صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
المؤلف : أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان
المحقق : إحسان عباس
الناشر : دار صادر - بيروت
الطبعة :
الجزء : 1 - الطبعة : 0 ، 1900
الجزء : 2 - الطبعة : 0 ، 1900
الجزء : 3 - الطبعة : 0 ، 1900
الجزء : 4 - الطبعة : 1 ، 1971
الجزء : 5 - الطبعة : 1 ، 1994
الجزء : 6 - الطبعة : 0 ، 1900
الجزء : 7 - الطبعة : 1 ، 1994
عدد الأجزاء : 7
مصدر الكتاب : الوراق

[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]

يا رب قد حلف الأعداء واجتهدوا ... أيمانهم أنني من ساكني النار
أيحلفون على عمياء ويحهم ... ما ظنهم بقديم العفو غفار وكتب إلى الوليد بن عبد الملك كتاباً يخبره فيه بمرضه، وكتب في آخره:
إذا ما لقيت الله عني راضياً ... فإن سرور النفس فيما هنالك
فحسبي حياة الله من كل ميت ... وحسبي بقاء الله من كل هالك
لقد ذاق هذا الموت من كان قبلنا ... ونحن نذوق الموت من بعد ذلك وكان مرضه بالأكلة وقعت في بطنه، ودعا بالطبيب لينظر إليها، فأخذ لحما وعلقه في خيط وسرحه في حلقه وتركه ساعة ثم أخرجه وقد لصق به دود كثير. وسلط الله تعالى عليه الزمهرير، فكانت الكوانين تجعل حوله مملوءة ناراً وتدنى منه حتى تحرق جلده وهو لا يحس بها؛ وشكا ما يجده إلى الحسن البصري ر فقال له: قد كنت نهيتك ألا تتعرض إلى الصالحين فلججت، فقال له: يا حسن، لا أسألك أن تسال الله أن يفرج عني، ولكني أسألك أن تسأله أن يعجل قبض روحي ولا يطيل عذابي، فبكى الحسن بكاء شديداً. وأقام الحجاج على هذه الحالة بهذه العلة خمسة عشر يوماً، وتوفي في شهر رمضان، وقيل في شوال سنة خمس وتسعين للهجرة وعمره ثلاث، وقيل أربع وخمسون سنة، وهو الأصح.
وقال الطبري في تاريخه الكبير: توفي الحجاج يوم الجمعة لتسع بقين من شهر رمضان سنة خمس وتسعين، وقال غير الطبري (1) : لما جاء موت الحجاج إلى حسن البصري سجد لله تعالى شكراً، وقال: اللهم إنك قد أمته فأمت عنا سنته.
وكانت وفاته بمدينة واسط ودفن بها، وعفي قبره وأجري عليه الماء، رحمه الله تعالى وسامحه.
وكان قد رأى في منامه أن عينيه قلعتا، وكانت تحته هند بنت المهلب بن أبي صفرة الأزدي - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى - وهند بنت أسماء بن
__________
(1) خبر سجود الحسن عند موت الحجاج ورد في العقد 5: 49.

(2/53)


خارجة، فطلق الهندين اعتقاداً منه أن رؤياه تتأول بهما، فلم يلبث أن جاءه نعي أخيه محمد من اليمن في اليوم الذي مات فيه ابنه محمد، فقال: والله هذا تأويل رؤياي، محمد ومحمد في يوم واحد، إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم قال: من يقول شعراً يسليني به فقال الفرزدق (1) :
إن الرزية لا رزية مثلها ... فقدان مثل محمد ومحمد
ملكان قد خلت المنابر منهما ... أخذ الحمام عليهما بالمرصد (15) وكانت وفاة أخيه محمد لليال خلت من رجب سنة إحدى وتسعين للهجرة، وهو والي اليمن، فكتب الوليد بن عبد الملك إلى الحجاج يعزيه، فكتب الحجاج جوابه: يا أمير المؤمنين، ما التقيت أنا ومحمد منذ كذا وكذا سنة إلا عاماً واحداً، وما غاب عني غيبة أنا لقرب اللقاء فيها أرجى من غيبته هذه في دار لا يتفرق فيها مؤمنان.
ومعتب: بضم الميم وفتح العين المهملة وتشديد التاء المثناة من فوقها وكسرها وبعدها الباء الموحدة.
والثقفي - بفتح الثاء المثلثة والقاف وبعدها الفاء - هذه النسبة إلى ثقيف، وهي قبيلة كبيرة مشهورة بالطائف.
150 - (2)
حجاج بن أرطاة
حجاج بن أرطاة أبو أرطاة النخعي الكوفي، سمع عطاء بن أبي رباح وغيره، وروى عنه الثوري وشعبة وحماد بن زيد وهشيم وابن المبارك وزيد بن هارون،
__________
(1) انظر العقد: 48 وفيه شعر آخر للفرزدق.
(2) ترجمة حجاج بن أرطاة في شذرات الذهب 1: 229، قال أحمد: لا يحتج به؛ خرج له مسلم مقروناً بغيره؛ وقد خرج له الأربعة وابن حيان. وانظر تذكرة الحفاظ: 186 وقال: لم يخرج له البخاري، وقال: مات ظناً سنة تسع وأربعين ومائة؛ وميزان الاعتدال 1: 458، واتهمه الأصمعي بقبول الرشوة، وذكر الذهبي أن وفاته كانت سنة 145ه!؛ وتاريخ بغداد 8: 230؛ قلت: وقد انفردت بهذه الترجمة النسخ د ر ص.

(2/54)


وكان من حفاظ الحديث ومن الفقهاء، واستفتي وهو ابن ست عشرة سنة، وولي القضاء بالبصرة إلا أنه كان مدلساً عمن لم يلقه فيرسل تارة عن مجاهد وتارة عن الزهري ولم يلقهما. قال أبو العباس المبرد في " الكامل " (1) [وغيره]: وخبرت أن قاصاً كان يكثر الحديث عن هرم بن حيان، فاتفق هرم معه مرة في المسجد وهو يقول: حدثنا هرم بن حيان، فقال له: يا هذا أتعرفني أنا هرم بن حيان ما حدثتك من هذا بشيء قط، قال له القاص: وهذا من عجائبك أيضاً؛ إنه ليصلي معنا في مسجدنا خمسة عشر رجلاً اسم كل رجل منهم هرم بن حيان، فكيف توهمت أنه ليس في الدنيا هرم بن حيان غيرك ويقرب من هذا أنه كان في الرقة قاص يكنى أبا عقيل يكثر من التحدث عن بني إسرائيل فنظن به الكذب، فقال له يوماً الحجاج بن حنتمة: ما كان اسم بقرة بني إسرائيل قال: حنتمة، فقال له رجل من ولد أبي موسى الأشعري: في أي الكتب وجدت هذا قال: في كتاب عمرو بن العاص؛ انتهى كلام المبرد.
وكان الحجاج بن أرطاة المذكور مع المنصور في وقت بناء مدينته وتولى خطها ونصب قبلة مسجدها، وهو أول من ولي القضاء لبني العباس بالبصرة، وكان فيه تيه كثير خارج عن الحد؛ جاء يوماً إلى حلقة البتي فجلس في عرض الحلقة، فقيل له: ارتفع إلى الصدر، فقال: أنا صدر حيث كنت؛ وقال أبو يوسف: كان الحجاج بن أرطاة لا يشهد جمعة ولا جماعة ويقول: أكره مزاحمة الأنذال.
وقال عبد الملك بن عبد الحميد: حدثني أبي غير مرة قال: مكث الحجاج ابن أرطاة يتعيش من غزل أمة له كذا وكذا سنة، وكأنه قال ستين سنة، ثم أخرجه أبو جعفر المنصور مع ابنه المهدي إلى خراسان فقدم بسبعين مملوكاً. وقال: ربما رأيته - يعني الحجاج - يضع يده على رأسه ويقول: قتلني حب الشرف.
__________
(1) الكامل 2: 209.

(2/55)


وكان حجاج بن أرطاة يقع في أبي حنيفة رضي الله عنه ويقول: إن أبا حنيفة لا يعقل لله عقلة. وكان في اصحاب أبي جعفر وضمه إلى المهدي فلم يزل معه حتى توفي في سنة خمسين ومائة بالري، رحمه الله تعالى، والمهدي بها يومئذ في خلافة أبي جعفر. وكان ضعيفاً في الحدث.
151 - (1)
ابن مسكين
أبو عمر الحارث بن مسكين المصري مولى محمد بن زياد بن عبد العزيز بن مروان؛ رأى الليث بن سعد وسأله وسمع سفيان بن عيينة الهلالي وعبد الرحمن ابن القاسم العتقي وعبد الله بن وهب القرشي وروى عنه كافة المصريين. وكان فقيهاً على مذهب مالك بن أنس رضي الله عنه، وكان ثقة في الحديث ثبتاً، حمله المأمون إلى بغداد في ايام المحنة وسجنه لأنه لم يجب إلى القول بخلق القرآن، فلم يزل ببغداد محبوساً إلى أن ولي جعفر المتوكل فأطلقه وأطلق جميع من كان في السجن.
حدث الحارث ببغداد ورجع إلى مصر وكتب إليه المتوكل بعهده على قضاء مصر فلم يزل يتولاه من سنة سبع وثلاثين ومائتين إلى أن صرف في سنة خمس وأربعين. ولما خرج الحارث من بغداد إلى مصر اغتنم عليه أبو علي ابن الجوري غماً شديداً، فكتب إلى سعدان بن يزيد وهو مقيم بمصر يشكو ما نزل به من غم لفقد الحارث بن مسكين، وكان كتب في أسفل كتابه:
من كان يسليه نأي عن أخي ثقةٍ ... فإنني غير سالٍ آخر الأبدِ
__________
(1) انفردت نسختا ص ر بهذه الترجمة. قلت: وانظر ترجمة الحارث بن مسكين في الكندي: 467 - 476 ورفع الاصر 1: 167 - 182 وطبقات السبكي 1: 249 وطبقات الشيرازي الورقة: 45 وتذكرة الحفاظ: 514 والشذرات 2: 121 وتاريخ بغداد 8: 216.

(2/56)


ففرقت بيننا الأقدار واضطربت ... بالوجد والشوق نار الحزن في الكبد فأجابه سعدان بن يزيد:
أيها الشاكي إلينا وحشة ... من حبيب نأيه عنه بعد
حسبك الله أنيساً فبه ... يأنس المرء إذا المرء سعد
كل أنس بسواه زائل ... وأنيس الله في عز الأبد وكانت ولادة الحارث بن مسكين في سنة أربع وخمسين ومائة، وتوفي لثلاث بقين من ربيع الأول سنة خمسين ومائتين، وصلى عليه يزيد بن عبد الله - أمير كان على مصر - وكبر عليه خمساً، رحمه الله تعالى.
152 - (1)
المحاسبي
أبو عبد الله الحارث بن أسد المحاسبي البصري الأصل الزاهد المشهور؛ أحد رجال الحقيقة (2) ، وهو ممن اجتمع له علم الظاهر والباطن، وله كتب في الزهد والأصول وكتاب " الرعاية " له، وكان قد ورث من أبيه سبعين ألف درهم، فلم يأخذ منها شيئاً، قيل: لأن أباه كان يقول بالقدر، فرأى من الورع أن لا يأخذ ميراثه، وقال: صحت الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يتوارث أهل ملتين شتى)، ومات وهو محتاج إلى درهم.
__________
(1) ترجمة الحارث المحاسبي في تهذيب التهذيب 2: 134 وصفة الصفوة 2: 207 وطبقات السلمي: 56 وحلية الأولياء 10: 73 وميزان الاعتدال 1: 430 وتاريخ بغداد 8: 211 وطبقات السبكي 2: 37؛ وللحارث عدا الرعاية عدة مؤلفات منها: شرح المعرفة والمسائل في الزهد وغيره وآداب النفوس والبعث والنشور.
(2) ر: الطريقة.

(2/57)


ويحكى عنه أنه كان إذا مد يده إلى طعام فيه شبهة تحرك على إصبعه عرق، فكان يمتنع منه. وسئل عن العقل ما هو، فقال: نور الغريزة مع التجارب، يزيد ويقوى بالعلم والحلم. وكان يقول: فقدنا ثلاثة أشياء: حسن الوجه مع الصيانة، وحسن القول مع الأمانة، وحسن الإخاء مع الوفاء (1) .
وتوفي في سنة ثلاث وأربعين ومائتين، رحمه الله تعالى.
والمحاسبي: بضم الميم وفتح الحاء المهملة وبعد الألف سين مهملة مكسورة وبعدها باء موحدة. قال السمعاني (2) : وعرف بهذه النسبة، لأنه كان يحاسب نفسه، وقال: كان أحمد بن حنبل رضي الله عنه يكرهه لنظره في علم الكلام وتصنيفه فيه، وهجره فاستخفى من العامة، فلما مات لم يصل عليه إلا أربعة نفر. وله مع الجنيد بن محمد حكايات مشهورة.
153 - (3)
أبو فراس ابن حمدان
أبو فراس الحارث بن أبي العلاء سعيد بن حمدان بن حمدون الحمداني ابن عم ناصر الدولة وسيف الدولة ابني حمدان - وسيأتي تتمة نسبه عند ذكرهما إن شاء الله تعالى - ؛ قال الثعالبي في وصفه (4) : " كان فرد (5) دهره، وشمس
__________
(1) في اللمع: 246: ثلاث إذا وجدت متع بهن وقد فقدناهن: حسن القول مع الديانة، وحسن الوجه مع الصيانة، وحسن الأخاء مع الوفاء.
(2) انظر اللباب 3: 103.
(3) ترجمة أبي فراس الحمداني في اليتيمة 1: 48 - 103 والمنتظم 7: 68 وتهذيب ابن عساكر 3: 439 وزبدة الحلب 1: 157 وشذرات الذهب 3: 24؛ وانظر ديوانه: 460 - 479 حيثن جمع المحقق ترجمات له من مصادر مختلفة.
(4) د: في كتاب اليتيمة.
(5) ج ه : فريد.

(2/58)


عصره، أدباً وفضلاً، وكرماً ومجداً، وبلاغة وبراعة، وفروسية وشجاعة، وشعره مشهور سائر (1) ، بين الحسن والجودة والسهولة والجزالة والعذوبة والفخامة والحلاوة، ومعه رواء الطبع وسمة الظرف وعزة الملك، ولم تجتمع هذه الخلال قبله إلا في شعر عبد الله بن المعتز. وأبو فراس يعد اشعر منه عند أهل الصنعة ونقدة الكلام. وكان الصاحب بن عباد يقول: بدئ الشعر بملك وختم بملك، يعني امرأ القيس وأبا فراس. وكان المتنبي يشهد له بالتقدم والتبريز ويتحامى جانبه فلا ينبري لمباراته ولا يجترئ على مجاراته، وإنما لم يمدحه ومدح من دونه من آل حمدان تهيباً له وإجلالاً، لا إغفالاً وإخلالاً. وكان سيف الدولة يعجب جداً بمحاسن أبي فراس ويميزه بالإكرام على سائر قومه ويستصحبه في غزواته وستخلفه في أعماله " .
وكانت الروم (2) قد أسرته في بعض وقائعها، وهو جريح قد أصابه سهم بقي نصله في فخذه، ونقلته إلى خرشنة، ثم منها قسطنطينية، وذلك في سنة ثمان. وأربعين وثلثمائة، وفداه سيف الدولة في سنة خمس وخمسين.
قلت: هكذا قال أبو الحسن علي بن الزراد الديلمي، وقد نسبوه في ذلك إلى الغلط، وقالوا: أسر أبو فراس مرتين، فالمرة الأولى بمغارة الكحل في سنة ثمان وأربعين وثلثمائة، وما تعدوا به خرشنة، وهي قلعة ببلاد الروم والفرات يجري من تحتها، وفيها يقال: إنه ركب فرسه وركضه برجله، فأهوى به من أعلى الحصن إلى الفرات، والله أعلم، والمرة الثانية أسره الروم على منبج في شوال سنة إحدى وخمسين، وحملوه إلى قسطنطينية. وأقام في الأسر أربع سنين، وله في السر أشعار كثيرة مثبتة في ديوانه. وكانت مدينة منبج إقطاعاً له، ومن شعره (3) :
قد كنت عدتي التي أسطو بها ... ويدي إذا اشتد الزمان وساعدي
__________
(1) أ: شائع.
(2) انظر اليتيمة: 75.
(3) ديوانه: 73 وهي مما كتبه لسيف الدولة حين سار هذا إلى ديار بكر وتخلف أبو فراس بالشام.

(2/59)


فرميت منك بضد ما أملته ... والمرء يشرق بالزلال البارد
فصبرت كالولد التقي لبره ... أغضى على ألم لضرب الوالد وله أيضاً (1) :
أساء فزادته الإساءة حظوة ... حبيب على ما كان منه حبيب
يعد علي الواشيان (2) ذنوبه ... ومن أين للوجه الجميل (3) ذنوب وله أيضاً (4) :
سكرت من لحظه لا من مدامته ... ومال بالنوم عن عيني تمايله
فما السلاف دهتني بل سوالفه ... ولا الشمول ازدهتني بل شمائله
ألوى بعزمي (5) أصداغ لوين له ... وغال قلبي بما (6) تحوي غلائله ومحاسن شعره كثيرة.
وقتل في واقعة جرت بينه وبين موالي أسرته في سنة سبع وخمسين وثلثمائة.
ورأيت في ديوانه أنه لما حضرته الوفاة كان ينشد مخاطباً ابنته (7) :
أبنيتي لا تجزعي (8) ... كل الأنام إلى ذهاب
نوحي علي بحسرة ... من خلف سترك والحجاب
قولي إذا كلمتني ... فعييت عن رد الجواب
زين الشباب أبو فرا ... س لم يمتع بالشباب
__________
(1) ديوانه: 39.
(2) الديوان: العاذلون.
(3) الديوان: المليح.
(4) ديوانه: 302.
(5) ج: بصبري.
(6) ج: وغال عزمي ما.
(7) ديوانه: 47.
(8) الديوان: لا تحزني.

