صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي
المؤلف : العصامي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

فأما على ظاهر الحساب: أن معاوية بن أبي سفيان بويع بعد وفاة علي بن أبي طالب في ثاني عشر ذي الحجة في سنة أربعين من الهجرة، وبويع عبد الله السفاح العباسي في ثالث عشر ربيع الأول سنة اثنتين وثلاثين ومائة، فإن أخرجنا من هذه المدة مدة ابن الزبير تكون مدة ملكهم إلى أن مات مروان ثلاثَاً وثمانين سنة وشهرين وثلاثة وعشرين يوماً؛ لأن مدة ابن الزبير تسع سنين وأشهر بويع سنة أربع وستين، وقيل: ثلاث وسبعين سنة.
وإن حسبتها من اليوم الذي صالح فيه الحسن معاوية، تكون بعد إخراج مدة ابن الزبير ثلاثاً وثمانين سنة وشهراً واحداً، وستة وعشرين يوماً، واللّه أعلم.
وفي سراج الملوك: سئل بعض العلماء ما الذي أذهب ملك بني أمية؟ فقال: تحاسد الأكفاء، وانقطاع الأخبار، وذلك أن يزيد بن عمر بن هبيرة وزير مروان كان يحب أن يضَعَ نصر بن سيار أمير خراسان لمروان، فكان لا يمده بالرجال، ولا يرفع إلى مروان ما يرد من الأخبار.
وسئل بعض بني أمية عن سبب زوال ملكهم؟ فقال: استعمال الصغار من الرجال، على الكبير من الأعمال، وتقديم الأرذال والأنذال، على أهل الدين والكمال، وذوي النجدة من الرجال، فآل أمرنا إلى ما آل.
وقال بعضهم - وقد سئل عن مثل ذلك - فقال: نوم الغدوات، وشرب العشيات، والاجتراء بإعلان الفجور وترك النهيِ عن المنكرات. ولا شيء أضيع للملك وأهلك للرعية من شدة الحجاب، وعدم القبول لقول العقلاء؛ لأنهم قالوا: من تم سروره قصرت شهوره، والحزم أسد الآراء، والغفلة أضر الأعداء، ومن قعد عن حيلة تدبير الملك أقامته شدائد الفتن، ومن نام عن عدوه نبهته المكائد والمحن، ومن أعجبته آراؤه غلبته أعداؤه، ومن استضعف عدوه اغتر، ومن اغتر ظفر به عدوه، ومن طالت عداوته زالت سلطته، ومن كثر ظلمه واعتداؤه قرب هلكه وفناؤه، ورأس الحكمة التودد إلى الناس.
قلت: صدق فيما به نطق، فسبحان من لا يزول ملكه ولا يتحول سلطانه!!.
ورأيت في تاريخ العلامة محمود بن علي بن أحمد البهوتي المسمى بتاريخ الخلائف ما نصه: قد كان لبني أمية ألقاب تلقبوا بها، فمعاوية بن أبي سفيان يلقب بالتام لدين الله، ويزيد يلقب بالمنتصر على أهل الزيغ، ومعاوية بن يزيد يلقب بالراجع إلى الله، ومروان بن الحكم يلقب بالمؤتمن بالله، وعبد الملك بن مروان بالموفق لأمر اللّه، والوليد بن عبد الملك بالمنتقِم للّه، وسليمان بن عبد الملك بالداعِي إلى اللّه، وعمر بن عبد العزيز بالمعصومِ باللهِ، ويزيد بن عبد الملك بالقادر بصُنْع اللّه، وهشام بن عبد الملك بالمنصور باللّه، والوليد بن يزيد بالمكتفي باللّه، ويزيد بن الوليد بالشاكر لأنعم الله، وإبراهيم بن الوليد بالمعتز بالله، ومروان بن محمد بالقائم بحق اللّه، وعبد اللّه بن الزبير بالعائذ ببيت الله، فسبحان مغيِّر الدول ومفني الأمم، لا رب غيره سبحانه!! فليس العباسية أبا عذرتها، فليعلم ذلك!
الباب الثاني
في الدولة العباسية
اعلم أن أمر الإسلام لم يزل جميعاً ودولته واحدة أيام الخلفاء الأربعة وبني أمية من بعدهم؛ لاجتماع عصبية العرب.
ثم ظهر من بعد ذلك أمر الشيعة، وهم الدعاة لأهل البيت، فغلبت دعاة بني العباس على الإمامة، واستقلوا بخلافة الملة، ولحق فل بني أمية بالأندلس، فقام بأمرهم فيها عبد الرحمن الداخل ابن معاوية بن هشام بن عبد الملك ومن تبعه من مواليهم ومن العرب، فلم يدخلوا في دعوة بني العباس، وانقسمت لذلك دعوة بني العباس، وانقسمت بذلك دولة الإسلام بدولتين؛ لافتراق عصبية العرب.
ثم ظهر دعاة أهل البيت بالمغرب والعراق من العلوية، ونازعوا خلفاء بني العباس، واستولوا على القاصية من النواحي؛ كالأدارسة بالمغرب الأقصى، والعبيديين بالقيروان ومصر، والقرامطة بالبحرين، والداعي بطبرستان والديلم، والأطروش فيها ومن بعده، وانقسمت دولة الإسلام بذلك دولا متفرقة.
ذكر الشيعة ومبادئ دولهم وكيف انساقت إلى العباسية من بعدهم إلى آخر دولهم

(2/169)


كان مبدأ هذه الدولة، أعني دولة الشيعة: أن أهل البيت لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يرون أنهم أحق بالأمر، وأن الخلافة لهم دون من سواهم من قريش. وفي الصحيح، أن العباس قال لعلي في وجع رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي توفي فيه: " اذهَبْ بنا إليه نسأله في هذا الأمر، فإن كان فينا علمناه، وإن كان في غيرنا أوصى بنا، فقال علي: إن سألناه فمنعناها لا يعطيناها الناس " وفي الصحيحين - أيضاً - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مرضه الذي توفي فيه: " هلموا أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً " ، فاختلفوا في ذلك عنده، وتنازعوا ولم يتم الكتاب، وفي رواية قال: " قوموا عني " ، وكان ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين ذلك الكتاب، لاختلافهم ولغطهم، حتى قد ذهب كثير من الشيعة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى في مرضه ذلك لعلي، ولم يصح ذلك من وجه يعول عليه. وكما نقلوه عن أهل الإثارة أن عمر قَالَ يوماً لابن عباس: إن قومكم - يعني قريشاً - ما أرادوا أن يجمعوا لكم بين النبوة والخلافة، فتتبجحوا عليهم، وأن ابن عباس أنكر ذلك، وطلب من عمر إذنه في الكلام، فتكلم بما غضب له عمر، وظهر من محاورتهما أنهم كانوا يعلمون أن في نفوس أهل البيت شيئاً من أمر الخلافة والعدول عنهم بها، مما اللّه تعالى أعلم بصحته وعدمها.
قصة الشورى
أن جماعة من الصحابة كانوا يتشيعون لعلي، ويرون استحقاقه على غيره، فلما عدل بها إلى سواه، أنفوا من ذلك، وأسفوا له؛ مثل الزبير، وسعد، وعمار بن ياسر، والمقداد بن الأسود، وغيرهم؛ إلا أن القوم لرسوخ قدمهم في الدين وحرصهم على الألفة بين المسلمين لم يزيدوا في ذلك على النجوى بالتأفف والأسف.
ثم لما فشا النكير على عثمان، والطعن في الآفاق، كان عبد اللّه بن سبأ، ويعرف بابن السوداء، من أشد الناس خوضَاً في التشيع لعلي بما لا يرضاه من الطعن على عثمان وعلى الجماعة في العدول إليه عن علي، وأنه ولي بغير حق، فأخرجه عبد اللّه بن عامر عامل عثمان على البصرة منها إلى مصر، فاجتمع إليه جماعة من أمثاله جنحوا إلى الغلو في ذلك وافتجار المذاهب الفاسدة فيه؛ مثل خالد بن ملجم، وسودان بن حمران، وكنانة بن بشر، وغيرهم، ثم كانت بيعة علي ووقعة الجمل وصفين وانحراف الخوارج عليه بما أنكروا من التحكيم في الدين، وتمحضت شيعته للاستماتة معه في حرب معاوية.
ثم لما قتل علي وبويع ابنه الحسن - رضي الله تعالى عنهما - فخرج عن الأمر لمعاوية سخط ذلك شيعة علي منه، وأقاموا يتناجون في السر باستحقاق أهل البيت والميل إليهم، وسخطوا من الحسن ما كان منه من النزول لمعاوية، وكتبوا إلى الحسين بالدعاء له فامتنع، وواعدهم إلى هلاك معاوية، فساروا إلى محمد بن الحنفية، وبايعوه في السر على طلب الخلافة متى ما أمكنه، وولى على كل بلد رجلا، وأقاموا على ذلك، ومعاوية يكف بسياسته من غربهم، ويقلع الداء إذا تعين له منهم؛ كما فعل بحجر بن عدي وأصحابه، وقد تقدم ذكر قتلهم عند ذكر خلافته، ويروض من شماس أهل البيت، ويسامحهم في دعوى تقدمهم واستحقاقهم، ولا يهيج أحداً منهم بالتثريب عليه في ذلك، إلى أن مات، وولي يزيد، فكان من خروج الحسين وقتله ما هو معروف، وكانت من أشنع الوقائع في الإسلام عظمت بها الشحناء، وتوغل الشيعة في شأنهم وعظم النكير والطعن على من تولى ذلك وأَمَرَ به، أو قعد عنه، ثم تلاوموا على ما أضاعوا من أمر الحسين، وأنهم لم ينصروه، فندموا، ورأوا أن لا كفارة لذلك إلا الاستماتة دون ثأره، وسَمَوْا أنفسهم التوابين، وخرجوا لذلك يقدمهم سليمان بن صُرَد الخزاعي، وجماعة معه من خيار أصحاب علي، كرم اللّه وجهه.
وكان ابن زياد قد انتقض عليه العراق، فلحق بالشام ونزل منبج قاصداً العراق، فزحفوا إليه وقاتلوه حتى قتل سليمان وكثير من أصحابه؛ كما ذكرنا ذلك فيما تقدم، وذلك سنة خمس وستين.
ثم خرج المختار بن أبي عبيد، ودعا لمحمد بن الحنفية كما قدمته.
وفشا التعصب لأهل البيت في الخاصة والعامة بما خرج بهم عن حدود الحق.

(2/170)


واختلفت مذاهب الشيعة فيمن هو أحقُّ بالأمر من أهل البيت. وبايعَتْ كل طائفة لصاحبها سراً، ورسخ الملك لبني أمية، فطوى هؤلاء الشيعة قلوبهم على عقائدهم فيها وتستروا بها، مع تعدُد فرقهم وكثرة اختلافهم، وسار زيد بن علي بن الحسين، وقرأ على واصل بن عطاء إمام المعتزلة في وقته، وكان واصل يتردد في إصابة علي في حرب الجمل وصفين، فلقن ذلك عنه، وكان أخوه محمد الباقر يعذله في الأخذ عمن يرى تخطئة جده، وكان زيد - أيضاً - مع قوله بأفضلية علي على الصحابة يرى أن بيعة الشيخين صحيحة، وأن إمامة المفضول جائزة؛ خلاف ما عليه الشيعة، ويرى أنهما لم يظلما علياً.
ثم دعته الحال إلى الخروج بالكوفة سنة إحدى وعشرين ومائة، واجتمع له عامة الشيعة، ورجع عنه بعضهم، لما سمعوه يثني على الشيخين، وأنهما لم يظلما علياً، وقالوا له: لم يظلمك هؤلاء، فرفضوا دعوته، وقالوا: نحن نرفضك إذنْ، فقال: اذهبوا فأنتم الرافضة، فسموا الرافضة من أجل ذلك، ثم قاتل يوسف بن عمر فقتله وبعث برأسه إلى هشام بن عبد الملك، وصلب شلوه بالكناسة، ولحق ابنه يحيى بخراسان فأقام بها، ثم دعته شيعته إلى الخروج، فخرج هناك سنة؟ خمس وعشرين ومائة، فسرح إليه نصر بن سيار العساكر، فقتلوه، وبعث برأسه إلى الوليد، وصلب شلوه بالجوزجان، وانقرض شأن الزيدية هنالك.
وأقام الشيعة على شأنهم وانتظارِ أمرِهم، والدعاة لهم في النواحي على الإجمال للرضا من أهل البيت، ولا يصرحون بمن يدعون له حذراً عليه من أهل الدولة، وكانت شيعة محمد بن الحنفية أكثر شيعة أهل البيت، وكانوا يرون أن الأمر بعد محمد بن الحنفية لابنه أبي هاشم عبد اللّه بن محمد، وكان - يعني أبا هاشم عبد اللّه ابن محمد - كثيرَاً ما يفد على سليمان بن عبد الملك، فمر في بعض أسفاره بمحمد ابن علي بن عبد اللّه بن عباس بمنزله بالحميمة من أعمال البلقاء، فنزل عليه وأدركه المرض عنده فمات، وأوصى له بالأمر، وقد كان أعلم شيعته بالعراق وخراسان أن الأمر صائر إلى ولد محمد بن علي هذا، وهو والد إبراهيم والسفاح، فلما مات أبو هاشم عبد اللّه بن محمد بن الحنفية، قصدت الشيعة محمد بن علي وبايعوه سراً، وبعث الدعاة منهم إلى الآفاق على رأس مائة من الهجرة أيام عمر بن عبد العزيز، وأجابه عامة أهل خراسان، وبعث عليهم النقباء.
وتداول أمرهم هنالك، فتوفي محمد سنة أربع وعشرين ومائة، وعهد لابنه إبراهيم، وأوصى الدعاة بذلك، وكانوا يسمونه الإمام، ثم بحث أبا مسلم الخراساني إلى أهل دعوته بخراسان ليقوم فيهم بأمره، وكتب إليهم بولايته، وذلك في دولة مروان بن محمد المنبوز بالحمار، فعثر مروان على كتاب من إبراهيم الإمام إلى أبي مسلم الخراسانى، فأمر عامله على دمشق أن يأمر عامل البلقاء بالقبض على إبراهيم الإمام، فقبض عليه، وأوثقه شدُّاً، وأرسل به إلى مروان بن محمد، فحبسه بحران ثم قتله؟ كما قدمنا ذكر ذلك قريباً، وملك أبو مسلم خراسان، وزحف إلى العراق، فملكها وغلبوا بني أمية على أمرهم، وانقرضت دولتهم، فقامت دولة بني العباس، وهذه الدولة من دول الشيعة؛ كما ذكرناه، وفرقتها منهم يعرفون بالكيسانية، وهم القائلون بإمامة محمد بن الحنفية بعد علي بن أبي طالب، ثم بعده ابنه أبو هاشم عبد اللّه بن محمد، ثم بعده محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس بوصيته؛ كما ذكرناه، إلى ابنه إبراهيم الإمام ابن محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس، ثم من بعده إلى أخيه أبي العباس عبد اللّه السفاح، وهو عبد الله بن الحارثية، هكذا مساقها عند هؤلاء الكيسانية.
قلت: قال المسعودي: هذه نسبة إلى كيسان، وهو المختار بن أبي عبيد الثقفي؛ فإن اسمه كيسان، وإنما نسبوا إليه؛ لأنه أول من دعا لمحمد بن الحنفية.
قال ابن خلدون: ويسمون أيضاً: الخرمانية؛ نسبة إلى أبي مسلم الخراساني؛ لأنه كان يلقب خرمان.

(2/171)


ولبني العباس - أيضاً - شيعة يسمون الراوندية من أهل خراسان، يزعمون أن أحق الناس بالإمامة بعد النبي صلى الله عليه وسلم عمه العباس؛ لأنه وارثه وعاصبه؛ لقوله تعالى: " وَأولوُا اَلأَرحَامِ بَعضهُمْ أَولىَ ببعض في كِتاب الله " " الأنفال: 75 " ، والناس منعوه من حقه في ذلك وظلموه، إلى أن رده اللّه إلى ولده، ويذهبون إلى البراءه من الشيخين وعثمان، ويجيزون بيعة علي؛ لأن العباس قال له: " يا بن أخي، هلم أبايعك فلا يختلف عليك اثنان " ، ولقول داود بن علي على منبر الكوفة يوم بويع السفاح: يا أهل الكوفة، إنه لم يقم فيكم إمام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علي بن أبي طالب، وهذا القائم فيكم، يعني السفاح.
قال في الإشاعة لأشراط الساعة في أماراتها البعيدة: ومنها دولة بني العباس: عن عمر بن الخطاب - رضي اللّه تعالى عنه - : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إذا أقبلت رايات ولد العباس من عقبات خراسان، جاءوا بنعي الإسلام، فمن سار تحت لوائهم لم تنله شفاعتي يوم القيامة " رواه أبو نعيم في الحلية.
وعن علي - رضي اللّه تعالى عنه - موصولا: مالي ولبني العباس شيعوا أمتي - أي: صيروهم شيعَاً وفرقاً - وسفكوا دماءها، ولبسوا ثياب السواد، ألبسهم اللّه ثياب النار رواه الطبراني.
والأحاديث الواردة في ذمهم كثيرة؛ فلا نطول بذكرها.
فمن الفتن الواقعة في زمانهم: قتال أهل المدينة، وقتل محمد النفس الزكية ابن عبد الله المحض ابن الحسن المثنى ابن الحسن السبط، وقتل أخيه إبراهيم بن عبد اللّه، وحبس أبيهما عبد اللّه المحض، حتى مات في السجن، وقتل جماعة كثيرة من العلويين، وحبس الإمام جعفر الصادق في زمن المنصور، وموت الإمام موسى الكاظم في الحبس بالسم في زمن الرشيد هارون، وإدخال الفلسفة في الإسلام، ونصرة أهل الاعتزال، وتكليف العلماء على القول بخلق القرآن، وقتلُ كثير منهم بسبب ذلك في زمن المأمون، وضربُ الإمام أحمد بن حنبل في زمنه، وزمنِ أخيه المعتصم وابنه الواثق، ولم تتفق في زمانهم الكلمة، ولم تصف لهم الخلافة، وأكثرهم أدعياء، ومنهم ظلمة فسقة، وأحسن من فيهم المتوكل، لأنه أول من رجع عن الاعتزال، ونصر السنة؛ لكنه كان في التعصب على جانب عظيم بحيث إنه هَدَمَ قبر الحسين بن علي - رضي اللّه تعالى عنه - وجعله مزرعة، ومنع الناس من زيارته، وقد قال بعض الشعراء في ذلك: من الكامل:
تاللَّهِ إِنْ كانت أميةُ قد أَتَتْ ... قَتل ابْنِ بِنْتِ نَبيهَا مَظْلُومَا
فَلَقَد أتاه بَنُو أَبِيهِ بمثْلِهِ ... هذا لَعَمْرُكَ قَبْرُهُ مَهْدُومَا
أَسِفُوا على ألا يَكُونُوا شَارَكُوا ... في قَتْلِهِ فَتَتبعوهُ رَمِيمَا
وقال آخر: من الكامل:
تاللَّهِ ما فَعَلَتْ عُلُوجُ أميةٍ ... مِعْشَارَ ما فَعَلَتْ بَنُو العَباسِ
نعم، كان المهتدي منهم زاهداً ناسكاً يتأسى بعمر بن عبد العزيز في هديه، لكنه قتل بعد سنة، ولم تطل أيامه.
خلافة أبي العباس عبد الله بن محمد السفاح
قد قدمت كيف كان أصل هذه الدعوة وظهورها بخراسان على يد أبي مسلم عبد الرحمن الخراساني، ثم استيلاء شيعتهم على خراسان والعراق، ثم قتل مروان ابن محمد ببوصير.
بويع للسفاح هذا بالخلافة يوم الجمعة ثالث عشر ربيع الأول، سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وفي المسامرة بويع في الكوفة يوم الخميس، ومن غد يوم الجمعة لعشرين خلت من ربيع الأول من السنة المذكورة بويع بيعة العامة.
وهو عبد الله بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم ابن عبد مناف بن قصي، السفاح المشهور بابن الحارثية كان أصغر من أخيه المنصور أبي جعفر عبد اللّه بن محمد، كان كريماً جواداً.

