صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : سير أعلام النبلاء
مصدر الكتاب : الإنترنت
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]

قام بفهرسته الفقير إلى الله عبد الرحمن الشامي ، ويسألكم الدعاء .

ذكاؤه، ويصح إلى الذهب نسبته وانتماؤه.
جمع الكثير، ونفع الجم الغفير، وأكثر من التصنيف، ووفر بالاختصار مؤونة التطويل في التأليف..اجتمعت به وأخذت عنه وقرأت عليه كثيرا من تصانيفه ولم أجد عنده جمود
المحدثين ولا كودنة النقلة " (1).
وعلى الرغم من مخالفة تاج الدين السبكي لشيخه الذهبي في بعض المسائل ورده عليه، فإنه قال في حقه: " شيخنا وأستاذنا، الامام الحافظ..محدث العصر.
اشتمل عصرنا على أربعة من الحفاظ، بينهم عموم وخصوص: المزي والبرزالي والذهبي والشيخ الامام الوالد، لا خامس لهؤلاء في عصر هم..وأما أستاذنا أبو عبد الله فبصر لا نظير له، وكنز هو الملجأ إذا نزلت المعضلة، إمام الوجود حفظا، وذهب العصر معنى ولفظا، وشيخ الجرح والتعديل، ورجل الرجال في كل سبيل..وهو الذي خرجنا في هذه الصناعة، وأدخلنا في عداد الجماعه (2) "، وقال أيضا: " وسمع منه الجمع الكثير.
وما زال يخدم هذا الفن إلى أن رسخت فيه قدمه، وتعب الليل والنهار، وما تعب لسانه وقلمه، وضربت باسمه الامثال، وسار اسمه مسير لقبه الشمس إلا أنه لا يتقلص إذا نزل المطر، ولا يدبر إذا أقبلت الليالي.
وأقام بدمشق يرحل إليه من سائر البلاد، وتناديه السؤالات من كل ناد " (3).
ووصفه تلميذه الحسيني المتوفى سنة 765 ه بأنه " الشيخ الامام العلامة شيخ المحدثين قدوة الحفاظ والقراء محدث الشام ومؤرخه ومفيده (4) " وقال في موضع آخر: " وكان أحد
__________
(1) " الوافي " 2 / 163.
(2) " الطبقات " 9 / 101 100 (3) المصدر نفسه، 9 / 103 (4) " ذيل تذكرة الحفاظ " ص 34

(1/70)


الاذكياء المعدودين والحفاظ المبرزين (1) ".
وقال تلميذه عماد الدين بن كثير المتوفى سنة 774 ه: " الشيخ الحافظ الكبير مؤرخ الاسلام وشيخ
المحدثين..وقد ختم به شيوخ الحديث وحفاظه (2) ".
وحينما قدم العلامة أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الكريم الموصلي الاصل الاطرابلسي (3) إلى دمشق سنة 734 ه ودرس على الذهبي في تلك السنة قال فيه: ما زلت بالسمع أهواكم وما ذكرت * أخباركم قط إلا ملت من طرب وليس من عجب أن ملت نحوكم * فالناس بالطبع قد مالوا إلى الذهب (4) ووصفه الحافظ ابن ناصر الدين المتوفى سنة 842 ه بأنه " الحافظ الهمام مفيد الشام، ومؤرخ الاسلام (5) ".
وقال ابن حجر العسقلاني المتوفى سنة 852 ه " قرأت بخط البدر النابلسي في مشيخته: كان علامة زمانه في الرجال وأحوالهم حديد الفهم ثاقب الذهب وشهرته تغني عن الاطناب فيه (6) ".
وقال بدر الدين العيني المتوفى سنة 855 ه: " الشيخ الامام العالم العلامة الحافظ المؤرخ شيخ المحدثين (7) ".
وذكره سبط ابن حجر المتوفى سنة 899 ه في " رونق الالفاظ " وبالغ في الاطناب فيه، وقال: " الشيخ الامام العالم العلامة حافظ الوقت الذي صار هذا اللقب علما عليه..فلله دره من إمام محدث..فكم دخل في جميع الفنون وخرج وصحح، وعدل وجرح، وأتقن هذه الصناعة..فهو الامام سيد الحفاظ إمام المحدثين قدوة الناقدين ".
وقال في موضع آخر:
__________
(1) المصدر نفسه ص 36 (2) " البداية والنهاية " 14 / 225 (3) توفي سنة 774 ه وقد ترجمه ابن حجر في " الدرر " 4 / 307 306 (4) ابن ناصر الدين: " الرد الوافر " ص 32 31 (5) المصدر نفسه، ص 31 (6) الدرر، 3 / 427 (7) " عقد الجمان " ورقة 37 (نسخة أحمد الثالث 2911)

(1/71)


" وكتب بخطه كثيرا من الاجزاء والكتب وحصل الاصول وانتقى على جماعة من شيوخه..وعني بهذا الفن أعظم عناية، وبرع فيه وخدمه الليل والنهار (1) ".
__________
(1) الورقة 180

(1/72)


ثامنا وفاته وأولاده:
أضر الذهبي في أخريات سني حياته، قبل موته بأربع سنين أو أكثر، بماء نزل في عينيه، فكان يتأذى ويغضب إذا قيل له: لو قدحت هذا لرجع إليك بصرك، ويقول: ليس هذا بماء، وأنا أعرف بنفسي، لانني ما زال بصري ينقص قليلا قليلا إلى أن تكامل عدمه (1).
وتوفي بتربة أم الصالح ليلة الاثنين ثالث ذي القعدة قبل نصف الليل سنة 748 ه ودفن بمقابر باب الصغير، وحضر الصلاة عليه جملة من العلماء كان من بينهم تاج الدين السبكي (2) وقد رثاه غير واحد من تلامذته منهم الصلاح الصفدي (3) والتاج السبكي (4).
وترك الذهبي ثلاثة من أولاده عرفوا بالعلم هم: 1 ابنته أمة العزيز، وقد أجاز لها غير واحد باستدعاء والدها منهم: شيخ المستنصرية رشيد الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله البغدادي المتوفى سنة 707 (5).
ويظهر أنها تزوجت في حياة والدها وخلفت ولدا اسمه عبد القادر
__________
(1) الصفدي: " نكت الهميان " ص 242، ابن دقماق: " ترجمان الزمان " الورقة 99.
(2) السبكي: " طبقات " 9 / 106 105 وقد زاره والده تقي الدين السبكي قبل المغرب وسأله عن حاله.
الصفدي: " الوافي " 2 / 156، " ونكت الهميان " ص 242، ابن حجر: " الدرر "
3 / 427 وغيرهم، ممن ترجم له.
(3) " الوافي " 2 / 165 (4) " طبقات " 9 / 111 109 وهي طويلة أورد بعضها، وابن قاضي شهبة: " الاعلام " م 1 ورقة 90 (5) الذهبي: " منتقى المعجم المختص " الورقة 39 (باريس 2076) و " معجم الشيوخ " م 2 ورقة 46، وانظر أيضا م 1 ورقة 78

(1/73)


سمع مع جده من أحمد بن محمد المقدسي المتوفى سنة 737 (1) ه، وأجاز له جده رواية كتابه " تاريخ الاسلام " (2).
2 ابنه أبو الدرداء عبد الله، ولد سنة 708 ه وأسمعه أبوه من خلق كثير، وحدث ومات في ذي الحجة سنة 754 (3).
3 ابنه شهاب الدين أبو هريرة عبد الرحمن، ولد سنة 715 ه وسمع مع والده أجزاء حديثية كثيرة (4)، وسمع من عيسى المطعم الدلال المتوفى سنة 719 ه، وخرج له أبوه أربعين حديثا عن نحو المئة نفس، وحدث منذ سنة 740 ه وتأخرت وفاته إلى ربيع الآخر سنة 799 (5) ه وخلف ولدا اسمه محمد، سمع مع جده (6)، وأجاز له جده رواية كتابه " تاريخ الاسلام " (7).
__________
(1) الذهبي: " معجم الشيوخ " م 1 الورقة 17.
(2) راجع طرة المجلد الحادي والعشرين من " تاريخ الاسلام " الذي بخط الذهبي (أيا صوفيا 3014).
(3) ابن حجر: " الدرر " 2 / 392.
(4) انظر مثلا: " معجم الشيوخ " م 1 ورقة 38، 70 69، 75 74، 78، 85، م 2 الورقة 44، 45، 53.
(5) ابن حجر: " الدرر " 2 / 449، والتونسي: " دستور الاعلام بمعارف الاعلام " الورقة 116 (نسخة ولي الدين جار الله 697 1605).
(6) " معجم الشيوخ " م 1 ورقة 44.
(7) انظر طرة المجلد الحادي والعشرين (أيا صوفيا 3014).

(1/74)


تاسعا: آثار الذهبي:
وهذه تذكرة في آثار مؤرخ الاسلام الذهبي عنيت فيها بذكر ما ألف واختصر، وخرج على أخصر ما يمكن، إذ تفاصيلها مبسوطة في كتابي " الذهبي ومنهجه في كتابه تاريخ الاسلام " (1)، واقتفيت فيها المنهج الآتي:
1 - قسمت المؤلفات حسب موضوعاتها، ورتبت الكتب الواردة في كل موضوع على حروف المعجم.
أما المختصرات، والمنتقيات، والتخاريج، فاكتفيت بسردها وفق ذلك الترتيب من غير تقسيم لها.
2 - نبهت فيما إذا كان الكتاب موجودا: مخطوطا أو مطبوعا، وأشرت إلى إحدى طبعاته أو نسخه بين قوسين، وتركت الذي لم أعثر له على نسخة غفلا من ذلك.
أولا: القراءآت: 1 التلويحات في علم القراءآت (بروكلمان: الملحق 2 / 47).
ثانيا: الحديث: 2 الاربعون البلدانية.
3 - الثلاثون البلدانية.
4 - طرق حديث " من كنت مولاه فعلي مولاه ".
5 - الكلام على حديث الطير.
6 - المستدرك على مستدرك الحاكم.(الظاهرية: 62 مجاميع).
__________
(1) القاهرة: 1976 ص: 276 139

(1/75)


ثالثا: مصطلح الحديث وآدابه:
7 -كتاب الزيادة المضطربة.
8 - طريق أحاديث النزول.
9 - العذب السلسل في الحديث المسلسل.
10 - منية الطالب لا عز المطالب.
11 - الموقظة في علم مصطلح الحديث (باريس: 4577).

رابعا: العقائد:
12 - أحاديث الصفات.
13 -الاربعين في صفات رب العالمين (منها جزء في الظاهرية، وانظر الالباني: 280).
14 -جزء في الشفاعة.
15 -جزآن في صفة النار.
16 -الرسالة الذهبية إلى ابن تيمية (طبعت بدمشق: 1347 ه).
17 -الروع والاوجال في نبأ المسيح الدجال.
18 -رؤية الباري.
19 -العرش (انظر بروكلمان: الملحق: 1 / 47).
20 -العلو للعلي الغفار.(طبع غير مرة منها بمصر: 1332 ه).
21 -الكبائر.(مطبوع، القاهرة: 1356 ه).
22 - ما بعد الموت.
23 - مسألة دوام النار.

(1/76)


24 - مسألة الغيبة.
25 - مسألة الوعيد.

خامسا: أصول الفقه:
26 - مسألة الاجتهاد.
27 - مسألة خبر الواحد.

سادسا: الفقه:
28 - تحريم أدبار النساء.
29 - تشبيه الخسيس بأهل الخميس (دار الكتب المصرية).
30 - جزء في الخضاب.
31 - جزء من صلاة التسبيح.
32 - جزء في القهقهة.
33 - حقوق الجار.(كوبرلي.1584 / 3).
34 - فضائل الحج وأفعاله.
35 - اللباس.
36 - مسألة السماع.
37 - الوتر.

سابعا: الرقائق:
38 - جزء في محبة الصالحين.
39 - دعاء المكروب.
40 - ذكر الولدان.

(1/77)


41 - التعزية الحسنة بالاعزة.
42 - كشف الكربة عند فقد الاحبة.

ثامنا: التاريخ والتراجم:
43 - أخبار السد.
44 - أخبار قضاة دمشق.
45 - أسماء من عاش ثمانين سنة بعد شيخ أو بعد تاريخ سماع.(أيا صوفيا: 2953).
46 - الاشارة إلى وفيات الاعيان والمنتقى من تاريخ الاسلام. (الاحمدية بحلب: 328).
47 - الاعلام بوفيات الاعلام (نسخه كثيرة منها بالظاهرية: مجموع 117).
48 - الامصار ذوات الآثار.(منه نسخة في استانبول وأخرى بالمدينة).
49 - أهل المئة فصاعدا (مطبوع، بغداد: 1973).
50 - البيان عن اسم ابن فلان.
51 - تاريخ الاسلام ووفيات المشاهير والاعلام (طبع اليسير منه، ونسخه مشتتة في خزائن الكتب، وعندي نسخة كاملة مصورة).
52 - التاريخ الممتع.
53 - تذكرة الحفاظ.(مطبوع، حيدر آباد 1958 1955 وهي أحسن الطبعات).
54 - تراجم رجال روى عنهم محمد بن إسحاق.(مطبوع، ليدن: 1890).

(1/78)


55 - تسمية رجال صحيح مسلم الذين انفرد بهم عن البخاري (لا له لي باستانبول: 2089).
56 - تقييد المهمل.
57 - التلويح بمن سبق ولحق.
58 - جزء أربعة تعاصروا.
59 - دول الاسلام.(مطبوع، حيدر آباد: 1337 ه).
60 - ديوان الضعفاء والمتروكين (مطبوع).
61 - ذكر من اشتهر بكنيته من الاعيان (جستربتي بدبلن: مجموع 3458).
62 - ذكر من يؤتمن قوله في الجرح والتعديل (أيا صوفيا: 2953).
63 - ذيل الاشارة إلى وفيات الاعيان.
64 - ذيل دول الاسلام (مطبوع، حيدر آباد: 1337).
65 - ذيل سير أعلام النبلاء.
66 - ذيل ديوان الضعفاء والمتروكين.(الظاهرية: مجموع 369 حديث).
67 - ذيل كتاب الضعفاء لابن الجوزي.
68 - الذيل على ذيل كتاب الضعفاء لابن الجوزي.
69 - ذيل العبر في خبر من عبر (مطبوع، الكويت - بدون تاريخ).
70 - الرد على ابن القطان (مختصر (1) منه في الظاهرية: مجموع: 70).
__________
(1) ظنه الالباني أصل الكتاب (انظر الفهرس: 282) وهو وهم.

(1/79)


71 - الزلازل.
72 - سير أعلام النبلاء (وهو هذا الكتاب).
73 - طبقات الشيوخ.
74 - العباب في التاريخ.
75 - العبر في خبر من عبر (مطبوع بالكويت وفيه نقص).
76 - عنوان السير في ذكر الصحابة.
77 - القبان (في أصحاب التقي ابن تيمية).
78 - المجرد في أسماء رجال كتب سنن الامام أبي عبد الله بن ماجة سوى من أخرج له منهم في أحد الصحيحين (الظاهرية: 531 حديث).
69 - المرتجل في الكنى (بروكلمان: 2 / 59).
80 - المشتبه في الرجال: أسمائهم وأنسابهم (مطبوع، وأعيد طبعه بالقاهرة 1962).
81 - معجم الشيوخ الكبير.(دار الكتب المصرية: 65 حديث) 82 معجم الشيوخ الاوسط.
83 - المعجم الصغير (اللطيف).(الظاهرية: مجموع: 12).
84 - المعجم المختص بمحدثي العصر (منه انتقاء لابن قاضي شهبة بباريس: 2076 عربيات، والاوقاف العراقية: مجموع رقم: 2841).
85 - معرفة آل مندة.
86 - معرفة القراء الكبار على الطبقات والاعصار (مطبوع، القاهرة: 1969).
87 - المعين في طبقات المحدثين.(فيض الله باستانبول: 1528).

(1/80)


88 - المغني في الضعفاء.(مطبوع بحلب: 1971).
89 - المقدمة ذات النقاط في الالقاب.(دار الكتب المصرية: 4423 ج).
90 - من تكلم فيه وهو موثق. (عندي منه نسخة) وهو غير:
91 - الرواة الثقات المتكلم فيهم بما لا يوجب ردهم (المطبوع بالقاهرة: 1906).
92 - ميزان الاعتدال في نقد الرجال (مطبوع مشهور، منها طبعة القاهرة 1963).
93 - هالة البدر في عدد أهل بدر (لعله هو الذي في الظاهرية ضمن مجموع: 47).

تاسعا: السير والتراجم المفردة:
94 - أخبار أبي مسلم الخراساني.
95 - أخبار أم المؤمنين عائشة (1).
96 - التبيان في مناقب عثمان.
97 - ترجمة ابن عقدة الكوفي.
98 - ترجمة أبي حنيفة. (مطبوع بالقاهرة بدون تاريخ).
99 - ترجمة أبي يوسف القاضي (مطبوع بالقاهرة بدون تاريخ).
100 - ترجمة أحمد بن حنبل (2).
__________
(1) نشر الاستاذ الافغاني ترجمتها من سير أعلام النبلاء (دمشق: 1945).
(2) نشر المرحوم الشيخ أحمد شاكر ترجمة الامام أحمد من تاريخ الاسلام.
سير 1 / 6

(1/81)


101 - ترجمة الخضر.
102 - ترجمة السلفي (1).
103 - ترجمة الشافعي.
104 - ترجمة الشيخ الموفق (2).
105 - ترجمة مالك بن أنس.
106 - ترجمة محمد بن الحسن الشيباني (مطبوع بالقاهرة بدون تاريخ).
107 - توقيف أهل التوفيق على مناقب الصديق.
108 - الدرة اليتيمية في سيرة التيمية.
109 - الزخرف القصري (في ترجمة الحسن البصري).
110 - سيرة الحلاج.
111 - سيرة أبي القاسم الطبراني.
112 - سيرة سعيد بن المسيب.
113 - سيرة عمر بن عبد العزيز.
114 - السيرة النبوية (وهي في تاريخ الاسلام).
115 - فتح المطالب في مناقب علي بن أبي طالب.
__________
(1) أبو طاهر أحمد بن محمد الاصبهاني المحدث المشهور المتوفى سنة 576 ه.
(2) أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي صاحب التصانيف المشهورة المتوفى سنة 620 ه.

