صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : اتجاهات الشعر العربي المعاصر
المؤلف : إحسان عباس
الطبعة : 1
تاريخ النشر : 1978
الناشر : المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب
عنوان الناشر : الكويت
مصدر الكتاب : الوراق

[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]

اتجاهات الشعر العربي المعاصر
تمهيد
كانت النية تتجه ؟حين أخذت في رسم حدود هذا البحث - أن يكون دراسة مبسطة موجزة، ولكن المطلبين: التبسيط والإيجاز قد يقعان في تعارض أحيانا، فالتبسيط مثلا يتطلب القدر اليسير من الأحكام النظرية والقواعد الفكرية، والإكثار من الأمثلة والمقارنات، والإيجاز يعني الاكتفاء بأمثلة قليلة. ثم أن التبسيط في ميدان الشعر المعاصر ناشب ؟طواعية - في أنواع مختلفة من الصعوبات، قد يكون غاية في ذاته، حين يراد تقريب هذا الشعر للقراء، ولكن هذا لا يعني أن " عملية " التبسيط سهلة، أو أنها ممكنة في بعض المواقف. ثم أن من يريد أن يكتب بحثا في " اتجاهات " الشعر المعاصر، يحتاج إلى أن تكون بين يديه دراسات عن أفراد الشعراء، وإلا ذهب ؟كما ذهبت - يدرس كل شاعر على حدة، ليتخلص من تلك الدراسة المطولة بعض الظواهر التي يدرجها تحت عنوان " الاتجاهات " ، وهذا يعني أن البحث المبسط قد استغرق جميع الجهد المبذول ؟والوقت الطويل - في عدد كبير من دراسات غير مبسطة.
ثم أن تقريب بحث ما إلى أكبر عدد ممكن من القراء يعتمد على المنهج نفسه الذي اختاره المؤلف، وقد اخترت منهجا لا يعد في نظري ابسط المناهج في العرض والتوضيح، وان حاولت أن اجعل المحتوى واضحا بقدر الإمكان، ذلك أني وجدتني أقف بين أمرين: بين أن اختار طريقة مألوفة في دراسة الشعر: من خلال الاتجاه السياسي، أو الاتجاه القومي، أو الاتجاه؟الخ، وبين أن أكون أقرب

(1/1)


إلى روح الشعر الحديث من حيث اعتماده العمق النفسي والفكري، فاخترت الثاني، لأن النوع الأول من الدراسة يحيل الشعر إلى وثائق، دون أن يركز البحث حول فكرة ؟أو أفكار - معينة، فيغدو أشبه شيء بالعرض التاريخي والوصف السطحي، لمظاهر، لا يعد الشعر أهم شواهدها أو وثائقها، وقد يكون المنهج الذي اخترته وثائقيا إلى حد، ولكنه متصل بحقيقة الشعر، لا بحقيقة التاريخ، ومحمله الفكري أعمق، والقدرة فيه على اكتشاف الفعاليات الفكرية والنفسية أرحب مجالا، ورغبة في تجنب " الوثائقية " المحض، وجدتني في الغالب - أقف عند النماذج التي أجدها ذات قيمة فنية في ذاتها إلى جانب ما قد يكون لها من قيمة " وثائقية " ، وكل باحث يعرف أن الشعر حين يستخدم وثيقة يستوي فيه الجيد والرديء، بل كثيرا ما تكون النماذج الرديئة اكثر دلالة حين يستشهد بها، لأنها أكثر طواعية وأبعد عن " حذاقة " الفن ودقته. وقد كان هذا النهج الذي أخذت به نفسي، مصدرا لصعوبة جديدة، لا أعني بذل الوقت الطويل في الانتقاء، وأنما أعني الصعوبة التي تقف عائقا دون التبسيط المراد.
وقد كان من حسنات هذا المنهج أنه يمكن القارئ من إدراك " الركائز " الهامة في مواقف الشاعر، وفي شعره، ولكن من سيئاته أنه يحجب تطور هذا الشعر، كما يحجب التفاوت في مدى التطور، فهنا شعراء يؤخذون معا في نطاق واحد، دون إبراز شمولي للدور الحقيقي لكل شاعر، ولمكانته الصحيحة في تيار الشعر الحديث، كذلك كان في إخضاع هذا المنهج للإيجاز مأخذ آخر وهو الاكتفاء بذكر عدد محدود من الشعراء والإعراض عن ذكر آخرين، والشعراء العاصرين كثيرون، وإنتاجهم غزير، لهذا أجد أنه لا بد من القول بأن إغفال شاعر لا يعني عدم الاهتمام بشعره

(1/2)


أو الجهل بمكانته، ولكني إنما أقدم نموذجا وحسب، وأنا وإن كنت لم أحط بكل الشعر المعاصر ؟على وجه الشمول - فإني درست أضعاف أضعاف العدد الذي ذكرته من الشعراء.
وحين ترد كلمة " المعاصر " في عنوان هذا البحث، فإنها قد تتسع لتشمل الشعر منذ مطلع هذا القرن، وقد تضيق فتقتصر على شعراء الحقبة الأخيرة، ففي هذه اللفظة من الخداع الزمني ما في لفظة " الحديث " ؟على تفاوت في ذلك الخداع - وقد أثرت أن أقصر هذا البحث على الثلاثين سنة الأخيرة، لعدة عوامل: منها أن ما قبل هذه الفترة قد دارت حوله دراسات كثيرة، بينا لا تزال هذه الفترة بحاجة إلى مزيد من الدراسات، ومنها أن شعر ما قبل هذه الفترة لا يمثل مشكلة تحتاج تبسيطا، لأنه مباشر متصل بأسباب التراث على نحو وثيق، ومن تلك العوامل أيضا أن الإيجاز لن ينصف هذه الفترة لأنه ؟في أكبر تقدير - سيمنحها إلى جانب غيرها فصلا واحدا، وهذا مجال محدود لا يكاد يتسع لحركة شعرية مديدة الأبعاد كثيرة المظاهر.
وحين آخذت في هذه الدراسة كنت أعلم يقينا ؟سواء اعتمدت التبسيط أو لم أعتمده - أنني رضيت بالحد الأدنى من دور الناقد التحليلي التشريحي، وكنت كذلك أعلم علما ليس بالظن، أن هذا الناقد يعاني أزمة بالنسبة للشعر الحديث، ذلك لأنه يحاول ويفسر، وقسم كبير من هذا الشعر يستعصي على التحليل والتفسير، وأن هذا الناقد يتقدم من الشعر مزودا بقيم ومعايير ومقاييس آلفها، ودرج على استعمالها، وأنه لا يستطيع أن يتخلى

(1/3)


عنها، لا لجمود فيه، أو انغلاق في نظرته، بل لأنه يعجز أن يطور كل يوم قيمة جديدة، لو كان تقييم الشعر الحديث أو ذلك الجانب منه ؟يعتمد فيها جديدة - ثم أنه لا يستطيع أن يعمل دون قيم في ميدان يرفض كل تقييم " من الخارج " .
ذلك أنه بتأثر من السريالية قد جدت أشياء كثيرة في النظر إلى الشعر ومهمته: إذ لم يعد الشعر صورة من صور الأدب بل أصبح شيئا مستقلا، والفرق بينهما أن الأدب نتاج فعل الموهبة داخل حدود مرسومة، وأن الشعر كشف ذو مهمتين، تحويل العالم وتفسير العالم، أو كما يقول بريتون: " أن دور الشعر أن يظل يتقدم دون توقف، أن يكتشف مجال الإمكانات في كل وجهة، وأن يبدو دائما ؟مهما يحدث من أمر - قوة تحريرية ورصدية " . وعلى هذا الأساس يصبح انفتاح الشعر للفهم هو الدور الأكبر للكشف، لآن مهمة الشاعر الأولى هي إخراج اللفظة من الحيز العقلي، حتى تصبح الكلمة قادرة على أن تعبر " عن فعالية الروح وحاجتها " أي تصبح ثورة، وتصبح " لعبة الكلمات " ، بما فيها من إيحاءات صوتية، أهم بكثير من قيمتها السمانتية (الدلالية). ولهذا يتسم جانب كبير من الشعر الحديث بالغموض لأن الشعر لا يخضع للمواصفات العقلية، أي لا يقصد فيه التوصيل المباشر بين الشاعر والجمهور، وإنما يكون هذا التوصيل بمقدار ما تتمتع به لغة الشاعر من نزعة ثورية، بل أن هذا التوصيل غير وارد إذا لم يكن هنالك جمهور يستطيع ذلك، لأن هذا الجمهور سيتكون مع الزمن.
مثل هذا الموقف يحدد دور الناقد التحليلي، فيكون ما يقوله في تحليل هذا الشعر تسورا منه على حمى ذلك الفن، أو شيئا لا يثير الاهتمام، لأنه مرتبط بمعايير لا يقرها

(1/4)


أصحاب هذا الشعر. غاية ما يمكن هذا الناقد أن يقوله هو أن يبين ميزة الشعر بخروجه على المألوف، أو يصوغ نقده في شكل شعري، فيصبح النقد لونا من الشعر، يتحدث فيه الناقد بلغة شبه خاصة، خارجة عن حدود الفهم أو الحيز العقلي أيضا. وقد شاع هذا اللون من النقد، في الأيام الأخيرة، حتى كاد يحجب ما عداه. وهو لا يلغي دور الناقد وحسب، بل يوقع الدراسات الجامعية للشعر، في ظل الاستخفاف والاستهانة. غير أن مما يشفع لهذه الدراسة ويسوغ وجودها أن هذا التيار لا يمثل كل الشعر الحديث، حتى اليوم، وأن كان يبدو تيارا قويا، يضم عددا كبيرا من الشعراء، ولقوته استطاع أن يستميل إليه بعض الذين كانوا يسيرون في تيار الوضوح، ويتجهون بالشعر نحو غايات أخرى، ويقيمون جسورا متينة بينهم وبين الجمهور المتلقي للشعر.
ومهما يكن من شيء فإن الدارس الذي يقدم لهذا الجمهور نفسه كتابا مبسطا، لا بد من أن يدرك حدود مهمته، وهو إذ لم يكن مؤرخا متزمتا - يستطيع أن يجعل " قيمه ومعاييره " مرنة " ، فيعالج التيارات والاتجاهات بقبول " فكري " ، متخطيا بذلك كل الأغلال " المعيارية " التي قد تحول دون ذلك.
ذلك ما حاولته هذه الدراسة، في مجملها، دون أن ندعي نجاحا كاملا، في تلك المحاولة.
وقد كان من المتوقع أن أخصص فيها فصلا للحديث عن الاتجاهات التي سلكها الشعر المعاصر في الشكل، ولكن حال دون ذلك أمور منها أن هذه الدراسة تعز على التبسيط

(1/5)


جملة، وتدخل في التفصيلات الدقيقة لطبيعة الكلمة والصورة والوان المبنى؟ الخ، كما أن تفاوت هذه الوسائل وأهدافها في الشعر المعاصر يكاد لا ينضبط، وهو حقل جدير بدراسة مستقلة أو بعدد من الدراسات.
بعد أن بسطت الموقف، بصراحة، أرجو أن يعذرني القارئ، إذا لم يجد هذا الكتيب المتواضع إجابة عن كل توقعاته، واستفساراته، وأني لأرجو أن أوفق إلى وضع دراسة شاملة، يكون هذا البحث نواة صغيرة فيها، والله الموفق (1) .
برنستون في2 حزيران (يونيه) 1977
إحسان عباس
__________
(1) إن طبيعة هذه الدراسة، قد حتمت علي أن أوجز في الإشارة إلى المصادر المعتمدة، وأكثرها دواوين الشعراء، وأن أقلل الاعتماد على الدراسات النقدية التي صدرت حول الشعر الحديث، لأجعل من هذا البحث نظرة مستأنفة، وتصورا ذاتيا، يتحمل حظه من الخطأ والصواب.

(1/6)


" 1 "
نظرة تاريخية موجزة
كان ذلك في سنوات الحرب، وكنا يومئذ ما نزال نستقبل أنباء المعارك الأدبية بشيء من المتعة التي تستقبل بها أفلام العنف في هذه الأيام، وقد استوقف انتباهنا خبر نشرته مجلة الرسالة المصرية في عددها (568)، توقعناه بداية لمعركة تستشري، ويملأ الآفاق غبارها، وكان عنصر التحدي يلتمع في هذه الكلمات القليلة: " وأتعهد بجائزة مالية قدرها خمسة جنيهات مصرية أدفعها إلى من يستطيع فهم معاني تلك القصيدة وشرحها " ، وأعجبنا التحدي، دون أن يكون لنا مطمع في الجائزة، وكانت يومئذ مغرية، وأغرب كثيرون منا في الضحك، وهم يقرأون القصيدة التي يدور حولها التحدي، بعنوان " إلى زائرة " :
لو كنت ناصعة الجبين ... هيهات تنفضني الزياره
ما روعة اللفظ المبين ... السحر من وحي العباره
ظل على وهج الحنين ... رسمته معجزة الإشاره
خط تساقط كالحزين ... أرخى على العزم انكساره
ماذا بوجد المحصنين ... صوت شبح خلف الستاره
غيبت في العجب الدفين ... معنى براعته البكاره
درا يقوت الناظمين ... ونهضت تهديني بحاره
خطوات وسواس حزين ... وهب تعميه الطهاره

(1/11)


وحين استحال رنين الضحكات إلى صدى باهت، بدأ صوت النقد محتجا، مجلجلا، فتسمع واحدا يقول: مشكلتي في هذه الأبيات أنني لا أستطيع أن استكشف العلاقة بين واحدها والآخر، وثانيا يقول، ما العلاقة بين نصاعة الجبين والزيارة التي تنفض، (وكيف تفعل الزيارة ذلك، أتراها تيارا كهربائيا؟!) وثالثا يقول: كيف يكون الظل على الوهج، وكيف يتساقط الخط، ورابعا يقول: ربما كان في هذه الأبيات إشارات غريبة إلى البكارة المطلقة في الكون والأشياء، ومن ثم يكون وجد المحصنين، ويكون الدر المغلق في بحار لا نهائية، وتكون الطهارة هي الهدية الكبرى من هذه البكارة الكلية، ولكن؟ لا أدري، ثمة علاقات بين الألفاظ والجمل والصور لا أستطيع أقامتها على نحو مقنع.
وخاب فألنا، لا لأن أحدا منا لم يستطع أن يحظى بالجائزة المرصودة، بل لأن ذلك التحدي لم يجر إلى معركة، تتناثر فيها الأشلاء يمينا وشمالا، إلا أن ذلك التحدي، فتح الباب واسعا، للتذمر مما كان يحاول الشعر أن يروده وأن يحققه، ذلك أن مجلة الرسالة نفسها نشرت ؟بعد عددين - تحديا آخر ممهورا بإمضاء (أ.ع) حول قصيدة بعنوان " من خريف الربيع " لمحمود حسن إسماعيل، يقول كاتبه: " فليتفضل منهم متفضل فيشرح لي هذه القصيدة شرحا تلتئم به أجزاؤها وتجتمع أوصالها، وتتكشف به غرائب مجازاتها وعجائب استعاراتها وبدائع أسرارها " ، وكانت مجلة الرسالة قد نشرت هذه القصيدة نفسها في عدد سابق، وفي ما يلي مقطعان منها:

(1/12)


ذهبت للروض في الصباح ... مقيد اللحن والجناح
وفيه ما من أغان ... مطولة الشدو بالجراح أوتار أطياره سكارى ... يعزفن وجد الخميل نارا ... سعيرها خمرة الحيارى ...
حثت إليه الرؤى خطاها ... وخلفها انسابت الدموع
سيان في قبضة الرياح ... شوك الجلاميد والأقاحي
فكم رحيق بلا دنان ... وكم دنان بغير راح وكم ربيع لنا توارى ... تود لو كانت العذارى ... لسحره الغائب انتظارا ...
ماتت لياليه في صباها ... (1) فهل لأحلامها رجوع بين الاحتجاجين ؟رغم تفترتهما - علاقة اساسية، فكلاهما يلح على إيجاد شرح يجعل القصيدة مفهومة، أي يوضح الصلات المعنوية بين أجزائها، من خلال تبيان العلاقات اللغوية والنحوية والمنطقية، وبالتالي العلاقات الفكرية، وتلك ظلت تلازم الشعر العربي في جميع عصوره، وتخضع البيت أو القطعة أو القصيدة لهذا السؤال الخالد: ما معنى هذا البيت أو هذه القطوعة؟ وماذا يعني الشاعر حين يقول كذا وكذا؟ ورغم شيوع الحديث في أوساط النقد الرومنطقي يومئذ عن تأثير الشعر في
__________
(1) أعاد الشاعر نشرها في ديوانه " ابن المغر " (الطبعة الثانية): 156 - 157.

