صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


[ الأغاني - الأصفهاني ]
الكتاب : الأغاني
المؤلف : أبي الفرج الأصفهاني
الناشر : دار الفكر - بيروت
الطبعة الثانية
تحقيق : سمير جابر
عدد الأجزاء : 24

نفسي أنا إسحاق بن إبراهيم الموصلي ووالله إني لأتيه على الخليفة إذا طلبني وأنتم تسمعونني ما أكره منذ اليوم لأني تملحت معكم فوالله لا نطقت بحرف ولا جلست معكم حتى تخرجوا هذا المعربد المقيت الغث فقال له صاحبه من هذا حذرت عليك فأخذ يعتذر فقلت والله لا نطقت بحرف ولا جلست معكم حتى يخرج فأخذوا بيده فأخرجوه وعادوا
فبدأت وغنيت الأصوات التي غنتها الجارية من صنعتي فقال لي الرجل هل لك في خصلة قلت ما هي قال تقيم عندي شهرا والجارية والحمار لك مع ما عليها من حلي قلت أفعل فأقمت عنده ثلاثين يوما لا يدري أحد أين أنا والمأمون يطلبني في كل موضع فلا يعرف لي خبرا
فلما كان بعد ثلاثين يوما أسلم إلي الجارية والحمار والخادم فجئت بذلك إلى منزلي وركبت إلى المأمون من وقتي فلما رآني قال إسحاق ويحك أين تكون فأخبرته بخبري فقال علي بالرجل الساعة فدللتهم على بيته فأحضر فسأله المأمون عن القصة فأخبره فقال له أنت رجل ذو مروءة وسبيلك أن تعاون عليها وأمر له بمائة ألف درهم وقال لا تعاشرن ذلك المعربد النذل البتة وأمر لي بخمسين ألف درهم وقال أحضرني الجارية فأحضرتها فغنته فقال لي قد جعلت لها نوبة في كل يوم ثلاثاء تغنيني وراء الستارة مع الجواري وأمر لها بخمسين ألف درهم
فربحت والله بتلك الركبة وأربحت
نسبة ما في هذا الخبر من الأغاني
صوت
( ذكرتِك أن مرّتْ بنا أُم شادِنِ ... أمامَ المطايا تشرئبّ وتَسْنَحُ )
( من المؤلِفاتِ الرمل أدماءُ حُرَّةٌ ... شُعَاعُ الضُّحَى في مَتنِها يَتَوضَّحُ )
الشعر لذي الرمة
والغناء لإسحاق ثقيل أول بالسبابة والوسطى عن ابن المكي
ومن أغاني إسحاق

(5/440)


صوت
( قل لمن صَدّ عاتِبَا ... ونأَى عنك جانِبَا )
( قد بلَعْتَ الذي أردت ... َ وإن كنتَ لاعِبا )
الشعر والغناء لإسحاق
وقد تقدم خبره قبل هذه الأخبار
صوت
( الطُّلُولُ الدَّوارِسُ ... فارقَتْها الأَوانِسُ )
( أَوْحشتْ بعد أهلها ... فهي قَفْرٌ بَسَابِسُ )
الشعر لابن ياسين شاعر مجهول قليل الشعر كان صديقا لإسحاق
والغناء لإسحاق خفيف ثقيل
وهذا الصوت من أوابد إسحاق وبدائعه
أخبرني عمي قال حدثني يزيد بن محمد المهلبي قال
كنت عند الواثق فغنته شجى التي وهبها له إسحاق هذا الصوت فقال لمخارق وعلويه والله لو عاش معبد ما شق غبار إسحاق في هذا الصوت فقالا له إنه لحسن يا أمير المؤمنين فغضب وقال ليس عندكما فيه إلا هذا ثم أقبل على أحمد بن المكي فقال دعني من هذين الأحمقين أول بيت في هذا الصوت أربع كلمات الطلول كلمة والدوارس كلمة وفارقتها كلمة والأوانس كلمة فانظر هل ترك إسحاق شيئا من الصنعة يتصرف فيه المغني لم يدخله في هذه الكلمات الأربع بدأ بها نشيدا وتلاه بالبسيط وجعل فيه صياحا وإسجاحا وترجيحا للنغم واختلاسا فيها وعمل هذا كله في أربع كلمات فهل سمعت أحدا تقدم أو تأخر فعل مثل هذا أو قدر عليه فقال صدق أمير المؤمنين قد لحق من قبله وسبق من بعده

(5/441)


الواثق وإسحاق في دير مريم
أخبرني جعفر بن قدامة قال حدثني ميمون بن هارون قال حدثني إسحاق قال
لما خرجت مع الواثق إلى النجف درنا بالحيرة ومررنا بدياراتها فرأيت دير مريم بالحيرة فأعجبني موقعه وحسن بنائه فقلت
( نِعمَ المحلُّ لمن يسعَى لِلّذّته ... ديرٌ لمريمَ فوقَ الظهر معمورُ )
( ظِلُّ ظليلٌ وماءٌ غيرُ ذي أَسِنٍ ... وقاصِراتٌ كأمثال الدُّمَى حُورُ )
فقال الواثق لا نصطبح والله غدا إلا فيه وأمر بأن يعد فيه ما يصلح من الليل وباكرناه فاصطبحنا فيه على هذا الصوت وأمر بمال ففرق على أهل ذلك الدير وأمر لي بجائزة
لحن إسحاق في هذين البيتين ثاني ثقيل بالبنصر
إسحاق وعبد الله بن طاهر
أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال
أخرج إلي عبد الله بن طاهر يوما بيتي شعر في رقعة وقال هذان

(5/442)


البيتان وجدتهما على بساط طبري أصبهبذي أهدي إلي من طبرستان فأحب أن تغنيني فيهما فقرأتهما فإذا هما
( لَجَّ بالعين واكفُ ... مِن هَوًى لا يُساعِفُ )
( كُلّما كفَّ غَرْبُها ... هَيّجتْه المعازِفُ )
قال فغنيت فيهما وغدوت بهما إليه فأعجب بالصوت ووصلني بصلة سنية وكان يشتهيه ويقترحه وطرحته على جميع جواريه وشاع خبر إعجابه به
فبينا المعتصم يوما جالس يعرض عليه فرش الربيع إذ مر بساط ديباج في نهاية الحسن عليه هذان البيتان ومعهما
( إنما الموتُ أن تفارقَ ... مَنْ أنت آلِفُ )
( لك حُبَّانِ في الفؤاد ... تَلِيدٌ وطارِفُ )
فأمر بالبساط فحمل إلى عبد الله بن طاهر وقال للرسول قل له إني قد عرفت شغفك بالغناء في هذا الشعر فلما وقع هذا البساط أحببت أن أتم سرورك به
فشكر عبد الله ما تأذى إليه من هذه الرسالة وأعظم مقداره وقال لي والله يا أبا محمد لسروري بتمام الشعر أشد من سروري بكل شيء فألحقهما في الغناء بالبيتين الأولين فألحقتهما

(5/443)


نسبة هذا الصوت
صوت
( لجَّ بالعين واكفُ ... مِن هوًى لا يُساعِفُ )
( كلّما كفَّ غَرْبُها ... هيَّجتْه المَعازِفُ )
( إنما الموتُ أن تُفارِق ... َ مَنْ أنتَ آلِفُ )
( لك حُبَّان في الفؤاد ... تَلِيدٌ وطارِفُ )
ولم أعرف من خبر شاعره غير ما ذكرته في هذا الخبر
والغناء لإسحاق هزج بالوسطى
أخبرنا يحيى بن علي بن يحيى قال حدثنا أبو أيوب المديني عن ابن المكي عن أبيه قال
قلت لإسحاق يوما يا أبا محمد كم تكون صنعتك فقال ما بلغت مائتين قط
مرض إسحاق ووفاته
أخبرنا يحيى بن علي قال حدثنا حماد بن إسحاق قال
قال لي وكيل بن الحروني قلت لأبيك إسحاق يا أبا محمد كم يكون غناؤك قال نحوا من أربعمائة صوت
قال وقال له رجل بحضرتي ما لك لا تكثر الصنعة كما يكثر الناس قال لأني إنما أنقر في صخرة
ولإسحاق أخبار كثيرة قليلة الفائدة كثيرة الحشو طرحتها لذلك وله أخبار أخر حسن ذكرها في مواضع تليق بها فأخرتها واحتبستها عليها وفيما ذكرته ها هنا منها مقنع

(5/444)


وتوفي إسحاق ببغداد في أول خلافة المتوكل
فأخبرني الصولي قال ذكر إبراهيم بن محمد الشاهيني
أن إسحاق كان يسأل الله ألا يبتليه بالقولنج لما رأى من صعوبته على أبيه فرأى في منامه كأن قائلا يقول له قد أجيبت دعوتك ولست تموت بالقولنج ولكنك تموت بضده فأصابه ذرب في شهر رمضان سنة خمس وثلاثين ومائتين فكان يتصدق في كل يوم أمكنه أن يصومه بمائة درهم ثم ضعف عن الصوم فلم يطقه ومات في شهر رمضان
أخبرنا الحسن بن علي قال حدثني يزيد بن محمد المهلبي قال
نعي إسحاق إلى المتوكل في وسط خلافته فغمه وحزن عليه وقال ذهب صدر عظيم من جمال الملك وبهائه وزينته ثم نعي إليه بعده أحمد ابن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليه فقال تكافأت الحالتان وقام الفتح بوفاة أحمد وما كنت آمن وثبته علي مقام الفجيعة بإسحاق فالحمد لله على ذلك
ما رثاه به الشعراء
أحمد بن جعفر جحظة قال حدثني رجل من الكتاب من أهل

(5/445)


حذف

(5/0)


قطربل قال حدثني أبي عن أبيه قال رأيت فيما يرى النائم قائلا يقول لي
( مات الحُسَان ابن الحُسَان ... ِ ومات إحسانُ الزمانِ )
فأصبحت من غد فركبت في بعض حوائجي فتلقاني خبر وفاة إسحاق الموصلي
وقال إدريس بن أبي حفصة يرثي إسحاق بن إبراهيم الموصلي
( سقى اللهُ يابنَ الموصليّ بوابِلٍ ... من الغيث قبراً أنت فيه مقيمُ )
( ذهبتَ فأوحشتَ الكرامَ فمايَنِي ... بعَبْرته يَبْكي عليك كريم )
( إلى الله أشكو فقدَ إسحاق إنّني ... وإن كنت شيخاً بالعراق يَتيم )
وقال محمد بن عمرو الجرجاني يرثيه
( على الجَدَثِ الشرقيّ عُوجَا فسلِّما ... ببغداد لمّا ضَنّ عنه عوائدُهْ )
( وقُولاَ له لو كان للموت فِدْيةٌ ... فَداك من الموت الطَّريفُ وتالِدُه )
( أاِسحاقُ لا تَبْعَدْ وإن كان قد رمَى ... بك الموتُ وِرْداً ليس يَصْدُر واردُه )
( إذا هزَل اخضرّتْ فنونُ حديثه ... ورقّتْ حَواشِيه وطابت مَشاهدُه )
( وإن جَدّ كان القول جِدّاً وأقسمتْ ... مَخَارجُه ألاّ تَلينَ مَعاقِدُه )
( فبَكَّ على ابن الموصليّ بعَبْرةٍ ... كما ارْفَضَّ من نَظْم الجُمَان فرائدُه )
وقال مصعب بن عبد الله الزبيري يرثيه نسخت ذلك من كتاب جعفر بن قدامة وذكر أن حماد بن إسحاق أنشده إياها ونسخته أيضا

(5/446)


من كتاب الحرمي بن أبي العلاء يذكر فيه عن الزبير عن عمه مصعب أنه انشده لنفسه يرثي إسحاق
( أتَدْرِي لمن تَبْكي العيونُ الذَّوارِفُ ... ويَنْهَلُّ منها واكِفٌ ثم واكِفُ )
( نعمْ لامرئ لم يبقَ في الناس مثلُه ... مفيدٌ لعلم أو صديقٌ مُلاطِفُ )
( تجهَّز إسحاقٌ إلى الله غادياً ... فللَّه ما ضُمّتْ عليه اللفائفُ )
( وما حَمل النعشَ المزجَّى عشيَّةً ... إلى القبر إلا دامعُ العين لاهِفُ )
( صدورهُم مَرْضَى عليه عَميدةٌ ... لها أَزْمةٌ من ذكره وزَفازِفُ )
( ترى كلَّ محزون تفيض جفونُه ... دموعاً على الخدّين والوجهُ شاسِفُ )
( جُزِيتَ جزاءَ المحسنين مُضاعفاً ... كما كان جَدْواك النَّدى المتضاعِف )
( فكم لك فينا من خلائقَ جَزْلةٍ ... سبقَتَ بها منها حديثٌ وسالف )
( هي الشّهدُ أو أحلى إلينا حلاوةً ... من الشهد لم يمزُج به الماءَ غارِفُ )
( ذهبتَ وخلّيتَ الصديق بعَوْلةٍ ... به أسفٌ من حزنه مترادِفُ )
( إذا خَطَراتُ الذكر عاودْنَ قلبَه ... تتابع منهنّ الشؤونُ النوازف )
( حبيبٌ إلى الإِخوان يَرْزُون مالَه ... وآتٍ لما يأتي امرؤ الصدقِ عارف )
( هو المَنّ والسَّلْوى لمن يستفيده ... وسمٌّ على من يشرب السمّ زاعِف )
( بكت دارُه من بعده وتنكّرتْ ... مَعالمُ من آفاقِها ومعارف )
( فما الدار بالدار التي كنت أعترِي ... وإنّي بها لولا افتقادِيكَ عارف )
( هي الدار إلاّ أنّها قد تخشّعتْ ... وأَظْلم منها جانبٌ فهو كاسِف )
( وبان الجمال والفَعال كلاَهما ... من الدار واستَنَّتْ عليها العواصف )
( خلت دارُه من بعده فكأنما ... بعاقبةٍ لم يُغْنِ في الدار طارف )

(5/447)


( وقد كان فيها للصديق مُعَرَّسٌ ... وملتمَسٌ إن طاف بالدار طائف )
( كرامةُ إخوانِ الصفاء وزُلفةٌ ... لمن جاء تُزْجِيه إليه الرَّواجِف )
( صَحَابتُه الغُرّ الكرام ولم يكن ... ليَصْحبَه السُّودُ اللئام المَقارِف )
( يَؤول إليه كلّ أبلجَ شامخٍ ... ملوكٌ وأبناء الملوك الغَطارف )
( فلُقِّيتَ في يمنى يديْك صحيفةً ... إذا نُشرتْ يومَ الحساب الصحائف )
( يَسُرّ الذي فيها إذا ما بدا له ... ويَفْتَرُّ منها ضاحكاً وهو واقف )
( بما كان ميموناً على كلّ صاحب ... يُعين على ما نابه ويُكانِف )
( سريعٌ إلى إخوانه برضائه ... وعن كلّ ما ساء الأخِلاّءَ صارِف )
( أرى الناسَ كالنَّسْناس لم يبق منهمُ ... خلافَك إلا حُشوةٌ وزَعانِف )
أخبرنا يحيى بن علي قال أنشدني أبو أيوب لأحمد بن إبراهيم يرثي إسحاق في قصيدة له
( لقد طاب الحِمامُ غداةَ أَلُوَى ... بنفس أبي محمدٍ الحِمامُ )
( فلو قُبِل الفِداءُ إذاً فَدَتْه ... ملوكٌ كان يألفها كرامُ )
( فلا تَبْعَد فكلُّ فتىً سيَثْوِي ... عليه التُّرْبُ يُحْثَى والرِّجَامُ )

(5/448)


قال وقال أيضا يرثيه
( لله أيُّ فتىً إلى دار البِلَى ... حمَل الرجالُ ضُحىً على الأعوادِ )
( كم من كريم ما تَجِفُّ دموعُه ... من حاضرٍ يبكي عليه وبادِ )
( أمسى يؤبِّنه ويعرف فضلَه ... من كان يَثْلِبه من الحُسّاد )
( فسقتْكَ يابنَ الموصليّ روائحٌ ... تُرْوِي صداكَ بصَوْبها وغَوَادِ )
وقد بقيت من أخبار إسحاق بقايا مثل أخباره مع بني هاشم وأخباره مع إبراهيم بن المهدي وغيرها فإنها كثيرة ولها مواضع ذكرت فيها وحسن ذكرها هنالك فأخرتها لذلك عن أخباره التي ذكرت هاهنا حسبما شرطنا في أول الكتاب
ومما في المائة المختارة من صنعة إسحاق بن إبراهيم
صوت
( ألاَ قاتلَ اللهُ اللِّوَى من مَحَلّةٍ ... وقاتلَ دُنْيانا بها كيف ذلّت )
( غَنِينا زماناً باللِّوَى ثم أصبَحتْ ... عِراصُ اللِّوَى من أهلها قد تخلَّتِ )
عروضه من الطويل
الشعر للصمة القشيري والغناء لإسحاق ولحنه المختار ثقيل أول بالوسطى في مجراها
انتهى الجزء الخامس من كتاب الأغاني ويليه الجزء السادس وأوله أخبار الصمة القشيري ونسبه

(5/449)


أخبار الصمة القشيري ونسبه
هو الصمة بن عبد الله بن الطفيل بن قرة بن هبيرة بن عامر بن سلمة الخير بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار شاعر إسلامي بدوي مقل من شعراء الدولة الأموية
ولجده قرة بن هبيرة صحبة بالنبي وهو أحد وفود العرب الوافدين عليه
أخبرني بخبره عبيد الله بن محمد الرازي وعمي قالا حدثنا أحمد بن الحارث الخراز عن المدائني عن أبي بكر الهذلي وابن دأب وغيرهما من الوراة قالوا وفد قرة بن هبيرة بن عامر بن سلمة الخير بن قشير بن كعب بن ربيعة إلى النبي فأسلم وقال له يا رسول الله إنا كنا نعبد الآلهة لا تنفعنا ولا تضرنا فقال له رسول الله ( نعم ذا عقلا )
رواية زواجه
وقال ابن دأب وكان من خبر الصمة أنه هوي امرأة من قومه ثم من بنات

(6/5)


عمه دنية يقال لها العامرية بنت غطيف بن حبيب بن قرة بن هبيرة فخطبها إلى أبيها فأبى أن يزوجه إياها وخطبها عامر بن بشر بن أبي براء بن مالك بن ملاعب الأسنة بن جعفر بن كلاب فزوجه إياها
وكان عامر قصيرا قبيحا فقال الصمة ابن عبدالله في ذلك
( فإِنّ تُنْكِحوها عامراً لاطّلاعكم ... إليه يُدَهْدِهْكم برجليه عامرُ )
شبهه بالجعل الذي يدهده البعرة برجليه
قال فلما بنى بها زوجها وجد الصمة بها وجدا شديدا وحزن عليها فزوجه أهله امرأة منهم يقال لها جبرة بنت وحشي بن الطفيل بن قرة بن هبيرة فأقام عليها مقاما يسيرا ثم رحل إلى الشأم غضبا على قومه وخلف امرأته فيهم وقال لها
( كُلي التمرَ حتى تَهْرَمَ النخلُ واضفِرِي ... خِطَامَكَ ما تدرين ما اليومُ من أمسِ )
وقال فيها أيضا
( لَعَمْرِي لئن كنتم على النأي والقِلَى ... بكم مثلُ ما بي إنكم لصديقُ )
( إذا زَفَراتُ الحبّ صَعَّدن في الحَشَى ... رُدِدن ولم تُنْهَجْ لهنّ طريقُ )
وقال فيها أيضاً
( إذا ما أتتنا الريحُ من نحو أرضكم ... أتتنا برَيّاكم فطاب هبُوبُها )

