صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


[ الأغاني - الأصفهاني ]
الكتاب : الأغاني
المؤلف : أبي الفرج الأصفهاني
الناشر : دار الفكر - بيروت
الطبعة الثانية
تحقيق : سمير جابر
عدد الأجزاء : 24

( رَجَونا هُدَاه لا هدَى الله خالداً ... فما أمُّه بالأم يُهْدَى جنِينُها )
فحمي سليمان وأمر بقطع يد خالد وكان يزيد بن المهلب عنده فما زال يفديه ويقبل يده حتى أمر بضربه مائة سوط ويعفى عن يمينه فقال الفرزدق في ذلك
( لعمري لقد صُبَّتْ على ظهر خالد ... شآبيبُ ما استَهْللْنَ من سَبَل القَطر )
( أيُضْرَبُ في العِصيان من كان طائعاً ... ويَعصِي أميرَ المؤمنين أخو قَسْرِ )
( فنفسَك لُمْ فيما أتيتَ فإنما ... جُزِيت جزاءً بالمُحَدْرَجَةِ السُّمرِ )
( وأنتَ ابنُ نصرانيَّةٍ طال بَظْرها ... غَذَتْك بأولاد الخنازير والخمر )
( فلولا يزيدُ بن المهلَّب حَلَّقَتْ ... بكفك فتخاءٌ إلى الفرخ في الوكرِ )
( لَعمرِي لقد صالَ ابنُ شيبةَ صولةً ... أرتْك نجومَ الليل ظاهرةً تسري )
هجو الفرزدق له
فحقدها خالد على الفرزدق فلما وُلِّي وحفر نهر العراق بواسط قال فيه الفرزدق أبياتا يهجوه منها
( وأهلكتَ مَالَ الله في غير حقِّهِ ... على النَّهر المشؤوم غيرِ المباركِ )
( وتضرب أقواماً صِحاحاً ظُهورُهم ... وتتْركُ حقَّ الله في ظهر مالِك )

(22/26)


وقال ويقال إنها للمفرج بن المرقع
( كأنك بالمبارك بعد شهرٍ ... يخوض غمارَهُ نَقْعُ الكلاب )
( كذبت خليفةَ الرحمن عنه ... وكيف يرى الكذوبُ جَزا الكِذاب )
فأخذ خالد الفرزدق فحبسه واعتل عليه بهجائه إياه في حفر المبارك فقال الفرزدق في السجن
( أَبلغْ أميرَ المؤمنين رسالةً ... فعجَّل هداكَ الله نزعَك خالدَا )
( بَنَى بِيعةً فيها الصَّليبُ لأمّهِ ... وهدَّم من بغض الإله المساجدَا )
فبعث هشام إلى خالد بن سويد يأمره بإطلاق الفرزدق فأطلقه فقال الفرزدق يهجو خالدا القسري
( أَلا لَعن الرحمنُ ظهرَ مطيةٍ ... أّتتْنَا تَخَطَّى من بعيد بخالد )
( وكيف يؤمُّ المسلمين وأمُّه ... تدين بأنّ الله ليس بواحد )
أخبرنا الحسن قال حدثنا أحمد بن الحارث قال حدثنا المدائني قال
شتم عبد الله بن عياش الهمذاني خالد بن عبد الله في أيام منصور بن جمهور فسمعه رجل من لخم فقدمه إلى منصور واستعداه عليه فقال له منصور ما تريد فقال ابن عياش أمرنا أيها الأمير برقية العقرب وفيه عجب لخمي يستنصر كلبيا على همذاني لبجلي دعي

(22/27)


وقال المدائني في خبره كان خالد بن عبد الله قريبا من هشام بن عبد الملك مكينا عنده فأدل وتمرغ عليه حتى إنه التفت يوما إلى ابنه يزيد بن خالد عند هشام فقال له كيف بك يا بني إذا احتاج إليك بنو أمير المؤمنين قال أواسيهم ولو في قميصي فتبين الغضب في وجه هشام واحتملها
لقب هشاما بابن الحمقاء
قال المدائني حدثني بذلك عبد الكريم مولى هشام إنه كان واقفا على رأس هشام فسمع هذا من خالد قال وكان إذا ذكر هشام قال له ابن الحمقاء فسمعها رجل من أهل الشام فقال لهشام إن هذا البطر الأشر الكافر لنعمتك ونعمة أبيك وإخوتك يذكرك بأسوأ الذكر فقال ماذا يقول لعله يقول الأحول قال لا والله ولكن مالا تنشق به الشفتان قال فلعله قال ابن الحمقاء فأمسك الشامي فقال قد بلغني كل ذلك عنه
واتخذ خالد ضياعا كثيرة حتى بلغت غلته عشرة آلاف ألف درهم فدخل عليه دهقان كان يأنس به فقال له إن الناس يحبون جسمك وأنا أحب جسمك وروحك قد بلغت غلة ابنك أكثر من عشرة آلاف ألف سوى غلتك وإن الخلفاء لا يصبرون على هذا فاحذر فقال له خالد إن أخي أسد بن عبد الله قد كلمني بمثل هذا أفأنت أمرته قال نعم قال ويحك دعه فرب يوم كان يطلب فيه الدرهم فلا يجده

(22/28)


عرف ببخله الشديد
وقال المدائني في خبره كان خالد بن عبد الله بخيلا على الطعام فوفد إليه رجل له به حرمة فأمر أن يكتب له بعشرة آلاف درهم وحضر الطعام فأتي به فأكل أكلا منكرا فأغضبه وقال للخازن لا تعرض علي صكه فعرفه الخازن ذلك فقال له ويحك فما الحيلة قال تشتري غدا كل ما يحتاج إليه في مطبخه وتهب الطباخ دراهم حتى لا يشتري شيئًا وتسأله إذا أكل خالد أن يقول له إنك اليوم في ضيافة فلان فاشترى كل ما أراد حتى الحطب فبلغ خمسمائة درهم فأكل خالد فاستطاب ما صنع له
فقال له الطباخ إنك كنت اليوم في ضيافة فلان قال له وكيف ذاك فأخبره فاستحيا خالد ودعا بصكه فصيره ثلاثين ألفا ووقع فيه وأمر الخازن بتسليمها إليه
قال وكان لبعض التجار على رجل دين فأراد استعداء خالد عليه فلاذ الرجل ببواب خالد وبره فقال له سأحتال لك في أمر هذا بحيلة لا يدخله عليه أبدا قال فافعل فلما جلس خالد للأكل أذن البواب للتاجر فدخل وخالد يأكل سمكا فجعل يأكل أكلا شنيعا كثيرا فغاظ ذلك خالدا فلما خرج قال لبوابه فيم أتاني هذا قال يستعدي على فلان في دين يدعيه عليه قال والله إني لأعلم أنه كاذب فلا يدخلن علي وتقدم إلى صاحب الشرطة بقبض يده عن صاحبه
كان يلحن في خطبه
وقال المدائني في خبره

(22/29)


كان خالد يوما يخطب على المنبر وكان لحنة وكان له مؤدب يقال له الحسين بن رهمة الكلبي وكان يجلس بإزائه فإذا شك في شيء أومأ إليه وكان لخالد صديق من تغلب زنديق يقال له زمزم فلما قام يخطب على المنبر قام إليه التغلبي في وسط خطبته وقال قد حضرتني مسألة قال ويحك أما ترى الشيطان عينه في عيني يعني حسينا قال لا بد والله منها قال هاتها قال أخبرني قلمسان إذا ساف ثم رفع رأسه وكرف أي شيء يقول قال أراه يقول ما أطيبه يا رباه قال صدقت ما كان ليستشهد على هذا سوى ربه
قال المدائني وقال خالد يوما على المنبر هذا كما قال الله عز و جل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ثم أرتج عليه فقال للتغلبي قم فافتح علي يا أبا زمزم سورة كذا وكذا فقال خفض عليك أيها الأمير لا يهولنك ذلك فما رأيت قط عاقلا حفظ القرآن وإنما يحفظه الحمقى من الرجال قال صدقت يرحمك الله
وقال المدائني حدثني أبو يعقوب الثقفي قال
قال خالد بن عبد الله للعريان يا عريان أعجزت عن الشرط حتى أولي غيرك فإن الغناء قد فشا وظهر قال لم أعجز وإن شئت فاعزلني فقال له خذ لي المغنيات فأحضره خمسا منهن أو ستا فأدخلهن إليه فنظر

(22/30)


إلى واحدة منهن بيضاء دعجاء كأنها أشربت ماء الذهب فدعا لها بكرسي فجلست ثم قال لها أين البربط الذي كانت تضرب به فأحضر ثم سوته فغنت
( إلى خالدٍ حتّى أنخنَ بخالدٍ ... فنعم الفتى يُرجَى ونعم المؤمّلُ )
فقال اعدلي عن هذا إلى غيره فغنت
( أروحُ إلى القصَّاص كل عَشيَّةٍ ... أرجِّي ثوابَ الله في عدد الخُطَا )
قال وأقبل قاص المصر فقال له خالد أكانت هذه تروح إليك قال لا وما مثلها يروح إلي قال خذ بيدها فهي لك ومولاها بالباب فسأل عنها فقيل وهبها للقاص فتحمل عليه بأشراف الكوفة فلم يرددها حتى اشتراها منه بمائتي دينار
وقال المدائني قال خالد في خطبته والله ما إمارة العراق مما يشرفني فبلغ ذلك هشاما فغاظه جدا وكتب إليه
بلغني يا بن النصرانية أنك تقول إن إمارة العراق ليست مما يشرفك صدقت والله ما شيء يشرفك وكيف تشرف وأنت دعي إلى بجيلة القبيلة القليلة الذليلة أما والله إني لأظن أن أول ما يأتيك ضغن من قيس فيشد يديك إلى عنقك
هشام يعزله ويعذبه
وقال المدائني حدثني شبيب بن شيبة عن خالد بن صفوان بن الأهتم

(22/31)


قال لم تزل أفعال خالد به حتى عزله هشام وعذبه وقتل ابنه يزيد بن خالد فرأيت في رجله شريطا قد شد به والصبيان يجرونه فدخلت إلى هشام يوما فحدثته وأطلت فتنفس ثم قال يا خالد رب خالد كان أحب إلي قربا وألذ عندي حديثا منك قال يعني خالدا القسري فانتهزتها ورجوت أن أشفع له فتكون لي عند خالد يد فقلت يا أمير المؤمنين فما يمنعك من استئناف الصنيعة عنده فقد أدبته بما فرط منه فقال هيهات إن خالدا أوجف فأعجف وأدل فأمل وأفرط في الإساءة فأفرطنا في المكافأة فحلم الأديم ونغل الجرح وبلغ السيل الزبى والحزام الطبيين فلم يبق فيه مستصلح ولا للصنيعة عنده موضع عد إلى حديثك
أخباره مع عمر بن أبي ربيعة
فأما أخباره في تخنثه وإرسال عمر بن أبي ربيعة إياه إلى النساء فأخبرني به علي بن صالح بن الهيثم عن أبي هفان عن إسحاق بن إبراهيم الموصلي عن عثمان بن إبراهيم الحاطبي وأخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثني الزبير بن بكار قال حدثني محمد بن الحارث بن سعد السعيدي عن إبراهيم بن قدامة الحاطبي عن أبيه واللفظ لعلي بن صالح في خبره قالا قال الحاطبي

(22/32)


أتيت عمر بن أبي ربيعة بعد أن نسك بسنين فانتظرته في مجلس قومه حتى إذا تفرق القوم دنوت منه ومعي صاحب لي فقال لي صاحبي هل لك في أن تريغه عن الغزل فننظر هل بقي منه شيء عنده فقلت له دونك فقال يا أبا الخطاب أحسن والله ريسان العذري قاتله الله قال وفيم أحسن قلت حيث يقول
( لو جُزَّ بالسيف رأسِي في مودّتها ... لمالَ لا شك يَهوِي نحوَها راسي )
فقال نعم أحسن فقلت يا أبا الخطاب وأحسن والله تحية بن جنادة العذري قال في ماذا قلت حيث يقول
( سرت لعينيك سَلْمى بعد مغفاها ... فبِتَّ مستوهناً من بَعْدِ مسراها )
( فقلت أهلاً وسهلاً من هَدَاكِ لنا ... إن كنتِ تمثالَها أو كنتِ إِيَّاها )
وفي رواية الزبير خاصة
( تأتي الرياحُ التي من نَحْوِ أرضكم ... حتى أقولُ دنَتْ منّا برَيّاها )
( وقد تراخت بها عنّا نوىً قَذَفٌ ... هيهاتَ مُصْبحُها من بعدِ مُمْساها )
( مِنْ حُبِّها أتمنّى أنْ يلاقِيَني ... من نحو بلدتها ناعٍ فينعاها )
( كيما أقولَ فِراقٌ لا لقاء له ... وتُضمرَ اليأسَ نفسِي ثم تَسْلاها )
( ولو تموت لراعتْنِي وقلتُ لها ... يا بؤسَ للدهر ليت الدهرَ أبقاها )
ويروي
( لراعتني منِيَّتُها وقلتُ يا بؤس ليت الدهرَ أبقاها )
فضحك عمر ثم قال يا ويحه أحسن والله لقد هيجتما علي ما

(22/33)


كان ساكنا مني فلأحدثنكما حديثا حلوا بينا أنا أول أعوامي جالس إذا بخالد الخريت قال مررت بأربع نسوة قبيل يردن ناحية كذا وكذا من مكة لم أر مثلهن قط فيهن هند فهل لك أن تأتيهن متنكرا فتسمع من حديثهن ولا يعلمن فقلت وكيف لي بأن يخفى ذلك قال تلبس لبسة الأعراب ثم تقعد على قعود كأنك تنشد ضالة فلا يشعرن حتى تهجم عليهن قال فجلست على قعود ثم أتيتهن فسلمت عليهن فآنسنني وسألنني أن أنشدهن فأنشدتهن لكثير وجميل وغيرهما وقلن يا أعرابي ما أملحك لو نزلت فتحدثت معنا يومنا هذا فإذا أمسيت انصرفت فأنخت قعودي وجلست معهن فحدثتهن وأنشدتهن فدنت هند فمدت يدها فجذبت عمامتي فألقتها عن رأسي ثم قالت تالله لظننت أنك خدعتنا نحن والله خدعناك أرسلنا إليك خالدا الخريت في إتياننا بك على أقبح هيئتك ونحن على أحسن هيئتنا ثم أخذن بنا في الحديث فقالت إحداهن يا سيدي لو رأيتني منذ أيام وأصبحت عند أهلي فأدخلت رأسي في جيبي فنظرت إلى حري فرأيته ملء العس والقس فصحت يا عمراه فصحت لبيك لبيك ولم أزل معهن في أحسن وقت إلى أن أمسينا فتفرقنا عن أنعم عيش فذلك حين أقول
( أَلم تعرفِ الأطلالَ والمتربَّعا ... ببطن حُلَيّات دَوارسَ بَلْقعا )

(22/34)


وذكر الأبيات
انقضت أخبار خالد لعنة الله عليه أبدا
صوت
( أنائلُ ما رؤيا زعمتِ رأيْتِها ... لنا عجبٌ لو أَنَّ رؤياكِ تَصْدُقُ )
( أنائلُ ما للعيش بعدك لذةٌ ... ولا مشربٌ نلقاه إلا مُرَنَّق )
( أنائلُ إنِّي والذي أَنا عبدُه ... لقد جعلتْ نفسي من البين تُشفِق )
( لعمرُك إن البين منك يشوقني ... وبعضُ بُعادِ البين والنأي أشوقُ )
الشعر لصخر بن الجعد الخضري
أخبرنا بذلك محمد بن مزيد عن الزبير بن بكار أن عمه أنشده هذه القصيدة لصخر بن الجعد الخضري وأنا أذكرها بعقب أخبار صخر ومن الناس من يروي هذه الأبيات لجميل ولم يأت ذلك من وجه يصح والزبير أعلم بأشعار الحجازيين
والغناء لعريب خفيف ثقيل عن الهشامي وفيه لابن المكي ثقيل أول بالوسطى عن عمرو

(22/35)


أخبار صخر بن الجعد ونسبه
صخر بن الجعد الخضري والخضر ولد مالك بن طريف بن محارب بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر وصخر أحد بني جحاش بن سلمة بن ثعلبة بن مالك بن طريف قال وسمي ولد مالك بن طريف الخضر لسوادهم وكان مالك شديد الأدمة وخرج ولده إليه فقيل لهم الخضر والعرب تسمي الأسود الأخضر
وهو شاعر فصيح من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية وقد كان يعرض لابن ميادة لما انقضى ما بينه وبين حكم الخضري من المهاجاة ورام أن يهاجيه فترفع ابن ميادة عنه
خبره مع محبوبته كأس
أخبرني بخبره علي بن سليمان الأخفش عن هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات عن الزبير بن بكار مجموعا وأخبرني بأخبار له متفرقة

(22/36)


الحرمي بن أبي العلاء عن الزبير بن بكار
وحدثني بها غيرهما من غير رواية الزبير فذكرت كل شيء من ذلك مفردا ونسبته إلى راويه
قال الزبير فيما رواه هارون عنه
حدثني من أثق به عن عبد الرحمن بن الأحول بن الجون قال
كان صخر بن الجعد مغرما بكأس بنت بجير بن جندب وكان يشبب بها فلقيه أخوها وقاص وكان شجاعا فقال له يا صخر إنك تتسبب بابنة عمك وشهرتها ولعمري ما بها عنك مذهب ولا لنا عنك مرغب فإن كانت لك فيها حاجة فهلم أزوجكها وإن لم تكن لك فيها حاجة فلا أعلمن ما عرضت لها بذكر ولا أسمعنه منك فأقسم بالله لئن فعلت ذلك ليخالطنك سيفي فقال له بل والله إن لي لأشد الحاجة إليها فوعده موعدا وخرج صخر لموعده حتى نزل بأبيات القوم فنزل منزل الضيف فقام وقاص فذبح وجمع أصحابه
وأبطأ صخر عنهم فلما رأى ذلك وقاص بعث إليه أن هلم لحاجتك فأبطأ ورجع الرسول فقال مثل قوله فغضب
وعمد إلى رجل من الحي ليس يعدل بصخر يقال له حصن وهو مغضب لما صنع فحمد الله وأثنى عليه وزوجه كأس وافترق القوم ومروا بصخر فأعلموه تزويج كأس بحصن فرحل عنهم من تحت الليل واندفع يهجوها بالأبيات التي قذفها فيها فيما قذفها وذلك قوله حين يقول

(22/37)


