشم أمي لخير قبيل )
( فمن ذا الذي يبأى علي بخاله ... وخالي علي ذو الندى وعقيل )
قال قدامة بن موسى بن عمر بن قدامة بن مظعون
( وخالي بغاة الخير تعلم أنه ... جدير بقول الحق لا يتوعر )
( وجدي علي ذو التقى وابن أمه ... عقيل وخالي ذو الجناحين جعفر )
( فنحن ولاة الخير في كل موطن ... اذا ما ونى عنه رجال وقصروا )
وقال حسان
( إن خالي خطيب جابية الجو ... لان عند النعمان حين يقوم )
( وهو الصقر عند باب ابن سلمى ... يوم نعمان في الكبول سقيم )
( وسطت نسبتي الذوائب منهم ... كل دار فيها اب لي عظيم )
( وأبى في سميحة القائل الفا ... صل يوم التفت عليه الخصوم )
( يفصل القول بالبيان وذو الرأي ... من القوم ظالع مكعوم )
( تلك أفعاله وفعل الزبعري ... خامل في صديقه مذموم )
( رب حلم أضاعه عدم المال ... وجهل غطى عليه النعيم )
( ولي الناس منكم اذ أتيتم ... اسرة من بني قصي صميم )
( وقريش تجول منا لو اذا ... أن يقيموا او خف منها الحلوم )
( لم تطق حمله العواتق منهم ... إنما يحمل اللواء النجوم )
عقيل بن أبي طالب
وكان عقيل رجلا قد كف بصره وله بعد لسانه ونسبه وأدبه وجوابه فلما فضل نظراءه من العلماء بهذه الخصال صار لسانه بها أطول وغاضب عليا وأقام بالشام فكان ذلك أيضا اطلق للسان الباغي والحاسد فيه وزعموا أنه قال له معاوية هذا ابو يزيد لولا انه علم أني خير له من أخية لما اقام عندنا وتركه فقال له عقيل أخي خير لي في ديني وانت خير لي في دنياي وقال له مرة انت معنا يا أبا يزيد قال ويوم بدر كنت معكم
وقال معاوية يوما يا اهل الشام هل سمعتم قول الله تبارك وتعالى في كتابه ( تبت يدا ابي لهب وتب ) قالوا نعم قال فان أبا لهب عمه فقال عقيل فهل سمعتم قول الله عز و جل ( وامرأته حمالة الحطب ) قالوا نعم

(1/374)


قال فانها عمته قال معاوية حسبنا ما لقينا من أخيك
وذكروا ان امرأة عقيل وهي فاطمة بنت عتبة بن ربيعة قالت يا بني هاشم لا يحبكم قلبي ابدا اين أبي اين عمي أين اخي كأن اعناقهم أباريق الفضة ترد انفهم قبل شفاهم قال لها عقيل اذا دخلت جهنم فخذي على شمالك
وقيل لعمر رضي الله تعالى عنه فلان لا يعرف الشر قال ذلك أجدر ان يقع فيه وسمع أعرابي رجلا يقرأ وحملناه على ذات ألواح ودسر تجري فأعيننا جزاء لمن كان كفر قالها بفتح الكاف فقال الاعرابي لا يكون فقرأها عليه بضم الكاف وكسر الفاء فقال الاعرابي يكون
تشابيه من الشعر
قال الشاعر
( بدا البرق من نحو الحجاز فشاقني ... وكل حجازي له البرق شائق )
( سرى مثل نبض العرق والليل دونه ... وأعلام أبلى كلها والأسالق )
وقال الآخر
( أرقت لبرق آخر الليل يلمع ... سرى دائبا فيها يهب ويهجع )
( سرى كاحتساء الطير والليل ضارب ... بأرواقه والصبح قد كاد يسطع )
المنصور والشاب الهاشمي
حدثني ابراهيم بن السندي عن ابيه قال دخل شاب من بني هاشم على المنصور فسأله عن وفاة أبيه قال مرض ابي رضي الله تعالى عنه يوم كذا ومات رضي الله تعالى عنه يوم كذا وترك رضي الله تعالى عنه من المال كذا ومن الولد كذا فانتهره الربيع وقال بين يدي امير المؤمنين توالى بالدعاء لأبيك فقال الشاب لا ألومك لانك لم تعرف حلاوة الآباء قال فما علمنا ان المنصور ضحك في مجلسه ضحكا قط افتر عن نواجذه إلا يومئذ
أداب الملوك
وحدثني ابراهيم بن السندي عن أبيه قال دخل شاب من بني هاشم علىالمنصور فاستجلسه ذات يوم ودعا بغدائه فقال للفتى أدنه فقال قد تغديت يا أمير المؤمنين فكف عنه الربيع حتى ظننا انه لم يفطن لخطابه فلما نهض

(1/375)


للخروج أمهله فلما كان من وراء الستر دفع في قفاه فلما رأى ذلك الحجاب منه دفعوا في قفاه حتى اخرجوه من الدار فدخل رجال من عمومة الفتى فشكوا الربيع الى المنصور فقال المنصور ان الربيع لا يقدم على مثل هذا إلا وفي يديه حجة فان شئتم اغضيتم على ما فيها وان شئتم سألته وانتم تسمعون قالوا فاسأله ودعا الربيع وقصوا قصته فقال الربيع هذا الفتى كان يسلم من بعيد وينصرف فاستدناه امير المؤمنين حتى سلم عليه من قريب ثم أمره بالجلوس ثم تبذل بين يديه واكل ثم دعاه الى طعام ليأكل معه من مائدته فبلغ به الجهل بفضيلة المرتبة التي صيره فيها الى ان قال حين دعاه الى غدائه قد تغديت واذا ليس عنده لمن تغدى مع امير المؤمنين الا سد خلة الجوع ومثل هذا لا يقومه القول دون الفعل
حدثني ابراهيم بن السندي عن أبيه قال والله اني لواقف على رأس الرشيد والفضل بن الربيع واقف في الايسر والحسن اللؤلؤي يسائله ويحدثه عن أمور وكان اخر ما سأله عن بيع أمهات الاولاد فلولا أني ذكرت ان سلطان ما وراء الستر للحاجب وسلطان الدار لصاحب الحرس وان سلطاني انما هوعلى من خرج من حدود الدار لقد كنت اخذت بضعه واقمته فلما ان صرنا وراء الستر قلت له والفضل يسمع أما والله لو كان هذا منك في مسايرة او موقف لعلمت ان للخلافة رجالا يصونونها عن مجلسك
وحدثني ابراهيم بن السندي قال بينا الحسن اللؤلؤي في بعض الليالي بالرقة يحدث المأمون - والمأمون يومئذ أمير - اذ نعس المأمون فقال له اللؤلؤي نمت ايها الامير ففتح المأمون عينه وقال سوقي والله خذ يا غلام بيده قال وكنا يوما عند زياد بن محمد بن منصور بن زياد - وقد هيأ لنا الفضل بن محمد طعاما ومعنا في المجلس خادم وكان لا يتهم - فجاء رسول الفضل الى زياد فقال يقول لك اخوك قد أدرك طعامنا فتحولوا ومعنا في المجلس ابراهيم النظام واحمد بن يوسف وقطرب النحوي في رجال من أدباء الناس وعلمائهم فما منا احد فطن لخطأ الرسول فأقبل عليه مبشر الخادم فقال يا ابن اللخناء تقف على رأس سيدك فتستفتح الكلام كما يستفتحه الرجل من عرض الناس ألا تقول يا سيدي يقول لك أخوك ترى ان تصير الينا باخوانك فقد تهيأ أمرنا

(1/376)