(2/60)


وهذا يدل على أنه لم يقتل، أو يكون قد جرح وتأخر هوته، ثم مات من الجراحة.
[وقيل إن هذا الشعر قاله وهو أسير في أيدي الروم، وكان قد جرح ثم أسر ثم خلص من الأسر، فداه سيف الدولة مع من فودي من أسرى المسلمين].
قال ابن خالويه: لما مات سيف الدولة عزم أبو فراس على التغلب على حمص، فاتصل خبره بأبي المعالي بن سيف الدولة وغلام أبيه قرغويه، فأنفذ إليه من قاتله، فأخذ وقد ضرب ضربات فمات (1) في الطريق.
وقرأت في بعض التعاليق: أن أبا فراس قتل يوم الأربعاء لثمان خلون من شهر ربيع الآخر سنة سبع وخمسين وثلثمائة، في ضيعة تعرف بصدد.
وذكر ثابت بن سنان الصابئ في تاريخه (2) ، قال: في يوم السبت لليلتين خلتا من جمادى الأولى من سنة سبع وخمسين وثلثمائة، جرت حرب بين أبي فراس، وكان مقيماً بحمص، وبين أبي المعالي بن سيف الدولة، واستظهر عليه أبو المعالي وقتله في الحرب وأخذ رأسه وبقيت جثته مطروحة في البرية إلى أن جاءه بعض الأعراب فكفنه ودفنه.
قال غيره: وكان أبو فراس خال أبي المعالي، وقلعت أمه سخينة عينها لما بلغها وفاته، وقيل إنها لطمت وجهها فقلعت عينها. وقيل لما قتله قرغويه لم يعلم به أبو المعالي، فما بلغه الخبر شق عليه.
ويقال: إن مولده كان في سنة عشرين وثلثمائة، والله أعلم. وقيل: سنة إحدى وعشرين.
(16) وقتل أبوه سعيد في رجب سنة ثلاث وعشرين وثلثمائة، قتله ابن أخيه ناصر الدولة بالموصل، عصر مذاكيره حتى مات لقصة يطول شرحها، وحاصلها أنه شرع في ضمان الموصل وديار ربيعة من جهة الراضي بالله، ففعل ذلك سراً، ومضى إليها في خمسين غلاماً، فقبض ناصر الدولة عليه حين وصل
__________
(1) ب ه : ثم مات.
(2) انظر الجزء الأول: 315 والحاشية رقم: 1.

(2/61)


إليها ثم قتله، فأنكر ذلك الراضي حين بلغه، رحمهم الله تعالى.
[وحكى ابن خالويه أيضاً (1) قال: كتب أبو فراس إلى سيف الدولة وقد شخص من حضرته إلى منزله بمنبج كتاباً صدره: كتابي أطال الله بقاء مولانا من المنزل وقد وردته ورود السالم الغانم مثقل الظهر والظهر وفراً وشكراً، فاستحسن سيف الدولة بلاغته ووصف براعته، وبلغ ذلك أبا فراس فكتب إليه:
هل للفصاحة والسما ... حة والعلا عني محيد
إذ أنت سيدي الذي ... ربيتني وأبي سعيد
في كل يوم أستفي ... د من العلاء وأستزيد
ويزيد في إذا رأي ... تك للندى خلق جديد وكان سيف الدولة قلما ينشط لمجلس الأنس لاشتغاله عنه بتدبير الجيوش وملابسة الخطوب وممارسة الحروب، فوافت حضرته إحدى المحسنات من قيان بغداد، فتاقت نفس أبي فراس إلى سماعها ولم ير أن يبدأ باستدعائها قبل سيف الدولة، فكتب إليه يستحثه على استحضارها:
محلك الجوزاء أو أرفع ... وصدرك الدهناء أو أوسع
وقلبك الرحب الذي لم يزل ... للجد والهزل به موضع
رفه بقرع العود سيفاً غدا ... قرع العوالي جل ما يسمع فبلغت هذه الأبيات الوزير المهلبي فأمر القيان والقوالين بتحفظها وتلحينها، وصار لا يشرب إلا عليها.
وأهدى الناس إلى سيف الدولة فأكثروا، فكتب إليه أبو فراس:
نفسي فداؤك قد بعث ... ت بعهدتي بيد الرسول
أهديت نفسي إنما يه ... دى الجليل إلى الجليل
__________
(1) اليتيمة 1: 49.

(2/62)


وجعلت ما ملكت يدي ... صلة المبشر بالقبول وعزم سيف الدولة على غزو واستخلاف أبي فراس على الشام فكتب إليه قصيدة منها:
قالوا المسير فهز الرمح عامله ... وارتاح في جفنه الصمصامة الخذم
حقاً لقد ساءني أمر ذكرت له ... لولا فراقك لم يوجد له ألم
لا تشغلن بأمر الشام تحرسه ... إن الشآم على من حله حرم
وإن للثغر سوراً من مهابته ... صخوره من أعادي أهله القمم
لا يحرمني سيف الدين صحبته ... فهي الحياة التي تحيا بها النسم
وما اعترضت عليه في أوامره ... لكن سألت ومن عاداته نعم وكتب إليه يعزيه:
لابد من فقد ومن فاقد ... هيهات ما في الناس من خالد
كن المعزى لا المعزى به ... إن كان لابد من الواحد وله أيضاً:
المرء نصب مصايب ما تنقضي ... حتى يوارى جسمه في رمسه
فمؤجل يلقى الردى في أهله ... ومعجل يلقى الردى في نفسه وله أيضاً وقد سمع حمامة تنوح بقربه على شجرة عالية وهو في الأسر فقال:
أقول وقد ناحت بقربي حمامة ... أيا جارتا هل بات حالك حالي
معاذ الهوى ما ذقت طارقة النوى ... ولا خطرت منك الهموم ببال
أتحمل محزون الفؤاد قوادم ... على غصن نائي المسافة عالي
أيا جارتا ما أنصف الدهر بيننا ... تعالي أقاسمك الهموم تعالي
تعالي تري روحا لدي ضعيفة ... تردد في جسم يعذب بالي

(2/63)


أيضحك مأسور وتبكي طليقة ... ويسكت محزون ويندب سالي
لقد كنت أولى منك بالدمع مقلة ... ولكن دمعي في الحوادث غالي] (1) وخرشنة - بفتح ا لخاء المعجمة وسكون الراء وفتح الشين المثلثة والنون - وهي بلدة بالشام على الساحل، وهي للروم (2) .
وقسطنطينية - بضم القاف وسكون السين المهملة وفتح الطاء المهملة وسكون النون وكسر الطاء المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها نون - من أعظم مدائن الروم بناها قسطنطين، وهو أول من تنصر من ملوك الروم.
154 - (3)
حرملة
أبو حفص وأبو عبد الله حرملة بن يحيى بن عبد الله بن حرملة بن عمران بن قراد مولى سلمة بن مخرمة التجيبي (4) الزميلي المصري صاحب الإمام الشافعي رضي الله عنه؛ كان أكثر أصحابه اختلافاً إليه واقتباساً منه، وكان حافظاً للحديث، وصنف " المبسوط " و " المختصر " . وروى عنه مسلم بن الحجاج فأكثر في
__________
(1) ما بين معقفين في ص د فقط.
(2) على هامش ب: سبحان الله، قد ذكر في هذه الترجمة أن خرشنة من بلاد الروم والفرات يجري تحتها وفيها أسر أبو فراس ويقال أنه طاح منها بفرسه إلى الفرات قم أعقب ذلك بقوله عن خرشنة المذكورة: بلدة بالشام على الساحل!
(3) ترجمة حرملة صاحب الشافعي في طبقات الشيرازي، الورقة 27 وطبقات السبكي 1: 257 وتهذيب التهذيب 2: 229 وميزان الاعتدال 1: 472؛ وكان حرملة أكثر الناس تحديثاً على ابن وهب لأن ابن وهب استخفى في منزله سنة وأشهراً لما طلب ليتولي القضاء، وقد أثنى عليه ابن معين وضعفه غيره، وقيل إنه لكثرة ما روى انفرد بغرائب.
(4) س: التجيبي بالولاء.

(2/64)


صحيحه من ذكره [روى عن محمد بن وهب المصري وغيره] (1) ، ومولده في سنة ست وستين ومائة، وتوفي ليلة الخميس لتسع بقين من شوال سنة ثلاث وأربعين ومائتين بمصر، وقيل أربع وأربعين، رحمه الله تعالى.
والتجيبي - بضم التاء المثناة من فوقها وكسر الجيم وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها باء موحدة - هذه النسبة إلى تجيب، وهو اسم امرأة نسبة إليها أولادها.
وقراد - بضم القاف وفتح الراء المهملة وبعد الألف دال مهملة.
والزميلي - بضم الزاي وفتح الميم وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها لام - هذه النسبة إلى بني زميل، وهو بطن من تجيب.
(17) وتوفي حرملة بن عمران، جد حرملة المذكور، في صفر سنة ستين ومائة، ومولده سنة ثمانين للهجرة، رحمه الله تعالى.
155 - (2)
الحسن بن علي بن أبي طالب
أو بمحمد الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأمه فاطمة صلوات الله عليها بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ بويع له يوم مات أبوه رضي الله عنه، وكان أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقام بالكوفة إلى شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين، وقتل عبد الرحمن بن ملجم، يقال إنه ضربه
__________
(1) زيادة في ص.
(2) أخباره في كتب التاريخ كالطبري وابن الأثير والمسعودي واليعقوبي ومقاتل الطالبيين، وانظر تهذيب التهذيب 2: 295 وتهذيب ابن عساكر 4: 199 وحلية الأولياء 2: 35 وصفة الصفوة 1: 319؛ الأئمة الأثنا عشر ص 63 والصفحة المقابلة حيث مصادر ترجمته. وقد انفردت النسخة ص بهذه الترجمة.

(2/65)


بالسيف فاتقاه بيده فندرت وقتله، ثم سار إلى معاوية فالتقيا بمسكن من أرض الكوفة، فاصطلحا وسلم إليه الأمر وبايعه لخمس بقين من شهر ربيع الأول، ويقال إنه أعطاه خمس آلاف درهم ورجع إلى المدينة، وقال قوم انه صالحه بأذرح في جمادى الأولى وأخذ مائة ألف دينار، روى ذلك كله الدولابي. وكانت خلافته ستة أشهر وخمسة أيام؛ روى الشعبي قال: أنا شهدت خطبة الحسن - يعني حين سلم الأمر إلى معاوية - : قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، إن أكيس الكيس التقى وأحمق الحمق الفجور، وإن هذا الأمر الذي اختلفت فيه أنا ومعاوية إنما هو حق لامرئ كان أحق بحقه مني أو حق لي تركته لمعاوية إرادة لصالح الأمة وحقنا لدمائهم، وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين.
روى سفينة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الخلافة بعدي ثلاثون عاماً ثم تكون ملكاً أو ملوكاً. وكان آخر ولاية الحسن رضي الله عنه تمام ثلاثين سنة وثلاثة عشر يوماً من أول خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه. ولم يزل الحسن بالمدينة إلى أن مات بها في شهر ربيع الأول سنة تسع وأربعين وله سبع وأربعون سنة، وقيل مات سنة خمسين، وهو أشبه بالصواب، وصلى عليه سعيد بن العاص ودفن بالبقيع، ويقال إنه دفن مع أمه صلوات الله عليها. وقال القتبي: يقال ان امرأته جعدة بنت الأشعث سمته ومكث شهرين، وأنه ليرفع من تحته كل يوم كذا وكذا طست من دم. وكان يقول: سقيت السم مراراً ما أصابني ما أصابني في هذه المرة. وخلف عليها رجل من قريش فأولدها غلاماً، فكان الصبيان يقولون له: يا ابن مسمة الأزواج.
ولما كتب مروان إلى معاوية بشكاته كتب إليه أن أقبل المطي إلي بخبر الحسن؛ ولما بلغه موته سمع تكبيراً من الحضر، فكبر أهل الشام لذلك التكبير فقالت فاختة زوجة معاوية: أقر الله عينك يا أمير المؤمنين، ما الذي كبرت له قال: مات الحسن، قالت: أعلى موت ابن فاطمة تكبر قال: والله ما كبرت شماتة بموته ولكن استراح قلبي. وكان ابن عباس بالشام، فدخل عليه فقال: يا ابن عباس، هل تدري ما حدث في أهل بيتك قال: لا أدري ما حدث

(2/66)


إلا أني أراك مستبشراً وقد بلغني تكبيرك وسجودك، قال: مات الحسن، قال: إنا لله، يرحم الله أبا محمد، ثلاثاً؛ ثم قال: والله يا معاوية لا تسد حفرته حفرتك ولا يزيد نقص عمره في يومك، وإن كنا أصبنا بالحسن لقد أصبنا بإمام المتقين وخاتم النبيين، فسكن الله تلك العبرة وجبر تلك المصيبة وكان الله الخلف علينا من بعده.
وكان أوصى لأخيه الإمام الحسين: إذا أنا مت فادفني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إن وجدت إلى ذلك سبيلاً، وإن منعوك فادفني ببقيع الغرقد، فلبس الحسين ومواليه السلاح وخرجوا ليدفنوه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج مروان بن الحكم في بني أمية فمنعوهم من ذلك.
وقيل: لما احتضر الحسن رضي الله عنه قال: أخرجوني إلى الصحراء لعلي أنظر في ملكوت السموات، يعني الآيات؛ فلما أخرج قال: اللهم إني أحتسب نفسي عندك فإنها أعز الأنفس علي، فكان مما صنع الله له أنه احتسب نفسه.
ومن طريف أخباره ما ذكره أبو العباس المبرد (1) أن مروان بن الحكم قال يوماً: إني مشغوف ببغلة الحسن، فقال له ابن أبي عتيق: إن دفعتها إليك أتقضي لي ثلاثين حاجة قال: نعم، قال: فإذا اجتمع الناس عندك العشية فإني آخذ في مآثر قريش ثم أمسك عن الحسن، فلمني على ذلك؛ فلما أخذ القوم مجالسهم أفاض في أولية قريش؛ قال له مروان: ألا تذكر أولية أبي محمد وله في هذا ما ليس لأحد قال: إنما كنا في ذكر الأشراف ولو كنا في ذكر الأنبياء لقدمنا ما لأبي محمد؛ فلما خرج ليركب تبعه ابن أبي عتيق فقال له الحسن وتبسم: ألك حاجة قال: نعم، البغلة، فنزل عنها ودفعها إليه.
وذكر ابن عائشة أن رجلاً من أهل الشام قال: دخلت المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام فرأيت رجلاً راكباً على بغلة لم أر أحسن وجهاً ولا سمتاً ولا ثوباً ولا دابة منه، فمال قلبي إليه فسألت عنه فقيل: هذا الحسن بن علي ابن أبي طالب، فامتلأ قلبي له بغضاً وحسدت علياً أن يكون له ابن مثله،
__________
(1) الكامل 2: 237.

(2/67)


فصرت إليه وقلت له: أأنت ابن علي بن أبي طالب قال: أنا ابنه، قلت: فعل بك وبأبيك - أسبهما؛ فلما انقضى كلامي قال لي: أحسبك غريباً قلت: أجل، قال: مل بنا، فإن احتجت إلى منزل أنزلناك أو إلى مال آسيناك أو إلى حاجة عاوناك؛ قال: فانصرفت عنه وما على الأرض أحب ألي منه وما فكرت فيما صنع وصنعت إلا شكرته وخزيت نفسي.
وحكى صاحب " العقد " قال (1) : بينا معاوية جالس في أصحابه إذ قيل له: الحسن بالباب، فقال معاوية: إنه إن دخل علينا أفسد ما نحن فيه، فقال له مروان بن الحكم: ايذن له فإني أسأله عما ليس عنده فيه جواب، قال معاوية: لا تفعل فإنهم قوم ألهموا الكلام، وأذن له، فلما دخل وجلس قال له مروان: أسرع الشيب إلى شاربك يا حسن، إن ذلك من الخوف، قال الحسن: ليس كما بلغك ولكنا معشر بني هاشم طيبة أفواهنا، عذبة شفاهنا، فنساؤنا يقبلن علينا بأنفاسهن وقبلهن، وأنتم معشر بني أمية فيكم بخر شديد، فنساؤكم يصرفن أفواههن وأنفاسهن عنكم إلى أصداغكم، فإنما يشيب منكم موضع العذار من أجل ذلك؛ قال مروان: أما إن فيكم يا بني هاشم خصلة سوء، قال: ما هي قال: الغلمة، قال: أجل، نزعت الغلمة من نسائنا ووضعت في رجالنا ونزعت الغلمة من رجالكم ووضعت في نسائكم، فما قام لأموية إلا هاشمي؛ فغضب معاوية وقال: قد كنت أخبرتكم فأبيتم حتى سمعتم ما أظلم عليكم بيتكم وافسد مجلسكم؛ فخرج الحسن رضوان الله عليه وهو يقول:
ومارست هذا الدهر خمسين حجة ... وخمساً أرجي قابلاً بعد قابل
فما أنا في الدنيا بلغت جسيمها ... ولا في الذي أهوى كدحت بطائل
وقد أشرعت في المنايا أكفها ... وأيقنت أني رهن موت معاجل قال الحسن رضي الله عنه لحبيب بن مسلمة الفهري (2) : رب مسير لك في غير
__________
(1) العقد 4: 20.
(2) العقد 4: 21.

(2/68)


طاعة الله، قال: أما مسيري إلى أبيك فلا، قال: بلى، ولكنك أطعت معاوية على دنيا قليلة، فلئن كان قام بك في دنياك لقد قعد بك في آخرتك، فلو كنت إذ فعلت شراً قلت خيراً كنت كما قال الله تعالى: (خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئا) (التوبة: 102). ولكنك كما قال الله تعالى: (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون) (المطففون: 14).
وقيل: دار بين الحسن والحسين كلام فتقاطعا فقيل للحسين: لو أتيت أخاك فهو أكبر سناً منك، فقال: إن الفضل للمبتدئ وأنا أكره أن يكون لي الفضل على أخي، فبلغ ذلك الحسن فأتاه.
وكان الحسن إذا فرغ من الوضوء تغير لونه، فقيل له في ذلك فقال: حق على من أراد أن يدخل على ذي العرض أن يتغير لونه.
156 - (1)
الحسن البصري
أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن يسار البصري؛ كان من سادات التابعين وكبرائهم، وجمع كل فن من علم وزهد وورع وعبادة. وأوبه مولى زيد بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه، وأمه خيرة مولاة أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وربما غابت في حاجة فيبكي فتعطيه أم سلمة، رضي الله عنها، ثديها (2) تعلله به إلى أن تجيء أمه، فدر عليه ثديها فشربه، فيرون أن تلك
__________
(1) ترجمة الحسن البصري في طبقات ابن سعد 7: 16 وتهذيب التهذيب 2: 263 وميزان الاعتدال 1: 527 وتذكرة الحفاظ: 71 وحلية الأولياء 2: 131 وطبقات الشيرازي، الورقة: 24 وأقواله وأخباره منثورة في البيان والتبيين وأمالي المرتضى وقد جمع ابن الجوزي في سيرته كتاباً؛ ودرسه إحسان عباس دراسة نقدية في كتاب بعنوان " الحسن البصري " واشار إلى مصادر أخرى عنه (دار الفكر العربي - القاهرة 1952).
(2) أ: لبنها.