( وأنكحَها حصناً لَيَطْمِسَ حَملَها ... وقد حملَتْ من قبلِ حصنٍ وجرَّتِ )
أي زادت على تسعة أشهر قال وترافع القوم إلى المدينة وأميرها يومئذ طارق مولى عثمان قال فتنازعوا إليه ومعهم يومئذ رجل يقال له حزم وكان من أشد الناس على صخر شراًّ قال وفيه يقول صخر
( كفى حَزَناً لو يعلمُ النّاسُ أنّني ... أدافعُ كأساً عند أبوابِ طارقِ )
( أَتنسيْنَ أياماً لنا بسُويْقَةٍ ... وأيامَنا بالجِزع جِزْع الخلائقِ )
( لياليَ لا نخشى انصِداعاً من الهوى ... وأيامَ حزمٌ عندنا غيرُ لائِق )
( إذا قلت لا تَفْشِي حديثي تعجرفَت ... زياداً لِوُدِّها هنا غيرِ صادق )
قال فأقاموا عليه البينة بقذف كأس فضرب الحد وعاد إلى قومه وأسف على ما فاته من تزويج كأس فطفق يقول فيها الشعر
قصيدته في كأس
قال الزبير فأنشدني عمي وغيره لصخر قوله
( لقد عاود النمسَ الشقيَّةَ عِيدُها ... نعم إِنَّهُ قد عاد نحساً سُعودُها )

(22/38)


( وَعاوَدَهُ من حُبِّ كأسٍ ضَمانةٌ ... على النأْيِ كانت هيضةً تستقيدها )
( وَأنى ترجِّيها وأصبحَ وصلُها ... ضعيفاً وأمست هَمَّه لا يكيدها )
( وقد مَرَّ عَصْرٌ وهْي لا تستزيدُني ... لما استُوْدِعتْ عندي ولا أستزيدها )
( فما زلتَ حتى زلَّتِ النعلُ زَلَّة ... برجلك في زوراءَ وعثٍ صعودها )
( ألا قل لكأْسٍ إن عرضتَ لبيتِها ... فأَين بُكا عيني وأين قصيدُها )
( لعل البُكا يا كأسُ إن نفع البكا ... يُقرِّب دنيانا لنا فيعيدُها )
( وكانتْ تناهتْ لوعةُ الودِّ بيننا ... فقد أصبَحَتْ يُبْساً وأُذبل عودُها )
ويروى وقد ذاء عودها يقال ذبل وذأى وذوى بمعنى واحد
( لياليَ ذاتُ الرمْسِ لا زال هيْجُها ... جنوباً ولا زالت سحابٌ تجودُها )
( وعيشٌ لنا في الدهر إذ كان قَلبُه ... يطيب لديه بُخْلُ كأسٍ وجودُها )
( تذكَّرتُ كأساً إذ سَمِعْتُ حمامةً ... بكت في ذُرَا نخل طِوالٍ جريدُها )
( دعت ساقَ حُرٍّ فاستَجبتُ لصوتها ... مولَّهَةً لم يبقَ إلا شريدُها )
( فيا نفسُ صبراً كلُّ أَسبابِ واصلٍ ... ستنمِي لها أسباب هَجْرٍ تُبيدُها )
قال أبو الحسن الأخفش
ستنمي لها أسباب صرم تبيدها أجود
( وليلٍ بَدَتْ للعين نارٌ كأنها ... سنا كوكبٍ للمستبين خُمودها )

(22/39)


( فقلت عساها نارُ كأسٍ وعلَّها ... تَشكَّى فأَمْضِي نحوَها وأعودُها )
( فتسمع قولي قبل حتف يَصِيدُني ... تُسَرُّ بِه أو قّبْلَ حتفٍ يصيدها )
( كأن لم نكُنْ يا كأس إلْفَى مَودةٍ ... إذِ الناسُ والأيامُ تُرْعَى عهودُها )
أخبرني عبد الله بن مالك النحوي قال حدثنا محمد بن حبيب قال
لما ضرب صخر بن الجعد الحد لكأس وصارت إلى زوجها ندم على ما فرط منه واستحيا من الناس للحد الذي ضربه فلحق بالشام فطالت غيبته بها ثم عاد فمر بنخل كان لأهله ولأهل كأس فباعوه وانتقلوا إلى الشام فمر بها صخر ورأى المبتاعين لها يصرمونها فبكى عند ذلك بكاء شديدا وأنشأ يقول
( مررتُ على خَيماتِ كأسٍ فأَسبلتْ ... مدامعُ عيني والرياحُ تُميلُها )
( وفي دارهمْ قومٌ سواهم فأَسبلتْ ... دموعٌ من الأجفان فاض مسيلُها )
( كذاكَ الليالي ليسَ فيها بسالمٍ ... صديقٌ ولا يبقى عليها خَليلُها )
وقال وهو بالشام
( ألا ليتَ شعري هل تغيَّرَ بَعدَنا ... عن العهدِ أم أَمْسَى على حاله نجدُ )
( وعهدِي بنجدٍ منذ عشرين حِجَّةً ... ونحن بُدنيا ثَمَّ لمْ نَلْقَها بعدُ )
( به الخوصَةُ الدهماءُ تحت ظلالها ... رياضٌ بها الحَوْذان والنَّفَل الجعد )

(22/40)


قال ومر على غدير كانت كأس تشرب منه ويحضره أهلها ويجتمعون عليه فوقف طويلا عليه يبكي وكان يقال لذلك الغدير جنان فقال صخر
( بَلِيتُ كما يَبْلَى الرّداءُ ولا أَرَى ... جَناناً ولا أكنافَ ذِرْوَةَ تَخْلُقُ )
( أُلَوِّي حيازيمي بِهِنَّ صبابةً ... كما تتلوَّى الحيَّةُ المُتَشَرِّقُ )
شعره في رثاء كأس
أخبرني عبد الله بن مالك عن محمد بن حبيب قال قال السعيدي حدثني سبرة مولى يزيد بن العوام قال
كان صخر بن الجعد المحاربي خدنا لعوام بن عقبة وكان عوام يهوى امرأة من قومه يقال لها سوداء فماتت فرثاها فلما سمع صخر بن الجعد المرثية قال وددت أن أعيش حتى تموت كأس فأرثيها فماتت كأس فقال
( على أُمّ داودَ السلامُ ورحمةٌ ... من الله يجري كلَّ يوم بشيرُها )
( غداة غدا الغادون عنها وغُودِرَتْ ... بلمَاعَةِ القِيعان يستنُّ مورُها )
( وغيِّبتُ عنها يوم ذاك وليْتَني ... شهِدت فيحوي مَنْكِبيَّ سريرُها )
ويروى فيعلو منكبي

(22/41)


( نزَت كبدِي لما أتاني نِعيُّها ... فقلت أدانٍ صدعُها فمُطيرُها )
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثني الزبير قال حدثني خالد بن الوضاح قال
قال عبد الأعلى بن عبيد بن محمد بن صفوان الجمحي لعبد الله بن مصعب سألني أمير المؤمنين اليوم في موكبه من الذي يقول
( ألا يا كأسُ قد أَفنيتُ شِعْري ... فلستُ بقائلٍ إلا رجيعا )
ولم أدر لمن الشعر فقال عبد الله بن مصعب هو لصخر الخضري وأنشد باقي الأبيات وهي
( تُرجِّي أَنْ تلاقيَ آلَ كأسٍ ... كما يرْجو أَخو السَّنةِ الربيعا )
( فلستَ بنائمٍ إلا بحُزْنٍ ... ولا مستيقظاً إلا مَرُوعا )
( فإنَّكَ لو نظرتَ إذا التقينا ... إلى كبدِي رأَيتَ بها صُدوعا )
ندمه بعد أن تزوجت كأس
قال ابن حبيب في رواية عبد الله بن مالك لما زوجت كأس جزع صخر بن الجعد لما فرط منه وندم وأسف وقال في ذلك
( هنيئاً لكأسٍ قطعُها الحبلَ بعدما ... عقدْنا لكأس موثِقاٌ لا نخونُها )
( وإِشْماتُهَا الأعداءَ لمّا تأَلَّبوا ... حواليَّ واشتدَّت عليَّ ضُغُونُها )
( فإن حَراماً أنْ أخونَك ما دعا ... بِيلْيَلَ قُمْرِيُّ الحمام وجُونها )

(22/42)


( وقد أَيْقَنَتْ نفسي لقد حِيل دونها ... ودونكَ لو يأتي بيأسٍ يَقينُها )
( ولكن أَبَتْ لا تستفيقُ ولاَ تَرى ... عَزَاءً ولا مجلودَ صَبْرٍ يُعينها )
( لو أنَّا إذ الدّنيا لَنا مطمئنَّةٌ ... دَحَا ظِلُّها ثم ارجحنَّت غُصونها )
( لهونا ولكنا بغرَّة عيشِنا ... عجِبنَا لدُنيانَا فكِدنا نُعنيها )
( وكنا إذا نحن التقيْنا وما نُرى ... لعينين إلا من حجابٍ يَصونها )
( أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وأَوساطِها حتى تُمَلّ فنونها )
قال ابن حبيب أرسلت كأس بعد أن زوجت إلى صخر بن الجعد تخبره أنها رأته فيما يرى النائم كأنه يلبسها خمارا وأن ذلك جدد لها شوقا إليه وصبابة فقال صخر
( أنائلُ ما رؤيا زعمتِ رأَيتِها ... لنا عجَب لو أنّ رؤياكِ تَصْدُق )
( أنائِلُ لولا الودُّ ما كان بينُنَا ... نضاً مثل ما ينضو الخضابُ فيخلُق )
خبره مع سيار التاجر
أخبرنا حبيب بن نصر قال حدثنا عبد الله بن شبيب قال حدثني محمد بن عبد الله البكري قال
قدم صخر بن الجعد الخضري المدينة فأتى تاجرا من تجارها يقال له سيار فابتاع منه برا وعطرا وقال تأتينا غدوة فأقضيك وركب من تحت

(22/43)


ليلته فخرج إلى البادية فلما أصبح سيار سأل عنه فعرف خبره فركب في جماعة من أصحابه في طلبه حتى أتوا بئر مطلب وهي على سبعة أميال من المدينة وقد جهدوا من الحر فنزلوا عليها فأكلوا تمرا كان معهم وأراحوا دوابهم وسقوها حتى إذ برد النهار انصرفوا راجعين وبلغ الخبر صخر بن الجعد فقال
( أَهْوِنْ عليًّ بسيّارٍ وصفوته ... إذا جعلتُ صِراراً دون سيَّار )
( إنّ القضاءَ سيأْتِي دونه زمن ... فاطوِ الصّحيفةَ واحفَظهَا من العار )
( يسائل الناسَ هل أحْسَسْتُمُ جَلباً ... محاربياًّ أتى من نحو أظفارِ )
( وما جَلَبْتُ إليهمْ غيرَ راحلة ... وغيرَ رحل وسيف جَفنة عار )
( وما أُرِيتُ لهم إلا لأدفعهم ... عني ويخرجُني نقضي وإمراري )
( حتى استغاثُوا بأوْرَى بئرِ مُطّلِب ... وقد تحرَّق منهم كلُّ تَمّار )
( وقال أوّلُهم نُصحاً لآخرهم ... ألا ارجِعُوا واتركوا الأَعْرابَ في النار )
جاريته سمحاء توقع به وتخدعه
أخبرني عبد الله بن مالك عن محمد بن حبيب قال حدثنا ابن

(22/44)


الأعرابي قال
كان الجعد المحاربي أبو صخر بن الجعد قد عمر حتى خرف وكان يكنى أبا الصموت وكانت له وليدة يقال لها سمحاء فقالت له يوما يا أبا الصموت زعم بنوك أنك إن مت قتلوني قال ولم قالت مالي إليهم ذنب غير حبي لك فأعتقها على أن تكون معه فمكثت يسيرا ثم قالت له يا أبا الصموت هذا عرابة من أهل المعدن يخطبني قال أين هذا مما قلت لي قالت إنه ذو مال وإنما أردت ماله لك قال فأتني به فأتته فزوجه إياها فولدت له أولادا وقوته بما كانت تصيبه من الجعد وكانت تأتي الجعد في أيام فتخضب رأسه ثم قطعته فأنشأ الجعد يقول
( أمْسَى عَرابةُ ذا مال وذا ولدٍ ... من مالِ جَعْدٍ وجعدٌ غيرُ محمود )
( تظل تُنْشِقُه الكافورَ متكئاً ... على السرير وتعطيني على العُود )
قال والجعد هو القائل لامرأته
( تُعالجنِي أُمّ الصَّموت كأنما ... تُدَاوِي حِصاناً أوهنَ العظمَ كاسِرُه )
( فلا تعجبي أُمَّ الصَّموت فإنَّه ... لكل جواد مَعْثَرٌ هو عاثِره )
( وقد كنتُ أصطاد الظباءَ مُوَطَّئاً ... وأضربُ رأْسَ القِرن والرمحُ شاجِره )
( فأَصْبَحْتُ مثل العشّ طارَت فراخُه ... وغودر في رأْس الهشيمة سائره )

(22/45)


أولاده يتخلون عنه ويقتسمون أمواله
فلما كبر حمله بنوه فأتوا به مكة وقالوا له تعبد ها هنا ثم اقتسموا المال وتركوا له منه ما يصلحه فقال
( ألا أبلغ بني جَعْدٍ رسولا ... وإن حالت جبالُ الغَوْرِ دُوني )
( فلم أَرَ مَعْشَراً تركوا أَباهُم ... من الآفاق حيث تركتموني )
( فإني والرَّوافِض حول جَمْعٍ ... ومَحْطِمُهُنّ من حَصْبا الحجون )
( لو أني ذو مدافعةٍ وحولي ... كما قد كنت أحياناً كمُوني )
( إذاً لمَنَعْتُكُمْ مالِي ونفسِي ... بنصلِ السّيف أَو لقتلتُمونِي )
وأخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا محمد بن عبد الله بن عثمان البكري عن عروة بن زيد الخضري عن أبيه قال
كنت في ركب فيهم صخر بن الجعد ودرن مولى الخضريين معنا ونحن نريد خيبر فنزلنا منزلا تعشينا فيه فهيجنا إبل صخر فلما ركبنا ساق بنا واندفع يرجز ويقول
( لقد بعثت حاديا قراصِفا ... )

(22/46)


فردده قطعا من الليل لا ينفده ولا يقول غيره ثم قال لنا إني نسيت عقالا فرجع يطلبه في المتعشى ونزل درن يسوق بالقوم فارتجز درن ببيت صخر وقال
( لقد بعثتُ حادياً قُراصِفَا ... من منزلٍ رَحَلْتُ عنه آنفا )
( يسوق خُوصاً رجَّفاً حواجفا ... مثلَ القِسيّ تقذف المقاذفا )
( حتى ترى الرَّباعِيَ العُتارِفا ... من شدة السير يُزَجَّى واجفا )
قال فأدركه صخر وهو في ذلك فقال له يا بن الخبيثة أتجترئ على أن تنفذ بيتا أعياني فقاتله فضربه حتى نزلنا ففرقنا بينهما
صوت
( إِذا سَرَّها أمر وفيه مَساءتي ... قضيتُ لها فيما تُحِبُّ على نفسي )
( وما مرَّ يومٌ أرتجي منه راحَةً ... فأَذكره إلا بكيت على أمسي )
الشعر لأبي حفص الشطرنجي والغناء لإبراهيم ثقيل أول بالوسطى عن عمرو

(22/47)


أخبار أبي حفص الشطرنجي ونسبه
أبو حفص عمر بن عبد العزيز مولى بني العباس وكان أبوه من موالي المنصور فيما يقال وكان اسمه اسما أعجميا فلما نشأ أبو حفص وتأدب غيره وسماه عبد العزيز
أخبرني بذلك عمي عن أحمد بن الطيب عن جماعة من موالي المهدي
ونشأ أبو حفص في دار المهدي ومع أولاد مواليه وكان كأحدهم وتأدب وكان لاعبا بالشطرنج مشغوفا به فلقب به لغلبته عليه
انقطاعه إلى علية بنت المهدي
فلما مات المهدي انقطع إلى عليه وخرج معها لما زوجت وعاد معها لما عادت إلى القصر وكان يقول لها الأشعار فيما تريده من الأمور بينها وبين إخوتها وبني أخيها من الخلفاء فتنتحل بعض ذلك وتترك بعضه

(22/48)


ومما ينسب إليها من شعره ولها فيه غناء وقد ذكرنا ذلك في أغانيها وأخبارها
( تَحَبَّبْ فإن الحبَّ داعيةُ الحب ... )
وهو صوت مشهور لها
حدثني الحسن بن علي الخفاف قال حدثني أحمد بن الطيب السرخسي قال حدثني الكندي عن محمد بن الجهم البرمكي قال
رأيت أبا حفص الشطرنجي الشاعر فرأيت منه إنسانا يلهيك حضوره عن كل غائب وتسليك مجالسته عن هموم المصائب قربة عرس وحديثه أنس جده لعب ولعبه جد دين ماجد إن لبسته على ظاهره لبست موموقا لا تمله وإن تتبعته لتستبطن خبرته وقفت على مروة لا تطير الفواحش بجنباتها وكان فيما علمته أقل ما فيه الشعر وهو الذي يقول
صوت
( تَحبَّبْ فإِن الحُبَّ داعيةُ الحبِّ ... وكم من بعيدِ الدار مُسْتَوْجِب القُرب )
( إذا لم يكن في الحب عَتبٌ ولا رضاً ... فأين حلاوات الرسائل والكُتب )
( تفكَّرْ فإن حُدِّثتَ أنَّ أخَا هوًى ... نجا سالماً فارجُ النّجاة من الكرب )
( وأَطيبُ أيامِ الهوى يومُك الذي ... تُرَوَّعُ بالتّحريش فيه وبالعَتْب )
قال وفي هذه الأبيات غناء لعلية بنت المهدي وكانت تأمره أن يقول الشعر في المعاني التي تريدها فيقولها وتغني فيها
قال وأنشدني لأبي حفص أيضا

(22/49)


صوت
( عَرِّضَنْ للذي تُحِبّ بحبًّ ... ثم دَعْهُ يَرُوضُهُ إبليسُ )
( فلعَلَّ الزّمانَ يُدْنيك منه ... إن هذا الهوى جليلٌ نفيسُ )
( صابِر الحبَّ لا يُصرِّفْكَ فيه ... من حبيب تجهُّمٌ وعبوس )
( وأَقِلَّ اللَّجاجَ واصبر على الجهد ... فإن الهوى نعيمٌ وبُوس )
في هذه الأبيات للمسدود هزج ذكره لي جحظة وغيره عنه
وأما قوله
( تحبَّب فإن الحبّ داعية الحبّ ... )
فقد مضت نسبته في أخبار علية
ماردة الجارية تأمره أن يجيب الرشيد على رسالته
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني محمد بن عبد الله بن مالك وأخبرني به محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني أبو العباس الكاتب قال
كان الرشيد يحب ماردة جاريته وكان خلفها بالرقة فلما قدم إلى مدينة السلام اشتاقها فكتب إليها
صوت
( سلامٌ على النازح المغتربْ ... تحيةَ صَبٍّ به مكتئبْ )