(1/13)


الشعور وعن قدرة الشعر على الإيحاء الذي يعز على الفهم أحيانا ظل المقياس الأول في النظرة إلى الشعر هو مدى قابليته للفهم وقبوله للتفسير.
ويزيد الاحتجاج الثاني على الأول أمرين آخرين، فهو يتطلب إلى جانب الفهم وحدة في القصيدة من نوع ما يسميها " التئام الأجزاء " ويضيف كلاما مبهما عن " غرابة المجازات والاستعارات " ، وكلا الأمرين يرتدان إلى قضية الفهم أيضا، فأما التئام الأجزاء فأنه يعبر عن ضيق بما يمكن أن يسمى التفكك الظاهري ي قصيدة محمود حسن أسماعيل، وعن حيرة إزاء الوثبات التخيلية فيها، دون أن يعني الناقد نفسه بالبحث عن استمرارية السياق. ا، أن يفتش فيها عن روابط داخلية، أو لعلع بحث وفتش أدركه الإعياء والعجز. وأما غرابة المجازات والاستعارات فأنها هي التي ألقت القصيدة ؟في نظر ذلك القارئ - بين ضباب الغموض، ولعله تساءل: كيف تكون الأغاني مطولة الشدو بالجراح؟ وكيف يكون للرؤى خطى؟ وكيف يكون للخميل وجد، وإذا كان ذلك جائزا فكيف يعزف ذلك الوجد نارا؟ ونتذكر في هذا المقام تلك الأسطورة الجميلة التي تقول أن رجلا بعث إلى أبي تمام يسأله زجاجة مملوءة بماء الملام فأجابه الشاعر أنه لا يرى بأسا بذلك على شرط أن يبعث إليه ذلك الرجل بريشة من جناح الذل: قضية أخرى كبيرة واكبت الشعر العربي في جميع عصوره، ولعلها أن تكون أرسخ القواعد التي أسست عليها فكرة عمود الشعر، أعني: المقاربة في التشبيه ومناسبة المستعار منه للمستعار له، وكأني بالاحتجاجين يقولان: حذار! أن الشعر المعاصر يومئذ قد أخذ يخرج على عمود الشعر حين جنح إلى مبارحة دائرة الفهم فإن القصيدتين ممعنتان في المحافظة: إحداهما

(1/14)


تجري على قافية في الصدر وقافية في العجز، وهو أمر يوحي بالتزمت في التزام نغمتين على طول المقطوعة، وأما الثانية فإنها رغم إفساح القافية في كل مقطوعة منها ؟على حدة - ترسف قس قيود التكرار بحيث تجيء كل مقطوعة مشابهة للأخرى في ما التزمته من تقفية (1) .
ومن الغريب أن ريح الثورة لم تهب من هذا المنطلق، أعني منطلق الصراع بين الفهم والإيحاء، وبين بعد الاستعارات أو قربها، وإنما انبعثت لتحطم تلك الإنضباطية في الشكل، سواء أكان ذلك الشكل قائما على شطرين أو على أساس توشيحي متنوع متكرر، كالذي تمثله القصيدتان، وكأنما كان الشعر يفتش عن طريقة تخلصه من الشكل الصارم، في القصيدة والموشح على السواء، وتمنح العبارة امتدادا والتصوير استقصاء دون التخلي عن نوع الإيقاع المنظم بادئ ذي بدء - . وقد أصبح من المعروف أن الرواد العراقيين: نازك والسياب والبياتي كانوا هم رسل هذه الثورة بتأثير من الشعر الإنكليزي، وكانت ثورتهم في شكلها الأولي تمثل تخلصا من رتابة القافية الواحدة (دون الاستغناء عن القافية تماما) وتنويعا في عدد التفعيلات في السطر الواحد (دون مبارحة الإيقاع المنظم)، وليس من هم هذا البحث الموجز رصد المحاولات السابقة في تاريخ الشعر العربي للتخلص من أسر الشكل الصارم، وإنما الذي يميز هذه الحركة عن كل ما سبقها أن اعتمادها للشكل الشعري الجديد أصح مذهبا لا استطرافا، وأن إيمانها بقيمة هذا التحول كان شموليا لا محدودا، وأن أفرادها في حماستهم لهذا الكشف الجديد رأوا وما زالوا يرون ؟عدا استثناءات قليلة - أن هذا الشكل يصلح دون ما عداه وعاء لجمع أنواع التجربة الإنسانية إذا أريد التعبير عنها بالشعر.
__________
(1) كل مقطوعة تجيء قوافيها على النحو التالي أ أ ب أ ج ج ج د ه؟.

(1/15)


وكثيرا ما تساءل الدارسون: من هو الرائد الأول في هذا المضمار، إذ كانت الأسبقية للاهتداء إلى الشكل الجديد متنازعة بين نازك والسياب (1) ، وأرى أن هذه المسألة ؟على هذا النحو - طفيفة القيمة، لأن محاولات كثيرة تمت قبل ذلك، وكان أكثرها ؟كما قلت فيما تقدم - استطرافا أو تجربة عابرة، ولعل نازك أول من شمل هذا الكشف بالإيمان العميق والوعي النقدي الدقيق، في مقدمتها على ديوان شظايا ورماد (1949)، ويبدو أن هذه المقدمة هي التي أوجدت للتيار الشعري الجديد مسوغاته الفكرية، وقرنت بين التجربة العملية والسند النظري، ومن اللافت للنظر أن نازك حين شاءت أن تعلل ضرورة شيء من التحرر من قيود الشكل القديم ربطت ذلك بفكرتي الإيحاء والإبهام اللتين تحدثت عنهما في مطلع هذا الفصل، فاتهمت اللغة العربية بأنها لم تكسب بعد قوة الإيحاء، ودافعت عن الإبهام لأنه " جزء أساسي من حياة النفس البشرية، لا مفر لنا من مواجهته أن نحن أردنا فنا يصف النفس ويلمس حياتها لمسا دقيقا " ، فكانت بهذا الموقف تجمع بين طرفي الثورة، والتقرر نهجا شعريا يتجاوز التغييرات الشكلية الخالصة ليتبنى ؟في تسامح - المؤثرات الرمزية التي تمثلها قصيدة " إلى زائرة " والإيحاءات السريالية التي تبشر بها قصيدة محمود حسن إسماعيل، وحين ربطت بين الحلم والشعر فتحت باب اللاوعي على مصراعيه دون احتراس.
وفي تلك المقدمة نفسها عبرت نازك ؟دون تحفظ أيضا - عن إيمانها المطلق بضرورة الشورة الشعرية، وبالتغيرات التي ستحدثها، وكانت تبدو في ذلك على استعداد لتقبل تلك النتائج أيا كان لونها حين تقول: " والذي أعتقده أن الشعر
__________
(1) انظر قضايا الشعر المعاصر (ط1974) 35 - 37.

(1/16)


العربي، يقف اليوم على حافة تطور جارف عاصف لن يبقي من الأساليب القديمة شيئا فالأوزان والقوافي والأساليب والمذاهب ستتزعزع قواعدها جميعا، والألفاظ ستتسع حتى تشمل آفاقا جديدة واسعة من قوة التعبير، والتجارب الشعرية " الموضوعات " ستتجه أتجاها سريعا إلى داخل النفس بعد أن بقيت تحوم حولها من بعيد " . ومن طبيعة التطور " الجارف العاصف " أن يتدفق دون كبح، وأن يسترسل دون توقف، وأن تضعف فيه المراجعة والنقد الذاتي، لأنه في سرعته لا يدع وقتا أو مجالا لذلك، وهو حقيق أن يحتقب كثيرا من الزيف، وأن يفسح المجال للنهازين، وأن يفاجئ بالتحولات المستمرة، وأن يصبح الجديد فيه بعد وقت قديما يتطلب تجديدا وهلم جرا، وأن يسخر بالحدود والقواعد وأدوات اللجم والترويض، وحين شاءت نازك أن تضع في كتابها " قضايا الشعر المعاصر " (1) بعض القواعد النقدية، وأن تفرز الصالح من غير الصالح في ذلك الشعر، كانت الموجة أقوى من أن أصدها أناة النقد، ورزانة الفكر التنظيمي.
غير أن ظهور بدايات هذه الانطلاقة الشعرية وسندها بالقواعد المؤيدة على يد شاعرة ؟لا شاعر - تتقن العروض وتحسن التمرس بتغيراته المختلفة وتستمد بعض الإيحاءات من إطلاعها على أدب أجنبي،كل ذلك يشير إلى أمور يحسن أن نتنبه لها: فمن الواضح أن الدافع إلى ارتياد تجربة جديدة إنما كان هو محاولة التغلغل إلى أعمق أعماق النفس - في مجتمع لم يتعود صراحة في التعبير عن مشاعرها - ووضع ذلك التعبير على نحو تلويحي تقريبي، خاص بالأنثى حين تريد أن تحلل مشاعر خاصة بها،
__________
(1) صدرت الطبعة الأولى منه سنة 1962.

(1/17)


طالما ظن الرجل أنه يحسن التعبير عنها أو التغلغل إلى إدراكها وللمرأة في تقبل البدعة حظ كبير، أضف إلى ذلك أن البدعة الجديدة تبعث لديها شعورا بالتفوق بسبب الاهتداء إلى كشف جديد، ثم أن هذه البدعة في شكلها الجديد تخلصها من إيقاعات البطولة الرجولية في شعر الرجال، تلك الإيقاعات التي تصبح زورا على الواقع إذا لم يكن لها في حاضر الأمة أعمال توازيها، وقد انسحب زمان طويل وإيقاعات البطولة تردد فيما ينظمه الرجال من شعر، ومن ثم تحول كثير من ذلك الشعر كلام أجوف، ومن الطبيعي أن يتوجه الشعر إلى منطقة أخرى وإيقاعات مختلفة، ويصبح حديث نفس لذاتها، وظهوره على أثر الإعجاب بما سمي " الشعر المهموس " دليل على أن حديث النفس، أصبح من مستلزمات التصور لحقيقة الشعر، ولا ريب في أن توجه " عاشقة الليل " أعني الفتاة المتوحدة التي اختارت العزلة والصمت نحو الإحساس بضرورة التنويع في حديث النفس أمر طبيعي. ولا بد هنا من استدراك صغير: فإن قولي بحاجة المرأة إلى التعبير عن مشاعر خاصة بها على نحو تلويحي إنما يتناول البداية فقط وظروفا خاصة في حياة الشاعرة التي ابتدأت الانطلاقة الجديدة، أما بعد البداية فقد أصبحت المرأة في بعض المواقف أجرأ من الرجل وأقدر على تحليل دقائق الرغبات، وذلك أمر إنما أشير إليه وحسب، وربما لم يتح لهذه الدراسة الموجة أن تتناوله بوجه ما (1) .
__________
(1) لا أعني هنا إلا ما يدخل في نطاق الإبداع الفني، أما غير ذلك فهو يقع خارج حدود أي بحث نقدي سليم، ويستطيع القارئ أن يجد شواهد على الصراحة في التحليل الدقيق في ميادين اخرى عدا الشعر مثل القصة الطويلة والقصيرة. وفي سبيل التمثيل العابر دعني اذكر هنا مثلا بعيدا هو شعر جويس منصور بالفرنسية.

(1/18)


ثم أن إتقان هذه الشاعرة للعروض وتمرسها بالتغيرات المختلفة في البحور والأوزان كان يعد ضرورة لسببين: أولهما أن التمرس بالعروض يجعل " لعبة الشكل " جزءا من هواية ممتعة، وثانيهما أن إتقانه كفيل بالتأييد النظري للتجربة، ولعل هذه هي الرابطة الممتدة ؟في نظري - بين الانطلاقة الشعرية والموشح، فقد بينت عند الحديث عن العوامل التي ساعدت على نشأة الموشح شغف الأندلسيين بالعروض، تعلما وتجربة، وتباري الأساتذة والطلاب في ميدان النظم على ما يسمى " الاعاريض المهملة " أي التفعيلات التي قدر الخليل جواز وجودها، ولكن العرب لم ينظموا عليها (1) ، والحق أن الشعر الحديث لم يحاول أن يستمد في بناء القصيدة من الأعاريض المهملة وإنما أعتمد التنويع في بعض الأبحر المستعملة، فهو من هذه الناحية أشد محافظة من الموشح، وما ذلك إلا لضيق الشعراء المعاصرين بالعروض وتشقيقاته الكثيرة وتفريعاته، واستسهالهم لركوب ما يركب من بحوره، دون أن يسلموا في ذلك من كسر الوزن جهلا به، لا تحديا له (2) .
__________
(1) انظر تفصيل ذلك في تاريخ الأدب الأندلسي - عصر الطوائف والمرابطين (بيروت 1963) وذلك في الفصل الخاص بالموشح.
(2) الفرق بين الجهل والتحدي مما يعسر تمييزه، وفي هذا المقام تحضرني قصة صغيرة، فقد كان أحد الناشئين في الشعر - منذ سنوات - يقرأ علي قصيدة ليست من الشكل الجديد، وإنما تجري على الشطرين، ولاحظت أن أحد الأبيات فيها مكسور، فلما نبهته إلى ذلك قال: أعلم أنه مكسور وإنما تعمدت ذلك لاهز انتباه القارئ، قلت: لم أكن أدري أنك تجري على قرائك تجربة بافلوف على الحيوانات، ومع ذلك فما يزال عليك أن تفسر لم أخترت أن تنبهه في هذا الموضع، لا قبل ذلك ولا بعد ذلك.

(1/19)


وبسبب التحولات السريعة المفاجئة، والشغف بالتجديد المستمر، ضربت الحركة الشعرية رواقا من الحيرة حول النقد والناقد، وكانت أكثر الدراسات النقدية التي واكبت هذه الحركة على نوعين: نوع وصفي نير المحتوى، ونوع شعري مبهم لا تتحدد فيه غاية ولا يتضح حكم، وهذه الحال تغري بأن يطرح المرء هذا السؤال: كيف استطاعت هذه الحركة ان تقوي وتشتد دون أن يكون لها سند كبير من نقد أصيل؟ أن مثل هذا السؤال يفترض أن دعم النقد لازم لكل حركة أدبية تحتاج أن تستمر وتنمو، وهو افتراض ليس من الضروري أن يكون دائما صحيحا، ولكن هبنا أخذنا به في هذا المقام، فإننا سنجد عوامل أخرى ساعدت تلك الحركة الشعرية على الثبات البقاء منها: روعة الجدة، والملاءمة لروح العصر، وصدق كثير من التجارب، والمثابرة على تحدي الصعوبات، وسرعة العدوى و؟ إلى عوامل أخرى تستحق ثلاثة منها بسطا، لأنها تمثل ثلاث مراحل في تاريخ تلك الحركة:
الأول: التضامن الصامت، ذلك أن حركة الشعر الحديث ظلت بمنحى من الانقسامات الداخلية الصارخة، وإذا استثنينا بعض المواقف الفردية كوقفة السياب ضد صلاح عبد الصبور أو وقفته ضد البياتي، وموقف نازك من العيوب التي لابست هذا الشعر، وما أشبع ذلك، وجدنا أن كل من مارس النظم على النحو الجديد، قد انظم إلى الحظيرة، وأصبح عضوا في " مدرسة المحافظة " ، حتى وأن كان حظه من التجديد نزورا يسيرا، وهكذا استطاع هذا التضامن الصامت أن يحتضن مختلف الانتماءات والنظرات والمواقف، التي كان من الممكن أن تجر إلى انقسامات وتراشق بالاتهامات مثلما تفعل على الصعيد السياسي، وكان مما

(1/20)


ساعد على ذلك ؟في المرحلة الأولى - عدم وضوح تلك الانتماءات والمواقف، على نحو ساطع، إذ كان الرواد الأول لا يبغون من انتحال شكل جديد تعبيرا عن موقف فكري أو انتماء سياسي أو عقائدي وإنما كانوا يبحثون عن شكل يفرغون فيه مشاعرهم الرومنطقية، على نحو تحليلي، لم يعد يسعف عليه الشكل القديم، وإذا أنت قارنت بين ديوان عاشقة الليل وشظايا ورماد لنازك أو أزهار ذابلة وأساطير للسياب أو ملائكة وشياطين وأباريق مهشمة للبياتي، أو بين قصائد صلاح عبد الصبور ذات الشطرين وقصائده المتفاوتة في تفعيلاتها، لم تجد تغيرا كثيرا إلا في السمة التحليلية، والتطور القصصي، وإذا كانت الانتماءات والمواقف غير واضحة حينئذ، فإن الاتجاهات الشعرية نفسها كانت أيضا. ولا نجد خروجا عنيفا على منطق هذا التضامن الصامت مثل نقد أدونيس لشعر المقاومة. ولكن يجب أن نذكر أن ذلك النقد قد كتب بعد أن أصبحت الحركة الشعرية قليلة الحاجة إلى الإغضاء والمجاملة (1) ، وبعد إذ أصبح شعر المقاومة نفسه " ظاهرة شعبية " تهدد كثيرا من شعر " الصفوة المثقفة " بالحجب والانكماش. يقول أدونيس " إن شعرنا في الأرض المحتلة هو أولا رافد صغير في الشعر العربي المعاصر، بل رافد ثانوي، وهو ثانيا، امتداد لا بداية، امتداد لشعر التحرر الوطني الذي عرفه العرب طيلة النصف الماضي من هذا القرن وليس شعرا ثوريا " (2) ويؤيد أدونيس رأيه هذا بعدة ملاحظات منها أن هذا الشعر ضمن الأطر الموروثة، وانه خارج الثورة لأنه يعتبرها حدثا خارجيا قابلا للوصف والهتاف والغناء فهو من ثم محض حماسة لا تفعل شيئا، ومنها أنه مشبع المبالغة، والمبالغة تفرغ الوعي
__________
(1) كتب هذا النقد سنة 1969، انظر زمن الشعر: 148.
(2) المصدر نفسه: 169.

(1/21)


وتجعله خاويا، وهو نتاج غنائي بأبسط مستوى للغنائية، وهو محافظ منطقي مباشر ينطق بالقيم التقليدية. ولا ريب في أن هذا الرأي يتفق ومفهوم أدونيس للشعر، والعلاقة بينه وبين الثورة، ولم أورده لاناقشه، فذلك يتطلب خروجا عن مقتضى هذا السياق، وإنما أوردته لاشير إلى أول انقسام جذري في " معسكر " التضامن الصامت، بعد إذ توضحت معالم التباين في الانتماءات والاتجاهات.
الثاني: المجلة، لقد أثبتت مجلة " أبولو " ؟قبل ظهور الحركة لشعرية الأخيرة بكثير - أن كل اتجاه شعري يريد أن يفرض وجوده في التاريخ الأدبي لا يجد لذلك وسيلة خيرا من المجلة. ودور المجلات في الحركة الشعرية - موضوع هذه الدراسة - يتطلب بحثا تاريخيا تقييميا موضوعيا، يتعذر الوفاء به في هذا المقام. وبحسبي هنا أن أشير إلى دور مجلتي " الآداب " و " شعر " البيروتيتين في إفساح المجال لهذا الشعر يوم كان المؤمنون به قلة، ولما كانت مجلة " شعر " وقفا على الحركة الشعرية الجديدة، فأنها استطاعت أن تكون أبلغ أثرا من سواها في تاريخ تلك الحركة أيا كانت طبيعة ذلك الأثر ونوعيته ؟لأنها جعلت من نفسها منبرا لاتجاهات متفاوتة في داخل الحركة نفسها، وتبنت قصيدة النثر القصيدة ذات الإيقاع المنظم والتفعيلات المتفاوتة، وككل مجلة أخرى، شجعت بواكير شعرية لم تثبت طويلا في المجال الشعري، وأطلعت الشعراء والقراء على نماذج مترجمة من الشعر الغربي، وأيدت الاتجاه بأصوات نقدية متعددة، وحين توقفت عن الصدور خلفتها في هذا المضمار مجلات أخرى مثل " حوار " و " مواقف " ثم فاض فيض المجلات التي تعنى بهذا اللون من الشعر في كل الأقطار العربية. وقد استقطبت هذه المجلات من حولها " أسرا أدبية " و " اتحادات كتاب " ، كما نشأت أسر

(1/22)


