صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي
المؤلف : العصامي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

ثم توجه مولانا القاضي الحسين توجهاً تاماً إلى تكميل عمل ما بقي من العين باعتبار ما بيده من النظر، وعرض للسلطنة الشريفة بوفاة قاسم بك فبرزت الأوامر إلى حضرته الشريفة فأقدم بهمته العالية أتم إقدام، فساعدته السعادة والإقبال على الإتمام، فكمل عملها فيما دون خمسة أشهر، بعد أن عجزوا عنه في قريب من عشرة أعوام، فجرت عين عرفات ووصل الماء، وهو يجري في تلك الدبول والقنوات إلى أن دخل مكة لعشر بقين من ذي القعدة الحرام سنة 979 تسع وسبعين وتسعمائة، وكان ذلك اليوم يوم عيد أكبر عند الناس، وعمل في ذلك اليوم أسمطة بالأبطح ببستانه الواسع الأفيح، جمع الأكابر والأعيان، ونصب لهم السرادقات والصوان، وذبح أكثر من مائة من الغنم، وقدم للناس على قدر طبقاتهم أنواع الموائد والنعم، وخلع على أكثر من عشرة أنفس من المعلمين والمهندسين خلعاً فاخرة، وأحسن إلى باقيهم بالحسنات الوافرة.
ومما رأيته بخط جدي العلامة جمال الدين بن إسماعيل العصامي ما نصُّه: لما أكمل مولانا وعزيزنا شيخ الإسلام والمسلمين ناظر النظار ببلد الله الأمين مولانا السيد الشريف القاضي الحسين بن أحمد المالكي عمارة عين عرفات كتبت إليه قولى: من مخلع البسيط:
أَقضَى القُضَاةِ الحسينُ أَغنَى ... مكانَ أُم القرَي بِعَينه
وجاءَ بالعَينِ بَعدَ يَأسِ ... فَشكرُهُ وَاجِب لِعَينِه
ففتح لقبولهما كل باب، وأعجب به غاية الإعجاب.
قلت: يمكن أن يقصد فيه التورية فيراد بقوله: لعينه الذهب، ويرشحه قوله: أغنى، إلى آخره.
وأن يراد بها الماء الجاري ويرشحه جاء بالعين بعد يأس.
وعندي: سلبهما من لباس التورية أشتر، وأذكى لشذى المدح وأعطر، بأن يكون المراد بالعين ذاته وشخصه، ليكون وجوب الشكر لذاته في كماله، لا لعارض يزول بزوا له.
ثم جهز أخبار هذه البشائر إلى السلطان سليم ابن السلطان سليمان خان، وإلى سرادقات الحجاب الرفيع مليكة الملكات بلقيس الزمان جانم سلطان أخت مولانا السلطان سليمان، فأنعمت بالإنعامات الجزيلة، والترقيات الكثيرة الجميلة على سائر العمالين والمباشرين والمتعاطين لهذه الخدمة، ورقت مدرسة مولانا القاضي حسين - وهي الأولى مما يلي باب الزبادة - فصارت بمائة عثماني.
واستمرت هذه العين من جملة الآثار الباقية على صفحات الليالي والأيام، والأعمال الصالحات الباقيات على تكرار السنين والأعوام.
وما عنده سبحانه من تضعيف الأجر والثواب، خير وأبقى عند أولي الألباب. وكان جملة النفقة خمسة لكوك وسبعة آلاف دينار ذهباً أحمر جديداً، وذلك غير ما صرف على إحضار أرباب الصناعات من الحدادين والحجارين والقطاعين والنجارين، وأهل الصناعات الدقيقة من البلاد البعيدة، وغير ما صرف على خدامها وخدامهم. وقد كانت عمارتها في آخر الدولة السلطانية السليمانية وفي أول الدولة السلطانية السليمية.
وكان له من الأولاد مصطفى وهو أكبرهم؛ توهم منه والده أمراً، فأمر بخنقه طائفةً من البكمان أواخر شوال سنة ستين وتسعمائة.
قال في بغية الخاطر للعلامة الكاتي: وفي سنة ستين وتسعمائة أمر السلطان سليم بقتل ولده مصطفى، وكان ذلك من مكر رستم باشا الوزير، فجاء تاريخ وفاته " مكر رستم " وقال آخر باللغة الفارسية: " ظلم بي حد در آخر " شوال لما ذكره لكاتي في تاريخه.
قلت: يريد أن لفظ لا حد له؛ أي لا نهاية؛ أي لا ميم فيبقى حرفان الظاء واللام وهما بتسعمائة وثلاثين، وآخر شوال اللام، وهي بثلاثين، فيتم العدد تسعمائة وستين وهي سنة وفاته، وهو آخر شوال، وهذا اتفاق عجيب يروق كل أديب.
وطفل اسمه مراد كذلك خنقه فألحقه بولده مصطفى.
وولده الثاني: محمد بن سليمان مات على فراشه مولدَه سنة ثمان وعشرين وتسعمائة، وولده الآخر بايزيد بن سليمان، فوقعت بينه وبين أخيه السلطان سليم محاربات قتل فيها نحو خمسين ألفاً.
ثم لما عجز عن محاربة أخيه السلطان سليم هرب هو وأولاده الأربعة وهم: أورخان ومحمود خان وعبد الله خان وعثمان، فظفر بهم السلطان سليم وأخذ أنفاسهم بالأوتار وما لهم من آثار.
وكان له ابن خامس طفل في بروسا فأمر بخنقه أيضاً فتبع والده وإخوته.

(2/328)


ومن أولاد سليمان: السلطان جهان كير، كان أحدب ظريفاً لطيف الروح خفيفاً، كان يحبه والده ولم يفارقه، توفي بأجله بمرض الخناق سنة965 خمس وستين وتسعمائة.
ومنهم السلطان شاه زاده بن سليمان توفي بأجله سنة 967 سبع وستين وتسعمائة.
وعدة غزواته الكبار المشهورة ثلاث عشرة غزوة السادسة، منها: غزوة العراق كانت أواخر ذي القعدة سنة 941 إحدى وأربعين وتسعمائة.
وأنشأ القاضي عبد اللطيف بن عبد الله باكثير عند ورود خبر النصرة في تلك الغزوة تاريخاً وضمنه بيتين هما: من المتقارب:
ولَماً أَحَلت ظِبَانا لَنَا ... دمَ الشاهِ واشتَحْكَمَتْ سَلْخَهُ
" فَتَحْناً العِرَاقَ " وذاً اللقظُ مِنْ ... لَطَافَتِهِ جَاءَ تَارِيْخَهُ
وكان عبد اللطيف المذكور سافر إلى الديار الرومية، واجتمع فيها بالسلطان سليمان خان بواسطة قاضي العسكر قادري أفندي فصادف قدومه إلى الروم توجه مولانا السلطان إلى حرب العجم، ثم ورد خبر النصرة - كما تقدم - فعمل ذينك البيتين وقدمهما إلى صاحبه قاضي العسكر قادري أفندي، فبعد ورود السلطان من السفر أشرفه على التاريخ وجمعه بقائله عبد اللطيف المذكور فنال منه مزيد الإكرام، وأنعم عليه بقضاء مكة المشرفة.
وكانت سلاطين مصر وغيرهم يعقدون ولاة منفردين على المذاهب الأربعة، وكان غالباً لا يقيم النواب إلا قاضي القضاة الشافعي، والباقون يتعاطون الأحكام ولا يقيمون نواباً، واستمر القاضي عبد اللطيف متولياً إلى أن عزل بأول قضاة الأروام من الحنفية وهو القاضي صدر الدين، فورد إلى مكة عام ثلاث وأربعين وتسعمائة، ومن حينئذ صار الأفندي الأعظم يرد من الجهات الرومية، ويعقد له الولاية من هناك، إلا أن القضاة كانوا يقيمون القاضي الشافعي والمالكي والحنفي والحنبلي بطريق النيابة.
ففي زمن الأفندي ميرزا مخدوم أقام عم جدي القاضي العلامة نور الدين على زاده ابن مولانا المرحوم إسماعيل العصامي قاضياً شافعياً، وأقام القاضي نجم الدين المالكي نائباً مالكياً، وأراد إقامة حنبلي فلم يتيسر ذلك لعدم وجود حنبلي يقوم بهذا الشأن.
وآخر من أقام ذلك بمكة الأفندي عبد الرحيم الشعراوي عام توليته لها عام خمس وثلاثين وألف.
ولما كان اليوم الثاني من استقراره في الملك جعل ديواناً وأنعم على الوزراء وأمرهم بترك شعار الحزن، ورقى العسكر في الجوامك على حسب مراتبهم وانتظم الحال.
وكان ملكاً صالحاً يترجم بالولاية كثير الخير والإحسان، للقاصي والدان.
وكانت مدة سلطنته ثماناً وأربعين سنة، وهي عديمة النظير، فيمن مضى من هذا البيت المنير.
واستقر بها إلى أن توفي سنة أربع وسبعين في سابع عشر صفر وهو في محاصرة العدو، فأخفى الوزير موته وأركان الدولة وأرسلوا أوراقاً إلى كوتاهية لمولانا لسلطان سليم - وبين المحلين نحو ثلاثة أشهر بسير الأثقال - فركب مولانا لسلطان سليم وجد في السير إلى بلاد اسطنبول، ودخلها في ثامن ربيع الأول سنة، 974 أربع وسبعين وتسعمائة.
وحمل السلطان سليمان إلى دار الخلافة ودفن في المحل الذي عمره في عمارته المذكورة، طاب ثراه.
ورثاه عالم زمانه أبو المسعود أفندي المفتي بقصيدة بليغة وهي هذه: من البسيط:
أَصَوْتُ صَاعِقَةٍ أَم نَفخَةُ الصُورِ ... فالأرضُ قَد قُلِبَتْ مِنْ نَفرِ نَاقُورِ
أَصَابَ مِنهاً الوَرَى دَهيَاءُ دَاهِيَة ... وذَاقَ مِنهاً البَرَاياً صَعقَةَ الصورِ
فَهُدمت بَيعَةُ الدُنيا لوَقعَتِهَا ... وانهَد ماً كَانَ مِن دُورِ ومِن سورِ
أَمسَت مَعَالمُهاً بَهمَاءَ مُقفِرَةً ... ماً فِي المَنَازِلِ مِنْ دَوَّار دَيورِ
تَهَدمَت قلَلُ الأَطْوَادِ وارتَعَدَت ... كَأَنهاً قَلب مَرعُوبٍ ومَذعورِ
واغْبَر نَاصِيَةُ الخَضرَاءِ وانكَدَرَت ... وَكَادَ تَمتَلِىُء الغَبراءُ بالمُورِ
فَمِن كَئِيبٍ ومَلهُوفٍ ومِنْ دَنِفٍ ... عَانٍ بِسِلسِلَةِ الأَحْزَانِ مَأسُورِ
فَياً لَهُ مِن حَدِيثٍ مُوحِشِ نكرٍ ... يَعَافُهُ السمعُ مَكرُوهٍ ومَنفُورِ

(2/329)


تَاهَتْ عُقُولُ الورَى مِن هَوْلِ وَحشَتِهِ ... فَأَصبَحُوا مِثلَ مَخْمُورٍ ومَسحُورِ
تَقَطعَت قِطَعاً مِنه القُلُوبُ فَلاَ ... يَكَادُ يُوجَدُ قَلبٌ غَيْرُ مَكسُورِ
أَجْفَانهُمْ سُفُن مَشْحُونَةْ بِدَم ... تَجرِيِ بِبَحْرٍ مِنَ العَبراتِ مَسجَورِ
أَتَى بِوَجْهِ نَهَارِ لاَ ضِيَاءَ لَهُ ... كَأَئها غُرةٌ شِيبَت بدَيْجُورِ
أَم ذَاكَ نَعيُ سُلَيمَانَ الزمانِ ومَن ... مَضَت أَوَامِرُهُ في كُل مَأمُورِ
حَقاً وَمَن مَلأَ الدنياً مَهَابَتُهُ ... وسَخرَت كُل جبارٍ وقيهورِ
مَدَارِ سَلطَنَةِ الدنياً ومَركَزِهَا ... خَلِيفَةِ اللهِ فِي الآفاقِ مَذكورِ
مُعْلِي مَعَالِمِ دِينِ اللهِ مُظْهِرهَا ... في العَالَمِينَ بِسَعي مِنْه مَشكورِ
وحُسْنِ رَأي إِلَى الخَيْرَاتِ مُنصَرِف ... وصِدقِ عَزم عَلَى الألطَافِ مَقْصُورِ
لآيَةِ العَدلِ والإِحسَانِ مُمتَثِلٌ ... بِغَايَةِ القِسطِ والإلطَافِ مَوقُورِ
مُجَاهِدٍ في سَبِيلِ اللهِ مُجتَهدٍ ... مُؤَيدٍ مِنْ جَنَابِ القُدْسِ مَنْصُورِ
بِلهذَمِي إِلَى الأعدَاءِ مُنعَطِفٍ ... ومشرَفي عَلَى الكُفَّارِ مَشهُورِ
وَرايَةٍ رُفِعَتْ للمَجدِ خَافِقَةٍ ... تَلوِي عَلَى عَلَمٍ بالنصرِ مَنشُورِ
وعَسكَرِ مَلأَ الآفَاقَ مُحتَشِدِ ... مِن كُل قُطرٍ مِنَ الأَقطَارِ مَحْشُورِ
لَهُ وَقَائعُ في الأكَنَافِ شَائِعَةَ ... أَخبَارُهاً زُبِرَت فِي كُل طَامُورِ
ياً نَفسُ ما لك في الدنياً مُخَلفَة ... مِن بَعدِ رِحلَتِهِ مِنْ هذه الدورِ
حق على كل نفسٍ أن تموتَ أسى ... لَكِن ذَلِكَ أَمر غَيرُ مَقدُورِ
فَلِلمَنَاياً مَقَادِير مُعَددَة ... تَأتِي عَلَى قَدَرٍ فِي اللَوح مَسطورِ
وَلَيسَ في شَأنِهاً للناسِ من أَثَرٍ ... ومَدخَلٍ ماً بِتَقدِيم وتَأْخِيرِ
ياً نَفَسُ فاثئِدي لاَ تَهلِكِي أَسَفاً ... فَأَنتِ مَنظُومَة في سِلكِ مَقدُورِ
إذ لَستِ مَأْمُورةَ بالمُستَحِيلِ وَلاَ ... بِماً سِوَى بَذلِ مَجهُودِ ومَيْسُورِ
ولاَ تَظُنينَهُ قَد مَاتَ بَل هُوَ ذَا ... حَيَّ بِنَص مِنَ القرآنِ مَزبُورِ
لَهُ نَعِيم وَأَرزَاق مُقَدرَة ... تَجرِي عَلَيه بِوَجه غَيرِ مَشعُورِ
إن المَنَاياً وإن عَمت مُحَرَمَة ... عَلَى شَهِيدِ جَمِيلِ الحَالِ مَبْرُورِ
مُرَابِطِ في سَبِيلِ اللهِ مُقتَحِم ... مَعَارِكَ الحَتفِ بِالرضوَانِ مَأجُورِ
ماً مَاتَ بَل نَالَ عَيشاً بَاقِياً أبداً ... عَن عَيشِ فَانٍ بِكُل الشر مَعمُورِ
إبتَاعَ سَلطَنَةَ العُقبَى بِسَلْطَنَةِ الد ... دُنياً فَأَعظِم بِرِبح غَيرِ مَحصُورِ
بَلْ حَازَ كِلتَيهِماً إذ حَل مَتزِلةَ ... مَن لَم يُغَايِرهُ فِي أَمرٍ ومَأمُور
أَماً تَرَى مُلكَهُ المَحمِي آل إِلَى ... سِر سَرِى له في الدَهرِ مَشهورِ
وَلي سَلطَنَةِ الآفاقِ مَالِكِهَا ... بَراً وبَحراً بعَين اللُطفِ مَنظُورِ
ظِل الإِلَهِ مَلاذِ الخلقِ قَاطِبَة ... ومُلتَجاً كُل مَشهُورِ ومَذكُورِ
فَإِنهُ عَينُهُ في كُل مَأثرَةٍ ... وَكُلِّ أَمرِ عَظِيمِ الشأنِ مَأثُورِ
وَلاَ امتِيَازَ وَلاَ فُرقَانَ بَينَهُمَا ... وَهَل يُمَيزُ بَين الشمسِ والنورِ
سَمَيدَع مَاجِد زَادَت مَهَابَتُهُ ... تَختَ الخلافةِ في عز وتَيقُورِ

(2/330)


جَد الجَدِيدانِ فِي أَيامِ دَولَتِهِ ... صَاراً كَآَنهُماً مِسكً بِكَافُورِ
أَضحَت بِقَبضَتِهِ الدنياً برُمتِهَا ... ماً كَانَ مِن مجهلٍ مِنهاً ومَعمُورِ
بَداً بِطَلعَتِهِ والناسُ في كَربٍ ... وسُوءِ حَالٍ مِنَ الأَحوالِ مَنكُورِ
فأَصبَحَت صَفَحَاتُ الأَرضِ مُشرِقَةً ... وعَادَ أَكنَافُهاً نُوراً عَلَى نُورِ
سُبحَانَ مِن مَلِكٍ حلت مَفَاخِرُهُ ... بَحرَ البَيَانِ بِمَنظُومِ ومَتثُورِ
كأنهاً ويَرَاعَ الوَاصِفِينَ لَهَا ... بَحر خَمِيس إِلَى مِنقَار عُصفُورِ
لاَ زَالَ أَحكَامهُ بالعَدلِ جَارِية ... بَين البَرِيةِ حَتى نَفخَةِ الصورِ
ثم تولى السلطان
سليم الثاني
ابن سليمان خان وجلس على سرير السلطنة في سنة أربع وسبعين وتسعمائة:
بويع بعد موت والده في التاريخ المذكور، فلما جلس على سرير السلطنة سار على نمط والده في العدل والإنصاف، ثم بادر في قيام شرائع الدين، فبنى جامعاً عظيماً بأربع منائر كاملة الإرتفاع بأدرنة، ومدرسة عظيمة للعلم بعمومه ومدرسة مفخمة برسم القراءات، وهو أول من عمر ذلك المحل المذكور، وعمر عمارة برسم الطعام للخاص والعام بمدينة قونية، وعمر خانات للمسافرين فيها كفاية النازلين بها مع دوابهم من الطعام والشراب، وأنشأ بلدة كاملة تعرف بقره نكار، وكانت خربة جميعها فحصل بها غاية النفع للمسلمين سيما المسافرين لأنها كانت معقلاً لقطاع الطريق الكسجية.
وله فتوحات عظيمة من أعظمها الأقطار اليمنية؛ لأنها في آخر الدولة السليمانية اختل أمرها وهجم أهلها الطاغون على أعظم مدنها وملكوه، بل سمعنا أنه لم يبق في الحماية العثمانية إلا مدينة زبيد فقط، فلما جلس مولانا صاحب الترجمة على سرير السلطنة أمر بالتجهيز إليها، فعين لذلك وزيره الأكبر سنان باشا، فبرز من الديار المصرية أواخر عشر السبعين وتسعمائة في جيش كثيف بالخيل المسومة، والعساكر الشجعان المعظمة، وطوائف من السناجق السلطانية، وعدة من المدافع فوق المائة، فلما وصلوا إلى مكة البهية عرضوا لها عرضة عظيمة وأظهر أبهة الملك والسلطان.
قال السيد محمد الحسيني في تاريخه المسمى الروضة الأنيقة في سلطان الحجاز على الحقيقة: أخبرني الثقة أنه سمع كاتب العساكر أنهم يعلقون كل ليلة أربعة وعشرين ألف عليقة.
وله فتوحات عظيمة منها: فتح جزائر ساقس، وكل جزيرة فيها مدن عظيمة وكنائس وقلاع حصينة.
وعاد على المسلمين من هذه الفتوحات غنائم وأسرى لا تعد ولا تحصى، وانتفع بها بيت المال وجميع أركان الدولة، وسائر الرعايا انتفاعاً ظاهراً غزير المحصول كثير المنافع، وأمن بذلك الصادرون والواردون بحراً وبراً.
وله خيرات كثيرة بالحرمين الشريفين من الأجزاء القرآنية، والنقود والحبوب المرتبة كل عام أسوة أسلافه الكرام طاب ثراهم بدار السلام.
وكان مولانا صاحب الترجمة من طاعة والده المرحوم المبرور السلطان سليمان بمحل لا يمكن عنه التعبير، بحيث يراجعه في الجليل والحقير، ويصبر في رضاه على مضض الدهر وضيق العيش والضنك والقهر، وكل ما يبلغه من حاسد ونمام عن والده بالانتقاص والإعراض عنه، والإشارة بالسلطنة إلى غيره من إخوته بالإعطاء، وتمهيد أحوال السلطنة لغيره لا يمنعه ذلك من أنواع البر لوالده بالقول والفعل، ولا يحمله على العقوق، خصوصاً عن والدته فإنها كانت تصرح بعدم صلاحه للملك وقابلية غيره للدولة، وهو على غاية من الصبر وتحمل الجفاء، والتصريح بالتفويض إلى رب السماء، فكانت طاعته لوالديه موجبة لإنعام الله بالملك عليه، فانقرضت إخوته وأعقابهم ووالدته في حياة والده طاب ثراه. فلما مات والده كما ذكرنا شرفه الله بالملك على حالة هينة لم تقع لأحد من أهل هذا البيت أبداً. ودام سلطانه إلى أن مات على سرير ملكه وعزه في ثامن شهر رمضان المعظم قدره في عام اثنين وثمانين وتسعمائة، فدرج عتيق رمضان تغمده الله بالرحمة والرضوان.