وابتعت خادما كان قد خدم أهل الثروة واليسار وأشباه الملوك فمر به خادم من معارفه ممن قد خدم الملوك فقال ان الاديب وان لم يكن ملكا فقد يجب على الخادم ان يخدمه خدمة الملوك فانظر ان تخدمه خدمة تامة قلت له وما الخدمة التامة قال الخدمة التامة ان تقوم في دارك لبعض الامر وبينك وبين النعل ممشى خمس خطى فلا يدعك ان تمشي اليها ولكن يأخذها ويدنيها منك ومن كان يضع النعل اليسرى قدام الرجل اليمنى فلا ينبغي لمثل هذا ان يدخل دار ملك ولا أديب ومن الخدمة التامة ان يكون اذا رأى متكئا يحتاج الى مخدة ان لا ينتظر أمرك ويتعاهد ليقة الدواة قبل ان تأمره ان يصب فيها ماء او سوادا وينفض عنها الغبار قبل ان يأتيك بها وان رأى بين يديك قرطاسا على طية قطع رأسه ووضع بين يديك على كسرة وأشباه ذلك
ولما كلم عروة بن مسعود الثقفي رسول الله كان في ذلك ربما مس لحية النبي فقال له المغيرة بن شعبة نح يدك عن لحية رسول الله قبل ان لا ترجع اليك يدك فقال عروة يا غدر وهل غسلت رأسك من غدرتك الا بالامس
ونادى رجال من وفد بني تميم النبي باسمه من وراء الحجرات فقال الله تعالى ( ان الذين ينادونك من وراء الحجرات اكثرهم لا يعقلون ) وقال الله عز و جل ذكره ( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا ) وقال ابن هرمة او غيره
( لله در سميذع فجعت به ... يوم البقيع حوادث الايام )
( هش اذا نزل الوفود ببابه ... سهل الحجاب مؤدب الخدام )
( فاذا رأيت شقيقه وصديقه ... لم تدر أيهما أخو الأرحام )
شيء من نوادر الاعراب
قال ابو الحسن بينا هشام يسير ومعه أعرابي اذ انتهى الى ميل عليه كتاب فقال للأعرابي أنظر اي ميل هذا فنظر ثم رجع اليه فقال عليه محجن وحلقه وثلاثة كأطباء الكلبة ورأس كأنه رأس قطاة فعرفه هشام بصورة الهجاء ولم يعرفه الاعرابي وكان عليه خمسة وهي من نوادر الاعراب
استشهدوا اعرابيا على رجل وامرأة فقال رأيته قد تقمصها يحفزها

(1/377)


بمؤخرة ويجذبها بمقدمه وخفي علي المسلك وقال آخر رأيته قد تبطنها ورأيت خلخالها شائلا وسمعت نفسا عاليا ولا علم لي بشيء بعد
وقال أعرابي رأيت هذا قد تناول حجرا فالتف بهذا وحجز الناس بينهم واذا هذا يستدمي
كلام في الشيب
وقال بعضهم الشيب نذير الآخرة وقال قيس بن عاصم الشيب خطام المنية وقال آخر الشيب توأم الموت وقال الحكيم شيب الشعر موت الشعر وموت الشعر علة موت البشر وقال المعتمر بن سليمان الشيب اول مراحل الموت وقال السهمي الشيب تمهيد الحمام وقال العتابي الشيب تاريخ الكتاب وقال النمري الشيب عنوان الكبر وقال عدي بن زيد العبادي
( وابيضاض السواد من نذر الشر ... وهل مثله لحي نذير )
وقال الآخر
( أصبح الشيب في المفارق شاعا ... واكتسى الرأ [ س من بياض قناعا )
( ثم ولى الشباب إلا قليلا ... ثم يأبى القليل الا نزاعا )
كلمات لأشعب
وقال رجل لأشعب ما شكرت معروفي عندك قال لان معروفك جاء من عند غير محتسب فوقع الىغير شاكر وخفف أشعب الصلاة مرة فقال له بعض أهل المسجد خففت صلاتك جدا فقال لانه لم يخالطها رياء
كلام بعض المتكلمين من الخطباء
الحمد لله كما هو أهله والسلام على انبيائه المقربين الطيبين أخي لا تغترن بطول السلامة مع تضييع الشكر ولا تعملن نعمة الله في معصيته فان أقل ما يجب لمهديها ألا يجعلها ذريعة في مخالفته واعلم ان النعم نوافر ولقلما أقشعت نافرة فرجعت في نصابها فاستدع شاردها بالتوبة واستدم الراهن منها بكرم الجوار واستفتح باب المزيد بحسن التوكل ولا تحسب ان سبوغ ستر نعم الله عليك غير متقلص عما قريب اذا لم ترج لله وقارا واني لأخشى ان يأتيك أمر الله بغتة او لإملاء فهو اولى مغبة وأثبت في الحجة

(1/378)


ولأن لا تعلم ولا تعمل خير من ان تعلم ولا تعمل ان الجاهل العامل لم يؤت من سوء نية ولا استخفاف بربوبية وليس كمن قهرته الحجة وأعرب له الحق مفصحا عن نفسه فآثر الغفلة والخسيس من الشهوة على الله تبارك وتعالى فأسمحت نفسه عن الجنة وأسلمها لأبد العقوبة فاستشر عقلك وراجع نفسك وادرس نعم الله عليك وتذكر إحسانه اليك فانه مجلبة للحياء ومردعة للشهوة ومشحذة على الطاعة فقد أظل البلاء او كأن قد فكفكف عنك غرب شؤبوبه وجوائح سطواته بسرعة النزع وطول التضرع
ثلاث هي أسرع في العقل من النار في يبيس العرفج إهمال الفكرة وطول التمني والاستغراب في الضحك ان الله لم يخلق النار عبثا ولا الجنة هملا ولا الانسان سدى فاعترف رق العبودية وعجز البشرية فكل زائد ناقص وكل قرين مفارق وكل غني محتاج وإن عصفت به الخيلاء وأبطره العجب وصال على الاقران فانه مذال مدبر ومقهور ميسر ان جاع سخط المحنة وان شبع بطر النعمة ترضية اللمحة فيستشري مرحا وتغضبه الكلمة فيستطير شفقا حتى تنفسخ لذلك منته وتنتقض مريرته وتضطرب فريصته وتنتشر عليه حجته وللعجب من لبيب توبقه الحياطة ويسلم مع الاضاعة ويؤتى من الثقة ولا يشعر بالعاقبة ان أهمل عمي وان علم نسي كيف لم يتخذ الحق معقلا ينجيه والتوكل ذائدا يحميه أعمي عن الدلائل وعن وضوح الحجة أم آثر الخسيس على الاجل النفيس وكيف توجد هذه الصفة مع صحة العقيدة واعتدال الفطرة وكيف يشير رائد العقل بايثار القليل الفاني علىالكثير الباقي
وما أظن الذي أقعدك عن تناول الحظ مع قرب مجناه حتى صار لا يثنيك زجر الوعيد ولا يقدح في عزماتك فوت الجنة وحتى ثقلت على سمعك الموعظة ونأت عن قلبك العبرة الا طول مجاورة التقصير واعتياد الراحة والانس بالهوينا وإيثار الاخف وإلف قرين السوء فاذكر الموت وأدم الفكرة فيه فان من لم يعتبر بما رأى لا يعتبر بما لا يرى وان كان ما يوجد بالعيان من مواقع العبرة لا يكشف لك عن قبيح ماانت عليه وهجنة ما أصبحت فيه من إيثار باطلك علىحق الله واختيار الوهن على القوة

(1/379)


والتفريط على الحزم والاشفاق علىالدون واصطناع العار والتعرض للمقت وبسط لسان العائب فمستنبطات الغيب احرى بالعجز عن تحريكك ونقلك عن سوء العادة التي اثرتها على ربك فاسحي للبك واستبق ما أفضل الخذلان من قوتك قبل ان يستولي عليه الطبع ويشتد عليه العجز او ما علمت ان المعصية تثمر المذلة وتفل غرب اللسان مع السلاطة بل ما علمت ان المستشعر بذل الخطيئة المخرج نفسه من كنف العصمة المتحلي بدنس الفاحشة قطف الثناء زمر المروءة قصي المجلس لا يشاور وهو ذو بذلاء ولا يصدر وهو جميل الرواء يسالم من كان يسطو عليه ويضرع لمن كان يرغب اليه يجذل بحاله المبغض الشاني ويثلب بقربه القريب الداني غامض الشخص ضئيل الصوت نزر الكلام متلجلج الحجة يتوقع الاسكات عند كل كلمة وهو يرى فضل مزيته وصريح لبه وحسن فضيلته ولكن قطعه سوء ما جنى علىنفسه ولولم تطلع عليه عيون الخليقة لهجت العقول بادهانه وكيف يمتنع من سقوط القدر وظن المتفرس من عري من حلية التقوى وسلب طائع الهدى ولو لم يتغشه ثوب سريرته وقبيح ما احتجن اليه من مخالفة ربه لأضرعته الحجة ولفسخه وهن الخطيئة ولقطعه العلم بقبيح ما قارف عن اقتدار ذوي الطهارة في الكلام وإدلال أهل البراءة في النداء وهذه حال الخاطىء في عاجل الدنيا فإذا كان يوم الجزاء الاكبر فهو عان لا يفك وأسير لا يفادى وعارية لا تؤدى فاحذر عادة العجز وإلف الفكاهة وحب الكفاية وقلة الاكتراث للخطيئة والتأسف على الفائت منها وضعف الندم في أعقابها
أخي أنعي اليك القاسي فانه ميت وان كان متحركا وأعمى وان كان رائيا فأحذر القسوة فانها رأس الخطايا وأمارة الطبع وهي الشوهاء العاقر والداهية العقام وأراك تركض في حبائلها وتستقبس من شررها ولا بأس ان يعظ المقصر ما لم يكن هاذيا ولن يهلك امرؤ عرف قدره ورب حامل علم الىمن هو أعلم منه علمنا الله واياكم ما فيه نجاتنا وأعاننا وإياكم على تأدية ماكلفنا والسلام
قال وقلت لحباب انك تكذب في الحديث فقال وما عليك اذا كان