(6/6)


( أأتتنا بريح المسك خَالَطَ عنبراً ... وريح الخُزَامَى باكرتْها جَنُوبُها )
وقال فيها أيضا
( هل تجْزِينّي العامريّةُ موقفي ... على نسوةٍ بين الحِمَى وغَضَى الجمرِ )
( مَرَرْنَ بأسباب الصِّبا فذكَرْنَها ... فأومأْتُ إذ ما من جواب ولا نُكْرِ )
وقال ابن دأب وأخبرني جماعة من بني قشير أن الصمة خرج في غزي من المسلمين إلى بلد الديلم فمات بطبرستان
قال ابن دأب وأنشدني جماعة من بني قشير للصمة
صوت
( أَلاَ تسألانِ الله أن يَسقَى الحِمَى ... بَلَى فَسَقَى اللهُ الحِمَى والمَطَالِيَا )
( وأسألُ من لاقيتُ هل مُطِر الحِمَى ... فهل يسألنْ عنّي الحمى كيف حاليا )
الغناء في هذين البيتين لإسحاق ولحنه من الثقيل الأول بالوسطى وهو

(6/7)


من مختار الأغاني ونادرها
أخبرني محمد بن خلف وكيع وعمي قالا حدثنا هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال قال عبد الله بن محمد بن إسماعيل الجعفري حدثنا عبد الله بن إسحاق الجعفري عن عبد العزيز بن أبي ثابت قال حدثني رجل من أهل طبرستان كبير السن قال بينا أنا يوما أمشي في ضيعة لي فيها ألوان من الفاكهة والزعفران وغير ذلك من الأشجار إذ أنا بإنسان في البستان مطروح عليه أهدام خلقان فدنوت منه فإذا هو يتحرك ولا يتكلم فأصغيت إليه فإذا هو يقول بصوت خفي
( تَعَزَّ بصبرٍ لا وَجَدِّك لا تَرَى ... بَشَامَ الحِمَى أُخْرَى الليالي الغُوَابِرِ )
( كأنّ فؤادي من تذكُّرِه الحِمَى ... وأهلَ الحِمَى يَهْفُو به ريشُ طائر )
قال فما زال يردد هذين البيتين حتى فاضت نفسه فسألت عنه فقيل لي هذا الصمة بن عبد الله القشيري
أخبرني عمي قال حدثنا الخراز أحمد بن الحارث قال كان ابن الأعرابي يستحسن قول الصمة

(6/8)


صوت
( أمَا وجلالِ الله لو تذكُرينني ... كذِكْرِيك ما كَفْكفتِ للعين مَدْمَعَا )
( فقالت بَلَى والله ذكراً لو أنّه ... يُصَبّ على صُمِّ الصَّفَا لتصدّعا )
غنى في هذين البيتين عبيد الله بن أبي غسان ثاني ثقيل بالوسطى
وفيهما لعريب خفيف رمل
( ولمّا رأيتُ البِشْرَ قد حال بيننا ... وجالتْ بناتُ الشوق في الصدر نُزَّعَا )
( تَلَفَّتُّ نحوَ الحيّ حتى وجدتُني ... وَجِعتُ من الإِصغاء لِيتاً وأخْدَعا )
أخبرني أبو الطيب بن الوشاء قال قال لي إبراهيم بن محمد بن سليمان الأزدي لو حلف حالف أن أحسن أبيات قيلت في الجاهلية والإسلام في الغزل قول الصمة القشيري ما حنث
( حَنَنتَ إلى رَيّا ونفسُك باعدتْ ... مَزَارَك من رَيّا وشَعْباكُما مَعا )
( فما حَسَنٌ أن تأتيَ الأمرَ طائعاً ... وتجزَعَ أَنْ داعي الصبابة أسمْعا )
( بكتْ عينيَ اليُمَنى فلما زجرتُها ... عن الجهل بعد الحلم أَسْبلتا معا )
صوت
( وأذكرُ أيّامَ الحِمَى ثم أنثني ... على كَبِدي من خشيةٍ أن تَصدّعا )
( فليست عشيّاتُ الحِمَى برَوَاجع ... عليك ولكن خَلِّ عينيك تَدْمَعَا )

(6/9)


غنت في هذين البيتين قرشية الزرقاء لحنا من الثقيل الأول عن الهشامي
وهذه الأبيات التي أولها حننت إلى ريا تروى لقيس بن ذريح في أخباره وشعره بأسانيد قد ذكرت في مواضعها ويروى بعضها للمجنون في أخباره بأسانيد قد ذكرت أيضا في أخباره
والصحيح في البيتين الأولين أنهما لقيس بن ذريح وروايتهما له أثبت وقد تواترت الروايات بأنهما له من عدة طرق والأخر مشكوك فيها أهي للمجنون أم للصمة
أنشدنا محمد بن الحسن بن دريد عن أبي حاتم للصمة القشيرعمي عن الكراني عن أبي حاتم وأنشدنيهما الحسن بن علي عن ابن مهرويه عن أبي حاتم
( إذا نأتْ لم تُفارِقْني عَلاقتُها ... وإن دنتْ فصدود العاتب الزّارِي )
( فحال عينيَ من يَومَيْكِ واحدةٌ ... تبكي لفَرْطِ صدودٍ أو نَوَى دارِ )
شعره في محبوبته
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا عبيد الله بن إسحاق بن سلام قال حدثني أبي عن شعيب بن صخر عن بعض بني عقيل قال مررت بالصمة بن عبد الله القشيري يوما وهو جالس وحده يبكي ويخاطب نفسه ويقول لا والله ما صدقتك فيما قالت فقلت من تعني ويحك

(6/10)


أجننت قال أعني التي أقول فيها
( أمَا وجلالِ اللهِ لو تذكُرينني ... كذِكْرِيكِ ما كفكفتِ للعين مدمعا )
( فقالت بلى والله ذكراً لوَ أنّه ... يُصَبّ على صُمٍّ الصَّفَا لتَصدّعا )
أسلي نفسي عنها وأُخبرها أنها لو ذكرتني كما قالت لكانت في مثل حالي
أخبرني عمي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني مسعود بن عيسى ابن إسماعيل العبدي عن موسى بن عبد الله التيمي قال خطب الصمة القشيري بنت عمه وكان لها محبا فاشتط عليه عمه في المهر فسأل أباه أن يعاونه وكان كثير المال فلم يعنه بشيء فسأل عشيرته فأعطوه فأتى بالإبل عمه فقال لا أقبل هذه في مهر ابنتي فاسأل أباك أن يبدلها لك فسأل أباه فأبى عليه فلما رأى ذلك من فعلهما قطع عقلها وخلاها فعاد كل بعير منها إلى ألافه
وتحمل الصمة راحلا
فقالت بنت عمه حين رأته يتحمل تالله ما رأيت كاليوم رجلا باعته عشيرته بأبعرة ومضى من وجهه حتى لحق بالثغر فقال وقد طال مقامه واشتاقها وندم على فعله
( أتبكي على رَيّا ونفسْك باعدتْ ... مزَاركَ من رَيّا وشَعْباكُما معا )
( فما حسنٌ أن تأتي الأمرَ طائعا ... وتجزَعَ أنْ داعي الصبابة أًسمعا )
وقد أخبرني بهذا الخبر جعفر بن قدامة قال حدثني حماد بن إسحاق عن أبيه عن الهيثم بن عدي أن الصمة خطب ابنة عمه هذه إلى أبيها فقال له لا أزوجكها إلا على كذا وكذا من الإبل فذهب إلى أبيه فأعلمه بذلك وشكا إليه ما

(6/11)


يجد بها فساق الإبل عنه إلى أخيه فلما جاء بها عدها عمه فوجدها تنقص بعيرا فقال لا آخذها إلا كاملة فغضب أبوه وحلف لا يزيده على ما جاء به شيئا
ورجع إلى الصمة فقال له ما وراءك فأخبره فقال تالله ما رأيت قط ألأم منكما جميعا وإني لألأم منكما إن أقمت بينكما ثم ركب ناقته ورحل إلى ثغر من الثغور فأقام به حتى مات وقال في ذلك
( أَمِنْ ذكر دارٍ بالرَّقَاشيْن أصبحتْ ... بها عاصفاتُ الصيف بَدْءاً ورُجَّعا )
( حننتَ إلى رَيّا ونفسُك باعدت ... مزارَك من ريا وشعباكُما معا )
( فما حسنٌ أن تأتي الأمرَ طائعاً ... وتجزَع أن داعي الصبابة أسمعا )
( كأنك لم تَشهَد وَدَاعَ مُفارِق ... ولم تَرَ شَعَبىْ صاحبين تقطّعا )
( بكت عينيَ اليسرى فلما زجرتُها ... عن الجهل بعد الحلم أسبَلَتا معا )
( تحمّل أهلي من قنين وغادروا ... به أهلَ ليلى حين جِيدَ وأَمْرعا )
( ألا يا خليلىّ اللذيْن تَواصيا ... بلوميَ إلاّ أن أُطيع وأَسمعا )
( قِفا إنه لا بدّ من رَجْع نظرة ... يَمانيّة شَتَّى بها القومُ أو معا )

(6/12)


( لِمُغتَصبٍ قد عَزّه القومُ أمرَه ... حياءً يَكُفّ الدمعَ أن يتطلَعا )
( تبَرَّضُ عينيه الصَّبابةُ كلَّما ... دنا الليل أو أَوْفَى من الأرض مَيْفَعا )
( فليستْ عشيَّاتُ الحِمَى برواجعٍ ... إليكَ ولكن خَلِّ عينيْك تَدْمَعا )
صوت
من المائة المختارة من رواية يحيى بن علي
( قُلْ لأسماء أَنْجزي المِيعادا ... وانظري أن تُزوِّدي منكِ زادا )
( إن تكوني حللتِ رَبْعاً من الشأم ... وجاورتِ حِمْيراً أو مرَادا )
( أو تناءَتْ بكِ النَّوَى فلقد قُدْتِ ... فؤادي لَحَيْنه فانقادا )
( ذاك أني عَلِقتُ منكِ جَوَى الحب ... وَليداً فزدتُ سِنّاً فزادا )
الشعر لداود بن سلم
والغناء لدحمان ولحنه المختار من الثقيل الأول بالوسطى
وقد كنا وجدنا هذا الشعر في رواية علي بن يحيى عن إسحاق منسوبا إلى المرقشين المرقش وطلبناه في أشعار المرقشين جميعا فلم نجده وكنا نظنه من شاذ

(6/13)


الروايات حتى وقع إلينا في شعر داود بن سلم وفي خبر أنا ذاكره في أخبار داود وإنما نذكر ما وقع إلينا عن رواته فما وقع من غلط فوجدناه أو وقفنا على صحته أثبتناه وأبطلنا ما فرط منا غيره وما لم يجر هذا المجرى فلا ينبغي لقارىء هذا الكتاب أن يلزمنا لوم خطأ لم نتعمده ولا اخترعناه وإنما حكيناه عن رواته واجتهدنا في الإصابة
وإن عرف صوابا مخالفا لما ذكرناه وأصلحه فإن ذلك لا يضره ولا يخلو به من فضل وذكر جميل إن شاء الله

(6/14)


أخبار داود بن سلم ونسبه
داود بن سلم مولى بني تيم بن مرة بن كعب بن لؤي ثم يقول بعض الرواة إنه مولى آل أبي بكر ويقول بعضهم إنه مولى آل طلحة
وهو مخضرم من شعراء الدولتين الأموية والعباسية من ساكني المدينة يقال له داود الآدم وداود الأرمك
وكان من أقبح الناس وجها
وكان سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف يستثقله فرآه ذات يوم يخطر خطرة منكرة فدعا به وكان يتولى المدينة فضربه ضربا مبرحا وأظهر أنه إنما فعل ذلك به من أجل الخطرة التي تخايل فيها في مشيته
فقال بعض الشعراء في ذلك وأظنه ابن رهيمة
( ضرب العادلُ سعدٌ ... ابنَ سلم في السَّماجَهْ )
( فقضَى اللهُ لسعد ... من أميرٍ كلَّ حاجه )
أخبرني محمد بن سليمان الطوسي قال حدثنا الزبير بن بكار قال سألت محمد بن موسى بن طلحة عن داود بن سلم هل هو مولاهم

(6/15)


فقال كذلك يقول الناس هو مولانا أبوه رجل من النبط وأمه بنت حوط مولى عمر بن عبيد الله بن معمر فانتسب إلى ولاء أمه
وفي ذلك يقول ويمدح ابن معمر
( وإذا دعا الجاني النصيرَ لنصره ... وارتْنيَ الغُرَرُ النصيرةُ مَعْمَرُ )
( مُتَخازرِين كأن أُسْدَ خَفِيّة ... بمقامها مستبسِلاتٌ تَزْأر )
( متجاسِرين بحمل كل مُلِمَّة ... متجبرِّين على الذي يتجبرَّ )
( عُسُلُ الرِّضَا فإِذا أردتَ خصامَهم ... خلَط السِّمَامَ بفيك صابٌ مُمقر )
( لا يَطْبَعون ولا تَرى أخلاقهم ... إلاَّ تطيبُ كما يطيب العنبر )
( رَفَعوا بَنَايَ بِعْتق حَوْطٍ دِنْيّةً ... جدِّي وفضلِهم الذي لا ينْكَرِ )
بعض من أوصافه
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري وحبيب بن نصر المهلبي قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثني إسحاق الموصلي قال

(6/16)


كان داود بن سلم مولى بني تيم بن مرة وكان يقال له الآدم لشدة سواده وكان من أبخل الناس فطرقه قوم وهو بالعقيق فصاحوا به العشاء والقرى يا بن سلم فقال لهم لا عشاء لكم عندي ولا قرى قالوا فأين قولك في قصيدتك إذ تقول فيها
( يا دار هندٍ ألاَ حُيِّيتِ من دارِ ... لم أَقْضِ منكِ لُباناتي وأوطاري )
( عُوِّدتُ فيها إذا ما الضيفُ نَّبهني ... عَقْرَ العِشَار على يُسْرِي وإعساري )
قال لستم من أولئك الذين عنيت
قال ودخل على السري بن عبد الله الهاشمي وقد أصيب بابن له فوقف بين يديه ثم أنشده
( يا من على الأرض من عُجْم ومن عَرَبٍ ... استرْجِعوا خاستِ الدّنيا بَعبّاسِ )
( فُجِعت من سبعة قد كنتُ آمُلُهم ... من ضِنْء والدهم بالسيّد الرّاس )
قال وداود بن سلم الذي يقول
( قُلْ لأسماءَ أَنْجزي الميعادا ... وانظُري أن تزوِّدي منكِ زادَا )
( إن تكوني حَلَلْتِ ربعاً مَن الشأم ... وجاورت حِميراً أو مُرادا )
( أو تناءت بك النوَى فلقد قُدْتِ ... فؤادي لحَينه فانقادا )

(6/17)


( ذاكِ أني عَلِقتُ منكِ جَوَى الحبّ ... وَليداً فزدتُ سِناً فزادا )
قال أبو زيد أنشدنيها أبو غسان محمد بن يحيى وإبراهيم بن المنذر لداود ابن سلم
نسبة ما في هذا الخبر من الشعر الذي فيه غناء
صوت
( يا دارَ هند ألاَ حُيِّيتِ من دارِ ... لم أقْضِ منك لُباناتي واوطاري )
يتم وينسب
المادح المزجور
أخبرنا الطوسي قال حدثنا الزبير قال أخبرني مصعب بن عثمان قال دعا الحسن بن زيد إسحاق بن إبراهيم بن طلحة بن عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي أيام كان بالمدينة إلى ولاية القضاء فأبى عليه فحبسه فدعا مسرقين يسرقون له مغسلا في السجن وجاء بنو طلحة فانسجنوا معه
وبلغ ذلك الحسن بن زيد فأرسل إليه فأتي به فقال إنك تلاججت علي وقد حلفت ألا أرسلك حتى تعمل لي فأبرر يميني ففعل فأرسل الحسن معه جندا حتى جلس في المسجد مجلس القضاء والجند على رأسه فجاءه داود بن سلم فوقف عليه فقال
( طلبوا الفقه والمروءةَ والحِلْمَ ... وفيك اجتمعنَ يا إسحاقُ )
فقال ادفعوه فدفعوه فنحي عنه فجلس ساعة ثم قام من مجلسه فأعفاه الحسن بن زيد من القضاء فلما سار إلى منزله أرسل إلى داود بن سلم بخمسين دينارا وقال للرسول قل له يقول لك مولاك ما حملك على أن تمدحني بشيء أكرهه استعن بهذه على أمرك

(6/18)


أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير ابن بكار قال حدثني محرز بن سعيد قال بينما سعد بن إبراهيم في مسجد النبي يقضي بين الناس إذ دخل عليه زيد بن إسماعيل بن عبد الله بن جعفر ومعه داود بن سلم مولى التيميين وعليهما ثياب ملونة يجرانها فأومأ أن يؤتى بهما فاشار إليه زيد أن اجلس فجلس بالقرب منه وأومأ إلى الآخر أن يجلس حيث يجلس مثله ثم قال لعون من أعوانه ادع لي نوح بن إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله فدعي له فجاء أحسن الناس سمتا وتشميرا ونقاء ثياب فأشار إلى فجلس ثم أقبل على زيد فقال له يابن أخي تشبه بشيخك هذا وسمته وتشميره ونقاء ثوبه ولا تعد إلى هذا اللبس قم فانصرف
ثم أقبل على ابن سلم وكان قبيحا فقال له هذا ابن جعفر أحتمل هذا له وأنت لأي شيء أحتمل هذا لك أللؤم أصلك أم لسماجة وجهك جرد يا غلام فجرد فضربه أسواطا
فقال ابن رهيمة
( جلد العادلُ سعدٌ ... إبنَ سَلْم في السَّماجَهْ )
( فقَضَى اللهُ لسعدٍ ... من أمير كلَّ حاجه )
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني يعقوب بن حميد بن كاسب قال حدثني عبد الملك بن عبد العزيز بن الماجشون عن يوسف بن الماجشون قال

(6/19)