(1/82)


116 - قض نهارك بأخبار ابن المبارك.
117 - مناقب البخاري (دار الكتب المصرية طلعت، مجموع: 965).
118 - نعم السمر في سيرة عمر.
119 - نفض الجعبة في أخبار شعبة.
120 - سيرة لنفسه.

عاشرا: المنوعات:
121 - بيان زغل العلم والطلب (1). (مطبوع، دمشق: 1347).
122 - التمسك بالسنن.
123 - جزء في فضل آية الكرسي.
124 - الطب النبوي (طبع غير مرة، وينسب لغيره أيضا).
125 - كسر وثن رتن (2).

أحد عشر: المختصرات والمنتقيات:
126 - أحاديث مختارة من الموضاعات من " الاباطيل " للجورقاني (3).
(المكتبة الازهرية، مجموع: 290 حديث).
127 - بلبل الروض.
__________
(1) وجاء عنوانه في نسخة برلين (5570): " رسالة فيما يذم ويعاب في كل طائفة ".
(2) رتن هذا هندي دجال ظهر بعد سنة ست مئة وادعى التعمير وصحبة النبي صلى الله عليه وسلم.
(3) كتاب الاباطيل لابي عبد الله الحسين بن إبراهيم بن الحسين الجورقاني المتوفى سنة 543 ه، وقد نسبه الشيخ الالباني لابي إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني المتوفى سنة 259 ه، وتابعه سزكين، وهو وهم.

(1/83)


اختصره من " الروض الانف " للسهيلي المتوفى سنة 581 ه.
128 - تجريد أسماء الصحابة. (مطبوع، حيدر آباد: 1315 ه). اختصره من " أسد الغابة " لابن الاثير المتوفى سنة 630 ه.
129 - تذهيب تهذيب الكمال في أسماء الرجال (أحمد الثالث: 2949 / 4 1).
130 - ترتيب " الموضوعات " لابن الجوزي.(المكتبة الازهرية، مجموع: 290 حديث).
131 - تلخيص " العلل المتناهية في الاحاديث الواهية " لابن الجوزي (المكتبة الازهرية، مجموع: 290 حديث).
132 - تنقيح كتاب " التحقيق في أحاديث التعليق " لابن الجوزي.(فيض الله: 296).
133 - تهذيب تاريخ (1) علم الدين البرزالي.
134 - ذكر الجهر بالبسملة مختصرا.(الظاهرية، مجموع: 55). اختصره من تصنيف في هذا الموضوع للخطيب البغدادي المتوفى سنة 463 ه.
135 - الرخصة في الغناء والطرب بشرطه.(الظاهرية: 7159). اختصره من كتاب " السماع " للادفوي المتوفى سنة 748 ه
136 - الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة.(مطبوع، القاهرة: 1972).
______________
(1) تاريخ البرزالي هو " المقتفي لتاريخ أبي شامة " عندي منه نسخة.

(1/84)


اختصره من " تهذيب الكمال " لشيخه ورفيقه المزي المتوفى سنة 742 ه.
137 - المجرد من " تهذيب الكمال " (الفاتيكان: 1032).
138 مختصر " إنباه الرواة على أنباه النحاة " لابن القفطي.
(لبدن) 139 مختصر " الانساب " لابي سعد السمعاني.
140 - مختصر " البعث والنشور " للبيهقي.
141 مختصر " تاريخ بغداد " للخطيب البغدادي.
142 - مختصر " تاريخ دمشق " لابن عساكر.
143 مختصر " تاريخ مصر " لابن يونس.
144 مختصر " تاريخ نيسابور " لابي عبد الله الحاكم.
145 مختصر " تحفة الاشراف بمعرفة الاطراف " للمزي.
146 مختصر " تقويم البلدان " لابي الفدا.
147 مختصر " التكملة لكتاب الصلة " لابن الابار.
148 مختصر " التكملة لوفيات النقلة " للمنذري.
149 مختصر " جامع بيان العلم وفضله " لابن عبد البر.
150 مختصر " الجهاد " لبهاء الدين ابن عساكر.
151 - مختصر " ذيل تاريخ بغداد " لابي سعد السمعاني.
152 مختصر " الرد على ابن طاهر (1) " لابن المجد (2).
153 مختصر " الروضتين في أخبار الدولتين " وذيله لابي شامة.
__________
(1) أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي، ابن القيسراني المتوفى سنة 507 ه وكتابه الذي رد عليه ابن المجد في " السماع ".
(2) سيف الدين أبو العباس أحمد ابن المجد عيسى المقدسي المتوفى سنة 643 ه.

(1/85)


154 مختصر " الزهد " للبيهقي.
(عارف حكمت بالمدينة المنورة).
155 مختصر " سلاح المؤمن في الادعية المأثورة " لابن الامام (1).
156 مختصر " صلة التكملة لوفيات النقلة " لعز الدين الحسيني.
157 مختصر " الضعفاء " لابن الجوزي.
158 مختصر " الفاروق في الصفات " لشيخ الاسلام الانصاري.
159 مختصر " القدر " للبيهقي.
160 المختصر المحتاج إليه من تاريخ الحافظ أبي عبد الله محمد بن سعيد بن محمد ابن الدبيثي.
(طبع ببغداد: 1976 1951).
161 - مختصر " المدخل إلى كتاب السنن " للبيهقي.
162 مختصر " المستدرك على الصحيحين " لابي عبد الله الحاكم (طبع بهامش المستدرك).
163 - مختصر " المعجب في تلخيص أخبار المغرب " للمراكشي.
164 مختصر " مناقب سفيان الثوري " لابن الجوزي.
165 - مختصر " وفيات الاعيان " لابن خلكان.
166 مختصر " الوهم والايهم الواقعين في كتاب الاحكام " لابن القطان.
(الظاهرية، مجموع: 70).
167 المستحلى في اختصار " المحلى " لابن حزم.
168 معرفة التابعين من " الثقات " لابن حبان (الاسكوريال: 1689).
__________
(1) أبو الفتح محمد بن محمد بن علي المصري المتوفى سنة 745 ه.

(1/86)


169 المقتضب من " تهذيب الكمال " للمزي.
170 المقتنى في سرد الكنى.
(الاحمدية بحلب: 328).
اختصره من كتاب " الكنى " لابي أحمد الحاكم المتوفى سنة 378).
اختصره من كتاب " الكنى " لابي أحمد الحاكم المتوفى سنة 378.
171 المنتخب من " التاريخ المجدد لمدينة السلام " لابن النجار البغدادي.
172 منتقى " الاستيعاب في معرفة الاصحاب "، لابن عبد البر.
173 المنتقى من تاريخ أبي الفدا.
174 المنتقى من " تاريخ خوارزم " لابن أرسلان الخوارزمي.
175 المنتقى من " مسند " أبي عوانة.
176 المنتقى من " مسند " عبد بن حميد.
177 المنتقى من " معجم شيوخ " يوسف بن خليل الدمشقي.
178 المنتقى من معجمي الطبراني الاوسط والكبير ومن مسند المقلين لدعلج.
(منه قطعة في الظاهرية، مجموع: 71).
179 المنتقى من " معرفة الصحابة " لابن مندة.
180 - مهذب " السنن الكبرى " للبيهقي.
(مكتبة مدنية باستانبول 258، 259، 260 وطبع بالقاهرة باسم " المهذب في اختصار السنن الكبير " وهو عنوان غير صحيح).

(1/87)


182 - نبذة من فوائد تاريخ ابن الجزري (1) كوبرلي: 1147).
183 - النبلاء في شيوخ السنة.
اختصره من كتاب " المعجم المشتمل على أسماء شيوخ الائمة النبل " لابن عساكر.
اثنا عشر: التخاريج: قام الذهبي بتخريج عدد كبير من معجمات الشيوخ والمشيخات والاربعينات والاجزاء الحديثية الكبيرة والصغيرة، منها: أ - معجمات الشيوخ:
184 معجم شيوخ ابن البالسي المتوفى سنة 711 ه.
185 - معجم شيوخ ابن حبيب الدمشقي المتوفى سنة 779 ه.
186 - معجم شيوخ علاء الدين ابن العطار الدمشقي المتوفى سنة 724 ه.
187 المعجم العلي للقاضي الحنبلي (أبي الفضل سليمان بن حمزة المقدسي المتوفى سنة 715 ه.
).
ب - المشيخات: 188 - مشيخة التلي (محمد بن أحمد الصالحي الخياط المتوفى سنة 741 ه).
189 - مشيخة الجعبري المتوفى سنة 706 ه.
__________
(1) توفي ابن الجزري سنة 73 -9 وهو غير ابن الجزري صاحب " غاية النهاية في طبقات القراء " وتاريخه هذا يعرف باسم " حوادث الزمان وأنبائه ووفيات الاكابر والاعيان من أبنائه " عندي قطع منه، وهو من التواريخ المستوعبة.

(1/88)


190 - مشيخة ابن الزراد الحريري المتوفى سنة 726 ه.
191 مشيخة عز الدين المقدسي المتوفى سنة 700 ه.
192 - مشيخة ابن القواس المتوفى سنة 698 ه.
193 مشيخة زين الدين الكحال المتوفى سنة 730 ه.
ج الاربعينات: 194 أربعون حديثا بلدانية من " المعجم الصغير " للطبراني.
(التيمورية بمصر: 438 حديث).
195 أربعون حديثا بلدانية من " معجم " ابن جميع الصيداوي.
196 أربعون حديثا بلدانية من " معجم شيوخ " أبي بكر المقدسي
المتوفى سنة 718 ه.
197 أربعون حديثا بلدانية من " معجم شيوخ " ابن زاذان المتوفى سنة 481 ه.
198 أربعون حديثا لابي المعالي الابرقوهي المتوفى سنة 701 ه.
199 أربعون حديثا لابنه أبي هريرة عبد الرحمان المتوفى سنة 799 ه د الثلاثينات: 200 ثلاثون حديثا من " المعجم الصغير " للطبراني.
ه العوالي: 201 عوالي الشمس ابن الواسطي المتوفى سنة 699 ه.
202 عوالي الطاووسي المتوفى سنة 704 ه.

(1/89)


203 عوالي أبي عبد الله ابن اليونيني المتوفى سنة 747 ه.
204 العوالي من حديث مالك بن أنس.
205 - العوالي المنتقاة من حديث الذهبي (الظاهرية، مجموع: 4512 عام).
والاجزاء: 206 الجزء الملقب بالدينار من حديث المشايخ الكبار (دار الكتب المصرية: 1508 حديث).
207 جزء من حديث القزويني المتوفى سنة 704 ه.
208 جزء من حديث أبي بكر المرسي المتوفى سنة 718 ه.
209 جزء من حديث ابن المحب المقدسي المتوفى سنة 730 ه.
210 جزء من حديث ابن الكويك المتوفى سنة 734 ه.
211 جزء من حديث أمين الدين الواني المتوفى سنة 735 ه.
212 جزء من حديث ابن جماعة الكناني المتوفى سنة 767 ه.
213 أحاديث " مختصر " ابن الحاجب المتوفى سنة 646 ه.
(ومختصر ابن الحاجب من كتب أصول الفقه المشهورة وهو " منتهى السؤال والامل في علمي الاصول والجدل " وقد طبع).
214 ثلاثيات ابن ماجة.
(الظاهرية، مجموع: 59).
215 المنتقى من حديث تقي الدين ابن الشيخ شمس الدين ابن المجد البعلي.
(الظاهرية، مجموع: 25).

(1/90)


الفصل الثاني
سير اعلام النبلاء منهجه وأهميته
أولا - عنوان الكتاب وتأليفه:
سماه صلاح الدين الصفدي (1) وابن دقماق (2): " تاريخ النبلاء "، وابن شاكر الكتبي (3): " تاريخ العلماء النبلاء "، وتاج الدين السبكي (4): " كتاب النبلاء "، وسبط ابن حجر (5): " أعيان النبلاء ".
وسماه كل من الحسيني (6)، وابن ناصر الدين (7)، وابن حجر (8)، والسخاوي (9): " سير النبلاء ".
أما " سير أعلام النبلاء " فقد جاء مخطوطا على طرر المجلدات الموجودة في مكتبة السلطان أحمد الثالث ذوات الرقم 2910 / A، وهي النسخة الاولى التي
__________
(1) الوافي: 2 / 163.
(2) ترجمان الزمان، الورقة: 98.
(3) فوات الوفيات: 2 / 183، وعيون التواريخ، الورقة 86 (كيمبرج 2923).
(4) طبقات الشافعية: 9 / 104.
(5) رونق الالفاظ، الورقة: 180.
(6) الذيل على ذيل العبر: 268.
(7) الرد الوافر: 31.
(8) الدرر الكامنة: 3 / 426.
(9) الاعلان بالتوبيخ: 674.

(1/91)


نسخت عن نسخة المؤلف التي بخطه وكتبت في حياته في السنوات 739 743 ه، وهو العنوان الاكثر دقة وكمالا، لذلك اعتمده محققو الكتاب.
وقد ألف الذهبي كتابه هذا بعد كتابه العظيم " تاريخ الاسلام ووفيات المشاهير والاعلام " الذي انتهى من تأليفه أول مرة سنة 714 ه ثم أعاد النظر فيه، وبيض قسما منه سنة 726 ه (1).
وقد أشار المؤلف إلى بعض كتبه الاخرى، وأحال عليها في كتابه " السير ".
وحينما ذكر تلميذه الصلاح الصفدي بعض كتب الذهبي الخاصة بتراجم الاعيان مثل " نفض الجعبة في أخبار شعبة " و " قض نهارك بأخبار ابن المبارك " وغيرهما قال: " وله في تراجم الاعيان لكل واحد مصنف قائم الذات مثل الائمة الاربع ومن جرى مجراهم، لكنه أدخل الجميع في " تاريخ النبلاء " (2).
وهذا النص يوضح أنه ألف " السير " بعد تأليفه لكل تلك التراجم المفردة الكثيرة، ويلاحظ أن ناسخ أول نسخة من الكتاب قد بدأ بنسخها في سنة 739 ه وانتهى من المجلد الثالث عشر في أوائل سنة 743 ه، وهذا يعني أن المؤلف كان قد انتهى من تأليف كتابه سنة 739 ه، أو قبلها.
وقد جزم الدكتور الفاضل صلاح الدين المنجد بتأليف الكتاب سنة 739 ه، من غير دليل (3) سوى أن الناسخ ابن طوغان قد
بدأ بنسخ نسخته في هذه السنة.
أما نحن فنعتقد أنه بدأ في تأليف الكتاب سنة 732 ه أو قبيلها بقليل، ودليلنا على ذلك قول المؤلف الذهبي في ترجمة العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم: " وقد صار الملك في ذرية العباس، واستمر ذلك، وتداوله تسعة وثلاثون خليفة إلى وقتنا هذا، وذلك ست مئة عام، أولهم السفاح.
وخليفة زماننا المستكفي له الاسم المنبري، والعقد والحل بيد
__________
(1) انظر التفاصيل في كتابي: الذهبي: 25 فما بعد.
(2) الوافي بالوفيات، 2.
164.
(3) انظر مقدمته للجزء الاول الذي نشره من السير ص 38.

(1/92)


السلطان الملك الناصر، أيدهما الله " (1).
ولما كان العباسيون قد تقلدوا الحكم سنة 132 ه كما هو مشهور فيكون زمانه الذي أشار إليه هو سنة 732 ه، والمستكفي بالله هذا هو أبو الربيع سليمان بن أحمد، ولد سنة 683 ه، وخطب له بمصر بعد وفاة أبيه سنة 701 ه، وقد ساءت حاله مع السلطان الناصر في آخر أيامه، فأخرجه السلطان إلى قوص من صعيد مصر سنة 738 ه فأقام بها إلى حين وفاته سنة 740 ه (2).
وليس من المعقول أن يستغرق تأليف الكتاب سبع سنوات ومعظم مادته كانت جاهزة عند مؤلفه بسبب أنه ألفه بعد تاريخ الكبير " تاريخ الاسلام ".

ثانيا - نطاق الكتاب وعدد مجلداته:
جعل الذهبي كتابه " سير أعلام النبلاء " في أربعة عشر مجلدا راعى فيها التناسق من حيث عدد الاوراق، ولم يراع في الاغلب ناحية تنظيمية أخرى، لذلك وجدنا النساخ فيما بعد لم يلزموا أنفسهم بتقسيم المؤلف (3).
وقد أفرد الذهبي المجلدين الاول والثاني للسيرة النبوية الشريفة وسير
الخلفاء الراشدين، لكنه لم يعد صياغتهما، وإنما أحال على كتابه العظيم " تاريخ الاسلام " ليؤخذا منه ويضما إلى " السير " فقد جاء في طرة المجلد الثالث من نسخة أحمد الثالث الاولى تعليق بخط الذهبي كتب على الجهة
__________
(1) سير أعلام النبلاء: 2 / الترجمة: 11 (طبعة مؤسسة الرسالة المحققة).
(2) البداية لابن كثير: 14 / 187، والسلوك للمقريزي: 2 / 504، والدرر لابن حجر: 2 / 336 وغيرها.
(3) انظر وصف النسخ في مقدمة هذا الجزء الاول من السير.
وقد أشار ناسخ المجلد السابع عشر من النسخة المصورة في المجمع العلمي العربي بدمشق إلى أن نسخته تتكون من عشرين مجلدا.