واتحادات مستقلة، أخذت تقوم بدور المجلة في تشجيع شتى فنون الأدب الحديث، ولا تقتصر في ذلك على الشعر.
الثالث: دور النشر، وهذا العامل ذو صلة وثيقة بالعامل السابق، ولهذا تقف دار الآداب ودار شعر في طليعة الدور التي أخذت على عاتقها تقديم الديوان الشعري الحديث بصورة منظمة وعلى نحو يغري القارئ باقتنائه. ثم تجاوزت " دار العودة " مدى كل دار أخرى في هذا السبيل، حين اعتمدت نشر " الأعمال الكاملة " لكل شاعر، بحيث أتاحت لقراء الشعر مكتبة كاملة ذات " قطع " موحد. ولوزارة الأعلام في العراق دور هام في هذا أيضا بما نشرته وتنشره من دواوين. ولما لم يكن الاستقصاء مطلبا لي في هذه الدراسة، أجدني اكتفي بهذه الأمثلة التي تدل دلالة واضحة على أن الحركة الشعرية الحديثة ؟في المرحلة الراهنة - قد أصبحت تتنفس في جو أكثر حرية، وتجد لها قبولا واسعا ومؤيدين كثيرين، مهما تختلف أهدافهم وتتعدد الحوافز من وراء تحمسهم لهذا الشعر.
غير أن هذه الحركة الشعرية ؟مثل كل حركة تتسم بشيء من الخروج على العرف - لم تصل إلى هذه المرحلة على بساط، من الورد، فقد واجهت كثيرا من العواصف، ومشت على الشوك طويلا، وتعرضت لحملات كثيرة من التشكيك والشجب والمعارضة، فصورت على أنها مؤامرة لهدم اللغة العربية، وأتهم أصحابها بأنهم إنما لجأوا إلى هذا اللون " الممزق " من الشعر لأنهم عاجزون عن الشعر الجزل ذي الشطرين، وهب أن هذه الهمة كانت صحيحة فأنها لا تضير الشاعر الحديث، ونحن نرى أن كثيرا من شعراء الأندلس ؟مثلا - كانوا يعجزون عن نظم الموشح، كما أن كثيرا من الوشاحين لم يكن لهم حظ كبير في القصيد، وقياسا على ذلك يمكننا أن نقول أن الشاعر الحديث ليس من

(1/23)


الضروري أن يحسن " القصيد " لأن القصيد له شروطه وظروفه وقواعده وأساليبه وبيئته. وها هنا طرفة تصلح للاعتبار، فقد استشارت هذه التهمة أحمد عبد المعطي حجازي حين أعترض الأستاذ عباس محمود العقاد على اشتراك بعض الشعراء المجددين في مهرجان الشعر بدمشق (1959) لأنهم لا يعرفون أصول الشعر العربي وهدد العقاد يومئذ بالانسحاب من المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب احتجاجا، فما كان من حجازي إلا أن نظم قصيدة ذات شطرين ليثبت للعقاد أنه لا يجهل أصول الشعر العربي، وكانت تلك الهفوة ؟فيما أعتقده - سقطة العارف، لأنها أثبتت حقا أن حجازي لو مضى يقول الشعر ذا الشطرين لما ثبت طويلا في حلبة الشعر (1) .
وخير ما يمكن أن يصور جانبا من طبيعة الحركة المناوئة للشعر الحديث مذكرة تقدمت بها لجنة الشعر المصرية إلى نائب رئيس الوزارة وزير الثقافة والإرشاد القومي سنة 1964 وقد عبرت تلك المذكرة عن أن حركة الشعر الجديد قد جعلت اللغة الفصحى موضوعا للمناقشة، ومكنت لفريق أن يدعو إلى تبني اللغة العامية لأنها هي لغة الشعب، والتهاون بأمر اللغة أنما هو تهاون بالقضية القومية العربية، مع أن الشعر كان دائما ؟من بين جميع الفنون وعند جميع الأمم - هو الفن الذي يحرص كل الحرص على صيانة اللغة. وأخطر ما في ذلك الشعر أنه يعكس روحا منافية لروح الثقافة الإسلامية العربية لأن بعض صور التعبير فيه مستمدة من ديانات أخرى غير العقيدة الإسلامية كفكرة الخطيئة والصلب والخلاص، كما أن فيه تهاونا كبيرا في استعمال لفظة " الإله " كأنها لا تزال تحمل دلالتها عند
__________
(1) انظر هذه القصيدة في ديوانه أوراس: 434 - 435 (ط. دار العودة).

(1/24)


الوثنيين، وخلاصة ذلك كله أن الحركة الشعرية هذه حركة هدامة تعادي التراث في صورة لغة ورباط قومي وتحاول تحطيم الشوامخ من شعراء العربية.
ولست أسمي هذه اتهامات، فإن جانبا منها لا يعتمد افتراء في الجملة، ولكنها من حيث صدورها عن حركة مناوئة إنما تستعمل منظورا مختلفا عن ذلك الذي يستعمله أصحاب الشعر الحديث، وكأن المسافة بين المنظورين هي مسافة الخلف بين لونين متباعدين بل متصارعين من الفكر والثقافة والمنحى. ولهذا فإذا كان الاتجاه الشعري الحديث ظاهرة حتمية، فإن الثورة عليه ظاهرة طبيعية كذلك.
ولقد مات كثير من أعداء الحركة الشعرية الجديدة مثل العقاد وعزيز أباظة وصالح جودت ؟تغمدهم الله برحمته، وأتيح لها من المؤيدين والأنصار أكثر مما كانت تتوقع، وقيض لها من سبيل الانتشار والذيوع ما لعلها لم تكن تنتظره، ولكن بقي لها أعداد كثيرون، بعضهم من داخلها، وبعضهم من خارجها، وهذا الفريق الثاني يصنف في ثلاثة أنواع:
الأول: الأغنية: فأنها أشد شيء محافظة في عالمنا العربي، ذلك أنها أن كانت شعبية، فأنها ما تزال تعتمد الجناس وغيره من المحسنات البديعية، وأن كانت غير شعبية فأنها ما تزال تتحدث عن العذول والرقيب والسهر والعذاب والدموع، وتبدو منقطعة الصلة بالتحول الذي طرأ على المجتمع في النظرة إلى العلاقات العاطفية، وكأنما هي تدور حول نفسها في استلهام مواقف رو منطقية كاذبة، حتى أن مد جسر بينها وبين القصيدة الحديثة ليبدو أمرا متعذرا، وبما أن الأغنية تجد قبولا لدى قطاع ضخم من الناس، فأنها ستظل تربي الذوق العام على غير ما يريده الشعر الحديث

(1/25)


وستظل تقيم من نفسها شاهدا على أنه شعر غريب المنحى، ينتمي إلى فئة الأقلية (1) .
الثاني: المدرسة، وبطلها السمح البري هو المعلم، وهو معذور لأنه لا يجد لديه عملا نقديا يفك له مغلقات الشعر الحديث، وهو في الوقت نفسه لا يستطيع أن يدرس لطلابه شيئا تكون أجوبته جميعا على محتواه: لا أدري.. لا أدري، ولهذا فإنه يرتاح إلى النماذج الكلاسيكية للإلقاء. فإذا لم تصبح مادة الشعر الحديث جزءا من الثقافة المدرسية، فإنه من الصعب أن يجد الناشئة في هذا الشعر تعبيرا عن وجودهم.
الثالث: الملتقيات الشعرية أو الأسواق العكاظية: وهي تحني الشعر الحديث عن وجهته، ليجد قبولا لدى الالتقاء، ومعنى ذلك أن يبقى في الشعر الحديث أوتار خطابية، لأنه في صورته الحقيقية غير قابل للإلقاء في ملقيات عامة. ولعل الاقتصار على الندوات الصغيرة ذات الجمهور المتقارب في ذوقه، أجدى على هذا الشعر أن كان صاحبه ممن يحسن تأديته، فإن في بعضه من الشجن الدفين على الوضع الإنساني ما يعوض عن الخطابية التي يتمتع بها الشعر الكلاسيكي. حتى هذا الحد تجنبت استعمال مصطلحين شاعا كثيرا على الأقلام والألسنة، لأولهما مصطلح " الشعر الحر " في الدلالة على هذا اللون من الشعر الحديث الذي خفف من قيود
__________
(1) في سبيل مزيد من الإدراك لدور الأغنية انظر كتاب خطوات في النقد للأستاذ يحيى حقي (257 - 263) ومما قاله هنالك أنها " ضحلة رتيبة غارقة في السجع مجنونة بالتكرار عمياء عن وجود شيء فظيع اسمه الملل والزهق وطلوع الروح؟ " بل أن ما عده الأستاذ حقي أغنية متطورة ما يزال يشكو كثيرا من حمى الدوران حول الموقف الغارقة في الابتذال العاطفي.

(1/26)


القافية وصرامة الشطرين، والثاني مصطلح " الشعر العمودي " في الدلالة على كل ما عداه، وأنا أرى أن كلا المصطلحين قاصران، فأما الشعر الحر ؟وهو المصطلح الذي قبلته نازك في كتابها " قضايا الشعر المعاصر " وهو أيضا الترجمة العربية للمصطلح الفرنسي vers libres (1) فليس حرا ؟بالمعنى المطلق - لأنه ما يزال يراعي رويا معينا وما يزال يخضع للإيقاع المنظم، خصوصا إذا شئنا أن نفصل بينه وبين ما يسمى " الشعر المنثور " ، وهو فصل ضروري، فيما أرى، رغم إنكار الكثيرين لهذا الفصل (2) . على أن إيجاد تسمية شاملة لهذا اللون من الشعر ليس بالأمر السهل، ذلك أنني كلما قرأت شعر شاعر وجدتني أشتق للحركة الشعرية تسمية مستوحاة مما قرأته: حين أقرأ أدونيس يلوح لي أن هذا الشعر ؟وأرجو أن يؤمن القارئ بأني جاد كل الجد - يسمى " المرايا الحارقة " وحين أقرأ بلند الحيدري يصبح اسم هذا الشعر " الحارس المتعب " ، وإذا قرأت البياتي وجدت أن هذا الشعر اسمه " الأقنعة السبعة " ، وعندما أنتهي من قراءة خليل حاوي أجد أوفق اسم لذلك الشعر: " عرس قانا الجليل فوق بيادر الجوع " ، وتلم بي تهويمة وأنا أقرأ شعر محمود درويش فأظن ما قرأته يسمى " كيف تتحدث الريح الشمالية إلى البرتقال
__________
(1) يميز الفرنسيون بين الشعر متحرر وشعر حر وقصيدة نثرية أو شعر منثور، ولكن الفصل الدقيق بين هذه الأشكال - بسبب طبيعة الأوزان في تلك اللغة ليس متيسرا دائما.
(2) أن هذا الموقف، يعني تمييزا في التحليل النقدي بين الشعر الذي يعتمد إيقاعاً منتظما والشعر المنثور، وقد حاولت في هذا الكتاب أن اقصر شواهدي على النوع الأول، ما عدا استثناءات قليلة - ميزتها في مواضيعها - لأن الشاهد فيها قوي الدلالة على الفكرة التي أعالجها لا على المستوى الشعري الفني.

(1/27)


والأرض " ، واجنح إلى شعر سلمى الخضرا، فأجد أن ما اقرؤه يقال له: " نشيد الأرض حين ينضب النبع الحالم " ، وأقرأ، وأقرأ؟ هل أمضي في العد؟ لو أنني مضيت في القراءة، لوضعت أسماء للشعر بعدد الشعراء.
ولست أعني من كل ذلك أنني عجزت عن أن أجد في هذا الشعر عناصر مشتركة، ولكن تباعد الإيحاءات التي يستمدها الدارس من شعر كل شعر على حدة، دليل على حيوية خاصة وتفرد في العناصر المميزة لدى كل فرد؛ ؟دون انعدام صفة التواتر والتشابه أحيانا - ويكاد أن يكون الشكل الخارجي هو أقوى رابط يربط بين المسارب المتعددة في هذا الشعر، وأن لم يكن الرابط الوحيد، ولهذا ستظل كل محاولة لإيجاد اسم لهذا الشعر تحوم حول الشكل (حين يصبح العامل الزمني في التسمية مثل " الشعر الحديث " و " الشعر المعاصر " ضعيفا بمرور الزمن)، ولهذا يستسهل الدارسون أن يسموه الشعر الحر (أو المتحرر أو المنطلق أو المسترسل)؛ وقد خطر لي قياسا على وفرة المصطلح الدال على الأشكال الشعرية عند العرب (مثل الموشح والزجل والمسمط والمعلقة والملعبة والكان وكان والقوما و؟.الخ) أن أسمي هذا اللون الجديد من الشعر باسم " المغصن " مستوحيا هذه التسمية من عالم الطبيعة لا من الفن الزخرفي، لأن هذا الشعر يحوي في ذاته تفاوتا في الطول طبيعيا كما هي الحال في أغصان الشجرة، خصوصا وأن للشجرة دورا هاما في الرموز والطقوس والمواقف الانسيابية والمشابه الفنية،ثم لأن هذه التسمية تشير من وجه خفي إلى كتاب " الغصن الذهبي " الذي كتبه جيمس فريرز، وما أثار من تنبه إلى الرموز والأساطير، وما كان له من أثر عميق في هذا الشعر نفسه.

(1/28)


ولكني أعلم أن هذه التسمية لن تروق كثيرين، لأنها قد توحي بشيء من التنظيم المصطنع، لأنها اقتراح فردي لم يعمل فيه " الإحساس الجماعي " قريحته، ثم لأنها توحي بشيء من التراثية أي محاولة لربط هذا الشعر بالتراث، وهو شيء قد أنقذته منه لفظة " حر " إنقاذا يزيد على ما تستحقه طبيعته بكثير، وأعتقد أن كل محاولة من هذا القبيل لن تستطيع أن تطمس مصطلح " الشعر الحر " لسهولته وشيوعه والابتهاج بإيحاءات الحرية فيه .
وأما مصطلح الشعر العمودي فإنه أيضا مصطلح قاصر، لأن كل شعر عمودي إذا اعتبرنا " نظرية عمود الشعر " في أوسع مدلولاتها، وأبسط مثل على ذلك أن هذا الشعر الجديد المغصن لا يزال يجري على الأوزان القديمة، فهو من ناحية الوزن عمودي. ثم أن هذه التسمية أن أريد بها الاستخفاف بالشعر القديم أو الغمز من قيمته فهي تسمية ماجنة تنطوي على حمق كثير وجهل أكثر. ولهذا يمكننا أن نسميه الشعر المشطر، فهذه التسمية تشمل القصيد والموشح والمسمط والدوبيت وكل ما جرى على سياق الأشطار المتساوية.
ومن الطبيعي أن نسأل ؟في هذا الصدد - أين يقف هذا الشعر اليوم؟ ومن أجل أن نتصور ذلك على نحو مقارب نستشهد برأيين متباعدين عن هذا الشعر نفسه، أولهما رأي لنازك الملائكة التي كانت من أول رواد هذه الحركة وأشدهم في البداية تحمسا لها، ورأي نازك ذو طرفين أولهما يمثل موقفا من ذلك الشعر عام 1962 حيث تقول " مؤدى القول في الشعر الحر أنه ينبغي إلا يطغي على شعرنا المعاصر كل الطغيان، لأن أوزانه لا تصلح للموضوعات كلها، بسبب القيود التي تفرضها عليه وحدة التفعيلة وانعدام الوقفات وقابلية التدفق والموسيقية، ولسنا ندعو بهذا إلى نكس

(1/29)


الحركة، وإنما نحب أن نحذر من الاستسلام المطلق لها؟ " (1) والطرف الثاني وهو أشد اتصالاً بمستقبل ذلك الشعر جملة يمثل عام 1967، وفيه تقول نازك: " وأني لعلى يقين من أن تيار الشعر الحر سيتوقف في يوم غير بعيد وسيرجع الشعراء إلى الأوزان الشطرية بعد أن خاضوا في الخروج عليها والاستهانة بها، وليس معنى هذا أن الشعر الحر سيموت وإنما سيبقى قائما يستعمله الشاعر لبعض أغراضه ومقاصده دون أن يتعصب له ويترك الأوزان العربية الجميلة " (2) . ورغم انتقال نازك في طرفي هذا الرأي من النصيحة إلى التنبؤ، فإن ثمة شبها قويا بين الموقفين وهو إيمانها بأن هذا اللون من الشعر سيتحدد وجوده ويتعايش مع ألوان من الشعر المشطر، كل ذلك يصدر عن شاعر واحد في آن معا، ولا يعني تعايشا بين تيارين أو مدرستين، لأن الشاعر الواحد بحاجة إلى أن ينوع في شعره بين الشعر الحر والمشطر بحسب تنوع الموضوعات، وصلاحية شكل لموضوع دون آخر، وربما كان هذا هو معنى قولها " سيتوقف " ثم قولها بأنه " لن يموت " ، فإن بين التوقف وعدم الموت، مرحلة وجود أشبه بالموت لأنها حال من " التجمد " أو " التجميد " ، ولو قالت " سيتحدد " لكان ذلك أقرب إلى الدقة فيما تحاول أن تصدره من نبوءة أو حكم.
أما الرأي الثاني فإنه لأدونيس، ورأيه هذا منبعث في مختلف كتاباته، غير أنه قلما يصدر على ما هو موجود، وإنما يحاول في الأغلب أن يتصور كيف يجب أن
__________
(1) قضايا الشعر المعاصر: 48.
(2) مقدمة " شجرة القمر " (ديوان نازك 2: 422) وتاريخ المقدمة 28 - 3 - 1967.

(1/30)


يكون الشعر، كيف تكون علاقته بالثورة، بالتراث، ما معنى التجديد، ما دور اللغة، كل ذلك في إطار التصور لما يجب أن يكون عليه " التكامل " الكلي، من خلال عمليتي الرفض والتجدد المستمرين. ومع إيمان أدونيس بالمرحلية في العلاقة الجدلية بين الشعر والجمهور، فإن تصوراته مجتمعة قد تفسر على أن هذا الشعر الجديد لم يبلغ شوطا يحقق به حتى ما يريده له أدونيس في هذه المرحلة الراهنة، فكيف بالمراحل التالية التي تتطلب تنويعا في الإبداع ورفضا لما يعد مقبولا لهذه المرحلة. وأذن فإن أدونيس يقف موقفا مناقضا لموقف نازك، فبينما ترى هي أن الشعر قد فقد الأسباب الداعية لشمولية جوانب الحياة المعاصرة/ كما فقد دواعي الحماسة المتطرفة من أجله،يرى أدونيس أن هذا الشعر لم يستطع بعد أن يحقق الدور الشعري الصحيح في التحرر التام من السلفية والنموذجية والشكلية والتجزئية والغنائية الفردية والتكرار، ذلك أمر قد يستخلص من مجمل آراء أدونيس، ولكنه في أحد المواقف يصرح بهذه الاتهامات أو ببعضها حين يقول: " المشكلة الآن في الشعر العربي الجديد لم تعد في النزاع بينه وبين القديم، وإنما أصبحت في معرفة الجديد حقا وتمييزه، فالواقع أن في النتاج الشعري الجديد اختلاطا وفوضى وغرورا تافها وشبه أمية. وبين الشعراء " الجدد " من يجهل حتى ابسط ما يتطلبه الشعر من أدراك لإسرار اللغة والسيطرة عليها، ومن لا يعرف من الشعر غير ترتيب التفاعيل في سياق ما، ومع ذلك يملأ كل منهم الجرائد والمجلات بتفوقه وأسبقيته على غيره وبمزاعمه أنه نبي الشعر الجديد ورائده. بل أننا مع القائلين أن الشعر الجديد مليء بالحواة والمهرجين " . (1)
__________
(1) زمن الشعر: 236 - 237.