(2/331)


ومن أعظم حسناته عمارة العين، فقد تقدم أن ابتداء العمارة في أواخر دولة والده السلطان سليمان وتمامها في أول دولته. وقد قدمنا ذكرهما ومعاناتهما وما صرف على ذلك.
ومن خيراته: ابتداء عمارة المسجد الحرام سنة ثمانين وتسعمائة قبل وفاته بسنتين وإن كان تمامها إنما كان في دولة ولده الآتي بعده مولانا السلطان مراد بن سليم كما سيأتي ذكر ذلك.
وله غزوات شهيرة بالإرسال وهو جالس مكانه، فتح في أيامه السعيدة جزيرة قبرس بالسين المهملة لا بالصاد كما تقوله العامة، ومدينة تونس الخضراء، وممالك اليمن بأسرها. وتوفي إلى رحمة الله تعالى سنة اثنتين وثمانين وتسعمائة، ومدة سلطنته ثمان سنين، وعمره الشريف ثلاث وخمسون سنة. وكان شجاعاً كريماً مهاباً كثير الإحسان من قبل أن يجلس على سرير الملك وبعده.
ومن غزواته: فتح تونس الغرب وحلتي الوادي، وفتح ممالك اليمن واسترجاعها من أيدي العصاة البغاة أهل الإلحاد.
ومنها: فتح جزيرة قبرس بسيف الجهاد، وهي جزيرة على البحر الشامي كثيرة القطر، ومقدارها مسيرة عشرين يوماً، وبها قرى ومزارع وأشجار ومعادن الزاج القبرسي وهي على مر الأيام، رخاؤها شامل، وخيرها كامل، وبها معادن الصفر واللادن الني يغلب العود في طيبه.
وكان معاوية رضي الله عنه غزاها وصالح أهلها على سبعة آلاف دينار، فنقضوا عليه، فغزاهم ثانية فقتل وسبَى شيئاً كثيراً.
وبين جزيرة قبرس ؤساحل مصر خمسة أيام، وبينها وبين جزيرة رودس يوم واحد.
وإنما سميت جزيرة قبرس بوثن كان هناك يسمى قابرس.
وكانت أم حرام بنت ملحان الصحابية شهدت غزوة قبرس فتوفيت بها.
وأهل قبرس يتبركون بقبرها، ويقولون: هذا قبر المرأة الصالحة، وكانت سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو لها أن يجعلها الله من الذين يركبون ثبج البحر مجاهدين في سبيل الله ففعل، وهو حديث معروف.
وكان الأوزاعي يقول: إنا نرى هؤلاء - يعني أهل قبرس - أهل عهد، وإن عهدهم وقع على شرط، وأنه لا يسع المسلمين نقضه إلا بأمر يعرف به غدرهم، ورأى عبد الملك بن صالح في حدث أحدثوه أن ذلك نقض لعهدهم، فكتب إلى عمة من الفقهاء يشاورهم في أمرهم منهم الليث بن سعد وسفيان بن عيينة وأبو إسحاق الفزاري ومحمد بن الحسن فاختلفوا عليه، وأجاب كل واحد بما ظهر له. وقد فتحت أيضاً في دولة الشراكسة في دولة الملك الأشرف برسباي، وأسر ملكها، وذلك سنة سبع وعشرين وثمانمائة، ثم فتحت على يد السلطان سليم خان هذا المذكور، وكانت مدة سلطنته ثمان سنين كما تقدم ذكر ذلك.
ثم تولى السلطان
مراد الثالث
ابن السلطان سليم ابن السلطان سليمان خان:
وجلس بعد وفاة والده سنة اثنتين وثمانين وتسعمائة.
كان مولده الشريف سنة إحدى وخمسين وتسعمائة، وبذلك انتظم في سلك كريمة قوله تعالى: " وَلَقَد كَتَبنا في اَلزبور مِن بَعدِ اَلذِكِر أَن الأرضَ يَرِثُهاً عباديَ الصالِحوُنَ " الأنبياء: 105، بحساب الجمل لأن لفظ الذكر تسعمائة وأحد وخمسون والقاعدة في ذلك مقررة في محلها.
ثم ظهر من خالق السموات، عنايات له وخصوصيات.
منها: أنه نشأ في ظل والده وجده المذكورين على مهاد العز والسلطان في حِجْر الخلافة، راضعاً ثدي العلم والعرفان. لم تعلم له صبوة مع توفر دواعيها، ولم يتناول شيئاً من المحرمات، بل ولا من المكروهات لما فيها، حتى قال أعاظم عرفاء العصر: مولانا المشار إليه ليس له نظير في هذا الدهر.
ومنها: أنه منذ ترعرع في شبابه صانه الله عن المحاربة والمخاصمة الناشئة عن حظوظ النفس وحب الرئاسة، واستعمل نفسه في العلم والعمل، ثم في الاستعداد للخلافة الإسلامية مع كمال النزاهة والعفة والنفاسة.
ومنها: أن طريقته في الملبس والمأكل والمشرب والمركب طريقة الصالحين والزهاد، ما عدا ما فيه خلل لنظام الملك أو ضرر للعباد.

(2/332)


وكان جلوسه على تخت الخلافة الإسلامية في ثامن شهر رمضان في اليوم الذي توفي أبوه فيه من عام اثنين وثمانين وتسعمائة، فجلس جلوساً جامعاً لفضل الزمان والمكان، والافتنان في فعل الخيرات والمرتبات في مباديه. مما فعله أسلافه في غاياتهم مما لا شك فيه. ومنحه الله تعالى من كثرة الخراج والخزائن والعساكر ما لم يجمعه أحد من أسلافه الأكابر. فإذا عزم على فتح أعظم الممالك جهز شرذمة من عساكره المنصورة ففتح كل صعب المسالك.
ومن النعمة العظمى: إتمام عمارة المسجد الحرام، وكان ترميمه في زمان جده مولانا السلطان سليمان، ثم كان ابتداء هدمه وتعميره في زمان والده السلطان سليم سنة تسعمائة وثمانين. وتمام التعمير في زمانه، فأرخ ذلك جدي العلامة جمال الدين العصامي بشطر بيت هو قوله: من الرجز:
تاريخُ هَدْمِ المسجِدِ ... في رَابِعِ العشْرِ بُدِي
وهو تاريخ عجيب إذا معناه الحسابي يؤدي إلى تعيين السنة، ومعناه اللفظي يؤدي إلى تعيين يوم البدأة.
وسبب أمره الشريف بتعمير المسجد أن الرواق الشرقي منه مال إلى نحو الكعبة الشريفة بحيث برزت رؤوس خشب سقفه الثاني لأنه كان مسقفاً سقفين بينهما قدر ذراعين بذراع العمل عن محل تركيبهما من جدر المسجد، وذلك الجدر هو جدر مدرسة ألسلطان قايتباي، وجدر مدرسة الأفضل التي هي الآن وقف عباد الله، وقدر مفارقة الخشب عن موضع تركيبه أكثر من ذراع، ومال وجه الرواق الشرقي إلى صحن المسجد ميلاً ظاهراً، فبادر نظار الحرم يصلحون ذلك المحل الذي فارق بتعديل خشب السقف بأطول منه، وأعمدوا الرواق المائل إلى صحن المسجد بأخشاب كبار حفر لها في المسجد تمسكه عن السقوط، وذلك كله في دولة السلطان سليمان، واستمر متماسكاً على هذا الأسلوب من أواخر دولته إلى صدر دولة ابنه مولانا السلطان سليم، ففحش ميل ذلك الرواق، وعرض على الأبواب فبرزت الأوامر من السلطان سليم بالمبادرة إلى بناء المسجد جميعه على وجه الإتقان والإحكام، وأن يجعل عرض السقف قبباً دائرة بأروقة المسجد ليؤمن تآكل الخشب، فعين لذلك بكلربكي مصر سابقاً فخر الأمراء العظام أحمد بك، وأضيف إليه في هذه الخدمة سنجق جدة، فوصل الأمير أحمد بك في آخر ذي الحجة الحرام سنة 979 تسع وسبعين وتسعمائة، وكانت الأوامر الشريفة وردت أن يكون الناظر على هذه العمارة والمتكلم عليها عن جانب السلطنة سيدنا ومولانا القاضي الحسين المالكي ففرح بهذه الخدمة الفرح التام، وشد نطاق حزمه على ناطق عزمه، وقام.

(2/333)


وحصل بين مولانا القاضي وبين أحمد بك الملاءمة والاتفاق، وبذلك يحصل تمام النجح والارتفاق، فاتفق رأي الناظر والأمين والمعمار على الشروع في الهدم، فشرع فيه رابع عشر ربيع الأول من سنة ثمانين وتسعمائة كما تقدمت الإشارة إليه بتاريخ الجد جمال الدين العصامي، وكان ابتداء الهدم مكاناً من باب السلام من تحت منارته إلى باب علي، ومنه أيضاً إلى باب بني سهم المعروف بباب العمرة، وأخذت المعاول تعمل في شرفات المسجد وطبطاب سقفه ثم كشفوا عن أساسه فوجدوه مختلاً، وكان جداراً عظيماً نازلاً في الأرض على هيئة بيوت رقعة الشطرنج، وكان على موضع التقاطع على وجه الأرض قاعدة تركب الأسطوانة عليها فشرع في وضع الأساس على وجه الإتقان والإحكام بالنورة المخمرة إلى أن طلع الأساس على وجه الأرض، وكانت الأسطوانات المبنية سابقاً على نسق واحد في جميع الأروقة من الرخام جميعها، إلى أن وقع الحريق في الجانب الغربي بالنار الناشئة من رباط رشت سنة أربع وثمانمائة في دولة الملك الناصر فرج بن برقوق من الشراكسة فاحترق منه أساطين الرخام وذابت، فأرسل - من أمرائه - الأمير بيسق إلى مكة فعمر الجانب الذي احترق، وأبدل من الأعمدة الرخام المحترقة أعمدة من الحجر الصوان المنحوت، وصارت الجوانب الثلاثة بالأعمدة الرخام ما عدا هذا الجانب الغربي فهو من الحجر الصوان المنحوت، فلما وقع هذا التعمير أدخلت في هذه العمارة العثمانية دعائم من الحجر الشميسي الأصفر غلاظ بعد كل ثلاث دعائم من الرخام دعامة منها لتقوى على تركيب القبب فوقها، ولإدخال الدعائم الشميسي الأصفر، صارت الأساطين كلها على نسبة واحدة، وهي أن كل ثلاث من الرخام رابعتها واحدة من الشميسي، وذلك في غالب الأروقة من الجوانب الأربع من المسجد الشريف كأنها قائمة بغاية الأدب حول بيت الله المنيف، وهي أعلى من ارتفاع سقفها السابق كأنها تنشد بلسان حالها مفتخرة على أمثالها: من الكامل:
إن الذي سمَكَ السماءَ بنى لها ... بيتاً دَعَائِمُهُ أعز وأَطوَلُ
واستمر الحال في هذه العمارة على هذا المنوال إلى أن تم منه الجانب الشرقي والجانب الشمالي إلى باب العمرة فما عمر مولانا السلطان سليم - أسكنه الله جنات النعيم - إلى أن تتم العمارة، وسلم ملكة الشريف السعيد إلى نجله السعيد صاحب الترجمة مولانا السلطان مراد ابن السلطان سليم خان فبرز أمره الشريف لأمير العمارة الشريفة المشار إليه أحمد بك المذكور، وأن يبذل جهده وجده في الإتمام لعمارة المسجد الحرام، فأعانه الله تعالى على إتمامها وأمد كذلك سائر خدامها، إلى أن تمت عمارة الجانبين الغربي والجنوبي من المسجد الحرام بجميع أبوابه وأعتابه، ودرجاته من داخله وخارجه، وكان ذلك في أواخر سنة أربع وثمانين وتسعمائة، وصمار المسجد الحرام نزهة المناظر، وبغية للخاطر، وجلاء للنواظر والخواطر، بحيث صار ما عمره الخلفاء العباسيون قبل ذلك لا يحسن عنده أن يذكر ويوصف؛ لأن هذا البناء أمكن وأزين وأعلى وأشرف.
وكان جملة ما أنفق على عمارته مائة ألف وعشرة آلاف دينار ذهباً غير الآلات والرصاص والنحاس والخشب، وأهلَّة القبب المعمولة بمصر المطلية بالذهب.
وجدد خيرات تفرد بها منها: مدرسة وتكية بالمدينة الشريفة، ومدرسة بمكة، وسبيل عظيم في بنائه وفرشه وعذوبة مائه.
وجدد بالروضة جملة من الدروس العلمية بمعلوم قدره كل عام مائة وخمسون ديناراً ذهباً جديداً للمدرس ومائة دينار جديد للطلبة لكل واحد عشرة على الدوام، وحدد في كل عام ألف دينار ذهباً لمائة نفر من الحجاج يدعون له بخير الدنيا والآخرة عند البيت العتيق.
وفي عام ست وثمانين وتسعمائة شرع في فتح الممالك العجمية الطهماسبية وعساكره المنصورة يتبع بعضها بعضاً من غير انقطاع، فملكه الله تعالى أعظم تلك البقاع وأحصن تلك القلاع.

(2/334)


وفي سنة 988 ثمان وثمانين وتسعمائة أمر بكتب أسماء الخلفاء الأربعة بعد الله ورسوله بخط كبير عظيم نقراً في جدر المسجد الشرقي مموهاً بالذهب الصرف على أحسن قاعدة خط بديع رائق قل أن تحاكيه المهرة في بطون المهارق بين الباب المنسوب إلى سيدنا علي كرم الله وجهه، والباب المنسوب إلى عمه العباس بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه، ولم أظفر على حقيقة السبب لذلك إلا ما يسمع من أفواه الرواة ولم تروه أخبار الثقات.
وجملة عدد الأسطوانات الرخام ثلاثمائة وأحد عشر، والأسطوانات الشميسي مائتان وأربع وأربعون، وعدد القبب مائة واثتتان وخمسون فيه شرقية أربع وعشرون ومثلها غربية، وشامية ست وثلاثون ومثلها جنوبية، وواحدة في ركنه من جهة منارة حزورة، والطواجن مائتان واثنان وثمانون طاجناً. وعدد شرفاته ألف وثلاثمائة وثمانون شرفة.
وجملة أبوابه تسعة عشر باباً تفتح على تسعة وثلاثين طاقاً كل ذلك مسمى معلوم مشاهد.
وجعلت في عمارة المسجد الشريف تواريخ عديدة.
قال القطب النهروالى: رأيت لبعض الفضلاء تاريخاً لتمام عمارته وذلك في سنة 984 أربع وثمانين وتسعمائة في بيت مفرد فأعجبني نظمه لحسن سبكه واستيفاء المعنى فيه فذكر به وهو هذا البيت: من الخفيف:
جَدَدَ المَسْجِدَ الحَرَامَ مُرَاد ... دَامَ سُلَطانُهُ وطَالَ أَوَانُهْ
قلت: هذا البيت هو لجدي العلامة جمال الدين العصامي كما رأيته بخطه في تذكرته عزاه إلى نفسه.
ولمولانا القاضي الحسين تاريخ منثور هو قوله: " أطال الله لمن أتمه عمرا " وورد تاريخ من الأبواب السلطانية معه حكم شريف برسمه على طراز باب سيدنا العباس في ظاهر الرواق فرسم هنالك وهو لقاضي العسكر نثراً قوله: " الحمد لله الذي أسس بنيان الدين المتين بنبي الرحمة والرشاد، وخصه بمزيد الفضل والكرامة والإسعاد " وهو فيه بعض تطويل وفي آخره نظم ثلاثة أبيات تتضمن التاريخ وهي هذه: من الرمل:
جَدَدَ السلطانُ مرادُ بنُ سَلِيمِ ... مَسْجِدَ البيتِ العَتِيقِ المُحْتَرَمْ
سُرَّ مِنْهُ المُسلِمُونَ كلهم ... دَامَ منصورَ اللواءِ والعَلَمْ
قال رُوحُ القدسِ في تاريخِهِ ... عَمرَ سُلطَانُ مُرَادُ الحَرَمْ
وفي سنة الألف عزل مولانا السلطان مراد آغاة الينيشرية، وكان ظالماً فأرخ عزله شاعر نظماً باللغة التركية معناه: لو قطع السلطان رأس الأغا ورجله لكان له تاريخاً عجيباً: رأس الأغا الهمزة من لفظه، ورجله الألف الأخيرة فيبقى الغين بألف هي سنة عزله.
وكانت وفاة مولانا السلطان مراد سنة 1003 ثلاث بعد الألف، وسنه الشريف يوم ولي ثلاثون سنة، ومدة سلطنته عشرون سنة وتسعة أشهر وستة أيام.
ثم تولى السلطان
محمد بن السلطان مراد
ابن السلطان سليم ابن السلطان سليمان خان:
وجلس سنة ثلاث وألف، وغزا بعسكره إلى غزوة مجر، وحصل هناك قتال، ومَنَّ الله عليه بالنصر فعاد مؤيداً منصوراً.
ولي الملك بعد وفاة أبيه، وبدأ بترخيم المطاف الشريف، والتجهز بنفسه إلى جهاد الفرنج أعداء الدين وأيده الله بالنصر والظفر المبين، وأبدى في مباشرته الحرب بنفسه ما أبهر، وأنبأ بعلو همته وقوة سجيته، فإن ذلك لم يتفق إلا نادراً، ثم عاد بالنصر التام إلى تخت مملكته وفي تاريخ ترخيم المطاف أبيات للإمام عبد القادر مطلعها: من الكامل:
ياً مَن يَلُوذُ بكَعْبَةٍ وحَطِيمِ ... وبِهاً يَطُوفُ بِخَالِصِ التَعْظِيمِ
وهي نحو أربعة وعشرين آخرها بيت التاريخ وهو:
قد دبرَ السلطَانُ أيد مُلكَهُ ... بَدءَ المَطَافِ جَرَى بِكُل نعيْمِ
توفي إلى رحمة ربه سنة اثنتي عشرة وألف.
وكانت مدة سلطنته تسع سنين ونصف شهر، تغشاه الله بالرحمة والرضوان.
ثم تولى السلطان
أحمد بن السلطان محمد
بن السلطان مراد ابن سليم بن سليمان بن سليم خان:
وجلس على سرير الملك سنة اثنتي عشرة وألف وبنى جامعه المعروف، المزخرف بأنواع الزينة، وقتل من كان في أيامه من البغاة والجلالية.
وله خيرات عديدة.