(2/172)


وفي كتاب قلادة النحر لأبي مخرمة: ما حصل في زمانه بينه وبين الطالبيين من الأشراف شيء، ولا قام عليه أحد منهم، بل قربهم وأحسن إليهم، وكانت المحبة صافية بينهم، وقام بأمر الدولة العباسية أبو مسلم الخراساني، وتأطدت له الأعمال من الشرق إلى الغرب، وحصل عنده برد النبي صلى الله عليه وسلم، وأما القضيب والمخصرة، فإن مروان بن محمد لما تيقن بالقتل دفنهما حسداً، فدل عليهما غلام، فأخرجهما عامر ابن إسماعيل المذحجي الداخل على مروان الكنيسة، وأرسل بهما إلى السفاح، واسم أمه ريطة بنت عبيد اللّه، من ذرية حارث بن مالك بن ربيعة؛ ولذلك يقال للسفاح ابن الحارثية، وكان بنو أمية يمنعون بني هاشم من نكاح الحارثيات؛ لأنهم كانوا يرون أن زوال ملكهم على يد ابن حارثية، فلما ولي الخلافة عمر بن عبد العزيز، أتاه محمد بن علي والد السفاح فقال: أريد أتزوج ابنة خالي من بني الحارث، فتأذن لي؟ فقال له عمر: تزوج من شئت، فتزوج ريطة المذكورة، فأولدها السفاح، فانتقلت الخلافة إليه، يفعل اللّه ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا راد لقضائه، ولا مانع لحكمه.
ولما استقر السفاح في الخلافة، خرج عليه بعض أشياع بني أمية وقوادهم، وكان أول من نقض عليه حبيب بن مرة المري من قواد مروان، كان بحوران والبلقاء، خاف على نفسه وقومه، فخلع وبيض، ومعناه لبس البياض، ونصب الرايات البيض؛ مخالفة لشعار العباسية في ذلك، وتابعه قيس ومن يليهم، والسفاح يومئذ بالحيرة، فزحف إليه عبد اللّه بن علي عم السفاح، وبينما هو في محاربته، بلغه الخبر بأن أبا الورد مجزأة بن الكوثر بن زفر بن الحارث الكلابي نقض بقنسرين، وكان من قواد مروان، فلما انهزم مروان، وقدم علي عبد اللّه بن علي، بايعه ودخل في دعوة العباسيين، وكان ولد مسلمة بن عبد الملك مجاورين له ببالس، فبعث بهم وبنسائهم القائد الذي جاءه من قبل عبد اللّه بن علي، وشكوا ذلك إلى أبي الورد، فقتل القائد، وخلع معه أهل قنسرين، وكاتبوا أهل حمص في الخلاف، وقدموا عليهم أبا محمد بن عبد اللّه بن يزيد بن معاوية، وقالوا: هو السفياني الذي يذكر، ولما بلغ ذلك عبد اللّه بن علي، وادع حبيب بن مرة، وسار إلى أبي الورد بقنسرين، ومر بدمشق فخلف بها أبا غانم عبد الحميد بن ربعي الطائي في أربعة آلاف فارس مع حرمه وأثقاله، وسار إلى حمص فبلغه أن أهل دمشق خلعوا وبيضوا، وأقاموا فيهم عثمان بن عبد الأعلى الأزدي، وأنهم هزموا أبا غانم وعسكره، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وانتهبوا ما خلفه عبد اللّه بن علي عندهم، فأعرض عن ذلك وسار للقاء السفياني وأبي الورد، وقدم أخاه عبد الصمد في عشرة آلاف، فانكشف ورجع إلى أخيه عبد اللّه بن علي منهزماً، فزحف عبد الله في جماعة القواد، ولقيهم بمرج الآخرم، وهم في أربعين ألفاً فانهزموا. وثبت أبو الورد في خمسمائة من قومه فقتلوا جميعاً، وهرب أبو محمد إلى تدمر وراجع أهل قنسرين طاعة العباسية، ورجع عبد الله بن علي إلى قتال أهل دمشق ومن معهم، فهرب عثمان بن عبد الأعلى، ودخل أهل دمشق في الدعوة، وبايعوا لعبد اللّه بن علي، ولم يزل أبو محمد السفياني بأرض الحجاز متغيباً إلى أيام المنصور، فقتله زياد بن عبد الحارثي عامل الحجاز يومئذ للمنصور، وبعث رأسه إلى المنصور مع ابنين له أسيرين، فأطلقهما المنصور.

(2/173)


ثم خلع أهل الجزيرة وبيضوا، وكان السفاح بعث إليها ثلاثة آلاف من جنده مع موسى بن كعب من قواده، وأزالهم بحران، وكان إسحاق بن مسلم العقيلي عامل مروان على أرمينية، فلما بلغته هزيمة مروان، سار عنها، واجتمع إليه أهل الجزيرة، وحاصروا موسى بن كعب بحران شهرين، فبعث السفاح أخاه أبا جعفر إليهم، وكان محاصراً لابن هبيرة بواسط، فسار لقتال إسحاق بن مسلم، وهو بقرقيسيا والرقة، وقد خلعوا وبيضوا، وسار نحو حران، فأجفل إسحاق بن مسلم عنها ودخل الرهَا، وبعث أخاه بكار بن مسلم إلى قبائل ربيعة بنواحي ماردين، ورئيسهم يومئذ بريكة من الحرورية، فصمد إليهم أبو جعفر المنصور فهزمهم، وقتل بريكة في المعركة، وانصرف بكار إلى أخيه إسحاق، فخلفه إسحاق بالرها، وسار إلى سميساط، وجاء عبد اللّه بن علي فحاصره، ثم جاء أبو جعفر المنصور، فحاصروه سبعة أشهر، وهو يقول: لا أخلع البيعة من عنقي حتى أتيقن مَوتَ صاحبها - يعني مروان بن محمد - فلما تيقن موته، طلب الأمان، فاستأذنوا السفاح، فأمرهم بتأمينه، وخرج إسحاق بن مسلم إلى أبي جعفر؛ فكان من آثر أصحابه وخواصه.
قلت: لله أبو إسحاق بن مسلم هذا ما أوقفه عند عقده، وأوفاه بميثاقه وعهده.
واستقام أهل الجزيرة والشام، وولى السفاح أخاه أبا جعفر على الجزيرة وأرمينية وأذربيجان؛ فلم يزل عليها حتى جاءته الخلافة بعد وفاة أخيه السفاح، ولقد صدق من قال: من الكامل:
لاَ يَسلَمُ الشرَفُ الرفيعُ مِنَ الأذى ... حَتى يُرَاقَ عَلَى جَوَانِبِهِ الدمُ
ذكر ابن الأثير؛ أن أبا جعفر المنصور لما أمره أخوه السفاح بحصار ابن هبيرة أحد الناقضين عليه، حاصره بواسط، وكان ابن هبيرة خندق على نفسه، فقال أبو جعفر: إن ابن هبيرة يخندق على نفسه كالنساء، فبلغ ذلك ابن هبيرة، فأرسل إلى أبي جعفر يقول: أنت الذي تقول كذا وكذا، فابرز إلي لترى، فأرسل إليه المنصور: لم أجد لي ولك مثلا في ذلك إلا كالأسدِ لقي خنزيراً، فقال له الخنزير: بارزني، فقال له الأسد: ما أنت لي بكفء، فإن بارزتك و نالني منك سوء كان عاراً علي، وإن قتلتك قتلت خنزيرَاً، فلم أحصل على حمد، ولا في قتلي إياك فخر، فقال له الخنزير: إن لم تبارزني لأُعرفن السباع أنك جبنت عني، فقال له الأسد: احتمال عار كذبك أيسر من تلطخ براثني بدمك.
قال الحافظ الذهبي في دول الإسلام: لما صلى السفاح بالناس أول جمعة، خطب، فقال في خطبته: الحمد للّه الذي اصطفى الإسلام لنفسه، فكرمه وشرفه وعظمه، واختاره لنا وأيده بنا، وجعلنا أهله وكهفه وحصنه والقوام به والذابين عنه. ثم ذكر قرابتهم في آيات القرآن إلى أن قال: فلما قبض الله نبيه، قام بالأمر أصحابه إلى أن وثب بنو حرب ومروان، فجاروا واستأثروا، فأملى الله لهم حيناً حتى آسفوه، فانتقم منهم بأيدينا، ورد علينا حَقنا ليمن بنا على الذين استضعفوا في الأرض، وختم بنا كما افتتح بنا، وما توفيقنا أهل البيت إلا بالله، يا أهل الكوفة، أنتم محل محبتنا، ومنزل مودتنا، لم تفتروا عن ذلك، ولم يثنكم عنه تحامل أهل الجور، فأنتم أسعد الناس بنا، وأكرمهم علينا، ولقد زدت في عطياتكم مائة مائة، فاستعدوا، فأنا السفاح المبيح، والثائر المبير، والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته.

(2/174)


وفي سنة ست وثلاثين ومائة: استأذن أبو مسلم الخراساني السفاح في القدوم عليه للحجِّ، وكان منذ ولي خراسان لم يفارقها، فأذن له في القدوم بخمسمائة من الجند، فكتب إليه أبو مسلم: إني قد وترت الناس ولا آمن على نفسي، فأذن له في ألف، وقال: إن طريق مكة لا يحتمل العسكر، فسار في ثمانية آلاف فرقهم ما بين نيسابور والري، وخلف مواليه وخزائنهُ بالري، وقدم في ألف، وخرج القواد بأمر السفاح لتلقيه، ودخل على السفاح، فأكرمه وأعظمه، واستأذن في الحج، فأذن له، وقال: لولا أن أبا جعفر يريد الحجَ، لاستعملتك على الموسم، وأنزله بقربه، وكان قد كتب إلى أبي جعفر: إن أبا مسلم استأذنني في الحج، فأذنتُ له وهو يريد ولاية الموسم، فاسألني أنت في الحج، فلا يطمع أن يتقدمك، فقدم أبو جعفر إلى الأنبار. وكان بين أبي جعفر وأبي مسلم - من حين بعث السفاح أبا جعفر إلى خراسان ليأخذ عليه البيعة له ولأبي جعفر من بعده وتولى أبو مسلم على خراسان - شيء، فاستخف أبو مسلم إذ ذاك بأبي جعفر، فلما قدم أبو جعفر الآَن، أغرى السفاح بقتل أبي مسلم، فأذن له في قتله، ثم ندم، فكفه عن ذلك، وسار أبو جعفر إلى الحج، ومعه أبو مسلم.
وفي كتاب الأذكياء لأبي الفرج بن الجوزي حكاية طريفة، عن خالد بن صفوان التميمي؛ أنه دخل على أبي العباس السفاح، وليس عنده أحد فقال: يا أمير المؤمنين، إني واللّه ما زلت مذ قلدك اللّه تعالى خلافته، أطلب أن أصير إلى مثل هذه الخلوة، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر بإمساك الباب حتى أفرغ، فعل، فأمر السفاح الحاجب بذلك، فقال ابن صفوان: يا أمير المؤمنين، إني فكرت في أمرك، وأجلت فكري فيك، فلم أر أحداً له قدرة واتساع في الاستمتاع بالنساء مثلك، ولا أضيق فيهن عيشاً؛ إنك ملكت نفسك امرأة من نساء العالمين فقصرت نفسك عليها، فإن مرضت مرضت، وإن غابت غبت، وحرمت نفسك التلذذ باستطراف الجواري، ومعرفة أخلاقهن والتلذذ بما يشتهي منهن؛ فإن منهن الطويلة التي تشتهي لجسمها، والبيضاء التي تحب لروعتها، والسمراء اللعساء، والصفراء الذهبية، ومولدات المدينة والطائف واليمامة ذوات الألسن العذبة، والجواب الحاضر، وبنات الملوك، وما يشتهي من نضارتهن ولطافتهن، وتخلل خالد لسانه، فأطنب في صفات ضروب الجواري وشوقه إليهن، فلما فرغ من كلامه، قال السفاح: ويلك! ملأت مسامعي ما أشغل خاطري، ما سلك فيها أحسن من هذا، فأعدْ على كلامك؛ فقد وقع مني موقعَا، فأعاده خالد بأحسن مما ابتدأه، فقال له السفاح: انصرف، فانصرف، وبقي السفاح مفكراً، فدخلت عليه أم سلمة زوجته، وكان قد حلف ألاَ يتخذ معها سرية ووفى، فقالت: إني أنكرت منك يا أمير المؤمنين، فهل حدث شيء، أو أتاك خبر ارتعت له؟ قال: لا، فلم تزل به حتى أخبرها بمقالة خالد، فخرجت إلى مواليها وأمرتهم بضرب خالد، قال خالد: فخرجت من الدار مسروراً بما ألقيت إلى أمير المؤمنين، ولم أشك في الصلة.
فبينما أنا واقف؛ إذ أقبلوا يسألون عني فحققت الجائزة، فقلت: لهم: ها أنا، فاستبق أحدهم بخشبة فغمزت برذوني، فلحقني وضرب عجز البرذون، وركضت فيهم، واستخفيت في منزلي أياماً، ووقع في قلبي أني أتيت من أم سلمة، فبينما أنا ذات يوم جالس في المنزل لم أشعر إلا بقومٍ قد هجموا علي، فقالوا: أجب أمير المؤمنين، فسبق في قلبي أنه الموت، فقلت إنا للّه وإنا إليه راجعون، لم أر دم شيخ أضيع من دمي، وركبت إلى دار أمير المؤمنين، فأصبته جالساً، ولحظت في المجلس بيتاً عليه ستور رقاق، وسمعت حساً من خلف الستر، فأجلسني ثم قال: ويحك يا خالد، وصفت لي صفة فأعدها علي، فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، أعلمتك أن العرب إنما اشتقت اسْمَ الضرتين من الضرر، وأن أحداً لم يكن عنده من النساء أكثر من واحدة إلا كان في ضُر وتنغيص.

(2/175)


فقال السفاح: لم يكن هذا من كلامك أولا، قلت: بلى يا أمير المؤمنين، وأعلمتك أن الثلاث من النساء يدخلنَ على الرجل البؤس، ويشيبن الرأس، فقال السفاح: برئتُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن كنت سمعت هذا منك أو مر في حديثك لي، قلت: بلى يا أمير المؤمنين، وأخبرتك أن الأربع من النساء شَر مجموع لصاحبه يشبنه ويهرمنه، قال السفاح: لا واللّه ما سمعت هذا منك أولا، قلت: بلى والله، فقال السفاح: أتكذبني؟ قلت: فتقتلني؟! نعم، واللّه يا أمير المؤمنين، إن أبكار الإماء رجال إلا أنه ليس لهن خصي، قال خالد: فسمعت ضحكاً من خلف الستر، ثم قلت: واللّه وأخبرتك أن عندك ريحانةَ قريشٍ، وأنت تطمح بعينيك إلى النساء والجواري، فقيل لي من وراء الستر: صدقتَ والله يا عماه بهذا حدثته، ولكنه غير حديثك، ونطق بما في خاطره عن لسانك، فقال السفاح: مالك، قاتلك الله؟ قال خالد: فانسللت وخرجت، فبعثت لي أم سلمة بعشرة آلاف درهم وبرذون وتخت ثياب، وقالت: الزم ما سمعناه منك.
ويروى أنه سهر ذات ليلة، وعنده أناس من مضر، وفيهم خالد بن صفوان بن أهتم التميمي المذكور، وناس من اليمن فيهم إبراهيم بن مخرمة الكندي، فقال أبو العباس: هاتوا فافلعوا ليلتنا بمحادثتكم، فبدأ إبراهيم بن مخرمة فقال: يا أمير المؤمنين، إن أخوالك هم الناس، وهم العرب الأول الذين كانت لهم الدنيا، وكانت لهم اليد العليا، ما زالوا ملوكاً وأربابَاً تداولوا الرياسة كابرًَا عن كابر، وآخراً عن أول، يلبس آخرهم سرابيل أولهم، يعرفون الحمد ومآثر الحمد، منهم النعمانان والحمادان والقابوسان، ومنهم غسيل الملائكة، ومَنِ اهتز لموته العرش، ومنهم مكلم الذئب، ومن كان يأخذ كل سفينة غصبَاً، ويجري في كل نائية نهبَاً، ومنهم أصحاب التيجان وكماة الفرسان، ليس من نبل، وإن عظم خطره، وعرف أثره، من فرس رائع، أو سيف قاطع، أو مجن واق، أو درع حصينة، أو درة مكنونةَ، إلا وهم أربابها وأصحابها. إن حل ضيف قروه، وإن سألهم سائل أعطوه، لا يبلغهم مكاثر، ولا يطاولهم مطاول ولا مفاخر. فمن مثلهم يا أمير المؤمنين، البيت يمان، والحجر يمان، والركن يمان، والسيف يمان.
فقال أبو العباس ما أرى مضر تقول بقولك هذا، وما أظن خالداً يرضى بما ذكرت.
فقال خالد: إن أذن أمير المؤمنين وأمنت الموجدة، تكلمت.
فقال أبو العباس: تكلم ولا ترهب أحداً.
فقال خالد: يا أمير المؤمنين، خاب المتكلم وأخطأ المتقدم؛ إذ قال بغير علم، ونطق بغير صواب، أو يفخر على مضر، ومنهم النبي صلى الله عليه وسلم، والخلفاء من أهل بيته، وهل أهل اليمن إلا دابغ جلد، أو قائد قرد، أو حائك برد؟! دل عليهم هدهد، وغرقهم جرذ، وملكتهم أم ولد. واللّه يا أمير المؤمنين، ما لهم ألسنة فصيحة، ولا سنة صحيحة، ولا حجة تدل على كتاب، ولا يعرفون بها صواب، وإنهم لبإحدى الخصلتين، إن جازوا قصدوا ما أكلوا، وإن حادوا عن حكمنا قتلوا.
ثم التفت إلى الكندي، فقال: أتفخر بالفرس الراِئع، والسيف القاطع، والترس الواقي والدرع الحصينة، وأشباه ذلك؟ أفلا تفخر بأكرم الأنام وخيرهم محمد صلى الله عليه وسلم؟! فالمن من الله - عز وجل - عليكم إذ كنتم من أتباعه وأشياعه، فمنا نبي اللّه المصطفى، وخليفة الله المرتضى، ولنا السؤدد والعلا، وفينا العلم والحجا، ولنا الشرف المقدم، والركن الأعظم، والبيت المكرم، والجناب الأخضر، والعدد أكثر، والعز أكبر، ولنا البيت المعمور، والمشعر المشهور، والسقف المرفوع، وزمزم وبطحاؤها، وجبالها وصحراؤها، وحياضها وغياضها، وأحجارها وأعلامها، ومنابرها وسقايتها، وحجابها وسدنة بيتها، فهل يعدلنا عادل، أو يبلغ فخرنا قائل؟ ومنا أعظم الناس، عبد اللّه بن عباس، أعلم البشر، الطيبة أخباره، الحسنة آثاره، ومنا الوصي وذو النورين، ومنا الصديق والفاروق، ومنا أسد الله وأسد رسوله سيد الشهداء حمزة، ومنا ذو الجناحين جعفر الطيار، ومنا الكماة والفرسان، ومنا الفقهاء والعلماء، ومنا عرف الدين، ومن عندنا أتاكم اليقين، فمن زاحمنا زحمناه، ومن عادانا اصطلمناه، ومن فاخرنا فخرناه، ومن بدل سنتنا قتلناه.