قال لي أبي وقد عزل سعد بن إبراهيم عن القضاء يا بني تعجل بنا عسى أن نروح مع سعد بن إبراهيم فإن القاضي إذا عزل لم يزل الناس ينالون منه فخرجنا حتى جئنا دار سعد بن إبراهيم فإذا صوت عال فقال لي أي شيء هذا أرى أنه قد أعجل علي ودخلنا فإذا داود بن سلم يقول له أطال الله بقاءك يا أبا إسحاق وفعل بك وقد كان سعد جلد داود بن سلم أربعين سوطا فأقبل علي سعد وعلى أبي فقال لم تر مثل أربعين سوطا في ظهر لئيم
قال وفيه يقول الشاعر
( ضرب العادلُ سعدٌ ... إبنَ سَلْم في السماجهْ )
( فقضى اللهُ لسعدٍ ... من أميرٍ كلَّ حاجه )
الحسن بن زيد يغضب منه
أخبرني محمد بن خلف وكيع قال قال الزبير بن بكار قال حدثني أبو يحيى الزهري واسمه هارون بن عبد الله قال حدثني عبد الملك بن عبد العزيز عن أبيه قال كان الحسن بن زيد قد عود داود بن سلم مولى بني تيم إذا جاءته غلة من الخانقين أن يصله
فلما مدح داود بن سلم جعفر بن سليمان وكان بينه وبين الحسن بن زيد تباعد شديد أغضب ذلك الحسن فقدم من حج أو عمرة ودخل عليه داود مسلما فقال له الحسن أنت القائل في جعفر
( وكنّا حديثاً قبلَ تأمير جعفرٍ ... وكان المُنَى في جعفر أن يُؤمَّرا )

(6/20)


( حَوَى المِنْبَريْن الطاهرينْ كليْهما ... إذا ما خطا عن مِنبرٍ أَمَّ مِنْبرا )
( كأن بني حَوَّاء صُفُّوا أمامه ... فَخُبِّر من أنسابهم فتَخيَّرا )
فقال داود نعم جعلني الله فداءكم فكنتم خيرة اختياره وأنا الذي أقول
( لَعْمرِي لئن عاقبتَ أوجُدْت مُنعِماً ... بعفوٍ عن الجاني وإن كان مُعْذِرَا )
( لأنتَ بما قدّمتَ أولى بِمدَحةٍ ... وأكرمُ فرعاً إن فخرتَ وعُنْصُرا )
( هو الغُرَّةُ الزَّهْراءُ من فرع هاشمٍ ... ويدعو عليَّا ذا المعالي وجعفرا )
( وزيدَ النَّدَى والسِّبْطَ سِبْطَ محمدٍ ... وعمَّك بالطَّفِّ الزَّكيَّ المطهَّرا )
( وما نال مِن ذا جعفرُ غيرَ مجلسِ ... إذا ما نفاه العزلُ عنه تأخّرا )
( بحقِّكُم نالوا ذُرَاها فأصبحوا ... يَرَوْن به عزاً عليكم ومَفْخَرا )
قال فعاد الحسن بن زيد له إلى ما كان عليه ولم يزل يصله ويحسن إليه حتى مات
قال أبو يحيى يعني بقوله وإن كان معذرا أن جعفرا أعطاه بأبياته الثلاثة ألف دينار فذكر أن له عذرا في مدحه إياه بجزالة إعطائه
أبو السائب المخزومي يعجب بشعره
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن الواقدي عن ابن أبي الزناد قال كنت ليلة عند الحسن بن زيد ببطحاء ابن أزهر على ستة أميال من المدينة حيال ذي الحليفة نصف الليل جلوسا في القمر وأبو السائب المخزومي معنا وكان ذا فضل وكان مشغوفا بالسماع والغزل وبين أيدينا طبق

(6/21)


عليه فريك فنحن نصيب منه والحسن يومئذ عامل المنصور على المدينة فأنشد الحسن قول داود بن سلم وجعل يمد به صوته ويطربه
صوت
( فعرَّسْنا ببطن عُرَيْتِناتٍ ... ليَجْمَعَنا وفاطمةَ المَسِيرُ )
( أتَنْسَى إذ تَعَرَّض وهو بادٍ ... مُقلَّدُها كما بَرَق الصَّبِير )
( ومَن يَطِع الهوى يُعْرَفْ هواه ... وقد يُنْبيك بالأمر الخبير )
( على أني زَفَرْتُ غَدَاةَ هَرْشَى ... فكاد يُريبهم منّي الزَّفير )

(6/22)


الغناء للغريض ثاني ثقيل بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق
وفيه للهذلي ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو بن بانة وأظنه هذا اللحن قال فأخذ أبو السائب الطبق فوحش به إلى السماء فوقع الفريك على رأس الحسن بن زيد فقال له مالك ويحك أجننت فقال له أبو السائب أسألك بالله وبقرابتك من رسول الله إلا ما أعدت إنشاد هذا الصوت ومددته كما فعلت قال فما ملك الحسن نفسه ضحكا ورد الحسن الأبيات لإستحلافه إياه
قال ابن أبي الزناد فلما خرج أبو السائب قال لي يا بن أبي الزناد أما سمعت مده
( ومن يُطِع الهوا يُعْرَفْ هواه ... )
فقلت نعم قال لو علمت أنه يقبل لدفعته إليه بهذه الثلاثة الأبيات
أخبرني بخبره عبيد الله بن محمد الرازي وعمي قالا حدثنا أحمد بن الحارث الخراز عن المدائني عن أبي بكر الهذلي
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثتني ظبية مولاة فاطمة بنت عمر بن مصعب قالت أرسلتني مولاتي فاطمة في حاجة فمررت برحبة القضاء فإذا بضبيعة العبسي خليفة جعفر بن سليمان يقضي بين الناس فأرسل إلي فدعاني وقد كنت رطلت شعري وربطت في أطرافه من ألوان العهن فقال ما هذا فقلت شيء أتملح به فقال يا حرسي قنعها بالسوط
قالت فتناولت السوط بيدي وقلت قاتلك الله ما أبين الفرق بينك وبين سعد بن إبراهيم سعد يجلد الناس

(6/23)


في السماجة وأنت تجلدهم في الملاحة وقد قال الشاعر
( جلَد العادل سعدُ ... إبنَ سَلْم في السماجهْ )
( فقضى اللهُ لسعدٍ ... من أميرٍ كلَّ حاجه )
قالت فضحك حتى ضرب بيديه ورجليه وقال خل عنها
قالت فكان يسوم بي وكانت مولاتي تقول لا أبيعها إلا أن تهوى ذلك وأقول لا أريد بأهلي بدلا إلى أن مررت يوما بالرحبة وهو في منظرة دار مروان ينظر فأرسل إلي فدعاني فوجدته من وراء كلة وأنا لا أشعر به وحازم وجرير جالسان فقال لي حازم الأمير يريدك فقلت لا أريد بأهلي بدلا وكشفت الكلة عن جعفر بن سليمان فارتعت لذلك فقلت آه فقال مالك فقلت
( سمعتُ بذكر الناس هنداً فلم أَزَلْ ... أخا سَقَمٍ حتى نظرتُ إلى هند )
قال فأبصرت ماذا ويحك فقلت
( فأبصرتُ هنداً حُرّةً غيرَ أنها ... تَصَدَّى لقتل المسلمين على عَمْدِ )
قالت فضحك حتى استلقى وأرسل إلى مولاتي ليبتاعني فقالت لا والله لا أبيعها حتى تستبيعني فقلت والله لا أستبيعك أبدا
يذكر قثم بن عباس بجارية كان يهواها
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا يونس بن عبد الله عن داود بن سلم قال كنت يوما جالسا مع قثم بن العباس قبل أن يملكوا بفنائه فمرت بنا

(6/24)


جارية فأعجب بها قثم وتمناها فلما يمكنه ثمنها
فلما ولي قثم اليمامة اشترى الجارية إنسان يقال له صالح
قال داود بن سلم فكتبت إلى قثم
( يا صاحب العِيِس ثم راكبَها ... أبلغْ إذا ما لقيتَه قُثَمَا )
( أنّ الغزال الذي أجاز بنا ... مُعارِضاً إذ توسَّط الحَرَما )
( حَوّله صالحٌ فصار مع اْلإنْسِ ... وخَلّى الوحوش والسَّلمَا )
قال فأرسل قثم في طلب الجارية ليشتريها فوجدها قد ماتت
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا عبد الله بن محمد بن موسى بن طلحة قال حدثني زهير بن حسن مولى آل الربيع بن يونس أن داود بن سلم خرج إلى حرب بن خالد بن يزيد بن معاوية فلما نزل به حط غلمانه متاع داود وحلوا عن راحلته فلما دخل عليه أنشأ يقول
( ولمّا دَفَعْتُ لأبوابهم ... ولاقيتُ حَرْباً لَقِيتُ النجاحا )
( وجدناه يَحْمده المُجْتُدون ... ويأبى على العسر إلا سَمَاحا )
( ويُغْشَوْن حتى يُرَى كلبُهم ... يَهَابُ الهَرِير ويَنْسى النُّبَاحا )
قال فأجازه بجائزة عظيمة ثم استأذنه في الخروج فأذن له وأعطاه ألف دينار فلم يعنه أحد من غلمانه ولم يقوموا إليه فظن أن حربا ساخط عليه فرجع إليه فأخبره بما رأى من غلمانه فقال له سلهم لم فعلوا بك ذلك
قال فسألهم فقالوا إننا ننزل من جاءنا ولا نرحل من خرج عنا
قال فسمع الغاضري حديثه فأتاه فحدثه فقال أنا يهودي إن لم يكن الذي قال الغلمان أحسن من شعرك

(6/25)


من شعره في الغزل
وذكر محمد بن داود بن الجراح أن عمر بن شبة أنشده ابن عائشة لداود بن سلم فقال أحسن والله داود حيث يقول
( لَجِجْتُ من حبِّيَ في تقريبه ... وعُمِّيتْ عينايَ عن عيوبهِ )
( كذاك صرفُ الدهر في تقليبه ... لا يلبَث الحبيبُ عن حبيبه )
( أو يغفرَ الأعظم من ذنوبه ... )
قال وأنشدني أحمد بن يحيى عن عبد الله بن شبيب لداود بن سلم قال
( وما ذَرّ قَرْنُ الشمسِ إلا ذكرتُها ... وأذكُرها في وقت كلّ غروبِ )
( وأذكرها ما بين ذاك وهذه ... وبالليل أحلامي وعند هُبوبي )
( وقد شَفَّني شَوْقِي وأبعدني الهوى ... وأعيا الذي بي طِبَّ كلِّ طبيب )
( وأَعْجَبُ أنّي لا أموتُ صَبَابةً ... وما كَمَدٌ من عاشقٍ بعجيب )
( وكلُّ محبٍّ قد سلا غيرَ أنني ... غريبُ الهوى يا وَيْحَ كلَّ غريب )
( وكم لام فيها من أخٍ ذي نصيحةٍ ... فقلت له أَقصِر فغيرُ مُصيب )
( أتأمر إنساناً بفُرقة قلبه ... أتصلحُ أجسامٌ بغير قلوب )
أخبرني إسماعيل بن يونس الشيعي قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني أبو غسان قال كان داود بن سلم منقطعا إلى قثم بن العباس وفيه يقول
( عَتَقْتِ من حِلِّي ومن رِحْلَتِي ... ياناقُ إن أَدْنيتنِي من قُثَمْ )
( إنكِ إن أَدْنيتِ منه غداً ... حالفني اليسر ومات العدم )
( في وجهه بدرٌ وفي كفّه ... بحرٌ وفي العِرْنين منه شَمَمْ )

(6/26)


( أصمُّ عن قِيل الخَنَا سمعُه ... وما عن الخير به من صَمَمْ )
( لم يدر ما لا وبَلَى قد دَرَى ... فعافها واعتاض منها نَعَمْ )
قال أبو إسحاق إسماعيل بن يونس قال أبو زيد عمر بن شبة قال لي إسحاق لنظم العمياء في هذه الأبيات صنعة عجيبة وكانت تجيدها ما شاءت إذا غنتها

(6/27)


أخبار دحمان ونسبه
دحمان لقب لقب به واسمه عبد الرحمن بن عمرو مولى بني ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة
ويكنى أبا عمرو ويقال له دحمان الأشقر
قال إسحاق كان دحمان مع شهرته بالغناء رجلا صالحا كثير الصلاة معدل الشهادة مدمنا للحج وكان كثيرا ما يقول ما رأيت باطلا أشبه بحق من الغناء
قال إسحاق وحدثني الزبيري أن دحمان شهد عند عبد العزيز بن المطلب بن عبد الله بن حنطب المخزومي وهو يلي القضاء لرجل من أهل المدينة على رجل من أهل العراق بشهادة فأجازها وعدله فقال له العراقي إنه دحمان قال أعرفه ولو لم أعرفه لسألت عنه قال إنه يغني ويعلم الجواري الغناء قال غفر الله لنا ولك وأينا لا يتغنى اخرج إلى الرجل عن حقه
وفي دحمان يقول أعشى بني سليم
( إذا ما هَزَّج الوادِيُّ ... أو ثَقَّل دَحْمانْ )
( سَمعتَ الشَّدْوَ من هذا ... ومن هذا بميزانْ )
( فهذا سيِّد الإنس ... وهذا سيّد الجانْ )

(6/28)


وفيه يقول أيضا
( كانوا فحولاً فصاروا عند خَلْبتهم ... لماّ انبرى لهم دَحْمانُ خِصْيانا )
( فأَبْلِغُوه عن الأعشى مقالتَه ... أعشى سُلَيم أبي عمرٍو سليمانا )
( قولوا يقول أبو عمرو لصُحْبته ... ياليت دَحْمانَ قبل الموت غَنّانا )
أخبرني رضوان بن أحمد الصيدلاني قال حدثنا يوسف بن إبراهيم عن إبراهيم بن المهدي أنه حدثه عن ابن جامع وزبير بن دحمان جميعا أن دحمان كان معدلا مقبول الشهادة عند القضاة بالمدينة وكان أبو سعيد مولى فائد أيضا ممن تقبل شهادته
وكان دحمان من رواة معبد وغلمانه المتقدمين
قال وكان معبد في أول أمره مقبول الشهادة فلما حضر الوليد بن يزيد وعاشره على تلك الهنات وغنى له سقطت عدالته لا لأن شيئا بان عليه من دخول في محظور ولكن لأنه اجتمع مع الوليد على ما كان يستعمله
أخبرنا يحيى بن علي بن يحيى قال حدثنا أبو أيوب المديني قال قال إسحاق كان دحمان يكنى أبا عمرو مولى بني ليث واسمه عبد الرحمن وكان يخضب رأسه ولحيته بالحناء وهو من غلمان معبد
قال إسحاق وكان أبي لا يضعه بحيث يضعه الناس ويقول لو كان عبدا ما اشتريته على الغناء بأربعمائة درهم
وأشبه الناس به في الغناء ابنه عبد الله وكان يفضل الزبير ابنه تفضيلا شديدا على عبد الله أخيه وعلى دحمان أبيه

(6/29)


دحمان يحظى عند المهدي
أخبرني يحيى عن أبي أيوب عن أحمد بن المكي عن عبد الله بن دحمان قال رجع أبي من عند المهدي وفي حاصله مائة ألف دينار
أخبرنا إسماعيل بن يونس وحبيب بن نصر المهلبي قالا حدثنا عمر بن شبة قال بلغني أن المهدي أعطى دحمان في ليلة واحدة خمسين ألف دينار وذلك أنه غنى في شعر الأحوص
( قَطُوفُ المشْي إذ تمشِي ... تَرَى في مشيها خرقا )
فأعجبه وطرب واستخفه السرور حتى قال لدحمان سلني ما شئت فقل ضيعتان بالمدينة يقال لهما ريان وغالب فأقطعه إياهما
فلما خرج التوقيع بذلك إلى أبي عبيد الله وعمر بن بزيع راجعا المهدي فيه وقالا إن هاتين ضيعتان لم يملكهما قط إلا خليفة وقد استقطعهما ولاة العهود في أيام بني أمية فلم

(6/30)


يقطعوهما فقال والله لا أرجع فيهما إلا بعد أن يرضى فصولح عنهما على خمسين ألف دينار
نسبة هذا الصوت
سَرَى ذا الهمُّ بل طَرَقا ... فَبِتُّ مسهَّداً قَلِقا )
( كذاك الحُبّ مما يُحدِث ... التسهيد والأرقا )
( قَطُوف المشي إذ تمشي ... تَرَى في مشيها خَرَقا )
( وتُثْقِلها عَجِيزتُها ... إذا ولَّت لتنطلقا )
الشعر للأحوص والغناء لدحمان ثقيل أول بالوسطى عن عمرو وذكر الهشامي أنه لإبن سريج
أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة عن إسحاق قال مر دحمان المغني وعليه رداء جيد عدني فقال له من حضر بكم اشتريت هذا يا أبا عمرو قال ب
( ما ضرَّ جيرانَنا إذ انَتَجَعُوا ... )
نسبة هذا الصوت
صوت
( ما ضَرَّ جيرانَنا إذ انتَجَعُوا ... لو أنهم قبل بيْنِهم ربعُوا )
( أَحْمَوْا على عاشقٍ زيَارتَه ... فهْو بهِجْران بينهم قُطع )

(6/31)


( وهْو كأنّ الهُيَام خالطه ... وما به غير حبِّها ذَرَع )
( كأنّ لُبْنَى صَبِيرُ غاديِةٍ ... أو دُمْيةٌ زُيِّنتْ بها البِيعَ )
( الله بيني وبين قيِّمها ... يَفِرّ عنّي بها وأتَّبع )
الوليد يكرم دحمان
أخبرني وكيع عن أبي أيوب المديني إجازة عن أبي محمد العامري الأويسي قال كان دحمان جمالا يكري إلى المواضع ويتجر وكانت له مروءة فبينا هو ذات يوم قد أكرى جماله وأخذ ماله إذ سمع رنة فقام واتبع الصوت فإذا جارية قد خرجت تبكي فقال لها أمملوكة أنت قالت نعم فقال لمن فقالت لإمرأة من قريش وسمتها له فقال أتبيعك قالت نعم ودخلت إلى مولاتها فقالت هذا إنسان يشتريني فقالت ائذني له فدخل فسامها حتى استقر أمر الثمن بينهما على مائتي دينار فنقدها إياها وانصرف بالجارية
قال دحمان فأقامت عندي مدة اطرح عليها ويطرح عليها معبد والأبجر ونظراؤهما من المغنين ثم خرجت بها بعد ذلك إلى الشأم وقد حذقت وكنت لا أزال إذا نزلنا أنزل الأكرياء ناحية وأنزل معتزلا بها ناحية في محمل وأطرح على المحمل من أعبية الجمالين وأجلس أنا وهي تحت ظلها فأخرج شيئا فنأكله ونضع ركوة فيها لنا شراب فنشرب ونتغنى حتى نرحل
ولم نزل كذلك حتى قربنا من الشأم فبينا أنا ذات يوم نازل وأنا ألقي عليها لحني

