صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : الأغاني
المؤلف : أبو الفرج الأصبهاني
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

يجرد فينا السيف من بين مارقٍ ... وعانٍ بجودٌ كلهم متحامل
قالوا: فلما سمع الجلساء هذا البيت، قالوا: ذهب الأعرابي وافتضح، فلما قلت:
وقد علم العدوان والجور والخنا ... بأنك عيافٌ لهن مزايل
ولو علموا فينا بأمرك لم يكن ... ينال برياً بالأذى متناول
لنا منك أرحام ونعتد طاعةً ... وبأساً إذا اصطك القنا والقنابل
وما يحفظ الأنساب مثلك حافظٌ ... ولا يصل الأرحام مثلك واصل
جعلناك فامنعنا معاذاً ومفزعا ... لنا حين عضتنا الخطوب الجلائل
وأنت إذا عاذت بوجهك عوذ ... تطامن خوفٌ واستقرت بلابل
فقال الجلساء: أحسن والله الأعرابي يا أمير المؤمنين! فقال الرشيد: يرفع السيف عن ربيعة ويحسن إليهم.
أخبرني عمي، قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعدٍ، قال: حدثني علي بن الحسين بن عبيدٍ البكري قال: أخبرني أبو خالد الطائي عن الفضل، قال: كنا عند الرشيد وعنده الكسائي، فدخل إليه منصورٌ النمري، فقال له الرشيد: أنشدني. فأنشده قوله:
ما تنقضي حسرة مني ولا جزع ... إذا ذكرت شباباً ليس يرتجع
فتحرك الرشيد، ثم أنشده حتى انتهى إلى قوله:
ما كنت أوفي شبابي كنه عزته ... حتى انقضى فإذا الدنيا له تبع
فطرب الرشيد، وقال: أحسنت والله، وصدقت، لا والله لا يتهنا أحد يعيش حتى يخطر في رداء الشباب! وأمر به بجائزة سنية.
أخبرني عمي، قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعدٍ، قال: حدثني محمد بن عبد الله بن طهمان السلمي، قال: حدثني أحمد بن سنانٍ البيساني، وأخبرني عمي قال: أخبرنا ابن أبي سعدٍ، قال: حدثنا مسعود بن عيسى، عن موسى بن عبد الله التميمي: أن جماعة من الشعراء اجتمعوا ببغداد وفيهم منصور النمري، وكانوا على نبيذٍ، فأبى منصور أن يشرب معهم، فقالوا له: إنما تعاف الشرب لأنك رافضي، وتسمع وتصغي إلى الغناء، وليس تركك النبيذ من ورعٍ، فقال منصور:
خلا بين ندماني موضع مجلسي ... ولم يبق عندي للوصال نصيب
وردت على الساقي تفيض وربما ... رددت عليه الكأس وهي سليب
وأي امرىء لا يستهش إذا جرت ... عليه بنانٌ كفهن خضيب
الغناء لإبراهيم، خفيف ثقيل، مطلق في مجرى البنصر. ومن الناس من ينسبه إلى مخارق، هكذا في الخبر.
وقد حدثني علي بن سليمان الأخفض، قال: حدثنا محمد بن يزيد المبرد، قال: كتب كلثوم بن عمرو العتابي إلى منصور النمري قوله:
تقضت لباناتٌ ولاح مشيب ... وأشفى على شمس النهار غروب
وودعت إخوان الصبا وتصرمت ... غواية قلبٍ كان وهو طروب
وردت على الساقي تفيض وربما ... رددت عليه الكأس وهي سليب
ومما يهيج الشوق لي فيرده ... خفيفٌ على أيدي القيان صخوب
عطون به حتى جرى في أديمه ... أصابيغ في لباتهن وطيب
فأجابه النمري وقال:
أوحشة ندمانيك تبكي فربما ... تلاقيهما والحلم عنك عزوب
ترى خلفا من كل نيلٍ وثروةٍ ... سماع قيان عودهن قريب
يغنيك يا بنتي فتستصحب النهى ... وتحتازك الآفات حين أغيب
وإن امرأً أودى السماع بلبه ... لعريان من ثوب الفلاح سليب
أخبرني عمي، قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعد، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن آدم بن جشم العبدي أبو مسعر، قال: أتى النمري يزيد بن مزيد ويزيد يومئذٍ في إضاقة وعسرة، فقال: اسمع مني جعلت فداك. فأنشده قصيدةً له. يقول فيها:
لو لم يكن لبني شيبان من حسب ... سوى يزيد لفاتوا الناس في الحسب
تأوي المكارم من بكر إلى ملكٍ ... من آل شيبان يحويهن من كثب
أبٌ وعمٌ وأخوالٌ مناصبهم ... في منبت النبع لا في منبت الغرب
إن أبا خالد لما جرى وجرت ... خيل الندى أحرز الأولى من القصب
لما تلغبهن الجري قدمه ... عتقٌ مبينٌ ومحضٌ غير مؤتشب

(3/460)


إن الذين اغتزوا بالحر غرته ... كمغتزي الليث في عريسه الأشب
ضرباً دراكاً وشداتٍ على عنقٍ ... كان إيقاعها النيران في الحطب
لا تقربن يزيداً عند صولته ... لكن إذا ما احتبى للجود فاقترب
فقال يزيد: والله ما أصبح في بيت مالي شيء، ولكن انظر يا غلام كم عندك فهاته. فجاءه بمائة دينارٍ وحلف أنه لا يملك يومئذ غيرها.
وقد أخبرني عمي بهذا الخبر، قال: حدثني محمد بن علي بن حمزة العلوي، قال: حدثني عمي عن جدي، قال: قال لي منصور النمري، كنت واقفاً على جسر بغداد أنا وعبيد الله بن هشام بن عمرو التغلبي، وقد وخطني الشيب يومئذٍ، وعبيد الله شابٌ حديث السن، فإذا أنا بقصرية ظريفة قد وقفت، فجعلت أنظر إليهما وهي تنظر إلى عبيد الله بن هشام ثم انصرفت، وقلت فيها:
لما رأيت سوام الشيب منتشراً ... في لمتي وعبيد الله لم يشب
سللت سهمين من عينيك فانتضلا ... على سبيبة ذي الأذيال والطرب
كذا الغواني نرى منهن قاصدة ... إلى الفروع معراة عن الخشب
لا أنت أصبحت تعتديننا أرباً ... ولا وعيشك ما أصبحت من أربي
إحدى وخمسين قد أنضبت جدتها ... تحول بيني وبين اللهو واللعب
لا تحسبني وإن أغضيت عن بصري ... غفلت عنك ولا عن شأنك العجب
ثم عدلت عن ذلك فمدحت فيها يزيد بن مزيد فقلت:
لو لم يكن لبني شيبان من حسب ... سوى يزيد لفاقوا الناس بالحسب
لا تحسب الناس قد حابوا بني مطرٍ ... إذا أسلم الجود فيهم عاقد الطنب
الجود أخشن لمساً يا بني مطر ... من أن تبزكموه كف مستلب
ما أعرف الناس أن الجود مدفعةٌ ... للذم لكنه يأتي على النشب
قال: فأعطاني يزيد عشرة آلاف درهم.
حدثني عمي، قال: حدثني محمد بن عبد الله التميمي الحزنبل، قال: حدثني عمرو بن عثمان الموصلي، قال حدثني ابن أبي روق الهمداني، قال: قال لي منصور النمري: دخلت على الرشيد يوماً ولم أكن أعددت له مدحاً، فوجدته نشيطاً طيب النفس، فرمت شيئاً فما جاءني، ونظر إلي مستنطقاً، فقلت:
إذا اعتاص المديح عليك فامدح ... أمير المؤمنين تجد مقالا
وعذ بفنائه واجنح إليه ... تنل عرفاً ولم تذلل سؤالا
فناءٌ لا تزال به ركابٌ ... وضعن مدائحاص وحملن مالا
فقال: والله لئن قصرت القول لقد أطلت المعنى، وأمر لي بصلةٍ سنية.
طربت إلى الحي الذين تحملوا ... ببرقة أحواذ وأنت طروب
فبت أسقاها سلافاً مدامةً ... لها في عظام الشاربين دبيب
الشعر لعبد الله بن الحجاج الثعلبي، والغناء لعلويه، رمل بالوسطى، عن الهشامي، وفيه لسليم خفيف رملٍ، مطلقٌ في مجرى الوسطى.
نسب عبد الله بن الحجاج وأخباره
هو عبد الله بن الحجاج بن محصن بن جندب بن نصر بن عمرو بن عبد غنم بن جحاش بن بجالة بن مازن بن ثعلبة بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن الريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر. ويكنى أبا الأقرع. شاعرٌ فاتكٌ شجاعٌ من معدودي فرسان مضر ذوي البأس والنجدة فيهم، وكان ممن خرج مع عمرو بن سعيدٍ على عبد الملك بن مروان، فلما قتل عبد الملك بن مروان عمراً خرج مع نجدة بن عامرٍ الحنفي ثم هرب، فلحق بعبد الله بن الزبير، فكان معه إلى أن قتل، ثم جاء إلى عبد الملك متنكراً، واحتال عليه حتى أمنه.
وأخباره تذكر في ذلك وغيره ها هنا أخبرني بخبره في تنقله من عسكرٍ إلى عسكر، ثم استئمانه، جماعةٌ من شيوخنا، فذكروه متفرقاً فابتدأت بأسانيدهم، وجمعت خبره من روايتهم.

(3/461)


فأخبرنا الحرمي بن أبي العلاء، قال: حدثنا الزبير بن بكارٍ، قال: حدثني اليزيدي أبو عبد الله محمد بن العباس، ببعضه، قال: حدثني سليمان بن أبي شيخ، قال: حدثنا يحيى بن سعيدٍ الأموي، وأخبرنا محمد بن عمران الصيرفي قال: حدثنا الحسن بن عليلٍ العنزي، قال: حدثنا محمد بن معاوية الأسدي، قال: حدثنا محمد بن كناسة، وأخبرني عمي قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعد، قال: حدثني علي بن مسلم بن الهيثم الكوفي عن محمد بن أرتبيل، ونسخت بعض هذه الأخبار من نسخة أبي العباس ثعلبٍ، والألفاظ تختلف في بعضها والمعاني قريبةٌ، قالوا: كان عبد الله بن الحجاج الثعلبي شجاعاً فاتكاً صعلوكاً من صعاليك العرب، وكان متسرعاً إلى الفتن، فكان ممن خرج مع عمرو بن سعيد بن العاص، فلما ظفر به عبد الملك هرب إلى ابن الزبير، فكان معه حتى قتل، ثم اندس إلى عبد الملك فكلم فيه فأمنه.
هذه رواية ثعلب، وقال العنزي وابن سعد في روايتهما: لما قتل عبد الله بن الزبير، وكان عبد الله بن الحجاج من أصحابه وشيعته احتال حتى دخل على عبد الملك بن مروان وهو يطعم الناس، فدخل حجرةً، فقال له: مالك يا هذا لا تأكل؟ قال: لا أستحل أن آكل حتى تأذن لي. قال: إني قد أذنت للناس جميعاً. قال: لم أعلم فآكل بأمرك. قال: كل. فأكل، وعبد الملك ينظر إليه ويعجب من فعاله، فلما أكل الناس وجلس عبد الملك في مجلسه، وجلس خواصه بين يديه، وتفرق الناس، جاء عبد الله بن الحجاج فوقف بين يديه، ثم استأذنه في الإنشاد فأذن له، فأنشده:
أبلغ أمير المؤمنين فإنني ... مما لقيت من الحوادث موجع
منع القرار فجئت نحوك هاربا ... جيش يجر ومقنبٌ يتلمع
فقال عبد الملك: وما خوفك لا أم لك، لولا أنك مريبٌ! فقال عبد الله:
إن البلاد علي وهي عريضةٌ ... وعرت مذاهبها وسد المطلع
فقال له عبد الملك: ذلك بما كسبت يداك، وما الله بظلامٍ للعبيد، فقال عبد الله:
كنا تنحلنا البصائر مرةً ... وإليك إذ عمي البصائر نرجع
إن الذي يعصيك منا بعدها ... من دينه وحياته متودع
آتي رضاك ولا أعود لمثلها ... وأطيع أمرك ما أمرت وأسمع
أعطي نصيحتي الخليفة ناخعا ... وخزامة الأنف المقود فأتبع
فقال له عبد الملك: هذا لا نقبله منك إلا بعد المعرفة بك وبذنبك؟ فإذا عرفت الحوبة قبلنا التوبة. فقال عبد الله:
ولقد وطئت بني سعيد وطأةً ... وابن الزبير فعرشه متضعضع
فقال عبد الملك: لله الحمد والمنة على ذلك. فقال عبد الله:
ما زلت تضرب منكباً عن منكبٍ ... تعلو ويسفل غيركم ما يرفع
ووطئتم في الحرب حتى أصبحوا ... حدثاً يكوس وغابراً يتجعجع
فحوى خلافتهم ولم يظلم بها ... القرم قرم بني قصي الأنزع
لا يستوي خاوي نجوم أفلٍ ... والبدر منبلجاً إذا ما يطلع
وضعت أمية واسطين لقومهم ... ووضعت وسطهم فنعم الموضع
بيتٌ أبو العاصي بناه بربوةٍ ... عالي المشارف عزه ما يدفع
فقال له عبد الملك: إن توريتك عن نفسك لتريبني، فأي الفسقة أنت؟ وماذا تريد؟ فقال:
حربت أصيبيتى يدٌ أرسلتها ... وإليك بعد معادها ما ترجع
وأرى الذي يرجو تراث محمدٍ ... أفلت نجومهم ونجمك يسطع
فقال عبد الملك: ذلك جزاء أعداء الله. فقال عبد الله بن الحجاج:
فانعش أصيبيتى الألاء كأنهم ... جحلٌ تدرج بالشربة جوع
فقال عبد الملك: لا أنعشهم الله، وأجاع أكبادهم، ولا أبقى وليداً من نسلهم، فإنهم نسل كافرٍ فاجرٍ لا يبالي ما صنع. فقال عبد الله:
مالٌ لهم مما يضن جمعته ... يوم القليب فحيز عنهم أجمع
فقال له عبد الملك: لعلك أخذته من غير حله، وأنفقته في غير حقه، وأرصدت به لمشاقة أولياء الله، وأعددته لمعاونة أعدائه، فنزعه منك إذ استظهرت به على معصية الله. فقال عبد الله:
أدنو لترحمني وتجبر فاقتي ... فأراك تدفعني فأين المدفع

(3/462)


فتبسم عبد الملك، وقال له: إلى النار، فمن أنت الآن؟ قال: أنا عبد الله بن الحجاج الثعلبي، وقد وطئت دارك وأكلت طعامك، وأنشدتك، فإن قتلتني بعد ذلك فأنت وما تراه، وأنت بما عليك في هذا عارف. ثم عاد إلى إنشاده فقال:
ضاقت ثياب الملبسين وفضلهم ... عني فألبسني فثوبك أوسع
فنبذ عبد الملك إليه رداءً كان على كتفه، وقال: البسه، لا لبست! فالتحف به، ثم قال له عبد الملك: أولى لك والله، لقد طاولتك طمعاً في أن يقوم بعض هؤلاء فيقتلك، فأبى الله ذلك، فلا تجاورني في بلدٍ، وانصرف آمناً، قم حيث شئت.
قال اليزيدي في خبره: قال عبد الله بن الحجاج: ما زلت أتعرف منه كل ما أكره حتى أنشدته قولي:
ضاقت ثياب الملبسين وفضلهم ... عني فألبسني فثوبك أوسع
فرمى عبد الملك مطرفه، وقال: البسه. فلبسته.
ثم قال: آكل يا أمير المؤمنين؟ قال: كل. فأكل حتى شبع، ثم قال: أمنت ورب الكعبة؟ فقال: كن من شئت إلا عبد الله بن الحجاج. قال: فأنا والله هو، وقد أكلت طعامك، ولبست ثيابك، فأي خوفٍ علي بعد ذلك؟ فأمضى له الأمان.
ونسخت عن كتاب أحمد بن يحيى ثعلب بن ابن الأعرابي، قال: كان عبد الله بن الحجاج قد خرج مع نجدة بن عامرٍ الحنفي الشاري، فلما انقضى أمره هرب، وضاقت عليه الأرض من شدة الطلب، فقال في ذلك:
رأيت بلاد الله وهي عريضةٌ ... على الخائف المطرود كفة حابل
تؤدي إليه أن كل ثنية ... تيممها ترمي إليه بقاتل
قال: ثم لجأ إلى أحيح بن خالد بن عقبة بن أبي معيطٍ، فسعى به إلى الوليد بن عبد الملك، فبعث إليه بالشرط، فأخذ من دار أحيح، فأتي به الوليد فحبسه، فقال وهو في الحبس:
أقول وذاك فرط الشوق مني ... لعيني إذ نأت ظمياء فيضي
فما للقلب صبرٌ يوم بانت ... وما للدمع يسفح من مغيض
كأن معتقاً من أذرعات ... بماء سحابة خصرٍ فضيض
بفيها إذ تخافتني حياءً ... بسرٍ لا تبوح به خفيض
يقول فيها:
فإن يعرض أبو العباس عني ... ويركب بي عروضاً عن عروض
ويجعل عرفه يوماً لغيري ... وبيغضني فإني من بغيض
فإني ذو غنًى وكريم قومٍ ... وفي الأكفاء ذو وجهٍ عريض
غلبت بني أبي العاصي سماحاً ... وفي الحرب المذكرة العضوض
خرجت عليهم في كل يومٍ ... خروج القدح من كف المفيض
فدًى لك من إذا ما جئت يوماً ... تلقاني بجامعة ربوض
على جنب الخوان وذاك لؤمٌ ... وبئست تحفة الشيخ المريض
كأني إذ فزعت إلى أحيحٍ ... فزعت إلى مقوقيةٍ بيوض
إوزة غيضةٍ لقحت كشافاً ... لقحقحها إذا درجت نقيض
قال: فدخل أحيحٌ على الوليد بن عبد الملك، فقال يا أمير المؤمنين: إن عبد الله بن الحجاج قد هجاك قال: بماذا؟ فأنشده قوله:
فإن يعرض أبو العباس عني ... ويركب بي عروضاً عن عروض
ويجعل عرفه يوماً لغيري ... وبيغضني فإني من بغيض
فقال الوليد: وأي هجاءٍ هذا! هو من بغيض إن أعرضت عنه، أو أقبلت عليه، أو أبغضته، ثم ماذا؟ فأنشده:
كأني إذ فزعت إلى أحيحٍ ... فزعت إلى مقوقيةٍ بيوض
فضحك الوليد، ثم قال: ما أراه هجا غيرك. فلما خرج من عنده أحيح أمر بتخلية سبيل عبد الله بن الحجاج، فأطلق. وكان الوليد إذا رأى أحيحاً ذكر قول عبد الله فيه فيضحك منه.
حدثنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري، قال: حدثنا عمر بن شبة، قال: حدثنا خلاد بن يزيد الأرقط عن سالم بن قتيبة. وحدثني يعقوب بن القاسم الطلحي، قال: حدثني غير واحدٍ، منهم عبد الرحمن بن محمدٍ الطلحي، قال: حدثني أحمد بن معاوية، قال: سمعت أبا علقمة الثقفي يحدث. قال أبو زيدٍ: وفي حديث بعضهم ما ليس في حديث الآخر، وقد ألفت ذلك، قال:

(3/463)