(1/31)


أن في حدة هذه الصراحة ما يسوغ ذلك التضايق الذي شعرت به نازك إزاء كثير من المحاولات الشعرية المعاصرة، ولكن الفرق بين الموقفين هو الفرق بين إحساس بشيء من التشاؤم تجاه إمكان خلوص هذا الشعر من زيف كثير علق به، وبين إيمان متفائل بأن الشعر ؟الرؤيا - قد يتحقق، بل لعل جانبا منه قد تحقق على يد قلة ؟أو على يد واحد - من الشعراء.
وهما يكن من تقارب بين بعض جوانب هذين الرأيين فإني أرى أن الحقيقة تقع في مكان ما بينهما: ذلك أن هذا الشعر الذي تسميه نازك شعرا حرا لم يعد تلبيه لرغبة في التجديد الشكلي ؟كما بدأ - وإنما أصبح مع الزمن طريقة من التعبير عن نفسية الإنسان المعاصر وقضاياه ونزعاته فهو يتطور في ذاته كلما تطورت المداخل لفهم تلك النفسية، والمبادئ المطروحة لحل تلك القضايا، والوسائل الجديدة للكشف عن ضروب اللقاء والصراع في تلك النزعات، ويجب أن نتوقع استمرارية في هذا التطور، لا عودة إلى الوسائل السابقة، حتى أمد غير قصير، خصوصا إذا صورنا ملازمة هذا التطور لأمرين هامين، أولهما: أن الزمن سيخلق أجيالا لا تعرف من صور شعرنا القديم وضروبه إلا أصداء يسيرة تفرضها النظرة التاريخية، وإنما هي أجيال قد تغذت بهذا الضرب الجديد من الشعر، ووجدت فيه صورة لما تبحث عنه في الحاضر وبعض اسقاطات على ما ترغب تحقيقه في المستقبل، وثانيهما: أن الشعر غير منفصل ولا منعزل عن ضروب التعبير الأخرى في القصص والمسرح والسينما والرسم والموسيقى، وإذا كان التغير في هذه الضروب شاملا، متطورا، (وكان ذلك كله بسبب التغير المستمر السريع في منطلقات العلم والتقنية والكشوف المتتابعة) فليس من الطبيعي أن يستقل الشعر بالارتداد إلى صور التعبير

(1/32)


القديمة. نعم أن شيئا من الماضي قد يمكن بعثه في سياق هذا التطور ؟أو على الأصح قد يمكن استخدامه وتحديثه، لا لقيمته للحاضر، ولكنه بهذا نفسه لن يظل ماضيا. ثم أن هناك حقيقة تتصل بما سبق، ويجب ألا نغفل عنها، وهي أن هذا الشعر يمثل جزءا من موجة عالمية طاغية، فإذا لم تكن هذه الوحدة الكبيرة هي التي تمده بالقوة والاستمرار، فإن طغيان الموجة وحده كفيل بأن يدفعه شوطا طويلا. ولدينا في طغيان الموجة المحلية أمثلة كثيرة من شعراء تحولوا بقوتها نحو الشكل الجديد، فكيف إذا كانت الموجة عالمية تغري الشاعر بأن يرتبط بما وراء حدود البلد أو الإقليم ويترجم شعره إلى عدة لغات، ويجد الاعتراف بشاعريته على نحو يتجاوز الرقعة الضيقة؟ وإذا كان لا بد من التمثيل فلنأخذ مثالين بارزين هما الفيتوري وبلند الحيدري بين الشعراء المعاصرين، فقد أصدر الفيتوري ديوانه " أغاني أفريقيا " و " أذكريني يا أفريقيا " وفي الثاني منهما أخذ يتجه نحو الشكل الشعري الجديد، (ليس قبل 1964) مع أن الشكل القديم في ديوانه الأول لم يكن يشكو ضعفا أو قصورا، بل كان يعد من حيث تعبيره عن المشكلات الإفريقية من استعمار وعبودية وتمييز وعنصرية غاية في الاداء، ولكنه تحول؟ ولم يضعف في تحوله، رغم صعوبة ذلك، أما بلند الحيدري فقد كان أول ديوان له هو " خفقة الطين " (1944 (؟)) وهو يمثل طاقة شعرية فائقة، استعاض عنها بلند حين تحول إلى الشكل الجديد بالعمق الفكري، ولكن ذلك العمق لم يستطع ؟فيما أرى - أن يكون بديلا لتلك الطاقة الشعرية.
ورأي أدونيس ؟وأن كان أقرب إلى فهم طبيعة التطور ومتطلباتها - لا يزال يشكو من الطموح المثالي، ذلك أنه إذا كانت " الوحدة المنتظرة هي التي يجب أن تتم بين فن

(1/33)


ثوري يرفض البنية الثقافية القديمة في الحياة العربية، ونظام ثوري يرفض بنيتها الاقتصادية - الاجتماعية " (1) فإن عدم تحقق أحد طرفي المعادلة يشل من قدرة الطرف الثاني على أن يتحقق كاملا مثلما يعوق ظهور الوحدة المنتظرة وفي هذا المجال علينا أن نقر بالمرحلية عمليا لا نظريا وحسب، ومعنى ذلك أن نربط بين الواقع والنموذج الفني، فلا نتحدث عن النموذج بحسب ما يجب أن يكون، وإنما بمعيار صلته بالواقع. وهذا أمر قد يقلل من شغفنا بالتنظير المسبق، ويوجه أكثر جهودنا إلى أن ندرس وندقق ونتفحص، ونعلل من خلال الوقائع المعطاة، والحدود والأبعاد التي أبرزها الإمكان. ألم يقل أدونيس نفسه في مراجعة له على مجموعة قصائد نثرية لانسي الحاج: " في مجموعتك صراخ يفتح باب الرعب.. صحيح أن الصراخ قلما يكون وسيلة للشعر، لكنه في هذه اللحظة من تاريخنا قدر نفسي يحكمنا " (2) ، أن الصراخ ؟لن يكون بأي منطق - وسيلة للشعر، ومع ذلك فقد قلبه أدونيس لأنه " قدر نفسي " لبعض الناس في مرحلة تاريخية، وهناك مستويات أخرى كثيرة يحاكمها أدونيس بمنطق " المثل الأعلى " ، ولابد هنا، من موقف موحد، لا يتطرف إلى هذه الناحية أو تلك بحسب المزاج أو إيحاءات اللحظة العابرة.
__________
(1) زمن الشعر: 183.
(2) المصدر السابق: 268.

(1/34)


2 - دلالة البواكير الأولى
القصيدتان اللتان وصفتا بأنهما بداية الانطلاقة الجديدة في الشعر، وهما قصيدة " الكوليرا " لنازك، وقصيدة " هل كان حبا " للسياب (1) ، لا يصلح اتخاذها مؤشرا قويا على شيء سوى تغيير جزئي في البنية، فأما الأولى فأنها خبب مسيقي لذلك الموكب المخيف الذي يمثله الموت، ووصف خارجي للوصول إلى إثارة الرعب ؟دون القدرة على إثارته - باختيار مناظر يراد بها أن تصور هول الفجيعة، وأما الثانية فإنها تنطلق من محاولة لتحديد معنى الحب هل هو نوح وابتسام أو خفوق الأضلع عند اللقاء، ثم تتردد فيها المشاعر بين تصوير للغيرة والشك والحسد للضوء الذي يقبل شعر المحبوبة، ولولا تفاوت ضئيل في بعض الأشطار دون بعض، لما ذكرت هذه القصيدة أبدا في تاريخ الشعر الحديث.
أذن فإن اختيار هاتين القصيدتين لدراسة معالم الاتجاهات لهذا الشعر في البداية لن يؤتي نتيجة تلفت الأنظار، ولهذا كان لابد من تجاوزهما، زمنيا، إلى نماذج مما جد بعدهما، وبين العمد والعفوية، أراني أختار لهذه الغاية ثلاث قصائد للرواد الثلاثة الأوائل، وهي: قصيدة " الخيط المشدود في شجرة السرو "
__________
(1) القصيدة الأولى في ديوان نازك 2: 136 والثانية في أزهار وأساطير (منشورات دار الحياة - بيروت) : 139 وتبدو القصيدة الثانية - في هذه الطبعة - ناقصة قد سقطت منها بعض المقاطع.

(1/35)


لنازك (1948) و " في السوق القديم " للسياب (غير مؤرخة ولكنها ربما لم تتجاوز 1948) و " سوق القرية " للبياتي (حوالي سنة 1954) مع الاستعانة في تحليل القصيدة الثالثة، بقصيدة رابعة للبياتي عنوانها " مسافة بلا حقائب " وكلتاهما من ديوانه " أباريق مهشمة " . (1)
ومن أجل أن أضع القارئ في جو قصيدة نازك " الخيط المشدود " أقول أنها قصة محب كان يظن واهما أن الحب في قلبه قد مات، ولكنه عاد إلى المعاهد الأولى لذلك الحب، وأقترب من " البيت " والهواجس تقول له لأن صاحبته ما تزال على عهده وأنه سيلقاها ولا بد، وبعد أحجام يدق الباب، فلما لم يجبه صوت، يفتحه فيرى في ظلمة الدهليز وجها شاحبا، هو وجه الأخت (أخت المحبوبة)، ويقف السؤال في فمه وهو يحاول أن يقول: هل؟. ويجيئه الجواب، أنها " ماتت " ، وفيما هو يسمع هذه الكلمة الرهيبة وهي تتردد في أذنيه كالمطرقة، يتعلق طرفه بخيط مشدود في شجرة سرو قائمة في باحة البيت، وبين رنين اللفظة الداوي يملأ الليل صراخا: " ماتت. ماتت " وبين الخيط المشدود تتوزع نفسه متقسما، ويطول به الوقوف، وهو غائب عما حوله، تتجاذبه القوتان الطاغيتان، ثم يعود ؟وهو ما يزال يسمع الصوت - والخيط في يده يعبث به ويلفه حول إبهامه.
على هذا الوجه تبدو القصيدة تصورا ذاتيا لما سيحدث في المستقبل، فهي حلم أو نبوءة أو أمنية تصور العودة ومد العواطف المستشرقة للقاء حتى الذروة، ثم الصدمة النفسية ثم التمزق ثم العودة الثانية (عودة المحب أدراجه مضطربا آيسا)، فهي أذن وجدانية ذاتية، ومن
__________
(1) هذه القصائد الأربع ترد في الملحق.

(1/36)


خلال هذا التلخيص تبدو عادية في رومنطقيتها. ولكنها ليست كذلك لاحتوائها على عناصر شعرية رفعتها فوق ذلك المستوى.
وقبل الحديث عن تلك العناصر لا بد من الإشارة إلى أن الشاعرة اهتمت في فاتحتها بإبراز الجو المكاني والزماني " الشارع المظلم ؟الليل - أشجار الدفلى " وهو جو ذو صلة بالذكريات، غير أن رسم مثل هذا الجو وتحديد معالمه يعد متكأ أثيرا لدى الشاعرة في كثير من قصائدها السابقة واللاحقة، كأن تقول: " في سكون المساء/في ظلام الوجود " أو " كان المغرب لون ذبيح/ والأفق كآبة مجروح " أو " في الكرادة في ليلة أمطار ورياح " ؟ الخ، وغالبا ما تكون هذه التوطئة إيذانا بقص حكاية، وقد عمدت في هذه القصيدة إلى هذا الشكل القصصي نفسه، لأنه شكل قابل للنمو الطبيعي بين طرفي " العقد والحل " ، ولأنه يتلائم بقوة وتلك الحرية التي اختارتها في سياق التفعيلات المتفاوتة، وقد مكنها الشكل المتحرر والقالب القصصي من إبراز أمر ثالث وهو: التعمق في تحليل نفسية المحب وربط تلك النفسية بمظاهر الطبيعة، وإخراج بعض كوامن تلك النفس على شكل حديث ذاتي أو مونولوج داخلي، يعكس الاستشراف والقلق والتذكر والتردد والحيرة والابلاس والتعب الذي يشرف بصاحبه على الانهيار.
ويمثل " البيت " عنصرا هاما في قصيدة نازك، بل في كثير من قصائدها:
وترى البيت أخيرا
بيتنا، حيث التقينا
عندما كان هوانا ذلك الطفل الغريرا
وترى البيت فتبقى لحظة دون حراك
ها هو البيت كما كان هناك؟.. "

(1/37)


لا لأنه وحسب، موطن اللقاءات والذكريات، بل لأنه أيضا بيت العائلة، وحين يفتح المحب بابه يجد الأخت شاحبة حزينة على فقد أختها، واختيار هذا المكان للقاء يوحي أن هذا الحب كان عفيفا نقيا، يتم تحت سمع العائلة وبصرها، ولا غرابة إذا أصبح البيت في شعر نازك هو نفسه " المعبد " ، وانتقل الحب إلى جو ديني من الصفاء والعفة، حتى أن المحب العائد لا يتصور إلا روعة اللقاء، والتحايا التي تعود أن يسمعها:
ويتلقاني تحايا كما كنا قديما
وستلقاني؟
لا غرابة إذن أن نجد العنصر الأكبر في هذه القصيدة شبه ديني يقف بين مصراعيه التوبة ؟والعقاب، فقد عاد المحب تائبا:
ها أنا عدت وقد فارقت أكداس ذنوبي
وقد جاء يرجو " التطهر " في معبد الحب، برؤية جميع الرموز التي تربطه بالماضي: الطريق، أشجار الدفلى والتارنج والسرو، السلم، الباب ذو اللون العميق، الممر المظلم الساكن، ولكن التوبة متأخرة، ثم لم تكن مقبولة، وكان لا بد من العقاب، وقد جاء هذا العقاب قاسيا يوحي بالتشفي والشماتة، والمحبوبة تحت الثرى في مكانها " الداكن الساجي البعيد " ترى أية صاعقة عنيفة وقعت على ذلك المحب الذي لم يعد في الوقت المناسب. وكان العقاب ضياعا للماضي كله وانطفاء لرموزه المختلفة ؟عدا رمز واحد - ثم ضياع المحب في الحاضر (والمسستقبل) لأنه أصبح مجردا من ماضيه، ومن الواضح أن هذا العقاب يقف موازيا لتضحية المحبوبة، وموتها، في القصيدة، ولكن

(1/38)


علينا أن نتذكر أن الشاعرة ؟في عدد غير قليل من قصائدها - تلح على هذا اللون من الحب الذي يلتبس حينا بالعداوة:
نحن إذن أعداء
وإن تكن تجمعنا أحلام
من أمسنا أودت بها الأيام
كما يلتبس حينا آخر بالبغض:
وأبغضك لم يبق سوى مقتي أناجيه
وأسقيه دماء غدي وأغرق حاضري فيه
وأن هذا البغض يفضي إلى القتل، ولكنه يتمخض عن قتيلين (كما في القصيدة التي أدرسها):
وكنت قتلتك الساعة في ليلي وفي كأسي
؟
فأدركت ولون اليأس في وجهي
بأني قط لم أقتل سوى نفسي
وليس هذا تصويرا للحظات متفاوتة متقلبة بين الأمل واليأس، وإنما هو هرب من هذا العائد، لأنه لن يكون نفسه، لن يحمل صورته السابقة، وإنما سيكون شخصا آخر مختلفا عن الصورة التي أرتسمت في النفس:
ولو جئت يوما ؟وما زالت أوثر إلا تجيء -
لجفت عبير الفراغ الملون في ذكرياتي
وقص جناح التخيل واكتأبت أغنياتي
أنه هرب من المفارقة القائمة بين الواقع والخيال، واقع المحبوب العائد، وصورته المثالية المتخيلة، على ذلك يصبح

(1/39)


موت المحبوبة في القصيدة ضروريا لا لأنه يحقق العقاب وحسب، بل لأنه يبقى على الصورة المثالية دون أن تتشوه أجزاؤها.
وتتكئ القصيدة على عنصر آخر متصل بالعنصر السابق شبه الديني، بل هو يوسع من حدوده، لأنه يجعل الإثارة متصلة بالشعائر مطلقا، أعني بذلك ترديد الكلمة السحرية التي تعتبر مفتاح القصيدة وشارة التحول فيها، وهي لفظة " ماتت " لفظة تنبعث من كل النواحي وترددها الظلمات وشجرات السرو والعاصفات وتصل أصداؤها إلى النجوم؛ وإحساس الطبيعة بهذا الموت، دليل على أن المحبوبة قد أصبحت جزءا من تلك الطبيعة كما أنه دليل على فداحة الفاجعة، هذا من ناحية الدلالة المعنوية أما من حيث تأثير اللفظة في بناء القصيدة فإنها حولت حركتها إلى جمود في كل مكان عن نبضات الحياة وعن حيوية التحليل النفسي، ولهذا شغلت من القصيدة أربعة مقاطع (من بين سبعة).
ولولا أن الشاعرة أوجدت في قصيدتها عنصرا ثالثا مهما ؟بل أهم عناصرها ؟ لتوقف حركة القصة عند نهاية مألوفة، وذلك العنصر هو الخيط، وهو سر تعلق المحب بتفسير ما يظنه من لغز فيه، وهو تميمته (تعويذته) التي استعان بها على طرد أثر الكلمة السحرية " ماتت " ، ووجوده هنالك مشدودا في شجرة السرو جعل المحب يهرب من مجال المسموع إلى مجال المنظور، وبدلا من أن تصعقه اللفظة السحرية، بشدة وقعها الرهيب، تلقى " الخيط " عنه لعنتها حين أمسكه وأخذ يبعث به، فغدا أداة " تسريب " للسموم التي كانت تنفثها في نفسه لفظة " ماتت " . ذلك أن حروف لفظة " ماتت " ؟في رسمها

(1/40)


كانت تبدو كالمشنقة، " كل حرف عصب يلهث في صدرك رعبا " كما أن الخيط كان صورة من المشنقة أيضا، كان " حبالا من جليد " ، وقد هرب المحب من مشنقة حقيقية إلى أخرى رمزية، وكانت حياته ؟في نظر الشاعرة - ضرورية ليتعذب ويقاسي أهوال الندم ويغرق في لحج الضياع. وقد كانت الشاعرة قادرة على أن تجعل ذلك الخيط جزءا من الذكريات، فيصير في يد المحب شيء من الماضي، ولكنها أبت حتى ذلك عليه، إذ أنه بعد فراق شهرين، عاد ليرى الخيط وهو لا يدري متى شد في موضعه؟ من شده؟ ولماذا علقوه، أنه شيء لم يكن له في تاريخ الحب علاقة بالمحبوبة، ومع ذلك فقد تعلق به المحب، لعله أن يكون أثرا من آثار تلك التي ماتت، لعله؟ ألم يكن مشدودا إلى شجرة السرو، وهذه الشجرة ترمز إلى المحبوبة، أتراها هي التي وضعته هنالك ليرمز إلى أنها أحكمت ربقة الموت حول نفسها وحول حبها وحول الماضي؟؟ علالة نفس هي كل ما تبقى له من " الحب العميق " ، وعدم اتصال الخيط بأي شيء من ذكريات الماضي يعمق مشاعر التشفي والشماتة، ويومئ في سخرية خفية إلى أن المحب حين فقد كل شيء انتحل لنفسه وجود لغز حسبه متصلا بالماضي ليتأمله على البقاء.
وقد قسمت الشاعرة قصيدتها في سبعة مقاطع (أو دورات)، ولكن هذه القسمة لم تكن ذات قيمة في البناء الفني للقصيدة، لأنها لا تمثل مراحل دقيقة في نموها واسترسالها، ولهذا يستطيع الدارس أن يغفل هذا المظهر دون أن يجوز بذلك على المبنى العام للقصيدة، وهو مبنى قائم في جملته على التوازي المستمر بين شيئين أظهرهما: موت " البطلة " وتحولها إلى جزء من الطبيعة الأم المخصبة تلك الطبيعة ترثي المحبوبة إلى الكون بترديد الخبر عن