(6/32)


صوت
( لو رَدّ ذو شَفَق حِمامَ منّيةٍ ... لردَدتُ عن عبد العزيز حِمَاماَ )
( صلّى عليكَ اللهُ من مستودَعٍ ... جاورتَ بُوماً في القبور وهاما )
الشعر لكثير يرثي عبد العزيز بن مروان
وزعم بعض الرواة أن هذا الشعر ليس لكثير وأنه لعبد الصمد بن علي الهشامي يرثي إبنا له
والغناء لدحمان ولحنه من الثقيل الأول بالخنصر في مجرى البنصر
قال فرددته عليها حتى أخذته واندفعت تغنيه فإذا أنا براكب قد طلع فسلم علينا فرددنا عليه السلام فقال أتأذنون لي أن أنزل تحت ظلكم هذا ساعة قلنا نعم فنزل وعرضت عليه طعامنا وشرابنا فأجاب فقدمنا إليه السفرة فأكل وشرب معنا واستعاد الصوت مرارا
ثم قال للجارية أتغنين لدحمان شيئا قالت نعم قال فغنته أصواتا من صنعتي وغمزتها ألا تعرفه أني دحمان فطرب وامتلأ سرورا وشرب أقداحا والجارية تغنيه حتى قرب وقت الرحيل فأقبل علي وقال أتبيعني هذه الجارية فقلت نعم قال بكم قلت كالعابث بعشرة آلاف دينار قال قد أخذتها بها فهلم دواة وقرطاسا فجئته بذلك فكتب إدفع إلى حامل كتابي هذا حين تقرؤه عشرة آلاف دينار واستوص به خيرا وأعلمني بمكانه وختم الكتاب ودفعه إلي ثم قال أتدفع إلي الجارية أم تمضي بها معك حتى تقبض

(6/33)


مالك فقلت بل أدفعها إليك فحملها وقال إذا جئت البخراء فسل عن فلان وادفع كتابي هذا إليه واقبض منه مالك ثم انصرف بالجارية
قال ومضيت فلما وردت البخراء سألت عن اسم الرجل فدللت عليه فإذا داره دار ملك فدخلت عليه ودفعت إليه الكتاب فقبله ووضعه على عينيه ودعا بعشرة آلاف دينار فدفعها إلي وقال هذا كتاب أمير المؤمنين وقال لي اجلس حتى أعلم أمير المؤمنين بك فقلت له حيث كنت فأنا عبدك وبين يديك وقد كان أمر لي بأنزال وكان بخيلا فاغتنمت ذلك فارتحلت وقد كنت أصبت بجملين وكانت عدة أجمالي خمسة عشر فصارت ثلاثة عشر
قال وسأل عني الوليد فلم يدر القهرمان أين يطلبني فقال له الوليد عدة جماله خمسة عشر جملا فاردده إلي فلم أوجد لأنه لم يكن في الرفقة من معه خمسة عشر جملا ولم يعرف اسمي فيسأل عني قال وأقامت الجارية عنده شهرا لا يسأل عنها ثم دعاها بعد أن استبرئت وأصلح من شأنها فظل معها يومه حتى إذا كان في آخر نهاره قال لها غنيني لدحمان فغنت وقال لها زيديني فزادت
ثم أقبلت عليه فقالت يا أمير المؤمنين أو ما سمعت غناء دحمان منه قال لا قالت بلى والله قال أقول لك لا فتقولين بلى والله فقالت بلى والله لقد سمعته قال وما ذاك ويحك قالت إن الرجل الذي اشتريتني منه هو دحمان قال أو ذلك هو قالت نعم هو هو قال فكيف لم أعلم قالت غمزني بألا أعلمك
فأمر فكتب إلى عامل المدينة بأن يحمل إليه دحمان فحمل فلم يزل عنده أثيرا
أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه

(6/34)


قال حدثنا ابن جامع قال تذاكروا يوما كبر الأيور بحضرة بعض أمراء المدينة فأطالوا القول ثم قال بعضهم إنما يكون كبر أير الرجل على قدر حر أمه فالتفت الأمير إلى دحمان فقال يا دحمان كيف أيرك فقال له أيها الأمير أنت لم ترد أن تعرف كبر أيري وإنما أردت أن تعرف مقدار حر أمي وكان دحمان طيبا ظريفا
أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني إسحاق قال أول ما عرف من ظرف دحمان أن رجلا مر به يوما فقال له أير حماري في حر أمك يا دحيم فلم يفهم ما قاله وفهمه رجل كان حاضرا معه فضحك فقال مم ضحكت فلم يخبره فقال له أقسمت عليك إلا أخبرتني قال إنه شتمك فلا أحب استقبالك بما قاله لك فقال والله لتخبرني كائنا ما كان فقال له قال كذا وكذا من حماري في حر أمك فضحك ثم قال أعجب والله وأغلظ علي من شتمه كنايتك عن أير حماره وتصريحك بحر أمي لا تكني
جعفر بن سليمان والمغنون
أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدثني أبو خالد يزيد بن محمد المهلبي قال حدثني إسحاق الموصلي قال حدثنا عبد الله بن الربيع المديني قال حدثني الربعي المغني قال قال لنا جعفر بن سليمان وهو أمير المدينة اغدوا على قصري بالعقيق غدا وكنت أنا ودحمان وعطرد فغدوت للموعد فبدأت بمنزل دحمان وهو في جهينة

(6/35)


فإذا هو وعطرد قد اجتمعا على قدر يطبخانها وإذا السماء تبغش فأذكرتهما الموعد فقالا أما ترى يومنا هذا ما أطيبه اجلس حتى نأكل من هذه القدر ونصيب شيئا ونستمتع من هذا اليوم فقال ما كنت لأفعل مع ما تقدم الأمير به إلي فقالا لي كأنا بالأمير قد انحل عزمه وأخذك المطر إلى أن تبلغ ثم ترجع إلينا مبتلا فتقرع الباب وتعود إلى ما سألناك حينئذ
قال فلم ألتفت إلى قولهما ومضيت وإذا جعفر مشرف من قصره والمضارب تضرب والقدور تنصب فلما كنت بحيث يسمع تغنيت
( واستصحبَ الأصحابَ حتى إذا وَنَوْا ... وملُّوا من الإدْلاَج جئتكُم وَحْدِي )
قال وما ذاك فأخبرته فقال يا غلام هات مائتي دينار أو أربعمائة دينار الشك من إسحاق الموصلي فانثرها في حجر الربعي اذهب الآن فلا تحل لها عقدة حتى تريهما إياها فقلت وما في يدي من ذلك يأتيانك غدا فتلحقهما بي قال ما كنت لأفعل قلت فلا أمضي حتى تحلف لي أنك لا تفعل فحلف فمضيت إليهما فقرعت الباب فصاحا وقالا ألم نقل لك إن هذه تكون حالك فقلت كلا فأريتهما الدنانير فقالا إن الأمير لحي كريم ونأتيه غدا فنعتذر إليه فيدعوه كرمه إلى أن يلحقنا بك فقلت كذبتكما أنفسكما والله إني قد أحكمت الأمر ووكدت عليه الإيمان ألا يفعل فقالا لا وصلتك رحم
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن منصور بن أبي مزاحم قال أخبرني عبد العزيز بن الماجشون قال صلينا يوما الصبح بالمدينة فقال قوم قد سال العقيق فخرجنا من المسجد مبادرين إلى العقيق فانتهينا إلى العرصة فإذا من وراء الوادي قبالتنا

(6/36)


دحمان المغني وابن جندب مع طلوع الشمس قد تماسكا بينهما صوتا وهو
( اسكنُ البَدْوَ ما سكنْتِ ببدوٍ ... فإِذا ما حضرتِ طال الحضورُ )
وإذا أطيب صوت في الدنيا
قال وكان أخي يكره السماع فلما سمعه طرب طربا شديدا وتحرك وكان لغناء دحمان أشد استحسانا وحركة وارتياحا فقال لي يا أخي تسمع إلى غناء دحمان والله لكأنه يسكب على الماء زيتا
نسبة هذا الصوت
صوت
أَوْحشَ الجُنْبُذَانِ فالدَّيْرُ منها ... فقُرَاها فالمنزلُ المحظورُ )
( أسكنُ البدوَ ما أقمتِ ببدوٍ ... فإِذا ما حضرتِ طاب الحضور )
( أيُّ عيش أَلَذُّه لستِ فيه ... أوْ تُرَى نَعْمةٌ به وسُرور )
الشعر لحسان بن ثابت والغناء لإبن مسجح رمل مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق

(6/37)


دحمان والفضل بن يحيى
أخبرنا محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني أحمد بن عبد الرحمن عن أبي عثمان البصري قال قال دحمان دخلت على الفضل بن يحيى ذات يوم فلما جلسنا قام وأومأ إلي فقمت فأخذ بيدي ومضى بي إلى منظرة له على الطريق ودعا بالطعام فأكلنا ثم صرنا إلى الشراب فبينا نحن كذلك إذ مرت بنا جارية سوداء حجازية تغني
( اهْجُريني أو صلِيني ... كيفما شئتِ فكوني )
( أنتِ والله تحبّيني ... وإن لم تُخبريني )
فطرب وقال أحسنت ادخلي فدخلت فأمر بطعام فقدم إليها فأكلت وسقاها أقداحا وسألها عن مواليها فأخبرته فبعث فاشتراها فوجدها من أحسن الناس غناء وأطيبهم صوتا وأملحهم طبعا فغلبتني عليه مدة وتناساني فكتبت إليه
( أخرجتِ السَّوداء ما كان في ... قلبك لي من شدّة الحُبِّ )
( فإن يدُم ذا منك لا دام لي ... متُّ من الإعراض والكَرْب )
قال فلما قرأ الرقعة ضحك وبعث فدعاني ووصلني وعاد إلى ما كان عليه من الأنس
قال مؤلف هذا الكتاب هكذا أخبرنا ابن المرزبان بهذا الخبر وأظنه غلطا لأن دحمان لم يدرك خلافة الرشيد وإنما أدركها ابناه زبير وعبد الله

(6/38)


فإما أن يكون الخبر لأحدهما أو يكون لدحمان مع غير الفضل بن يحيى
ومما في المائة المختارة من صنعة دحمان
صوت
من المائة المختارة من رواية علي بن يحيى
( وإنّي لآتي البيتَ ما إن أُحِبُّه ... وأُكثِرُ هجرَ البيت وهو حِبِيبُ )
( وأُغْضِي على أشياءَ منكم تَسُوءني ... وأُدْعَى إلى ما سَرّكم فأجيب )
( وأحبِس عنكِ النّفسَ والنفسُ صَبّةٌ ... بقُرْبِك والمَمْشَى إليكِ قريب )
الشعر للأحوص والغناء لدحمان ثقيل أول وقد تقدمت أخبار الأحوص ودحمان فيما مضى من الكتاب
صوت
من المائة المختارة
( حَيِّيَا خَوْلَةَ منِّي بالسلامِ ... دُرّةَ البحر ومِصْباحَ الظلامَ )
( لا يكُن وَعْدُكِ برقا خُلَّبّا ... كاذباً يلمع في عُرْض الغمام )
( واذكري الوعدَ الذي واعدتنا ... ليلةَ النصف من الشّهر الحرام )
الشعر لأعشى همدان والغناء لأحمد النصبي ولحنه المختار من القدر الأوسط من الثقيل الأول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر وعروضه من الرمل والخلب من البرق الذي لا غيث معه ولا ينتفع بسحابه وتضرب المثل به العرب لمن أخلف وعده قال الشاعر

(6/39)


( لا يكنْ وعدك برقاً خُلّباً ... إنّ خيرَ البرق ما الغيثُ مَعَهْ )
وعرض السحابة الناحية منها

(6/40)


أخبار أعشى همدان ونسبه
اسمه عبد الرحمن بن عبد الله بن الحارث بن نظام بن جشم بن عمرو بن الحارث بن مالك بن عبد الحر بن جشم بن حاشد بن جشم بن خيران بن نوف بن همدان بن مالك بن زيد بن نزار بن أوسلة بن ربيعة بن الخيار بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان ويكنى أبا المصبح شاعر فصيح كوفي من شعراء الدولة الأموية
وكان زوج أخت الشعبي الفقيه والشعبي زوج أخته وكان أحد الفقهاء القراء ثم ترك ذلك وقال الشعر وآخى أحمد النصبي بالعشيرية والبلدية فكان إذا قال شعرا غنى فيه أحمد
وخرج مع ابن الأشعث فأتي الحجاج أسيرا في الأسرى فقتله صبرا

(6/41)


أخبرني بما أذكره من جملة أخباره الحسن بن علي الخفاف قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي عن محمد بن معاوية الأسدي أنه أخذ أخباره هذه عن ابن كناسة عن الهيثم بن عدي عن حماد الراوية وعن غيرهم من رواة الكوفيين
قال حدثنا عمر بن شبة وأبو هفان جميعا عن إسحاق الموصلي عن الهيثم بن عدي عن عبد الله بن عياش الهمداني
قال الغنزي وأخذت بعضها من رواية مسعود بن بشر عن الأصمعي وما كان من غير رواية هؤلاء ذكرته مفردا
أخبرني المهلبي أبو أحمد حبيب بن نصر وعلي بن صالح قالا حدثنا عمر بن شبة وأبو هفان جميعا عن إسحاق الموصلي عن الهيثم بن عدي عن عبد الله بن عياش الهمداني قال كان الشعبي عامر بن شراحيل زوج أخت أعشى همدان وكان أعشى همدان زوج أخت الشعبي فأتاه أعشى همدان يوما وكان أحد القراء للقرآن فقال له إني رأيت كأني أدخلت بيتا فيه حنطة وشعير وقيل لي خذ أيهما شئت

(6/42)


فأخذت الشعير فقال إن صدقت رؤياك تركت القرآن وقراءته وقلت الشعر فكان كما قال
ابنة الأمير تهرب معه
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي عن محمد بن معاوية الأسدي عن ابن كناسة قال العنزي وحدثني مسعود بن بشر عن أبي عبيدة والأصمعي قالا وافق روايتهم الهيثم بن عدي عن حماد الراوية قال كان أعشى همدان أبو المصبح ممن أغزاه الحجاج بلد الديلم ونواحي دستبى فأسر فلم يزل أسيرا في أيدي الديلم مدة
ثم إن بنتا للعلج الذي أسره هويته وصارت إليه ليلا فمكنته من نفسها فأصبح وقد واقعها ثماني مرات فقالت له الديلمية يا معشر المسلمين أهكذا تفعلون بنسائكم فقال لها هكذا نفعل كلنا فقالت له بهذا العمل نصرتم أفرأيت إن خلصتك أتصطفيني لنفسك فقال لها نعم وعاهدها
فلما كان الليل حلت قيوده وأخذت به طرقا تعرفها حتى خلصته وهربت معه
فقال شاعر من أسرى المسلمين
( فمن كان يَفْديه مِن الأَسْر مالُه ... فهَمْدانُ تَفْدِيها الغداةَ أُيورُها )
وقال الأعشى يذكر ما لحقه من أسر الديلم

(6/43)


صوت
( لمن الظَّعائنُ سيرُهنّ تَرَجُّفُ ... عَوْمَ السَّفِين إذا تقاعس مجذَفُ )
( مرَّتْ بذي خُشُب كأنّ حُمولَها ... نَخْلٌ بِيَثْرِبَ طَلْعُه مَتضعِّف )
غنى في هذين البيتين أحمد النصبي ولحنه خفيف ثقيل مطلق في مجرى البنصر عن عمرو وابن المكي
وفيهما لمحمد الزف خفيف رمل بالوسطى عن عمرو
( عُولِين ديباجاً وفاخرَ سُنْدُسٍ ... وبخَزَ أكسية العراق تُحفَّفُ )
( وغدتْ بهم يومَ الفراق عَرَامِسُ ... فُتْلُ المرَافق بالهوادج دُلَّف )
( بان الخليط وفاتني برحيله ... خَوْدٌ إذا ذُكرت لقلبك يُشْغَفُ )
( تجلو بِمْسواكِ الأَرَاك مُنَظّماً ... عَذْباً إذا ضحكتْ تهلَّلَ يَنْظُف )
( وكأنّ ريقتَها على عَلَل الكَرَى ... عَسَلٌ مصفَّى في القِلاَل وقَرْقَف )
( وكأنما نظرتْ بعينيْ ظبيةٍ ... تحنو على خِشْف لها وتَعَطَّف )

(6/44)


( وإذا تنوء إلى القيام تدافعتْ ... مثلَ النَّزيف ينوء ثُمّتَ يَضْعفُ )
( ثقُلتْ روادفُها ومال بخَصْرها ... كَفَلٌ كما مال النَّقا المتقصِّف )
( ولها ذراعا بَكْرٍ رحبيّة ... ولها بَنَانٌ بالخِضاب مُطَرَّف )
( وعوارضٌ مصقولةٌ وترائبٌ ... بيضٌ وبطنٌ كالسَّبيكة مُخْطَف )
( ولها بَهَاءٌ في النساء وبَهْجةٌ ... وبها تُحلّ الشمسُ حين تُشرَّف )
( تلك التي كانت هوايَ وحاجتي ... لو أنّ داراً بالأحبّة تُسْعِف )
( وإذا تُصِبْك من الحوادث نكبةٌ ... فاصبر فكل مصيبةٍ سَتَكشَّف )
( ولئن بكيتُ من الفراق صبابةً ... إنّ الكبير إذا بكى لَيُعَنَّفُ )
( عجباً من الأيام كيف تَصَرَّفَتْ ... والدارُ تدنو مرّةً وتقذّفُ )
( أصحبتُ رَهْناً للعُداة مكبَّلاً ... أمْسي وأُصْبِح في الأَدَاهم أَرْسُف )
( بين القليسم فالقيول فحامن ... فاللهزمين ومضجعي مُتكنِّف )
هذه أسماء مواضع من بلد الديلم تكنفته الهموم بها
( فحِبَال ويمة ما تزال مُنِيفةً ... يا ليت أنّ جبال ويمة تُنسَف )
ويمة وشلبة ناحيتان من نواحي الري
( ولقد أُراني قبل ذلك ناعماً ... جَدْلاَنَ آبَى أن أَضام وآنفُ )
( واستنكرتْ ساقِي الوَثَاق وساعدِي ... وأنا أمرؤٌ بادِي الأشاجِع أَعْجف )
( ولقد تُضرِّسني الحروبُ وإِنني ... اُلَفي بكلّ مخافة أتعسّف )

(6/45)


