صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الفارسية فخرج من أفهم الناس وأفصحهم بالعربية وقال الشعر وتعلم رمي النشاب فخرج من الأساورة الرماة وتعلم لعب العجم على الخيل بالصوالجة وغيرها . ية فخرج من أفهم الناس وأفصحهم بالعربية وقال الشعر وتعلم رمي النشاب فخرج من الأساورة الرماة وتعلم لعب العجم على الخيل بالصوالجة وغيرها
ثم إن المرزبان وفد على كسرى ومعه ابنه شاهان مرد فبيناهما بين يديه إذ سقط طائران على السور فتطاعما كما يتطاعم الذكر والأنثى وجعل كل واحد منهما منقاره في منقار الآخر فغضب كسرى ولحقته غيرة فقال للمرزبان وابنه : ليرم كل واحد منكما واحدا من هذين الطائرين فإن قتلتماهما أدخلتكما بيت المال وملأت أفواهكما بالجواهر ومن أخطأ منكما عاقبته فاعتمد كل واحد منهما طائرا ورميا فقتلاهما فبعث بهما إلى بيت المال فملئت أفواههما جوهرا وأثبت شاهان مرد وسائر أولاد المرزبان في صحابته فقال فروخ ماهان : عندي غلام من العرب مات أبوه وخلفه في حجري وهو أفصح الناس وأكتبهم بالعربية والفارسية واملك محتاج إلى مثله فإن رأى أن يثبته في ولدي فعل قال : ادعه . فأرسل إلى عدي بن زيد وكان جميل الوجه فائق الحسن وكانت الفرس تتبرك بالجميل الوجه فلما كلمه وجده أظرف الناس وأحضرهم جوابا فرغب فيه وأثبته معه ولد المرزبان فكان عدي أول من كتب بالعربية في ديوان كسرى فرغب أهل الحيرة في عدي ورهبوه ففلم يزل بالمدائن في ديوان كسرى يؤذن له عليه في الخاصة وهو معجب به قريب منه وأبوه زيد بن حمار يومئذ حي إلا أن ذكر عدي قد ارتفع وخمل ذكر أبيه فكان إذا دخل إلى المنذر قام جميع من عنده حتى يقعد عدي
ثم إن كسرى أرسل عدي بن زيد إلى ملك الروم بهدية من طرف ما عنده فلما أتاه عدي بها أكرمه وحمله على البريد إلى أعماله ليريه سعة أرضه وعظم ملكه فمن ثم وقع عدي بدمشق وقال فيها الشعر
قال : وفسد أمر الحيرة وعدي بدمشق حتى أصلح أبوه بينهم وذلك لأن الحيرة حين كان عليها المنذر أرادوا قتله لأنه كان يعدل فيهم وكان يأخذ من أموالهم ما يعجبه فلما تيقن أن أهل الحيرة أجمعوا على قتله بعث إلى زيد بن حمار وكان قبله على الحيرة فقال له : يا زيد أنت خليفة أبي وقد بلغني ما أجمع عليه أهل الحيرة فلا حاجة لي في ملككم دونكموه فملكوه من شئتم . فقال له زيد : إن الأمر ليس إلي ولكني أشير إلى هذا الأمر ولا آلوك نصحا . فلما أصبح غدا إليه الناس فحيوه تحية الملك وقالوا له : ألا تبعث إلى الظالم يعنون المنذر فتريح منه رعيتك ؟ قال لهم : أفلا خير من ذلك ؟ قالوا له : أشر علينا . قال : تدعونه على حاله فإنه من أهل بيت ملك وأنا آتيه فأخبروه أن أهل الحيرة قد اختاروا رجلا يكون أمر الحيرة إليه إلا أن يكون عزف ومال فلك اسم الملك وليس إليك شيء سوى ذلك من الأمور . قالوا : رأيك أفضل . فأتى المنذر فأخبره ما قالوا فقبل ذلك وفرح وقال : إن لك يا زيد نعمة علي لا أكفرها ما عرفت حق سبد وسبد صنم لأهل الحيرة فولى أهل الحيرة زيدا على كل شيء سوى اسم الملك فإنهم أقروه للمنذر وفي ذلك يقول عدي : من الرمل :
نحن كنا قد علمتم قبلكم ... عمد البيت وأوتاد الإصار
ثم هلك زيد وابنه عدي بالشام وكانت لزيد ألف ناقة للحملات كان أهل الحيرة أعطوه إياها حين ولوه ما ولوه فلما أرادوا أخذها فبلغ ذلك المنذر فقال : لا واللات والعزى لا يؤخذ مما كان في يد زيد ثفروق وأنا أسمع الصوت . ففي ذلك يقول عدي بن زيد لأبيه النعمان بن المنذر : من الرمل :
وأبوك المرء لم نشق به ... يوم سيم الخسف قمنا بخسار
ثم قدم عدي المدائن على كسرى بهدية قيصر فصادف أباه والمرزبان الذي رباه هلكا فاستأذن كسرى في الإلمام بالحيرة فأذن له فتوجه إليها وبلغ المنذر خبره فخرج فتلقاه بالناس باشنبينا ورجع معه

(1/2256)


وعدي أنبل أهل الحيرة في أنفسهم ولو أرادوا أن يملكوه لملكوه ولكنه كان يوثر الصيد واللهو على الملك فمكث سنين يبدو في فصلي السنة فيقيم بالبر ويشتو بالحيرة ويأتي المدائن في خلال ذلك فيخدم كسرى فمكث كذلك سنين وكان لا يوثر على بلاد بني يربوع شيئا من مبادي العرب ولا ينزل في حي من أحياء بني تميم غيرهم وكان أخلاؤه من العرب كلهم بني جعفر وكانت لإبله في ضبة وبلاد بني سعد وكذلك كان أبوه يفعل يجاور هذين الحيين بإبله ولم يزل كذلك حتى تزوج هند بنت النعمان بن المنذر وهي يومئذ جارية حتى بلغت أو كادت
وكان المنذر لما ملك جعل ابنه النعمان في حجر عدي بن زيد فهم الذين أرضعوه وربوه وكلن للمنذر ابن آخر يقال له : الأسود أمه مارية بنت الحارث بن جلهم من تيم الرباب فأرضعوه ورباه قوم من أهل الحيرة يقال لهم بنو مرينا ينتسبون إلى لخم وكانوا أشرافا وكان للمنذر سوى هذين من الولد عشرة وكان ولده يقال لهم : الأشاهب من جمالهم ولذلك أعشى قيس بن ثعلبة : من الخفيف :
وبنو المنذر الأشاهب بالح ... رة يمشون غدوة كالسيوف

(1/2257)


وكان النعمان من بينهم أحمر أبرش قصيرا وأمه سلمى بنت وائل بن عطية الصائغ من أهل فدك فلما احتضر المنذر أوصى بولده إلى إياس بن قبيصة الطائي وملكه على الحيرة إلى أن يرى كسرى بن هرمز رأيه فمكث مملكا عليها أشهرا وكسرى في طلب رجل يملكه عليهم فلم يجد أحدا يرضاه فضجر وقال : لأبعثن إلى الحيرة اثني عشر ألفا من الأساورة ولأملكهن عليهم رجلا من الفرس ولآمرنهم أن ينزلوا على العرب في دورهم ويملكوا عليهم أموالهم ونساءهم . وكان عدي بن زيد واقفا بين يديه فقال : ويحك يا عدي ! من بقي من آل المنذر وهل فيهم أحد فيه خير ؟ قال له : نعم أيها الملك إن فيهم لبقية وفيهم كل خير . قال : ابعث إليهم فأحضرهم . فبعث عدي إليهم فأحضرهم وأنزلهم جميعا عنده فلما نزلوا عليه أرسل النعمان : لست أملك غيرك فلا يوحشك ما أفضل به إخوتك عليك من الكرامة فإني أغترهم بذلك . ثم كان يفضل إخوته جميعا عليه في النزل والإكرام والملازمة ويريهم تنقصا للنعمان وأنه غير طامع في تمام أمر على يده وجعل يخلو بهم رجلا رجلا فيقول : إذا أدخلتم على الملك فالبسوا أفخر ثيابكم وأجملها وإذا دعي لكم بالطعام لتأكلوا فتباطؤوا في الأكل وصغروا اللقم ونزروا ما تأكلون فإذا قال لكم : أتكفوني العرب ؟ فقولوا : نعم فإذا قال لكم : فإن شذ أحدكم عن الطاعة أو أفسد أفتكفونيه ؟ فقولوا : لا إن بعضنا لا يقدر على بعض ليهابكم ولا يطمع في تفرقكم ويعلم أن للعرب منعة وبأسا . فقبلوا منه وخلا بالنعمان فقال له : البس ثياب السفر وادخل متقلدا سيفك وإذا جلست للأكل فعظم اللقم وأسرع المضغ والبلع وزد في الاكل وتجوع قبل ذلك فإن كسرى تعجبه كثرة الأكل ومن العرب خاصة ويرى أنه لا خير في العربي إذا لم يكن أكولا شرها ولا سيما إذا رأى طعامه وما لا عهد له بمثله فإذا سألك هل تكفيني العرب ؟ فقل : نعم فإذا قال لك : فمن لي بإخواتك ؟ فقل له : إن عجزت عنهم فإني عن غيرهم أعجز . قال : وخلا ابن مرينا بالأسود فسأله عما أوصاه به عدي فأخبره فقال له : غشك والصليب والمعمودية ما نصحك ولئن أطعتني لتخالفن كل ما أمرك به ولتملكن ولئن عصيتني ليملكن النعمان فلا يعرنك ما أولاكه من الإكرام والتفضيل على النعمان فإن ذلك دهاء ومكر وإن هذه المعدية لا تخلو من مكر وحيلة . فقال له : إن عديا لم يألني نصحا وهو أعلم بكسرى منك وإن خالفته أوحشته فأفسد علي وهو جاء بنا ووصفنا وإلى قوله يرجع كسرى فلما يئس ابن مرينا من قبوله منه قال له : ستعلم . ودعا بهم كسرى فلما دخلوا عليه أعجبه جمالهم وكمالهم ورأى رجالا قل ما رأى مثلهم فدعا لهم بالطعام ففعلوا ما أمرهم عدي فجعل ينظر إلى النعمان من بينهم ويتأمل أكله فقال لعدي بالفارسية : إن يكن في أحد منهم ففي هذا . فلما غسلوا أيديهم جعل يدعو بهم رجلا رجلا فيقول أتكفيني العرب ؟ فيقول : نعم أكفيكها كلها إلا إخوتي حتى انتهى إلى النعمان آخرهم فقال له : أتكفيني العرب ؟ قال : نعم . قال : كلها ؟ قال : نعم . قال : فكيف لي بإخوتك ؟ قال : إن عجزت عنهم فأنا عن غيرهم أعجز . فملكه وخلع عليه وألبسه تاجا قيمته ستون ألف درهم فيه اللؤلؤ والجوهر والياقوت والزبرجد فلما خرج وقد ملك قال ابن مرينا للأسود : دونك عقبى خلافتك لي
ثم إن عديا صنع طعاما في بيعة فأرسل إلى ابن مرينا أن ائتني بمن أحببت فإن لي حاجة . فأتاه في ناس فقعدوا في البيعة فقال عدي بن زيد لابن مرينا : إن أحق من عرف الحق ولم يلم عليه من كان مثلك وإني قد عرفت أن صاحبك الأسود بن المنذر كان أحب إليك من صاحبي النعمان فلا تلمني على شيء كنت على مثله وأنا أحب أن لا تحقد علي شيئا لو قدرت عليه ركبته وأنا أحب أن تعطيني من نفسك ما أعطيك من نفسي فإن نصيبي من هذا الأمر ليس بأوفر من نصيبك . وقام إلى البيعة فحلف أن لا يهجوه أبدا ولا يبغيه غائلة ولا يزوي عنه خيرا فلما فرغ عدي بن زيد قام عدي بن مرينا فحلف بمثل يمينه أن لا يزال يهجوه أبدا ويبغيه الغوائل ما بقي . وخرج النعمان حتى نزل منزل أبيه بالحيرة فقال عدي بن مرينا لعدي بن زيد : من الوافر :
ألا أبلغ عديا عن عدي ... ولا تجزع وإن رثت قواكا
هيا كلنا تنوء لغير فقد ... لتحمد أو يتم به علاكا

(1/2258)


فإن تظفر فلم تظفر حميدا ... وإن تعطب فلا يبعد سواكا
ندمت ندامة الكسعي لما ... رأت عيناك ما صنعت يداكا
ثم قال عدي بن مرينا للأسود : أما إذ لم تظفر فلا تعجز أن تطلب بثأرك من هذا المعدي الذي فعل بك ما فعل فقد كنت أخبرك أن معدا لا ينام كيدها وأمرتك أن تعصيه فخالفتني . قال : فما تريد ؟ قال : أريد أن لا يأتيك فائدة من مالك وأرضك إلا عرضتها علي ففعل وكان ابن مرينا كثير المال والضيعة فلم يكن في الدهر يوم يأتي إلا على باب النعمان هدية من ابن مرينا فصار من أكرم الناس عليه حتى كان لا يقضي في ملكه شيئا إلا بأمر ابن مرينا وكان إذا ذكر عدي بن زيد عند النعمان أحسن الثناء عليه وشيع ذلك بأن يقول : عدي بن زيد فيه مكر وخديعة والمعدي لا يصلح إلا هكذا . فلما رأى من يطيف بالنعمان منزلة ابن مرينا عنده لزموه وتابعوه فجعل يقول لمن يثق به من أصحابه : إذا رأيتموني أذكر عديا عند الملك بخير فقولوا : إنه لكذلك ولكنه لا يسلم عليه من أصحابه أحد وإنه ليقول : إن الملك يعني النعمان عامله وإنه هو ولاه ما ولاه فلم يزالوا كذلك حتى أضغنوه عليه وكتبوا كتابا على لسانه إلى قهرمان له ثم دسوا إليه حتى أخذوا الكتاب منه وأتوا به النعمان فقرأه واشتد غضبه وأرسل إلى عدي بن يزيد : عزمت عليك إلا زرتني فإني قد اشتقت إلى رؤيتك وعدي يومئذ عند كسرى فاستأذن كسرى فأذن له فلما أتاهلم ينظر إليه حتىحبسه في محبس لا يدخل عليه فيه أحد فجعل عدي يقول الشعر وهو في السجن فمما قاله من أبيات : من الرمل :
أبلغ النعمان عني مالكا ... أنه قد طال حبسي وانتظاري
لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصان بالماء اعتصاري
في قصائد كثيرة كان يقولها فيه ويكتب بها إليه ولا يغني عنده شيئا
قال أبو بكر الهذلي : سمعت رجلا ينشد الحسن شعر عدي بن زيد : من الخفيف :
وصحيح أضحى يعود مريضا ... هو أدنى للموت ممن يعود
وأطباء بعدهم لحقوقهم ... ضل عنهم سعوطهم واللدود
أين أهل الديار من قوم نوح ... ثم عاد من بعدهم وثمود
أين أبناؤنا وأين بنوهم ... أين آباؤنا وأين الجدود
سلكوا منهج المنايا فبادوا ... وأرونا قد حان منا ورود
بينما هم على النمارق والدي ... باج أفضت إلى التراب الخدود
ثم لم ينقض الحديث ولكن ... بعد ذاك الوعيد والموعود
فبكى الحسن حتى تحدرت دموعه على خديه ولحيته ثم تلا : " كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام " ولعدي بن زيد : من الطويل :
عن المرء لا يسأل وسل عن قرينه ... فإن القرين بالمقارن يقتدي

(1/2259)


وفي حديث آخر أن عمر بن هند ملك العرب لما هلك وفدت وفود العرب إلى كسرى تلتمس الملك وكان عدي بن زيد كاتب كسرى بالعربية ووفد فيهم النعمان بن المنذر وكان أحدثهم سنا فلما قدموا على كسرى قام كل رجل منهم يذكر شرفه وأفعاله وطاعة قومه له فقال لهم كسرى : انصرفوا إلى منازلكم حتى يخرج إليكم رأيي . فلما انصرفوا قال لعدي : أي هؤلاء ترى أن أملك وكان النعمان صديقا لعدي من قبل أن كلاهما من أهل الحيرة ؟ قال له عدي : أيها الملك كلهم شريف محتمل ولكن فيهم فتى من أهل بيت ملك لا أراهم يرضون بملكه عليهم . قال : وكيف لا يرضون بما أفعل ؟ قال : من قبل أن أمه فارسية وهم يأنفون أن يملكهم ابن فارسية . ولم تكن أم النعمان فارسية إنما هي غسانية ولكن عديا أراد أن يكيد له للذي بينهما من الصداقة فأغضب كسرى فلما فرغ قال النعمان لعدي : اخرج معي فأجعل الخاتم في يدك ويكون الأمر أمرك . قال عدي : أخاف أن يفطن كسرى لما صنعت ولكن اخرج فسوف ألحقك فكان كذلك فمكث بعده شيئا ثم لحقه فوفى له النعمان فجعل الخاتم في يده وكان الأمر أمره وكان بنو بقيلة معادين لعدي فركب النعمان يوما فقال له عدي : إنك ستمر ببني بقيلة ويعرضون عليك أن تنزل عندهم وتأكل طعامهم وأنت إن فعلت لم أقم معك ساعة وانصرف إلى كسرى . فقال النعمان : إني لا أدخل إليهم ولا آكل طعامهم . فلما مر بهم تلقوه وقالوا : أيها الملك أكرمنا بنزولك إلينا ودخولك منزلنا . فتأبى عليهم فقالوا : ننشدك الله أن تورثنا سبة ما عشنا وعارا في الناس . فلم يزالوا به حتى نزل إليهم وأكل من طعامهم فلما بلغ ذلك عديا انصرف إلى منزله فلما رجع النعمان قال : أين عدي ؟ قالوا : ذهب إلى منزله . قال : فادعوه . فأبى أن يجيب فأغضب النعمان فقال لمن عنده من جنده وحشمه : ائتوني به ولو سحبا . فسحبوه فلم يبلغوا به حتى أثروا به آثارا قبيحة فلما رآه النعمان علم أن فساده عند كسرى إن رآه على تلك الحال فأمر به إلى السجن فمكث في السجن زمانا يقول الشعرن ثم بلغ كسرى ما صنع به فأرسل أمناء من عنده فقال : إن كان عدي على ما بلغني فأتوني النعمان في الحديد وإن كان غير ذلك فأعلموني كيف كان . فراع ذلك النعمان فأسرى على عدي فقتله ودفنه فلما جاء الأمناء قالوا أين عدي ؟ قال : هيهات عدي مذ زمان فصار عدي بن عدي كاتبا لكسرى بالعربية مكان أبيه وأرضى النعمان الأمناء بشيء فانصرفوا عنه فعفوا عنه
وذكر المفضل الضبي أن عديا كان له أخ اسمه أبي وكان عند كسرى فكتب إليه عدي يخبره بما جرى له فأخبر كسرى بأمره فوجه كسرى رسولا إلى النعمان يأمره بإطلاقه فقتله النعمان في السجن ثم ندم على قتله وكان ذلك سبب تغير كسى للنعمان
عدي بن زيد بن مالك بن عدي
ابن الرقاع بن عصر بن عدة ويقال : عرة بن شعل بن معاوية بن الحارث وهو عاملة بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد أبو داود العاملي الشاعر المعروف بعدي الرقاع ويقال : إن عاملة بنت وديعة بن قضاعة أم معاوية بن الحارث وإليها ينسبون
قدم دمشق ومدح الوليد بن عبد الملك
في الطبقة السابعة وفي نسبه اختلاف وكان أبرص وهاجى جرير بن الخطفى واجتمعا عند الوليد بن عبد الملك فأنشده عدي قصيدة التي أولها : من الكامل :
عرف الديار توهما فاعتادها
قال جرير : فحسدته على أبيات منها حتى أنشدني صفة الظبية والغزال :
تزجي أغن كأن إبرة روقه
قال جرير : فرحمته فلما قال :
قلم أصاب من الدواة مدادها
رحمت نفسي وحالت الرحمة حسدا وفيها يقول :
وقصيدة قد بت أجمع بيتها ... حتى أقوم ميلها وسنادها
نظر المثقف في كعوب قناته ... حتى يقيم ثقافة ميادها
وعلمت حتى ما أسأئل واحدا ... عن علم واحد لكي أزدادها
دخل جرير على الوليد بن عبد الملك وهو خليفة وعنده ابن الرقاع العاملي فقال الوليد لجرير : أتعرف هذا ؟ قال : لا يا أمير المؤمنين . قال : هذا رجل من عاملة . فقال : الذين يقول الله تعالى : " عاملة ناصبة تصلى نارا حامية " ثم قال : من الطويل :
يقصر باع العاملي عن العلا ... ولكن أير العاملي طويل
فقال العاملي :
أأمك يا ذا أخبرتك بطوله ... أم أنت امرؤ لم تدر كيف تقول