كان كثير بن شهاب بن الحصين بن ذي الغصة بن يزيد بن شداد بن قنان بن سلمة بن وهب بن عبد الله بن ربيعة بن الحارث بن كعب، على ثغر الري، ولاه إياه المغيرة بن شعبة إذ كان خليفة معاوية على الكوفة، وكان عبد الله بن الحجاج معه، فأغار الناس على الديلم، فأصاب عبد الله بن الحجاج رجلاً منهم، فأخذ سلبه، فانتزعه منه كثير، وأمر بضربه، فضرب مائة سوطٍ، وحبس، فقال عبد الله في ذلك، وهو محبوس:
تسأل سلمى عن أبيها صحابه ... وقد علقته من كثيرٍ حبائل
فلا تسألي عني الرفاق فإنه ... بأبهر لا غازٍ ولا هو قافل
ألست ضربت الديلمي أمامهم ... فجدلته فيه سنانٌ وعامل
فمكث في الحبس مدةً، ثم أخلي سبيله، فقال:
سأترك ثغر الري ما كنت والياً ... عليه لأمر غالني وشجاني
فإن أنا لم أدرك بثأري وأتئر ... فلا تدعني للصيد من غطفان
تمنيتني يا بن الحصين سفاهةً ... ومالك بي يا بن الحصين يدان
فإني زعيمٌ أن أجلل عاجلاً ... بسيفي كفاحاً هامة ابن قنان
قال: فلما عزل كثيرٌ وقدم الكوفة كمن له عبد الله بن الحجاج في سوق التمارين - وذلك في خلافة معاوية وإمارة المغيرة بن شعبة على الكوفة - وكان كثير يخرج من منزله إلى القصر يحدث المغيرة، فخرج يوماً من داره إلى المغيرة يحدثه فأطال، وخرج من عنده ممسياً يريد داره، فضربه عبد الله بعمود حديدٍ على وجهه فهتم مقاديم أسنانه كلها، وقال في ذلك:
من مبلغٌ قيساً وخندف أنني ... ضربت كثيراً مضرب الظربان
فأقسم لا تنفك ضربة وجهه ... تذل وتخزي الدهر كل يمان
فإن تلقني تلق أمرأً قد لقيته ... سريعاً إلى الهيجاء غير جبان
وتلق أمرأً لم تلق أمك بره ... على سابح غوج اللبان حصان
وحولي من قيسٍ وخندف عصبةٌ ... كرامٌ على البأساء والحدثان
وإن تك للسنخ الذي غص بالحصى ... فإني لقرمٍ يا كثير هجان
أنا ابن بني قيس علي تعطفت ... بغيض بن ريثٍ بعد آل دجان
من مبلغ قيساً وخندف أنني ... أدركت مظلمتي من ابن شهاب
أدركته أجرى على محبوكةٍ ... سرح الجراء طويلة الأقراب
جرداء سرحوبٍ كأن هويها ... تعلو بجؤجئها هوي عقاب
خضت الظلام وقد بدت لي عورةٌ ... منه فأضربه على الأنياب
فتركته يكبو لفيه وأنفه ... ذهل الجنان مضرج الأثواب
هلا خشيت وأنت عادٍ ظالمٌ ... بقصور أبهر نصرتي وعقابي
إذ تستحل، وكان ذاك مجرماً، ... جلدي وتنزع ظالماً أثوابي
ما ضره والحر يطلب وتره ... بأشم لا رعشٍ ولا قبقاب
قال: فكتب ناس من اليمانية من أهل الكوفة إلى معاوية: إن سيدنا ضربه خسيسٌ من غطفان، فإن رأيت أن تقيدنا من أسماء بن خارجة. فلما قرأ معاوية الكتاب قال: ما رأيت كاليوم كتاب قوم أحمق من هؤلاء. وحبس عبد الله بن الحجاج، وكتب إليهم: " إن القود ممن لمن يجن محظورٌ ، والجاني محبوسٌ، حبسته فليقتص منه المجني عليه " . فقال كثير بن شهابٍ: لا أستقيدها إلا من سيد مضر. فبلغ قوله معاوية فغضب وقال: أنا سيد مضر فليستقدها مني، وأمن عبد الله بن الحجاج، وأطلقه، وأبطل ما فعله بابن شهاب، فلم يقتص ولا أخذ له عقلاً. عفو كثير عن عبد الله بن الحجاج.
إن عبد الله بن الحجاج لما ضربه بالعمود، قال له: أنا عبد الله بن الحجاج صاحبك بالري، وقد قابلتك بما فعلت بي، ولم أكن لأكتمك نفسي، وأقسم بالله لئن طالبت فيها بقودٍ لأقتلنك. فقال له: أنا أقتص من مثلك، والله لا أرضى بالقصاص إلا من أسماء بن خارجة! وتكلمت اليمانية وتحارب الناس بالكوفة، فكتب معاوية إلى المغيرة: أن أحضر كثيراً وعبد الله بن الحجاج فلا يبرحان من مجلسك حتى يقتص كثير أو يعفو. فأحضرهما المغيرة، فقال قد عفوت؟ وذلك لخوفه من عبد الله بن الحجاج أن يغتاله. قال: وقال لي: يا أبا الأقيرع، والله لا نلتقي أنت ونحن جميعاً أهتمان، وقد عفوت عنك.

(3/464)


ونسخت من كتاب ثعلبٍ عن ابن الأعرابي، قال: كان لعبد الله بن الحجاج ابنان يقال لأحدهما: عوين، والثاني جندب، فمات جندب وعبد الله حيٌّ فدفنه بظهر الكوفة، فمر أخوه عوين بحراثٍ إلى جانب قبر جندب، فنهاه أن يقربه بفدانه، وحذره ذلك، فلما كان الغد وجده قد حرث جانبه، وقد نبشه وأضر به، فشد عليه فضربه بالسيف وعقر فدانه. وقال:
أقول لحراثي حريمي جنبا ... فدانيكما لا تحرثا قبر جندب
فإنكما إن تحرثاه تشردا ... ويذهب فدانٌ منكما كل مذهب
قال: فأخذ عوين، فاعتقله السجان، فضربه حتى شغله بنفسه، ثم هرب، فوفد أبوه إلى عبد الملك فاستوهب جرمه فوهبه، وأمر بألا يتعقب، فقال عبد الله بن الحجاج، يذكر ما كان من ابنه عوين:
لمثلك يا عوين فدتك نفسي ... نجا من كربةٍ إن كان ناجي
عرفتك من مصاصٍ السنخ لما ... تركت ابن العكامس في العجاج
قال: ولما وفد عبد الله بن الحجاج إلى عبد الملك بسبب ما كان من ابنه عوين مثل بين يديه، فأنشده:
يا بن أبي العاصي ويا خير فتى ... أنت النجيب والخيار المصطفى
أنت الذي لم تدع الأمر سدى ... حين كشفت الظلمات بالهدى
ما زلت إن نازٍ على الأمر انتزى ... قضيته إن القضاء قد مضى
كما أذقت ابن سعيدٍ إذ عصى ... وابن الزبير إذ تسمى وطغى
وأنت إن عد قديم وبنى ... من عبد شمس في الشماريخ العلى
جيبت قريشٌ عنكم جوب الرحى ... هل أنت عافٍ عن طريد قد غوى
أهوى على مهواة بثرٍ فهوى ... رمى به جولٌ إلى جول الرجا
فتجبر اليوم به شيخاً ذوى ... يعوي مع الذئب إذا الذئب عوى
وإن أراد النوم لم يقض الكرى ... من هول ما لاقى وأهوال الردى
يشكر ذاك ما نفت عينٌ قذى ... نفسي وآبائي لك اليوم الفدا
فأمر عبد الملك بتحمل ما يلزم ابنه من غرم وعقل، وأمنه.
ونسخت من كتاب ثعلبٍ عن ابن الأعرابي، قال: وفد عبد الله بن الحجاج إلى عبد العزيز بن مروان ومدحه، فأجزل صلته، وأمره بأن يقيم عنده ففعل، فلما طال مقامه اشتاق إلى الكوفة وإلى أهله، فاستأذن عبد العزيز فلم يأذن له، فخرج من عنده غاضباً، فكتب عبد العزيز إلى أخيه بشرٍ، أن يمنعه عطاءه، فمنعه، ورجع عبد الله لما أضر به ذلك إلى عبد العزيز، وقال يمدحه:
تركت ابن ليلى ضلةً وحريمه ... وعند ابن ليلى معقل ومعول
ألم يهدني أن المراغم واسعٌ ... وأن الديار بالمقيم تنقل
سأحكم أمري إن بدا لي رشده ... وأختار أهل الخير إن كنت أعقل
وأترك أوطاري وألحق بامرىءٍ ... تحلب كفاه الندى حين يسأل
أبت لك يا عبد العزيز مآثرٌ ... وجريٌ شأى جري الجياد وأول
أبي لك إذ أكدوا وقل عطاؤهم ... مواهب فياض ومجدٌ مؤثل
أبوك الذي ينميك مروان للعلى ... وسعد الفتى بالخال لا من يخول
فقال له عبد العزيز: أما إذ عرفت موضع خطئك، واعترفت به فقد صفحت عنك. وأمر بإطلاق عطائه، ووصله، وقال له: أقم ما شئت عندنا، أو انصرف مأذوناً لك إذا شئت.
ونسخت من كتابه أيضاً: كان عمر بن هبيرة بن معية بن سكينٍ قد ظلم عبد الله بن الحجاج حقاً له، واستعان عليه بقومه، فلقوه في بعلبك، فعاونوا عبد الله بن الحجاج عليه، وفرقوه بالسياط حتى انتزعوا حقه منه، فقال عبد الله في ذلك:
ألا أبلغ بني سعدٍ رسولاً ... ودونهم بسيطة فالمعاط
أميطوا عنكم ضرط ابن ضرطٍ ... فإن الخبث مثلهم يماط
ولي حقٌ فراطة أولينا ... قديماً والحقوق لها افتراط
فما زالت مباسطتي ومجدي ... وما زال التهايط والمياط
وجدي بالسياط عليك حتى ... تركت وفي ذناباك انبساط
متى ما تعترض يوماً لحقي ... تلاقك دونه سعرٌ سباط
من الحيين ثعلبة بن سعدٍ ... ومرة أخذ جمعهم اعتباط

(3/465)


تراهم في البيوت وهم كسالى ... وفي الهيجا إذا هيجوا نشاط
والقصيدة التي فيها الغناء بذكر أمر عبد الله بن الحجاج أولها:
نأتك ولم تخش الفراق جنوب ... وشطت نوى بالظاعنين شعوب
طربت إلى الحي الذين تحملوا ... ببرقة أحوازٍ وأنت طروب
فظلت كأني ساورتني مدامةٌ ... تمنى بها شكس الطباع أريب
تمر وتستحلي على ذاك شربها ... لوجه أخيها في الإناء قطوب
كميت إذا صبت وفي الكأس وردة ... لها في عظام الشاربين دبيب
تذكرت ذكرى من جنوب مصيبة ... وما لك من ذكرى جنوب نصيب
وأنى ترجي الوصل منها وقد نأت ... وتبخل بالموجود وهي قريب
فما فوق وجدي إذ نأت وجد واجدٍ ... من الناس لو كانت بذاك تثيب
برهرهةٌ خود كأن ثيابها ... على الشمس تبدو تارةً وتغيب
وهي قصيدةٌ طويلة.
ونسخت من كتاب ثعلبٍ عن ابن الأعرابي، قال: كتب الحجاج إلى عبد الملك بن مروان يعرفه آثار عبد الله بن الحجاج، وبلاءه من محاربته، وأنه بلغه أنه أمنه، ويحرضه ويسأله أن يوفده إليه ليتولى قتله وبلغ ذلك عبد الله بن الحجاج، فجاء حتى وقف بين يدي عبد الملك، ثم أنشده:
أعوذ بثوبيك اللذين ارتداهما ... كريم الثنا من جيبه المسك ينفح
فإن كنت مأكولاً فكن أنت آكلي ... وإن كنت مذبوحاً فكن أنت تذبح
فقال عبد الملك: ما صنعت شيئاً. فقال عبد الله:
لأنت وخير الظافرين كرامهم ... عن المذنب الخاشي العقاب صفوح
ولو زلقت من قبل عفوك نعله ... ترامى به دحض المقام بريح
نمى بك إن خانت رجالاً عروقهم ... أرومٌ ودينٌ لم يخنك صحيح
وعرفٌ سرى لم يسر في الناس مثله ... وشأوٌ على شأو الرجال متوح
تداركني عفو ابن مروان بعدما ... جرى لي من بعد الحياة سنيح
رفعت مريحاً ناظري ولم أكد ... من الهم والكرب الشديد أريح
فكتب عبد الملك إلى الحجاج: إني قد عرفت من خبث عبدالله وفسقه ما لا يزيدني علماً به، إلا أنه اغتفلني متنكراً، فدخل داري، وتحرم بطعامي، واستكساني فكسوته ثوباً من ثيابي، وأعاذني فأعذته، وفي دون هذا ما حظر علي دمه، وعبد الله أقل وأذل من أن يوقع أمراً، أو ينكث عهداً في قتله خوفاً من شره، فإن شكر النعمة وأقام على الطاعة فلا سبيل عليه، وإن كفر ما أوتي وشاق الله ورسوله وأولياءه فالله بسيف البغي الذي قتل به نظراؤه ومن هو أشد بأساً وشكيمة منه، من الملحدين، فلا تعرض له ولا لأحدٍ من أهل بيته إلا بخيرٍ، والسلام.
أخبرني محمد بن يحيى الصولي، قال: حدثنا الحزنبل عن عمرو بن أبي عمرو الشيباني، قال: كانت في القريتين بركةٌ من ماء، وكان بها رجل من كلبٍ يقال له دعكنة لا يدخل البركة معه أحدٌ إلا غطه حتى يغلبه، فغط يومها فيها رجلاً من قيس بحضرة الوليد بن عبد الملك حتى خرج هارباً، فقال ابن هبيرة وهو جالس عليها يومئذٍ: اللهم اصبب علينا أبا الأقيرع عبد الله بن الحجاج. فكان أول رجل انحدرت به راحلته، فأناخها، ونزل، فقال ابن هبيرة للوليد: هذا أبو الأقيرع والله يا أمير المؤمنين، أيهما أخزى الله صاحبه به. فأمره الوليد أن ينحط عليه في البركة والكلبي فيها واقفٌ متعرضٌ للناس وقد صدوا عنه. فقال له: يا أمير المؤمنين إني أخاف أن يقتلني فلا يرضى قومي إلا بقتله، أو أقتله فلا ترضى قومه إلا بمثل ذلك، وأنا رجلٌ بدويٌّ ولست بصاحب مال. فقال دعنكة: يا أمير المؤمنين هو في حل وأنا في حل. فقال له الوليد: دونك. فتكأكأ ساعةً كالكاره حتى عزم عليه الوليد، فدخل البركة، فاعتنق الكلبي وهوى به إلى قعرها، ولزمه حتى وجد الموت، ثم خلى عنه، فلما علا غطه غطة ثانية، وقام عليه ثم أطلقه حتى تروح، ثم أعاده وأمسكه حتى مات، وخرج ابن الحجاج وبقي الكلبي، فغضب الوليد وهم به، فكلمه يزيد وقال: أنت أكرهته، أفكان يمكن الكلبي من نفسه حتى يقتله؟ فكف عنه. فقال عبد الله بن الحجاج في ذلك:

(3/466)


نجاني الله فرداً لا شريك له ... بالقريتين ونفسٌ صلبة العود
وذمة من يزيدٍ حال جانبها ... دوني فأنجيت عفواً غير مجهود
لولا الإله وصبري في مغاطستي ... كان السليم وكنت الهالك المودي
يا حبذا عمل الشيطان من عمل ... إن كان من عمل الشيطان حبيها
لنظرةٌ من سليمى اليوم واحدةٌ ... أشهى إلي من الدنيا وما فيها
الشعر لناهض بن ثومه الكلابي، أنشدنيه هاشم بن محمدٍ الخزاعي، قال: أنشدنا الرياشي قال: أنشدنا ناهض بن ثومة أبو العطاف الكلابي هذين البيتين لنفسه. وأخبرني بمثل ذلك عمي من الكراني عن الرياشي، والغناء لأبي العبيس ابن حمدون ثقيلٌ أول ينشد بالوسطى.
أخبار ناهض بن ثومة ونسبه
هو ناهض بن ثومة بن نصيح بن نهيك بن إمام بن جهضم بن شهاب بن أنس بن ربيعة بن كعب بن بكر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. شاعر بدويٌّ فارس فصيح، من الشعراء في الدولة العباسية، وكان يقدم البصرة فيكتب عنه شعره، وتؤخذ عنه اللغة. روى عنه الرياشي، وأبو سراقة، ودماذ وغيرهم من رواة البصرة. وكان يهجوه رجلٌ من بني الحارث بن كعبٍ، يقال له: نافع بن أشعر الحارثي، فأثرى عليه ناهض فمما قاله في جواب قصيدةٍ هجا بها قبائل قيسٍ، قصيدة ناهضٍ التي أولها:
ألا يا أسلما يأيها الطللان ... وهل سالمٌ باقٍ على الحدثان
أبينا لنا حبيتما اليوم إننا ... مبينان عن ميلٍ بما تسلان
متى العهد من سلمى التي بتت القوى ... وأسماء إن العهد منذ زمان
ولا زال ينهل الغمام عليكما ... سبيل الربى من وابلٍ ودجان
فإن أنتما بينتما أو أجبتما ... فلا زلتما بالنبت ترتديان
وجر الحرير والفرند عليكما ... بأذيال رخصات الأكف هجان
نظرت ودوني قيد رمحين نظرةً ... بعينين إنساناهما غرقان
إلى ظعن بالعاقرين كأنها ... قرائن من دوح الكثيب ثمان
لسلمى وأسماء اللتين أكنتا ... بقلبي كنيني لوعةٍ وضمان
عسى يعقب الهجر الطويل تدانيا ... ويا رب هجرٍ معقبٍ بتداني
خليلي قد أكثرتما اللوم فاربعا ... كفاني ما بي لو تركت كفاني
إذا لم تصل سلمى وأسماء في الصبا ... بحبليهما حبلي فمن تصلان
فدع ذا ولكن قد عجبت لنافع ... ومعواه من نجران حيث عواني
عوى أسداً لا يزدهيه عواؤه ... مقيماً بلوذي يذبلٍ وذقان
لعمري لقد قال ابن أشعر نافعٌ ... مقالة موطوء الحريم مهان
أيزعم أن العامري لعفله ... بعاقبةٍ يمرى به الرجوان
ويذكر إن لاقاه زلة نعله ... فجيء للذي لم يستبن ببيان
كذبت ولكن بابن علبة جعفرٍ ... فدع ما تمنى زلت القدمان
أصيب فلم يعقل وطل فلم يقد ... فذاك الذي يخزى به الأبوان
وحق لمن كان ابن أشعر ثائراً ... به الطل حتى يحشر الثقلان
ذليلٌ ذليل الرهط أعمى يسومه ... بنو عامر ضيماً بكل مكان
فلم يبق إلا قوله بلسانه ... وما ضر قولٌ كاذبٌ بلسان
هجا نافعٌ كعباً ليدرك وتره ... ولم يهج كعبٌ نافعاً لأوان
ولم تعف من آثار كعبٍ بوجهه ... قوارع منها وضحٌ وقوان
وقد خضبوا وجه ابن علبة جعفرٍ ... خضاب نجيع لا خضاب دهان
فلم يهج كعباً نافعٌ بعد ضربةٍ ... بسيف ولم يطعنهم بسنان
فما لك مهجىً يا بن أشعر فاكتعم ... على حجر واصبر لكل هوان
إذا المرء لم ينهض فيثأر بعمه ... فليس يجلى العار بالهذيان

(3/467)


أبي قيس عيلانٍ وعمي خندفٌ ... ذوا البذخ عند الفجر والخطران
إذا ما تجمعنا وسارت حذاءنا ... ربيعة لم يعدل بنا أخوان
أليس نبي الله منا محمد ... وحمزة والعباس والعمران
ومنا ابن عباسٍ ومنا ابن عمه ... عليٌ إمامٌ الحق والحسنان
وعثمان والصديق منا وإننا ... لنعلم أن الحق ما يعدان
ومنا بنو العباس فضلاً فمن لكم ... هلموه أولا ينطقن يمان
قال: فأنشد ناهضٌ هذه القصيدة أيوب بن سليمان بن علي بالبصرة، وعنده خالٌ له من الأنصار، فلما ختمها بهذا البيت قال الأنصاري: أخرسنا أخرسه الله! وكان جده نصيحٌ شاعراً، وهو الذي يقول:
ألا من لقلبٍ في الحجاز قسيمه ... ومنه بأكناف الحجاز قسيم
معاود شكوى أن نأت أم سالمٍ ... كما يشتكي جنح الظلام سليم
سليمٌ لصلٍّ أسلمته لما به ... رقًى قل عنه دفعها وتميم
فلم ترم الدار البريصاء فالصفا ... صفاها فخلاها فأين تريم
وقفت عليها بازلاً ناهجيةً ... إذا لم أزعها بالزمام تعوم
كنازاً من اللاتي كأن عظامها ... جبرن على كسرفهن عثوم
أخبرني الحسن بن علي الخفاف، قال: حدثنا محمد بن القاسم قال: حدثني الفضل بن العباس الهاشمي من ولد قثم بن جعفر بن سليمان عن أبيه، قال:

(3/468)