(1/93)


اليسرى منها نصه: " في المجلد الاول والثاني سير النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الاربعة تكتب من تاريخ الاسلام ".
ويلاحظ أن الذهبي قد أشار في حاشية الورقة (98) من المجلد الثاني من تاريخ الاسلام وهو المجلد الذي يبدأ بالسيرة النبوية وعند الفصل الخاص بمعجزاته صلى الله عليه وسلم إلى مكونات " السيرة النبوية " بقوله: " من شاء من الاخوان أن يفرد الترجمة النبوية، فليكتب إذا وصل إلى هنا جميع ما تقدم من كتابنا في السفر الاول بلا بد، فليفعل، فإن ذلك حسن، ثم يكتب بعد ذلك " فصل في معجزاته " إلى آخر الترجمة النبوية وهذا يعني أن " السيرة النبوية " التي أرادها الذهبي تشمل جميع المجلد الاول وهو المجلد الخاص بالمغازي ثم جميع " الترجمة النبوية " وهي المئة والثلاثون ورقة من المجلد الثاني الذي بخطه.
وهذا في رأينا هو المجلد الاول من " سير أعلام النبلاء ".
أما سير الخلفاء الاربعة فهي التي تستغرق بقية المجلد الثاني من نسخة المؤلف التي بخطه وتتصمن الاوراق:
131 - 241، وقسما من المجلد الثالث من نسخة المؤلف وهذا هو المجلد الثاني من " السير " في رأينا.
والظاهر أن ابن طوغان صاحب النسخة لم يقم باستنساخ المجلدين: الاول والثاني، من " تاريخ الاسلام " كما طلب المؤلف، فظن كاتب الوقفية على المدرسة المحمودية أن هذين المجلدين مفقودان، فتابعه الناس على هذا الوهم.
وكان من المظنون أن المجلد الثالث عشر (1) من نسخة ابن طوغان وهو
__________
(1) كان هذا المجلد هو حصتي من تحقيق الكتاب، وقد حققته بمشاركة زميلي السيد محيي هلال السرحان.

(1/94)


المجلد الذي يبتدئ بترجمة المحدث الكبير أبي طاهر السلفي المتوفى سنة 576 ه، وينتهي بترجمة السلطان الملك المنصور نور الدين علي ابن السلطان الملك المعز أيبك التركماني الصالحي المعزول من السلطنة سنة سبع وخمسين وست مئة، والذي تأخرت وفاته إلى حدود سنة سبع مئة أقول: كان من المظنون أن هذا هو المجلد الاخير من الكتاب، لكنني أعتقد بل أكاد أجزم أن هناك مجلدا آخر يتمم الكتاب هو المجلد الرابع عشر، وهو المجلد الذي ظنه الدكتور الفاضل صلاح الدين المنجد ذيلا لسير أعلام النبلاء وتابعه الناس عليه، وإليك آيات ذلك ودلالاته: 1 من المعلوم أن الذهبي ألف " سير أعلام النبلاء " عبد تأليف " تاريخ الاسلام " وتابع فيه النطاق الزمني للكتاب المذكور، والذي نعرفه أن " تاريخ الاسلام " يمتد من أول الهجرة النبوية إلى آخر سنة (700 ه)، بينما تبين دراستنا لتراجم الطبقة الخامسة والثلاثين وهي آخر المجلد الثالث عشر أن
أصحابها توفوا في المدة المحصورة بين السنوات 660 651 ه، فإين هي تراجم من توفي بين 700 661 ه ؟ وهي مدة طويلة عاصر المؤلف كثيرا من أحداثها واتصل بالعديد من المترجمين فيها، وكان الكثير منهم شيوخه، والباقون من شيوخ شيوخه، وفيهم أعلام الدنيا من مثل أبي شامة، وابن الساعي، والنووي، وفخر الدين ابن البخاري، وابن الظاهري ومئات غيرهم بحيث لا يعقل أن يتركهم الذهبي ولا يترجم لهم، وقد ترجم في كتابه هذا لمن هم أدنى منهم بكثير، فهذه المدة المذكورة البالغة قرابة الاربعين سنة تحتمل من غير شك أن تكون المجلد الرابع عشر من " السير ".
2 - ولكن كيف ظن الفضلاء أن هذا هو المجلد الاخير من " السير " وكيف ذكروا أن تراجمه تصل إلى سنة 700 ه ؟

(1/95)


والذي عندي أن الذي أوقع الناس (1) في هذه المزلقة أمران: أولهما عدم دراسة المجلد الثالث عشر دراسة جيدة والنظر إلى المترجمين فيه نظرة فاحصة منقبة.
وثانيهما: هو ترجمة السلطان الملك المنصور نور الدين علي ابن السلطان الملك المعز أيبك التركماني الذي ذكر المؤلف الذهبي أنه تأخر إلى قريب سنة (700) ه، لكن الدراسين لم ينتبهوا إلى أن الذهبي، إنما ذكره بسبب توليه الحكم بعد مقتل والده المعز أيبك سنة 655 ه، وأنه لم يبق في السلطنة غير سنتين ونصف إذ عزل في أواخر سنة 657 ه حينما تولى سيف الدين قطز السلطنة، فالذي ذكره الذهبي عن بقائه فيما بعد إنما هو من باب الاستطراد لا غير، وقد كان من منهج الذهبي في هذا الكتاب أن يجمع الاقرباء في مكان واحد كما سيأتي بيانه لاحقا.
3 - قلنا إن الذهبي ألف كتابه هذا في أربعة عشر مجلدا، وطلب من النساخ أن يستخرجوا المجلدين الاول والثاني من " تاريخ الاسلام " وهما اللذان يتضمنان السيرة النبوية، وسير الخلفاء الاربعة، كما هو مثبت بخطه في طرة المجلد الثالث من الكتاب.
وقد نصت وقفية الكتاب على المدرسة المحمودية بالقاهرة وهي الوقفية المثبت نصها على جميع المجلدات أن الموقوف منه اثنا عشر مجلدا، وقد جاء في نص الوقفية المدونة على المجلد الثالث، وهو أول المجلدات التي وصلت إلينا - ما نصه: " وقف وحبس وسبل المقر الاشرف العالي الجمالي محمود أستادار
__________
(1) أول من قال بذلك هو الدكتور الفاضل صلاح الدين المنجد، وتابعته في وهمه انا في كتابي " الذهبي ومنهجه في كتابه تاريخ الاسلام: 170 من طبعة القاهرة " وعذري أنني كنت آنذاك معنيا " بتاريخ الاسلام "، وكان كلامي على السير عارضا، أما هو فقد كان من المفروض أنه خبر الكتاب وسبر عوره.

(1/96)


العالية الملكي الظاهري..جميع هذا المجلد وما بعده من المجلدات إلى آخر الكتاب، وعدة ذلك اثنا عشر مجلدا متوالية من هذا المجلد إلى آخر الرابع عشر..".
فانظر إلى قوله " إلى آخر الكتاب " وقوله " إلى آخر الرابع عشر ".
والواضح البين أن الوقفية لم تشر إلى أن المجلد الرابع عشر هو ذيل سير أعلام النبلاء كما ظن الفاضل الدكتور صلاح الدين المنجد.
4 - وقد جرت عادة النساخ، أو المؤلفين، أوكليهما على الاشارة والنص على انتهاء الكتاب، إلا أننا حينما نقرأ آخر المجلد الثالث عشر لا نجد أية إشارة من المؤلف، أو الناسح إلى انتهاء الكتاب، وقد وجدت الذهبي
رحمه الله ينص دائما عند انتهاء كتبه، فلما ذا يشذ في هذا الكتاب ! ؟ أما الناسخ فإن عباراته التي استعملها في نهاية المجلد الثالث عشر لا تنبئ بأي حال على أن هذا هو آخر الكتاب، وهي لا تختلف عن ما جاء في بقية المجلدات (1).

ثالثا ترتيب الكتاب:
نظم الذهبي كتاب " السير " على الطبقات، فجعله في أربعين طبقة تقريبا، وآخر ما في المجلد الثالث عشر من نسخة ابن طوغان هي آخر الطبقة
__________
(1) وفي خزانة كتب خليل الله المدراسي بحيدر آباد مجلد صورته بعثة معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية ووضعته في فهرس (التاريخ) من فهارسها (رقم 1100 ج - 2، قسم 3 ص 183)، قالوا: " مجلد فيه من سنة 550 - سنة 740 ويبدأ بترجمة أبي البركات هبة الله بن ملكا البغدادي، وينتهي بآخر الكتاب وبآخر المجلد فهرست تفصيلي لجميع تراجم الكتاب من أوله الاخرة حسب ترتيب الطبقات من وضع الذهبي نفسه ينقص قليلا ".
وهذا الوصف يثير كثيرا من الارباك إذ كيف يتصور أن مجلدا واحدا يحوي كل هذه الفترة الزمنية، ثم ان الكتاب غير مرتب على السنين حتى يقال من سنة كذا إلى سنة كذا.
ولم استطع الوقوف عليه في الوقت الحاضر فلا أتمكن من الحكم عليه.
سير 1 / 7

(1/97)


الخامسة والثلاثين ولا أستبعد أن يتضمن المجلد الرابع عشر خمس طبقات إذا قايسنا ذلك ببقية المجلدات.
وقد استعمل المؤلفون المسلمون هذا الاسلوب في عرض التراجم منذ فترة مبكرة من تاريخ الحركة التأليفية، وهو فيما يرى روزنتال تقسيم إسلامي أصيل قد يبدو أقدم تقسيم زمني وجد في التفكير التاريخي
الاسلامي، ولم يكن نتيجة مؤثرات خارجية، بل هو نتيجة طبيعية لفكرة: صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم، فالتابعون..الخ (1)، ومما يؤيد هذا حديث أورده البخاري ونصه: " خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم " (2) وقد أشار العيني في شرحه إلى أن خير القرون الصحابة ثم التابعون ثم أتباع التابعين (3).
وهذا المفهوم يظهر واضحا في كتب الامام ابن حبان البستي المتوفى سنة 354 ه حيث قسم الرواة في كتابيه " الثقات " و " مشاهير علماء الامصار " إلى ثلاث طبقات هم: الصحابة، والتابعون، وأتباع التابعين، فصارت الطبقة هنا تعني الجيل.
وقد حاول بعض العلماء أن يجعل للطبقة تحديدا زمنيا واضحا، فجعلها بعضهم عشرين سنة (4)، وجعلها آخرون أربعين سنة (5)، وهلم جرا.
__________
(1) علم التاريخ عند المسلمين: 134 133.
(2) الصحيح 5 / 3 2 (ط.
الشعب) باب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهو من حديث عمران ابن حصين.
(3) عمدة القاري: 16 / 170.
(4) انظر " طبق " من لسان العرب.
(5) استنادا إلى حديث " أمتي على خمس طبقات كل طبقة أربعون عاما ".
(سنن ابن ماجة: 2 / 1349) ولا يصح، بل أورده ابن الجوزي في " الموضوعات ".

(1/98)


لكن الدراسات الحديثة (1) أظهرت أن كثيرا من المؤلفين المتقدمين كابن سعد، وخليفة بن خياط، ومسلم بن الحجاج وغيرهم لم يستعملوا " الطبقة " باعتبارها وحدة زمنية ثابتة، كما لم يستعملوها بمعنى " الجيل " أيضا ففي الوقت الذي عد فيه خليفة بن خياط الصحابة طبقة واحدة عدهم
ابن سعد عدة طبقات استنادا إلى سابقتهم في الاسلام.
أما طبقات التابعين ومن بعدهم، فقائم عند خليفة وابن سعد على اعتبار اللقيا بين الصحابة والتابعين، فكبار التابعين هم الذين رووا عن كبار الصحابة ذوي السابقة والفضل، وهم الطبقة الاولى من التابعين، أما التابعون الذين رووا عن صغار الصحابة ولم يلتقوا بكبارهم لعدم لحاقهم بهم، فيكونون طبقة ثالثة أو رابعة، وكذلك افإن من روى عن سعيد بن المسيب مثلا وغيرهم من كبار التابعين فإنهم يكونون الطبقة الاولى من أتباع التابعين.

رابعا مفهوم الطبقة في " السير " وغيره من مؤلفات الذهبي
نظم الامام الذهبي مجموعة من كتابه على الطبقات إضافة إلى " السير " منها: " تذكرة الحفاظ " (2)، و " معرفة القراء الكبار على الطبقات والاعصار (3) "، و " المعين في طبقات المحدثين " (4) " و " المجرد في أسماء رجال كتاب سنن الامام أبي عبد الله بن ماجة سوى من أخرج له منهم في أحد
__________
(1) أنظر دراسة صديقنا العزيز العالم الفاضل الدكتور أكرم العمري لاسس تنظيم طبقات خليفة وابن سعد في كتابه الماتع " بحوث في تاريخ السنة المشرفة " ص: 184 فما بعد (الطبعة الثانية).
(2) مطبوع منتشر مشهور.
(3) نشرته دار الكتب الحديثة بالقاهرة سنة 1969 باعتناء رجل جاهل يدعى سيد جاد الحق، وهي نشرة رديئة جدا يكثر فيها التصحيف والتحريف السقط وعندي منه نسخة مصورة نفيسة.
(4) عندي من الكتاب نسخة مصورة عن فيض الله.

(1/99)


الصحيحين (1)، و " طبقات الشيوخ " (2)، وقد وصلت إلينا جميع هذه الكتب خلا الكتاب الاخير.
وتشير دراستنا لهذه الكتب أن الذهبي لم يراع ايجاد تقسيم
واحد في عدد الطبقات بين هذه الكتب، ولا راعى التناسق في عدد المترجمين بين طبقة وأخرى في الكتاب الواحد، كما لم يلتزم بوحدة زمنية ثابتة للطبقة في جميع كتبه فيما عدا " تاريخ الاسلام " الذي لا يدخل في هذا التنظيم كما سيأتي بيانه.
1 عدد الطبقات: فقد قسم الذهبي كتابه " تذكرة الحفاظ " على إحدى وعشرين طبقة (3)، وقسم " معرفة القراء " على سبع عشرة طبقة، بينما جعل " سير أعلام النبلاء " في أربعين طبقة تقريبا مع أن الكتب الثلاثة المذكورة تناولت نطاقا زمنيا واحدا يمتد من الصحابة إلى عصره الذي عاش فيه.
2 عدد المترجمين: ونجد اختلافا كبيرا جدا في أعداد المذكورين في الطبقات في الكتاب الواحد، ففي " تذكرة الحفاظ " مثلا نجد أن أعداد المترجمين في الاحدى والعشرين طبقة تتضمن الاعداد الآتية حسب تسلل الطبقات: 23، 42، 30، 58، 78، 81، 106، 130، 106، 117، 77، 79، 74، 31، 46، 18، 25، 26، 12، 10، 8، وهكذا نجدها تتراوح بين ثمانية أشخاص ومئة وسبعة عشر شخصا.
وهذا الذي ذكرته عن " التذكرة " ينطبق على " السير " أيضا فإن عدد تراجم الطبقة الثلاثين مثلا بلغ (77) ترجمة بينما بلغ عدد تراجم الطبقة التي تليها (130) ترجمة، وهلم جرا.
__________
(1) عندي منه نسخة مصورة عن الظاهرية.
(2) ذكره الذهبي في تذكرة الحفاظ: 3 / 876 ولا أعرف له نسخة.
(3) وقال في الطبقة الثالثة عشرة: " وقد سميت منهم بضعة وسبعين إماما وقسمت الطبقة طبقتين أولا هما ثمانية وأربعون والثانية خمسة وعشرون نفسا " (3 / 997)

(1/100)


3 الوحدة الزمنية: ولم يراع الذهبي وحدة زمنية ثابتة في كتبه التي
تظمها على الطبقات، وهو بذلك لم يدخل سني وفيات المترجمين باعتباره بشكل دقيق حيث نجدها متداخلة بين طبقة وأخرى من جهة، كما نلاحظ في الوقت نفسه تباينا كبيرا جدا في المدة الزمنية التي تستغرقها كل طبقة من الطبقات.
ففي " تذكرة الحفاظ " مثلا نجد أن وفيات المترجمين في الطبقة الاولى تمتد من سنة 13 ه وهي سنة وفاة الصديق - إلى سنة 93 ه وهي السنة التي توفي فيها أنس بن مالك، وهذا يعني أن مدتها ثمانون سنة.
أما التابعون فقد جعلهم في " التذكرة " ثلاث طبقات: كبار التابعين وتمتد وفيات أصحابها من سنة 62 وهي سنة وفاة علقمة بن قيس النخعي إلى سنة 107 ه وهي سنة وفاة رجاء العطاردي في ترجيح الذهبي، فتكون مدتها (45) سنة.
ثم الطبقة الوسطى منهم وتمتد وفيات المترجمين فيها من سنة 93 ه إلى سنة 117 ه، فتكو مدتها (24) سنة.
ثم طبقة ثالثة من التابعين تمتد وفيات أصحابها من سنة 113 ه إلى سنة 151، فمدتها (38) سنة.
أما الطبقة الخامسة فتمتد من 144 ه إلى سنة 180 ه، فهي (36) سنة وهلم جرا.
وهذا الذي ذكرته عن التباين في مدد الطبقات الاولى من " التذكرة " ينطبق على الطبقات المتأخرة أيضا، فالطبقة العشرون تمتد من سنة 667 إلى سنة 708، فتكون مدتها (41) سنة أما الحادية والعشرون وهي آخر الطبقات فتمتد من سنة 672 ه إلى سنة 742 ه سنة وفاة الحافظ المزي فتكون مدتها (70) سنة.
وهذا الذي أبنته من الخلف في مدة الطبقات في " التذكرة " والتباين الشديد نجده أيضا في " سير أعلام النبلاء "، فقد بلغت مدة الطبقة الثلاثين

(1/101)