(1/2260)


قال : لا بل لم أدر كيف أقول . فوثب العاملي إلى رجل الوليد فقبلها وقال : أجرني منه . فقال الوليد لجرير : لئن سميته لأسرجنك ولألجمنك وليركبنك فيعيرك بذلك الشعراء
قال أحمد بن يحيى ثعلب : أشعر ما قيل قول عدي بن الرقاع : من الكامل :
لولا الحياء وأن رأسي قد عسا ... فيه المشيب لزرت أم القاسم
وكأنها وسط النساء أعارها ... عينيه أحور من جآذر جاسم
وسنان أقصده النعاس فرنقت ... في عينيه سنة وليس بنائم
قال ابن الأعرابي : بلغني أن جماعة من الشعراء أتوا باب ابن الرقاع الشاعر فدقوه فخرجت إليهم بنية له صغيرة فقالت : من القوم ؟ قالوا : نحن شعراء أتينا أباك لنهاجيه . قالت لهم : هو غائب . قالوا : لا ولكنه هرب منا . فقالت : من الطويل :
تجمعتم من كل شرق ومغرب ... على واحد لازلتم قرن واحد
لما أتت الخلافة سليمان بن عبد الملك أتته وهوبالسبع فكتب إلى عامله بالأردن أن يبعث إليه عدي بن الرقاع في وثاق فوجهه إليه فلما دخل عليه قال : إن كنت لكارها لخلافتي قال : وكيف ذاك يا أمير المؤمنين ؟ قال : حين تقول في مدحة الوليد :
عذنا بذي العرش أن نبقى ونفقده ... وأن نكون لراع بعده تبعا
قال ابن الرقاع : والله ما هكذا قلت يا أمير المؤمنين ولكني قلت :
عذنا بذي العرش أن نبقى ونفقدهم ... وأن نكون لراع بعدهم تبعا
قال : وكذلك ؟ قال : نعم قال : فكوا حديده وردوه على موكبه إلى أهله . وإنما كان خص بتلك المدحة الوليد
عدي بن عبد الرحمن بن زيد
ابن أسيد بن جابر ابن عدي بن خالد بن خثيم بن أبي حارثة ابن جدي ابن تدول بن بحتر بن عتود أبو الهيثم الطائي والد الهيثم بن عدي
قيل : إنه دمشقي سكن الكوفة وواسط
حدث عن داود بن أبي هند عن أبي صالح مولى لطلحة بن عبيد الله قال : كنت عند أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه و سلم فأتاه ذو قرابة لها غلام شاب ذو جمة فقام يصلي فلما ذهب يسجد نفخ فقالت : لا تفعل فإن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يقول لغلام أسود : " يا رباح ترب وجهك "
وحدث عنه عن عكرمة عن ابن العباس قال : ما ابتلي بهذا الدين أحد فقام به كله إلا إبراهيم عليه السلام قال الله عز و جل " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال : إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي " الآية
قال : أما الظالم فلا يؤتم به . قلت له : فما الكلمات التي ابتلى الله إبراهيم بهن وأتمهن ؟ قال : الإسلام ثلاثون سهما : عشر آيات في براءة " التائبون العابدون " إلى آخر الآيات وعشر آيات من أول سورة " قد أفلح المؤمنون " و " سأل سائل بعذاب واقع : وعشر آيات في الأحزاب " إن المسلمين والمسلمات " إلى آخر الآية وعشر آيات من أول سورة " قد أفلح المؤمنون " و " سأل سائل بعذاب واقع " وعشر آيات في الأحزاب " إن المسلمين والمسلمات " إلى آخر الآية فأتمهن كلهن فكتب له براءة قال : " وإبراهيم الذي وفى "
قال سليمان بن أبي شيخ : سألت أبا سفيان الحميري عن عدي بن عبد الرحمن أبي الهيثم بن عدي : هل كان يطعن في نسبه ؟ قال : لا ولقد كان من خير رجل بواسط ولكن ابنه يعني الهيثم بن عدي آذى الناس وتعرض لهم فتعرضوا له
عدي بن عدي بن عميرة بن عدي
ابن عفير ويقال : عفير بن زرارة بن الأرقم بن النعمان ابن عمرو بن وهب بن ربيعة بن معاوية بن ثور بن مرتع بن معاوية بن كندة وهو ثور بن عفير بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد الكندي كان يصحب خلفاء بني أمية واستعمله عمر بن عبد العزيز على الموصل والجزيرة ثم عزله وولاه أرمينية فلم يزل عليها حتى توفي عمر
حدث عدي بن عدي عن أبيه عن العرس قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : مروا النساء في أنفسهن فإن الثيب تعرب عن نفسها والبكر رضاها صمتها
وكان عدي يكنى أبا فروة وكان ثقة ناسكا فقيها محدثا وكان على قضاء الجزيرة في خلافة عمر بن عبد العزيز
قال مسلمة بن عبد الملك : إن في كندة لثلاثة إن الله تبارك وتعالى لينزل بهم الغيث وينصر بهم على الأعداء : رجاء بن حيوة وعبادة بن نسي وعدي بن عدي
سئل مكحول عن شيء وهو مع رجاء بن حيوة وعدي بن عدي الكندي ؟ فقال سل شيخي هذين . فقالا له : أفت الرجل . فقال مكحول : نعم . فأجابه

(1/2261)


قال خليفة : سنة تسع وتسعين فيها أغارت الخزر على أرمينية وأذربيجان وعليهما عبد العزيز بن حاتم بن النعمان الباهلي فقتل الله عامة الخزرن وكتب عبد العزيز بذلك إلى عمر بن عبد العزيز عند ولايته فولى عمر بن عبد العزيز أرمينية عدي بن عدي فاحتفر عدي نهرا يقال له : نهر عدي إلى اليوم
توفي عدي بن عدي الكندي سنة عشرين ومئة
عدي بن عميرة بن فروة بن زرارة
ابن الأرقم ابن نعمان بن عمرو بن وهب بن ربيعة بن معاوية الأكرمين بن الحارث بن معاوية بن ثور بن مرتع بن كندة وهو ثور بن عفير بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد أبو زرارة الكندي الأرقمي
وفد على سيدنا رسول الله صلى الله عليه و سلم وحدث عنه ووفد على معاوية
حدث عدي بن عميرة : أن امرأ القيس بن عابس الكندي خاصم إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم رجلا من حضرموت في أرض فسأل رسول الله صلى الله عليه و سلم الحضرمي البينة فلم يكن له بينة فقضى علىامرئ القيس باليمن فقال الحضرمي : أمكنته يا رسول الله صلى الله عليه و سلم من اليمن ذهبت والله أرضي فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : من حلف على يمين كاذبة ليقتطع بها مال أخيه لقي الله يوم يلقاه وهو عليه غضبان
قال : وقال رجاء : وتلا رسول الله صلى الله عليه و سلم " إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانه ثمنا قليلا " إلى آخر الآية . فقال امرؤ القيس : يا رسول الله فماذا لمن تركها ؟ قال : له الجنة . قال : فإني أشهدك أني قد تركتها
وعن عدي بن عميرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : من استعملناه منكم على عملنا فكتمنا منه مخيطا فما فوقه كان غلولا يأتي به يوم القيامة . قال : فقام إليه رجل أسود من الأنصار كأني أنظر إليه فقال : يا رسول الله اقبل عني عملك . قال : ومالك ؟ قال : سمعتك تقول كذا وكذا . قال : وأنا أقوله الآن : من استعملناه منكم على عمل فليجئ بقليله وكثيره فما أمر منه أخذ وما نهي عنه انتهى
قال محمد بن سعد في الطبقة الرابعة : عدي بن عميرة بن فروة بن زرارة بن الأرقم وبنو الأرقم بطن لهم مسجد بالكوفة لما قدم علي بن أبي طالب عليه السلام الكوفة جعل أصحابه يتناولون عثمان فقالت بنو الأرقم : لا نقيم ببلد يشتم فيه عثمان . فخرجوا إلى الجزيرة إلى الرها وخرج معهم من ولدوا من كندة فخرج بنو أحمر بن عمرو وبعض بني الحارث بن عدي وبنو الأحزم من بني حجر بن وهب بن ربيعة فقدموا على معاوية بن أبي سفيان فحمد معاوية الله وأثنى عليه ثم قال : يا أهل الشام هذا حي عظيم من كندة قدموا علي ناقمين على علي بن أبي طالب عليه السلام وكان إذا قدم عليه أهل العراق أنزلهم الجزيرة مخافة أن يفسدوا أهل الشام فأنزلهم نصيبين . فأنزلهم الرها وأقطعهم قطائع ثم كتب إليهم : إني أتخوف عليكم عقارب نصيبين . فأنزلهم الرها وأقطعهم بها قطائع وشهدوا صفين مع معاوية فضرب عدي بن عميرة يومئذ على يده وكان آخر من خرج إليهم من الكوفة العرس بن قيس بن سعيد بن الأرقم فولي ولايات وولي الجزيرة وعدي بن عدي بن عميرة كان ناسكا فقيها
قال ابن أبي خثيمة : بلغني أن عدي بن عميرة هرب من علي بن أبي طالب عليه السلام فنزل الحيرة ومات بها
عدي بن الفصيل
وقيل : ابن الفضل الفصيل : بفتح الفاء وكسر الصاد المهملة
قال : شهدت عمر بن عبد العزيز يخطب بخناصرة وهو يقول : يا أيها الناس إنه إن يك لأحد رزق في رأس جبل أو حضيض أرض يأته قبل موته فأجملوا في الطلب
كان عدي بن الفصيل ثقة
عدي بن كعب
بعثه أبو بكر الصديق رضي الله عنه رسولا إلى ملك الروم مع عبادة بن الصامت وغيره فقدموا دمشق

(1/2262)


قال عبادة بن الصامت : بعثني أبو بكر إلى ملك الروم يدعوه إلى الإسلام ويرغبه فيه ومعي عمرو بن العاص وهشام بن العاص وعدي بن كعب ونعيم بن عبد الله بن النحام فقدمنا على جبلة بن الأيهم دمشق فأدخلنا على ملكهم بها الرومي فإذا هو على فرش له مع الأسقف فأجلسنا وبعث إلينا رسوله وسألنا أن نكلمه فقلنا : لا والله لا نكلمه برسول بيننا وبينه فإن كان في كلامنا حاجة فليقربنا منه . فأمر بسلم فوضع ونزل إلى فرش له في الأرض فقربنا فإذا هو عليه ثياب سود مسوح فقال له هشام بن العاص : ما هذه المسوح التي عليك ؟ قال : لبستها ناذرا أن لا أنزعها حتى أخرجكم من الشام . فقلنا : بل نملك مجلسك وبعده ملككم الأعظم فوالله لنأخذنه إن شاء الله فإنه قد أخبرنا بذلك نبينا صلى الله عليه و سلم الصادق البار . قال : إذا أنتم السمراء . قلنا : وما السمراء ؟ قال : لستم بها . قلنا : ومن هم ؟ قال : الذين يقومون الليل ويصومون النهار . قال : فقلنا : نحن والله هم . قال : فقال : وكيف صومكم وصلاتكم وحالكم ؟ فوصفنا له أمرنا فنظر إلى أصحابه وراطنهم وقال لنا : ارتفعوا . ثم علا وجهه سواد حتى كأنه قطعة مسح من شدة سواده وبعث معنا رسلا إلى ملكهم الأعظم بالقسطنطينية

(1/2263)


فخرجنا إلى مدينتهم ونحن على رواحلنا علينا العمائم والسيوف فقال لنا الذين معنا : إن دوابكم هذه لا تدخل مدينة الملك فإن شئتم جئنا ببراذين وبغال ؟ قلنا : لا والله لا ندخلها إلا على رواحلنا فبعثوا إليه يستأذنونه فأرسل إليهم أن خلوا سبيلهم ودخلنا على رواحلنا حتى انتهينا إلى غرفة مفتوحة الباب فإذا هو فيها جالس ينظر قال : فأنخنا تحتها ثم قلنا : لا إله إلا الله والله أكبر . فيعلم الله لانتفضت حتى كأنها نخلة يصفقها الريح فبعث إلينا رسولا : إن هذا ليس لكم أن تجهزوا بدينكم في بلادنا وإمرتنا فأدخلنا عليه وإذا هو مع بطارقته وعليه ثياب حمر وفرشه وما حواليه أحمر وإذا رجل فصيح بالعربية يكتب فأومى إلينا فجلسنا ناحية فقال لنا وهو يضحك : ما منعكم أن تحيوني بتحيتكم فيما بينكم ؟ فقلنا : نرغب بها عنك وأما تحيتك التي لا ترضى إلا بها لا يحل لنا أن نحييك بها . قال : وما تحيتكم فيما بينكم ؟ قلنا : السلام . قال : فما كنتم تحيون به نبيكم ؟ قلنا : بها . قال : فما كان تحيته هو ؟ قلنا : بها . قال : فيم تحيون ملككم اليوم ؟ قلنا : بها . قال : فيم يحييكم ؟ قلنا : بها . قال : فما نبيكم يرث منكم ؟ قلنا : ما يرث إلا ذا قرابة . قال : وكذلك ملككم اليوم ؟ قلنا : نعم . قال : فما أعظم كلامكم عندكم ؟ قلنا : لا إله إلا الله . قال : فيعلم الله لا نتفض حتى كأنه طير ذو ريش من حسن ثيابه ثم فتح عينيه في وجوهنا وقال : هذه الكلمة التي قلتموها حين نزلتم تحت غرفتي ؟ قلنا : نعم : كذلك إذا قلتموها في بيوتكم انتفضت لها سقوفكم ؟ قلنا : والله ما رأيناها صنعت هذا قط إلا عندك وما ذاك إلا لأمر أراده الله تعالى . قال : ما أحسن الصدق ! أما والله لوددت أني خرجت من نصف ما أملك وأنكم لا تقولونها على شيء إلا انتفض لها . قلنا : ولم ذاك ؟ قال : ذاك أيسر لشأنها وأخرى أن لا يكون من النبوة وأن يكون من حيل بني آدم . قال : فماذا تقولون إذا فتحتم المدائن والحصون ؟ قلنا : نقول : لا إله إلا الله والله أكبر قال : تقولون : لا إله إلا الله والله أكبر ليس غيره شيء ؟ قلنا : نعم . قال : تقولون : الله أكبر هو أكبر من كل شيء ؟ قلنا : نعم . قال : فنظر إلى أصحابه فراطنهم ثم أقبل علينا فقال : أتدرون ما قلت لهم ؟ قلت : ما أشد اختلاطهم ؟ فأمر لنا بمنزل وأجرى لنا نزلا فأقمنا في منزلنا تأتينا ألطافه غدوة وعشية ثم بعث إلينا فدخلنا عليه ليلا وحده ليس معه أحد فاستعادنا الكلام فأعدناه عليه ثم دعا بشيء كهيئة الربعة ضخمة مذهبة فوضعها بين يديه ثم فتحها فإذا فيها بيوت صغار عليها أبواب ففتح بيتا واستخرج خرقة حرير سوداء فنشرها فإذا فيها صورة حمراء وإذا رجل ضخم العينين عظيم الأليتين لم ير مثل طول عنقه في مثل جسده أكثر الناس شعرا فقال لنا : أتدرون من هذا ؟ قلنا : لا . قال : هذا آدم صلى الله عليه و سلم . ثم أعاده وفتح بيتا آخر فاستخرج منه خرقة حرير سوداء فنشرها فإذا فيها صورة بيضاء وإذا رجل له شعر القبط قبل ضخم العينين بعيد ما بين المنكبين عظيم الهامة فقال : تدرون من هذا ؟ قلنا : لا . قال : هذا نوح صلى الله عليه و سلم . ثم أعادها في مواضعها وفتح بيتا آخر فاستخرج منه خرقة حرير خضراء فإذا فيها صورة شديدة البياض وإذا رجل حسن الوجه حسن العينين شارع الأنف سهل الخدين أشيب الرأس أبيض اللحية كأنه حي يتنفس فقال : تدرون من هذا ؟ قلنا : لا . قال : إبراهيم . ثم أعادها وفتح بيتا آخر فاستخرج منه خرقة حرير خضراء فإذا فيها صورة محمد صلى الله عليه و سلم فقال : تدرون من هذا ؟ قلنا : هذا محمد صلى الله عليه و سلم وبكينا . فقال : بدينكم إنه محمد ؟ قلنا : نعم بديننا إنها صورته كأنما ننظر في وجوهنا فقال : أما إنه كان آخر البيوت ولكني عجلته لأنظر ما عندكم . فأعاده وفتح بيتا آخر فاستخرج منه خرقة حرير خضراء فإذا فيها صورة رجل جعد أبيض قطط غائر العينين حديد النظر عابس متراكب الأسنان مقاص الشفة كأنه من رجال أهل البادية فقال : تدرون من هذا ؟ قلنا : لا . قال : هذا موسى وإلى جانبه صورة شبيهة به رجل مدور الرأس عريض الجبين بعينه قبل قال : تدرون من هذا ؟ قلنا : لا . قال : هذا هارون . وفتح بيتا آخر فاستخرج منه خرقة حرير خضراء فنشرها وإذا فيها صورة بيضاء وإذا رجل شبه المرأة ذو عجيزة وساقين قال : تدرون من هذا ؟

(1/2264)