كان ناهض بن ثومة الكلابي يفد على جدي قثم فيمدحه، ويصله جدي وغيره، وكان بدوياً جافياً كأنه من الوحش، وكان طيب الحديث، فحدثه يوماً: أنهم انتجعوا ناحية الشام، فقصد صديقاً له من ولد خالد بن يزيد بن معاوية كان ينزل حلب، فإذا نزل نواحيها أتاه فمدحه، وكان براً به، قال: فمررت بقرية يقال لها قرية بكر بن عبد الله الهلالي، فرأيت دوراً متباينة وخصاصاً قد ضم بعضها إلى بعض، وإذا بها ناسٌ كثير مقبلون ومدبرون، عليهم ثيابٌ تحكي ألوان الزهر، فقلت في نفسي: هذا أحد العيدين: الأضحى أو الفطر. ثم ثاب إلي ما عزب عن عقلبي، فقلت: خرجت من أهلي في بادية البصرة في صفر، وقد مضى العيدان قبل ذلك، فما هذا الذي أرى؟ فبينا أنا واقفٌ متعجب أتاني رجل فأخذ بيدي، فأدخلني داراً قوراء، وأدخلني منها بيتاً قد نجد في وجهه فرش ومهدت، وعليها شابٌ ينال فروع شعره منكبيه، والناس حوله سماطان، فقلت في نفسي: هذا الأمير الذي حكي لنا جلوسه على الناس وجلوس الناس بين يديه، فقلت وأنا ماثل بين يديه: السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته. فجذب رجلٌ يدي، وقال: اجلس فإن هذا ليس بأمير. قلت: فما هو؟ قال: عروس. فقلت: واثكل أماه، لرب عروسٍ رأيته بالبادية أهون على أهله من هن أمه. فلم أنشب أن دخل رجالٌ يحملون هناتٍ مدوراتٍ، أما ما خف منها فيحمل حملاً، وأما ما كبر وثقل فيدحرج فوضع ذلك أمامنا، وتحلق القوم عليه حلقاً، ثم أتينا بخرقٍ بيضٍ فألقيت بين أيدينا، فظننتها ثياباً، وهممت أن أسأل القوم منها خرقاً أقطعها قميصاً، وذلك أني رأيت نسجاً متلاحماً لا يبين له سدًى ولا لحمة، فلما بسطه القوم بين أيديهم إذا هو يتمزق سريعاً، وإذا هو - فيما زعموا - صنفٌ من الخبز لا أعرفه، ثم أتينا بطعام كثيرٍ بين حلوٍ وحامضٍ، وحار وباردٍ، فأكثرت منه وأنا لا أعلم ما في عقبه من التخم والبشم، ثم أتينا بشرابٍ أحمر في عساس، فقلت: لا حاجة لي فيه، فإني أخاف أن يقتلني. وكان إلى جانبي رجل ناصح لي أحسن الله جزاءه، فإنه كان ينصح لي من بين أهل المجلس، فقال: يا أعرابي إنك قد أكثرت من الطعام، وإن شربت الماء همى بطنك. فلما ذكر البطن تذكرت شيئاً أوصاني به أبي والأشياخ من أهلي، قالوا: لا تزال حياً ما كان بطنك شديداً فإذا اختلف فأوص. فشربت من ذلك الشراب لأتداوى به، وجعلت أكثر منه فلا أمل شربه، فتداخلني من ذلك صلفٌ لا أعرفه من نفسي، وبكاءٌ لا أعرف سببه ولا عهد لي بمثله، واقتدارٌ على أمري أظن معه أني لو أردت نيل السقف لبلغته، ولو ساورت الأسد لقتلته، وجعلت ألتفت إلى الرجل الناصح لي فتحدثني نفسي بهتم أسنانه وهشم أنفه، وأهم أحياناً أن أقول له: يا ابن الزانية! فبنا نحن كذلك إذ هجم علينا شياطين أربعة، أحدهم قد علق في عنقه جعبة فارسية مشنجة الطرفين دقيقة الوسط، مشبوحة بالخيوط شبحاً منكراً، ثم بدر الثاني فاستخرج من كمه هنةً سوداء كفيشلة الحمار، فوضعها في فيه، وضرط ضراطاً لم أسمع - وبيت الله - أعجب منه، فاستتم بها أمرهم، ثم حرك أصابعه على أجحرةٍ فيها فأخرج منها أصواتاً ليس كما بدأ تشبه بالضراط ولكنه أتى منها لما حرك أصابعه بصوتٍ عجيبٍ متلائم متشاكل بعضه لبعض، كأنه، علم الله، ينطق. ثم بدا ثالث كزٌ، مقيت عليه قميص وسخ، معه مرآتان، فجعل يصفق بيديه إحداهما على الأخرى فخالطتا بصوتهما ما يفعله الرجلان، ثم بدا رابع عليه قميص مصون وسراويل مصونة وخفان أجذمان لا ساق لواحدٍ منهما، فجعل يقفز كأنه يثب على ظهور العقارب، ثم التبط به على الأرض، فقلت: معتوهٌ ورب الكعبة! ثم ما برح مكانه حتى كان أغبط القوم عندي. ورأيت القوم يحذفونه بالدراهم حذفاً منكراً، ثم أرسل النساء إلينا: أن أمتعونا من لهوكم هذا. فبعثوا بهم، وجعلنا نسمع أصواتهن من بعدٍ، وكان معنا في البيت شابٌ لا آبه له، فعلت الأصوات بالثناء عليه والدعاء، فخرج فجاء بخشبةٍ عيناها في صدرها، فيها خيوطٌ أربعة، فاستخرج من خلالها عوداً فوضعه خلف أذنه، ثم عرك آذانها وحركها بخشبة في يده فنطقت - ورب الكعبة - وإذا هي أحسن قينةٍ رأيتها قط وغنى عليها، فأطربني حتى استخفني من مجلسي، فوثبت فجلست بين يديه، وقلت: بأبي أنت وأمي، ما هذه الدابة فلست أعرفها للأعراب وما أراها خلقت إلا قريباً. فقال: هذا البربط؟ فقلت بأبي أنت وأمي، فما

(3/469)


هذا الخيط الأسفل؟ قال: الزير. قلت: فالذي يليه؟ قال: المثنى. قلت: فالثالث؟ المثلث. قلت: فالأعلى؟ قال: البم. قلت: آمنت بالله أولاً، وبك ثانياً، وبالبرط ثالثاُ، وبالبم رابعاً.ذا الخيط الأسفل؟ قال: الزير. قلت: فالذي يليه؟ قال: المثنى. قلت: فالثالث؟ المثلث. قلت: فالأعلى؟ قال: البم. قلت: آمنت بالله أولاً، وبك ثانياً، وبالبرط ثالثاُ، وبالبم رابعاً.
قال: فضحك أبي، والله، حتى سقط، وجعل ناهضٌ يعجب من ضحكه، ثم كان بعد ذلك يستعيده هذا الحديث، ويطرف به إخوانه فيعيده ويضحكون منه.
وقد أخبرني بهذا الخبر أحمد بن عبد العزيز الجوهري، قال: حدثنا علي بن محمد النوفلي، عن أبيه، قال: كان محمد بن خالد بن يزيد بن معاوية بحلب، فأتاه أعرابيٌ، فقال له: حدث أبا عبد الله - يعني الهيثم بن النخعي - بما رأيت في حاضر المسلمين. فحدثه بنحوٍ من هذا الحديث، ولم يسم الأعرابي باسمه، وما أجدره بأن يكون لم يعرفه باسمه ونسبه أو لم يعرفه الذي حدث به النوفلي عنه.
نسخت من كتاب لعلي بن محمد الكوفي فيه شعر ناهض بن ثومة قال: كان رجلٌ من بني كعب قد تزوج امرأة من بني كلاب، فنزل فيهم ثم أنكر منها بعض ما ينكره الرجل من زوجته فطلقها، وأقام بموضعه في بني كلاب، وكان لا يزالون يتسخفون به ويظلمونه، وإن رجلاً منهم أورد إبله الماء فوردت إبل الكعبي عليها، فزاحمته، لكنها ألقته على ظهره فتكشف، فقام مغضباً بسيفه إلى إبل الكعبي، فعقر منها عدةً، وجلاها عن الحوض، ومضى الكعبي مستصرخاً بني كلاب على الرجل، فلم يصرخوه، فساق باقي إبله واحتمل بأهله حتى رجع إلى عشيرته، فشكا ما لقى من القوم واستصرخهم، فغضبوا له، وركبوا معه حتى أتوا حلة بني كلاب، فاستاقوا إبل الرجل الذي عقر لصاحبهم، ومضى الرجل فجمع عشيرته، وتداعت هي وكعبٌ للقتال، فتحاربوا في ذلك حرباً شديداً، وتمادى الشر بينهم، حتى تساعى حلماؤهم في القضية، فأصلحوها على أن يعقل القتلى والجرحى، وترد الإبل، وترسل من العاقر عدة الإبل التي عقرها للكعبي، فتراضوا بذلك واصطلحوا، وعادوا إلى الألفة، فقال في ذلك ناهض بن ثومة:
أمن طلل بأخطب أبدته ... نجاء الوبل والديم النضاح
ومر الدهر يوماً بعد يوم ... فما أبقى المساء ولا الصباح
فكل محلة عنيت بسلمى ... لريدات الرياح بها نواح
تطل على الجفون الحزن حتى ... دموع العين ناكزةٌ نزاح
وهي طويلةٌ يقول فيها:
هنيئاً للعدى سخطٌ ورغمٌ ... وللفرعين بينهما اصطلاح
وللعين الرقاد فقد أطالت ... مساهرةً وللقلب انتجاح
وقد قال العداة نرى كلاباً ... وكعباً بين صحلهما افتتاح
تداعوا للسلام وأمر نجح ... وخير الأمر ما فيه النجاح
ومدوا بينهم بحبال مجدٍ ... وثديٍ لا أجد ولا ضياح
ألم تر أن جمع القوم يحشى ... وأن حريم واحدهم مباح
وأن القدح حين يكون فردا ... فيهصر لا يكون له اقتداح
وإنك إن قبضت بها جميعاً ... أبت ما سمت واحدها القداح
أنا الخطار دون بني كلاب ... وكعبٍ إن أتيح لهم متاح
أنا الحامي لهم ولكل قرمٍ ... أخٌ حامٍ إذا جد النضاح
أنا الليث الذي لا يزدهيه ... عواء العاويات ولا النباح
سل الشعراء عني هل أقرت ... بقلبي أو عفت لهم الجراح
فما لكواهل الشعراء بدٌ ... من القتب الذي فيه لحاح
ومن توريك راكبه عليهم ... وإن كرهوا الركوب وإن ألاحوا

(3/470)


ونسخت من هذا الكتاب الذي فيه شعره، أن وقعةً كانت بين بني نمير وبني كلاب بنواحي ديار مضر، وكانت لكلاب على بني نمير، وأن نميراً استغاثت ببني تميم، ولجأت إلى مالك بن زيدٍ سيد تميم يومئذٍ بديار مضر، فمنع تميماً من إنجادهم، وقال: ما كنا لنلقى بين قيس وخندف دماءً نحن عنها أغنياء، وأنتم وهم لنا أهلٌ وإخوة، فإن سعيتم في صلح عاونا، وإن كانت حمالة أعنا، فأما الدماء فلا مدخل لنا بينكم فيها. فقال ناهض بن ثومة في ذلك:
سلام الله يا مال بن زيد ... عليك وخير ما أهدى السلاما
تعلم أينا لكم صديق ... فلا تستعجلوا فينا الملاما
ولكنا وحي بني تميم ... عداةٌ لا نرى أبداً سلاما
وإن كنا تكاففنا قليلا ... كحرف السيف ينهار انهداما
وهيض العظم يصبح ذا انصداع ... وقد ظن الجهول به التئاما
فلن ننسى الشباب المرد منا ... ولا الشيب الجحاجح والكراما
ونوح نوائح منا ومنهم ... مآتم ما تجف لهم سجاما
فكيف يكون صلحٌ بعد هذا ... يرجي الجاهلون لهم تماما
ألا قل للقبائل من تميم ... وخص لمالكٍ فيها الكلاما
فزيدوا يا بني زيدٍ نميرا ... هوانا إنه يداني الفطاما
ولا تبقوا على الأعداء شيئاً ... أعز الله نصركم وداما
وجدت المجد في حيي تميم ... ورهط الهذلق الموفي الذماما
نجوم القوم ما زالوا هداةً ... وما زالوا لآبيهم زماما
هم الرأس المقدم من تميم ... وغاربها وأوفاها سناما
إذا ما غاب نجمٌ آب نجم ... أغر نرى لطلعته ابتساما
فهذي لابن ثومة فانسبوها ... إليه لا اختفاء ولا اكتتاما
وإن رغمت لذاك بنو نميرٍ ... فلا زالت أنوفهم رغاما
قال: يعني بالهذلق الهذلق بن بشير، أخا بني عتيبة بن الحارث بن شهاب، وابنيه علقمة وصباحاً.
قال: وكانت بنو كعب قد اعتزلت الفريقين فلم تصب كلاباً ولا نميراً، فلما ظفرت كلابٌ قال لهم ناهض:
ألا هل أتى كعباً على نأي دراهم ... وخذلانهم أنا سررنا بني كعب
بما لقيت منا نميرٌ وجمعها ... غداة أتينا في كتائبنا الغلب
فيا لك يوماً بالحمى لا نرى له ... شبيهاً وما في يوم شيبان من عتب
أقامت نمير بالحمى غير رغبة ... فكان الذي نالت نمير من النهب
رؤوسٌ وأوصالٌ يزايل بينها ... سباعٌ تدلت من أبانين والهضب
لنا وقعاتٌ في نمير تتابعت ... بضيمٍ على ضيم ونكبٍ على نكب
وقد علمت قيس بن عيلان كلها ... وللحرب أبناءٌ بأنا بنو الحرب
ألم ترهم طراً علينا تحزبوا ... وليس لنا إلا الردينى من حزب
وإنا لنقتاد الجياد على الوجى ... لأعدائنا من لا مدان ولا صقب
ففي أي فجٍّ ما ركزنا رماحنا ... مخوفٍ بنصب للعدا حين لا نصب
أخبرنا جعفر بن قدامة بن زيادٍ الكاتب، قال: حدثني أبو هفان، قال: حدثني غرير بن ناهض بن ثومة الكلابي، قال: كان شاعر من نمير يقال له: رأس الكبش، قد هاجى عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير زماناً، وتناقضا الشعر بينهما مدة، فلما وقعت الحرب بيننا وبين بني نمير قال عمارة يحرض كعباً وكلاباً ابني ربيعة على بني نمير في هذه الحرب التي كانت بينهم، فقال:
رأيتكما يا بني ربيعة خرتما ... وعولتما والحرب ذات هرير
وصدقتما قول الفرزدق فيكما ... وكذبتما بالأمسر قول جرير
فإن أنتما لم تقذعا الخيل بالقنا ... فصيرا مع الأنباط حيث تصير
تسومكما بغيا نميرٌ هضيمةً ... ستنجد أخبارٌ بهم وتغور
قال: فارتحلت كلابٌ حين أتاها هذا الشعر، حتى أتوا نميراً وهم في هضبات يقال لهن وارداتٌ، فقتلوا واجتاحوا، وفضحوا نميراً، ثم انصرفوا، فقال ناهض بن ثومة يجيب عمارة عن قوله:

(3/471)


يحضضنا عمارة في نمير ... ليشغلهم بنا وبه أرابوا
ويزعم أننا حزنا وأنا ... لهم جار المقربة المصاب
سلوا عن نميراً هل وقعنا ... بنزوتها التي كانت تهاب
ألم تخضع لهم أسدٌ ودانت ... لهم سعد وضبة والرباب
ونحن نكرها شعثاً عليهم ... عليها الشيب منا والشباب
رغبنا عن دماء بني قريع ... إلى القلعين إنهما اللباب
صبحناهم بأرعن مكفهرٍّ ... يدف كأن رأيته العقاب
أجش من الصواهل ذي دوي ... تلوج البيض فيه والحراب
فأشعل حين حل بواردات ... وثار لنقعه ثم انصباب
صبحناهم بها شعث النواصي ... ولم يفتق من الصبح الحجاب
فلم تغمد سيوف الهند حتى ... تعيلت الحليلة والكعاب
أعرفت من سلمى رسوم ديار ... بالشط بين مخفقٍ وصحار
وكأنما أثر النعاج بجوها ... بمدافع الركبين ودع جواري
وسألتها عن أهلها فوجدتها ... عمياء جاهلةً عن الأخبار
فكأن عيني غرب أدهم داجنٍ ... متعود الإقبال والإدبار
الشعر للمخبل السعدي، والغناء لإبراهيم، هزجٌ بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق. قال الهشامي: فيه لإبراهيم ثقيلٌ أول، ولعنان بنت خوطٍ خفيف رمل.
أخبار المخبل ونسبه
قال ابن الكلبي: اسمه الربيع بن ربيعة، وقال ابن دأب: اسمه كعب بن ربيعة. وقال ابن حبيب وأبو عمرو: اسمه ربيعة بن مالك بن ربيعة بن عوف بن قتال بن أنف الناقة بن قريع بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم. شاعرٌ فحل، من مخضرمي الجاهلية والإسلام، ويكنى أبا يزيد. وإياه عنى الفرزدق بقوله:
وهب القصائد لي النوابغ إذ مضوا ... وأبو يزيد وذو القروح وجرول
ذو القروح: امرؤ القيس. وجرول: الحطيئة. وأبو يزيد: المخبل. وذكره ابن سلام فجعله في الطبقة الخامسة من فحول الشعراء، وقرنه بخداش بن زهير، والأسود بن يعفر، وتميم بن مقبل. وهو من المقلين، وعمر في الجاهلية والإسلام عمراً كثيراً، وأحسبه مات في خلافة عمر أو عثمان رضي الله عنهما وهو شيخ كبير. وكان له ابن، فهاجر إلى الكوفة في أيام عمر فجزع عليه جزعاً شديداً، حتى بلغ خبره عمر، فرده عليه.
أخبرني محمد بن الحسن بن دريد. قال: حدثنا عبد الرحمن بن أخي الأصمعي عن عمه، وأخبرني به هاشم بن محمد الخزاعي عن أبي غسان دماذ، عن ابن الأعرابي قال: هاجر شيبان بن المخبل السعدي، وخرج مع سعد بن أبي وقاص لحرب الفرس، فجزع عليه المخبل جزعاً شديداً، وكان قد أسن وضعف، فافتقر إلى ابنه فافتقده، فلم يملك الصبر عنه، فكاد أن يغلب على عقله، فعمد إلى إبله وسائر ماله فعرضه ليبيعه ويلحق بابنه، وكان به ضنيناً، فمنعه علقمة بن هوذة بن مالك، وأعطاه مالاً وفرساً، وقال: أنا أكلم أمير المؤمنين عمر في رد ابنك، فإن فعل غنمت مالك. وأقمت في قومك، وإن أبي استنفقت ما أعطيتك ولحقت به، وخلفت إبلك لعيالك. ثم مضى إلى عمر - رضوان الله عنه - فأخبره خبر المخبل، وجزعه على ابنه، وأنشده قوله:
أيهلكني شيبان في كل ليلة ... لقلبي من خوف الفراق وجيب
أشيبان ما أدراك أن كل ليلة ... غبقتك فيها والغبوق حبيب
غبقتك عظماها سناماً أو انبرى ... برزقك براق المتون أريب
أشيبان إن تأبى الجيوش بحدهم ... يقاسون أياماً لهن حطوب
ولا هم إلا البز أو كل سابح ... عليه فتًى شاكي السلاح نجيب
يذودون جند الهرمزان كأنما ... يذودون أوراد الكلاب تلوب
فإن يك غصني أصبح اليوم ذاوياً ... وغصنك من ماء الشباب رطيب
فإني حنت ظهري خطوبٌ تتابعت ... فمشي ضعيفٌ في الرجال دبيب
إذا قال صحبي يا ربيع ألا ترى ... أرى الشخص كالشخصين وهو قريب
ويخبرني شيبان أن لمن يعقني ... تعق إذا فارقتني وتحوب
فلا تدخلن الدهر قبرك حويةً ... يقوم بها يوماً عليك حسيب

(3/472)