(22/50)


( غَزالٌ مراتعُه بالبليخِ ... إلى دَيْرِ زكّى فقَصِر الخشبْ )
( أيا مَنْ أعان على نفسه ... بتخليفه طائعاً مَنْ أحبْ )
( سأستر والسَّترُ من شيمتي ... هوى من أُحِبُّ بمَنْ لا أُحبْ )
فلما ورد كتابه عليها أمرت أبا حفص الشطرنجي صاحب علية فأجاب الرشيد عنها بهذه الأبيات فقال
( أتاني كتابُك يا سيدي ... وفيه العجائبُ كلّ العجَبْ )
( أتزعمُ أنّك لي عاشقٌ ... وأَنك بي مُستهامٌ وصبّ )
( فلو كان هذا كذا لم تكن ... لتتركني نُهْزَةً للكُرَبْ )
( وأنت ببغدادَ ترعى بها ... نباتَ اللَّذاذةِ مَعْ مَنْ تُحِبّ )
( فيا مَن جفاني ولم أجفُه ... ويا مَن شجاني بما في الكتب )
( كتابُك قد زادني صَبوةً ... وأَسْعَرَ قلبي بحَرّ اللّهب )
( فهَبنِي نَعَمْ قد كتمتُ الهوى ... فكيف بكتمانِ دَمْعٍ سَرَب )
( ولولا اتقاؤك يا سيدي ... لوافتك بي النّاجيات النُّجُب )
فلما قرأ الرشيد كتابها أنفذ من وقته خادما على البريد حتى حدرها

(22/51)


إلى بغداد في الفرات وأمر المغنيين جميعا فغنوا في شعره
قال الأصبهاني فممن غنى فيه إبراهيم الموصلي غنى فيه لحنين أحدهما ماخوري والآخر ثاني ثقيل عن الهشامي وغنى يحيى بن سعد بن بكر بن صغير العين فيه رملا ولابن جامع فيه رمل بالبنصر ولفليح بن العوراء ثاني ثقيل بالوسطى وللمعلى خفيف رمل بالوسطى ولحسين بن محرز هزج بالوسطى ولأبي زكار الأعمى هزج بالبنصر هذه الحكايات كلها عن الهشامي وقال كان المختار في هذه الألحان كلها عند الرشيد الذي اشتهاه منها وارتضاه لحن سليم
أخبرني جعفر بن قدامة بن زياد الكاتب قال
حدثني محمد بن يزيد النحوي قال حدثني جماعة من كتاب السلطان
أن الرشيد غضب على علية بنت المهدي فأمرت أبا حفص الشطرنجي شاعرها أن يقول شعرا يعتذر فيه عنها إلى الرشيد ويسأله الرضا عنها فيستعطفه لها فقال
صوت
( لو كان يمنعُ حسنُ العقل صاحِبَه ... من أن يكون له ذنبٌ إلى أحدِ )
( كانت عُلَيَّةُ أبرأ الناس كلَّهمُ ... من أن تُكافَا بسوءِ آخرَ الأبد )
( مالي إذا غِبتُ لم أُذكَر بواحدةٍ ... وإن سَقِمْتُ فطال السُّقْمُ لم أُعَدِ )
( ما أعجبَ الشيءَ ترجوه فتُحْرَمُه ... قد كنتُ أحسبُ أنِّي قد ملأَتُ يدِي )

(22/52)


فأَتاها بالأبيات فاستحسنتها وغنت فيها وألقت الغناء على جماعة من جواري الرشيد فغنينه إياه في أول مجلس فيه معهن فطرب طربا شديدا وسألهن عن القصة فأخبرنه بها فبعث إليها فحضرت فقبل رأسها واعتذرت فقبل عذرها وسألها إعادة الصوت فأعادته عليه فبكى وقال لا جرم أني لا أغضب أبدا عليك ما عشت
قال في دنانير بيتين فاستحق مائتي دينار
حدثني محمد بن يحيى الصولي قال حدثنا الحسين بن يحيى عن عمرو بن بانة قال
دخل أبو حفص الشطرنجي على يحيى بن خالد وعنده ابن جامع وهو يلقي على دنانير صوتا أمره يحيى بإلقائه عليها وقال لأبي حفص قل في دنانير بيتين يغني فيهما ابن جامع ولك بكل بيت مائة دينار إن جاءت كما أريد فقال أبو حفص
صوت
( أشبهَكِ المسكُ وأشبهتِه ... قائمةً في لونه قاعده )
( لا شكَّ إذْ لونُكما واحدٌ ... أنكما من طينةٍ واحدَه )
قال فأمر له يحيى بمائة دينار وغنى فيهما ابن جامع
قال الأصبهاني لحن ابن جامع في هذين البيتين هزج
أخبرني جعفر بن قدامة قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال
عتابه ابن الرشيد لأنه لم يعده في مرضه
كان أبو حفص الشطرنجي ينادم أبا عيسى بن الرشيد ويقول له الشعر

(22/53)


فينتحله ويفعل مثل ذلك بأخيه صالح وأخته وكذلك بعلية عمتهم وكان بنو الرشيد جميعا يزورونه ويأنسون به فمرض فعادوه جميعا سوى أبي عيسى فكتب إليه
( إِخَاءُ أبي عيسى إخاء ابنِ ضَرَّةٍ ... ووُدِّيَ وُدٌّ لابنِ أُمًّ ووالدِ )
( ألم يأْته أنّ التأَدَّبَ نِسبةٌ ... تلاصق أهواءَ الرجالِ الأَباعدِ )
( فمَا بالُه مُستعذِباً من جفائِنَا ... مواردَ لم تَعذُبْ لنا من موارِدِ )
( أقمتُ ثلاثاً حِلْفَ حُمَّى مُضِرَّةٍ ... فلم أرَه في أهل ودّي وعائدي )
( سلام هي الدنيا قروضٌ وإنما ... أخوك مُديمُ الوصلِ عند الشدائد )
حدثني جعفر بن الحسين قال حدثني ميمون بن هارون قال حدثنا أبي عن أبي حفص الشطرنجي قال
قال لي الرشيد يوما يا حبيبي لقد أحسنت ما شئت في بيتين قلتهما قلت ما هما يا سيدي فمن شرفهما استحسانك لهما فقال قولك
صوت
( لم أَلْقَ ذا شَجَن يبوح بحُبِّه ... إلا حَسِبتُك ذلك المحبوبَا )
( حذراً عليكِ وإنني بكِ واثقٌ ... ألاَّ ينالَ سوايَ منكِ نصيبا )
فقلت يا أمير المؤمنين ليسا لي هما للعباس بن الأحنف فقال

(22/54)


صدقك والله أعجب إلي وأحسن منهما بيتاك حيث تقول
( إذا سرَّها أمرٌ وفيه مساءتي ... قضيْتُ لها فيما تريد على نفسِي )
( وما مرَّ يوم أرتجِي فيه راحةً ... فأذْكُرَه إلا بكيتُ على أَمْسِي )
في البيتين الأولين اللذين للعباس بن الأحنف ثقيل لإبراهيم الموصلي وفيهما لابن جامع رمل عن الهشامي الروايتان جميعا لعبد الرحمن وفي أبيات أبي حفص الأخيرة لحن من كتاب إبراهيم غير مجنس
رثى نفسه قبل أن يموت
أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال حدثني الحسين بن يحيى قال حدثني عبد الله بن الفضل قال
دخلت على أبي حفص الشطرنجي شاعر علية بنت المهدي أعوده في علته التي مات فيها قال فجلست عنده فأنشدني لنفسه
صوت
( نعَى لك ظلَّ الشَّبابِ المشيبُ ... ونَادَتك باسمٍ سِواكَ الخطوبُ )
( فكُن مستعِداًّ لداعي الفناءِ ... فإن الذي هو آتٍ قريبُ )
( ألسنا نرى شهواتِ النفوس ... تَفْنَى وتبقى عليها الذنوبُ )
( وقبلَك داوى المريضَ الطبيبُ ... فعاش المريضُ ومات الطبيبُ )
( يخاف على نفسه مَن يتوبُ ... فكيف ترى حال من لا يتوب )
غنى في الأول والثاني إبراهيم هزجاً

(22/55)


انقضت أخباره
صوت
( أَبَى لَيْلِيَ أن يذهبْ ... ونِيطَ الطرْفُ بالكوكبْ )
( ونجمٍ دونه النَّسران ... بين الدَّلْوِ والعقرَبْ )
( وهذا الصُّبحُ لا يأتي ... ولا يدنو ولا يَقْرُبْ )
الشعر لأميمة بنت عبد شمس بن عبد مناف والغناء لأسحاق هزج بالوسطى
دمن الجارية تسرق لحنا من إسحاق وهو سكران
أخبرنا محمد بن يحيى ومحمد بن جعفر النحوي قالا حدثنا محمد بن حماد قال
التقيت مع دمن جارية إسحاق بن إبراهيم الموصلي يوما فقلت لها أسمعيني شيئا أخذته من إسحاق فقالت والله ما أحد من جواريه أخذ منه صوتا قط ولا ألقى علينا شيئا قط وإنما كان يأمر من أخذ منه من الرجال مثل مخارق وعلويه ووجه القرعة الخزاعي وجواري الحارث بن بسخنر أن يلقوا علينا ما يختارون من أغانيهم وأما عنه فما أخذت شيئا قط إلا ليلة فإنه انصرف من عند المعتصم وهو سكران فقال للخادم القيم على حرمة جئني بدمن فجاءني الخادم فدعاني فخرجت معه فإذا هو في البيت الذي ينام فيه وهو يصنع في هذا الشعر

(22/56)


( أَبَى لَيْلِيَ أن يَذْهَبْ ... ونِيط الطَّرْفُ بالكوكبْ )
وهو يتزايد فيه ويقومه حتى استوى له ثم قام إلى عود مصلح معلق كان يكون في بيت منامه فأخذه فغنى الصوت حتى صح له واستقام عليه وأخذته عنه فلما فرغ منه قال أين دمن فقلت هو ذا أنا ها هنا فارتاع وقال مذ كم أنت ها هنا قلت مذ بدأت بالصوت وقد أخذته بغير حمدك فقال خذي العود فغنيه فأخذته فغنيته حتى فرغت منه وهو يكاد أن يتميز غيظا ثم قال قد بقي عليك فيه شيء كثير وأنا أصلحه لك فقلت أنا مستغنية عن إصلاحك فأصلحه لنفسك فاضطجع في فراشه ونام وانصرفت فمكث أياما إذا رآني قطب وجهه
وهذا الشعر تقوله أميمة بنت عبد شمس بن عبد مناف ترثي به من قتل في حروب الفجار من قريش

(22/57)


ذكر الخبر في حروب الفجار وحروب عكاظ
ونسب أميمة بنت عبد شمس
أميمة بنت عبد شمس بن عبد مناف وأمها تفخر بنت عبيد بن رواس بن كلاب وكان عند حارثة بن الأوقص بن مرة بن هلال بن فالح بن ذكوان السلمي فولدت له أمية بن حارثة
وكانت هذه الحرب بين قريش وقيس عيلان في أربعة أعوام متواليات ولم يكن لقريش في أولها مدخل ثم التحقت بها
فأما الفجار الأول فكانت الحرب فيه ثلاثة أيام ولم تسم باسم لشهرتها
وأما الفجار الثاني فإنه كان أعظمهما لأنهم استحلوا فيه الحرم وكانت أيامه يوم نخلة وهو الذي لم يشهده رسول الله منها وشهد سائرها وكان الرؤساء فيه حرب بن أمية في القلب وعبد الله بن جدعان وهشام بن المغيرة في المجنبتين ثم يوم شمطة ثم يوم

(22/58)


العبلاء ثم يوم عكاظ ثم يوم الحرة
أول أمر الفجار
قال أبو عبيدة كان أول أمر الفجار أن بدر بن معشر الغفاري أحد بني غفار بن مالك بن ضمرة بن بكر بن عبد مناه بن كنانة كان رجلا منيعا مستطيلا بمنعته على من ورد عكاظ فاتخذ مجلسا بسوق عكاظ وقعد فيه وجعل يبذخ على الناس ويقول
( نحن بنو مدركةَ بنِ خِنْدِف ... مَن يطعنوا في عينه لا يَطْرِف )
( ومَنْ يكونوا قومه يُغطرِف ... كأنهم لُجَّةُ بحرٍ مُسدِفِ )
وبدر بن معشر باسط رجليه يقول أنا أعز العرب فمن زعم أنه أعز مني فليضرب هذه بالسيف فهو أعز مني فوثب رجل من بني نصر بن معاوية يقال له الأحمر بن مازن بن أوس بن النابغة فضربه بالسيف على ركبته فأندرها ثم قال خذها إليك أيها المخندف وهو ماسك سيفه وقام أيضا رجل من هوازن فقال
( أنا ابن هَمْدَانَ ذوي التَّغطرفِ ... بحرُ بحورٍ زاخرٌ لم يُنزَفِ )

(22/59)


( نحن ضَربنا ركبة المخندِف ... أذ مدّها في أشهر المُعَرّفِ )
وفي هذه الضربة أشعار لقيس كثيرة لا معنى لذكرها
اليوم الثاني من أيام الفجار الأولى
ثم كان اليوم الثاني من أيام الفجار الأول وكان السبب في ذلك أن شبابا من قريش وبني كنانة كانوا ذوي غرام فرأوا امرأة من بني عامر جميلة وسيمة وهي جالسة بسوق عكاظ في درع وهي فضل عليها برقع لها وقد اكتنفها شباب من العرب وهي تحدثهم فجاء الشباب من بني كنانة وقريش فأطافوا بها وسألوها أن تسفر فأبت فقام أحدهم فجلس خلفها وحل طرف ردائها وشده إلى فوق حجزتها بشوكة وهي لا تعلم فلما قامت انكشف درعها عن دبرها فضحكوا وقالوا منعتنا النظر إلى وجهك وجدت لنا بالنظر إلى دبرك فنادت يا آل عامر فثاروا وحملوا السلاح وحملته كنانة واقتتلوا قتالا شديدا ووقعت بينهم دماء فتوسط حرب بن أمية واحتمل دماء القوم وأرضى بني عامر من مثلة صاحبتهم
اليوم الثالث من أيام الفجار الأولى
ثم كان اليوم الثالث من الفجار الأول وكان سببه أنه كان لرجل من بني جشم بن بكر بن هوازن دين على رجل من بني كنانة فلواه به وطال

(22/60)


اقتضاؤه إياه فلم يعطه شيئا فلما أعياه وافاه الجشمي في سوق عكاظ بقرد ثم جعل ينادي من يبيعني مثل هذا الرباح بما لي على فلان بن فلان الكناني من يعطيني مثل هذا بما لي على فلان بن فلان الكناني رافعا صوته بذلك فلما طال نداؤه بذلك وتعييره به كنانة مر به رجل منهم فضرب القرد بسيفه فقتله فهتف به الجشمي يا آل هوازن وهتف الكناني يا آل كنانة فتجمع الحيان فاقتتلوا حتى تحاجزوا ولم يكن بينهم قتلى ثم كفوا وقالوا أفي رباح تريقون دماءكم وتقتلون أنفسكم وحمل ابن جدعان ذلك في ماله بين الفريقين
اليوم الأول من أيام الفجار الثاني
قال ثم كان يوم الفجار الثاني وأول يوم حروبه يوم نخلة وبينه وبين مبعث النبي ست وعشرون سنة وشهد النبي ذلك اليوم مع قومه وله أربع عشرة سنة وكان يناول عمومته النبل هذا قول أبي عبيدة
وقال غيره بل شهدها وهو ابن ثمان وعشرين سنة
قال أبو عبيدة كان الذي هاج هذه الحرب يوم الفجار الآخر أن البراض بن قيس بن رافع أحد بني ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة كان سكيرا فاسقا خلعه قومه وتبرؤوا منه فشرب في بني الديل فخلعوه فأتى مكة وأتى قريشا فنزل على حرب بن أمية فحالفه فأحسن حرب جواره وشرب بمكة حتى هم حرب أن يخلعه فقال لحرب إنه لم يبق أحد ممن يعرفني إلا خلعني سواك وإنك إن خلعتني لم ينظر إلي أحد بعدك فدعني على حلفك وأنا خارج عنك فتركه وخرج فلحق بالنعمان بن المنذر بالحيرة

(22/61)


وكان النعمان يبعث إلى سوق عكاظ في وقتها بلطيمة يجيزها له سيد مضر فتباع ويشترى له بثمنها الأدم والحرير والوكاء والحذاء والبرود من العصب والوشي والمسير والعدني وكانت سوق عكاظ في أول ذي القعدة فلا تزال قائمة يباع فيها ويشترى إلى حضور الحج وكان قيامها فيما بين النخلة والطائف عشرة أميال وبها نخل وأموال لثقيف فجهز النعمان لطيمة له وقال من يجيزها فقال البراض أنا أجيزها على بني كنانة فقال النعمان إنما أريد رجلا يجيزها على أهل نجد فقال عروة الرحال بن عتبة بن جعفر بن كلاب وهو يومئذ رجل من هوازن أنا أجيزها أبيت اللعن فقال له البراض من بني كنانة تجيزها يا عروة قال نعم وعلى الناس جميعا أفكلب خليع يجيزها
قال ثم شخص بها وشخص البراض وعروة يرى مكانه لا يخشاه على ما صنع حتى إذا كان بين ظهري غطفان إلى جانب فدك بأرض يقال لها أوارة قريب من الوادي الذي يقال له تيمن نام عروة في ظل شجرة ووجد البراض غفلته فقتله وهرب في عضاريط الركاب فاستاق الركاب وقال البراض في ذلك
( وداهيةٍ يُهال الناسُ منها ... شددتُ لها بني بكر ضلوعي )

(22/62)