قلنا : لا . قال : هذا داود . فأعادها وفتح بيتا آخر فاستخرج منه خرقة حرير خضراء فيها صورة بيضاء فإذا رجل أوقص قصير الظهر طويل الرجلين على فرس لكل شيء منه جناح فقال : تدرون من هذا ؟ قلنا : لا . قال : هذا سليمان وهذه الريح تحمله . ثم أعادها وفتح بيتا آخر فيه حريرة خضراء فنشرها فإذا فيها صورة بيضاء وإذا رجل شاب حسن الوجه حسن العينين شديد سواد اللحية يشبه بعضه بعضا فقال : تدرون من هذا ؟ قلنا : لا . قال : هذا عيسى بن مريم . فأعادها وأطبق الربعة . نا : لا . قال : هذا داود . فأعادها وفتح بيتا آخر فاستخرج منه خرقة حرير خضراء فيها صورة بيضاء فإذا رجل أوقص قصير الظهر طويل الرجلين على فرس لكل شيء منه جناح فقال : تدرون من هذا ؟ قلنا : لا . قال : هذا سليمان وهذه الريح تحمله . ثم أعادها وفتح بيتا آخر فيه حريرة خضراء فنشرها فإذا فيها صورة بيضاء وإذا رجل شاب حسن الوجه حسن العينين شديد سواد اللحية يشبه بعضه بعضا فقال : تدرون من هذا ؟ قلنا : لا . قال : هذا عيسى بن مريم . فأعادها وأطبق الربعة
قال : قلنا : أخبرنا عن قصة الصور ما حالها ؟ فإنا نعلم أنها تشبه الذين صورت صورهم فإنا رأينا نبينا صلى الله عليه و سلم يشبه صورته قال : أخبرت أن آدم سأل ربه أن يريه أنبياء نبيه فأنزل عليهم صورهم فاستخرجها ذو القرنين من خزانة آدم عليه السلام في مغرب الشمس فصورها لنا دانيال في خرق الحرير على تلك الصور فهي هذه بعينها أما والله لوددت أن نفسي طابت بالخروج من ملكي فبايعتكم على دينكم وأن أكون عبدا لأسوئكم ملكة ولكن نفسي لا تطيب فأجازنا فأحسن جوائزنا وبعث معنا من يخرجنا إلى مأمننا فانصرفنا إلى رحالنا
عدي بن يعقوب بن إسحاق بن تمام
أبو حاتم الطائي
حدث عن جده لأمه محمد بن يزيد بن عبد الصمد بسنده إلى أبي هريرة قال : مر رسول الله صلى الله عليه و سلم بجماعة فقال : ما هذه الجماعة ؟ قالوا : مجنون . قال : ليس بالمجنون ولكنه مصاب إنما المجنون المقيم على معصية الله عز و جل
عرار بن عمرو بن شاش
ابن أبي بلي واسمه عبيد بن ثعلبة بن ذؤيبة بن مالك بن الحارث بن سعد بن ثعلبة بن دودان ابن أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر الأسدي الكوفي
وفد على عبد الملك بن مروان من عند الحجاج . ذكره أبوه عمرو بن شأس في شعره يعاتب امرأته أم حسان في أمر عرار وكانت تؤذيه
قال أبو أحمد العسكري : عرار : بكسر العين المهملة وراءين غير معجمتين
كتب الحجاج كتابا إلى عبد الملك بن مروان يصف له فيه أمر العراق وما ألفاهم عليه من الاختلاف وما أنكره عليهم وعرفوه وما يحتاجونإليه من التقويم والتأديب ويستأذنه في أن يودع قلوبهم من الرغبة والرهبة ما يخفون معه إلى طاعة السلطان . ودعا برجل من أصحابه كان يأنس به فقال له : لا يصلن هذا الكتاب إلا من يدك إلى يده فإذا فضه فخبره عليه ففعل الرجل ذلك فجعل عبد الملك كلما شك في شيء استنشأ الخبر من الرجل فيجده أبلغ من الكتاب فقال : من الطويل
وإن عرارا إن يكن غير واضح ... فإني أحب الجون ذا المنطق العمم
فقال الرجل : يا أمير المؤمنين أتدري من يخاطبك ؟ قال : لا . قال : أنا عرار وهذا الشعر لأبي وذلك أن أمي ماتت وأنا مرضع فتزوج أبي امرأة فكانت تسيء ولايتي فقال أبي من أبيات :
فإن كنت مني أو تريدين شيمتي ... فكوني له كالسمن ربت به الأدم
وإلا فسيري مثل ما سار راكب ... تيم خمسا ليس في سيره أمم
أردت عرارابا لهوان ومن يرد ... عرارا لعمري بالهوان فقد ظلم
وإن عرارا يكن غير واضح ... فإني أحب الجون ذا المنطق العمم
فقال عبد الملك : لله أنتم آل مروان إنكم لتضعون الهناء موضع النقب
وقال ابن سلام : لما قتل الحجاج عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بعث برأسه مع عرار بن عمرو فلما ورد به وأوصل كتاب الحجاج فرآه عبد الملك فكلما شك في شيء سأل عرارا عنه فأخبره فعجب عبد الملك من بيانه وفصاحته مع سواده فقال متمثلا :
وإن عرارا إن يكن غير واضح ... فإني أحب الجون ذا المنكب العمم

(1/2265)


فضحك عرار من قوله ضحكا غاظ عبد الملك فقال له : مم ضحكت ويحك ! ؟ قال : أتعرف عرارا يا أمير المؤمنين الذي قيل فيه هذا الشعر ؟ قال : لا . قال : فأنا والله هو . فضحك عبد الملك ثم قال : خط وافق كلمة . وأحسن جائزته وسرحه
عراك بن خالد بن يزيد بن صالح
ابن صبيح أبو الضحاك المري الدمشقي حدث عن أبيه بسنده إلى عبادة بن الصامت قلب : أتي رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو قاعد في ظل الحطيم بمكة فقيل : يا رسول الله أتي على عامل أبي فلان بسيف البحر فذهب به فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " ما تلف مال في بر ولا بحر إلا بمنع الزكاة فحرزوا أموالكم بالزكاة وداوو مرضاكم بالصدقة وادفعوا عنكم طوارق البلاء بالدعاء فإن الدعاء ينفع مما نزل ومما ينزل ما نزل يكشفه وما لم ينزل يحبسه "
وعن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يقول : " إن الله عز و جل إذا أراد بقوم بقاء أو نماء رزقهم السماحة والعفاف وإذا أراد بقوم اقتطاعا فتح عليهم باب خيانة . ثم نزع " حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون "
وحدث عن عثمان بن عطاء عن أبيه عن عكرمة ابن عباس قال : لما عزي رسول الله صلى الله عليه و سلم بابنته رقية امرأة عثمان بن عفان قال : الحمد لله دفن البنات من المكرمات
عراك بن مالك الغفاري المديني
قدم على عمر بن عبد العزيز
حدث عن أبي هريرة : أن رسول الله نهى عن أربع نسوة أن يجمع بينهن : المرأة وعمتها والمرأة وخالتها
وحدث عن أبي سلمة عن عائشة قالت : صلى رسول الله صلى الله عليه و سلم العشاء ثم صلى ثمان ركعات قائما وركعتين جالسا وركعتين بين النداءين ولم يدعهما أبدا
قال رجاء بن أبي سلمة : أتي عمر بن عبد العزيز يوما بتمر فقال : كأن هذا من تمر المدينة سقيا للمدينة وكان يحبها فقال له عراك بن مالك : يا أمير المؤمنين لو سرت حتى تنزلها فإن بيت عائشة موضع قبر فإن أصابك قدرك دفنت فيه . فقال : ويحك يا عراك ! ما كان من عذاب يعذب الله به أحد من خلقه إلا وأنا أحب أن يصيبني من قبل أن يعلم الله أن منزلتي بلغت في نفسي أن أراها لذلك أهلا
توفي عراك بالمدينة زمن يزيد بن عبد الملك وكان ثقة من خيار التابعين وكان شاميا
قال عمر بن عبد العزيز : ما رأيت صلاة من عراك بن مالك كان يقرأ في كل ركعة عشر آيات
قال أبو الغصن : رأيت عراك بن مالك يصوم الدهر
سأل عراك بن مالك عمر بن عبد العزيز أرضا بالبلقاء قال : لضيفي ومن غشيني بما فيها من حق . فقال له عمر : إنك لتعلم منها مثل ما أعلم إياي تخادعون خذها بذلها وصغارها . قال عراك : والله ما خادعتك
قال المنذر بن عبد الله الحزامي : كان عراك بن مالك من أشد أصحاب عمر بن عبد العزيز على بني مروان في انتزاع ما حازوا من الفيء والمظالم من أيديهم فلما ولي يزيد بن عبد الملك ولى عبد الواحد بن عبد الله النصري المدينة فقرب عراكا وقال : صاحب الرجل الصالح . وكان لا يقطع أمرا دونه وكان يجلس معه على سريره فبينا هو يوما معه إذ أتاه كتاب يزيد أن ابعث مع عراك حرسيا حتى ينزله دهلك وخذ من عراك حمولته . فقال لحرسي وعراك معه على السرير : خذ بيد عراك فابتع من ماله راحله ثم توجه إلى دهلك حتى تقدة فيها ففعل ذلك الحدسي وكان عراك يغدو بأمه إلى المسجد فتصلي فيه الصلوات ثم ينصرف بها فما تركه الحرسي يصل إليها . وكان أبو بكر بن حزم نفى الأحوص إلى دهلك في إمرة سليمان بن عبد الملك فلما ولي يزيد أرسل إلى الأحوص فأقدمه عليه فمدحه الأحوص فأكرمه قال : فأهل دهلك يأثرون الشعر عن الأحوص والفقه عن عراك
وقيل : إن أهل دهلك كانوا يقولون : جزى الله عنا يزيد خيرا كان عمر قد نفى إلينا رجلا علم أولادنا الباطل وإن يزيد أخرج إلينا رجلا علمنا الله على يديه الخير
وكان استخلاف يزيد سنة إحدى ومئة بعد موت عمر بن عبد العزيز ومكث في الخلافة أربع سنين وشيئا
عرباض بن سارية السلمي
صاحب سيدنا رسول الله صلى الله عليه و سلم من أهل الصفة سكن حمص وكان العرباض أحد البكائين الذين نزل فيهم " ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم " وقدم دمشق

(1/2266)


حدث عرباض بن سارية قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه و سلم يوما فوعظ الناس ورغبهم وحذرهم وقال ما شاء الله أن يقول ثم قال : اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وأطيعوا من ولاة الله أمركم ولا تنازعوا الأمر أهله ولو كان عبدا أسود أجدع وعليكم بما تعرفون وسنة نبيكم صلى الله عليه و سلم وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ
حدث عبد الرحمن بن عمرو السلمي وحجر بن حجر قالا : أتينا العرباض بن سارية وهو ممن نزل فيه " ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه " . فسلمنا وقلنا : أتيناك زائرين وعائدين ومقتبسين فقال عرباض : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه و سلم الصبح ذات يوم ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقال قائل : يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا ؟ فقال : أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبدا حبشيا فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة
قال العرباض بن سارية : دخلت مسجد دمشق فصليت فيه ركعتين وقلت : اللهم كبرت سني وضعفت قوتي فاقبضني إليك . وإلى جنبي شاب لم أر أجمل منه عليه دواج أخضر فقال لي : ما هذا الذي تقول ؟ قلت : فكيف أقول ؟ قال : قل اللهم حسن العمل وبلغ الأجل قلت : من أنت ؟ قال : أنا ربائيل الذي يسلي الحزن من صدور المؤمنين . ثم التفت فلم أر أحدا
قال أبو عمر محمد بن عبد الواحد : العرباض : الطويل من الناس وغيرهم الجلد المخاصم من الناس وهو مدح والسارية الأسطوانة وسئل عن العرباض بن سارية
قال خليفة بن خياط : العرباض بن سارية من بني سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان وكنيته أبو نجيح مات في فتنة ابن الزبير وقيل : سنة خمس وسبعين
قال محمد بن عوف : كل واحد من عمرو بن عبسة والعرباض بن سارية يقول : أنا ربع الإسلام لا يدرى أيهما أسلم قبل صاحبه
قال العرباض بن سارية : كان النبي صلى الله عليه و سلم يخرج إلينا يوم الجمعة في الصفة وعلينا الحوتكية فيقول لنا : لو تعلمون ما ذخر لكم ما حزنتم على ما زوي عنكم ولتفتحن فارس والروم
قال شريح بن عبيد : كان عتبة بن عبد يقول : عرباض خير مني وعرباض يقول : عتبة خير مني سبقني إلى النبي صلى الله عليه و سلم بسنة

(1/2267)


قال عرباض بن سارية : كنت ألزم باب رسول الله صلى الله عليه و سلم في الحضر والسفر فرأينا ليلة ونحن بتبوك وذهبنا لحاجة فرجعنا إلى منزل رسول الله صلى الله عليه و سلم وقد تعشى ومن عنده من أضيافه ورسول الله صلى الله عليه و سلم يريد أن يدخل في قبته ومعه زوجته أم سلمة بنت أبي أمية فلما طلعت عليه قال : أين كنت منذ الليلة ؟ فأخبرته فطلع جعال ابن سراقة وعبد الله بن مغفل المزني فكنا ثلاثة كلنا جائع إنما نعيش بباب النبي صلى الله عليه و سلم فدخل رسول الله صلى الله عليه و سلم البيت فطلب شيئا نأكله فلم يجده فخرج إلينا فنادى بلالا : يا بلال هل من عشاء لهؤلاء النفر ؟ قال : لا والذي بعثك بالحق لقد نفضنا جربنا وحميتنا . قال : انظر عسى أن تجد شيئا . فأخذ الجرب ينفضها جرابا جرابا فتقع التمرة والتمرتان حتى رأيت بين يديه سبع تمرات ثم دعا بصحفة فوضع فيها التمر ثم وضع يده على التمرات وسمى الله وقال : كلوا باسم الله . فأكلنا فأحصيت أربعة وخمسين تمرة أكلتها أعدها ونواها في يدي الأخرى وصاحباي يصنعان ما أصنع وشبعنا وأكل كل واحد منهما خمسين تمرة ورفعنا أيدينا فإذا التمرات السبع كما هي فقال : يا بلال ارفعها في جرابك فإنه لا يأكل منها أحد إلا نهل شبعا . قال : فبتنا حول قبة رسول الله صلى الله عليه و سلم فكان يتهجد من الليل فقام تلك الليلة يصلي فلما طلع الفجر ركع ركعتي الفجر وأذن بلال وأقام فصلى رسول الله صلى الله عليه و سلم بالناس ثم انصرف إلى فناء قتبه فجلس وجلسنا حوله فقرأ من " المؤمنين " عشرة فقال : هل لكم في الغداء ؟ قال عرباض بن سارية : فجعلت أقول في نفسي : أي غداء ؟ ! فدعا بلال بالتمرات فوضع يده عليه في الصفحة ثم قال : كلوا بسم الله . فأكلنا والذي بعثه بالحق حتى شبعنا وإنا لعشرة ثم رفعوا أيديهم منها شبعا وإذا التمرات كما هي فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : لولا أني أستحي من ربي لأكلنا من هذه التمرات حتى نرد المدينة من آخرنا وطلع غليم من أهل البلد فأخذ رسول الله صلى الله عليه و سلم التمرات بيده فدفعها إليه فولى الغلام يلوكهن
أعطى معاوية المقداد حمارا من المغنم فقال له العرباض بن سارية : ما كان لك أن تأخذه وما كان لمعاوية أن يعطيكه كأني بك في النار تحمله على عنقك أسفله أعلاه . فرده
كان العرباض بن سارية يقول : لولا أن يقال : فعل أبو نجيح لألحقت مالي سبله ثم لحقت واديا من أودية لبنان فعبدت الله حتى أموت
وعن عرباض بن سارية : أنه أوصى فقال : ألحدوا لي لحدا وسنوا علي التراب سنا ولا تجعلوه ضريحا
عروة بن أذينة وهو لقب
واسم أذينة يحيى بن مالك بن الحارث بن عمرو بن عبد الله بن رجل بن يعمر الشداح بن عوف بن كعب بن عامر أبو عامر الليثي
شاعر من أهل الحجاز وفد على هشام بن عبد الملك . وفي نسبه اختلاف
قال عروة بن أذينة : خرجت مع جدة لي عليها مشي إلى البيت حتى إذا كنا ببعض الطريق فأرسلت مولى لها يسأل عبد الله بن عمر قال : فخرجت معه نسأله فقال عبد الله : مرها فلتركب ثم لتمشي من حيث عجزت
قال مالك : ونرى مع ذلك عليها الهدي
وعروة شاعر مكثر فصيح مأمون على ما روى من المسند وغيره ولحق بالدولة العباسية بعد سن عالية
قال غاضرة بن حاتم : وفد عروة بن أذينة على هشام بن عبد الملك فلما دخل إليه شكا خلة ودينا فقال هشام : ألست القائل : من البسيط :
لقد علمت وما الإشراف من خلقي ... أن الذي هو رزقي سوف يأتيني
أسعى إليه فيعنيني تطلبه ... ولو جلست أتاني لا يعنيني
وما اشتريت بمال قط محمدة ... إلا تيقنت أني غير مغبون
ولا دعيت إلى مجد ولا كرم ... إلا أجبت إليه من يناديني

(1/2268)


ثم قد جئت من الحجاز إلى الشام في طلب الرزق فقال عروة : وعظت يا أمير المؤمنين فأبلغت . وخرج إلى راحلته فركبها ثم وجهها نحو الحجاز فمكث هشام يومه فلما كان في الليل ذكره فقال : رجل من قريش وفد إلي فجبهته ورددته عن حاجته وهو مع ذا شاعر ولا آمن يقول في ما يبقى ذكره ! فلما أصبح دعا مولاه فدفع إليه ألفي دينار وقال : الحق بهذه ابن أذينة . قال المولى : فخرجت إلى المدينة فقرعت عليه الباب فخرج إلي فأعطيته المال فقال : أبلغ أمير المؤمنين السلام وقل له : كيف رأيت قولي ؟ سعيت فأكذبت ورجعت إلى منزلي فأتاني ولكني قد قلت : من الكامل :
شاد الملوك قصورهم وتحصنوا ... من كل طالب حاجة أو راغب
فإذا تلطف للدخول عليهم ... عاف تلقوه بوعد كاذب
فارغب إلى ملك الملوك ولا تكن ... يا ذا الضراعة طالبا من طالب
فأقسم بالله لا سألت أحد حاجة حتى ألقى الله . فكان ربما سقط سرطه فينزل عن فرسه ويأخذه ولا يسأل أحدا أن يناوله إياه
مرت سكينة بعروة بن أذينة فقالت : يا أبا عامر أنت الذي تقول : من البسيط :
يا نظرة لي ضرت يوم ذي سلم ... حتى لي هذا الضر في نظري
قالت وأبثثتها سري فبحت به ... قد كنت عندي تحب الستر فاستتر
ألست تبصر من حولي فقلت لها ... غطى هواك وما ألقى على بصري
وأنت القائل : من البسيط :
إذا وجدت أذى للحب في كبدي ... أقبلت نحو سقاء القوم أيترد
هذا بردت ببرد الماء ظاهرة ... فمن لحر على الأحشاء يتقد
قالت : هن حرائر وأشارت إلى جواريها إن كان هذا خرج من قلب سليم
قال عروة بن عبيد الله بن عروة بن الزبير : كان عروة بن أذينة نازلا مع أبي في قصر عروة بن الزبير بالعقيق فسمعه ينشد نفسه : من الكامل :
إن التي زعمت فؤادك ملها ... خلقت هواك كما خلقت هوى لها
فيك الذي زعمت بها فكلاكما ... أبدى لخلته الصبابة كلها
ولعمرها لو كان حبك فوقها ... يوما وقد حجبت إذا لأظلها
وإذا وجدت لها وساوس سلوة ... شفع الضمير لها إليك فسلها
بيضاء باكرها النعيم فصاغها ... بلباقة فأدقها وأجلها
لما عرضت مسلما لي حاجة ... أخشى صعوبتها وأرجو ذلها
حجبت تحيتها فقلت لصاحبي ... ما كان أكثرها لنا وأقلها
فدنا فقال : لعلها معذورة ... في بعض رقبتها فقلت : لعلها
قال عروة : فجاءني أبو السائب يوما بالعقيق فقلت له بعد الترحيب به : ألك حاجة ؟ قال : أبيات لعروة بن أذينة بلغني أنك سمعتها منه قلت : أي أبيات ؟ قال : وهل يخفى القمر ؟ !
إن التي زعمت فؤادك ملها
فأنشدته إياها فقال : ما يروي هذه إلا أهل المعرفة والعقل هذا والله الصادق الود الدائم العهد لا الهذلي الذي يقول : من الكامل :
إن كان أهلك يمنعونك رغبة ... عني فأهلي بي أضن وأرغب
لقد عدا الأعرابي طوره وإني لأرجو أن يغفر الله لصاحبه في حسن الظن بها وطلب العذر لها ودعوت له بطعام فقال : لا والله حتى أروي هذه الأبيات فلما رواها وثب فقلت : كما أنت حتى تأكل . فقال : ما كنت لأخلط بمحبتي لها وأخذي إياها غيرها . وانصرف
قال عروة بن أذينة الشاعر : عجبت لمن علم أنه يموت كيف لا يموت ! كان عروة بن أذينة إذا نام الناس بالبصرة خرج فنادى في سككها : يا أهل البصرة الصلاة الصلاة ثم يتلو " أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون "
عروة بن الجعد
ويقال : ابن أبي الجعد الأزدي ثم البارقي الكوفي
وبارق : جبل نزل عنده بعض الأزد فنسبوا إليه
ولعروة صحبة روى عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه و سلم أحاديث وقدم دمشق في جملة من سير من أهل الكوفة في خلافة عثمان بن عفان
حدث عروة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " الخيل معقود بنواصيها الخير والأجر والمغنم يوم القيامة "