(1/380)


الذي أزيد فيه أحسن منه فوالله ماينفعك صدقه ولا يضرك كذبه وما يدور الامر الا على لفظ جيد ومعنى حسن ولكنك والله لو أردت ذلك لتلجلج لسانك وذهب كلامك
نوادر لبعض الاعراب
قال ابو الحسن سمع أعرابي رجلا يقول أشهد ان محمدا رسول الله قال يفعل ماذا وكان يقال اول العلم الصمت والثاني الاستماع والثالث الحفظ والرابع العمل به والخامس نشره
وقال ابو الحسن قرأ رجل في زمن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فان زللتم من بعد ما جائتكم البينات فأعلموا ان الله غفور رحيم فقال الاعرابي لا يكون
واعظ بين يدي المهدي
قال ودخل على المهدي صالح بن عبد الجليل فسأله ان يأذن له في الكلام فقال تكلم فقال انا لما سهل علينا ما توعر على غيرنا من الوصول اليك قمنا مقام الأداء عنهم وعن رسول الله باظهار ما في أعناقنا فريضة الأمر والنهي عند انقطاع عذر الكتمان في التقية ولا سيما حين اتسمت بميسم التواضع ووعدت الله وحملة كتابه ايثار الحق على ما سواه فجمعنا وإياك مشهد من مشاهد التمحيص لينم مؤدبنا على موعود الأداء عنهم وقابلنا على موعد القبول اويردنا تمحيص الله إيانا في اختلاف السر والعلانية ويحلينا بحلية الكاذبين فقد كان أصحاب رسول الله يقولون من حجب الله عنه العلم عذبه على الجهل وأشد منه عذابا من أقبل اليه العلم وأدبر عنه ومن اهدى الله اليه علما فلم يعمل به فقد رغب عن هدية الله وقصر بها فاقبل ما اهدى الله اليك من السنتنا قبول تحقيق وعمل لا قبولا فيه سمعة ورياء فانه لا يخلفك منا إعلام لما تجهل او مواطأة على ما تعلم او تذكير لك من غفلة فقد وطن الله تبارك وتعالى نبيه على نزولها تعزية عما فات وتحصينا من التمادي ودلالة على المخرج فقال ( وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله انه هو السميع العليم ) فاطلع الله علىقلبك بما ينور الله به القلوب من ايثار الحق ومنابذة الأهواء فانك ان لم تفعل ذلك يرى أثرك وأثر الله عليك فيه ولا حول ولا قوة الا بالله

(1/381)


تعزية معاوية عن سن سقطت له
قال ودخل رجل على معاوية وقد سقطت أسنانه فقال يا أمير المؤمنين ان الاعضاء يرث بعضها بعضا فالحمد لله الذي جعلك وارثها ولم يجعلها وارثتك
تأبين عمر بن عبد العزيز لولده
وحدثنا اسماعيل بن علية قال حدثنا زياد بن حسان أنه شهد عمر بن عبد العزيز حين دفن ابنه عبد الملك فلما سوى عليه قبره بالارض وجعلوا على قبره خشبتين من زيتون احداهما عند رأسه والاخرى عند رجليه ثم جعل قبره بينه وبين القبلة واستوى قائما واحاط به الناس قال رحمك الله يا بني فقد كنت برا بأبيك ومازلت مذ وهبك الله لي بك مسرورا ولا والله ماكنت قط مسرورا بك ولا أرجي لحظي من الله فيك منذ وضعتك في الموضع الذي صيرك الله اليه فغفر الله لك ذنبك وجازاك بأحسن عملك وتجاوز عن سيئاتك ورحم الله كل شافع يشفع لك بخير من شاهد وغائب رضينا بقضاء الله وسلمنا لأمره فالحمد لله رب العالمين
ثم انصرف
حديث عمرو بن معاوية
وحدثني محمد بن عبيد بن عمر قال اخبرني طارق بن المبارك عن أبيه قال قال لي عمرو بن معاوية بن عتبة جاءت هذه الدولة وأنا حديث السن كثير العيال منتشر الأموال فكنت لا اكون في قبيلة إلا شهر أمري فلما رأيت ذلك عزمت على ان أفدي حرمي بنفسي قال المبارك فأرسل إلي ان وافني عند باب الامير سليمان بن عبد الملك قال فأتيته فاذا عليه طيلسان أبيض مطبق وسراويل وشي مسدولة قال فقلت يا سبحان الله ما تصنع الحداثة بأهلها ان هذا لبس من لباس هذا اليوم قال لا والله لكن ليس عندي ثوب ألا أشهى ما ترى قال فأعطيته طيلساني واخذت طيلسانه ولويت سراويله الى ركبتيه قال فدخل ثم خرج إلي مسرورا قال فقلت له حدثنا ما جرى بينك وبين الامير قال دخلت عليه - ولم يرني قبل ذلك - فقلت أصلح الله الامير لفظني البلاء اليك ودلني فضلك عليك فإما قبلتني غانما وإما رددتني سالما قال من انت اعرفك قال فانتسبت

(1/382)


له فقال أقعد فتكلم غانما سالما ثم اقبل علي فقال حاجتك يا ابن أخي قال فقلت ان الحرم اللاتي انت اقرب الناس اليهن معنا وأولى الناس لهن بعدنا قد خفن بخوفنا ومن خاف خيف عليه قال فوالله ما أجابني الا بدموعه فقال يا ابن أخي يحقن الله دمك ويحفظ حرمك يوفر عليه مالك ولو أمكنني ذلك في جميع قومك لفعلت قال فقلت أكون متواريا او ظاهرا فقال كن متواريا كظاهر فكنت والله اكتب اليه كما يكتب الرجل الى ابيه وعمه قال فلما فرغ من الحديث رددت اليه طيلسانه فقال مهلا ان ثيابنا اذا فارقتنا لم ترجع الينا
بعض أحاديث النوكى
ومن أحاديث النوكى حدثت عن أبي سعيد الرفاعي انه سئل عن الدنيا والدايسة فقال أما الدنيا فهذه التي انتم فيها وأما الدايسة فهي دار بائنة من هذه الدار لم يسمع أهلها بهذه الدار ولا بشيء من أمرها الا انه قد صح عندنا ان بيوتهم من قثاء وسقوفهم من قثاء وأنعامهم من قثاء وهم في أنفسهم من قثاء وقثاؤهم ايضا من قثاء قالوا له يا أبا سعيد زعمت ان اهل تلك الدار لم يسمعوا بهذه الدار ولا بشيء من امرها وكذلك نحن لهم وأراك تخبرنا عنهم بأخبار كثيرة قال فمن ثمة أعجب زيادة
قالوا ذم رجل عند الاحنف الكمأة بالسمن فقال رب ملوم لا ذنب له
عباد الله بن مسلم عن شيبة بن عقال ان رجلا قال في مجلس عبيد الله بن زياد ما اطيب الاشياء فقال رجل ما شيء اطيب من تمرة برسيان كأنها من آذان النوكى عليتها بزبدة وقال أوس بن حارثة لابن عامر
( ظلت عقاب النوك تخفق فوقه ... رخو طفاطفه قديم الملعب )
( قد ظل يوعدني وعين وزيره ... خضراء خاشعة كعين العقرب )
يعني بوزيره عبد الله بن عمير الليثي وكان أخاه لأمه أمهما دجاجة بنت أسماء السلمية
وقال ابن مناذر في خالد بن عبد الله بن طليق الخزاعي وكان المهدي استقضاه وعزل عبيد الله بن الحسن العنبري
( اتى دهرنا والدهر ليس بمعتب ... بآبدة والدهر جم الأوابد )

(1/383)