من السير (19) سنة تمتد من سنة 568 ه سنة وفاة خوارزمشاه إلى سنة 587 ه سنة وفاة ابن مغاور الشاطبي وامتدت وفيات المترجمين في الطبقة الحادية والثلاثين من سنة 575 ه سنة وفاة ابن عياد الاندلسي إلى سنة 601 ه وهي سنة وفاة الارتاحي، فتكون مدتها (26) سنة.
أما الطبقة الخامسة والثلاثون فلم تتجاوز تسع سنوات حيث أن جميع وفيات المذكورين فيها تمتد من سنة 651 إلى سنة 660 (1).
أما كتابه " المعين في طبقات المحدثين " فقد جعل الذهبي الطبقات الاولى فيه تتخذ أسماء المشهورين فيها نحو قوله مثلا " طبقة الزهري وقتادة " (2)، و " طبقة الاعمش وأبي حنيفة (3) " و " طبقة ابن المديني وأحمد (4) " ونحو ذلك.
ثم غير هذه الطريقة حينما وصل إلى مطلع القرن الثالث الهجري، فصار يستعمل السنوات التقريبية في الطبقة نحو قوله: " الطبقة الذين بقوا بعد الثلاث مئة وإلى حدود العشرين والثلاث مئة (5) " و " طبقة من الثلاثين وإلى ما بعد الخمسين وخمس مئة (6) "، وهلم جرا.
وقد تبين لنا من دراسة هذه الوحدات الزمنية التي ذكرها أن الطبقة قد تكون في هذا الكتاب في حدود عشرين سنة (7)، أو خمس وعشرين (8)، أو
__________
(1) استثنينا من ذلك ما ذكره الذهبي من تأخر وفاة المنصور ابن المعز أيبك إلى سنة (700) تقريبا وقد بينا أنه إنما ذكره بسبب توليه السلطنة بين 657 655 حسب (نسختي المصورة).
(2) المعين، الورقة: 7 (3) نفسه، الورقة: 8 (4) نفسه، الورقة: 14 (5) نفسه، الورقة: 19 (6) نفسه، الورقة: 32
(7) نفسه، الورقة: 21، 32 (8) نفسه، الورقة 22، 24

(1/102)


ثلاثين سنة (1)).
أما كتابه " المجرد في أسماء رجال كتاب سنن الامام أبي عبد الله بن ماجة " فقد جعله في ثماني اتخذت كل طبقة أسماء أعلام فيما عدا طبقة الصحابة (2)، فالطبقات السبع الباقية هي: طبقة زمن الاعمش وابن عون (3)، وطبقة الزهري وأيوب (4)،، وطبقة ابن المسيب ومسروق (5)، وطبقة الحسن وعطاء (6)، وطبقة عفان و عبد الرزاق (7)، وطبقة علي ابن المديني وأحمد بن حنبل (8)، وطبقة البخاري ومن تبقى (9)، ويلاحظ أن هذه الطبقات لم تراع التناسق الزمني أيضا.
ولكن الذهبي جعل الطبقة عشر سنوات في كتابه العظيم " تاريخ الاسلام " فتألف كتابه من سبعين طبقة، فهل يعني هذا أنه وضع تحديدا زمنيا واضحا للطبقة مخالفا طريقته في كتبه الاخرى ؟ علما أن عمله هذا لم يسبقه فيه أحد فيما نعلم.
وقد أدى عمل الذهبي هذا إلى دفع بعض الباحثين المعنيين بعلم التاريخ إلى القول: بأنه خالف الاقدمين، بل خالف نهجه هو في كتبه الاخرى (10).
على أن دراستنا الموسعة لكتاب " تاريخ الاسلام " قد أبانت أنه لم يقصد بالطبقة هنا غير " العقد "، وهو مفهوم يدل على وحدة
__________
(1) نفسه، الورقة: 20، 21 (2) المجرد، الورقة: 6 1 (3) المجرد، الورقة: 8 - 12 (4) المجرد، الورقة: 12 8
(5) نفسه، الورقة: 13 12 (6) نفسه، الورقة: 14 13 (7) نفسه، الورقة: 14 - 15 (8) نفسه، الورقة: 16 15 (9) نفسه، الورقة 20 16 (10) نظر: روزنثال: علم التاريخ: 121، والعمري: بحوث: 191

(1/103)


زمنية محددة قدرها عشر سنوات، وأنه إنما استخدم هذا المفهوم لحاجات تنظيمية صرفة جاءت في الاغلب من عدم توافر تواريخ وفيات المترجمين بصورة كاملة، كثرة الاختلاف فيها لا سيما في المئات الثلاث الاولى.
وقد أبانت دراستي أن هذا التنظيم لا علاقة له بأدب الطبقات بل من الافضل أن يربط بأدب التنظيم على السنين (1).
من كل الذي مر يتضح أن الذهبي استعمل الطبقة للدلالة على القوم المتشابهين من حيث اللقاء أي: في الشيوخ الذين أخذوا عنهم، ثم تقاربهم في السن من حيث المولد والوفاة تقاربا لا يتناقض مع اللقيا، وهو أمر يتيح تفاوتا في وفيات المترجمين من جهة، وتفاوتا في عدد الطبقات أيضا.
ولكن كيف نفسر هذا الاختلاف الكبير في تقسيم الطبقات عند مؤلف واحد مثل الذهبي.
بحيث جعل " معرفة القراء " في سبع عشرة طبقة.
بينما قسم " السير " إلى أربعين طبقة تقريبا ؟ وجواب ذلك فيما نرى يعتمد بالدرجة الاولى على نوعية المذكورين في الكتاب الواحد، فإن كتابا مثل " التذكرة " ليس فيه غير كبار الحفاظ من الممكن أن ينظم بطبقات أقل من غيره نظرا لنوعية المذكورين فيه، وكلهم أو
معظمهم من ذوي الاسناد العالي، بحيث تتباعد المدة الزمنية بين طبقة وأخرى، فيقل عدد الطبقات، وهو أمر لا يناقض مبدأ اللقيا.
أما " السير " فنوعية المترجمين فيه تشمل كل رجال " التذكرة " تقريبا مضافا إليهم من هم أقل منهم مرتبة بحيث يضطر إلى زيادة عدد الطبقات.
وطبيعي أنه ليس من المفروض أن يكون كل أحد من طبقة ما قد التقى
__________
(1) انظر تفاصيل موسعة في كتابي: الذهبي ومنهجه: 302 282.

(1/104)


بجميع رجال الطبقة السابقة مع إمكان التقائهم.
ومن أجل توضيح هذا الذي ذكرته عن نوعية المترجمين أشير إلى أنه من الممكن نظم جميع الرواة من الصحابة في طبقة واحدة، ولكن من الممكن تقسيم الصحابة إلى أكثر من طبقة حسب الرواية أيضا، لان الصحابي قد يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد يروي عن الصحابي أيضا.
ومن الممكن إذا ذكرنا كبار التابعين أن نجعلهم طبقة واحدة، ولكن التوسع في ذكر التابعين يقضي من أجل الدقة تقسيمهم إلى أكثر من طبقة، فكبار التابعين إنما هم الذين رووا عن كبار الصحابة، وصغار التابعين هم الذين رووا عن صغار الصحابة، لعدم لحاقهم بكبار الصحابة، فضلا عن أن بعض التابعين لم يرو عن غير التابعين، وهو أمر يعرفه أهل العناية بهذا الفن الجليل.
وعليه فإن الذهبي لو أراد مثلا أن يؤلف كتابا في جميع القراء وليس في " الكبار " منهم لاضطره الامر إلى زيادة عدد الطبقات، وهم جرا.
وبهذا يتضح أن كل مترجم إنما تتحدد طبقته حسب الكتاب المذكور فيه وأننا لا يمكن أن نجد توزيعا موحدا للمترجمين في جميع كتب الذهبي المرتبة على الطبقات فلا نستطيع القول: إن فلانا من أهل الطبقة الفلانية عند الذهبي، بل يصح
القول: إنه من أهل الطبقة الفلانية في الكتاب الفلاني.
فإذا كان الامر كذلك، فمن البداهة أن لا نجد تقسيما موحدا للطبقات عند المؤلفين المسلمين، فمكحول - مثلا - في الطبقة الثالثة من أهل الشام عند ابن سعد (1)، بينما هو في الطبقة الثانية عند خليفة (2)، وفي الطبقة الرابعة عند الذهبي في " التذكرة " (3)، وهو من أهل الطبقة الخامسة عند ابن حجر في
__________
(1) الطبقات: 7 / 453 (2) طبقات خليفة: 310 (ط.
العمري) (3) التذكرة: 1 / 107

(1/105)


" التقريب " (1).
لقد اخترع المحدثون التنظيم على الطبقات لخدمة دراسة الحديث النبوي الشريف ومعرفة إسناد الحديث ونقده، فهو الذي يؤدي إلى معرفة فيما إذا كان الاسناد متصلا، أو ما في السند من إرسال (2) أو انقطاع (3) أو عضل (4) أو تدليس (5)، أو اتفاق في الاسماء مع اختلاف في الطبقة (6).
وكان نظام الطبقات على غاية من الاهمية في العصور الاولى التي لم يعتن المؤلفون فيها بضبط مواليد الرواة ووفياتهم إنما كانت تحدد طبقاتهم بمعرفة شيوخهم والرواة عنهم.
على أن من أكبر عيوب التنظيم على الطبقات صعوبة العثور على الترجمة لغير المتمرسين بهذا الفن تمرسا جيدا، فضلا عن عدم وجود تقسيم موحد للطبقة عند المؤلفين.
وحينما توفرت للمؤلفين مادة كافية لضبط تاريخ المواليد والوفيات ازداد عدد المؤلفين الذين ينظمون كتبهم الرجالية على الوفيات، أو على حروف المعجم.
وقد كان من جملة انتقادات أبي الحجاج
المزي للحافظ عبد الغني المقدسي في تنظيمه لكتابه " الكمال في أسماء الرجال " أنه أفرد تراجم الصحابة عن بقية التراجم المذكورة في كتابه، قال: " وقد كان صاحب الكتاب رحمه الله ابتدأ بذكر الصحابة، أولا الرجال منهم والنساء على حدة، ثم ذكر من بعدهم على حدة، فرأينا ذكر الجميع
__________
(1) التقريب: 2 / 273.
(2) المرسل: ما رواه التابعي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(3) المنقطع: أن يسقط من السند رجل ليس بصحابي.
(4) المعضل: ما سقط من إسناده اثنان أو أكثر على التوالي.
(5) المدلس: هو الذي يروي عمن لقيه أحاديث لم يسمعها منه، أو عمن عاصره ولم يلقه موهما أنه سمعه منه.
(6) وذلك كثير فيعرف الشخص من طبقته وشيوخه.

(1/106)


على نسق واحد أولى، لان الصحابي ربما روى عن صحابي آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم فيظنه من لا خبرة له تابعيا فيطلبه في أسماء التابعين فلا يجده، وربما روى التابعي حديثا مرسلا عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيظنه من لاخبرة له صحابيا فيطلبه في أسماء الصحابة فلا يجده، وربما تكرر ذكر الصحابي في أسماء الصحابة وفيمن بعدهم، وربما ذكر الصحابي الراوي عن غير النبي صلى الله عليه وسلم في غير الصحابة، وربما ذكر التابعي المرسل عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحابة، فإذا ذكر الجميع عى نسق واحد، زال ذلك المحذور، وذكر في ترجمة كل إنسان منهم ما يكشف عن حاله إن كان صحابيا أو غير صحابي (1) "، لذلك رتب المزي الرجال في كتابه على حروف المعجم وصعد في الترتيب إلى آبائهم وأجدادهم، ثم رتب النساء على ذلك النسق أيضا.
(2)
وفائدة التنظيم على الطبقات إنما تظهر في العصور الاسلامية الاولى كما ذكرت، وكلما مضى الزمن بالكتاب صرنا لا نشعر بوجود الطبقة شعورا واضحا، لذلك وجدنا في " سير أعلام النبلاء " نوعا من التسلسل الزمني في الاقسام التي تلت تلك الاعصر الاولى، فضلا عن وجود عدد ليس بالقليل من التراجم التي لا علاقة لاصحابها بالرواية أو العلم فضلا عن اللقيا، مثل الملوك والوزراء والخلفاء والسلاطين والاطباء والشعراء ونحوهم، ولكن مفهوم الذهبي للتاريخ، وتكوينه الفكري المتصل بالحديث والمحدثين جعله يتمسك بهذا التنظيم إلى آخر الكتاب بالرغم من عدم جدواه في القرون المتأخرة ودخول غير أهل الرواية في الكتاب.
__________
(1) انظر المجلد الاول من تهذيب الكمال بتحقيقنا (منشورات مؤسسة الرسالة).
(2) وقد وجدنا العلماء المتأخرين يعنون بإعادة تنظيم كتب الطبقات على حروف المعجم كما فعل نور الدين الهيثمي في إعادة ترتيب " ثقات " ابن حبان، وغيره.

(1/107)


إن نظرة واحدة للتراجم المذكورة في المجلد الثالث عشر مثلا تشير إلى نوع من التسلسل في ذكر المترجمين حسب وفياتهم، وإن لم يكن ذلك بالدقة التي رتبت فيها الكتب المؤلفة على السنين.
وقد وجدنا الذهبي في " السير " كثيرا ما يجمع تراجم الاقرباء في مكان واحد، ولا سيما الاخوة والآباء والابناء، وهو بعمله هذا إنما راعى الوحدة التاريخية، لكنه في الوقت نفسه كان على حساب " الطبقة " والزمان.
فحينما ترجم الذهبي لعاقل بن البكير أحد شهداء بدر أتبعه بتراجم إخوته الثلاثة: خالد بن البكير الذي استشهد يوم الرجيع سنة أربع، وإياس بن البكير المتوفى سنة 34 ه، وعامر الذي استشهد يوم اليمامة.
وحينما ترجم
لابي جندل بن سهيل ترجم بعد ذلك لاخيه عبد الله بن سهيل، ثم لابيهما سهيل بن عمرو، وحينما ترجم لابي الحارث نوفل بن الحارث، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ترجم أيضا لابنه الحارث بن نوفل، ثم لابن ابنه: عبد الله ابن الحارث بن نوفل، ثم لابن ابن ابنه: عبد الله بن عبد الله بن الحارث بن نوفل، وأتبعهم بعد ذلك بأخويه: سعيد بن الحارث وأبي سفيان بن الحارث، ثم ولد الاخير جعفر بن أبي سفيان بن الحارث.
وهذا الذي ذكرته عن الجمع بين الاقرباء وتجاوز الطبقة منهج سار عليه الذهبي في جميع الكتاب، وإن لم يلتزم به دائما، وقد وجدناه في الاقسام الاخيرة من كتابه يتبع هذا النهج، ففي الطبقة الثلاثين ترجم لابي العلاء الهمذاني المتوفى سنة 569 ه، ثم أتبعه بابنه محمد بن الحسن المتوفى سنة 605 وهو من أهل الطبقة التي بعدها.
وترجم لكمال الدين ابن الشهرزوري المتوفى سنة 572 ه ذكر والده الملقب بالمرتضى المتوفى سنة 511 ه وهو من أهل طبقة سابقة.
وترجم في الطبقة الثلاثين لقوام الدين أبي المحامد حماد

(1/108)


ابن إبراهيم الصفاري المتوفى سنة 576 ه، ثم ذكر والده ركن الدين الذي بقي إلى سنة 532 ه، كما ذكر جده إسماعيل بن إسحاق الذي بقي إلى حدود سنة 500 ه.
وترجم لابي المواهب ابن صصرى المتوفى سنة 586 ه، وأتبعه بترجمة أبيه أبي البركات ابن صصرى المتوفى سنة 573 ه ثم ترجمة جده محفوظ المتوفى سنة 545 ه.
وحينما ترجم للسلطان الهمام صلاح الدين يوسف المتوفى سنة 589 ه ترجم معه لابنائه: العزيز المتوفى سنة 595 ه، والظاهر المتوفى سنة 613 ه، والافضل المتوفى سنة 622 ه وهلم جرا
خامسا طبيعة تراجم " السير " وأسس انتقائها:
عرفنا من دراستنا لسيرة الذهبي أنه كان عالما، واسع الاطلاع، غزير المعارف ولا سيما في التراجم، وهو الحقل الذي ألف فيه مجموعة من الكتب وبرع فيه البراعة التي جعلت العلماء يجمعون على أنه " مؤرخ الاسلام "، وألف كتابه العظيم " تاريخ الاسلام " الذي احتوى على قرابة أربعين ألف ترجمة، وبذلك كانت لديه حصيلة ضخمة من التراجم كان عليه أن ينتقي منها ما يراه مناسبا لكتابه " السير "، فهل كانت لديه خطة معينة سار عليها في ذلك ؟ والجواب: ان دراستنا للكتاب تبين أنه سار وفق خطة مرسومة في الانتقاء، سواء أكان ذلك في انتقاء التراجم أم في انتقاء المادة المذكورة في كل ترجمة، وقد انطلق في كل ذلك من ميزانه الذي وزن به المترجم من جهة، والاخبار التي تجمعت لديه عنه من جهة أخرى، وهو في كل ذلك إنما يصدر عن مفهومه المعين لفائدة كتاب من مثل " السير ".
ولعلنا نستطيع فيما يأتي أن نتبين أسس انتقاء التراجم: 1 العلمية: كان الذهبي قد أورد في " تاريخ الاسلام " جميع المشاهير والاعلام، ولم

(1/109)


يورد المغمورين والمجهولين، بعرف أهل الفن في كل عصر لا بعرفنا نحن، إذ لا ريب في أن هناك آلافا من التراجم التي ذكرها لم يسمع بها كثير من المتخصصين في عصرنا.
أما في " السير " فإنه اقتصر فيه على ذكر " الاعلام "، وأسقط المشهورين.
وقد استعمل الذهبي لفظ " الاعلام (1) ليدل على المشهورين جدا بعرفه هو لا بعرف غيره، ذلك أن مفهوم " العلم " يختلف عند مؤلف وآخر استنادا إلى عمق ثقافته ونظرته إلى البراعة في علم من العلوم، أو فن من الفنون، أو عمل من الاعمال، أو أي شئ آخر، لذلك وجدنا أن
سعة ثقافة الذهبي، وعظيم اطلاعه، وكثرة معاناته ودربته بهذا الفن قد أدت إلى توسيع هذا المفهوم بحيث صرنا نجد تراجم في " السير " مما لا نجده في كتب تناولت المشهورين، مثل " المنتظم " لابن الجوزي، و " الكامل " لابن الاثير، و " البداية " لابن كثير، و " عقد الجمان " لبدر الدين العيني، وغيرها.
2 الشمول النوعي: ولم يقتصر الذهبي في " السير " على نوع معين من " الاعلام " بل تنوعت تراجمه فشملت كثيرا من فئات الناس، من الخلفاء، والملوك، والامراء والسلاطين، والوزراء، والنقباء، والقضاة، والقراء، والمحدثين، والفقهاء، والادباء، واللغويين، والنحاة، والشعراء، وأرباب الملل والنحل والمتكلمين والفلاسفة، ومجموعة من المعنيين بالعلوم الصرفة.
ومع أن المؤلف قصد أن يكون " السير " شاملا لجميع " أعلام " الناس، إلا أننا وجدناه يؤثر المحدثين على غيرهم، لذلك جاءت الغالبية العظمى من
__________
(1) كانت تراجم الاعلام في تاريخ الاسلام أوسع من تراجم المشهورين، وقد أشار الذهبي في تراجمهم من هذا التاريخ بلفظة " أحد الاعلام " انظر على سبيل المثال الاعلام في الجزء الخامس من تاريخ الاسلام، ص: 44، 68، 69، 89، 98، 116، 121، 128، 136، 152، 155، 179، 184، 228، 233، 257..الخ.