(2/69)


الحكمة والفصاحة من بركة ذلك.
قال أبو عمرو بن العلاء: ما رأيت أفصح من الحسن البصري ومن الحجاج ابن يوسف الثقفي، فقيل له: فأيهما كان أفصح قال: الحسن.
ونشأ الحسن بوادي القرى، وكان من أجمل أهل البصرة، حتى سقط عن دابته فحدث بأنفه ما حدث.
وحكى الأصمعي عن أبيه قال: ما رأيت أعرض زنداً من الحسن، كان عرضه شبراً.
[وكان الحسن يقص في الحج، فمر به علي بن الحسين عليهما السلام، فقال له: يا شيخ أترضى نفسك للموت قال: لا، قال: فلله في أرضه معاد غير هذا البيت قال: لا، قال: فثم دار للعمل غير هذه الدار قال: لا، قال: فعملك للحساب قال: لا، قال: فلم تشغل الناس عن طواف البيت قال: فما قص الحسن بعدها.
وقيل إن رجلاً أتى الحسن فقال: يا أبا سعيد إني حلفت بالطلاق ان الحجاج في النار فما تقول اقيم مع امرأتي أم أعتزلها فقال له: قد كان الحجاج فاجراً فاسقاً وما أدري ما أقول لك، إن رحمة الله وسعت كل شيء؛ وإن الرجل أتى محمد بن سيرين فأخبره بما حلف فرد عليه شبيهاً بما قاله الحسن؛ وإنه أتى عمرو بن عبيد فقال له: أقم مع زوجتك فإن الله تعالى إن غفر للحجاج لم يضرك الزنا، ذكر ذلك المختار في تاريخه.
وكان في جنازة وفيها نوائح ومعه رجل فهم الرجل بالرجوع فقال له الحسن: يا أخي إن كنت كلما رأيت قبيحاً تركت له حسناً أسرع ذلك في دينك.
وقيل له: ألا ترى كثرة الوباء فقال: انفق ممسك واقلع مذنب، واتعظ جاحد.
ونظر إلى جنازة قد ازدحم الناس عليها فقال: مالكم تزدحمون ها تلك هي ساريته في المسجد، اقعدوا تحتها حتى تكونوا مثله؛ وحدث الحسن بحديث فقال له رجل: يا أبار سعيد عن من فقال: وما تصنع بعمن أما أنت فقد نالتك موعظته وقامت عليك حجته؛ وقال له رجل: أنا أزهد منك

(2/70)


[وأفصح]، قال أما أفصح فلا، قال: فخذ علي كلمة واحدة، قال: هذه؛ وقال لفرقد بن يعقوب: بلغني أنك [لا تأكل] الفالوذج، فقال: يا أبا سعيد أخاف ألا اؤدي شكره، قال الحسن: يا لكع هل تقدر تؤدي شكر الماء البارد الذي تشربه وقيل للحسن: إن فلاناً اغتابك، فبعث إليه طبق حلوى وقال: بلغني أنك أهديت إلي حسناتك فكافأتك؛ وقريب من هذا قول سفيان بن الحسين، قال: كنت جالساً عند إياس بن معاوية فنلت من إنسان فقال: هل غزوت العام الترك والروم ولم يسلم منك أخوك المسلم وسمع رجلاً يشكو عليه إلى آخر فقال: أما إنك تشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك] (1) .
ومن كلامه: ما رأيت يقيناً لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه إلا الموت (2) . ولما ولي عمر بن هبيرة الفزاري العراق وأضيفت إليه خراسان، وذلك في أيام يزيد بن عبد الملك، استدعى الحسن البصري ومحمد بن سيرين والشعبي وذلك في سنة ثلاث ومائة فقال لهم: إن يزيد خليفة الله استخلفه على عباده، وأخذ عليهم الميثاق بطاعته، وأخذ عهدنا بالسمع والطاعة، وقد ولاني ما ترون فيكتب إلي بالأمر من أمره فأقلده ما تقلده من ذلك الأمر، فما ترون فقال ابن سيرين والشعبي قولاً فيه تقية، فقال ابن هبيرة: ما تقول يا حسن فقال: يا ابن هبيرة خف الله في يزيد ولا تخف يزيد في الله، إن الله يمنعك من يزيد، وإن يزيد لا يمنعك من الله، وأوشك أن يبعث إليك ملكاً فيزيلك عن سريرك ويخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك، ثم لا ينجيك إلا عملك؛ يا ابن هبيرة إن تعص ا لله فإنما جعل الله هذا السلطان ناصراً لدين الله وعباده فلا تركبن دين الله وعباده بسلطان الله، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق؛
__________
(1) زيادة انفردت بها النسخة د.
(2) بعد هذا الموضع جاءت هذه الزيادة في النسخة أ: وكان يقول: إذا أشرب القلب حب الدنيا لم تنجع فيه المواعظ، كالجد إذا استحكم فيه الداء لم ينجع الدراء. وقال إبراهيم بن عيسى اليشكري: ما رأيت أطول حزناً من الحسن، ما رأيته قط إلا حسبته حديث عهد بمصيبة.

(2/71)


فأجازهم ابن هبيرة وأضعف جائزة الحسن، فقال الشعبي لابن سيرين: سفسفنا له فسفسف لنا (1) .
ورأى الحسن يوماً رجلاً وسيماً حسن الهيئة، فسأل عنه فقيل: إنه يسخر للملوك ويحبونه، فقال: لله أبوه، ما رأيت أحداً طلب الدنيا بما يشبهها إلا هذا.
وكانت أمه تقص للنساء، ودخل عليها يوماً وفي يدها كراثة تأكلها، فقال لها: يا أماه، ألقي هذه البقلة الخبيثة من يدك، فقالت: يا بني إنك شيخ قد كبرت وخرفت، فقال: يا أماه، أينا أكبر (2) وأكثر كلامه حكم وبلاغة. وكان أبوه من سبي ميسان، وهو صقع بالعراق.
ومولد الحسن لسنتين بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالمدينة، ويقال إنه ولد على الرق، وتوفي بالبصرة مستهل رجب سنة عشر ومائة، رضي الله عنه، وكانت جنازته مشهودة؛ قال حميد الطويل: توفي الحسن عشية الخميس، وأصبحنا يوم الجمعة ففرغنا من أمره، وحملناه بعد صلاة الجمعة، ودفناه فتبع الناس كلهم جنازته واشتغلوا به، فلم تقم صلاة العصر بالجامع، ولا أعلم أنها تركت منذ كان الإسلام إلا يومئذ، لأنهم تبعوا كلهم الجنازة حتى لم يبق بالمسجد من يصلي العصر.
وأغمي على الحسن عند موته، ثم أفاق فقال: لقد نبهتموني من جنات وعيون ومقام كريم.
وقال رجل قبل موت الحسن لابن سيرين: رأيت كأن طائراً أخذ أحسن حصاة بالمسجد، فقال: إن صدقت رؤياك مات الحسن، فلم يكن إلا قليلاً حتى مات الحسن (3) .
__________
(1) وردت في أ بعد هذا الموضع الزيادة الآتية: وقال لمطرف بن عبد الله بن الشخير: يا مطرف غلط أصحابك، فقال مطرف: إني أخاف أن أقول ما لا أفعل، فقال الحسن: رحمك الله وأينا يفعل ما يقول لود الشيطان أنه ظفر بهذا منكم فلم يأمر أحد بمعروف ولم ينه عن منكر.
(2) وكانت أمه... أكبر: لم يرد في المسودة.
(3) وكانت جنازته... مات الحسن: لم يرد في المسودة، وهاهنا يضاً زيادة من النسخة أ: وحكى المعافى بن زكريا في كتاب " الجليس والأنيس " عن الأصمعي قال: حدثنا مبارك ابن فضالة عن ثابت البناني قال: انصرفت من جنازة الحسن فقلت لبنتي: والله ما رأيت جنازة قط اجتمع فيها من الناس اجتمع فيها وإن كان الحسن لأهلاً لذلك، فقالت لي بنتي: يا أبه، ما ذلك إلا لستر الله، فحجزت والله نفسي.

(2/72)


ولم يشهد ابن سيرين جنازته لشيء كان بينهما، ثم توفي بعده بمائة يوم، كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.
وميسان - بفتح الميم وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح السين المهملة وبعد الألف نون - قال السمعاني: هي بليدة بأسفل البصرة.
157 - (1)
الزعفراني
أبو علي الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني صاحب الإمام الشافعي رضي الله عنه؛ برع في الفقه والحديث وصنف فيهما كتباً، وسار ذكره في الآفاق، ولزم الشافعي حتى تبحر، وكان يقول: أصحاب الأحاديث كانوا رقوداً حتى أيقظهم الشافعي، وما حمل أحد محبرة إلا وللشافعي عليه منة. وكان يتولى قراءة كتب الشافعي عليه، وسمع من سفيان بن عيينة ومن في طبقته مثل وكيع ابن الجراح وعمرو بن الهيثم ويزيد بن هارون وغيرهم، وهو أحد رواة الأقوال القديمة عن الشافعي (2) رضي الله عنه، ورواتها أربعة: هو وأبو ثور وأحمد بن حنبل والكرابيسي، ورواة الأقوال الجديدة ستة: المزني والربيع بن سليمان
__________
(1) ترجمة الزعفراني في الفهرست: 211 وتاريخ بغداد 7: 407 وتهذيب التهذيب 2: 318 وطبقات الشيرازي، الورقة: 28 وطبقات السبكي 1: 250 وتذكرة الحفاظ: 525؛ وقد أخطأ الذهبي بقوله إنه منسوب إلى درب الزعفران ونبه السبكي على هذا الخطأ، إذ الدرب منسوب إليه.
(2) يعني آراءه الفقهية في العراق قبل رحيله إلى مصر، وبمصر أصبحت للشافعي أقوال جديدة.

(2/73)


الجيزي والربيع بن سليمان المرادي والبويطي وحرملة ويونس بن عبد الأعلى - وقد تقدم ذكر بعضهم والباقي سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى - وروى عنه البخاري في صحيحه وابو داود السجستاني والترمذي وغيرهم.
وتوفي سلخ شعبان - وقال ابن قانع: في شهر رمضان - سنة ستين ومائتين، وذكر السمعاني في كتاب " الأنساب " (1) أنه توفي في شهر ربيع الآخر سنة تسع وأربعين ومائتين، رحمه الله تعالى.
والزعفراني - بفتح الزاي وسكون العين المهملة وفتح الفا والراء وبعد الألف نون - هذه النسبة إلى الزعفرانية، وهي قرية بقرب بعداد، والمحلة التي ببغداد تسمى درب الزعفران منسوبة إلى هذا الإمام لأنه أقام بها. قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في طبقات الفقهاء: وفيه مسجد الشافعي رضي الله عنه، وهو المسجد الذي كنت أدرس فيه بدرب الزعفراني، ولله الحمد والمنة.
158 - (2)
أبو سعيد الإصطخري
أبو سعيد الحسن بن أحمد بن يزيد بن عيسى بن الفضل الإصطخري الفقيه الشافعي؛ كان من نظراء أبي العباس ابن سريج وأقران أبي علي ابن أبي هريرة، وله مصنفات حسنة في الفقه منها كتاب الأقضية، وكان قاضي قم،
__________
(1) انرظ الأنساب 6: 298.
(2) ترجمة أبي سعيد الاصطخري في طبقات الشيرازي، الورقة: 31 وطبقات السبكي 2: 193 والمنتظم 6: 302 وأنساب السمعاني 1: 286 والفهرست: 213 ومن كتبه كتاب الفرائض الكبير وكتاب الشروط والوثائق والمحاضر والسجلات، وقد سقطت هذه الترجمة من النسخة م.

(2/74)


وتولى حسبة بغداد، وكان ورعاً (1) متقللاً، واستقضاه المقتدر على سجستان فسار إليها فنظر في مناكحاتهم (2) فوجد معظمها على غير اعتبار الولي، فأنكرها وأبطلها عن آخرها.
وكانت ولادته في سنة أربع وأربعين ومائتين، وتوفي في جمادى الآخرة يوم الجمعة ثاني عشرة، وقيل رابع عشرة، وقيل مات في شعبان سنة ثمان وعشرين وثلثمائة، رحمه الله تعالى.
والإصطخري - بكسر الهمزة وسكون الصاد المهملة وفتح الطاء المهملة وسكون الخاء المعجمة وبعدها راء - هذه النسبة إلى إصطخر، وهي من بلاد فارس، خرج منها جماعة من العلماء (3) رحمهم الله تعالى، وقد قالوا في النسبة إلى إصطخر إصطخرزي أيضاً بزيادة الزاي، كما زادوها في النسبة إلى مرو والري فقالوا مروزي ورازي.
159 - (4)
أبو علي ابن أبي هريرة
أبو علي الحسن بن الحسين بن أبي هريرة الفقيه الشافعي؛ أخذ الفقه عن أبي العباس ابن سريج وأبي إسحاق المروزي، وشرح مختصر المزني وعلق عنه الشرح أبو علي الطبري، وله مسائل في الفروع، ودرس ببغداد وتخرج عليه خلق كثير، وانتهت إليه إمامة العراقيين، وكان معظماً عند السلاطين والرعايا إلى أن توفي في رجب سنة خمس وأربعين وثلثمائة، رحمه الله تعالى.
__________
(1) ه : متورعا.
(2) أ: مناكحتهم.
(3) أ: الأكابر العلماء.
(4) ترجمة ابن أبي هريرة في طبقات السبكي 2: 206 والفهرست: 215 وتاريخ بغداد 7: 298.

(2/75)


160 - (1)
أبو علي الطبري
أبو علي الحسن بن القاسم الطبري الفقيه الشافعي؛ أخذ الفقه عن أبي علي ابن أبي هريرة المقدم ذكره، وعلق عنه التعليقة المشهورة المنسوبة إليه، وسكن ببغداد ودرس بها بعد أستاذه أبي علي المذكور، وصنف كتاب " المحرر " في النظر، وهو أول كتاب صنف في الخلاف المجرد، وصنف أيضاً كتاب " الافصاح " في الفقه، وكتاب " العدة " وهو كبير يدخل في عشرة أجزاء، وصنف كتاباً في الجدل، وكتاباً في أصول الفقه. وتوفي ببغداد سنة خمس وثلثمائة، رحمه الله تعالى.
والطبري - بفتح الطاء المهملة والباء الموحدة وبعدها راء - هذه النسبة إلى طبرستان - بفتح الطاء المهملة والباء الموحدة وبعدها راء والسين المهملة الساكنة والتاء المثناة من فوقها المفتوحة وبعد الألف نون - وهي ولاية كبيرة تشتمل على بلاد كثيرة أكبرها آمل، خرج منها جماعة من العلماء، والنسبة إلى طبرية الشام " طبراني " - على ما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى - ورأيت في عدة كتب من طبقات الفقهاء أن اسمه الحسن كما هو هاهنا، ورأيت الخطيب في تاريخ بغداد قد عده في جملة من اسمه الحسين [والله أعلم بالصواب].
__________
(1) ترجمة أبي علي الطبري الشافعي في طبقات الشيرازي، الورقة: 32 وطبقات السبكي 2: 217 وسماه " الحسين " والفهرست: 214 ولم يذكر من مؤلفاته إلا مختصر مسائل الخلاف؛ وانظر تاريخ بغداد 8: 87 (باسم الحسين).

(2/76)


161 - (1)
أبو علي الفارقي
أبو علي الحسن بن إبراهيم بن علي بن برهون الفارقي الفقيه الشافعي؛ كان مبدأ اشتغاله بميافارقين على أبي عبد الله محمد الكازروني، فلما توفي انتقل إلى بغداد واشتغل على الشيخ أبي إسحاق الشيرازي صاحب المهذب وعلى أبي نصر ابن الصباغ صاحب " الشامل " ، وتولى القضاء بمدينة واسط.
حكى الحافظ أبو طاهر السلفي، رحمه الله تعالى، قال: سألت الحافظ أبا الكرم خميس بن علي بن أحمد الحوزي (2) بواسط عن جماعة منهم القاضي أبو علي الفارقي المذكور، فقال: هو متقدم في الفقه، وقضى بواسط بعد أبي تغلب فظهر من عقله وعدله وحسن سيرته ما زاد على الظن به. وسمع الحديث من الخطيب أبي بكر ومن في طبقته، وكان زاهداً متورعاً. له كتاب " الفوائد " على المهذب وعنه أخذ القاضي (3) أبو سعد عبد الله بن أبي عصرون - كما سيأتي في ترجمته إن شاء الله تعالى - وكان يلازم ذكر الدرس من الشامل إلى أن توفي. وكانت وفاته يوم الأربعاء الثاني والعشرين من المحرم سنة ثمان وعشرين وخمسمائة بواسط؛ ومولده سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة بميافارقين في شهر ربيع الآخر؛ ودفن في مدرسته، رحمه الله تعالى.
وبرهون: بفتح الباء الموحدة وسكون الراء وضم الهاء وبعد الواو الساكنة نون؛ والفارقي: معروف فلا حاجة إلى ضبطه.
__________
(1) ترجمة أبي علي الفارقي في طبقات السبكي 4: 209.
(2) محدث واسط. وكان السلفي يثني عليه، والحوز المنسوب إليها قرية شرقي واسط، توفي سنة 510 (تذكرة الحفاظ: 1262)؛ وفي أ ج: الجويزي.
(3) أ ج: الشيخ.

(2/77)


162 - (1)
السيرافي
أبو سعيد الحسن بن عبد الله المرزبان السيرافي النحوي المعروف بالقاضي؛ سكن بغداد وتولى القضاء بها نيابة عن أبي محمد ابن معروف، وكان من أعلم الناس بنحو البصريين، وشرح كتاب سيبويه فأجاد فيه، وله كتاب " الفات الوصل والقطع " ، وكتاب " أخبار النحويين البصريين " ، وكتاب " الوقف والابتداء " ، وكتاب " صنعة الشعر والبلاغة " ، و " شرح مقصورة ابن دريد " ، وقرأ القرآن الكريم على أبي بكر ابن مجاهد، واللغة على ابن دريد، والنحو على أبي بكر ابن السراج النحوي، وكان الناس يشتغلون عليه بعدة فنون: القرآن الكريم والقراءات (2) وعلوم القرآن والنحو واللغة والفقه والفرائض والحساب والكلام والشعر والعروض والقوافي. وكان نزهاً عفيفاً جميل الأمر حسن الأخلاق، وكان معتزلياً، ولم يظهر منه شيء (3) ، وكان لا يأكل إلا من كسب يده، ينسخ ويأكل منه، وكان أبوه مجوسياً اسمه بهزاد (4) فأسلم فسماه ابنه أبو سعيد المذكور عبد الله، وكان كثيراً ما ينشد في مجالسه:
اسكن إلى سكن تسر به ... ذهب الزمان وأنت منفرد
ترجو غداً وغد كحاملة ... في الحي لا يدرون ما تلد
__________
(1) ترجمة السيرافي النحوي في الفهرست: 62 - 63 وتاريخ بغداد 7: 341 والجواهر المضية 1: 196 وطبقات الزبيدي: 129 والانباه 1: 313 ومعجم الأدباء 8: 145 ومعجم البلدان (سيراف) ونزهة الالباء: 211 وفي مؤلفات التوحيدي أخبار كثيرة عنه كما صنف القفطي في أخباره مؤلفاً مستقلاً، وقد طبع كتابه أخبار النحويين البصريين بعناية الزيني وخفاجي (القاهرة 1955) بعد طبعة بيروت 1336.
(2) أ: والقراءات السبع.
(3) يقول القفطي: وكان يذكر عنه الاعتزوال ولم يكن يظهر ذلك.
(4) ه : نهراذ.