(2/335)


وكان كثير الخير والمعروف بحيث إنه جعل لأهل الحرمين وقفاً بمصر يجمع مغله في كل عام ويرسل إلى مكة صحبة الركب المصري عوضاً عن مال بندر جدة المعمورة لانقطاعه بموجب عدم وصول المراكب الهندية فهو المعروف بالأحمدية. وفي سنة ست وعشرين بعد الألف أرسل إلى أعيان مكة المشرفة من شريفها وقضاتها وأئمتها وخطبائها كسوة عظيمة، فلبس كل من المذكورين ما أرسل به إليه، وكان ذلك أول النهار تجاه البيت الشريف.
وأرسل في عام عشرين الباشا حسن المعمار لعمارة عين مكة المشرفة، فوصل أوائل ذي الحجة من العام المذكور وعمر العين وأصلح بعض إصلاحات كانت بالكعبة الشريفة جزاه الله خيراً.
وموجب الإصلاح حصول تشعُب قليل في الجانب الشمالي، فأصلحه بحزام حديد تحت الطراز كالطراز مصفح بالفضة مطلي بالذهب.
ووصل معه من الديار الرومية بميزاب الكعبة الشريفة ثم ركبه بمحله بعد أن قلع الميزاب الأول، وأرسله إلى الحضرة الشريفة السلطانية، واستمر بها إلى أن وقع سقوط الجدران في دولة السلطان مراد بن أحمد سنة تسع وثلاثين، فرفع ذلك الإزار الحديد، وسبك فضته متعاطو العمارة ولم يجعلوا عوضه عليها لعدم الاحتياج إليها بعد عمارتها.
قلت: وكان تمام ذلك الإصلاح عام أحد وعشرين بعد الألف.
وفي مصلى الجمعة لوح رخام مثبت في شاذروان البيت الشريف منقور فيه ذكر ذلك.
وفيه " وقد جاء تاريخه من القرآن العظيم: أسس بنيانه على تقوى من الله " ، وهو حساب إحدى وعشرين وألف وهو من عجيب الاتفاق وأيمنه.
وكانت مدة سلطنته أربع عشرة سنة وأربعة أشهر.
ثم تولى السلطان
مصطفى بن محمد
أخوه:
وجلس على تخت الملك سنة سبع وعشرين وألف، كان السلطان أحمد بن محمد عند موته عهد بالسلطنة له، وذلك لصغر سن السلطان عثمان ابنه، فاستقر فيها بعد موت أخيه السلطان أحمد بن محمد ثلاثة أشهر، ثم دبر كزلار أغاسي الطواشي في خلع السلطان مصطفى وتولية السلطان عثمان بن أحمد، فخلع مصطفى وبقي في السرايا مخلوعاً إلى أن تولى التولية الثانية كما سيأتي، وكان خلعه ليلة الأربعاء ثالث ربيع أول من سنة 1028 ثمان وعشرين وألف فكانت مدته هذه ثلاثة أشهر وعشرة أيام.
ثم تولى السلطان عثمان بن أحمد خان بن محمد خان:
فهو ابن أخي السلطان مصطفى بن محمد، وجلس على تخت الملك ثالث ربيع الأول سنة 1028 ثمان وعشرين وألف، تولى بعد القبض على عمه مصطفى في التاريخ المذكور.
وكان عالماً فاضلاً شجاعاً مطاعاً شريفاً يدور بالسيف والسنان، ويحمي بطوقه وطوعه بيضة الإسلام والإيمان، ثم شغب الجند على قزلار أغاسي، فنفوه إلى مصر بعد أن أرادوا قتله، وكان مقرب الحضرة السلطانية، ومدبر الدولة العثمانية.
ثم قبضوا على السلطان عثمان، وأحضروا عمه مصطفى وأجلسوه على تخت السلطنة ثانياً، وقتلوا عثمان وكانت سنه حين التولية نحو عشر سنين، وسنه عند القتل نحو تسع عشرة سنة.
وسبب قتله أنه عزم على الحج سنة إحدى وثلاثين وألف، وصمم على ذلك، وأمر بالخيام والمضارب والوطاق أن يضرب ظاهر القسطنطينية، فأجمع رأى أرباب دولته، وأركان سلطنته على خلعه إن لم يرجع، فدخلوا عليه وأشاروا عليه بالترك وقالوا: إنك غزوت الفرنج وقتلتهم وسبيتهم، وفي قلوبهم منك أمر عظيم فنخاف بعد عزمك، وانفصالك عن التخت إلى الحجاز مع بعد المسافة أن تثب الفرنج على المملكة، ويصعب خروجهم منها، مع أن هذا ليس قانون آبائك وأجدادك، وخوفوه بذلك فلم يمتنع، وصمم على العزم إلى الحج وخرج لذلك وسلك أول طرق هذه المسالك فكتب له الثواب، وحصل له أجر القصد في الحال والمآب. قال تعالئ: " وَمَن يخرُج مِن بيتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللهِ ورَسُوله... " النساء: 100 الآية، فلما عرفوا منه التصميم قتلوه وأعادوا عمه السلطان مصطفى كما ذكرنا، كذا في منهل الظمان لأخبار دولة آل عثمان للشيخ العلامة محمد علي بن علان.
وكان قتله يوم الخميس سابع رجب الأصب من سنة 1031 وفيه يقول بعض أدباء الشام مؤرخاً: من الوافر:
قضَى عُثمَانُ سُلطَانُ البَرَايَا ... بأَسْيَافِ العَسَاكِرِ والجُنُودِ
وَوَافَتهُ المَنِيةُ في السرَايا ... مؤرَخةً كَعُثمَانَ الشهِيْدِ
سنة 1031 وقال آخر مؤرخاً أيضاً: من مجزوء الرمل:

(2/336)


قَد قَضَى عُثْمَانُ ظُلماً ... حِينَ خَانَتْهُ الجنُودُ
والليَالِي أَرخَتهُ ... إن عثمانَ شَهِيدُ
سنة 1031 ومدة تصرفه ثلاث سنين وأربعة أشهر وأربعة أيام.
ثم تولى السلطان مصطفى بن محمد خان وهذه هي التَوْليَةُ الثانية:
وذلك أنه لما كان يوم خامس رمضان سنة إحدى وثلاثين ورد الخبر بوفاة السلطان عثمان، وتولية السلطان مصطفى عمه، وكان ذلك في سابع رجب من السنة المذكورة، فزينت مكة سبعة أيام ودعي له على المنبر الشريف المكي يوم الجمعة عاشر ذي القعدة الحرام من السنة المذكورة، وصلي على السلطان عثمان صلاة الغائب، وقرئت له ربعة حضرها الأعيان وذلك بأمر مولانا الشريف إدريس، واستمر إلى أن خلع في متتصف ذي القعدة الحرام من السنة الثانية والثلاثين بعد الألف، فكانت مدة تصرفه في التولية الثانية سنة وثلاثة أشهر ونصفاً.
ثم تول السلطان
مراد الغازي
ابن أحمد ابن محمد بن مراد بن سليم بن سليمان بن سليم خان:
جلس على سرير الملك منتصف ذي القعدة الحرام عام اثنين وثلاثين وألف جلوساً عاماً، وأخذ السيف في يده، وأخذ ثأره من الأعداء، وهم قتلة أخيه عثمان بن أحمد، وفتح قلعة وان.
ثم بعد سنين توجه بعسكر عظيم، وفتح بغداد، وذلك سنة ثمان وأربعين وألف وجعل جميع من كان فيها من الروافض طعمة سيفه.
وهو السلطان القائم بشعائر الإسلام المتأيد بعناية الملك العلام. فارس ميدان المنازلة إذا حمي الوطيس، وقيل: هل من مبارز، ومسقي رؤوس الأسل من صدور يؤكد الشر فيها الضمير البارز، ذو الهمة التي لو تعلقت بالجو لاستنزلت منه ما تعلق بالثريا، والفواضل التي لو كفت سحائب المزن لكفت القلوب ريه، والشيم التي لا يدانيه فيها أحد، والمزايا التي لا تحصرها العبارة ولا يستقصيها العد.
ولي بعد عمه السلطان مصطفى في التاريخ المتقدم ذكره، وورد الخبر أوائل ذي الحجة منها إلى مصر فخطب له بها وزينت مكة سبعة أيام وقام بالملك على وجه السداد، وأعلى ذكره على السبع الشداد.
وكانت سنه حين ولي أربع عشرة سنة. وفي ذلك يقول فخر الأدباء بكري الصراف: من الكامل:
لما أَرَادَ اللهُ نَفعَ عِبَادِهِ ... وَلى مُرَاداً مُلكَ خيرِ بِلادِهِ
وأَمَدهُ مِن فَضْلِهِ بِعِنَايَةٍ ... جَعَلَت عِدَاهُ تَحتَ نَغل جَوَادِهِ
وَشَداً لِسَانُ الحَالِ فِي تَارِيخِهِ ... بُشرَى لَهُ قَد نَالَ كُل مُرادِهِ
سنة 1032.
ولم يزل قائماً بشعار الملك مقيماً لشعائر الإسلام، مجهزاً عساكره المنصورة إلى افتتاح البلدان، وتوجه بنفسه الشريفة في عام خمس وأربعين إلى غزو العجم فافتتح كثيراً من بلدانهم وافتتح بغداد عام ثمان وأربعين بعد الألف، ثم رجع إلى تخت مملكته اسطنبول، وأبقى على عسكره المنصور سرداراً معيناً.
ويحكى أنه أرسل إلى مصر المحروسة درقة نحو إحدى عشرة طبقة ضربها بعود فثبت فيها، وبرز أمره الشريف إلى العساكر المصرية لإخراج العود منها، وأن من أخرجه يزاد في جامكيته كذا وكذا، فحاولوا إخراجه فعجزوا عن ذلك.
ثم أرسل قوساً ومعها همايون شريف يخاطب به وزير مصر مضمونه أمر العساكر والأجناد بجر هذا القوس وزيادة علوفة من يفعل ذلك، فحاول العسكر جره فلم يقدروا، ثم علقت الدرقة بالديوان الشريف العالي بمصر المحروسة وعلق القوس بباب زويلة.
وقد جعل بعض الأروام تاريخاً بالتركي لسنة مجيء القوس وهي سنة 1033 ثلاث وثلاثين وألف، وترجم بالعربية بما نصه " يا سلطان الوجود لساعدك القوة " . ومما يدل على سعادته العظمى توجه خاطره الشريف إلى أهالي الحرمين، وأمره المتولي الجهات خصوصاً مصر بإجراء حبوبهم وإرسال مغلات أوقافهم، فما من همايون يرد منه إلا وفيه الحث على ذلك.
ومما يدل على عناية الله به أن كانت عمارة بيت الله الشريف في زمنه ابتداؤها وانتهاؤها في أيام دولته، وقد أرخ تلك العمارة مولانا الإمام عبد القادر الطبري في قصيدة قدمها إلى السيد محمد المتولي عمارة البيت الشريف، وهي نحو الثمانية عشر بيتاً مطلعها: من الخفيف:
عَادَ بَيتُ الِإلهِ بَعْدَ انْهِدَامِه ... وغَداً فَائِقاً بِحُسن نِظَامِهْ
إلى أن يقول:

(2/337)


فِلهَذاً طَيرُ المَسَرَةِ أمْسَى ... مُنْشِداً عِنْدَ بدئه وختامِهْ
حالماً أتَمَّه بِمُرَادٍ ... شيد بَيت الإله تاريخ عامِهْ
وسجود البيت الشريف وعمارته وما يتعلق بهما مذكور مفرد بالتصنيف لا نطول بذكره، وسنشير إلى طرف من أخباره في دولة مولانا الشريف مسعود بن إدريس فإنها موافقة لدولة السلطان مراد في الزمان المذكور سقوطاً وابتداء تعمير، واستمر مولانا السلطان مراد إلى أن توفي سنة 1049 تسع وأربعين وألف، وكانت مدة سلطنته سبع عشرة سنة.
ثم تولى السلطان إبراهيم بن السلطان أحمد أخو السلطان مراد المذكور قبله:
جلس على تخت الملك سنة وفاة أخيه السلطان مراد وهي سنة تسع وأربعين وألف، وشرع في أيامه في فتح جزيرة كريد، ففتحها إلا قلعة واحدة؛ وذلك لمتانتها غاية المتانة، فاستمر في الملك إلى أن انفتل من مدته سنة ثمان وخمسين وألف، وكانت مدة سلطنته ثمان سنين وثمانية أشهر.
ثم تولى السلطان محمد خان الغازي المجاهد:
السلطان محمد خان ابن المرحوم السلطان إبراهيم خان ابن مولانا السلطان أحمد خان ابن مولانا السلطان محمد خان ابن مولانا السلطان مراد خان ابن مولانا السلطان سليم خان ابن مولانا السلطان سليمان خان ابن مولانا السلطان سليم خان فاتح مصر والشام ابن مولانا السلطان بايزيد خان ابن مولانا السلطان محمد خان فاتح القسطنطينية العظمى ابن مولانا السلطان مراد خان ابن مولانا السلطان محمد خان ابن مولانا السلطان يلدرم بايزيد ابن مولانا السلطان مراد خان ابن مولانا السلطان أورخان ابن مولانا السلطان عثمان خان الغازي.
مولده: سنة تسع وأربعين وألف، وهي السنة التي توفي فيها عمه السلطان مراد ابن أحمد.
وجلس على تخت السلطنة في شهر رجب المبارك من شهور سنة 1058 ثمان وخمسين وألف، وعمره الشريف إذ ذاك تسع سنين.
له الفتوحات التي لا تحصى والمغازي التي لا تستقصى، أذل بغزواته أعداء الدين، واستباح قلاعهم، وجعلها داراً للمسلمين.
لم تزل أعلام نصره ظاهرة، وآيات سعده باهرة.
فمن فتوحاته الميمونة التي لم تزل بالعز والنصر مقرونة، مدينة قوش آضه وأيوار وزغره ويانق وورط ويانوا وقمانيصه وقندية التي هي كريد؛ لأنها جزيرة وقندية في طرفها، وكان فتحها سنة ثمانين أعني قلعة كريد.
وخذل بذلك كل جبار عنيد وحصل للمسلمين به المسرة ولأعينهم أعظم قرة، وكان الفتح بها مع عقد هدنة إلى مدة مائة عام.
وهذا على مقتضى مذهب أبي حنيفة النعمان، لأن عقدها موكول إلى نظر السلطان.
وأما عند إمامنا الشافعي فلا يجوز عقدها فوق أربعة أشهر عند قوتنا وفوق عشر سنين عند ضعفنا. ثم إنهم نقضوا العقد ونكثوا العهد فعاد نقضهم عليهم ورجع وباله إليهم.
وقد أرخ الفتح المذكور الشيخ عبد الباقي بن أحمد الشامي في أبيات يقول آخرها: من السريع:
وحِينَ كَرب زَالَ أَرَختُهُ ... نَضر من الله وفَتحَ قريب
قلت: هو تاريخ لطيف، وحسن الإخراج فيه ألطف، يشير إلى أن مدلول لفظ كرب الحسابي وهو مائتان واثنان وعشرون يسقط فيصير الباقي تاريخ تلك السنة.
وأرخه أيضاً الشيخ إبراهيم ابن الشيخ عبد الرحمن الخياري المدني بأبيات أولها قوله: من السريع:
يا مَعشَرَالإسلامِ قد عَمكُم ... فَضلٌ عَظِيم يَقْتَضِي شُكْرَكُمْ
وآخر قوله:
إن قيلَ ما تاريخُ عام أتَى ... ألفَتْحُ والنصْرُ إلى شَهرِكُمْ
فَقُل مُجِيباً صَح تَارِيخُهُ ... نَصرٌ مِنَ الله وفَتْح لَكم
هذه المدن الكبار، ولا يحصى ما سواها من الصغار.
واستمر إلى أن ثار عليه الجند فخلعوه وأدخلوه معتقَلاً، وأخرجوا من كان فيه معتقِلاً أخاه مولانا السلطان سليمان بن إبراهيم، وسلموا عليه بالولاية، وضربت باسمه السكة وخفق في موكبه اللواء والراية، فهو سلطان زماننا الآن، أيده الله في المكانة والإمكان. ولم يمكث أن التفت إلى قتال أعداء الدين، وتهيأ لغزو الكفرة الملحدين، فطلبوا الهدنة أربع سنين، فوافقهم على ذلك لما اقتضاه نظره في مصالح المسلمين.
وكان توليته يوم خلع أخيه، وهو يوم السبت ثاني محرم الحرام مفتتح سنة تسع وتسعين وألف، جل من لا يزول ملكه ولا يتبدل، لا إله غيره.
الخاتمة

(2/338)


نسأل الله تعالى حسنها، تحتوي على ثلاثة أبواب: الباب الأول: في ذكر نسب الطالبيين، وذكر المشاهير من أعقابهم.
الباب الثاني: في ذكر من دعا منهم إلى المبايعة، وذكر مكان دعائه إليها وزمانه، وما جرى على كل قائم منهم من خليفة زمانه، وتعدادهم من علي بن أبي طالب إلى يومنا هذا، حتى لا تخلو الأرض من قائم من آل محمد يدعو إلى الحق وإلى طريق مستقيم إلى أن يظهر مهديها المنتظر، وهذا على غير رأى الإمامية، أما على رأيهم فلا يجوزون الإمامة لغير الاثنى عشر الإمام كما سنذكر ذلك.
الباب الثالث: في ذكر من ولي مكة المشرفة من آل أبي طالب إلى يومنا هذا فنقول وبالله العون:
الباب الأول:
في ذكر نسب الطالبيين
وذكر المشاهير من أعقابهم:
أما أنساب الطالبيين فأكثرها راجع إلى الحسن والحسين ابني علي بن أبي طالب من فاطمة عليهم السلام، وهما سبطا الرسول صلى الله عليه وسلم، وإلى أخيهما محمد بن الحنفية، وإن كان لعلي رضي الله تعالى عنه غيرهم من الولد، إلا أن الذين طلبوا الحق في الخلافة، وتعصب لهم الشيعة، ودعوا لهم في الجهات إنما هم من هؤلاء الثلاثة لا من غيرهم.
فأما الحسن: فمن ولده: الحسن المثنى وزيد، ومنهما العقب المشهود له في الدعوة والإمامة. أما الحسن المثنى، فكان جليلاً فاضلاً ورعاً، أمه خولة بنت منظور بن ريان بن سيار بن عمرو بن جابر بن عقيل بن مازن، وكانت قبل الحسن السبط تحت محمد بن طلحة بن عبيد الله التيمي أحد العشرة رضوان الله تعالى عليهم، فقتل عنها يوم الجمل وله منها أولاد، فتزوجها الحسن بن علي بن أبي طالب، فسمع بذلك أبوها منظور فدخل المدينة الشريفة، وركز راية سوداء عند باب مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يبق قيسي إلا دخل تحتها، ثم قال: أمثلي يفتات عليه في ابنته؟ فقالوا: لا.
فلما رأى الحسن ذلك سلم إليه ابنته فحملها في هودج، وخرج بها من المدينة، فلما صارت بالبقيع قالت: يا أبت أين تذهب بي؟ إنه الحسن ابن أمير المؤمنين عليه السلام، فقال لها: إن كان له فيك حاجة فسيلحقنا.
فلما صارا في نخل المدينة إذا بالحسن والحسين وعبد الله بن جعفر قد لحقوا بهم، فأعطاه إياها فردها إلى المدينة، وفي ذلك يقول جد حفيز العبسي: من البسيط:
إن الندَى مِنْ بني ذُبيَانَ قَدْ عَلِمُوا ... والجودَ في آل مَنْظورِ بنِ سَيّارِ
ألماطرينَ بِأَيديهِم نَدىً ديماً ... وكل غَيثٍ مِنَ الوَسْمِي مِدرَارِ
تَزُورُ جارَهَمُ وهناً هديتُهُمْ ... وما نهاهم لها وهناً بزوارِ
وكان الحسن وصي أبيه، وولي صدقة علي بن أبي طالب في عصره.
قال في كتاب أنساب قريش: كان الحجاج بن يوسف قال للحسن وهو يسايره في موكبه بالمدينة، والحجاج يومئذ أمير المدينة: أدخل عمك عمر بن علي معك في صدقة علي، فإنه عمك وبقية أهلك. فقال: لا أغير شرط علي ولا أدخل فيها من لم يدخل.
قال: إذن أدخله معك. فنكص عنه الحسن حتى غفل عنه الحجاج، ثم كان وجهه إلى عبد الملك حتى قدم عليه، فوقف ببابه يطلب الإذن، فمر به يحيى بن الحكم فلما رآه يحيى، عدل إليه فسلم عليه، وسأله عن مقدمه وخبره وتحفى به، وقال له: إني سأنفعك عند أمير المؤمنين يعني عبد الملك.
فدخل الحسن على عبد الملك فرحب به وأحسن مسألته: وكان الحسن قد أسرع إليه الشيب، ويحيى بن الحكم في المجلس، فقال له يحيى: وما يمنعه يا أمير المؤمنين شيبته أماني أهل العراق كل عام يقدم عليه منهم ركب يمنونه الخلافة.
فأقبل عليه الحسن بن الحسن، فقال: بئس والله الرفد رفدت، وليس كما قلت، ولكنا أهل بيت يسرع إلينا الشيب، فأقبل عليه عبد الملك، فقال: هلم ما قدمت له؟ فأخبره بقول الحجاج فقال له: ذلك إليك، اكتبوا إليه كتاباً لا يجاوزه ووصله، فلما خرج من عنده لقيه يحيى بن الحكم، فعاتبه الحسن على سوء محضره، وقال: ما هذا الذي وعدتني.
فقال له: إيهاً عنك فوالله لا يزال يهابك، ولولا هيبته إياك ما قضى لك حاجة، وما آلوتك رفدَاً.