(1/110)


المترجمين من أهل العناية بالحديث النبوي الشريف رواية ودراية، وهي فيما نرى ظاهرة طبيعية لما عرفنا من تربية الذهبي ونشأته الحديثية، وحبه لرواية الحديث وشغفه به، ذلك الشغف العظيم الذي ملك عليه قلبه، فهو من صنفهم واسع المعرفة بهم، عظيم الاكبار لهم، شديد الكلف بهم، فضلا عن أن المحدثين هم من أكثر الفئات التي عنيت بالرواية نظرا للاهمية البالغة التي
يحتلها الحديث الشريف في الحياة الاسلامية، ولذلك فإن دراسة أحوال نقلة الحديث وبيان مواليد هم ووفياتهم وآراء العلماء فيهم وشيوخهم والرواة عنهم ونحو ذلك، من الامور التي تقوم عليها دراسة الاسانيد، ثم معرفة صحيح الحديث من سقيمه.
3 الشمول المكاني: وقد عمل المؤلف أن يكون كتابه شاملا لتراجم الاعلام من كافة أنحاء العالم الاسلامي من الاندلس غربا إلى أقصى المشرق، وهو شمول قل وجوده في كثير من الكتب العامة التي تناولت تراجم المسلمين، إذ كثيرا ما كانت مثل تلك الكتب تعنى بايراد تراجم أعلام بلدها أو منطقتها، فابن الجوزي في " المنتظم " مثلا عني بتراجم البغداديين عناية فاقت غيرهم من علماء وأعلام البلدان الاخرى مع أنه أراد لكتابه أن يكون عاما شاملا، ولم يعن كثير من المؤلفين المشارقة الذين ألفوا في التراجم العامة بتراجم المغاربة والاندلسيين (1)، كما لم يعن كثير من المؤلفين المغاربة والاندلسيين بتراجم المشارقة عنايتهم بتراجم أهل بلدهم، بينما نجد نوعا جيدا من التوازن
__________
(1) ألف زكي الدين المنذري " التكملة لوفيات النقلة " ليكون كتابا عاما في " النقلة " لكل العالم الاسلامي، لكننا وجدناه يقصر تقصيرا كبيرا في تراجم الاندلسيين والمغاربة (انظر كتابنا: المنذري وكتابه التكملة: 238 فما بعد النجف 1968).

(1/111)


في كتاب " السير " يقل نظيره في الكتب التي من بابته، وهو منهج سار عليه الذهبي في كثير من كتبه ولا سيما في كتابه الكبير " تاريخ الاسلام "، مما يشير إلى شمول نظرته، واتساع اطلاعه على المؤلفات في هذا الفن في كل منطقة، من مناطق العالم الاسلامي وصلته بها.
4 - التوازن الزماني: حاول الذهبي في هذا الكتاب أن يوازن في عدد الاعلام الذين يذكرهم على امتداد المدة الزمنية الطويلة التي استغرقها الكتاب والبالغة سبعة قرون، فلم نجد عنده تفضيلا لعصر على آخر في هذا المجال.
ومع أننا نجد تفاوتا في عدد المترجمين بين طبقة وأخرى، لكننا لو نظمنا الكتاب على وفيات المترجمين ونظرنا إلى عدد المذكورين في كل سنة لوجدنا نوعا من التناسق في عدد المذكورين في كل سنة.
نعم، قد نجد كثيرا من السنوات مما يخرج عن هذا القول لكن هذا لا يناقض المسار العام الذي أشرنا إليه، بسبب وفاة عدد من الاعلام في بعض هذه السنوات لعوامل كثيرة منها الاوبئة والحروب وغيرها.
5 طول التراجم وقصرها: وجد الذهبي، بسبب سعة اطلاعة وتمكنه العظيم في الرجال، مادة وفيرة احتوتها مئات الموارد التراجمية، يساعده على ذلك سعة النطاق الزماني لكتابه الذي يمتد من أول تاريخ الاسلام حتى نهاية المئة السابعة، والنطاق المكاني الذي يشمل العالم الاسلامي كله.
وقد رأينا قبل قليل كيف استطاع أن يحدد نوعية المترجمين باختيار الاعلام منهم، إلا أن ما يبدو أكثر أهمية هو أن هؤلاء الاعلام تتوفر عنهم عند مثل هذا المؤلف الواسع الاطلاع كمية

(1/112)


عظيمة من المادة التاريخية التي لا بد أن ينتقي منها ما يتفق وخطته في صياغة الترجمة من أجل أن لا يتضخم الكتاب أزيد من هذا التضخم الكبير الذي قدره له.
من هذا الذي ذكرت اجتهد الذهبي أن يقدم ترجمة كاملة ومختصرة في
الوقت نفسه لا تؤثر فيها كمية المعلومات التي تتوافر لديه، فتخرجه عن خطته العامة.
وقد تمكن الذهبي أن يتخلص من مثل تلك المادة الضخمة التي تحصلت لديه عن بعض كبار الاعلام بإحالة القارئ إلى مصادر أوسع تناولت ذلك العلم بتفصيل أكثر مما ذكره هو في بعض جوانب الترجمة، نحو قوله في ترجمة عكرمة بن أبي جهل: " استوعب أخباره أبو القاسم بن عساكر "، وقوله في ترجمة يزيد بن أبي سفيان: " له ترجمة طويلة في تاريخ الحافظ أبي القاسم "، وقوله في ترجمة بلال بن رباح: " ومناقبه جمة استوفاها الحافظ ابن عساكر "، وقوله في ترجمة الكمال ابن الانباري بعد أن ذكر عددا من تصانيفه: " وسرد له ابن النجار تصانيف جمة "، والامثلة كثيرة.
ومع هذا الذي ذكرت فإن طول التراجم وقصرها في " السير " من الامور الواضحة لمطالع الكتاب، فقد نجد ترجمة لا تزيد على بضعة أسطر، بينما نجد ترجمة أخرى قد تبلغ صفحات عديدة.
وقد انتقده تلميذه التاج السبكي المتوفى سنة 771 ه على خطته في تطويل التراجم وتقصيرها في كتبه التاريخية وعد ذلك من باب التعصب والهوى العقائدي (1).
إلا أن دراساتنا لهذه المسألة توضح أن السبكي قد بالغ في نقده بسبب من تعصبه الشديد للاشاعرة، وتبين لنا أن الذهبي راعى في أكثر الاحايين قيمة الانسان وشهرته بين أهل علمه، أو مكانته بين الذين هم من بابته سواء أكان متفقا معه في
__________
(1) انظر الطبقات الكبرى: 2 / 24 23.
سير 1 / 8

(1/113)


العقيدة أم مخالفا، فنراه مثلا يطول في تراجم الشعراء البارزين، أو كبار النحويين، أو أعلام الصوفية، أو كبار الخلفاء والملوك والسلاطين، وقد ترجم
للشهاب السهروردي المقتول سنة 587 ه ترجمة طويلة باعتباره " العلامة الفيلسوف السماوي المنطقي..من كان يتوقد ذكاء، مع قوله " إنه قليل الدين " وأن مصنفاته " سائرها ليست من علوم الاسلام " وأن الذين أفتوا بقتله " أحسنوا وأصابوا " (1)، وترجم ترجمة حافلة لراشد الدين سنان صاحب الدعوة النزارية الذي كان في رأيه: " سخط وبلاء " (2)، وأمثلة ذلك في " السير " كثيرة لا نرى كبير فائدة في إيراد المزيد منها.
ومع أن الذهبي كان عظيم الاهتمام بالمحدثين، مكبرا لهم، شديد الكلف بهم، إلا أننا وجدناه يترجم لهم تراجم قصيرة عموما إذا استثنينا بعض كبار أعلامهم مقارنة بكثير من التراجم الطويلة التي خص بها بعض الشعراء والصوفية والمتكلمين والفلاسفة.
على أن هذا الذي قلته لا يعني أنه لم يتأثر إطلاقا بعقيدته وآرائه ونظرته إلى العلوم في فهم المترجمين وتطويل تراجمهم أو تقصيرها، فهذا أمر يجانب الطبيعة البشرية، وهو موجود عند جميع المؤرخين، لكننا نشير إلى محاولاته الجدية في الموازنة، وإلى أنه لم يفعل ذلك عن هوى وتقصد، إنما انطلق من تكوينه الفكري الذي كان يحدد أهمية " العلم " في خدمة الاسلام، أو الاضرار به، فكان ينطلق ليبين هذا أو ذاك فتطول التراجم.
إن تقدير الامام الذهبي للعلم الذي يترجم له ويطول في ترجمته بسبب المكانة التي يحتلها هي التي دفعت به إلى تخصيص مجلد كامل للسيرة النبوية الشريفة، فسيرة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هي المثل الاعلى الذي يحتذيه
__________
(1) سير أعلام النبلاء: 21 / الترجمة 99 (بتحقيقنا).
(2) السير: 21 / الترجمة: 90.

(1/114)


المسلمون في مشارق الارض ومغاربها فضلا عن الاحكام المستفادة منها.
وهذا الامر هو الذي أدى به إلى تخصيص مجلد كامل عن سير الخلفاء الارعبة: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله تعالى عنهم لما تمثله من قدوة للمسلمين، ولما يستفاد من دراستها في شتى مناحي الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية ولما تحتله من المكانة في بناء الانسان المسلم.

سادسا صياغة تراجم " السير " وعناصرها:
تختلف المادة الموجودة في ترجمة ما من تراجم " السير " عن الاخرى حسب طبيعة المترجم له وقيمته العلمية أو الادبية أو مكانته السياسية من جهة، وتتوحد في الاسس العامة لمكونات الترجمة من جهة أخرى.
ولا نجد تناقضا في ذلك، فالذهبي يعنى في معظم التراجم بذكر اسم المترجم ونسبه، ولقبه وكنيته ونسبته، ثم مولده أو ما يدل على عمره (1)، ونشأته ودراسته وأخذه عن الشيوخ الذين التقى بهم وروى عنهم، وأفاد منهم، ثم تلامذته الذين أخذوا عنه وانتفعوا يعلمه، وتخرجوا به، وما خلف من آثار علمية أو أدبية أو اجتماعية، ويبين بعد ذلك منزلته العلمية وعقيدته من خلال أقاويل العلماء الثقات فيه جرحا وتعديلا ممن كان وثيق الصلة به، ثم غالبا ما ينهي الترجمة بتحديد تاريخ وفاة المترجم ويدقق في ذلك تدقيقا بارعا.
والمؤلف في الوقت نفسه يذكر في كل ترجمة أمورا متفرقة تتصل بطبيعتها، فهو يعنى مثلا بايراد أعمال
__________
(1) لقد اعتنى الذهبي بذكر الولادات جهد طاقته فذكرها دائما حينما توفرت له لما لذلك من أهميته كبيرة في الاطمئنان على لقاء المترجم لمشايخه وسماعاته عليهم أو إجازاته منهم.
وكان المحدثون يعنون بتتبع المواليد ويسألون الشيخ عن مولده قبل السماع منه أو الاخذ عنه، فإذا ما وجدوا له رواية قبل هذا الثاريخ أو في سن لا تحتمل السماع حكموا بكذبه في هذه الرواية.

(1/115)


الخلفاء والملوك والامراء والمتولين في تراجمهم، ويركز عنايته على ما قاموا به من نشر عدل أو بث ظلم أو سفك دماء.
وهو يعنى بايراد نماذج من شعر الشعراء ومختارات من نثر الادباء، وأقوال للمتفلسفين وأرباب المقالات بما ينبئ عن حسن عقيدتهم أو سوئها ونحو ذلك.
والذهبي له أسلوبه المتميز في صياغة التراجم، وأساليب عرضها يختلف من الموارد التي ينقل منها، وقد دفعه هذا الامر في أغلب الاحيان إلى إعادة صياغة المادة التاريخية المنقولة عن المؤلفات السابقة بأسلوبه الخاص، ولم ير في ذلك ضيرا طالما قد توخى الدقة والامانة في نقل معاني الاقوال، لا سيما تلك التي لا تؤثر في قيمتها إعادة الصياغة مثل تاريخ وفاة، أو ميلاد، أو قيام بعمل ما، أو اختصار في أسماء الشيوخ ونحو ذلك، وقد بلغ الامر به حدا أنه أعاد تركيب الترجمة في كثير من المواضع التي اعتمد فيها مصدرا واحدا.
ولكنه ألزم نفسه في الوقت نفسه بنقل النصوص بألفاظها في الحالات التي تستحق ذلك.
وتتطلبها، مثل أقوال العلماء في الجرح والتعديل، ونصوص الكتب والتوقيعات التي أوردها في " السير "، والقطع النثرية، والقصائد الشعرية، والمناقشات بين العلماء، فضلا عن الروايات المسندة، ونصوص الاحاديث النبوية الشريفة.
أما إذا انتقى من النص أو لخصه، فإنه يشير إلى ذلك للامانة العلمية من جهة وبما يدفع عنه تهمة التلاعب به من جهة أخرى.
أما أسلوبه الادبي في عرض الترجمة، فقد تميز بالطراوة والحبك.
ولم يعن بالصنعة البيانية وتزويق الالفاظ مثل غيره من معاصريه وتلامذته، كابن سيد الناس اليعمري وتاج الدين السبكي وصلاح الدين الصفدي وغيرهم.
وهذا أمر طبيعي فيما نرى، لان للكلمة مكانتها عند الذهبي، وهو الناقد الذي يختار

(1/116)


العبارة الناسبة للتعبير عما يريد بدقة وأمانة، ويصف المترجم بالعبارة التي تزنه جرحا أو تعديلا، فهو أسلوب علمي قبل كل شئ.
ومن الواضح لكل ذي بصيرة أنه لا يمكن وصف المترجمين بشكل متقن عند اتباع أسلوب الصنعة البلاغية الذي يتجلى فيه العناية بالاسلوب على حساب دقة المعاني ودلالات الالفاظ.
وقد عرفنا من سيرة الذهبي ومكانته العلمية أنه قد حصل طرفا صالحا من العربية في نحوها وصرفها وآدابها، كما أنه عني عناية كبيرة في مطلع حياته بالقراءآت التي تقوم في أساسها على علم تام بالعربية، وقد تعاطى الشعر، فنظم اليسير منه، وأورد من شعر غيره جملة كبيرة في هذا الكتاب وغيره من كتبه.
لكل ذلك أصبحت لغته قوية جدا بحيث يصعب أن نجد في كتابه لحنا أو غلطا لغويا، أو استعمالا عاميا، فإذا كان النادر من ذلك، فإنه من سهو القلم، أو الذهول، أو بعض ما يغلط فيه الخواص، وليس ذاك بشئ.
وقد أدت دراساته لعدد ضخم من المؤلفات التاريخية والادبية والحديثية واشتهاره بقوة الحافظة إلى وقوفه على أساليب عدد كبير من الكتاب والمؤلفين على مدى عصور طويلة تنوعت أساليب الكتابة فيها، فأكسبه كل ذلك خبرة أدبية قوية، وملكة جيدة على التعبير.
إن معرفة اللغة العربية معرفة جيدة والتمتع بالاسلوب الرصين من العوامل المهمة التي تخرج ترجمة جيدة ينتفع بها، والقول بأن المعني بعلم التراجم لا يحتاج كل هذه المعرفة قول فاسد، وقد أشار شيخ الذهبي ورفيقه الحافظ أبو الحجاج المزي في نهاية تقديمه لكتابه العظيم " تهذيب الكمال " إلى هذه الضرورة فقال: " وينبغي للناظر في كتابنا هذا أن يكون قد حصل طرفا صالحا

(1/117)


من علم العربية نحوها ولغتها وتصريفها، ومن علم الاصول والفروع، ومن علم الحديث والتواريخ وأيام الناس، فإنه إذا كان كذلك، كثر انتفاعه به وتمكن من معرفة صحيح الحديث وضعيفه وذلك خصوصية المحدث التي من نالها وقام بشرائطها ساد أهل زمانه في هذا العلم، وحشر يوم القيامة تحت اللواء المحمدي إن شاء الله تعالى (1).