(2/78)


وكان بينه وبين أبي الفرج الأصبهاني صاحب كتاب " الأغاني " ما جرت العادة بمثله بين الفضلاء من التنافس، فعمل فيه أبو الفرج (1) :
لست صدراً ولا قرأت على صد ... ر ولا علمك البكي بشاف
لعن الله كل نحو وشعر ... وعروض يجيء من سيراف وتوفي يوم الاثنين ثاني رجب سنة ثمان وستين وثلثمائة ببغداد، وعمره أربع وثمانون سنة، ودفن بمقبرة الخيرزان، رحمه الله تعالى، وقيل أنه توفي سنة أربع وستين، وقيل سنة خمس وستين، والصحيح هو الأول والله أعلم.
وقال ولده أبو محمد يوسف (2) : أصل أبي من سيراف، وبها ولد وبها ابتدأ بطلب العلم، وخرج منها قبل العشرين ومضى إلى عمان وتفقه بها، ثم عاد إلى سيراف، ومضى إلى عسكر مكرم فأقام بها عند أبي محمد ابن عمر المتكلم، وكان يقدمه ويفضله على جميع أصحابه، ودخل بغداد، وخلف القاضي أبا محمد ابن معروف على قضاء الجانب الشرقي ثم الجانبين.
والسيرافي - بكسر السين المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الراء وبعد الألف فاء - هذه النسبة إلى مدينة سيراف، وهي من بلاد فارس على ساحل البحر مما يلي كرمان، خرج منها جماعة (3) من العلماء، رحمهم الله تعالى؛ وسيأتي في ترجمة ولده يوسف تتمة الكلام على سيراف، إن شاء الله تعالى.
__________
(1) معجم الأدباء: 148.
(2) قارن بما في انباه الرواة: 314.
(3) ه : طائفة.

(2/79)


163 - (1)
أبو علي الفارسي
أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار بن محمد بن سليمان بن أبان الفارسي النحوي؛ ولد بمدينة فسا واشتغل ببغداد، ودخل إليها سنة سبع وثلثمائة، وكان إمام وقته في علم النحو، ودار البلاد، وأقام بحلب عند سيف الدولة بن حمدان مدة، وكان قدومه عليه في سنة إحدى وأربعين وثلثمائة، وجرت بينه وبين أبي الطيب المتنبي مجالس، ثم انتقل إلى بلاد فارس وصحب عضد الدولة ابن بويه وتقدم عنده وعلت منزلته حتى قال عضد الدولة: أنا غلام أبي علي الفسوي في النحو، وصنف له كتاب الإيضاح، والتكملة في النحو، وقصته فيه مشهورة.
ويحكى أنه كان يوماً في ميدان شيراز يساير عضد الدولة، فقال له: لم انتصب المستثنى في قولنا: قام القوم إلا زيداً فقال الشيخ: بفعل مقدر، فقال لهك كيف تقديره (2) فقال: أستثني زيداً، فقال له عضد الدولة: هلا رفعته وقدرت الفعل امتنع زيد فانقطع الشيخ، وقال له: هذا الجواب ميداني. ثم إنه لما رجع إلى منزله وضع في ذلك كلاماً حسناً وحمله إليه فاستحسنه، وذكر في كتاب الإيضاح أنه انتصب بالفعل المتقدم بتقوية إلا.
وحكى أبو القاسم ابن أحمد الأندلسي قال (3) : جرى ذكر الشعر بحضرة أبي علي وأنا حاضر، فقال: إني لأغبطكم على قول الشعر، فإن خاطري لا يوافقني على قوله مع تحقيقي العلوم التي هي من مواده، فقال له رجل: فما قلت قط
__________
(1) ترجمة أبي علي الفارسي في الفهرست: 64 وتاريخ بغداد 7: 275 وغاية النهايو 1: 206 ولسان الميزان 2: 195 ومعجم الأدباء 7: 232 ونزهة الألباء 217 وانباه الرواة 1: 273.
(2) ه : كيف تقدره.
(3) قارن بما في الانباه: 275.

(2/80)


شيئاً منه قال: ما أعلم أن لي شعراً إلا ثلاثة أبيات في الشيب، وهي قولي:
خضبت الشيب لما كان عيباً ... وخضب الشيب أولى أن يعابا
ولم أخضب مخافة هجر خل ... ولا عيباً خشيت ولا عتابا
ولكن المشيب بدا ذميماً ... فصيرت الخضاب له عقابا ويقال إن السبب في استشهاده في باب كان من كتاب " الإيضاح " ببيت أبي تمام الطائي وهو قوله (1) :
من كان مرعى عزمه وهمومه ... روض الأماني لم يزل مهزولا لم يكن ذلك لأن أبا تمام ممن يستشهد بشعره، لكن عضد الدولة كان يحب هذا البيت وينشده كثيراً، فلهذا استشهد به في كتابه.
ومن تصانيفه كتاب " التذكرة " وهو كبير، وكتاب " المقصور والممدود " ، وكتاب " الحجة " في القراءات، وكتاب " الإغفال " فيما أغفله الزجاج من المعاني، وكتاب " العوامل المائة " وكتاب " المسائل الحلبيات " وكتاب " المسائل البغداديات " وكتاب " المسائل الشيرازيات " وكتاب " المسائل القصريات " وكتاب " المسائل العسكرية " وكتاب " المسائل البصرية " وكتاب " المسائل المجلسيات " وغير ذلك (2) .
وكنت رأيت في المنام في سنة ثمان وأربعين وستمائة وأنا يومئذ بمدينة القاهرة كأنني قد خرجت إلى قليوب ودخلت إلى مشهد بها فوجدته شعثاً، وهو عمارة قديمة، ورأيت به ثلاثة أشخاص مقيمين مجاورين، فسألتهم عن المشهد وأنا متعجب لحسن بنائه وإتقان تشييده: ترى هذا عمارة من فقالوا: لا نعلم، ثم قال أحدهم: إن الشيخ أبا علي الفارسي جاور في هذا المشهد سنين عديدة،
__________
(1) من قصيدة له في مدح نوح بن عمرو السكسكي، انظر ديوانه 3: 67، قال شارح الديوان: هذا البيت ذكره أبو علي الفارسي في كتابه المعروف بالعضدي وإنما ذكره على سبيل التمثيل لا أنه يستشهد به... وقد أنكر ذلك على أبي علي لأن طبقته لم تجر عادتهم به.
(2) سقط من النسخة س ذكر أسماء مصنفات أبي علي؛ وانظر مزيداً منها في معجم الأدباء.

(2/81)


وتفاوضنا في حديثه، فقال: وله مع فضائله شعر حسن، فقلت: ما وقفت له على شعر، فقال: أنا أنشدك من شعره، ثم أنشد بصوت رقيق طيب إلى غاية ثلاثة أبيات، فاستيقظت في أثر الإنشاد ولذة صوته في سمعي، وعلق على خاطري منها البيت الأخير وهو:
الناس في الخير لا يرضون عن أحد ... فكيف ظنك سيموا الشر أو ساموا وبالجملة فهو أشهر من أن يذكر فضله ويعدد، وكان متهماً بالاعتزال (1) . وكانت ولادته في سنة ثمان وثمانين ومائتين. وتوفي يوم الأحد لسبع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر، وقيل ربيع الأول، سنة سبع وسبعين وثلثمائة رحمه الله تعالى ببغداد، ودفن بالشونيزي.
والفارسي: لا حاجة إلى ضبطه لشهرته.
ويقال له أيضاً ابو علي الفسوي - بفتح الفاء والسين المهملة وبعدها واو - هذه النسبة إلى مدينة فسا (2) من أعمال فارس، وقد تقدم ذكرها في ترجمة البساسيري.
وقليوب - بفتح القاف وسكون اللام وضم الياء المثناة من تحتها وسكون الواو وبعدها باء موحدة - وهي بليدة صغيرة بينها وبين القاهرة مقدار فرسخين أو ثلاثة ذات بساتين كثيرة.
__________
(1) انظر طبقات المعتزلة: 131.
(2) في طبقات المعتزلة أن هذا الاسم بضم الفاء، وقارن بما في اللباب " الفسوي " .

(2/82)


164 - (1)
أبو أحمد العسكري
أبو أحمد بن عبد الله بن سعيد العسكري؛ أحد الأثمة في الآداب والحفظ، وهو صاحب أخبار ونوادر، وله رواية متسعة، وله التصانيف المفيدة: منها كتاب التصحيف الذي جمع فيه فأوعب وغير ذلك، وكان (2) الصاحب بن عباد يود الاجتماع به ولا يجد إليه سبيلاً، فقال لمخدومه مؤيد الدولة بن بويه: إن عسكر مكرم قد اختلت أحوالها، وأحتاج إلى كشفها بنفسي، فأذن له في ذلك، فلما أتاها توقع أن يزوره أبو أحمد المذكور فلم يزره، فكتب الصاحب إليه:
ولما أبيتم أن تزوروا وقلتم ... ضعفنا فلم نقدر على الوخدان
أتيناكم من بعد أرض نزوركم ... وكم منزل بكر لنا وعوان
نسائلكم هل من قرى لنزيلكم (3) ... بملء جفون لا بملء جفان وكتب مع هذه الأبيات شيئاً من النثر، فجاوبه أبو أحمد عن النثر بنثر مثله، وعن هذه الأبيات بالبيت المشهور، وهو:
أهم بأمر الحزم لو أستطيعه ... وقد حيل بين العير والنزوان فلما وقف الصاحب على الجواب عجب عن اتفاق هذا البيت له، وقال: والله
__________
(1) ترجمة أبي أحمد العسكري في معجم الأدباء 8: 233 ومعجم البلدان (عسكر مكرم) وانباه الرواة 1: 310 وبغية الوعاة: 221 والخزانة 1: 97 واللباب 2: 136 وابن كثير 11: 320 وكتابه " التصحيف " مطبوع (القاهرة 1963).
(2) هذه القصة سقطت من س.
(3) أ: لنزوركم.

(2/83)


لو علمت أنه يقع له هذا البيت لما كتبت إليه على هذا الروي.
وهذا البيت لصخر بن عمرو بن الشريد أخي الخنساء (1) ، وهو من جملة أبيات مشهورة، وكان صخر المذكور قد حضر محاربة بني أسد، فطعنه ربيعة ابن ثور الأسدي فأدخل بعض حلقات الدرع في جنبه. وبقي مدة حول في اشد ما يكون من المرض، وامه وزوجته سليمى تمرضانه (2) ، فضجرت زوجته منه، فمرت بها امرأة فسألتها عن حاله، فقالت: لا هو حي فيرجى، ولا ميت فينسى (3) ، فسمعها صخر فأنشد:
أرى أم صخر لا تمل عيادتي ... وملت سليمى موضعي (4) ومكاني
وما كنت أخشى أن أكون جنازة ... عليك، ومن يغتر بالحدثان
لعمري لقد نبهت من كان نائماً ... وأسمعت من كانت له أذنان
وأي امرئ ساوى بأم حليلة ... فلا عاش إلا في شقاً وهوان
أهم بأمر الحزم لو أستطيعه ... وقد حيل بين العير والنزوان
فللموت خير من حياة كأنها ... معرس يعسوب برأس سنان وكانت ولادته يوم الخميس لست عشرة ليلة خلت من شوال سنة ثلاث وتسعين ومائتين، وتوفي يوم الجمعة لسبع خلون من ذي الحجة سنة اثنتين وثمانين وثلثمائة، رحمه الله تعالى.
وأخذ عن أبي بكر ابن دريد؛ وله من التصانيف كتاب " المختلف والمؤتلف " وكتاب " علم المنطق " (5) وكتاب " الحكم والأمثال " وكتاب " الزواجر " وغير ذلك.
والعسكري - بفتح العين المهملة وشكون السين المهملة وفتح الكاف وبعدها
__________
(1) انظر الخير والأبيات في الأغاني 15: 63.
(2) ر: تعلللانه.
(3) الأغاني: فينعى.
(4) ر: مضجعي.
(5) كذا سماه هنا ووقع عند القفطي " علم النظم " ويقابله عند ياقوت " كتاب صناعة الشعر " .

(2/84)


راء - هذه النسبة إلى عدة مواضع، فأشهرها عسكر مكرم، وهي مدينة من كور الأهواز، ومكرم الذي تنسب إليه مكرم الباهلي، وهو أول من اختطها فنسبت إليه، وأبو أحمد المذكور من هذه المدينة، وسيأتي العسكري منسوباً إلى شيء آخر إن شاءالله تعالى.
165 - (1)
ابن رشيق القيروان
أبو علي الحسن بن رشيق المعروف بالقيرواني؛ أحد الأفاضل البلغاء، له التصانيف المليحة منها: كتاب العمدة في معرفة صناعة الشعر ونقده وعيوبه، وكتاب الأنموذج والرسائل الفائقة والنظم الجيد.
قال ابن بسام في كتاب " الذخيرة " : بلغني أنه ولد بالمسيلة وتأدب بها قليلاً، ثم ارتحل إلى القيروان سنة ست وأربعمائة. وقال غيره: ولد بالمهدية سنة تسعين وثلثمائة،، وأبوه مملوك رومي من موالي الأزد، وتوفي سنة ثلاث وستين وأربعمائة. وكانت صنعة أبيه في بلدة - وهي المحمدية - الصياغة، فعلمه أبوه صنعته، وقرأ الأدب بالمحمدية، وقال الشعر، وتاقت نفسه إلى التزيد منه وملاقاة أهل الأدب، فرحل إلى القيروان واشتهر بها ومدح صاحبها واتصل بخدمته، ولم يزل بها إلى أن هاجم العرب القيروان وقتلوا أهلها وأخربوها، فانتقل إلى جزيرة صقلية، وأقام بمازر إلى أن مات (2) .
__________
(1) ترجمة ابن رشيق في انباه الرواة 1: 298 ومعجم الأدباء 8: 110 وشذرات الذهب 3: 297 وبغية الوعاة: 220 وعنوان الأريب: 52، وقد جمع الأستاذ الميمني شعره في كتاب سماه " النتف من شعر ابن رشيق وابن شرف " ثم قام الدكتور عبد الرحمن ياغي بجمعه وزاد فيه (دار الثقافة - بيروت: 1962).
(2) ذكر القفطي إن ابن رشيق لما حل بصقلية نزل على ابن مطكود أمير مازر فأكرمه واختصه وقرأ عليه كتبه؛ قال: ومن جملة ما رأيته من قراءاته عليه كتاب العمدة في صنعة الشعر.. ولم يزل عنده إلى أن مات بمازر في حدود سنة خمسين وأربعمائة.

(2/85)


ورأيت بخط بعض الفضلاء أنه توفي سنة ست وخمسين وأربعمائة بمازر، والأول أصح، رحمه الله تعالى، وهي قرية بجزيرة صقلية - وسيأتي ذكرها في ترجمة المازري إن شاء الله تعالى - وقيل إنه توفي ليلة السبت غرة ذي القعدة سنة ست وخمسين وأربعمائة بمازر - ، والله أعلم.
[وكانت بينه وبين ابن شرف القيروان وقائع وماجريات وهما أديبا بلاد المغرب وشاعراها. وكان ابن شرف أعور؛ قيل: مر يوماً وبيده كتاب فقال له ابن رشيق: ما في كتابك قال: الدريدية، يعرض بقول ابن دريد فيها:
والعبد لا يردعه إلا العصا ... يشير إلى أنه مولى، فقال له ابن رشيق:
أما أبي فرشيق لست أنكره ... قل لي أبوك وصوره من الخشب ومن شعره أيضاً وقد غاب المعز بن باديس عن حضرته وكان العيد ماطراً:
تجهم العيد وانهلت بوادره ... وكنت أعهد منه البشر والضحكا
كأنه جاء يطوي الأرض من بعد ... شوقاً إليك فلما لم يجدك بكى وقال أيضاً وقد أمره المعز بوصف أترجة مصبعة كانت بين يديه بديهاً:
أترجة سبطة الأطراف ناعمة ... تلقى العيون بحسن غير منحوس
كأنها بسطت كفاً لخالقها ... تدعو بطول بقاء لابن باديس ومن شعره أيضاً:
لو اورقت من دم الأبطال سمر قنا ... لأورقت عنده سمر القنا الذبل
إذا توجه في أولى كتائبه ... لم تفرق العين بين السهل والجبل

(2/86)


فالجيش ينفض حوليه أسنته ... نفض العقاب جناحيها من البلل هذا البيت من فرائده وهو ملتفط من قول أبي صخر الهذلي:
وإني لتعروني لذكرك فترة ... كما انتفض العصفور بلله القطر ولابن رشيق المذكور رحمه الله تعالى:
ومن حسنات الدهر عندي ليلة ... من العلم لم تترك لأيامها ذنبا
خلونا بها ننفي الكرى عن جفوننا ... بلؤلؤة مملوءة ذهباً سكبا
وملنا لتقبيل الخدود ولثمها ... مميل جياع الطير تلتفط الحبا ومن شعره أيضاً:
صنم من الكافور بات معانقي ... في حلتين تعفف وتكرم
فكرت ليلة وصله في صده ... فجرت بقايا أدمعي كالعندم
فطفقت أمسح ناظري في نحره ... إذ شيمة الكافور إمساك الدم ومن شعره رحمه الله:
قالوا رأينا فلاناً ليس يوجعه ... ما يوجع الناس من هجو به قذفا
فقلت لو أنه حي لأوجعه ... لكنه مات من جهل وما عرفا
وما هجوت فلاناً غير تجربة ... وذو الرماية لا يستشعر الهدفا] (1) ومن شعره (2) :
أحب أخي وإن أعرضت عنه ... وقيل على مسامعه كلامي
ولي في وجهه تقطيب راض ... كما قطبت في وجه المدام
ورب تقطب من غير بغض ... وبغض كامن تحت ابتسام
__________
(1) ما بين معقفين زيادة من د ص ر على اختلاف في الترتيب.
(2) هذه المقطعات في ديوانه: 171، 71، 142، 200، 172.