(2/176)


ثم التفت إلى الكندي فقال: كيف علمك بلغات قومك؟ قال: إني بها عالم، فقال: ما الجحمة في لغتكم؟ قال: العين، قال: فما المبزم؟ قال: السن، قال: فما الشناتر؟ قال: الأصابع، قال: فما الصنبارة؟ قال: الأذن، قال: فما القلوب؟ قال: الذئب، قال: فما الزب؟ قال: اللحية، قال: أفتقرأ كتاب اللّه تعالى؟ قال: نعم، قال: فإن اللّه تعالى يقول: " إنَّا أَنزَلناهُ قرآناً عربياً " " يوسف: 2 " ، وقال: " بلِسَانٍ عَرَبي مبين " " الشعراء: 195 " ، وقال جل ذكره: " وما أَرسَلنَا مِن رَسُولٍ إلا بِلِسَانِ قوَمِه " " إبراهيم: 4 " ، فقال عز وجل: " السن بالسن والعين بالعين " " المائدة: 45 " ولم يقل: الجحمة بالجحمة، وقال: " يجعَلوُنَ أَصاَبِعهُم في آذَانهم " " البقرة: 19 " ، ولم يقل: شناترهم في صنابرهم، وقال: " وَالسِّنَّ بِاَلسِّن " " المائدة: 45 " ، ولم يقل: المبزم بالمبزم، وقال: " فَأكَلَهُ اَلذِّئب " " يوسف: 17 " ، ولم يقل: أكله القلوب، وقال: " لا تَأخذْ بِلِحيتَي " " طه: 94 " ، ولم يقل: بزبي، وإني سائلك يا بن مخرمة عن ثلاث خصال، فإن أقررت بها قهرت، وإن جحدتها كفرت، قال: وما هي؟ قال: أتعلم أن فينا نبي اللّه المصطفى صلى الله عليه وسلم؟ قال: اللهم نعم، قال: أفتعلم أن فينا كتاب اللّه المنزل؟ قال: اللهم نعم، قال: أفتعلم أن فينا خليفة اللّه المرتضى؟ قال: اللهم نعم، قال: فأي شيء يعدل هذه الخصال؟ قال أبو العباس: اكفف عنه، فواللّه ما رأيت غلبة قط أنكَرَ منها، واللّه ما فرغت من كلامك يا أخا مضر، حتى توهمتُ أنه سيعرَجُ بسريري إلى السماء. ثم أمر لخالد بمائة ألف درهم.
وفي ابن خلكان: أن السفاح نظر يوماً إلى المرآة، وكان من أجمل الناس وجهَاً، فقال: اللهم، إني لا أقول كما قال سليمان بن عبد الملك، ولكني أقول: اللهم عمرني طويلا في طاعتك ممتعَاً بالعافية. فما استتم كلامه حتى سمع غلاماً يقول لآخر: الأجل بيني وبينك شهران وخمسة أيام، فتطير من كلامه، وقال: حسبي الله، ولا قوة إلا بالله، عليه توكلت، وبه استعنت، فما مضت المدة المذكورة حتى أخذته الحمى، ومرض، فمات بعد شهرين وخمسة أيام بالجدري بالأنبار مدينته التي بناها، وسماها: الهاشمية، وهو ابن إحدى وثلاثين سنة، وقيل: ثلاث وثلاثين، وكانت وفاته يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي الحجة، سنة ست وثلاثين ومائة، ومدة خلافته أربع سنين وتسعة أشهر، وولادته سنة خمس ومائة، وكان أبيض مليحَاً جميلا حسن اللحية والهيئة.
خلافة أبي جعفر المنصور
هو عبد اللّه بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن العباس بن عبد المطلب، أخو السفاح عبد اللّه المتقدم قبله، كان السفاح، ولاَه الحج سنة ست وثلاثين، ومات السفاح في ثالث عشر ذي الحجة منها، فأتاه الخبر، وهو عائد من الحج، وأتته الخلافة بمكانٍ يعرف بالصافية، فقال: صفا أمرنا، وكان السفاح قد عهد قبل موته بالخلافة لأخيه أبي جعفر ومن بعده لعيسى ابن أخيهما موسى بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن العباس، وجعل العهد في ثوب وختمه بخواتيم أهل البيت، ودفعه إلى عيسى، ولما توفي السفاح، وكان أبو جعفر بمكة حاجاً، أخذ له البيعة على الناس عيسى بن موسى، وكتب إليه بالخبر، فجزع واستدعى أبا مسلم، وكان قد حج معه؛ كما تقدَم ذكره، فأقرأه الكتاب، فبكى أبو مسلم واسترجَعَ، وسكَّن أبا جعفر عن الجزع، وبايع له أبو مسلم والناس، وأقبلا حتى قدما الكوفة، ويقال: إن أبا مسلم كان في رجوعه من مكة متقدماً على أبي جعفر، وأن الخبر أتاه قبله، فكتب إليه يعزيه ويهنيه بالخلافة، وبعد يوم كتب له ببيعته، فلما قدم أبو جعفر الكوفة، سار منها إلى الأنبار، فسلم إليه عيسى بن موسى بيوت الأموال والدواوين، واستقام أمر أبي جعفر المنصور.
قال ابن خلدون: تولى أبو جعفر المنصور الخلافة في أول سنة سبع وثلاثين ومائة، وكان أول ما فعل أن قتل أبا مسلم الخراساني صاحب دعوتهم وممهد دولتهم، وذلك لما كان أبو مسلم يستخف بأبي جعفر من حين بعثه السفاح إلى خراسان؛ ليأخذ البيعة له ولأبي جعفر من بعده؛ كما ذكرت آنفَاً، ولأمور أخر حدثت عن أبي مسلم؛ منها: أنه لما حج معه، كان يؤثر نفسه على المنصور، ويتقدم بالإحسان إلى الوفود، وإصلاح الطريق والمياه، وكان الذكر له، ولما صدرا

(2/177)


عن الموسم، تقدم ولقيه الخبر بوفاةَ السفاح قبل المنصور، فبعث إلى أبي جعفر يعزيه ولم يهنئه بالخلافة، ولا رجع إليه ولا انتظره، فغضب أبو جعفر وكتب إليه وأغلظ في العتاب، فكتب إليه يهنئه بالخلافة، وتقدم إلى الأنبار قبل أبي جعفر، ودعا عيسى بن موسى أن يبايع له، فأبى عيسى؛ لأن عهده إنما هو بعد موت المنصور، فأراد أبو مسلم رفع الخلافة عن أبي جعفر إلى عيسى، فامتنع عيسى، وقدم أبو جعفر، وقد كان عم المنصور عبد اللِّه بن علي الذي كان تولى قتال مروان ابن محمد خلع طاعة المنصور وبايع لنفسه.
وقال: إن السفاح حين أراد أن يبعث الجنود إلى مروان بن محمد، تكاسل عنه بنو أبيه، فقال لهم: من انتدب منكم، فهو ولي عهدي، فلم ينتدب غيري، وسرت إلى مروان بن محمد، وشهد له أبو حاتم الطائي وخفاف المروروذي وغيرهما من القواد وبايعوه، وكان قد ظفر من أموال بني أمية بما لا يحصَى من ذخائر وبما لا يستقصى، فسرح أبو جعفر المنصور أبا مسلم الخراساني إلى قتال عمه عبد اللّه بن علي المذكور، فهزمه وجمع الغنائم من عسكره، فبعث أبو جعفر المنصور مولاه أبا الخصيب لجمعها، فغضب أبو مسلم، وقال: أنا أمين على الدعاء، فكيف أخون الأموال؟! وهم بقتل أبي الخصيب، ثم خلى عنه.
وخَشِيَ المنصور أن يمضي أبو مسلم إلى خراسان، فكتب له بولاية الشام، فازداد نفاراً، وخرج من الجزيرة يريد خراسان، وسار أبو جعفر إلى المدائن وكتب إلى أبي مسلم يستقدمه، فأجابه بالامتناع، والتمسك بالطاعة عن بُعدٍ، والتهديد بالخلع إن طلب سوى ذلك، فبقي أبو جعفر المنصور حائراً بعد أن هَم بقتله بين الاستبداد برأيه في أمر أبي مسلم وبين الاستشارة فيه، فقال يوماً لسلم بن قتيبة ما ترى في أبي مسلم؟ فقال ابن قتيبة: يا أمير المؤمنين، لو كان فيهما آلهة إلا اللّه لفسدتا، فقال المنصور: حسبك يا بن قتيبة، لقد أودعتها أذناً واعية.
ثم كتب المنصور إلى أبي مسلم ينكر عليه هذا الشرط، وأنه لا يحسن معه طاعة، وبعث إلى عيسى بن موسى برسالة يؤانسه، وقيل: بل كتب إليه أبو مسلم يعرض له بالخلع، وأنه تاب إلى اللّه مما جناه من القيام بدعوتهم، وأخذ أبو مسلم طريق حلوان، وأمر المنصور ابن عمه عيسى بن موسى في مشيخة بني هاشم بكتاب إلى أبي مسلم يحرضونَهُ على التمسك بالطاعة، ويحذرونه عاقبة البغي ويأمرونه بالرجوع، وبعث الكتاب مع مولاه حميد المروروذي، وأمره بملاينته والخشوع له بالقول حتى ييأس منه، فإذا يئس من موافقته يخبره بقسم أمير المؤمنين: لا وكلت أمرك إلى غيري، ولو خضت البحر لخضته وراءك، ولو اقتحمت النار لاقتحمتها حتى أقتلك أو أموت.
فأوصل حميد الكتب وتلطف له في القول مؤمناً، واحتجَ عليه بما كان منه في التحريض على طاعتهم، فاستشار أبو مسلم مالك بن الهيثم، فأبى له من الإصغاء إلى القول، وقال: والله، لئن أتيته ليقتلنك، ثم بعث أبو مسلم إلى ميزك صاحب الري يستشيره، فأبى له من ذلك، وأشار عليه بنزول الري وخراسان من ورائه؛ ليكون أمكن لسلطانه، فأجاب أبو مسلم حميدَاً رسول أبي جعفر بالامتناع، فلما يئس حميد منه، أبلغه مقالة المنصور، فوجم طويلا ورعب من ذلك القول وأكبره، وكان المنصور قد كتب إلى عامل أبي مسلم بخراسان يرغبه في الانحراف عنه بولاية خراسان، فأجاب سِراً، وكتب إلى أبي مسلم بخراسان يحذره الخلاف والمعصية، فزاده على ذلك رعباً، وقال لحميد قبل انصرافه: قد كنت عزمت على المضي إلى خراسان، ثم رأيت أن أوجه أبا إسحاق إلى أمير المؤمنين يأتيني برأيه؛ فإني أثق به، فبعث به إلى المنصور، فلما قدم أبو إسحاق، تلقاه بنو هاشم وأهل الدولة بكل ما يحب، وداخله المنصور في صرف أبي مسلم عن وجهة خراسان ووعده بولايتها، فرجع أبو إسحاق إلى أبي مسلم وأشار عليه بلقاء المنصور، فاعتزم على ذلك، واستخلف مالك بن الهيثم بعسكره بحلوان، وقدم المدائن على المنصور في ثلاثة آلاف.

(2/178)


وخشي أبو أيوب وزير المنصور أن يحدث منه عند قدومه فتك، فدعا بعض إخوانه، وأشار عليه بأن يأتي أبا مسلم، ويتوسل به إلى المنصور في ولاية كسكر يصيب فيها مالا عظيماً، وأن يشرك أخاه في ذلك، ويجعل ذلك أبو مسلم في حوائجه، وأن أمير المؤمنين عازم على أن يوليه ما وراء بابه وينزع نفسه، واستأذن له المنصورَ في لقاء أبي مسلم، فأذن له، فلقي ذلك البعض أبا مسلم، وتوسل إليه وأخبره الخبر، فطابت نفسه، وذهب عنه الحزن، واستبشر بتولية المنصور إياه ما وراء بابه.
ولما قرب أبو مسلم، أمر الوزير أبو أيوب الناس بتلقيه، ثم دخل على المنصور، فقبل يده، ثم انصرف ليريح ليلته، ودعا المنصور من الغد حاجبه عثمان بن نهيك، وأربعة من الحرس - منهم شبيب بن واج، وأبو حنيفة حرب بن قيس - وأجلسهم خلف الرواق، وأمرهم بقتل أبي مسلم إذا صفق بيديه، واستدعى أبا مسلم، فلما دخل سأله عن سيفين أصابهما لعمه عبد اللّه بن علي، وكان أبو مسلم متقلداً أحدهما، فقال أبو مسلم: هذا أحدهما، فقال المنصور: أرنيه، فانتضاه أبو مسلم وناوله إياه، فأخذ يقلبه بيده ويهزه، ثم وضعه تحت فراشه، وأقبل يعاتبه فقال: كتبتَ إلى السفاح تنهاه عن الموات كأنك تعلمه، فقال أبو مسلم: ظننت أنه لا يحل، ثم اقتديتُ بكتاب السفاحِ، وعلمتُ أنكم معدن العلم، قال: فتقدمك عني بطريق مكة؟ فقال: كرهت مزاحمتك على الماء، قال: فامتناعُكَ عن الرجوع إلي حين بلغك موت السفاح، وامتناعُكَ من الإقامة حتى ألحقك؟! قلت: قد تقدَم أن أبا مسلم حال عودهما من الحج كان متقدماً على المنصور، فبلغه خبر موت السفاح قبله، ولم يرجع إلى المنصور للتعزية والتهنئة له بالخلافة، ولم يقمْ في مكانه إلى أن يصل إليه المنصور بل استمرَّ سائراً حتى دخل الكوفة قبله؛ فلذلك يؤنبه بذلك.
فقال أبو مسلم: طلبت الرفق بالناس والمبادرة إلى الكوفة، قال: فجارية عمي عبد اللّه أردتَ أن تتخذها لنفسك؟! قال: لا، وإنما وكلْتُ بها من يحفظها، قال: فمراغمتك وسيرك إلى خراسان؟! قال: خفت منك، فقلت: آتي خراسان، وأكتُبُ بعذري، فأذهب ما في نفسك مني، قال: فالمال الذي جمعته بحران؟! قال: أنفقته على الجند تقوية لكم، قال: ألست الكاتب إليَّ تبدأُ بنفسك وتخطب آمنة بنت علي بن عبد الله بن عباس، وتزعم أنك من ذرية سليط بن عبد اللّه بن عباس؟! لقد ارتقيت لا أُمَ لك مرتقى صعبَاً، ثم قال له: وما الذي دعاك إلى قتل سليمان بن كثير مع أثره في دعوتنا، وهو أحد نقبائنا من قبل أن ندخلك في هذا الأمر؟! قال: أراد الخلافة فقتلته، ثم قال أبو مسلم: كيف يقال لي هذا بعد بلائي وما كان مني؟! قال: يا ابن الخبيثة، لو كانت أَمَة مكانك، لأغْنَتْ؛ إنما ذاك بدولتنا ورِيحِنَا؛ فأَكَب أبو مسلم يقبل يدي المنصور ويعتذر، فازداد المنصور غضباً، فقال أبو مسلم: دع هذا، فقد أصبحت لا أخاف إلا اللّه وحده، فشتمه المنصور، وصفَّق بيده، فخرج الحرس، وضربه عثمان بن نهيك، فقطع علابيه، فقال أبو مسلم: يا أمير المؤمنين استبقني لعدوك، فقال: لا أبقاني اللّه إذن، وأي عدو أعدى منك؟! وأخذه الحرس بسيوفهم حتى قتلوه، وذلك لخمس بقين من شعبان سنة سبع وثلاثين ومائة.
وخرج الوزير أبو الجهم، فصرف الناس والجند، وقال: الأمير قائل عند أمير المؤمنين، فانصرفوا، وأمر لهم بالجوائز، وأعطَى أبا إسحاق مائة ألف.
ودخل عيسى بن موسى على المنصور بعد قتله، فسأله عنه، وأخذ في الثناء على طاعته وبلائه وذكر رأي الإمام إبراهيم فيه، فقال المنصور: واللّه، لا أعلم على وجه الأرض عدواً أعدى لكم منه، هو ذا في البساط، فاسترجع عيسى، فأنكر عليه المنصور، وقال: وهل كان لكم ملك معه؟! ثم دخل على المنصور جعفر بن حنظلة، فاستشاره في قتل أبي مسلم، فأشار بقتله، فقال له المنصور: وفقك اللّه، ثم نظر إليه قتيلا، فقال: عُدَ خلافتك من هذا اليوم، ثم دعا أبا إسحاق، وعذله على متابعة أبي مسلم، وقال: تكلم بما أردت وأخرجه قتيلا، فسجد أبو إسحاق، ثم رفع رأسه يقول: الحمد للّه الذي آمنني بك، واللّه ما جئته قَطُّ إلا وتكفنْتُ وتحنطْتُ، ورفع ثيابه وأراه كفنه وحنوطه، فرحمه المنصور، وقال: استقبل طاعتك، واحمد اللّه الذي أراحك.

(2/179)


وكتب المنصور بعد قتل أبي مسلم إلى نصر بن الهيثم - الذي استخلفه أبو مسلم على خراسان، حال سيره إلى المنصور - كتابَاً على لسان أبي مسلم يأمره بحمل أثقاله، وقد كان أبو مسلم أوصاه: إن جاءك كتابي بخاتمي تاماً، فاعلم أني لم أكتبه، فلما رآه نصر بن الهيثم كذلك، فطنَ وانحدر إلى همذان يريد خراسان، فكتب له المنصور بولاية شهرزور، وكتب إلى زهير بن التركي بهمذان بحبس نصر، فمر نصر بهمذان، وخادمه زهير، ودعاه إلى طعامه وحبسه، وجاء كتاب العهد بشهرزور لنصر، فأطلقه زهير، ثم جاءه بعد ذلك كتاب، فقال: جاءني كتاب عهده، فخلت سبيله، ثم قدم نصر على المنصور، فعذله في استشارته على أبي مسلم بالامتناع من السير إليه، فقال نصر: نعم، يا أمير المؤمنين، اصطنعني فنصحتُ له، وإن اصطنعني أمير المؤمنين، نصحت وشكرت، فاستعمله المنصور على الموصل، ثم أقبل المنصور على من حضر، وأبو مسلم طريح بين يديه، وأنشده: من السريع:
زَعَمتَ أَن الذينَ لاَ يُقتَضَى ... فَاستَوفِ بالكَيلِ أبا مُجْرِمِ
إِشرَب بِكَأسٍ كُنتَ تسقي بِهَا ... أَمَر في الحَلقِ مِن العَلقَمِ
وكان يقال له: أبو مُجرم، وفيه يقول أبو دلامة: من الطويل:
أَبَا مُجرِمِ ما غَيرَ الله نعمَة ... على عَبدهِ حتى يغيرَهَا العَبْدُ
أَفي دَولَةِ المَنصُورِ حاوَلتَ غدرةَ ... ألا إن أهلَ الغَدرِ آباؤُكَ الكُرْدُ؟!
أبا مجرِمٍ خَوفتَنِي القَتل فانتَحَى ... عليكَ بما خوفتَنِي الأَسَدُ الوَردُ
ولما قتله المنصور، خطب الناس، فذكر أن أبا مسلم أحسن أولا وأساء آخراً، ثم قال في آخر خطبته: وما أحسن قول النابغة الذبياني للنعمان بن المنذر: من البسيط:
فَمَنْ أَطَاعَكَ فَانفَعْهُ بِطَاعَتِهِ ... كَمَا أَطَاعَكَ وَادلُلهُ عَلى الرَشَدِ
وَمَن عَصَاكَ فعاقبهُ معاقبَة ... تَنهَي الظلُومَ ولا تَقعُد على ضَمَدِ
الضمد بفتح الضاد المعجمة والميم: الحقد.
وفي ابن خلكان وغيره: كان أبو مسلم قد سمع الحديث وروى عنه، وأنه خطب يوماً فقام إليه رجل، فقال: ما هذا السواد الذي أرى عليك؟ فقال أبو مسلم: حدثني أبو الزبير، عن جابر بن عبد اللّه - رضي اللّه تعالى عنهما - أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة يوم الفتح، وعلى رأسه عمامة سوداء، وهذه ثياب الهيبة وثياب الدولة، يا غلام، اضرب عنقه.
قلت: حديث جابر هذا في صحيح مسلم، ومن ثم كان شعار بني العباس في الخطبة السواد.
وكان أبو مسلم فصيحَاً عالماً بالأمور شجاعاً فاتكاً، ولم يُرَ قط مازحاً، ولا يظهر عليه سرور ولا غضب، ولا يأتي النساء إلا مرة واحدة في السنة، وكان يقول: النكاح جنونٌ، ويكفي العاقل أن يجن في السنة إلا مرة واحدة.
وأحصى من قتله أبو مسلم صبرَاً، وفي حروبه، فكانوا ستمائة ألف ونيفاً.
وفي المحاسن قال: قال ابن المعافي لأبي مسلم: أيها الأمير، لقد قمت بأمرِ لا يقصر بك ثوابه عن الجنة في إقامة دولة بني العباس، فقال: خوفي من النار واللّه أولى من طمعي في الجنة؛ إني أطفأت من بني أمية جمرة، وألهبت من بني العباس نيراناً، فإن أفرح بالإطفاء فواحسرتا من الإلهاب.
وحدث أبو نميلة، عن أبيه قال: سمعت أبا مسلم بعرفات يقول في الموقف باكياً: اللهم، إني أتوب إليك مما أظن أنك لن تغفره لي، فقلت: أيها الأمير، أيعظم على الله تعالى غفران ذنب؟ فقال: إني نسجت ثوبَاً من الظلم لا يبلى ما دامت الدولة لبني العباس، فكم صارخٍ وصارخةٍ تلعنني عند تفاقم هذا الأمر، فكيف يغفر اللّه تعالى لمن هذا الخلق خصماؤه؟! انتهى.
واختلف في نسبته، فقيل: من العرب، وقيل: من العجم، وقيل: من بني أمية، وقيل: من الأكراد، وقيل له: ما كان سبب خروج الدولة عن بني أمية؟ فقال: لأنهم أبعدوا أصدقاءهم ثقة بهم، وأدنوا أعداءهم تألفاً لهم، فلم يصر العدو صديقاً بالتأليف، وصار الصديق عدواً بالإبعاد.
وفي سنة ثمان وثلاثين ومائة: دخل عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان الأموي المسمى بالداخل؛ لأنه أول من دخل المغرب، فدخل الأندلس واستولى عليها، وامتدت أيامه، وبقيت الأندلس في يد أولاده إلى بعد الأربعمائة.