( هتكتُ بها بيوتَ بني كلاب ... وأرضعتُ الموالي بالضروع )
( جمعت لها يديَّ بنصل سيفٍ ... أَفلّ فَخرَّ كالجِذْع الصّريع )
وقال أيضا في ذلك
( نقَمْتُ على المرء الكلابيّ فخرَه ... وكنت قديماً لا اُقِزُّ فَخارا )
( علوتُ بحدّ السيف مفرِقَ رأْسه ... فأسمع أهلَ الواديين خُوارا )
قال وأم عروة الرحال نفيرة بنت أبي ربيعة بن نهيك بن هلال بن عامر بن صعصعة فقال لبيد بن ربيعة يحض على الطلب بدمه
( فأبلغْ إن عرضتَ بني نُمَيْرٍ ... وأخوالَ القتيل بني هِلال )
( بأنَّ الوافدَ الرحَّال أضحى ... مقيماً عند تَيْمَنَ ذي الظِّلال )
قال أبو عبيدة فحدثني أبو عمرو بن العلاء قال لقي البراض بشر بن أبي خازم فقال له هذه القلائص لك على أن تأتي حرب بن أمية وعبد الله بن جدعان وهشاما والوليد ابني المغيرة فتخبرهم أن البراض قتل عروة فإني أخاف أن يسبق الخبر إلى قيس أن يكتموه حتى يقتلوا به رجلا من قومك عظيما فقال له وما يؤمنك أن تكون أنت ذلك القتيل قال إن هوازن لا ترضى أن تقتل بسيدها رجلا خليعا طريدا من بني ضمرة قال ومر بهما الحليس بن يزيد أحد بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة وهو يومئذ سيد الأحابيش من

(22/63)


بني كنانة والأحابيش من بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة وهو نفاثة بن الديل وبنو لحيان من خزاعة والقارة وهو أثيع بن الهون بن خزيمة وعضل بن دمس بن ملحم بن عائذ بن أثيع بن الهون كانوا تحالفوا على سائر بني بكر بن عبد مناة فقال لهم الحليس مالي أراكم نجيا فأخبروه الخبر ثم ارتحلوا وكتموا الخبر على اتفاق منهم
قال وكانت العرب إذا قدمت عكاظ دفعت أسلحتها إلى ابن جدعان حتى يفرغوا من أسواقهم وحجهم ثم يردها عليهم إذا ظعنوا وكان سيدا حكيما مثريا من المال
فجاءه القوم فأخبروه خبر البراض وقتله عروة وأخبروا حرب بن أمية وهشاما والوليد ابني المغيرة فجاء حرب إلى عبد الله بن جدعان فقال له احتبس قبلك سلاح هوازن فقال له ابن جدعان أبالغدر تأمرني يا حرب والله لو أعلم أنه لا يبقى منها سيف إلا ضربت به ولا رمح إلا طعنت به ما أمسكت منها شيئا ولكن لكم مائة درع ومائة رمح ومائة سيف في مالي تستعينون بها ثم صاح ابن جدعان في الناس من كان له قبلي سلاح فليأت وليأخذه فأخذ الناس أسلحتهم
وبعث ابن جدعان وحرب بن أمية وهشام والوليد إلى أبي براء إنه قد كان بعد خروجنا حرب وقد خفنا تفاقم الأمر فلا تنكروا خروجنا وساروا

(22/64)


راجعين إلى مكة فلما كان آخر النهار بلغ أبا براء قتل البراض عروة فقال خدعني حرب وابن جدعان وركب فيمن حضر عكاظ من هوازن في أثر القوم فأدركوهم بنخلة فاقتتلوا حتى دخلت قريش الحرم وجن عليهم الليل فكفوا ونادى الأدرم بن شعيب أحد بني عامر بن ربيعة بن صعصعة يا معشر قريش ميعاد ما بيننا هذه الليلة من العام المقبل بعكاظ وكان يومئذ رؤساء قريش حرب بن أمية في القلب وابن جدعان في إحدى المجنبتين وهشام بن المغيرة في الأخرى وكان رؤساء قيس عامر بن مالك ملاعب الأسنة على بني عامر وكدام بن عمير على فهم وعدوان ومسعود بن سهم على ثقيف وسبيع بن ربيعة النصري علي بني نصر بن معاوية والصمة بن الحارث وهو أبو دريد بن الصمة علي بني جشم وكانت الراية مع حرب بن أمية وهي راية قصي التي يقال لها العقاب
فقال في ذلك خداش بن زهير
( يا شَدَّةً ما شددْنا غيرَ كاذبةً ... على سَخِينَةَ لولا الليلُ والحَرَم )

(22/65)


( إذ يَتَّقِينَا هشامٌ بالوليد ولو ... أنَّا ثَقِفنا هشاماً شالت الخَدَم )
( بين الأراكِ وبين المرج تبطحُهم ... زُرقُ الأسِنَّة في أطرافها السُهُم )
( فإن سمعتم بجيش سالكٍ سَرفاً ... وبطنَ مُرّ فأخفوا الجرس واكْتَتِمُوا )
وزعموا أن عبد الملك بن مروان استنشد رجلا من قيس هذه الكلمة فجعل يحيد عن قوله سخينة فقال عبد الملك إنا قوم لم يزل يعجبنا السخن فهات فلما فرغ قال يا أخا قيس ما أرى صاحبك زاد على التمني والاستنشاء
قال وقدم البراض باللطيمة مكة وكان يأكلها وكان عامر بن يزيد بن الملوح بن يعمر الكناني نازلا في أخواله من بني نمير بن عامر وكان ناكحا فيهم فهمت بنو كلاب بقتله فمنعته بنو نمير ثم شخصوا به حتى نزل في قومه واستغوت كنانة بني أسد وبني نمير واستغاثوا بهم فلم تغثهم ولم يشهد الفجار أحد من هذين الحيين

(22/66)


اليوم الثاني من أيام الفجار الثاني
ثم كان اليوم الثاني من الفجار الثاني وهو يوم شمطة فتجمعت كنانة وقريش بأسرها وبنو عبد مناة والأحابيش وأعطت قريش رؤوس القبائل أسلحة تامة وأعطى عبدالله بن جدعان خاصة من ماله مائة رجل من كنانة أسلحة تامة وأداة وجمعت هوازن وخرجت فلم تخرج معهم كلاب ولا كعب ولا شهد هذان البطنان من أيام الفجار إلا يوم نخلة مع أبي براء عامر بن مالك وكان القوم جميعا متساندين على كل قبيلة سيدهم
فكان على بني هاشم وبني المطلب ولفهم الزبير بن عبد المطلب ومعهم النبي إلا أن بني المطلب وإن كانوا مع بني هاشم كان يرأسهم الزبير بن عبد المطلب بن هاشم ورجل منهم وهو عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف وأم الزبير الشفاء بنت هاشم بن عبد مناف وكان على بني عبد شمس ولفها حرب بن أمية ومعه أخواه أبو سفين وسفيان ومعهم بنو نوفل بن عبد مناف يرأسهم بعد حرب مطعم بن عدي بن نوفل وكان على بني عبد الدار ولفها خويلد بن أسد وعثمان بن الحويرث وكان على بني زهرة ولفها مخرمة بن نوفل بن وهيب بن عبد مناف بن زهرة وأخوه صفوان وكان على بني تيم بن مرة ولفها عبد الله بن جدعان وعلى بني مخزوم هشام بن المغيرة وعلى بني سهم العاصي بن وائل وعلى بني جمح ولفها أمية بن خلف وعلى بني عدي زيد بن عمرو بن نفيل والخطاب بن نفيل عمه وعلى بني عامر بن لؤي عمرو بن عبد شمس بن عبد ود أبو سهل بن عمرو وعلى بني الحارث بن فهر عبد الله بن الجراح أبو أبي عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح وعلى بني

(22/67)


بكر بلعاء بن قيس ومات في تلك الأيام وكان جثامة بن قيس أخوه مكانه وعلى الأحابيش الحليس بن يزيد
وكانت هوازن متساندين كذلك وكان عطية بن عفيف النصري على بني نصر بن معاوية وقيل بل كان عليهم أبو أسماء بن الضريبة وكان الخنيسق الجشمي على بني جشم وسعد ابني بكر وكان وهب بن معتب على ثقيف ومعه أخوه مسعود وكان على بني عامر بن ربيعة وحلفائهم من بني جسر بن محارب سلمة بن إسماعيل أحد بني البكاء ومعه خالد بن هوذة أحد بني الحارث بن ربيعة وعلى بني هلال بن عامر بن صعصعة ربيعة بن أبي ظبيان بن ربيعة بن أبي ربيعة بن نهيك بن هلال بن عامر
قال فسبقت هوازن قريشا فنزلت شمطة من عكاظ وظنوا أن كنانة لم توافهم وأقبلت قريش فنزلت من دون المسيل وجعل حرب بني كنانة في بطن الوادي وقال لهم لا تبرحوا مكانكم ولو أبيحت قريش فكانت هوازن من وراء المسيل
قال أبو عبيدة فحدثني أبو عمرو بن العلاء قال
كان ابن جدعان في إحدى المجنبتين وفي الأخرى هشام بن المغيرة وحرب في القلب وكانت الدائرة في أول النهار لكنانة فلما كان آخر النهار تداعت هوازن وصبروا واستحر القتل في قريش فلما رأى ذلك بنو الحارث بن كنانة وهم في بطن الوادي مالوا إلى قريش وتركوا مكانهم فلما استحر القتل بهم قال أبو مساحق بلعاء بن قيس لقومه

(22/68)


ألحقو برخم وهو جبل ففعلوا وانهزم الناس
وكان رسول الله لا يصير في فئة إلا انهزم من يحاذيها فقال حرب بن أمية وعبد الله بن جدعان ألا ترون إلى هذا الغلام ما يحمل على فئة إلا انهزمت
وفي ذلك يقول خداش بن زهير في كلمة له
( فأبلغ إن عرضْتَ بنا هِشاما ... وعبدَ الله أبلغْ والوَليدا )
( أولئك إن يكن في الناس خيرٌ ... فإن لديهمُ حَسَباً وجُودا )
( همُ خير المعاشرِ من قريشٍ ... وأَوْرَاها إذا قُدِحت زنودا )
( بأنّا يومَ شَمطةَ قد أقمنا ... عمودَ المجدِ إنَّ له عمودا )
( جلَبنا الخيلَ ساهمةً إليهم ... عوابسَ يَدَّرِعْنَ النقَع قودا )
( فبِتنا نعقِدُ السِّيَما وباتوا ... وقلنا صبَّحوا الإنسَ الحديدا )
( فجاؤوا عارضاً بَرِداً وجئنا ... كما أضرمتَ في الغاب الوقودا )
( ونادوا يا لعمروٍ لا تفِرّوا ... فقلنا لا فِرارَ ولا صُدُودَا )
قوله نعقد السيما أي العلامات
( فَعاركْنا الكُماةَ وعاركونا ... عِراكَ النُّمْر عاركتِ الأسودا )

(22/69)


( فولَّوْا نضْربُ الهاماتِ منهم ... بما انتهكوا المحارِمَ والحُدودا )
( تركنا بطن شَمْطَةَ من علاءٍ ... كأَنّ خلالها معَزاً شريدا )
( ولم أرَ مثلَهم هُزِموا وفُلُّوا ... ولا كذِيادِنَا عَنَقاً مذودا )
قوله يا لعمرو يعني عمرو بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة
اليوم الثالث من أيام الفجار وهو يوم العبلاء
ثم كان اليوم الثالث من أيام الفجار وهو يوم العبلاء فجمع القوم بعضهم لبعض والتقوا على قرن الحول بالعبلاء وهو موضع قريب من عكاظ ورؤساؤهم يومئذ على ما كانوا عليه يوم شمطة وكذلك من كان على المجنبتين فاقتتلوا قتالا شديدا فانهزمت كنانة فقال خداش بن زهير في ذلك
( ألم يَبلغْك بالعبلاء أنّا ... ضَرَبْنا خِنْدِفاً حتى استقادوا )
( نُبَنِّي بالمنازل عِزَّ قيسٍ ... وودُّوا لو تَسِيخُ بنا البلادُ )
وقال أيضا
( ألم يبلغْك ما لاقَتْ قريشٌ ... وحيُّ بني كنانة إذ أُثيرُوا )
( دهمناهم بأرعَنَ مكفهرٍّ ... فظلَّ لنا بعَقْوَتِهم زئير )

(22/70)


( نقوِّمُ مارِنَ الخطِّيّ فيهم ... يجيء على أسنّتِنا الجزير )
اليوم الرابع من أيام الفجار وهو يوم عكاظ
ثم كان اليوم الرابع من أيامهم يوم عكاظ فالتقوا في هذه المواضع على رأس الحول وقد جمع بعضهم لبعض واحتشدوا والرؤساء بحالهم وحمل عبد الله بن جدعان يومئذ ألف رجل من بني كنانة على ألف بعير
وخشيت قريش أن يجري عليها مثل ما جرى يوم العبلاء فقيد حرب وسفيان وأبو سفيان بنو أمية بن عبد شمس أنفسهم وقالوا لا نبرح حتى نموت مكاننا وعلى أبي سفيان يومئذ درعان قد ظاهر بينهما وزعم أبو عمرو بن العلاء أن أبا سفيان بن أمية خاصة قيد نفسه فسمي هؤلاء الثلاثة يومئذ العنابس وهي الأسود واحدها عنبسة فاقتتل الناس يومئذ قتالا شديدا وثبت الفريقان حتى همت بنو بكر بن عبد مناة وسائر بطون كنانة بالهرب وكانت بنو مخزوم تلي كنانة فحافظت حفاظا شديدا وكان أشدهم يومئذ بنو المغيرة فإنهم صبروا وأبلوا بلاء حسنا فلما رأت ذلك بنو عبد مناة من كنانة تذامروا فرجعوا وحمل بلعاء بن قيس وهو يقول
( إِنَّ عُكاظَ مأوانا فخلُّوهْ ... وذا المجاز بعد أن تَحُلوهْ )
وخرج الحليس بن يزيد أحد بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة وهو رئيس الأحابيش يومئذ فدعا إلى المبارزة فبرز إليه الحدثان بن سعد

(22/71)


النصري فطعنه الحدثان فدق عضده وتحاجزا
واقتتل القوم قتالا شديدا وحملت قريش وكنانة على قيس من كل وجه فانهزمت قيس كلها إلا بني نصر فإنهم صبروا ثم هربت بنو نصر وثبت بنو دهمان فلم يغنوا شيئا فانهزموا وكان عليهم سبيع بن أبي ربيعة أحد بني دهمان فعقل نفسه ونادى يا آل هوازن يا آل هوازن يا آل نصر فلم يعرج عليه أحد وأجفلوا منهزمين فكر بنو أمية خاصة في بني دهمان ومعهم الخنيسق وقشعة الجشميان فقاتلوا فلم يغنوا شيئا فانهزموا
وكان مسعود بن معتب الثقفي قد ضرب على امرأته سبيعة بنت عبد شمس بن عبد مناف خباء وقال لها من دخله من قريش فهو آمن فجعلت توصل في خبائها ليتسع فقال لها لا يتجاوزني خباؤك فإني لا أمضي لك إلا من أحاط به الخباء فأحفظها فقالت أما والله إني لأظن أنك ستود أن لو زدت في توسعته فلما انهزمت قيس دخلوا خباءها مستجيرين بها فأجار لها حرب بن أمية جيرانها وقال لها يا عمة من تمسك بأطناب خبائك أو دار حوله فهو آمن فنادت بذلك فاستدارت قيس بخبائها حتى كثروا جدا فلم يبق أحد لا نجاة عنده إلا دار بخبائها فقيل لذلك الموضع مدار قيس وكان يضرب به المثل فتغضب قيس منه وكان زوجها مسعود بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن قيس وهو من ثقيف قد أخرج معه يومئذ بنيه من سبيعة وهم عروة ولوحة ونويرة والأسود

(22/72)


فكانوا يدورون وهم غلمان في قيس يأخذون بأيديهم إلى خباء أمهم ليجيروهم فيسودوا بذلك أمرتهم أمهم أن يفعلوا
فأخبرني الحرمي والطوسي قالا حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني محمد بن الحسن عن المحرز بن جعفر وغيره
أن كنانة وقيسا لما توافوا من العام المقبل من مقتل عروة بن عتبة بن جعفر بن كلاب ضرب مسعود الثقفي على امرأته سبيعة بنت عبد شمس أم بنيه خباء فرآها تبكي حين تدانى الناس فقال لها ما يبكيك فقالت لما يصاب غدا من قومي فقال لها من دخل خباءك فهو آمن فجعلت توصل فيه القطعة بعد القطعة والخرقة والشيء ليتسع فخرج وهب بن معتب حتى وقف عليها وقال لها لا يبقى طنب من أطناب هذا البيت إلا ربطت به رجلا من بني كنانة فلما صف القوم بعضهم لبعض خرجت سبيعة فنادت بأعلى صوتها إن وهبا يأتلي ويحلف ألا يبقى طنب من أطناب هذا البيت إلا ربط به رجلا من كنانة فالجد الجد فلما هزمت قيس لجأ نفر منهم إلى خباء سبيعة بنت عبد شمس فأجارهم حرب بن أمية
أخبرني هاشم بن محمد قال حدثنا أبو غسان دماذ عن أبي عبيدة قال
لما هزمت قيس لجأت إلى خباء سبيعة حتى أخرجوها منه فخرجت فنادت من تعلق بطنب من أطناب بيتي فهو آمن من ذمتي فداروا بخبائها حتى صاروا حلقة فأمضى ذلك كله حرب بن أمية لعمته فكان يضرب في الجاهلية بمدار قيس المثل ويعيرون بمدارهم يومئذ بخباء سبيعة بنت عبد شمس قال

(22/73)


وقال ضرار بن الخطاب الفهري قوله
( ألم تسألِ الناسَ عن شأننا ... ولم يُثبتِ الأمرَ كالخابرِ )
( غداةَ عُكاظ إذا استكملَتْ ... هوازنُ في كفِّها الحاضر )
( وجاءت سُلَيمٌ تَهزّ القَنا ... على كل سَلْهَبةٍ ضامر )
( وجئنا إليهم على المضمراتِ ... بأرْعَنَ ذي لَجبٍ زَاخِرِ )
( فلما التقينا أذقناهمُ ... طِعاناً بِسُمْرِ القنا العائر )
( ففرّت سُلَيمٌ ولم يصبروا ... وطارت شَعَاعاً بنو عامر )
( وفرت ثقيفً إلى لاَتِها ... بمُنقَلب الخائبِ الخاسرِ )
( وقاتلت العَنْسُ شَطْرَ النها ... رثم تولّت مع الصادر )
( على أن دُهمانَها حافظت ... أخيراً لدى دارةِ الدائرِ )
وقال خداش بن زهير
( أتتنا قريش حافلين بجمعهم ... عليهم من الرحمن واقٍ وناصرُ )
( فلما دنونا للقِبابِ وأهلِها ... أُتيحَ لنا ريبٌ مع الليل ناجرُ )

(22/74)