(2/339)


وكان عبد الملك بن مروان غضب عليه، فكتب إلى هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة عامله على المدينة، وكانت بنت هشام تحت عبد الملك بن مروان، وولدت له هشام بن عبد الملك: أن أقم آل علي يشتمون علي بن أبي طالب، وأقم آل الزبير يشتمون الزبير. فقدم كتابه على هشام، فأبى كل منهما ذلك، وكتبوا وصاياهم، فركبت أخت هشام إليه وكانت جزلة عاقلة فقالت: يا هشام أتراك الذي تهلك عشيرته على يده؟ راجع أمير المؤمنين. فقال: ما أنا بفاعل، قالت: فإن كان لابد من ذلك فمر آل علي يشتمون الزبير، وآل الزبير يشتمون علياً.
قال: هذه أفعلها. فاستبشر الناس بذلك وكان أهون عليهم. فكان أول من أقيم إلى جانب المرمر الحسن المذكور وكان رجلاً رقيق البشرة عليه يومئذ قميص كتان رقيق، فقال له هشام: تكلم فسب الزبير، فقال: إن لآل الزبير رحماً أبلها ببلالها وأربها بربابها، يا قوم مالي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار.
فقال هشام لحرسي عنده: اضربه، فضربه سوطاً واحداً من فوق قميصه، فخلص إلى جسده، فشرحه حتى سأل دمه تحت قدميه في المرمر. فقام أبو هاشم عبد الله ابن محمد بن الحنفية، فقال: أنا دونه أكفيك أيها الأمير فنال من آل الزبير فشتمهم.
ولم يحضر علي بن الحسين - كان مريضاً أو تمارض - ولم يحضر عامر بن عبد الله بن الزبير، فهم هشام أن يرسل إليه، فقيل له: لا تفعل أفتقتله؟ فأمسك، وحضر من آل الزبير من كفاه.
وكان عامر يقول: إن الله لم يرفع شيئاً فيستطيع الناس خفضه، انظروا إلى ما تصنع بنو أمية يخفضون علياً، ويغرون بشتمه، وما يزيده الله بذلك إلا رفعة. وكان ثابت بن عبد الله بن الزبير غائباً، فقدم فقال لهشام بن إسماعيل: إني لم أحضر هذا الجمع فاجمع الناس حتى آخذ بنصيبي. فقال هشام: وما تريد بذلك ولود من حضر أنه لم يحضر.
فقال: لتفعلن أو لأكتبن إلى أمير المؤمنين بعرضي نفسي عليك فلم تفعل، فجمع له الناس فقام فيهم فقال: " لعِنَ الذَينَ كفَرُوا مِن بَني إسرائيلَ " إلى " كانوُا يَفعَلوُنَ " المائدة:78: 79، لعن الله من لعن، ولعنته قوارع القرآن، لعن الله المندوب يلعنه الله بين عينيه إلا شدة لطيم الشيطان، المتناول ما ليس له هو أقصر ذراعاً وأضيق باعاً.
لعن الله الأثعل المترادف الأسنان المتوثب في الفتن توثب الحمار في القيد محمد ابن أبي حذيفة الرامي أمير المؤمنين عثمان برؤوس الأفانين.
ثم قال: إن الله رماك، وكذب، لو رماه الله ما أخطأه.
لعن الله الأعور بن سمرة ابن شر العضاه، وألأمها مرعى، وأقصرها فرعاً، لعنه الله ولعن من أخذ حباه، يعرض بأم هشام بن إسماعيل، وكان عبيد الله بن عبد الرحمن بن سمرة خلف عليها بعد إسماعيل بن هشام. وعبيد الله بن عبد الرحمن هو الذي عناه ثابت بن عبد الله بن الزبير. فلما بلغ ثابت هذا من القول في هشام أمر به إلى السجن وقال: ما أراك تشتم إلا رحم أمير المؤمنين. فقال له ثابت: إنهم عصاة مخالفون، فدعني حتى أشفي أمير المؤمنين منهم. فلم يزل ثابت في السجن حتى بلغ خبره عبد الملك فكتب: أن أطلقه فإنما شتم أهل الخلاف.
أولاده: محمد وبه كان يكنى، وعبد الله وفيه البقية، وحسن وإبراهيم، وزينب وأم كلثوم ولما خطب الحسن بن الحسن إلى عمه الحسين بن علي بن أبي طالب، قال له الحسين: يابن أخي قد انتظرت هذا منك قبل اليوم، فخرج به حتى أدخله منزله، ثم أخرج له ابنتيه فاطمة وسكينة فقال: اختر. فاختار فاطمة فزوجه إياها. فكان يقال: إن امرأة سكينة مرذولتها لمنقطعة الحسن.
وأتت منه بأولاده المذكورين حسن المسمى حسن المثلث، وعبد الله وزينب وأم كلثوم ما عدا محمد فإن أمه رملة بنت سعيد بن زيد أحد العشرة.
فلما حضرت الوفاة الحسن قال لفاطمة: إنك امرأة مرغوب فيك، فكأني بعبد الله ابن عمرو بن عثمان بن عفان قد جاء على فرس مرجلاً جمته، لابساً حلته، يسير في جانب الناس يتعرض لك، فانكحي من شئت سواه، فإني لا أدع من ورائي هماً غيرك.
فقالت: من من ذلك وأثلجته بالإيمان من العتق والصدقة لا نتزوجه.
ومات الحسن رضي الله عنه وخرج به فوافى عبد الله بن عمرو بالحال التي وصفها الحسن.
وكان يقال لعبد الله بن عمرو المطرف من حسنه.

(2/340)


فنظر إلى فاطمة حاسراً تضرب وجهها فأرسل إليها: إن لنا في وجهك حاجة فارفقي به. فاسترخت يداها وعرف ذلك فيها وخمرت وجهها.
فلما جاءت رسله تخطبها قالت: كيف بيميني التي حلفت بها؟ فأرسل إليها: لك مكان كل مملوك مملوكان ومكان كل شيء شيئان، فعوضها عن يمينها فنكحته وزوجها به ابنها عبد الله بن الحسن، وولدت له محمداً الديباج والقاسم ورقية بني عبد الله بن عمرو بن عثمان، فكان عبد الله بن الحسن، وهو أكبر أولادها يقول: ما أبغضت بغض عبد الله بن عمرو أحداً، ولا أحببت حب ابنه محمد أخي أحداً.
مات الحسن وسنه خمس وثلاثون سنة في حياة أخيه زيد بن الحسن السبط، ولم يدع الإمامة ولا ادعاها له أحد، والعقب منه في خمسة أشخاص: عبد الله المحض، والكامل يلقب بهما، وسيأتي ذكره عند ذكر قيام ولده محمد النفس الزكية.
ومن بنيه: الملوك الأدارسة بالمغرب الأقصى، وهم بنو إدريس بن إدريس المحض، ومن عقبهم بنو حمود ملوك الأندلس الدائلون بها من بني أمية آخر دولتهم، وهم بنو حمود بن ميمون بن أحمد بن علي بن عبد الله بن عمر بن إدريس.
ومنهم: بنو سليمان بن عبد الله المخض الملوك بنواحي تلمسان.
ومنهم: بنو موسى الجون بن عبد الله المحض، كان من عقبه ملوك اليمامة بنو محمد الأخيضر بن يوسف بن إبراهيم بن موسى الجون بن عبد الله المحض. ومنهم: بنو صالح بن موسى بن عبد الله الثاني، ويلقب بأبي الكرام بن موسى الجون، وهم الذين كانوا ملوكاً بغانة من بلاد السودان بالمغرب الأقصى وعقبهم هنالك معروف.
ومن عقبه أيضاً: الهواشم بنو أبي هاشم محمد بن الحسن بن محمد الأكبر بن موسى الثاني ابن عبد الله أبي الكرام بن موسى الجون، كانوا أمراء مكة بعهد العبيديين.
ومن عقبه: بنو قتادة بن إدريس بن مطاعن بن عبد الكريم بن موسى بن عيسى بن سليمان بن موسى الجون، ملكوا مكة بعد الهواشم على يد قتادة أبيهم هذا، فمنهم بنو أبي نمي بن أبي سعيد الحسن بن علي بن قتادة أمراء مكة إلى عهدنا الآن.
والثاني من أولاد الحسن المثنى الخمسة: داود بن الحسن المثنى، وكان رضيع جعفر الصادق، وكان المنصور حبسه فأفلت منه بالدعاء الذي علمه جعفر أمه، ويعرف بدعاء أم داود.
ومن عقبه السليمانيون، الذين كانوا بمكة وهم بنو سليمان بن داود، وغلبهم عليها الهواشم آخراً وهم المسمون بآل أبي الطيب، كما ذكر ذلك الفاسي في تاريخه: شفاء الغرام فساروا إلى اليمن، فقامت الزيدية بدعوتهم، وغلبوا على بني طباطبا بصعدة.
والثالث من أولاد الحسن المثنى الخمسة: حسن المثلث بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب، ومن عقبه قتيل فخ حسين بن علي بن الحسن المثلث بن الحسن المثنى بن الحسن السبط الفخي الخارج علي الهادي بن الرشيد، وسيأتي ذكره.
والرابع من أولاد الحسن المثنى: إبراهيم الغمر بن الحسن المثنى. ومن عقبه بنو طباطبا أبي الأئمة بصعدة الذين غلبهم عليها بنو سليمان بن داود بن الحسن المثنى حين جاءوا من مكة ثم غلبهم عليها بنو الرسي، ورجعوا إلى إمامتهم بصعدة، وهم فيها إلى عهدنا الآن.
والخامس جعفر بن الحسن المثنى، وكان يكنى أبا الحسن، وكان أكبر إخوته سناً.
ومن عقبه من بني علي: باغر آل حمزة ويعرفون ببني الشجري، منهم: السيد أبو السعادات بن الشجري، له أمالي في النحو. انقرض عقبه. ومن عقبه أيضاً: بنو الكشيش، وآل أبي زيد، لهم أعقاب. فهفه خمسة أسباط من الحسن المثنى.
وأما أخوه زيد بن الحسن السبط فكنيته أبو الحسين، عاش تسعين سنة، وقيل: خمساً وتسعين، وقيل: مائة.
وكان زيد قد تخلف عن عمه الحسين بن علي فلم يخرج إلى العراق معه، مات زيد ولم يدع الإمامة، ولا ادعاها له مدع من الشيعة.
والإمامة لأولاد الحسين بن علي بن أبي طالب، وهو أعقب سبطاً واحداً، وهو مع الخمسة الأول.
السبط السادس من ولد الحسن بن علي بن أبي طالب: وهو الحسن بن زيد، ويكنى أبا محمد، وكان أمير المدينة من قبل أبي جعفر المنصور، وعمل له على غيرها.
وكان مظاهراً لبني العباس على بني عمه الحسن المثنى. وهو أول من لبس السواد من العلويين، ولا عقب لزيد إلا من ابنه الحسن هذا.
وكانت لزيد بنت اسمها نفيسة أخت للحسن بن زيد، وهي التي يسميها أهل مصر الست نفيسة ويعظمونها ويقسمون بها، وكانت زوجة الوليد بن عبد الملك.

(2/341)


وكان زيد يفد على الوليد فيقعده على السرير معه، ويكرمه لمكان ابنته، ووهب له ثلاثين ألف دينار دفعة واحدة.
وزعم بعض الناس أن نفيسة المذكورة بنت الحسن بن زيد بن الحسن لا أخت له، وقد كانت تزوجت بإسحاق بن جعفر الصادق، وكان الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه يروي عنها، ولما مات أدخلت جنازته عليها فصلت عليه. والله أعلم.
قال الزبير بن بكار: حدثني نوفل بن ميمون، قال: حدثني أبو مالك محمد بن مالك بن علي بن هرمة، أنه قال يمدح الحسن بن زيد بن الحسن السبط، ويعرض بعبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن السبط، وبابنيه محمد النفس الزكية، وإبراهيم بن عبد الله المحض: من البسيط:
إني امرؤ مَنْ رعَى غَيْبي رَعَيْتُ لَهُ ... غَيْبَ الذمامِ، ومن أنكرْتُ أنكَرَني
أَمّاً بَنُو هَاشِمٍ حَوْلِي وَقَدْ رَدَعُوا ... نَبْلي الصيَاب التي جمعْتُ في قَرنِ
فَماً بِيَثْرِبَ منْهُمْ مَنْ أُعَاتبُه ... إلا عَوَائِدُ أرْجُوهُن مِنْ حَسَنِ
وذَاكَ مَنْ يَأتِهِ يَعْمِدْ إلى رَجُلٍ ... من كُل صَالحَةِ أَوْ صَالحٍ قَمنِ
لاَ يُسلِمِ الحمْدَ للُّوامٍ إنْ شَحطُوا ... بَل يَأْخُذ الحمد بالغالي من الثمن
ما زَالَ يَنْمى وزَال الله يَرْفعُهُ ... طولاً عَلَى بغْضَةِ الأَعْدَاءِ والإِحَنِ
أَمَات فِي جَوْفِ ذي الشَحْنَاِء ظنتَه ... وكانَ داءً لذي الشَّحْنَاءِ والظننِ
إذا بَنُو هَاشِمٍ آلَتْ بأَقْدُحِهَا ... إلى المفِيضِ وخَافَتْ دَوْلَةَ الغَبَنِ
حازتْ يَداً حسنِ قِدْحَين من كرمٍ ... لَمْ يُعْمَلا بِشباً المبراةِ والسفنِ
لا يَسْتَريحُ إلى إثمٍ ولا كَذِبٍ ... عندَ السؤالِ ولا يجتن بالجُنَنِ
ماً قَاَل أَفعَلُ أمضاهُ لِوِجْهَتِهِ ... وَما أبَى لح ما يَأْتِي فَلَمْ يَكُنِ
ما أَطلَعْت رَأسَهاً كَيْماً تُهَددني ... حَصْباءُ تطرح من نفسي على شزنِ
إلاَّ ذَكَزتُ ابنَ زَيْدٍ وهْوَ ذُو صلةٍ ... عند السنينَ وعواد على الزمنِ
فاسلَمْ ولا زالَ من عَاداكَ محتملاً ... غيظاً ولا زالَ معفوراً على الذقَنِ
لم يعتب اللهُ أنفاً فيك أرغَمَهُ ... حتى تزولَ رواسي الصخْرِمن حضنِ
إذا خَلوت به ناجَيْت ذا طهرٍ ... يأوي إلى عقل صافي العقلِ مؤتمنِ
طَلق اليدَينِ إذا أضيافه طرقوا ... يشكُونَ من قرة شكوى ومِنْ وَسَنِ
بَاتُوا يَعُدُونَ نَجْمَ الليْلِ بَيْنَهُمُ ... في مستجيرِ النواحي زاهق السمنِ
ثم اغتدوْا وهُمُ دسم شواربهم ... ولم يبيتوا على ضَيحٍ من اللبنِ
قد جعل الناس حقباً نحو منزلِهِ ... شقا كقرنِ أثيثِ الرأسِ مدّهنِ
فهم إلى نائلٍ منه ومنفعةِ ... يعطونها سكناً تهوى إلى سكنِ
أوصاك زيْذ بأعْلى الأمْرِ منزلة ... فما أخذتَ قبيحَ الأمرِ بالحسنِ
خَلأَت صدقٍ وأخلاق خُصصْتَ بها ... فلم يُضَعْن ولم يُخلْطَن بالدرنِ
يلقى الأيامِن مَنْ لاقاك سانحة ... وجه طليق وعُود غَيْر ذي أُبنِ
وأنتَ من هاشمٍ حقاً إذا نسبوا ... في المنكب اللينِ لا في المنكبِ الخشنِ
بنوكَ خَيْرُ بنيها إن حفلت بهم ... وأنتَ خيرُهُمُ في اليسرِ والَّلزَنِ
واللهُ أعطاك فضلاً من عطيته ... على هَنٍ وهنٍ فيما مضَى وهنِ
قال: فقال له إبراهيم بن عبد الله بن الحسن - وجاءهم بعد ذلك - : لا أنعم الله بك عيناً يا فاسق، ألست الذي تقول للحسن بن زيد:
اللهُ أَعْطَاكَ فَضْلاً مِنْ عَطِيتهِ ... عَلَى هَن وَهَنٍ فيما مضَى وَهَنِ
تريد أبي عبد الله المحض، وأخي محمداً النفس الزكية وإياي؟ فقال ابن هرمة: والله ما أردتكم بذلك. قال له إبراهيم: فمن أردت؟ قال: قارون وفرعون وهامان.