(2/180)


وكان عبد الرحمن هذا من أهل العلم والعدل، وكانت سيرته حميدة في الدين، وكان يجاهد الكفار على إعلاء كلمة الدين، فقيل للإمام مالك بن أنس - رضي اللّه تعالى عنه - : إن بالمغرب ملكاً قائماً بالشرائع يلبس الصوف، ويأكل الشعير، ويجاهد أعداء الدين من المشركين المجاورين له، فقال: ما أحوج بلدتنا إلى واحد مثله تتزين به، فوصلت كلمة مالك إليه بالأندلس، فجمع الناس في مملكته ونادى ألا يدان إلا بمذهب مالك؛ فمن ثم كان أهل المغرب على مذهب الإمام مالك، رضي اللّه تعالى عنه.
ثم سمع المنصور بذلك، فحصلت منه إساءة إلى الإمام مالك؛ بسبب ذلك القول.
وأمه بربرية، وكذلك أم المنصورة فكانوا يقولون: ملك الدنيا ابنا بربريتين: المنصور، وعبد الرحمن بن معاوية.
هذا، وفي سنة أربعين ومائة، حج المنصور فنزل في دار الندوة، وكان يخرج فيطوفُ سحراً بالبيت، فخرج ذات ليلة، فبينما هو يطوف إذ سمع قائلا يقول: اللهم، إني أشكو إليك ظهور البغي والفساد في الأرض، وما يحول بين الحق وأهله الطمع، فهرول المنصور حتى ملأ مسامعه، ثم رجع إلى دار الندوة، وقال لصاحب الشرطة: إن بالبيت رجلا يطوف صفته كذا، فائتني به، فخرج فوجد رجلا عند الركن اليماني، فقال: أجب أمير المؤمنين، فلما دخل عليه، قال له المنصور: الذي سمعتك آنفاً تشكوه إلى الله تعالى من ظهور البغي والفساد... إلى آخره؟ فواللّه لقد حشوتَ مسامعي ما أمرضني! فقال: يا أمير المؤمنين، إن الذي دخله الطمع، وحال بين الحق وأهله أنتَ، فقال له المنصور: ويحك! كيف يدخلني طمع، والصفراء والبيضاء ببابي، وملك الأرض في قبضتي؟! فقال الرجل: سبحان اللّه يا أمير المؤمنين، وهل دخل أحداً من الطمع ما دخلك؟! إن الله تعالى استرعاك أمور المسلمين وأموالهم، فأهملت أمورهم، واهتممت بجمع أموالهم، واتخذت بينك وبينهم حجابَاً من الجص والآَجُر، وحجبة تمنعهم البلاغ، وأمرت ألا يدخل عليك إلا فلان وفلان، ثم استخلصتهم لنفسك، وآثرتهم على رعيتك، ولم تأمر بإيصال المظلوم ولا الجائع ولا العاري، ولا أحد إلا وله في هذا المال حَق.
فلما رآك هؤلاء الذين استخلصتهم لنفسك وآثرتهم على رعيتك تجمَعُ الأموالَ ولا تقسمها، قالوا: هذا قد خان اللّه ورسوله، فمالنا لا نخونه؟! فاجتمعوا على ألا يصل إليك من أموال الناس إلا ما أرادوا، فصاروا شركاءك في سلطانك، وأنت غافل عنهم، وإذا جاء المظلوم إلى بابك، وجدك قد أوقفت ببابك رجلا ينظر في المظالم؛ فإن كان الظالم من بطانتك، علل المظلوم وسوف به من وقت إلى وقت، فإذا اجتهد وظهرت أنتَ، فصرخ بين يديك، ضرب ضربَاً مبرحاً ليكون نكالا لغيره، وأنت ترى ذلك فلا تنكره. ولقد كانت الخلفاء من قبلك إذا انتهت إليهم الظلامة، أزيلَتْ في الحال. ولقد كنت أسافر إلى الصين، فقدمتُ مرة إليه، فوجدت الملك الذي به فَقَدَ سَمْعَهُ فبكى، فقال وزراؤه: ما يبكيك؟ فقال: ما بكيت لمصيبة نزلت بي، إنما أبكي لمظلوم يصرخ بالباب فلا أسمعه، ثم قال: إن ذهب سمعي، فلم يذهب بصري، نادوا في الناس: لا يلبس أحد أحمر إلا مظلوماً. وكان يركب الفيل ويذهب في البلد لعلَه يجد لابس ثوب أحمر فينصفه؛ فهذا يا أمير المؤمنين رجل مشرك باللّه، غلبت رأفته على شح نفسه بالمشركين.

(2/181)


فكيف بك وأنت مؤمن باللّه وابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ يا أمير المؤمنين، إنما يجمع المال لإحدى ثلاث: إن قلتَ: إنما أجمع المال للولد، فقد أراك اللّه عبرة في الطفل؛ إذ يسقط من بطن أمه وليس له على وجه الأرض من مال، وما من مال إلا ودونه يد شحيحة تحويه، فلم يزل لطف اللّه تعالى بذلك الطفل حتى تعظم رغبة الناس فيه، وحوى ما حوته تلك اليد الشحيحة، ولست بالذي تعطي، وإنما اللّه سبحانه وتعالى المعطِي. وإن قلت: إنما أجمعه لمصيبة تنزل بي، فقد أراك اللّه تعالى عبرة في الملوك والقرون الذين خلوا من قبلك، ما أغنى عنهم ما أعدوا من الأموال والذخائر والكُرَاع حين أراد اللّه تعالى ما أراد. وإن قلت: إنما أجمعه لغاية هي أحسن من الغاية التي أنت فيها، فواللّه ما فوق غايتك إلا منزلة لا تدرك إلا بالعمل الصالح. فبكى المنصور بكاء شديدَاً، ثم قال: كيف أعمل، والعلماءُ قد فرَتْ مني، والصالحون لم يدخلوا علي؟! فقال: يا أمير المؤمنين، افتح الباب، وانتصر للمظلوم من الظالم، وخذ المال مما حل، واقسمه بالحق والعدل، وأنا ضامن من هرب منك أن يعود إليك.
ثم خرج الرجل، فقام المنصور للصلاة، فلما صلى، طلب الرجل فلم يجده، فذهب إليه الشرطي، فوجده عند الركن اليماني، فقال: أجب أمير المؤمنين، فقال الرجل: ليس إلى ذلك سبيل، قال الشرطي: إذنْ يضرب عنقي، قال: لا، ولا إلى ضرب عنقك سبيل، ثم أخرج ورقاً مكتوبَاً فقال: خذه معك، فإن فيه دعاء الفرج، وذكر له فضلا عظيماً، فأخذه الشرطي، وأتى إلى المنصور، فلما رآه قال: ويحك؟ أتحسن السحر؟! قال: لا والله، ثم قص عليه القصة، فأمر المنصور بنقله، وأمر للشرطي بألف دينار، وهو هذا: اللهم، كما لطفت في عظمتك وقدرتك دون اللطفاء، وعلوت بعظمتك على العظماء، وعلمتَ ما تحت أرضك كعلمك بما فوق عرشك، فكانت وساوس الصدور عندك كالعلانية، وعلانية القول كالسر في علمك، فانقاد كل شيء لعظمتك، وخضع كل في سلطان لسلطانك، وصار أمر الدنيا والآخرة كله بيدك، اجعل لي من كل هم وغم أصبحتُ أو أمسيتُ فيه فرجَاً ومخرجاً، اللهم، إن عفوك عن ذنوبي، وتجاوزك عن خطيئتي، وسترك على قبيح عملي أطمعني أن أسألك ما لا أستوجبه منك بما قصرت فيه، فصرت أدعوك آمنَاً، وأسألك مستأنساً؛ فإنك المحسن، وأنا المسيء إلى نفسي فيما بيني وبينك، تتودد إليَ بنعمتك، وأتبغض إليك بالمعاصي، ولكن الثقة بك حملتني على الجرأة عليك، فَعُدِ اللهم بفضلك وإحسانك علي؛ إنك أنت الرءوف الرحيم.
وكان هذا الرجل هو الخضر - عليه السلام - وهذا الدعاء مشهور بأنه دعاء الخضر، وهو عظيم الفوائد، جم العوائد.
وفي سنة ست وأربعين ومائة: بني مدينة بغداد، سببها ثورة الراوندية عليه بالهاشمية، ولأنه كان يكره أهل الكوفة، ولا يأمن على نفسه منهم، فتجافى عن جوارهم، وسار إلى مكان بغداد اليوم، وجمع من كان هناك من البطارقة، وسألهم عن أحوالهم ومواضعهم في الحر والبرد والمطر والوحل والهوام، واستشارهم فأشاروا عليه بمكانها، وقالوا: تجيئك الميرة في السفن من الشام، والرقة ومصر والمغرب إلى الصراة، ومن الصين والهند والبصرة وواسط وديار بكر والروم والموصل في دجلة، ومن أرمينية وما اتصل بها من تامراً تتصلُ بالزاب، يعني: نهر الموصل، وأنت بين أنهار كالخنادق لا تعبر إلا على القناطر والجسور، وإذا قطعتها لم يكن لعدوك مطمع في أرضك، وأنت متوسط بين البصرة والكوفة وواسط والموصل قريب من البر والبحر والجبل، فشرع المنصور في عمارتها، وكتب إلى الشام والكوفة وواسط والبصرة في الصناع والفعلة، واختار من ذوي الفضل والعدالة والعفة والأمانة والمعرفة بالهندسة، فأحضرهم لذلك، وأمر بخطها بالرماد، فشكلَت أبوابها وفصلاتها وطاقاتها ونواحيها، وجعل على الرماد حب القطن، فأضرم ناراً، ثم نظر إلِيِها، وهي تشتعل فعرف رسمها، وأمر أن تحفر الأسوس على ذلك الرسم. ووكل بها أربعة من القواد يتولى كل واحد منهم ناحية، ووكل الإمام الأعظم أبا حنيفة بن ثابت - رضي اللّه عنه - بِعَد الآجُر واللبن، وقد كان أراده على القضاء والمظالم، فأبى فحلف ألا يقلع عنه حتى يعمل له عملا؛ فكان هذا.

(2/182)


وأْمر المنصور أن يكون عرض أساس السور من أسفله خمسين ذراعَاً ومن أعلاه عشرين ذراعاً، ووضع بيده أول لبنة، وقال: بسم اللّه، والحمد للّه، والأرض للّه، يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين، ثم قال: ابنوا على بركة اللّه.
واستشار خالدا البرمكي في نقض المدائن وإيوان كسرى، فإنه بالمدائن، فقال: لا أرى لك؛ لأنه من آثار الإسلام وفتوح العرب، وفيه مصلى علي بن أبي طالب، فاتهمه المنصور بعصبية العجم؛ لأن خالداً أصله من العجم، وأمر بنقض القصر الأبيض، فإذا الذي ينفق عليه أكثر من ثمن الجديد، فأقصر المنصور عنه، فقال له خالد: أما الآن فلا أرى إقصارك عنه لئلا يقال: عجزوا عن هدم ما بناه غيرهم، والهدم أيسَرُ من البناء، فأعرض عنه، ونقل الأبواب إلى بغداد من واسط ومن الشام ومن الكوفة، وجعل المدينة مدورة، وجعل قصره وسطها؛ ليكون الناس منه على حد سواء، وجعل المسجد الجامع إلى جنب القصر، وجعل لها سورين والداخل أعلى من الخارج، وكان زنة اللبن الذي يبني به كل لبنة مائة رطل وسبعة عشر رطلاً، وطولها ذراع في ذراع، وكان مقدار النفقة عليها بالجامع والقصر والسورين والفنادق والأبواب والأسواق أربعة آلاف ألف، وثمانمائة ألف وثلاثة وثلاثين ألف درهم.
وفي سنة ثمان وأربعين: توطأت الممالك كلها للمنصور، وجلت هيبته في النفوس، ودانت له الأمصار، ولم يبق خارجاً عنه سوى جزيرة الأندلس؛ فإنه غلب عليها عبد الرحمن بن معاوية بن هشام؛ كما قدمت ذكره.
وفي سنة تسع وأربعين: فرغ من بناء بغداد.
وفي سنة خمسين: بني الرصافة وشيدها.
وفي سنة ثلاث وخمسين: ألزم المنصور رعيته لبس القلانس الطوال، وكانوا يعملونها بالقصب والورق ويلبسونها، فقال أبو دلامة في ذلك: من الطويل،
وَكُنا نرجي من إمامٍ زيادة ... فزاد الإمَامُ المصطَفَى في القَلاَنِسِ
تَرَاهَا على هَامِ الرجالِ كَأَنهَا ... زُنَارُ يَهُودٍ جُللَتْ بِالبَرانسِ
وكان أبو جعفر المنصور مهيباً سفاكَاً ذا دهاءِ وحزمِ وتدبيرِ لأمور الرعية، وكان يغلب عليه الصمت، وعلى ظاهر أحواله الصلاح.
أمه، يقال لها: سلامة، بربرية، يقال: إنها قالت: لما حملت به، رأيتُ كأن أسداً خرج مني، فأقعى وزأر وضرب بذيله الأرض، فأقبلت إليه الأسود من كل ناحية، فكلما انتهى أسد منها إليه سجد.
كانت ولادته سنة خمس وتسعين، وهي السنة التي توفي فيها الحجاج بن يوسف.
يحكى أنه رتب أوقاته لأموره: كان بعد أن يصلي الصبح إلى وقت صلاة الظهر: يدبر أحوال البلاد، ويرفع المظالم عن العباد، ويقضي حوائج الناس، ومن الظهر إلى وقت العصر: يدبر أحوال نفسه، ومن العصر إلى المغرب: يتقيد بأمور خواصِّ أهل بيته، وبعد المغرب إلى العشاء: يشتغل بالقراءة، وبعد العشاء إلى مضي الثلث الأول من الليل: يجتمع إليه ندماؤه، ويتحدَثون بالسير والأخبار والأشعار المتضمنة للحكم والشجاعة، فإذا تفرقوا من عنده: رقد الثلث الأوسط، فإذا دخل الثلث الأخير: قام وتوضأ وتهجد وقرأ القرآن إلى الصبح.
وفي ربيع الأبرار: سأل المنصور بعض بطانة هشام بن عبد الملك الأموي عن تدبير هشام في حروبه، فقال ذلك البعض: فعل كذا - رحمه اللّه - وصنع كذا - رحمه اللّه - فقال المنصور: لعنك اللّه وإياه، تطأ بساطي وتترحَم على عدوي، أخرجوه عني، فقام الرجل وهو يقول: واللّه، لنعمة عدوك قلادة في عنقي لا ينزعها إلا غاسلي، فقال المنصور: ردوه علي، فَرُدَ، فقال له المنصور: يا شيخ، أشهد أنك نتيجة حر، وثمرة شريف، ودعا له بمال، فقال الرجل: لولا افتراض طاعتك ما قبلت بعده لأحد نعمة، فقال له المنصور: كفيت قومك فخراً، كن أول داخل علي، وآخر خارج عني.
ودخل بعض الهاشميين عليه، فجعل يحدثه ويكثر من ذكر أبيه والترحم عليه، فيقول: كان أبي رحمه اللّه، وفعل أبي رحمه الله، فقال له الربيع حاجب المنصور: كم تترحَم على أبيك بحضرة أمير المؤمنين، فقال له الهاشمي: أنت معذور فإنك لا تعرف حلاوة الآباء، فخجل منه أشد الخجل، وذلك أن الربيع كان لقيطاً لا يعرف له أب.
وكان المنصور - مع هذه الصفات الحميدة - يوصف بالبخل الشديد، ولذا لقب بالدوانيقي.

(2/183)


ذكر ابن خلدون: أنه حاسب القواد الذين جعلهم على بناء بغداد عند الفراغ منها، فألزم كُلاًَ بما بقي عنده، حتى إنه أخذ من خالد بن الصلت منهم خمسة عشرة درهماً بعد أن حبسه عليها.
ومما يحكى عنه من الشح: أنه قال للمسيب بن زهير: أحضرني بناء حاذقاً الساعة، فأحضره فأدخله إلى بعض محاله، وقال: ابن لي بازائه طاقاً يكون شبيهاً بالبيت، فلم يزل يؤتي بالحصى والآجر حتى بناه وجوده، فنظر إليه المنصور واستحسنه، وقال للمسيب: أعطه أجره، فقال: أعطيه خمسة دراهم، فاستكثرها، وقال: لا أرضي بذلك، فلم يزل حتى نقصه درهماً، ففرح بذلك، وابتهج كأنه أصاب مالاً.
وحكي - أيضاً - أنه لدغ، فدعا مولى له يقال له: أسلم، رقاء، فأمره أن يرقيه، فرقاه فبرئ، فأمر له برغيف، فأخذ الرغيف فثقبه وصيره في عنقه، وجعل يقول: رقيت مولاي، فبرئ فأمر لي بهذا الرغيف، فبلغ المنصور ذلك، فقال له: لم أبرك أن تشنع علي، فقال: لم أشنع؛ إنما أخبرت بما أمرتَ، فأمر أن يصفع ثلاثة أيام كل يوم ثلاث صفعات.
قلت: وعندي، والله، في صحة هذا القول عشرون شكاً، واللّه أعلم بالحقائق.
وحكي عن الأوزاعي قال: بعث إلي المنصور فقال: لمَ تبطئ عنا؟! قلت: وما تريد منا؟! فقال: لآخذ عنكم وأقتبس منكم، فقلت له: مهلاً؛ فإن عروة بن رويم أخبرني أن نبي اللّه صلى الله عليه وسلم قال: " من جاءته موعظة من ربه فقبلها، شكر اللّه له ذلك، ومن جاءته فلم يقبلها، كانت حجة عليه يوم القيامة " ، مهلاً، فإن مثلك لا ينبغي له أن ينام، إنما جعلت الأنبياء رعاة لعلمهم بالرعية، يجبرون الكسير، ويسمنون الهزيل، ويؤوون الضالة، فكيف من يسفك دم المسلمين، ويأخذ أموالهم؟! أعيذك باللّه أن تقول: إن قرابتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت تدعوك إلى الجنة، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت في يده جريدة يستاك بها، فضرب بها قورة أعرابي، فنزل جبريل فقال: يا محمد، إن اللّه تبارك وتعالى لم يبعثك مؤيسَاً مقنطاً، تكسر قرون أمتك، ألق الجريدة من يدك، فدعا الأعرابي إلى القصاص من نفسه، فكيف بمن يسفك دماء المسلمين؟! إن اللّه عز وجل أوحى إلى من هو خير منك داود - عليه السلام - " يا داودُ إنا جَعلناَكَ خليفَةَ في اَلأَرضِ فاحكمُ بَينَ اَلناسِ باِلحقِ وَلا تَتبِعِ الهَوَى.. " " الآية ص: 26 " وأوحي إليه: يا داود، إذا أتاك الخصمان فلا يكون لأحدهما على صاحبه الفضل، فأمحوك من ديوان نبوتي، اعلم أن ثوبَاً من ثياب أهل النار لو علق بين السماء والأرض، لمات أهل الأرض من نتن ريحه، فكيف بمن يتقمصه، ولو أن حلقة من سلاسل جهنم وضعت على جبال الدنيا، لذابت كما يذوب الرصاص حتى تنتهي إلى الأرض السابعة، فكيف بمن تقلدها، فبكي حتى خضبت دموعه لحيته ووجهه.
؟العهد للمهدي وخلع عيسى بن موسى كان السفاح قد عهد إلى عيسى ابن أخيه موسى أن يكون خليفة بعد أبي جعفر المنصور، وولاه على الكوفة، فلم يزل عليها. فلما كبر المهدي بن أبي جعفر المنصور، أراد المنصور أبوه أن يقدمه في العهد على عيسى، وكان يكرمه فيجلسه عن يمينه، والمهدي عن يساره، فكلمه في التأخر عن المهدي في العهد، فقال: يا أمير المؤمنين، كيف بالأيمان التي علي وعلى المسلمين، وأبي من ذلك، ولم يرض بتقدم المهدي عليه، فتغير له المنصور وباعده بعض الشيء، وصار يأذن للمهدي قبله، ولعميه عيسى بن علي وعبد الصمد، ثم يدخل عيسى بن موسى، فيجلس تحت المهدي، واستمر المنصور على التنكُر لعيسى، وعزله عن الكوفة، ثم راجع عيسى رأيه، وخلع نفسه فبايع المنصور للمهدي بالعهد وجعل عيسى من بعده.
ويقال: أنه أعطاه أحد عشر ألف درهم، وأشهد جماعة عليه بالخلع.