(1/2269)


وعن عروة بن الجعد قال : أعطاني رسول الله صلى الله عليه و سلم دينارا فقال : اشترلنا به شاة . قال : فانطلقت فاشتريت شاتين بدينار فلقيني رجل في الطريق فساومني بشاة فبعتها بدينار فأتيت النبي صلى الله عليه و سلم فقلت : يا رسول الله هذا ديناركم وهذه شاتكم . قال : فقال له النبي صلى الله عليه و سلم : وصنعت كيف ؟ قال : فأخبرته فقال : اللهم بارك له في صفقة يمينه . قال : فقال : إني لأقوم في الكناسة بالكوفة فما أرجع إلى أهلي حتى أربح أربعين ألفا
وبارق : سعد بن عدي بن حارثة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد بن الغوث
ونزل عروة بن الجعد الكوفة وولي القضاء بها وأتى المدائن ثم انتقل إلى براز الروز على مرحلة من النهروان وأقام بها مرابطا وكان له فيها أفراس منها فرس أخذه بعشرين ألف درهم
قال الشعبي : أول من قضى على الكوفة عروة بن الجعد البارقي وقيل : ابن مسعود وقيل : سلمان بن ربيعة وقيل : وليها شريح قبل عروة
وكان عروة قاضيا فكتب إلى عمر في عين الدابة فكتب إليه عمر : إنا كنا نقضي فيها كما نقضي في عين الإنسان ثم اجتمع رأينا أن نجعلها الربع
قال شبيب بن غرقدة : رأيت في دار عروة سبعين فرسا مربوطة
عروة بن حزام بن مهاصر
ويقال : ابن حزام بن مالك أبو سعيد العذري أحد بني ضنة بن عبد بن كبير بن عذرة
شاعر حجازي مشهور كان يشبب بابنة عمه عفراء بنت مهاصر بن مالك ويقال : بنت عقال ابن مهاصر وكان أهلها خرجوا من الحجاز إلى الشام فتبعهم وقد ذكر كونه ببصرى في أبيات : من الطويل :
لعمري إني يوم بصرى وناقتي ... لمختلفا الأهواء مصطحبان
متى تحملي شوقي وشوقك تظلعي ... ومالك بالحمل الثقيل يدان
جعلت لعراف اليمامة حكمه ... وعراف حجر إن هما شفياني
فما تركا من حيلة يعلمانها ... ولا رقية إلا وقد رقياني
وقالا : شفاك الله والله ما لنا ... بما حملت منك الضلوع يدان
كأن قطاة علقت بجناحها ... على كبدي من شدة الخفقان
وحزام : بكسر الحاء المهملة وزاي معجمة . وعروة هذا قتيل الحب
ولما احتمل زوج عفراء إلى البلقاء كان عروة بن حزام يأتي مواضع أبياتها وأعطان إبلها فيلصق صدره بترابها فيقال له : يا هذا اتق الله في نفسك . فيقول : إليكم عني وينشد : من الطويل :
بي اليأس أو داء الهيام شربته ... فإياك عني لا يكن بك ما بيا
فما زادني الناهون إلا صبابة ... ولا كثرة الواشين إلا تماديا
قالوا : ورآه شيخ منهم فقال له : مه يا بن أخ فما فعل هذا منا أحد إلا هلك . فقال : يا عم إني لمكروب وإني لأجد حرا على كبدي فما زال به الحب حتى هلك فبلغ ذلك معاوية بن أبي سفيان فقال : لو علمنا بهذين الكريمين لجمعنا بينهما
قال ابن أبي عتيق : إني لأسير في أرض عذرة إذا أنا بامرأة تحمل غلاما خدلا ليس مثله يتورك فعجبت لذلك فتقبل به فإذا برجل له لحية ! قال : فدعوتها فجاءت فقلت : ما هذا ويحك ؟ فقالت : أسمعت بعروة بن حزام قلت : نعم . قالت : هذا عروة بن حزام فقلت له : أنت عروة ؟ ! فكلمني وعيناه تدوران في رأسه وقال : نعم أنا الذي أقول :
جعلت لعراف اليمامة حكمه ... وعراف نجد إن هما شفياني
فلهفي على عفراء لهف كأنه ... على النحر والأحشاء حد سنان
فعفراء أحظى الناس عندي ... وعفراء عني المعرض المتواني
قال : ثم ذهبت فما برحت ممر الماء حتى سمعت الصيحة وقالوا : مات عروة بن حزام
قال النعمان بن بشير : استعملني عمر بن الخطاب أو قال عثمان على الصدقات سعد هذيم وعذرة وسلامان وضنة والحارث وهم قضاعة فلما قبضت الصدقة وقسمتها بين أهلها وأقبلت بالسهمين الباقيين إلى عمر أو عثمان فلما كنت بعد ذلك في أيام يزيد ببلاد عذرة في حي منهم يقال لهم : بنو هند إذا أنا ببيت حريد منفرد عن الحي جاحش عن الحي فملت إليه فإذا عجوز جالسة عند كسر البيت وإذا شاب قائم في ظل البيت فلما دنوت منه وسلمت ترنم بصوت له ضعيف :
بذلت لعراف اليمامة حكمه ... وعراف حجر إن هما شفياني

(1/2270)


فقالا : نعم نشفي من الداء كله ... وقاما مع العواد يبتدران
نعم وبلى قالا : متى كنت هكذا ... ليستخبراني قلت : منذ زمان
فما تركا من رقية يعلمانها ... ولا سلوة إلا بها سقياني
فقالا : شفاك الله والله ما لنا ... بما حملت منك الضلوع يدان
قال : ثم شهق شهقة خفيفة فإذا هو قد مات فقلت : أيتها العجوز ما أظن هذا النائم بفياء بيتك إلا قد مات . فقالت : نفسه والله نفسه ثلاث مرات . فدخلني من ذلك ما لا يعلمه إلا الله واغتممت وخفت أن يكون موته لكلامي فلما رأت العجوز جزعي قالت : هون عليك فإنه قد مات بأجله واستراح مما كان فيه وقدم على رب غفور فهل لك في استكمال الأجر هذه الأبيات منك غير بعيد تأتيهم فتنعاه لهم وتسألهم حضوره . فاسترحت إلى قولها وأتيت أبياتا منهم على قدر ميل فنعيته إليهم وحفظت الشعر فجعل الرجل بعد الرجل يسترجع إذا أخبرته فبينا أنا أدور إذا بامرأة كأنها الشمس طالعة فقالت : أيها الناعي بفيك الكثكث بفيك الحجر من تنعى ؟ قلت عروة بن حزام . قالت : بالذي أرسل محمدا بالحق هل مات ؟ قلت : نعم . قالت ماذا فعل قبل موته ؟ فأنشدتها الشعر فما نهنهت أن قالت : من الوافر :
عداني أن أزورك يا خليلي ... معاشر كلهم واش حسود
أشاعوا ما سمعت من الدواهي ... وعابونا وما فيهم رشيد
فأما إذ ثويت اليوم لحدا ... ودور الناس كلهم لحود
فلا طابت لنا الدنيا فواقا ... ولا لهم ولا أثرى عديد
ثم مضت معي ومع القوم تصيح وتولول فغسلناه وكفناه وصلينا عليه وقبرناه فجاءت فأكبت على قبره
وحركت مطيتي وقدمت الشام فدخلت على يزيد بن معاوية فدفعت إليه الكتاب وأخبرته بالأمر الذي قدمت له فسألني عن أمور الناس وقال لي : هل رأيت في طريقك شيئا تحدثني ؟ قلت : نعم يا أمير المؤمنين رأيت عجبا من العجب وحدثته الحديث فاستوى جالسا ثم قال : يا محمد بن قيس امض الساعة قبل أن تعرف ما قدمت له إلى الموضع
قال محمد بن قيس : فمررت بموضع الحي فوجدت إلى جانبه قبرا آخر فسألت عنه فقيل : المرأة التي أكبت على هذا القبر لم تذق طعاما لا شرابا ولم ترفع إلا ميتة بعد ثلاث فجئت ببني عمه وعمها فأتيت بهم أمير المدينة فأحقهم جميعا في شرف العطاء
كان عروة بن حزام وعفراء بنت مالك نشأ جميعا فعلقها علاقة الصبا وكان يتيما في حجر عمه حتى بلغ وكان عروة يسأله أن يزوجه إياها فكان يسوفه إلى أن خرج في عير أهله إلى الشام وقدم على أبي عفراء ابن عم له من البلقاء كان حاجا فخطبها فزوجه إياها فحملها . وأقبل عروة في عيره تلك حتى إذا كان بتبوك نظر إلى رفقة مقبلة من نحو المدينة فيها امرأة على جمل أحمر فقال لأصحابه : والله لكأنها شمائل عفراء . فقالوا له : ويحك ما تترك ذكر عفراء على حال من الحال . فلما تبينها بقي مبهوتا لا يحير كلاما حتى بعد القوم فذلك قوله : من الطويل :
وإني لتعروني لذكراك روعة ... لها بين جلدي والعظام دبيب
وما هو إلا أن أراها فجاءة ... فأبهت حتى ما أكاد أجيب
وقلت لعراف اليمامة : داوني ... فإنك إن داويتني لطبيب
فما بي من سقم ولا طيف جنة ... ولكن عمي الحميري كذوب
عشية لا عفراء منك بعيدة ... فتسلو ولا عفراء منك قريب
ثم انصرق عروة إلى أهله فأخذه البكاء والهلاس حتى لم يبق منه شيء فقال أناس : إنه لمسحور وإن به جنة وإنه لموسوس وباحضارم من اليمامة طبيب يقال له سالم له تابع من الجن وهو أطب الناس فساروا إليه وجاؤوا به فجعل يشفيه وينشر عنه فقال له عروة : يا هناه هل عندك للحب من رقية ؟ قال : لا والله . فانصرفوا حتى مروا بطبيب بحجر فعالجه وصنع به مثل ذلك فقال له عروة : ما دوائي إلا شخص مقيم بالبلقاء . فانصرفوا به وهو يقول :
جعلت لعراف اليمامة حكمه ... وعراف حجر إن هما شفياني

(1/2271)


وزاد في حديث آخر : أن عروة قال لأهله : إن نظرت إلى عفراء ذهب وجعي فخرجوا به حتى نزلوا البلقاء مستخفين فكان لا يزال يلم بعفراء ينظر إليها وكانت عند رجل سيد كثير المال والغاشية فبينا عروة يوما بسوق البلقاء إذ لقيه رجل من بني عذرة . فسأله متى قدم ؟ فأخبره فلما أمسى الرجل تعشى مع زوج عفراء ثم قال : متى قدم هذا الكلب عليكم الذي قد فضحكم ؟ قال زوج عفراء : أنت أولى بأن تكون كلبا منه ما علمت على عروة إلا خيرا ولا رأيت فتى في العرب أحيا منه ولا علمت بمقدمة ولو علمت لضممته إلى منزلي . فلما أصبح غدا يستدل عليهم حتى جاءهم فقال لهم : أنزلتم ولم تروا أن تعلموني منزلكم علي وعلي إن كان منزلكم عندي . فقالوا : نعم . نتحول إليك هذه الليلة أو من غد . فلما ولوا قال عروة : قد كان من الأمر ما ترين ولئن أنتن لم تخرجن معي لأركبن رأسي الحقوا بقومكم فليس بي بأس . فقربوا ظهرهم فارتحلوا ونكس فلم يزل يثقل حتى نزلوا وادي القرى
قال عروة بن الزبير : مررت بوادي القرى فقيل لي : هل لك في عروة ؟ قلت : نعم . فجئته فالتفت إلى إخوانه فقال :
من كان من أمهاتي باكيا أبدا ... فالآن إني أراني اليوم مقبوضا
يسمعننيه فإني غير سامعه ... إذا علوت رقاب القوم معروضا
قال : فبرزن يضربن وجوههن ويمزقن ثيابهن قال : وقمت فما وصلت إلى منزلي حتى لحقني رجل فخبرني أنه مات
أنشد الزبير لعروة بن حزام : من الطويل :
وآخر عهدي من عفيراء أنها ... تدير بنانا كلهن خضيب
عشية ما تقضي لي النفس حاجة ... ولم أدر إذ نوديت كيف أجيب
عروة بن الحكم التميمي
حدث عن يحيى بن سمرة القرشي قال : كان يقوم إلى جانب المنبر إذا صعده أبو العميطر يقول : يا أهل دمشق ليفرضن لصبيانكم في الكتبات وليعطين نساؤكم العشرات هذا أمير المؤمنين علي بن عبد الله أولى بها من الغادرين الجائرين أولي المكر وقل يا أمير المؤمنين فإنه ولي حباه الله بالعز والفخر . ثم يقول : هؤلاء موالي أمير المؤمنين : ابن أبي الزعيزية وأين مثل ابن أبي الزعيزية وابن أبي ذويد وأين مثل ابن أبي ذويد لاكهرثمة وإنما كان إسكافا ولا كالسندي وإنما كان حجاما
عروة بن رويم أبو القاسم اللخمي
من أهل الأردن قدم الجابية وسمع بها أنس بن مالك يحدث الخليفة
قال عروة بن رويم : كنا عند عبد الملك بن مروان حين قدم عليه أنس بن مالك فقال له عبد الملك : حدثنا بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه و سلم ليس بينك وبينه أحد ليس فيه تزيد ولا نقصان فقال أنس : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : الإيمان يمان إلى لخم وجذام إلا أن الكفر وقسوة القلوب في هذين الحيين من ربيعة ومضر
وحدث عروة عن جابر بن عبد الله الأنصاري عن النبي صلى اله عليه وسلم قال : لما أنزلت " إذا وقعت الواقعة " فذكر فيها " ثلة من الأولين وقليل من الآخرين " قال عمر : يا نبي الله ثلة من الأولين وقليل منا ؟ قال : فأمسك آخر السورة سنة ثم أنزل الله تبارك وتعالى " ثلة من الأولين وثلة من الآخرين " فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : يا عمر تعال اسمع ما قد أنزل الله " ثلة من الأولين وثلة من الآخرين " ألا وإن من آدم إلي ثلة وأمتي ثلة ولن تستكمل ثلتنا حتى تسعين بالسودان من رعاة الإبل ممن يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له
وعن عروة بن رويم أنه حدث عن الأنصاري عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : " يكون في أمتي رجفة يهلك فيها عشرة آلاف وعشرون ألف وثلاثون ألف يجعلها الله تعالى موعظة للمتقين ورحمة للمؤمنين وعذابا على الكافرين
وحدث عن الأنصاري قال : قال الله : " لأرجفن بعبادي في خير ليال فمن قبضته فيها كافرا كانت منيته التي قدرت عليه ومن قبضته فيها مؤمنا كانت له شهادة "

(1/2272)


وعن عروة بن رويم قال : سمعت أبا ثعلبة الخشني يقول : قدم رسول الله صلى الله عليه و سلم في غزاة له فدخل المسجد فصلى له ركعتين وكان يعجبه إذا قدم أن يدخل المسجد فيصلي فيه ركعتين ثم خرج فأتى فاطمة عليها السلام فبدأ بها قبل بيوت أزواجه فاستقبلته فاطمة فجعلت تقبل وجهه وعينيه وتبكي فقال لها رسول الله صلى الله عليه و سلم : ما يبكيك ؟ قالت : أراك يا رسول الله قد شحب لونك واخلولقت ثيابك . فقال لها رسول الله صلى الله عليه و سلم : يا فاطمة إن الله بعث أباك بأمر لم يبق على ظهر الأرض بيت مدر ولا شعر إلا أدخله الله به عزا أو ذلا حتى يبلغ حيث يبلغ الليل
وعن عروة بن رويم قال : كاد المقلسون يحولون بيننا وبين جنازة عبد الملك قوم يقلسون للوليد بن عبد الملك ونحن نذهب بجنازة عبد الملك إلى المقابر !
توفي عروة بن رويم اللخمي سنة اثنتين وثلاثين ومئة وهودمشقي وكان كثير الحديث ثقة
وعن عروة بن رويم قال : ثلاثة من جاء بإحداهن زوجه الله من أي الحور العين شاء : من ولي طعما فاتقى الله فأدى الأمانة ومن ضرب بسيفه بين يدي كتيبة يريد ما عند الله ومن رد غيظه وهو قادر على أن يمضيه
قال عروة بن رويم : يأتي على الناس زمان يسمى فيه الأمر بالمعروف مكلف
واختلف في وفاة عروة فقيل : سنة خمس وعشرين ومئة وقالوا : وهو وهم
وقيل : توفي سنة إحدى وثلاثين ومئة وقيل : سنة خمس وثلاثين ومئة وقيل : سنة ست وثلاثين وقيل : سنة أربعين
ومات بذي خشب . وحمل إلى المدينة فدفن بها . وقيل : توفي سنة أربع وأربعين ومئة
/ عروة بن الزبير بن العوام ابن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب أبو عبد الله الأسدي القرشي الفقيه المدني أمه أسماء بنت أبي بكر وخالته عائشة أم المؤمنين وفد على معاوية بن أبي سفيان وعلى عبد الملك بن مروان وعلى الوليد بن عبد الملك
حدث عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يحب الحلوى والعسل
وحدث عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " إذا حضر الطعام أو العشاء وحضرت الصلاة فابدؤوا بالطعام "
وحدث عنها : أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يقبل وهو صائم
وكان ثقة كثير الحديث فقيها عالما مأمونا ثبتا
ولد عروة بن الزبير سنة ثلاث وعشرين في آخر خلافة عمر . وقيل : ولد لست سنين خلت من خلافة عثمان . وكان بينه وبين أخيه عبد الله بن الزبير عشرون سنة . وقيل : ولد سنة تسع وعشرين
قال عروة : كنت أتعلق بشعر كتفي أبي الزبير وهوي قول : من الرجز
مبارك من ولد الصديق ... أزهر من آل أبي غتيق
ألذه كما ألذ ريقي
قال عروة بن الزبير : وقفت وأنا غلام أنظر إلى الذين حضورا عثمان بن عفان وقد مشى أحدهم على الخشبتين اللتين غرزتا ليدخل منهما إلى عثمان فلقيه عليهما أخي عبد الله بن الزبير فبصرته طاح قتيلا على البلاط فقلت لصبيان معي : قتله أخي فوثب علي الذين حضروا عثمان فكشفوني فلم يجدوني أنبت فخلوني
وقد روي أنه أذن له عمر بن الخطاب
قال عروة : كنت غلاما لي ذؤابتان قال : فقمت أركع ركعتين بعد العصر قال : فبصر بي عمر بن الخطاب ومعه الدرة فلما رأيته فررت منه وأحضر في طلبي حتى تعلق بذؤابتي قال : فنهاني فقلت : يا أمير المؤمنين لا أعود
قال علقمة بن وقاص : لما خرج طلحة والزبير وعائشة بطلب دم عثمان عرضوا من معهم بذات عرق فاستصغروا عروة بن الزبير فردوه
قال عروة : رددت أنا وأبو بكر بن عبد الرحمن من الطريق يوم الجمل واستصغرنا
قال قبيصة بن ذؤيب بن حلحلة :