(2/342)


قلت: هذا التوجيه عما الكلام فيه أبعد من زمان المذكورين عن زمان نحن فيه. لكنه قد حلف بالله والله عليم بالنيات. ثم قال ابن هرمة يعتذر إلى إبراهيم الغمر من ذلك ويمدحه وأباه وأخاه من البسيط:
يا ذا النُبُوَّةِ يَدْعُونِي لِيُسْمِعَنِي ... مواعظاً من جَمِيلِ رَأْيِهِ الحَسَنِ
أَقْبِلْ عَلَيَّ بوَجْهٍ منْكَ أَعْرِفُهُ ... فقد فَهِمْتُ وسُدَّ السمْعُ للأُذُنِ
لا والذي أنتَ مِنْه رَحْمَةٌ نَزَلَتْ ... نَرجُو عَواقِبَهاً في غَابِرِ الزمَنِ
لَقَد أَتَيْت بِأَمْرِ ما أَبهْتُ له ... وَلا تَعَمدَهُ قَصْدي ولا عنني
إلا مَقَالةَ أقوامٍ ذوي إحَن ... وما مَقَالُ ذَوِي الشَحْنَاءِ والإحَن؟!
لَمْ يُحْسنُوا الظن إذْ ظنوا لِذِي حَسَب ... وفِيهِمُ الغَدرُ مَقْرُون إلى الظنَنِ
ما غيرت وجهه أم مقصرةٌ ... إِذا القتامُ تغشَى أوجه الهجنِ
وكَيْفَ أَمْشِي مَعَ الأَقْوامِ مُعْتَدِلاً ... وَقد رَميتُ صَحِيحَ العودِ بالأُبنِ؟
وكيف يأْخذُ مثلي في تحيزِهِ ... وسط المعاشِرِ مَبْخُوساً من الثمَنِ
وقد صَحِبْتُ وجَاوَرْتُ الرجَالَ فلمْ ... أَمْلُلْ إِخَاءً وَلَمْ أَغْدرْ ولَمْ أَخُنِ
وماً بَرِحت بِحمْدِ اللهِ في سَنَن ... مِن صَالح العَهْدِ أُمْضيهاً إلى سَنَنِ
يا بنَ الفَوَاطِمِ خَير النَّاسِ كلِّهمُ ... بَيتاً وأولاهُمُ بالفَوْز لا الغَبَنِ
إنْ لِنْتَ نَحوِي فإن الله جَابِرُنا ... ولا اخْتِيارَ لنا إنْ أنْتَ لَمْ تَلِنِ
وماً لَبِسْتُ عنانِي في مساءتكُمْ ... ولا خَلَعْتُ لغش نَحْوَكُمْ رَسَني
وأنتَ مِنْ هَاشِمِ في سِر نَبعَتها ... وطينةٍ لم تُقَارِفْ هجنَةَ الطينِ
لَوْ رَاهنَتْ هاشمٌ عَن خَيرهاً رجلاً ... لكان أبُوكَ الذي يَخْتَصُّ بالرَهنِ
واللهِ لَوْلا أَبُوكَ الخَيْرُ قد نَزَلَتْ ... منى قَوَافٍ بِأَهْلِ اللُؤْمِ والوَهَنِ
تَبْرِي العِظَامَ فَتُبدي عَنْ جَنَاجِنِها ... أَخْذَ الشَرِيحَةِ بالمبراةِ والسفنِ
أنت الجَوَادُ الذي نَدعُو فَتلْحقُنَا ... إذا تَرَاخَى المَدى بالقرح والحصنِ
فما أبالي إذا ما كُنْتَ لي كنفاً ... من صدَ أو بَتَّ مِنْ أَقْرانِهِ قَرنِي
وماً أبالي عَدُوَّ اللهِ شَاحَنني ... أَمْ زَاحَمَتْ شعفات الصم من حضنِ
أنتَ المُرَجى لأمَرِ النَّاس إنْ أَزِمَتْ ... جَداءُ صَرمَاءُ لمْ تَصْدُرْ على لبنِ
يأوونَ مِنكَ إلى حِصْنٍ يُلاذُ به ... تأوِى إِلَيْه الطرادى وَاسِع العطنِ
وأعقب الحسن بن زيد من سبعة رجال، ثلاثة منهم مكثرون: أبو محمد القاسم، وعلي الشريد، وأبو محمد إسماعيل. وأربعة مقلون أبو الحسن إسحاق، وأبو طاهر زيد، وأبو زيد عبد الله، وأبو إسحاق إبراهيم.
أعقب القاسم بن الحسن، وهو الفرع الأول من رجلين: محمد البطحاني، وعبد الرحمن الشجري.
أما محمد البطحاني ونسبه إلى بطحان بالضم. موضع بالمدينة، وبالفتح إلى البطحاء، وكلاهما ورد، وكان فقيهاً له عقب كثير منهم: إبراهيم بن محمد البطحاني، أعقب في بلاد شتى وفيهم مجانين وبله ونقص وسفهاء.
من ولده الوزير أبو منصور ناصر بن مهدي، كان فاضلاً تولى الوزارة ببغداد للخليفة الناصر العباسي في عشر ذي الحجة سنة اثنتين وستمائة. وعزل في ثالث عشر جمادى الآخرة، ونقل وعياله إلى دار الخلافة وأجري عليه النفقة إلى أن مات ليلة السبت لثمان خلون من جمادى الأولى سنة سبع عشرة وستمائة في السنة التي توفي فيها الشريف قتادة النابغة جد ساداتنا ولاة مكة المشرفة وانقرض عقبه.
قال في عمدة الطالب: كان فيه تجبر وتكبر. فحكي أنه وجد يوماً في دواته رقعة فأنكرها فأخذها فإذا فيها من السريع:

(2/343)


لاَ قَاتَلَ الله يَزِيذاً وَلاَ ... مُدَت يَدُ السوءِ إلَى نَعْلِهِ
لأنهُ قد كَانَ ذا قدرةٍ ... عَلى اجْتِثَاثِ الفَرْع منْ أصلِهِ
لَكنًّه أَبْقَى لَناً مِثلَكُمْ ... أَحْيَاءَ كَيْ يُعْذَرَفي فِعْلِهِ
فاضطرب لذلك واجتهد أن يعلم واضعها.
قلت: هذا تجرؤ إلى الغاية والعياذ بالله لكن الابن السوء يكسب الآباء الكرام السوء.
ومنهم: الداعي الصغير بالري وطبرستان وهو الحسن بن القاسم بن علي بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد البطحاني بن القاسم بن الحسن بن زيد. وكان بين هذا الداعي الصغير وبين الأطروش حروب.
وقتل هذا الداعي سنة تسع عشرة وثلاثمائة.
ومن عقبه أيضاً: القاسم بن علي بن إسماعيل أحد قواد الحسن بن زيد وهم غيروا نعم أهل تلك الآفاق، وأذهبوا بهجتهم، وكانوا سبباً لتورد الديلم دار الإسلام بما يستجيشونهم، خرج معهم ومع الحسيني ما كانُ بن ماهان ملك الديلم.
وكان مرداويج وبنو بويه من بعض رجاله، وكان لهم من عشيرتهم قواد ورجال يسمون بأسماء الديلم من أجل مرباهم بينهم. والله يخلق ما يشاء.
وأما عبد الرحمن الشجرىِ: فنسبته إلى قرية قريبة من المدينة الشريفة، يكنى أبا جعفر، له عقب من ثلاثة: علي ومحمد وجعفر. ومنهم بنو المنقوب، وبنو أبي الغيث، وبنو أبي نفيشة، وبنو شكر، وبنو أسود.
الفرع الثاني: على الشريد بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، سمي بذلك لقوته. مات في حبس المنصور وأعقب من ولده عبد الله. ولعبد الله هذا عقب منهم السبعية، وهذه نسبة إلى محلة بالكوفة.
الفرع الثالث: أبو محمد إسماعيل، ويلقب جالب الحجارة بالجيم، وقيل بالحاء لشدته وقوته. ويلقب بالمهفهف أيضاً. أعقب من محمد وعلي النازوكي. أما علي هذا فله عقب منهم: بنو طرخان. وأما محمد فأعقب من ولده زيد. ومنه محمد الداعي، وأخوه الحسن ملكا طبرستان فملكها أولاً الحسن ولقب بالداعي الكبير وبالداعي الأول سنة خمسين ومائتين. وتوفي سنة سبعين ومائتين ولم يعقب. وكان جريئاً على سفك الدماء على ما حكاه صاحب عمدة الطالب.
الفرع الرابع: أبو الحسن إسحاق بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وكان أعور ويلقب بالكوكبي، وكان مع الرشيد، قيل: إنه كان يسعى بآل أبي طالب فكان عيناً للرشيد عليهم، وسعى بجماعة من العلويين فقتلوا برأيه. وغضب الرشيد عليه آخر الأمر فحبسه حتى مات في الحبس.
قال أبو عبد الله: أولد من هارون والحسن، وقيل: إسحاق ليس له ولد.
الفرع الخامس: أبو طاهر زيد بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب. عقبه من ولد طاهر، ومنه في محمد بن طاهر.
الفرع السادس: أبو زيد عبد الله بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب. له خمسة: علي والحسن ومحمد ويزيد وإسحاق. لهم أعقاب.
الفرع السابع: أبو إسحاق إبراهيم بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب. أعقب من ولده إبراهيم بن إبراهيم، وأعقب إبراهيم من الحسن ومحمد لهما عقب.
قال ابن خلدون: ومن عقب إبراهيم بن الحسن: محمد بن الحسن بن محمد بن إبراهيم بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، أقام بالمدينة أيام المعتمد، وجاهر بالمنكرات والقتل إلى أن تعطلت الجماعات، ولا قوة إلا بالله.
وأما الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما وهو القتيل بالطف أيام يزيد. أولاده اثنا عشر، وقيل أقل، قتل غالبهم بكربلاء ولم يعقب منهم إلا على زين العابدين فقط، فجميع بني حسين ينسبون إليه، وهو الإمام بعد أبيه الحسين، ولد بالمدينة يوم الخميس خامس شعبان سنة ثمان وثلاثين من الهجرة في حياة جده علي بن أبي طالب قبل وفاته بسنتين. كنيته أبو الحسن، وقيل أبو محمد، وقيل أبو بكر، ألقابه زين العابدين، والزكي، والأمين، وذو الثفنات، وزين العابدين أشهرها.
صفته: أسمر قصير رقيق. معاصروه: مروان وعبد الملك والوليد ابنه. عمره سبع وخمسون سنة أقام منها مع جده علي بن أبي طالب سنتين، ومع عمه الحسن بعد وفاة جده عشر سنين، ومع أبيه بعد وفاة عمه إحدى وعشرين سنة، وبقي بعد وفاة أبيه أربعاً وعشرين سنة وهي مدة إمامته.

(2/344)


قال السيد نور الدين علي السمهودي مؤرخ المدينة الشريفة في كتابه جواهر العقدين: كانت أمه سلامة بنت يزدجرد آخر ملوك الفرس. وكانت له ثلاث بنات، وسبين في زمن عمر بن الخطاب، فحصلت واحدة منهن لعبد الله بن عمر بن لخطاب، فأولدها سالم بن عبد الله بن عمر، وحصلت الأخرى لمحمد بن أبي الصديق، فأولدها القاسم بن محمد بن أبي بكر، وحصلت الثالثة للحسين بن علي، فأولدها علياً زين العابمين المذكور، فهم بنو خاله.
كان زين العابدين مع أبيه رضي الله عنهما بكربلاء فاستبقي، قيل لصغر سنه لأنهم قتلوا كل من أنبت، وكان قد أمرهم عبيد الله بن زياد بقتله ثم صرفه الله تعالى عنه. وأشار بعض الفجرة على يزيد بقتله أيضاً فحماه الله منه، والحمد لله والمنة.
ثم إن يزيد صار يكرمه ويعظمه، ويجلس معه ولا يكل إلا وهو معه. ثم بعثه إلى المدينة فكان بها محترماً معظماً.
قال ابن عساكر: ومسجده بدمشق معروف وهو الذي يقال له مشهد على جامع دمشق.
قال الإمام الزهري: ما رأيت قرشياً أفضل منه.
وقال محمد بن سعد: كان زين العابدين ثقة مأمونَاً، كثير الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عالماً لم يكن في أهل بيته مثله، وكان إذا توضأ يصفر لونه، فإذا قام إلى الصلاة أرعد من الفزع، فقيل له في ذلك. فقال: أتدرون بين يدي من أقوم ولمن أناجي؟ ويروى أنه احترق البيت الذي هو فيه وهو قائم يصلي، فلما انصرف قيل له ما بالك لم تنصرف حين وقعت النار؟ فقال: إني شغلت عن هذه النار بالنار الأخرى.
وروى أنه لما حج وأراد أن يلبي أرعد واصفر وخر مغشياً عليه. فلما سئل قال: إني أخشى إذا قلت لبيك اللهم لبيك أن يقول لي لا لبيك ولا سعديك. فشجعوه وقالوا: لابد من التلبية، فلما لبى غشي عليه حتى سقط من الراحلة. وكان يصلي كل يوم وليلة ألف ركعة. وكان رضي الله عنه يقول: صدقة الليل تطفئ غضب الرب عز وجل.
وكان إذا خرج من منزله قال: اللهم إني أتصدق اليوم وأهب عرضي لمن يغتابني.
ومات لرجل ولد مسرف على نفسه فجزع عليه فقال له علي رضي الله عنه: إن من وراء ذلك لخلالاً ثلاثاً: شهادة أن لا إله إلا الله، وشفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورحمة الله تعالى.
واختلف في تاريخ وفاته، والجمهور أنها سنة أربع وتسحين في أولها.
وأغرب المدائني فقال: في سنة مائة، ودفن بالبقيع في القبر الذي فيه عمه الحسن ابن علي بقبة العباس بن عبد المطلب، ودفن في هذا القبر ابنه محمد الباقر وابنه جعفر الصادق فهم أربعة في قبر واحد فأكرم به قبراً ويقال: إن رأس الحسين أرسل به إلى المدينة فدفن فيه. والله أعلم.
أولاده خمسة عشر ولداً، وقيل أكثر، وقيل أقل. العقب منه في ستة أسباط فقط وهم: محمد الباقر، وعبد الله الباهر، وزيد الشهيد، وعمر الأشرف، والحسين الأصغر، وعلي الأصغر السبط الأول الإمام بعد أبيه هو: محمد الباقر بن زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب. وسيأتي ذكر ترجمته أيضاً عن ذكر الأئمة الاثني عشر قريباً. أولاده ستة العقب منه في جعفر.
السبط الثاني: عبد الله الباهر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب. لقب بالباهر لجماله. قالوا: ما حضر مجلساً إلا بهر جماله وحسنه من حضر.
توفي وهو ابن سبع وخمسين سنة. يكنى أبا محمد. وعقبه قليل. أعقب من ابنه محمد الأرقط وحده. ويكنى محمد هذا أبا عبد الله، وكان محدثاً. وأقطعه السفاح عين خالد بن سعيد ويلقب بالأزرق. قال العمري: كان مجدراً فلقب بالأرقط.
قال أبو نصر البخاري: من يطعن في الأرقط فلا يطعن من حيث النسب وإنما يطعن بشيء آخر جرى بينه وبين جعفر الصادق.
ويقال: إنه بصق في وجه الصادق فدعا عليه فصار أرقط الوجه به نمش كريه المنظر، وأما نسبه فلا مطعن فيه.
وأعقب الأرقط من إسماعيل وحده، وإسماعيل من اثنين محمد والحسين البنفسج.
أما محمد فله أحمد الدح وإسماعيل الناصب ولهما أعقاب. وأما الحسين فعقبه في عبد الله وأحمد وإسماعيل الدح لهم أعقاب. ومن ولد الأرقط الحسين الكوكبي ابن أحمد بن محمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن الأرقط.
السبط الثالث: زيد الشهيد بن علي زين العابدين بن الحسين يكنى أبا الحسن وستأتي ترجمته عند ذكر قيامه في الباب الثاني المعقود لمن دعا من الأهل إلى المبايعة.

(2/345)


أعقب من ثلاثة: الحسين ذي الدمعة، قيل له ذلك لكثرة بكائه. وعيسى موتم الأشبال وهو الذي حارب المنصور أول خلافته. ومحمد. وأما ابنه يحيى فلم يعقب وخرج بعد قتل أبيه. وسيأتي ذكره في الدعاة في الباب المشار إليه.
أعقب الحسين من ثلاثة: يحيى والحسين وعلي، وأعقب عيسى من أربعة: أحمد المختفي وزيد ومحمد والحسين عصارة.
وأعقب محمد من رجل واحد وهو أبو عبد الله جعفر الشاعر. وأعقب الشاعر من ثلاثة: محمد الخطيب وأحمد مسكين والقائم.
ولهم أعقاب منهم: علي بن محمد الخطيب. ولعلي المذكور قوله من المتقارب:
وإنّا لنُصْبِحُ أَسْيَافَنَا ... إِذاً ماً اصْطَبَحناً بيَوْم سَفوكِ
مَنَابِرهُنَّ بُطُونُ الأكُف ... وأَغْمَادُهُن رؤوس المُلُوك
وله أيضاً من الوافر:
لَناً مِنْ هَاشِم هَضَبَات غُر ... مُطَنبةْ بِأَوتَادِ السمَاءِ
تُطِيفُ بِناً الملاَئكُ كُل يَوْمٍ ... ونكفلُ في حُجُورِ الأَنْبياءِ
ويَهتَز المَقَامُ لَناً ارتِياحاً ... ويَلْقَاناً صفاه بالصفاءِ
ومن ولد الحسين ذي الدمعة: الحسن بن الحسين بن زيد. وقتل مع أبي السرايا، ويحيى بن الحسين الذي كان من عقبه يحيى بن عمر بن يحيى القائم بالكوفة أيام المستعين، وسيأتي ذكره في الباب الثاني المذكور، وعلي بن زيد بن الحسين بن زيد قام بالكوفة ثم هرب إلى صاحب الزنج بالبصرة، فقتله وأخذ جارية له كان سباها من البصرة.
السبط الرابع: عمر الأشرف بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهم. وهو أخو زيد الشهيد لأبويه وأسن. ويكنى أبا علي وقيل أبا جعفر.
وكان محدثاً فاضلاً أعقب من رجل واحد وهو علي الأصغر والعقب من علي الأصغر هذا في ثلاثة: القاسم وعمر الشجري وأبو محمد الحسن من ابنه علي، وأعقب علي من ثلاثة رجال أبو علي الصوفي، وأبو عبد الله الحسين الشاعر المحدث، وأبو محمد الحسن الناصر الكبير الأطروش إمام الزيدية ملك الديلم صاحب المقالة، إليه تنتسب الناصرية من الزيدية، ورد الديلم سنة سبعين ومائتين وكان بطبرستان، فلما غلب رافع عليها أخذه فضربه ألف سوط فطرش، وأقام بأرض الديلم يدعوهم إلى الله سبحانه وتعالى، وإلى الإسلام أربع عشرة سنة، ودخل طبرستان في جمادى الأولى سنة إحدى وثلاثمائة فملكها ثلاث سنين وثلاثة أشهر، ويلقب بالناصر للحق، وأسلموا على يده وعظم أمره. وتوفي بآمُل، عن سبع وتسعين سنة، له عقب، وعمر الشجري له عقب.
السبط الخامس: أبو عبد الله الحسين الأصغر ابن علي زين العابدين بن الحسين رضي الله تعالى عنهم.
كان عفيفاً محدثاً عالماً توفي سنة تسع وخمسين ومائة عن سبع وخمسين سنة ودفن بالبقيع، وعقبه عالم كثير بالحجاز والعراق والشام والمغرب وبلاد العجم، منهم أمراء المدينة، وسادات العراق، وملوك الري.
أعقب من خمسة رجال: عبيد الله الأعرج وعبد الله وعلي وأبي محمد الحسن وسليمان.
أما سليمان بن الحسين الأصغر بن علي زين العابدين فأعقب من ابنه سليمان بن سليمان، وعقبه بالمغرب يقال لهم الفواطم.
وأما أبو محمد الحسن بن الحسين الأصغر، فعقبه من ابنه محمد بن الحسن، ومنه من عبد الله ولعبد الله محمد السليق وعلي المرعش وعقبهما كثير ببلاد العجم. وأما علي بن الحسين الأصغر، فأعقب من ثلاثة: عيسى الكوفي وأحمد جفينة وموسى حمضة لهم أعقاب.
وأما عبد الله بن الحسين الأصغر مات في حياة أبيه فعقبه من جعفر صحصح بن عبد الله، وكان له عشرة وانقرضوا. ابنته زينب بنت عبد الله بن الحسين الأصغر تزوجها الرشيد، وفارقها ليلة دخوله بها، وذلك أنه بعث إليها تلك الليلة خادماً ومعه تكة يريد أن يربطها لئلا تمتنع على الرشيد فلما دنا الخادم منها ركلته برجلها فكسرت ضعلين من أضلاعه، فخافها الرشيد، ولم يدخل بها، وردها من غدها إلى الحجاز، وأجرى عليها في كل سنة أربعة آلاف مثقال، وأدرها عليها بعده ابنه المأمون. فأعقب جعفر صحصح بن عبد الله بن الحسين الأصغر من ثلاثة: محمد العقيقي وإسماعيل المنقذي ويقال لولدهما المنقذيون سموا بذلك لأنهم سكنوا دار المنقذ بالمدينة فنسبوا إليها.
وبنو محمد العقيقيون لهم أعقاب، وتنسب إليهم بنو ميمون، وآل البكري، وآل عدنان.