سابعا: المنهج النقدي:
كان الامام الذهبي من المعنيين بالنقد كل العناية بحيث صار يحتل مكانا بارزا في كتبه، وألف الكتب النافعة الخاصة به، ولذلك وجدناه عظيم الاهتمام به في كتبه، ومنها كتابه النفيس " سير أعلام النبلاء " مارسه في كل مادته، واعتبره جزءا أساسيا من منهجه في تأليف الكتاب.
والذهبي إنما ينطلق في هذه العناية وذاك الاهتمام من تكوينه الفكري المتصل بدراسة الحديث النبوي الشريف وروايته وداريته، والذي يؤكد ضرورة تبيين أحوال الرواة، ودرجة الوثوق بهم بتمييز الصادقين منهم عن الكاذبين، فسحبه بعد ذلك على جميع كتابه، سواء أكان ذلك في تراجم المحدثين، أم في تراجم غيرهم وسواء أكانوا من المتقدمين، أم من المتأخرين.
والحق أن المحدثين اخترعوا مناهج للبحث العلمي تعد من أرقي المناهج العلمية التي لم يعرفها الاوربيون إلا في عصور متأخرة جدا.
وقد انتفع بها المؤلفون في الفنون والعلوم الاخرى، منهم: المؤرخون واللغويون والادباء والفقهاء وغيرهم (2).
__________
(1) انظر مقدمة تهذيب الكمال، بتحقيقنا.
(2) انظر ما كتبناه عن " أثر دراسة الحديث في تطور الفكر العربي " في كتاب " رحلة في الفكر
والتراث " بغداد: 1980.

(1/118)


وقد اعتنى الذهبي في " السير " بكل أنواع النقد، فلم يقتصر على مجال واحد من مجالاته، فقد عني بنقد المترجمين، وتبيان أحوالهم، وأصدر أحكاما وتقويمات تاريخية، وانتقد الموارد التي نقل منها، ونبه إلى أوهام مؤلفيها، وبرع في إصدار الاحكام على الاحاديث إسنادا ومتنا، وسحب ذلك على الروايات التاريخية.
1 - نقد المترجمين: يقوم نقد المترجم عند الذهبي عادة على إصدار حكم في الرجل وتبيان حاله جرحا أو تعديلا، ويكون ذلك في الاغلب بإيراد آراء الثقات المعاصرين فيه وأحكامهم على وانطباعاتهم الشخصية عنه مما تحصل لديهم نتيجة لصلتهم به، ومعرفتهم بعلمه وسيرته.
وفي مثل هذه الحال قد يكتفي بآرائهم، أو يرد عليها، أو يرجح رأيا منها، وتكون نتيجة التعديل أو التجريح إصدار أحكام بعبارات فنية لها دلالاتها الدقيقة جدا نحو " ثقة " و " صدق "، و " وصويلح "، و " دجال "، و " متروك "، و " كذاب "، و " مجهول "، وما إلى ذلك مما فصله في مقدمة كتابه النفيس " ميزان الاعتدال ".
وكانت الغاية الاساسية من نشوء هذا النقد هو تبيان أحوال رجال الحديث لمعرفة صحيح الحديث من سقيمه، لكننا وجدنا الذهبي في الوقت نفسه يسحبه على معظم المترجمين في كتابه هذا وغيره من الكتب وإن لم يكونوا من المحدثين، بل سحبه إلى مترجمين لا علاقة لهم بالرواية أيا كانت.
وقد أدى هذا الامر إلى اعتراض بعض معاصريه عليه في عنايته الكبيرة باعتبار أن الدواعي التي دعت إلى قيام النقد عند المتقدمين هي الوصول إلى
تصحيح الحديث النبوي الشريف، وأن الحديث قد استقر في الكتب الرئيسة

(1/119)


فما عادت هناك من حاجة إليه، وأن فائدته قد انقطعت منذ مطلع القرن الرابع الهجري (1)، كما أخذ عليه بعضهم نقده لغير الرواة واعتبروا أن ذلك لا فائدة فيه وأنه محض غيبة (2).
وقد أثارت هذه القضية نقاشا بين العلماء فيما بعد، ولا حظنا أن العلماء المسلمين، ومنهم السخاوي، قد سوغوا استعمال النقد في غير مجال الرواة بالفائدة المتوخاة منه للنصيحة ودفع الضرر (3).
لكننا لاحظنا في هذا التفسير سذاجة، وآية ذلك أنه قد يصح في حالة نقد المعاصرين من غير الرواة، فكيف نفسر نقد الرواة المتأخرين، وكيف نفسر استمرار الذهبي وغيره في نقد السابقين وتأليف الكتب الخاصة بالجرح والتعديل إن كانوا يعتقدون بانقطاع الفائدة ؟ الحق أن مثل هذا الامر لا يفسر بالسذاجة التي ناقشوها، فإن هناك عوامل أكثر عمقا دفعت الامام الذهبي إلى مثل هذه العناية لعل من أبرزها: أ استمرار العناية بالرواية في العصور التالية لظهور دواوين الاسلام في الحديث، وبعض المجاميع الحديثية الاخرى، بل ازدادوا عناية بها تقليدا للسابقين من جهة، وتدينا وحبا بالحديث من جهة أخرى، ولانها صارت جزءا من الحركة التعليمية والفكرية عند المسلمين من جهة ثالثة.
وهذا يعني استمرار الاسناد ومن ثم ضرورة استمرار النقد في كل عصر لتبيان أحوال الرواة.
ومع أن الامام الذهبي ركز في كتابه " الميزان " على الرواة القدماء،
__________
(1) ممن صرح بهذا أبو عمر ومحمد بن عثمان الغرناطي المعروف بابن المرابط المتوفى سنة 752 ه (انظر الاعلان للسخاوي: 460، 470، 474).
(2) السبكي: طبقات الشافعية: 2 / 14.
(3) الاعلان: 462 461.

(1/120)


واعتبر مطلع القرن الرابع الهجري هو الحد الفاصل بين المتقدم والمتأخر، وأنه لو فتح على نفسه تناول المتأخرين لما سلم معه إلا القليل (1)، إلا أنه فتح هذا الباب في كتبه الاخرى ومنها " معجم الشيوخ " و " تاريخ الاسلام "، و " سير أعلام النبلاء " وغيرها.
ب إن الذهبي هو الناقد العظيم الم يتقبل آراء النقاد السابقين باعتبارها مسلمات لا يمكن ردها أو الطعن فيها دائما بالرغم من احترامه الشديد للثقات منهم، ومدحه الكثير لهم، وهو بهذا اعتبر باب الاجتهاد في النقد ما زال مفتوحا، فعني به كل هذه العناية، يدل على ذلك رده لآراء كثير من كبار النقاد وعدم قبولها مثل أحمد بن صالح المصري المتوفى سنة 248 ه، وأحمد بن عبد الله العجلي المتوفى سنة 261 ه، وإبراهيم بن يعقوب الجوزجاني السعدي المتوفى سنة 259 ه، والبرذعي المتوفى سنة 292، والنسائي المتوفى سنة 303 ه، والعقيلي المتوفى سنة 322 ه، وابن عدي الجرجاني المتوفى سنة 323 ه، وابن حبان البستي المتوفى سنة 354 ه، وأبي الفتح الازدي المتوفى سنة 367، وابن مندة المتوفى سنة 395 ه، والخطيب البغدادي المتوفى سنة 463 ه، وابن عساكر المتوفى سنة 571 ه، وابن الصلاح المتوفى سنة 643 ه، وغيرهم مما يطول ذكرهم وتعدادهم.
ج إن النقد أصبح جزءا من مفهومه التاريخي لذلك حاول تطبيقه في كل كتبه.
وقد أخطأ كثير ممن فسر نقده لكبار العلماء من غير الرواة، أو
الملوك، أو أرباب الولايات أو نحوهم بأنه من صنف " نقد الرجال "، بل هو حكم تاريخي كانت الغاية منه تقويم المترجم.
__________
(1) الميزان: 1 / 4.

(1/121)


والحق أن الذهبي لم ينظر إلى أمثال هؤلاء بالمنظار الذي نظر به إلى الرواة وأشباههم في الاغلب، بل نظر إلى كل طائفة منهم بمنظار يختلف عن الآخر، وهي مسألة قلما انتبه إليها الباحثون، فوقعوا بآفة التعميم، وخرجوا بما ظنوا أنه حقيقة، فذكروا أن المؤرخين المسلمين المتأثرين بالحديث الشريف وعلومه نظروا إلى جميع الناس بمنظار واحد هو منظار الحديث والمحدثين.
وقد استطاع الذهبي في " السير " وغيره أن ينظر إلى كل طائفة منهم بمنظار آخر كون في الاغلب صورة لجماع رأيه في المترجم.
إن تعدد المناظير هذا جعل آراء الذهبي في المترجمين تبدو لاول وهلة متناقضة مضطربة، نحو قوله في ترجمة صدقة بن الحسين الحداد المتوفى سنة 573 ه " العلامة..الفرضي المتكلم المتهم في دينه " (1)، فهو هنا قد فرق بين علم الرجل ودينه، وأعطى لكل ناحية تقويما خاصا.
ومن ذلك قوله في ترجمة الشهاب السهروردي المقتول سنة 587 ه: " العلامة الفيلسوف.
من كان يتوقد ذكاء، إلا أنه قليل الدين " ثم علق الذهبي على افتاء علماء حلب بقتله، بقوله: " أحسنوا وأصابوا "، وأنه " كان أحمق طياشا منحلا (2) "، ومثل هذا كثير.
وهذا الاختلاف في المناظير وتعددها عند الذهبي جعله يراعي في كل طائفة صفات معينة بصرف النظر عن اتفاقه أو اختلافه معهم، فكان ينظر إلى الخلفاء والملوك والوزراء وأرباب الولايات مثلا من زاوية الحزم والدهاء،
والقوة والضعف، والسياسة، والظلم والعدل، وحب العلم والعلماء ونحوها،
__________
(1) السير: 21 / الترجمة: 21.
(2) السير: 21 / الترجمة: 99.

(1/122)


مثل قوله في ترجمة قايماز مولى المستنجد " كان سمحا كريما.
قليل الظلم " (1)، وقوله في ابن غانية: " الامير المجاهد " (2)، وقوله في مجد الدين ابن الصاحب: " وكان قد تمرد وسفك الدماء وسب الصحابة وعزم على قلب الدولة فقصمه الله " (3)، وقوله في الملك المظفر تقي الدين عمر صاحب حماة: " كان بطلا شجاعا مقداما جوادا ممدحا له مواقف مشهودة مع عمه السلطان صلاح الدين " (4)، وغير ذلك كثير (5).
أما العلماء فكان يراعي فيهم البراعة والمعرفة في العلم الذي تخصصوا فيه، ومن ذلك مثلا الشعراء، فإنه نظر إلى إبداعهم وجودة شعرهم فقومهم استنادا إلى ذلك (6).
ثم كثيرا ما نجده يقوم بعض المترجمين بعد دراسة بعض كتبهم، ويبين قيمتها العلمية بين الكتب التي من بابتها.
2 نقد الاحاديث والروايات: أكثر الامام الذهبي من إيراد الاحاديث النبوية الشريفة في كتبه التاريخية وغيرها، ومنها كتابه " سير أعلام النبلاء ".
وقد عني دائما بالتعليق على هذه الاحاديث من حيث الاسناد والمتن ما استطاع إلى ذلك سبيلا، قال تلميذه
__________
(1) السير: 21 / الترجمة: 20.
(2) السير: 21 / الترجمة: 23.
(3) السير: 21 / الترجمة: 79.
(4) السير: 21 / الترجمة: 97.
(5) انظر مثلا لا حصرا بعض تراجم المجلد الحادي والعشرين من السير: 11، 18، 25، 80، 100، 119..الخ.
(6) انظر مثلا: 21 / التراجم: 14، 24، 63، 84، 85، 101، 102..الخ.

(1/123)


الصلاح الصفدي: " وأعجبني منه ما يعانيه في تصانيفه من أنه لا يتعدى حديثا يورده حتى يبين ما فيه من ضعف متن أو ظلام إسناد، أو طعن في رواته، وهذا لم أر غيره يراعي هذه الفائدة فيما يورده " (1).
وقد انتقد الامام الذهبي الحافظين: أبا نعيم الاصبهاني والخطيب البغدادي، وذنبهما بروايتهما الموضوعات في كتبهما وسكوتهما عنها (2).
ثم وجدنا الذهبي بعد ذلك يسحب هذا النقد الحديثي ويطبقه على الروايات التاريخية والادبية ونحوها، وبذلك تحصلت في هذا الكتاب ثروة نقدية على غاية من الضخامة، ويلمسها كل من يطالع الكتاب، أو يتصفحه لا سيما في مجلداته الاولى.
وقد وجدنا الذهبي بعد ذلك لا يقتصر على أسلوب واحد في النقد، بل يتوسل بكل ممكن يوصله إلى الحقيقة، فنقد السند والمتن، واستعمل عقله في رد كثير من الروايات.
أ نقد السند: ويكون هذا النقد عادة بتضعيف السند بسبب الكلام في أحد من رواته أو أكثر، أو تقويته استنادا إلى مقاييس المحدثين، ويحكم عليه وفقا لذلك ويستعمل التعبيرات الفنية الدالة على قولة الاسناد أو تقويته نحو قوله (3).
" إسناده صالح "، و " إسناده جيد "، و " رواته ثقات "، و " له علة غير مؤثرة "، أو العبارات الدالة على ضعف الاسناد أو تضعيفه نحو قوله: " إسناده ليس بقوي "، و " في إسناده لين "، و " فيه انقطاع "، و " إسناده ضعيف "، و " إسناده
__________
(1) الوافي: 2 / 163.
(2) الميزان: 1 / 111.
(3) أمثلة ذلك مبثوثة في جميع الكتاب ولم نر كثير فائدة في إيراد أماكن وجودها حيث يستطيع القارئ الوقوف على مئات من ذلك بمجرد تصفحه للكتاب.

(1/124)


واه "، و " إسناده مظلم "، وهلم جرا.
أو يبين سبب ضعف السند بتعيين أحد رواته أو ما يشبه ذلك نحو قوله في إسناد فيه داود بن عطاء " وداود ضعيف " (1)، وقوله عن سند فيه صهيب مولى العباس: " وصهيب لا أعرفه " (2)، وقوله: " الحسن مدلس لم يسمع من المغيرة " (3).
ويؤدي هذا النقد إلى إصدار أحكام دقيقة تبين مرتبة الحديث يشير إليها الذهبي من مثل قوله: " صحيح "، أو " متفق عليه "، أو " هو في الصحيحين "، أو " صحيح غريب "، أو " حسن "، أو " غريب " أو " غريب جدا "، أو " منكر "، أو " موضوع " ونحو ذلك مما يعرفه أهل العناية بهذا الفن الجليل.
ومن أجل توثيق الاحاديث والروايات عني الذهبي بنقل الاسانيد التي وردت في المصادر التي نقل عنها، ولم يكتف بايراد المصدر حسب، وهي طريقة تعينه على تقديم المصادر الاصلية التي اعتمدها المصدر الذي ينقل منه وتتيح له، وللقارئ، الفرصة لتقويم الحديث أو الخبر استنادا إلى ذلك الاسناد، ولعل المثال الآتي يوضح هذه المسألة، قال في ترجمة الزبير بن العوام (4): " وقال الزبير بن بكار: حدثني أبو غزية محمد بن موسى، حدثنا عبد الله بن مصعب، عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن جدتها أسماء بنت أبي بكر، قال:.."، وقوله: " الدولابي في " الذرية الطاهرة ": حدثنا الدقيقي، حدثنا يزيد، سمعت شريكا، عن الاسود بن قيس.."، فهو
كان يستطيع أن يكتفي بالقول " وقال الزبير بن بكار " أو " الدولابي في الذرية
__________
(1) السير: 2 / الترجمة: 11.
(2) نفسه.
(3) السير: 1 / الترجمة: 4 (بتحقيق العالم شعيب الارناؤ وط).
(4) السير: 1 / الترجمة: 3.

(1/125)


الطاهرة ".
وهذا منهج انتهجه في معظم أقسام كتابه وهو يدل على دقة ومنهج متميز وعقلية نقدية في غاية الرقي.
ثم وجدنا الذهبي بعد ذلك لا يكتفي بنقد السند في كثير من الاحاديث والروايات التي يوردها ويضعفها استنادا إلى ضعف في سندها، بل يحاول جاهدا إيراد ما يقوي هذا التضعيف من الادلة التاريخية التي تتوافر له، من ذلك مثلا ما جاء في ترجمة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها (1): " أبو الحسن المدائني، عن يزيد بن عياض، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: دخل عيينة بن حصن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعنده عائشة وذلك قبل أن يضرب الحجاب فقال: من هذه الحميراء يا رسول الله..الحديث " حيث علق الذهبي بقوله: " هذا حديث مرسل، ويزيد متروك، وما أسلم عيينة إلا بعد نزول الحجاب "، ثم أفاض في نقد الحديث وكان يكفيه بعض من هذا لرد الحديث.
ب نقد المتن: وهو الذي يقوم على نقد متن الرواية وتحليلها وعرضها على الوقائع التي هي أقوى منها، ومعارضتها بها، ودراسة لغة الخبر وغيرها، واستخدام جميع الوسائل المتاحة للناقد التي تثبت دعواه.
وقد عني الامام الذهبي في هذا
النوع من النقد عناية بالغة في هذا الكتاب، فرد مئات الروايات وأبطلها بنقده المتين وأسلوبه العلمي المتزن الذي ينبئ عن غزارة علم ونبالة قصد، وقدرة فائقة، وسعة اطلاع.
فمن ذلك مثلا تعليقه على الخبر الذي يشير إلى أن العباس بن عبد المطلب أسلم قبل بدر وأنه طلب القدوم إلى المدينة وأن
__________
(1) السير: 2 / الترجمة: 19.