( بعزل عبيد الله عنا فياله ... خلافا وباستعمال ذي النوك خالد )
( بحيران عن قصد السبيل تصده ... خيانة سلام ولحية قائد )
( أذلك من ريب الزمان وصرفه ... واحداثه ام نحن في حلم راقد )
وقال أيضا
( قل لأمير المؤمنين الذي ... من هاشم في سرها واللباب )
( ان كنت للسخطة عاقبتنا ... بخالد فهو أشد العذاب )
( أصم أعمى عن سبيل الهدى ... قدضرب الجهل عليه الحجاب )
( يا عجبا من خالد كيف لا ... يخطيء فينا مرة بالصواب )
وقال
( خالد بحكم في ... الناس يحكم الجاثليق
( يا ابا الهيثم ما ... كنت لهذا بخليق )
( لا ولا كنت لما ... حملت منه بمطيق
اي قاض انت ... للظلم وتعطيل الحقوق )
قال
( يقطع كف القاذف المفتري ... ويجلد اللص ثمانينا )
( سقيا ورعيا لك من حاكم ... يحيى لنا السنة والدينا )
وقال زهرة
( يا قوم من دل على عالم ... يعلم ما حد حر سارق )
وقال آخر
( واني لمضاء على الهول واحدا ... ولو ظل ينهاني اخيفش شاحج )
( تشبه للنوكى أمور كثيرة ... وفيها لاكياس الرجال مخارج )
وقال آخر
( ولا يعرفون الشر حتى يصيبهم ... ولايعرفون الامر إلا تدبرا )
وقال غيره
( اذا ظعنوا عن دار ضيم تعاذلوا ... عليها وردوا وفدهم يستقيلها )
وقال النابغة
( لا يسحبون الخير لا شر بعده ... ولا يحسبون الشر ضربة لازب )
والعرب تقول أخزى الله الرأي الدبري
وقالوا وجه الحجاج الى مطهر بن عمار بن ياسر عبد الرحمن بن سليم الكلبي

(1/384)


فلما كان بحلوان أتبعه الحجاج مددا وعجل عليه بالكتاب مع تحيت الغلط وانما قيل له ذلك لكثرة غلطه فمر تحيت بالمدد وهم يعرضون بخانقين فلما قدم على عبد الرحمن قال له اين تركت مددنا قال تركتهم يخنقون بعارضين قال او يعرضون بخانقين قال نعم اللهم لا نخانق في باركين ولما ذهب يجلس ضرط وكان عبد الرحمن أراد ان يقول ألا تغدى فقال ألا تضرط قال قد فعلت أصلحك الله قال ماهذا أردت قال صدقت ولكن الامير غلط كما غلطنا فقال انا غلطت من فمي وغلط هو من استه
باب من البله الذي يعترى من قبل العبادة
وترك التعرض للتجارب
وهو كما قال ابو وائل أسمعكم تقولون الدانق والقيراط فأيما أكثر قالوا وكان عامر بن عبد الله بن الزبير في المسجد وكان قد أخذ عطاءه فقام الى منزله ونسيه فلما صار في منزله وذكره بعث رسولا ليأتيه به فقال له وأين تجد ذلك المال قال سبحان الله او يأخذ احد ما ليس له ابو الحسن قال قال سعيد بن عبد الرحمن الزبيري سرقت نعل عامر بن عبد الله الزبيري فلم يتخذ نعلا حتى مات وقال اكره ان أتخذ نعلا فلعل رجلا ان يسرقها فيأثم
وقالوا ان الخلفاء والأئمة أفضل من الرعية وعامة الحكام أفضل من المحكوم عليه ولهم لأنهم أفقه في الدين وأقوم بالحقوق وأرد على المسلمين وعلمهم بهذا أفضل من عبادة العباد ولأن نفع ذلك لا يعدو قمم رؤوسهم ونفع هؤلاء يخص ويعم والعبادة لا تدله ولا تورث البله إلا لمن آثر الوحدة وترك معاملة الناس ومجالسة أهل المعرفة فمن هناك صاروا بلها حتى صار لا يجيء من أعبدهم حاكم ولا إمام وما أحسن ما قال أيوب السختياني حيث يقول في أصحابي من أرجو دعوته ولا أقبل شهادته فاذا لم يجز في الشهادة كان من ان يكون حاكما أبعد
وقال الشاعر
( وعاجز الرأي مضياع لفرصته ... حتى اذا فات أمر عاتب القدرا )
ومن غير هذا الباب قوله

(1/385)


( اذا ما الشيخ عوتب زاد شرا ... ويعتب بعد صبوته الوليد )
وقال علي بن ابي طالب كرم الله تعالى وجهه من أفضل العبادة الصمت وانتظار الفرج
وقال الشاعر
( اذا تضايق أمر فانتظر فرجا ... فأضيق الامر أدناه من الفرج )
وقال الفرزدق
( وإني وسعدا كالحوار وأمه ... اذا وطئته لم يضره اعتمادها )
وقال أعرابي
( تعلمني بالعيش عرسي كأنما ... تبصر في الأمر الذي انا جاهله )
( يعيش الفتى بالفقر يوما وبالغنى ... وكل كأن لم يلق حين يزايله )
وقال آخر
( شهدت وبيت الله انك بارد الثنايا ... لذيذ لثمها حين تلثم )
وقال غيره
( الله يعلم يا مغيرة أنني ... قد دستها دوس الحصان الهيكل )
( وأخذتها أخذ المقصب شاته ... عجلان يشويها لقوم نزل )
وقال آخر
( شهدت وبيت الله أنك بارد الثنايا ... وأن الكشح منك لطيف )
( وأنك مشبوح الذراعين خلجم ... وأنك إذ تخلو بهن عفيف )
وقال اخر
( فهلا من وزار او حصين ... حميتم فرج حاضنة كعاب )
( وأقسم انه قد حل منها ... محل السيف من قعر القراب )
وقال اخر
( أترجو ان تسود ولن تعنى ... وكيف يسود ذو الدعة البخيل )
وقال الهذلي
( وإن سيادة الاقوام فاعلم ... لها صعداء مطلبها طويل )
وقال جرير بن الخطفي
( تريدين ان أرضى وانت بخيلة ... ومن ذا الذي يرضى الاخلاء بالبخل )

(1/386)


وقال اسحق بن حسان بن قوهي
( ودون الندى في كل قلب ثنية ... لها مصعد حزن ومنحدر سهل )
( وود الفتى في كل نيل ينيله ... اذا ما انقضى لو أن نائله جزل )
وقال آخر
( عزمت على إقامة ذي صباح ... لشيء ما يسود من يسود )
وقال آخر
( وتعجب ان حاولت منك تنصفا ... وأعجب منه ما تحاول من ظلمي )
( أبا حسن يكفيك ما فيك شاتما ... لعرضك من شتم الرجال ومن شتمي )
قال آخر
( كما قال الحمار لسهم رام ... لقد جمعت من شتى لأمر )
وقال آخر
( أراك حديدة في رأس قدح ... ومتن جلالة من ريش نسر ) وقال آخر
( اذاما مات مثلي مات شيء ... يموت بموته بشر كثير )
اشعر منه عبدة بن الطبيب حيث يقول في قيس بن عاصم
( فماكان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما )
قال امرؤ القيس في شبيه بهذا المعنى
( فلو أنها نفس تموت سوية ... ولكنها نفس تساقط أنفسا )
وقال آخر
( وزهدني في صالح العيش أنني ... رأيت يدي في صالح العيش قلت )
وقال معن بن أوس
( ولقد بدا لي أن قلبك ذاهل ... عني وقلبي لو بدا لك أذهل )
( كل يجامل وهو يخفى بغضه ... ان الكريم على القلا يتجمل )
وقال ركاض
( نرامي فترمي نحن منهن في الشوى ... ويرمين لا يعدلن عن كبد سهما )
( اذا ما لبسن الحلى والوشى أشرقت ... وجوه ولبات يثلبننا الحلما )
( ولين السبوب حمرة قرشية ... زبيرية يعلمن في لونها علما )

(1/387)