(2/346)


قال ابن خلدون: ومن ولد الحسين عبد الله العقيقي بن الحسين، كان من ولده الحسين بن محمد بن جعفر بن عبد الله العقيقي، قتله الحسن بن زيد صاحب طبرستان.
وأما عبيد الله الأعرج بن الحسن الأصغر بن علي زين العابدين، فيكنى أبا علي، كان في إحدى رجليه نقص.
وفد على أبي العباس السفاح، فأقطعه ضيعة بالمدائن تغل في السنة ثمانين ألف دينار.
وكان عبيد الله قد تخلف عن بيعة محمد النفس الزكية لما خرج بالمدينة، فحلف محمد إن رآه ليقتلنه فلما جيء به إليه غمض محمد إحدى عينيه مخافة أن يحنث.
توفي عبيد الله في حياة أبيه عن سبع وثلاثين سنة.
وانقسم عقبه بطوناً وأفخاذاً وعشائر.
أعقب من أربعة رجال: جعفر الحجة وعلي الصالح ومحمد الجوابي وحمزة مختلس الوصية.
أما حمزة مختلس الوصية، فأعقب من ثلاثة رجال محمد والحسين وعلي، وكان له عبيد الله لم يطل له ذيل.
وأعقب محمد من رجلين: أبي علي ويلقب سنَّور الله، له عقب ببلاد العجم، والحسين الحرون وكان أحد الأبطال المشهورين، مات في حبس المهدي العباسي.
وأما الحسين بن حمزة، ويكنى أبا الشنف له عقب من ابنه محمد. منهم بنو ميمون وبنو حمزة. وأما علي فأعقب علي بن علي وله عقب وقيل انقرض.
وأما محمد الجوابي بن عبيد الله الأعرج بن الحسين الأصغر - والجواب قرية بالمدينة إليها نسب - له عقب من ولده الحسن بن محمد.
وأما علي الصالح بن عبيد الله الأعرج بن الحسين الأصغر، أعقب من رجلين عبيد الله الثاني وإبراهيم، ولهما أعقاب مبسوطة التفاريع في محالها. ومن أعقاب عبيد الله الثاني: الأمير أبو الحسين محمد الأشتر، ممدوح أبي الطيب أحمد بن الحسين المتنبي بالقصيدة الدالية التي مطلعها: من المنسرح:
أَهلاً بدارٍ سباك أَغيدها............
وأما جعفر الحجة ابن عبيد الله الأعرج بن الحسين الأصغر بن علي زين العابدين فكان من أئمة الزيدية، وكان له شيعة يسمون الحجة، وكان القاسم الرسي بن طباطبا يقول: جعفر بن عبيد الله إمام آل محمد وكان فصيحاً.
ومن عقبه الملقب بمسلم الذي يريد مصر أيام كافور وهو محمد بن عبيد الله بن طاهر بن يحيى المحدث بن الحسن بن جعفر حجة الله، وابنه طاهر بن مسلم.
ومن عقب طاهر هذا أمراء المدينة إلى هذا العهد بنو جماز بن هبة بن جماز بن منصور بن جماز بن شيحة بن هاشم بن القاسم بن مهنا.
ومهنا هو الحسن بن طاهر بن مسلم.
قال ابن خلدون: هكذا قال المسبحي مؤرخ العبيديين.
وقال العتبي مؤرخ دولة بني سبكتكين: إن مهنا هو ابن داود بن القاسم أخي مسلم وعم طاهر.
قلت: رأيت في جواهر العقدين ما نصه: جد أهل بيت بني مهنا أمراء المدينة من الولاة والمعزولين يحيى المحدث ابن الحسن بن جعفر الحجة ابن عبيد الله الأعرج بن الحسين الأصغر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب؛ لأن مهنا المذكور هو ابن داود بن القاسم بن عبيد الله بن طاهر بن يحيى المذكور.
بل غالب من بالمدينة اليوم من أشراف بني حسين من نسله، وهو مؤيد لما قاله العتبي لا كما تراه كما قال المسبحي.
وزعم ابن سعيد أن بني جماز بن شيحة أمراء المدينة من عقب عيسى بن زيد الشهيد وفيه نظر.
ومن ولد عبيد الله الأعرج حمزة بن الحسن بن سليمان بن سليمان بن حسين ملك هاز في أرض المغرب، وملك قطيعاً بلد صنهاجة وإليه ينسب سوق حمزة هنالك فيما قاله ابن حزم وولده بها كثير، وعم أبيه الحسن بن سليمان من قواد الحسن بن زيد بطبرستان.
السبط السادس: علي الأصغر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم يكنى أبا الحسن.
أعقب من ابنه الحسن الأفطس. مات أبوه وهو حمل وأعقب الأفطس وأنجب و أكثر.
وعقبه من خمسة رجال: علي حروري وعمر والحسين والحسن المكفوف وعبد الله الشهيد قتيل البرامكة.
وأما الحسين بن الحسن الأفطس الذي قام بمكة أيام أبي السرايا من قبل محمد الديباج بن الصادق ثم دعا لمحمد بن إسماعيل بن إبراهيم الغمر وأخذ مال الكعبة وفيه يطعنون لقبح سيرته.
وقد تكلم فيه قوم، منهم؛ الشريف أبو جعفر بن معية الحسنى صاحب المبسوط وأبو عبد الله الحسين بن طباطبا، وأثبته أكثر العلماء.

(2/347)


وعمل شيخ الشرف العبيدلي كتاباً سماه الانتصار، لبني فاطمة الأبرار. ذكر الأفطس وولده بصحة النسب وذم الطاعن عليهم. قال العمري: وهو في الجرائد والمشجرات ما دفعهم دافع.
وقال الشيخ تاج الدين بن النقيب لما سئل عن الأفطس وولده قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعد أن يفترق من ذريته عدد أسباط بني إسرائيل وقد افترق من ولد الحسين ستة أسباط هم أولاد على زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب. فلو توجه الطعن على الأفطس لم يكن لعلي بن علي بن الحسين عقب ولا يكون أولاد فاطمة الزهراء رضي الله تعالى عنها اثني عشر سبطاً.
قال: وهذه حجة ظاهرة على صحة نسبهم.
وقيل: إن الحسين بن الحسن الأفطس كان حامل راية محمد النفس الزكية، ولم يخرج معه أسمع منه ولا أبصر.
وكان يقال له رمح أبي طالب، لطَوْلِهِ وطُولِهِ.
ولما قتل محمد النفس الزكية اختفى الحسن الأفطس، فلما دخل الصادق العراق ولقي المنصور قال له: يا أمير المؤمنين أتريد أن تسدي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يداً. قال: نعم يا أبا عبد الله. قال الصادق: تعفو عن الحسن بن علي بن علي زين العابدين بن الحسين فعفا عنه.
قال أبو نصر البخاري: فهذه شهادة قاطعة من الصادق أنه ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعلي ومحمد ابنا الأفطس قتلهما المأمون.
وأما محمد الباقر يكنى أبا جعفر الغاية الساكن والهادي وأشهرها الباقر لقول النبي صلى الله عليه وسلم لجابر بن عبد الله الأنصاري: إنك ستعيش حتى ترى رجلاً من أولادي اسمه اسمي يبقر العلم بقراً فإذا لقيته فأقره مني السلام فلقيه جابر وأقرأه السلام من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومات جابر بعد ذلك بقليل.
ولد بالمدينة يوم الخميس ثالث صفر سنة سبع وخمسين من الهجرة قبل قتل الحسين جده بثلاث سنين.
صفته: معتدل السمرة، معاصره الوليد، وولداه يزيد وإبراهيم.
عمره ثمان وخمسون سنة وقيل ستون، أقام منها مع جده الحسين ثلاث سنين، ومع ابنه علي زين العابدين ثلاثاً وثلاثين سنة وقيل خمساً وثلاثين سنة، وبقي بعد موت أبيه سبع عشرة سنة وهي مدة إمامته.
يقال: مات بالسم في زمن إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك سنة عشر ومائة، وقيل: سنة أربع عشرة، ودفن بالبقيع بالقبر الذي فيه أبوه، وعم أبيه الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهم.
أولاده ستة؛ أربعة ذكور: جعفر الصادق، وعبد الله الأفطح أمهما زُرَيْوَةُ بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وإبراهيم وعلي.
وبنتان: زينب وأم سلمة، والعقب منه في جعفر الصادق فقط.
فأما عبد الله الأفطح فكانت له شيعة يدعون إمامته، منهم زرارة بن أعين الكوفي، ثم قام بالمدينة، وسأله عن مسائل من الفقه فألفاه جاهلاً، فرجع عن القول بإمامته، وانقطعت الشيعة الأبطحية، وزعم ابن حزم أن بني عبيد ملوك مصر ينتسبون إليه، وليس ذلك بصحيح.
وأما الإمام جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زبن العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وهو القائم بعد أبيه، وهو سادس الأئمة فيكنى أبا عبد الله، وقيل: أبا إسماعيل، وله ألقاب: الفاضل والطاهر، وأشهرها الصادق، وكان يقال له عمود الشرف.
صفته: معتدل، آدم اللون، معاصره أبو جعفر المنصور، أمه فُرَيْوَةُ بنت القاسم ابن محمد كما تقدم ذلك، وولد بالمدينة يوم الإئنين لثلاث بقين من ربيع الأول سنة ثمانين من الهجرة وقيل ثلاث وثمانين. عمره ثمان وستون سنة.
أقام منها مع جده علي زين العابدين اثنتي عشرة سنة وأياماً، ومع أبيه محمد الباقر ثلاث عشرة سنة وأياماً، وبقي بعد موت أبيه أربعاً وثلاثين سنة وهي مدة إمامته. وتوفي بالمدينة يوم الإثنين منتصف رجب سنة ثمان وأربعين ومائة.
يقال: مات بالسم في زمن المنصور، ودفن مع أبيه وجده، وعم جده الحسن بن علي بن أبي طالب، وعم جد جده العباس بن عبد المطلب بالبقيع بقبة العباس، فلله دره من قبر ما أشرفه وأطهره وأكرمه وأنوره.
أولاده سبعة، وقيل أكثر، العقب منه في خمسة رجال، وهم الإمام موسى الكاظم وإسماعيل وعلي العريضي، ومحمد المأمون وإسحاق، وليس له ابن اسمه ناصر معقب ولا غير معقب بإجماع أهل النسب، وبنواحي أهل خراسان قوم ينسبون إلى ناصر بن جعفر وهم أدعياء كذابون لا محالة، وهم هناك يخاطبون بالشرف، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

(2/348)


ومن أولاد جعفر الصادق محمد الديباج خرج بمكة أيام المأمون، وبايع له أهل لحجاز بالخلافة، وحمله المعتصم لما حج وجاء به إلى المأمون فعفا عنه، ومات سنة ثلاث ومائتين بجرجان.
وأما إسماعيل الإمام، وموسى الكاظم فعليهما وعلى بنيهما مدار اختلاف شيعة، وكان الكاظم على زي الأعراب مائلاً إلى السواد، وكان الرشيد يؤثره، ويتجافى عن قبول السعاية فيه ثم حبسه.
ومن عقبه بقيه الأئمة الاثني عشر عند الإمامية من لدن علي بن أبي طالب فهو أولهم، وقد تقدم ذكره عند ذكر خلافته، ثم ابنه الحسن بن علي وقد تقدم كذلك، وبيان ترجمته، وتاريخ وفاته في سنة خمس وأربعين، ثم أخوه الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم، ثم ابنه على زبن العابدين، ثم ابنه محمد الباقر، ثم ابنه جعفر الصادق، وقد ذكرت تراجم هؤلاء.
ومن عقب جعفر الصادق من غير الأئمة محمد وعلي ابنا الحسين بن جعفر قاما بالمدينة سنة إحدى وسبعين ومائتين، وسفكا الدماء، وانتهبا الأموال واستلحما آل جعفر بن أبي طالب، وأقامت المدينة شهراً لا تقام فيها جمعة ولا جماعة.
ومن عقب إسماعيل الإمام ابن جعفر الصادق العبيديون خلائف القيروان ومصر بنو عبيد الله المهدي بن محمد بن جعفر بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، وقد تقدم ذكرهم. وما للناس من الخلاف في نسبهم وهو مطرح كله وهذا أصح ما فيه، هذه عبارة ابن خلدون وهو ممن يرجح القول بصحة نسبهم، وأنه إلى إسماعيل بن جعفر الصادق كما ترى، والله أعلم بالحقائق.
الإمام السابع موسى الكاظم: يكنى إسحاق وأبا إبراهيم، وهو موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم.
ألقابه: الكاظم والصابر والصالح أشهرها الأول، لقب به لفرط تحمله وتجاوزه عن المعتدين عليه. أمه أم ولد اسمها حميدة.
ولد بالأبواء بين مكة والمدينة يوم الأحد لسبع ليال خلون من صفر سنة ثمان وعشرين ومائة.
وأقدمه المهدي بغداد ثم رده إلى المدينة فأقام بها إلى أيام الرشيد، فلما قدم الرشيد المدينة حمله معه وحبسه ببغداد إلى أن توفي في رجب سنة ثلاث وثمانين ومائة.
وفي شواهد النبوة: مات في حبس الرشيد ببغداد يوم الجمعة لخمس خلون من رجب سنة ثلاث وثمانين ومائة فقبره ببغداد.
ويقال: إن يحيى بن خالد البرمكي سمه في رطب بأمر الرشيد، وقيل لف في بساط، وغم حتى مات رحمه الله من شهيد.
معاصره: المهدي والهادي والرشيد. عمره خمس وخمسون سنة منها مقامه مع أبيه عشرون سنة، وبقي بعد وفاة أبيه خمساً وثلاثين سنة وهي مدة إمامته ودفن في مقابر قريش.
أولاده سبعة وثلاثون ولداً بين ذكر وأنثى، العقب منهم في أربعة عشر رجلاً هم: الحسن والحسين وعلي الرضا وإبراهيم المرتضى وزيد النار وعبد الله وعبيد الله والعباس وحمزة وجعفر وهارون وإسحاق وإسماعيل ومحمد العابد، وإبراهيم المرتضى بن موسى الكاظم هو الذي ولى محمد بن طباطبا وأبو السرايا على اليمن فذهب إليها ولم يزل بها أيام المأمون يسفك الدماء حتى لقبه الناس بالجزار، وأظهر الإمامة عند ما عهد المأمون لأخيه علي الرضا بن موسى الكاظم، ثم اتهم المأمون بقتله، فجاء هو وطلب الإمامة لنفسه، ثم عقد المأمون على حرب الفاطميين باليمن لمحمد بن زياد بن أبي سفيان لما بينهم من البغضاء، فأوقع بهم مراراً وقتل شيعتهم وفرق جماعتهم.
ومن عقب إبراهيم المرتضى هذا الشريف الرضى وأخوه المرتضى واسم كل منهما علي بن الحسين بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن موسى الكاظم.
وزيد النار بن موسى الكاظم هو الذي ولاه أبو السرايا أيضاً على الأهواز، فسار إلى البصرة وملكها، وأحرق دور العباسيين بها فسمي زيد النار، ومن عقبه زيد الجنة بن محمد بن زيد بن الحسين بن زيد النار، من أفاضل أهل البيت وصلحائهم، حمل إلى بغداد في محنة الفاطميين أيام المتوكل ودفع إلى ابن أبي دواد يمتحنه فشهد له وأطلقه. ومن عقب موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم من غير الأئمة السيد أبو جعفر محمد ابن موسى بن أحمد بن محمد بن القاسم بن حمزة بن موسى الكاظم.

(2/349)


قال العتبي في تاريخه المسمى باليميني لدولة محمود بن سبكتكين وابنه يمين الدولة - والعتبي صاحب هذا التاريخ نسبة إلى عتبة بن أبي سفيان صخر بن حرب ابن أمية بن عبد شمس - في ترجمته السيد المذكور: ألفاظه منابع العلوم، وأقواله مراتع العقول، ومجاله حدائق الجد والهزل، وجوامع الكلم الفصل. فلم تبق يتيمة خطاب، ولا كريمة صواب، ولا غرة حكمة، ولا درة نكتة، ولا طرفة حكاية، ولا فقرة رواية إلا هي عرضة خاطره، وثمرة هاجسه، ونصب تذكره، ومثال تصوره. لا تصدأ صفيحة حفظه، ولا تدرس صحيفة ذكره، ولا يكسف بدر معارفه، ولا ينزف بحر لطائفه. هو واحد خراسان من بين الأشراف العلوية في قوة الحال، وسعة المجال، واشتداد باع العز، وامتداد شعاع الجاه، والعلم الغامر، والأدب الباهر، والشعر الزاهر. فمن شعره قوله من البسيط:
وشَادنٍ وَجْهُهُ بالحُسْنِ مَخطُوطُ ... وَخَذُهُ بِمدادِ الخَالِ مَنْقُوطُ
تَرَاهُ قَدْ جَمَعَ الضدَيْنِ في قَرنٍ ... فالخِصْرُ مُخْتَصَر والردْفُ مَبْسوطُ
وقد أكثر الشعراء والأدباء في مدائحه، فمن ذلك قول أبي الفتح البستي من الخفيف:
أنا للسيَّدِ الشَّريفِ غُلاَمٌ ... حَيْثُ ماً كَانَ فَلْيُبَلَّغْ سَلاَمي
وِإذاً كُنتُ للشَريفِ غُلاَمَاً ... فَأناً الحُرُ والزمَانُ غُلاَمِي
وقد اتفق في مجلس السيد المذكور - وكان مجمعاً للعلماء الفضلاء والجهابذة النبلاء - مناظرة بين أبي الفضل الهمذاني المعروف بالبديع، وبين أبي بكر الخوارزمي سببها معارضة الهمذاني والمجلس غاص، والمصدر فيه السيد أبو جعفر المذكور، وكان الخوارزمي ينسب البديع الهمذاني إلى مذهب الخوارج والنواصب، يريد بذلك الوضع من قدره عند السيد أبي جعفر المذكور، فقال البديع هذه الأبيات الخمسة مخاطباً بها السيد ومبيناً له طهارة اعتقاده مما نسبه إليه الخوارزمي من النصب.
قلت: قد خلبت خلبي، واستلبت لبي، بجنسها وفصلها، فكانت هي السبب لذكر الترجمة من أصلها وهي من مجزوء الكامل:
أنا في اعتقادي للتَسنْ ... نُنِ رافضي في ولائِكْ
فَلَئنْ شُغِلْتُ بهَؤُلا ... ء ِفَلَسْتُ أَغْفُلُ عَن أولئِك
يا عقْدَ مُتتَظِمِ النبُوْ ... وةِ بَيْتَ مُخْتَلِفِ الملائِكْ
يِاَ بنَ الفَوَاطِمِ والعَوَا ... تِكِ والتَرائِكِ والأرائِكْ
أَناً حَائِك إن لَم أكُنْ ... عَبداً لِعَبْدِكَ وابْنُ حائِكْ
وقوله يابن الفواطم يريد بهن فاطمة بنت عمرو المخزومية أم أبي طالب وعبد الله والزبير بني عبد المطلب فإن هؤلاء أشقاء أمهم فاطمة بنت عمرو المذكورة، والثانية فاطمة بنت الأصم أم خديجة بنت خويلد زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والثالثة: فاطمة بنت أسد أم علي بن أبي طالب.
والرابعة: فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقوله والعواتك يريد بهن عاتكة بنت هلال بن فالح بن ذكوان أم عبد مناف ابن قصي، وعاتكة بنت مرة بن هلال أم هاشم بن عبد مناف، وعاتكة بنت الأوقص ابن هلال أم وهب أبي آمنة أم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه العواتك كلهن من سليم، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: " أنا ابن العواتك من سُلَيْم " وقوله والترائك: جمع تريكه وهي الخوذة. قال الشاعر البحتري من الكامل:
حَص التَرِيكُ رُؤُوسَهُمْ فَرُؤُوسُهُم ... فِي مِثْلِ لألاَءِ التريكِ المُذهَب
وأراد بالترائك أسلحة الحرب جميعها مجازاً مرسلاً.
فكأنه قال: يابن الفواطم والعواتك وابن أسلحة الحرب لملازمتك إياها وملازمة آبائك من قريش. وابن الأرائك يعني ابن الجالسين عليها من الملوك.
وقوله: أنا حائك... إلى آخره، هذه طريقة للشعراء يدعون على أنفسهم تأكيداً وحثاً على فعل ما يحمد أو ترك ما يذم، فمن ذلك قول مالك الحارثي بن الأشتر النخعي من شيعة علي - كرم الله تعالى وجهه - وأمرائه المشهورين من الكامل:
بَقيتُ وفرى وانحرفتُ عَنِ العلا ... وَلَقِيتُ أَضيافي بِوَجْهِ عَبُوسِ
إِن لَم أشُنَّ عَلَى ابنِ هِندٍ غَاَرةً ... لَم تَخلُ يَوماً مِنْ ذَهَاب نُفُوسِ

(2/350)