يعني بقوله حسيب الله عز ذكره.
قال: فلما أنشد عمر بن الخطاب هذه الأبيات بكى ورق له، فكتب إلى سعد يأمره أن يقفل شيبان بن المخبل ويرده على أبيه، فلما ورد الكتاب عليه أعلم شيبان ورده فسأله الإغضاء عنه، وقال: لا تحرمني الجهاد. فقال له: إنها عزمةٌ من عمر، ولا خير لك في عصياته وعقوق شيخك. فانصرف إليه، ولم يزل عنده حتى مات.
وأخبرني بهذا الخبر أحمد بن عبيد الله بن عمارٍ والجوهري، قالا: حدثنا عمر بن شبة أن شيبان بن المخبل كان يرعى إبل أبيه، فلا يزال أبوه يقول: أحسن رعية إبلك يا بني، فيقول: أراحني الله من رعية إبلك، ثم فارق أباه وغزا مع أبي موسى، وانحدر إلى البصرة، وشهد فتح تستر، فقال: فذكر أبوه الأبيات، وزاد فيها قوله:
إذا قلت ترعى قال سوف تريحني ... من الرعي مذعان العشي خبوب
قال: أبو زيد وحدثناه عتاب بن زيادٍ: قال: حدثنا ابن المبارك، قال حدثنا مسعودٌ عن معن بن عبد الرحمن فذكر نحوه، ولم يقل: شيبان بن المخبل، ولكنه قال: انطلق رجلٌ إلى الشام، وذكر القصة والشعر.
أخبرنا محمد بن العباس اليزيدي، قال: حدثني عمي عبيد الله، عن ابن حبيب، قال: خطب المخبل السعدي إلى الزبرقان بن بدرٍ أخته خليدة، فمنعه إياها، ورده لشيء كان في عقله، وزوجها رجلاً من بني جشم بن عوفٍ، يقال له: مالك بن أمية ابن عبد القيس، من بني محارب.
فقتل رجلاً من بني نهشلٍ يقال له الجلاس بن مخربة بن جندل بن جابر بن نهشل اغتيالا، ولم يعلم به أحدٌ، ففقد ولم يعلم له خبر، فبينما جار الزبرقان الذي من عبد القيس قاتل الجلاس ليلةً يتحدث إذ غلط، فحدث هزالاً بقتله الرجل، وذلك قبل أن يتزوج هزالٌ إلى الزبرقان، فأتى هزال عبد عمرو بن ضمرة بن جابر بن نهشل فأخبره، فدعا هزالٌ قاتل الجلاس فأخرجه عن البيوت، ثم اعتوره هو وعبد عمرو فضرباه حتى قتلاه، ورجع هزالٌ إلى الحي وضرب عبد عمرو حتى لجأ إلى أخواله بني عطارد بن عوفٍ.
فقالت امرأة مالك بن مية المقتول:
أجيران ابن أمية خبروني ... أعينٌ لابن مية أم ضمار
تجلل خزيها عوف بن كعب ... فليس لنسلهم منها اعتذار
قال: فلما زوج الزبرقان أخته خليدة هزالاً بعد قتله جاره عيب عليه، وعير به، وهجاه المخبل، فقال:
لعمرك إن الزبرقان لدائم ... على الناس تعدو نوكه ومجاهله
أأنكحت هزالاً خليدة بعدما ... زعمت بظهر الغيب أنك قاتله
فأنكحته رهواً كأن عجانها ... مشق إهابٍ أوسع السلخ ناجله
يلاعبها فوق الفراش وجاركم ... بذي شبرمان لم تزيل مفاصله
قال: ولج الهجاء بين المخبل والزبرقان حتى تواقفا للمهاجاة واجتمع الناس عليهما فاجتمعا لذلك ذات يوم، وكان الزبرقان أسودهما، فابتدأ المخبل فأنشده قصيدته:
أنبئت أن الزبرقان يسبني ... سفهاً ويكره ذو الحرين خصالي
قال: وإنما سماه ذا الحرين لأنه كان مبدناً، فكان له ثديان عظيمان، فسبه بهما وشبههما بالحرين. ويقال: إنه إنما عيره بأخته وابنته، ولم يكن للمخبل ابن في الجاهلية، قال:
أفلا يفاخرني ليعلم أينا ... أدنى لأكرم سوددٍ وفعال
فلما بلغ إلى قوله:
وأبوك بدر كان مشترط الخصى ... وأبي الجواد ربيعة بن قتال
فلما أنشده هذا البيت، قال:
وأبوك بدرٌ كان مشترط الخصى ... وأبي ........................
ثم انقطع عليه كلامه، إما بشرق أو انقطاع نفس، فما علم الناس ما يريد أن يقوله بعد قوله: وأبي. فسبقه الزبرقان قبل أن يتم ويبين، فقال: صدقت، وما في ذاك إن كان شيخانا قد اشتركا في صنعةٍ. فغلبه الزبرقان، وضحكوا من قوله وتفرقوا، وقد انقطع بالمخبل قوله.
أخبرنا اليزيدي، قال: حدثني عمي عن عبيد الله عن ابن حبيب، قال: كان زرارة بن المخبل يليط حوضه، فأتاه رجلٌ من بني علباء بن عوف، فقال له: صارعني، فقال له زرارة، إني عن صراعك لمشغولٌ، فجذب بحجزته وهو غافلٌ فسقط، فصاح به فتيان الحي: صرع زرارة وغلب. فأخذ زرارة حجراً، فأخذ به رأس العلباوي، فسأل المخبل بغيض بن عامر بن شماس أن يتحمل عن ابنه الدية، فتحملها وتخلصه، وكسا المخبل حلةً حسنةً، وأعطاه ناقة نجيبةً، فقال المخبل يمدحه:

(3/473)


لعمر أبيك لا ألقى ابن عمٍّ ... على الحدثان خيراً من بغيض
أقل ملامة وأعز نصراً ... إذا ما جئت بالأمر المريض
كساني حلةً وحبا؟ً بعنس ... أبس بها إذا اضطربت غروضي
غداة جنى بني على جرماً ... وكيف يداي بالحرب العضوض
فقد سد السبيل أو حميد ... كما سد المخاطبة ابن بيض
أبو حميد: بغيض بن عامرٍ. وأما قوله: كما سد المخاطبة ابن بيض، فإن ابن بيض: رجل من بقايا قوم عاد، كان تاجراً، وكان لقمان بن عادٍ يجيز له تجارته في كل سنة بأجرٍ معلوم، فأجازه سنة وسنتين، وعاد التاجر ولقمان غائبٌ، فأتى قومه فنزل فيهم، ولقمان في سفره، ثم حضرت التاجر الوفاة فخاف لقمان على بنيه وماله فقال لهم: إن لقمان صائر إليكم، وإني أخشاه إذا علم بموتي على مالي، فاجعلوا ماله قبلي في ثوبه، وضعوه في طريقه إليكم، فإن أخذه واقتصر عليه فهو حقه، فادفعوه إليه واتقوه، وإن تعداه رجوت أن يكفيكم الله إياه. ومات الرجل، وأتاهم لقمان وقد وضعوا حقه على طريقه، فقال: سد ابن بيضٍ الطريق، فأرسلها مثلاً، وانصرف وأخذ حقه. وقد ذكرت ذلك الشعراء، فقال بشامة بن عمروٍ:
كثوب ابن بيضٍ وقاهم به ... فسد على السالكين السبيلا
قال ابن حبيب: ولما حشدت بنو علباء للمطالبة لدم صاحبهم، حشدت بنو قريع مع بغيض لنصر المخبل، ومشت المشيخة في الأمر، وقالوا: هذا قتل خطأ، فلا تواقعوا الفتنة، واقبلوا الدية. فقبلوها وانصرفوا، فقال زرارة بن المخبل يفخر بذلك:
فاز المخالس لما أن جرى طلقاً ... أما حطيم بن علباء فقد غلبا
إني رميت بجلمود على حنق ... مني إليه فكانت رميةً غرباً
ليثاً إلي يشق الناس منفرجاً ... لحياه عنانةٌ لا يتقي الخشبا
فأورثتني قتيلاً إن لقيت وإن ... أفلت كانت سماع السوء والحربا
ثم أخذ بنو حازم جاراً لبني قشير، فأغار عليه المنتشر بن وهب الباهلي، فأخذ إبله، فسأل في بني تميم حتى انتهى إلى المخبل، فلما سأله قال له: إن شئت فاعترض إبلي فخذ خيرها ناقةً، وإن شئت سعيت لك في إبلك. فقال: بل إبلي. فقال المخبل:
إن قشيراً من لقاح ابن حازم ... كراحضة حيضاً وليست بطاهر
فلا يأكلها الباهلي وتقعدوا ... لدى غرضٍ أرميكم بالنواقر
أغرك أن قالوا لعزة شاعر ... فناك أباه من خفيرٍ وشاعر
فلما بلغهم قول المخبل سعوا بإبله، فردها عليهم حزن بن معاوية بن خفاجة بن عقيل، فقال المخبل في ذلك:
تدارك حزنٌ بالقنا آل عامر ... قفا حضنٍ والكر بالخيل أعسر
فإني بذا الجار الخفاجي واثقٌ ... وقلبي من الجار العبادي أوجر
إذا ما عقيليٌّ أقام بذمة ... شريكين فيها فالعبادي أوجر
لعمرك لقد خارت خفاجة عامراً ... كما خير بيتٌ بالعراق المشقر
وإنك لو تعطي العبادي مشقصاً ... لراشي كما راشى على الطبع أبخر
راشى من الرشوة أخبرني هاشم بن محمدٍ الخزاعي، قال: حدثنا الرياشي، قال: حدثنا الأصمعي، قال: مر المخبل السعدي بخليدة بنت بدرٍ، أخت الزبرقان بن بدرٍ، بعد ما أسن وضعف بصره، فأنزلته وقربته وأكرمته، ووهبت له وليدة وقالت له إني آثرتك بها يأبا يزيد فاحتفظ بها. فقال: ومن أنت حتى أعرفك وأشكرك؟ قالت: لا عليك، قال: بلى والله أسألك. قالت: أنا بعض من هتكت بشعرك ظالماً، أنا خليدة بنت بدرٍ. فقال: واسوأتاه منك، فإني أستغفر الله عز وجل، وأستقيلك وأعتذر إليك. ثم قال:
لقد ضل حلمي في خليدة إنني ... سأعتب نفسي بعدها وأموت
فأقسم بالرحمن إني ظلمتها ... وجرت عليها والهجاء كذوب
والقصيدة التي فيها الغناء المذكور بشعر المخبل وأخباره يمدح بها علقمة بن هوذة ويذكر فعله به وما وهبه له من ماله، ويقول:
فجزى الإله سراة قومي نضرةً ... وسقاهم بمشارب الأبرار
قومٌ إذا خافوا عثار أخيهم ... لا يسلمون أخاهم لعثار
أمثال علقمة بن هوذة إذ سعى ... يخشى علي متالف الأبصار

(3/474)


أثنوا علي وأحسنوا وترافدوا ... لي بالمحاض البزل والأبكار
والشول يتبعها بنات لبونها ... شرقاً حناجرها من الجرجار
أخبرنا أبو زيد، عن عبد الرحمن، عن عمه، وأخبرنا محمد بن العباس اليزيدي قال: حدثني عمي عبيد الله، عن ابن حبيب. وأخبرني عمي، قال: حدثنا الكراني، قال: حدثنا العمري، عن لقيطٍ قالوا: اجتمع الزبرقان بن بدر والمخبل السعدي وعبدة بن الطبيب وعمرو بن الأهتم قبل أن يسلموا، وبعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، فنحروا جزوراً، واشتروا خمراً ببعير، وجلسوا يشوون ويأكلون، فقال بعضهم: لو أن قوماً طاروا من جودة أشعارهم لطرنا. فتحاكموا إلى أول من يطلع عليهم، فطلع عليهم ربيعة بن حذار الأسدي، وقال اليزيدي: فجاءهم رجلٌ من بني يربوع يسأل عنهم، فدل عليهم وقد نزلوا بطن وادٍ وهم جلوس يشربون، فلما رأوه سرهم، وقالوا له: أخبرنا أينا أشعر؟ قال: أخاف أن تغضبوا، فآمنوه من ذلك، فقال: أما عمرو فشعره برودٌ يمنية تنشر وتطوى، وأما أنت يا زبرقان فكأنك رجل أتى جزوراً قد نحرت، فأخذ من أطايبها وخلطه بغير ذلك.
وقال لقيط في خبره، قال له ربيعة بن حذار: وأما أنت يا زبرقان فشعرك كلحم لم ينضج فيؤكل، ولم يترك نيئاً فينتفع به، وأما أنت يا مخبل فشعرك شهبٌ من نار الله يلقيها على من يشاء، وأما أنت يا عبدة فشعرك كمزادةٍ أحكم فليس يقطر منها شيء.
أخبرنا اليزيدي، عن عمه، عن ابن حبيب، قال: كان رجل من بني امرىء القيس يقال له روقٌ مجاوراً في بكر بن وائل باليمامة، فأغاروا على إبله وغدروا به، فأتى المخبل يستمنحه، فقال له: إن شئت فاختر خير ناقة في إبلي فخذها، وإن شئت سعيت لك. فقال: أن تسعى بي أحب إلي. فخرج المخبل فوقف على نادي قومه، ثم قال:
أدوا إلى روح بن حس ... ان بن حارثة بن منذر
كوماء مدفاةً كأ ... ن ضروعها حماء أجفر
تأبى إلى بصص تس ... ح المحض باللبن الفضنفر
فقالوا: نعم ونعمة. فجمعوا له بينهم الناقة والناقتين من رجلين حتى أعطوه بعدة إبله.
وقال ابن حبيب في هذه الرواية: كان رجل من بني ضبة.
اسل عن ليلى علاك المشيب ... وتصابي الشيخ شيءٌ عجيب
وإذا كان النسيب بسلمى ... لذ في سلمى وطاب النسيب
إنما شبهتها إذ تراءت ... وعليها من عيون رقيب
بطلوع الشمس في يوم دجنٍ ... بكرةً أو حان منها غروب
إنني فاعلم وإن عز أهلي ... بالسويداء الغداة غريب
الشعر لغيلان بن سلمة الثقفي، وجدت ذلك في جامع شعره بخط أبي سعيد السكري، والغناء لابن زرزورٍ الطائفي، خفيف ثقيلٍ أول بالوسطى، عن يحيى المكي، وفيه ليونس الكاتب لحن ذكره في كتابه، ولم يجنسه.
أخبار غيلان ونسبه
غيلان بن سلمة بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن قسي وهو ثقيف. وأمه سبيعة بيت عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، أخت أمية بن شمس بن عبد مناف.
أدرك الإسلام فأسلم بعد فتح الطائف، ولم يهاجر، وأسلم ابنه عامر قبله، وهاجر، ومات بالشام في طاعون عمواس وأبوه حيٌ.
وغيلان شاعرٌ مقل، ليس بمعروف في الفحول.
وبنته بادية بنت غيلان التي قال هيتٌ المخنث لعمر بن أم سلمة أم المؤمنين، أو لأخيه سلمة: " إن فتح الله عليكم الطائف فسل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهب لك بادية بنت غيلان، فإنها كحلاء، شموعٌ نجلاء، خمصانة هيفاء، إن مشت تثنت، وإن جلست تبنت، وإن تكلمت تغنت، تقبل بأربع وتدبر بثمانٍ، وبين فخذيها كالإناء المكفأ " .
وغيلان فيما يقال أحد من قال من قريش للنبي صلى الله عليه وسلم وآله: " لولا أنزل هذا القرآن على رجلٍ من القريتين " .

(3/475)


قال ابن الكبي: حدثني أبي، قال: تزوج غيلان بن سلمة خالدة بنت أبي العاص، فولدت له عماراً وعامراً، فهاجر عمار إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما بلغه خبره عمد خازنٌ كان لغيلان إلى مالٍ له فسرقه وأخرجه من حصنه فدفنه، وأخبر غيلان أن ابنه عماراً سرق ماله وهرب به، فأشاع ذلك غيلان وشكاه إلى الناس، وبلغ خبره عماراً فلم يعتذر إلى أبيه، ولم يذكر له براءته مما قيل له، فلما شاع ذلك جاءت أمه لبعض ثقيفٍ إلى غيلان، فقالت له: أي شيءٍ لي عليك إن دللتك على مالك؟ قال: ما شئت. قالت: تبتاعني وتعتقني؟ قال: ذلك لك. قالت: فاخرج معي. فخرج معها، فقالت: إني رأيت عبدك فلاناً قد احتفر ها هنا ليلة كذا وكذا ودفن شئياً. وإنه لا يزال يعتاده ويراعيه، ويتفقده في اليوم مراتٍ، وما أراه إلا المال. فاحتفر الموضع فإذا هو بماله، فأخذه وابتاع الأمة فأعتقها، وشاع الخبر في الناس حتى بلغ ابنه عماراً، فقال: والله لا يراني غيلان أبداً، ولا ينظر في وجهي. وقال:
حلفت لهم بما يقول محمدٌ ... وبالله إن الله ليس بغافل
برئت من المال الذي يدفنونه ... أبرىء نفسي أن ألط بباطل
ولو غير شيخي من معدٍّ يقوله ... تيممته بالسيف غير مواكل
وكيف انطلاقي بالسلاح إلى امرىءٍ ... تبشره بي يبتدرن قوابلي
فلما أسلم غيلان، خرج عامرٌ وعمارٌ مغاضبين له مع خالد بن الوليد، فتوفي عامر بعمواس، وكان فارس ثقيفٍ يومئذٍ، وهو صاحب شنوءة يوم تثليث، وهو قتل سيدهم جابر بن سنانٍ أخا دهنة، فقال غيلان يرثي عامراً:
عيني تجود بدمعها الهتان ... سحاً وتبكي فارس الفرسان
يا عام من للخيل لما أجحمت ... عن شدة مرهوبة وطعان
لو أستطيع جعلت مني عامراً ... بين الضلوع وكل حي فان
يا عين بكي ذا الحزامة عامراً ... للخيل يوم تواقف وطعان
وله بتثليثات شدة معلم ... منه وطعنة جابر بن سنان
فكأنه صافي الحديدة مخذمٌ ... مما يحير الفرس للباذان
نسخت من كتاب أبي سعيد السكري، قال: كان لغيلان بن سلمة جار من باهلة، وكانت له إبل يرعاها راعيه في الإبل مع إبل غيلان، فتخطى بعضها إلى أرضٍ لأبي عقيل بن مسعود بن عامر بن معتب، فضرب أبو عقيل الراعي واستخف به، فشكا الباهلي ذلك إلى غيلان، فقال لأبي عقيل:
ألا من يرى رأى امرىءٍ ذي قرابة ... أبي صدره بالضغن إلا تطلعا
فسلمك أرجو لا العداوة إنما ... أبوك أبي وإنما صفقنا معا
وإن ابن عم المرء مثل سلاحه ... يقيه إذا لاقى الكمي المقنعا
فإن يكثر المولى فإنك حاسدٌ ... وإن يفتقر لا يلف عندك مطمعا
فهذا وعيدٌ وادخارٌ فإن تعد ... وجدك أعلم ما تسلفت أجمعا
ونسخت من كتابه، قال: لما أسن غيلان وكثرت أسفاره ملته زوجته، وتجنت عليه، وأنكر أخلاقها، فقال فيها:
يا رب مثلك في النساء غريرةٍ ... بيضاء قد صبحتها بطلاق
لم تدر ما تحت الضلوع وغرها ... مني تحمل عشرتي وخلاقي
ونسخت من كتابه: إن بني عامر بن ربيعة جمعوا جموعاً كثيرةً من أنفسهم وأحلافهم، ثم ساروا إلى ثقيفٍ بالطائف، وكانت بنو نصر بن معاوية أحلافاً لثقيف، فلما بلغ ثقيفاً مسير بني عامر استنجدوا بني نصر، فخرجت ثقيف إلى بني عامرٍ وعليهم يومئذٍ غيلان بن سلمة بن معتب، فلقوهم وقاتلتهم ثقيفٌ قتالاً شديداً، فانهزمت بنو عامر بن ربيعة ومن كان معهم، وظهرت عليهم ثقيفٌ، فأكثروا فيهم القتل، فقال غيلان في ذلك، ويذكر تخلف بني نصر عنهم:
ودع بذمٍّ إذا ما حان رحلتنا ... أهل الحظائر من عوفٍ ودهمانا
القائلين وقد حلت بساحتهم ... جسرٌ تحسحس عن أولاد هصانا
والقائلين وقد رابت وطابهم ... أسيف عوفٍ ترى أم سيف غيلانا
أغنو الموالي عنا لا أبالكم ... إنا سنعني صريح القوم من كانا
لا يمنع الخطر المظلوم قحمته ... حتى يرى بالعين من كانا

(3/476)