( أتسربل الليلَ البهِيمَ وأستري ... في الخَبْت إذ لا يَسْتُرونَ وأُوجِف )
( ما إن أزال مقنَّعاً أو حاسراً ... سَلَف الكتيبة والكتيبةُ وُقَّف )
( فأصابني قومٌ فكنتُ أُصيبهم ... فالآن أصبِر للزمان وأعرف )
( إني لطَلاّبُ التِّراتِ مطلَّبٌ ... وبكل أسباب المنيّة أُشرِف )
( باقٍ على الحِدْثان غيرُ مكذَّبٍ ... لا كاسفُ بالي ولا متأسّف )
( إن نلتُ لم أفرح بشيء نِلتُه ... وإذا سُبِقتُ به فلا أتلهّف )
( إني لأحْمِي في المَضِيق فَوَارِسي ... وأكُرّ خَلْفَ المُسْتضاف وأعطِف )
( وأشُدّ إذ يكبو الجبان وأصْطَلي ... حَرَّ الأسنّة والأسنّة ترْعُف )
صوت
( فلئن أصابتْني الحربُ فربّما ... أُدْعَى إذا مُنع الرِّدافُ فأُردِفُ )
( ولربّما يَرْوَى بِكفِّي لَهْذَمٌ ... ماض ومطَّرِدُ الكُعوب مُثقٌّف )
( وأُغير غاراتٍ وأشْهَد مَشهداً ... قلبُ الجبان به يَطير ويَرجفُ )
( وأرى مغانمَ لو أشاء حويتُها ... فيصُدّني عنها غِنىً وتَعفّف )
غنى في هذه الأبيات دحمان ولحنه ثقيل أول بالبنصر عن الهشامي
قال الهشامس فيها لمالك خفيف ثقيل أول بالوسطى ووافقه في هذا ابن المكي قالوا جميعا

(6/46)


خروجه مع جيش الحجاج إلى مكران
ثم ضرب البعث على جيش أهل الكوفة إلى مكران فأخرجه الحجاج معهم فخرج إليها وطال مقامه بها ومرض فاجتواها وقال في ذلك وأنشدني بعض هذه القصيدة اليزيدي عن سليمان بن أبي شيخ
( طلبتَ الصِّبا إذ علا المَكْبَر ... وشاب القَذال وما تُقصِرُ )
( وبان الشبابُ ولذاتّه ... ومثلُك في الجهل لا يُعذَر )
( وقال العواذل هل يَنْتهي ... فيَقْدَعَه الشيبُ أو يُقصِر )
( وفي أربعينَ تَوَفّيتُها ... وعَشْرٍ مضتْ لي مُستبصَر )
( وموعظَةٌ لامرئ حازمٍ ... إذا كان يَسمع أو يُبْصر )
( فلا تأسفنَّ على ما مضى ... ولا يَحزُنَنَّك ما يُدْبِر )
( فإنّ الحوادث تُبلِي الفتى ... وإنّ الزمان به يعثُر )
( فيَوْماً يُساء بما نَابه ... ويوماً يُسَرّ فَيَستَبشرُ )
( ومِنْ كلّ ذلك يَلْقى الفَتى ... ويُمْنَى له منه ما يُقدّر )
( كأنِّيَ لم أَرْتَحلْ جَسْرَةً ... ولم أُجِفْها بعدما تضمرُ )
( فأُجْشَمها كلَّ دَيْمُومةٍ ... ويَعرفها البلدُ المُقفر )

(6/47)


( ولم أشهِد البأسَ يومَ الوَغَى ... عليّ المُفَاضةُ والمِغْفَر )
( ولم أَخرِق الصَّف حتى تَميلَ ... دَارِعةَ القومِ والحُسَّر )
( وتحتيَ جَرْداءُ خَيْفانةٌ ... من الخيل أو سابحٌ مُجفَر )
( أُطاعِن بالرمح حتى اللَّبانُ ... يَجري به العَلَق الأحمرِ )
( وما كنت في الحرب إذ شَمَّرت ... كَمَنْ لا يُذيب ولا يُخْثِر )
( ولكنَّني كنتُ ذا مِرَّة ... عَطوفاً إذا هَتف المَحْجِر )
( أُجيب الصَّرِيخ إذا ما دعا ... وعند الهِيَاج أنا المِسْعَر )
( فإن أُمْسِ قد لاح فيّ المَشيبُ ... أُمَّ البنين فقد أذكرُ )
( رَخاءً منَ العيش كُنَّا بِه ... إذِ الدهرُ خالٍ لنا مُصْحِر )
( وإذ أنا في عُنفوان الشباب ... يُعجبني اللَّهو والسُّمَّر )
( أصِيد الحسانَ ويَصْطَدْنني ... وتعجبني الكاعبُ المُعصِر )
( وبيضاءُ مثلُ مَهَاة الكَثيب ... لا عَيْبَ فيها لمن ينظرُ )
( كأنّ مُقَلَّدَها إذ بدا ... به الدُّرّ والشَّذْر والجوهر )
( مُقَلَّدُ أدْمَاءَ نَجْديّةٍ ... يَعِنُّ لها شادِنٌ أحور )

(6/48)


( كأنّ جَنَى النحل والزنجبيلَ ... والفارسيَّة إذ تُعْصَر )
( يُصَبّ على بَرْد أنيابها ... مُخَالِطُه المسكُ والعنبر )
( إذا انصرفتْ وتَلوّتْ بها ... رِقاقُ المَجَاسِد والمِئزر )
( وغَصَّ السِّوارُ وجال الوِشاح ... على عُكَنٍ خَصْرُها مُضْمَر )
( وضاق عن الساق خَلْخالُها ... فكاد مُخَدَّمها يَنْدرُ )
( فَتُورُ القيام رخيمُ الكلام ... يُفْزِعها الصوتُ إذ تُزْجَر )
( وتُنْمَى إلى حسَب شامخ ... فليستْ تُكذَّب إذ تَفْخَر )
( فتلك التي شَفَّني حبُّها ... وحمَّلني فوق ما أقدِر )
( فلا تعذُلانيَ في حبِّها ... فإنّي بمعذرةٍ أجْدَر )
ومن ها هنا رواية اليزيدي
( وقُولا لذي طَرب عاشقٍ ... أشطَّ المزارُ بمن تَذْكُر )
( بكوفيّة أصلُها بالفرات ... تبدو هنالك أو تَحضُر )
( وأنت تسير إلى مُكَّران ... فقد شَحط الوِرْدُ والمَصْدَر )
( ولم تك من حاجتي مُكَّران ... ولا الغزُو فيها ولا المَتْجَر )
( وخُبِّرتُ عنها ولم آتها ... فما زِلتُ من ذكرها أُذْعَر )
( بأنّ الكثيرَ بها جائعٌ ... وأنّ القليل بها مُقْتر )
( وأنّ لِحَي الناس من حَرّها ... تطول فتُجْلَم أو تُضْفَر )

(6/49)


( ويزعُم مَنْ جاءها قَبْلَنا ... بأنّا سَنَسْهَم أو ننحر )
( أعوذ بربِّي من المُخْزيات ... فيما أُسِرّ وما أجهَر )
( وحُدِّثت أنْ ما لنا رَجْعُةٌ ... سِنينَ ومِنْ بعدها أشهر )
( إلى ذاك ما شاب أبناؤنا ... وبادَ الإخِلاَء والمَعْشر )
( وما كان بي من نشاطٍ لها ... وإنّي لذو عُدّة مُوسِر )
( ولكنْ بُعِثتُ لها كارهًا ... وقيل انطلق كالذي يُؤمر )
( فكان النَّجَاء ولم ألتفت ... إليهم وشرّهُم مُنكر )
( هو السيف جُرِّد من غمده ... فليس عن السيف مستأخَر )
( وكم من أخٍ ليَ مستأنِس ... يَظلّ به الدمعُ يَسْتحسر )
( يودّعني وانتحتْ عبرةٌ ... له كالجداول أو أغزر )
( فلستُ بلاقِيه من بعدها ... يَدَ الدهر ما هبّت الصَّرْصَر )
( وقد قيل إنكُم عابرون ... نجراً لها لم يكن يُعْبَرُ )
( إلى السّند والهند في أرضهم ... همُ الجنّ لكنَّهم أَنْكَر )
( وما رام غزواً لها قبلَنا ... أكابرُ عادٍ ولا حِمْير )
( ولا رام سابورُ غزواً لها ... ولا الشيخُ كِسْرى ولا قيصر )
( ومِنْ دونها مَعْبَرٌ واسعٌ ... وأجرّ عظيم لمن يؤجَر )
قصته مع جارية خالد الرياحي
وذكر محمد بن صالح بن النطاح أن هشام بن محمد الكلبي حدث عن أبيه أن أعشى همدان كان مع خالد بن عتاب بن ورقاء الرياحي بالري

(6/50)


ودستبي وكان الأعشى شاعر أهل اليمن بالكوفة وفارسهم فلما قدم خالد من مغزاه خرج جواريه يتلقينه وفيهن أم ولد له كانت رفيعة القدر عنده فجعل الناسُ يمرون عليها إلى أن جاز بها الأعشى وهو على فرسه يميل يمينا ويسارا من النعاس فقالت أم خالد بن عتاب لجواريها إن امرأة خالد لتفاخرني بأبيها وعمها وأخيها وهل يزيدون على أن يكونوا مثل هذا الشيخ المرتعش
وسمعها الأعشى فقال من هذه فقال له بعض الناس هذه جارية خالد فضحك وقال لها إليك عني يا لكعاء ثم أنشأ يقول
( وما يُدْرِيك ما فرسٌ جَرُورٌ ... وما يدريكَ ما حَمْلُ السّلاحِ )
( وما يدريكِ ما شيخ كبيرٌ ... عَدَاه الدهر عن سَنَن المِراح )
( فأُقْسِمُ لو ركبتِ الوَرْد يوماً ... وليلتَه إلى وَضَح الصَّباح )
( إذاً لنظرتُ منكِ إلى مكان ... كسَحْق البُرْد أو أثَرِ الجِراح )
قال فأصبحت الجارية فدخلت إلى خالد فشكت إليه الأعشى فقالت والله ما تكرم ولقد اجترئ عليك فقال لها وما ذاك فأخبرته أنها مرت برجل في وجه الصبح ووصفته له وأنه سبها فقال ذلك أعشى همدان فأي شيء قال لك فأنشدته الأبيات
فبعث إلى الأعشى فلما دخل عليه قال له ما تقول هذه زعمت أنك هجوتها فقال أساءت سمعا إنما قلت
( مررتُ بنسوة متعطِّرات ... كضوء الصبح أو بَيض الأداحِي )

(6/51)


( على شُقْر البغال فَصِدْن قلبي ... بحسن الدَّلّ والحَدَقِ المِلاح )
( فقلتُ مَنِ الظباءُ فقلن سِرْبٌ ... بدا لك من ظِباء بَنِي رِياح )
فقالت لا والله ما هكذا قال وأعادت الأبيات فقال له خالد أما إنها لولا أنها قد ولدت مني لوهتبها لك ولكني أفتدي جنايتها بمثل ثمنها فدفعه إليه وقال له أقسمت عليك يا أبا المصبح ألا تعيد في هذا المعنى شيئا بعد ما فرط منك
وذكر هذا الخبر العنزي في روايته التي قدمت ذكرها ولم يأت به على هذا الشرح
وقال هو وابن النطاح جميعا وكان خالد يقول للأعشى في بعض ما يمنيه إياه ويعده به إن وليت عملا كان لك ما دون الناس جميعا فمتى استعملت فخذ خاتمي واقض في أمور الناس كيف شئت
قال فاستعمل خالد على أصبهان وصار معه الأعشى فلما وصل إلى عمله جفاه وتناساه ففارقه الأعشى ورجع إلى الكوفة وقال فيه
( تُمنِّيني إمارتَها تَميم ... وما أمِّي بأُمّ بني تَميمَ )
( وكان أبو سليمانِ أخاً لي ... ولكنّ الشِّراكَ من الأديم )
( أتينا أصبهانَ فهزّلَتنا ... وكنّا قبلَ ذلك في نعيم )
( أتذكرنا ومُرّةَ إذ غزونا ... وأنتَ على بُغَيْلك ذي الوُشُوم )
( ويركَب رأسَه في كل وَحْل ... ويعثُر في الطريق المستقيم )
( وليس عليك إلا طَيْلَسانٌ ... نَصِيبىٌّ وإلاّ سَحْقُ نِيم )
( فقد أصبحتَ في خَزّ وقَزّ ... تَبَخْتر ما تَرى لك من حميم )

(6/52)


( وتحسب أن تلقّاها زمانا ... كذبتَ وربِّ مكة والحطيم )
هذه رواية ابن النطاح وزاد العنزي في روايته
( وكانت أصبهانُ كخير أرضٍ ... لمُغتَرِب وصُعلوكٍ عديمِ )
( ولكنّا أتيناها وفيها ... ذوو الأضغان والحقد القديم )
( فأنكرتُ الوجوهَ وأنكرتْني ... وجوهٌ ما تُخبِّر عن كريم )
( وكان سفاهة منّي وجهلا ... مَسِيري لا أسير إلى حميم )
( فلو كان ابنُ عتابٍ كريماً ... سما لرواية الأمر الجسيم )
( وكيف رجاءُ من غلَبتْ عليه ... تنائي الدارِ كالرَّحِم العقيم )
قال ابن النطاح فبعث إليه خالد من مرة هذا الذي أدعيت أني وأنت غزونا معه على بغل ذي وشوم ومتى كان ذلك ومتى رأيت علي الطيلسان والنيم اللذين وصفتهما فأرسل إليه هذا كلام أردت وصفك بظاهره فأما تفسيره فإن مرة مرارة ثمرة ما غرست عندي من القبيح
والبغل المركب الذي ارتكبته مني لا يزال يعثر بك في كل وعث وجدد ووعر وسهل
وأما الطيلسان فما ألبسك إياه من العار والذم وإن شئت راجعت الجميل فراجعته لك فقال لا بل أراجع الجميل وتراجعه فوصله بمال عظيم وترضاه
وهكذا روى من قدمت ذكره
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا الرياشي قال حدثنا الأصمعي قال لما ولي خالد بن عتاب بن ورقاء أصبهان خرج إليه أعشى همدان وكان صديقه وجاره بالكوفة فلم يجد عنده ما يحب وأعطى خالد الناس عطايا فجعله في أقلها وفضل عليه آل عطارد فبلغه عنه أنه ذمه فحبسه مدة ثم أطلقه فقال يهجوه

(6/53)


( وما كنتُ ممن ألجأَتْه خَصَاصةٌ ... إلَيك ولا ممن تَغُرّ المواعدُ )
( ولكنّها الأطماعُ وهي مُذِلّةٌ ... دنتْ بي وأنت النازح المتباعد )
( أتَحْبِسُني في غير شيء وتارةً ... تلاحظني شَزْراً وأنفُك عاقِد )
( فإنك لا كابْنَيْ فزارة فاعْلَمْن ... خُلِقْتَ ولم يُشبِههما لك والد )
( ولا مُدْرِكٌ ما قد خلا من نَدَاهما ... أبوكَ ولا حوضَيْهما أنت وارد )
( وإنك لو ساميتَ آلَ عُطَارد ... لَبذّتْك أعناقٌ لهم وسواعد )
( ومَأثُرةٌ عاديّةٌ لن تنالَها ... وبيتٌ رفيع لم تَخُنْه القواعد )
( وهل أنت إلا ثعلبٌ في ديارهم ... تُشَلُّ فَتَعْساً أو يقودُك قائد )
( أَرَى خالداً يختال مشياً كأنه ... من الكبرياء نَهْشَلٌ أو عُطَارِدُ )
( وما كان يَرْبُوع شبيهاً لدارِم ... وما عَدَلَتْ شمسَ النهار الفَرَاقد )
قالوا ولما خرج ابن الأشعث على الحجاج بن يوسف حشد معه أهل الكوفة فلم يبق من وجوههم وقرائهم أحد له بناهة إلا خرج معه لثقل وطأة الحجاج عليهم
فكان عامر الشعبي وأعشى همدان ممن خرج معه وخرج أحد النصبي أبو أسامة الهمداني المغني مع الأعشى لألفته إياه وجعل الأعشى يقول الشعر في ابن الأشعث يمدحه ولا يزال يحرض أهل الكوفة بأشعاره على القتال وكان مما قاله في ابن الأشعث يمدحه
( يأبَى الإِله وعزةُ ابن محمد ... وجدودُ مَلْك قبلَ آل ثَمودِ )
( أن تأنسوا بمذمَّمين عروقُهم ... في الناس إنْ نُسبوا عروقُ عَبيد )
( كم من أبٍ لك كان يعقِد تاجَه ... بجبين أبلج مِقْوَلِ صِنْديد )
( وإذا سألتَ المجدُ أين محلّه ... فالمجدُ بين محمد وسعيد )

(6/54)


( بين الأشجّ وبين قيسٍ باذخٌ ... بَخْ بَخْ لوالده وللمولود )
( ما قصَّرَتْ بكَ أن تَنال مَدَى العُلا ... أخلاقُ مَكْرُمةٍ وإِرثُ جدود )
( قَرْم إذا سامَى القُرُومَ ترى له ... أعراقَ مجدٍ طارفٍ وتَليد )
( وإذا دعا لعظيمةٍ حُشدتْ له ... هَمْدان تحت لوائه المعقود )
( يَمْشُون في حَلَق الحديد كأنهم ... أُسْد الإِباء سمعنَ زَأرَ أسود )
( وإذا دعوتَ بآل كِنْدة أَجْفَلوا ... بكهول صدقٍ سيِّد ومَسُود )
( وشبابِ مأسَدةٍ كأنّ سيوفَهم ... في كلّ مَلْحَمةٍ بروقُ رعود )
( ما إن ترى قيساً يقارب قيسَكم ... في المَكْرُمات ولا ترى كسعيد )
شعره عندما رده ابن الأشعث
وقال حماد الراوية في خبره كانت لأعشى همدان مع ابن الأشعث مواقف محمودة وبلاء حسن وآثار مشهورة وكان الأعشى من أخواله لأن أم عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث أم عمرو بنت سعيد بن قيس الهمداني
قال فلما صار ابن الأشعث إلى سجستان جبى مالا كثيرا فسأله أعشى همدان أن يعطيه منه زيادة على عطائه فمنعه فقال الأعشى في ذلك
( هل تعرف الدارَ عفا رسمُها ... بالحَضْر فالروضةِ من آمِدِ )

(6/55)