(1/41)


موتها، كأنه القوة السارية في تلك الطبيعة، وحياة " المحب " والسخرية من تلك الحياة إذ يحاول استمداد البقاء من عنصر مجدب ميت تافه صغير هو " الخيط " ، وبين هذين المتوازيين تقع المتوازيات الأخرى من حركة وتوقف، وتوبة وعقاب، ومسموع ومنظور، وراحة أبدية وعذاب مستمر، والتطهر بالموت (دون ذنب) والحرمان من التطهر (وبقاء الذنب)، إلى غير ذلك من صور التوازي.
هذا المبنى المتوازي ليس هو الذي يمنح القصيدة لونا جديدا، لأنه موجود في الشعر الكلاسيكي، كما أن منحاها الرومنطيقي لا يمنحها جدة وإنما يلحقها بتيار عريق في التاريخ الشعري، ومع ذلك يحس القارئ بهذه القصيدة أنها تنفرد بسمات مميزة: ومن أبرز تلك السمات طريقة خلق التوازي، وخلق الجو شبه الديني، والإلتفات إلى العناصر الصغيرة التي بها يكتمل نظام المبنى، فهل هذا كله من أثر انتحال جديد؟ مهما يكن الجواب على ذلك، فإن هذا الشكل قد يسر الجانب التحليلي، وقوى العنصر الدرامي، وجعل للتوازي مجالا واسعا، وسيجد من يدرس شعر نازك أن هذه القصيدة تعد معلما على التيار الكبير في ذلك الشعر، من حيث الاحتفال بالبناء والتحليل والدرامية وبسط التمهيدات المكانية والزمانية، والتمرس بمشكلة الموت وبالزمن، والاغتراف الكبير من الذاتية ذلك الاغتراف الذي يجعل التوجه إلى الخارج أمرا مرهقا غير سهل بل قد يستعصي على الشمولية والاحكام، فليس غريبا إذا وجدنا نازك تستقل بإتجاه خاص في الشعر يصعب التحول عنه.
وقد سار بدر شاكر السياب في قصيدته " في السوق القديم " على الطريق الذي سلكته نازك من حيث قسمة

(1/42)


القصيدة في مقطوعات أو دورات (بلغت إحدى عشرة دورة) وهي أيضا في هذه القسمة تشكو ما تشكوه قصيدة نازك، من حيث أن تلك الدورات لا تعبر عن مراحل محددة في بناء القصيدة، ومن ثم فإن إغفالها لا يعد إخلالاً بطبيعة ذلك البناء، غير أن السياب ؟على الضد من نازك - لم يحصر القصيدة في جو البيت أو المعبد، وإنما جعله أرحب من ذلك حين أتخذ السوق مسرحا لقصيدته، غير أن هذا التغيير يجب ألا يخدعنا طويلا، فإن الوحدة مضروبة على هذا السوق نفسه لأن الوقت ليل، وقد خلا من البائعين والمشترين ومن الجالسين والماشين، سوى بعض العابرين الذين لا يتجاوز أصواتهم الغمغمة، وإنما فعل الشاعر ذلك ليتيح لنفسه عمق الإحساس بالغربة في ذلك الجو الليلي الذي بسطه - كما فعلت نازك أيضا - فاتحة لقصيدته، ولأنه يخشى أن تشغله الأصوات عن تأمل أمرين: الأول: البضائع التي يحتويها السوق، والثاني ما تثيره تلك البضائع من ذكريات أو ما تفتحه من كوى على المستقبل، وليس للأمر الأول من قيمة إلا لأنه يؤدي إلى الثاني. ويسير " الغريب " في السوق فيرى الأكواب والمناديل (أدوات حفلة عرس) ولكن الشموع هي أشد ما يجذب انتباهه، لأنها تذكره بقلبه الذي كان حيويا ثم أخذت حيويته في الإطفاء مثلما هو مصير كل شمعة، وفجأة يتذكر كيف عاد النور إلى قلبه بظهورها ؟أعني فتاته - لتنقذه من وحدته، ولكنه كان يحس أنها ليست هي، وأن أحلامه في أخرى سيمضي باحثا عنها، إلا أن الأولى أكدت له إنها هي معقد أمانيه، هي الحبيبة التي طال انتظارها، غير أنها تنبأت له بأنه لن يحقق حلمه ببناء بيت على الربوة مضاءة بالشموع، وتضعه بين " قرني المعضلة " حين تقول له:

(1/43)


أنا أيها النائي الغريب
لك أنت وحدك، غير أني لن أكون
لك أنت ؟اسمعها، واسمعهم ورائي يلعنون
هذا الغرام
سيبقى لا ثواء ولا رحيل، سيحاول السير فيجد أن قدميه مسمرتان في مكانهما، وسيستنجد بإرادته، لا بد من المضي للقاء تلك التي تنتظره، لأنه يحس بقسوة الشموع التي ستضاء في عرس تلك المتشبثة به ؟وهي ليست له - ، لا بد من المضي، فترتخي يداها عنه، ليجد نفسه واقفا حيث هو لا يستطيع أن ينقل قدما.
نحن إذن مرة أخرى في جو رومنطقي: غريب في جو حزين وذكريات حزينة، فالسوق كئيب والحوانيت كأنها أنغام تذوب والأنغام التي تتأدى فيه حزينة والنور شاحب ووجوه العابرين شاحبة وكلامهم غمغمة، والأشياء ؟بسبب الضوء الباهت (أو بسبب نفسية الغريب على الاصح) توحي بتنبؤات كئيبة: فالأكواب تحلم بالشراب والشاربين، وربما حشرجت فيها الحياة وبردت، والمناديل حائرة لأنها تنبئ عما سيحدث في المستقبل من مناظر وداعية، يضوع فيها العطر أو يضرجها الدم الذي يتقطر. مغمغما " مات. مات " ؟تماما كما فعلت الطبيعة في قصيدة نازك، إلا أن الكلمة هنا ليست سحرية، ولا تتردد سوى مرتين، وتنقطع النبوة عند هذا الحد، فيما يتصل بالمناديل، لأن سلعة أخرى شغلت انتباه الغريب وهي الشموع التي يراها ؟بعين بصيرته - وقد أوقدت في المخدع المجهول، في مكان ما في جنوب العراق، وحيث عاش الغريب يحلم " بالصدر والفم والعيون " ، وطال به الحلم:
بين التمطي والتثاؤب تحت أفياء النخيل

(1/44)


حتى خبت شمعة قلبه وأعادت إيقادها ؟مؤقتا - تلك التي " أتت هي والضياء " .
حتى هذا الحد أنهى الشاعر ثماني دورات من قصيدته وهو يصور انعكاس مواجده النفسية على الأشياء، وقدرة تلك الأشياء على الإثارة التنبؤية لما يكنه المستقبل، فهو غارق في حلم أو سائر في النوم، تلوح لعينيه المغمضتين رؤى المستقبل، كما تلوح له ؟في هذا الوضع - نافذة تضاء، والنافذة التي تضاء في شعر السياب تقترن بالطفولة (شناشيل ابنة الجلبي) وبالحب وبالمرأة المتمناة وبالأمل العريض، ولكنها هنا ترد عابرة وكأنها حشو في القصيدة، وهذا السائر في النوم لا يرى إلا بعض الأشياء التي تتخذ في حفلات الزواج، حتى إذا لاحت المنتظرة ظنها الفتاة التي سيقترن بها، ولكن حين وضعته في منطقة " الما بين " (1) ؟لا يأس ولا رجاء، لا ثواء ولا رحيل - كان أقسى ما تصوره أن يحس بأن الشموع ستوقد في زفافعا لغيره:
ليس أحداق الذئاب
أقسى علي من الشموع
في ليلة العرس التي تترقبين
وكما هرب المحب في قصيدة نازك من صعقة الكلمة السحرية إلى الخيط، هرب الغريب في قصيدة السياب إلى إرادته ولاذ بها يستنجدها، مصمما على الرحيل، ليلقى الأخرى، " سوف أمضي، سوف أسير " ثم ليجد نفسه وقد أحاط به العجز من كل ناحية، ذلك لأنه عقد هذه الارادة بلقاء أمرأة متوهمة لا وجود لها، عند طرف السراب، في
__________
(1) أعني منطقة واقعة " بين بين " ، فأما ما أثبته في المتن، فهو مما يكرره البياتي كثيرا في تصوير هذه المنطقة البرزخية.

(1/45)


الجنوب، حيث حدثنا أن حياته هنالك مرت في صورة حلم طويل لم يتحقق منه شيء، ولم تظهر فيه أية امرأة.
قصيدة السياب قسمان يكادان يكونان متمايزين: تصورات بين الماضي والمستقبل أو سلسلة من الهواجس الحلمية ثم صراع ؟في الحلم - بين الواقع والمستحيل، والقسم الأول هو الأطول، إذ طال به التلدد في جنبات السوق حتى وقع بصره على الشموع وكانت وقفته عند الكوب والمنديل (رغم صلتها بحفلة الزواج) غير متسقة مع الوقفة الطويلة التي وقفها عند الشموع بل ربما لم يكن ربط الجزءين معا في هذا المبنى إلا بشيء من التجاوز والتقدير.
ومع ما في قصيدته من تشابه بقصيدة نازك إلا أن الفروق بينهما واسعة، لا في أن السياب هنا استسلم لروابط واهية في إطالة القصيدة وحسب، بل لأنه ما يزال يعني بالتصوير الخارجي، لا بالتحليل الداخلي، ويذهب مع الاستطراد حيثما أتجه به، وإذا كان للشكل الجديد لديه من أهمية، فإن أهميته تكمن في القسم الثاني حيث استقوت الناحية الحوارية، على حساب التصوير الذي شغل أكثر القسم الأول. أن السياب ؟سيظل مثل نازك - شغوفا بالمشرع التمهيدي الذي يحدد الجو المكاني والزماني، بل سيزيد على نازك في هذا المنحى لأنه سيختلف اختلافاً كبيرا عن نازك في اتجاهه الشعري عامة وهذه القصيدة على دلالتها لا تصلح أن تكون مؤشرا على جميع انعطافات السياب في المستقبل، لأنها تجربة يحسن أن ينتقل عنها إلى غيرها، ولأنه تعرض لمؤثرات كثيرة عنيفة ظلت نازك بمعزل عنها. ولكن مهما يكن من شيء، فإن القصيدة تنبئ أيضا أن

(1/46)


التحول إلى الشكل الجديد لم يبعد بصاحبه كثيرا عن المنحى الرومنطقي الخالص، حتى ذلك الحين (1) ، كما أنها من وجه آخر تدل على شغفه بالإطالة ؟على حساب المبنى - وعلى قوة التداعي، وعلى تعلقه الواقعي بإبراز مشكلة حرمانه من المرأة، ورغبته الواقعية الطاغية العارمة في العثور على زوج وبيت، وعلى حنينه الدائم إلى " الجنوب " حيث القرية ؟(جيكور) - والأم والنخيل والحقل الذي تموج به السنابل تحت أضواء الغروب، وإذا كان السياب في هذه القصيدة لم يلجأ إلى الكلمة ؟التعويذة (جالبة الخير أو طاردة الشر) فإنه لجأ إليها في بعض قصائد هذه المرحلة مثل قصيدته " نهاية " (2) حيث يردد ما قالته له الحبيبة " سأهواك " وسيلجأ إليها من بعد مقترنة بإيحاءات شعائرية خالصة (3) . وقد يمكن أن يقال أن المحب في قصيدة نازك قد انتقل من المجتمع ؟عبر الطريق المألوف - إلى وحدة المعبد، وضاع في وحدته، وأن الغريب في قصيدة السياب قد ضاع في السوق، أي في المجتمع، أو في نوع منه (ولعل السوق هنا يرمز إلى المدينة)، وأن كلا الضياعين يعبران بقوة عن اتجاهين مختلفين منذ البداية، وستتسع مسافة الخلف بينهما في المستقبل.
ويتناول البياتي السوق في قصيدته " سوق القرية " ، ويحتفل بالتوطئة المكانية والزمانية مثل زميليه، لكن
__________
(1) انظر دراسة لهذه القصيدة في كتابي " بدر شاكر السياب " (1969): 141 - 144، وقد تغيرت بعض أحكامي على هذه القصيدة بعد أخضعها لتصور جديد وقراءة أدق.
(2) أنظرها في ديوانه أساطير (النجف: 1950): 59 - 62.
(3) انظر مثلا قصيدته أنشودة في ديوان له بهذا الاسم (بيروت 1960): 160.

(1/47)


هذه التوطئة جزء من صلب القصيدة لا يراد منها أن ترسم جوا معينا يصلح لما يليه ؟لأن القصيدة كلها توطئة لشيء لم يقل من بعد - باستثناء لفظة " الشمس " التي تفتتح بها القصيدة، فإنها تصلح أن تكون تحديدا زمنيا كما تصلح أن تشير إلى معاناة المحتشدين في لك السوق من شدة الحرارة. فالمنظر إذن في النهار لا في الليل، وهو بذلك ضئيل الإيحاءات الرومنطقية لأنه ضئيل الصلة بالحلم، والشاعر هنا مشاهد، وقد يبدو أنه مشاهد محايد إلا أنه ليس كذلك، فإنه يعتمد على حاستين ؟متوازيتين توازيا مقصودا في القصيدة - وهما حاسة البصر وحاسة السمع، والأولى تسجل وكأنها آلة فوتغرافية، ولكنها في الوقت نفسه، انتقائية فيما تريد أن تنقله. كل شيء هنا مرتب بالتناوب ؟على نحو عامد - بين المنظور والمسموع: والمنظور نوعان: أشياء ومناظر توحي بالفقر والتخلف " كالحمر الهزيلة والذباب وحذاء قديم، وبنادق سود وأطفال يصطادون الذباب؟ " ، وأناس طيبون حالمون: فلاح فقير يحلم بأن يشتري الحذاء القديم وحكيم صغير يبيع حكمته ولا يجد لها من يسومها، وحاصدون متعبون يزرعون صاغرين للإقطاعي ويظلون جائعين، فهم يحلمون يوما أن يزرعوا لأنفسهم، وعائدون من المدينة يصرخون مما شاهدوه من أهوالها ويلوذون بحمى قريتهم، وبائعة أساور وعطور (حيث يسعى الناس إلى العثور على الحاجي والضروري فكيف يجدون ما يعينهم على شراء الكمالي!) وحداد دامي الجفن يستعيض بالحكمة عن كساد سلعته، وبائعات كرم يحلمن بالأزواج:
عينا حبيبي كوكبان
وصدره ورد ربيع

(1/48)


في القصيدة حلم كثير بل سلسلة من الأحلام، ولكن الشاعر نفسه ليس هو الحالم الرومطيقي، وإنما هو يسقط الحلم على مجتمع هذا السوق (وهو نفسه مجتمع القرية) لأن ذلك الحلم في حياة أولئك الفقراء الكادحين تعويض عن الحرمان، وإذا كان " الغريب " في سوق السياب قضى شطرا طويلا من عمره " بين التمطي والتثاؤب تحت أفياء النخيل " فإن القرية تبدو للواقف في سوق الباتي " أكواخا تتثاءب في غاب النخيل " ، وكأن البياتي يقول في قصيدته: لماذا يختار الشاعر أن يمشي في الليل وحيدا في سوق قد خلت من الناس أو كادت ليحلم بالحب والمنتظرة، ولا يحاول أن يرى السوق في واقعها الصحيح، في رائعة النهار، وفي القرية لا في المدينة، ويستمع إلى أحلام الفقراء وتمنيات المعوزين، أنه ليس في حاجة أن يرى السوق حزينا لأنه هو نفسه حزين، شاحبا لأن أحلامه شاحبة، وما عليه إلا أن يجيل بصره وسمعه ليدرك أن السوق بائس حزين، دون استقطاعات ذاتية. ومن اللافت للنظر تلك المفارقة التي يقيمها الشاعر بين القرية والمدينة مستمدا حكمه على المدينة من تصور الفلاحين لها وهم يقولون لدى عودتهم منها:
يا لها وحشا ضرير
صرعاه موتانا وأجساد النساء
والحالمون الطيبون
فهذه المفارقة تضيف إلى بؤس الريفيين بؤسا جديدا: أين يذهبون؟ أنهم يفرون من قراهم وبؤسها وتخلفها إلى المدينة فتفترسهم ببراثنها خبط عشواء، فيعودون وقد ضاق عليهم المنقلب والمتردد يرضون بمعايشة الذباب، واجترار الحكم البالية. ويتذكرون أن قريتهم ؟رغم قذارتها

(1/49)


المادية - نظيفة معنويا لأن أجساد النساء لا تباع فيها، وينسون وهم الحاصدون المتعبون " أنهم مسخرون جسديا ومعنويا ليزرعوا صاغرين كي يأكل الإقطاعيون. (وليس من شك في أن هذه القرية وتلك المدينة هما ؟من بعد - قرية السياب ومدينته، إلا أن القرية تتوشح بذكريات الطفولة وظلال النخيل والبراءة كما يكبر الوحش الضرير وتطول أنيابه وتشحذ براثنه، حتى يصبح هولا لا يطاق، ولا نجاة منه إلا بالعودة إلى وداعة القرية وسماحتها، لأن السياب سيظل دائما واحدا من " الحالمين الطيبين " ).
وليس في قصيدة البياتي ذلك المبنى الذي يمنح قصيدة نازك ما فيها من روعة في الأحكام، ولا فيها شيء كثير من التحليل، ولا فيها نزوع السياب إلى الافتتان بحشد الصور والتقاطها من كل مكان، وإنما هي محض " صورة " للسوق في فترة زمنية محددة تقع بين حدة النشاط فيه واقفاره، نعم فيها ذلك التوازي الذي لا يختل بين المنظورات والمسموعات، ولكن لا شيء سوى ذلك، وتكاد تعتمد الجانب الإحصائي، دون تدخل مباشر أو تعليق موجه أو إغراق في استعمال الصفات، وتكاد تتجنب الإثارة العاطفية ؟في ظاهرها - وهي بهذا كله اقرب إلى لوحة الرسم منها إلى القصيدة، وهي من ثم غير متطورة من داخل الموجة الرومنطقية في الشعر العربي، كما هي الحال في القصيدتين السابقتين، ولما كانت أقرب إلى الرسم لم تحاول شيئا من الدرامية الحوارية، وكل ما أفادته من الشكل الجديد حرية الاختيار في الإحصاء، وإرسال الأقوال الحكم دون توطئة لها بمثل " قال " أو " يقول " . ومشاعر الشاعر فيها محتبسة وراء سور ؟يكاد يكون مصمتا - من الاقتصاد الدقيق في إسباغ الصفات والصور والاكتفاء