(1/2273)


كنا في خلافة معاوية في آخرها نجتمع في حلقة في المسجد بالليل وأنا ومصعب وعروة ابنا الزبير وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وعبد الملك بن مروان وعبد الرحمن بن المسور بن مخرمة وإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وكنا نتفرق بالنهار . فكنت أنا أجالس زيد بن ثابت وزيد مترئس بالمدينة في القضاء والفتوى والقراءة والفرائض في عهد عمر وعثمان وعلي في مقامه بالمدينة وفي الفقه خمس سنين حتى ولي معاوية سنة أربعين فكان كذلك حتى توفي زيد سنة خمس وأربعين فكنت أنا وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام نجالس أبا هريرة وكان عروة بن الزبير يغلبنا بدخوله على عائشة . وكانت عائشة أعلم الناس يسألها الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم
حدث هشام بن عروة عن أبيه : أنه كان يقول لنا ونحن شباب : مالكم لا تعلمون ؛ لقد هابكم سراتكم إن تكونوا صغار قوم يوشك أن تكونوا كبارهم وما خير للشيخ يكون شيخا وهو جاهل لقد رأيتني قبل موت عائشة بأربع حجج أو خمس حجج وأنا أقول : لو ماتت اليوم ما ندمت على حديث عندها إلا وقد وعيته . ولقد كان يبلغني عن الرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم من المهاجرين الحديث فآتيه فأجده قد قال فأجلس على بابه فأسأله عنه
قال أبو الزناد : كان فقهاء المدينة أربعة : سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وقبيصة بن ذؤيب وعبد الملك بن مروان
قال الزهري : سألت ابن صغير عن شيء من الفقه فقال : ألك بذا حاجة ؟ عليك بهذا وأشار إلى سعيد بن المسيب ؛ فجالسته سبع سنين لا أرى أن عالما غيره . قال : ثم تحولت إلى عروة ففجرت به ثبج بحر
قال ابن شهاب : جالست سعيد بن المسيب فكان يعيد علي الرجيع من حديثه . وكان عروة بحرا ما تكدره الدلاء . وما رأيت أغزر حديثا من عبيد الله بن عبد الله
قال سفيان بن عيينة : كان أعلم الناس بحديث عائشة ثلاثة : القاسم بن محمد وعروة بن الزبير وعمرة بنت عبد الرحمن
حدث هشام بن عروة : أن عون بن عبد الله قال : حدثني عن أبيك قال : فذهبت أحدثه عن السنين فقال : لا غرائب أحاديثه ! فإن عبد الله بن عروة حدثني عن عروة عن عائشة أنها كتبت إلى معاوية بن أبي سفيان : إنك إن اتقيت الله كفاك الناس وإن اتقيت الناس لم يغنوا عنك من الله شيئا فاتق الله
قال هشام : حدثني عتبة بن عبد الله قال : جلست مع أبيك فضحكت فقال : ما يضحكك ؟ فقلت : أنك تحيلنا على الأملئاء
قال هشام : فإنما كان يحدث عن عائشة
فقال هشام : وكان أبي يقول : إنا كنا أصاغر قوم ثم نحن اليوم كبار وإنكم اليوم أصاغر وستكونون كبارا فتعلموا العلم تسودوا به قومكم ويحتاجون إليكم فوالله ما سألني الناس حتى لقد نسيت
قال هشام : وكان أبي يدعوني وعبد الله بن عروة وعثمان وإسماعيل أخوي وآخر قد سماه هشام فيقول : لا تغشوني مع الناس إذا خلوت فسلوني فكان يحدثنا : يأخذ في الطلاق ثم الخلع ثم الحج ثم الهدي ثم كذا ثم يقول : كروا عليه فكان يعجب من حفظي . قال هشام : فوالله ما تعلمنا جزءا من ألف جزء من أحاديثه
وفي حديث بمعناه : عن عبيد الله بن عبد الله : فقال : وما يضحكك ؟ فقال : إنك تحدثني عن عائشة وتحيلني على الملاء وإن غيرك يحيلنا على المفاليس
قال أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام : العلم لواحد من ثلاثة : لذي حسب يزينه به أو ذي دين يسوس به دينه أو مختبط سلطانا يتحفه بعلمه ولا أعلم أحدا أشرط لهذه الخلال من عروة بن الزبير وعمر بن عبد العزيز كلاهما حسيب دين من السلطان تأرى
قال الزهري : كن عروة يتألف الناس على حديثه وفي رواية : على علمه
قال عثمان بن عروة : كان عروة يقول : يا بني هلموا فتعلموا فإن أزهد الناس في عالم أهله وما أشده على أمير بأن يسأل عن شيء من أمر دينه فيجهله
قال هشام بن عروة : ما رأيت عروة يسأل عن شيء قط فقال فيه برأيه إن كان عنده فيه علم قال بعلمه وإن لم يكن عنده فيه علم قال : هذا من خالص السلطان
قال : وقال أبي : ما أخبرت أحدا بشيء من العلم قط لا يبلغه عقله إلا كان ذلك ضلالة عليه
وعن هشام بن عروة : أن أباه حرق كتبا له فيها فقه ثم قال : لوددت أني كنت فديتها بأهلي ومالي
قال الزهري :

(1/2274)


كنا عند عمر بن عبد العزيز وهو والي المدينة ثم صرت إلى عبيد الله بن عبد الله بن عتبة فقال : هل من معه به خبر فأسأله الأمر ؟ هل كان عمر يكتب ؟ فقال عروة : نعم كان يكتب فقال : بآية ماذا ؟ قال : بقوله : لولا أن يقول الناس : زاد عمر في القرآن لخططت آية الرجم بيدي . فقال عبيد الله : هل سمى عروة من حدثه ؟ قلت : لا فقال عبيد الله : فإنما صار عروة يمص مص البعوضة تملأ بطنها ولا يرى أثرها يسرق أحاديثنا ويكتمنا . أي : إني أنا حدثته
قال أبو الزناد : ما رأيت أحدا أروى للشعر من عروة فقيل له : ما أرواك يا أبا عبد الله ! ! فقال : وما روايتي في رواية عائشة : ما كان ينزل بها شيء إلا أنشدت فيه شعرا
قال ابن شوذب : كان عروة بن الزبير إذا كان أيام الرطب ثلم حائطه فيدخل الناس فيأكلون ويحملون وكان إذا دخله ردد هذه الآية فيه حتى يخرج منه : " ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله " حتى يخرج
وكان عروة يقرأ ربع القرآن كل يوم نظرا في المصحف ويقوم به الليل فما تركه إلا ليلة قطعت رجله ثم عاوده من الليلة المقبلة وكان في رجله الأكلة فنشرها وكان الوليد بن عبد الملك بعث إليه الأطباء فقالوا : نقطع رجله فقطعت فما تضور وجهه يومئذ
وعن عروة : أنه خرج إلى الوليد بن عبد الملك حتى إذا كان بوادي القرى وجد في رجله شيئا فظهرت به قرحة وكانوا على رواحل فأرادوه على أين يركب محملا فأبى عليهم ثم غلبوه وخلوا ناقة له بمحمل فركبها ولم يركب محملا قبل ذلك فلما أصبح تلا هذه الآية : " ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها " حتى فرغ منها وقال : لقد أنعم الله على هذه الأمة في هذه المحامل بنعمة لا تؤدون شكرها . وترقى في رجله الوضع حين قدم على الوليد فلما رآه الوليد قال : يا أبا عبد الله اقطعها فإني أخاف أن يبالغ فوق ذلك قال : فدونك ؛ فدعا له الطبيب وقال له : اشرب المرقد قال : لا أشرب مرقدا أبدا . قال : فقدرها الطبيب واحتاط بشيء من اللحم الحي مخافة أن يبقى منها شيء ضمن فيرقى فأخذ منشارا فأمسه النار فاتكأ له عروة فقطعها من نصف الساق . فما زاد على أن يقول : حس حس . فقال الوليد : ما رأيت شيخا قط أصبر من هذا
وأصيب عروة بابن له يقال له محمد في ذلك السفر ودخل إسطبل دواب من الليل ليبول فركضته بغلة فقتلته وكان من أحب ولده غليه فلم يسمع من عروة في ذلك كله كلمة حتى رجع فلما كان بوادي القرى قال : لقينا من سفرنا هذا نصبا اللهم كان لي بنون سبعة فأخذت منهم واحدا وبقيت لي ستة وكانت لي أطراف أربعة فأخذت مني طرفا وبقيت لي ثلاثة . وايمك لئن ابتليت لقد عافيت ولئن أخذت لقد أبقيت
فلما قدم المدينة جاء رجل من قومه يقال له عطاء بن ذؤيب فقال : يا أبا عبد الله ما كنا نحتاج أن نسابق بك ولا نصارع بك ولكنا كنا نحتاج إلى رأيك والأنس بك فأما ما أصبت به فهو أمر ذخره الله لك وأما ما كنا نحب أن يبقى لنا منك فقد بقي
وفي حديث غيره بمعناه قال عروة : ما عزاني أحد عن رجلي مثلك
ونشرت رجل عروة في دمشق . ولما نظر عروة إلى رجله في الطست حين قطعت قال : اللهم إنك تعلم أني لم أمش بها إلى معصية قط . وما ترك حزبه تلك الليلة . قال : وقعد بنوه يخنون يعني يبكون فقال : يا بني إن أباكم لم يكن فرسا يراهن عليه قد أبقي لي خير خلتين : ديني وعقلي
كان عروة يصوم الدهر كله إلا يوم الفطر ويوم النحر ومات وهو صائم فجعلوا يقولون له : أفطر فلم يفطر
قال أبو الزناد : اجتمع في الحجر مصعب بن الزبير وعروة بن الزبير وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر فقالوا : تمنوا فقال عبد الله بن الزبير : أما أنا فأتمنى الخلافة . وقال عروة : أما أنا فأتمنى أن يؤخذ عني العلم . وقال مصعب : أما أنا فأتمنى إمرة العراق والجمع بينعائشة بنت طلحة وسكينة بنت الحسين . وقال عبد الله بن عمر : أما أنا فأتمنى المغفرة . قال : فنالوا كلهم ما تمنوا ولعل ابن عمر قد غفر له
وعن محمد بن شيبة قال :

(1/2275)


قال مصعب بن الزبير : وددت أني لا أموت حتى أملك المصرين وأتزوج سكينة بنت الحسين وعائشة بنت طلحة . وقال عبد الملك : وددت أني لا أموت حتى أسمى بهذا الاسم . وقال عروة بن الزبير : وددت أن الله غفر لي ورحمني وأدخلني الجنة . قال : ولم يمت هذان حتى أصابا ما طلبا وأرجو أن يصيب هذا ما طلب
قال الزهري : كنت آتي عروة فأجلس في بابه مليا ولو شئت أن أدخل لدخلت فأرجع وما أدخل إعظاما له
قال هشام بن عروة : جاء عمر بن عبد العزيز من قبل أن سيتخلف إلى أبي عروة بن الزبير فقال له : رأيت البارحة عجبا كنت فوق سطحي مستلقيا على فراشي فسمت جلبة في الطريق فأشرفت فظننت عسكر العسس فإذا الشياطين يجيئون كردوسا كردوسا حتى اجتمعوا في جوبة خلف منزلي . قال : ثم جاء إبليس . فلما اجتمعوا هتف إبليس بصوت عال ؛ فتفازعوا فقال : من لي بعروة بن الزبير ؟ فقالت طائفة منهم : نحن فذهبوا ورجعوا فقالوا : ما قدرنا منه على شيء . قال : فصاح الثانية أشد من الأولى فقال : من لي بعروة بن الزبير ؟ فقالت طائفة أخرى : نحن فذهبوا فلبثوا طويلا ثم رجعوا وقالوا : ما قدرنا منه على شيء فصاح الثالثة صيحة ظننت أن الأرض قد انشقت فتفازعوا فقال ؛ من لي بعروة بن الزبير ؟ فقالت جماعتهم : نحن فذهبوا ثم لبثوا طويلا ثم رجعوا فقالوا : ما قدرنا منه على شيء . قال : فذهب إبليس مغضبا واتبعوه . فقال عروة بن الزبير لعمر بن عبد العزيز : حدثني أبي الزبير بن العوام قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ما من رجل يدعو بهذا الدعاء في أول ليله وأول نهاره إلا عصمه الله من إبليس وجنوده : بسم الله ذي الشان عظيم البرهان شديد السلطان ما شاء الله كان أعوذ بالله من الشيطان
قال عروة بن الزبير : كنت جالسا في مسجد الرسول ضحوة وحدي إذ أتاني آت يقول : السلام عليك يا بن الزبير فالتفت يمينا وشمالا فلم أر شيئا غير أني رددت عليه : واقشعر جلدي فقال : لا روع عليك أنا رجل من أهل الأرض من الخافية أتيتك أخبرك بشيء وأسألك عن شيء قال : ما الذي تسألني عنه ؟ وما الذي تخبرني به ؟ قال : الذي أخبرك به أني شهدت إبليس عليه لعنة الله ثلاثة أيام فرأيت شيطانا مسودا وجهه مزرقة عيناه يقول له إبليس عند المساء : ماذا صنعت بالرجل ؟ فيقول له الشيطان : لم أطق الكلام الذي يقوله إذا أمسى وأصبح . فلما كان يوم الثالث قلت للشيطان : عمن يسألك إبليس اللعين ؟ قال : يسألني عن عروة بن الزبير أن أغويه فما أستطيع ذلك لكلام يتكلم به إذا أصبح وإذا أمسى ؛ فأتيتك أسألك ماذا تكلم به إذا أصبحت وأمسيت ؟ فقال عروة : أقول : آمنت بالله العظيم واعتصمت به وكفرت بالطاغوت واستمسكت بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها وإن الله هو السميع العليم . فإذا أصبحت أقول ذلك . فقال له : يا بن الزبير جزاك الله خيرا فقد استفدت خيرا وأفدته
قال : وكان عروة يقول : إذا رأيتم من رجل خلعة رائعة من شر فاحذروه وإن كان عند الناس رجل حذق فإن لها عنده أخوات . وإذا رأيتم من رجل خلة رائعة من خير فلا تقطعوا أناتكم عنه وإن كان عند الناس رجل سوء فإن لها عنده أخوات
قال عروة : وإني لأعشق الشرف كما أعشق الجمال فعل الله بفلانة ؛ ألفت بني فلان وهو بيض طوال فقلبتهم سودا قصارا
قال عروة : خطبت إلى عبد الله بن عمر ابنته سودة ونحن في الطواف فلم يجبني بشيء فقلت في نفسي : لو رضيني لأجابني . فلما انقضى الحج خرج إلى المدينة قبلي وخرجت بعده . فلما دخلت المدينة مضيت إليه فسلمت عليه فقال لي : كنت ذكرت سودة بنت عبد الله ؟ قلت : نعم . قال : كنت ذكرتها ونحن في الطواف نتخايل الله بين أعيننا أفلك فيها حاجة ؟ قلت : أحرص ما كنت . قال : يا غلام : ادع عبد الله بن عبد الله ونافعا مولى عبد الله . قال : قلت له : وبعض آل الزبير ؟ قال : لا . قلت : فمولاك حبيبا ؟ قال : ذلك أبعد . ثم قال لهما : هذا عروة بن أبي عبد الله بن الزبير وقد علمتما حاله وقد خطب إلي سودة بنت عبد الله وقد زوجته إياها بما جعل الله للمسلمات على المسلمين من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان وعلى أن يستحلها بما يستحل به مثلها . أقبلت يا عروة ؟ قلت : نعم ؛ قال : بارك الله لك
قال عروة بن الزبير : رب كلمة ذل احتملتها أورثتني عزا طويلا
قال عروة :

(1/2276)