(2/87)


ومن شعره:
يا رب لا أقوى على دفع (1) الأذى ... وبك استعنت على الضعيف الموذي
ما لي بعثت إلي ألف بعوضة ... وبعثت واحدة إلى نمروذ ومن شعره على ما حكاه ابن بسام في " الذخيرة " (2) :
أسلمني حب سليمانكم ... إلى هوى أيسره القتل
قالت لنا جند ملاحاته ... لما بدا ما قالت النمل
قوموا ادخلوا مسكنكم قبل أن ... تحطمك أعينه النجل وله وقد كبر وضعف مشيه، وهو معنى غريب:
إذا ما خففت كعهد الصبا ... أبت ذلك الخمس والأربعونا
وما ثقلت كبراً وطأتي ... ولكن أجر ورائي السنينا وله أيضاً:
وقائلة ما ذا الشحوب وذا الضنى ... فقلت لها قول المشوق المتيم
هواك أتاني وهو ضيف أعزه ... فأطعمته لحمي واسقيته دمي ومن تصانيفه أيضاً: " قراضة الذهب " ، وهو لطيف الجرم (3) كبير الفائدة، وله كتاب " الشذوذ " في اللغة، يذكر فيه كل كلمة جاءت شاذة في بابها. [وكتاب " طراز الأدب " وكتاب " الممادح والمذام " وكتاب " متفق التصحيف " وكتاب " تحرير الموازنة " وكتاب " الاتصال " وكتاب " المن والفداء " وكتاب " غريب الأوصاف التشبيهات لما انفرد به المحدثون " وكتاب " أرواح الكتب " وكتاب " شعراء الكتاب " وكتاب " المعونة " في
__________
(1) أ: حمل.
(2) في المسودة: في الخريدة، وهو وهم.
(3) ج: الحجم.

(2/88)


الرخص والضرورات وكتاب " الرياحين " وكتاب " صدق المدائح " وكتاب " الأسماء المعربة " وكتاب " إثبات المنازعة " وكتاب " معالم التاريخ " وكتاب " التوسع في مضايق القول " وكتاب " الحيلة والاحتراس " ] (1) .
[وكانت بينه وبين أبي عبد الله محمد بن أبي سعيد بن أحمد المعروف بابن شرف القيرواني وقائع وماجريات يطول شرحها، وقصدنا الاختصار] (2) .
ورشيق: بفتح الراء وكسر الشين المعجمة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها قاف.
والمسيلة: قد تقدم ذكرها فلا حاجة إلى إعادته.
166 - (3)
ابن أبي الشخباء
الشيخ المجيد أبو علي الحسن بن عبد الصمد بن أبي الشخباء العسقلاني صاحب الخطب المشهور والرسائل المحبرة؛ كان من فرسان النثر، وله فيه اليد الطولى. ويقال: إن القاضي الفاضل، رحمه الله تعالى، كان جل اعتماده على حفظ كلامه وإنه كان يستحضر أكثره. وذكره عماد الدين الأصبهاني في " الخريدة " فقال: " المجيد مجيد كنعته، قادر على ابتداع الكلام ونحته، له " الخطب البديعة والملح الصنيعة " ، وذكره ابن بسام في الذخيرة وسرد له جملة من الرسائل، وذكر هذا المقطوع من نظمه، وهو من بعض قصيد:
__________
(1) زيادة من ر د.
(2) تكرر ما بين معقفين لتداخل الترجمات من النسخ المختلفة، وهذا موضع العبارة في المسودة.
(3) ترجمة ابن أبي الشخباء في الخريدة قسم العسقلاني) ومعجم الأدباء 9: 152 وفيه الحسن ابن محمد بن عبد الصمد والذخيرة (القسم الرابع - وهو الجزء الخاص بغير الأندلسيين) وأورد له صاحب الريحان والريعان جملة من رسائله وخطبه، ولعله اعتمد في ذلك على الذخيرة.

(2/89)


ما زال يختار الزمان ملوكه ... حتى أصاب المصطفى المتخيرا
قل للألى ساسوا الورى وتقدموا ... قدما هلموا شاهدوا المتأخرا
تجدوه أوسع في السياسة منكم ... صدراً وأحمد في العواقب مصدرا
إن كان رأي شاوروه أحنفاً ... أو كان بأس نازلوه عنترا
قد صام والحسنات ملء كتابه ... وعلى مثال صيامه قد أفطر
ولقد تخوفك العدو بجهده ... لو كان يقدر أن يرد مقدرا
إن أنت لم تبعث إليه ضمراً ... جرداً بعثت إليه كيداً مضمرا
يسري ما حملت رجال أبيضاً ... فيه ولا ادرعت كماة أسمرا
خطروا إليك فخاطروا بنفوسهم ... وأمرت سيفك فيهم أن يخطرا
عجبوا لحلمك أن تحول سطوة ... وزلال خلقك كيف عاد مكدرا
لا تعجبوا من رقة وقساوة ... فالنار تقدح من (1) قضيب أخضرا وقد اقتصرت منها على هذا القدر خوفاً من التطويل (2) .
ومن المنسوب إلى ابن أبي الشخباء أيضاً قوله:
يا سيف نصري والمهند يانع ... وربيع أرضي والسحاب مصاف
أخلاقك الغر النميرة ما لها ... حملت قذى الواشين وهي سلاف
والإفك في مرآة رأيك ما له ... يخفى وأنت الجوهر الشفاف ورأيت في ديوانه البيتين المشهورين:
حجاب وإعجاب وفرط تصلف ... ومد يد نحو العلا بتكلف
ولو كان هذا من وراء كفاية ... عذرنا ولكن من وراء تخلف [ومن شعره أيضاً:
يجود بالماء غيث السحب منقطعاً ... وغيث كفك بالأموال متصل
__________
(1) المسودة: في.
(2) أ د: الإطالة.

(2/90)


جاري نداك ولم يظفر ببغيته ... فحمرة البرق في حافاته خجل ومن شعره:
ومهفهف علق السقام بطرفه ... وسرى فخيم في معاقد خصره
مزقت أثواب الظلام بثغره ... ثم انثنيت أحوكها من شعره] (1) وذكر أنه توفي مقتولاً بخزانة البنود، وهي سجب بمدينة القاهرة المعزية، سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة، رحمه الله تعالى.
والشخباء: بفتح الشين المثلثة وسكون الخاء المعجمة وبعد الباء الموحدة ألف ممدودة.
والعسقلاني: نسبة إلى مدينة عسقلان وهي مشهورة على الساحل.
167 - (2)
ابن زولاق
أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن الحسين بن الحسن بن علي بن خالد (3) بن راشد بن عبد الله بن سليمان بن زولاق الليثي مولاهم (4) المصري، كان فاضلاً في التاريخ، وله فيه مصنف جيد، وله كتاب في خطط مصر استقصى فيه، وكتاب " أخبار قضاة مصر " جعله ذيلاً على كتاب أبي عمر محمد بن يوسف بن يعقوب الكندي الذي ألفه في
__________
(1) البيتان الأولان في د وهامش س والتاليان في د وحدها.
(2) ترجمة المؤرخ ابن زولاق في ابن كثير 11: 321 وتاريخ ابن الوردي 1: 351 ولسان الميزان 2: 191، ومن كتابه " سيرة الاخشيد " احتفظ ابن سعيد في المغرب بقطعة وافرة. وله أيضاً سيرة ابن طولون وسيرة خمارويه (انظر تاريخ بروكلمان 1: 129).
(3) س: خلف.
(4) مولاهم: سقطت من س.

(2/91)


أخبار قضاة مصر وانتهى فيه إلى سنة ست وأربعين ومائتين، فكمله ابن زولاق المذكور، وابتدأ بذكر القاضي بكار بن قتيبة، وختمه بذكر محمد بن النعمان، وتكلم على أحواله إلى رجب سنة ست وثمانين وثلثمائة؛ وكان جده الحسن بن علي من العلماء المشاهير.
وكانت وفاته - أعني أبا محمد - يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من ذي القعدة سنة سبع وثمانين وثلثمائة، رحمه الله تعالى.
ورأيت في كتابه الذي صنفه في أخبار قضاة مصر، في ترجمة القاضي أبي عبيد، أن الفقيه منصور بن إسماعيل الضرير توفي في جمادى الأولى سنة ست وثلثمائة، ثم قال: قبل مولدي بثلاثة أشهر، فعلى هذا التقدير تكون ولادة ابن زولاق المذكور في شعبان سنة ست وثلثمائة. وروى عن الطحاوي.
وزولاق: بضم الزاي وسكون الواو وبعد اللام ألف قاف.
والليثي - بفتح اللام وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها ثاء مثلثة - هذه النسبة إلى ليث بن كنانة، وهي قبيلة كبيرة.
قال ابن يونس المصري: هو ليثي بالولاء.
168 - (1)
ملك النحاة
أبو نزار الحسن بن أبي الحسن صافي بن عبد الله بن نزار بن أبي الحسن النحوي المعروف بملك النحاة؛ ذكره العماد الكاتب في " الخريدة " فقال: كان من الفضلاء المبرزين، وحكى ما جرى بينهما من المكاتبات بدمشق، وبرع في
__________
(1) ترجمة ملك النحاة في تهذيب ابن عساكر 4: 166 وانباه الرواة 1: 305 ومرآة الزمان: 295 وابن الدبيثي: 281 ومعجم الأدباء 8: 122 وطبقات السبكي 4: 210 وابن كثير 12: 272 وبغية الوعاة: 220 والخريدة (قسم العراق).

(2/92)


النحو حتى صار أنحى أهل طبقته (1) ، وكان فهماً فصيحاً ذكياً إلا أنه كان عنده عجب بنفسه وتيه، لقب نفه ملك النحاة، وكان يسخط على من يخاطبه بغير ذلك. وخرج عن بغداد بعد العشرين (2) وخمسمائة، وسكن واسط مدة، وأخذ عنه جماعة من أهلها أدباً كثيراً، واتفقوا على فضله ومعرفته.
وذكره أبو البركات ابن المستوفي في " تاريخ إربل " فقال: ورد إربل وتوجه إلى بغداد سومع بها الحديث، وقرأ مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه وأصول الدين على أبي عبد الله القيرواني، والخلاف على أسعد الميهني، وأصول الفقه على أبي الفتح ابن برهان صاحب " الوجيز " و " الوسيط " في أصول الفقه، وقرأ النحو على الفصيحي، وكان الفصيحي قد قرأ على عبد القاهر الجرجاني صاحب " الجمل الصغرى " (3) . ثم سافر إلى خراسان وكرمان وغزنة، ثم رحل إلى الشام واستوطن دمشق، وتوفي بها يوم الثلاثاء ثامن شوال، ودفن يوم الأربعاء تاسعه سنة ثمان وستين وخمسمائة وقد ناهز الثمانين، ودفن بمقبرة باب الصغير، رحمه الله تعالى.
[ثم ظفرت بمولده في سنة تسع وثمانين وأربعمائة، بالجانب الغربي من بغدادبشارع دار الرقيق] (4) .
وله مصنفات كثيرة في الفقه والأصلين والنحو (5) ، وله ديوان شعر، ومدح النبي صلى الله عليه وسلم بقصيدة (6) ، ومن شعره:
سلوت بحمد الله عنها فأصبحت ... دواعي الهوى من نحوها لا أجيبها
__________
(1) ر: زمانه.
(2) ص: بعد العشر.
(3) س: الصغير.
(4) ما بين معقفين انفردت به س.
(5) من مصنفاته: الحاوي والعمد والمنتخب وكلها في النحو، وله أيضاً المقتصد في التصويف وأسلوب الحق في القراءات والتذكرة السفرية والحاكم في فقه الشافعي ومختصر في أصول الفقه ومختصر في أصول الدين.
(6) ص: بقصائد.

(2/93)


على أنني لا شامت إن أصابها ... بلاء، ولا راض بواش يعيبها وله أشياء حسنة، وكان مجموع فضائل.
169 - (1)
أبو محمد العسكري
أبو محمد الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى الرضا بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم؛ أحد الأئمة الاثني عشر على اعتقاد الإمامية، وهو والد المنتظر صاحب السرداب ويعرف بالعسكري، وأبوه علي يعرف أيضاً بهذه النسبة - وسيأتي ذكره وذكر بقية الأئمة إن شاء الله تعالى - .
وكانت ولادة الحسن المذكور يوم الخميس في بعض شهور سنة إحدى وثلاثين ومائتين وقيل سادس شهر ربيع الأول، وقيل الآخر، سنة اثنتين وثلاثين ومائتين (2) . وتوفي يوم الجمعة، وقيل يوم الأربعاء لثماني ليال خلون من شهر ربيع الأول، وقيل جمادى الأولى سنة ستين ومائتين بسر من رأى، ودفن بجنب (3) قبر أبيه، رحمهما الله تعالى.
والعسكري - بفتح العين المهملة وسكون السين المهملة وفتح الكاف وبعدها راء - هذه النسبة إلى سر من رأى. ولما بناها المعتصم وانتقل إليها بعسكره
__________
(1) ترجمة أبي محمد العسكري في الأئمة الأثني عشر: 113، وراجع الصفحة المقابلة في مصادر ترجمته وانظر مصادر أخرى في حاشية الأعلام للزركلي 2: 216.
(2) وقيل سادس... ومائتين، سقط من س م ر.
(3) ص: إلى جانب.

(2/94)


قيل لها العسكر (1) ، وإنما نسب الحسن المذكور إليها لأن المتوكل أشخص أباه عليا إليها (2) وأقام بها عشرين سنة وتسعة أشهر، فنسب هو وولده إليها.
170 - (3)
أبو نواس
أبو علي الحسن بن هانئ بن عبد الأول بن الصباح المعروف بأبي نواس الحكمي الشاعر المشهور؛ كان جده مولى الجراح بن عبد الله الحكمي والي خراسان، ونسبته إليه.
ذكر محمد بن داود بن الجراح في كتاب " الورقة " (4) أن أبا نواس ولد بالبصرة ونشأ بها، ثم خرج إلى الكوفة مع والبة بن الحباب، ثم صار إلى بغداد. وقال غيره: إنه ولد بالأهواز ونقل منها وعمره سنتان. وأمه أهوازية اسمها جلبان، وكان أبوه من جند مروان بن محمد، آخر ملوك بني أمية، وكان من أهل دمشق، وانتقل إلى الأهواز للرباط فتزوج جلبان وأولدها عدة أولاد منهم: أبو نواس وأبو معاذ؛ فأما أبو نواس فأسلمته أمه إلى بعض العطارين، فرآه أبو أسامة والبة بن الحباب، فاستحلاه (5) ، فقال له: إني أرى فيك مخايل،
__________
(1) س: العسكرية.
(2) أ: أباه عاملاً عليها.
(3) ترجمة أبي نواس في الأغاني 20: 3 وتاريخ بغداد 7: 436 والشعر والشعراء: 680 وتهذيب ابن عساكر 4: 254 وطبقات ابن المعتز: 193 والموشح: 263 ونزهة الألباء: 249، ولابن منظور كتاب مفرد في أخباره وكذلك لأبي هفان، وانظر بروكلمان 2: 24 (من الترجمة العربية).
(4) لم يرد هذا في كتاب الورقة المطبوع، وهذا القسم الذي طبع لا يمثل كتاب الورقة لأنه أخل بترجمات كثيرة.
(5) ر: فاستحسنه.

(2/95)


أرى لك أن لا تضيعها، وستقول الشعر، فاصحبني أخرجك (1) ، فقال لهك ومن أنت فقال: أنا أبو أسامة والبة بن الحباب، فقال: نعم، أنا والله في طلبك، ولقد أردت الخروج إلى الكوفة بسبب لآخذ عنك وأسمع منك شعرك؛ فصار أبو نواس معه وقدم به بغداد، فكان أول ما قاله من الشعر، وهو صبي (2) :
حامل الهوى تعب ... يستخفه (3) الطرب
إن بكى يحق له (4) ... ليس ما به لعب
تضحكين لاهية ... والمحب ينتحب
تعجبين من سقمي ... صحتي هي العجب وهي أبيات مشهورة.
وروى أن الخصيب صاحب ديوان الخراج بمصر سأل أبا نواس عن نسبه فقال: أغناني أدبي عن نسبي، فأمسك عنه.
وقال إسماعيل بن لوبخت: ما رأيت قط أوسع علماً من أبي نواس، ولا أحفظ منه مع قلة كتبه، ولقد فتشنا منزله بعد موته فما وجدنا له إلا قمطراً فيه جزاز مشتمل على غريب ونحو لا غير.
وهو في الطبقة الأولى من المولدين، وشعره عشرة أنواع، وهو مجيد في العشرة، وقد اعتنى بجمع شعره جماعة من الفضلاء: منهم أبو بكر الصولي وعلي بن حمزة وإبراهيم بن أحمد بن محمد الطبري المعروف بتوزون، فلهذا يوجد ديوانه مختلفاً، ومع شهرة ديوانه لا حاجة إلى ذكر شيء منه.
[وكان أبو نواس قوي البديهة والارتجال؛ روي أن الخصيب قال له مرة
__________
(1) أخرجك: سقطت من س.
(2) ديوانه: 366؛ ولم يرد في س من هذه الأبيات غير بيت واحد.
(3) ر س: يستفزه.
(4) الديوان: فحق له.

(2/96)


وهو بالمسجد الجامع: أنت غير مدافع في الشعر ولكنك لا تخطب، فقام من فوره فقال مرتجلاً:
نحلتكم يا أهل مصر نصيحتي ... ألا فخذوا من ناصح بنصيب
رماكم أمير المؤمنين بحية ... أكول لحيات البلاد شروب
فإن يك باقي إثم فرعون فيكم ... فإن عصا موسى بكف خصيب ثم التفت إليه وقال: والله لا يأتي بمثلها خطيب مصقع فكيف رأيت فاعتذر إليه وحلف: ما كنت إلا مازحاً] (1) .
ورأيت في بعض الكتب أن المأمون كان يقول: لو وصفت الدنيا نفسها لما وصفت بمثل قول أبي نواس (2) :
ألا كل حي هالك (3) وابن هالك ... وذو نسب في الهالكين عريق
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت ... له عن عدو في ثياب صديق والبيت الأول ينظر إلى قول امرئ القيس (4) :
فبعض اللوم عاذلتي فإني ... سيكفيني التجارب وانتسابي
إلى عرق الثرى وشجت عروقي ... وهذا الموت يسلبني شبابي وقد سبق في ترجمة الحسن البصري نظير هذا المعنى.
وما أحسن ظنه بربه عز وجل حيث يقول (5) :
[تكثر ما استطعت من الخطايا ... إذا كان القدوم على كريم وقال وهي من رواية أخرى:]
__________
(1) زيادة من د.
(2) ديوانه: 192.
(3) الديوان: أرى كل حي هالكاً.
(4) ديوان امرئ القيس: 97 - 98.
(5) لم ترد في باب الزهد من ديوانه.