ونسخت من كتابه، قال: جمعت خثعم جموعاً من اليمن، وغزت ثقيفاً بالطائف، فخرج إليهم غيلان بن سلمة في ثقيف، فقاتلهم قتالاً شديداً، فهزمهم وقتل منهم مقتلةً عظيمة، وأسر عدةً منهم، ثم من عليهم وقال في ذلك:
ألا يا أخت خثعم خبرينا ... بأي بلاء قومٍ تفخرينا
جلبنا الخيل من أكناف وجٍّ ... وليثٍ نحوكم بالدارعينا
رأيناهن معملةً رواحا ... يقيتان الصباح ومعتدينا
فأمست مسي خامسةٍ جميعاً ... تضابع في القياد وقد وجينا
وقد نظرت طوالعكم إلينا ... بأعينهم وحققنا الظنونا
إلى رجراجةٍ في الدار تعشى ... إذا استنت عيون الناظرينا
تركن نساءكم في الدار نوحا ... يبكون البعولة والبنينا
جمعتم جمعكم فطلبتمونا ... فهل أنبئت حال الطالبينا
أخبرنا محمد بن خلفٍ وكيعٌ، قال: أخبرني محمد بن سعد الشامي، قال: حدثني أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمرو الثقفي، قال: خرجت مع كيسان بن أبي سليمان أسايره، فأنشدني شعر غيلان بن سلمة، ما أنشدني لغيره، حتى صدرنا عن الأبلة، ثم مر بالطف وهو يريد الطابق، فأنشدني له:
وليلة أرقت صحابك بالط ... ف وأخرى بجنب ذي حسم
فالجسر فالقصران فالنهر المرب ... د بين النخيل والأجم
معانق الواسط المقدم أو ... أدنو من الأرض غير مقتحم
أستعمل العنس بالقياد إلى ال ... آفاق أرجو نوافل الطعم
أخبرني عمي قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعد، قال: حدثني أحمد بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف قال: حدثني عمر بن عبد العزيز بن أبي ثابت عن أبيه، قال: لما حضرت غيلان بن سلمة الوفاة، وكان قد أحصن عشراً من نساء العرب في الجاهلية، قال: " يا بني قد أحسنت خدمة أموالكم، وأمجدت أمهاتكم فلن تزالوا بخيرٍ ما غذوتم من كريم وغذا منكم، فعليكم ببيوتات العرب، فإنها معارج الكرم، وعليكم بكل رمكاء مكينةٍ ركينةٍ، أو بيضاء رزينة، في خدر بيت يتبع، أوجد يرتجى، وإياكم والقصيرة الرطلة، فإن أبغض الرجال إلي أن يقاتل عن إبلي أو يناضل عن حسبي، القصير الرطل " . ثم أنشأ يقول:
وحرة قومٍ قد تنوق فعلها ... وزينها أقوامها فتزينت
رحلت إليها لا ترد وسيلتي ... وحملتها من قومها فتحملت
أخبرني عمي قال: حدثنا محمد بن سعد الكراني، قال: كان غيلان بن سلمة الثقفي قد وفد إلى كسرى فقال له ذات يوم: يا غيلان، أي ولدك أحب إليك؟ قال: الصغير حتى يكبر، والمريض حتى يبرأ، والغائب حتى يقدم. قال له: ما غذاؤك؟ قال: خبز البر. قال: قد عجبت من أن يكون لك هذا العقل وغذاؤك غذاء العرب، إنما البر جعل لك هذا العقل.
قال: الكراني، قال العمري: روى الهيثم بن عدي هذا الخبر أتم من هذه الرواية، ولم أسمعه منه. قال الهيثم: حدثني أبي، قال: خرج أبو سفيان بن حرب في جماعة من قريش وثقيف يريدون العراق بتجارة، فلما ساروا ثلاثاً جمعهم أبو سفيان، فقال لهم: إنا من مسيرنا هذا لعلى خطر، ما قدومنا على ملك جبارٍ لم يأذن لنا في القدوم عليه، وليست بلاده لنا بمتجر؟ ولكن أيكم يذهب بالعير، فأن أصيب فنحن برآء من دمه، وإن غنم فله نصف الربح؟ فقال غيلان بن سلمة: دعوني إذاً فأنا لها. فدخل الوادي، فجعل يطوفه ويضرب فروع الشجر ويقول:
ولو رآني أبو غيلان إذ حسرت ... عني الأمور إلى أمرٍ له طبق
لقال رغبٌ ورهب يجمعان معاً ... حب الحياة وهول النفس والشفق
إما بقيت على مجدٍ ومكرمة ... أو أسوة لك فيمن يهلك الورق

(3/477)


ثم قال: أنا صاحبكم. ثم خرج في العير، وكان أبيض طويلاً جعداً ضخماً، فلما قدم بلاد كسرى، تخلق ولبس ثوبين أصفرين، وشهر أمره، وجلس بباب كسرى حتى أذن له، فدخل عليه وبينهما شباكٌ من ذهب، فخرج إليه الترجمان، وقال له: يقول لك الملك: من أدخلك بلادي بغير إذني؟ فقال: قل له: لست من أهل عداوةٍ لك، ولا أتيتك جاسوساً لضد من أضدادك، وإنما جئت بتجارةٍ تستمتع بها، فإن أردتها فهي لك، وإن لم تردها وأذنت في بيعها لرعيتك بعتها، وإن لم تأذن في ذلك رددتها. قال: فإنه ليتكلم، إذ سمع صوت كسرى فسجد، فقال له الترجمان: يقول لك الملك: لم سجدت؟ فقال: سمعت صوتاً عالياً حيث لا ينبغي لأحدٍ أن يعلو صوته إجلالاً للملك، فعلمت أنه لم يقدم على رفع الصوت هناك غير الملك فسجدت إعظاماً له. قال: فاستحسن كسرى ما فعل، وأمر له بمرفقةٍ توضع تحته، فلما أتي بها رأى عليها صورة الملك، فوضعها على رأسه، فاستجهله كسرى واستحمقه، وقال للترجمان: قل له: إنما بعثنا إليك بهذه لتجلس عليها. قال: قد علمت، ولكني لما أتيت بها رأيت عليها صورة الملك، فلم يكن حق صورته على مثلي أن يجلس عليها، ولكن كان حقها التعظيم، فوضعتها على رأسي، لأنه أشرف أعضائي وأكرمها علي. فاستحسن فعله جداً، ثم قال له: ألك ولد؟ قال: نعم. قال: فأيهم أحب إليك؟ قال: الصغير حتى يكبر، والمريض حتى يبراً، والغائب حتى يؤوب. فقال كسرى: زه، ما أدخلك علي ودلك على هذا القول والفعل إلا حظك، فهذا فعل الحكماء وكلامهم، وأنت من قوم جفاةٍ لا حكمة فيهم، فما غذاؤك؟ قال: خبز البر. قال: هذا العقل من البر، لا من اللبن والتمر. ثم اشترى منه التجارة بأضعاب ثمنها، وكساه وبعث معه من الفرس من بنى له أطماً بالطائف، فكان أول أطم بني بها.
أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر، قال: حدثنا الزبير بن بكار، قال: حدثني عمر بن أبي بكر الموصلي عن عبد الله بن مصعب عن أبيه قال: استشهد نافع بن سلمة الثففي مع خالد بن الوليد بدومة الجندل، فجزع عليه غيلان وكثر بكاؤه، وقال يرثيه:
ما بال عيني لا تغمص ساعةً ... إلا اعترتني عبرةٌ تغشاني
أرعى نجوم الليل عند طلوعها ... وهناً وهن من الغروب دوان
يا نافعاً من للفوارس أحجمت ... عن فارس يعلو ذرى الأقران
فلو استطعت جعلت مني نافعاً ... بين اللهاة وبين عكد لساني
قال: وكثر بكاؤه عليه، فعوتب في ذلك، فقال: والله لا تسمح عيني بمائها فأصن به على نافع. فلما تطاول العهد انقطع ذلك من قوله، فقيل له فيه، فقال: بلي نافع، وبلي الجرع، وفني وفنيت الدموع، واللحاق به قريب
ألا عللاني قبل نوح الوادب ... وقبل بكاء المعولات القرائب
وقبل ثوائي في ترابٍ وجندلٍ ... وقبل نشوز النفس فوق الترائب
فإن تأتني الدنيا بيومي فجاءة ... تجدني وقد قضيت منها مآربي
الشعر لحاجز الأزدي، والغناء لنبيه هزج، بالبنصر، عن الهشامي.
أخبار حاجز ونسبه
هو حاجز بن عوف بن الحارث بن الأخثم بن عبد الله بن ذهل بن مالك بن سلامان بن مفرج بن مالك بن زهران بن عوف بن ميدعان بن مالك بن نصر بن الأزد. وهو حليف لبني مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي، وفي ذلك يقول:
قومي سلامان إما كنت سائلةً ... وفي قريش كريم الحلف والحسب
إني متى أدع مخزوماً تري عنقاً ... لا يرعشون لضرب القوم من كثب
يدعى المغيرة في أولى عديدهم ... أولاد مرأسةٍ ليسوا من الذنب
وهو شاعر جاهلي مقل، ليس من مشهوري الشعراء، وهو أحد الصعاليك المغيرين على قبائل العرب، وممن كان يعدو على رجليه عدواً يستبق بن الخيل.
أخبرني محمد بن الحسن بن دريد، قال: حدثني العباس بن هشام، عن أبيه، عن عوف بن الحارث الأزدي، أنه قال لابنه حاجز بن عوف: أخبرني يا بني بأشد عدوك. قال: نعم، أفزعتني خثعم فنزوت نزواتٍ، ثم استفزتني الخيل واصطف لي ظبيان، فجعلت أنهنههما بيدي عن الطريق، ومنعاني أن أتجاوزها في العدو لضيق الطريق حتى اتسع واتسعت بنا، فسبقتهما. فقال له: فهل جاراك أحدٌ في العدو؟ قال: ما رأيت أحداً جاراني إلا أطيلس أغيبر من النقوم، فإنا عدونا معاً فلم أقدر على سبقه.

(3/478)


قال: النقوم بطن من الأزد من ولد ناقم، واسمه عامر بن حوالة بن الهنو بن الأزد.
نسخت أخبار حاجز من رواية أبي عمرو الشيباني من كتاب بخط المرهبي الكوكبي، قال: أغار عوف بن الحارث بن الأخثم على بني هلال بن عامر بن صعصعة في يوم داجٍ مظلمٍ، فقال لأصحابه: انزلوا حتى أعتبر لكم. فانطلق حتى أتى صرماً من بني هلال، وقد عصب على يد فرسه عصاباً ليظلع فيطمعوا فيه، فلما أشرف عليهم استرابوا به، فركبوا في طلبه، وانهزم من بين أيديهم، وطمعوا فيه، فهجم بهم على أصحابه بني سلامان، فأصيب يومئذٍ بنو هلال، وملأ القوم أيديهم من الغنائم، ففي ذلك يقول حاجز بن عوف:
صباحك واسلمى عنا أماماً ... تحية وامقٍ وعمي ظلاما
برهرهةٌ يحار الطرف فيها ... كحقة تاجر شدت ختاما
فإن تمس ابنة السهمي منا ... بعيداً لا تكلمنا كلاما
فإنك لا محالة أن تريني ... ولو أمست حبالكم رماما
بناجية القوائم عيسجورٍ ... تدارك نيها عاماً فعاما
سلي عني إذا اغبرت جمادي ... وكان طعام ضيفهم الثماما
ألسنا عصمة الأضياف حتى ... يضحى مالهم نفلاً تواما
أبى ربع الفوارس يوم داجٍ ... وعمي مالكٌ وضع السهاما
فلو صاحبتنا لرضيت منا ... إذا لم تغبق المائة الغلاما
يعني بقوله: وضع السهام، أن الحارث بن عبدالله بن بكر بن يشكر بن مبشر بن صقعب بن دهمان بن نصر بن زهران، كان يأخذ من جميع الأزد إذا غنموا الربع، لأن الرياسة في الأزد كانت لقومه، وكان يقال لهم: الغطاريف وهم أسكنوا الأسد بلد السراة، وكانوا يأخذون للمقتول منهم ديتين ويعطون غيرهم دية واحدة إذا وجبت عليهم، فغزتهم بنو فقيم بن عدي بن الديل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، فظفرت بهم، فاستغاثوا ببني سلامان، فأغاثوهم، حتى هزموا بني فقيم وأخذوا منهم الغنائم وسلبوهم، فأراد الحارث أن يأخذ الربع كما كان يفعل، فمنعه مالك بن ذهل بن مالك بن سلامان، وهو عم أبي حاجز، وقال: هيهات، ترك الربع غدوة فأرسلها مثلاً، فقال له الحارث: أتراك يا مالك تقدر أن تسود؟ فقال: هيهات، الأزد أمنع من ذاك. فقال: أعطني ولو جعباً، والجعب: البعر في لغتهم، لئلا تسمع العرب أنك منعتني. فقال مالك: فمن سماعها أفر، ومنعه الربيع، فقال حاجز في ذلك:
ألا زعمت أبناء يشكر أننا ... بربعهم باءوا هنالك ناضل
ستمنعنا منكم ومن سوء صنعكم ... صفائح بيضٌ أخلصتها الصياقل
وأسمر خطيٌّ إذا هز عاسلٌ ... بأيدي كماةٍ جربتها القبائل
وقال أبو عمرو: جمع حاجزٌ ناساً من فهم وعدران، فدلهم على خثعم، فأصابوا منهم غرة وغنموا ما شاءوا، فبلغ حاجراً أنهم يتوعدونه ويرصدونه، فقال:
إني من إرعادكم وبروقكم ... وإيعادكم بالقتل صمٌّ مسامعي
وإني دليل غير مخفٍ دلالتي ... على ألف بيتٍ جدهم غير خاشع
ترى البيض يركضن المجاسد بالضحى ... كذا كل مشبوح الذراعين نازع
على أي شيء لا أبا لأبيكم ... تشيرون نحوي نحوكم بالأصابع
وقال أبو عمرو: أغارت خثعم على بني سلامان وفيهم عمرو بن معد يكرب، وقد استنجدت به خثعم على بني سلامان، فالتقوا واقتتلوا، فطعن عمرو بن معد يكرب حاجزاً فأنفذ فخذه، فصاح حاجز: يا آل الأزد! فندم عمرو وقال: خرجت غازياً وفجعت أهلي. وانصرف، فقال عزيل الخثعمي يذكر طعنة عمروٍ حاجزاً، فقال:
أعجز حاجزٌ منا وفيه ... مشلشلة كحاشية الإزار
فعز علي ما أعجزت مني ... وقد أقسمت لا يضربك ضار
فأجابه حاجز فقال:
إن تذكروا يوم القري فإنه ... بواءٌ بأيامٍ كثيرٍ عديدها
فنحن أبحنا بالشخيصة واهناً ... جهاراً فجئنا بالنساء نقودها
ويوم كراءٍ قد تدارك ركضنا ... بني مالكٍ والخيل صعرٌ خدودها
ويوم الأراكات اللواتي تأخرت ... سراة بني لهبان يدعة شريدها
ونحن صبحنا الحي يوم تنومةٍ ... بملمومة يهوى الشجاع وئيدها

(3/479)


ويوم شروم قد تركنا عصابة ... لدى جانب الطرفاء حمراً جلودها
فما رغمت حلفاً لأمرٍ يصيبها ... من الذل إلا نحن رغماً نزيدها
وقال أبو عمرو: بينما حاجز في بعض غزواته إذ أحاطت به خثعم، وكان معه بشير ابن أخيه، فقال له: يا بشير، ما تشير؟ قال: دعهم حتى يشربوا ويقفلوا ويمضوا ونمضي معهم فيظنونا بعضهم. ففعلا، وكانت في ساق حاجز شامةٌ، فنظرت إليها امرأةٌ من خثعم، فصاحت: يا آل خثعم، هذا حاجز. فطاروا يتبعونه، فقالت لهم عجوز كانت ساحرة: أكفيكم سلاحة أو عدوه. فقالوا: لا نريد أن تكفينا عدوه فإن معنا عوفاً وهو يعدو مثله، ولكن اكفينا سلاحه. فسحت لهم سلاحه وتبعه عوف بن الأغر بن همام بن الأسر بن عبد الحارث بن واهب بن مالك بن صعب بن غنم بن الفزع الخثعمي، حتى قاربه، فصاحت به خثعم: يا عوف ارم حاجزاً، فلم يقدم عليه، وجبن، فغضبوا وصاحوا: يا حاجز، لك الذمام، فاقتل عوفاً فإنه قد فضحنا. فنزع في قوسه ليرميه، فانقطع وتره، لأن المرأة الخثعمية كانت قد سحرت سلاحه، فأخذ قوس بشير ابن أخيه فنزع فيها فانكسرت، وهربا من القوم ففاتاهم ووجد حاجز بعيراً في طريقه فركبه فلم يسر في الطريق الذي يريده ونحا به نحو خثعم، فنزل حاجز عنه، فمر فنجا وقال في ذلك:
فدى لكما رجلي أمي وخالتي ... بسعيكما بين الصفا والأثائب
أوان سمعت القوم خلفي كأنهم ... حريق أباءٍ في الرياح الثواقب
سيوفهم تغشى الجبان ونبلهم ... يضيء لدى الأقوام نار الحباحب
فغير قتالي في المضيق أغاثني ... ولكن صريح العدو غير الأكاذب
نجوت نجاءً لا أبيك تبثه ... وينجو بشير نجو أزعر خاضب
وجدت بعيراً هاملاً فركبته ... فكادت تكون شر ركبة راكب
وقال أبو عمرو: اجتاز قوم حجاجٌ من الأزد ببني هلال بن عامر بن صعصعة، فعرفهم ضمرة بن ماعز سيد بني هلال، فقتلهم هو وقومه، وبلغ ذلك حاجزاً، فجمع جمعاً من قومه وأغار على بني هلال فقتل فيهم وسبى منهم، وقال في ذلك يخاطب ضمرة بن ماعز:
يا ضمر هل نلناكم بدمائنا ... أم هل حذونا نعلكم بمثال
نبكي لقتلى من فقيم قتلوا ... فاليوم تبكي صادقاً لهلال
ولقد شفاني أن رأيت نساءكم ... يبكين مردفة على الأكفال
يا ضمر إن الحرب أضحت بيننا ... لقحت على الدكاء بعد حيال
قال أبو عمرو: خرج حاجز في بعض أسفاره فلم يعد، ولا عرف له خبر، فكانوا يرون أنه مات عطشاً أو ضل، فقال أخته ترثيه:
أحيٌ حاجزٌ أم ليس حياً ... فيسلك بين جندف والبهيم
ويشرب شربةً من ماء ترج ... فيصدر مشية السبع الكليم
أخبرني هاشم بن محمد، قال: حدثنا دماذ عن أبي عبيدة، قال: كان حاجز الأزدي مع غاراته كثير الفرار، لقي عامراً فهرب منهم فنجا، وقال:
ألا هل أتى ذات القلائد فرتي ... عشية بين الجرف والبحر من بعر
عشية كادت عامرٌ يقتلونني ... لدى طرف السلماء راغية البكر
فما الظبي أخطت خلفة الصقر رجله ... وقد كاد يلقى الموت في خلفة الصقر
بمثلي غداة القوم بين مقنع ... وآخر كالسكران مرتكزٍ يفري
وفر من خثعم وتبعه المرقع الخثعمي ثم الأكلبي، ففاته حاجز، وقال في ذلك:
وكأنما تبع الفوارس أرنبا ... أو ظبي رابيةٍ خفافاً أشعبا
وكأنما طردوا بذي نمراته ... صدعا من الأروى أحس مكلبا
أعجزت منهم والأكف تنالني ... ومضت حياضهم وآبوا خيبا
أدعو شنوءة غثها وسمينها ... ودعا المرقع يوم ذلك أكلبا
وقال يخاطب عوض أمسى:
أبلغ أميمة عوض أمسى بزنا ... سلباً وما إن سرها ننكبا
لولا تقارب رأفة وعيونها ... حمشاً مصعداً ومصوبا
يا دار من ماوي بالسهب ... بنيت على خطب من الخطب
إذ لا ترى إلا مقاتلة ... وعجانساً يرقلن بالركب
ومدججاً يسعى بشكته ... محمرةً عيناه كالكلب

(3/480)