تفرق بنو الزبير في البلاد فخرج المنذر إلى العراق وخرج معه بخالد بن الزبير فأرسل عبد الله بن الزبير مصعبا فرد خالدا من بني المطلب ونفذ المنذر فقدم الكوفة . وخرج عروة حتى قدم البصرة على عبد الله بن عباس وهو عامل عليها فقال له عروة حين دخل عليه : من الطويل
أمت بأرحام إليكم قريبة ... ولا قرب بالأرحام ما لم تقرب
فقال له ابن عباس : من قالها ؟ قال عروة : قلت : أبو أحمد بن جحش . قال ابن عباس : فهل تدري ما قال له رسول الله صلى الله عليه و سلم ؟ قال : قلت : لا قال : قال له : صدقت . قال : ثم قال لي : ما أقدمك ؟ قال : قلت : اشتدت الحال وأبى عبد الله أن يقسم سبع حجج وتألى أن لا يفعل حتى يقضي دين الزبير وليس يؤدي عنه أحد . قال : ثم أجازني وأعطاني . ثم لحق بمصر فأقام بها بعد
بعث معاوية إلى عروة بن الزبير مقدمه المدينة فكشفه وسأله واستنشده ثم قال : تروي قول جدتك صفية ؟ وأراد أن يحركه . وكان يقال : طيروا دماء الشباب في وجوههم يقول : حركوهم : من الطويل
خالجت آباد الدهور عليكم ... وأسماء لم تشعر بذلك أيم
فلو كان زبر مشركا لعذرته ... ولكنه قد يزعم الناس مسلم
فقال لها الزبير : يا أمتاه وما هو إلا الزعم . فقال عروة : نعم وأروي قولها : من الوافر
ألا أبلغ بني عمي رسولا ... ففيم الكيد فينا والإمار
وسائل في جموع بني علي ... إذا كثر التناشد والفخار
بأنا لا نقر الضيم فينا ... ونحن لمن توسمنا نضار
متى نقرع بمروتكم نسؤكم ... وتظعن من أماثلكم ديار
مجازيل العطاء إذا وهبنا ... وأيسار إذا جب القتار
ونحن الغافرون إذا قدرنا ... وفينا عند غدوتنا انتصار
ولم نبدأ بذي رحم عقوقا ... ولم توقد لنا بالغدر نار
وإنا والسوابح يوم جمع ... بأيديها وقد سطع الغبار
لنصطبرن لأمر الله حتى ... يبين ربنا أين الفرار
قال معاوية : يا بن أخي هذه بتلك قال : وإنما قالت ذلك في قتل أبي أزيهر تعير به أبا سفيان بن حرب . وكان أبو أزيهر صهر أبي سفيان وكان يدخل ثم في جوار أبي سفيان فقتله هشام بن الوليد فعير به حسان بن ثابت في قوله : من الطويل
غدا أهل حضني المجاز بسحرة ... وجار ابن حرب بالمغمس لا يغدو
كساك هشام بن الوليد ثيابه ... فأبل وأخلق مثلها جددا بعد
قضى وطرا منه فأصبح ماجدا ... وأصبحت رخوا ما تخب ولا تعدو
فما منع العير الضروط ذمارة ... وما منعت مخزاة والدها هند
فلو أن أشياخا ببدر تشاهدوا ... لبل نعال القوم معتبط ورد
قال : وكانت العرب إذا غدر الرجل أوقدوا له نارا بمنى أيام الحج على الأخشب الجبل المطل على منى ثم صاحوا : هذه غدرة فلان ففعلوا ذلك بأبي سفيان في أبي أزيهر
قال سفيان : قتل بان الزبير وهو ابن ثلاث وسبعين وقتل معه ابن صفوان وابن مطيع بن الأسود . قيل له : فأين كان عروة ؟ قال : بمكة فلما قتل خرج إلى المدينة بالأموال فاستودعها وخرج إلى عبد الملك فقدم عليه قبل البريد وقبل أن يصل إليه الخبر . فلما انتهى إلى الباب قال للبواب : قل لأمير المؤمنين : أبو عبد الله على الباب فقال : من أبو عبد الله ؟ قال : قل له : أبو عبد الله فدخل فقال : ههنا رجل عليه أثر سفر يقول : قل لأمير المؤمنين : أبو عبد الله عند الباب فقلت له : من أبو عبد الله ؟ فقال : قل له : أبو عبد الله فقال : ذاك عروة بن الزبير ؛ فأذن له . فلما رآه زال له عن موضعه قال : فجعل يسأله فقال : كيف أبو بكر ؟ يعين عبد الله بن الزبير فقال : قتل رحمه الله قال : فنزل عبد الملك عن السرير فسجد . وكتب إليه الحجاج أن عروة قد خرج والأموال عنده . قال : فقال له عبد الملك في ذلك فقال : ما تدعون الرجل حتى يأخذ سيفه فيموت كريما ؟ ! قال : فلما رأى ذلك كتب إلى الحجاج أن أعرض عن ذلك
حدث أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة في حديث عروة بن الزبير

(1/2277)


أن الحجاج رآه قاعدا مع عبد الملك بن مروان فقال له : أتقعد ابن العمشاء معك على سريرك ؟ ! لا أم له . فقال عروة : أنا لا أم لي ؟ ! وأنا ابن عجائز الجنة ؟ ! ولكن إن شئت أخبرتك من لا أم له يا بن المتمنية . فقال عبد الملك : أقسمت عليك أن تفعل فكف عروة
قوله : يا بن المتمنية أراد أمه وهي الفريعة بنت همام أم الحجاج بن يوسف وكانت تحت المغيرة بن شعبة وهي القائلة : من البسيط
ألا سبيل إلى خمر فأشربها ... أم لا سبيل إلى نصر بن حجاج
وكان نصر بن حجاج من بني سليم وكان جميلا رائعا فمر عمر بن الخطاب ذات ليلة وهذه المرأة تقول :
ألا سبيل إلى خمر فأشريها ...... البيت ......
فدعا بنصر بن حجاج فسيره إلى البصرة فأتى مجاشع نب مسعود السلمي وعنده امرأته شميلة وكان مجاشع أميا فكتب نصر على الأرض : أحبك حبا لو كان فوقك لأظلك ولو كان تحتك لأقلك . فكتبت المرأة : وأنا والله . فلبث مجاشع آنأ ثم أدخل كاتبا فقرأه فأخرج نصرا وطلقها
وكان عمر بن الخطاب سمع قائلا بالمدينة يقول : من الطويل
أعوذ برب الناس من شر معقل ... إذا معقل راح البقيع مرجلا
يعني معقل بن سنان الأشجعي وكان قدم المدينة فقال له عمر : الحق بباديتك
قال الزهري : دخل عروة بن الزبير وعبيد الله بن عبد الله بن مسعود على عمر بن عبد العزيز وهو أميرنا بالمدينة فقال عروة في شيء جرى من ذكر عائشة وعبد الله بن الزبير : سمعت عائشة تقول : ما أحببت أحدا كحبي عبد الله بن الزبير لا أعني رسول الله صلى الله عليه و سلم ولا أبوي فقال له عمر : إنكم تنتحلون عائشة وابن الزبير انتحال من لا يرى فيهما لأحد نصيبا . قال عروة : بركة عائشة رضوان الله عليها كانت أوسع من أن لا نرى لكل مسلم فيها حقا ولقد كان عبد الله بن الزبير منها بحيث وضعته الرحم والمودة التي لا يشرك كل واحد منهما فيها غير صاحبه أحد فقال عمر : كذبت . فقال عروة : هذا يعني عبيد الله بن عبد الله يعلم أين غير كاذب وأن أكذب الكاذبين لمن كذب الصادقين فسكت عبيد الله ولم يدخل ما بينهما بشيء ؛ فأفف بهما عمر وقال : اخرجا عني فلم يلبث أن بعث إلى عبيد الله بن عبد الله رسولا يدعوه لبعض ما كان يدعوه له فكتب إليه عبيد الله : من الطويل
لعمر ابن ليلى وابن عائشة الذي ... لمروان أداه أب غير زمل
ولو أنهم عما وجدا ووالدا ... تأسوا فسنوا سنة المتفضل
غذرت أبا حفص بأن كان واحدا ... من القوم يهدي هديهم ليس يأتلي
ولكنهم فاتوا وجئت مصليا ... تقرب إثر السابق المتهمل
وعمت فإن تلحق فحضر مبرز ... جواد وإن تسبق فنفسك أعول
فمالك في السلطان أن تحمل القذى ... جفون عيون بالقذى لم تكحل
وما الحق أن تهوى فتعسف بالذي ... هويت إذا ما كان ليس بأعدل
أبى الله والأحساب أن ترأم الخنا ... نفوس كرام بالخنا لم توكل
قال هشام بن عروة : ما سمعت أحدا من أهل الأهواء يذكر عروة إلا بخير
كان عروة بن الزبير تابعيا ثقة صالحا لم يدخل في شيء من الفتن
قال عروة : ما بر والده من شد الطرف إليه
قال عبد الله بن حسن بن حسن : كان علي بن حسين بن علي بن أبي طالب يجلس كل ليلة هو وعروة بن الزبير في مؤخر مسجد النبي صلى الله عليه و سلم بعد العشاء الآخرة فكنت أجلس معهما . فتحدثا ليلة فذكرا جور من جار من بني أمية . والمقام معهم وهو لا يستطيعون تغيير ذلك ثم ذكرا ما يخافان من عقوبة الله لهم فقال عروة لعلي : يا علي إن من اعتزل أهل الجور والله يعلم منه سخطه لأعمالهم فإن كان منهم على ميل ثم أصابتهم عقوبة الله رجي له أن يسلم مما أصابهم . قال : فخرج عروة فسكن العقيق . قال عبد الله : وخرجت أنا فنزلت سويقة
قال هشام بن عروة :

(1/2278)


لما قطع عمر بن الخطاب العقيق فدنا من موضع قصر عروة قال : أين المستقطعون منذ اليوم ؟ فوالله ما مررت بقطيعة تشبه هذه القطيعة فقام إليه خوات بن خيبر الأنصاري فقال : أقطعنيها يا أمير المؤمنين فأقطعه إياها وكان يقال لموضعها : خيف حرة الوبرة
فلما كانت سنة إحدى وأربعين أقطع مروان بن الحكم عبد الله بن عباس بن علقمة بن عبد الله بن أبي قيس بن عبد ود ما بين الميل الرابع من المدينة إلى صفيرة أرض المغيرة بن الأخنس التي في وادي العقيق إلى الجبل الأحمر الذي يطلعك على قباء وشهود قطيعته عبد الملك وأبان ابنا مروان وعبيد الله بن عبد الله بن أبي أمية وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فاشترى عروة موضع قصره وأرضه وبئاره من عبد الله بن عباس وابتنى واحتفر واحتجر وضفر . فقيل له : يا أبا عبد الله إنك بغير موضع مدر فقال : يأتي الله به من البقيع . فجاء سيل فدخل في مزارعه فكساها من خليج كان خلجه
ولما فرغ عروة من بناء قصره وبئاره دعا جماعة من الناس وكان فيمن دعي ابن أبي عتيق قال : فطعم وجعلوا يبركون وينصرفون ويقولون : ما رأينا ماء أعذب ولا أطيب ولا منزلا أكرم . قال : وقام ابن أبي عتيق فبرك ثم قال : لولا خصيلة واحدة ما كان في الأرض مثلها قال : فاشرأب عروة والناس وقال : ما هي ؟ قال : ليس لها وقاية ولا دونها وديعة قال : فضحك عروة ومن حضر وأعجبهم ذلك من قول ابن أبي عتيق
الوديعة : الخزانة تستودع بالمطر إذا جاء فيكون لها غذاء . والرقابة أن يكون لها ميضأة لئلا يرجع عليها الماء
لما اتخذ عروة قصرا بالعقيق قال له الناس : قد جفرت عن مسجد رسول الله صلى الله عليه و سلم وقال : إني رأيت مساجدهم لاهية وأسواقهم لاغية والفاحشة في فجاجهم عالية فكان فيما هنالك عما هم فيه عافية
وعن ابن أبي ربيعة : أنه مر بعروة بن الزبير وهو يبني قصره بالعقيق فقال : أردت الحرث يا أبا عبد الله ؟ قال : لا ولكنه ذكر لي أنه سيصيبها عذاب يعني المدينة فقلت : إن أصابها شيء كنت منتحيا عنها
وكان عروة يكون بالعقيق فيموت بعض ولده بالمدينة فلا يأتيه
من شعر عروة بن الزبير : من المتقارب
إذا انتسب الناس كان التقي ... بتقواه أفضل من ينسب
ومن يتق الله يكسب بها ... من الحظ أفضل ما يكسب
قال عروة : أفضل ما أعطي العباد في الدنيا العقل وأفضل ما أعطوا في الآخرة رضوان الله
وقال عروة : ليس الرجل الذي إذا وقع في الأمر تخلص منه ولكن الرجل يتوقى الأمور حتى لا يقع فيها
قال عروة : ما أحب أن أدفن في البقيع لأن أدفن في غيره أحب إلي من أن أدفن فيه . إما أحد الرجلين : إما ظالم فما أحب أن أكون في قبره وإما صالح فما أحب أن تنبش لي عظامه
مات عروة بن الزبير يوم مات وهو يقول : أخشاك ربي وأرجوك أخشاك ربي وأرجوك
مات عروة بن الزبير في أمواله بمجاح في ناحية الفرع ودفن هناك يوم الجمعة سنة أربع وتسعين . وكان يقال لهذه السنة سنة الفقهاء لكثرة من مات منهم فيها
وقيل : توفي سنة اثنتين وتسعين وهو ابن سبع وسبعين وقيل : سبع وستين سنة
وقيل : توفي سنة إحدى وتسعين وقيل : سنة ثلاث وتسعين وقيل : سنة خمس وتسعين . وقيل : سنة سبع وتسعين أو تسع وتسعين أو إحدى ومئة
عروة بن العشبة الكلبي
شاعر فارس كان من أصحاب علي بن أبي طالب عليه السلام ثم لحق بمعاوية
وقيل له : العشبة ؛ لأنه كان كالعشب لقومه . وعروة من ولده . وبعضهم يقول : عمر بن العشبة وهو باطل
بعث معاوية رجلا من كلب يقال له : زهير بن مكحول من بني عامر إلى السماوة فجعل يصدق الناس . وبلغ ذلك عليا : فبعث ثلاثة نفر : جعفر بن عبد الله الأشجعي وعروة بن العشبة من كلب من بني عبد ود والجلاس بن عمير من بني عدي بن جناب الكلبي وجعل الجلاس كاتبا لهم ليصدقوا من كان في طاعته من كلب بكر بن وائل . فأخذوا على شاطئ الفرات حتى أتوا أرض كلب ووافوا زهيرا الأجدادي فاقتتلوا وهزم زهير أصحاب علي وقتل جعفر بن عبد الله وأفلت الجلاس وأتى ابن العشبة عليا فعنفه وقال : جبنت وتعصبت فانهزمت وعلاه بالدرة ؛ فغضب ولحق بمعاوية ؛ فهدم علي داره . وكان زهير حمل ابن العشبة على فرس فلذلك اتهمه علي وقال ابن العشبة : من الطويل

(1/2279)


أبلغ أبا حسن إذا ما جئته ... يدينك منه الصبح والإمساء
لو كنت رائينا عشية جعفر ... جاشت لديك النفس والأحشاء
إذ نحسب الصحراء خلف ظهورنا ... خيلا وأن أمامنا صحراء
إنا لقينا معشرا قبض الحصى ... فكأنهم يوم الوغى شجراء
ومر الجلاس براع فأعطاه جبة خزن وأعطاه الراعي عباءة فلبسها وأخذ العلبة في يده وأدركته الخيل فقالوا : أين أخذ هؤلاء الترابيون ؟ فأشار إليهم : أخذوا ههنا . ثم أقبل إلى الكوفة فقال جواس بن القعطل : من الطويل
ونجى جلاسا علبة وعباءة ... وقولك إني جيد الصر حالب
ولو ثقفته بالكثيب خيولهم ... لأودى كما أودى سمير وحاطب
وصار لقى بين الفريقين مسلما ... جبارا ولم يثأر به الدهر طالب
عروة بن محمد بن عطية
ابن عروة بن القين بن عامر بن عميرة السعدي الجشمي لجده صحبة واستعمله سليمان بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز ويزيد بن عبد الملك على اليمن
حدث عروة بن محمد عن أبيه قال : قدمت على رسول الله صلى الله عليه و سلم في أناس من بني سعد بن بكر وكنت أصغر القوم فخلفوني في رحالهم ثم أتوا رسول الله صلى الله عليه و سلم فقضى من حوائجهم ثم قال : " هل بقي منكم أحد ؟ " قالوا : يا رسول الله غلام منا في رحالنا ؛ فأمرهم أن يبعثوني إليه ؛ فأتوني فقالوا : أجب رسول الله صلى الله عليه و سلم ؛ فأتيته فلما رآني قال : " ما أغناك الله فلا تسأل الناس شيئا فإن اليد العليا هي المنطية وإن اليد السفلى هي المنطاة وإن مال الله مسؤول ومنطى "
قال : ويكلمني رسول الله صلى الله عليه و سلم بلغتنا
قال أبو وائل القاضي : كنا عند عروة بن محمد فدخل عليه رجل فكلمه بكلام أغضبه قال : فقام منا ثم رجع وقد توضأ فقال : حدثني أبي عن جدي وكانت له صحبة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " إن الغضب من الشيطان وإن الشيطان خلق من النار وإنما نطفئ النار بالماء فإذا غضب أحدكم فليتوضأ "
خرج عروة من اليمن وقد وليها سنتين وما معه إلا سيفه ورمحه ومصحفه . ولما دخل قال : يا أهل اليمن هذه راحلتي فإن خرجت بأكثر منها فأنا سارق
وقيل : إنه وليها عشرين سنة وعزل عنها سنة ثلاث ومئة
كتب عمر بن عبد العزيز إلى عامله باليمن : إلى عروة بن محمد السعدي إني أكتب إليك آمرك أن ترد المسلمين مظالمهم فتكتب إلي تراجعني ولا تعرف مسافة ما بيني وبينك ولا تعرف أحداث الموت حتى لو كتبت إليك أن ترد على رجل مظلمة شاة لكتبت إلي أردها عفراء أم سوداء ؟ فاردد على المسلمين مظالمهم ولا تراجعني والسلام
كتب عمر بن عبد العزيز إلى عروة صاحب اليمن : لا يحمل إلي من اليمن إلا حق ولو لم يبلغ خراجها إلا حفينة من كتم لم أبال
قال عروة بن محمد : لما استعملت على اليمن قال لي أبي : أوليت اليمن ؟ قلت : نعم . قال : إذا غضبت فانظر إلى السماء فوقك وإلى الأرض أسفل منك ثم أعظم خالقهما
وعن معمر في قوله تبارك الله وتعالى : " فلما آسفونا انتقمنا منهم " . قال : حدثني سماك بن الفضل قال : كنت عند عروة بن محمد وعنده وهب بن منبه فأتي بعامل لعروة فشكا فأكثروا عليه فقالوا : فعل وفعل وثبتت عليه البينة قال ؛ فلم يملك وهب نفسه ؛ فضربه على قرنه بعصا ؛ فإذا دماؤه تشخب فقال : أفي زمن عمر بن عبد العزيز يصنع مثل هذا ؟ قال : فاشتهاها عروة وكان حليما واستلقى على قفاه وضحك وقال : يعتب علينا أبو عبد الله الغضب في حكمته وهو يغضب فقال وهب : وما لي لا أغضب وقد غضب خالق الأحلام ؟ إن الله تعالى يقول : " فلما آسفونا انتقمنا منهم " يقول : أغضبونا
قال عروة بن محمد : ما أبرم قوم أمرا قط فصدروا فيه عن رأي امرأة إلا تبروا
عروة بن مروان
أبو عبد الله العرقي الجرار من أهل عرقة من أعمال طرابلس من نواحي دمشق
حدث عن موسى بن أعين بسنده إلى ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " أتاكم شهر رمضان تزين فيه الحور العين "
قال : وقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " إذا كان آخر يوم منشر رمضان أعتق فيه مثل جميع ما أعتق " يعني في رمضان

(1/2280)