(2/97)


تكثر ما استطعت من الخطايا ... فإنك بالغ ربا غفورا
ستبصر إن وردت عليه عفواً ... وتلقى سيداً ملكاً كبيرا
تعض ندامة كفيك مما ... تركت مخافة النار السرورا (1) وهذا من أحسن المعاني وأغربها؛ وأخباره كثيرة.
ومن شعره الفائق المشهور قصيدته الميمية التي حسده عليها أبو تمام حبيب المقدم ذكره ووازنها بقوله (2) :
دمن ألم بها فقال سلام ... كم حل عقدة صبره الإلمام وأول قصيدة أبي نواس المشار إليها، وهي مما مدح به الأمين محمد بن هارون الرشيد أيام خلافته (3) :
يا دار ما صنعت (4) بك الأيام ... لم يبق فيك بشاشة تستام (5) يقول من جملتها في صفة ناقته:
وتجشمت بي هول كل تنوفة ... هوجاء فيها جرأة إقدام
تذر المطي وراءها فكأنها ... صف تقدمهن وهي إمام
وإذا المطي بنا بلغن محمداً ... فظهورهن على الرجال حرام وهذا البيت له حكاية سيأتي ذكرها في ترجمة ذي الرمة غيلان الشاعر المشهور.
(18) وقد أذكرني هذا البيت واقعة جرت لي مع صاحبنا جمال الدين محمود
__________
(1) أ د: الشرورا.
(2) ديوان أبي تمام 3: 150.
(3) ديوان أبي نواس: 63.
(4) الديوان: فعلت.
(5) الديوان: ضامتك والأيام ليس تضام.

(2/98)


ابن عبد الله الإربلي الأديب المجيد في صناعة الألحان وغير ذلك، فإنه جاءني إلى مجلس الحكم العزيز بالقاهرة المحروسة في بعض شهور سنة خمس وأربعين وستمائة وقعد عندي ساعة، وكان الناس يزدحمون (1) لكثرة أشغالهم حينئذ، ثم نهض وخرج، فلم أشعر إلا وقد حضر غلامه وعلى يده رقعة مكتوب فيها هذه الأبيات:
يا أيها المولى الذي بوجوده ... أبدت محاسنها لنا الأيام
إني حججت إلى مقامك حجة ال ... أشواق لا ما يوجب الإسلام
وأنخت بالحرم الشريف مطيتي ... فتسربت واستاقها الأقوام
فظللت أنشد عند نشداني لها ... بيتاً لمن هو في القريض إمام
" وإذا المطي بنا بلغن محمداً ... فظهورهن على الرجال حرام " فوقفت عليها وقلت لغلامه: ما الخبر فذكر أنه لما قام من عندي وجد مداسة قد سرق، فاستحسنت منه هذا التضمين. والعرب يشبهون النعل بالراحلة، وقد جاء هذا في شعر المتقدمين والمتأخرين، واستعمله المتنبي في مواضع من شعره.
ثم جاءني من بعد جمال الدين المذكور، وجرى ذكر هذه الأبيات، فقلت له: ولكن أنا اسمي أحمد، لا محمد، فقال: علمت ذلك، ولكن أحمد ومحمد سواء، وهذا التضمين حسن ولو كان الاسم أي شيء كان.
وكان محمد الأمين المقدم ذكره قد سخط على أبي نواس لقضية جرت له معه، فتهدده بالقتل وحبسه، فكتب إليه من السجن (2) :
بك أستجير من الردى ... متعوذاً من سطو باسك
وحياة رأسك لا أعو ... ذ لمثلها، وحاية رأسك
من ذا يكون أبا نوا ... سك إن قتلت أبا نواسك (3)
__________
(1) ه : مزدحمين.
(2) ديوانه: 107.
(3) قوله: ومن شعره الفائق حتى هذا الموضع لم يرد في المسودة، وعند موضعه علامة تحويل.

(2/99)


وله معه وقائع كثيرة.
[حدث أحمد بن معاوية الباهلي عن عطاء الملك قال: دخلنا المسجد الجامع فإذا على السارية - مكتوب بخط جليل - التي إليها أبو عبيدة يجلس:
صلى الإله على لوط وشيعته ... أبا عبيدة قل بالله آمينا قال: فقال لي أبو عبيدة: امحه، قلت: لا أناله، فركع وارتفعت على ظهره حتى محوته فقلت: لم يبق إلا الطاء، فقال: الطامة في الطاء، فمحوتها، فلما جلس قال: والله ما أتهم بهذا إلا الخبيث الماجن المتهنك - يعني أبا نواس - ؛ قال: فبلغ قوله أبا نواس، فحلف أنه لم يفعل ذلك، فقبل يمينه.
وكان أبو عبيدة يحب أبا نواس ويقدمه لظرفه وأدبه، وكان أبو نواس يتعلم من أبي عبيدة ويشنأ الأصمعي ويهجوه، فقيل له: ما تقول في الأصمعي فقال: بلبل في قفص؛ قيل: فما تقول في خلف الأحمر قال: جمع العلم وفهمه؛ قيل: فما تقول في أبي عبيدة قال: ذاك أديم طوي على علم] (1) .
[وكان بمصر رجل يعرف بالحسن بن عمر الأجهري يقول الشعر الضعيف، وكان ناقص العقل، فقيل له: إن أردت أن يعلو شأنك في الشعر فاهج أبا نواس، فأتاه وهو جالس في المجلس والناس حوله فأنشده:
ألا قل للنواسي الض ... عيف الحال والقدر
خبرنا منك أحوالاً ... فلم نحمدك في الخبر
وما روعت بالمنظ ... ر ولكن رعت بالكدر قال: وكان هذا الشاعر من أوحش الناس صورة، فنظر إليه أبو نواس وقال: بم أهجوك وبأي شيء أصفك وقد سبقني الله تعالى إلى توحش منظرك وتقبيح مخبرك وهل أكون إن قلت شيئاً إلا سارقاً من ربي ومتكلفاً
__________
(1) زيادة من ر ص.

(2/100)


على ما قد كفاني فقال له بعض من معه: اهجه على حال لا نقول إنه أفحمك، فقال من وزن شعره:
بما أهجوك لا أدري ... لساني فيك لا يجري
إذا فكرت في هجو ... ك أبقيت على شعري قال: فقاموا على أبي نواس فقبلوا رأسه وصفقوا الأيدي جهرا] (1) .
[حدث الصولي عن عبد الله بن محمد بن حفص قال: غلست يوماً إلى المسجد فإذا بأبي نواس يكلم امرأة عند باب المسجد، وكنت أعرفه في مجالس الحديث والآداب، فقلت له: مثلك يقف هذا الموقف بحق أو باطل فاعتذر ثم كتب إلي ذلك اليوم هذه الأبيات:
إن التي أبصرتها ... سحراً تكلمني رسول
دست إلي رسالة ... كادت لها نفسي تزول
من واضح الخدين يق ... صر خطوه ردف ثقيل
متنكب قوس الصبا ... يرمي وليس له رسيل
فلو أن أذنك عندنا ... حتى تسمع ما تقول
لرأيت ما استقبحت من ... أمري لديك هو الجميل] (2) [وحكى الصولي عن إسماعيل بن نصر أخي محمد بن نصر الذي يقول فيه أبو نواس من جملة قصيد:
فصلى هذه في وقت هذي ... فكل صلاته أبداً قضاء
وذاك محمد تفديه نفسي ... وحق له وقل له الفداء] قال: رأيت أبا نواس وقد صلى الظهر وقام يتطوع فقلت له: ما بدا لك في
__________
(1) زيادة انفردت بها ر.
(2) زيادة من ص ر وقد استطردت النسختان بعد ذلك إلى ذكر حكاية طويلة قليلة الأهمية في ترجمة أبي نواس، لا نظن أن المؤلف يتورط في إيراد أمثالها، ولذلك لم نثبتها.

(2/101)


هذا قال: ليصعد إلى السماء اليوم خبر ظريف.
حكى الصولي عن أبي العتاهية قال: لقيت أبا نواس في المسجد الجامع فعذلته وقلت له: أما آن لك أن ترعوي أما حان لك أن تزدجر فرفع رأسه إلي وقال:
أتراني يا عتاهي ... تاركاً تلك الملاهي
أتراني مفسداً بالنس ... ك عند القوم جاهي قال: فلما ألححت عليه بالعذل أنشأ يقول:
لن ترجع الأنفس عن غيها ... ما لم يكن منها لها زاجر قال: فوددت اني قلت هذا البيت بكل شيء قلته.
وقال أبو العتاهية: قد قلت عشرين ألف بيت في الزهد وددت أن لي مكانها الأبيات الثلاثة التي قالها أبو نواس وهي:
يا نواسي توقر ... وتعز وتصبر
إن يكن ساءك دهر ... فلما سرك أكثر يا كبير الذنب عفو الله عن ذنبك أكبر ... وأشيع عن أبي نواس أنه رجع عما كان عليه من البطالة وشرب الخمر وزهد في اللذات، فاجتمع أصحابه وأقبلوا عليه يهنئونه بذلك، فوضع بين يديه باطية وجعل لا يدخل عليه أحد يهنئه إلا شرب بين يديه رطلاً وأنشد:
قالوا نزعت ولما يعلموا وطري ... في كل أغيد ساجي الطرف مياس
كيف النزوع وقلبي قد تقسمه ... لحظ العيون وقرع السن بالكاس قال محمد بن نافع: كان أبو نواس لي صديقاً، فوقع بيني وبينه هجرة في آخر عمره، ثم بلغتني وفاته فتضاعف علي الحزن؛ فبينا أنا بين النائم واليقظان إذا رأيته فقلت: أبا نواس قال: لات حين كنية، قلت: الحسن بن هانئ

(2/102)


قال: نعم، قلت: ما فعل الله بك قال: غفر لي بأبيات قلتها في علتي قبل موتي وهي تحت الوسادة؛ فأتيت أهله فلما رأوني أجهشوا بالبكاء فقلت لهم: قال أخي شعراً قبل موته، قالوا: لا نعلم إلا أنه دعا بدواة وقرطاس وكتب شيئاً لا ندري ما هو، قلت: ايذنوا لي أدخل؛ قال: فدخلت إلى مرقده فإذا ثيابه لم تحرك بعد، فرفعت وسادة فلم أر شيئاً ثم رفعت أخرى فإذا أنا برقعة فيها مكتوب:
يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة ... فلقد علمت بأن عفوك أعظم
إن كان لا يدعوك إلا محسن ... فمن الذي يرجو ويدعو المجرم
أدعوك رب كما أمرت تضرعاً ... فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم
ما لي إليك وسيلة إلا الرجا ... وجميل عفوك ثم أني مسلم] (1) وقد سبق في ترجمة أبي عرم أحمد بن دراج القسطلي ذكر بعض قصيدة أبي نواس الرائية (2) .
وذكره الخطيب أبو بكر في " تاريخ بغداد " وقال: ولد في سنة خمس وأربعين وقيل سنة ست وثلاثين ومائة، وتفي في سنة خمس، وقيل ست، وقيل ثمان وتسعين ومائة ببغداد، ودفن في مقابر الشونيزي، رحمه الله تعالى.
وإنما قيل له أبو نواس لذؤابتين كانتا له تنوسان على عاتقيه.
والحكمي - بفتح الحاء المهملة والكاف وبعدها ميم - هذه النسبة إلى الحكم بن سعد الشعيرة، قبيلة كبيرة باليمن منها الجراح بن عبد الله الحكمي، وكان أمير خراسان، وقد تقدم أن أبا نواس من مواليه فنسب إليه. وقد تقدم الكلام على سعد العشيرة في ترجمة المتنبي في حرف الهمزة.
وأما الصولي فتأتي ترجمته في المحمدين، وعلي بن حمزة لم أقف له على ترجمة (3) .
__________
(1) زيادة من ص ر.
(2) انظر الجزء الأول ص: 135: 188.
(3) قد صرح ابن النديم (الفهرست: 160) أن علي بن عمزة الأصفهاني عمل ديوان أبي نواس على الحروف، وقد ترجم ياقوت (معجم الأدباء 13: 203) لعلي بن حمزة الأصفهاني هذا ويؤخذ من ترجمته أنه من رجال القرن الثالث.

(2/103)


(19) وتوزون أخذ الأدب عن أبي عمر الزاهد وبرع فيه، وكان يسكن بغداد، وتوفي في جمادى الأولى سنة خمس وخمسين وثلثمائة، رحمه الله تعالى.
171 - (1)
ابن وكيع التنيسي
أبو محمد الحسن بن علي بن أحمد بن محمد بن خلف بن حيان بن صدقة بن زياد الضبي المعروف بابن وكيع التنيسي الشاعر المشهور؛ أصله من بغداد ومولده بتنيس. ذكره أبو منصور الثعالبي في " يتيمة الدهر " ، وقال في حقه: " شاعر بارع، وعالم جامع، قد برع على أهل زمانه، فلم يتقدمه أحد في أوانه، وله كل بديعة تسحر (2) الأوهام، وتستعبد الأفهام " ، وذكر مزدوجته المربعة (3) ، وهي من جيد النظم، وأورد له غيرها، وله ديوان شعر جيد، وله كتاب بين فيه سرقات ابي الطيب المتنبي سماه " المنصف " (4) ، وكان في لسانه عجمة، ويقال له العاطس، ومن شعره (5) :
سلا عن حبك القلب المشوق ... فما يصبو إليك ولا يتوق
جفاؤك كان عنك لنا عزاء ... وقد يسلي عن الولد العقوق وله أيضاً:
__________
(1) ترجمة ابن وكيع التنيسي في اليتيمة 1: 372 - 400.
(2) أ ج: نظم يسحر.
(3) قصيدة كل أربعة أشطار منها على قافية وأولها:
رسالة من كلف عميد ... حياته في قبضة الصدود
بلغه الشوق مدى المجهود ... ما فوق ما يلقاه من مزيد (4) من هذا الكتاب قطعة تمثل الجزء الأول (جامعة ييل: 167).
(5) هذه القطعة والتي تليها في اليتيمة: 396، 397.

(2/104)


[كأنها في الكؤوس إذ جليت ... من عسجد رق لونه وصفا
أغضبها الماء حين مازجها ... وأزبدت في كؤوسها أنفا
در حباب يود مبصره ... لو كان يوماً لأذله شنفا وله أيضاً] (1) :
إن كان قد بعد اللقاء فودنا ... دان، ونحن على النوى أحباب
كم قاطع للوصل يؤمن وده ... ومواصل بوداده يرتاب وله أيضاً:
لقد شمت بقلبي ... لا فرج الله عنه
كم لمته في هواه ... فقال لابد منه ولقد ألم به بعضهم فقال:
لا رعى الله عزمة ضمنت لي ... سلوة القلب والتصبر عنه
ما وفت غير ساعة ثم عادت ... مثل قلبي تقول لابد منه ومثله قول أسامة بن منقذ الشيزري المقدم ذكره (2) :
لا تستعر جلداً عن هجرانهم ... فقواك تضعف عن صدود دائم
واعلم بأنك إن رجعت إليهم ... طوعاً، وغلا عدت عودة راغم وقال بعض الفقهاء: أنشدت الشيخ مرتضى الدين أبا الفتح نصر بن محمد بن مقلد القضاعي الشيزري المدرس كان بتربة الإمام الشافعي رضي الله عنه بالقرافة لابن وكيع المذكور:
لقد قنعت همتي بالخمول ... وصدت عن الرتب العاليه
__________
(1) زيادة من ر.
(2) ديوان أسامة: 42.

(2/105)


وما جهلت طيب طعم العلا ... ولكنها تؤثر العافية فأنشدني لنفسه على البديهة:
بقدر الصعود يكون الهبوط ... فإياك والرتب العاليه
وكن في مكان إذا ما سقطت ... تقوم ورجلاك في عافيه وله أيضاً - أعني ابن وكيع (1) - :
أبصره عاذلي عليه ... ولم يكن قبل ذا رآه
فقال لي لو هويت هذا ... ما لامك الناس في هواه
قل لي إلى من عدلت عنه ... فليس أهل الهوى سواه
فظل من حيث ليس يدري ... يأمر بالحب من نهاه وكنت أنشدت هذه الأبيات لصاحبنا الفقيه شهاب الدين محمد ولد الشيخ تقي الدين عبد المنعم المعروف بالخيمي فأنشدني لنفسه في المعنى:
لو رأى وجه حبيبي عاذلي ... لتفاصلنا على وجهٍ جميل وهذا البيت من جملة أبيات، ولقد أجاد فيه وأحسن في التورية.
وله كل معنى حسن.
وكانت وفاة ابن وكيع المذكور يوم الثلاثاء لسبع بقين من جمادى الأولى سنة ثلاث وتسعين وثلثمائة بمدينة تنيس، ودفن في المقبرة الكبرى في القبة التي بنية له بها، رحمه الله تعالى.
(20) ووكيع (2) - بفتح الواو وكسر الكاف وسكون الياء المثناة من تحتها
__________
(1) اليتيمة: 396.
(2) انظر ترجمة وكيع " محمد بن خلف " في الفهرست: 114 حيث ورد باسم أبي محمد بكر بن محمد بن خلف (وهو خطأ فيما يبدو) والوافي 3: 43 والمنتظم 6: 152 وابن كثير 11: 130 وغاية النهاية 2: 137، ومن كتبه المطبوعة " أخبار القضاة وتواريخهم " . وله سوى ما ذكره ابن خلكان: كتاب الغرر (أو الغرة) وكتاب المسافر وكتاب التصرف والنقد والسكة وكتاب البحث.

(2/106)


وبعدها عين مهملة - وهو لقب جده أبي بكر محمد بن خلف، وكان نائباً في الحكم بالأهواز لعبدان الجواليقي. وكان فاضلاً نبيلاً فصيحاً من أهل القرآن والفقه والنحو والسير وأيام الناس وأخبارهم، وله مصنفات كثيرة، فمنها: كتاب " الطريق " (1) وكتاب " الشريف " (2) وكتاب " عدد آي القرآن والاختلاف فيه " وكتاب " الرمي والنضال " وكتاب " المكاييل والموازين " وغير ذلك، وله شعر كشعر العلماء. وتوفي يوم الأحد لست بقين من شهر ربيع الأول سنة ست وثلثمائة ببغداد.
وقال ابن قانع: توفي عبدان الأهوازي سنة سبع وثلثمائة بعسكر مكرم، رحمه الله تعالى.
والتنيسي - بكسر التاء المثناة من فوقها وكسر النون المشددة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها سين مهملة - نسبة إلى تنيس مدينة بديار مصر بالقرب من دمياط، بناها تنيس بن حام بن نوح عليه السلام فسميت باسمه.
(21) وتوفي المرتضى الشيزري المذكور في سنة ثمان وتسعين وخمسمائة بمصر، ودفن بسفح المقطم، رحمه الله تعالى.
172 - (3)
ابن العلاف الشاعر
أبو بكر الحسن بن علي بن أحمد بن بشار بن زياد المعروف بابن العلاف الضرير النهرواني الشاعر المشهور؛ كان من الشعراء المجيدين، وحدث عن أبي عمر
__________
(1) هذا الكتاب يسمى أيضاً كتاب " النواحي " ويحتوي على أخبار البلدان ومسالك الطرق ولم يتمه.
(2) هو على مثال كتاب المعارف لابن قتيبة.
(3) انظر ترجمة ابن العلاف الشاعر في نكت الهميان: 139، وقد أورد قصيدته في رثاء الهر، والمنتظم 6: 237.