ومعاشراً صدأ الحديد بهم ... عبق الهناء مخاطم الجرب
الشعر للحارث بن الطفيل الدوسي، والغناء لمعبد، رمل بالبنصر، من رواية يحيى المكي، وفيه لابن سريج خفيف ثقيلٍ مطلقٌ في مجرى البنصر عن إسحاق، والله أعلم.
أخبار الحارث بن الطفيل ونسبه
هو الحارث بن الطفيل بن عمرو بن عبد الله بن مالك بن فهم بن غنم بن دوس بن عبد الله بن عدثان بن عبيد الله بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد، شاعرٌ فارسٌ، من مخضرمي شعراء الجاهلية والإسلام، وأبوه الطفيل بن عمروٍ شاعر أيضاً، وهو أول من وفد من دوس على النبي صلى الله عليه وسلم، فأسلم وعاد إلى قومه، فدعاهم إلى الإسلام.
أخبرني عمي قال: حدثنا الحزنبل بن عمرو بن أبي عمرو عن أبيه، واللفظ في الخبر له، والله أعلم.
وأخبرني به محمد بن الحسن بن دريد قال: حدثني عمي عن العباس بن هشام عن أبيه: إن الطفيل بن عمرو بن عبد الله بن مالك الدوسي خرج حتى أتى مكة حاجاً، وقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهاجر إلى المدينة، وكان رجلاً يعصو - والعاصي البصير بالجراح، ولذلك يقال لولده: بنو العاصي - فأرسلته قريشٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: انظر لنا ما هذا الرجل، وما عنده؟ فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فعرض عليه الإسلام، فقال له: إني رجلٌ شاعر، فاسمع ما أقول: فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: هات. فقال:
لا وإله الناس نألم حربهم ... ولو حاربتنا منهبٌ وبنو فهم
ولما يكن يومٌ تزول نجومه ... تطير به الركبان ذو نبأٍ ضخم
أسلماً على خسف ولست بخالدٍ ... وما لي من واقٍ إذا جاءني حتمي
فلا سلم حتى تحفز الناس خيفةٌ ... ويصبح طيرٌ كانساتٍ على لحم
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأنا أقول فاستمع، ثم قال: " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد " . ثم قرأ: " قل أعوذ برب الفلق " . ودعاه إلى الإسلام فأسلم، وعاد إلى قومه، فأتاهم في ليلةٍ مطيرةٍ ظلماء، حتى نزل بروق، وهي قرية عظيمةٌ لدوس فيها منبر، فلم يبصر أين يسلك، فأضاء له نور في طرف سوطه، فبهر الناس ذلك النور، وقالوا: نار أحدثت على القدوم ثم على بروق، لا تطفأ. فعلقوا يأخذون بسوطه فيخرج النور من بين أصابعهم، فدعا أبويه إلى الإسلام فأسلم أبوه ولم تسلم أمه، ودعا قومه فلم يجبه إلا أبو هريرة، وكان هو وأهله في جبل يقال له ذو رمع، فلقيه بطريق يزحزح، وبلغنا أنه كان يزخف في العقبة من الظلمة ويقول:
يا طولها من ليلةٍ وعناءها ... على أنها من بلدة الكفر نجت
ثم أتى الطفيل بن عمرو النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أبو هريرة، فقال له: ما وراءك؟ فقال: بلادٌ حصينة وكفر شديد. فتوضأ النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: " اللهم اهد دوساً " ثلاث مراتٍ. قال أبو هريرة: فلما صلى النبي صلى الله عليه وسلم خفت أن يدعو على قومي فيهلكوا، فصحت: واقوماه! فلما دعا لهم سري عني، ولم يحب الطفيل أن يدعو لهم لخلافهم عليه، فقال له: لم أحب هذا منك يا رسول الله. فقال له: إن فيهم مثلك كثيراً. وكان جندب بن عمرو بن حممة بن عوف بن غوية بن سعد بن الحارث بن ذبيان بن عوف بن منهب بن دوس يقول في الجاهلية: إن للخلق خالقاً لا أعلم ما هو. فخرج حينئذٍ في خمسة وسبعين رجلاً حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم وأسلموا. قال أبو هريرة: ما زلت ألوي الآجرة بيدي، ثم لويت على وسطي حتى كأني بجادٌ أسود، وكان جندب يقربهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً رجلاً، فيسلمون.
وهذه الأبيات التي فيها الغناء من قصيدةٍ للحارث بن الطفيل، قالها في حربٍ كانت بين دوس وبين بني الحارث بن عبد الله بن عامر بن الحرث بن يشكر بن مبشر بن صعب بن دهمان بن نصر بن زهران.

(3/481)


وكان سبب ذلك فيما ذكر عن أبي عمرو الشيباني أن ضماد بن مسرح بن النعمان بن الجبار بن سعد بن الحارث بن عبد الله بن عامر بن الحارث بن يشكر، سيد آل الحارث، كان يقول لقومه: أحذركم جرائر أحمقين من آل الحارث يبطلان رياستكم. وكان ضمادٌ يتعيف، وكان آل الحارث يسودون العشيرة كلها، فكانت دوسٌ أتباعاً لهم، وكان القتيل من آل الحارث تؤخذ له ديتان، ويعطون إذا لزمهم عقل قتيل من دوس ديةً واحدة، فقال غلامان من بني الحارث يوماً: ائتوا شيخ بني دوس وزعيمهم الذي ينتهون إلى أمره فلنقتله. فأتياه. فقالا: يا عم، إن لنا أمراً نريد أن تحكم بيننا فيه. فأخرجاه من منزله، فلما تنحيا به قال له أحدهما: يا عم، إن رجلي قد دخلت فيها شوكة، فأخرجها لي. فنكس الشيخ رأسه لينتزعها وضربه الآخر فقتله، فعمدت دوس إلى سيد بني الحارث، وكان نازلاً بقنونى فأقاموا له في غيضةٍ في الوادي، وسرحت إبله فأخذوا منها ناقة فأدخلوها الغيضة وعقلوها، فجعلت الناقة ترغو وتحن إلى الإبل، فنزل الشيخ إلى الغيضة ليعرف شأن الناقة، فوثبوا عليه فقتلوه، ثم أتوا أهله، وعرفت بنو الحارث الخبر، فجمعوا لدوس وغزوهم فنذروا بهم فقاتلوهم فتناصفوا، وظفرت بنو الحارث بغلمةٍ من دوس فقتلوهم، ثم إن دوساً اجتمع منهم تسعةٌ وسبعون رجلاً، فقالوا: من يكلمنا، من يمانينا حتى نغزو أهل ضماد؟ فكان ضماد قد أتى عكاظ، فأرادوا أن يخالفوه إلى أهله، فمروا برجل من دوسٍ وهو يتغنى:
فإن السلم زائدة نواها ... وإن نوى المحارب لا تروب
فقالوا: هذا لا يتبعكم، ولا ينفعكم أن تبعكم، أما تسمعون غناءه في السلم. فأتوا حممة بن عمرو، فقالوا: أرسل إلينا بعض ولدك. فقال: وأنا إن شئتم. وهو عاصب حاجبيه من الكبر، فأخرج معهم ولده جميعاً، وخرج معهم وقال لهم: تفرقوا فرقتين، فإذا عرف بعضكم وجوه بعض فأغيروا، وإياكم والغارة حتى تتفارقوا لا يقتل بعضكم بعضاً. ففعلوا، فلم يلتفتوا حتى قتلوا ذلك الحي من آل الحارث، وقتلوا إبنا لضماد، فلما قدم قطع أذني ناقته وذنبها، وصرخ في آل الحارث، فلم يزل يجمعهم سبع سنين ودوسٌ تجتمع بازائه، وهم مع ذلك يتغاورون ويتطرف بعضهم بعضاً، وكان ضماد قد قال لابن أخ له يكنى أبا سفيان لما أراد أن يأتي عكاظ: إن كنت تحرز أهلي، وإلا أقمت عليهم. فقال له: أنا حأحرزهم من مائة، فإن زادوا فلا. وكانت تحت ضمادٍ امرأةٌ من دوس، وهي أخت مربان بن سعد الدوسي الشاعر، فلما أغارت دوسٌ على بني الحارث قصدها أخوها، فلاذت به، وضمت فخذها على ابنها من ضمادٍ، وقالت: يا أخي اصرف عني القوم، فإني حائض لا يكشفوني. فنكزسية القوس في درعها، وقال: لست بحائض، ولكن في درعك سخلةٌ بكذا من آل الحارث، ثم أخرج الصبي فقتله، وقال في ذلك:
ألا هل أتى أم الحصين ولو نأت ... خلافتنا في أهله ابن مسرح
ونضرة تدعو بالفناء وطلقها ... ترائبه ينفحن من كل منفح
وفر أبو سفيان لما بدا لنا ... فرار جبانٍ لأمه الذل مقرح
قال: فلم يزالوا يتغاورون حتى كان يوم حضرة الوادي، فتحاشد الحيان، ثم أتتهم بنو الحارث ونزلوا لقتالهم، ووقف ضماد بن مسرح في رأس الجبل، وأتتهم دوس. وأنزل خالد بن ذي السبلة بناته هنداً وجندلة وفطيمة ونضرة، فبنين بيتاً، وجعلن يستقين الماء، ويحضضن. وكان الرجل إذا رجع فاراً أعطينه مكحلة ومجمراً، وقلن: معنا فانزل - إي أنك من النساء - وجعلت هندٌ بنت خالدٍ تحرضهم وترتجز وتقول:
من رجلٌ ينازل الكتيبة ... فذلكم تزني به الحبيبه
فلما التقوا رمى رجلٌ من دوس رجلاً من آل الحارث، فقال: خذها وأنا أبو الزبن، فقال ضماد وهو في رأس الجبل وبنو الحارث بحضرة الوادي: يا قوم زبنتم فارجعوا. ثم رجل آخر من دوس، فقال: خذها وأنا أبو ذكر. فقال ضماد: ذهب القوم بذكرها، فاقبلوا رأيي وانصرفوا. فقال: قد جبنت يا ضماد. ثم التقوا، فأبيدت بنو الحارث. هذه رواية أبي عمرو.

(3/482)


وأما الكلبي فإنه قال: كان عامر بن بكر بن يشكر يقال له الغطريف ويقال لبنيه الغطاريف، وكان لهم ديتان، ولسائر قومه دية، وكانت لهم على دوس إتاوةٌ يأخذونها كل سنة، حتى إن كان الرجل منهم ليأتي بيت الدوسي فيضع سهمه أو نعله على الباب، ثم يدخل، فيجيء الدوسي، فإذا أبصر ذلك انصرف ورجع عن بيته، حتى أدرك عمرو بن حممة بن عمرو فقال لأبيه: ما هذا التطول الذي يتطول به إخواننا علينا؟ فقال: يا بني، إن هذا شيءٌ قد مضى عليه أوائلنا، فأعرض عن ذكره. فأعرض عن هذا الأمر، وإن رجلاً من دوس عرس بابنة عم له، فدخل عليها رجل من بني عامر بن يشكر، فجاء زوجها فدخل على اليشكري، ثم أتى عمرو بن حممة فأخبره بذلك، فجمع دوساً وقام فيهم، فحرضهم وقال: إلى كم تصبرون لهذا الذل، هذه بنو الحارث، تأتيكم الآن تقاتلكم، فاصبروا تعيشوا كراماً أو تموتوا كراما. فاستجابوا له، وأقبلت إليهم بنو الحارث فتنازلوا، واقتتلوا، فظفرت بهم دوس، وقتلتهم كيف شاءت، فقال رجل من دوس يومئذٍ:
قد علمت صفراء حرشاء الذيل ... شرابة المحض تروكٌ للقيل
ترخى فروعاً مثل أذناب الخيل ... أن بروقاً دونها كالويل
ودونها خرط القتاد بالليل
وقال الحارث بن الطفيل بن عمرو الدوسي في هذا اليوم، عن أبي عمرو:
يا دار من ماوي بالسهب ... بنيت على خطبٍ من الخطب
إذ لا ترى إلا مقاتلةً ... وعجانساً يرقلن بالركب
ومدججاً يسعى بشكته ... محمرةً عيناه كالكلب
ومعاشراً صدأ الحديد بهم ... عبق الهناء مخاطم الجرب
لما سمعت نزال قد دعيت ... أيقنت أنهم بنو كعب
كعب بن عمر لا لكعب بني ال ... عنقاء والتبيان في النسب
فرميت كبش القوم معتمداً ... فمضى وراشوه بذي كعب
شكو بحقويه القداح كما ... ناط المعرض أقدح القضب
فكأن مهري ظل منغمساً ... بشبا الأسنة مغرة الجأب
يا رب موضوعٍ رفعت ومر ... فوع وضعت بمنزل اللصب
وحليل غانية هتكت قرارها ... تحت الوغى بشديدة العضب
كانت على حب الحياة فقد ... أحللتها في منزل غرب
جانيك من يجني عليك وقد ... تعدى الصحاح مبارك الجرب
هذا البيت في الغناء في لحن ابن سريج، وليس هو في هذه القصيدة، ولا وجد في الرواية، وإنما ألحقناه بالقصيدة لأنه في الغناء كما تضيف المغنون شعراً إلى شعر، وإن لم يكن قائلهما واحداً إذا اختلف الروي والقافية.
صرفت هواك فانصرفا ... ولم تدع الذي سلفا
وبنت فلم أمت كلفا ... عليك ولم تمت أسفا
كلانا واجد في النا ... س ممن مله خلفا
الشعر لعبد الصمد بن المعذل، والغناء للقاسم بن زرزور، رملٌ بالوسطى، وفيه لعمر الميداني هزجٌ.
أخبار عبد الصمد بن المعذل ونسبه
عبد الصمد بن المعذل بن غيلان بن الحكم بن البختري بن المختار بن ذريح بن أوس بن همام بن ربيعة بن بشير بن حمران بن حدرجان بن عساس بن ليث بن حداد بن ظالم بن ذهل بن عجل بن عمرو بن وديعة بن لكيز بن أفصى بن عبدالقيس بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزارٍ. وقيل: ربيعة بن ليث بن حمران.
وجدت في كتابٍ بخط أحمد بن كامل: حدثني غيلان بن المعذل أخو عبد الصمد، قال: كان أبي يقول: أفصى أبو عبد القيس هو أفصى بن جديلة بن أسد، وأفصى جد بكر بن وائل هو أفصى بن دعمي. والنسابون يغلطون في قولهم عبد القيس بن أفصى بن دعمي. ويكنى عبد الصمد أبا القاسم، وأمه أم ولد يقال لها: الزرقاء. شاعر فصيح من شعراء الدولة العباسية، بصري المولد والمنشأ. وكان هجاء خبيث اللسان، شديد العارضة، وكان أخوه أحمد أيضاً شاعراً، إلا أنه كان عفيفاً، ذا مروءة ودين وتقدم في المعنزلة، وله جاه واسع في بلده وعند سلطانه، لا يقاربه عبد الصمد فيه، فكان يحسده ويهجوه فيحلم عنه، وعبد الصمد أشعرهما، وكان أبو عبد الصمد المعذل وجده غيلان شاعرين، وقد روى عنهما شيء من الأخبار واللغة والحديث ليس بكثير، والمعذل بن غيلان هو الذي يقول:

(3/483)


إلى الله أشكو لا إلى الناس أنني ... أرى صالح الأعمال لا أستطيعها
أرى خلةً في إخوة وأقاربٍ ... وذي رحم ما كان مثلي يضيعها
فلو ساعدتني في المكارم قدرةٌ ... لفاض عليهم بالنوال ربيعها
أنشدنا ذلك له علي بن سليمان الأخفش، عن المبرد وأنشدناه محمد بن خلف بن المرزبان عن الربعي أيضاً. قالا: وهو القائل:
ولست بميالٍ إلى جانب الغنى ... إذا كانت العلياء في جانب الفقر
وإني لصبار على ما ينوبني ... وحسبك أن الله أثنى على الصبر
أخبرني محمد بن خلفٍ، قال: حدثنا النخعي وإسحاق، قال: هجا أبان اللاحقي المعذل بن غيلان فقال:
كنت أمشي مع المعذل يوماً ... ففسا فسوةً فكدت أطير
فتلفت هل أرى ظربانا ... من ورائي والأرض بي تستدير
فإذا ليس غيره وإذا إع ... صار ذاك الفساء منه يفور
فتعجبت ثم قلت لقد أع ... رف هذا فيما أرى خنزير
فأجابه المعذل فقال:
صحفت أمك إذ سم ... تك بالمهد أبانا
قد علمنا ما أرادت ... لم ترد إلا أتانا
صيرت باء مكان ال ... تاء والله عيانا
قطع الله وشيكا ... من مسميك اللسانا
أخبرني عمي قال: حدثنا المبرد قال: مر المعذل بن غيلان بعبد الله بن سوار العنبري القاضي، فاستنزله عبد الله، وكان من عادة المعذل أن ينزل عنده، فأبى، وأنشده:
أمن حق المودة أن نقضي ... ذمامكم ولا تقضوا ذماما
وقد قال الأديب مقال صدقٍ ... رآه الآخرون لهم إماما
إذا أكرمتكم وأهنتموني ... ولم أغضب لذلكم فذاما
قال: وانصرف، فبكر إليه عبد الله بن سوار، فقال له: رأيتك أبا عمرو مغضباً. فقال: أجل ماتت بنت أختي ولم تأتني. قال: ما علمت ذلك. قال: ذنبك أشد من عذرك، وما لي أنا أعرف خبر حقوقك، وأنت لا تعرف خبر حقوقي؟ فما زال عبد الله يعتذر إليه حتى رضي عنه.
حدثني الحسن بن علي الخفاف، قال: حدثنا ابن مهرويه عن الحمدوني، قال: كان شروين حسن الغناء والضرب، وكان من أراد أن يغنيه حتى يخرج من جلده جاء بجويرية سوداء فأمرها أن تطالعه، وتلوح له بخرقة حمراء، ليظنها امرأةً تطالعه، فكان حينئذٍ يغني أحسن ما يقدر عليه تصنعاً لذلك، فغضب عليه عبد الصمد في بعض الأمور، فقال يهجوه:
من حل شروين له منزلاً ... فلتنهه الأولى عن الثانيه
فليس يدعوه إلى بيته ... إلا فتًى في بيته زانيه
أخبرني الحسن، قال: حدثنا ابن مهرويه، قال: حدثني أبو عمرو البصري، قال: قال عبد الصمد بن المعذل في رجلٍ زانٍ من أهل البصرة كانت له امرأةٌ تزني، فقال:
إن كنت قد صفرت أذن الفتى ... فطالما صفر آذانا
لا تعجبي إن كنت كشخنته ... فإنما كشخنت كشخانا
أخبرني جعفر بن قدامة بن زيادٍ الكاتب، قال: حدثنا سوار بن أبي شراعة، قال: كان بالبصرة رجلٌ يعرف بابن الجوهري، وكانت له جاريةٌ مغنيةٌ حسنة الغناء، وكان ابن الجوهري شيخا هماً قبيح الوجه، فتعشقت فتًى كاتباً كان يعاشره ويدعوه، وكان الفتى نظيفاً ظريفاً، فاجتمعت معه مراراً في منزله، وكان عبد الصمد يعاشره، فكان الفتى يكاتمه أمره، ويحلف له أنه لا يهواها، فدخلت عليهما ذات يومٍ بغتةً، فبقي الفتى باهتاً لا يتكلم، وتغر لونه وتخلج في كلامه، فقال عبد الصمد:
لسان الهوى ينطق ... ومشهده يصدق
لقد نم هذا الهوى ... عليك وما يشفق
إذا لم تكن عاشقا ... فقلبك لم يخفق
وما لك إما بدت ... تحار فلا تنطق
أشمسٌ تجلت لنا ... أم القمر المشرق
الغناء في هذه الأبيات لرذاذٍ، ويقال للقاسم بن زرزور، رملٌ مطلقٌ.
قال: ثم طال الأمر بنيهما، فهربت إليه جملةً، فقال عبد الصمد في ذلك:
إلى امرىءٍ حازم ركبت ... أي امرىء عاجزٍ تركت
فتنة ابن الجوهري لقد ... أظهرت نصحاً وقد أفكت

(3/484)