(2/184)


قال في بغية الخاطر للعلامة محمد بن مصطفى الشهير بكاتي: ذكر أن أبا جعفر المنصور قال لعمرو بن عبيد: عظني، قال: بما رأيتُ، أو بما سمعتُ؟ فقال: بل بما رأيتَ، فقال: توفي عمر بن عبد العزيز - رحمه اللّه - وخلف أحد عشر ابناً، وبلغت قيمة تركته سبعة عشر ديناراً، فكفن بخمسة دنانير واشترى له موضع قبره بدينارين وأصاب كل واحد من أولاده ثمانية عشر قيراطاً. ومات هشام بن عبد الملك، وخلف أحد عشر ابنا، فحصل لكل واحد من ورثته مما خلفه عشرة آلاف دينار، فرأيت رجلا من أولاد عمر بن عبد العزيز قد حمل على مائة فرس في سبيل اللّه، ورأيت رجلا من أولاد هشام يسأل الناس.
وفي سنة ثمان وخمسين: توفي المنصور محرماً بالحج، وكانت وفاته ببئر ميمون السادس من ذي الحجة من السنة المذكورة، وبئر ميمون على ثلاثة أميال من مكة، ودفن قبل بئر الحجون وبين بئر ميمون، وحفر له مائة قبر ودفن في أحدها؛ خوفاً أن تنبشه الأعداء.
قال ابن خلدون: دفن بمقبرة المعلاة بعد أن صلى عليه عيسى بن موسى، وقيل: إبراهيم بن يحيى، وكانت مدة خلافته اثنتين وعشرين سنة، وعمره اثنتان وستون سنة وأحد عشر شهراً وستة أيام، وقيل: أربع وستون.
صفته: قال ابن الأثير في كامله: كان طويلا أسمر خفيف اللحية رَحْبَ الصدر، كأن عينيه لسانان ناطقان، صارماً مهيبَاً ذا جرأة وسطوة وحزم وعزم ورأي وشجاعة وكمال عقل ودهاء وعلم وحلم وفقه، وخبرة في الأمور تقبله النفوس وتهابه الرجال، كان يخلط الملك بزي النسك، وكان بخيلا بالمال إلا عند النوائب.
قلت: ورأيتُ في الذهبي أنه كان أغرى بسفيان الثوري، فأضمر قتله حال فراغه من المناسك، وأعد خشبة مع الخشابين ليصلبه عليها، فجاء الخبر إلى سفيان الثوري - رضي الله عنه - وهو مضطجع بالحجر، ورأسه في حجر الفضيل بن عياض، ورجلاه في حجر سفيان بن عيينة، فقيل له: إن أبا جعفر المنصور قارب مكة، فانج بنفسك واختفِ، فقام إلى أثواب البيت الشريف ودعا طويلا، ثم قال: برئت من رب هذه البنية، إن دخلها أبو جعفر المنصور إلا ميتاً، فكان الأمر كذلك.
ولما سار المنصور إلى الحج، أوصى ولده المهدي عند وداعه، فقال له: لم أدع شيئاً إلا تقدمت إليك فيه، وسأوصيك بخصال، وما أظنك تفعل واحدة منها - وكان له سفط فيه دفاتر عمله وعليه قفل لا يفتحه أحد غيره - فقال للمهدي؛ انظر لهذا السفط، فاحتفظ به، فإن فيه علم آبائك ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة، فإن حز بك أمر، فانظر في الدفتر الكبير، فإن أصبت فيه ما تريد وإلا ففي الثاني والثالث حتى بلغ سبعة، فإن ثقل عليك، فالكراسة الصغيرة؛ فإنك واجد ما تريد فيها وما أظنك تفعل. وانظر هذه المدينة وإياك أن تستبدل بها غيرها. وقد جمعت لك فيها من الأموال ما لو انكسر عليك الخراج عشر سنين، كفاك لأرزاق الجند والنفقات والذرية ومصالح البيت، فاحتفظ بها؛ فإنك لا تزال عزيزاً ما دام بيت مالك عامراً، ولا أظنك تفعل. وأوصيك بأهل بيتك أن تظهر كرامتهم وتحسن إليهم وتقدمهم وتوطئ الناس أعقابهم وتوليهم المنابر، فإن عزك عزهم وذكرهم لك، وما أظنك تفعل. وانظر مواليك، فأحسن إليهم وقربهم واستكثر منهم، فإنهم مادتك لشدتَك إن تنزل بك يومَاً، وما أظنك تفعل وأوصيك بأهل خراسان خيرَاً؛ فإنهم أنصارك وشيعتك الذين بذلوا دماءهم وأموالهم في دولتك، ولا تخرج محبتك من قلوبهم، أحسن إليهم وتجاوز عن مسيئهم، واخلف من مات منهم في ولده وأهله بخير، وما أظنك تفعل. وإياك أن تبني مدينة الشرقية؛ فإنك لا تتم بناءها، وأظنك ستفعل.

(2/185)


وقيل: قال: إني قد ولدت في ذي الحجة، ووليت في ذي الحجة، وقد هجس في نفسي أني أموت في ذي الحجة من هذه السنة، فاتق الله فيما أعهد إليك من أمور المسلمين بعدي يجعل لك فيما حزبك فرجَاً ومخرجاً، ويرزقك السلامة وحسن العاقبة من حيث لا تحتسب. يا بني، احفظ محمداً صلى الله عليه وسلم في أمته يحفظك اللّه ويحفظ عليك أمورك، وإياك والدم الحرام؛ فإنه حوب عند الله عظيم، وعار في الدنيا لازم مقيم، والزم الحدود؛ فإن فيها صلاحك العاجل والآجل، ولا تعتد فيها فتبور؛ فإن اللّه تعالى لو علم شيئاً أصلح منها لدينه وأزجر عن معاصيه لأمر به في كتابه. واعلم أن من شدة غضب اللّه لسلطانه أَمَرَ بتضعيف العذاب والعقاب على من سعى في الأرض فساداً مع ما ذخر له من العذاب الأليم، فقال: " إِنَمَا جَزاؤا الذَّينَ يُحَارِبونَ اللَّهَ وَرَسُولَه وَيسَعونَ في اَلأرَضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلوا... " الآية " المائدة: 33 " ، فالسلطان، يا بني، حبل اللّه المتين، وعروته الوثقى، ودينه القويم، فاحفظه وحصنه وذب عنه وأوقع بالملحدين فيه والمارقين منه واقتل الخارجين عنه ولا تجاوز ما أمرك الله به في محكم القرآن، واحكم بالعدل، ولا تشطط، فإن ذلك أقطع للشغب، وأحسم للعدو، وأنجع في الدواء، واعف عن الغي، فليس بك إليه حاجة مع ما أخلفه لك.
وافتتح بصلة الرحم وبر القَرابة، وإياك والتبذير لأموال الرعية، واشحن الثغور بالمصالح، واضبط الأطراف، وأمن السبل، وسكِّن العامة، وأدخل المرافق عليهم، وادفع المكاره عنهم، وأعد الأموال واخزنها، وإياك والتبذير؛ فإن النوائب غير مأمونة وهي من شيم الزمان، وأعد الكراع والجُنْدَ ما استطعت، وإياك وتأخير عمل اليوم إلى غد؛ فتتداول الأمور ويضيع حدسك في إحكام الأمور النازلات لأوقاتها، وأَعِدَ رجالا بالليل لمعرفة ما يكون بالنهار، ورجالا بالنهار لمعرفة ما يكون في الليل، وباشر الأمور ولا تضجر ولا تكسل، واستعمل حسن الظن باللّه، وأسئ الظن بعمالك، وكتابك، وخُذ نفسك بالتيقظ وتفقد من يبيت على بابك، وسَهلْ إذنك للناس. وانظر في أمر النزاع إليك، ووكل بهم عيناً غير نائمة، ونفساً غير لاهية، ولا تنم؛ فإن أباك لم ينم منذ ولي الخلافةَ، ولا دخل عليه الغمض إلا وقلبه متيقظ. هذه وصيتي إليك، واللّه خليفتي عليك.
ثم ودعه وسار إلى الكوفة فأحرم منها قارنَاً. وساق الهدى وأشعره وقلَّده لأيام خلت من ذي القعدة.
ولما سار منازل، عرض له وجعه الذي مات منه، وهو البطن، ولما قرب من مكة رأى على جدار خرب سطرين هما: من الطويل:
أَبَا جَعفَر حانَت وفاتُكَ واتقَضَت ... سِنُوكَ وَأَمْر اللَهِ لا بُد واقعُ
أبا جعفرٍ هل كاهِن أو منجمٌ ... لك اليَومَ من رَيْبِ المنيةِ دافع
فلما قرأها، تيقن انقضاء أجله. ثم اشتد به وجعه، فجعل يقول للربيع، وكان عديله: بادر بي إلى حرم ربي هاربَاً من ذنوبي. فلما وصل إلى بئر ميمون، مات سحراً ليلة السادس من ذي الحجة؛ كما تقدَم ذكره.
ولم يحضره إلا خدمه والربيع مولاه فكتموا الأمر، ثم غدا أهل بيته على عادتهم، فدعا الأكابر وذوي الأسنان، ثم عامتهم، فبايعهم الربيع للمهدي، ثم بايع القواد وعامة الناس.
وسار العباس بن محمد، ومحمد بن سليمان إلى مكة، فبايعا الناس للمهدي بين الركن والمقام.
وذكر علي بن محمد النوفلي، عن أبيه، وهو من أهل البصرة، كان يختلف إلى المنصور قال: جئت من مكة صبيحة موته إلى العسكر، فإذا موسى بن المهدي عند عمود السرادق والقاسم بن المنصور في ناحية، فعلمت أنه قد مات، ثم أقبل الحسن ابن زيد العلوي والناس حتى ملئوا السرادق، وسمعنا همس البكاء، ثم خرج أبو العنبر الخادم مشقوق الأقبية وعلى رأسه التراب وهو يستغيث، وقام القاسم فشق ثيابه، ثم خرج الربيع في يده قرطاس، فقرأه على الناس وفيه: بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد اللّه المنصور أمير المؤمنين إلى من خلف من بني هاشم وشيعته من أهل خراسان وعامة المسلمين. ثم بكى وبكى الناس، ثم قال: البكاء أمامكم، فأنصتوا رحمكم اللّه، ثم قرأ: أما بعد، فإني كتبت كتابي هذا، وأنا في آخر يوم من أيام الدنيا، أقرأ عليكم السلام، وأسأل اللّه ألاَ يفتنكم بعدي، ولا يلبسكم شيعاً يذيق بعضكم بأس بعض.

(2/186)


ثم أخذ في وصيتهم بالمهدي، وبعثهم على الوفاء بعهده، ثم تناول الحسن بن زيد وقال: قم نبايع موسى بن المهدي لأبيه فقام فبايعه، ثم بايع الناس الأول فالأول، ثم دخل بنو هاشم على المنصور، وهو في أكفانه مكشوف الرأس لمكان الإحرام، فحملوه من مكانه الذي مات فيه على ثلاثة أميال من مكة فدفنوه، وكان عيسى بن موسى لما بايع الناس، أبى من البيعة؛ لأنه كان ولي العهد بعد أبي جعفر، وإنما أخره أبو جعفر، وقدم ابنه المهدي عليه، وجعل له العهد بعد المهدي، فقال له علي بن عيسى بن ماهان: واللّه لتبايعن أو لأضربن عنقك، فبايع ثم بعث موسى ابن المهدي والربيع بالخبر والبردة والقضيب وخاتم الخلافة إلى المهدي وخرجوا من مكة.
؟خلافة المهدي
محمد بن أبي جعفر المنصور عبد اللّه بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن العباس القرشي الهاشمي.
لما وصل الخبر إلى المهدي منتصف ذي الحجة من سنة ثمان وخمسين ومائة، اجتمع أهل بغداد فبايعوه. قال السيوطي في تاريخه: أول من هنأ المهدَي بالخلافة وعزاه بأبيه المنصورِ أبو دلامة، فقال: من الكامل:
عَيْنَايَ واحدَة تُرَى مسرورة ... بأميرِهَا جَذْلَى، وأخرَى تَذْرِفُ
تَبْكِي وتضحَكُ تَارَة ويَسُوءُهَا ... ما أنكَرَتْ ويَسُرُهَا ما تَعْرِفُ
فيسُوءُهَا مَوْتُ الخليفةِ مُحْرِماً ... ويَسُرُّهَا أنْ قَامَ هذَا الأرأفُ
ما إِنْ رَأَيْتُ كما رأيتُ ولا أَرَى ... شَعْراً أسرحُهُ وآخَر أَنْتِفُ
هَلَكَ الخليفة يَا لَدِينِ محمدٍ ... وأتاكُمُ مِنْ بعده مَنْ يَخْلُفُ
أَهْدَى لهذا اللهُ فَضْلَ خلافةِ ... ولذاكَ جَناتِ النعيمِ تزخرفُ
وذكر الصولي أن امرأةَ اعترضت المهدي، فقالت: يا عصبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، انظر في حالي، فقال المهدي: ما سمعتها من أحد قط، اقضوا حاجتها وأعطوها عشرة آلاف درهم.
وكان أول ما فعله أن أطلق من كان في حبس أبيه المنصور، إلا من كان حبسه في دم أو مال أو ممن سعى بالفساد، وكان حليماً جواداً فصيحاً سلك مع الناس سيرِة مرضية، فأحبه الناس، وإن كان منهمكاً في اللهو، فقد أراح الناس من تعب الظلم والجور والاعتساف، لما أضاف إلى ذلك من الحلم والجود والإنصاف، حتى أطمأن به العباد والبلاد، وكانت أيامه كالأعياد.
ولادته سنة سبع وعشرين ومائة. وفي سنة ستين؛ حج المهدي، واستخلف على بغداد ابنه الهادي، واستصحب ابنه هارون وجماعة من أهل بيته. ولما وصل إلى مكة، اهتم بكسوة الكعبة، فكساها بأفخر الكسوة بعد أن أتاه بنو شيبة، فقالوا: قد تكاثرت الكساوي على الكعبة، ونحن نخشَى من ثقلها على الكعبة، فأمر بنزع جميع ما كان عليها، وكانت فيها كسوة هشام بن عبد الملك من الديباج الثخينِ، وقسم مالا عظيماً هناك في مصارف الخير؛ فكان منه ما جاء به من العراق ألف ألف درهم، ووصل إليه من مصر ثلاثمائة ألف دينار، ومن اليمن مائة ألف دينار، ففرق ذلك كله، وفرق مائة ألف ثوب وخمسين ألف ثوب، ووسع المسجد الحرام؛ وذلك لأنه رأى الكعبة ليست في وسط المسجد لضيق جانبه من جهة اليمن؛ فأمر الصناع والمهندسين بتوسيعه من تلك الجهة واشترى دوراً هنالك وهدمها، فنهاه المهندسون، وقالوا: يدخل السيل إن فعلتَ ذلك إلى المسجد لضيق مجراه حينئذ، فقال: لا بدَ من ذلك، وإن دخل السيل، ولو أنفقت في ذلك جميع بيوت المال، وصعد المهندسون على ظهر الكعبة، ونصبتَ الرماح بعضها إلى بعض، ومدَتْ من أعلى الكعبة إلى الجهات الأربع حتى كانت مستوية متوسطة في المسجد نسبة الجهات الأربع إليها على السواء، فجزاه اللّه خيرَاً وشكر سعيِه.
قال الفاكهي: كان بعد جدار المسجد من الجانب الجنوبي عن الكعبة تسعة وأربعين ذراعاً لا غير، ولبيان مثل هذه الأمور كتب مفردة.
ولما رجع أمر ببناء القصور بطريقّ مكة، أوسع من قصور أبيه المنصور من القادسية إلى زبالة، وأمر باتخاذ المصانع في كل منهل وبتحديد الأميال، وحفر الآبار، وذلك على يد يقطيِن بن موسى. وأمر بالزيادة في مسجد البصرة وتقصير المنابر إلى مقدار منبر النبي صلى الله عليه وسلم.

(2/187)


وفي سنة ثلاث وستين: ظهر عطاء المقنع شيخ لعين خراساني كان يعرف السحر والسيميا، فربط الناس بالخوارق والمغيبات، وادعى الربوبية، وكان يقول بالتناسخ، أي: أن اللّه تعالى تحول إلى صورة آدم، ولذلك أمر الملائكة بالسجود له، ثم تحول إلى صورة نوح ثم إلى صورة إبراهيم وغيرهم من الأنبياء والحكماء والفلاسفة، ويقرأ: " في أي صورة ما شاء ركبك " " الانفطار: 8 " ثم إنه تحول سبحانه وتعالى إلى صورة أبي مسلم الخراساني صاحب الدعوة العباسية، ثم مِنْ بعدِ أبي مسلم إلى صورة نفسه، فعبده خلائق من الجهلة، وكان مشوهاً أصور أعور العين قصيرَاً، فكان لا يكشف وجهه، بل اتخذ له وجهاً من الذهب؛ ولذلك قيل له: المقنَّع، ومما أضل الناس به من المخاريق: أنه أظهر لهم قمراً يرونه في السماء من مسيرة شهرين مع قمر السماء، وفي ذلك يقول ابن سناء الملك من قصيدة أخرج فيها ذكره مخرج الغزل فقال: من الطويل:
إلَيك فَمَا بَدرُ المُقَنَّعِ طَالِعَا ... بأَسْحَرَ مِن أَلْحَاظِ بَدرِ المُقَنعِ
ولأبي العلاء المعري: من الطويل:
أَفِقّ أيها البَدرُ المُعممُ رَأسَهُ ... ضَلاَل وَغي مِثْل بَدْرِ المُقَنعِ
ولما استفحل شرُ عطاء - لعنه الله - جهز المهدي عسكرَاً لحربه، فقصدوه وحصروه في قلعته ببلسام من أعمال بخارى، فلما عرف أنه مأخوذ جمع نساءه فسقاهنَّ السم فهلكنَ، ثم تناول هو السم، فمات وهو يتّحسَاه في نار جهنم خالداً، ثم أخذت القلعة وقتل رءوس أتباعه - لعنه الله - وبعث برأسه ورءوسهم إلى المهدي، فوصلَت إليه بحلب، وهو ذاهب لغزو الروم.
وفي سنة أربع وستين ومائة: خلع المهدي ابن عمه عيسى بن موسى عن ولاية العهد إلى ابنه موسى الهادي ابن المهدي.
وفي سنة ست وستين أخذ البيعة لابنه الآخر هارون بعد ابنه الهادي ولقبه بالرشيد.
فالحاصل: أن المهدي محمداً عهد إلى ولديه الهادي وهارون الرشيد، على أن يكون الهادي بعده قبل الرشيد.
ثم في سنة تسع وستين: اعتزم على خلع ابنه الهادي، والبيعة للرشيد، وتقديمه على الهادي، وكان الهادي بجرجان فبعث إليه بذلك واستقدمه، فضرب الهادي الرسول وامتنع، فسار إليه المهدي، فلما بلغ ماسبذان، توفي هنالك يقال مسمومَاً من بعض جواريه، يقال: سمت إحداهما الأخرى في كمثرى، فغلط المهدي، فأخذها فأكلها، فما جسرت أن تقول له: إنها مسمومة.
ويقال: سبب موته أنه طرد صيداً، فدخل وراءه إلى خربة، فدق باب الخربة ظهره، فأدخل قربوس السرج في صدره.
وكان موته في المحرم من السنة المذكورة سنة تسع وستين، ولم يوجد له نعش يحمل عليه فحمل على باب، ودفن تحت شجرة جوز.
وكانت مدة خلافته عشرين سنة وشهراً، وله من العمر ثلاث وأربعون سنة، وكان جواداً ممدحاً سخياً إلى الرعية حسن الخلق والخلق.
يقال: إن أباه خلف في الخزائن مائة ألف ألف دينار، وستين ألف ألف درهم، ففرقها المهدي.
وقد قيل: ما جاء في بني العباس أكرم من المهدي، ولا أبخل من أبيه المنصور.
دخل على المهدي شريك القاضي، فقال له المهدي؛ يا شريك، ما تقول في علي بن أبي طالب؟ قال: ما قال فيه جدك العباس وعبد الله ابنه، فقال: ما قالا فيه؟ قال: أما العباس فمات، وعلي عنده أفضلُ الصحابة، وقد كان يرى كثيراً من المهاجرين الأولين يسألونه عما ينزل بهم من النوازل وما احتاج هو إلى أحد منهم حتى لحق إلى كرامة اللّه تعالى. وأما عبد اللّه ابنه، فكان يضرب بين يديه بسيفَين، وكان في حروبه رأساً متبعَاً وسيداً مطاعاً، فلو كانت إمامة علي جوراً، لكان أول من قعد عنه جدك عبد اللّه؟ لعلمه بدين اللّه وفقهه في أحكام اللّه، فأطرق المهدي رأسه ساعة، ثم عزلَ شريكَاً عن القضاء بعد أيام قليلة.
ودخل عليه ابن الخَياط وامتدحه، فأمر له بخمسين ألف درهم، فسأله أن يقبل يده فقبلها، ثم خرج، فما انتهى إلى الباب حتى فرقها جميعاً، فعوتب على ذلك فقال: من الطويل:
لمستُ بكَفي كَفهُ أَبْتَغِي الغِنَى ... وَلَمْ أَدرِ أن الجُودَ مِنْ كَفهِ يُعْدِي
فَلاَ أَنَا منه ما أَفَادَ ذَوُو الغِنَى ... أَفَدتُ، وَأَغدَانِي فَأَتلَفْتُ ما عِنْدِي
فبلغ المهدي ذلك، فأمر له بخمسين ألف دينار.
وقال سَلم الخاسرُ يرثي المهدي: من الوافر:

(2/188)