( أُتيحت لنا بكرٌ وحول لوائها ... كتائبُ يخشاها العزيز المكاثر )
( جئت دونهم بكرٌ فلم تستطعهمُ ... كأنهمُ بالمشرفيَّة سامر )
( وما برحت خيلٌ تثور وتُدَّعى ... ويَلْحقُ منهم أولون وآخر )
( لدن غدوة حتى أتى وانجلى لنا ... عَمايَةُ يومٍ شرُّه متظاهر )
( وما زال ذاك الدأب حتى تخاذلت ... هوازنُ وارفضَّت سُلَيمٌ وعامر )
( وكانت قريشٌ يَفْلِقُ الصخرَ حدُّها ... إذا أوهن الناسَ الجدودُ العواثرُ )
اليوم الخامس من حرب الفجار وهو يوم حريرة
ثم كان اليوم الخامس وهو يوم الحريرة وهي حرة إلى جانب عكاظ والرؤساء بحالهم إلا بلعاء بن قيس فإنه قد مات فصار أخوه مكانه على عشيرته فاقتتلوا فانهزمت كنانة وقتل يومئذ أبو سفيان بن أمية وثمانية رهط من بني كنانة قتلهم عثمان بن أسد من بني عمرو بن عامر بن ربيعة وقتل ورقاء بن الحارث أحد بني عمرو بن عامر من بني كنانة وخمسة نفر
وقال خداش بن زهير في ذلك
( لَقد بَلَوْكُمْ فأبلَوْكمْ بلاءهم ... يوم الحُرَيرة ضرباً غيرَ تكذيبِ )
( إن تُوعدوني فإني لاَبْنُ عمِّكمُ ... وقد أصابوكمُ منه بشُؤْبوب )
( وإن ورقاءَ قد أردَى أبا كنَفٍ ... وابَنيْ إياسٍ وعمراً وابنَ أيّوب )

(22/75)


( وإن عثمانَ قد أردى ثمانيةً ... منكم وأنتم على خُبْرٍ وتجريب )
ثم كان الرجل منهم بعد ذلك يلقى الرجل والرجلان يلقيان الرجلين فيقتل بعضهم بعضا فلقى ابن محمية بن عبد الله الديلي زهير بن ربيعة أبا خداش فقال زهير إني حرام جئت معتمرا فقال له ما تلقى طوال الدهر إلا قلت أنا معتمر ثم قتله فقال الشويعر الليثي واسمه ربيعة بن علس
( تركنا ثاوياً يزقو صداهُ ... زهيراً بالعوالي والصِّفاحِ )
( أُتيح له ابنُ مَحميَةَ بنِ عبدٍ ... فأعجله التسوُّم بالبطاح )
ثم تداعوا إلى الصلح على أن يدي من عليه فضل في القتلى الفضل إلى أهله فأبى ذلك وهب بن معتب وخالف قومه واندس إلى هوازن حتى أغارت على بني كنانة فكان منهم بنو عمرو بن عامر بن ربيعة عليهم سلمة بن سعدي البكائي وبنو هلال عليهم ربيعة بن أبي ظبيان الهلالي وبنو نصر بن معاوية عليهم مالك بن عوف وهو يومئذ أمرد فأغاروا على بني ليث بن بكر بصحراء الغميم فكانت لبني ليث أول النهار فقتلوا عبيد بن عوف البكائي قتله بنو مدلج وسبيع بن المؤمل الجسري حليف بني عامر ثم كانت على بني ليث آخر النهار فانهزموا

(22/76)


واستحر القتل في بني الملوح بن يعمر بن ليث وأصابوا نعما ونساء حينئذ فكان ممن قتل في حروب الفجار من قريش العوام بن خويلد قتله مرة بن معتب وقتل حزام بن خويلد وأحيحة بن أبي أحيحة ومعمر بن حبيب الجمحي وجرح حرب بن أمية وقتل من قيس الصمة أبو دريد بن الصمة قتله جعفر بن الأحنف
اجتماع القبائل على الصلح
ثم تراضوا بأن يعدوا القتلى فيدوا من فضل فكان الفضل لقيس على قريش وكنانة فاجتمعت القبائل على الصلح وتعاقدوا ألا يعرض بعضهم لبعض فرهن حرب بن أمية ابنه أبا سفيان بن حرب ورهن الحارث بن كلدة العبدي ابنه النصر ورهن سفيان بن عوف أحد بني الحارث بن عبد مناة ابنه الحارث حتى وديت الفضول ويقال إن عتبة بن ربيعة تقدم يومئذ فقال يا معشر قريش هلموا إلى صلة الأرحام والصلح قالوا وما صلحكم هنا فإنا موتورون فقال على أن ندي قتلاكم ونتصدق عليكم بقتلانا فرضوا بذلك وساد عتبة مذ يومئذ قال فلما رأت هوازن رهائن قريش بأيديهم رغبوا في العفو فأطلقوهم
النبي شهد الفجار إلا يوم نحلة
قال أبو عبيدة ولم يشهد الفجار من بني هاشم غير الزبير بن عبد المطلب وشهد النبي وآله سائر الأيام إلا يوم نخلة وكان يناول عمه وأهله النبل قال وشهدها وهو ابن عشرين سنة وطعن النبي وآله أبا براء ملاعب الأسنة وسئل وآله عن مشهده

(22/77)


يومئذ فقال ما سرني أني لم أشهده إنهم تعدوا على قومي عرضوا عليهم أن يدفعوا إليهم البراض صاحبهم فأبوا
قال وكان الفضل عشرين قتيلا من هوازن فوادهم حرب بن أمية فيما تروي قريش وبنو كنانة تزعم أن القتلى الفاضلين قتلاهم وأنهم هم ودوهم
وزعم قوم من قريش أن أبا طالب وحمزة والعباس بني عبد المطلب عليهما السلام شهدوا هذه الحروب ولم يرد ذلك أهل العلم بأخبار العرب
قال أبو عبيدة ولما انهزمت قيس خرج مسعود بن معتب لا يعرج على شيء حتى أتى سبيعة بنت عبد شمس زوجته فجعل أنفه بين ثدييها وقال أنا بالله وبك فقالت كلا زعمت أنك ستملأ بيتي من أسرى قومي اجلس فأنت آمن
أميمة ترثي قومها
وقالت أميمة بنت عبد شمس ترثي ابن أخيها أبا سفيان بن أمية ومن قتل من قومها والأبيات التي فيها الغناء منها
( أبى لَيلُكَ لا يذهبْ ... ونِيط الطَّرفُ بالكوكبْ )
( ونجم دونه الأهْوال ... ُ بين الدَّلو والعقربْ )
( وهذا الصبحُ لا يأتي ... ولا يدنو ولا يقربْ )
( بعَقرِ عشيرةٍ منّا ... كرام الخِيم والمنصِبْ )

(22/78)


( أَحالَ عليهمُ دهرٌ ... حديدُ النّاب والمِخلبْ )
( فحلَّ بهم وقد أمِنوا ... ولم يُقْصرْ ولم يَشْطُبْ )
( وما عَنْهُ إذا ما حلّ ... من مَنجًى ولا مَهربْ )
( ألا يا عينُ فابكيِهم ... بدمعٍ منك مستغْرِبْ )
( فإن أبكِ فهم عِزّي ... وهم ركني وهم مَنكِبْ )
( وهم أصلي وهم فرعي ... وهم نسبي إذا أُنْسَبْ )
( وهم مجدِي وهم شرفِي ... وهم حِصنِي إذا أرْهَبْ )
( وهم رُمحِي وهم تُرسي ... وهم سيفي إذا أغضبْ )
( فكم من قائلٍ منهم ... إذا ما قال لا يكذِبْ )
( وكم من ناطقٍ فيهم ... خطيبٍ مِصقَعٍ مُعْرِبْ )
( وكم من فارسٍ فيهم ... كمِيٍّ مُعْلَمٍ مِحْرَب )
( وكم من مِدرَةٍ فيهم ... أريبٍ حُوَّل قُلَّبْ )
( وكم من جَحفلٍ فيهم ... عظيمِ النّار والموكِبْ )
( وكم من خِضْرمٍ فيهم ... نجيبٍ ماجد مُنجِبْ )
صوت
( أُحِبُّ هبوطَ الواديين وإنني ... لمشتهرٌ بالواديين غريبُ )
( أحقاًّ عبادَ الله أَنْ لستُ خارجاً ... ولا والجاً إلا عليّ رقيبُ )

(22/79)


( ولا زائراً فرداً ولا في جماعة ... من الناس إلا قيل أنت مُرِيبُ )
( وهل ريبةٌ في أن تحِنَّ نَجِيبةٌ ... إلى إلفها أو أن يَحِنّ نَجيبُ )
الشعر فيما ذكره أبو عمرو الشيباني في أشعار بني جعدة وذكره أبو الحسن المدائني في أخبار رواها لمالك بن الصمصامة الجعدي ومن الناس من يرويه لابن الدمينة ويدخله في قصيدته التي على هذه القافية والروي والغناء لإسحاق هزج بالبنصر عن عمرو

(22/80)


أخبار مالك ونسبه
هو مالك بن الصمصامة بن سعد بن مالك أحد بني جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة شاعر بدوي مقل
كان يهوى جنوب بنت محصن الجعدية
أخبرني بخبره هاشم بن محمد الخزاعي ومحمد بن خلف بن المرزبان قالا
أخبرنا أحمد بن الحارث الخزاز عن المدائني ونسخت خبره أيضا من كتاب أبي عمرو الشيباني قالوا
كان مالك بن الصمصامة الجعدي فارسا شجاعا جوادا جميل الوجه وكان يهوى جنوب بنت محصن الجعدية وكان أخوها الأصبغ بن محصن من فرسان العرب وشجعانهم وأهل النجدة والبأس منهم فنمى إليه نبذ من خبر مالك فآلى يمينا جزما لئن بلغه أنه عرض لها أوزارها ليقتلنه ولئن بلغه أنه ذكرها في شعر أو عرض بها ليأسرنه ولا يطلقه إلا أن يجز ناصيته في نادي قومه فبلغ ذلك مالك بن الصمصامة فقال

(22/81)


( إذا شئتَ فاقرِنِّي إلى جَنْب عيهبٍ ... أجبَّ ونِضوي للقلوص جنيب )
( فما الحلْق بعد الأسر شرٌّ بَقِيةً ... من الصَّدّ والهِجران وهي قريب )
( ألا أيها الساقي الذي بلّ دَلوَه ... بقُريان يَسْقِي هل عليك رقيبُ )
( إذا أنتَ لم تشرب بقُريان شربةً ... وحانيةِ الجدران ظَلْتَ تَلوب )
( أحبّ هبوطَ الواديين وإنني ... لمشتهر بالواديين غريب )
( أحقًّا عِبادَ الله أنْ لستُ خارجاً ... ولا والجا إلا عليَّ رقيب )
( ولا زائراً وحدي ولا في جماعةٍ ... من الناس إلا قيل أنتَ مُريبُ )
( وهل ريبة في أن تَحِنَّ نجيبةٌ ... إلى إلفها أو أن يحِنَّ نجيب )
كان يراها ولا يستطيع مخاطبتها
وقال أبو عمرو خاصة حدثنا فتيان من بني جعدة أنها أقبلت ذات يوم وهو جالس في مجلس فيه أخوها فلما رآها عرفها ولم يقدر على الكلام بسبب أخيها فأغمي عليه وفطن أخوها لما به فتغافل عنه وأسنده بعض فتيان العشيرة إلى صدره فما تحرك ولا أحار جوابا ساعة من نهاره وانصرف أخوها كالخجل فلما أفاق قال
( ألَمَّتْ فما حيّت وعاجتْ فأسرعت ... إلى جرعة بين المخارم فالنّحر )

(22/82)


( خليليَّ قد حانَتْ وفاتِيَ فاحفِروا ... برابيةٍ بين المخافر والبُتر )
( لكيما تقول العبدليَّةُ كلما ... رأت جدثي سُقِّيت يا قبرُ من قبر )
وقال المدائني في خبره انتجع أهل بيت جنوب ناحية حسي والحمى وقد أصابها الغيث فأمرعت فلما أرادوا الرحيل وقف لهم مالك بن الصمصامة حتى إذا بلغته جنوب أخذ بخطام بعيرها ثم أنشأ يقول
( أَريْتُكِ إن أزمعتمُ اليوم نِيَّةً ... وغالكِ مُصطافُ الحِمى ومرابعُه )
( أترعَيْن ما استُودِعْتِ أم أنتِ كالذي ... إذا ما نأى هانت عليه ودَائعُهُ )
فبكت وقالت بل أرعى والله ما استودعت ولا أكون كمن هانت عليه ودائعه فأرسل بعيرها وبكى حتى سقط مغشيا عليه وهي واقفة ثم أفاق وقام فانصرف وهو يقول
( ألاَ إنَّ حِسْياً دونه قُلَّةُ الحِمى ... مُنَى النفس لو كانت تُنال شرائعهُ )
( وكيف ومِن دونِ الورودِ عوائقٌ ... وأصبغُ حامي ما أُحِبُّ ومانعُه )
( فلا أنا فيما صدَّني عنه طامعٌ ... ولا أرتجي وصلَ الذي هو قاطعه )

(22/83)


صوت
( يا دارَ هنْدٍ عفاها كلُّ هطّالِ ... بالخَبتِ مثلُ سحيقِ اليَمْنَة البَالي )
( أربَّ فيها وليٌّ ما يغَيِّرها ... والريحُ مما تعفِّيها بأذيال )
( دارٌ وقفتُ بها صَحبيِ أُسائلها ... والدمع قد بلَّ مني جّيْبَ سِرْبالي )
( شوقاً إلى الحيِّ أيامَ الجميعُ بها ... وكيف يطربُ أو يشتاق أمثالي )
قوله أرب فيها أي أقام فيها وثبت والولي الثاني من أمطار السنة أولها الوسمي والثاني الولي ويروى
( جرت عليها رياح الصيف فاطَّرقت ... )
واطرقت تلبدت
الشعر لعبيد بن الأبرص والغناء لإبراهيم هزج بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى عن إسحاق وفيه لابن جامع رمل بالوسطى وقد نسب لحنه هذا إلى إبراهيم ولحن إبراهيم إليه

(22/84)


أخبار عبيد بن الأبرص ونسبه
قال أبو عمرو الشيباني هو عبيد بن الأبرص بن حنتم بن عامر بن مالك بن زهير بن مالك بن الحارث بن سعد بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر شاعر فحل فصيح من شعراء الجاهلية وجعله ابن سلام في الطبقة الرابعة من فحول الجاهلية وقرن به طرفة وعلقمة بن عبدة وعدي بن زيد
أخبرنا أبو خليفة عن محمد بن سلام قال
عبيد بن الأبرص قديم الذكر عظيم الشهرة وشعره مضطرب ذاهب لا أعرف له إلا قوله في كلمته
( أَقْفَرَ من أَهْلِهِ مَلْحُوبُ )

(22/85)


ولا أدري ما بعد ذلك
اتهم بأخته ماوية
أخبرنا عبد الله بن مالك النحوي الضرير قال حدثنا محمد بن حبيب عن ابن الأعرابي وأبي عمرو الشيباني قالا
كان من حديث عبيد بن الأبرص أنه كان رجلا محتاجا ولم يكن له مال فأقبل ذات يوم ومعه غنيمة له ومعه أخته ماوية ليوردا غنمها الماء فمنعه رجل من بني مالك بن ثعلبة وجبهه فانطلق حزينا مهموما للذي صنع به المالكي حتى أتى شجرات فاستظل تحتهن فنام هو وأخته فزعموا أن المالكي نظر إليه وأخته إلى جنبه فقال
( ذاك عبيدٌ قد أصاب مَيّا ... يا ليتَه ألقحها صبيًّا )
( فحملت فوضعت ضاوياًّ ... )
فسمعه عبيد فرفع يديه ثم ابتهل فقال اللهم إن كان فلان ظلمني ورماني بالبهتان فأدلني منه أي اجعل لي منه دولة وانصرني عليه ووضع رأسه فنام ولم يكن قبل ذلك يقول الشعر
فذكر أنه أتاه آت في المنام بكبة من شعر حتى ألقاها في فيه ثم قال قم فقام وهو يرتجز يعني بني مالك وكان يقال لهم بنو الزنية

(22/86)


يقول
( أيا بني الزِّنْية ما غرّكمُ ... فلكُم الويلُ بسربال حَجَرْ )
ثم استمر بعد ذلك في الشعر وكان شاعر بني أسد غير مدافع
امرؤ القيس يرفض دية أبيه ويهدد بني أسد فينشد عبيد بن الأبرص
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا أبو غسان دماذ عن أبي عبيدة قال
اجتمعت بنو أسد بعد قتلهم حجر بن عمرو والد امرئ القيس إلى امرئ القيس ابنه على أن يعطوه ألف بعير دية أبيه أو يقيدوه من أي رجل شاء من بني أسد أو يمهلهم حولا فقال أما الدية فما ظننت أنكم تعرضونها على مثلي وأما القود فلو قيد إلي ألف من بني أسد ما رضيتهم ولا رأيتهم كفؤا لحجر وأما النظرة فلكم ثم ستعرفونني في فرسان قحطان أحكم فيكم ظبا السيوف وشبا الأسنة حتى أشفي نفسي وأنال ثأري فقال عبيد بن الأبرص في ذلك
صوت
( يا ذا المُخوِّفُنا بقتل ... ِ أبيه إذلالا وحَيْنا )

(22/87)


( أزعمتَ أنك قد قَتلْتَ ... سَراتنا كذِباً وميْنا )
( هلاَّ على حُجْرِ ابن أمم ... ِ قطامِ تبكي لا علينا )
( إنَّا إذا عَضَّ الثِّقاف ... ُ برأس صَعْدتِنا لَوَيْنا )
( نحمي حقيقتنا وبعضُ ... الناس يسقط بين بينا )
( هلاَّ سألتَ جموع كِندةَ ... يوم وَلَّوْا أين أينا )
الغناء لحنين رمل في مجرى الوسطى مطلق عن الهشامي وفيه ليحيى المكي خفيف ثقيل
قال وتمام هذه الأبيات
( أيامَ نضربُ هامَهم ... ببواترٍ حتى انحنينا )
( وجموعَ غسَّانَ الملوك ... أتينَهم وقد انطويْنا )
( لُحُقاً أياطِلُهنّ قد ... عالجن أسفاراً وأينا )
والأياطل الخواصر أي هن ضوامرها
( نحن الأُلَى فاجمع جمو ... عَك ثم وجِّههم إلينا )
( واعلمْ بأنّ جِيادَنا ... آليْنَ لا يقضِين دينا )

(22/88)