أكذبتها عزمةٌ ظهرت ... لا تبالي نفس من سفكت
ظفرت فيها بما هويت ... ونجت من قرب من فركت
ثم خدودٌ بعدها لطمت ... وجيوبٌ بعدها هتكت
وعيون لا يرقأن على ... حسن وجه فاتهن بكت
خرجت والليل معتكرٌ ... لم يهلها أيةً سلكت
وعيون الناس قد هجعت ... ودجى الظلماء قد حلكت
لم تخف وجداً بعاشقها ... حرمة الشهر الذي انتهت
ورأت لما سقت كمداً ... أنها في دينها نسكت
ملئت كفٌ بها ظفرت ... دون هذا الخلق ما ملكت
إي ملك إذا خلا وخلت ... فشكا أشجانه وشكت
تجتلي من وجهه ذهباً ... وهي يجلو فضةً فتكت
هكذا فعل الفتاة إذا ... هي في عشاقها محكت
أخبرني الحسن بن علي، قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدثني بعض أصحابنا قال: نظر عبد الصمد بن المعذل إلى جارٍ له يخطر في مشيته خطرةً منكرة، وكان فقيراً رث لحال، فقال فيه:
يتمشى في ثوب عصبٍ من العز ... ى على عظم ساقه مسدول
دب في رأسه خمارٌ من الجو ... ع سرى خمرة الرحيق الشمول
فبكى شجوه وحن إلى الخ ... بز ونادى بزفرةٍ وعويل
من لقلبٍ متيم برغيفي ... ن ونفسٍ تاقت إلى طفشيل
ليس تسمو إلى الولائم نفسي ... جل قدر الأعراس عن تأميلي
هات لوناً وقل لتلك تغني ... لست أبكي لدارسات الطلول
أخبرنا سوار بن أبي شراعة، قال: كان بالبصرة طفيليٌ يكنى أبا سلمة، وكان إذا بلغه خبر وليمة لبس لبس القضاة، وأخذ ابنيه معه وعليهما القلانس الطوال، والطيالسة الرقاق، فيقدم ابنيه، فيدق الباب أحدهما ويقول: افتح يا غلام لأبي سلمة. ثم لا يلبث البواب حتى يتقدم لآخر، فيقول: افح ويلك فقد جاء أبو سلمة. ويتلوهم، فيدقون جميعاً الباب، ويقولون: بادر ويلك، فإن أبا سلمى واقف. فإن لم يكن عرفهم فتح لهم، وهاب منظرهم، وإن كانت معرفته إياهم قد سبقت لم يلتف إليهم، ومع كل واحد منهم فهرٌ مدور يسمونه كيسان، فينتظرون حتى يجيء بعض من دعي، فيفتح له الباب، فإذا فتح طرحوا الفهر في العتبة حيث يدور الباب، فلا يقدر البواب على غلقه، ويهجمون عليه فيدخلون. فأكل أبو سلمة يوماً على بعض الموائد لقمةً حارة من فالوذج، وبلعها لشدة حرارتها، فجمعت أحشاؤه فمات على المائدة، فقال عبد الصمد بن المعذل يرثيه:
أحزان نفسي عليها غير منصرمة ... وأدمعي من جفوني الدهر منسجمه
على صديقٍ ومولًى لي فجعت به ... ما إن له في جميع الصالحين لمه
كم جفنةٍ مثل جوف الحوض مترعةٍ ... كوماء جاء بها طباخها رذمه
قد كللتها شحومٌ من قليتها ... ومن سنام جزورٍ عبطةٍ سنمه
غيبت عنها فلم تعرف له خبراً ... لهفي عليك وويلي يا أبا سلمه
ولو تكون لها حياً لما بعدت ... يوماً عليك ولو في جاحمٍ حطمه
قد كنت أعلم أن الأكل يقتله ... لكنني كنت أخشى ذاك من تخمه
إذا تعمم في شبليه ثم غدا ... فإن حوزة من يأتيه مصطلمه
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان ، قال: حدثني أحمد بن يزيد المهلبي عن أبيه، قال: كان عبد الصمد بن المعذل يتعشق فتًى من المغنين، يقال له: أحمد، فغاضبه الفتى وهجره، فكتب إليه:
سل جزعي مذ صددت عن حالي ... هل خطر الصبر على بالي
لا غير الله سوء فعلك بي ... إن كنت أعتبت فيك عذالي
ولا ذممت البكا لي عليك ولا ... حمدت حسن السلو من سال
لو كنت أبغي سواك ما جهلت ... نفسي أن الصدود أعفى لي
لجحظة في هذه الأبيات رملٌ مطلق.
أخبرني الحسن بن علي، قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدثني علي بن محمدٍ النوفلي، فقال: هجا عبد الصمد بن المعذل قينةً بالبصرة قال فيها:

(3/485)


تفتر عن مضحك السدري إن ضحكت ... كرف الأتان رأت إدلاء أعيار
يفوح ريح كنيفٍ من ترائبها ... سوداء حالكةٌ دهماء كالقار
قال: فكسدت والله تلك القينة بالبصرة، فلم تدع ولم تستتبع حتى أخرجت عنها.
أخبرني علي بن سليمان الأخفش، قال: حدثنا المبرد، قال: كتب عبد الصمد بن المعذل إلى بعض الأمراء رقعةً فلم يجبه عنها، لشيء كان بلغه عنه، فكتب إليه:
قد كتبتت الكتاب ثم مضى اليو ... م ولم أدر ما جواب الكتاب
ليت شعري عن الأمير لماذا ... لا يراني أهلاً لرد الجواب
لا تدعني وأنت رفعت حالي ... ذا انخفاضٍ بهجرتي واجتنابي
إن أكن مذنباً فعندي رجوعٌ ... وبلاءٌ بالعذر والإعتاب
وأنا الصادق الوفاء وذو العه ... د الوثيق المؤكد الأسباب
أخبرني الحرمي بن علي، قال: حدثني أبو الشبل، قال: كان بالبصرة رجلٌ من ولد المهلب بن أبي صفرة، يقال له: صبيانه، وكان له بستان سريٌ في منزله، فكان يدعو الفتيات إليه، فلا يعطيهن شيئاً من الدراهم، ويقصر بهن على ما يحملنه من البستان معهن، مثل الرطب والبقول والرياحين، فقال فيه عبد الصمد قوله:
قومٌ زناةٌ مالهم دراهم ... جذرهم النمام والحماحم
أنذل من تجمعه المواسم ... خسوا وخست منهم المطاعم
فعدلهم إن قسته المظالم
أخبرني جعفر بن قدامة، قال: حدثني سوار بن أبي شراعة، وأخبرنا به سوار أجازة، قال: حدثني أبي، قال: لما هجا الجماز عبد الصمد بن المعذل جاءني فقال لي: أنقذني منه. فقلت له: أمثلك يفرق من الجماز؟ فقال: نعم، لأنه لا يبالي بالهجاء ولا يفرق منه، ولا عرض له، وشعره ينفق على من لا يدري. فلم أزل حتى أصلحت بينهما بعد أن سار قوله فيه:
ابن المعذل من هو ... ومن أبوه المعذل
سألت وهبان عنه ... فقال بيضٌ محول
قال: وكان وهبان هذا رجلاً يبيع الحمام، فجمع جماعةً من أصحابه وجيرانه، وجعل يغشى المجالس، ويحلف أنه ما قال: إن عبد الصمد بيضٌ محول، ويسألهم أن يعتذروا إليه، فكان هذا منه قد صار بالبصرة طرفةً ونادرة، فجاءني عبد الصمد يستغيث منه، ويقول لي: ألم أقل لك إن آفتي منه عظيمةٌ، والله لدوران وهبان على الناس يحلف لهم: إنه ما قال: إني بيضٌ محول، أشد علي من هجائه لي. فبعثت إلى وهبان فأحضرته، وقلت له: يا هذا، قد علمنا ان الجماز قد كذل عليك، وعذرناك فنحب أن لا نتكلف العذر إلى الناس في أمرنا، فإنا قد عذرناك. فانصرف وقد لقي عبد الصمد بلاء.
أخبرني محمد بن جعفر الصيدلاني النحوي صهر المبرد، قال: حدثني إسحاق بن محمد النخعي قال: قال لي أبو شراعة القيسي: بلغ أبا جعفر مضرطان أن عبد الصمد بن المعذل هجاه، واجتمعتا عند أبي وائلة السدوسي، فقال له مضرطان: بلغني أني هجوتني. فقال له عبد الصمد: من أنت حتى أهجوك؟ قال: هذا شرٌ من الهجاء. فوثب إلى عبد الصمد يضربه، فقال الحمدوي، وهو إسماعيل بن إبراهيم بن حمدويه جده، وهو الذي كان يقتل الزنادقة:
ألذ من صحبة القناني ... أو اقتراحٍ على قيان
لكز فتًى من بني لكيزٍ ... يهدى له أهون الهوان
أهوى له بازل خدبٌ ... يطحن قرنيه بالجران
فنال منه ثؤور قوم ... باليد طوراً وباللسان
وكان يفسو فصار حقًا ... يضرط من خوف مضرطان
قال: وبلغ عبد الصمد شعر الحمدوي، فقال: أنا له. ففزع الحمدوي منه، فقال:
ترحٌ طعنت به وهمٌ وارد ... إذ قيل إن ابن المعذل واجد
هيهات أن أجد السبيل إلى الكرى ... وابن المعذل من مزاحي حارد
فرضي عنه عبد الصمد
أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال: حدثنا العنزي، قال: حدثني إبراهيم بن عقبة اليشكري، قال: قال عبد الصمد بن المعذل، هجاني الجماز ببيتين سخيفين فسارا في أفواه الناس، حتى لم يبق خاصٌ ولا عامٌ إلا رواهما، وهما:
ابن المعذل من هو ... ومن أبوه المعذل
سألت وهبان عنه ... فقال بيضٌ محول

(3/486)


فقلت أنا فيه شعراً تركته يتحاجى فيه كل أحدٍ، فما رواه أحد ولا فكر فيه، وذلك لضعته، وهو قولي:
نسب الجماز مقصو ... ر إليه منتهاه
يتراءى نسب النا ... س فما يخفى سواه
يتحاجى في أبي الج ... ماز من هو كاتباه
ليس يدري من أبو الج ... ماز إلا من يراه
أخبرني الأخفش، قال: كان لعبد الصمد بستانٌ نظيف عامر، فأنشدنا لنفسه فيه:
إذا لم يزرني ندمانيه ... خلوت فنادمت بستانيه
فنادمته خضراً مؤنقاً ... يهيج لي ذكر أشجانيه
يقرب مفرحة المستلذ ... ويبعد همي وأحزانيه
أرى فيه مثل مداري الظباء ... تظل لأطلائها حانيه
ونور أقاح شتيت النبات ... كما ابتسمت عجباص غانيه
ونرجسه مثل عين الفتاة ... إلى وجه عاشقها رانيه
أخبرني جعفر بن قدامة بن زيادٍ الكاتب، قال: كان يزيد بن عبد الملك المسمعي يهوى جاريةً من جواري القيان، يقال لها: عليم، وكان يعاشر عبد الصمد، ويزيد يومئذٍ شابٌ حديث السن، وكان عبد الصمد يسميه ابني، ويسمي الجارية ابنتي، فباع الفتى بستاناً له في معقل، وضيعةً بالقندل، فاشترى الجارية بثمنها، فقال عبد الصمد:
بنيتي أصبحت عروساً ... تهدى من ابني إلى عروس
زفت إليه لخير وقتٍ ... فاجتمعا ليلة الخميس
يا معشر العاشقين أنتم ... بالمنزل الأرذل الخسيس
يزيد أضحى لكم رئيساً ... فاتبعوا منهج الرئيس
من رام بلاً لرأس أير ... ذلل نفساً بحل كيس
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان، قال: حدثني يزيد بن محمدٍ المهلبي، قال: بلغ عبد الصمد بن المعذل أن أبا قلابة الجرمي تدسس إلى الجماز لما بلغه تعرضه له، وهجاؤه إياه، فحمله على الزيادة في ذلك، ويضمن له أن ينصره ويعاضده، وقد كان عبد الصمد هجا أبا قلابة حتى أفحمه، فقال عبد الصمد فيهما:
يا من تركت بصخرة ... صماء هامته أميمه
إن الذي عاضدته ... أشبهته خلقاً وشيمه
وكفعل جدتك الحدي ... ثة فعل جدته القديمه
فتناصرا فابن اللئي ... مة ناصرٌ لابن الليئمة
حدثني جعفر بن قدامة، قال: حدثني أبو العيناء، قال: كان لعبد الصمد بن المعذل صديقٌ يعاشره ويأنس به، فتزوج إليه أمير البصرة، وكان من ولد سليمان بن علي، فنبل الرجل وعلا قدره، وولاه المتزوج إليه عملاً، فكتب إليه عبد الصمد:
أحلت عما عهدت من أدبك ... أم نلت ملكاً فتهت في كتبك
أم هل ترى أن في مناصفة الإخ ... وان نقصاً عليك في حسبك
أم كان ما كان منك عن غضبٍ ... فأي شيء أدناك من غضبك
إن جفاءً كتاب ذي ثقة ... يكون في صدره وأمتع بك
كيف بإنصافنا لديك وقد ... شاركت آل النبي في نسبك
قل للوفاء الذي تقدره ... نفسك عندي مللت من طلبك
أتعبت كفيك في مواصلتي ... حسبك ماذا كفيت من تعبك
فأجابه صديقه:
كيف يحول الإخاء يا أملي ... وكل خيرٍ أنال من نسبك
إن يك جهلٌ أتاك من قبلي ... فامنن بفضلٍ علي من أدبك
أنكرت شيئاً فلست فاعله ... ولا تراه يخط في كتبك
حدثني الأخفش، قال: حدثنا المبرد، قال: كان لعبد الصمد بن المعذل صديقٌ كثير الكذب، كان معروفاً بذلك، فوعده وعداً فأخلفه، ومطله به مطلاً طويلاً، فقال عبد الصمد:
لي صاحبٌ في حديثه البركة ... يزيد عند السكون والحركة
لو قال لا في قليل أحرفها ... لردها بالحروف مشتبكة
أخبرني جعفر بن قدامة قال: حدثني سوار بن أبي شراعة، قال: كان يحيى بن عبد السميع الهاشمي يعاشر عبد الصمد بن المعذل، ويجتمعان في دار رجلٍ من بني المنجاب له جاريةٌ مغنيةٌ، وكان ينزل رحبة المنجاب بالبصرة، ثم استبد بها الهاشمي دون عبد الصمد، فقال فيهم عبد الصمد:

(3/487)


قل ليحيى مللت من أحبابي ... فلينكهم ما شاء من أصحابي
قد تركنا تعشق المرد لما ... أن بلونا تنعم العزاب
وشنئنا المؤاجرين فملنا ... بعد خبرٍ إلى وصال القحاب
حبذا قينةٌ لأهل بني المن ... جاب حلت في رحبة المنجاب
صدقت إذ يقول لي خلق الأح ... راح ليس الفقاح للأزباب
حبذا تلك إذ تغنيك يا يح ... يى وتسقيك من ثنايا عذاب
ذكر القلب ذكرةً أم زيدٍ ... والمطايا بالسهب سهب الركاب
حبذا إذ ركبتها فتجافت ... تتشكى إليك عند الضراب
وتغنت وأنت تدفع فيها ... غير ذي خيفة لهم وارتقاب
إن جنبي عن الفراش لناب ... كتجافي الأسر فوق الظراب
ليت شعري هل أسمعن إذا ما ... زاح عني وساوس الكتاب
من فتاةٍ كأنها خوط بانٍ ... مج فيها النعيم ماء الشباب
إذ تغنيك خلف سجفٍ رقيق ... نعماتٍ تحبها بصواب
شف عنها محقق جنديٌ ... فهي كالشمس من خلال سحاب
رب شعرٍ قد قلته بتباهٍ ... ويغرى به ذوو الألباب
قد تركت الملحنين إذا ما ... ذكروه قاموا على الأدناب
قال: وشاعت الأبيات بالبصرة، فامتنع مولى الجارية من معاشرة الهاشمي، وقطعه بعد ذلك.
أخبرني محمد بن عمران الصيرفي وأحمد بن يحيى بن علي بن يحيى، قال: حدثنا الحسن بن عليلٍ العنزي، قال: حدثني أحمد بن صالح الهاشمي، قال: كان الحسين بن عبد الله بن العباس بن جعفر بن سلمان مائلاً إلى عبد الصمد بن المعذل، وكان عبد الصمد يهجو هشاماً الكرنباني، فجرى عن ابني هشام الكرنباني - وهو أبو وائلة وإبراهيم - وبين الحر بن عبد الله، لحاءٌ في أمر عبد الصمد، لأنهما ذكراه وسباه، فامتعض له الحسين وسبهما عنه، فرميا الحسين بابن المعذل، ونسباه إلى أن عبد الصمد يرتكب القبيح، وبلغ الحسين ذلك، فلقيهما في سكة المربد، فشد عليهما بسوطه وهو راكب، فضربهما ضرباً مبرحاً، وأفلت أبو وائلة، ووقع سبيب السوط في عين إبراهيم، فأثر فيها أثراً قبيحاً، فاستعان بمشيخةٍ من آل سليمان بن علي، وهرب أبو وائلة إلى الأمير علي بن عيسى وهو والي البصرة، فوجه معه بكاتبه ابن فراس إلى باب الحسين بن عبد الله، فطلبه وهرب حسين إلى المحدثة، فلما كان من الغد جاء حسينٌ إلى صالح إسحاق بن سليمان، وإلى ابن يحيى بن جعفر بن سليمان، ومشيخةٍ من آل سليمان، فصاروا معه إلى علي بن عيسى، وأقبل عبد الصمد بن المعذل لما رآهم، فدخل معهم لنصرة حسين، فكلموا علي بن عيسى في أمره وقام عبد الصمد، فقال: أصلح الله الأمير، هؤلاء أهلك، وأجلة أهل مصرك، تصدوا إليك في ابنهم وابن أخيهم، وهو وإن كان حدثاً لا ينبسط للحجة بحداثته، فإن ها هنا من يعبر عنه، وقد قلت أبياتاً، فإن رأى الأمير أن يأذن في إنشادها فعل. قال: قل. فأنشده عبد الصمد قوله:
يا ابن الخلائف وابن كل مباركٍ ... رأس الدعائم سابق الأغصان
إن العلوج على ابن عمك أصفقوا ... فأتوك عنه بأعظم البهتان
قرفوه عندك بالتعدي ظالما ... وهم ابتدوه بأعظم العدوان
شتموا له عرضا أغر مهذباً ... أعراضهم أولى بكل هوان
وسموا بأجسامٍ إليه مهينةٍ ... وصلت بألأم أذرع وبنان
خلقت لمد القلس لا لتناولٍ ... عرض الشريف ولا لمد عنان
لم يحفظوا قرباه منك فينتهوا ... إذ لم يهابوا حرمة السلطان
أيذل مظلوماً وجدك جده ... كيما يعز بذله علجان
وينال أقلف كربلاء بلاده ... ذل ابن عم خليفة الرحمن
إني أعيذك أن تنال بك التي ... تطغى العلوج بها على عدنان
فدعا عليٌ بن عيسى حسيناً، فضمه إليه، فقال: انصرف مع مشايخك. ودعا بهشام الكرنباني وابنيه، فعذلهم في أمره، ثم أصلح بينهم بعد ذلك.