والحائك من شأنه الرذالة والسقاطة وقلة العقل، فكيف إذا كان أبوه أيضاً حائكاً، جعل الهمداني كونه حائكاً وابن حائك دعاء على نفسه إن لم يكن عبداً لعبد السيد المذكور يريد بذلك تبيين محبته له وصدق ولائه وإكذاب ما رماه الخوارزمي به.
الإمام على الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وهو ثامن الأئمة والإمام بعد أبيه يكنى أبا الحسن ككنية أبيه.
ألقابه: الصابر والمزكى والولي، وأشهرها الرضا. أمه أم ولد اسمها أروى. ولد بالمدينة يوم الخامس عشر من ربيع الأول سنة ثلاث وخمسين ومائة.
معاصره: الأمين والمأمون. عمره خمس وخمسون سنة.
مدة إمامته: عشرون سنة. كان أولها في بقية ملك الرشيد ثم ملك ولده محمد الأمين بعده ثلاث سنين وخمسة وعشرين يوماً، ثم خلع الأمين وجلس مكانه عمه إبراهيم بن المهدي المعروف بابن شكلة أربعة عشر يوماً، ثم أخرج الأمين ثانية، وبويع له وبقي سنة وسبعة أشهر وقتله طاهر بن الحسين، ثم ملك بعده المأمون بن هارون الرشيد عشرين سنة.
عهد المأمون له بالخلافة، وزوجه ابنته أم الفضل، دخل عليه دعبل الخزاعي الشاعر بمرو فقال: يابن رسول الله، إني قلت فيكم أهل البيت قصيدة وآليت على نفسي لا أنشدها أحدا قبلك.
فقال له الرضا: هاتها. فأنشد من الطويل:
ذكرتُ مَحل الربعِ من عَرَفَاتِ ... فأَجْرَيتُ دَمعَ العَيْنِ بالعَبَرَاتِ
وقَدْ عَزنِي صَبرِي وهاجَت صبابتي ... رُسُومُ دِيَارٍ قَفرةٍ وَعِرَاتِ
مَدَارسُ آياتٍ خلَت من تلاوةٍ ... وَمَنزل وَحي مُقْفِر العَرَصَاتِ
لآلِ رَسُولِ اللهِ بِالخيفِ من مِنى ... وبِالبَيتِ والتَعرِيفِ والجَمَرَاتِ
ديار علي والحسينِ وجعفرٍ ... وحمزةَ والسجادِ ذي الثفناتِ
دِيَار لعَبْدِ اللهِ والفَضلِ صِنوِهِ ... نَجِيِّ رَسُولِ الله فِي الخَلَوَاتِ
مَنَازلُ كانَت للصَلاَةِ وللتُقَى ... وللصَومِ والتَّطهيرِ والحَسَنَاتِ
مَنَازل جِبرِيلُ الأمين يَحُلُهَا ... مِنَ اللهِ بالتَسْلِيمِ والرَحَمَاتِ
مَنَازِلُ وَحْي اللهِ مَعدِن عِلمِهِ ... سَبِيل رَشادٍ وَاضِح الطُرُقَاتِ
فَأَينَ الألى شًطت بِهِم غُربةُ النوَى ... فأَمسَيْنَ في الأقطارِ مُفْتَرِقَاتِ
هُمُ آل مِيراثِ النبي إذا انتَمَوا ... وهُمْ خيرُ ساداتِ وخَيرُ حُمَاةِ
مَطَاعيم فِي الإِعْسَارِ في كُل مَشهَدٍ ... لَقَدْ شَرُفُوا بِالفَضلِ والبَرَكَاتِ
أَئمةُ عَدْلٍ يُقتَدَى بِفعَالِهِم ... وتُؤمَنُ مِنهُمْ زَلةُ العَثَرَاتِ
فَياً رَب زِدْ قَلْبِي هدى وبَصيرَةَ ... وزد حُبهُم ياً رب في حَسَنَاتي
لَقَد أَمنتْ نَفسِي بِهم فِي حَيَاتِها ... وإني لأرَجُو الأمْنَ بَعْدَ وَفَاتِي
أَلَم تَرَ أني مذْ ثَلاثِينَ حِجةَ ... أَروحُ وأَغْدُو دائمَ الحَسَرَاتِ
أَرَى فَيْئَهُم فِي غَيْرِهم مُتَقَسمَا ... وأَيْدِيَهُمْ مِنْ فَيئهمْ صفرَاتِ
سَأَبْكِيهمُ ما ذَر في الأفُقِ شَارق ... ونادَى مُنَادِي الخَيْرِ بالصَلَوَاتِ
وماً طَلَعتْ شَمس وَحَانَ غُرُوبُها ... وبِالليلِ أبكيهمْ وبِالغدوَاتِ
دِيارُ رَسُولِ اللهِ أَصبحن بَلْقَعاً ... وآلُ زِيادٍ تَسْكُنُ الحُجُرَاتِ
وآلُ زِيادٍ في القُصُورِ مَصُونَةْ ... وآلُ رَسُولِ اللهِ في الفَلَوَاتِ
فلولا الذي أرْجُوه في اليَومِ أو غَدٍ ... لَقُطع نَفسِي إِثرَهُمْ حَسَرَاتِ
خُرُوجُ إِمَامٍ لا مَحَالةَ خَارج ... يَقُومُ عَلَى اسْمِ اللهِ بِالبَرَكَاتِ

(2/351)


يُمَيزُ فِيناً كُل حَق وبَاطِلٍ ... ويَجزِي عَلَى النعْمَاءِ والنقَمَاتِ
فَياً نَفْسُ طِيبي ثُم ياً نَفْسُ فاصبِرِي ... فَغَيرُ بَعِيدٍ كل ماً هُوَ آتِ
قلت: دعبل هذا محب لأهل البيت، ومن ذا الذي لا يحبهم فمن لا يحبهم لا يحبه الله، ولكنه كان مولعاً بالهجو والحط من أقدار الناس، هجا الخلفاء وغيرهم، هجا المأمون بأبيات منها من الكامل:
إني مِنَ القَوْمِ الذِينَ سُيُوفُهُم ... قَتَلَتْ أَخَاك وشَرَفَتْكَ بِمَقْعَدِ
شَادُوا بحُسْنِ فعَالِهِمْ لَكَ مَنصِباً ... واستَرفَعُوكَ مِنَ الحَضِيضِ الأَوْهَدِ
يُشيرُ بذلك إلى ما فعله طاهر بن الحسين، مقدم عساكر المأمون فإنه خزاعي، ودعبل هذا خزاعي. ولما بلغ هذا المأمون قال: تعس دعبل، ومتى كنت خاملاً رفعني قومه. وطال عمر دعبل، وكان يقول لي خمسون سنة أحمل خشبتي على كتفي أدور على من يصلبني عليها فما أجد من يفعل ذلك. كان مولده بين واسط العراق وكور الأهواز سنة ثمان وأربعين ومائة. والدعبل بكسر الدال المهملة إسكان العين وكسر الباء الموحدة اسم الناقة الشارف وهو لقبه. واسمه علي بن رزين بن سليمان، قاله ابن الأثير.
واستشهد الرضا في أيام المأمون مسموماً بطوس في قرية شاه باز يوم الجمعة لسبع بقين من رمضان سنة ثلاث ومائتين ودفن إلى جنب قبر الرشيد. أولاده خمسة، العقب منه في ابنه: الإمام محمد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب وهو التاسع من الأئمة، ولد بالمدينة يوم الجمعة لعشر خلون من رجب سنة تسعين ومائة.
كنتيته: أبو جعفر.
ألقابة: القانع والمرتضى وأشهرها الجواد، زوجه المأمون ابنته أم حبيب.
صفته: أبيض اللون معتدل القامة. معاصره: المأمون والمعتصم.
عمره: خمس وعشرون سنة وأشهر.
مات ببغداد يوم الثلاثاء لخمس خلون من ذي الحجة سنة عشرين ومائتين، وكانت مدة إمامته سبع عشرة سنة أوائلها في بقية ملك المأمون، واَخرها في أول ملك المعتصم، قيل: مسموماً، ولكن لم يصح، ودفن بمقابر قريش إلى جنب قبر جده موسى الكاظم.
أولاده أربعة، العقب منه في رجلين هما الهادي وموسى المبرقع.
فالإمام علي الهادي بن محمد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق: هو الإمام بعد أبيه وعاشر الأئمة.
أمه أم ولد: اسمها شهامة. ويلقب: بالتقي والهادي، أشهرهما الأول. ولد بالمدينة ثالث عشر رجب سنة أربع عشرة ومائتين. مات ب " سر من رأى " مسموماً يوم الإثنين لخمس بقين من جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين ومائتين، ودفن في داره ب " سر من رأى " .
أولاده أربعة. أعقب من ثلاثة: أبي جعفر محمد وأبي عبد الله جعفر، وأبي محمد: الإمام الحسن العسكري بن علي الهادي بن محمد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم، وهو الإمام بعد أبيه وحادي عشر الأئمة. أمه أم ولد، اسمها سوسن.
كنيته؛ أبو محمد.
ألقابه: الخالص والسراج وأشهرها العسكري.
ولد بالمدينة سنة إحدى أو اثنتين وثلاثين ومائتين.
صفته: بين السمرة والبياض.
معاصره: المعتز والمهتدي والمعتمد.
عمره ثمان وعشرون سنة، ومدة إمامته ست سنين.
مات في أوائل خلافة المعتمد مسموماً في يوم الجمعة لثمان خلون من شهر ربيع الأول سنة ستين ومائتين ب " سر من رأى " ، ودفن عند قبر أبيه الهادي. خلف ولده محمداً أوحده.
وهو الإمام محمد المهدي بن الحسن العسكري بن علي التقي بن محمد الجواد ابن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
ولد يوم الجمعة منتصف شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين، وقيل: سنة ست وهو الصحيح.
أمه أم ولد: اسمها أصقيل، وقيل سوسن، وقيل نرجس.
كنيته: أبو القاسم.
ألقابه: الحجة، والخلف الصالح، والقائم، والمنتظر، وصاحب الزمان، المهدي وهو أشهرها.

(2/352)


صفته: شاب مربوع القامة، حسن الوجه والشعر، أقنى الأنف، أجلى الجبهة. ولما توفي أبوه كان عمره خمس سنين وشيعته يقولون: إنه دخل السرداب سنة خمس وسبعين ومائتين، وعمره سبع عشرة سنة، وهم ينتظرون خروجه في آخر في الزمان من السرداب، وأقاويلهم فيه كثيرة، والله أعلم أي ذلك يكون.
قال الشيخ علاء الدين أحمد بن محمد السماني في ذكر الأبدال والأقطاب: وقد صل إلى رتبة القطبية محمد المهدي بن الحسن العسكري، وهو إذ اختفى دخل في دائرة الأبدال متدرجاً طبقة بعد طبقة إلى أن صار سيد الأبدال.
وكان القطب حينئذ علي بن الحسين البغدادي، فلما حانت منيته صلى عليه المهدي هذا، ودفنه وجلس مجلسه، وبقي في رتبة القطبية تسع عشرة سنة، والله أعلم. وأما محمد بن الحنفية - وهو الفرع الثالث من أولاد علي بن أبي طالب لصلبه الذين ذكرنا أن أنساب الطالبيين أكثرها راجع إلى الحسن والحسين وإليه - فهو محمد بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب المشهور بابن الحنفية، يكنى أبا القاسم، روى أنه عليه الصلاة والسلام رخص لأمير المؤمنين في تسمية ابنه هذا، وتكنيته بأبي القاسم.
قال في أنساب قريش: يقولون أمه خولة بنت جعفر بن قيس بن سلمة بن عبد الله بن ثعلبة بن الدؤل بن حنيفة بن لجيم وتسميه الشيعة... المهدي.
حدثني محمد بن إسماعيل بن جعفر عن قيس بن سعيد بن عقبة الجهني عن أبيه، قال: سمعت كثيراً ينشد علي بن عبد الله بن جعفر لنفسه في محمد بن الحنفية من الوافر:
أَقَر الله عَيني إذ رَعَانِي ... أَمِينُ اللهِ يُلطِفُ في السؤالِ
وأَثنَى في هَوَايَ عَلَىَّ خيراً ... وساءَلَ عَن بَنِي وَكيف حَالي
وكَيف ذَكَرتُ شَأنَ أَبِي خبيبِ ... وَزَلَةَ نَعلِهِ عِندَ النضَالِ
هُوَ المَهدِي خَبرنَاهُ كَعب ... أخو الأَحبَاِر في الحِقَب الخَوَاِلي
وكان كثير كيسانيا يقول بإمامة محمد بن الحنفية، ويزعم أن الأرواح تتناَسخ ويحتج بقول الله عز وجل: " فِي أَيِ صوُرةٍ ما شاء ركبَكَ " الانفطار: 8 ويقول: ألا ترى أنه يحوله في صورة بعد صورة. فقال له علي بن عبد الله بن جعفر: يا أبا صخر ما يثني عليك في هواك خيراً إلا من كان على مثل رأيك.
وقيل له: إنك تقول خبرناه كعب، ألقيت كعب الأحبار؟ قال: لا. قيل: فلم قلت: خبرناه كعب؟ قال: هو بالوهم.
وكانت شيعة محمد يزعمون أنه لم يمت.
وفي ذلك يقول كثير أيضاً من الوافر:
أَلا إن الأئِمةَ من قُرَيشٍ ... وُلاة الحَق أَربَعَةٌ سَوَاءُ
عَلي والثَّلاثَةُ مِنْ بَنِيه ... هُمُ الأسبَاطُ لَيْسَ بِهِم خَفَاءُ
فَسِبْط سِبْطُ إيمانٍ وبر ... وسبْط غَيبَتْهُ كَرْبِلاَءُ
وسِبْط لاَ تَرَاه العَيْنُ حَتى ... يقودَ الخيلَ يَقْدُمُهاً اللواءُ
تَغَيبَ لاَ يُرَى عَنْهُم زَمَاناً ... برَضْوى عِنْدَهُ عَسلٌ ومَاءُ
وفي محمد بن الحنفية يقول الحميري من الوافر:
أَلا قُل لِلْوصيِّ فَدَتْكَ نَفْسِي ... أَطَلْتَ بذَلكَ الشعْبِ المُقَامَا
أَضَرَ بِمعشرِ وَالَوْكَ مِنا ... وسَمَوْك الخليفَةَ والإمَامَا
وعَادَوْا فِيكَ أهْلَ الأَرْضِ طُرا ... مقَامك عَنْهُمُ سِتينَ عَامَا
وَما ذَاقَ ابنُ خَوْلَةَ طَعْمَ مَوْتٍ ... وَلاَ وَارَت لَهُ أَرض عِظَاما
لَقَدْ أَمْسَى بمُورِقِ شعب رَضوَى ... تُراجِعُهُ الملائِكَةُ الكَلامَا
وإن لَهُ بِه لمِقيل صدقِ ... وأَنْدِيةً تُحَدثُهُ كِرَامَا
هَدَاناً اللهُ إذْ حِرتُمْ لأمرٍ ... بِهِ وعليه نَلْتَمِسُ التَمَاما
تَمامَ مَوَدَةِ المَهدِي حَتَى ... تَرَوْا راياتِناً تَتْرَى نِظَاما
وقال أيضاً من الكامل:
يا شِعْبَ رَضْوَى ماً لِمَنْ بِكَ لاَ يُرَى ... وبِناً إلَيْهِ مِنَ الصبابة أوْلَقُ
حتى متَى وإلَى متَى وكَمِ المَدَى ... يا بْنَ الوصي وأنْتَ حَي تُرْزَقُ؟!

(2/353)


قال المسعودي في المروج: وشيعته تسمى الكيسانية وقد تنازعوا بعد قولهم لإمامته: فمنهم من قطع بموته، ومنهم من زعم أنه لم يمت وأنه حي مقيم بجبل رضوى المعروف بقرب ينبع.
وإنما سموا الكيسانية؛ لإضافتهم إلى المختار بن أبي عبيد وكان اسمه كيسان، ويكنى أبا عمرو، كان يدعي أن علي بن أبي طالب لقبه بذلك.
أولاد محمد بن الحنفية أربعة وعشرون، منهم أربعة عشر ذكراً.
وقال النقيب تاج الدين: أولاد محمد بن الحنفية قليل جداً، ليس بالعراق ولا بالحجاز منهم أحد، وإن كان فبالكوفة.
وقال في عمدة الطالب: بشيراز وأصفهان وقزوين وبمصر والصعيد منهم جماعة. والعقب المتصل الآن من ولده في رجلين: على وجعفر قتيل الحرة.
وأما عقب ابنه أبي هاشم عبد الله الأكبر إمام الشيعة الكيسانية فمنقرض، وهذا أبو هاشم هو الذي أسند وصيته فيما قاله الشيعة إلى محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، وأخوه علي بن محمد بن الحنفية وابنه الحسن بن علي بن محمد بن الحنفية، وكلهم ادعت الشيعة إمامتهم.
قال ابن خلدون: وخرج باليمن على المأمون، ومن ولد علي بن أبي طالب من غير هؤلاء عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب. ومن ولد جعفر بن أبي طالب عبيد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب القائم بفارس وبويع بالكوفة، وأراد بعض شيعة العباسية تحويل الدعوة إليه فمنعه أبو مسلم الخراساني من ذلك، وكانت له شيعة ينتظرونه وساقوا الخلافة من أبي هاشم بن محمد بن الحنفية بالوصية.
وكان فاسقاً.
وكان ابنه معاوية بن عبيد الله نظير أبيه في الشر.
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
الباب الثاني
في ذكر من دعا منهم إلى المبايعة
وذكر مكان دعائه وزمانه، وما جرى على كل قائم من خليفة زمانه وتعدادهم من لدن علي بن أبي طالب إلى يومنا هذا، وهذا على رأي غير الإمامية من الشيعهَ وهم الزيدية.
أما على رأى الإمامية فلا يجوزون الإمامة لغير الاثني عشر الإمام الذين أولهم علي بن أبي طالب وآخرهم الإمام محمد المهدي المنتظر، وسيأتي الدليل على تصحيح جوازها لغير الاثني عشر الإمام بل تعينه بحيث لا تخلو الأرض من قائم من آل بيت محمد يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم.
قد تقم ذكر شيعة أهل البيت لعلي بن أبي طالب، وبنيه رضي الله تعالى عنهم وما كان من شأنهم بالكوفة ومؤاخذتهم الحسن في تسليم الأمر لمعاوية، واضطراب الأمر على زياد ابن أبيه بالكوفة من أجلهم حتى قتل المتولون كبر ذلك، منهم حجر ابن عدي وأصحابه، ثم استدعوا الحسين بن علي بعد وفاة معاوية فكان من قتله بكربلاء ما هو معروف، ثم ندم الشيعة على قعودهم عن مناصرته فخرجوا بعد وفاة يزيد وبيعة مروان، وخروج عبيد الله بن زياد عن الكوفة، وسموا أنفسهم التوابين، وولوا عليهم سليمان بن صُرَد الخزاعي، ولحقتهم جيوش ابن زياد بأطراف الشام فاستجموهم، ثم خرج المختار بن أبي عبيد بالكوفة طالباً بدم الحسين، وداعياً لمحمد بن الحنفية، وتبعه على ذلك جموع من الشيعة، وسماهم شرطة الله، وزحف عليه عبيد الله بن زياد، فهزمه المختار وقتله.
وبلغ محمد بن الحنفيه من أحوال المختار ما نقمه عليه فكتب إليه بالبراءة منه، فصار المختار إلى الدعاء لعبد الله بن الزبير، ثم استدعي الشيعة من بعد ذلك زيد بن علي بن الحسين - رضي الله تعالى عنهم - إلى الكوفة أيام هشام بن عبد الملك فقتله صاحب الكوفة يوسف بن عمر، وصلبه كما سيأتي ذكر ذلك عند ذكر قيامه بالدعوة، خرج يحيى بن زيد بالجوزجان من خراسان فقتل وصلب لذلك، وطلت دماء أهل لبيت في كل ناحية.
ثم اختلف الشيعة، وانقسمت مذاهبهم في مصير الإمامة إلى العلوية، وذهبوا طرائق مع اتفاقهم على تفضيل علي كرم الله وجهه على جميع الصحابة: إلى الزيدية القائلين لإمامة بني فاطمة لفضل علي وبنيه على سائر الصحابة على شروط يشترطونها، وإمامة الشيخين عندهم صحيحة وإن كان على أفضل منهما لأنهم يجوزون إمامة المفضول مع وجود الأفضل، وهو مذهب زيد وأتباعه المسمين بالزيدية، وهم جمهور الشيعة وأبعدهم عن الانحراف والغلو.