( ولقد أبَحْنَا ما حَميتَ ... ولا مُبيحَ لما حَمينا )
( هذا ولو قَدَرَتْ عليكَ ... رماحُ قومي ما انتهينا )
( حتى تنوشَك نَوْشَةً ... عاداتِهنَّ إذا انتويْنا )
( نُغْلي السِّباءَ بكل عاتقة ... ٍ شمولٍ ما صَحْونا )
( ونُهِينُ في لذّاتنا ... عُظْمَ التّلاد إذا انتشينا )
( لا يبلُغ الباني ولو ... رفعَ الدّعائمَ ما بَنَيْنا )
( كم من رئيسٍ قد قتلناهُ ... وضَيمٍ قدْ أبينا )
( ولربَّ سَيِّدِ معشرٍ ... ضخمِ الدّسيعة قد رمينا )
( عِقْبانُه بظلالِ عِقبانٍ ... تُتَمِّمُ ما نوينا )
( حتى تركنا شِلوَه ... جَزَرَ السّباع وقد مضينا )
( إنّا لعمرُك ما يُضامُ ... حليفُنا أبداً لدينا )
( وأوانِس مثلِ الدُّمى ... حُورِ العيون قد استبينا )
وفاء ثعبان له
وقرأت في بعض الكتب عن ابن الكلبي عن أبيه وهو خبر مصنوع يتبين التوليد فيه
أنَّ عبيدَ بن الأبرص سافر في ركب من بني أسد فبيناهم يسيرون إذا

(22/89)


هم بشجاع يتمعك على الرمضاء فاتحا فاه من العطش وكانت مع عبيد فضلة من ماء ليس معه ماء غيرها فنزل فسقاه الشجاع عن آخره حتى روي وانتعش فأنساب في الرمل فلما كان من الليل ونام القوم ندت رواحلهم فلم ير لشيء منها أثر فقام كل واحد يطلب راحلته فتفرقوا فبينا عبيد كذلك وقد أيقن بالهلكة والموت إذا هو بهاتف يهتف به
( يا أَيُّها الساري المضِلُّ مذهبُهْ ... دونكَ هذا البَكَر منّا فاركبه )
( وبكْرُكَ الشارد أيضاً فاجنبُهْ ... حتى إذا الليلُ تَجَلّى غيهبه )
( فَحُطّ عنه رحلَه وسَيّبُه ... )
فقال له عبيد يا هذا المخاطب نشدتك الله إلا أخبرتني من أنت فأنشأ يقول
( أنا الشّجاع الذي ألفيْتَه رَمِضاً ... في قفرةٍ بين أحجارٍ وأعقادِ )
( فَجُدْتَ بالماء لما ضَنَّ حامُله ... وزِدتَ فيه ولم تبخل بإِنكادِ )
( الخيرُ يبقى وإن طال الزمانُ به ... والشرُّ أخبثُ ما أوْعيتَ من زادِ )
فركب البكر وجنب بكره وسار فبلغ أهله مع الصبح فنزل عنه وحل رحله وخلاه فغاب عن عينه وجاء من سلم من القوم بعد ثلاث

(22/90)


كان للمنذر بن ماء السماء يومان
أخبرني محمد بن عمران المؤدب وعمي قالا حدثنا محمد بن عبيد قال حدثني محمد بن يزيد بن زياد الكلبي عن الشرقي بن القطامي قال
كان المنذر بن ماء السماء قد نادمه رجلان من بني أسد أحدهما خالد بن المضلل والآخر عمرو بن مسعود بن كلدة فأغضباه في بعض المنطق فأمر بأن يحفر لكل واحد حفيرة بظهر الحيرة ثم يجعلا في تابوتين ويدفنا في الحفرتين ففعل ذلك بهما حتى إذا أصبح سأل عنهما فأخبر بهلاكهما فندم على ذلك وغمه وفي عمرو بن مسعود وخالد بن المضلل الأسديين يقول شاعر بني أسد
( يا قبرُ بينَ بيوتٍ آل محرِّقٍ ... جادت عليك رواعدٌ وبروقُ )
( أمّا البكاءُ فقلَّ عنك كثيرُه ... ولئن بُكِيتَ فَللْبُكاء خَليق )
ثم ركب المنذر حتى نظر إليهما فأمر ببناء الغريين عليهما فبنيا عليهما وجعل لنفسه يومين في السنة يجلس فيهما عند الغريين يسمى أحدهما يوم نعيم والآخر يوم بؤس فأول من يطلع عليه يوم نعيمه يعطيه مائة من الإبل شوما أي سودا وأول من يطلع عليه يوم بؤسه يعطيه

(22/91)


رأس ظربان أسود ثم يأمر به فيذبح ويغرى بدمه الغريان فلبث بذلك برهة من دهره
عبيد يقتل في يوم البؤس
ثم إن عبيد بن الأبرص كان أول من أشرف عليه في يوم بؤسه فقال هلا كان الذبح لغيرك يا عبيد فقال أتتك بحائن رجلاه فأرسلها مثلا فقال له المنذر أو أجل بلغ إناه فقال له المنذر أنشدني فقد كان شعرك يعجبني فقال عبيد حال الجريض دون القريض وبلغ الحزام الطبيين فأرسلها مثلا فقال له النعمان أسمعني فقال المنايا على الحوايا فأرسلها مثلا فقال له آخر ما أشد جزعك من الموت فقال لا يرحل رحلك من ليس معك فأرسلها مثلا فقال له المنذر قد أمللتني فأرحني قبل أن آمر بك فقال عبيد من عز بز فأرسلها مثلا فقال المنذر أنشدني قولك
( أقفرَ مِن أهله مَلحوبُ ... )
فقال عبيد
صوت
( أقفر من أهله عَبِيدُ ... فليس يُبدِي ولا يُعِيدُ )

(22/92)


( عَنتْ له عَنَّةٌ نكُودٌ ... وحان منها له ورودُ )
فقال له المنذر يا عبيد ويحك أنشدني قبل أن أذبحك فقال عبيد
( والله إن مِتُّ لما ضرّني ... وإن أعشْ ما عشتُ في واحدَه )
فقال المنذر إنه لا بد من الموت ولو أن النعمان عرض لي في يوم بؤس لذبحته فاختر إن شئت الأكحل وإن شئت الأبجل وإن شئت الوريد فقال عبيد ثلاث خصال كسحابات عاد واردها شر وراد وحاديها شر حاد ومعادها شر معاد ولا خير فيه لمرتاد وإن كنت لا محالة قاتلي فاسقني الخمر حتى إذا ماتت مفاصلي وذهلت لها ذواهلي فشأنك وما تريد فأمر المنذر بحاجته من الخمر حتى إذا أخذت منه وطابت نفسه دعا به المنذر ليقتله فلما مثل بين يديه أنشأ يقول
( وخيّرني ذُو البؤس في يوم بؤسه ... خِصالاً أرى في كلها الموتَ قد بَرَقْ )
( كما خُيِّرت عادٌ من الدهر مَرّةً ... سحائبَ ما فيها لذي خِيرة أنَقْ )
( سحائب ريح لم تُوكَّل ببلدةٍ ... فتتركها إلا كما ليلةِ الطَّلَق )

(22/93)


فأمر به المنذر ففصد فلما مات غري بدمه الغريان
خبر الطائي الذي يرمز إلى وفاء العرب بالعهد
فلم يزل كذلك حتى مر به رجل من طيىء يقال له حنظلة بن أبي عفراء أو ابن أبي عفر فقال له أبيت اللعن والله ما أتيتك زائرا ولأهلي من خيرك مائرا فلا تكن ميرتهم قتلى فقال لا بد من ذلك فاسأل حاجة أقضينها لك فقال تؤجلني سنة أرجع فيها إلى أهلي وأحكم من أمرهم ما أريد ثم أصير إليك فأنفذ في حكمك فقال ومن يكفل بك حتى تعود فنظر في وجوه جلسائه فعرف منهم شريك بن عمرو أبا الحوفزان بن شريك فأنشد يقول
( يا شريكٌ يا بنَ عمروٍ ... ما من الموت مَحالَهْ )
( يا شريكٌ يا بنَ عمرو ... يا أخا من لا أخالهْ )
( يا أخا شَيْبان فُكَّ اليوم ... رهنا قد أناله )
( يا أخا كلِّ مُضافٍ ... وحيَا مَنْ لا حَيَا له )
( إنّ شَيْبانَ قبيلٌ ... أكرمَ اللهُ رجالَهْ )
( وأبوك الخيرُ عمروٌ ... وشراحيلُ الحَمَا لَهْ )
( رَقيَّاك اليوم في المجد ... وفي حُسنِ المقالَهْ )
فوثب شريك وقال أبيت اللعن يدي بيده ودمي بدمه إن لم يعد

(22/94)


إلى أجله فأطلقه المنذر فلما كان من القابل جلس في مجلسه ينتظر حنظلة أن يأتيه فأبطأ عليه فأمر بشريك فقرب ليقتله
فلم يشعر إلا براكب قد طلع عليهم فتأملوه فإذا هو حنظلة قد أقبل متكفنا متحنطا معه نادبته تندبه وقد قامت نادبة شريك تندبه فلما رآه المنذر عجب من وفائهما وكرمهما فأطلقهما وأبطل تلك السنة
خبر آخر عن مقتل عبيد بن الأبرص
أخبرني الحسن بن علي قال حدثني عبد الله بن أبي سعد قال حدثنا علي بن الصباح عن هشام بن الكلبي قال
كان من حديث عبيد بن الأبرص وقتله أن المنذر بن ماء السماء بنى الغريين فقيل له ما تريد إليهما وكان بناهما على قبري رجلين من بني أسد كانا نديميه أحدهما خالد بن المضلل الفقعسي والآخر عمرو بن مسعود فقال ما أنا بملك إن خالف الناس أمري لا يمرن أحد من وفود العرب إلا بينهما وكان له يومان في السنة يوم يسميه يوم النعيم ويوم يسميه يوم البؤس فإذا كان في يوم نعيمه أتي بأول من يطلع عليه فحباه وكساه ونادمه يومه وحمله فإذا كان يوم بؤسه أتي بأول من يطلع عليه فأعطاه رأس ظربان أسود ثم أمر به فذبح وغري بدمه الغريان فبينا هو جالس في يوم بؤسه إذ أشرف عليه عبيد فقال لرجل كان معه من هذا الشقي فقال له هذا عبيد بن الأبرص الأسدي الشاعر فأتي به فقال له الرجل الذي كان معه اتركه أبيت اللعن فإني أظن أن عنده من حسن القريض أفضل مما تدرك في قتله فاسمع منه فإن سمعت حسنا استزدته وإن لم يعجبك فما أقدرك على قتله فإذا نزلت فادع به قال

(22/95)


فنزل وطعم وشرب وبينه وبين الناس حجاب ستر يراهم منه ولا يرونه فدعا بعبيد من وراء الستر فقال له رديفه هلا كان الذبح لغيرك يا عبيد فقال أتتك بحائن رجلاه فأرسلها مثلا فقال ما ترى يا عبيد قال أرى الحوايا عليها المنايا فقال فهل قلت شيئا فقال حال الجريض دون القريض فقال أنشدني
( أقفرَ من أهلِه مَلحوب ... )
فقال
( أقْفَرَ من أَهله عبيدُ ... فليس يُبدي ولا يعيدُ )
( عنَّت له خُطَّةٌ نكودُ ... وحان منها له ورودُ )
فقال أنشدنا
( هِيَ الخمر تُكنى بأمِّ الطِّلىَ ... كما الذئبُ يُكنى أبا جَعْدَه )
وأبى أن ينشدهم شيئا مما أرادوا فأمر به فقتل
فأما خبر عمرو بن مسعود وخالد بن المضلل ومقتلهما فإنهما كانا نديمين للمنذر بن ماء السماء فيما ذكره خالد بن كلثوم فراجعاه بعض القول على سكره فغضب فأمر بقتلهما وقيل بل دفنهما حيين فلما أصبح سأل عنهما فأخبر خبرهما فندم على فعله فأمر بإبل فنحرت على قبريهما وغري بدمائها قبراهما إعظاما لهما وحزن عليهما وبنى الغريين فوق قبريهما وأمر فيهما بما قدمت ذكره من أخبارهما فقالت نادبة الأسديين
( ألا بَكرَ الناعي بخير بني أسدْ ... بعمرِو بن مسعودٍ وبالسيّد الصَّمَدْ )
وقال بعض شعراء بني أسد يرثي خالد بن المضلل وعمرو بن مسعود وفيه غناء

(22/96)


صوت
( يا قبرُ بينَ بيوتِ آل مُحرّقٍ ... جادت عليك رواعدٌ وبروقُ )
( أمّا البُكاءُ فقلّ عنك كثيرُهُ ... ولئن بُكِيتَ فبِالبِكاء خليقُ )
الغناء لابن سريج ثقيل أول مطلق في مجرى الوسطى من جامع أغانيه
ومما يغنى به أيضا من شعر عبيد
صوت
( طاف الخيال علينا ليلةَ الوادي ... من أمِّ عمرو ولم يُلْمِمْ لميعادِ )
( أنيَّ اهتديت لِركبٍ طال سيرهمُ ... في سَبْسَبٍ بين دَكْداكٍ وأعقاد )
( اذهب إليك فإني من بني أسد ... أهلِ القباب وأهل الجودِ والنَّادي )
الغناء للغريض ثاني ثقيل بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق وفيه ثقيل أول بالوسطى ذكر الهشامي أنه لأبي زكار الأعمى وذكر حبش أنه لابن سريج
وفي هذه القصيدة يقول يخاطب حجر بن الحارث أبا امرئ القيس وكان حجر يتوعده في شيء بلغه عنه ثم استصلحه فقال يخاطبه

(22/97)


( أبلغ أبَا كَرِبٍ عنّي وإخوتَه ... قولاً سيذهب غَوْراً بعد إنجادِ )
( لا أعرفنَّك بعد الموت تَندُبني ... وفي حياتيَ ما زودّتني زادي )
( إنَّ أمامَك يوماً أنتَ مدركُهُ ... لا حاضرٌ مفلِتٌ منه ولا بادي )
( فانظر إلى ظلّ مُلْكٍ أنْت تاركُهُ ... هل تُرسِيَنَّ أواخيه بأوتاد )
( الخيرُ يبقى وإن طال الزمانُ به ... والشَّرّ أخبث ما أوعيتَ من زاد )
عمر بن الخطاب يبكي مع نساء بني مخزوم خالد بن الوليد
أخبرنا عيسى بن الحسين قال حدثنا أحمد بن الحارث الخزاعي عن المدائني عن أبي بكر الهذلي قال
سمع عمر بن الخطاب نساء بني مخزوم يبكين على خالد بن الوليد فبكى وقال ليقل نساء بني مخزوم في أبي سليمان ما شئن فإنهن لا يكذبن وعلى مثل أبي سليمان تبكي البواكي فقال له طلحة بن عبيد الله إنك وإياه لكما قال عبيد بن الأبرص
( لا أُلْفِيَنَّك بعدَ الموتِ تندُبني ... وفي حياتيَ ما زوّدتني زادي )
أخبرني عمي قال حدثني عبد الله بن أبي سعد قال حدثني محمد بن عبد الله الغبدي قال حدثني سيف الكاتب قال
وليت ولاية فمررت بصديق لي في بعض المنازل فنزلت به قال فنلنا من الطعام والشراب ثم غلب علينا النبيذ فنمنا فانتبهت من نومي فإذا أنا بكلب قد دخل على كلب الرجل فجعل يبش به ويسلم

(22/98)


عليه لا أنكر من كلامهما شيئا ثم جعل الكلب الداخل عليه يخبره عن طريقه بطول سفره وقال له هل عندك شيء تطعمنيه قال نعم قد بقي لهم في موضع كذا وكذا طعام وليس عليه شيء فذهبا إليه فكأني أسمع ولوغهما في الإناء حتى أكلا ما كان هناك فيه ثم سأله نبيذا فقال نعم لهم نبيذ في إناء آخر ليس له غطاء فذهبا إليه فشربا
ثم قال له هل تطربني بشيء قل إي وعيشك صوت كان أبو يزيد يغنيه فيجيده ثم غناه في شعر عبيد بن الأبرص
صوت
( طاف الخيالُ علينا ليلةَ الوادي ... لآل أسماءَ لم يُلمِمْ لميعادِ )
( أنىَّ اهتديت لركبٍ طال سيرهُم ... في سَبسبٍ بين دكَدْاكٍ وأعقادِ )
قال فلم يزل يغنيه هذا الصوت ويشربان مليا حتى فني ذلك النبيذ ثم خرج الكلب الداخل فخفت والله على نفسي أن أذكر ذلك لصاحب المنزل فأمسكت وما أذكر أني سمعت أحسن من ذلك الغناء
ومما يغني فيه من شعره قوله
صوت
( لمن جِمالٌ قُبيلَ الصّبح مزمُومَه ... ميمِّماتٌ بلاداً غيرَ معلومه )
( فيهنّ هندٌ وقد هام الفؤاد بها ... بيضاءُ آنسةٌ بالحسن موسومهْ )
الغناء لابن سريج رمل عن يونس والهشامي وحبش
ومنها قوله

(22/99)


صوت
( دَرَّ دَرُّ الشباب والشعَرِ الأسود ... والضَّامراتِ تحت الرِّحالِ )
( فالخناذيذِ كالقداحِ من الشّوحط ... يحملن شِكّة الأبطال )
( ليس رسمٌ على الدّفين ببالٍ ... فَلِوَى ذرْوةٍ فَجَنْبيْ أُثَال )
( تلك عَرسي قد عيّرتني خِلالي ... ألِبينٍ تريد أم لدلالِ )
الغناء لطويس خفيف رمل لا شك فيه وفيه ثقيل أول ذكر علي بن يحيى أنه لطويس أيضا ووجدته في صنعة عبد العزيز بن عبد الله بن طاهر وفي الثالث والرابع من الأبيات لدلال خفيف رمل بالبنصر عن عبد الله بن موسى والهشامي
صوت
( لمن الدّيارُ كأنها لم تُحْلَلِ ... بجنوبِ أسنمةٍ فَقُفِّ العُنْصُلِ )
( دَرَسَتْ معالُمها فباقي رَسْمِها ... خَلَقٌ كعنوان الكتاب المُحْولِ )

(22/100)


( دارٌ لسُعدي إذ سعادٌ كأنها ... رشأ غضيضُ الطّرف رَخْصُ المِفْصل )
عروضه من الكامل جنوب أسنمة أودية معروفة والقف الكثيب من الرمل ليس بالمشرف ولا الممتد والعنصل بصل معروف
الشعر لربيعة بن مقروم الضبي والغناء فيه لسياط هزج بالبنصر عن الهشامي

(22/101)


أخبار ربيعة بن مقروم ونسبه
هو ربيعة بن مقروم الضبي بن قيس بن جابر بن خالد بن عمرو بن عبد الله بن السيد بن مالك بن بكر بن سعد بن ضبة بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار
شاعر إسلامي مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام وكان ممن أصفق عليه كسرى ثم عاش في الإسلام زمانا
هجوه ضابئ بن الحارث
قال أبو عمرو الشيباني
كان ربيعة بن مقروم باع عجرد بن عبد عمرو بن ضمرة بن جابر بن قطن بن نهشل بن درام لقحة إلى أجل فلما بايعه وجد ابن مقروم ضابئ بن الحارث عند عجرد وقد نهاه عن إنظاره بالثمن فقال ابن مقروم يعرض بضابئ إنه أعان عليه وكان ضلعه معه
( أَعَجْرُ ابن المليحة إنَّ همّي ... إذا ما لَجّ عُذاَّلي لَعَان )
قوله لعان أي عان من العناء عناني الشيء يعنيني وهو لي عان