( دارٌ لخَوْدٍ طَفْلَةٍ رُودةٍ ... بانَتْ فأمسى حبُّها عامدِي )
( بيضَاءَ مثلِ الشمس رَقْرَاقةٍ ... تَبْسِم عن ذي أُشُر بارد )
( لم يُخْطِ قلبي سهمُها إذ رمتْ ... يا عجباً من سهمها القاصِد )
( يأيها القَرْمُ الهِجَانُ الذي ... يَبْطِش بطشَ الأسد اللاَّبد )
( والفاعلُ الفعلَ الشريفَ الذي ... يُنْمَى إلى الغائب والشاهد )
( كم قد أُسَدِّي لك من مِدْحةٍ ... تُرْوَى مع الصادر والوارد )
( وكم أجبنا لك من دَعوةٍ ... فاعرفْ فما العارفُ كالجاحد )
( نحن حَمَيْناك وما تَحتمي ... في الرَّوْع من مَثْنىً ولا واحِد )
( يومَ انتصرنا لك مِن عابد ... ويومَ أنجيناك من خالد )
( ووقعة الرَّيّ التي نِلْتَها ... بجَحْفلٍ من جَمْعنا عاقد )
( وكم لَقِينا لك من واترٍ ... بصرِف نابَيْ حَنِق حارد )
( ثم وَطِئْناه بأقدامنا ... وكان مثلَ الحيَّة الراصد )
( إلى بلاء حسنٍ قد مضى ... وأنتَ في ذلك كالزاهد )
( فاذكرُ أيادينا وآلاءَنا ... بعودةٍ من حِلْمك الراشد )
( ويومَ الأهواز فلا تَنْسَه ... ليس النَّثَا والقولُ بالبائد )
( إنا لنرجوك كمال نَرْتجي ... صوبَ الغمام المُبرق الراعد )

(6/56)


( فَانفَخْ بكفَّيْك وما ضَمَّتا ... وافعل فَعالَ السَّيِّد الماجد )
( ما لَك لا تُعطي وأنتَ امرؤٌ ... مُثْرٍ من الطارف والتالد )
( تَجْبي سِجِسْتانَ وما حولها ... مُتكئاً في عيشك الراغد )
( لا ترهبُ الدهرَ وأيامَه ... وتَجْرُد الأرضَ مع الجارد )
( إن يكُ مكروهٌ تَهِجْنا له ... وأنتَ في المعروف كالراقد )
( ثم تَرى أنّا سنرضى بذا ... كلاَّ وربِّ الراكع الساَّجِد )
( وحُرمةِ البيت وأستارِه ... ومَنْ به مِنْ ناسكٍ عابد )
( تلك لكم أمنيّةٌ باطلٌ ... وغفوةٌ من حُلُم الراقد )
( ما أنا إنْ هاجك مِنْ بعدها ... هَيْجٌ بآتيكَ ولا كابِد )
( ولا إذا ناطُوك في حَلْقة ... بحاملٍ عنك ولا فاقد )
( فأَعْطِ ما أعطيتَه طَيِّباً ... لا خيرَ في المَنْكود والناكد )
( نحن ولدناك فلا تَجْفُنا ... واللهُ قد وصَّاك بالوالد )
( إن تك من كِنْدةَ في بيتها ... فإن أخوالكَ من حاشد )
( شُمُّ العرانين وأهلُ الندى ... ومُنتَهى الضيِّفان والرائد )
( كم فيهمُ من فارس مُعْلَم ... وسائسٍ للجيش أو قائد )
( وراكبٍ للهَوْل يجتابُه ... مثلَ شِهاب القَبَس الواقد )
( أو ملأٍ يُشفَى بأحلامهم ... من سَفَه الجاهل والمارد )
( لم يجعلِ اللهُ بأحسابنا ... نقصاً وما الناقص كالزائد )

(6/57)


( وربّ خالٍ لك في قومه ... فرعٌ طويلُ الباع والساعد )
( يَحتضِر البأس وما يبتغي ... سوى إسار البَطَل الناجد )
( والطعنِ بالراية مستمكِناً ... في الصفّ ذي العادِية الناهد )
( فارتَحْ لأخوالك واذكرهمُ ... وأرحمهمُ للسَّلَف العائد )
( فإنّ أخوالَك لم يَبْرحوا ... يُرْبُون بالرِّفد على الرّافدِ )
( لم يَبْخَلوا يوماً ولم يجْبُنوا ... في السّلف الغازِي ولا القاعد )
( ورُبَّ خالٍ لك في قومه ... حمّال أثقال لها واجد )
( مُعْتَرفٍ للرزء في ماله ... والحقِّ للسائل والعامد )
مدحه النعمان بن بشير
أخبرني محمد بن الحسن بن دريد الأزدي قال حدثني عمي عن العباس بن هشام عن أبيه وأخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن ابن الكلبي وأخبرني عمي عن الكراني عن العمري عن الهيثم بن عدي وذكره العنزي عن أصحابه قالوا جميعا خرج أعشى همدان إلى الشأم في ولاية مروان بن الحكم فلم ينل فيها حظا فجاء إلى النعمان بن بشير وهو عامل على حمص فشكا إليه حاله فكلم

(6/58)


له النعمان بن بشير اليمانية وقال لهم هذا شاعر اليمن ولسانها واستماحهم له فقالوا نعم يعطيه كل رجل منا دينارين من عطائه فقال لا بل أعطوه دينارا دينارا واجعلوا ذلك معجلا فقالوا أعطه إياه من بيت المال واحتسبها على كل رجل من عطائه ففعل النعمان وكانوا عشرين ألفا فأعطاه عشرين ألف دينار وأرتجعها منهم عند العطاء فقال الأعشى يمدح النعمان
( ولَمْ أرَ للحاجاتِ عند التماسها ... كنُعْمانَ نُعمانِ النَّدَى ابن بَشيرِ )
( إذا قال أَوْفَى ما يقول ولم يكن ... كمُدْلٍ إلى الأقوام حبل غُرُور )
( متى أكْفُر النعمانَ لم أُلْفَ شاكراً ... وما خيرُ من لا يقتدِي بشكُور )
( فلولا أخو الأنصار كنتُ كنازلٍ ... ثَوَى ما ثَوَى لم يَنْقَلِبْ بنَقِير )
شعره في حرب نصيبين
وقال الهيثم بن عدي في خبره حاصر المهلب بن أبي صفرة نصيبين وفيها أبو قارب يزيد بن أبي صخر ومعه الخشبية فقال المهلب يأيها الناس لا يهولنكم هؤلاء القوم فإنما هم العبيد بأيديها العصي
فحمل عليهم المهلب وأصحابه فلقوهم بالعصي فهزموهم حتى أزالوهم عن موقفهم
فدس المهلب رجلا من عبد القيس إلى يزيد بن أبي صخر ليغتاله وجعل له ذلك جعلا سنيا قال الهيثم بلغني أنه أعطاه مائتي ألف درهم قبل أن يمضي ووعده بمثلها

(6/59)


إذا عاد فاندس له العبدي فاغتاله فقتله وقتل بعده فقال أعشى همدان في ذلك
( يُسمَّوْن أصحاب العِصيّ وما أرى ... مع القوم إلا المَشْرِفيّةَ مِن عصا )
( ألا أيُّها اللّيثُ الذي جاء حاذِرا ... وألقى بنا جرمى الخيام وعرّصا )
( أتحسب غزو الشأم يوماً وحربه ... كبِيضٍ يُنظِّمن الجُمان المفصَّصا )
( وسيرِك بالأهْواز إذ أنت آمنٌ ... وشربِك ألبانَ الخَلاَيا المُقَرَّصا )
( فأقسمتُ لا تَجْبِي لك الدهر درهماً ... نَصِيبُون حتَّى تُبْتَلى وتُمَحَّصا )
( ولا أنت من أثوابِها الخُضْرِ لابسٌ ... ولكنَّ خُشباناً شِداداً ومِشْقَصا )
( فكم ردَّ من ذِي حاجةٍ لا ينالُها ... جُديْع العَتيك ردّه الله أبرَصا )
( وشيّد بنياناً وظَاهر كسوةً ... وطال جُدَيْع بعد ما كان أوْقَصا )
تصغير جدع جديع بالدال غير معجمة
والأبيات التي كانت فيها الغناء المذكور معه خبر الأعشى في هذا الكتاب يقولها في زوجة له من همدان يقال لها جزلة هكذا رواه الكوفيون وهو الصحيح
وذكر الأصمعي أنها خولة هكذا رواه في شعر الأعشى
فذكر العنزي في أخبار الأعشى المتقدم إسنادها أنها كانت عند الأعشى امرأة من قومه يقال لها أم الجلال فطالت مدتها معه وأبغضها ثم خطب إمرأة من قومه يقال لها جزلة وقال الأصمعي خولة فقالت له لا حتى تطلق أم الجلال فطلقها وقال في ذلك
( تقادَم وُدِّك أمَّ الجَلالِ ... فطاشت نبالُكِ عند النِّضالِ )
( وطال لزومُك لي حِقْبةً ... فَرثت قُوَى الحبل بعد الوِصال )
( وكان الفؤاد بها مُعجَباً ... فقد أصبح اليومَ عن ذاك سالي )

(6/60)


( صَحا لا مُسيئاً ولا ظالماً ... ولكنْ سَلاَ سَلْوةً في جمال )
( ورُضْتِ خلائقِنا كلَّها ... ورُضْنا خلائقَكم كلَّ حال )
( فأَعْيَيْتِنا في الذي بيننا ... تَسُومِينَني كلَّ أمرٍ عُضال )
( وقد تأمُرِينَ بقَطع الصديق ... وكان الصديق لنا غيرَ فالي )
( وإتيانِ ما قد تَجنَّبْتُه ... وليداً ولُمتُ عليه رجالي )
( أفَالْيَوْمَ أَركَبُه بعد ما ... عَلا الشَّيبُ منِّي صَمِيمَ القَذال )
( لعمرُ أبيكِ لقد خِلْتِني ... ضَعيفَ القُوَى أو شديدَ المِحَال )
( هلُمِّي اسألي نائلاً فانظُري ... أأحرِمُكِ الخيرَ عند السؤال )
( ألمْ تعلمي أنّني مُعْرِقُ ... نَمَانِي إلى المجد عمّي وخالي )
( وأنّي إذا ساءني منزلٌ ... عزمتُ فأوشكْتُ منه ارتحالي )
( فبعضَ العتاب فلا تَهْلِكِي ... فَلاَ لَكِ في ذَاكِ خيرٌ ولا لي )
( فلما بدا ليَ منها البَذاءُ ... صَبّحتُها بثلاثٍ عِجالِ )
( ثلاثاً خرجْنَ جميعاً بها ... فخلَّيْنها ذاتَ بيْتٍ ومال )
( إلى أهلها غيرَ مخلوعةٍ ... وما مَسّها عندنا من نَكال )
( فأمستْ تَحِنّ حنينَ اللِّقاح ... من جَزَع إِثْرَ مَن لا يُبالي )
( فحِنِّي حنينَكِ واستيقني ... بأنا أطّرَحْنَاكِ ذاتَ الشمال )
( وأن لا رجوعَ فلا تُكْذَبينَ ... ما حنَّت النِّيبُ إثْرَ الفِصَال )

(6/61)


( ولا تحسبيني بأنِّي ندمتُ ... كَلاّ وخالقنا ذي الجَلال )
فقالت له أم الجلال بئس والله بعل الحرة وقرين الزوجة المسلمة أنت ويحك أعددت طول الصحبة والحرمة ذنبا تسبني وتهجوني بها ثم دعت عليه أن يبغضه الله إلى زوجته التي اختارها وفارقته
فلما انتقلت إلى أهلها وصارت جزلة إليه ودخل بها لم يحظ عندها ففركته وتنكرت له واشتد شغفه بها ثم خرج مع ابن الأشعث فقال فيها
( حَيِّيا جَزْلة منّي بالسّلامِ ... دُرّةَ البحرِ ومصباحَ الظلام )
( لا تَصُدّى بعد وُدّ ثابتٍ ... واسمَعي يا أمَّ عيسى من كلامِي )
( إنْ تَدُوِمي لي فوَصْلي دائمٌ ... أو تَهُمِّي لي بهَجْر أو صِرام )
( أو تكوني مثلَ برقٍ خُلَّبٍ ... خادعٍ يلمَع في عُرْض الغمام )
( أو كتخييلِ سَرَاب مُعْرِضٍ ... بفَلاَة أو طُروقٍ في المنام )
( فاعلمي إن كنتِ لمّا تعلمي ... ومتى ما تفعلي ذاك تُلامي )
( بعد ما كان الذي كان فلا ... تُتْبِعي الإِحسانَ إِلا بالتمام )
( لا تَنَاسَيْ كلَّ ما أعطيْتِني ... مِنْ عهودٍ ومواثيقَ عِظام )
( واذكري الوعدَ الذي واعدْتِني ... ليلةَ النِّصف من الشهر الحرام )
( فلئن بَدّلْتِ أو خِسْتِ بنا ... وتجرَّأتِ على أمِّ صَمام )
أم صمام الغدر والحنث
( لا تُبالِين إذاً مِنْ بعدِها ... أبداً تركَ صلاةٍ أو صيام )
( راجعي الوصل ورُدِّي نظرةً ... لا تَلَجِّي في طِمَاح وأثام )

(6/62)


( وإذا أنكرتِ مني شيمةً ... ولقد يُنكَر ما ليس بذام )
( فاذكريها لي أزُلْ عنها ولا ... تُسْفِحي عينيكِ بالدمع السِّجام )
( وأرى حبلَك رَثّاً خَلَقاً ... وحبالي جُدُداً غيرَ رِمَام )
( عَجِبتْ جزلةُ منّي أن رأتْ ... لِمّتي حُفَّتْ بَشيْب كالثُّغَام )
( ورأت جسمي علاه كَبْرةٌ ... وصروفَ الدهر قد أبلتْ عظامي )
( وصَلِيتُ الحربَ حتى تركْت ... جسدي نِضْواً كأشْلاء اللِّجام )
( وهي بيضاءُ على مَنْكِبها ... قَطَطٌ جَعْدٌ ومَيَّال سُخَامُ )
( وإذا تضحك تُبدي حَبَباً ... كرُضَاب المسك في الراَّح المُدام )
( كَمَلتْ ما بين قَرْنٍ فإلى ... موضعِ الخَلْخال منها والخِدَام )
( فاراها اليومَ لي قد أحدثتْ ... خُلُقاً ليس على العهد القُدَام )
أخبرني عمي قال حدثنا محمد بن سعيد الكراني قال حدثنا العمري عن الهيثم بن عدي عن مجالد عن الشعبي أنه أتى البصرة أيام ابن الزبير فجلس في المسجد إلى قوم من تميم فيهم الأحنف بن قيس فتذاكروا أهل الكوفة وأهل البصرة وفاخروا بينهم إلى أن قال

(6/63)


قائل من أهل البصرة وهل أهل الكوفة إلا خولنا استنقذناهم من عبيدهم يعني الخوارج
قال الشعبي فهجس في صدري أن تمثلت قول أعشى همدان
( أفخرتم أنْ قتلتمْ أَعبُداً ... وهزمتمْ مَرَّةً آلَ عَزَلْ )
( نحن سُقناهمْ إليكم عَنْوةً ... وجمعنا أمرَكم بعد فشل )
( فإذا فاخرتمونا فاذكروا ... ما فعلنا بكُم يومَ الجَمَل )
( بين شيخٍ خاضبٍ عُثْنونَه ... وفتىً أبيضَ وَضّاحٍ رِفَلّ )
( جاءنا يرفُل في سابغةٍ ... فذبحناه ضحىً ذبحَ الحَمَل )
( وعَفَونا فَنِسيتم عفونَا ... وكفرتم نعمةَ اللَّه الأجلّ )
قال فضحك الأحنف ثم قال يأهل البصرة قد فخر عليكم الشعبي وصدق وانتصف فأحسنوا مجالسته
شعره في هزيمة الزبير الخثعمي
أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال حدثنا العنزي قال حدثنا الرياشي عن أبي محلم عن الخليل بن عبد الحميد عن أبيه قال

(6/64)


بعث بشر بن مروان الزبير بن خزيمة الخثعمي إلى الري فلقيه الخوارج بجلولاء فقتلوا جيشه وهزموه وأبادوا عسكره وكان معه أعشي همدان فقال في ذلك
( أُمِّرتْ خَثْعمٌ على غير خَيْرِ ... ثم أوصاهُم الأميرُ بسيرِ )
( أين ما كنتُم تَعيفون للناس ... وما تزجُرون من كل طير )
( ضلّت الطيرُ عنكُم بجُلُولاءَ ... وغَرّتكُم أماني الزُّبير )
( قدرٌ ما أتيح لي من فلسطينَ ... على فالج ثَقَال وعَيْر )
( خَثْعميّ مغصّص جرجمانيْ ... محلّ غزا مع ابن نمير )
أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدثنا أبو حاتم قال سألت الأصمعي عن أعشى همدان فقال هو من الفحول وهو إسلامي كثير الشعر ثم قال لي العجب من ابن دأب حين يزعم أن أعشى همدان قال
( من دعا لي غُزَيَّلي ... أربح اللَّه تجارتُه )
ثم قال سبحان الله أمثل هذا يجوز على الأعشى أن يجزم اسم الله عز و جل ويرفع تجارته وهو نصب
ثم قال لي خلف الأحمر والله لقد طمع ابن دأب في الخلافة حين ظن أن هذا يقبل منه وأن له من المحل مثل أن يجوز مثل هذا
قال ثم قال ومع ذلك أيضا إن قوله

(6/65)


( من دعا لي غزيِّلي ... )
لا يجوز إنما هو من دعا لغزيلي ومن دعا لبعير ضال
أخبرني عيسى بن الحسين الوراق ومحمد بن مزيد بن أبي الأزهر قالا حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن الهيثم بن عدي قال أملق أعشى همدان فأتى خالد بن عتاب بن ورقاء فأنشده
( رأيتُ ثناءَ الناس بالقول طيباً ... عليكَ وقالوا ماجدٌ وابن ماجِد )
( بَنِي الحارِث السامين للمجد إنكم ... بنيتم بناءً ذكرهُ غيرُ بائد )
( هَنيئاً لِما أعطاكُم اللَّه واعلموا ... بأني سأُطْرِي خالداً في القصائد )
( فإن يك عَتّابٌ مضى لسبيله ... فما مات من يبقى له مثلُ خالد )
فأمر له بخمسة آلاف درهم
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا أبو غسان قال قال عمر بن عبد العزيز يوما لسابق البربري ودخل عليه أنشدني يا سابق شيئا من شعرك تذكرني به فقال أو خيرا من شعري فقال هات قال قال أعشى همدان
( وبينما المرءُ ناعماً جذِلاً ... في أهله معجَباً بالعيش ذا أَنقَ )

(6/66)