وَبَاكيةٍ على المَهدي عبرَىكَأَنَّ بها وما جُنتْ جُنُونا
وقد خَمَشَت محاسِنَهَا وأبدَت ... غدائِرَهَا وأظْهَرَتِ القُرُونَا
لَئن بلى الخليفةُ بعد عِز ... لقدْ أَبْقَى مساعِيَ مَا بَلينَا
سَلامُ اللَّهِ غُدوَةَ كل يومٍ ... على المهدي حيثُ ثَوَى رَهينَا
تركنَا الدينَ والدنيَا جميعاً ... بحَيثُ ثَوَى أَمِيرُ المُؤْمِنِينَا
وفي كتاب الأذكياء لابن الجوزي: أن أبا دلامة دخل على المهدي، فأنشده قصيدة، فقال له المهدي: سلني حاجتك، فقال: يا أمير المؤمنين، تهب لي كلب صيد، فغضب، وقال: أتسأل كلب صيد، وأنا أقول لك ما أقول؟! فقال: يا أمير المؤمنين، الحاجة لي أم لك؟! فقال له: بل لك، قال: فإني سائلك إياه، فأمر له بكلب صيد، فقال: يا أمير المؤمنين، هبني خَرَجْتُ إلى الصيد، فأعدو على رجلي؟! فأمر له بدابَّةٍ، فقال: يا أمير المؤمنين، فمن يقومُ عليها؟ فأمر له بغلام، فقال: يا أمير المؤمنين، هبني صدت صيداً فمن يطبخه. فأمر له بجارية، فقال: يا أمير المؤمنين، هؤلاء أين يبيتون؟ فأمر له بدار، فقال: يا أمير المؤمنين، قد صار في عنقي عيال، فمن أين لي ما يقوت هؤلاء؟ قال: قد أقطعتك ألف جريب عامر.
وعن عبد الله بن هارون قال: حدثني عبد الملك بن عبد العزيز بن عبد اللّه عن المغيرة قال: دخل المغيرة بن عبد الرحمن المخزومي وأبو السائب والعثماني وابن أخت الأحوص على المهدي، وهو بالمدينة فقال: أنشدوني، فأنشده المغيرة: من الطويل:
وللناسِ بَدر في السماءِ تَرَونَهُ ... وأَنتَ لنا بَدرٌ على الأرضِ مُقْمِرُ
فَبِاللهِ يا بَدرَ السماءِ وصِنْوَهُ ... تُرَاكَ تُكَافي عُشرَ ما لَكَ مُضْمَرُ
وما البَدر إِلا دُونَ وَجهِكَ في الدُجَى ... يغيبُ فَتَبْدُو حِينَ غَابَ فَتُقْمِرُ
وما نَظَرَتْ عيني إلَى البَدرِ ماشياً ... وأنتَ فتمشِي في الثيَاب فَتَسْحَرُ
ثم أنشده ابن أخت الأحوص فقال: من البسيط:
قَالَت كلابة مَنْ هذا نقلْتُ لها ... هذا الذي أَنتِ مِنْ أعدائِهِ زَعَمُوا
إني امرؤ لَج بي حُب فأحرَضَنِي ... حَتى بَلِيتُ وحتَّى شَفنِي السَّقَمُ
ثم أنشده المخزومي: من الطويل:
رَمَى القلْبُ مِن قلبِي السوَادَ فأوجَعَا ... وَصَاحَ فصيحٌ بالرَّحيلِ فَأسْمَعَا
وغَردَ حادِي البَينِ وانشقتِ العَصَا ... فأصبَحْتُ مَسْلُوبَ الفُؤَادِ مُفَجعَا
كفَى حَزَناً مِن حادِثِ الدهرِ أنني ... أَرَى البَينَ لا أَستطِيعُ للبَينِ مَدْفَعَا
وقد كُنْتُ قَبل اليومِ بالبَين جَاهِلا ... فيا لَكَ بيناً ما أَمَرَ وأَوْجَعَا
ثم أنشده أبو السائب يقول: من الطويل:
أَصِيخَا لداعي حُب ليلَى فَيممَا ... صُدُورَ المطايا نَحوَهَا فتَسَمَعَا
خليلي إنْ ليلَى أقامَتْ فَإِننِي ... مُقِيم، وإنْ بانَتْ فبينا بِنَا مَعَا
وإنْ أثبتت لَيلَى بربْعِ يحوزها ... أعيذكُمَا بالله أَنْ تَتَزَعْزَعَا
ثم أمر لهم بصلات جسيمة.
وحدث إدريس بن سليمان بن يحيى بن يزيد بن أبي حفصة: كان سبب اتصال مروان بخلفاء بني العباس، وكان - واللّه أعلم - من شعراء بني أمية، أن جارية يمانية أهديت إلى أبي جعفر المنصور، فأنشدته شعراً لمروان يمدح فيه السري بن عبد اللّه، يذكر فيه وراثة العباس، فسألها المنصور عن الشعر. فقالت: هو لمروان، فوافاه بالربذة حاجاً، وبالمنصور العلة التي مات بها، فلقي مروان الربيع حاجب المنصور، فقال له: كن قريبَاً حتى يدعو بك، فلم تزل العلة بالمنصور تشتدُ حتى مات قبل أن يصل إليه مروان فقال له الربيع: الْحَقْ بالمهدي ولا تتخلف عنه، فانصرفَ مروان إلى اليمامة فجعلها طريقاً وعليها بشر بن المنذر والياً، فأوفده بشر على المهدي فيمن أوفد، فقدم مروان على المهدي وقد مدحه بأربع قصائد مطلع الأولى: من الطويل:

(2/189)


صَحَا بَعْدَ جُهْدِ فاستَرَاحَت عواذله ... وأَقْصَرْنَ عنه حِينَ أَقْصَرَ بَاطِلُهْ
والثانية: من الكامل:
طَافَ الخَيَالُ فَحيهِ بسَلاَمِ ... أَنى أَلَم، ولَيْسَ حين مَنَامِ
وفيها يقول:
أَني يكُونُ ولَيْسَ ذاكَ بكَائِنِ ... لِبَنِي البَنَاتِ وِرَاثَةُ الأعْمَامِ؟!
والثالثة: من الكامل:
إعْصِ الهَوَى وَتَعز عَن سُعْدَاكَا ... فَلِمِثْل حِلْمِكَ عَنْ هَوَاكَ نهاكا
والرابعة: من الطويل:
بَرى العَين شَوْق حَالَ دُونَ التجلُدِ ... ففاضَتْ بأَسْرَاب مِنَ الدَمْعِ حُشَدِ
قال إدريس: فأعطى المهدي مروان إجازة سبعين ألف درهم، فقال مروان يمدحه في قصيدة، ويذكرها: من الطويل:
بِسَبْعِينَ ألفاً رَاشَنِي مِنْ حِبَائِهِ ... وما نَالَهَا في الناسِ مِنْ شَاعِرٍ قبلي
رحم الله أهل الكرم.
وحدث أحمد بن أبي بكر الباهلي قال: حدثني حاجب المهدي قال: قال لي المهدي يوماً نصف النهار: اخرج فانظر من في الباب، فخرجت فإذا شيخ واقف، فقلت: لك حاجة؟ فقال: لا أخبر بحاجتي أحداً غير أمير المؤمنين، فأخبرت المهدي بخبره وبقوله، فقال: ائذن له، ومُرْهُ بالتخفيف، فخرجت، وقلت له: ادخل وخففْ، فدخل وسلم بالخلافة، ثم قال: يا أمير المؤمنين، إنا قد أمرنا بالتخفيف: من الطويل:
فإنْ شئْتَ خَففْنَا فكنا كَرِيشَةٍ ... متَى تَلْقَهَا الأنفاسُ في الجَو تَذْهَبِ
وإن شئْتَ ثَقلْنَا فكُنا كصخرةِ ... متى تُلْقِهَا في حَوْمَةِ البَحْرِ تَرسُبِ
وإن شئتَ سلمنا فكُنا كراكب ... متى يَقْضِ حَقاً من سلامِكَ يَغْرُب
فضحك المهدي، وقال: بل تكرم وتقضى حاجتك، فقضى حاجته، ووَصله بعشرة آلاف درهم.
كان معن بن زائدة الشيباني من أمراء المنصور أبي المهدي، ثم أبقاه المهديُ والياً على أذربيجان على ما كان من والده المنصور، وهو أحد الأجواد المشهورين والشجعان المذكورين، قَدِمَ عليه قوم من أهل الكوفة مستميحين، فنظر إليهم في هيئة رثة، فأنشأ يقول: من الطويل:
إذا نَوْبَةٌ نَابَت صديقَكَ فاغتنَمْ ... مَرَمَتَهَا فالدهْرُ بالناسِ قُلَّبُ
فأَحسَنُ ثوبَيك الذي أنْتَ لابس ... وأَمهَرُ مُهْرَيكَ الذي هُوَ يُرْكَبُ
وقال: يا غلام، أعطهم لكل واحد أربعة آلاف، فقال أحدهم: يا سيدي، دنانير أو دراهم؟ فقال معن: والله، لا تكونُ همتك أرفع من همتي، يا غلام، صفرها لهم. وأتاه أعرابي ومعه مولود فقال: من البسيط:
سَميت طِفلِيَ مَعناً ثم قلتُ له ... هذا سَمِيُ فَتى في الناسِ محمودِ
أمسَت يمينُكَ مِن جُودٍ مُصَورَة ... لا بَل يمينُكَ منها صُورَةُ الجُودِ
فأمر له بثلاثمائة دينار.
روى أن المهدي خرج يوماً يتصيد، فلقيه الحسين بن مطير الأسدي فأنشده: من البسيط:
أضحَتْ يمينُكَ مِن جُودٍ مصورَة ... لا بَل يمينك منها صُورَةُ الجودِ
مِنْ حُسنِ وجهِك تُضحِي الأرضُ مشرقَة ... ومِنْ بنانِكَ يَجْرِي الماءُ في العُودِ
فقال له المهدي: كذبتَ يا فاسقُ، وهل تركتَ في شعرك موضعاً لأحد مع قولك في معن بن زائدة: من الطويل:
أَلِما بِمَعْنٍ ثَم قولا لِقَبرِه ... سَقَتك الغَوَادي مَرْبَعاً ثُم مَرْبَعَا
فَيَا قَبْرَ مَعنٍ كَيف وارَيتَ جُودهُ ... وقَدْ كَانَ منه البَرُّ والبَحْرُ مُترَعَا
ولكنْ حَوَيتَ الجُوَدَ والجُودُ ميتٌ ... ولو كَانَ حياً ضِقتَ حتى تَصَدَعَا
ولما مَضَى مَعْن مَضَى الجُود والندَى ... وأَصْبَحَ عِرنينُ المَكَارِمِ أَجْدَعَا
فأطرق الحسين، ثم قال: يا أمير المؤمنين، وهل مَعْن إلا حسنة من حسناتك؟ فرضي عنه، وأمر له بألف دينار.
خلافة الهادي

(2/190)


موسى بن المهدي محمد بن المنصور عبد اللّه بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم. كان شجاعاً كريماً، وكان في صغره لا يزال فاتحاً فمه خلقةَ، فوكل أبوه غلاماً ينبهه على إطباق فمه كلما رآه فاتحه، فيقول له: موسى أَطبقْ، فكان يقال له لذلك في صغره موسى أطبق.
كانت ولادته سنة ست وأربعين ومائة. وقال سلم الخاسر جامعاً بين التهنئة للهادي بالخلافة والعزاء بأبيه المهدي محمد فقال: من الطويل:
لَقَد قَامَ مُوسَى بِالخِلاَفَةِ والهُدَى ... وَمَاتَ أميرُ المؤمنين مُحمَدُ
فَمَاتَ الذي عَمَّ البرية فَقْدُهُ ... وقَامَ الذي يَكْفِيكَ مَن تتفقدُ
وقال مروان بن أبي حفصة: من الطويل:
لَقَد أَصبَحَت تختالُ في كُل بلدةٍ ... بقَبْرِ أميرِ المؤمنينَ المَقَابِرُ
ولو لم تُسَكنْ بابنه بَعدَ موتِهِ ... لَمَا بَرحَت تَبكِي عَلَيهِ المنابرُ
ولو لم يَقم موسَى عليهَا لَرجعَت ... حنيناً كَمَا حَن الصفايا العَشَائِرُ
بويع بالخلافة بعد موت أبيه، وكان الهادي مقيماً بجرجان يحارب أهل طبرستان، وكان الرشيد لما توفي المهدي والعسكر معه بماسبذان، نادى في الناس بالعطاء؛ تسكيناً لهم وقسم فيهم، فلما استوفوها، تنادوا بالرجوع إلى بغداد، وتسابقوا إليها، واستيقنوا موت المهدي، فأتوا باب الربيع وأحرقوه وطالبوه بالأرزاق وفتقوا السجون، وقدم الرشيد بغداد في أثرهم، فبعثت الخيزران إلى الربيع ويحيى، فامتنع يحيى خوفاً من غيرة الهادي، وأمر الربيع بسنتين للجند فسكنوا، وكتب الهادي إلى الربيع يتهدده، فاستشار يحيى في أمره، وكان يثق بوده، فأشار عليه بأن يبعث ابنه الفضل يعتذر عنه ويصحبه الهدايا واللطف، ففعل، فرضي الهادي عنه، فأخذت البيعة ببغداد للهادي، وكتب الرشيد بذلك إلى الآفاق، وبعث نصر إلى الهادي بجرجان، فركب البريد إلى بغداد.
قال الصولي: ولا يعرف خليفة رَكِبَ خيل البريد إلا الهادي من جرجان إلى بغداد، فقدمها في عشرين يوماً، واستوزر الربيع، وهلك لمدة قليلة من وزارته، واشتد الهادي في طلب الزنادقة وقتلهم.
وفي سنة تسع وستين: كان ظهور حسين المقتول بفخ، وهو الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وقصته معروفة.
وكان للهادي بغض بالرشيد بما كان المهدي أبوهما يؤثره عليه أخيراً، وكان رأى أنه دفع إليهما قضيبين، فأورق قضيب الهادي من أعلاه، وأورق قضيب الرشيد كله، وتأول ذلك بقصر مدة الهادي وطول مدة الرشيد وحسنها، فلما ولي الهادي أجمع على خلع أخيه الرشيد والبيعة لابنه جعفر بن الهادي مكانه، وفاوض في ذلك قُوَاده، فأجابه إلى ذلك يزيد بن مزيد، وعلي بن عيسى، وعبد اللّه بن مالك، ووضع الشيعة على الرشيد ينتقصونه، ويقولون: لا نرضى به، ونهى الهادي أن يسار بين يديه بالحربة، فاجتنبه الناس، وكان يحيى بن خالد يتولى أموره، فاتهمه الهادي بمداخلته، وبعث إليه وتهدده، فحضر عنده مستميتاً وقال: يا أمير المؤمنين، إن حملت الناس على نكث الأيمان فيه، هانت عليهم فيمن توليه، وإن بايعت لجعفر بعده، كان ذلك أوثق للبيعة، فصدقه وكف عنه، وعاد أولئك الذين خلعوه من القواد والشيعة فأغروه بيحيى، وأنه الذي منع الرشيد من خلع نفسه، فحبسه الهادي، فطلب الحضور للنصيحة، فأحضره من الحبس، فقال: يا أمير المؤمنين، أتظن الناس يسلمون الخلافة لابنك جعفر وهو صبي، ويرضون به لصلاتهم وحجهم وغزوهم، وتأمن أن يسمو إليها عند ذلك أهل بيتك، فتخرج من ولد أبيك، واللّه، لو لم يعقده له المهديُ، لكان ينبغي أن تعقده أنت له حذراً من ذلك، إني أرى أن تقر العهد لأخيك، فإذا بلغ ابنك، أتيتك بأخيك فخلع نفسه وبايع له، فقبل الهادي قوله وأطلقه.
ولم يقنع القواد ذلك؛ لأنهم كانوا حذرين من الرشيد، فأرسل إلى الرشيد وضيق عليه، واستأذنه في الصيد، ومضَى إلى قصر مقاتل، فنكره الهادي وأظهر جفاءه، وبسط الموالي فيه ألسنتهم، ثم خرج الهادي إلى حديثة الموصل، فاشتد مرضه هنالك، واستقدم العمال شرقاً وغرباً.

(2/191)


ولما ثقل، تآمر القوم الذين بايعوا جعفراً في قتل يحيى بن خالد، ثم أمسكوا خوفاً من الهادي، ثم توفي الهادي في شهر ربيع سنة سبعين ومائة، وقيل: إنما توفي بعد أن عاد من حديثة الموصل.
ويقال: إن أمه الخيزران دست بعض الجواري عليه، فقتلنه؛ لأنها كانت أول خلافته تستبد عليه بالأموال، فعكف الناس على بابها، واختلفت المواكب إليها، فوجد الهادي من ذلك، فكلمته يوماً في حاجة فلم يجبها، فقالت: قد ضمنتها لعبد الله بن مالك، فغضب الهادي وشتمه وحلف لا قضيتها، فقامت وهي مغضبة، فقال: مكانك، والله، وإلا انتفيت من قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لئن بلغني أن أحداً من قُوادي وخاصَتي وقف ببابك، لأضربن عنقه، ولأقبضن ماله. ما للمواكب تغدو وتروح عليك، أما لك مغزل يشغلك، أو مصحف يذكرك، أو بيت يصونك؟! إياك إياك، لا تفتحي بابك لمسلم ولا ذمي، فانصرفت وهي لا تعقل. ثم قال لأصحابه: أيكم يحب أن يتحدث الرجال بخبر أمه؛ فيقال: فعلت أم فلان، وصنعت؟! فقالوا: لا نحب ذلك، قال: فما بالكم تأتون أمي، فتتحدَثون معها؟! ويقال: إنه لما جَد في خلع الرشيد، خافت عليه منه، فلما ثقل في مرضه، دست بعض الجواري، فجلس على وجهه، فمات.
وحكى في بغية الخاطر: أن الهادي كان يدور يوماً في بستانه ومعه خواصه، وهو راكب على حمار، وليس معه سلاح، فدخل عليه حاجبه، فأخبره أن رجلا من الخوارج جيء به أسيراً، وكان الهادي حريصَاً على الظفر به، فأمر بإدخاله، فأدخل بين رجلين قد أمسكا بيديه، فلما رأى الخارجيُ وجه الهادي، جذب يديه من الرجلين، واخترط سيف أحدهما، ووثب نحو الهادي، فلما رأى ذلك من حول الهادي، فروا جميعاً، وبقي الهادي وحده، وثبت على حماره بركابه وعزم، حتى إذا قرب الخارجيُ منه وكاد أن يعلوه بالسيف، قال الهادي: اضرب عنقه يا غلام، فالتفت الخارجي حين سمع ذلك وهمَا منه، فوثب الهادي عن حماره، وانتزع السيف من يده، فذبحه به ذبحاً، ثم عاد على ظهر حماره من فوره، وتراجع إليه حاشيته، وقد ملئوا رعباً وجبناً، فما خاطبهم في ذلك بكلمة واحدة، ولم يكن بعد ذلك يفارقه السيف ولا يركب إلا الخيل.
وفي مروج الذهبي: أنه رفع إلى الهادي أن رجلا من بلاد المنصورة من أرض السند من أشرافهم ربى غلامَاً سنديُّاً أو هندياً، وأن الغلام هوى مولاته، فراودها عن نفسها فأجابته، فدخل مولاه، فوجدها معه، فَجَب ذكر الغلام وخصاه، ثم عالجه إلى أن برئ، فأقام مدة، وكان لمولاه ابنان، فصعد بهما الغلام السندي إلى أعلى سور الدار، فرأى سيده ابنيه مع الغلام، فقال: يا غلام، عرضتَ ابنيَ للهلاك، فقال الغلام: دع عنك هذا، فوالله لئن لم تَجُب نفسك بحضرتي الآَن لأرمين بهما، فقال: اللّه اللّه في وفي ابنيَ! فقال الغلام: دع عنك هذا، فوالله ما هي إلا نفسي، وإني لأسمح بها من شربة ماء. فأهوي ليرمِيَ بهما، فأسرع مولاه فأخذ المدية، فَجَب نفسه، فلما رأى الغلام أنه قد فعل، رمى بالصبيين فتقطعا، ثم قال: هذا الذي فعلتُ بفعلك في، وقتل هذين الولدين زيادة، فأمر الهادي بالكتاب إلى صاحب السند بقتل الغلام السندي وتعذيبه بأنواع العذاب، وأمر بإخراج كل سندي من مملكته، فَرَخُصُوا في أيامه حتى كانوا يتداولون في ذلك الزمان بأبخس ثمن، وقد قيل في مثل هذا المعنى: من البسيط:
لاَ تأمنَنَ فتَى أسكَنْتَ مهجَتهُ ... غَيْظاً وتَحْسِبُ أن الغَيْظَ قد ذَهَبَا
لاَ تقطَعَنْ ذَنَبَ الأفعَى وتُرْسِلُهَاإن كُنْت شَهْمَاً فَأتْبعْ رأْسَهَا الّذَنَبَا
وفي العقد لابن عبد ربه: ذكر عن عبد اللّه بن الضحاك، عن الهيثم بن عدي قال: إن سيف ابن معلى كرب الزبيدي البطل المشهور المسمى بالصمصامة دخل في يد المهدي، فأعطاه لولده الهادي، فأخرج ذلك السيف الهادي يوماً في مجلسه، ووضعه بين يديه، ودعا بمكتل دنانير، وقال لحاجبه: ائذن للشعراء، فلما دخلوا، أمرهم أن يقولوا في السيف، فبدأهم ابن يامين البصري فقال: من الخفيف:
حَازَ صمصامَةَ الزبيدي مِنْ دُو ... نِ جَمِيعِ الأَنامِ مُوسَى الأَمِينُ
سَيف عَمرِو وكَانَ فيما سَمعنَا ... خَيْرَ ما أُغْمِدَتْ عليه الجُفُونُ
أَخْضَرُ المَتْنِ بين خَدَيهِ نُورٌ ... مِن فِرِنْدٍ تَمِيدُ فيه العُيُونُ