(2/354)


وإلى الرافضة: وسموا رافضة قالوا: لأنه لما خرج زيد الشهيد بالكوفة، واختلفت عليه فرقة من الشيعة، وناظروه في أمر الشيخين، ودعوه إلى البراءة منهما، وأنهما ظلما علياً أنكر ذلك عليهم وامتنع عن البراءة منهما.
فقالوا له: وأنت أيضاً لم يظلمك أحد ولا حق لك في الأمر فنحن نرفضك. فقال: اذهبوا فأنتم الرافضة. فانصرفوا عنه فسموا الرافضة.
وأقام معه أتباعه الاخرون فسموا زيدية.
ثم ساق الرافضة الإمامهّ من علي كرم الله وجهه - إلى ابنه الحسن ثم إلى الحسين ثم إلى ابنه زين العابدين ثم إلى ابنه محمد الباقر ثم إلى ابنه جعفر الصادق، كل هؤلاء بالوصية، وهم ستة أئمة لم يخالف فيهم أحد من الرافضة المذكورين.
ثم افترقوا من ههنا إلى فرقتين: إلى الاثني عشرية، واختصوا باسم الإمامية إلى هذا العهد، ومذهبهم أن الإمامة انتقلت من جعفر الصادق إلى ابنه موسى الكاظم. وخرج دعاته بعد موت أبيه، فحمله هارون الرشيد معه من المدينة، وحبسه عند عيسى بن جعفر ثم إشخاصه إلى بغداد وحبسه عند ابن شاهك.
ويقال: إن يحيى بن خالد سمه في رطب فتوفي سنة 183 ثلاث وثمانين ومائة. وزعم شيعته أن الإمام بعده ابنه علي الرضا، وكان عظيماً في بني هاشم، وكانت له مع المأمون صحبة، وزوجه ابنته أم الفضل، وعهد له بالأمر من بعده.
وقد تقدم ذكرنا لكتاب العهد في خلافة أبي بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه - وكان عهد المأمون لعلي الرضا بالأمر سنة 201 إحدى ومائتين عند ظهور الدعاة للطالبيين في كل ناحية، وكان المأمون بخراسان لم يدخل العراق بعد مقتل أخيه الأمين، فنكر ذلك عليه شيعة العباسيين وبايعوا لعمه إبراهيم بن المهدي ببغداد، فارتحل المأمون من العراق وعلي الرضا معه، فهلك علي الرضا في طريقه سنة ثلاث ومائتين ودفن ب " طوس " .
ثم زعموا أن الأمر بعده لابنه محمد التقي، وكان له من المأمون مكان، وأصهر إليه في ابنته أم حبيب، فأنكحه المأمون إياها سنة خمس ومائتين، ثم هلك سنة عشرين ومائتين ودفن بمقابر قريش.
ثم زعموا أن الأمر من بعده إلى علي، ويلقبونه بالهادي ومات سنة أربع وخمسين ومائتين وقبره ب " قم " ، وزعم ابن سعيد أن المعتز سمه.
ثم إلى ابنه الحسن العسكري ويلقب بذلك لأنه ولد ب " سر من رأى " ، وكانت تسمى العسكر وجلس بها بعد أبيه إلى أن هلك سنة ستين ومائتين، ودفن إلى جنب أبيه بالمشهد، وترك حملاً ولد منه ابنه محمد، فاعتقل، وقيل: دخل السرداب بدار أبيه، قيل مع أمه، وقيل وأمه تنظر إليه ففقد، فزعمت شيعتهم أنه الإمام بعد أبيه ولقبوه المهدي والحجة، وزعموا أنه حي لم يمت، وهم الآن ينتظرونه ووقفوا عند هذا الانتظار.
وهذا هو الثاني عشر من ولد علي ولذلك سموا شيعته الاثني عشرية.
وهذا المذهب بالمدينة والكرخ والشام والحلة والعراق.
قال العلامة ابن خلدون: أوالسرداب بالحلة، وهم حتى الآن على ما بلغنا يصلون المغرب فإذا قضوا الصلاة قربوا مركباً إلى باب السرداب بجهازه وحليته، ونادوا بأصوات متوسطة: أيها الإمام اخرج إلينا فإن الناس منتظرون، والخلق حائرون، والظلم عام، والحق مفقود، فاخرج إلينا نتعرف الرحمة من الله في آثارك.
ويكررون ذلك إلى أن تبدو النجوم ثم ينصرفون إلى الليلة القابلة هكذا دأبهم، وربما يحتجون لحياته بقصة الخضر، فسبحان عالم الحقائق.
قلت: قد ذكر غير ابن خلدون أن السرداب ببغداد لا بالحلة، فالله أعلم أيا كان ذلك.
لطيفة: قال ابنا العربي، قال أصحابنا النصرية بالمسجد الأقصى: إن شيخنا أبا الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي اجتمع برئيس من رؤساء الشيعة، فشكا إليه فساد الخلق، وأن هذا الأمر لا يصلح إلا بخروج الإمام المنتظر، فقال له نصر: فهل لخروجه ميقات معلوم أم لا؟ فقال الشيعي: نعم إذا فسد الخلق.
فقال له نصر: فلم تحبسونه عن الخلق. قد فسد جميعهم إلا أنتم، فلو فسدتم لخرج، فأسرعوا به وأطلقوه من سجنه، وعجلوا بالرجوع إلى مذهبنا لتفسدوا فيخرج، فبهت الشيعي انتهى. كذا في العواصم من القواصم.

(2/355)


وإلى الإسماعيلية: وهم الذين نقلوا الخلافة من جعفر الصادق إلى ابنه إسماعيل ثم ساقوها في عقبه فمنهم من أنهى بها إلى عبيد الله المهدي أحد الخلفاء العبيديين ابن محمد الحبيب بن جعفر المصدق بن محمد المكتوم بن إسماعيل الإمام بن جعفر الصادق بن محمد الباقر وهم الفرقة الزاعمون أن الإمام بعد جعفر الصادق ابنه إسماعيل وتوفي قبل أبيه، وكان أبو جعفر المنصور طلبه فشهد له عامل المدينة أنه مات. وفائدة النص عندهم على إسماعيل، وإن كان مات قبل أبيه بقاء الإمامة في ولده كما نص موسى على هارون صلوات الله وسلامه على نبينا وعليهما، ومات قبله، والنص عندهم لا يرجع وراءه، لأن البداء على الله محال.
ويقولون في ابنه محمد: إنه السابع التام من الأئمة الظاهرين، وهو أول الأئمة المستورين عندهم الذين يستترون، ويظهرون الدعاة وعددهم ثلاثة ولن تخلو الأرض من إمام، إما ظاهر بذاته، أو مستور، فلا بد من ظهور حجته ودعاته.
والأئمة يدور عددها عندهم على سبعة، سبعة عمد الأسبوع والسماوات والكواكب. وأول الأئمة المستورين عندهم: محمد بن إسماعيل المذكور، وهو محمد المكتوم، ثم ابنه جعفر المصدق ثم ابنه محمد، ثم ابنه عبيد الله المهدي صاحب الدولة بإفريقية جد الخلفاء العبيديين بها أولاً وبمصر ثانياً المتقدم ذكرهم في الباب الثالث من المقصد الرابع، ومنهم من ساقها إلى يحيى بن عبد الله بن محمد المكتوم، وهؤلاء طائفة من القرامطة، وهذا من كذباتهم ولا يعرف لمحمد بن إسماعيل ولد اسمه عبد الله.
ومن شيعة آل البيت: الكيسانية نسبة إلى كيسان وهو المختار بن أبي عبيد، يذهبون إلى إمامة محمد بن الحنفية، وبنيه من بعد الحسن والحسين، ومن هؤلاء كانت شيعة بني العباس القائلون بوصية أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية إلى حمد بن علي بن عبد الله بن عباس بالإمامة.
وانتشرت هذه المذاهب وهي: مذهب الزيدية، ومذهب الرافضة المنقسمين إلى الإمامية الأثنى عشرية والى الإسماعيلية، ومذهب الكيسانية، وهم شيعة محمد بن الحنفية الذين صاروا شيعة لبني العباس بإيصاء أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية إلى جدهم محمد بن عبد الله بن العباس المذكور.
وكان أكثر الكيسانية بالعراق، وخراسان بين الشيعة، وافترق أهل كل مذهب منها إلى طرائق بحسب اختلافهم: من الوافر:
وكُل يَدَّعي وصلاً بِليْلَى ... ............
واعلم أن سبب انتصاب الأشراف للإمامة وادعائهم لها مع ما يشاهدونه من النكد لشدائد والقتل والحبس والمكائد بعد قتل علي بن أبي طالب لما تقلد الخلافة والعقد عليهِ إجماع أهل بدر واختيار أكابر الصحابة وبايعوه علانية، نازعه في الخلافة معاوية بن أبي سفيان وتعلل بعلل كثيرة لبلوغ المنى وكل منهما مجتهد، لكن معاوية مجتهد مخطئ.
قال الإمام الغزالي في قواعد العقائد ولم يذهب لتخطئة علي ذو تحصيل أصلاً ولا شبهة أن الحق مع علي، وأن معاوية ليس ممن يعادل أحد العشرة المبشرة بالجنة فضلاً عن أن يعادل علياً، وأين الحسام من المنجل، وأين معاوية من على، فاشتبه على العامة أمرهما وصاروا فريقين، فوقعت الحرب بينهما كما قدره الله تعالى ما شاء وكان وما لم يشأ لم يكن، لا يقع في ملكه إلا ما أراد " لا يُسئَلُ عما يَفعَلُ وَهُم يُسئَلُون " الأنبياء: 23.
فلما استشهد علي - رضي الله تعالى عنه - بعد ذلك قام الحسن بن علي بعده، وقد سبق في خلافته تفصيل ذلك، وذكر صلحه مع معاوية بن أبي سفيان، فلما سم ومات رضي الله عنه قام أخوه الحسين بن علي تالياً " وَمَن قُتِلَ مَظلُوماً فَقَدَ جَعلَنا لوليه سُلطاناً " الإسراء: 33، الآية، وكان قيامه زمن يزيد بن معاوية فقتل بكربلاء عطشاناً، سير عليه عبيد الله بن زياد سرية عليها عمر بن سعد بن أبي وقاص، وكان من أمره ما شرح فيما تقدم مما يجرح القلوب، ويجري الغروب.
ثم قام من بعده علي زين العابدين، ثم قام من بعده زيد بن علي فقتل وصلب، ثم قام ولده يحيى بن زيد فقتل، ثم هلم جراً.
فذهب الزيدية من الشيعة أن القيام افترض عليهم لطلب الحق وأن إظهار الدعوة والقيام بأمر الإمامه للأمة واجب عليهم، وهذا مكتوب في تواريخ الزيدية.

(2/356)


وأما الشيعة الإمامية الاثنا عشرية، فلا يجوزون الإمامة لغير الاثنى عشر الإمام الذين أولهم علي، واخرهم المهدي محمد المنتظر صاحب السرداب.
ودليل الزيدية على تصحيح جوازها لغير الأئمة الاثنى عشر أو تعينه - وهو ما وعدنا به سابقاً - هو ما أخرج أبو إسحاق بن راهويه في مسنده، والدولابي في الذرية الطاهرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إني تارك فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله طرف بيده وطرف بأيديكم، وأهل بيتي " ورواه الجعابي في الطالبيين ولفظه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إني مخلف فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله تعالى طرف بيد الله وطرف بأيديكم، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض " . ورواه البزار، ولفظه: " إني مقبوض وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله، وعترتي أهل بيتي وإنكم لن تضلوا بعدهما " ، وفي رواية: " والله سائلكم كيف خلفتموني في كتابه وأهل بيتي " . وأخرج محمد بن جعفر الرزاز عن أم سلمة: " ألا إني مخلف فيكم كتاب ربي عز وجل وعترتي أهل بيتي. ثم أخذ بيد علي فرفعها فقال: هذا عَلِي مع القرآن والقرآن مع علي لا يفترقان حتى يردا علي الحوض فأسألهما ما خلفت فيهما " ، وأخرج أبو سعد والملا في سيرته حديث: " استوصوا بأهل بيتي خيراً، فإني أخاصمكم عنهم غداً، ومن أكن خصمه أخصمه، ومن أخصمه دخل النار " .
قال في جواهر العقدين: ولما كان كل من القرآن العظيم، والعترة الطاهرة معدناً للعلوم الدينية والأسرار، والحكم النفيسة الشرعية، وكنوز دقائقها، واستخراج حقائقها أطلق عليه الصلاة والسلام عليهما الثقلين، ويرشد لذلك حثه على الاقتداء والتمسك والتعلم من أهل بيته.
ولا شك أن الذين وقع الحث على التمسك بهم من أهل البيت النبوي والعترة الطاهرة هم العلماء بكتاب الله، إذ لا يحث عليه الصلاة والسلام بالتمسك بغيرهم وهم الذين لا يقع بينهم وبين الكتاب اقتراب، ولهذا قال: " لا تقدموها فتهلكوا ولا تقصروا عنها فتهلكوا " .
وقال في طريق آخر في عترته: " فلا تسبقوهم فتهلكوا ولا تعلموهم فهم أعلم منكم " فاختصوا بمزيد الحث عن غيرهم من العلماء لما تضمنته الأحاديث في ذلك، ولحديث أحمد: ذُكِر عند النبي صلى الله عليه وسلم قَضَاء قضى به علي، فأعجب النبي صلى الله عليه وسلم وقال: " الحمد لله الذي جعل فينا الحكمة أهل البيت " .
وكل هذا يفهم وجوب من يكون أهلاً للتمسك به من أهل البيت والعترة الطاهرة في كل زمان وجدوا فيه إلى قيام الساعة حتى يتوجهَ الحث المذكور على التمسك به كما أن الكتاب العزيز كذلك، ولهذا كانوا أماناً لأهل الأرض فإذا ذهبوا ذهب أهل الأرض.
وأما احتجاج الشيعة لمنعهم ذلك بالحديث: " يكون من أهل بيتي اثنا عشر خليفة " ، أو كما قال صلى الله عليه وسلم، فليس لهم في ذلك حجة، إذ مفهوم العدد غير معتبر دليلاً يبطل معنى الحث والتمسك إذ لو لم نقل بوجود ذلك التمسك به لم يتعقل الحث على التمسك بمعدوم.
وأخرج أبو الحسن بن المغازلي من طريق موسى بن القاسم عن علي بن جعفر: سألت الحسن عن قوله تعالى: " كَمِشكَاةٍ فيِهاً مِصبَاح " النور: 35، قال: المشكاة فاطمة والشجرة المباركة: إبراهيم. لا شرقية ولا غربية: لا يهودية ولا نصرانية. " يَكادُ زَتيها يضُئ وَلَو لَم تَمسَسهُ نَار نوُر عَلى نوُرِ " النور: 35، قال: منها إمام بعد إمام يهدي الله لنوره من يشاء. قال: يهدي لولايتنا من يشاء.
وقوله: منها إمام بعد إمام، يعني أئمة يقتدى بهم في الدين، ويتمسك بهم فيه ويرجع إليهم، وهذا أوضح دليل على صحة إمامة غيرهم بل تعينها.

(2/357)


وههنا نقل غريب وهو وإن كان لا تعلق له بما نحن فيه من وجه فله تعلق من وجه آخر إذ هو في شأن العترة الطاهرة الذين الكلام في شأنهم علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، ونصه: روى الثعلبي في تفسيره: أن سفيان بن عيينة رحمه الله: سئل عن قوله تعالى: " سَأَلَ سَائل بِعَذاب وَاقع " المعارج: 1، فيمن نزلت؟ فقال للسائل: سألتني عن مسألة ما سألني عنها أحد قبلك، حدثني أبي عن جعفر الصادق عن أبيه محمد الباقر عن آبائه عليهم السلام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان بغدير " خم " فنادى في الناس فاجتمعوا، فأخذ بيد علي وقال: " من كنت مولاه فعلي مولاه " إلى آخر الحديث، فشاع ذلك وطار في البلاد، فبلغ ذلك الحارث بن النعمان الفهري فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ناقة له، فنزل بالأبطح عن ناقته وأناخها، فقال: يا محمد أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله فقبلناه منك، وأمرتنا أن نصلي خمساً فقبلناه منك، وأمرتنا بالزكاة فقبلنا، وأمرتنا أن نصوم شهراً فقبلنا، وأمرتنا بالحج فقبلنا، ثم لم ترض بهذا حتى ترفع بضبعي ابن عمك تفضله علينا، وقلت: من كنت مولاه فعلي مولاه، فهذا شيء منك أو من الله عز وجل؟.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " والله الذي لا إله إلا هو إن هذا من الله عز وجل " . فولى الحارث بن النعمان يريد راحلته وهو يقول: " اللهُمَ إِن كانَ هَذاً هُوَ اَلحَقَّ من عِندِكَ فَأَمطِر عليناً حِجارَةً " الأنفال: 32 الآية، فما وصل إلى راحلته حتى رماه الله بحجر فسقط على هامته وخرج من دبره فقتله فأنزل الله عز وجل: " سَأَلَ سَائل بِعَذابٍ وَاقعٍ " المعارج: ا، كذا في جواهر العقدين في فضل الشرفين، شرف العلم الجلي، وشرف النسب العلي.
وها أنا أذكر من قام منهم من لدن علي بن أبي طالب إلى زماننا اليوم، وهو عام سبع وتسعين وألف، فأقول: أولهم علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وبعده ابناه الحسن في زمن معاوية، ثم الحسين في زمن يزيد، وقد سبق ذكرهما بما لا مزيد عليه، ثم بعد الحسين الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب قام في زمان عبد الملك بن مروان ثم استتر، فلما ولي الأمر الوليد بن عبد الملك شدد في طلبه فلم يظفر به، وكان مستتراً بالحجاز فدس إليه من سقاه السم فمات مسموماً، وحمل إلى المدينة المنورة ودفن بالبقيع، وكان قيامه سنة ثلاث وثمانين ووفاته سنة ست وثمانين، وعمره ثمان وثلاثون سنة.
قلت: قد تقدم في الرواية السابقة أن الحسن المثنى لم يدع الإمامة، ولم يدعُ إلى مبايعة، ولم يدعها له أحد فعده ههنا في الدعاة على غير تلك الرواية.
ثم قام بالدعوة الإمام زبد بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم.
ظهر زيد بالكوفة خارجاً على هشام بن عبد الملك داعياُ للكتاب والسنة وإلى جهاد الظالمين وإعطاء المحرومين، والعدل في قسمة الفيء، ورد المظالم ونصر أهل البيت.
واختلف في سبب خروجه فقيل: إن يوسف بن عمر لما نكب خالد بن عبد الله القسري كتب إلى هشام أنه شيعة لأهل البيت، وأنه ابتاع من زيد أرضاً بالمدينة بعشرة آلاف دينار، وأنه رد الأرض علية وأنه أودع زيداً وأصحابه مالاً، وكان زيد قد قدم على خالد بالعراق، هو ومحمد بن عمر بن أبي طالب، وداود بن علي بن عبد الله بن عباس، فأجازهم ورجعوا إلى المدينة، فبحث هشام عنهم، وسألهم فأقروا بالجائزة، وحلفوا على ما سوى ذلك فصرفهم هشام، وبعث إلى يوسف بن عمر فقابلوا خالداً، وصدقهم وعادوا إلى المدينة، ونزلوا القادسية.
وراسل أهل الكوفة زيداً فعاد إليهم.
وقيل: سبب ذلك أن زيداً اختصم مع ابن عمه جعفر بن الحسن المثنى في وقف علي، ثم مات جعفر فخاصم أخوه عبيد الله زيداً، وكانا يحضران عند عامل خالد فوقعت بينهما في مجلسه مشاتمات، وأنكر زيد من خالد إطالته للخصومة ويسمع مثل هذا فأغلظ له زيد وسار إلى هشام فحجبه ثم أذن له بعد حين، فحاوره طويلاً ثم عرض له بأنه يذكر الخلافة وتنقصه ثم قال اخرج، قال: نعم ثم لا أكون إلا بحيث تكره فسار إلى الكوفة وقال له محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب: ناشدتك الله الحق بأهلك ولا تأت الكوفة، وذكره بفعلهم مع جده وجده.

(2/358)