( غِرّاً أتيح له من حَيْنه عرض ... فما تلبَّث حتى مات كالصَّعِق )
( ثُمَّتَ أضحى ضُحَّى من غبِّ ثالثة ... مقنَّعا غيرَ ذي رُوح ولا رَمَق )
( يُبكَى عليه وأَدْنَوْه لمُظْلِمة ... تُعْلَى جوانبُها بالتُّرب والفِلَقِ )
( فما تزوّد ممّا كان يَجْمعه ... إلاّ حَنُوطاً وما واراه من خِرَق )
( وغيرَ نفحةِ أعوادٍ تُشَبّ له ... وقَلّ ذلك من زادٍ لمُطلَّق )
قال فبكى عمر حتى أخضل لحيته
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الحسين بن محمد بن أبي طالب الديناري قال حدثني إسحاق بن إبراهيم الموصلي عن الهيثم بن عدي عن حماد الراوية قال سأل أعشى همدان شجرة بن سليمان العبسي حاجة فرده عنها فقال يهجوه
( لقد كنتَ خيّاطاً فأصبحتَ فارساً ... تُعَدّ إذا عُدّ الفوارس من مُضَرْ )
( فإن كنتَ قد أنكرتَ هذا فقُلْ كذا ... وبيِّن لي الجُرحَ الذي كان قد دَثَر )
( وإصبعُكَ الوسطَى عليه شَهيدةٌ ... وما ذاك إلا وَخزُها الثوبَ بالإِبر )
قال وكان يقال إن شجرة كان خياطا وقد كان ولى للحجاج بعض أعمال السواد
فلما قدم على الحجاج قال له يا شجرة أرني إصبعك أنظر إليها قال أصلح الله الأمير وما تصنع بها قال أنظر إلى صفة الأعشى فخجل شجرة
فقال الحجاج لحاجبه مر المعطي أن يعطي الأعشى من عطاء شجرة كذا

(6/67)


وكذا يا شجرة إذا أتاك امرؤ ذو حسب ولسان فاشتر عرضك منه
الحجاج يأسره ويقتله
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا محمد بن يزيد الأزدي قال حدثنا أحمد بن عمرو الحنفي عن جماعة قال المبرد أحسب أن أحدهم مؤرج بن عمرو السدوسي قالوا لما أتي الحجاج بن يوسف الثقفي بأعشى همدان أسيرا قال الحمد لله الذي أمكن منك ألست القائل
( لمّا سَفَوْنا للكَفُور الفَتّانْ ... بالسيّد الغِطْرِيف عبد الرحمنْ )
( سار يَجْمع كالقَطَا من قَحْطان ... ومن مَعَدّ قد أتى ابن عَدْنَان )
( أأمكن ربِّي من ثَقِيف هَمْدان ... يوماً إلى الليل يُسَلّي ما كان )
( إنَ ثقيفاً منهم الكَذّابان ... كَذّابُها الماضي وكذابٌ ثان )
أولست القائل
( يابنَ الأشجّ قَريعِ كِندَةَ ... لا أُبالي فيك عَتْبَا )
( أنت الرئيسُ ابنُ الرئيس ... وأنت أعلى الناس كعبا )

(6/68)


( نُبِّئتُ حَجّاجَ بن يوسف ... خَرّ مِن زَلَقٍ فَتَبّا )
( فانهضْ فُدِيتَ لعلّه ... يجلو بك الرحمنُ كَرْبا )
( وابعث عطيّةَ في الخيول ... يَكُبّهنّ عليه كَبّا )
كلا يا عدو الله بل عبد الرحمن بن الأشعث هو الذي خر من زلق فتب وحار وانكب وما لقي ما أحب ورفع بها صوته واربد وجهه واهتز منكباه فلم يبق أحد في المجلس إلا أهمته نفسه وارتعدت فرائصه
فقال له الأعشى بل أنا القائل أيها الأمير
( أبى اللَّهُ إلا أن يتم نورَه ... ويُطفىء نارَ الفاسقين فتخمُدَا )
( ويُنزل ذُلاًّ بالعراق وأهلِه ... كما نقضوا العهدَ الوَثيق المؤكّدا )
( وما لبث الحجاجُ أن سَلّ سيفَه ... علينا فولَّى جمعُنا وتبدّدا )
( وما زاحَف الحجاجُ إلا رأيتَه ... حُساماً مُلَقّىً للحروب مُعَوَّدا )
( فكيف رأيتَ اللَّه فرّق جمعَهم ... ومزَّقهم عُرْضَ البلاد وشَرّدا )
( بما نكَثوا من بَيْعة بعد بيعة ... إذا ضَمِنوها اليوم خَاسُوا بها غدا )
( وما أحدثوا من بِدعة وعَظيمة ... من القوم لم تصعَدْ إلى الله مَصْعَدا )
( ولمّا دَلَفْنَا لإبن يوسف ضِلّة ... وأبرق منا العارضان وأرعدا )
( قطعنا إليه الخندقين وإنما )
( قطعنا وأفضينا إلى الموت مُرْصِدا ) ... ( فصادَمَنا الحجاجُ دون صفوفنا ... كِفاحاً ولم يضرب لذلك موعدا )

(6/69)


( بجُند أمير المؤمنين وخيلِه ... وسلطانه أمسى مُعاناً مؤيَّدا )
( ليهنىءْ أميرَ المؤمنين ظهورُه ... على أمة كانوا بُغاةً وحُسّدا )
( وجدنا بني مروان خيرَ أئمة ... وأعظمَ هذا الخَلْق حلماً وسُؤدُدا )
( وخيرَ قريش في قريش أَرُومَةً ... وأكرمَهم إلاّ النبيَّ محمدا )
( إذا ما تدبَّرنا عواقبَ أمرنا ... وجدنا أمير المؤمنين المُسَدَّدا )
( سيغِلب قوما غالبوا اللهَ جَهْرةً ... وإن كايدوه كان أقوى وأكيدا )
( كذاك يُضِلّ الله من كان قلبُه ... ضعيفا ومن والى النفاقَ وأَلْحدا )
( فقد تركوا الأموال والأهل خلفَهم ... وبِيضاً عليهن الجلابين خُرّدا )
( ينادينهم مستعبراتٍ إليهم ُ ... ويُذْرين دمعًا في الخدود وإثمِدا )
( وإلا تناولهنّ منك برحمة ... يكنّ سَبَبا والبُعولُة أعُبدا )
( تَعّطفْ أميرَ المؤمنين عليهم ... فقد تركوا أمرَ السفاهة والرَّدى )
( لعلهمُ أن يُحدثوا العامَ توبةً ... وتعرفَ نُصحاً منهمُ وتودُّدا )
( لقد شَمْتَ يابن الأشعث العامَ مَصرنا ... فظلّوا وما لاقوا من الطير أَسْعُدا )
( كما شاءم اللَّه النُّجَيْر وأهلَه ... بجَدِّك مَنْ قد كان أشقى وأنكدا )
فقال من حضر من أهل الشام قد أحسن أيها الأمير فخل سبيله فقال أتظنون أنه أراد المدح لا والله لكنه قال هذا أسفا لغلبتكم إياه وأراد به أن يحرض أصحابه
ثم أقبل عليه فقال له أظننت يا عدو الله أنك تخدعني بهذا الشعر وتنفلت من يدي حتى تنجو ألست القائل ويحك

(6/70)


( وإذا سألتَ المجدُ أين محلُّه ... فالمجدُ بين محمد وسعيدِ )
( بين الأغرِّ وبين قيس باذخٌ ... بَخْ بَخْ لوالِده وللمولودِ )
والله لا تبخبخ بعدها أبدا أو لست القائل
( وأصابني قومٌ وكنتُ أصيبهم ... فاليوم أصبِر للزمان وأعرف )
كذبت والله ما كنت صبورا ولا عروفا ثم قلت بعده
( وإذا تُصبْك من الحوادث نكبةٌ ... فاصبرْ فكل غَيَابة ستكشَّف )
أما والله لتكونن نكبة لا تنكشف غيابتها عنك أبدا يا حرسي اضرب عنقه فضرب عنقه
وذكر مؤرج السدوسي أن الأعشى كان شديد التحريض على الحجاج في تلك الحروب فجال أهل العراق جولة ثم عادوا فنزل عن سرجه ونزعه عن فرسه ونزع درعه فوضعها فوق السرج ثم جلس عليها فأحدث والناس يرونه ثم أقبل عليهم فقال لهم لعلكم أنكرتم ما صنعت قالوا أو ليس هذا موضع نكير قال لا كلكم قد سلح في سرجه ودرعه خوفا وفرقا ولكنكم سترتموه وأظهرته فحمي القوم وقاتلوا أشد قتال يومهم إلى الليل وشاعت فيهم الجراح والقتلى وانهزم أهل الشأم يومئذ ثم عاودوهم من غد وقد نكأتهم الحرب وجاء مدد من أهل الشأم فباكروهم القتال وهم مستريحون فكانت الهزيمة وقتل ابن الأشعث
وقد حكيت هذه الحكاية عن أبي كلدة اليشكري أنه فعلها في هذه الوقعة وذكر ذلك أبو عمرو الشيباني في أخبار أبي كلدة وقد ذكر ما حكاه مع أخباره في موضعه من هذا الكتاب

(6/71)


أخبار أحمد النصبي ونسبه
النصبي هو صاحب الأنصاب
وأول من غنى بها وعنه أخذ النصب في الغناء هو أحمد بن أسامة الهمداني من رهط الأعشى الأدنين
ولم أجد نسبه متصلا فأذكره وكان يغني بالطنبور في الإسلام
وكان فيما يقال ينادم عبيد الله بن زياد سرا ويغينه وله صنعة كثيرة حسنة لم يلحقها أحد من الطنبوريين ولا كثير ممن يغني بالعود
وذكره جحظة في كتاب الطنبوريين فأتى من ذكره بشيء ليس من جنس أخباره ولا زمانه وثلبه فيما ذكره
وكان مذهبه عفا الله عنا وعنه في هذا الكتاب أن يثلب جميع من ذكره من أهل صناعته بأقبح ما قدر عليه وكان يجب عليه ضد هذا لأن من انتسب إلى صناعنه ثم ذكر متقدمي أهلها كان الأجمل به أن يذكر محاسن أخبارهم وظريف قصصهم ومليح ما عرفه منهم لا أن يثلبهم بما لا يعلم وما يعلم
فكان فيما قرأت عليه من هذا الكتاب أخبار أحمد النصبي وبه صدر كتابه فقال أحمد النصبي أول من غنى الأنصاب على الطنبور وأظهرها وسيرها ولم يخدم خليفة ولا كان له شعر ولا أدب
وحدثني جماعة من الكوفيين أنه لم يكن بالكوفة أبخل منه مع يساره وأنه كان يقرض الناس بالربا وأنه اغتص في دعوة دعي إليها بفالوذجة حارة فبلعها فجمعت أحشاءه فمات
وهذا كله باطل أما الغناء فله منه صنعة في الثقيل الأول

(6/72)


وخفيف الثقيل والثقيل الثاني ليس لكثير أحد مثلها
ومنها الصوت الذي تقدم ذكره وهو قوله
( حيِّيا خولةَ منِّي بالسلامِ ... )
ومنها
( سَلَبتَ الجواري حَلْيَهنّ فلم تدَعْ ... سِواراً ولا طَوْقا على النحر مُذْهَبَا )
وهو من الثقيل الثاني والشعر للعديل بن الفرخ وقد ذكرت ذلك في أخباره
ومنها
( يأيها القلبُ المطيعُ الهوى ... أنَّى اعتراك الطَربُ النازحُ )
وهو أيضا من الثقيل الثاني وأصوات كثيرة نادرة تدل على تقدمه
وأما ما وصفه من بخله وقرضه للناس بالربا وموته من فالوذجة حارة أكلها فلا أدري من من الكوفيين حدثه بهذا الحديث ليس يخلو من أن يكون كاذبا أو نحل هو هذه الحكاية ووضعها هنا لأن أحمد النصبي خرج مع أعشى همدان وكان قرابته وإلفه في عسكر ابن الأشعث فقتل فيمن قتل
روى ذلك الثقات من أهل الكوفة والعلم بأخبار الناس وذلك يذكر في جملة أخباره
أخبرنا محمد بن مزيد بن أبي الأزهر والحسين بن يحيى قالا حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه وذكره العنزي في أخبار أعشى همدان المذكورو عنه عن رجاله

(6/73)


المسمين قال كان أحمد النصبي مواخيا لأعشى همدان مواصلا له فأكثر غنائه في أشعاره مثل صنعته في شعره
( حيِّيا خولةَ منِّي بالسلامِ ... ) و
( لمن الظعَّائن سيرُهن ترجُّفُ ... ) و
( يأيها القلب المطيعُ الهوى ... )
وهذه الأصوات قلائد صنعته وغرر أغانيه
قال وكان سبب قوله الشعر في سليم ابن صالح بن سعد بن جابر العنبري وكان منزل سليم ساباط المدائن أن أعشى همدان وأحمد النصبي خرجا في بعض مغازيهما فنزلا على سليم فأحسن قراهما وأمر لدوابهما بعلوفة وقضيم وأقسم عليهما أن ينتقلا إلى منزله ففعلا فعرض عليهما الشراب فأنعما به وطلباه فوضعه بين أيديهما وجلسا يشربان فقال أحمد النصبي للأعشى قل في هذا الرجل الكريم شعرا تمدحه به حتى أغني فيه فقال الأعشى يمدحه
( يأيها القلبُ المطيع الهوى ... أنَّى اعتراك الطَّربُ النازِحُ )
( تذكُر جُمْلاً فإِذا ما نأتْ ... طار شعاعاً قلبُك الطامح )
( هَلاّ تناهيتَ وكنتَ امرأً ... يزجُرك المُرشِد والنَّاصح )

(6/74)


( ما لك لا تترُك جهلَ الصِّبا ... وقد علاك الشَّمِط الواضح )
( فصار من ينهاك عن حبّها ... لم تَرَ إلا أنه كاشح )
( يا جُمْل ما حُبّي لكم زائلٌ ... عنّي ولا عن كَبِدي نازح )
( حُمّلت وُدًّا لكُم خالصاً ... جِدًّا إذا ما هزَل المازح )
( ثم لقد طال طِلابِيكُم ... أسعى وخيرُ العمل النّاجح )
( إني توسّمت امرأً ماجداً ... يصدُق في مِدْحته المادح )
( ذؤابةَ العنبر فاخترتُه ... والمرء قد يُنْعِشُه الصالح )
( أَبْلَجَ بُهْلولا وظنّي به ... أنّ ثنائي عنده رابح )
( سَلِيمُ ما أنتَ بِنِكْسٍ ولا ... ذمَّك لي غادٍ ولا رائح )
( أُعطيتَ وُدّي وثنائي معا ... وخَلّةً ميزانُها راجح )
( أرعاك بالغيب وأهوى لك الرشد ... وجَيْبي فاعلمنْ ناصح ... )
( إني لِمَن سالمتَ سِلمٌ ومن ... عاديتَ أُمْسِي وله ناطح )
( في الرأس منه وعلى أنفه ... من نَقَمَاتي مِيسَمٌ لائح )
( نِعْم فتى الحيّ إذَا ليلةٌ ... لم يُورِ فيها زَندَهُ القادح )
( وراح بالشَّوْل إلى أهلها ... مغبّرةً أذقانُها كالح )
( وهَبّت الريحُ شآميةً ... فانجَحَر القابسُ والنابح )

(6/75)


( قد علم الحيّ إذا أمْحلوا ... أنك رفّادٌ لهم مانح )
( في الليلة القالِي قِراها التي ... لا عابِقٌ فيها ولا صابح )
( فالضيف معروفٌ له حقُّه ... له على أبوابكم فاتح )
( والخيلُ قد تعلم يومَ الوغى ... أنّك من جَمْرتها ناضح )
قال فغنى أحمد النصبي في بعض هذه الأبيات وجارية لسليم في السطح فسمعت الغناء فنزلت إلى مولاها وقالت إني سمعت من أضيافك شعرا ما سمعت أحسن منه فخرج معها مولاها فاستمع حتى فهم ثم نزل فدخل عليهما فقال لأحمد لمن هذا الشعر والغناء ومن أنتما فقال الشعر لهذا وهو أبو المصبح أعشى همدان والغناء لي وأنا أحمد النصبي الهمداني فانكب على رأس أعشى همدان فقبله وقال كتمتماني أنفسكما وكدتما أن تفارقاني ولم أعرفكما ولم أعلم خبركما واحتبسهما شهرا ثم حملهما على فرسين وقال خلفا عندي ما كان من دوابكما وارجعا من مغزاكما إلي
فمضيا إلى مغزاهما فأقاما حينا ثم انصرفا فلما شارفا منزله قال أحمد للأعشى إني أرى عجبا قال وما هو قال أرى فوق قصر سليم ثعلبا قال لئن كنت صادقا فما بقي في القرية أحد فدخلا القرية فوجدا سليما وجميع أهل القرية قد أصابهم الطاعون فمات أكثرهم وانتقل باقيهم
هكذا ذكر إسحاق وذكر غيره أن الحجاج طالب سليما بمال عظيم فلم يخرج منه حتى باع كل ما يملكه وخربت قريته وتفرق أهلها ثم باعه الحجاج عبدا فاشتراه بعض أشراف أهل الكوفة إما أسماء بن خارجة وإما بعض نظرائه فأعتقه

(6/76)


نسبة هذاالصوت الذي قال الأعشى شعره وصنع أحمد النصبي لحنه في سليم
صوت
( يأيها القلبُ المطيع الهوى ... أنَّى اعتراك الطربُ النازحُ )
( تذكُر جُمْلا فإذا ما نأَت ... طار شَعاعاً قلبُك الطامح )
( أُعْطِيت ودّي وثنائي معاً ... وخَلَّةً ميزانها راجح )
( إني تخيرت امرأ ماجدا ... يصدُق مِدْحته المادح )
( سلِيم ما أنت بِنِكْسٍ ولا ... ذَمَّك لي غادٍ ولا رائح )
( نِعْم فتى الحيّ إذا ليلةٌ ... لم يُورِ فيها زَنْدَه القادح )
( وراح بالشَّوْل إلى أهلها ... مُغْبَرَّةً أذقانُها كالِح )
( وهَبَّتِ الريحُ شآميةً ... فانجَحَر القابسُ والنابح )
الشعر لأعشى همدان والغناء لأحمد النصبي ولحنه ثاني ثقيل بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق وذكر يونس أن فيه لمالك لحنا ولسنان الكاتب لحنا آخر
صوت
من المائة المختارة
( تَنَكَّر من سُعْدَى وأقفر من هندٍ ... مُقامُهما بين الرَّغامين فالفردِ )
( محلٌّ لسُعْدى طالما سكنتْ به ... فأوحشَ ممن كان يسكنه بَعْدي )

(6/77)


الشعر لحماد الراوية والغناء لعبادل ولحنه المختار من الثقيل الأول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق وفيه خفيف ثقيل أول بالوسطى ذكر الهشامي أنه للهذلي وذكر عمرو بن بانة أنه لعبادل بن عطية

(6/78)