وحدث عن ابن المبارك عن عاصم عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي "
العرقي بكسر العين المهملة وقاف والجرار بجيم وراءين . وكان أميا وكان من العابدين . وعرقة : بلد بين رفنية وطرابلس . وكان رجلا ما رئي أشد تعسفا منه وكان محققا شديد الحمل والجهد على نفسه وكان ضيق الكم ما يقدر أن يخرج يده إلا بعد جهد وكان لا يرى الاشتغال بالتجارة إنما كان يأتي بريحان ينبت في الجبال إلى مصر فيبيعه فيتقوته
عروة بن المغيرة بن شعبة
أبو يعفور الثقفي وفد على معاوية
حدث عن أبيه قال : كنت مع رسول الله صلى الله عليه و سلم ذات ليلة في سفر فقال : " أمعك ماء ؟ " قلت : نعم فنزل عن راحلته فمشى حتى توارى عني في سواد الليل ثم جاء فأفرغت عليه ماء من الإداوة فغسل يديه ووجهه وعليه جبة من صوف فلم يستطع أن يخرج ذراعيه منها حتى أخرجهما من أسفل الجبة وغسل ذراعيه ومسح رأسه فأهويت لأنزع خفيه فقال : " دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين " . فمسح عليهما
وحدث عن أبيه قال : من باع الخمر فليشقص الخنازير
حدث خالد الحذاء أن المغيرة بن شعبة حيث أراد معاوية البيعة ليزيد وفد أربعين من وجوه أهل الكوفة وأمر عليه ابنه عروة بن المغيرة فدخلوا على معاوية فقاموا خطباء فذكروا : أنه إنما أشخصهم إليه التيه والنظر لأمة محمد صلى الله عليه و سلم فقالوا : يا أمير المؤمنين كبرت سنك وتخوفنا الانتشار من بعدك يا أمير المؤمنين أعلم لنا علما وحد لنا حدا ننتهي إليه ؛ قال : أشيروا علي ؛ قالوا : نشير عليك بيزيد ابن أمير المؤمنين قال : وقد رضيتموه ؟ قالوا : نعم قال : وذاك رأيكم ؟ قالوا : نعم ورأي من بعدنا فأصغى إلى عروة وهو أقرب القوم منه مجلسا فقال : لله أبوك ! بكم اشترى أبوك من هؤلاء دينهم ؟ قال : بأربع مئة قال : لقد وجد دينهم عندهم رخيصا
قال الشعبي : علم المغيرة بن شعبة ابنه عروة رعاية الغنم ثم علمه رعاية الإبل ثم قال : أجلسوه في مجالسكم حتى يتعلم منكم ويسمع حديثكم ثم دعاه إليه فزوجه أربعا
قال الشعبي : اشترى رجل من رجل جاريته بخمس مئة درهم فنقده منها ثلاث مئة درهم فسأله أن يدفعها إليه فأبى فانطلق فتحمل له الثمن . ثم أتاه بها فدفعها إليه وقال : ادخل فاقبض سلعتك فوجدها قد ماتت . فخاصمه إلى عروة بن المغيرة قال : فقال عروة : أما الثلاث مئة فهي لك وأما المئتين فإنك ارتهنت السلعة رهنا والرهن بما فيه ؛ فأعجب ذلك الشعبي
قال عروة بن المغيرة : شر العداوة ما ستر بالمداراة وأشفاها للأنفس ما فزع بمثلها بادئا وكان ينشد : من الكامل
لا أتقي حسد الضغائن بالرقى ... فعل الذليل ولو بقيت وحيدا
لكن أعد لها ضغائن مثلها ... حتى أوازي بالحقود حقودا
كالخمر خير دوائها منها بها ... تشفي السقيم وتبرئ المنجودا
وقال ابن عياش في تسمية الحول : عروة بن المغيرة بن شعبة
عريان بن الهيثم بن الأسود
ابن أقيش بن معاوية بن سفيان بن هلال بن عمرو بن جشم ابن عوف بن النخع النخعي الكوفي وفد على معاوية وعلى يزيد بن معاوية
حدث العريان بن الهيثم النخعي الأعور عن قبيصة بن جابر الأسدي قال : كنا نشارك المرأة في السورة من القرآن نعلمها فانطلقت مع عجوز من بني أسد إلى عبد الله بن مسعود فرأى جبينها يبرق فقال : أتحلقونه ؟ فغضبت وقالت : التي تحلق جبينها امرأتك قال : فاذهبي فانظري فإن كانت تفعله فهي مني بريئة . فانطلقت فدخلت فقالت : ما رأيتها تفعله فقال عبد الله بن مسعود : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : " لعن المتنمصات والمتفلجات والمتوشمات والمستوشمات اللاتي يغيرن خلق الله تعالى "
قال العريان بن الهيثم : كنت عند معاوية بن أبي سفيان فذكروا البصرة فقال : كم بعد الأبلة منها ؟ فقالوا : أربعة فراسخ فقال عبد الله بن عمرو : ينزل بنو قنطوراء عراض الوجوه صغار الأعين كأن وجوههم المجان المطرقة
بينما العريان يطوف ليلة بالكوفة لقي شابا سكران وهو يتغنى فقال له : من أنت ؟ فقال : من الطويل
أنا ابن الذي لا ينزل الدهر قدره ... وإن نزلت يوما فسوف تعود

(1/2281)


فقال : خلوا سبيله وظن أنه شريف من أشراف الكوفة . فلما أصبح حدث بحديثه في مجلسه فقال : وددت أني كنت عرفته ؛ فقال له رجل من الشرط أتحب أصلحك الله أن آتيك به ؟ قال : وتعرفه ؟ قال : نعم أصلحك الله أبوه يبيع الباقلاء في جبانة عرزم قال : علي به الساعة . قال : فأتاه به فأدخله عليه فقال له :
أنا ابن الذي لا ينزل الدهر قدره البيت ......
فقال : أصلحك الله فما كذبتك إن أبي يبيع الباقلاء فإذا أنزلت قدره فباع ما فيها أعادها ؛ فضحك وضحك جلساؤه وعجبوا من ظرفه
أتي العريان بن الهيثم بن الأسود النخعي بشابين قد جنيا جناية فضرب أحدهما وأمر بتجريد الآخر ؛ وشد إزاره على وسطه وهو يقول : من الوافر
فقلت لمذحج قوموا فشدوا ... مآزركم فقد برح الخفاء
فإن الحرب يجنيها رجال ... ويصلى حرها قوم براء
فقال له العريان : من قائل هذا الشعر ؟ قال : الهيثم بن الأسود النخعي فضحك وقال : ما أراك إلا مظلوما خلوا سبيله
عزرة بن قيس بن غزية الأحمسي
البجلي الدهني الكوفي ولي عزرة حلوان في خلافة عمر وغزا شهرزور منها فلم يفتحها حتى افتتحها عبتة بن فرقد
حدث عزرة بن قيس قال : قال خالد بن الوليد : كتب إلي أمير المؤمنين حين ألقى الشام بوانيه وصار بثنية وعسلا أن : سر إلى أرض الهند والهند يومئذ في أنفسنا البصرة وأنا لذلك كاره فقال رجل : اتق الله يا أبا سليمان فإن الفتن قد ظهرت فقال : أما وابن الخطاب حي فلا إنها تكون بعده والناس بذي بليان أوف ي ذي بليان بمكان كذا وكذا فلينظر الرجل . فيتفكر هل يجد مكانا لم ينزل به ما نزل بمكانه الذي هو فيه من الفتنة والشر فلا يجد أولئك الأيام التي ذكر رسول الله صلى الله عليه و سلم بين يدي الساعة أيام الهرج . فنعوذ بالله أن تدركني وإياكم أولئك الأيام
قال الواقدي : وهذا لا يعرف عندنا أن عمر بعثه إلى الشام ولا أراد أن يبعثه إلى الهند إنما بعثه أبو بكر إلى أرض العراق واستمد أهلا لشام أبا بكر بالرجال فكتب إلى خالد أن يسير مددا إلى جند الشام وكان من ولاية أبي بكر حين توفي ثم عزله عمر
قوله : ألقى الشام بوانيه هو مثل يقال للإنسان إذا اطمأن بالمكان واجتمع له أمره : قد ألقى بوانيه وكذلك يقال : ألقى أوراقه وألقى عصاه
وقوله : صار بثنية وعسلا فيه قولان : يقال : البثنية : حنطة منسوبة إلى بلد بالشام معروفة من دمشق يقال لها : البثنية . والقول الآخر : أراد بالبثنية اللينة وذلك أن الرملة اللينة يقال لها : بثنة وتصغيرها : بثينة ومنها سميت المرأة بثينة فأراد خالد أن الشام لما اطمأن وذهبت شوكته وسكنا لحرب فيه وصر لينا لا مكروه فيه إنما هو خصيب كالحنطة والعسل . وعزلني استعمل غيري . وفي رواية : فلما ألقى الشام بوانيه وصار سمنا وعسلا أراد أن يؤثر به غيري
وقوله : وكان الناس بذي بلي وذي بلى فإنه أراد : تفرق الناس وأن يكونوا طوائف مع غير إمام يجمعهم ويعدي بعضهم من بعض وكذلك كل من بعد منك حتى لا تعرف موضعه فهو بذي بلي وفيه لغة أخرى بذي بليان وذي بليان وكان الكسائي ينشد في صفة رجل يطيل النوم : من الوافر
ينام ويذهب الأقوم حتى ... يقال أتوا على ذي بليان
يعني : أنه أطال النوم ومضى أصحابه في سفرهم حتى صاروا إلى موضع لا يعرف مكانهم من طول نومه
ورواه بعضهم : ألقى الشام نواتيه . وليس بشيء إنما النواتي في كلام أهل الشام : الملاحون الذين في البحر خاصة
وعزرة : العين غير معجمة والزاي ساكنة منقوطة والراء غير معجمة
قيل : إن عزرة بقي إلى أيام معاوية
عزير بن جروة ويقال ابن شوريق
ابن عربا بن أيوب بن درتنا بن غرى بن بقي بن إيشوع بن فنحاس ابن العازر بن هارون بن عمران ويقال : عزير بن سروخا قيل : قبره بدمشق
عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :

(1/2282)


" ثلاث وثلاث وثلاث ؛ ثلاث لا يمين فيهن وثلاث الملعون فيهن وثلاث أشك فيهن أما التي لا يمين فيهن : فلا يمين للولد مع والده ولا للمولى مع سيده ولا للمرأة مع زوجها . وأما الملعون فيهن : فملعون من دعا لقرابته وملعون من سب والديه وملعون من غير تخوم الأرض . وأما التي أشك فيهن فلا أدري ألعن تبع أم لا ولا أدري أكان عزير نبيا أم لا "
قال محمد بن كريب : ونسيت التاسعة . وذكرها غيره فقال : ولا أدري الحدود كفارة لأهلها أم لا
وعن ابن عباس قال : كان عزير من أبناء الأنبياء وقد كان أحكم التوراة ولم يكن في زمانه أحد أعلم بالتوراة منه ولا كان أحفظ لها منه . وكان يذكر مع الأنبياء حتى محا الله اسمه حين سأل ربه عن القدر . وكان ممن سباه بختنصر وهو غلام حدث . فلما بلغ أربعين سنة أعطاه الله الحكمة
وعن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه و سلم : " إن عزيرا النبي عليه السلام كان من المتعبدين فرأى في منامه أنهارا تطرد ونيراناص تشتعل ثم نبه ثم نام فرأى في منامه أيضا قطرة ماء كوبيص دمعة فهي في شرارة من نار في دجن ثم إنه نبه فكلم الله عز و جلن فقال : رب ؟ رأيت في منامي أنهارا تطرد ونيرانا تشتعل ورأيت أيضا قطرة من ماء كوبيصة دمعة وشرارة من نار . فأجابه الله عز و جل : " أما ما رأيت في أول يا عزير أنهارا تطرد ونيرانا تشتعل فما قد خلا من الدنيا وأما ما رأيت من قطرة الماء كوبيصة دمعة وشرارة من نار في دجن فما قد بقي من الدنيا "
قال وهب : قرأت في مناجاة عزير : اللهم إنك اخترت من الأنعام الضانية ومن الطير الحمامة ومن النبات الحبة ومن البيوت بكا وإيليا ومن إيليا بيت المقدس
وعن سفيان الثوري قال : قال عزير النبي صلى الله على نبينا وعليه وسلم : يا رب ما علامة من صافيته في مودته ؟ قال : من قنعته باليسير وحركته للخطر العظيم قليل المطعم وكثير البكاء يستغفرني بالأسحار ويبغض في الفجار
وقال وهب : بلغني أن الله قال للعزير : " بر والديك قال : من بر والديه رضيت عنه وإذا رضيت باركت وإذا باركت بلغت الرابعة من النسل "
قال ابن عباس : إن عزير بن سروخا هو الذي قال الله تعالى في كتابه : " أو كالذي مر على قرية وهو خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مئة عام " : وعن ناجية بن كعب الأسدي قال : هو عزير أتى خبازا قريبا منه قال له عزير : هل تعرفني ؟ فقال : ما أعرفك ولكني أشبهك رجلا كان عندنا يقال له عزير . وفي نسخ : جبارا
وعن عكرمة : في قوله تعالى : " ولنجعلك آية للناس " قال : تبعث شابا وولدك شيوخا
ويقال : إن هذه الآية نزلت في إزمياء
حدث جماعة : أن عزيرا كان عبدا صالحا حكيما خرج ذات يوم إلى ضيعة له يتعاهدها فلما انصرف انتهى إلى خربة حين قامت الظهيرة وأصابه الحر فدخل الخربة وهو على حمار له فنزل عن حماره ومعه سلة فيها تين وسلة فيها عنب فنزل في ظل الخربة وأخرج قصعة معه فاعتصر من العنب في القصعة ثم أخرج خبزا يابسا معه فألقاه في تلك القصعة في العصير ليبتل ليأكله ثم استلقى على قفاه وأسند رجليه إلى الحائط فنظر سقف تلك البيوت ورأى ما فيها وهي قائمة على عروشها وقد باد أهلها ورأى عظاما بالية فقال : أنى يحيي هذه الله بعد موتها ! فلم يشك أن الله يحييها ولكن قالها تعجبا

(1/2283)


فبعث الله ملك الموت فقبض روحه فأماته الله مئة عام فلما أماته الله عز و جل مئة عام وكانت فيما بين ذلك في بني إسرائيل أمور وأحداث . قال : فبعث الله إلى عزير ملكا فخلق قلبه ليعقل به وعينيه لينظر بهما ؛ فيعقل كيف يحيي الله الموتى ثم ركب خلقه وهو ينظر ثم كسا عظامه اللحم والشعر والجلد ثم نفخ فيه الروح كل ذلك يرى ويعقل فاستوى جالسا فقال له الملك : كم لبثت ؟ قال : لبثت يوما وذلك أنه كان نام في صدر النهار عند الظهيرة وبعث في آخر النهار والشمس لم تغب فقال : أو بعض يوم ولم يتم لي يوم فقال له الملك : بل لبثت مئة عام فانظر إلى طعامك وشرابك يعني الطعام الخبز لليابس وشرابه العصير الذي كان اعتصر في القصعة فإذا هما على حالهما لم يتغيرا العصير والخبز يابس فذلك قوله : " لم يتسنه " يعني : لم يتغير وكذلك التين والعنب غض لم يتغير عن شيء من حالهم فكأنه أنكر في قلبه
قال : فركب حماره حتى أتى محلته فأنكره الناس وأنكر الناس وأنكر منازله ؛ فانطلق على وهم منه حتى أتى منزله فإذا بعجوز عمياء مقعدة قد أتى عليها مئة وعشرون سنة كانت أمة لهم فخرج عنهم عزير وهي بنت عشرين سنة وكانت عرفته وعقلته فلما أصابها الكبر أصابها الزمانة . فقال لها عزير : يا هذه أهذا منزل عزير ؟ قالت : نعم هذا منزل عزير ! فسكت . وقالت : ما رأيت أحدا من كذا وكذا سنة يذكر عزيرا وقد نسيه الناس . قال : فإني أنا عزير قالت : سبحان الله ! فإن عزيرا قد فقدناه منذ مئة سنة فلم نسمع له بذكر . قال : فإني أنا عزير كان الله أماتني مئة سنة ثم بعثني . قالت : فإن عزيرا رجل مستجاب الدعوة يدعو للمريض ولصاحب البلاء بالعافية والشفاء فادع الله أن يرد علي بصري حتى أراك فإن كنت عزيرا عرفتك ؛ فدعا ربه ومسح يده على عينيها فصحتا فأخذ بيدها فقال : قومي بإذن الله فأطلق الله رجليها فقامت صحيحة كأنما نشطت من عقال ! فنظرت فقالت : أشهد أنك عزير . فانطلقت إلى محلة بني إسرائيل وهم في أنديتهم ومجالسهم وابن لعزير شيخ ابن مئة سنة وثمان عشرة سنة وبنو بنيه شيوخ المجلس . فقالت : هذا عزير قد جاءكم فكذبوها فقالت : أنا فلانة مولاتكم دعا لي ربه ؛ فرد علي بصري وأطلق رجلي وزعم أن الله كان أماته مئة سنة ثم بعثه
قال : فنهض الناس فأقبلوا إليه فنظروا إليه فقال ابنه : كان لأبي شامة سوداء بين كتفيه فكشف عن كتفيه فإذا هو عزير . فقالت بنو إسرائيل : وإنه لم يكن فينا أحد حفظ التوارة فيما حدثنا غير عزير وقد حرق بختنصر التوراة . ولم يبق منها شيء إلا ما حفظت الرجال فاكتبها لنا . وكان أبوه سروخا قد دفن التوراة أيام بختنصر في موضع لم يعرفه أحد غير عزير فانطلق بهم إلى ذلك الموضع فحفره فاستخرج التوارة فكان قد عفن الورق ودرس الكتاب قال : فجلس في ظل شجرة وبنو إسرائيل حوله فجدد لهم التوراة . فنزل من السماء شها بان حتى دخلا جوفه فتذكر التوراة فجددها لبني إسرائيل ؛ فمن ثم قالت اليهود : عزير ابن الله جل الله عز و جل ؛ للذي كان من أمر الشهابين وتجديده للتوراة وقيامه بأمر بني إسرائيل
وكان جدد لهم التوراة بأرض السواد بدير حزقل والقرية التي مات فيها يقال لها : سابر آباد فكان كما قال الله : " ولنجعلك آية للناس " يعني لبني إسرائيل ؛ ذلك أنه كان يجلس مع بني بنيه وهم شيوخ وهو شاب ؛ لأنه كان مات وهو ابن أربعين سنة فبعثه الله شابا كهيئته يوم مات . فقال ابن عباس : بعث بعد بختنصر
فلما سلط الله على بني إسرائيل بعد بختنصر مر أنطياخوس وهدم بيت المقدس فلما بعث عزير قام بذلك يناشد ربه فيما نزل ببني إسرائيل من بختنصر وما لقوا منه ومن أنطياخوس
وقيل في قوله : " أو كالذي مر على قرية " قال : القرية : أرض المقدس وذلك أن العزير مر بها وهي خراب فقال : " أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مئة عام ثم بعثه " على السن التي توفاه عليها بعد مئة سنة وله أربعون سنة ولأمته عشرون ومئة سنة ولابن ابنه تسعون سنة . وأنشد في ذلك : من الطويل
وأسود راس شاب من قبله ابنه ... ومن قبله ابن ابنه فهو أكبر
ترى ابن ابنه شيخا يدب على عصا ... ولحيته سوداء والرأس أشقر

(1/2284)