وقال اخر
( أعلل نفسي بما لا يكون ... كما يفعل المائق الأحمق )
وقال آخر
( تولت بهجة الدنيا ... فكل جديدها خلق )
( وخان الناس كلهم ... فما أدري بمن أثق )
( رأيت معالم الخيرات ... سدت دونها الطرق )
( فلا حسب ولا أدب ... ولا دين ولا خلق )
وقال ابو الأسود الدؤلي
( لنا جيرة سدوا المجازة بيننا ... فان ذكروك السد فالسد أكيس )
( ومن خير ما الصقت بالدار حائط ... يزل به صقع الخطاطيف أملس )
وقال آخر
( عقمت أم اتتنا بكم ... ليس فيكم رجل غير دني )
( واذا ما الناس عدوا شرفا ... كنتم من ذك في بال رخي )
وقال آخر
( قد بلوناك بحمد الله ان أغني البلاء ... )
( فاذا كل مواعيدك والجحد سواء ... )
وقال آخر
( ولقد هززتك للمديح فكنت ذا نفس لكيعه ... )
( انت الرقيع ابن الرقيع ابن الرقيع ابن الرقيعه ... )
وقال آخر
( لكل أناس سلم يرتقى به ... وليس الينا في السلاليم مطلع )
( وغايتنا القصوى حجاز لمن به ... وكل حجاز ان هبطناه بلقع )
( وينفر منا كل وحش وينتمي ... الى وحشنا وحش البلاد فيرتع )
وقال آخر
( لو جرت خيل نكوصا ... لجرت خيل دفافه )
( هي لا خيل رجاء ... لا ولا خيل مخافه )
وقال الخزيمي

(1/388)


( اخلع ثيابك من أبي دلف ... واهرب من الفجفاجة الصلف )
( لا يعجبنك من أبي دلف ... وجه يضيء كدرة الصدف )
( إني رأيت أخي أبا دلف ... عند الفعال مولد الشرف )
وأنشد ابن الأعرابي
( أهلكتني بفلان ثقتي ... وظنون بفلان حسنه )
( ليس يستوجب شكرا رجل ... نلت خيرا منه من بعد سنه )
( كنت كالهادي من الطير راى ... طمعا أدخله في سجنه )
( زادني قرب صديقي فاقة ... أورثت من بعد فقر مسكنه )
وأنشدنا
( اذا المرء أولاك الهوان فأوله ... هوانا وان كانت قريبا أواصره )
( فان انت لم تقدر على ان تهينه ... فذره الى اليوم الذي انت قادره )
( وقارب اذا ما لم تكن لك قدرة ... وصمم اذا ايقنت أنك عاقرة )
وقال بعض ظرفاء الاعراب
( واذا خشيت من الفؤاد لجاجة ... فاضرب عليه بجرعة من رائب )
وهذا من شكل قوله
( ذكرتك ذكره فاصطدت ضبا ... وكنت اذا ذكرتك لا اخيب )
وقال بعض المحدثين
( ما أشبه الإمرة بالوصل ... وأشبه الهجران بالعزل )
وقالت الخنساء
( لم تره جارة يمشي بساحتها ... لريبة حين يخلي بيته الجار )
( مثل الرديني لم تدنس عمامته ... كأنه تحت طي البرد إسوار )
وقال آخر
( ناديت هيذان والأبواب مغلقة ... ومثل هيذان سنى فتحة الباب )
( كالهندواني لم تفلل مضاربه ... وجه جميل وقلب غير وجاب )
وقال آخر
( أرى كل ريح سوف تسكن مرة ... وكل سماء ذات در ستقلع )
( ولست بقوال اذا قام حالبا ... لك الويل لا تجهد لعلك ترضع )

(1/389)


( ولكن اذا جادت بما دون حلبها ... جهدنا ولم نمذق بما نتوسع )
وقال آخر
( تمنى رجال ان اموت وغايتي ... الى اجل اقصى مداه قريب )
( وما رغبتي في آخر الدهر بعدما ... لبست شبابي كله ومشيبي )
( واصبحت في قوم كأن لست منهم ... وباد قروني منهم وضروبي )
وقال
( رأيت الناس لما قل مالي ... وأكثرت الغرامة ودعوني )
( فلما ان غنيت وثاب وفري ... اذ هم لا أبالك راجعوني )
وقال آخر
( وكنا نستطب اذا مرضنا ... فصار سقامنا بيد الطبيب )
( فكيف نجيز غصتنا بشيء ... ونحن نغص بالماء الشريب )
وقال عدي بن زيد
( لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصان بالماء اعتصاري )
وقال التوت اليماني - ويروي التوب بالباء والتوت هوالصواب - وهو المعروف بتويت فكبره هنا
( على اي باب اطلب الإذن بعدما ... حجبت من الباب الذي أنا حاجبه )
وقال آخر
( لا تضجرن ولا تدخلك معجزة ... فالنجح يهلك بين العجز الضجر )
وقال محمد بن بشر
( إن الامور اذا انسدت مسالكها ... فالصبر يفتح منها كل ما ارتتجا )
( لا تيأسن وان طالت مطالبة ... اذا استعنت بصبر ان ترى فرجا )
( أخلق بذي الصبر ان يحظى بحاجته ... ومدمن القرع للأبواب ان يلجا )
وقال بعض الاعراب
( فان طعاما ضم كفي وكفا ... لعمرك عندي في الحياة مبارك )
( فمن أجلها استوعب الزاد كله ... ومن اجلها تهوي يدي وتدارك )
وقال آخر
( كأني لما مسني السوط مقرم ... من العجم صعب ان يقاد نفور )

(1/390)


( فكم قد رأينا من لئيم موطأ ... صبور على مس السياط وقور )
( وذي كرم في القوم نهد مشيع ... جزوع على مس السياط ضجور )
وقال أحيحة بن الجلاح
( إستغن عن كل ذي قربى وذى رحم ... إن الغنى من استغنى عن الناس )
( والبس عدوك في رفق وفي دعة ... لباس ذي إربة للدهر لباس )
( ولا يغرنك أضغان مزمله ... قد يضرب الدبر الدامي بأحلاس )
وقال أحيحة أيضا
( استغن او مت ولا يغررك ذو نشب ... من ابن عم ولا عم ولا خال )
( إني أكب على الزوراء اعمرها ... إن الكريم على الاقوام ذو المال )
( يلوون ما عندهم عن حق أقربهم ... وعن عشيرتهم والمال بالوالي )
وقال آخر
( سأنبيك مالا بالمدينة إنني ... أرى عازب الأموال قلت فواضلة )
وقال آخر
( ولا خير في فضل اذا لم يكن له ... على طول مر الحادثات بقاء )
وقال العباس بن الأحنف
( لم يصف حب لمعشوقين لم يذقا ... وصلا يمر على من ذاقه العسل )
وقال بعض سفهاء الاعراب
( لا خير في الحب أبا السنور ... او يلتقي أشعرها وأشعري )
( وأطبق الخصية فوق المبعر ... )
وقال آخر
( وحظك زورة في كل عام ... مواقفة على ظهر الطريق )
( سلاما خاليا من كل شيء ... يعود به الصديق على الصديق )
وقال عطارد
( ولا يلبت الحبل الضعيف اذ التوى ... وجاذبه الاعداء ان يتخذما )
( وما يستوى السيفان سيف مؤنث ... وسيف اذا ما عض بالعظم صمما )
وقال طريح بن اسمعيل في الوليد بن يزيد بن عبد الملك
( سعيت ابتغاء الشكر فيما صنعت بي ... فقصرت مغلوبا وإني لشاكر )

(1/391)


( لانك تعطيني الجزيل بداهة ... وانت لما استكثرت من ذاك حاقر )
( فأرجع مغبوطا وأرجع بالتي ... لها أول في المكرمات وآخر )
( وقد قلت شعرا فيك لكن تقوله ... مكارم فيما تبتني ومفاخر )
( قواصر عنها لم تحط بصفاتها ... يراد بها ضرب من الشعر آخر )
وقال آخر
( فكم من مليم لم يصب بملامه ... ومتبع بالذنب ليس له ذنب )
( وكم من محب صد عن غير علة ... وان لم يكن في وصل خلته عتب )
وقال آخر
( لعل له عذرا وأنت تلوم ... وكم لائم قد لام وهو مليم )
كما قال الاحنف رب ملوم لا ذنب له وقال ابن المقفع
( فلا تلم المرء في شأنه ... فرب ملوم ولم يذنب )
وقال سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت الانصاري
( وإن امرءا يمسي ويصبح سالما ... من الناس إلا ما جنى لسعيد )

(1/392)


الجزء الثالث

(1/393)