(2/107)


الدوري المقرئ وحميد بن مشعدة البصري ونصر بن علي الجهضمي ومحمد بن إسماعيل الحساني، وروى عنه عبد الله بن الحسن بن النخاس وأبو الحسن الخراجي القاضي وابو حفص ابن شاهين وغيرهم (1) ، وكان ينادم الإمام المعتضد بالله.
وقال (2) : بت ليلة في دار المعتضد مع جماعة من ندامائه، فأتانا خادم ليلاً فقال: أمير المؤمنين يقول: أرقت الليلة بعد انصرافكم فقلت:
ولما انتبهنا للخيال الذي سرى ... إذا الدار قفر والمزار بعيد وقد أرتج علي تمامه، فمن أجازه بما يوافق غرضي أمرت له بجائزة، قال: فأرتج على الجماعة وكلهم شاعر فاضل، فابتدرت وقلت:
فقلت لعيني عاودي النوم واهجعي ... لعل خيالاً طارقاً سيعود فرجع الخادم إليه ثم عاد فقال: أمير المؤمنين يقول: قد أحسنت، وقد أمر لك بجائزة.
وكان لأبي بكر المذكور هر يأنس به، وكان يدخل أبراج الحمام التي لجيرانه ويأكل فراخها، وكثر ذلك منه، فأمسكه أربابها فذبحوه، فرثاه بهذه القصيدة وقد قيل: إنه رثى بها عبد الله بن المعتز - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - وخشي من الإمام المقتدر أن يتظاهر بها لأنه هو الذي قتله، فنسبها إلى الهر وعرض به في أبيات منها، وكانت بينهما صحبة أكيدة.
وذكر محمد بن عبد الملك الهمداني في تاريخه الصغير الذي سماه " المعارف المتأخرة " في ترجمة الوزير أبي الحسن علي بن الفرات ما مثاله: قال الصاحب أبو القاسم ابن عباد: أنشدني أبو الحسن ابن أبي بكر العلاف وهو الأكول المقدم في الأكل في مجالس الرؤساء والملوك قصائد أبيه في الهر، وقال: إنما كنى بالهر عن المحسن بن الفرات أيام محنته لأنه لم يجسر أن يذكره ويرثيه.
قلت أنا: وهذا المحسن ولد الوزير المذكور، وسيأتي خبر ذلك في ترجمة
__________
(1) وحدث عن.. وغيرهم: سقط من س.
(2) انظر المنتظم: 237.

(2/108)


أبيه أبي الحسن علي بن محمد بن الفرات إن شاء الله تعالى.
وذكر صاعد اللغوي في كتاب " الفصوص " قال: حدثني أبو الحسن المرزباني قال: هويت جارية لعلي بن عيسى غلاماً لأبي بكر ابن العلاف الضرير، ففطن بهما فقتلا جميعاً وسلخا وحشيت جلودهما تبناً، فقال أبو بكر مولاه هذه القصيدة يرثيه بها وكنى عنه بالهر، والله أعلم.
وهي من أحسن الشعر وأبدعه، وعددها خمسة وستون بيتاً، وطولها يمنع من الإتيان بجميعها فنأتي بمحاسنها، وفيها أبيات مشتملة على حكم فنأتي بها، وأولها:
يا هر فارقتنا ولم تعد ... وكنت عندي بمنزل الولد
فكيف ننفك عن هواك وقد ... كنت لنا عدة من العدد
تطرد عنا الأذى وتحرسنا ... بالغيب من حية ومن جرد
وتخرج الفأر من مكامنها ... ما بين مفتوحها إلى السدد
يلقاك في البيت منهم مدد ... وأنت تلقاهم بلا مدد
لا عدد كان منك متفلتاً (1) ... منهم ولا واحد من العدد
لا ترهب الصيف عند هاجرة ... ولا تهاب (2) الشتاء في الجمد
وكان يجري ولا سداد لهم ... أمرك في بيتنا على سدد
حتى اعتقدت الأذى لجيرتنا ... ولم تكن للأذى بمعتقد
وحمت حول الردى بظلمهم ... ومن يحم حول حوضه يرد
وكان قلبي عليك مرتعداً ... وأنت تنساب غير مرتعد
تدخل برج الحمام متئداً ... وتبلغ الفرخ غير متئد
وتطرح الريش في الطريق لهم ... وتبلغ اللحم بلع مزدرد
أطعمك الغي لحمها فرأى ... قتلك أربابها (3) من الرشد
__________
(1) د: منقلباً.
(2) د: تخاف.
(3) النكت: أصحابها.

(2/109)


حتى إذا داوموك واجتهدوا ... وساعد النصر كيد مجتهد
كادوك دهراً فما وقعت وكم ... أفلت من كيدهم ولم تكد
فحين أخفرت وانهمكت وكا ... شفت وأسرفت غير مقتصد
صادوك غيظاً عليك وانتقموا ... منك وزادوا ومن يصد يصد
ثم شفوا بالحديد أنفسهم ... منك ولم يرعووا على أحد ومنها:
فلم تزل للحمام مرتصداً ... حتى سقيت الحمام بالرصد
لم يرجموا صوتك الضعيف كما ... لم ترث منها لصوتها الغرد
أذاقك الموت ربهن كما ... أذقت أفراخه يداً بيد ومنها:
كأن حبلاً حوى بجودته ... جيدك للخنق كان ممن مسد
كأن عيني تراك مضطرباً ... فيه وفي فيك رغوة الزبد
وقد طلبت الخلاص منه فلم ... تقدر على حيلة ولم تجد
فجدت بالنفس والبخيل بها ... أنت ومن لم يجد بها يجد
فما سمعنا بمثل موتك إذ ... مت ولا مثل عيشك النكد
عشت حريصاً يقوده طمع ... ومت ذا قاتل بلا قود ومنها:
يا من لذيذ الفراخ أوقعه ... ويحك هلا قنعت بالغدد
ألم تخف وثبة الزمان كما ... وثبت في البرج وثبة الأسد
عاقبة الظلم لا تنام وإن ... تأخرت مدة من المدد
أردت أن تأكل الفراخ ولا ... يأكلك الدهر أكل مضطهد
هذا بعيد من القياس وما ... أعزه في الدنو والبعد
لا بارك الله في الطعام إذا ... كان هلاك النفوس في المعد

(2/110)


كم دخلت لقمة حشا شره ... فأخرجت روحه من الجسد
ما كان أغناك عن تسورك ال ... برج ولو كان جنة الخلد
قد كنت في نعمة وفي دعة ... من العزيز المهيمن الصمد
تأكل من فأر بيتنا رغداً ... وأين بالشاكرين للرغد
وكنت بددت شملهم زمناً ... فاجتمعوا بعد ذلك البدد
فلم يبقوا لنا على سبد ... في جوف أبياتنا ولا لبد
وفرغوا قعرها وما تركوا ... ما علقته يد على وتد
وفتتوا الخبز في السلال فكم ... تفتتت للعيال من كبد
ومزقوا من ثيابنا جدداً ... فكلنا في المصائب الجدد ونقتصر من هذه القصيدة على هذا القدر فهو زبدتها.
وكانت وفاته سنة ثماني عشرة، وقيل تسع عشرة وثلثمائة، وعمره مائة سنة، رحمه الله تعالى.
والنهرواني - بفتح النون وسكون الهاء وفتح الراء والواو وبعد الألف نون - هذه النسبة إلى النهروان، وهي بليدة قديمة بالقرب من بغداد، وقال السمعاني: هي بضم الراء، وليس بصحيح.
173 - (1)
أبو الجوائز الواسطي
أبو الجوائز الحسن بن علي بن محمد بن باري الكاتب الواسطي؛ كان من الفضلاء، سكن بغداد دهراً طويلاً، وذكره الخطيب في تاريخه فقال: وعلقت
__________
(1) ترجمة ابي الجوائز الواسطي في تاريخ بغداد 7: 393.

(2/111)


عنه أخباراً وحكايات وأناشيد وأمالي عن ابن شكرة الهاشمي وغيره، ولم يكن ثقة، فإنه ذكر لي أنه من ابن سكرة وكان يصغر عن ذلك. وكان أديباً شاعراً حسن الشعر في المديح والأوصاف وغير ذلك، فمما أنشدنيه لنفسه قوله:
دع الناس طراً واصرف الود عنهم ... إذا كنت في أخلاقهم لا تسامح
ولا تبغ من دهر تظاهر رنقه ... صفاء بنيه فالطباع جوامح
وشيئان معدومان في الأرض: درهم ... حلال وخل في الحقيقة ناصح انتهى قول الخطيب.
وله تواليف حسان وخط جيد وأشعار رائقة، وقفت له على مقاطيع كثيرة ولم أر له ديواناً ولا أعلم هل دون شعره أم لا. ومن أشعاره السائرة قوله:
براني الهوى بري المدى وأذابني ... صدودك حتى صرت أمحل من أمس
فلست أرى حتى أراك وإنما ... يبين هباءُ الذر في ألق الشمس [ومن شعره:
أقول وجرس الحلي يمنع وصلها ... وقد عاد ذاك القرب وهو بعاد
هبي كل ذي نطق يغار عليكم ... فكيف يغار الحلي وهو جماد] (1) ومن شعره أيضاً وفيه لزوم ما لا يلزم:
واحزني من قولها ... خان عهودي ولها
وحق من صيرني ... وقفاً عليها ولها
ما خطرت بخاطري ... إلا كستني ولها وكانت وفاته سنة ستين وأربعمائة، رحمه الله تعالى. وقال الخطيب:
__________
(1) زيادة من ص د.

(2/112)


سمعت أبا الجوائز يقول: ولدت في سنة اثنتين وثمانين وثلثمائة، وغاب عني خبره في سنة ستين وأربعمائة، انتهى كلام الخطيب.
قلت: وقد صح أن وفاته كانت في سنة ستين كما ذكرته أولاً، والله أعلم، وإن كان الخطيب لم يصرح به بل اقتصر على انقطاع خبره لا غير.
174 - (1)
العلم الشاتاني
أبو علي الحسن بن سعيد بن عبد الله بن بندار بن إبراهيم الشاتاني الملقب علم الدين؛ كان فقيهاً غلب عليه الشعر وأجاد فيه واشتهر به، وكان قد ترك بلده ونزل الموصل واستوطنها (2) ، وكان يتردد منها إلى بغداد، وكان الوزير أبو المظفر ابن هبيرة كثير الإقبال عليه والإكرام له.
وذكره العماد الكاتب في " الخريدة " [وأثنى عليه] وأورد له أشعاراً، وقال: مدح صلاح الدين بقصيدة أولها:
أرى النصر معقوداً برايتك الصفرا ... فسر وافتح (3) الدنيا فأنت بها أحرى ومنها:
__________
(1) ترجمة الشاتاني في مختصر الدبيثي: 279 وطبقات السبكي 4: 210 ومعجم البلدان " شاتان " وتهذيب ابن عساكر 4: 177 وقال: قدم دمشق في سنة 531، وعقد مجلس الوعظ وعاد إلى وطنه ثم انتقل إلى الموصل وخدم دولة أتابك زنكي وولده محمود الملقب نور الدين وروسل إلى الخليفة المقتفي وإلى أطراف وعاد إلى دمشق سنة 568، وانظر أيضاص الألقاب 1/4: 575، ولقبه علم الدين، وكان يعرف بقاع؛ قال العماد: " وكان إذا قيل له يا علم الدين قاع، جرى عليه من ذلك أمر عظيم " ، وكان يحفظ جل أشعاره ويوردها من خاطره حتى كأنما يقرأها من كتاب.
(2) ه : واستوطن بها.
(3) ه : واملك.

(2/113)


يمينك فيها اليمن واليسر في اليسرى ... فبشرى لمن يرجو الندى بهما بشرى وكان مولده في سنة عشر وخمسمائة وتوفي في شعبان سنة تسع وتسعين وخمسمائة بالموصل، رحمه الله تعالى.
وذكره ابن الدبيثي في ذيله، وأثنى عليه.
وشاتان - بفتح الشين المعجمة وبعد الألف تاء مثناة من فوقها وبعد الألف الثانية نون - وهي بلد بنواحي ديار بكر (1) .
175 - (2)
ناصر الدولة ابن حمدان
أبو محمد الحسن الملقب ناصر الدولة ابن أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان بن حمدون ابن الحارث بن لقمان بن راشد بن المثنى بن رافع بن الحارث بن غطيف بن محربة بن حارثة بن مالك بن عبيد بن عدي بن أسامة بن مالك بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب، التغلبي؛ كان صاحب الموصل وما والاها، وتنقلت به الأحوال تارات إلى أن ملك الموصل بعد أن كان نائباً بها عن أبيه، ثم لقبه الخليفة المتقي لله " ناصر الدولة " وذلك في مستهل شعبان سنة ثلاثين وثلثمائة، ولقب أخاه " سيف الدولة " في ذلك اليوم أيضاً، وعظم شأنهما. وكان الخليفة المكتفي بالله قد ولى أباهما عبد الله بن حمدان الموصل وأعمالها في سنة اثنتين وتسعين ومائتين، فسار إليها ودخلها في أول سنة ثلاث وتسعين ومائتين، وكان ناصر الدولة أكبر سناً من أخيه سيف الدولة وأقدم منزلة عند
__________
(1) أ: بديار بكر من نواحيها.
(2) أخبار ناصر الدولة في تجارب الأمم وتاريخ ابن الأثير (صفحات كثيرة من الجزء الثامن).

(2/114)


الخلفاء، وكان كثير التأدب معه؛ وجرت بينهما يوماً وحشة، فكتب إليه سيف الدولة:
لست أجفو وإن جفيت ولا أت ... رك حقاً علي في كل حال
إنما أنت والد والأب الجا ... في يجازى بالصبر والإحتمال [ (1) حكى هلال بن المحسن عن معز الدولة ابن بويه وكان منازلاً لناصر الدولة أبي محمد بن حمدان، فجاءه غلام فقال: إن اغتلت ابن حمدان وقتلته ما يكون لي عليك قال: اقتراحك؛ ووعده وعداً ملأ به صدره، فمضى واختلط بعكسر ناصر الدولة وتوصل إلى أن عرف موضع منامه ليلاً من خيمته، ثم جاء وقد اشتمل على دشنة فدخل الخيمة من تحت الطنب وقد تفرق الناس ونام الحراس فوجد ناصر الدولة نائماً على سرير وفي جانب الخيمة شمعة وعلى بعد منه جماعة، فتأمل موضع رأسه من رجليه ثم أطفأ الشمعة لئلا يصيح إذا جرحه فينذر به ويؤخذ، وجاءه يريد الموضع الذي فيه رأسه، فاتفق أن ناصر الدولة تقلب من جنب إلى جنب فزال عن المكان وجاء الغلام يريد موضعه فغرز الدشنة غرزاً استقصى فيه وظن أنه قد بلغ المراد، فأحسن ناصر الدولة بعدوه فانتبه فرأى الشمعة وقد أطفئت وأطناب الخيمة مرفوعة، فصاح بالغلمان فبادروا وجاءوا بضوء وشاهدوا الصورة فجزع، وأمر بالزيادة في الاحتراس ولم يعلم كيف جرى الأمر، وعاد الرجل فأخبر معز الدولة أنه قد قتل ناصر الدولة فلم يعطه ما وعده به لكنه أطلق له شيئاً وقال لأبي جعفر الصيمري: من يقدم على الملوك مثل إقدام هذا لا يجوز استبقاؤه فضلاً أن يوثق بمكانه، وما الذي يؤمننا أن يبذل لأعدائنا مثل ما بذل لنا فأرحني منه كيف شئت، فأخذه الصيمري فغرقه].
وكتب إليه مرة أخرى وذكرها الثعالبي في " اليتيمة " (2) :
__________
(1) ما بين معقفين زيادة من د، وقارن تجارب الأمم 2: 94.
(2) اليتيمة 1: 46 وابن الأثير 8: 580.

(2/115)


رضيت لك العليا وقد كنت أهلها ... وقلت لهم بيني وبين أخي فرق
ولم يك بي (1) عنها نكول وإنما ... تجافيت (2) عن حقي فتم لك الحق
ولا بد لي من أن أكون مصلياً ... إذا كنت أرضى أن يكون لك السبق [وأورد له أيضاً قوله:
قد جرى في دمعه دمه ... فإلى كم أنت تظلمه
رد عنه الطرف منك فقد ... خرقته منك أسهمه
كيف يسطيع التجلد من ... خطرات الوهم تؤلمه] (3) وكان ناصر الدولة شديد المحبة لأخيه سيف الدولة، فلما توفي سيف الدولة - في التاريخ الآتي ذكره في ترجمته إن شاء الله تعالى - تغيرت أحوال ناصر الدولة وساءت أخلاقه وضعف عقله، إلى أن لم يبق له حرمة عند أولاده وجماعته، فقبض عليه ولده أبو تغلب فضل الله الملقب عدة الدولة المعروف بالغضنفر بمدينة الموصل باتفاق من إخوته، وسيره إلى قلعة أردمشت (4) في حصن السلامة، وذكر شيخنا ابن الأثير في تاريخه أن هذه القلعة هي التي تسمى الآن قلعة كواشي، وذلك في يوم الثلاثاء الرابع والعشرين من جمادى الأولى سنة ست وخمسين وثلثمائة، ولم يزل محبوساً بها إلى أن توفي يوم الجمعة وقت العصر ثاني عشر شهر ربيع الأول سنة ثمان وخمسين وثلثمائة، ونقل إلى الموصل ودفن بتل توبة شرقي الموصل؛ وقيل إنه توفي سنة سبع وخمسين.
وقال محمد بن عبد الملك الهمذاني في كتاب " عنوان السير " في آخر ترجمة ناصر الدولة ما مثاله: ولم يزل - يعني ناصر الدولة - مستولياً على ديار الموصل وغيرها حتى قبض عليه ابنه الغضنفر في سنة ست وخمسين وثلثمائة، وكانت
__________
(1) د: وما كان لي.
(2) د: تجاوزت.
(3) زيادة من د.
(4) ه : اودمست؛ أ: ازدمشت.