(2/192)


أَوقَدَت فوقه الصواعِقُ نارا ... ثم ساطَتْ بِهِ الذعَاف المَنُونُ
فإذا ما سَلَلتَهُ بَهَرَ الشم ... سَ ضياء فلم تَكُنْ تَسْتَبِينُ
وكأَن الفِرِندَ والرونَقَ الجَا ... رِيَ في صَفْحَتَيْهِ مَاء مَعِينُ
وكأن المَنُونَ نِيطَت إلَيْهِ ... فَهْوَ في كُل جانِبَيْهِ منونُ
ما يُبَالِي مَنِ انتضَاهُ لِحَرب ... أَشِمَالٌ سَطَتْ به أَمْ يَمِينُ
فقال الهادي: دونك السيف والمكَتل فخذْهُمَا. ففرق ابن يامين المكتل والدنانير على الشعراء، وقال: في السيف عوضْ، ثم انصرف، فبعث إليه الهادي فاشترى منه السيف بخمسين ألف دينار، هكذا هكذا.
قلت: وتعجبني أبيات أربعة لابن الرومي في وصف السيف حيث يقول: من الخفيف:
خَيْرُ ما اسْتَعْصَمَتْ بِهِ الكَف غضبٌ ... ذَكَرْ جسهُ أَنِيثُ المَهَز
مَا تَأَملتهُ بِعَينَيك إِلا ... أرعدت صَفحَتَاهُ من غَيْر هَز
مِثْلُهُ أَفزَعَ الشجَاعَ إِلى الدر ... عِ فَغَالَى بِهِ عَلَى كُل بَز
مَا يُبَالي أَصممت شَفرَتَاهُ ... في مَحَز أم جَازَتَا عَنْ مَحَز
قال الحافظ الذهبي: وعن مصعب الزبيري، عن أبيه قال: دخل مروان بن أبي حفصة الشاعر على الهادي بن المهدي فأنشده قصيدة: من الطويل:
تَشَابَهَ يَومَاً بَأسِهِ وَنَوَالِهِ ... فَمَا أَحَدٌ يَدْرِي لأيهِمَا الفَضلُ
أَيومُ عَطَاهُ الجَم أَم يَومُ بَأسِهِ ... ...............
فلما فرغ من إنشادها، قال له: أيما أحب إليك، ثلاثون ألفاً معجلة، أم مائة ألف تدون في الدواوين؟ فقال مروان: تعجل الثلاثون ألفاً، وتدون المائة ألف؛ فتلك من الهادي قليل. قال الهادي: بل يعجلاَنِ لك جميعاً، احملوا إليه مائة وثلاثين ألفاً.
قال نفطويه: قيل: إن الهادي قال لإبراهيم الموصلي: إن أطربتني فاحتكم، فغناه: من الهزج:
سُلَيمى أَزمَعَت بَينَا ... فَأَيْنَ لِقَاؤهَا أَينَا
في أبيات يسيرة، فأعطاه سبعمائة ألف درهم.
قال الذهبي: كان الهادي يتناول المسكر، ويلعب، ويركب حماراً فارهاً - يعني قبل تلك الواقعة التي ذكرتها قريبَاً - وكان فصيحاً قادراً على الكلام، أديباً تعلوه هيبة، وله سطوة وشهامة، وكان طويلا جسيماً أبيضَ، شفته العليا تقلص؛ فلا يزال مفتوح الفم، فوكل به أبوه خادماً كلما رآه مفتوحَ الفم قال له: موسى أطبق، فيفيق على نفسه، ويطبق شفتيه؛ كما تقدم ذكر ذلك.
مات في ربيع الآخر سنة سبعين ومائة وسِنهُ ثلاث وعشرون سنة، ومدة خلافته سنة وشهران.
وقيل في سبب موته غير ما تقدم؛ وهو أنه دفع نديمَاً له من جرف على أصول قصب قد قطع، فتعلق النديم به فوقع، فدخلت قصبة في مخرجه، فكانت سبب موته، فماتا جميعاً.
خلافة هارون الرشيد
ابن المهدي بن المنصور بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس، وكان فصيحاً بليغاً يحجُ عاماً ويغزو عاماً، وربما جمع بينهما في عام واحد، ويصلي كل يوم مائة ركعة لا يتركُهَا إلا لعلة، ويتصدق كل يوم بألف درهم، ويحب العلماء، ويظهر حرمات الإسلام، ويتفقد الصلحاء، ومع ذلك كان منهمكَاً في اللهو، وله في ذلك نوادر وحكايات لا تحصر بحد، ولا تحصى بعد.
بويع ليلة الجمعة لأربع عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، سنة مات أخوه الهادي سنة سبعين ومائة، وولد له المأمون فيها، وكانت ليلة عجيبة، فيها وفاة خليفة، وولاية خليفة، وولادة خليفة.
ولما بويع الرشيد استوزر يحيى بن خالد البرمكي، فقال إبراهيم الموصلي: من الطويل:
أَلَم تَرَ أَن الشمْسَ كانَتْ مريضَة ... فلما أتَى هارُونُ أَشْرَقَ نُورُهَا
تَلبستِ الدُنْيَا جَمَالا بِملكِهِ ... فَهَارُونُ وَالِيهَا وَيَحْيَى وَزِيرُهَا
فأعطاه هارون مائة ألف، وأعطاه يحيى خمسين ألفَاً.
وكان يحيى يصدر عن رأي الخيزران أم الرشيد، ولداود بن رزين الواسطي قوله فيه: من الطويل:
بِهَارُونَ لجَ النورُ في كُل بلدةِ ... وقامَ بِهِ في عَدْلِ سِيرَتِهِ النهْجُ

(2/193)


إِمامٌ بِذَاتِ اللّه أَصْبَحَ شُغلُه ... فأَكثَرُ مَا يُعنَى به الغَزوُ والحجُ
تَضِيقُ عيونُ الخلقِ عن نُورِ وجهِهِ ... إذا ما بَدَا لِلناسِ مَنظَرُهُ البلجُ
تَفَسحَتِ الآَمالُ في جُودِ كَفه ... وَأعطى الذي يرجُوهُ فَوقَ الذي يرجُو
وفي سنة خمس وسبعين ومائة: كان خُرُوجُ يحيى بن عبد اللّه بن الحسن المثنى في الديلم، وهو أخو المهدي محمد الملقب بالنفس الزكية، واشتدت شوكته، وكثر جمعه، وأتاه الناس من الأمصار، فندب إليه الرشيد الفضل بن يحيى في خمسين ألفاً، وولاه جرجان وطبرستان والري، وما يليها وحمل معه الأموال، فسار ونزل بالطالقان، وكاتب يحيى وحذره وبسط أمله، وكتب إلى صاحب الديلم في تسهيل أمر يحيى على أن يعطيه ألف ألف درهم، فأجاب يحيى على الأمان بخط الرشيد وشهادة الفقهاء والقضاة وجلة بني هاشم ومشايخهم، وعين عبد الصمد بن علي أن يكون منهم، فكتب له الرشيد بكل ما أحب وأفاضَ عليه العطاء، وعظُمَت منزلة الفضل عنده. ثم إن الرشيد حبس يحيى إلى أن هلك في محبسه.
وفي سنة ست وثمانين: حج الرشيد، فسار من الأنبار ومعه أولاده الثلاثة: محمد الأمين، وعبد الله المأمون، والقاسم الملقب بالمؤتمن، وكان قد ولى الأمين العهد، وولاه العراق والشام إلى آخر المغرب، وولى المأمون العهد بعده وسلم إليه من همدان إلى آخر المشرق، وبايع لابنه القاسم بعد موت المأمون، ولقبه المؤتمن، وجعل خلعه وإثباته للمأمون، وضم إليه الجزيرة والثغور والعواصم، ومَرَ بالمدينة فأعطى فيها ثلاثة أعطية: عطاء منه، وعطاء من الأمين، وعطاء من المأمون، فبلغ ألف ألف دينار وخمسمائة ألف دينار، ثم سار إلى مكة، فأعطى مثلها، وأحضر الفقهاء والقضاة والقواد، وكتب كتاباً أشهد فيه على الأمين بالوفاء للمأمون، وآخر على المأمون بالوفاء للأمين، وعلق الكتابين في الكعبة الشريفة، وجدَّد عليهما العهود بذلك، قال إبراهيم الحجبي: لما أردت تعليق كتاب العهد بالكعبة، سقط مني المعلاق؛ فكان فألا بسرعة نقضه.
ولما صير الرشيد ولده الأمين ولي عهده بعهده، قال سلم الخاسر قصيدة في ذلك يقول فيها: من الكامل:
قُل للمنازلِ بالكَثِيبِ الأَعفَرِ ... سُقيت غَادِيةَ السماءِ الممْطِرِ
قَد بايَعَ الثقَلاَنِ مَهدِي الهُدَى ... لمحمدِ ابنِ زُبَيْدَةَ ابْنَةِ جَعفَرِ
قَد وَفَّقَ اللهُ الخليفَةَ إذ بنى ... بَيتَ الخلافةِ لِلْهِجَانِ الأزْهرِ
فَهُوَ الخليفَةُ عَنْ أَبِيهِ وَجده ... شَهِدَا عليه بِمَنْظَرٍ وبِمَخْبَرِ
فحشت زبيدة فاه جواهر، قيل: باعة بعشرين ألف دينار.
قلت: ومن شعر سلم قوله: من مخلع البسيط:
بَانَ شبابِي فما يَحُورُ ... وطَالَ مِن لَيْلِيَ القَصِيرُ
أَهدي لِيَ الشوقَ وَهوَ حُلو ... أَغَنُّ في طَرْفِهِ فُتُورُ
وَقَائلٍ حِينَ شَب وَجدِي ... وَاشتَعَلَ المُضمَرُ الستِيرُ
لَوْ شِئْتُ أَسلاَكَ عَنْ هَوَاهُ ... قلب لأَشجَانِهِ ذَكُورُ
فَقلتُ لا تَعْجَلَن بِلَوْمِي ... فَإِنمَا يُنبِئُ الخَبِيرُ
عَذبني والهَوَى صَغِير ... فَكَيف بِي والهَوَى كَبِيرُ
مَن رَاقَبَ الناسَ مَاتَ غَماً ... وَفَازَ بِاللَّذةِ الجَسُورُ
وسلم هذا اسمه: سلم بن عمرو البصري أحد الشعراء المحسنين، وهو غلام بشار بن برد، مدح المهدي والرشيد والبرامكة، وكان عاكفاً على المعاصي، ثم تزهد وتنسك مدة مديدة، ثم مرق وعاد إلى اللهو وباع مصحفه، واشترى بثمنه ديوان شعر، فلقب لذلك الخاسر.
ومن غريب ما اتفق لهارون الرشيد: أن أخاه موسى الهادي لما ولي الخلافة قبله، سأل عن خاتم عظيم القدر كان لأبيه المهدي، فبلغه أن الرشيد أخذه، فطلبه منه فامتنع فألحَ عليه فيه، فشق على الرشيد أخذه، فطلبه ومر على جسر بغداد فرماه في دجلة، فلما مات الهادي وولي الرشيد الخلافة، أتى إلى ذلك المكان بعينه ومعه خاتم رصاص، فرماه فيه، وأمر الغطاسين أن يلتمسوه ففعلوا، فاستخرجوا الخاتم الأول، فعد ذلك من سعادة الرشيد.

(2/194)


وفي سنة سبع وثمانين: كانت نكبة الرشيد بالبرامكة.
اعلم أن البرامكة يقال: أصلهم من جيل من العجم كانوا مجوسَاً، وأولهم في التقرب إلى الخلفاء خالد بن برمك، وكان من كبار الشيعةَ، وله قدم راسخ في الدولة، وكان يلي الولايات العظام: ولاه المنصور على الموصل وأذربيجان، وولى ابنه يحيى على أرمينية، ووكله المهدي بكفالة الرشيد، فأحسن تربيته، ودفع عنه أخاه الهادي، لما أراده على الخلع وتولية ابنه العهد، وحبسه الهادي لذلك، فلما ولي الرشيد، استوزر يحيى، وفوض له أمور ملكه، وكان أولا يصدر عن رأي الخيزران أم الرشيد، ثم استبد بالرأي في الدولة، وكان بيتهم معموراً بالرجال من العمومة والقرابة، وكان بنوه جعفر والفضل ومحمد قد ساهموا أباهم في حمل الدولة، واستولوا على حظّ من تقريب السلطان واستخلاصه، وكان الفضل أخا للرشيد من الرضاع؛ أرضعت أمه الرشيد وأرضعته الخيزران، وكان يخاطب يحيى يا أبت، واستوزر الفضل وجعفرَاً، وولي جعفر على مصر وخراسان، وبعث الفضل لاستنزال يحيى بن عبد اللّه العلوي من الديلم، ودفع ولده المأمون لما ولاه العهد إلى كفالة جعفر بن يحيى؛ فحسنت آثارهم في ذلك كله، ثم عظم سلطانهم واستيلاؤهم على الدولةَ، وكثرت السعاية فيهم، وعظم حقد الرشيد على جعفر منهم. فلما كثرت فيهم السعاية بسبب استيلائهم على الخليفة فمن دونه، تحيل أعداؤهم من البطانة فيما دسوه للمغنين من الشعر احتيالا على إسماعه للخليفة، ولتحريك حفائظه عليهم، ومن ذلك بيتان هما: من الرمل:
لَيت هِنْداً أنجزتْنَا ما تَعِد ... وشَفَت أَتفُسَنَا مما نَجِدْ
واستَبَدت مَرة واحدة ... إنما العَاجِر مَنْ لا يَسْتَبِد
فلما سمعها الرشيد قال: إي واللّه عاجز، فبعثوا بذلك كامن غيرته، وسلَطوا عليه انتقامه؛ نعوذ باللّه من غلبة الرجال وسوء الحال؛ ذكر هذا ابن عبد ربه القرطبي في العقد، فتنكر لهم الرشيد.
ودخل عليه يوماً يحيى بن خالد بغير إذن، فأنكر ذلك عليه، وخاطب طبيبه جبريل بن بختيشوع منصرفاً به عن مواجهته، وكان حاضراً، فقال يحيى: أما هي عادتي يا أمير المؤمنين، وإذ قد نكرت مني، فسأكون في الطبقة التي تجعلني فيها، فاستحيى هارون وقال: ما أردت ما تكره.
وكان الغلمان يقومون بباب الرشيد، يعني: إذا دخل يحيى، فتقدم لهم مسرور الخادم بالنهي عن ذلك؛ فصاروا يعرضون عنه إذا أقبل، وأقاموا على ذلك زمانَاً، فلما حج الرشيد سنة سبع وثمانين، ورجع من حجه، ونزل الأنبار، أرسل مسروراً الخادم في جماعة من الجند ليلا، فأحضروا جعفرَاً بباب الفسطاط، وأعلم الرشيد، فقال: ائتني برأسه، فطفق جعفر يتذلل ويسأل مسروراً المراجعة في أمره؛ فدخل إلى الرشيد يكلمه فيه؛ فحذفه الرشيد بِعَصا كانت في يده وتهدده، فخرج وأتاه برأسه، وحبس يحيى وابنه الفضل من ليلته وبعث من احتاط على منازل يحيى وولده وجمع موجودهم، وكتب في ليلته إلى سائر النواحي بقبض أموالهم ورقيقهم، وبعث من الغد بشلو جعفر، وأمر بأن يقسم بقطعتين، وينصبا على الجسر، وأعفى محمد بن خالد من النكبة، ولم يضيق على يحيى وابنه الفضل.
قال في المروج: واختلف في سبب إيقاعه بهم، فأما الظاهر: فاحتجار الأموال. فإنهم كانوا ليس للرشيد معهم أمرٌ، حتى كان يحتاج لليسير من المال؛ فلا يقدر عليه.
وقيل: إن سبب ذلك أن الرشيد لما وجه يقطين بن موسى إلى إفريقية لإصلاحها، وكان يقطين من كبار الشيعة، وممن كان مع إبراهيم الإمام فقال: يا أمير المؤمنين، اكشف لي عن جسدك أقبله؛ لأكون قبلت بضعة من رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ثم قال: يا أمير المؤمنين، حدثني مولاي إبراهيم الإمام أن الخامس من خلفاء بني العباس تغدر به كُتابه، فإن لم يقتلهم قتلوه، فقال له الرشيد: الله، حدثك الإمام بهذا؟ قال: نعم، فكان ذلك السبب في قتلهم؛ لأنه هو الخامس من خلفاء بني العباس.
وقيل: إن سبب قتل جعفر أنه رفع إلى الرشيد رقعة لم يدر رافعها، وفيها: من السريع:
قُل لأمِينِ اللهِ في أَرضِهِ ... ومَن إلَيْهِ الحَلُّ والعَقْدُ
هذا ابن يَحيَى قد غَدَا مَالِكَاً ... مِثْلَكَ ما بَيْنَكُمَا حَد
أَمرُكَ مَردُود إلَى أمرِه ... وَأَمرُهُ لَيسَ له رَدُّ

(2/195)