بسم الله الرحمن الرحيم
هذا كتاب العصا
الحمد لله ولا حول ولا قوة الا بالله وصلى الله تعالى على محمد خاصة وعلى أنبيائه عامة
هذا أبقاك الله تعالى الجزء الثالث من القول في البيان والتبيين وما شابه ذلك من غرر الاحاديث وشاكله من عيون الخطب ومن الفقر المتسحسنة والنتف المتخيرة والمقطعات المستخرجة وبعض ما يجوز في ذلك من أشعار المذاكرة والجوابات المنتخبة
ونبدأ علىاسم الله تعالى بذكر مذهب الشعوبية ومن يتحلى باسم التسوية وبمطاعنهم على خطباء العرب بأخذ المخصرة عند مناقلة الكلام ومساجلة الخصوم بالموزون والمقفى والمنثور الذي لم يقف وبالارجاز عند المتح وعند مجاثاة الخصم وساعة المشاولة وفي نفس المجادلة و المحاولة وكذلك الاسجاع عند المنافرة المفاخرة واستعمال المنثور في خطب الجمالة وفي مقامات الصلح وسل السخيمة والقول عند المعاقرة والمعاهدة وترك اللفظ يجري على سجيته وعلى سلامته حتى يخرج على غير صنعة ولا اختلاف تأليف ولا التماس قافية ولا تكلف لوزن مع الذي عابوا من الاشارة بالعصي والاتكاء على أطراف القسي وخد وجه الارض بها واعتمادها عليها اذا استحفزت في كلامها وافتنت يوم الحفل في مذاهبها ولزومهم العمائم في أيام الجموع وأخذ المخاصر في كل حال وجلوسها في خطب النكاح وقيامها في خطب الصلح وكل ما دخل في باب الحمالة وأكد شأن المحالفة وحقق حرمة المجاورة وخطبهم على رواحلهم في المواسم العظام والمجامع الكبار والتماسح بالاكف والتحالف على النار والتعاقد على الملح وأخذ العهد المؤكد واليمين الغموس مثل قولهم ما سرى نجم وهبت ريح وبل بحر صوفة وخالقت جرة درة ولذلك قال الحارث بن حلزة اليشكري

(1/395)


( واذكروا حلف ذي المجاز وماقدم ... فيه العهود والكفلاء )
( حذرالخون والتعدي وهل تنقض ... ما في المهارق الاهواء )
وقال أوس بن حجر
( اذا استقبلته الشمس صد بوجهه ... كما صد عن نار المهول حالف )
وقال الكميت
( كهولة ما اوقد المحلفون ... لدي الحالفين وما هولوا )
وقال الاول
( حلفت بالملح والرماد وبالنار ... وبالله تسلم الحلقه )
( حتى يظل الجواد منعقرا ... وتخضب النبل غرة الورقه )
وقال الاول
( حلفت لهم بالملح والجمع شهد ... وبالنار واللأت التي هي أعظم )
وقال الخطيئة في إضجاع القسي
( أم من لخصم مضجعين قسيهم ... صعر خدودهم عظام المفخر )
وقال لبيد بن ربيعة في خد وجه الارض بالقسي والعصي
( نشين صحاح البيد كل عشية ... بعوج السراء عند باب محجب )
ومثله
( اذا اقتسم الناس فضل الفخار ... أطلنا علىالارض ميل العصا )
ومثله
( حكمت لنا في الارض يوم محرق ... أيامنا في الناس حكما فيصلا )
وقال لبيد بن ربيعة في ذكر القسي
( ما ان أهاب اذا السرادق عمه ... قرع القسي وأرعش الرعديد )
وقال كثير في الاسلام
( اذا قرعوا المنابر ثم خطوا ... بأطراف المخاصر كالغضاب )
وقال ابو عبيدة سأل معاوية شيخا من بقايا العرب اي العرب رأيته أضخم شأنا قال حصن بن حذيفة رأيته متوكئا على قوسه يقسم في الحليفين أسد وغطفان
وقال لبيد بن ربيعة في الاشارة

(1/396)


( غلب تشذر بالدحول كأنها ... جن البدي رواسيا أقدامها )
وقال معن بن أوس المزني
( ألا من مبلغ عني رسولا ... عبيد الله اذ عجل الرسالا )
( تعاقل دوننا أبناء ثور ... ونحن الاكثرون حصى ومالا )
( اذا اجتمع القبائل جئت ردفا ... أمام الماسحين لك السبالا )
( فلا تعطي العصا الخطباء يوما ... وقد تكفي المقادة والمقالا )
وقال الآخر في حمل القناة
( اني امرؤ لا تخطاه الرفاق ولا ... جدب الخوان اذا ما استثني المرق )
( صلب الحيازيم لا هذر الكلام اذا ... هز القناة ولا مستعجل زهق )
وقال جرير الخطفى في حمل القناة
( من للقناة اذا ما عي قائلها ... وللأعنة ياعمرو بن عمار )
قالوا وهذا مثل قول أبي المجيب الربعي حيث يقول لا تزال تحفظ أخاك حتى يأخذ القناة فعند ذلك يفضحك او يمدحك يقول اذا قام يخطب فقد قام المقام الذي لا بد من ان يخرج منه مذموما او محمودا وقال عبد الله بن رؤبة سال رجل رؤبة عن أخطب بني تميم فقال خداش بن بشر ابن لبيد بن خالد يعني البعيث الشاعر وانما قيل له البعيث لقوله
( تبعث مني ما تبعث بعد ما ... أمرت حبالى كل مرتها شزرا )
وقال ابو اليقظان كانوا يقولون أخطب بني تميم البعيث اذا أخذ القناة فهزها ثم اعتمد بها على الارض ثم رفعها قال يونس لعمري لئن كان مغليا في الشعر لقد كان غلب في الخطب
وفي حديث النبي انه جاء البقيع ومعه مخصرة فجلس فنكت بها الارض ثم رفع رأسه فقال مامن نفس منفوسة الا وقد كتب مكانها من الجنة او النار وهو من حديث ابي عبد الرحمن السلمي
ومما يدلك علىاستحسانهم شأن المخصرة حديث عبد الله بن أنيس ذي المخصرة وهو صاحب ليلة الجهني وكان النبي أعطاه مخصرة فقال ( تلقاني بها في الجنة ) وهو مهاجر عقبى أنصاري وهو ذو المخصرة في الجنة

(1/397)


مطاعن الشعوبية علىالعرب بشأن العصا
وقالت الشعوبية ومن يتعصب للعجمية القضيب للايقاع والقناة للقار والعصا للقتال والقوس للرمي وليس بين الكلام وبين العصا سبب ولا بينه وبين القوس نسب وهما الى ان يشغلا العقل ويصرفا الخواطر ويعترضا الذهن أشبه وليس في حملها ما يشحذ الذهن ولا في الاشارة بها ما يجلب اللفظ وقد زعم أصحاب الغناء ان المعنى اذاضرب على غنائه قصر عن المغني الذي لا يضرب على غنائه وحمل العصا بأخلاق الفدادين أشبه وهو بجفاة الاعراب وعنجهية أهل البدو ومزاولة إقامة الإبل على الطرق أشكل وبه أشبه
وقالوا والخطابة شيء في جميع الامم وبكل الاجيال اليه أعظم الحاجة حتى ان الزنج - مع الغثارة ومع فرط الغباوة ومع كلال الحد وغلظ الحس وفساد المزاج - لتطيل الخطب وتفوق في ذلك جميع العجم وان كانت معانيها أجفى وأغلظ وألفاظها أخطأ وأجهل وقد علمنا ان اخطب الناس الفرس واخطب الفرس اهل فارس واعذبهم كلاما واسهلهم مخرجا واحسنهم ولاء واشدهم فيه تحنكا اهل مرو وافصحهم بالفارسية الدرية وباللغة الفهلوية اهل قصبة الاهوار فأما نغمة الهربذ ونغمة الموبذان فلصاحب تفسير الزمزمة قالوا ومن احب ان يبلغ في صناعة البلاغة ويعرف الغريب ويتبحر في اللغة فليقرأ كتاب كاروند ومن احتاج الى العقل والادب والعلم بالمراتب والعبر والمثلات والالفاظ الكريمة والمعاني الشريفة فلينظر الى سير الملوك
فهذه الفرس ورسائلها وخطبها وألفاظها ومعانيها وهذه يونان ورسائلها وخطبها وعللها وحكمها وهذه كتبها في المنطق التي قد جعلتها الحكماء بها تعرف السقم من الصحة والخطأ من الصواب وهذه كتب الهند في حكمها وأسرارها وسيرها وعللها فمن قرأ هذه الكتب عرف غور تلك العقول وغرائب تلك الحكم وعرف اين البيان والبلاغة واين تكاملت تلك الصناعة فكيف سقط على جميع الامم من المعروفين بتدقيق المعاني وتخير الالفاظ وتمييز الامور ان يشيروا بالقنا والعصي والقضبان والقسي كلا ولكنكم