(1/50)


بالتسجيل، فهو رغم حدبه على هؤلاء الكادحين، في تعبيرات خاطفة في إيحاءاتها، لا يبدي شيئا من الرثاء لحالهم، ولا يصرح بشيء من التفجع لهم، ولا يستصرخ أحدا لإنقاذهم.
ليس في القصيدة فرد يقع تحت تقلبات العاطفة وتغير العلاقات أسيرا للضياع، هنا مجتمع صغير ضائع، كل فرد فيه ضائع لأنه مرتبط بالمجموعة الضائعة ويحاول أن يتعزى بالحلم. وحضور الشاعر هنا جزئي، لا شخصاني (وليعذرني اللغويون في استعمال هذه الصيغة)، وهو أمر لم نألفه في الشعر الغنائي الذي يتطلب أن يكون حضور الشاعر كليا. ذلك حضور أقرب إلى تصور اليوت لمهمة الشاعر، في أن يكون حياديا، إلى أقصى ما يستطيع، ولكن رغم أن حيادية اليوت قناع من الأقنعة الذاتية، فإن هذه القصيدة تخرج على ما يريده اليوت نفسه، من حيث أنها صورة مسطحة لا تنقل الرمز وأعماقه، معا في آن واحد، بل هي بعيدة أن تكون رمزا، لأنها تنقل ما تنقل دون أن تقول ؟على المستوى الرمزي - أي شيء.
وإذا كانت هذه القصيدة ؟كما قررنا من قبل - غير متطورة من داخل الموجة الرومنطقية، فهل نذهب لنبحث عن منتمى جديد لها؟ لا أجد بأسا في ذلك لأننا نعلم حق العلم أن التجاه إلى التجديد في هذا الشعر إنما كان مستوحى من الإطلاع على الشعر الإنكليزي ؟كما سبق القول - فلا ضير إذا نحن ذهبنا نطلب صلة لهذه القصيدة بمناخ آخر غير مناخ اشعر العربي. إن قصيدة نازك نفسها تذكرنا بقصيدة " سويني بين العنادل " (1) لاليوت، من حيث البناء، فقصيدة اليوت تزاوج بين الرثاء والسخرية ؟رثاء البطل الحقيقي أغاممنون، والسخرية من البطل المزيف
__________
(1) العنادل: جمع عندليب.

(1/51)


المضحك " سويني " ؟إلا أننا لا نعتقد أن نازك تأثرت قصيدة اليوت أو أنها كانت قرأتها حين نظمت قصيدتها " الخيط المشدود " ، ذلك لأنها اختارت ؟في بناء قصيدتها - منهج التوازي، بينما ذهب اليوت في قصيدته إلى التطابق ؟أو إلى إيهام التطابق - وبين المنزعين فرق كبير. أما قصيدة البياتي فأنها - رغم رفعها للراية الحيادية الاليوتية على نحو ما - لا تصل بمنزع اليوت الشعري ولا تحتذيه، ولعلها ؟من ثم - تنتمي إلى مجال آخر.
وفي سبيل أن نهتدي إلى هذا المجال دعنا نحدد مميزاتها الكبرى: أنها قصيدة رغم التوازي فيها بين المسموع والمنظور، شديد الاهتمام - في ذلك الجو النهاري الحار المشمس - بالمنظور نفسه، وليس المسموع فيها إلا نتيجة للعناصر التي يتكون منها ذلك المنظور، فهي بهذا المعنى صورة كاملة واضحة الجوانب مميزة العناصر، وهي من وجه آخر ثورة على القصيدة التي تلتبس بالحلم، صحيح أن الناس في داخل الصورة الكبيرة يحلمون، ولكن الشاعر نفسه ليس حالما، بل هو واقعي إلى حد أن يكون " طبيعيا " في نقل ما يراه، وهي من وجه ثالث ثورة على أن تكون القصيدة اعترافية، إذ لو اعتبرنا القصائد الثلاث، لوجدنا أن ما يقوله كل من نازك والسياب لا يعدو أن يكون فيضا اعترافيا لمواجد ذاتية في لحظة ما، أو جزءا من تاريخ عاطفي، متخيل أو حقيقي، أما قصيدة " سوق القرية " فإنها لا تؤمن بهذا الاعتراف، ولا تقر به، وهي تتجنبه قدر المستطاع، ثم هي من وجه رابع بداية رؤية للحركة الجماعية وابتعاد عن الذات، ترسم دون أن تنتقد، ولكنها قد تتطور في المستقبل فتجمع ؟في صورة أخرى - بين الرسم والنقد معا في آن.
هذه المميزات تجعل منها تجربة جريئة، لأنها قد تكون نتاج تيارات مختلفة، فالفصل بين القصيدة والحلم يذكرنا

(1/52)


بموقف الشاعر الفرنسي بول ايلوار الذي يجعل التمييز بينهما ضروريا لأن الحلم يستهلك ويتحول بينما لا يضيع من القصيدة شيء ولا يغير، وكذلك هو الإلحاح على أهمية البصر في الرسم أيضا، فإنه ينتمي إلى ايلوار نفسه، ولكن الناحية الإحصائية في القصيدة ذات منتمى آخر، غير بعيد، فهو منتمى سريالي دون تحديد، إذ نجد بعض قصائد السرياليين لن تكن سوى مجموعة من الأسماء صفت في نطاق واحد، ويتصل هذا ؟من وجه ما - بنصاعة الصورة ووضوحها وصلابة حواشيها، وذلك أمر يلحق بمذهب الصوريين (الإيماجيين) الذين كانوا يرون أن الشعر لا بد أن ينقل الأجزاء والعناصر بدقة تامة، صلبة واضحة، وأن التركيز هو جوهر الشعر وحقيقته، وفي النهاية يتفق هذا اللون من النقل من الحيادية التي يتطلبها اليوت، وذلك يعني تبرئة القصيدة من عناصر الاعترافية الذاتية. فأما العنصر الآخير وهو التنبه للحركة الجماعية فإنه قد أعان الشاعر على مبارحة النطاق الذاتي الاعترافي، ولكنه قد يكون من وجه آخر بداية اليقظة على آلام المجتمع وبؤس الكادحين، بوحي من نظرة يسارية.
قد يكون في كل هذا التصور إسراف، لا أريد به وجه التجني، إذ أنا أقول أن البياتي قد خضع لكل هذه المؤثرات حين كتب هذه القصيدة، وإنما نحن إزاء قصيدة نقل لنا صورة للشعر لم نألفها من قبل، ونحن حين نقرؤها نستذكر مظاهر كثيرة كانت تجري في الشعر الأجنبي، الإنكليزي والفرنسي، وأننا إذ ندرس الشعر العربي الحديث، فلا بد أن نكون على وعي بتلك المظاهر وما تمثله من تيارات، فذلك حقيق أن ينير أمامنا جوانب من الطريق ونحن نتحدث عن اتجاهات ذلك الشعر، وإذا كانت القصيدة نفسها تذكر بانتماءات شتى، فليس معنى ذلك أن الشاعر

(1/53)


سيظل قادرا على الإيحاء بهذه الانتماءات جميعا، وفي بعضها أحيانا تضارب، وبعضها قد يقوي حتى يحجب غيره، ولكنه سيختار اتجاها أكثر تلاؤما مع نفسيته وبيئته، ولهذا فإن اتجاهه الكبير لم تتوضح معالمه بعد. وحسبك أن تضع عناصر الثورة على المألوف الشعري في هذه القصيدة إلى جانب ذلك الاتكاء الواضح على التراث في الأقوال والأمثال المرسلة من مثل: ما حك جلدك مقل ظفرك، لن يصلح العطار ما قد افسد الدهر الغشوم، أبدأ على أشكالها تقع الطيور، وهذا الاتكاء وأن كان مستوحى من اليوت ؟على نحو لا يقبل الشك - فإنه من العناصر التي لن يتخلى عنها البياتي، مهما يمتد به حبل التطور، وهو يرينا أهمية تحديد المنطق في تبين العناصر المتحولة ؟أو القابلة للتحول - والعناصر الثابتة في اتجاهات شاعر ما.
غير أن مما يحجب المسرب الكبير الذي سيتجه فيه شعر البياتي من بعد أنه كان في هذا الدور من نشاطه الشعري ما يفتأ يجرب، يبحث، يتلمس جاهدا ليستكشف الطريق، ولهذا فإن قصيدة واحدة ؟رغم كل ما تحمله من دلالات - لا تستطيع أن تصور وحجها جميع الروافد التي كانت تعمل معا لتشكل اتجاه التيار الكبير، وحسبنا على ذلك مثل آخر هو قصيدته " مسافر بلا حقائب " (1) ، التي يفتتحها بقوله:
من لا مكان
لا وجه لا تاريخ لي، من لا مكان
تحت السماء وفي عويل الريح اسمعها تناديني
" تعال! "
__________
(1) أباريق مهشمة: 16 - 20.

(1/54)


ولست أريد أن أقف عند هذه القصيدة وقفة تحليلية، وإنما أكتفي بملاحظات أراها ضرورية في هذا السياق، فهذه القصيدة تقدم لنا معجما يكاد مستوفى من ألفاظ: العبث والتثاؤب والضجر والسأم والوحل والطين واللاجدوى والجدار والباب المغلق، ومن السهل أن نتصور من خلال هذه الألفاظ جميعا أي جو تريد أن تضعنا فيه وأي جو تستوحيه، فهي تستعيد أكثر ما في قاموس الحركة الوجودية في مرحلة من مراحلها، و " المتكلم " في القصيدة يعاني الانفصال ويشكو اللامكانية واللاتاريخية، وحين يقول " لا وجه لي " فإنه قد يشير إلى أنه بف السمات المميزة أو يفقد الوجهة ولا يعرف إلى أين يسير، وسواء أكان " أنسانا " عاديا أو فنانا فإنه ؟على الحالتين - واحد من بني الإنسان الذين يجدون أنفسهم جميعا معزولين،أو كما يقول سارتر في كتابه " الوجود والعدم " : كل إنسان تفصل بينه وبين الآخرين هوة لا يمكن عبورها، فالتواصل على ذلك مستحيل، وقد رمز الشاعر لهذه الهوة بالتلال وبالصوت الذي يسمعه يناديه " تعال " من وراء تلك التلال، ومع أن الحب قد يصبح قوة موحدة إلا أنه في هذا الوجود يعجز عن أن يقوم بهذا الدور. ومن الأصح أن نسمي هذا الإحساس الذي تنقله القصيدة غربة، وأن نربط بين الغريب فيها وغريب كامو، وحين نبحث عن أسباب هذه الغربة ؟أو التغرب - لا نجدها سارترية بالمعنى الدقيق، لأنها ليست غربة عن الذات بسبب نظرة الآخرين، إنما هي غربة متافيزيقية لانبات الصلة بالمكان والزمان (التاريخ)؛ وقد يكون أسباب الاغتراب كثيرة ؟حسبما يراها علماء الاجتماع - فمن أسبابها الشعور بالوحدة، وعدم الرضى عن العلاقات الاجتماعية، والسخط على طبيعة الوظيفة، والإحساس بالضعف أو بعدم الثقة ؟الخ، ولكنها عند الشاعر ربما تمت إلى كل هذه

(1/55)


الأسباب، ربما كان فيها شيء من الضيق " بمستنقع التاريخ " أي بالواقع الحضاري وقيمته، إلا أنها في الجملة " غربة وجود " ، لأن ذلك الوجود لا يجد ما يسوغه، وهي بهذا المعنى تعود لتلتقي مع تصرفات بعض أبطال سارتر في بعض رواياته لا مع فلسفته النظرية عن الاغتراب، وأيا كانت صلتها ومهما تكن بواعثها، فإنها كانت يومئذ تتصل بما شاع من نظرات وجودية. وخلاصة موقف " المتكلم " فيها أنه إنسان فقد هويته، وأنه لو كان هناك " رجاء " لا حب أن يستعيد تلك الهوية من خلال سيره الدائب بحثا عنها، ولكنه لا يغفل، وحين يعلل نفسه بقوله: " سأكون " يحس بعدم الجدوى وبأنه سيبقى دائما سائرا من لا مكان، ودون وجه ودون تاريخ. ولكنه لن يستطيع أن يتجاوز ذلك الصوت الذي يناديه، والذي سيشكل بحسب التحولات التي توجهه من بعد في كل مرحلة شعرية، وأنه أن كان في هذه القصيدة مؤمنا باستحالة استرداد الهوية التي فقدها، فإن كثيرا من همه في المستقبل سيغدو بحثا عن تلك الهوية رجاء استعادتها. ومهما يكن من شيء فانا نرى البياتي ؟بعيد سنوات قليلة من الانطلاقة التي سار فيها كل من نازك والسياب - قد سخر الشكل الشعري الجديد لمؤثرات خارجية مختلفة، تجاوزت التحوير للمواجد الرومنطقية الذاتية، وأتاح للحركة الجديدة أن تبارح نقطة التحول من داخل الماضي، وأن تعانق وجهة ؟بل وجهات - جديدة، فإذا كان نازك والسياب قد اشتركا في ارتياد شكل جديد، فإن البياتي كان أسبق المجددين إلى تغيير طبيعة المحتوى في ذلك الشكل. لقد ألقى الأولان حجرا في ماء الشعر وسرهما ؟إلى حين - اندياح الدوائر واتساع أقطارها في ذلك الماء، وذهب الثالث يعمل على تحويل مجرى ذلك الماء ليسقي غراسا مختلفة.

(1/56)


3 - العوامل التي تحدد الاتجاهات الشعرية
كانت الغاية من التحرم بهيكل التاريخ ؟في الفصل السابق - أن نستجلي " نقطة البداية " لا غير، دون أن يكون ثمة إصرار على الاستمرار في هذا السياق التاريخي، وهو سياق طبيعي ممكن، بل يكون أحيانا ضروريا. ولكن الأخذ فيه هنا تحول دونه أسباب كثيرة، أبسطها أن الدواوين الشعرية التي بين يدي ليست جميعا تحمل تاريخ صدورها الأول أو تواريخ القصائد، ولهذا كان لا بد من العدول عن هذا السياق، والانتقال إلى منطقة التساؤل عن العوامل التي رسمت ؟وما تزال ترسم - المسالك والاتجاهات التي سار فيها الشعر المعاصر، وما يزال يسير. سؤال كبير متعدد الجوانب بسبب طبيعة العصر الذي نعيش فيه: عصر متفجر بشتى الأحداث والمشكلات والمبتكرات والقضايا والنظريات والعلوم، متميز بسرعة التحول والتطور في ما يتصل بهذه الشؤون جميعا.
وأحسب أن كثيرين منا حين يلقون هذا السؤال على أنفسهم تتجه بهم خواطرهم ؟أولا وقبل كل شيء - إلى القضية الفلسطينية التي ارتبطت نشأة هذا الشعر زمنيا بها، وإلى ما تمخض عنها من آثار قريبة وبعيدة، من توزيع لأهلها بين من يقطنون خارج الوطن وداخله، وما يواجهه كل فريق منهم من مشكلات، وإيجاد دولة دخيلة تقسم العالم العربي في شطرين، بل تقسم الدول مرة أخرى إلى دول مواجهة ودول بعيدة عن المواجهة، والعواصف الداخلية

(1/57)


التي اجتاحت العالم العربي بعدها، من انقلابات وثورات، والعواصف الخارجية على شكل تدخلات وحروب، وشن الغارات على المخيمات، ثم تجسد الأماني الفلسطينية في حركة فدائية، ومحاولة القضاء على هذه الحركة في مراحل، إلى غير ذلك من شؤون، ولست أعني هنا كيف أصبحت القضية والأحداث المتصلة موضوعا للشعر، وإنما أعني ما الذي خلقته من مواقف وأساليب شعرية ووعي شعري، وإلى أي حد غيرت العطاء الشعري، وبلورت المفهومات والمنطلقات الشعرية، وكيف كان من المحتوم أن تربط هذا الشعر بالحركات التحررية في أرجاء العالم: في فيتنام وأفريقيا وأمريكا اللاتينية وغيرها، وأن توحد رموز التضحية ؟توحد بين لوركا وغيفارا وغسان كنفاني وكمال ناصر و؟، وحين فعلت ذلك لم يعد هذا الشعر يستطيع الانفصال عن الإحساس بأثر قضايا الحرب والسلام، والتمييز العنصري، والحرب الباردة بين المعسكرين الكبيرين، وظهور المعسكر الثالث، والانقسام بين قوى اليسار، وانحسار الاستعمار القديم، وتغول الاستعمار الجديد، وقضايا البترول وأثرها في داخل البلاد العربية وخارجها، والتنكيل بالأحزاب اليسارية في البلاد العربية نفسها، وتعرض تلك الأحزاب للانقسامات، وظهور حركات " رد فعل " يمينية، وعلى ضوء هذا كله تحددت على نحو حاسم معان كثيرة: معنى الثورة، معنى الشعر الثوري، معنى الشاعر الثوري، مدى العلاقة بين الماضي والحاضر، مدى " الرؤيا " المستقبلية، مدى إيمان الشاعر بوسائل النضال أو بمسارب الهرب، وبرزت من خلال ذلك أسئلة قديمة، ما مهمة الشعر؟ ما وجه الصلة بين الشاعر والمفكر؟ ما اللغة وما اللغة الشعرية؟ وما العلاقة بين الشاعر والجمهور؟ وقد كانت الأجوبة على هذه الأسئلة أيضا محددة للاتجاهات التي سار فيها الشعر.