(3/488)


أخبرني علي بن سليمان، قال: حدثنا محمد بن يزيد، قال: كان عبد الصمد بن المعذل يعاشر عبد الله بن المسيب ويألفه، فبلغه أن اغتابه يوماً وهو سكران، وعاب شيئاً أنشده من شعره، فقال فيه وكتب بها إليه:
عتبي عليك مقارن العذر ... قد زال عند حفيظتي صبري
لك شافعٌ مني إلي فما ... يقضي عليك بهفوةٍ فكري
لما أتاني ما نطقت به ... في السكر قلت جناية السكر
حاشا لعبد الله يذكرني ... مستعذباً بنقيصتي ذكري
إن عاب شعري أو تحيفه ... فليهنه ما عاب من شعري
يا ابن المسيب قد سبقت بما ... أصبحت مرتهناً به شكري
فمتى خمرت فأنت في سعةٍ ... ومتى هفوت فأنت في عذر
ترك العتاب إذا استحق أخٌ ... منك العتاب ذريعة الهجر
أخبرني الأخفش، قال: حدثنا المبرد، قال: دعا عبد الصمد بن المعدل شروين المغني، وكان محسناً متقدماً في صناعته، فتعالل عليه ومضى إلى غيره، فقال عبد الصمد، والله لأسمنه ميسماً لا يدعوه بعده أحدٌ بالبصرة إلا بعد أن يبذل عرضه وحريمه. فقال فيه:
من حل شروين له منزلا ... فلتنهه الأولى عن الثانية
فليس يدعوه إلى بيته ... إلا فتًى في بيته زانية
فتحاماه أهل البصرة حتى اضطر إلى أن خرج إلى بغداد وسر من رأى.
أخبرني محمد بن عمران الصيرفي وأحمد بن العباس العسكري، قالا: حدثنا الحسن بن عليل العنزي، قال: حدثنا الفضل بن أبي جرزة، قال: كان أبو قلابة الجرمي وعبد الصمد بن المعذل وعبد الله بن محمد بن أبي عيينة المهلبي أرادوا المسير إلى بيت بحرٍ البكراوي، وكانت له جاريةٌ مغنية، يقال لها: جبلة، وكان أبو رهم إليها مائلاً يتعشقها، ثم اشتراها بعد ذلك فلما أرادوا الدخول إليها وافاهم أبو رهم، فأدخلوه وحده وحجبوهم، فانصرفوا إلى بستان ابن أبي عيينة، فقال أبو قلابة: لا بد أن نهجو أبا رهم. فقالوا: قل. فقال:
ألا قل لأبي رهمٍ ... سيهوى نعتك الوصف
كما حالفك الغي ... كذا جانب الظرف
أتانا أنه أهدى ... إلى بحرٍ من الشغف
حزيمات من الصير ... فهلا معه رغف
فنادوا اقسمي فينا ... فقد جاءكم اللطف
فقال له عبد الصمد: سخنت عينك أيشٍ هذا الشعر، بمثل هذا يهجى من يراد به الفضيحة. فقال أبو قلابة: هذا الذي حضرني، فقل أنت ما يحضرك. فقال: أفعله وأجود. فكان هذا سبب هجاء عبد الصمد أبا رهم، وأول قصيدةٍ هجاه بها قوله:
دعوا الإسلام وانتحلوا المجوسا ... وألقوا الريط واشتملوا القلوسا
بني العبد المقيم بنهر تيري ... لقد أنهضت طيركم نحوسا
حرامٌ أن يبيت لكم نزيلٌ ... فلا يمسي بأمكم عروسا
إذا ركد الظلام رأت عسيلاً ... يحث على نداماه الكؤسا
ويذكرهم أبو رهم بهجوٍ ... فيستدعي إلى الحرم النفوسا
ويخليهم هشامٌ بالغواني ... ويحمي الفضل بينهم الوطيسا
فتسمع في البيوت لهم هبيباً ... كما أهملت في الزرب التيوسا
لقد كان الزناة بلا رئيس ... فقد وجد الزناة بهم رئيسا
هم قبلوا الزناء وأنشؤوه ... وهم وسموا بجبهته حبيسا
لئن لم تنف دعوتهم سدوسٌ ... لقد أخزى الإله بهم سدوسا
وقال فيه:
لو جاد بالمال أبو رهم ... كجوده بالأخت والأم
أضحى وما يعرف مثلٌ له ... وقيل أسخى العرب والعجم
من بر بالحرمة إخوانه ... أحق أن يشكر بالشتم
وله فيه من قصيدة طويلة:
هو والله منصفٌ ... زوجه زوج زوجته
يقسم الأير عادلا ... بين حرها وفقحته
حدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار، قال: حدثنا العنزي، قال: حدثني أبو الفضل بن عبدان، قال: خرج عبد الصمد بن المعذل مع أهله إلى نزهة وقال:

(3/489)


قد نزلنا بروضةٍ وغديرٍ ... وهجرنا القصر المنيف المشيدا
بعريشٍ ترى من الزاد فيه ... زكرتي خمرةٍ وصقراً صيودا
وغريرين يطربان الندامى ... كلما قلت أبدياً وأعيدا
غنياني فغنياني بلحن ... سلس الرجع يصدع الجلمودا
لا ذعرت السوام في فلق ال ... صبح مغيراً ولا دعيت يزيدا
حي ذا الزور وانهه أن يعودا ... إن بالباب حارسين قعودا
من يزرنا يجد شوء حبارى ... وقديراً رخصاً وخمراً عتيدا
وكراماً معذلين وبيضاً ... خلعوا العذر يسحبون البرودا
لست عن ذا بمقصرٍ ما جزائي ... قربت لي كريمةٌ عنقودا
أخبرني جعفر بن قدامة، قال: حدثنا محمد بن يزيد المبرد، قال: نظر عبد الصمد بن المعذل إلى الأفشين بسر من رأى وهو غلامٌ أمرد، وكان من أحسن الناس، وهو واقفٌ على باب الخليفة مع أولاد القواد، فأنشدنا لنفسه فيه، قال:
أيها اللاحظي بطرفٍ كليل ... هل إلى الوصل بيننا من سبيل
علم الله أنني أتمنى ... زورةً منك عند وقت المقيل
بعد ما قد غدوت في القرطق الجو ... ن تهادى وفي الحسام الصقيل
وتكفيت في المواكب تختا ... ل عليها تميل كل مميل
وأطلت الوقوف منك ببا ... ب القصر تلهو بكل قال وقيل
وتحدثت في مطاردة الصي ... د بخبرٍ به ورأى أصيل
ثم نازعت في السنان وفي الرم ... ح وعلم بمرهفات النصول
وتكلمت في الطراد وفي الطع ... ن ووثبٍ على صعاب الخيول
فإذا ما تفرق القوم أقبل ... ت كريحانةٍ دنت لذبول
قد كساك الغبار منه رداءً ... فوق صدغ وجفن طرفٍ كحيل
وبدت وردة القسامة من خ ... دك في مشرقٍ نقي أسيل
ترشح المسك منه سالفة الظب ... ي وجيد الأدمانة العطبول
فأسوف الغبار ساعة ألقا ... ك برشف الخدين والتقبيل
وأحل القباء والسيف من خص ... رك رفقاً باللطف والتعليل
ثم تؤتى بما هويت من التش ... ريف عندي والبر والتبجيل
ثم أجلوك كالعروس على الشر ... ب تهادى في مجسد مصقول
ثم أسقيك بعد شربي من ري ... قك كأساً من الرحيق الشمول
وأغنيك إن هويت غناءً ... غير مستكرهٍ ولا مملول
لا يزال الخلخال فوق الحشايا ... مثل أثناء حيةٍ مقتول
فإذا ارتاحت النفوس اشتياقاً ... وتمنى الخليل قرب الخليل
كان ما كان بيننا لا أسمي ... ه ولكنه شفاء الغليل
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار، قال: حدثني الحسن بن عليل العنزي والمبرد وغيرهما، قالوا: كانت متيم جاريةً لبعض وجوه أهل البصرة، فعلقها عبد الصمد بن المعذل، وكانت لا تخرج إلا منتقبةً، فخرج عبد الصمد يوماً إلى نزهةٍ، وقدمت متيم إلى عبيد الله بن الحسن بن أبي الحر القاضي، فاحتاج إلى أن يشهد عليها، فأمرها بأن تسفر، فلما قدم عبد الصمد قيل له: لو رأيت متيم وقد أسفرها القاضي لرأيت شيئاً حسناً لم ير مثله. فقال عبد الصمد قوله:
ولما سرت عنها القناع متيمٌ ... تروح منها العنبري متيما
رأى ابن عبيد الله محكمٌ ... عليها لها طرفا عليه محكما
وكان قديماً كالح الوجه عابساً ... فلما رأى منها السفور تبسما
فإن يصب قلب العنبري فقبله ... صبا باليتامى قلب يحيى بن أكثما
فبلغ قوله يحيى بن أكثم، فكتب إليه: عليك لعنة الله، أي شيء أردت مني حتى أتاني شعرك من البصرة؟ فقال لرسوله: قل له: متيم أقعدتك على طريق القافية! أخبرني عمي، قال: حدثني أحمد بن أبي طاهر، قال: حدثني عبد الله بن أحمد العبدي، قال: حدثني الأنيسي، قال:

(3/490)


كنت عند إسحاق بن إبراهيم وزاره أحمد بن المعذل، وكان خرج من البصرة على أن يغزو، فلما دخل على إسحاق بن إبراهيم أنشده:
أفضلت نعمي على قومٍ رعيت لهم ... حقاً قديماً من الود الذي درسا
وحرمة القصد بالأمال إنهم ... أتوا سواك فما لاقوا به أنسا
لأنت أكرم منه عند رفعته ... قولاً وفعلاً وأخلاقاً ومغترسا
فأمر له بخمسمائة دينارٍ، فقبضها ورجع إلى البصرة، وكان خرج عنها ليجاور في الثغر، وبلغ عبد الصمد خبره، فقال فيه:
يرى الغزاة بأن الله همته ... وإنما كان يغزو كيس إسحاق
فباع زهداً ثواباً لا نفاد له ... وابتاع عاجل رفد القوم بالباقي
فبلغ إسحاق بن إبراهيم قوله، فقال: قد مسنا أبو السم عبد الصمد بشيءٍ من هجائه. وبعث إليه بمائة دينار، فقال له موسى بن صالح: أبى الأمير إلا كرماً وظرفاً.
أخبرني محمد بن عمران الصيرفي، قال: حدثنا الحسن بن عليلٍ، قال: حدثني الحسن الأسدي، قال: قدم أبو نبقة من البحرين وقد أهدى إلى قوم من أهل البصرة هداياه، ولم يهد إلى عبد الصمد شيئاً فكتب إليه:
أما كان في قسب اليمامة والتمر ... وفي أدم البحرين والنبق الصفر
ولا في مناديل قسمت طريفها ... وأهديتها حظٌ لنا يا أبا بكر
سرت نحو أقوامٍ فلا هنأتهم ... ولم ينتصف منها المقل ولا المثري
أأنت إلى طالوت ذي الوفر والغنى ... وآل أبي حرب ذوي النشب الدثر
ولم تأتني ولا الرياشي تمرةٌ ... غصصت بباقي ما ادخرت من التمر
ولم يعط منها النهشلي إداوةً ... تكون له في القيظ ذخراً مدى الدهر
أقول لفتيانٍ طويت لطيهم ... عرى البيد منشور المخافة والذعر
لئن حكم السدري بالعدل فيكم ... لما أنصف السدري في ثمر السدر
لئن لم تكن عيناك عذرك لم تكن ... لدينا بمحمودٍ ولا ظاهر العذر
أخبرنا الحسن بن عليلٍ، قال: حدثنا أحمد بن يزيد المهلبي، قال: وقع بين أبي وبين عبد الصمد بن المعذل تباعدٌ، فهجاه ونسبه إلى الشؤم، وكان يقال ذلك في عبد الصمد، فقال فيه:
يقول ذوو التشؤم ما لقينا ... كما لقي ابن سهلٍ من يزيد
أتته منية المأمون لما ... أتاه يزيد من بلدٍ بعيد
فصير منه عسكره خلاءً ... وفرق عنه أفواج الجنود
فقلت لهم وكم مشؤوم قوم ... أباد لهم عديداً من عديد
رأيت ابن المعذل يال عمرو ... بشؤم كان أسرع في سعيد
فمنه موت جلة آل سلم ... ومنه قض آجام البريد
ولم ينزل بدارٍ ثم يمسي ... ولما يتسمع لطم الخدود
وكل مديح قومٍ قال فيهم ... فإن بعقبه يا عين جودي
إذا رجلٌ تسمع منه مدحاً ... تنسم منه رائحة الصعيد
فلو حصف الذين يبيح فيهم ... أثاروا منه رائحة الطريد
فليس العز يمنه منه شؤماً ... ولا عتباً بأبواب الحديد
حدثني الأخفش، قال: حدثنا المبرد، قال: مر أحمد بن المعذل بأخيه عبد الصمد وهو يخطر، فأنشأ يقول:
إن هذا يرى أرى ... أنه ابن المهلب
أنت والله معجبٌ ... ولنا غير معجب
أخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدثنا أبي وغيره، وحدثني به بعض آل المعذل، قال: مر عبد الصمد بن المعذل بغلام يقال له: المغيرة، حسن الصوت حسن الوجه، وهو يقرأ ويقول القصائد، فأعجب به، وقال فيه:
أيها الرافع في المس ... جد بالصوت العقيره
قتلتني عينك النج ... لاء والقتل كبيره
أيها الحكام أنتم ... فاصلو حكم العشيره
أحلالاً ما بقلبي ... صنعت عينا مغيره
أخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا ابن مهرويه، قال: حدثنا زكريا بن مهران بن يحيى، قال:

(3/491)


جاءنا عبد الصمد بن المعذل إلى منزل محمد بن عمر الجرجرائي، فأنشدنا قصيدةً له في صفة الحمى، فقال لي محمد بن عمر: امض إلى منزل عبد الصمد حتى تكتبها. فمضيت إليه حتى كتبتها، وهي:
هجرت الصبا ايما هجره ... وعفت الغواني والخمره
طوتني عن وصلها سكره ... بكأس الضنا ايما سكره
أخبرني الحسن بن علي، قال: حدثنا ابن مهرويه، قال: حدثني عبد الله بن يزيد الكاتب، قال: جمع بين أبي تمام الطائي وبين عبد الصمد بن المعذل مجلسٌ، وكان عبد الصمد سريعاً في قول الشعر، وكان في أبي تمام إبطاء، فأخذ عبد الصمد القرطاس وكتب فيه:
أنت بين اثنتين تبرز للنا ... س وكلتاهما بوجهٍ مذال
لست تنفك طالباً لوصلٍ ... من حبيبٍ أو طالباً لنوال
أي ماء لحر وجهك يبقى ... بين ذل الهوى وذل السؤال
قال: فأخذ أبو تمامٍ القرطاس وخلا طويلاً، وجاء به وقد كتب فيه:
أفي تنظم قول الزور والفند ... وأنت أبرز من لا شيء في العدد
أشرجت قلبك من بغضي على حرق ... كأنها حركات أروح في الجسد
فقال له عبد الصمد: يا ماص بظر أمه، يا غث، أخبرني عن قولك أنزر من لا شيء، واخبرني عن قولك اشرجت قلبك، قلبي مفرشٌ أو عيبة أو حرجٌ فأشرجه، عليك لعنة الله فما رأيت أغث منك. فانقطع أبو تمامٍ انقطاعاً ما يرى أقبح منه، وقام فانصرف، وما راجعه بحرف.
قال أبو الفرج الأصبهاني: كان في ابن مهرويه تحاملٌ على أبي تمامٍ لا يضر أبا تمامٍ هذا منه، وما أقل ما يقدح مثل هذا في مثل أبي تمام.
أخبرني هاشم بن محمدٍ الخزاعي، قال: حدثني العنزي، قال: كان عبد الصمد بن المعذل يستثقل رجلاً من ولد جعفر بن سليمان بن علي يعرف بالفراش، وكان له ابنٌ أثقل منه، وكانا يفطران عند المنذر بن عمرو - وكان يخلف بعض أمراء البصرة - وكان الفراش هذا يصلي به، ثم يجلس فيفطر وهو وابنه عنده، فلما مضى شهر رمضان انقطع ذلك عنهما، فقال عبد الصمد بن المعذل:
غدر الزمان وليته لم يغدر ... وحدا بشهر الصوم فطر المفطر
وثوت بقلبك يا محمد لوعةٌ ... تمري بوادر دمعك المتحدر
وتقسمتك صبابتان لبينه ... أسف المشوق وخلة المتفكر
فاستبق عينك واحش قلبك يأسه ... واقر السلام على خوان المنذر
سقياً لدهرك إذ تروح يومه ... والشمس في علياء لم تتهور
حتى تنيخ بكلكل متزاورٍ ... وتمد بلعوماً قموص الحنجر
وترود منك على الخوان أناملٌ ... تدع الخوان سراب قاعٍ مقفر
ويح الصحاف من ابن فراش إذا ... أنحى عليها كالهزبر الهيصر
ذو دربة طبٌ إذا لمعت له ... بشر الخوان بدا بحل المئزر
ود ابن فراش وفراشٌ معاً ... لو أن شهر الصوم مدة أشهر
يزرى على الإسلام قلة صبره ... وتراه يحمد عدة المتنصر
لا تهلكن على الصيام صبابةً ... سيعود شهرك قابلاً فاستبشر
لا در درك يا محمد من فتى ... شين المغيب وغير زين المحضر
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان، قال: حدثني محمد البصري وكان جاراً لعبد الصمد بن المعذل، قال: كان يزيد بن محمد المهلبي يعادي عبد الصمد ويهاجيه ويسابه، ويرمي كل واحد منهما صاحبه بالشؤم. وكان يزيد بالبصرة وأبوه يتولى نهر تيرى ونواحيها، فقال عبد الصمد يهجوه:
أبوك أمير قرية نهر تيرى ... ولست على نسائك بالأمير
وأرزاق العباد على آله ... لهم وعليك أرزاق الأيور
فكم من رزق ربك من فقيرٍ ... وما في أهل رزقك من فقير
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان، قال: حدثني محمد بن عبد الرحمن، قال: حدثني أحمد بن منصور، قال: شرب علي بن عيسى بن جعفر وهو أمير البصرة الدهن، فدخل إليه عبد الصمد بن المعذل بعد خروجه عنه، فأنشده قوله:
بأيمن طائرٍ وأسر فال ... وأعلى رتبةٍ وأجل حال
شربت الدهن ثم خرجت عنه ... خروج المشرفي من الصقال

(3/492)


تكشف عنك ما عانيت عنه ... كما انكشف الغمام عن الهلال
وقد أهديت ريحاناً طريفا ... به حاجيت مستمعا سؤالي
وما هو غير ياءٍ بعد حاء ... وقد سبقا بميم قبل دال
وريحان الشباب يعيش يوماً ... وليس يموت ريحان المقال
ولم يك مؤثراً تقاح شمٍّ ... على تفاح أسماع الرجال
أخبرني جحظة، قال: حدثني ميمون بن مهران، قال: حدثني أحمد بن المغيرة العجلي، قال: كنت عند أبي سهل الإسكافي وعنده عبد الصمد بن المعذل، فرفع إليه رجلٌ رقعة، فقرأها فإذا فيها:
هذا الرحيل فهل في حاجتي نظر ... أو لا فاعلم ما آتي وما أذر
فدفعها إلى عبد الصمد، وقال: الجواب عليك. فكتب فيها:
النفس تسخو ولكن يمنع العسر ... والحر يعذر من بالعسر يعتذر
ثم قال عبد الصمد لعلي بن سهل: هذا الجواب قولاً، وعليك أعزك الله الجواب فعلاً، ونجح سعي الآمل حقٌ واجب على مثلك. فاستحيا وأمر للرجل بمائة دينار.
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي وعلي بن سليمان الأخفش، قال: حدثنا محمد بن يزيد الأزدي، قال: كان لابن المعذل ابنٌ ثقيلٌ تياهٌ الذهاب بنفسه، وكان مبغضاً عند أهل البصرة، فمر يوماً بعمه عبد الصمد، فلما رآه قال لمن معه:
إن هذا يرى أرى ... أنه ابن المهلب
أنت والله معجبٌ ... ولنا غير معجب
قال: وقال فيه أيضاً:
لو كان يعطى المنى الأعمام في ابن أخٍ ... أصبحت في جوف قرقورٍ إلى الصين
قد كان هماً طويلاً لا يقام له ... لو كان رؤيتنا إياك في الحين
فكيف بالصبر إذ أصبحت أكثر في ... مجال أعيننا من رمل يبرين
يا أبغض الناس في عسر وميسرةٍ ... وأقذر الناس في دنيا وفي دين
لو شاء ربي لأضحى واهباً لأخي ... بمد ثكلك أجراً غير ممنون
وكان خيراً له لو كان مؤتزرا ... في السالفات على غرمول عنين
وقائلٍ لي ما أضناك قلت له ... شخصٌ ترى وجهه عيني فيضنيني
إن القلوب لتطوى منك يا ابن أخي ... إذا رأتك على مثل السكاكين
أتتك العيس تنفخ في براها ... تكشف عن مناكبها القطوع
بأبيض من أمية مضرحيٍّ ... كأن جبينه سيفٌ صنيع
الشعر لعبد الرحمن بن الحكم بن أبي العاص، والغناء لابن المهربد، رمل بالبنصر عن الهشامي. والله أعلم.
أخبار عبد الرحمن ونسبه
هو عبد الرحمن بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد منافٍ. وأمه أم أخيه مروان، آمنة بنت صفوان بن أمية بن محرث بن شق بن رقبة بن مخدج من بني كنانة. ويكنى عبد الرحمن أبا مطرف، شاعر إسلامي متوسط الحال في شعراء زمانه، وكان يهاجى عبد الرحمن بن حسان بن ثابت فيقاومه وينتصف كل واحدٍ منهما من صاحبه.
أخبرني محمد بن العباس العسكري قال: حدثنا الحسن بن عليل العنزي، عن العمري، عن العتبي والهيثم بن عدي، عن صالح بن حسان.
وأخبرني به عمي عن الكراني، عن العمري، عن الهيثم، عن صالح بن حسانٍ قال: قدم عبد الرحمن بن الحكم على معاوية بن أبي سفيان، وقد عزل أخاه مروان عن الحجاز وولى سعيد بن العاص، وكان مروان وجه به وقال له: القه أمامي فعاتبه لي واستصلحه. وقال عمي في خبره: كان عبد الرحمن بدمشق، فلما بلغه خبر أخيه خرج إليه فتلقاه، وقال له: أقم حتى أدخل إلى الرجل، فإن كان عزلك عن موجدة دخلت إليه منفرداً. وإن كان عن غير موجدة دخلت إليه مع الناس. قال: فأقام مروان ومضى عبد الرحمن أمامه، فلما قدم عليه دخل إليه وهو يعشي الناس، فأنشأ يقول:
أتتك العيس تنفخ في براها ... تكشف عن مناكبها القطوع
بأبيض من أمية مضرحي ... كأن جبينه سيفٌ صنيع

(3/493)