وما لابنه حيل ولا فضل قوة ... يقوم كما يمشي الصبي فيعثر
يعد ابنه في الناس تسعين حجة ... وعشرين لا يجري ولا يتبختر
وعمر أبيه أربعون أمرها ... ولابن ابنه في الناس تسعون غبر
فما هو في المعقول إن كنت داريا ... وإن كنت لا تدري فبالجهل تعذر
وفي حديث آخر مختصر : فأمر الله ملكا فنزل بمغرفة من نور فقذفها في عزير فنسخ التوراة حرفا بحرف حتى فرغ منها
جاء ابن عباس إلى ابن سلام فقال : إني جئتك أسألك عن أشياء فقال ابن سلام : وأنت تقرأ القرآن ؟ ! قال : نعم وإن كنت أقرأ القرآن . قال : ما لي أرى اليهود قالوا : عزير ابن الله وقد كان فيهم موسى وهارون وداود وسليمان والأنبياء فلم يقولوا لأحد منهم هذا وقالوا لعزير ؟ ! وما بال سليمان تفقد الهدهد من بين الطير ؟ وسمعت الله عز و جل يذكر تبعا فلم يذمه وذم قومه ؟
قال نعم إن تبعا غزا بيت المقدس فسبى أولاد الأحبار فقدم بهم على قومه فأعجب بفتية منهم فجعل يدنيهم وسمع منهم وجعل الفتية يخبرونه عن الله وما في الآخرة قال : فأعجب بهم فجعلهم في سره دون قومه فتكلم قومه في ذلك فقالوا : إن هؤلاء الفتية قد غلبوا على تبع ونخاف أن يدخلوه في دينهم . فبلغ تبعا ما يقوله قومه ؛ فأرسل إلى الفتية فدخلوا عليهم فقال لهم : ألا تسمعون ما يقول قومي ؟ قال الفتية : بيننا وبينهم المنصف قال : وما هو ؟ قالوا : النار التي تحرق الكاذب ويبرأ فيها الصادق
قال : فأرسل تبع إلى أحبار قومه فأدخلهم عليه وقال : اسمعوا ما يقول هؤلاء يقولون : إن لنا ربا هو خلقنا وإليه نعود وإن بين أيدينا جنة ونارا فإن أبيتم علينا هذا فبيننا وبينكم النار التي تحرق الكاذب وينجو منها الصادق ؛ فقال قوم تبع : رضينا . فخرج تبع وقومه وأخرج الناس معه وأمر بالفتية فأخرجوا وكانت النار تقبل حتى إذا كانت قريبة من النار ركدت ولما تبرح
قال : فلما خرج الفتية أقبلت النار حتى إذا كانت قريبة منهم ركدت . قال تبع للفتية : هذه النار قد أقبلت فتوجهوا نحوها فتوجه الفتية نحوها وكانت إذا توجه قبلها انفرقت فرقتين فإذا دخلوها وتوسطوها إن كانوا ليسوا بأهلها جاوزوها فإذا جاوزوها انضمت وإن كانوا أهلها أقبلت عليهم وأحرقتهم . فلما توجه الفتية نحوها انفرقت فرقتين فلما دنوا منها وجدوا حرها وسفعت وجوههم ؛ فرجعوا هاربين قال له تبع : لتدخلنها أنتم دعوتمونا إلى هذا قال : فأكرههم على أن دخلوها ثم مشوا حتى خرجوا منها فانضمت
واختار تبع عدة الفتية من قومه فقال : ادخلوها فلما دنوا منها وجدوا حرها وسفعت وجوههم رجعوا هاربين فقال لهم تبع : بئس الرجل أنا إن كنت حملت الفتية على النار ثم لا أحملكم عليها ارجعوا فادخلوها فدخلوها فلما توسطوها أحاطت بهم فأحرقتهم ؛ فأسلم تبع وكان رجلا صالحا فذكره الله ولم يذمه وذم قومه
وأما الهدهد فكان بمكان من سليمان لم يكن شيء من الطير عنده بمنزلته فنزل سليمان مفازة فسأل : كم بعد مفازة الماء ؟ فقال الناس : ما ندري فسأل الشياطين فقالوا : لا ندري ؛ فغضب سليمان فقال : لا أخرج حتى أحفر إليه السبيل فقالت له الشياطين : ليس يعلم هذا إن علمه إلا الهدهد قال : فكيف ذلك قالوا : أن يخرج بخار من الأرض قبل طلوع الشمس فيصعد بقدر مسافة الماء لا يراه شيء إلا الهدهد ففقد الهدهد عند ذلك

(1/2285)


وأما عزير : فإن بختنصر حين غزا بيت المقدس فقتلهم وخرب بيت المقدس وحرق التوراة فبقي بنو إسرائيل ليس فيهم التوراة إنما يقرؤونها نظرا فلحق عزير بالجبال فكان يكون هناك مع الوحوش فلبث ما شاء الله وكان يصوم ويرد عند الليل عينا يشرب منها فيفطر فورده ليلة فإذا هو بامرأة قاعدة على الماء فقال عزير : امرأة والنفس تهم بالشر والشيطان للإنسان عدو مبين ؛ فانصرف عنها ولم يفطر فلما كان من الغد ورد الماء فإذا هي قاعدة على الماء فجرى له كالأمس . ثم ورد اليوم الثالث فإذا هي قاعدة على الماء وقد كاد أن ينقطع عنقه عطشا فقال : يا نفس النفس تهم بالشر والشيطان عدو مبين وامرأة والخلوة وأنا مضطر فمضى إليها ليشرب من العين وإذا بها قاعدة تبكي فأقبل عليها وترك الشراب وقال : ما يبكيك ؟ قالت : ابني مات قال : هل كان ابنك هذا يخلق ؟ قالت : لا قال : فهل كان يرزق ؟ قالت : لا قال : فكيف تبكين على من لا يخلق ولا يرزق ؟ قالت : وما تصنع ههنا ؟ وأين قومك ؟ قال : وأين قومي ؟ هلك قومي ومزقوا قالت له : لج هذه العين فتخرج على قومك . قال : فعرف أنها مثلت له ؛ فولج العين فجعل لا يرفع رجلا ولا يضع أخرى إلا زاده الله علما حتى طلع في وسط المسجد وقد أثبت الله تعالى التوراة في قلبه كما كتبها لموسى عليه السلام
قال : فدعا بني إسرائيل إلى التوراة فكتبها لهم . قال : فقالت بنو إسرائيل : لم يستطع موسى أن يأتينا بها إلا في كتاب وأتانا بها عزير من غير كتاب ؛ فرماه طوائف منهم فقالوا : هو ابن الله جل وعز وتقدس
وعن ابن عباس قال : آية لا يسألني الناس عنها لا أدري أعرفوها فلم يسألوا عنها أو جهلوها فلا يسألون عنها ؛ قيل له : وما هي ؟ قال : لما نزلت : " إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون " . شق على قريش فقالوا : شتم آلهتنا . فجاء ابن الزبعرى فقال : ما لكم ؟ فقالوا : شتم آلهتنا قال : فما قال ؟ قالوا : قال : " إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون " قال : ادعوه فلما دعي النبي صلى الله عليه و سلم قال له : يا محمد هذا شيء لآلهتنا خاصة أو لكل من عبد من دون الله ؟ قال : " لا بل لكل من عبد من دون الله " . فقال ابن الزبعرى : خصمت ورب هذه البنية يعني : الكعبة ألست تزعم أن الملائكة عباد صالحون وأن عيسى عبد صالح وأن عزيرا عبد صالح وهذه بنو مليح يعبدون الملائكة وهذه النصارى يعبدون عيسى هذه اليهود تعبد عزيرا ! ! قال : فضج أهل مكة ؛ فأنزل الله تعالى : " إن الذين سبقت لهم منا الحسنى " الملائكة وعيسى وعزير " أولئك عنها مبعدون "
وعن ابن عباس قال : إن الله عز و جل لما بعث موسى وناجاه وأنزل عليه التوراة ورأى مكانه من ربه عز و جل قال : اللهم إنك رب عظيم لو شئت أن تطاع لأطعت ولو شئت أن لا تعصى ما تعصيت وأنت تحب أن تطاع وأنت في ذلك تعصى فكيف هذا أي رب ؟ فأوحى الله إليه : " إني لا أسأل عما أفعل وهو يسألون " . فانتهى موسى
فلما بعث الله عزيرا وآتاه التوراة بعدما كان قد رفعها عن بني إسرائيل حتى قال من قال منهم : إن الله إنما خصه بالتوراة من بيننا أنه ابنه . فلما رأى منزلته من ربه قال : اللهم إنك رب عظيم لو شئت أن تطاع لأطعت ولو شئت أن لا تعصى ما عصيت وأنت تحب أن تطاع وأنت في ذل تعصى فكيف هذا أي رب ؟ فأوحى الله إليه : " إني لا أسأل عما أفعل " . فأبت نفسه حتى سأل أيضا فقال : اللهم إنك رب لو شئت أن تطاع لأطعت ولو شئت أن لا تعصى ما عصيت وأنت تحب أن تطاع وأنت في ذلك تعصى فكيف هذا أي رب ؟ فأوحى الله إليه : " يا عزير أتستطيع أن ترد يوم أمس ؟ " قال : لا قال : " أتستطيع أن تصر صرة من الشمس ؟ " قال : لا قال : " أتستطيع أن تجيء بحصاة من الأرض السابعة ؟ " قال : لا قال : " أتستطيع أن تجيء بمثقال من الريح ؟ " قال : لا قال : " أتستطيع أن تجيء بقيراط من نور ؟ " قال : لا قال : " فهذا لا تقدر على الذي سألت عنه إني لا أسأل عما أفعل وهم يسألون أما إني لا أجعل عقوبتك إلا أن أمحو اسمك من الأنبياء فلا تذكر بينهم " وهو نبي مرسل أو رسول

(1/2286)


فلما بعث الله عيسى ابن مريم وأنزل عليه الكتاب والحكم والتوراة والإنجيل ويخلق من الطين كهيئة الطير ويبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله وينبئهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم . فرأى مكانه من ربه عز و جل قال : اللهم إنك رب عظيم ولو شئت أن تطاع لأطعت ولو شئت أن لا تعصى ما عصيت وأنت تحب أن تطاع وأنت في ذل تعصى فكيف هذا أي رب ؟ فأوحى الله تعالى إليه : " إني لا أسأل عما أفعل وهم يسألون إنما أنت عبدي ورسولي وكلمتي ألقيتها إلى مريم وروح مني خلقتك من غير أب ثم قلت لك : كن فكنت لئن لم تنته لأفعلن بك ما فعلت بصاحبك بين يديك " : فجمع الحواريين ومن معه فقال : إن القدر سر الله عز و جل فلا تتكلفوا
وفي رواية : إن القدر سريرة الله فلا تسألوا عن سريرة الله
وقال في الحديث عن عزير : إنه زجره فلم يزدجر فقال الله تعالى : " يا عزير تريد أن تسألني عن أصل علمي ؟ فوعزتي لأمحون اسمك من النبوة " . قال : فعاقبه الله تعالى فمحا اسمه من النبوة ؛ فلم يذكر مع الأنبياء . قال : ثم لم يكف فقال : يا رب اشتبه علي أمري ! فبعث الله إليه ملكا فقال : يا عزير إن الله يقول : " وما الذي اشتبه عليك ؟ " قال : يا رب تسليطك على بني إسرائيل وهم أبناء أنبيائك وأصفيائك عبدة النيران فقتلوا وسبوا وحرقوا بيت المقدس بيتك الذي اخترته لنفسك وحرقوا كتابك الذي جاء به موسى فكيف هذا يا رب ؟ فقال له الملك : يا عزير إن الله جل ثناؤه يقول : " اسكت وما أنت وذاك ؟ ! " فقال للملك : اشفع لي إلى الله فقال الملك : يا عزير أنت فتعبد وسل ربك . قال : فتعبد أربعين يوما ثم سأل ربه ؛ فأوحى الله إليه : " يا عزير إن بني إسرائيل قتلوا أنبيائي وانتهكوا محامي ؛ فسلطت عيهم من لا يرجو ثوابي ولا يخاف عقابي يكون أبلغ لي منهم في العقوبة فمن ثم سلطت عليهم بختنصر وعبدة النيران
قال : يا رب إنك حكم عدل وأنت لا تجور فكيف عذبت العامة بذنب الخاصة والأصاغر بذنب الأكابر فكيف هذا يا رب ؟ فقال الله تعالى : " يا عزير اخرج إلى فلاة من الأرض يأتيك أمري "
قال : فخرج فأتاه ملك فقال : يا عزير إن ربك يقول : " أتستطيع أن ترد يوم أمس ؟ " قال : لا قال : " فتستطيع أن تصر صرة من الشمس ؟ " قال : لا قال : " فتستطيع أن تكيل مكيالا من نور ؟ " قال : لا قال : " فتستطيع أن تزن مثقالا من الريح ؟ " قال : لا قال : " فتستطيع أن تجيء بحصاة من البحر السابع من قعره ؟ " قال : فكذلك لا تستطيع أن تعلم أصل علمي " . ثم سلط الله عليه الشمس حتى صمحته من فوق رأسه وسلط عليه الرمضاء من تحت رجليه حتى بلغ مجهوده وأيقن بالهلاك فظن أنها عقوبة الذي سأل إذا رفت له سحابة فعدا إليها فإذا تحتها نهر جار فاغتسل فيه ثم تروح في ظلها فغلبته عيناه فنام حتى استثقل نوما . فسلط الله عليه قرية النمل فارتفعن على ساقيه فنخسته نملة منها فدلك إحدى رجليه على الأخرى ؛ فقتل نملا وذرا كثيرا فانتبه فأوحى الله إليه فقال : " يا عزير : لم قتلت هذا النمل ؟ " قال : يا رب نخستني منها نملة قال : " يا عزير نخستك نملة وقتلت نملا كثيرا وذرا ! ! "
وفي حديث آخر : لما انتبه عزير أحرق قرية النمل فأوحى الله إليه : " فهلا نملة واحدة ؟ ! "
وفي حديث آخر : فأوحى الله إليه : " يا عزير أحرقت قرية النمل فبلغ من أذاهن إياك أن تحرقهن بالنار وإنما عضتك منها نملة ؟ ! " فقال : يا رب إنما عضتني تلك الواحدة بقوتهن . فعلم عزير أن هذا مثل ضربه الله له فقال عند ذلك عزير : يا رب أنت كذلك أنت لا يدرك أحد كنه علمك وقدرتك . فقال الله تعالى : " يا عزير زعمت أني حكم عدل لا أجور بين عبادي وكذلك أنا وزعمت أني أعذب العامة بذنب الخاصة والأصاغر بذنب الأكابر . يا عزير إني لا أعذب العامة بذنب الخاصة حتى يعملوا المنكر جهارا فلا يأمروا ولا ينهوا فأعذب الخاصة بالذنوب والمعاصي ؛ فأعجلهم إلى النار وأعاقب العامة بذنب الخاصة حين تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهم يقدرون على ذلك فإذا كان يوم القيامة حاسبتهم بأعمالهم وكان الذي عجلت لهم العقوبة في الدنيا لما تركوا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأما الأصاغر فأقبضهم بآجالهم قبضا لطيفا إلى راحتي "

(1/2287)


قال عزير : كذلك أنت إلهي . فقال له ربه : " قم يا عزير ارجع إلى قومك وانطلق إلى مدينتك وقم فيهم فقد شفعتك فيهم وأنا رادهم إليها "
فجمعهم الله وخلصهم من أيدي عدوهم فجمعهم في بيت المقدس في خير حال حتى قبض الله إليه عزيرا فعتوا بعد ذلك وبغى بعضهم على بعض فجعلوا يخرجون من ليست له منعة من ديارهم ويأخذون أموالهم ؛ فسلط الله عليهم بعد ذلك طططيس بن سيس الرومي فغزا بيت المقدس فذلك قوله عز و جل : " وإن عدتم عدنا "
فعادوا إلى البغي ؛ وأعاد الله عليهم العقوبة فغزاهم طططيس فهزمهم الله فقتل مقاتليهم وحمل كنوز بيت المقدس وألقى فيه الجيف وحمل الأموال التي كانت فيها فهي في بيوت أموالهم بالروم ففيهم نزلت : " ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين " . يعني أهل الروم فليس رومي يدخل بيت المقدس إلا خائفا مستنكرا يستوحشه إذا نظر إلى بيت المقدس ثم يصبح فيدخله . " ولهم في الدنيا خزي " يعني : أن يقتل مقاتلة الروم وتسبى ذراريهم حتى يفتحها الله على أمة محمد صلى الله عليه و سلم في آخر الزمان " ولهم في الآخرة عذاب عظيم " يعني عذاب النار يوم القيامة
وقد أتى في الحديث عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم : " أن نملة قرصت نبيا من الأنبياء ؛ فأمر بقرية النمل فأحرقت فأوحى الله إليه أن : في قرصة نملة أهلكت أمة من الأمم ؛ فاستح ؟ "
وعن وهب : أن عزيرا قام شافعا إلى الله عز و جل في بني إسرائيل وذكر الذي أصابهم من عظم المصيبة والبلاء وما تتبع عليهم من الملك بختنصر وأنطياخوس . فقال : يا رب أنت خلقت الأرض بكلمتك وكانت على مشيئتك ثم خلقت فيها آدم بقدرتك جسدا ثم نفخت فيه من روحك ؛ فكان بشرا سويا ثم أسجدت له ملائكتك وأسكنته جنتك التي خلقتها بيدك ثم أمرته فعصاك وأخرجته من الجنة وقضيت عليه الموت وعلى ولده من بعده فلما عصاك وأخرجته من الجنة فلم تخرج منه الضعف الذي به عصاك وأخرجت منه ذريتهم فلم تخرج ذلك الضعف من ذريته الذي يعصيك به الخاطئون ثم اخترت من ذريته نوحا وأهلكت به البرية بدعوته لكفرهم بك ثم اخترت من ولد نوح إبراهيم ومن ولد إبراهيم إسحاق ومن ولد إسحاق يعقوب ثم أخرجت آل يعقوب من مصر ورغبت بهم عنها وبوأتهم الشام ثم أنزلت عليهم كتابك وعهدت إليهم عهدك ثم اخترت داود ثم سليمان من بعده فأمرت ببناء بيتك المقدس من مالك فسخرت له الإنس والجن والشياطين ؛ فبنى ذلك البيت ليذكر فيه اسمك ويسبحك من خلقك ؛ فعصاك أهل ذلك البيت وليسوا بأول من عصاك ؛ فعاقبتهم على معصيتك فسلطت عليهم من قتل أنبياءك وخرب بيتك وأحرق كتابك الذي أنزلت وأذل أولياءك وأعز به أعداءك ؛ فعجب يا رب كيف أسلمت أولياءك وأعززت أعداءك ؟ وعجب ما الذي ينفعنا أن نسمى أولياءك ونحن عبيد لأعدائك وخول لأهل معصيتك ؟ ! فكيف هذا يا رب ؟ ! وعن ابن عباس : أن عزيرا سأل الله عز و جل فقال : يا رب أنت خلقت الشر وقدرته فلم تعذب عليه ؟ فأوحى الله تعالى إليه : " يا عزير أعرض عن هذا وإلا محوت اسمك من اسم النبوة " فأعاد عزير القول ثلاث مرات ؛ فمحا الله اسمه من النبوة
فما بعث عيسى عليه السلام سأل عن مثل ما سأل عنه عزير ؛ فأوحى الله إليه : " يا بن العذراء البتول : إنه غيبي مكتوب تحت عرشي المكنون "
وعن رجاء بن سويد : أن عيسى بن مريم سأل ربه فقال : يا رب إنك عدل وقضاؤك عدل فكيف تقضي على العبد بالذنب ثم تعذبه عليه ؟ ! فقال : " يا بن البتول : اله عن هذا فإنه من مكنون علمي "
وعن أنس بن مالك قال : جاء عزير النبي صلى الله عليه و سلم إلى باب موسى بن عمران بعدما محي اسمه من ديوان النبوة فحجب ؛ فرجع وهو يقول : مئة موتة أهون من ذل ساعة
قال عطاء بن أبي رباح : كان أمر عزير بين عيسى ومحمد صلى الله عليه و سلم
وقال عطاء أيضا : كان في الفترة تسعة أشياء : بختنصر وجنة صنعاء وجنة سبأ وأصحاب الأخدود وأمر حاصوراء وأصحاب الكهف وأصحب الفيل ومدينة أنطاكية وأمر تبع
وقال الحسن : كان أمر عزير وبختنصر في الفترة
وعن وهب بن منبه : أنها كانت بين عيسى وسليمان . والله أعلم أي ذلك كان
عزير بن الأحنف بن الفضل

(1/2288)