(2/116)


إمارته هناك اثنتين وثلاثين سنة، وتوفي يوم الجمعة الثاني عشر من شهر ربيع الأول سنة سبع وخمسين وثلثمائة (1) ، رحمه الله تعالى، وقتل أبوه ببغداد وهو يدافع عن الإمام القاهر بالله - وقصته مشهورة - لثلاث عشرة ليلة بقيت من المحرم سنة سبع عشرة وثلثمائة، رحمه الله تعالى.
(22) وأما الغضنفر (2) بن ناصر الدولة فإنه جرت له مع عضد الدولة ابن بويه لما ملك بغداد بعد قتله بختيار ابن عمه المقدم ذكره - وقد كان معه في الواقعة التي قتل فيها - قضايا يطول شرحها، وحاصلها أن عضد الدولة قصده بالموصل فهرب منه إلى الشام ونزل بظاهر دمشق، والمستولي عليها قسام العيار، فكتب إلى العزيز بن المعز صاحب مصر يسأله تولية الشام، فأجابه إلى ذلك ظاهراً ومنعه باطناً. فتوجه إلى الرملة في المحرم سنة سبع وستين، وبها المفرج بن الجراح البدوي الطائي، فهري منه ثم جمع له جموعاً وعاد إليه، فالتقيا على بابها في يوم الاثنين لليلة خلت من صفر من السنة، فانهزم أصحابه وأسر وقتل يوم الثلاثاء ثاني صفر المذكور، ومولده يوم الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وثلثمائة (3) .
ونقلت نسبهم على هذه الصورة من كتاب " أدب الخواص " للوزير أبي القاسم الحسين ابن المغربي، وقال محمد بن أحمد (4) الأسدي النسابة: اسم تغلب دثار، وإنما سمي تغلب لأن أباه وائلاً قصدته اليمن في داره لتسبي أهله، فصرخ في أهله وعشيرته، فنصر على اليمن، وكان تغلب طفلاً، فتبرك به وقال: هذا تغلب، فسمي به (5) .
__________
(1) وقال محمد بن عبد الملك... وثلثمائة: سقط من س.
(2) انظر تاريخ ابن الأثير 8: 692.
(3) وأما الغضنفر... وثلثمائة: سقط من س.
(4) ص: أحمد بن محمد.
(5) وقال محمد... فسمي به: سقط من س.

(2/117)


176 - (1)
ركن الدولة ابن بويه
أبو علي الحسن بن بويه بن فناخسرو الديلمي الملقب ركن الدولة؛ وقد تقدمت تتمة نسبه في حرف الهمزة عند ذكر أخيه معز الدولة أحمد. وكان ركن الدولة المذكور صاحب أصبهان والري وهمذان وجميع عراق العجم، وهو والد عضد الدولة فناخسرو ومؤيد الدولة أبي منصور بويه وفخر ا لدولة أبي الحسن علي، وكان ملكاً جليل القدر عالي الهمة، وكان أبو الفضل ابن العميد - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - وزيره، ولما توفي استوزر ولده أبا الفتح علياً؛ وكان الصاحب بن عباد وزير ولده مؤيد الدولة، ولما توفي وزر لفخر الدولة - وقد تقدم ذلك في حرف الهمزة في ترجمة الصاحب - . وكان مسعوداً ورزق السعادة في أولاده الثلاثة، وقسم عليهم الممالك فقاموا بها أحسن قيام. وكان ركن الدولة المذكور أوسط الأخوة الثلاثة، وهم عماد الدولة أبو الحسن علي وركن الدولة المذكور ومعز الدولة أبو الحسين أحمد - وقد سبق ذكره - وكان عماد الدولة أكبرهم، ومعز الدولة أصغرهم.
[ولما كان في سنة 339 سار الخراسانيون منصور بن قراتكين ومن معه إلى الري، وكان ركن الدولة ببلاد فارس، فلما وصل جرت بينه وبينهم حروب عدة، وضاقت الميرة على الطائفتين وذبحوا دوابهم، ولو أمكن ركن الدولة الانهزام لفعل، فاستشار وزيره أبا الفضل ابن العميد في بعض الليالي في الهرب، فقال: لا ملجأ لك إلا إلى الله تعالى، فانو للمسلمين خيراً وصمم العزم على حسن السيرة والإحسان فإن الحيل البشرية كلها تقطعت بنا وإن انهزمنا تبعونا وأهلكونا وهم أكثر منا فلا يفلت منا أحد، فقال له: قد سبقتك إلى هذا،
__________
(1) أخبار ركن الدولة ابن بويه في ابن الأثير وتجارب الأمم وتاريخ ابن خلدون والمنتظم؛ وراجع آدم متز 1: 30.

(2/118)


فلما كان ثلث الليل الأخير أتاهم الخبر أن منصوراً وعسكره قد عادوا إلى الري وتركوا خيامهم، وكان سبب ذلك أن الميرة والعلوفة ضاقت عليهم أيضاً إلا أن الديلم كانوا يصبرون ويقتنعون بالقليل من الطعام وكان الخراسانية بالضد منهم.
وحكى أبو الفضل ابن العميد (1) قال: استدعاني ركن الدولة تلك الليلة في الثلث الأخير وقال لي: قد رأيت الساعة في منامي كأني على دابتي فيروز وقد انهزم عدونا وأنت تسير إلى جانبي وقد جاءنا الفرج من حيث لا نحتسب فممدت عيني فرأيت على الأرض خاتماً فأخذته وإذا فصه من فيروز فجعلته في إصبعي فتبركت به وانتبهت وقد أيقنت بالظفر، فإن الفيروزج معناه الظفر، وكذلك لقب الدابة فيروز، قال ابن العميد: فأتانا الخبر والبشارة بأن العدو قد رحل فما صدقنا حتى تواردت الأخبار، فركبنا ولا نعرف سبب هزيمتهم، وسرنا حذرين من كمين، وسرت إلى جانب ركن الدولة وهو على فرسه فيروز، فصاح ركن الدولة لغلام بين يديه: ناولني ذلك الخاتم، فأخذ خاتماً من الأرض فناوله إياه فإذا هو من فيروزج فجعله في إصبعه وقال: هذا تأويل رؤياي، وهذا الخاتم الذي رأيت من ساعة، وهذا من أحسن ما يحكى وأعجبه.
وكان ركن الدولة يقول: مثل خراسان في صعوبة فتحها ونزارة دخلها كابن آوى: يصعب صيده ولا يحصل خيره؛ وهو معنى قول الشاعر:
إن ابن آوى لشديد المقتنص ... هو إذا ما صيد ريح في قفص] (2) وتوفي ركن الدولة ليلة السبت لاثنتي عشرة ليلة بقيت من المحرم سنة ست وستين وثلثمائة بالري، ودفن في مشهده. ومولده تقديراً في سنة أربع وثمانين ومائتين، قاله أبو إسحاق الصابئ، وملك أربعاً وأربعين سنة وشهراً وتسعة أيام، وتوى بعده ولده مؤيد الدولة، رحمه الله تعالى.
__________
(1) قارن بما في تجارب الأمم 2: 141.
(2) ما بين معقفين انفردت به النسخة د.

(2/119)


177 - (1)
الحسن بن سهل
أبو محمد الحسن بن سهل بن عبد الله السرخسي؛ تولى وزارة المأمون بعد أخيه ذي الرياستين الفضل وحظي عنده، وقد تقدم في حرف الباء ذكر ابنته بوران وصورة زواجها من المأمون والكلفة التي احتفل بها والدها الحسن فلا حاجة إلى إعادتها. وكان المأمون قد ولاه جميع البلاد التي فتحها طاهر بن الحسين - وقد ذكرته في ترجمته - وكان عالي الهمة كثير العطاء للشعراء وغيرهم، وقصده بعض الشعراء وأنشده:
تقول خليلتي لما رأتني ... أشد مطيتي من بعد حل
أبعد الفضل ترتحل المطايا ... فقلت نعم إلى الحسن بن سهل فأجزل عطيته. وخرج مع المأمون يوماً يشيعه، فلما عزم على مفارقته قال له المأمون: يا أبا محمد، الك حاجة قال: نعم يا أمير المؤمنين تحفظ علي من قلبك ما لا أستطيع حفظه إلا بك. وقال بعضهم: حضرت مجلس ا لحسن ابن سهل وقد كتب لرجل كتاب شفاعة، فجعل الرجل يشكره، فقال الحسن: يا هذا، علام تشكرنا إنا نرى الشفاعات زكاة مروءاتنا [ثم أنشأ يقول:
فرضت علي زكاة ما ملكت يدي ... وزكاة جاهي أن أعين وأشفعا
فإذا ملكت فجد فإن لم تستطيع ... فاجهد بوسعك كله أن تنفعا] (2)
__________
(1) أخبار الحسن بن سهل في الطبري وابن الأثير وتاريخ بغداد لابن طيفور والوزراء والكتاب للجهشياري وتاريخ بغداد للخطيب 7: 309 وتاريخ ابن الوردي 1: 217 والفخري: 203، وله أخبار وأقوال منثورة في كتب الأدب كعيون الأخبار والكامل والبيان وغيرها.
(2) زيادة من ص.

(2/120)


قال الحاكي: وحضرته يوماً وهو يملي كتاب شفاعة، فكتب في آخره: إنه بلغني أن الرجل يسأل عن فضل جاهه يوم القيامة، كما يسأل عن فضل ماله. وقال لبنيه: يا بني تعلموا النطق، فإن فضل الإنسان على سائر البهائم به، وكلما كنتم بالنطق أحذق كنتم بالإنسانية أحق.
[وكان سهل والد الحسن المذكور يتقهرم (1) ليحيى بن خالد بن برمك، وضم يحيى الحسن والفضل ابني سهل إلى ابنيه الفضل وجعفر يكونان معهما، فضم جعفر بن سهل إلى المأمون وهو ولي عهد فغلب عليه ولم يزل معه إلى أن قتل بخراسان، فكتب المأمون إلى الحسب بن سهل وهو ببغداد يعزيه بأخيه ويعلمه أنه قد استوزره وأجراه مجراه، فلم يكن أحد من بني هاشم ولا من القواد يخالف للحسن أمراً ولا يخرج له من طاعة، إلى أن بايع المأمون لعلي بن موسى الرضا بالعهد، فغضب بنو العباس وخلعوا المأمون وبايعوا إبراهيم بن المهدي، فحاربه الحسن بن سهل، فضعف عنه، فانحدر الحسن إلى فم الصلح فأقام به، ووجه من فم الصلح من حارب إبراهيم، فضعف أمر إبراهيم واستتر، وقد تقدم ذكر ذلك. ثم دخل المأمون بغداد وكتب إلى الحسن بن سهل فقدم عليه، فزاد المأمون في كرامته وتشريفه عند تسليمه عليه وذلك في سنة أربع ومائتين.
قال ثعلب: قيل للحسن وقد كثر عطاؤه على اختلال حاله: ليس في السرف خير، فقال: بل ليس في الخير سرف. فرد اللفظ واستوفى المعنى.
ودخل على الحسن أعرابي مدحه بشعر استحسنه، فلما فرغ منه قال له الحسن: اجلس واحتكم، وهو يظن أن الأعرابي صغير الهمة؛ فقال: ألف ناقة، فوجم الحسن ولم تكن في وسعه يومئذ، وكره أن يفتضح، فأطرق إطراقة ثم قال: يا أعرابي، ليس بلدنا بلد إبل ولكن كما قال امرؤ القيس (2) :
إذا ما لم تكن إبلاً فمعزى ... كأن قرون جلتها العصي قال: قد رضيت، قال: فالحق يحيى بن خاقان يعطك ألف شاة، فصار إلى
__________
(1) يتقهرم: يعمل قهرماناً.
(2) ديوانه: 136.

(2/121)


يحيى فأعطاه عن كل شاة ديناراً.
وكتب الحسن بن سهل إلى الحسن بن وهب وقد اصطبح في يوم غنيم لم يمطر: أما ترى تكافؤ الطمع واليأس في يومنا هذا بقرب المطر وبعده كأنه قول كثير (1) :
وإني وتهيامي بعزة بعدما ... [تخليت مما بيننا] وتخلت
لكالمرتجي ظل الغمامة كلما ... تبوأ منها للمقيل اضمحلت وأمنيتي إلا في لقائك، ورقعتي هذه الأبيات، وقد أدرت زجاجات أخذت من عقلي ولم تتحيفه، وبعثت نشاطاً حركني على الكتاب إليك، فرأيك في إمطاري سروراً بسار خبرك، إذ حرمت السرور بالمطر في هذا اليوم، موفقاً إن شاء الله تعالى. فأجابه الحسن بن وهب: وصل كتاب الأمير أيده الله ويدي عاملة وفمي طاعم، فلذلك تأخر الجواب قليلاً، وقد رأيت تكافؤ إحسان هذا اليوم وإساءته وما استحق ذماً لأنه إن أشمس حكى ضيائك وحسنك، وإن أمطر أشبه سخاءك وجودك، وإن أغام فلم يشمس ولم يمطر فقد أشبه طيب ظلك ولذة فنائك؛ وسؤال الأمير أيده الله عني نعمة من الله أعفي بها آثار الزمان المسيء، وأنا كما يحب الأمير، صرف الله الحوادث عنه وعن حظي منه.
ووقع الحسن بن سهل في رقعة: وقد أمرنا لك بشيء هو دون قدرك إلى استحقاق وفوق الكفاية مع الاقتصار.
وتعرض إليه رجل فقال له: من أنت قال: أنا الذي أحسنت إلي عام كذا، فقال: مرحباً بمن توسل إلينا بنا.
وافتعل رجل على الحسن كتاباً إلى إبراهيم الرازي - وكان أمير الأهواز - فقال له: والله لئن كنت صادقاً فما في ملكي ما يفي بحق الوزير، وإن كنت مفتعلاً فما في قدرتي ما يفي بعقوبتك، فحبسه وبعث يستعلم أمر الكتاب، وبلغ ذلك الحسن فأمر أن يكتب إليه: أما كان في صغير ما أنعمنا به عليك ما تصدق به مخلية رجل توسل بنا إن كان مبطلاً فكيف وهو محق
__________
(1) من تائيته التي أوردها القالي في أماليه 2: 105.

(2/122)


وكان الحسن بن سهل يقول: عجبت لمن يرجو من فوقه كيف يحرم من دونه.
ونظر يوماً إلى رجل في مجلسه يعبس في كأسه فقال: ما أنصفتها: تضحك في وجهك وتعبس في وجهها.
وكان يقول: من أدمن شم النرجس في الشتاء أمن البرسام في الصيف] (1) .
ولم يزل على وزارة المأمون إلى أن ثارت عليه المرة السوداء، وكان سببها كثرة جزعه على أخيه الفضل لما قتل - وسيأتي خبره في حرف الفاء إن شاء الله تعالى - واستولت عليه حتى حبس في بيته ومنعته من التصرف. وذكر الطبري في تاريخه أن الحسن بن سهل في سنة ثلاث ومائتين غلبت عليه السوداء، وكان سببها أنه مرض مرضاً شديداً فهاج به من مرضه تغير عقله حتى شد في الحديد وحبس في بيت، فاستوزر المأمون أحمد بن أبي خالد. وكانت وفاته سنة ست وثلاثين في مستهل ذي الحجة، وقيل خمس وثلاثين ومائتين، بمدينة سرخس، رحمه الله تعالى. ومدحه يوسف الجوهري بقوله:
لو أن عين زهير عاينت حسناً ... وكيف يصنع في أمواله الكرم
إذا لقال زهير حين يبصره ... هذا الجواد على العلات، لا هرم قلت: وحديث زهير وهرم بن سنان مذكور في آخر هذا الكتاب في ترجمة يحيى بن عيسى المعروف بابن مطروح فليكشف منه؛ وللحسن بن سهل في ترجمة أبي بكر محمد الخوارزمي الشاعر ذكر فلينظر هناك.
والسرخسي - بفتح السين والراء المهملتين وسكون الخاء المعجمة وبعدها سين مهملة - هذه النسبة إلى سرخس وهي من بلاد خراسان.
__________
(1) زيادة من ص، لم ترد في المسودة وسائر النسخ.

(2/123)


178 - (1)
الوزير المهلبي
أبو محمد الحسن بن محمد بن هارون بن إبراهيم بن عبد الله بن يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي المهلبي الوزير؛ كان وزير معز الدولة أبي الحسين أحمد بن بويه الديلمي - المقدم ذكره في حرف الهمزة - تولى وزارته يوم الاثنين لثلاث بقين من جمادى الأولى سنة تسع وثلاثين وثلثمائة. وكان من ارتفاع القدر واتساع الصدر وعلو الهمة وفيض الكف على ما هو مشهور به، وكان غاية في الأدب والمحبة لأهله. وكان قبل اتصاله بمعز الدولة في شدة عظيمة من الضرورة والضائقة، وكان قد سافر مرة ولقي في سفره مشقة صعبة واشتهى اللحم فلم يقدر عليه فقال ارتجالاً (2) :
ألا موت يباع فأشتريه ... فهذا العيش ما لا خير فيه
ألا موت لذيذ الطعم يأتي ... يخلصني من العيش الكريه
إذا أبصرت قبراً من بعيد ... وددت لو أنني مما يليه
ألا رحم المهيمن نفس (3) حر ... تصدق بالوفاة على أخيه وكان معه رفيق يقال له: ابو عبد الله الصوفي، وقيل أبو الحسين العسقلاني، فلما سمع الأبيات اشترى له بدرهم لحماً وطبخه وأطعمه، وتفارقا. وتنقلت بالمهلبي الأحوال، وتولى الوزارة ببغداد لمعز الدولة المذكور، وضاقت الحال
__________
(1) ترجمة الوزير المهلبي وأخباره في كتب التاريخ العامة، وانظر المنتظم 7: 9 والييمة 2: 224 والفوات 1: 256 وورودها في الفوات وهو استدراك على ان خلكان مما يحسن التوقف عنده، وشذرات الذهب 3: 9 ومعجم الأدباء 9: 118.
(2) اليتيمة: 224 - 225.
(3) د: روح.

(2/124)


برفيقه في السفر الذي اشترى له اللحم (1) ، وبلغه وزارة المهلبي فقصده وكتب إليه:
ألا قل للوزير فدته نفسي ... مقالة مذكر (2) ما قد نسيه
أتذكر إذ تقول لنضك عيش (3) ... " ألا موت يباع فأشتريه " فلما وقف عليه تذكره وهزته أريحية الكرم، فأمر له في الحال بسبعمائة درهم ووقع في رقعته (4) (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء) ثم دعا به فخلع عليه وقلده عملاً يرتفق به.
ولما ولي المهلبي الوزارة بعد تلك الإضاقة عمل:
رق الزمان لفاقتي ... ورثى لطول تحرقي
فأنالني ما أرتجيه ... وحاد عما (5) أتقى
فلأطفحن عما أتا ... ه (6) من الذنوب السبق
حتى جنايته بما ... صنع المشيب بمفرقي وله أيضاً (7) :
قال لي من أحب والبين قد ج ... د وفي مهجتي لهيب الحريق (8)
ما الذي في الطريق تصنع بعدي ... قلت أبكي عليك طول الطريق ومن المنسوب إليه في وقت الإضاقة من الشعر ما كتبه إلى بعض الرؤساء،
__________
(1) أ ج: في السفرة التي اشترى له فيها اللحم.
(2) أ واليتيمة: مقال مذكر.
(3) أ: لضيق؛ ج: حال.
(4) د: قصته.
(5) اليتيمة: ما أرتجي وأجار مما.
(6) ج: فلأغفرن له الكثير.
(7) اليتيمة: 239 والفوات: 258.
(8) اليتيمة: والبين قد بدد مواصلاً للشهيق.

(2/125)