(1/58)


وحين يخرج المرء من هذه الغابة من الأسئلة (وأنى له أن يخرج) تسلمه قدماه إلى غاية أخرى: ولنسمها " غابة الحقوق " : (يقول مفكر ساخر: هذا عصر يتحدث الناس فيه عن الحقوق، ولم أسمع أحدا يتحدث فيه عن الواجبات): حقوق العمال، حقوق الفلاحين، حقوق الموظفين، حقوق المرأة، وما آلت إليه هذه الحقوق الأخيرة من مطالبة بالأنصاف إلى مطالبة بالتحرر، واهتزاز وضع العائلة أو تفككها، وضياع سلطة الأب، والعلاقات الجديدة بين الأب والأبناء (أو انعدام العلاقات)، واستعلاء قضية " الجنس " واحتلالها مقام الأهمية، والاستشفاء بمعالجة الكبت (العفة القديمة) بإشباع الرغبات، كيف فعلت كل هذه في توجيه الشعر، وقبل كل ذلك كيف غيرت مفهوم العصبية العائلية، وحطمت القيم القديمة، وأيدت التساهل في تصوير الشذوذ، وأوجدت معنى جديدا للحب، وفعلت ؟ وفعلت؟ مما لا قبل لهذه اللمحة بتصويره.
وقبل هذا كله أين يقف الشاعر نفسه من فكر عصره وثقافته وأيديولوجياته: هل هو ماركسي يتحدث ؟دون أدنى تعقيد - عن البروليتاريا والثورة وصراع الطبقات وحتمية التاريخ، أو هو ليبرالي؟ وهل يؤمن بما تدعو إليه الوجودية من مبادئ؟ أتراه يرى أن الإنسان ابن موقفه وأن مطلبه الأول والأخير هو الحرية، وأن حريته بالمعنى الدقيق التزام، وهل توغل في شعاب التحليلات النفسية الفرويدية وآمن بسيطرة اللاوعي وبأهميته في حياة الأفراد، وبالأحلام وما تعنيه من مخزونات جنسية، ولا بد أن يتأثر اتجاهه - بل لعله يتحدد - إذا أعجب بالسريالية وآمن كما يؤمن السرياليون بتعطيل العقل الواعي (automism) ليجد العقل الباطن سبيله إلى الانطلاق دون أن تعوقه أية عوائق، أو إذا عدل في هذا الموقف متابعا فنسنت بونور

(1/59)


في المزاوجة بين فيوض العقلين اللاوعي، لأنه لا جدال " في أن الجهاز النفسي لدى الإنسان كان موحدا، وأن الشعر وسيلة لإيجاد هذه الوحدة المفقودة " . وهل يرى أن " العجيب " هو قلب الشعر وعصبه النابض، وأنه إذا كان المطلب المحوري لدى الوجودي هو " الحرية " فإن المطلب المحوري لدى السريالي هو " الرغبة " ، وتجري في هذا النطاق استفسارات كثيرة عن الميدان العالمي المحبب إلى الشاعر، هل هو علم الاجتماع أو الأنثروبولوجيا أو الفلسفة، وأي فروع علم الاجتماع مثلا، ومن هو رفيقه المفضل من الكتاب: أهو ماكس قيبر أم لفي شتراوس أم هيدجرام؟ بل لعل الباحث حاول أن يتعرف إلى اللون الغالب على قراءات الشاعر: أهو ممن يحب قراءة الروايات والقصص أو قراءة الدواوين الشعرية أو قراءة الكتب العلمية أو يفضل أن يبتعد عن سيطرة الكتاب والأفكار ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وإذا كان يجب قراءة الشعر فهل هو يفضل (مثل السياب) الشاعرة الإنكليزية أيدث سيتول أو الشاعر الإنكليزي ت. س. ايليوت، أو لعله لا يقرأ هذه ولا ذاك، وإنما يحب سان جون بيرز أو يعجبه بابلو نيرودا أو ناظم حكمت.
ليس هذا كله من قبيل التهويل، بل لعلنا أغفلنا ؟رغبة في الإيجاز - عوامل أخرى تحدد اتجاهات الشعر من مثل دور المجلة والصحيفة والجامعة ومؤسسات الإعلام ووسائله، ومدى الاطلاع على النظريات النقدية الحديثة، ومدى صلة الشاعر بألوان التطور في الإخراج المسرحي، والمنتمى جملة دون تفصيل، ونمو المدن، وتضاؤل شأن الحياة الريفية، والاتجاه نحو التصنيع، وغير ذلك من العوامل التي تقوم بدور كبير في حياة المجتمع الحديث. بل لعلنا أغفلنا أهم عامل بين تلك العوامل جميعا وهو " شخصية الشاعر " نفسه، ومدى استقلالها، ومدى قدرتها على صهر بعض

(1/60)


هذه العوامل القابلة للصهر، أو نبذ ما لا يتفق وطبيعتها، ومدى صلابتها، وقدرتها على خوض التجارب، أو مدى قابليتها للانهيار والضعف والتخاذل.
وعلينا أن نتذكر أن ما عددناه من عوامل لم يوضع بحسب قسمة منطقية دقيقة، وإنما هو وليد خواطر مرسلة، وأن بعضه قد يصلح أن يكون نتيجة، وأن كثيرا منه يتفاعل معا، وأن المحك في النهاية هو العلاقة بين العامل الواحد أو العوامل المتكثرة، أو العوامل المتفاعلة المتداخلة وبين نفسية الشاعر وشخصيته. وليس يتم الكشف عن هذه العلاقة أو عن ماها، بطرح بيان من الأسئلة على الشاعر، لأن الشاعر أعطى هذا البيان دون أن يسأل، وشعره هو الذي يتحدث عنه، ومهمة الدارس بعد ذلك هي أن يستنطق هذا البيان ليحدد الاتجاه الواحد أو الاتجاهات المتعددة، وهي مهمة قد تبدو سهلة ؟في الظاهر - ولكنها ليست كذلك في الحقيقة.
لقد قلت: أن ما عددته من عوامل باعثة على خلق الاتجاهات أو بلورتها أو تنوعها ليس من قبيل التهويل، وكنت أعني ما أقول، ذلك لأن الفروض ؟أية فروض - لا بد أن تأخذ باعتبارها كل الاحتمالات أو أكثرها أن كان لا بد لها من أن تكون شمولية أو قريبة من الشمول، فإذا قلنا أن قضية تحرر المرأة لا بد أن تكون ذلت أثر في رسم وجهة شعرية ما، فالفرض صحيح، وعجزنا عن اكتشاف ذلك الأثر ليس دليلا على عدم وجوده، بل أن عدم وجوده أن صح دليل على اختلال في العلاقات الضرورية بين الشعر والحياة. وحين نبارح دائرة الفروض إلى دائرة الواقع علينا أن نأخذ في الاعتبار أمرا هاما، وذلك أن تطور هذا الشعر م يكن دائما على نسق أو حسب خطى منتظمة، وقد يبدو

(1/61)


هذا طبيعيا بسبب اختلاف الأجيال والموارد الثقافية وحاجات الوقت، ولكني اعني شيئا آخر، أعني أن هذا الشعر ظل في مراحل مختلفة الابن الوفي لنشأته، وقد رأينا أن نشأته كانت تحولا في الشكل مع التمسك بالرومنطقية وعدم مبارحة مجالها إلا شيء يسير ؟أو غير يسير - من الاستبطان الذاتي، والتحليل النفسي والتحوير القصصي، وفي هذه السمة التي يمكن أن توصف بأنها تحليلية ؟على وجه العموم - يتفاوت الشعراء، دون أن يعني ذلك أن الجيل الذي جاء بعد الرواد الاوائل، أو الجيل الذي بعده، قد استطاع أن يطور في هذا المنحى، أضف إلى ذلك أن الخضوع للرومنطيقية ظل هو الوجه الغالب على هذا الشعر، بحيث تعنف هذه النزعة أو تبهت بحسب حظ الشاعر منها، حتى معالجة القضايا الإنسانية أو القومية أو العقائدية ظلت تتم في هذا الإطار ؟في أكثر الأحيان - . ولست هنا بصدد شجب الرومنطيقية، إذ يبدو أن التخلص منها ؟أن كان لا بد منه - ليس أمرا سهلا، وخاصة إذا تضافرت عوامل عدة في واقع الأمة العربية تغذيها وتنعشها كلما فترت؛ ولكن الذي أقوله أن الرومنطيقية تحدد زاوية الرؤية وتضخم الجانب المأساوي لدى اصطدام النفس الحساسة بالمشكلات، وبهذا لا يستطيع الشعر الحديث أن يصبح " رؤيا " خالصة كما يريد له أصحابه.
ومن الواضح أن هذا الاتجاه هو الذي غلب على شعر نازك وصلاح عبد الصبور ومحمد إبراهيم أبو سنة وبلند الحيدري، كما نجده في المراحل الأولى من شعر أمل دنقل وفايز خضور وسعدي يوسف وفدوى طوقان ومحمد عفيفي مطر، وفي مرحلة لاحقة في شعر البياتي، وقد وجد انعطافة قوية نحو مزيد من الرومنطقية في شعر توفيق زياد والمراحل الأولى من شعر سميح القاسم ومحمود درويش

(1/62)


أعني من نسميهم " شعراء الأرض المحتلة " ؛ وقد كان لهذه الانعطافة أسبابها القوية، الفردية والجماعية، وكان مما ساعد على استمرارها وإطالة عمرها سهولة الاستجابة لهذا اللون من الشعر، ومحاولة إبقاء جذوة الوعي بالقضية الكبرى حية ملتهبة، إيمانا من الشاعر بأن الإثارة العاطفية هي الجسر المباشر بينه وبين جمهوره، وحسبي أن أورد على ذلك مثالين أثنين، أولهما قصيدة لتوفيق زياد بعنوان " رجوعيات " (1) ، يقول في مطلعها:
دموع هذه الريح التي تأتي من الشرق
محملة هتاف أحبتي الغياب
مذبوحا من الشوق
صريحا عاري النبرات
ملء الأرض والأفق
والقصيدة تضعنا في جو غارق في الحزن، في انتظار العائدين، وهي أحق أن تسمى " بكائيات " ، لأنها تستقطب جميع الآلام التي مرت على المنتظر والغائبين خلال أعوام وأعوام، وحين نتذكر أنها نظمت سنة (1966) نجدها نبوءة ؟رغم تشبثها بالأمل واستصراخها لمواطن القوة والصبر والنضال - للهزيمة المروعة التي جاءت بعد أقل من عام، وحين يقول الشاعر:
أناديكم
أشد على أيديكم
أبوس الأرض تحت نعالكم
وأقول أفديكم
__________
(1) ديوان توفيق زياد: 121 - 134.

(1/63)


وأهديكم ضيا عيني
ودفء القلب أعطيكم
فمأساتي التي أحيا
نصيبي من مآسيكم
عندما يقول ذلك نشعر أن هذا الوتر الرومنطيقي الذي يعزف عليه الشاعر قد حشد له كل المعاني التضحية، وأنه ليس شيئا فرديا، وأنه ليس استغراقا في الحلم الذاتي الخالص، وإنما هو العيش في سبيل الجماعة والموت أيضا في سبيلها، وقد اجتمع إلى ذلك، تعبير باللغة البسيطة العادية التي تحبها تلك الجماعة، وتستطيع أن تتجاوب معها. وبين الاعتزاز بالصلابة خلال سنوات طويلة من الظلم والاضطهاد، والفناء في حب الوطن، والذوبان في الجماعة، والتمسك بكل ما يربط الشاعر بالجماعة من مجد تراثي، وفوكلور جميل، نحس أن الرومنطقية لم تعد " مرضا " فرديا، وإنما أصبحت قوة عجيبة في قدرتها على الربط بين الحزن والصلابة، بين الانتظار والاستمرار في النضال، وهي رغم الاستغراق الشديد في بحر الأسى، ترى بوعي شديد أن هذا الأسى يجب ان لا يقف حالا دون الصمود الدائم:
أنا ما هنت في وطني
ولا صغرت أكتافي
وقفت بوجه ظلامي
يتيما عاريا حافي
حملت دمي على كفي
وما نكست أعلامي
وصنعت العشب فوق قبور أسلافي
أناديكم؟ أشد على أياديكم.

(1/64)


وفي هذا اللون من الشعر تكبر الحقيقة، ويتسع مدى التجربة، وتشتد المعاناة، حتى أنها لتتنفس في أي شكل كان، أو بعبارة أدق: في أشكال متعددة، وإذا كانت وطأة التجربة بهذا العنف، لم نستطع أن نحاسب الشاعر، لأنه أختار لقصيدته شكلا دون آخر.
وأما المثال فهي قصيدة " عاشق فلسطين " (1) لمحمود درويش، وهي كالقصيدة السابقة في روحها من حيث الجمع بين الحزن المأساوي والصلابة، ولكنها تختلف عنها في أنها لا تتوجه إلى الجماعة، وأن كانت تنطق بألسنتهم، مع التسليم التام بأننا جميعا " لم نتقن سوى مرثية الوطن " وأن الوطن يتطلب شيئا آخر غير المرثية، وحين تتحد المحبوبة والبلاد في الخطاب نحس بأن " الرومنطقية " في شكلها الجديد، تستطيع أن تغلغل إلى أعماق لم تكن تستطيعها في شكلها القديم:
رايتك أمس في الميناء
مسافرة بلا أهل؟ بلا زاد
ركضت إليك كالأيتام
أسأل حكمة الأجداد
لماذا نسحب البيارة الخضراء
إلى سجن، إلى منفى، إلى ميناء
وتبقى رغم رحلتها
ورغم روائح الأملاح والأشواق
تبقى دائما خضراء!
وأكتب في مفكرتي:
أحب البرتقال واكره الميناء
واردف في مفكرتي
__________
(1) الأعمال الكاملة: 105 - 114.

(1/65)


وقفت وكانت الدنيا يون شتاء
وقشر البرتقال لنا، وخلفي كانت الصحراء.
وأقول: أنني لم أكتب دراسة تحليلية عن القصيدتين، وإنما أوردتهما على سبيل التمثيل، ولو كان المجال يتسع لوقف الدارس عند كل كلمة، فيهما، لأنها لم تأت عبثا. لماذا الحديث عن حكمة الأجداد؟ ما الدلالة الواقعية في سحب " البيادر " ؟رمز الحضارة الفلسطينية المتطورة - إلى سجن أو منفى أو ميناء؟ وما معنى أن يكون قشر البرتقال ؟دون لبه - لنا؟ وما معنى أن تكون الصحراء هي الإطار الممتد خلف ذلك الكيان؟
هذا نفس " رومنطيقي " ، لا سبيل إلى جحد ذلك، وهو أشد عنفا من رومنطقية نازك أو السياب أو صلاح عبد الصبور أو أبو سنة، وهو أيضا في الوقت نفسه، حلقة الوصل بين الشاعر والجماعة، وهو إذا اعتبرنا الشعر صورة من الصلابة التي لا تلين، شعر مقاوم، يتشبث بالصمود، ورغم تعلقه بالماضي، فان أيما نه بالمستقبل ركين لا يتزعزع، بحيث نجد أن الوتر الرومنطيقي لم يستعبد الشاعر، وإنما سخره الشاعر نفسه لكي ينقل أنقى مشاعر المناضل في حومة المجموع، وفي الوقت نفسه جاء به على هذا النحو ليعبر عن المجموع في أقصى ما يحس به آمال وآلام.
وفي هذا اللون من الشعر - وليعذرني النقاد فيما أقول - يظل كل سؤال عن الطريقة الشعرية والبناء الفني، شيئا تاليا لعمق التجربة، ها هنا معادلة صعبة: تتسلط فيها العفوية، ويتدفق فيها المد العاطفي بحيث يكسر كل الحواجز، ويطغى على كل ما حوله، ومع ذلك فمن ذا الذي يستطيع أن يقول أن الشكل العفوي، لا يخلق إطارا فنيا، على خير ما يجب أن يكون عليه ذلك الإطار؟

(1/66)


ليكن شاهدي على ذلك قصيدة لسميح القاسم بعنوان: " تعالي لنرسم معا قوس قزح " (1) ، وهي قصيدة كتبت بعد هزيمة (1167)، فهي مرهونة بهول المناسبة وشدة وقعها، وما أعقبها من شعور بالضياع والخيبة والعذاب، والانكماش والتضاؤل على المستوى الفردي والجماعي، ومع أنها تمتلئ بالتفجرات العاطفية، فإنها استطاعت تتحرك ضمن إطار فني متكامل، وتجئ حركتها في ثلاث دورات أو ثلاثة مناظر:
(1)شمول الظلام: في هذا المنظر نجد الشاعر نازلا على " سلم أحزان الهزيمة " وهو يحس أن كيانه يتلاشى " يمتصني موت بطيء " ، وفي حركة النزول توجه إلى قرارة مظلمة، تسيطر فيها العتمة من كل ناحية، مما يجعل الشاعر غير قادر على أن يميز أن كان وحده، أو كان في الجماعة، ولكنه يدرك - في حالة الجمود بين يدي الموت البطيء - أنه لم يكن وحده، بل معه أيضا " ملايين مائة " ، وكان الظلام يلفهم كما يلفه لأن عيونهم كانت مطفأة، وفي هذا الجو من العمى الكلي، الذي رماهم به " العار الجديد " لم يعد ثمة ما يميز القديس بينهم عن المارق، هم جميعا اشباح، فلماذا البحث في الظلام عن أكتاف تتحمل مسؤولية ذلك العار؟! وفي هذا الجو الداجي المطبق يحس الشاعر ؟الذي لم تطفئ عيناه - بحاجة ملحة إلى الضوء، أنه يريد ما ينير له طريقه في تلك الهوة، ولضيقه بالموت البطيء، يريد موتا وحبا، ويقدم نفسه قربانا للحزن، لنار العار كي تحرقه لعله يضيء، فيخرج من حيز الموت البطيء إلى التلاشي المطلق، مقدما نفسه ضوءا أن كانت العيون المطفأة قد تعود إلى الإبصار.
__________
(1) ديوان سميح القاسم (في انتظار طائر الرعد: 48 - 54)

(1/67)


(2) هزة التعرف والتذكر: فجأة يسمع صوتا، أو لعله رأى شبحا، ولكن الظلام الذي يحيط به لم يمكنه من التمييز: ترى من تكون تلك التي نادته " يا حبيبي " ؟ أهي أخت نسيتها أمه ليلة الهجرة الأولى (قبل عشرين عاما) ثم بيعت سبية، وضاعت " بين آلاف السبايا " ؟ ترى من تكون، ليتها تجيب! وتنحسر الأعوام العشرون كأنها لم تكن فاصلا زمنيا، لتغمض عينيها عن " عار الهزيمة " فإن الشقي هو الذي يستطيع أن يحدق في ذلك العار، وليهربا معا إلى الذكريات، إلى الحديث عن " الغربة والسجن الكبير " وعن الأمل بانحسار الليل ؟الذي لم يزدد إلا أمتدادا وظلاما - وبزوغ الفجر، وعن كوخ يتخذانه عشا للحياة الزوجية الهادئة، ويتخذ هذا الهرب من الحاضر شكل حوار تستعاد فيه الذكريات التي زرعتها الأعوام العشرون:
قلت لي: في أي أرض حجريه
بذرتك الريح من عشرين عام
قلت: في ظل دواليك السبيه
وعلى أنقاض أبراج الحمام
قلت: في صوتك نار وثنية
قلت: حتى تلد الريح الغمام
جعلوا جرحي دواة، ولذا
فأنا أكتب شعري بشظية
وأغني للسلام!
ويختتم هذا المنظر بالبكاء، الذي قد يطفئ نار الهزيمة في العروق، دون أن يستطيع محو عارها.
(3) الدعوة إلى الاتحاد: يحدث تحول شديد في هذا المنظر إذ يتم الانتقال فيه من " أغمضي عينيك " إلى