(22/102)


( يَرى مالا أرى ويقول قولاً ... وليس على الأمور بمستعان )
( ويحلِف عند صاحبه لَشاةٌ ... أحبُّ إليَّ من تلك الثّمان )
( وحامل ضبّ ضِغنٍ لم يَضِرْني ... بعيدٍ قلبُه حلوِ اللسان )
( ولو أني أشاء نقَمتُ منه ... بِشَغْبٍ من لسانٍ تَيِّحان )
( ولكني وصلتُ الحبل منه ... مواصلة بحبلِ أبي بيان )
( ترفَّع في بني قَطَنٍ وحلّت ... بيوتَ المجد يبنيهن باني )
يعني حلت بنو قطن بيوت المجد
( وضَمرة إن ضمرةَ خيرُ جارٍ ... إلى قطن بأسبابِ مِتانِ )
( هجانُ الحيِّ كالذهب المصفّى ... صبيحةَ ديمةٍ يجنيه جان )
قال أبو عمرو الذهب في معدنه إذا جاءه المطر ليلا لاح من غد عند طلوع الشمس فيتتبع ويؤخذ
مدحه مسعود بن سالم الذي خلصه من الأسر
قال أبو عمرو وأسر ربيعة بن مقروم واستيق ماله فتخلصه مسعود بن سالم بن أبي سلمى بن ذبيان بن عامر بن ثعلبة بن ذؤيب بن السيد فقال ربيعة بن مقروم فيه قوله
( كَفَانِي أبو الأشوسِ المنكراتِ ... كفاهُ الإلهُ الذي يَجْذَرُ )
( أعزُّ من السِّيدِ في منصِبٍ ... إليه العَزازة والمفخرُ )
وقال يمدحه أيضا

(22/103)


( بَانَ الخليطُ فأمسى القلب معموداً ... وأخلفْتك ابنةُ الحرِّ المواعيدا )
( كأنها ظبيةٌ بِكْرٌ أطاع لها ... من حَوملٍ تَلعَاتُ الحيِّ أو أُودا )
( قامت تريك غداةَ البين مُنسدِلاً ... تجللت فوق متنيها العناقيدا )
( وبارداً طَيِّباً عذباً مَذاقتُه ... شربتُه مَزِجاً بالظلم مشهودا )
( وجَسْرةٍ أُجُد تَدمَى مناسمُهَا ... أعْمَلتُهَا بِيَ حَتى تَقطعَ البيدا )
( كلّفتُها فأتى حتماً تكلُّفها ... ظهيرةً كأجيج النار صَيخودا )
( في مهمةٍ قُذُفٍ يُخشَى الهلاكُ به ... أصداؤُه لا تَنِي بالليل تغريدا )
( لمّا تشكّت إليّ الأينَ قلتُ لها ... لا تستريحِنَّ ما لم ألق مسعودا )
( ما لم ألاقِ امرأً جَزْلاً مواهبُه ... رحبُ الفِنَاء كريمَ الفِعْل محمُودا )
( وقد سمعتُ بقوم يُحمَدون فلم ... أسمع بمثلِك لا حِلْماً ولا جودا )
( ولا عفافاً ولا صبراً لنائبة ... ولا أُخَبِّرُ عنك الباطلَ السِّيدا )

(22/104)


السيد قبيل الممدوح من آل ضبة
( لا حلمُك الحلمُ موجودٌ عليه ولا ... يُلْفَى عَطَاؤُك في الأقوام منكودا )
( وقد سبقتَ لغاياتِ الجواد وقد ... أشبهت آباءَك الشُّمَّ الصناديدا )
( هذا ثنائي بما أوليتَ من حسَنٍ ... لا زلتَ براًّ قريرَ العينِ محسودا )
قال أبو عمرو كان لضابئ بن الحارث البرجمي على عجرد بن عبد عمرو دين بايعه به نعما واستخار الله في ذلك وبايعه ربيعة بن مقروم ولم يستخر الله تعالى ثم خافه ضابئ فاستجار بربيعة بن مقروم في مطالبته إياه فضمن له جواره فوفى عجرد لضابئ ولم يف لربيعة فقال ربيعة
( أَعجْرِد إني من أمانيَّ بَاطلٍ ... وقولِ غِداً شيخٌ لذاك سؤوم )
( وإنّ اختلافي نصف حولٍ محرَّم ... إليكم بني هندٍ عليَّ عظيم )
( فلا أعرفنّي بعد حولٍ محرَّم ... وقولٍ خلا يُشكُونَنِي فألوم )
( ويلتمسوا وُدِّي وعطفيَ بعد ما ... تنَاشدَ قولي وائلٌ وتميمُ )
( وإن لم يكن إلا اختلافي إليكم ... فإني امرؤٌ عِرضي عليّ كريم )
( فلا تُفسِدوا ما كان بينِي وبينكم ... بني قَطَنٍ إنَّ المُليم مُليمُ )
فاجتمعت عشيرة عجرد عليه وأخذوه بإعطاء ربيعة ماله فأعطاه إياه
حماد الراوية ينشد الوليد بن يزيد شعر ربيعة بن مقروم
أخبرني جعفر بن قدامة قال حدثني حماد بن إسحاق عن أبيه عن

(22/105)


الهيثم بن عدي عن حماد الراوية قال
دخلت على الوليد بن يزيد وهو مصطبح وبين يديه معبد ومالك وابن عائشة وأبو كامل وحكم الوادي وعمر الوادي يغنونه وعلى رأسه وصيفة تسقيه لم أر مثلها تماما وكمالا وجمالا فقال لي يا حماد أمرت هؤلاء أن يغنوا صوتا يوافق صفة هذه الوصيفة وجعلتها لمن وافق صفتها نحلة
فما أتى أحد منهم بشيء فأنشدني أنت ما يوافق صفتها وهي لك فأنشدته قول ربيعة بن مقروم الضبي
( دارٌ لسُعْدِي إذ سُعاد كأنَّها ... رَشأٌ غريرُ الطّرفِ رخْص المِفْصَل )
( شَمَّاءُ واضحةُ العوارضِ طَفلةٌ ... كالبدر من خَلَل السحاب المنجِلي )
( وكأنما ريحُ القَرَنفُلِ نَشرُها ... أو حَنْوَةٌ خُلِطَتْ خزامى حَوْملِ )

(22/106)


( وكأَنّ فاها بعد ما طرَق الكرى ... كأسٌ تُصَفِّق بالرحيق السّلسل )
( لو أنها عرضت لأشْمَطَ راهبٍ ... في رأس مُشرفةِ الذُّرا متبتّل )
( جآر ساعات النيام لربه ... حتى تخدد لحمه مستعمل )
( لصَبَا لبهجتها وحُسنِ حَديِثها ... ولهمَّ من ناموسه بتَنَزُّل )
فقال الوليد أصبت وصفها فاخترها أو ألف دينار فاخترت الألف الدينار فأمرها فدخلت إلى حرمه وأخذت المال
مختارات من شعره
وهذه القصيدة من فاخر الشعر وجيده وحسنه فمن مختارها ونادرها قوله
صوت
( بل إنْ تَرَىْ شَمَطاً تفرَّغَ لِمّتي ... وحَنَا قناتي وارتقى في مِسْحَلي )
( ودَلَفْتُ من كَبرٍ كأنِّيَ خَاتلٌ ... قَنَصاً ومن يدْبِبْ لصيدٍ يخْتِلِ )
( فلقد أُرَى حَسنَ القَناة قويَمها ... كالنَّصْل أخلصه جَلاءُ الصّيقَلِ )
( أزمانَ اذْ أنا والجديدُ إلى بلىً ... تُصبي الغواني مَيْعَتي وتنقُّليِ )
غنى بذلك معبد ثقيلا أول

(22/107)


( ولقد شهِدْتُ الخيل يوم طِرَادها ... بِسَليمِ أَوظفةِ القوائم هَيكَل )
( متقَاذفٍ شَنِجِ النَّسا عَبْلِ الشَّوى ... سبَّاقِ أَندية الجياد عَمَيْثل )
( لولا أكفكِفه لكان إذا جرى ... منه العزيم يدقُّ فأسَ المِسحل )
( وإذا جرى منه الحميمُ رأيتَه ... يهوِي بفارسِه هُوِيَّ الأجدلِ )
( وإذا تَعلَّلُ بالسّياط جيادُها ... أعطاك نائيه ولم يتعلّل )
( ودعَوا نزالِ فكنتُ أولَ نازلٍ ... وعلامَ أركبُه إذا لم أنزل )
( ولقد جمعتُ المالَ من جَمْع امرئ ... ورفعتُ نفسِي عن لَئِيمِ المأكلِ )
( ودخلتُ أبنية الملوك عليهمُ ... ولَشَرُّ قولِ المرءِ ما لم يُفعَل )
( ولرُبّ ذي حَنَقٍ عليَّ كأنما ... تَغلِي عداوةُ صَدْرِهِ كالمِرْجل )
( أزْجَيْتُه عنّي فأبصرَ قصدَه ... وكويتُه فوق النَّواظر من عَلِ )
( وأخي مُحافظةٍ عَصَى عُذّاله ... وأطاع لذّته مُعِمٍّ مُخوِل )
( هشٍّ يُرَاحُ إلى النّدى نبّهتُه ... والصبحُ ساطِعُ لونِه لم يَنْجل )
( فأتيتُ حانوتا به فصبَحْته ... من عاتقٍ بمزاجها لم تُقتلِ )

(22/108)


( صهباءَ إلْياسِيَّةٍ أَغلى بها ... يَسرٌ كريمُ الخِيم غيرُ مُبخَّل )
( ومُعَرِّسٍ عُرْضِ الرداء عَرَسْتُهُ ... من بعد آخرَ مثلِه في المنزلِ )
( ولقد أصبتُ من المعيشة لينَها ... وأصابني منه الزمانُ بكلكل )
( فإذا وذاك كأنه ما لم يكن ... إلا تذكُّره لمن لم يجهل )
( ولقد أتتْ مائةٌ عليَّ أعدُّها ... حَوْلاً فحولا لا بَلاها مُبتلِ )
( فإذا الشّباب كمبْذَلٍ أنضيتُه ... والدهرُ يُبلِي كلَّ جِدَّةِ مِبْذل )
( هلاّ سألتِ وخُبْرُ قوم عندهم ... وشفاءُ غَيِّكِ خابرا أن تسأليِ )
( هل نُكرم الأضْيافَ إنْ نزلوا بنا ... ونسودُ بالمعروف غير تنحل )
( ونحل بالثغر المخوف عدوه ... ونرد حالَ العارض المتهلِّل )
( ونُعين غارمَنا ونمنع جارَنا ... ونَزينُ مولى ذِكْرِنا في المحفِل )
( وإذا امرؤٌ منا حَبا فكأنَّه ... مما يُخافُ على مناكب يَذْبُل )
( ومتى تَقُمْ عند اجتماع عشيرةٍ ... خطباؤنا بين العشيرة يُفْصَل )
( ويرى العدوُّ لنا دروءاً صعبةً ... عند النجوم منيعةَ المتأوّل )

(22/109)


( وإذا الحَمالةُ أثقلت حُمَّالَها ... فعلى سوائمنا ثقيلُ المحمِلِ )
( ونحُقُّ في أموالنا لحليفنا ... حقّاً يبوء به وإن لم يَسْأَلِ )
وهذه جملة جمعت فيها أغاني من أشعار اليهود إذ كانت نسبتهم وأخبارهم مختلطة فمن ذلك
صوت
( أَنَّى تَذَكَّر زينبَ القلبُ ... وطِلابُ وصلِ عزيزةٍ صَعْبُ )
( ما رَوْضَةٌ جاد الربيع لها ... موشيّةٌ ما حولها جدْبُ )
( بألذّ منها إذ تقول لنا ... سيراً قليلاً يَلْحقِ الركبُ )
الشعر لأوس بن ذبي القرظي والغناء لابن سريج ثقيل أول بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق وزعم عمرو أن فيه لحنا من الثقيل الأول بالوسطى لمالك وأن فيه صنعة لابن محرز ولم يجنسها

(22/110)


أخبار أوس ونسب اليهود
النازلين بيثرب وأخبارهم
أوس بن ذبي اليهودي رجل من بني قريظة وبنو قريظة وبنو النضير يقال لهم الكاهنان وهم من ولد الكاهن بن هارون بن عمران أخي موسى بن عمران على محمد وآله وعليهما وكانوا نزولا بنواحي يثرب بعد وفاة موسى بن عمران عليه السلام وقبل تفرق الأزد عند انفجار سيل العرم ونزول الأوس والخزرج بيثرب
كان ساكنو المدينة يسمون العمالقة
أخبرني بذلك علي بن سليمان الأخفش عن جعفر بن محمد العاصي أبي المنهال عيينة بن المنهال المهلبي عن أبي سليمان جعفر بن سعد عن العماري قال
كان ساكنو المدينة في أول الدهر قبل بني إسرائيل قوما من الأمم الماضية يقال لهم العماليق وكانوا قد تفرقوا في البلاد وكانوا أهل عز وبغي شديد فكان ساكني المدينة منهم بنو هف وبنو سعد وبنو الأزرق وبنو مطروق وكان ملك الحجاز منهم رجل يقال له الأرقم ينزل ما بين تيماء

(22/111)


إلى فدك وكانوا قد ملأوا المدينة ولهم بها نخل كثير وزروع وكان موسى بن عمران عليه السلام قد بعث الجنود إلى الجبابرة من أهل القرى يغزونهم فبعث موسى عليه السلام إلى العماليق جيشا من بني إسرائيل وأمرهم أن يقتلوهم جميعا إذا ظهروا عليهم ولا يستبقوا منهم أحدا فقدم الجيش الحجاز فأظهرهم الله عز و جل على العماليق فقتلوهم أجمعين إلا ابنا للأرقم فإنه كان وضيئا جميلا فضنوا به على القتل وقالوا نذهب به إلى موسى بن عمران فيرى فيه رأيه فرجعوا إلى الشام فوجدوا موسى عليه السلام قد توفي فقالت لهم بنو إسرائيل ما صنعتم فقالوا أظهرنا الله جل وعز عليهم فقتلناهم ولم يبق منهم أحد غير غلام كان شابا جميلا فنفسنا به عن القتل وقلنا نأتي به موسى عليه السلام فيرى فيه رأيه فقالوا لهم هذه معصية قد أمرتم ألا تستبقوا منهم أحدا والله لا تدخلون علينا الشام أبدا
المدينة أول استيطان اليهود
فلما منعوا ذلك قالوا ما كان خيرا لنا من منازل القوم الذين قتلناهم بالحجاز نرجع إليهم فنقيم بها فرجعوا على حاميتهم حتى قدموا المدينة فنزلوها وكان ذلك الجيش أول سكنى اليهود المدينة فانتشروا في نواحي المدينة كلها إلى العالية فاتخذوا بها الآطام والأموال والمزارع ولبثوا بالمدينة زمانا طويلا

(22/112)


ثم ظهرت الروم على بني إسرائيل جميعا بالشام فوطئوهم وقتلوهم ونكحوا نساءهم فخرج بنو النضير وبنو قريظة وبنو بهدل هاربين منهم إلى من بالحجاز من بني إسرائيل لما غلبتهم الروم على الشام فلما فصلوا عنها بأهليهم بعث ملك الروم في طلبهم ليردهم فأعجزوه وكان ما بين الشام والحجاز مفاوز فلما بلغ طلب الروم التمر انقطعت أعناقهم عطشا فماتوا وسمي الموضع تمر الروم فهو اسمه إلى اليوم فلما قدم بنو النضير وبنو قريظة وبهدل المدينة نزلوا الغابة فوجدوها وبية فكرهوها وبعثوا رائدا أمروه أن يلتمس لهم منزلا سواها فخرج حتى أتى العالية وهي بطحان ومهزور واديان من حرة على تلاع أرض عذبة بها مياه عذبة تنبت حر الشجر فرجع إليهم فقال قد وجدت لكم بلدا طيبا نزها على حرة يصب فيها واديان على تلاع عذبة ومدرة طيبة في متأخر الحرة ومدافع الشرج قال فتحول القوم إليها من منزلهم ذلك فنزل بنو النضير ومن معهم على بطحان وكانت لهم إبل نواعم فاتخذوها أموالا ونزلت بنو قريظة وبهدل ومن معهم على مهزور فكانت لهم تلاعه وما سقي من بعاث وسموات فكان ممن يسكن المدينة حين نزلها الأوس والخزرج من قبائل بني إسرائيل بنو عكرمة وبنو ثعلبة وبنو محمر وبنو زغورا وبنو قينقاع وبنو زيد وبنو النضير وبنو قريظة وبنو بهدل وبنو عوف وبنو

(22/113)


الفصيص فكان يسكن يثرب جماعة من أبناء اليهود فيهم الشرف والثروة والعز على سائر اليهود وكان بنو مرانة في موضع بني حارثة ولهم كان الأطم الذي يقال له الخال
كان مع بني إسرائيل بطون من العرب
وكان معهم من غير بني إسرائيل بطون من العرب منهم بنو الحرمان حي من اليمن وبنو مرثد حي من بلي وبنو أنيف من بلي أيضا وبنو معاوية حي من بني سليم ثم من بني الحارث بن بهثة وبنو الشظية حي من غسان وكان يقال لبني قريظة وبني النضير خاصة من اليهود الكاهنان نسبوا بذلك إلى جدهم الذي يقال له الكاهن كما يقال العمران والحسنان والقمران قال كعب بن سعد القرظي
( بالكاهِنيْن قررتمْ في ديارِكُمُ ... جمًّا ثواكم ومن أجلاكم جَدُبا )
وقال العباس بن مرداس السلمي يرد على خوات بن جبير لما هجاهم
( هجوتَ صريحَ الكاهنَيْن وفيكمُ ... لهم نِعَمٌ كانت مدى الدهر تُرْتُبَا )
فلما أرسل الله سيل العرم على أهل مأرب وهم الأزد قام رائدهم

(22/114)