أخبار حماد الراوية ونسبه
هو حماد بن ميسرة فيما ذكره الهيثم بن عدي وكان صاحبه وراويته وأعلم الناس به وزعم أنه مولى بني شيبان
وذكر المدائني والقحذمي أنه حماد بن سابور وكان من أعلم الناس بأيام العرب وأخبارها وأشعارها وأنسابها ولغاتها
وكانت ملوك بني أمية تقدمه وتؤثره وتستزيره فيفد عليهم وينادمهم ويسألونه عن أيام العرب وعلومها ويجزلون صلته
حدثنا محمد بن العباس اليزيدي وعمي وإسماعيل العتكي قالوا حدثنا الرياشي قال قال الأصمعي كان حماد أعلم الناس إذا نصح قال وقلت لحماد ممن أنتم قال كان أبي من سبي سلمان بن ربيعة فطرحتنا سلمان لبني شيبان فولاؤنا لهم
قال وكان أبوه يسمى ميسرة ويكنى أبا ليلى قال العتكي في خبره قال الرياشي وكذلك ذكر الهيثم بن عدي في أمر حماد
أخبرني عمي قال حدثني الكراني قال حدثنا العمري عن العتبي والهيثم بن عدي ولقيط قالوا قال الوليد بن يزيد لحماد الراوية بم استحققت هذا اللقب فقيل لك

(6/79)


الراوية فقال بأني أروي لكل شاعر تعرفه يا أمير المؤمنين أو سمعت به ثم أروي لأكثر منهم ممن تعرف أنك لم تعرفه ولم تسمع به ثم لا أنشد شعرا قديما ولا محدثا إلا ميزت القديم منه من المحدث فقال إن هذا لعلم وأبيك كثير فكم مقدار ما تحفظ من الشعر قال كثيرا ولكني أنشدك على كل حرف من حروف المعجم مائة قصيدة كبيرة سوى المقطعات من شعر الجاهلية دون شعر الإسلام قال سأمتحنك في هذا وأمره بالإنشاد فأنشد الوليد حتى ضجر ثم وكل به من استحلفه أن يصدقه عنه ويستوفي عليه فأنشده ألفين وتسعمائة قصيدة للجاهليين وأخبر الوليد بذلك فأمر له بمائة ألف درهم
حماد ومروان بن أبي حفصة
أخبرني يحيى بن علي المنجم قال حدثني أبي قال حدثني إسحاق الموصلي عن مروان بن أبي حفصة وأخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني أبو بكر العامري عن الأثرم عن مروان بن أبي حفصة قال دخلت أنا وطريح بن إسماعيل الثقفي والحسين بن مطير الأسدي في

(6/80)


جماعة من الشعراء على الوليد بن يزيد وهو في فرش قد غاب فيها وإذا رجل عنده كلما أنشد شاعر شعرا وقف الوليد بن يزيد على بيت بيت من شعره وقال هذا أخذه من موضع كذا وكذا وهذا المعنى نقله من موضع كذا وكذا من شعر فلان حتى أتى على أكثر الشعر فقلت من هذا فقالوا حماد الراوية
فلما وقفت بين يدي الوليد أنشده قلت ما كلام هذا في مجلس أمير المؤمنين وهو لحنة لحانة فأقبل الشيخ علي وقال يابن أخي إني رجل أكلم العامة فأتكلم بكلامها فهل تروي من أشعار العرب شيئا فذهب عني الشعر كله إلا شعر ابن مقبل فقلت له نعم شعر ابن مقبل قال أنشد فأنشدته قوله
( سلِ الدارَ من جَنْبيْ حِبرٍّ فواهبٍ ... إذا ما رأى هَضْبَ القليب المُضَيَّحُ )
ثم جزت فقال لي قف فوقفت فقال لي ماذا يقول فلم أدر ما يقول فقال لي حماد يابن أخي أنا أعلم الناس بكلام العرب
يقال تراءى الموضعان إذا تقابلا
حدثني عمي قال حدثني الكراني عن العمري عن الهيثم بن عدي قال قلت لحماد الراوية يوما ألق علي ما شئت من الشعر أفسره لك فضحك

(6/81)


وقال لي ما معنى قول ابن مزاحم الثمالي
( تَخَوَّف السيرُ منها تامكاً قَرِداً ... كما تَخوّف عُودَ النَّبْعةِ السَّفَنُ )
فلم أدر ما أقول فقال تخوف تنقص قال الله عز و جل ( أو يأخذهم على تخوف ) أي على تنقص
قال الهيثم ما رأيت رجلا أعلم بكلام العرب من حماد
حدثني محمد بن خلف وكيع قال حدثني الكراني محمد بن سعد عن النضر بن عمرو عن الوليد بن هشام عن أبيه قال أنشدني الفرزدق وحماد الراوية حاضر
( وكنتَ كذئب السَّوْء لمّا رأى دماً ... بصاحبه يوماً أحال على الدمِ )
فقال له حماد أنت تقوله قال نعم قال ليس الأمر كذلك هذا لرجل من أهل اليمن قال ومن يعلم هذا غيرك أفأردت أن أتركه وقد نحلنيه الناس ورووه لي لأنك تعلمه وحدك ويجهله الناس جميعا غيرك
حدثني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثني الفضل قال حدثني ابن النطاح قال حدثني أبو عمرو الشيباني قال ما سألت أبا عمرو بن العلاء قط عن حماد الراوية إلا قدمه على نفسه ولا سألت حمادا عن أبي عمرو إلا قدمه على نفسه

(6/82)


حدثنا إبراهيم بن أيوب عن عبد الله بن مسلم وذكر عبد الله بن مسلم عن الثقفي عن إبراهيم بن عمر والعامري قالا كان بالكوفة ثلاثة نفر يقال لهم الحمادون حماد عجرد وجماد بن الزبرقان وحماد الراوية يتنادمون على الشراب ويتناشدون الأشعار ويتعاشرون معاشرة جميلة وكانوا كأنهم نفس واحدة وكانوا يرمون بالزندقة جميعا
حماد البخيل
أخبري الحسن بن يحيى المرداسي قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال دخل مطيع بن إياس ويحيى بن زياد على حماد الراوية فإذا سراجه على ثلاث قصبات قد جمع أعلاهن وأسفلهن بطين فقال له يحيى بن زياد يا حماد إنك لمسرف مبتذل لحر المتاع فقال له مطيع ألا تبيع هذه المنارة وتشتري أقل ثمنا منها وتنفق علينا وعلى نفسك الباقي وتتسع به فقال له يحيى ما أحسن ظنك به ومن أين له مثل هذه إنما هي وديعة أو عارية فقال له مطيع أما إنه لعظيم الأمانة عند الناس قال له يحيى وعلى عظيم أمانته فما أجهل من يخرج مثل هذه من داره ويأمن عليها غيره قال مطيع ما أظنها عارية ولا وديعة ولكني أظنها مرهونة عنده على مال وإلا فمن يخرج هذه من بيته فقال لهما حماد قوما عني يا بني الزانيتين واخرجا من منزلي فشر منكما من يدخلكما بيته

(6/83)


انقطع ليزيد فجفاه هشام
حدثني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن عبيد أبو عصيدة قال حدثني محمد بن عبد الرحمن العبدي عن حميد بن محمد الكوفي عن إبراهيم بن عبد الرحمن القرشي عن محمد بن أنس وأخبرني الحسن بن يحيى عن حماد عن أبيه عن الهيثم بن عدي عن حماد الراوية وخبر حماد بن إسحاق أتم واللفظ له
قال حماد الراوية كان انقطاعي إلى يزيد بن عبد الملك فكان هشام يجفوني لذلك دون سائر أهله من بني أمية في أيام يزيد فلما مات يزيد وأفضت الخلافة إلى هشام خفته فمكثت في بيتي سنة لا أخرج إلا لمن أثق به من إخواني سرا فلما لم أسمع أحد يذكرني سنة أمنت فخرجت فصليت الجمعة ثم جلست عند باب الفيل فإذا للشرطين قد وقفا علي فقالا لي يا حماد أجب الأمير يوسف بن عمر فقلت في نفسي من هذا كنت أحذر ثم قلت للشريطيين هل لكما أن تدعاني آتي أهلي فأودعهم وداع من لا ينصرف إليهم أبدا ثم أصير معكما إليه فقالا ما إلى ذلك من سبيل فاستسلمت في أيديهما وصرت إلى يوسف بن عمر وهو في الإيوان الأحمر فسلمت عليه فرد علي السلام ورمى إلي كتابا فيه بسم الله الرحمن الرحمن الرحيم من عبد الله هشام أمير المؤمنين إلى يوسف بن عمر أما بعد فإذا قرأت كتابي هذا فابعث إلى حماد الراوية من يأتيك به غير مروع ولا متعتع وادفع إليه خمسمائة دينار وجملا مهريا يسير عليه اثنتي عشرة ليلة إلى دمشق

(6/84)


دمشق
فأخذت الخمسمائة الدينار ونظرت فإذا جمل مرحول فوضعت رجلي في الغرز وسرت اثنتي عشرة ليلة حتى وافيت باب هشام فاستأذنت فأذن لي فدخلت عليه في دار قوراء مفروشة بالزحام وهو في مجلس مفروش بالرخام وبين كل رخامتين قضيب ذهب وحيطانه كذلك وهشام جالس على طنفسة حمراء وعليه ثياب خز حمر وقد تضمخ بالمسك والعنبر وبين يديه مسك مفتوت في أواني ذهب يقلبه بيده فتفوح روائحه فسلمت فرد علي واستدناني فدنوت حتى قبلت رجله وإذا جاريتان لم أر قبلهما مثلهما في أذني كل واحدة منهما حلقتان من ذهب فيهما لؤلؤلتان تتوقدان فقال لي كيف أنت يا حماد وكيف حالك فقلت بخير يا أمير المؤمنين قال أتدري فيم بعث إليك قلت لا قا لبعثت إليك لبيت خطر ببالي لم أدر من قاله فقلت وما هو فقال
( فدعَوْا بالصَّبُوح يوماً فجاءت ... قَيْنةٌ في يمينها إبريقُ )
قلت هذا يقوله عدي بن زيد في قصيدة له قال فأنشدنيها فأنشدته
( بكَر العاذلون في وَضَح الصبح ... يقولون لي ألاَ تستفيق )

(6/85)


( ويلومون فيك يابنةَ عبد الله ... والقلب عندكم مَوْهوق )
( لست أدري إذ أكثروا العذلَ عندي ... أعدوُّ يلومني أو صديق )
( زانها حسنُها وفَرْع عَمِيم ... وأثيثٌ صَلْتُ الجبين أنيق )
( وثنايا مُفلّجات عذاب ... لا قَصارٌ تُرى ولا هُنّ رُوق )
( فدعَوْا بالصَّبُوح يوماً فجاءت ... قيْنةٌ في يمينها إبريق )
( قدّمْته على عُقار كعين الديك ... صفَّى سُلافَها الرَّاووق )
( مُرّة قبل مزجها فإذا ما ... مُزجت لذّ طعمها من يذوق )
( وطفَت فوقها فقاقيعُ كالدرّ ... صِغار يُثيرها التَّصْفيق )
( ثم كان المِزاج ماء سماء ... غير ما آجنٍ ولا مَطْروق )
قال فطرب ثم قال أحسنت والله يا حماد يا جارية أسقيه فسقتني شربة ذهبت بثلث عقلي
وقال أعد فأعدت فاستخفه الطرب حتى نزل عن فرشه ثم قال للجارية الأخرى اسقيه فسقتني شربة ذهبت بثلث عقلي
فقلت إن سقتني الثالثة افتضحت فقال سل حوائجك فقلت كائنة ما كانت قال نعم قلت إحدى الجاريتين فقال لي هما جميعا لك بما عليهما وما لهما ثم قال للأولى اسقيه فسقتني شربة سقطت معها فلم اعقل حتى أصحبت فإذا بالجاريتين عند رأسي وإذا عدة من الخدم مع كل واحد منهم بدرة فقال لي أحدهم أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام ويقول لك خذ هذه فانتفع بها فأخذتها

(6/86)


والجاريتين وانصرفت
هذا لفظ حماد عن أبيه ولم يقل أحمد بن عبيد في خبره أنه سقاه شيئا ولكنه ذكر أنه طرب لإنشاده ووهب له الجاريتين لما طلب إحداهما وأنزله في دار ثم نقله من غد إلى منزل أعده له فانتقل إليه فوجد فيه الجاريتين وما لهما وكل ما يحتاج إليه وأنه أقام عنده مدة فوصل إليه مائة ألف درهم وهذا هو الصحيح لأن هشاما لم يكن يشرب ولا يسقى أحد بحضرته مسكرا وكان ينكر ذلك ويعيبه ويعاقب عليه
في أبيات عدي المذكورة في هذا الخبر غناء نسبته
صوت
( بكَر العاذلون في وَضَح الصبح ... يقولون ما له لا يُفيقُ )
( ويلومون فيكِ يابنةَ عبد اللَّه ... والقلبُ عندكم مَوْهوق )
( ثم نادوْا إلى الصَّبُوح فقامت ... قَيْنة في يمينها إبريق )
( قدّمْته على عُقار كعين الديك ... صفّى سُلاَفها الراووق )
في البيتين الأولين لحن من الثقيل الأول مختلف في صانعه نسبه يحيى بن المكي إلى معبد ونسبه الهشامي إلى حنين
وفي الثالث وهو ثم نادوا والرابع لعبد الله بن العباس الربيعي رمل وفيهما خفيف رمل ينسب إلى مالك وخفيف ثقيل ذكر حبش أنه لحنين

(6/87)


أجازه يوسف بن عمر بأمر الوليد
أخبرني محمد بن مزيد والحسين بن يحيى قالا حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن الأصمعي قال قال حماد الراوية كتب الوليد بن يزيد وهو خليفة إلى يوسف بن عمر أحمل إلي حمادا الراوية على ما أحب من دواب البريد وأعطه عشرة آلاف درهم معونة له فلما أتاه الكتاب وأنا عنده نبذه إلي فقلت السمع والطاعة فقال يا دكين بن شجرة أعطه عشرة آلاف درهم فأخذتها
فلما كان اليوم الذي اردت الخروج فيه أتيت يوسف مودعا فقال يا حماد أنا بالموضع الذي قد عرفت من أمير المؤمنين ولست مستغنيا عن ثنائك فقلت أصلح الله الأمير إن العوان لا تعلم الخمرة
خرجت حتى أتيت الوليد بن يزيد وهو بالبخراء فاستأذنت فأذن لي فإذا هو على سرير ممهد وعليه ثوبان إزار ورداء يقيئان الزعفران قيئا وإذا عنده معبد ومالك وأبو كامل مولاه فتركني حتى سكن جأشي ثم قال أنشدني
( أمِن المنونِ وريْبِها تتوجّع ... ُ )
فأنشدته إياها حتى أتيت على آخرها فقال لساقيه اسقه يا سبرة أكؤسا فسقاني

(6/88)


ثلاث كؤس خدرت ما بين الذؤابة والنعل
ثم قال يا معبد غنني
( ألا هل جاءك الأظعانُ ... إذ جاوزن مُطَّلَحا )
فغناه ثم قال غنني
( أتنسى إذ تودّعنا سُلَيمى ... بفرع بَشَامةٍ سُقِيَ البَشام )
فغنى ثم قال غنني
( جَلا أُميّة عنّا كلَّ مَظْلِمة ... سهلُ الحجابِ وأوْفَى بالذي وَعَدا )
فغناه ثم قال اسقني يا غلام شاب بزب فرعون فأتاه بقدح معوج فيه طول فسقاه به عشرين قدحا
ثم أتاه الحاجب فقال أصلح الله أمير المؤمنين الرجل الذي طلبت بالباب فقال أدخله فدخل غلام شاب لم أر أحسن منه وجها في رجله فدع فقال يا سبرة اسقه كأسا فسقاه ثم قال له غنني
( وهْي إذ ذاك عليها مئزر ... ولها بيتُ جَوَار من لُعَبْ )
فغناه فنبذ إليه أحد ثوبيه ثم قال غنني
( طَرَق الخيالُ فمرحَبَا ... الفاً برؤية زينَبا )
فغضب معبد وقال يا أمير المؤمنين إنا مقبلون إليك بأقدارنا وأسناننا وإنك تتركنا بمزجر الكلب وأقبلت على هذا الصبي فقال والله يا أبا عباد ما جهلت

(6/89)


قدرك ولا سنك ولكن هذا الغلام طرحني على مثل الطياجن من حرارة غنائه فسألت عن الغلام فإذا هو ابن عائشة
طلبه المنصور فجاءه وأنشده شعرا
حدثني الحسن بن محمد المادراني الكاتب قال حدثني الرياشي عن العتبي وأخبرني به هاشم بن محمد عن الرياشي وليس خبره بتمام هذا قال طلب المنصور حمادا الراوية فطلب ببغداد فلم يوجد وسئل عنه إخوانه فعرفوا من سألهم عنه أنه بالبصرة فوجهوا إليه برسول يشخصه
قال الرسول فوجدته في حانة وهو عريان يشرب نبيذا من إجانة وعلى سوأته رأس دستجة فقلت أجب أمير المؤمنين
فما رأيت رسالة أرفع ولا حالة أوضع من تلك فأجاب فأشخصته إليه فلما مثل بين يديه قال له أنشدني شعر هفان بن همام بن نضلة يرثي أباه فأنشده
( خليليّ عُوجا إنها حاجةٌ لنا ... على قبر همّامٍ سقتْه الرواعدُ )
( على قبر منْ يُرجى نداه ويُبتغى ... جداه إذا لم يحمد الأرض رائد )
( كريم الثَّنا حلو الشمائل بينه ... وبين المزجَّى نفْنفٌ متباعد )

(6/90)


( إذا نازع القومَ الأحاديث لم يكن ... عيِيَّا ولا ثِقْلا على من يقاعد )
( صبورٌ على العِلاّت يُصبح بطنُه ... خَميصاً وآتِيه على الزاد حامد )
( وضعنا الفتى كلّ الفتى في حَفِيرة ... بحُرِّين قد راحتْ عليه العوائد )
( صريعاً كنصل السيف تضرِبُ جلوه ... ترائبَهنّ المُعْوِلاتُ الفواقد )
قال فبكى أبو جعفر حتى أخضل لحيته ثم قال هكذا كان أخي أبو العباس رضي الله عنه
أخبرني الحسين بن يحيى المرداسي قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال كان جعفر بن أبي جعفر المنصور المعروف بابن الكردية يستخف مطيع بن إياس ويحبه وكان منقطعا إليه وله معه منزلة حسنة فذكر له حمادا الراوية وكان صديقه وكان مطرحا مجفوا في أيامهم فقال ائتنا به لنراه
فأتى مطيع حمادا فأخبره بذلك وأمره بالمسير معه إليه فقال له حماد دعني فإن دولتي كانت مع بني أمية ومالي عند هؤلاء خير فأبى مطيع إلا الذهاب إليه فاستعار حماد سوادا وسيفا ثم أتاه ثم مضى به مطيع إلى جعفر
فلما دخل عليه سلم عليه سلاما حسنا وأثنى عليه وذكر فضله فرد عليه وأمره بالجلوس فجلس فقال جعفر انشدني فقال لمن أيها الأمير ألشاعر بعينه أم لمن حضر قال بل أنشدني لجرير قال حماد فسلخ والله شعر جرير كله من قلبي إلا قوله
( بان الخليطُ برامتيْن فودَّعوا ... أو كلَّما اعتزموا لبَيْن تجزَعُ )

(6/91)