(1/68)


" ارفعي عينيك " ، وتتحول الظلمة التي رانت على المنظر الأول فتصبح مجرد " غيمة " تنثرها هبة ريح. الظلام لا يمكن أن يظل شاملا لأن الشاعر كان قد تعود كلما استبد به الظلام في سجنه (منذ عشرين عاما) أن يرسم وجهها أو يتمثله في خياله فيتبدد كل ظلام. ولكنه لا يزال يحس بالأنفصال، ويتوق بحرقة إلى الاتحاد، أن كلا منهما ينتمي إلى واد بعيد عن وادي الآخر، وكل واد يسيطر فيه شبح، فلم لا يتحد الشبحان في غيمة واحدة يشربها قوس قزح؟ أنه ليس فجرا صادقا، ولا يمكن أن يكون كذلك، ولكنه عزاء ما يكشف شيئا من أسداف الظلام، ويتكرر الوعد الذي طالما ردداه، في تصوراتهما السابقة:
وسآتيك بطفلة
ونسميها " طلل "
وسآتيك بدوري وفله
وبديوان غزل.
وللقارئ بعد ذلك أن يتأمل قيمة أشياء صغيرة في هذا البناء الكلي، مثل تحديد الفترة الزمنية (عشرين عاما) بين الهجرة الأولى والهزيمة، فهو تحديد يرمز إلى الضد، أي أن الزمن طال وطال حتى أصبح يتجاوز ؟في أحساس المسجونين والمسبيين - مئات السنين، وهذا يتمشى مع التعبير عن الواقع باسم " المنفى الكبير " و " السجن الكبير " بينما حصاد السلم الذي أصبحت تتوق له نفس الشاعر يتمثل في " الكوخ الصغير " ، ولا بد كذلك من الوقوف عند أهم ثلاث صور في القصيدة وهي الطفولة الطيور، الغيمة؛ فالهرب إلى الذكريات بدأ بالعودة إلى الطفولة، وبكاء الحبيبين كان كبكاء " طفلين غريبين " ، والفجر الذي يحلمان به سيكون منه " طفلة " تسمى " طلل " ، أما

(1/69)


لماذا كان المرجو طفلة لا طفلا، فإن ذلك يتمشى مع الوداعة المنتظرة التي سيحققها الفجر المرتقب، ومع جو " الطيور " أجمالا، فهذه الطيور التي فارقت " الأبراج " منذ عشرين عاما إنما كانت حمائم، وهذه الحمائم ؟في ظل الهزيمة - تبكي " الحمام الزاجل الناطر في الأقفاص يبكي /والحمام الزاجل العائد في الأقفاص يبكي " ، وسيكون " الطائر الدوري " الصغير من هدايا ذلك الاتحاد ؟مع زهرة رقيقة وديوان شعر رقيق؛ أن كل شيء يوحي بالجنوح إلى الرقة، والسكينة. ومع أن " الغيمة " تضيف إلى صورة هذه الوداعة الشاملة فإن لشاعر قد أستغلها في عدة مواقف، منها أن يظل في صورة نار وثنية " حتى تلد الريح الغمام " ، والتعبير هنا غامض، لأنه قد يدل على الاستحالة، كما قد يدل على انتظار أن تلد الحرب سلما، ثم أنه يصدر أحزان الهزيمة في صورة " غيمة " تبددها الريح بسهولة، ثم أنه يحاول أن يجمع شبحي الواديين في " غيمة " واحدة ليشربها قوي قزح، فالغيمة بهذا المعنى الثالث ترمز إلى بقية الظلام العالق بالنفوس، وعلى هذا يبدو أن صورة " الغيمة " تخدم أغراضا متعددة عند الشاعر.
وفي سياق هذا التأمل يجدر بنا أن نقف عند استعمال الشاعر للفظة " الريح " ، فالطفلة القديمة بيعت لريح حملتها عبر باب الليل للمنفى الكبير، والشاعر بذرته الريح، وللهزيمة ريح يبست حنجرته، وغيمة الهزيمة لا تحتاج حتى تنقشع إلا إلى هبة ريح، وهكذا تكون " الريح " أداة تغريب وتشتيت ونشر، ويقابل هذه الحركة العنيفة، حركتان متوازيتان هما: حركة التشرب والاكتنان وحركة الميلاد والعطاء؟ فالموت البطيء " يمتص " الشاعر، والملايين المائة تستكن في صدره، والمنفى الكبير والسجن الكبير

(1/70)


يحيطان بالآلاف، وحين يلتقي الشاعر بصاحبته يطلب إليها أن " تحضنه " ، والكوخ الصغير " مختبئ " بين أحراج الجبل، والحمام " رابض " في الأقفاص ؟ناظرا كان أو عائدا - وقوس قزح " يمتص " الغيمة، ومن ناحية أخرى " تلد " الريح الغمام والام الرحيمة ما تزال " تنجب " ، وزوجة المستقبل ستلد " طلل " وموهبة الشاعر " ستلد " ديوان غزل، ووجه الوطن " ينكشف " عند أنحسار الليل. وبعبارة ثانية نجد أن القصيدة تخضع لإيقاع النشر والطي (أو ما سميته الاكتنان) والولادة.
ولعل الشاعر لم يفكر أن يبني قصيدته على أساس أسطوري، ولكن من السهل أن نجد فيها توافقا مع أسطورة أورفيوس الذي نزل إلى العالم السفلي ليجد حبيبته يورديسه، ويستعيدها.
ولنا بعد ذلك أن نأخذ على الشاعر شيئا من التناقض الظاهري حين يقول في قصيدته " صاروخا في وجه أحزاني القديمة " ثم يقول في موضع آخر " يبست حنجرتي ريح الهزيمة " ، ولكن هذا التناقض لا يلبث أن يزول حين نتذكر أن تيبس الحنجرة يعني اليأس من الوسيلة الفنية وليس العجز عن الصراخ، كذلك يمكن أن نحاسبه على سرعة التحول من عالم الظلام الكثيف والضياع والتخاذل إلى عالم التشدد والتهوين من شأن الهزيمة، وعلى انصياعه لجوانب الرقة والوداعة دفعة واحدة، وكأنه يئس من النضال جملة، إلا إذا اعتبرنا أن الاتحاد الذي يسعى إليه لا يعني الاكتفاء الفردي، وإنما يرمز إلى اتحاد القوى في الداخل والخارج، للفوز بسلم مشرف يثمر أطفالا وأزهارا وطيورا.
أذن فإن ما سميناه بالانعطافة الرومنطيقية الحادة، كان محكوما بظروفه، وطبيعة العمل الثوري، ولم يكن الإغراق في العاطفية، هدفا فرديا فيه. بل كان هو الشكل

(1/71)


الطبيعي في ظروف غير طبيعية. فإذا قيل ؟من بعد - أن شعر المقاومة يتحدث عن الثورة، دون أن يكون شعرا ثوريا، فذلك تجاهل للظروف وللحقبة التاريخية، وللبراهين الفنية التي تتضح من الدراسة التفصيلية، دون الأخذ بالتعميم، والاحتكام إلى الفروض النظرية.
ورغم قوة هذا الاتجاه، وسيطرته على كثير من جوانب الشعر الحر، فأنني لا أنوي أن أتخذه منطلقا لهذه الدراسة، لأنه يضيق حدودها ويمنعها من الاتجاه إلى التأمل في تفريعات أخرى، فالدراسة حين تتناول الرومنطقية، تتحدد في فرعين كبيرين: رصد ما هو ومنطقي وما هو غير ذلك، ولكن حين يتسع اتجاه كبير، فمن الخير أن يدرس في تفرعاته المختلفة، حين يكون لكل فرع منها اثر بارز.
وكذلك يستحسن في هذا المجال الا تدرس الاتجاهات الشعرية مقترنة بالعوامل الكبرى التي ذكرتها آنفا: كأن يقال الاتجاه الماركسي أو الاتجاه الوجودي أو ما أشبه ذلك، فإن ذلك يعني أن دراسة كل عامل من هذه العوامل مع ما أتصل به من شعر تتطلب كتابا مستقلا، توضح فيه المميزات لكل عامل قبل البدء بالحديث عن صلته بالشعر، فتحدد على نحو حاسم ؟مثلا - جميع السمات التي تميز الفكر الماركسي أو الفلسفة الوجودية، وهذا يخرج كثيرا عن حدود هذه الدراسة الموجزة، كما أن الخطر فيه أن يتحول الشعر إلى دور الوثيقة الاجتماعية أو العقائدية، وهو أمر لا بد أن يمارس باقتصاد وحذر كبيرين، ثم أنني ؟في الواقع - لا أعتقد بأننا نلازم جانب الدقة حين نقول هذا اتجاه ماركسي أو ذاك اتجاه وجودي، وإنما الأصح أن يقال ثمة أثر ماركسي وأثر وجودي وما أشبه ذلك في جوانب من الشعر الحديث، وقد نجد لدى الشاعر الواحد مؤثرات مختلفة، كما قد

(1/72)


نجد لديه تحولات من اتجاه إلى آخر، في حقبتين مختلفتين من عمره، ثم أن كثيرا من العوامل التي ذكرتها آنفا قد تتداخل، وتصعب نسبة التأثير فيها إلى عامل دون غيره، خذ مثلا فكرة " الثورة " تجد لها مفهومات مختلفة عند الشعراء، منتمية إلى عوامل متداخلة معا، يعسر تمايزها أو الفصل بينهما، أو خذ مثلا فكرة " الرفض " تجد السريالي والوجودي يتفقان حولها إلى مدى ثم يفترقان، فإذا تحدث شاعر عن الرفض أو آمن به فالى أي المدرسين ينتسب؟
ثم أن استعمال مصطلح مذهب ما لا يعني تبنيه أو الانتماء اليه أو الإيمان به، وهذا واضح في قصيدة البياتي " مسافر بلا حقائب:، التي عرضت لها في افصل الثاني، دون أن تكون القصيدة تعبيرا حقيقيا عن معاناة وجودية ؟في الواقع وفي الانتماء - ، وقد تقرأ قصيدة فتقع فيها على تطبيق تام لنظرية نفسية، دون أن يكون صاحبها ممن يعنى كثيرا بمذهب نفسي ما، وبإبراز أثره في شعره؛ من ذلك مثلا قصيدة " الأخضر بن يوسف ومشاغله " (1) لسعدي يوسف، فأنها تعبير عما يسميه بعض الدارسين " القرين " The Double حيث يصور فيها انفصام القرين عن ذاته، مع المشاركة فيما بينهما في المسكن وشرب القهوة والحليب والملابس، بل حتى في مرافقة محبوبة واحدة:
نبي يقاسمني شقتي
يسكن الغرفة المستطيلة
وكل صباح يشاركني قهوتي والحليب وسر
الليالي الطويلة
__________
(1) من ديوانه بهذا العنوان: 13 - 23.

(1/73)


؟؟
يرافقني في زيارة محبوبتي
ثم يدخل قلبي
وينظر في مقلتيها طويلا ويجلس في آخر
الحجرة المعتمة
وما عناصر الانفصال بين الأصل والقرين (مثل اختيار الثاني ليس البرنس، أو الاختلاف فيما يرسمه كل منهما وهو برفقة الفتاة) إلا محاولة من الأصل للوصول إلى التطابق الكلي (بين سعدي بن يوسف والأخضر بن يوسف):
سأستخدم اسمك
معذرة
ثم وجهك
أنت ترى أن وجهك في الصفحة الثانية
قناع لوجهي
حتى ليصبح هذا التطابق شيئا يجوز على رجال الجوازات أنفسهم وهم يفحصون الجواز، ومع ذلك فإن الشاعر حين يختار هذا اللون من التصوير النفسي، لا يحاول تطويره أو تطوير أشباهه في قصائد أخرى: ولعله اهتدى إلى ذلك بوحي من وعيه النفسي، كما هو واضح في نماذج أخرى من شعره.
وللمقارنة أقول: أن موضوع " القرين " هذا قد عالجه خليل حاوي من قبل في المقطع السادس من قصيدته " وجوه السندباد " (1) وهي قصيدة ترسم ؟في ظاهرها على الأقل - المفارقة بين وجهين " وجه طري أسمر " ، يظل كذلك محتفظا بصورته في نفس المرأة ؟الحبيبة - التي لا
__________
(1) ديوان خليل حاوي: 208 - 218 وأنظر الملحق.

(1/74)


تستطيع أن تؤمن بقوة الزمن على التغيير، بل ليس للزمن في قاموسها وجود، و " ووجه جارت عليه دمغة العمر السنية " ، يراه صاحبه كذلك لأن إحساسه بالزمن عميق واقعي، ويكاد صاحب الوجه الثاني أن يطمئن ذات لحظة إلى أنه لم يكن ضحية لفعل الزمن، لأنه حين يعيش بين اكتب يرتاح إلى أن " وجهه من حجر بين وجوه من حجر " ، ولكن إلحاح المرأة على أنها ترى الحقيقة يجعله دائما في أزمة، ولهذا فإنه حين يمشي في الطريق ينفصل الوجهان، الأصل والقرين:
وقناع مسه، حدق فيه
لودعاه ء آ. لن يمضي معه
" أنت هل أنت؟ بلى
لا، لست، لا، عفوا،
ضباب موحل يعمي مصابيح الطريق
أن في وجهك بعض الشبه
من وجه صديق " .
وكان ذلك الصديق أو القرين ذا وجه " ليس فيه أثر الحمى وتحفير الزمان " ، وبروح الصديق ؟العدو - يقود القرين صاحبه إلى الجسر، ويزين له الانتحار غرقا في النهر، لكي يريحه مما يعانيه. زاعما له أن في النهر قوى وأرواحا تستطيع أن تعيد إلى وجهه " سمرته الأولى المهيبة " ، وتمضي لحظة من الدوار واختلاط الصور والذكريات،.
متعب؟.ماء؟ سرير
متعب؟. ماء؟أراجيح الحرير
متعب؟. ماء؟دوار

(1/75)


وتلمست حديد الجسر
كان الجسر ينحل ويهوي
صور تهوي وأهوي معها
أهوي لقاع لا قرار،
وفجأة اختفى القرين، وعزى صاحبه نفسه عن اختفائه بأنه " ربما عادت إلى عنصرها الأشياء وانحلت ضباب " . وتكفي هذه اللمحة ليدرك القارئ الجو الذي تحرك فيه القرين في قصيدة خليل، ومدى أهميته بالنسبة إلى المبنى الكلي في القصيدة، ومدى الإحكام، البناء، والدقة في الوصف للمواقف النفسية المختلفة، وكل ذلك ينبئ أن خليل حاوي إنما كان يزاوج بين وعيه النفسي العميق، وبين ثقافته النفسية الواسعة، وأن بعث القرين ليس خطرة، وإنما هو إلحاح فني حتمي من داخل حركة القصيدة ونموها المتصاعد. وقد تكون الدلالة السلبية - عند محاولة دراسة الاتجاهات الشعرية - أبلغ في كشف حقيقة الشاعر من الدلالة الإيجابية فقد تقول وأنت تتصفح ديوان سميح القاسم هذا شاعر واقعي، إذ أنك حينما وجهت بصرك وجدت مثل قوله:
سلاما يا سواعد اخوتي العمال
سلاما يا مداخنهم
سلاما يا ملازمهم
أو مثل قوله:
مادمنا نحيا
في عصر الإيقاع النفسي
فسأحمل فأسي
سأشج حماقات الأوثان

(1/76)


ولكنك لا تلبث حين تتعمق النظر أن تدرك أنه كثيرا ما يعالج موضوعاته الواقعية من زاوية رومنطقية خالصة، نعم إن هذه الواقعية تجعله يحب " الحضارة الحديثة " مثلا ويمجد منجزاتها، ولكنك حين تسمعه يقول:
وصوت الآلة الحسناء يدعونا
تجد أنه ينظر إلى الآلة نظرة رومنطقية تامة، إذ أن هناك " آلة " وحسب، ولكن ليست آلة حسناء.
وعلى عكس ذلك يفعل أبو سنه في قصيدته " عصر الإنسان " (1) التي يحاول أن يقارن فيها بين منجزات العصر ومواطن النقص فيه، فيقول:
أغرس أعلامك فوق الكون
لكن عد للأرض
كي تبني قريه
يسكنها فقراء الهند
لتجفف أنهار الدم (2) الحمراء
ولتصنع مهدا للأطفال التعساء.
فكأنما هو يحاول أن يهون من قيمة انتصارات الإنسان على الطبيعة في هذا العصر، إذ يضع إلى جانبها في موضع المفارقة لفقر والتشرد وويلات الحروب وتعاسة الاطفال؛ والتعارض غير قائم، والأمران يؤخذان منفصلين كلا على حدة، لأنهما صادقان واقعيان ما داما منفصلين، لا حين يربطان معا في مقارنة نجتلبة، فهذا كمقارنة الناس ؟في الحياة اليومية - بين الصحة والمال، أو كمقارنة القدماء بين الغني الشاكر
__________
(1) الصراخ في الآبار القديمة: 108 - 114.
(2) أقرأها بتشديد الميم ليصح الوزن.

(1/77)


والفقير الصابر وأيهما أحسن، وهو سؤال باطل، كما بين ابن حزم الفقيه الظاهري منذ قرون.
وما عليك وأنت تطالع هذا التحفظ تجاه انتصارات الإنسان وتقدمه التقني إلا أن تقارن هذا الموقف بموقف آخر للشاعر السوداني صلاح أحمد إبراهيم وهو يحيى رائدة الفضاء الروسية " فلنتيما ترشكوفا " (1) بقوله:
أنا الذي ليس له أن يملك الأرض
ولا أن يقبل الأجر
ولا أن يقرع الأجراس في بيع ولا شراء
الصائغ الماهر والحداد، سادن الأسرار، مانح الأسماء
مسخر الكور، مسير النار، مدوخ السندان
مبدع الأشياء
مبارك الحصاد، مكمل الطقوس، باذر الموروث،
سامر المساء
؟.
أنا صلاح الشاعر، في تواضع جم وفي حب وبانحناء
اهدي إليك هذا العسل البري
يا فلنتينا ترشكوفا، ومنك للنساء.
فإن " صلاح " لا يعلن عن إيمانه المطلق بما يستطيع التقدم العلمي أن يحققه من منجزات، وإنما يتخذ هذه المناسبة فرصة ليتحدث عن إيمانه بدور المرأة ؟والمرأة الأفريقية السودانية ؟بوجه خاص - وحقها في الحياة الكريمة إلى جانب الرجل، ولولا أن قصيدة صلاح مثقلة بالأسماء والإشارات التاريخية لحق اقتباسها للدلالة على وجهة جديدة لا في المحتوى وحسب، بل في الشكل أيضا.
__________
(1) انظر ديوانه: غضبة الهبابي (بيروت 1965): 65: 73.

(1/78)