(1/126)


الرسول صلى الله عليه وسلم طلب منه البقاء فأقام بأمره، بقوله: " ولو جرى هذا لما طلب من العباس فداء يوم بدر " (1).
ومن ذلك حكاية عن عائشة: " فخرت بمال أبي في الجاهلية وكان ألف ألف أوقية..الحكاية "، قال: وإسنادها فيه لين.
واعتقد لفظة ألف الواحدة باطلة، فإنه يكون أربعين ألف درهم، وفي ذلك مفخر لرجل تاجر، وقد أنفق ماله في ذات الله.
ولما هاجر كان قد بقي معه ستة آلاف درهم فأخذها صحبته، أما ألف ألف أوقية فلا تجتمع إلا لسلطان كبير " (2).
ومثل هذا كثير في كتابه وهو أمر يدحض رأي من قال: إن المحدثين قصروا نقدهم على إسناد الحديث ولم ينظروا إلى متنه.
3 - التعصب والانصاف في النقد: كان من منهج الذهبي نقل آراء الموافقين والمخالفين في المترجم ليقدم صورة كاملة عنه، وهو طابع عام في كتابه تجده في كل ترجمة من تراجمه، بينما اقتصر آخرون على إيراد المدائح في كتبهم مثل السبكي " ت 771 ه " وغيره.
كما أن الذهبي عني بترجمة عدد كبير من المعاصرين له ولا سيما في معجمه الكبير، ومعجمه المختص بالمحدثين، ولا ريب أنه نقد بعضهم، فلم يعجبهم ذلك، وتأذى البعض منهم، وغضب غضبا شديدا مثل شمس الدين محمد بن أحمد بن بصخان المقرئ المتوفى سنة 743 ه الذي ترجم
له الذهبي، وأورد بعض ما فيه من القدح.
فكتب ابن بصخان هذا بخط غليظ على الصفحة التي بخط الذهبي كلاما أقذع فيه بحق الذهبي بحيث صار خط الذهبي لا يقرأ غالبه (3).
__________
(1) السير: 2 / الترجمة: 11.
(2) السير: 2 / الترجمة: 19.
(3) السخاوي: " الاعلان " ص 470، وانظر الذهبي: " معجم الشيوخ " م 2 الورقة 31 30.

(1/127)


وقد عرفنا من حياة الذهبي أنه رافق الحنابلة، وتأثر بشيخه ابن تيمية لا سيما في العقائد، فكان شافعي الفروع، حنبلي الاصول، ولذلك عني عند النقد بإيراد العقائد على طريقة أهل الحديث، وعدها جزءا منه كما بينا قبل قليل.
ووجدنا في البيئة الدمشقية في الوقت نفسه من يتعصب للاشاعرة غاية التعصب.
وبسبب العقائد انتقد الذهبي من بعض معاصريه لا سيما تلميذه تاج الدين عبد الوهاب السبكي " 728 - 771 ه " (1) في غير موضع من كتابه " طبقات الشافعية الكبرى " (2) وفي كتابه الآخر " معيد النعم " (3)، فقال في ترجمته من الطبقات: " وكان شيخنا - والحق أحق ما قيل، والصدق أولى ما آثره ذو السبيل شديد الميل إلى آراء الحنابلة، كثير الازدراء بأهل السنة، الذين إذا حضروا كان أبو الحسن الاشعري فيهم مقدم القافلة، فلذلك لا ينصفهم في التراجم، ولا يصفهم بخير إلا وقد رغم منه أنف الراغم.
صنف التاريخ الكبير، وما أحسنه لولا تعصب فيه، وأكمله لولا نقص فيه وأي نقص يعتريه " (4) وقال في ترجمة أحمد بن صالح المصري من الطبقات أيضا: " وأما
تاريخ شيخنا الذهبي غفر الله له، فإنه على حسنه وجمعه مشحون بالتعصب المفرط لا واخذه الله، فلقد أكثر الوقيعة في أهل الدين أعني الفقراء الذين هم
__________
(1) اتصل السبكي بالذهبي سنة 739 ه ولم يبلغ آنذاك اثني عشر عاما، ولازمه، فكان يذهب إليه في كل يوم مرتين، وقد ترجم له الذهبي في " معجمه المختص " انظر مقدمة " طبقات الشاقعية ".
(2) انظر مثلا 2 / 13 فما بعد، 3 / 299، 353 352، 356، 4 / 33، 133، 147، 9 / 104 103 وغيرها.
(3) " معيد النعم "، ص 74، 77.
(4) 2 / 22.

(1/128)


صفوة الخلق، واستطال بلسانه على أئمة الشافعيين والحنفيين، ومال فأفرط على الاشاعرة، ومدح فزاد في المجسمة، هذا وهو الحافظ المدره، والامام المبجل، فما ظنك بعوام المؤرخين " (1).
وذكر في موضع آخر أنه نقل من خط صلاح الدين خليل بن كيلكلدي العلائي " 761 694 ه "، وهو من تلاميذ الذهبي والمتصلين به (2)، أنه قال ما نصه: " الشيخ الحافظ شمس الدين الذهبي لا أشك في دينه وورعه وتحريه فيما يقوله الناس، ولكنه غلب عليه مذهب الاثبات، ومنافرة التأويل، والغفلة عن التنزيه، حتى أثر ذلك في طبعه انحرافا شديدا عن أهل التنزيه، وميلا قويا إلى أهل الاثبات، فإذا ترجم لواحد منهم يطنب في وصفه بجميع ما قيل فيه من المحاسن، ويبالغ في وصفه، ويتغافل عن غلطاته ويتأول له ما أمكن، وإذا ذكر أحدا من الطرف الآخر كإمام الحرمين والغزالي ونحو هما لا يبالغ في وصفه، ويكثر من قول من طعن فيه، ويعيد ذلك ويبديه، يعتقده دينا، وهو لا يشعر، ويعرض عن
محاسنهم الطافحة، فلا يستوعبها، وإذا ظفر لاحد منهم بغلطة، ذكرها.
وكذلك فعله في أهل عصرنا، إذا لم يقدر على أحد منهم بتصريح يقول في ترجمته: والله يصلحه، ونحو ذلك وسببه المخالفة في العقائد " (3).
ثم ذكر السبكى أن الحال أزيد مما وصف العلائي، ثم قال: " والذي أدركنا عليه المشايخ النهي عن النظر في كلامه، وعدم اعتبار قوله، ولم يكن يستجرئ أن يظهر كتبه التاريخية إلا لمن يغلب على ظنه أنه لا ينقل عنه ما يعاب عليه " (4)
__________
(1) 9 / 104 103.
(2) ابن حجر: " الدرر " 2 / 179 - 182.
(3) " الطبقات " 2 / 13.
(4) نفسه 2 / 14 13.
سير 1 / 9

(1/129)


وبالغ السبكي بعد ذلك، فقال: " إن الذهبي متقصد في ذلك، وأنه كان يغضب عند ترجمته لواحد من علماء الحنيفية والمالكية والشافعية غضبا شديدا، ثم يقرطم الكلام ويمزقه، ثم هو مع ذلك غير خبير بمدلولات الالفاظ كما ينبغي، فربما ذكر لفظة من الذم لو عقل معناها، لما نطق بها " (1).
وقد أثارت انتقادات السبكي هذه نقاشا بين المؤرخين، فرد عليه السخاوي " ت 902 - ه " حيث اتهم السبكي بالتعصب الزائد للاشاعرة، ونقل قول عز الدين الكناني " ت 819 ه " في السبكي: " هو رجل قليل الادب، عديم الانصاف، جاهل بأهل السنة ورتبهم (2).
وقال يوسف بن عبد الهادي " ت 909 ه " في معجم الشافعية: " وكلامه هذا في حق الذهبي غير مقبول فإن الذهبي.
كان أجل من أن يقول ما لا
حقيقة له..والانكار عليه أشد من الانكار على الذهبي لا سيما وهو شيخه وأستاذه فما كان ينبغي له أن يفرط فيه هذا الافراط (3) ".
والحق أن السبكي أشعري جلد متعصب غاية التعصب، ولا أدل على ذلك من شتيمته المقذعة في حق الذهبي في ترجمة أبي الحسن الاشعري من الطبقات، فقد سف بها إسفافا كثيرا بسبب عدم قيام الذهبي بترجمته ترجمة طويلة في " تاريخ الاسلام " ولانه اكتفى بإحالة القارئ إلى كتاب " تبيين كذب المفتري " لابن عساكر، فعد ذلك نقيصة كبيرة في حق الاشعري (4).
وقد قرأ
__________
(1) نفسه 2 / 14.
(2) " الاعلان " ص 469 فما بعد.
(3) " معجم الشافعية "، الورقة 48 47 (ظاهرية).
(4) الذهبي: " تاريخ الاسلام "، الورقة 133 132 (أحمد الثالث 2917 / 9).
وقد وصف الذهبي الاشعري بأحسن الاوصاف، وذكر تصانيفه: وقال " من نظر في هذه الكتب عرف محله، ومن أراد أن يتبحر في معرفة الاشعري، فليطالع كتاب تبيين كذب المفتري..".

(1/130)


السخاوي بخطه تجاه ترجمة سلامة الصياد المنبجي الزاهد ما نصه: " يا مسلم استحي من الله، كم تجازف، وكم تضع من أهل السنة الذين هم الاشعرية، ومتى كانت الحنابلة، وهل ارتفع للحنابلة قط رأس " (1).
ومع ذلك فإن هذه القضية جديرة بالدرس لانها توضح أهمية كتاب الذهبي من جهة، ومنهجه ومدى عدالته في النقد والتحري من جهة أخرى.
ولقد أبانت دراستنا لتاريخ الاسلام أن الذهبي قد وفق إلى أن يكون منصفا إلى درجة غير قليلة في نقده لكثير من الناس، وما رأينا عنده تفريقا كبيرا بين علماء المذاهب الاربعة، وما كان يرضى الكلام بغير حق ولا حتى نقله في
بعض الاحيان، قال في ترجمة الحسن بن زياد اللؤلؤي الفقيه الحنفي " قد ساق في ترجمة هذا أبو بكر الخطيب أشياء لا ينبغي لي ذكرها (2) " وقال في ترجمة ابن الحريري الدمشقي الحنفي " ت 728 ": " قاضي القضاة علامة المذهب ذو العلم والعمل (3) وقوله في قاضي الحنفية شمس الدين الاذرعي " ت 673 ": " لم يخلف بعده مثله " (4) وترجم لابي جعفر الطحاوي ترجمة رائقة، ودلل على سعة معرفته وفضله وعلمه الجم (5) وقال في ترجمة عماد الدين الجابري الحنفي المتوفى سنة 584 ه من " السير ": " شيخ الحنفية نعمان الزمان " (6)، وقال في ترجمة المرغيناني الحنفي: " كان من أوعية العلم " (7)
__________
(1) " طبقات "، 3 / 352 - 353.
(2) الورقة 18 (أيا صوفيا 3007).
(3) " معجم الشيوخ " م 2 الورقة 51 (4) الورقة 18 (أيا صوفيا 3014).
(5) الورقة 114 (أحمد الثالث 2917 / 9).
(6) سير أعلام النبلاء 21 / الترجمة: 82.
(7) (نفسه 21 / الترجمة 115 وانظر أمثلة أخرى في التراجم: 3، 36، 114 من المجلد المذكور.

(1/131)


وهذا هو منهجه في معظم الحنفية لم نره تكلم في أحدهم بسبب المذهب، لا من الشافعية ولا المالكية، ولا الحنفية.
ولو قال السبكي: إنه كان يتعصب على الاشاعرة حسب، لوجد بعض الآذان الصاغية، ولبحث له المؤيدون عن بضعة نصوص قد تؤيد رأيه، علما أني بحثت في " تاريخ الاسلام " " وسير أعلام النبلاء " وغيرهما فلم أسنتطع أن
أحصل على مثل يصلح أن يسمى انتقادا لاشعري.
نعم قد نجد بعض تقصير في تراجم قسم من الاشاعرة.
وفي هذا المجال صرت أشعر أن سبب قصر بعض تراجم الاشاعرة، قد جاء من عدم قيام الذهبي بنقل آراء المخالفين بتوسع حبا منه للعافية، كما في ترجمة أبي الحسن الاشعري الذي لم يأت الذهبي بكلمة نقد فيه مع أن الاشعري قضى القسم الاكبر من حياته معتزليا، ونحن نعرف موقف الذهبي من المعتزلة.
والواقع أن الذهبي ما بخس فضل هذا الرجل إلى درجة أنه عده مجددا في أصول الدين على رأس المئة الرابعة (1) أما كلام الذهبي في الصوفية، فصحيح ما قاله السبكي، ولكن في النادر منهم، وهذا رأي ارتآه الذهبي، واعتقد فيه وآمن به، فقد ميز بين طائفتين منهم.
أولا هما: كانت متمسكة بالدين القويم، متبعة للسنة، احترمهم الذهبي الاحترام كله، بل لبس هو خرقة التصوف من الشيخ ضياء الدين عيسى بن يحيى الانصاري السبتي عند رحلته إلى مصر (2)، وكان يعتقد ببعض كرامات كبار الزهاد، ويعنى بإيرادها في كتابه، بل يكثر منها عادة (3)، ويورد بعض
__________
(1) تفسير للحديث الشريف " يبعث الله من يجدد..الحديث " وقد فسر الذهبي " من " لصيغة الجمع.
انظر السبكي " طبقات " 3 / 26.
(2) تاريخ الاسلام، الورقة 126 (أيا صوفيا 3012).
(3) انظر تاريخ الاسلام مثلا الورقة 6، 18، 20، 100، 175 (أحمد الثالث 2917 / 9).

(1/132)


أقوالهم وحكاياتهم في الزهد والمحبة فيه (1).
أما الثانية: فقد عدهم الذهبي مارقين عن الدين، مشعوذين، بهم مس من الجنون، ومنهم الاحمدية (2) أتباع الشيخ أحمد الرفاعي، والقلندرية (3)
وشيخها جمال الدين محمد الساوجي فقد ذكر ترهاته وانغشاش الناس به، وبحاله الشيطاني (4)، ووصف بعض أحوالهم في ترجمة يوسف القميني " ت 657 ه " فقال: " وكان يأوي إلى قمين حمام نور الدين، ولما توفي، شيعه خلق لا يحصون من العامة، وقد بصرنا الله تعالى وله الحمد وعرفنا هذا النموذج..فقد عم البلاء في الخلق بهذا الضرب..ومن هذا الاحوال الشيطانية التي تضل العامة: أكل الحيات ودخول النار، والمشي في الهواء ممن يتعانى المعاصي، ويخل بالواجبات.
وقد يجئ الجاهل، فيقول: اسكت، لا تتكلم في أولياء الله، ولم يشعر أنه هو الذي تكلم في أولياء الله، وأهانهم إذ أدخل فيهم هؤلاء الاوباش المجانين أولياء الشيطان (5) ".
ولم يكن الذهبي متعصبا للحنابلة بالمعنى الذي صوره السبكي، فالرجل كان محدثا يحب أهل الحديث، ويحترمهم، إلا أن هذا لم يمنعه من تناول مساوئ بعضهم، فقد نقل عن الامام ابن خزيمة في ترجمة الطبري المؤرخ قوله: " ما أعلم على أديم الارض أعلم من محمد بن جرير، ولقد ظلمته
__________
(1) تاريخ الاسلام، ؟ ؟ الورقة 15، 20، 26، 123، 155، 166، 154، 187، 202، 215، 237 (أحمد الثالث 2917 / 9)، وسير أعلام النبلاء، مثلا: 21 / التراجم: 89، 93، 106، 132..الخ.
(2) " معجم الشيوخ " م 1 الورقة 40 علما بأنه ترجم في " السير " للرفاعي ترجمة رائعة ووصفه بأنه " الامام القدوة العابد الزاهد شيخ العارفين " 21 / الترجمة 26.
(3) القلندرية: المحلقون أي الذي يحلقون رؤوسهم ولحاهم.
(4) الورقة 104 (أيا صوفيا 3012).
(5) الورقة 174 (أيا صوفيا 3013).
وقمين الحمام: أتونه.

(1/133)


الحنابلة "، ثم قال الذهبي معقبا: " كان محمد بن جرير ممن لا تأخذه في الله لومة لائم مع عظيم ما يلحقه من الاذى والشناعات من جاهل وحاسد وملحد (1) ".
وقال في ترجمة عبدالساتر ابن عبد الحميد تقي الدين الحنبلي المتوفى سنة 679 ه: " ومهر في المذهب.
وقال من سمع منه لانه كان فيه زعارة، وكان فيه غلو في السنة، ومنابذة للمتكلمين ومبالغة في اتباع النصوص..وهو فكان حنبليا خشنا متحرقا على الاشعري..كثير الدعاوى قليل العلم (2) ".
ومع ما كان للذهبي من إعجاب بشيخه ابن تيمية فإنه أخذ عليه " تغليظه وفظاظته وفجاجة عبارته وتوبيخه الاليم المبكي المنكي المثير النفوس (3) " كما أخذ عليه " الكبر والعجب وفرط الغرام في رياسة المشيخة والازدراء بالكبار (4) ".
وقد رأى في بعض فتاويه انفرادا عن الامة، قال: " وقد انفرد بفتاوى نيل من عرضه لاجلها، وهي مغمورة في بحر علمه فالله تعالى يسامحه ويرضى عنه فما رأيت مثله، وكل أحد من الامة فيؤخذ من قوله ويترك فكان ماذا (5) ؟ ".
وقد بلغ حرص الذهبي في النقد وشدة تحريه أنه تكلم في ابنه أبي هريرة عبد الرحمن فقال: إنه حفظ القرآن، ثم تشاغل عنه حتى نسيه (6).
ولست هنا في حال دفاع عن الرجل فكتاباته خير مدافع عنه، وهي
__________
(1) الورقة 45 (أحمد الثالث 2917 / 9).
(2) الورقة 66 (أيا صوفيا 3014).
(3) الورقة 332 من النسخة السابقة.
(4) " بيان زغل العلم " ص 18 17.
(5) " تذكرة الحفاظ " 4 / 1497.
(6) السخاوي: " الاعلان " ص 488.

(1/134)


الحكم في تقويمه، ولكنني أقول: إن تحقيق كثير من الانصا، وإن لم يكن كله، أمر له قيمته العظمى في كل عصر.