(1/398)


كنتم رعاة بين الابل والغنم فحملتم القنا في الحضر بفضل عادتكم لحملها في السفر وحملتموها في المدر بفضل عادتكم لحملها في الوبر وحملتموها في السلم بفضل عادتكم لحملها في الحرب ولطول اعتيادكم لمخاطبة الابل جفا كلامكم وغلظت مخارج اصواتكم حتى كأنكم إنما تخاطبون الصمان اذا كلمتم الجلساء وإنما كان جل قتالكم بالعصي ولذلك فخر الاعشى على سائر العرب فقال
( لسنا نقاتل بالعصي ... ولا نرامي بالحجارة )
( إلا علالة او بداهة ... قارح نهد الجزارة )
وقال الآخر
( فان تمنعوا منا السلاح فعندنا ... سلاح لنا لا يشترى بالدراهم )
( جنادل أملاء الأكف كأنها ... رؤس رجال حلقت بالمواسم )
وقال جندل الطهوي
( حتى اذا دارت رحى لا تجري ... صاحت عصي من قنا وسدر )
وقال آخر
( دعا ابن مطيع للبياع فجئته ... الى بيعة قلبي لها غير الف )
( فناولني خشناء لما لمستها ... بكفي ليست من اكف الخلائف )
( من الشثنات الكزم انكرت مسها ... وليست من البيض الرقاق اللطائف )
( معاودة حمل الهراوي لقومها ... فرورا اذاما كان يوم التنائف )
وقال آخر
( ما للفرزدق من عز يلوذ به ... الا بني العم في أيديهم الخشب )
مطاعن الشعوبة علىالعرب بشأن الآت الحرب
قالوا وإنما كانت رماحكم من مران وأسنتكم من قرون البقر وكنتم تركبون الخيل في الحرب أعراء فان كان الفرس ذا سرج فسرجه رحالة من أدم ولم يكن ذا ركاب والركاب من اجود الآت الطاعن برمحه والضارب بسيفه وربما قام فيهما او اعتمد عليهما وكان فارسكم يطعن بالقناة الصماء وقد علمنا ان الجوفاء أخف محملا وأشد طعنة وتفخرون بطول القناة ولا تعرفون الطعن بالمطارد وانما القنا الطوال للرجالة والقصار للفرسان والمطارد

(1/399)


لصيد الوحش وتفخرون بطول الرمح وقصر السيف فلوكان المفتخر بقصرالسيف الراجل دون الفارس لكان الفارس يفخر بطول السيف وان كان الطول في الرمح انما صار صوابا لانه ينال به البعيد ولا يفوته العدو ولان ذلك يدل على شدة أسر الفارس وقوة أيده فكذلك السيف العريض الطويل وكنتم تتخذون للقناة زجا وسنانا حين لم يقبض الفارس منكم على أصل قناته ويعتمد عند طعنته بفخذه ويستعين بحمية فرسه وكان أحدكم يقبض على وسط القناة ويخلف منها على مثل ما قدم فانما طعنكم الدره والنهزة والخلس والزج وكنتم تتساندون في الحرب وقد علم ان الشركة ردية في ثلاثة أشياء في الملك والحرب والزوجة وكنتم لا تقاتلون بالليل ولا تعرفون البيات ولا الكمين ولا الميمنة ولا الميسرة ولا القلب ولا الجناح ولا الساقة ولا الطليعة ولا النفاضة ولا الدراجة ولا تعرفون من آلة الحرب الرتيلة ولا العرادة ولا المجانيق ولا الدباب ولا الخنادق ولا الحسك ولاتعرفون الاقبية ولا السراويلات ولا تعليق السيوف ولا الطبول ولا البنود والتجافيف ولا الجواشن ولا الخود ولا السواعد ولا الاجراس ولا الوهق ولا الرمي بالبنجان ولا الزرق بالنفض لكم ولا النيران وليس لكم في الحرب صاحب علم يرجع اليه المنحاز ويتذكره المنهزم وقتالكم إما سلة وإما مزاحفة والمزاحفة على مواعد متقدمة والسلة مسارقة وفي طريق الاستلاب والخلسة
قالوا والدليل على أنكم لم تكونوا تقاتلون بالليل قول العامري
( يا شدة ما شددنا غير كاذبة ... على سخينة لولا الليل والحرم )
ويدل على ذلك أيضا قول الحارث بن ضرار
( وعمرو اذ أتانا مستميتا ... كسونا رأسه عضبا صقيلا )
( فلولا الليل ما آبوا بشخص ... يخبر أهلهم عنهم قليلا )
وقال أمية بن الاشكر
( ألم تر أن ثعلبة بن سعد ... غضاب حبذا غضب الموالي )
( تركت مصرفا لما التقينا ... صريعا تحت أطراف العوالي )
( ولولا الليل لم يغلب ضرار ... ولا رأس الحمار ابو جفال )

(1/400)


رد الجاحظ على الشعوبية
قلنا ليس لكم فيما ذكرتم في هذه الاشعار دليل على ان العرب لا تقاتل بالليل وقد يقاتل بالليل والنهار من تحول دون ما له المدن وهول الليل وربما تحاجز الفريقان وان كان كل واحد منهما يرى البيات ويرى ان يقاتل اذا بيتوه وهذا كثير والدليل على أنهم كانوا يقاتلون بالليل قول سعد بن مالك في قتل كعب بن مزيقيا الملك الغساني
( وليلة تبع وخميس سعد ... أتونا بعد ما نمنا دبيبا )
( فلم نهدأ لبأسهم ولكن ... ركبنا حد كوكبهم ركوبا )
( بضرب تفلق الهامات منه ... وطعن يفصل الحلق الصليبا )
وقال بشر بن ابي خازم
( فأما تميم تميم بن مر ... فألفاهم القوم روبى نياما )
وقال عياض السندي
( ونحن نجلنا لابن ميلاء نحره ... بنجلاء من بين الجوانح تشهق )
( ويوم بنى الديان نال أخاهم ... بأرماحنا بالسبي موت محدق )
( ومنا حماة الجيش ليلة أقبلت ... إياد يزجيها الهمام محرق )
وقال آخر
( وعلى شتير راح منا رائح ... بأبي قبيصة كالفتيق المقرم )
( يردي بشر حاف المغادر بعدما ... نشر النهار سواد ليل مظلم )
وقال عياض السندي
( لحمام بسطام بن قيس بعد ما ... جنحا الظلام بمثل لون العظلم )
وقال أوس بن حجر
( باتوا يصيب القوم ضيفا لهم ... حتى اذا ما ليلهم أظلما )
( فردهم شهباء ملمومة ... مثل حريق النار او أضرما )
( والله لولا قرزل ما نجا ... وكان مثوى خدك الاخرما )
( نجاك حياش هزيم له ... أحميت وسط الوبر الميسما )
وبعد فهل قتل ذؤاب الاسدي عتيبة بن الحارث بن شهاب الا وسط الليل الاعظم حين تبعوهم فلحقوهم وكانوا اذا اجتمعوا للحرب دخنوا بالنهار وأوقدوا

(1/401)


بالليل قال عمرو بن كلثوم وذكر واقعة لهم
( ونحن غداة أوقد في خزازى ... رفدنا فوق رفد الرافدينا )
وقال خمخام السدوسي
( وإنا بالصليب ببطن فخ ... جميعا واضعين به لظانا )
( ندخن بالنهار ليبصرونا ... ولانخفى على احد أتانا )
واما قولهم لايعرفون الكمين فقد قال ابو قيس بن الأسلت
( وأحرزنا المغانم واستبحنا ... حمىالاعداء والله المعين )
( بغير خلابة وبغير مكر ... مجاهرة ولم يخبأ كمين )
وأما ذكرهم للركب فقد أجمعوا على ان الركب كانت قديمة الا ان ركب الحديد لم تكن في العرب الا ايام الازارقة وكانت العرب لا تعود انفسها اذا أرادت الركوب ان تضع أرجلها في الركب وإنما كانت تنزو نزوا وقال عمر ابن الخطاب رضي الله تعالى عنه لاتخور قوى ماكان صاحبها ينزو وينزع
وقال عمر الراحة عقلة وإياكم والسمنة فانها عقلة
ولهذه العلة قتل خالد بن سعيد بن العاص حين غشيه العدو وأراد الركوب ولم يجد من يحمله
ولذلك قال عمر حين رأى المهاجرين والانصار لما أخصبوا وهم كثير منهم بمقاربة عيش العجم تمعدوا واخشوشنوا واقطعوا الركب وانزوا علىالخيل نزوا وقال احفوا وانتعلوا فانكم لا تدرون متى تكون الجفلة
وكانت العرب لا تدع اتخاذ الركاب للرحل فكيف تدع الركاب للسرج ولكنهم كانوا وان اتخذوا الركب فانهم لا يستعملونها الا عند مالا بد منه كراهية ان يتكلوا على بعض ما يورثهم الاسترخاء والتفتخ ويضاهون أصحاب الترفه والنعمة قال الاصمعي قال العمري كان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يأخذ بيده اليمنى أذن فرسه اليسرى ثم يجمع جراميزه ويثب فكأنما خلق على ظهر فرسه وفعل مثل ذلك الوليد بن يزيد وهو يومئذ ولي عهد هشام ثم أقبل على مسلمة بن هشام فقال له أبوك يحسن مثل هذا فقال