فقال من كان ذا جمل مفن ووطب مدن وقربة وشن فلينقلب عن بقرات النعم فهذا اليوم يوم هم وليلحق بالثني من شن قال وهو بالسراة فكان الذين نزلوه أزد شنوءة ثم قال لهم ومن كان ذا فاقة وفقر وصبر على أزمات الدهر فليلحق ببطن مر فكان الذين سكنوه خزاعة ثم قال لهم من كان منكم يريد الخمر والخمير والأمر والتأمير والديباج والحرير فليلحق ببصرى والحفير وهي من أرض الشام فكان الذين سكنوه غسان ثم قال لهم ومن كان منكم ذا هم بعيد وجمل شديد ومزاد جديد فليلحق بقصر عمان الجديد فكان الذين نزلوه أزد عمان ثم قال ومن كان يريد الراسخات في الوحل المطعمات في المحل فليلحق بيثرب ذات النخل
الأوس والخزرج أول من نزلوا المدينة
فكان الذين نزلوها الأوس والخزرج فلما توجهوا إلى المدينة ووردوها نزلوا في صرار ثم تفرقوا وكان منهم من لجأ إلى عفاء من أرض لا ساكن فيه فنزلوا به ومنهم من لجأ إلى قرية من قراها فكانوا مع أهلها فأقامت الأوس والخزرج في منازلهم التي نزلوها بالمدينة في جهد وضيق في المعاش ليسوا بأصحاب إبل ولا شاة لأن المدينة ليست بلاد نعم وليسوا

(22/115)


بأصحاب نخل ولا زرع وليس للرجال منهم إلا الأعذاق اليسيرة والمزرعة يستخرجها من أرض موات والأموال لليهود فلبثت الأوس والخزرج بذلك حينا
أبو جبيلة أمر أن يمكر باليهود حتى يقتل رؤوسهم
ثم إن مالك بن العجلان وفد إلى جبيلة الغساني وهو يومئذ ملك غسان فسأله عن قومه وعن منزلهم فأخبره بحالهم وضيق معاشهم فقال له أبو جبيلة والله ما نزل قوم منا بلدا قط إلا غلبوا أهله عليه فما بالكم ثم أمره بالمضي إلى قومه وقال له أعلمهم أني سائر إليهم فرجع مالك بن العجلان فأخبرهم بأمر أبي جبيلة ثم قال لليهود
إن الملك يريد زيارتكم فأعدوا نزلا فأعدوه وأقبل أبو جبيلة سائرا من الشام في جمع كثيف حتى قدم المدينة فنزل بذي حرض ثم أرسل إلى الأوس والخزرج فذكر لهم الذي قدم له وأجمع أن يمكر باليهود حتى يقتل رؤوسهم وأشرافهم وخشي إن لم يمكر بهم أن يتحصنوا في آطامهم فيمنعوا منه حتى يطول حصاره إياهم فأمر ببنيان حائر واسع فبني ثم أرسل إلى اليهود أن أبا جبيلة الملك قد أحب أن تأتوه فلم يبق وجه من وجوه القوم إلا أتاه وجعل الرجل يأتي معه بخاصته وحشمه رجاء أن يحبوهم فلما اجتمعوا ببابه أمر رجالا من جنده أن يدخلوا الحائر ويدخلوهم رجلا رجلا فلم يزل الحجاب يأذنون لهم كذلك ويقتلهم الجند الذين في الحائر حتى أتوا على آخرهم فقالت سارة القريظية ترثي من قتل منهم أبو

(22/116)


جبيلة تقول
( بنفسِي أمّةٌ لم تُغْنِ شيئاً ... بذي حُرُضٍ تُعفِّيها الرياحُ )
( كُهولٌ من قُريظة أتلفَتْها ... سيوفُ الخزرجيَّة والرّماحُ )
( رُزِئنا والرزيّة ذات ثِقْلٍ ... يَمُرُّ لأهلِها الماءُ القَراحُ )
( ولو أَرِبوُ بأمرهمُ لجالت ... هنالك دونهم جَأْوَا رَداحُ )
مدح الرمق لأبي جبيلة
وقال الرمق وهو عبيد بن سالم بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج يمدح أبا جبيلة الغساني
( لم يُقْضَ ديْنُك في الحسان ... ِ وقد غَنِيتَ وقد غَنِينا )
( الرّاشقاتِ المرشقاتِ ... الجازياتِ بما جُزِينا )
( أمثال غزلانِ الصرائِم ... ِ يأتزِرن ويرتدينا )
( الرَّيْطَ والدِّيباجَ ... والزَّردَ المضاعف والبُرِينا )
( وأبو جُبيْلة خيرُ من ... يمشي وأوفاهم يَمينا )
( وأَبَرُّه بِرًّا وأعْلَمُه ... بعلم الصالحينا )

(22/117)


( أبقت لنا الأيامُ والحَربُ المهمَّةُ تعترينا ... )
( كبشا لنا ذَكَراً يفُلُّ حسامُه الذكرَ السَّنِينا ... )
( ومعاقلا شُمًّا وأسيافا يَقُمن وينحنينا ... )
( ومحلّة زوراء تُرجِف ... بالرجال المُصلِتينا )
فلما أنشدوا أبا جبيلة ما قال الرمق أرسل إليه فجيء به وكان رجلا ضئيلا غير وضيء فلما رآه قال عسل طيب ووعاء سوء فذهبت مثلا وقال للأوس والخزرج إن لم تغلبوا على هذه البلاد بعد من قتلت من أشراف أهلها فلا خير فيكم ثم رحل إلى الشام
شعر للصامت بن أصرم يذكر فيه قتل أبي جبيلة
وقال الصامت بن أصرم النوفلي يذكر قتل أبي جبيلة اليهود
( سائل قُريظةَ مَن يُقَسِّم سبيها ... يوم العُرَيْض ومن أفاء المغنما )
( جاءتهمُ الملحاءُ يخفِق ظلُّها ... وكتيبةٌ خشناءُ تدعو أسلما )
( عمِّي الذي جلب الهمامَ لقومه ... حتى أحلّ على اليهود الصَّيْلَما )
يعني بقوله من يقسم سبيها نسوة سباهن أبو جبيلة من بني قريظة وكان رآهن فأعجبنه وأعطى مالك بن العجلان منهم امرأة

(22/118)


قال أبو المنهال أحد بني المعلَّى إنهم أقاموا زمنا بعد ما صنع ويهود تعترض عليهم وتناوئهم فقال مالك بن العجلان لقومه والله ما أثخنا يهود غلبة كما نريد فهل لكم أن أصنع لكم طعاما ثم أرسل في مائة من أشراف من بقي من اليهود فإذا جاؤوني فاقتلوهم جميعا فقالوا نفعل فلما جاءهم رسول مالك قالوا والله لا نأتيهم أبدا وقد قتل أبو جبيلة منا من قتل فقال لهم مالك إن ذلك كان على غير هوى منا وإنما أردنا أن نمحوه وتعلموا حالكم عندنا فأجابوه فجعل كلما دخل عليه رجل منهم أمر به مالك فقتل حتى قتل منهم بضعة وثمانين رجلا ثم إن رجلا منهم أقبل حتى قام على باب مالك فتسمع فلم يسمع صوتا فقال أرى أسرع ورد وأبعد صدر فرجع وحذر أصحابه الذين بقوا فلم يأت منهم أحد فقال رجل من اليهود لمالك بن العجلان
( فسَفَّهْتَ قَيْلَةَ أحلامَها ... ففيمَن بقيتَ وفيمن تَسودْ )
فقال مالك
( فإنّي امرؤ من بني سالم بْنِ ... عَوْفٍ وأنت امرءٌ من يهودْ )
قال وصورت اليهود مالكا في بيعهم وكنائسهم فكانوا يلعنونه كلما دخلوها فقال مالك بن العجلان في ذلك قوله
( تَحامِي اليهودِ بتَلْعانها ... تحامِي الحميرِ بأبوالها )
( فماذا عليَّ بأن يلْعَنوا ... وتأتي المنايا بأذلالها )

(22/119)


قال فلما قتل مالك من يهود من قتل ذلوا وقل امتناعهم وخافوا خوفا شديدا وجعلوا كلما هاجمهم أحد من الأوس والخزرج بشيء يكرهونه لم يمش بعضهم إلى بعض كما كانوا يفعلون قبل ذلك ولكن يذهب اليهودي إلى جيرانه الذين هو بين أظهرهم فيقول إنما نحن جيرانكم ومواليكم فكان كل قوم من يهود قد لجأوا إلى بطن من الأوس والخزرج يتعززون بهم
وذكر أبو عمرو الشيباني أن أوس بن ذبي القرظي كانت له امرأة من بني قريظة أسلمت وفارقته ثم نازعتها نفسها إليه فأتته وجعلت ترغبه في الإسلام فقال فيها
( دَعتْنِي إلى الإسلام يومَ لَقِيتُها ... فقلت لها لا بل تعالَيْ تهَّودِي )
( فنحن على توراة موسى ودينهِ ... ونِعم لعمري الدينُ دِينُ محمد )
( كلانا يرى أن الرّسالةَ دينُهُ ... ومن يُهْدَ أبوابَ المراشد يَرْشُدِ )
ومن الأغاني في أشعار اليهود
صوت
( أعاذلتي ألاَ لا تَعذلِيني ... فكم من أمرِ عاذلةٍ عَصَيْتُ )
( دَعيِني وارشُدي إن كنتُ أَغْوَى ... ولا تغوَيْ زعمتِ كما غوَيتُ )
( أعاذلَ قد أطلتِ اللّومَ حتّى ... لوَانّي مُنْتَهٍ لقد انتهيتُ )
( وحتى لو يكونُ فتَى أُناسٍ ... بكى من عَذل عاذلةٍ بكيْتُ )
( وصفراءَ المعاصِم قد دعتني ... إلى وصلٍ فقلت لها أبيْتُ )
( وزِقٍّ قد جررتُ إلى النَّدامى ... وزِقٍّ قد شَرِبت وقد سَقيتُ )

(22/120)


الشعر للسموأل بن عاديا فيما رواه السكري عن الطوسي ورواه أبو خليفة عن محمد بن سلام والغناء لابن محرز خفيف ثقيل بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق في الأول والثاني والرابع والخامس من الأبيات وزعم ابن المكي أنه لمعبد وزعم عمرو بن بانة أنه لمالك ولدحمان أيضا في الأول والثاني والخامس والسادس رمل بالوسطى وزعم ابن المكي أن هذا الرمل لابن سريج وفي الأول والثاني والسادس رمل بالوسطى لأبي عبيد مولى فائد ثاني ثقيل عن يحيى المكي وزعم الهشامي أن الرمل لعبد العزيز الدفاف

(22/121)


أخبار السموأل ونسبه
هو السموأل بن عريض بن عاديا بن حباء ذكر ذلك أبو خليفة عن محمد بن سلام والسكري عن الطوسي وابن حبيب وذكر أن الناس يدرجون عريضا في النسب وينسبونه إلى عاديا جده وقال عمر بن شبة هو السموأل بن عاديا ولم يذكر عريضا
وحكى عبد الله بن أبي سعد عن دارم بن عقال وهو من ولد السموأل أن عاديا بن رفاعة بن ثعلبة بن كعب بن عمرو مزيقيا بن عامر ماء السماء وهذا عندي محال لأن الأعشى أدرك شريح بن السموأل وأدرك الإسلام وعمرو مزيقيا قديم لا يجوز أن يكون بينه وبين السموأل ثلاثة آباء ولا عشرة بل أكثر والله أعلم
يضرب به المثل في الوفاء
وقد قيل إن أمه كانت من غسان وكلهم قالوا إنه كان صاحب الحصن المعروف بالأبلق بتيماء المشهور بالوفاء وقيل بل هو من ولد الكاهن بن هارون بن عمران وكان هذا الحصن لجده عاديا واحتفر فيه بئر روية عذبة وقد ذكرته الشعراء في أشعارها قال السموأل

(22/122)


( فبِالأبلقِ الفَردِ بيتيِ به ... وبيتُ النضير سوى الأبلق )
وقال السموأل يذكر بناء جده الحصن
( بنى لي عاديا حِصناً حصيناً ... وماءً كلما شئتُ استقيْتُ )
وكانت العرب تنزل به فيضيفها وتمتار من حصنه وتقيم هناك سوقا
وبه يضرب المثل في الوفاء لإسلامه ابنه حتى قتل ولم يخن أمانته في أدراع أودعها
خبر امرئ القيس مع السموأل
وكان السبب في ذلك فيما ذكر لنا محمد بن السائب الكلبي أن امرأ القيس بن حجر لما سار إلى الشام يريد قيصر نزل على السموأل بن عاديا بحصنه الأبلق بعد إيقاعه ببني كنانة على أنهم بنو أسد وكراهة أصحابه لفعله وتفرقهم عنه حتى بقي وحده واحتاج إلى الهرب فطلبه المنذر بن ماء السماء ووجه في طلبه جيوشا من إياد وبهراء وتنوخ وجيشا من الأساورة أمده بهم أنو شروان وخذلته حمير وتفرقوا عنه فلجأ إلى السموأل ومعه أدراع كانت لأبيه خمسة الفضفاضة والضافية والمحصنة والخريق وأم الذيول وكانت الملوك من بني آكل المرار يتوارثونها ملك عن ملك ومعه

(22/123)


بنته هند وابن عمه يزيد بن الحارث بن معاوية بن الحارث وسلاح ومال كان بقي معه ورجل من بني فزارة يقال له الربيع بن ضبع شاعر فقال له الفزاري قل في السموأل شعرا تمدحه به فإن الشعر يعجبه وأنشده الربيع شعرا مدحه به وهو يقول
( ولقد أتيتُ بني المُصاصِ مُفاخراً ... وإلى السموأل زرتهُ بالأبلقِ )
( فأتيتُ أفضلَ مَن تحمَّل حاجةً ... إنْ جئتَه في غارمٍ أو مُرهَقِ )
( عَرَفتْ له الأقوامُ كلَّ فضيلةٍ ... وحوى المكارمَ سابقاً لم يُسْبَقِ )
قال فقال امرؤ القيس فيه قصيدته
( طرقتْكَ هندٌ بعد طول تجنُّبٍ ... وَهْناً ولم تك قبل ذلك تطرُقُ )
قال وقال الفرازي إن السموأل يمنع منك حتى يرى ذات عينك وهو في حصن حصين ومال كثير فقدم به على السموأل وعرفه إياه وأنشداه الشعر فعرف لهما حقهما وضرب على هند قبة من أدم وأنزل القوم في مجلس له براح فكانت عنده ما شاء الله
ثم إن امرأ القيس سأله أن يكتب له إلى الحارث بن أبي شمر الغساني أن يوصله إلى قيصر ففعل واستصحب معه رجلا يدله على الطريق وأودع بنيه وماله وأدراعه السموأل ورحل إلى الشام وخلف ابن عمه يزيد بن الحارث مع ابنته هند قال ونزل الحارث بن ظالم في بعض غاراته بالأبلق ويقال بل الحارث بن أبي شمر الغساني ويقال بل كان المنذر وجه بالحارث بن ظالم في خيل وأمره بأخذ مال امرئ القيس من السموأل فلما

(22/124)


نزل به تحصن منه وكان له ابن قد يفع وخرج إلى قنص له فلما رجع أخذه الحارث بن ظالم ثم قال للسموأل أتعرف هذا قال نعم هذا ابني قال أفتسلم ما قبلك أم أقتله قال شأنك به فلست أخفر ذمتي ولا أسلم مال جاري فضرب الحارث وسط الغلام فقطعه قطعتين وانصرف عنه فقال السموأل في ذلك
( وفيْتُ بأدرُع الكِنديّ إني ... إذا ما ذُمَّ أقوامٌ وفيْتُ )
( وأوصَى عادياً يوماً بألاَّ ... تُهدّم يا سموأل ما بنيتُ )
( بنى لي عادياً حِصناً حَصيِناً ... وماءً كلّما شئتُ استقيتُ )
شريح بن السموأل يخطو خطى أبيه
وقال الأعشى يمدح السموأل ويستجير بابنه شريح بن السموأل من رجل كلبي كان الأعشى هجاه ثم ظفر به فأسره وهو لا يعرفه فنزل بشريح بن السموأل وأحسن ضيافته ومر بالأسرى فناداه الأعشى
( شُريحُ لا تُسْلِمنِّي اليومَ إذ علِقت ... حبالُك اليوم بعد القيد أظفاري )
( قد سرت ُما بين بلقاء إلى عدنٍ ... وطال في العُجم تَكراري وتَسياري )
( فكان أكرمَهم عهداً وأوثَقهم ... عَقْداً أبوك بعُرف غير إنكارِ )
( كالغيث ما استمطروه جاد وابله ... وفي الشدائد كالمستأسد الضاري )

(22/125)


( كُنْ كالسَّموأل إذ طاف الهمامُ به ... في جحفلٍ كسواد الليل جرّار )
( إذ سامه خُطَّتَيْ خسفٍ فقال له ... قل ما تشاء فإني سامعٌ حار )
( فقال غَدرٌ وثُكْلٌ أنت بينَهما ... فاختر وما فيهما حظٌّ لمختار )
( فشكَّ غيرَ طويلٍ ثم قال له ... اقتُل أسيرَك إنّي مانعٌ جاري )
( وسوف يُعقْبُنِيه إن ظفِرتَ به ... ربٌّ كريمٌ وبِيضٌ ذاتُ أطهار )
( لا سِرُّهُنّ لدينا ذاهبٌ هدّراً ... وحافظاتٌ إذا استُودِعْن أسرارِي )
( فاختار أَدْراعَه كَيْلا يُسبَّ بها ... ولم يكن وعْدُهُ فيها بختَّار )
فجاء شريح إلى الكلبي فقال له هب لي هذا الأسير المضرور فقال هو لك فأطلقه وقال له أقم عندي حتى أكرمك وأحبوك فقال له الأعشى إن تمام إحسانك إلي أن تعطيني ناقة ناجية وتخليني الساعة فأعطاه ناقة ناجية فركبها ومضى من ساعته وبلغ الكلبي أن الذي وهب لشريح هو الأعشى فأرسل إلى شريح ابعث إلي الأسير الذي وهبت لك حتى أحبوه وأعطيه فقال قد مضى فأرسل الكلبي في أثره فلم يلحقه

(22/126)


سعية بن عريض
سعية بن عريض بن عاديا أخو السموأل شاعر فمن شعره الذي يغنى فيه قوله
صوت
( يا دارَ سُعْدَى بمَقْصَى تلعةِ النَّعم ... حُيِّيتِ داراً على الإقواءوالقِدَم )
( عُجْنا فما كلَّمتنا الدارُ إذ سُئِلت ... وما بها عن جوابٍ خِلتُ من صمم )
( وما بجزعكِ إلا الوحش ساكنة ... وهامدٌ من رماد القدر والحُمَم )
الشعر لسعية بن عريض والغناء لابن محرز ثقيل أول بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق وفيه خفيف ثقيل عن الهشامي وله فيه خفيف ثقيل عن الهشامي ويقال إنه لمالك وفيه لابن جؤذرة رمل عن الهشامي
وسعية بن عريض القائل وفيه غناء

(22/127)