ثامنا أهمية كتاب السير:
السير ليس مختصرا لتاريخ الاسلام: ذكرنا عند الكلام على منهج " السير " أن الذهبي عني بذكر " الاعلام " وأسقط المشهورين، ولكن هذا لا يعني أن المؤلف استل جميع تراجم الاعلام من " تاريخ الاسلام " فذكرهم في هذا الكتاب وإن كان كل علم مذكور في هذا الكتاب قد تناوله المؤلف في " تاريخ الاسلام " تقريبا، فقد وجدنا بعد دراستنا للكتابين جملة فروق أساسية بينهما، إضافة لما ذكرنا، من أبرزها:
1 - أن المؤلف كتب تراجم الصدر الاول من " السير " بشكل يختلف اختلافا تاما عما كتبه في " تاريخ الاسلام "، فمعظم تراجم الصدر الاول هذه تراجم حافلة لا يمكن مقارنتها من حيث غزارة الاخبار، وجودة التنظيم بمثيلاتها في " تاريخ الاسلام "، والامثلة على ذلك كثيرة جدا يلمسها الباحث عند دراسته للكتابين المذكورين، واكتفي هنا بمثل واحد يدعم هذا الذي أذهب إليه: فقد ترجم الذهبي في " السير " لازواج النبي صلى الله عليه وسلم وبناته تراجم حافلة استغرقت عشرات الصفحات (1) مما لا نجد له مثيلا من حيث غزارة المادة والسعة في تاريخه حيث لم يذكر عنهن هناك إلا النزر اليسير.
2 - ألف الذهين مجموعة كبيرة من السير الخاصة بالرجال البارزين في تاريخ الاسلام وأفردها بمؤلفات مستقلة (2)، فلما ألف " سير أعلام النبلاء "
__________
(1) أنظر المجلد الثاني من " السير " وقارن تاريخ الاسلام: 2 / 419 414 (ط.
القدسي
الثانية).
(2) أنظر كتابي: الذهبي ومنهجه: 211 202.

(1/135)


أدخل معظم هذه المادة الواسعة في الكتاب الجديد، وقد أشار تلميذه الصلاح الصفدي إلى هذا الامر حينما قال: " وله في تراجم الاعيان لكل واحد مصنف قائم الذات..ولكنه أدخل الكل في تاريخ النبلاء " (1)، وهذه المادة لا نجد لها مثيلا من حيث السعة والدقة في تاريخه الكبير، والتراجم الموجودة في " السير " تشهد بذلك مثل تراجم: أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وعائشة، وسعيد بن المسيب، وابن حزم، وغيرها.
3 - وقد لاحظنا في الوقت نفسه أن إضافات الذهبي إلى تراجم " الاعلام " في الاقسام الوسطى والاخيرة من الكتاب قليلة عما ذكره في " تاريخ الاسلام " لكننا وجدنا أيضا استدراكات وتصحيحات وتصويبات ونقدات، فضلا عن إعادة صياغة الترجمة والانتقاء.
4 - ووجدنا الذهبي يضيف عناصر جديدة للترجمة في " السير " مما لم يذكره في " تاريخ الاسلام "، من ذلك مثلا عناية بذكر عدد الاحاديث التي رواها أصحاب الكتب المشهورة في الحديث للترجم، كالصحيحين والسنن الاربع ومسند بقي بن مخلد وغيرها نحو قوله في ترجمة أبي عبيدة ابن الجراح: " له في صحيح مسلم حديث واحد، وله في جامع أبي عيسى حديث، وفي مسند بقي له خمسة عشر حديثا "، وقوله في ترجمة سعد بن أبي وقاص: " وله في الصحيحين خمسة عشر حديثا، وانفرد له البخاري بخمسة أحاديث، ومسلم بثمانية عشر حديثا..وقع له في مسند بقي بن مخلد مئتان وسبعون حديثا "، وقوله في ترجمة عبد الله بن مسعود: " اتفقا له في
الصحيحين على أربعة وستين، وانفرد له البخاري بإخراج أحد وعشرين
__________
(1) الوافي: 2 / 163.

(1/136)


حديثا، ومسلم بإخراج خمسة وثلاثين حديثا، وله عند بقي بالمكرر ثمان مئة وأربعون حديثا "، وهلم جرا، وقلما ترك أحدا من رواة الحديث من غير الاشارة إلى ذلك، وهذه الاضافات، فضلا عن عدم ورودها في " تاريخ الاسلام "، فإنها ثروة كبيرة مضافة يعرف حق قدرها الفضلاء المتخصصون، وهي تدل على اطلاع عظيم وتدقيق كبير (1).
5 - يضاف إلى كل الذي ذكرت أن الذهبي قد ألف " السير " بعد " تاريخ الاسلام " بل بعد تأليف عدد من كتبه الاخرى، وهو أمر يؤدي إلى ميزتين رئيستين: أولاهما الاضافات الجديدة وإعادة التنظيم، وثانيتهما تشير إلى أنه أعاد النظر في المادة المقدمة طيلة تلك المدة فذكرها بعد أن زادها تحقيقا وتمحيصا وأنها تمثل الشكل الذي ارتضاه في أواخر حياته العلمية الحافلة بجلائل المؤلفات.

أهميته في تاريخ الحركة الفكرية:
وكتاب " السير " من أضخم مؤلفات، الامام الذهبي بعد كتابه العظيم " تاريخ الاسلام "، وقد حصر مادة ضخمة في تراجم الاعلام لمدة امتدت قرابة السبع مئة سنة فضلا عن التوازن في نطاقه المكاني الذي شمل جميع الرقعة الواسعة التي امتد إليها الاسلام من الاندلس غربا إلى أقصى المشرق، وفي الشمول النوعي للمترجمين في كل ناحية من نواحي الحياة وعدم اقتصاره على فئة أو فئات معينة منهم، بحيث صار واحدا من الكتب التي يقل نظيرها ويعز وجودها في تاريخ الحركة الفكرية العربية الاسلامية، ونتيجة لذلك
__________
(1) أنظر أمثلة من ذلك في " السير ": 2 / التراجم: 1، 2، 4، 11، 19، 20، 21، 23، 24، 25، 26، 27..إلخ.

(1/137)


أصبح الكتاب مصورا لجوانب كثيرة من الحركة الفكرية وتطورها عبر سبع مئة سنة، لان الانسان هو العنصر الحاسم في هذه الحركة، وبه تتحدد مميزاتها وسماتها، ويؤثر تكوينه الفكري على تطورها سلبا أو إيجابا.

أهميته في دارسة المجتمع:
ولما كان الكتاب قد اقتصر على التراجم، فإنه أشار إلى اتجاه الذهبي وجملة كبيرة من المؤرخين المسلمين نحو تخليد المبرزين في المجتمع، ولذا فهو في غاية الاهمية لدارسة أحوال المجتمع الاسلامي، ومنها الاصول الاجتماعية والاقتصادية لمن عرفوا في التاريخ الاسلامي باسم " العلماء ".
ودراسة مثل هذه الكتب تشير إلى إنعدام الطبقية بين المتعلمين، وأن تقدير الانسان إنما يكون وفق مقاييس راقية أبرزها علمه ومعرفته ودرايته التي تجعله في مكانة بارزة بين الناس، وهي موازين على غاية من الرقي الانساني.
وقد جربنا المؤلف وهو يمدح فقيرا ويذم غنيا، ويثني على عبد أسود، ويتكلم في سيد كبير.
وقد أبانت دراستنا لهذا الكتاب أن الغالبية العظمى من هؤلاء " العلماء " قد ظهرت من بين عوائل الحرفيين والمغمورين والمعدمين، تدل على ذلك انتساباتهم التي ذكرها المؤلف، وهو أمر أتاحه الاسلام لكل متعلم حينما جعل طلب العلم من الضرورات، وحض عليه في غير ما مناسبة، كما تميزت الدراسات بحرية التفكير والابداع، وكانت متوفرة لكل واحد يطلبها متى أراد ومن غير كلفة، لانها كانت في الاغلب في بيوت الله، من مساجد وجوامع مما يستطيع كل مسلم دخولها، والافادة من الدروس التي تلقى فيها.
نقول هذا في الوقت الذي اقتصرت فيه النواحي العلمية ومحتويات كتب التراجم عند كثير من الامم ومنهم الاوربيون في هذه الاعصر على فئات معينة من الناس.

(1/138)


هذا التحقيق:
ومما يزيد في قيمة هذا الكتاب النفيس، ويعلي مكانته بين الكتب أن الله سبحانه قد يسر ظهوره بهيئة علمية رائعة، وصفة بارعة نافعة تسر كل محب للتراث، حريص عليه.
وهذا المجهود العلمي الجليل في أعسر فن من فنون التاريخ وهو فن التراجم لم يتحقق عبثا، فقد هيأ الله جل جلاله لتحقيق هذا الكتاب ونشره عوامل النجح كلها، إذ يسر له ناشرا فاضلا هو الاستاذ رضوان دعبول الذي وجد نفسه بحق صاحب رسالة في نشر العلم النافع من عيون التراث العربي الاسلامي.
وقد وجدت الرجل يبذل ماله ويسخر كل قدراته لهذا الغرض النبيل، ويركب الصعب والذلول، فيقدم على مشروع أقل ما يقال فيه: إنه أعجز جامعة الدول العربية التي أرادت نشر هذا الكتاب منذ ثلاثين عاما ولم تخرج منه غير نزر يسير شوهه التصحيف والتحريف وأقل قيمته ونفعه كثرة السقط حتى انعدمت فائدته أو كادت، فضلا عن توقفها عن إتمامه، وعجزها فيه.
وحين أزمع هذا الفاضل على تحقيق " السير " وفر له سبل التوفيق والنجاح على أحسن موفر بأن نذب إلى الاشتغال فيه عددا من المحققين البارعين الكفاة، أجزل لهم العطاة، وحفظ حقوقهم كافة، وهيأ لهم مستلزمات التحقيق الدقيق: من نسخ موثقة، ومصادر مكدسة في متناول أيديهم، فضلا
عن بذل المال الوافر في الطباعة الانيقة الدقيقة والورق الفاخر، والصناعة المتقنة.
ثم توج عمله، وركب جدة من الامر بأن ندب لمراجعة الكتاب والاشراف على تحقيقه، وإصلاح ما قد يطرأ عليه من الغلط عالما برع

(1/139)


أصحابه في علمه، متأبها عن الشهرة، قديرا على تذليل الصعب، فطينا لايضاح المبهم، كفيا بتيسير العسير، هو الاستاذ المحدث الشيخ شعيب الارنؤوط.
وقد عرفت لهذا العالم القدير فضله الكبير على هذا السفر النفيس آثر ذي أثير حين اشترط أن يقام التحقيق على أفضل قواعده، لانه وصاحبه، ليسا ممن يؤثرون العاجل ويذرون الآجل.
وشاهدته وهو يمسك أصل النسخة الخطية والمحقق يقرأ عليه عمله وهو لا يسهو ولا يغفل لحظة يبين المبهم، ويوضح الخفي، ويصرف الوقت الطويل الثمين في تدقيق لفظ، أو ضبط حركة، ويعيد ذلك ويبديه، ويعده أمانة وديانة، يشد به أزر المحققين، فضلا عن قيامه بتخريج جميع الاحاديث والآثار الواردة في الكتاب وهي بليغة الكثرة وفق الاصول والقواعد المتبعة في علم المصطلح، وهو اليوم فارس هذا الميدان الخطير الذي ضرب آباطه ومغابنه، واستشف بواطنه.
ولست هنا في حال ذكر ما عليه تحقيق الكتاب من تجود في الصنعة، وبراعة واتقان تمثلت في العناية الفائقة بتديق المقابلة، وتنظيم النص، ووضع النقط، والفواصل، والاقواس المتنوعة، وضبط كثير من الالفاظ التي يتعين ضبطها، والاشارة إلى مناجم الكتاب بمقابلة نصوصه وأخباره على الموارد التي استقى منها المؤلف، وتخريج التراجم على أمهات الكتب
المعنية بها، وتخريج الاحاديث والآثار وبيان درجتها من الصحة والسقم، وغيره مما يطول ذكره وتعداده، فإن العمل الذي بين يدي القارئ هو المنبئ بكل ذلك [ وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون ] (التوبة: 105) كتبه الدكتور بشار عواد معروف

(1/140)


مقدمة التحقيق بقلم الشيخ شعيب الارنؤوط

(1/141)


بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد فإن هذا السفر العظيم الذي نقدمه للقراء يعد من أعظم كتب التراجم التي انتهت إلينا من تراث الاقدمين ترتيبا وتنقيحا، وتؤثقا وإحكاما، وإحاطة وشمولا، فهو يبين عن سعة اطلاع المؤلف رحمه الله على كل ما سبقه من تواليف في موضوعه، ودراية تامة بأحوال المترجمين، وبكل ما قيل في حقهم، وقدرة بارعة على غربلة الاخبار وتمحيصها وتنقيدها، وبيان حالها.
ويتميز عن غيره من الكتب التي ألفت في بابه أنه أول كتاب عام للتراجم في تراثنا، تناول جميع العصور التي سبقت عصر المؤلف، واشتملت
تراجمه على الاعلام المختارة من جميع العالم الاسلامي من شرقه إلى غربه، ولم يقتصر على نوع معين من الاعلام، بل تنوعت تراجمه، فشملت كل فئات الناس من الخلفاء والملوك، والامراء والوزراء، والقضاة والقراء، والمحدثين والفقهاء، والادباء واللغويين، والنحاة والشعراء، والزهاد والفلاسفة والمتكلمين، إلا أنه آثر المحدثين على غيرهم، فإنه كان عظيم الاكبار لهم، شديد الكلف بهم.

(1/143)


وقد ترجم فيه للاعلام النبلاء من بداية الاسلام إلى سنة (700 ه) تقريبا، وكسره على خمس وثلاثين طبقة (1)، كل طبقة تستوعب عشرين سنة، تقريبا وأفراد المجلدين الاول والثاني للسيرة النبوية الشريفة، وسير الخلفاء الراشدين، ولكنه لم يعد صياغتهما، وإنما أحال على كتابه العظيم " تاريخ الاسلام " لتؤخذ منه، وتضم إلى السير، كما سنوضحه فيما بعد.
والمنهج العام الذي اتبعه الذهبي في الترجمة هو أنه يذكر اسم المترجم ونسبه ولقبه وكنيته ونسبته، ثم يذكر تاريخ مولده (2)، وأحوال نشأته ودراسته، وأوجه نشاطه، والمجال الذي اختص به، وأبدع فيه، والشيوخ الذين التقى بهم، وروى عنهم، وأفاد منهم، والتلاميذ الذين أخذوا عنه، وانتفعوا، بعلمه، وتخرجوا به، وآثاره العلمية، أو الادبية، أو الاجتماعية، ثم يبين منزلته من خلال أقاويل العلماء الثقات فيه معتمدا في ذلك على أوثق المصادر ذات الصلة الوثيقة بالمترجم، ثم يذكر تاريخ وفاته، ويدقق في ذلك تدقيقا بارعا، وربما رحح قولا على آخر عند اختلاف المؤرخين (3).
وقد نثر غير ما حديث في تراجم المحدثين مما وقع له من طريقهم بإسناد عال موافقة أو بدلا أو مساواة.
وهو على الاغلب يراعي في طول الترجمة أو قصرها قيمة المترجم
__________
(1) هذا إذا كان المجلد الرابع عشر ذيلا للكتاب.
وأما إذا كان من أصل الكتاب، وهو الذي رجحه الدكتور بشار عواد في تقديمه لهذا الكتاب فتكون أربعين طبقة.
(2) عني المؤلف بذكر تاريخ الولادة لما لذلك من أهمية في الاطمئنان على لقاء المترجم لمشايخه، وسماعاته عليهم، ويذكر أحيانا عمر المترجم إذا لم يذكر تاريخ مولده وذلك في نهاية الترجمة.
(3) وقد يجد القارئ في بعض التراجم اختلافا طفيفا عما ذكرناه من المحتويات والتنظيم، وغير خاف أن طبيعة المترجم هي التي تحدد نوعية الاخبار، فقد عني الذهبي مثلا بإيراد أعمال الخلفاء والملوك والامراء والولاة في تراجمهم، وأورد نماذج من شعر الشعراء، ومختارات من نثر الادباء.

(1/144)


وشهرته بين أهل علمه، أو منزلته بين الذين هم من بابته، سواء أكان موافقا له في المعتقد أو مخالفا، وربما تخلص من المادة الضخمة التي تحصلت له عن بعض المترجمين الاعلام بإحالة القارئ إلى مصادر أوسع تناولته بتفصيل أكثر.
وقد اتسم الذهبي رحمه الله بالجرأة النادرة التي جعلته ينتقد كبار العلماء والمؤرخين، وينبه على أوهامهم التي وقعت لهم فيما أثر عنهم بأسلوب علمي متزن ينبئ عن غزارة علم، ونبالة قصد، وقدرة فائقة في النقد، والامثلة على ذلك كثيرة تجدها مبثوثة في تضاعيف هذا الكتاب.
ولما كان الذهبي قد استوعت في " تاريخ الاسلام " فئتين من المترجمين: المشهورين، والاعلام، فقد اقتصر في كتابه هذا على تراجم الاعلام النبلاء، إلا أنه قد يذكر في نهاية بعض التراجم غير واحد من المشهورين للتعريف بهم
على سبيل الاختصار، وتحديد وفياتهم.
وقد يضطره اتفاق اسم أحد المشهورين باسم أحد الاعلام الذي يترجمه إلى ترجمة المشهور عقبه للتمييز.
وكثيرا ما جمع بعض الاسر المتقاربين في الطبقة في مكان واحد وإن لم يكونوا من تلك الطبقة، فهو يترجم لاخوة المترجم وأولاده ومن يلوذ به.
وكتاب " سير أعلام النبلاء " وإن كان قد استل من " تاريخ الاسلام " فقد ألفه بعده، وأضاف إليه أخبارا كثيرة لا وجود لها في " التاريخ "، وتناول أشياء بالنقد والتحقيق لم يتعرض لها في " تاريخه "، وصياغة الترجمة فيه تختلف في كثير من الاحيان عما عرضه في " تاريخ الاسلام ".
وإن هذا الكتاب القيم بما تضمنه من مزايا يندر أن توجد في غيره من بابته سير 1 / 10

(1/145)