(1/402)


مسلمة لأبي مائة عبد يحسنون مثل هذا فقال الناس لم ينصفه في الجواب
وزعم رجال من مشيختنا انه لم يقم احد من ولد العباس بالملك إلا وهو جامع لأسباب الفروسية
وأما ما ذكروا في شأن رماح العرب فليس الامر في ذلك على ما يتوهمون وللرماح طبقات فمنها النيزك ومنها المربوع ومنها المخموس ومنها التام ومنها الخطل وهو الذي يضطرب في يد صاحبه لافراط طوله فاذا أراد الرجل ان يخبر عن شدة أسر صاحبه ذكره كما ذكر متمم بن نويرة أخاه مالكا فقال كان يخرج في الليلة الصنبرة عليه الشملة الفلوت بين المزادتين النضوحين على الجمل الثفال معتقل الرمح الخطل قالوا له وأبيك ان هذا لهو الجلد ولا يحمل الرمح الخطل منهم الا الشديد الأيد والمدل بفضل قوته عليه الذي اذا رآه الفارس في تلك الهيبة هابه وحاد عنه فان شد عليه كان أشد لاستخدامه له والحال الاخرى ان يخرجوا في الطلب بعقب الفارة فربما شد على الفارس المولي فيفوته بأن يكون رمحه مربوعا او مخموسا وعند ذلك يستعملون النيازك والنيزك أقصر الرماح واذاكان الفارس الهارب يفوت الفارس الطالب زجه بالنيزك وربما هاب مخالطته فيستعمل الزج دون الطعن صنيع ذؤاب الاسدي بعتيبة بن الحارث بن شهاب وقال الشاعر
( وأسمر خطيا كأن كعوبه ... نوى القسب قد أرمى ذراعا على العشر )
وقال آخر
( هاتيك تحملني وأبيض صارما ... ومحربا في مارن مخموس )
وقال اخر
( تولوا وأطراف الرماح عليهم ... بوادر مربوعاتها وطوالها )
وهم قوم ألغارات فيهم كثيرة وبقدر كثرة الغارات كثر فيهم الطلب والفارس ربما زاد في طول رمحه ليخبر عن فضل قوته ويخبر عن قصر سيفه ليخبر عن فضل نجدته قال كعب بن مالك
( نصل السيوف اذا قصرن بخطونا ... قدما ونلحقها اذا لم تلحق )
قال آخر
( اذا الكماة تنحوا ان ينالهم ... حد الظباة وصلناها بأيدينا )

(1/403)


وقال رجل من بني تميم بن نمير
( وصلنا الرقاق المرهفات بخطونا ... علىالهول حتى أمكنتنا المضارب )
وقال حميد بن ثور الهلالي
( ووصل الخطا بالسيف والسيف بالخطا ... اذا ظن ان السيف ذو السيف قاصر )
وقال اخر
( الطاعنون في النحور والكلى ... شزرا ووصال السيوف بالخطا )
وأما ما ذكروا من أتخاذ الزج لسافلة الرمح والسنان لعاليته فقد ذكروا ان رجلا قتل أخوين في نقاب تقول العرب لقيته سقابا ونقابا اي مواجهة أحدهما بعالية الرمح والآخر بسافلته وقدم في ذلك راكب من قبل بني مروان على قتادة يستثبت الخبر فأثبته له من قبله وقال الآخر
( ان لقيس عادة تعتادها ... سل السيوف وخطأ تزدادها )
وقد وصفوا السيوف أيضا بالطول فقال عمارة بن عقيل
( بكل طويل السيف ذي خيزرانه ... جريء على الاعداء معتمد الشطب )
وأما وجملة القول انا لا نعرف الخطب الا للعرب والفرس
وأما الهند فانما لهم معان مدونة وكتب مجلدة لا تضاف الى رجل معروف ولا الىعالم موصوف وأنما هي كتب متوارثة وآداب على وجه الدهر سائرة مذكورة
ولليونانيين فلسفة وصناعة منطق وكان صاحب المنطق نفسه بكىء اللسان غير موصوف بالبيان مع علمه بتمييز الكلام وتفصيله ومعانيه وبخصائصه وهم يزعمون ان جالينوس كان أنطق الناس ولم يذكروه بالخطابة ولا بهذا الجنس من البلاغة
وفي الفرس خطباء الا ان كل كلام للفرس وكل معنى للعجم فانما هو عن طول فكرة وعن اجتهاد وخلوة وعن مشاورة ومعاونة وعن طول التفكر ودراسة الكتب وحكاية الثاني علم الاول وزيادة الثالث في علم الثاني حتى اجتمعت ثمار تلك الفكر عند آخرهم
وكل شيء للعرب فانما هو بديهة وارتجال وكأنه إلهام وليست هناك معاناة ولا مكابدة ولا إجالة فكرة ولا استعانة وانما هو ان يصرف وهمه

(1/404)


الى الكلام والى رجز يوم الخطام او حين ان يمتح على رأس بئر او يحدو ببعير او عند المقارعة والمناقلة او عند صراع او في حرب فما هو الا ان يصرف وهمه الى جملة المذهب والى العمود الذي اليه يقصد فتأتيه المعاني ارسالا وتنثال عليه الالفاظ انثيالا ثم لا يقيده على نفسه ولا يدرسه أحدا من ولده
وكانوا أميين لا يكتبون ومطبوعين لا يتكلفون وكان الكلام الجيد عندهم أظهر وأكثر وهم عليه اقدر واقهر وكل واحد في نفسه أنطق ومكانة من البيان أرفع وخطباؤهم أوجز والكلام عليهم اسهل وهو عليهم أيسر من ان يفتقروا الى تحفظ او يحتاجوا الى تدارس وليس هم كمن حفظ علم غيره واحتذى على كلام من كان قبله فلم يحفظوا الا ما علق بقلوبهم والتحم بصدورهم واتصل بعقولهم من غير تكلف ولا قصد ولا تحفظ ولا طلب وان شيئا من الذي في أيدينا جزء منه لبالمقدار الذي لا يعلمه الا من احاط بقطر السحاب وعد التراب وهو الله الذي يحيط بما كان والعالم بما سيكون
ونحن أبقاك الله أذا ادعينا للعرب اصناف البلاغة من القصيد والأرجاز ومن المنثور والاسجاع ومن المزدوج وما لا يزدوج فمعنا العلم على ان ذلك لهم شاهد صادق من الديباجة الكريمة والرونق العجيب والسبك والنحت الذي لا يستطيع أشعر الناس اليوم ولا أرفعهم في البيان ان يقول في مثل تلك الا في اليسير والنبذ القليل
ونحن لا نستطيع ان نعلم ان الرسائل التي في أيدي الناس للفرس أنها صحيحة غير مصنوعة وقديمة غير مولدة اذا كان مثل ابن المقفع وسهل بن هرون وأبي عبيد الله وعبد الحميد وغيلان وفلان وفلان لا يستطيعون ان يولدوا مثل تلك الرسائل ويصنعوا مثل ذلك السير
وأخرى انك متى أخذت بيد الشعوبي فأدخلته بلاد الاعراب الخلص ومعدن الفصاحة التامة ووقفته على شاعر مفلق او خطيب مصقع علم ان الذي قلت هوالحق وأبصر الشاهد عيانا فهذا فرق مابيننا وبينهم
فتفهم عني فهمك الله ما أنا قائل في هذا واعلم انك لم تر قوما قط أشقى

(1/405)