وقَدْ بنى الدارَ التي ما بنى ... مِثَالَهَا الفُرْسُ ولا الْهِنْدُ
أَلدرُّ واليِاقُوتُ حَصبَاؤها ... وتُربُهَا العَنبَر والند
ونَحن نخشَى أنه وَارِث ... مُلْكَكَ إِنْ غَيَّبَكَ اللحْدُ
ولَن يُبَاهِي العَبْدُ أربابَهُ ... إلا إذا ما بطرَ العَبدُ
فلما وقف عليها الرشيد أوقع به.
وقيِل: سببه أن الرشيد لما استنزل يحيى بن عبد الله العلوي عند جعفر، وكان يخافه على الخلافة، وكان جعفر يرى سرور الرشيد بموت من يموت في حبسه من هؤلاء الأصناف، فقال له: يا أمير المؤمنين، إن يحيى بن عبد الله قد مات، فَسُر سرورَاً، وأخبر أباه يحيى بذلك، فقال: إنا للّه وإنا إليه راجعون، إن تركناه تلفنا، وإن قتلناه فالنار لنا. ثم خيل له أن كتب إلى علي بن موسى بن ماهان والي خراسان، وكان متزوجاً بنت يحيى، فعرفه ما جرى، وفزع إليه في أن يكون يحيى عنده مكرمَاً إلى أن يقضي الله قضاءه، وكان الكتاب بخط يحيى، ولم يكن يحيى يعلم ما بين علي بن عيسى وبين ولديه الفضل وجعفر من العداوة، فلما وصل الكتاب إلى علي بن عيسى بن ماهان، وصل يحيى بن عبد اللّه قال: هذا من حيل الفضل وجعفر علي، فأجاب يحيى بأنه يفعل ما أراد، وأنفذ الكتاب إلى الرشيد؛ فأعلمه أن يحيى بن عبد الله عنده، فكتب إليه الرشيد يحسن فعله ويعلمه فساد أمر البرامكة لديه، وأمره ببعث يحيى بن عبد الله إليه من غير أن يعلم أحداً، فلما وصل يحيى إلى الرشيد، أوقع بالبرامكة بعد مدة من ذلك الوقت.
وقيل: أرادت البرامكة الزندقة وإفساد الملك، فقتلهم.
وقيل: سبب ذلك أن الرشيد كان لا يصبر عن جعفر، ولا عن أخته عباسة، ومتى غاب أحدهما عنه، لا يتم سروره، فقال لجعفر: أزوجكها ليحل لك النظر إليها ولا تمسها، وكانا يحضران مجلسه، وربما فارقهما فيمتلئان من الشراب، وهما شابان، فجامعها جعفر، فحملت منه. وفي كمامة الزهر أن العباسة عشقت جعفراً، فراودته، فأبى خوفاً على نفسه، ورأت أن النساء إلى الخديعة أقرب، فبعثت إلى أم جعفر عتابة، وكانت عتابة ترسل إلى ابنها في كل جمعة بِكراً، وكان لا يطؤها حتى يأخذ شيئاً من النبيذ، فقالت العباسة: أرسليني لجعفر كجارية من اللواتي ترسلينها إليه، فأبت، فقالت لها: إن لم تفعلي، أخبرت الرشيد أنك كلمتني في كيت وكيت، وإن اشتملتُ على ولد، زاد في شرف ابنك، وما عسى أن يفعل أخي بعد اشتمالي على ولد، فطمعت عتابة في ذلك ووعدت ولدها بجارية من هيئتها كذا وكذا، فطالبها جعفر بها، فمطلته أياماً، ثم قالت للعباسة: تَهيئي في هذه الليلة ففعلت، وأدخلتها على جعفر، وكان لا يعرفها لأنه كان يجلس معها هو والرشيد، فلا يجسر أن يرفع طرفه إليها خوفاً، فلما قضى منها وطره، قالت له: كيف رأيت خديعة بنات الملوك، فقال: وبنت أي ملك أنت؟ قالت: أنا مولاتك العباسة، فطارَ السكر من رأسه، وقال لأمه: بعتيني واللّه رخيصاً. فكان هذَاَ هَو السبب.
ويقال: إن علية بنت المهدي قالت للرشيد: ما رأيت لك يا سيدي يوم سرور منذ قتلت جعفراً، فلأي شيء قتلته؟ فقال لها: يا حيائي، لو علمت أن قميصي يعلم السبب، لأحرقته.
وفي ربيع الأبرار: لم أر أبر من الفضل بأبيه يحيى؛ بلغ من بره أنه لما كانا محبوسين، وكان يحيى لا يتوضأ إلا بماء مسخن، فمنع السجان الوقود في ليلة باردة، فلما أخذ يحيى مضجعه، قام الفضل إلى قمقم، فأدناه إلى المصباح فلم يزل قائماً وهو في يده حتى أصبح، فتوضأ به أبوه يحيى، فشعر السجان بذلك، فلما كانت الليلة الثانية، غيب السجان المصباح، فبات الفضل متأبطَاً القمقم، يدفئه لأبيه ليله أجمع.
ومات يحيى بالسجن في الرقة سنة تسع وثمانين ومائة بعد قتل جعفر بثلاث سنين؛ وبقي الفضل بعده في السجن، ثم مات، وكانت دولتهم منذ استخلف هارون إلى أن قتل جعفر سبع عشرة سنة وسبعة أشهر وخمسة عشر يوماً.
وقد رثتهم الشعراء وأكثروا، ومن ذلك قول علي بن معاذ: من السريع:
يا َأَيهَا المُغتَرُّ بِالدهرِ ... وَالدَّهرُ ذُو صَرف وَذُو غَدرِ
إِن كُنتَ ذَا جَهْلٍ بِتَصرِيفِهِ ... فَانظُر إلَى المَصلُوبِ بِالجسْرِ
فبينما جَعفَرُ في مُلكِهِ ... عشيةَ الجمعَةِ بالغمْرِ

(2/196)


إذ عَثَرَ الدهرُ به عثرَة ... يا وَيلَتِي مِن عَثرَةِ الدهرِ
وقال سلم الخاسر: من الطويل:
هَوَت أنجُمُ الجَدوَى وشَلت يد الندَى ... وغَاضَت بِحَارُ الجُودِ بعدَ البَرَامِكِ
هوت أنجُم كانَت لآل ابن برمَكِ ... بها يَعرِف الجارِي قَوِيمَ المَسَالِكِ
وقال منصور النميري: من مخلع البسيط:
أُندُب بني بَرمَكِ لدُنيَا ... تَبكِي عَلَيهِم بكُل نَادِي
كانتْ بهم بُرهَة عَرُوساً ... فأضحَتِ الآَنَ في حِدَادِ
وقال دعبل الخزاعي: من الطويل:
ألم تر صَرْفَ الدهرِ في آلِ بَرمَكِ ... وآلِ نهيكٍ والقُرُونِ الَتي خَلُوْا
لقد غَرَسُوا غَرسَ النخيلِ تكرماً ... فما حصدُوا إلا كما تحصدُ البقلُ
وقال أبو عذرة الأعرابي: من الخفيف:
ما رَعَى الدَّهرُ آلَ بَرمَكَ لَما ... أَن رَمَى ملكَهُم بأمْرٍ بديعِ
إنَّ دهراً لم يَرع حقاً ليحيى ... غَيرُ راعِ حَقاً لآَلِ الربِيعِ
قلت: آل الربيع هو حاجب هارون الرشيد، كأنه يهددهم بهذا القول ويخوفهم. ولبعضهم: من المديد:
يَا بني برمَكَ وَاهاً لَكُم ... ولأَيامِكُمُ المُقبلَهْ
كَانَتِ الدنيا عَرُوساً بِكُم ... وَهِيَ اليَومَ عَجُوز أرْمَلَهْ
وفي ابن خلكان: عن محمد بن عبد الرحمن الهاشمي، قال: دخلت على والدتي في يوم عيد النحر، فوجدت عندها امرأة عجوزاً في ثياب رثة، فقالت لي والدتي: أتعرف من هذه؟ قلت: لا، قالت: هذه عتابة أم جعفر البرمكي. فأقبلت عليها بوجهي وأكرمتها، وتحادثنا زماناً، ثم قلت: يا أمه، ما أعجب ما رأيت. قالت: يا بني، لقد أتى على هذا العيد وعلى رأسي أربعمائة وصيفة، وإني أعد أن ابني عاق لي، ولقد أتى على العيد اليوم وما مناي إلا جلد شاتين أفرش أحدهما وألتحف بالآخر. قال: فدفعت لها خمسمائة دينار، فكادت تموت فرحاً.
وهاهنا مكاتبة من يحيى بن خالد حال كونه في السجن إلى الخليفة هارون نثر ونظم، أحببت ختم قصتهم بها، هي: إلى أمير المؤمنين، وإمام المسلمين، وخلف المهديين، وخليفة رب العالمين. من عَبْدٍ أسلمته ذنوبه، وأوبقته عيوبه، وخذله شقيقه، ورفضه صديقه، وزل به الزمان، وناح عليه الحدثان، فسار إلى الضيق بعد السعة، وعالج البؤس بعد الدعة، وافترش السخط بعد الرضى، واكتحل السهر، وافتقد الهجوع، فساعته شهر، وليلته دهر، قد عاين الموت، وشارف الفوت، جزعاً يا أمير المؤمنين، وحجة اللّه على فقدك لما أصيب به من بُعدك لا لمصيبتى بالحال والمال؛ فإن ذلك كان بك ولك عارية في يدي منك، ولا بد أن تسترد العواري، فإن كانت المحنة في جعفر، فبجرمه أخذته، وبجريرته عاقبته، وما أخاف عليك زلة في أمره، ولا مجاوزة به فوق ما يستحقه، فاذكر يا أمير المؤمنين خدمتي، وارحم ضعفي وسني، ووهن قوتي، وهب لي رضى عني، فمن مثلي الزلل ومنك الإقالة، ولست أعتذر ولكني أقرّ، وقد رجوت أن يظهر منك الرضى من وضوح عُذري، وصدق قولي، وظاهر طاعتي ومليح حجتي، ما يكتفي به أمير المؤمنين، ويرى الجلية فيه ويبلغ المراد منه، إن شاء اللّه تعالى.
ثم كتب تحتها شعراً يقول: من مجزوء الكامل:
قُلْ لِلْخَلِيفةِ ذي الصنَا ... ئِعِ والعطايا الفَاشِيَهْ
وابنِ الخلائفِ مِن قري ... شٍ والملوكِ الهَادِيَهْ
رأسِ الملوك وخَيرِ مَن ... ساسَ الأمورَ الماضيَهْ
إن البرامكَةَ الذي ... ن رمُوا لَدَيكَ بداهِيَهْ
عمتهُمُ لَكَ سخطة ... لم تُبق مِنْهُمْ باقِيَهْ
فَكأنهُم مما بِهِم ... أَعجَاز نَخْلِ خاويَه
صفرُ الوجوهِ عَلَيْهم ... خِلَعُ المذلةِ باديَهْ
مستضعفُونَ مُطَردُو ... نَ بكُلِّ أرضٍ قاصِيَهْ
من دون ما يَلْقَونَ مِن ... عَتْب يشِيبُ الناصيَهْ
أضحَوا وجلُ مناهُمُ ... منكَ الرضَا والعافِيهْ
بَعدَ الوزارةِ والإما ... رةِ والأمورِ العاليَه

(2/197)


أُنظُرْ إلى الشيخِ الكبي ... ر فنَفْسُهُ لك راجيَهْ
أوَ مَا سَمِعْتَ مقالتي ... يا ذا الفروعِ الزاكيَهْ
ما زلتُ أرجو راحَة ... فاليومَ حَانَ رجائيَهْ
اَلْيَوْمَ قد سَلَبَ الزما ... نُ كرامتي وبَهَائِيَهْ
ألقَى الزمَانُ جِرَانِيه ... مستثبتَاً بفنائيَهْ
ورمَى سواءَ مَقاتِلِي ... فأصاب حِينَ رمانيَهْ
يا مَن يَوَد لِيَ الردَي ... يكفيكَ ويَحكَ ما بِيَهْ
يكفيكَ أني مستبا ... حٌ مَعْشَرِي ونسَائِيَهْ
يكفيك ما أَبصَرْتَ مِن ... ذلي وذل مكانيَهْ
إن كان لا يَكفِيكَ إل ... لاَ أَنْ أَذُوقَ حِمَامِيه
فلقدْ رَأَيتُ المَوْتَ مِن ... قبل المماتِ عَلانِيَهْ
وفُجِعْتُ أَعظَمَ فجْعَةٍ ... وفَنيتُ قَبْلَ فَنَائِيَهْ
أُنْظُر بعينِكَ هَل تَرَى ... إلاَ قُصُورَاً خاليَه
وذخائرَاً موروثَة ... قُسمنَ قَبْلَ مَمَاتِيَهْ
ومصارعاً وفجائعاً ... ومصائبَاً متواليهْ
أَخَلِيفَة اللهِ الرضَا ... لا تُشْمِتَنْ أعدائيَهْ
واذكُر مُقَاسَاتِي الأمُوْ ... رَ وخِدمَتِي وعَنَائِيهْ
إِرحَم جُعِلتُ لك الفدا ... كِبَرِي وشِدةَ حَالِيَهْ
واحمِ أخاكَ الفَضلَ وال ... باقِينَ مِنْ أولادِيَهْ
أخليفةَ الرحمنِ إن ... نَكَ لو رَأَيتَ بَنَاتِيَهْ
وبُكَاءَ فاطمةَ الكبي ... رةِ والمَدَامِعَ جاريهْ
ومقالَهَا بتوجعٍ ... يا شِقوَتِي وبَلائِيَه
ما لي وقد غَضِبَ الإما ... مُ عَلى جميع رِجَالِيَهْ
يا نظرةَ المَلِكِ الرضَا ... عودي إلَيْنَا ثَانِيَهْ
فلما رأى الرشيد هذه الأبيات، وقع تحتها قوله: من مجزوء الكامل:
أَجْرَى القَضَاءُ عَلَيكُمُ ... ما جِئْتُمُوهُ عَلاَنِيَهْ
مِنْ تَرْكِ نُصحِ إمامِكُم ... عند الأُمُورِ البَادِيَهْ
يا آلَ بَرْمَكَ إنمَا ... كُنْتُمْ ملوكاً عادِيَهْ
فكَفَرتُمُ وعَصَيتمٌ ... وجحدتُّمُ نَعْمَائِيَهْ
هَذِي عُقُوبَةُ مَنْ عَصَى ... معبودَهُ وعَصَانِيَهْ
" وضرَبَ اَللَهُ مَثَلا قَرية كَانتَ آمِنَة مُطمَئنَةَ... " الآية " النحل: 112 " .
سأل الرشيد موسى الكاظم بن جعفر، فقال له: لم زعمتم أنكم أقرب إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم منا؟ فقال: يا أمير المؤمنين، لو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنشر، فَخَطَبَ إليك هل كنت تجيبه؟ فقال: سبحان الله، وكنت أفخر بذلك على العرب والعجم، فقال موسى: لكنه لا يخطب إليَ ولا أزوجه؛ لأنه ولَدَنَا ولم يَلِدْكُمْ. ودخل عليه يوماً، فعثر بهدب البساط، فوقع، فضحك الرشيد، فالتفت إليه موسى فقال: يا أمير المؤمنين، إنه ضعف صوم، لا ضعف سكر.
وكان الرشيد قد حمل موسى معه سنة أن حَجَ، حمله معه من المدينة إلى بغداد، وحبسه غير مضيق عليه إلى أن توفي.
قال الذهبي: بلغنا أنه بعث إلى الرشيد رسالة يقول: إنه لن ينقضي عني يوم من البلاء إلا انقضى عنك معه يوم من الرخاء، ثم نقضي جميعاً إلى يوم ليس له انقضاء، يخسر فيه المبطلون.
قال عبد الرحمن بن صالح الأزدي: لما رأى الرشيد قبره - عليه الصلاة والسلام - فقال: السلام عليك يا رسول اللّه، يا ابن عم - يفتخر بذلك - فتقدم موسى بن جعفر فقال: السلام عليك يا أبت، فتغيَّر وجه الرشيد، وقال: هذا الفخر حقاً، قال: ولعل الرشيد ما حمله إلى بغداد وحبسه إلا لقوله: السلام عليك يا أبتِ؛ فإن الخلفاء لا يحتملون مثل هذا.

(2/198)


حكى الإمام محمد بن ظفر قال: كان الرشيد مع ظلمه، وعظيم مُلْكه، وجبروته يعتريه خَوفُ اللّه، فمن ذلك أن خارجياً خرج عليه، فقتل أبطاله، وانتهب أمواله مراراً، ثم إنه جهز إليه جيشاً كثيفاً، فقاتلوه فغلبوه بعد جهد، وأتوا به الرشيد، فجلس مجلسَاً عاماً وأمر بإدخاله عليه، فلما مثل بين يديه قال: يا هذا، ما تريد أن أصنَعَ بك؟ قال: ما تريدُ أن يَصْنَعَ اللّه بك إذا وقفتَ بين يديه، فعفا عنه وأمر بإطلاقه.
فلما خرج، قال بعض جلسائْه: يا أمير المؤمنين، رجلٌ قَتَلَ أبطالك، وانتهب أموالك، تطلقه بكلمة واحدة؟ هذا مما يُجَرئُ عليك أهلَ الشر، فقال الرشيد: ردوه، فعلم الرجل أنه قد تكلم فيه، فقال: يا أمير المؤمنين، لا تطعهم، فلو أطاع الله الناس فيك، ما ولاك طرفة عين، قال: صدقت، ثم أمر له بصلة.
وفي كتاب روض الأخبار: أن الرشيد خرج إلى الصيد، فانفرد عن عسكره، والفضل بن الربيع خلفه، فإذا شيخ راكب على حمار، فنظر إليه، فإذا هو رطب العين، فغمز الفضل عليه، فقال له الفضل: أين تريد يا شيخ؟ قال: حائطاً لي، فقال: هل أدلك على شيء تداوي عينيك، فتذهب هذه الرطوبة. فقال الشيخ: ما أحوجني إلى ذلك، فقال له الفضل: خذ عيدان الهواء وغبار الماء وورق الكمأة، فصيره في قشر جوزة، واكتحل به؛ فإنه يذهب رطوبة عينيك. فاتكأ الشيخ على حلس حماره، وضرط ضرطة طويلة، ثم قال: هذه أجرة وصفك، فإن نفعنا الكحل زدناك، فضحك الرشيد حتى كاد أن يسقط من على ظهر فرسه.
قال النضر بن شميل إمام اللغة: حدثني الفراء، عن الكسائي، قال: دعاني الرشيد وليس عنده إلا حاشيته وابناه المأمون والأمين، فقال: يا علي، ما زلت ساهراً مفكراً في معاني أبيات قد خفيت علي. قلت: إن رأى أمير المؤمنين أن ينشدنيها، فأنشد: من الرجز:
قد قُلْتُ قولا للغُرَابِ إذْ حَجَلْ
عَلَيك بالقُودِ المسانيفِ الأُوَلْ
تَغَد ما شِئتَ عَلَى غَيْرِ عَجَل
قلت: نعم يا أمير المؤمنين، إن العير إذا فصلَت من خيبر، وعليها التمر، يقع الغراب على آخر العير، فطرده السائق يقول: يا هذا، تقدم إلى أوائل العير، فكل على غير عجل. والقود: جمع أقود، وهو الطويل العنق، والأنثى قوداء، والمسانيف: المتقدمة.
ثم أنشدني: من الطويل:
لَعمرِي لَئِن عَشرتُ مِن خشيَةِ الردىَ ... نُهَاقَ الحميرِ إِنني لَجَهُولُ
فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، كان الرجل من العرب إذا وصل إلَى خيبر، أكب على أربعة، وعشر تعشير الحمار، وهو أن ينهق عشر نهقات متتابعات يفعل ذلك؛ فيدفع عن نفسه حمى خيبر.
ثم أنشدني قول الآخر: من البسيط:
أجاعل أَنْتَ بَيقُوراً مُضَرمَة ... ذريعَة لَكَ بين اللهِ والمَطَرِ
قلت: نعم يا أمير المؤمنين، كانت العرب إذا أبطأ المطر، شدت العشر والسلع - وهما ضربان من النبت - في أذناب البقر، وألهبوا فيها النار، وشردوا بالبقر؛ تفاؤلا بالبرق والمطر.
ثم أنشدني: من الطويل:
لعمركَ ما لامَ الفَتَى مِثل نَفسِهِ ... إِذا كانَتِ الأحياءُ تَعْرَى ثيابُهَا
وآذَنَ بالتصفِيقِ مَن سَاءَ ظنهُ ... فلم يَدرِ مِن أي اليدَينِ جوابُهَا
فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، كان الرجل منهم إذا ضَل في المفازة، قلب ثيابه، وصاح كأنه يومئ إلى إنسان، ويشتد شدة ويصفق بيديه، فيهتدي الطريق.
ثم أنشدني: من مجزوء الكامل:
قَودَاء تَملِكُ رَحلَهَا ... مِثلَ اليَتِيمِ مِنَ الأَرَانِبْ
فقلت: نعم، يقول: هذه ناقة مثل اليتيم من الآكام، واليتيم الواحد من كل شيء، والأرانب: الآكام.
ثم أنشدني لآخر: من الطويل:
إِلى اللهِ أشكُو هَجْمَة هجريةَ ... تعاورها أَمْر السنِين الغَوَابِرِ
فعادَت روايا تَحمِلُ الطينَ بَعدَ ما ... تَكُونُ قِرَى للمُعْتَفِينَ المَفَاقِرِ
قلت: نعم، هذا رجل في بستانه نخيل أتى عليها الدهر، فجفت، فقطعها وصيرها أجذاعاً، وسقف بها البيوت، فقال: هذه الأجذاع كانت تحمل الرطب فنأكل ونطعم الأضياف، فجفت، فقطعتها وسقفت بها، فهي الآن تحمل الطين والتراب وغير ذلك.
ثم أنشدني: من الطويل:
وَسِرب مِلاَحٍ قد رأيتُ وجوهَهُمْ ... إِنَاث دَوَانِيهِ، ذُكُورْ أواخِرُهْ

(2/199)


قلت: نعم، يعني: الأضراس.
ثم أنشدني قول الآخر: من الطويل:
فَإني إِذن كَالثورِ يُضْرَبُ جَنبُهُ ... إِذَا لَمْ يَعَفْ يَوْماً وَعَافَتْ صَوَاحِبُهْ
قلت: نعم، كانت العرب إذا وردت البقر الماء، فشربت الثيران، وأبت البقر، ضربت الثيران فتشرب البقر، وهو كما قال الشاعر الآخر: من البسيط:
إِني وَقَتْلِي سُلَيْكاً ثُم أَعقِلَهُ ... كَالثوْرِ يُضْرَبُ لَما عَافَتِ البَقَرُ
ثم أنشدني قول الآخر: من الطويل:
وَمُنحَدِرٍ مِنْ رَأْسِ بَرقَاءَ حَطهُ ... مَخَافَةَ بَينٍ أَوْ حَبِيب مُزَايِلِ
قلت: نعم، يعني: الدموع، والبرقاء: العين؛ لأن فيها بياضَاً وسواداً. حطه: أساله.
قال: فوثب الرشيد، فجذبني إلى صدره، وقال: لله در أهل الأدب، ثم دعا بجارية: فقال: احملي إلى منزل الكسائي خمس بدر على أعناق خمسة أعبد يلزمون خدمته.
ثم قال لي: استنشدهما - يعني ابنيه - فأنشدني محمد الأمين فقال: من الطويل:
وَإني لَعَف الفَقْر مُشْتَرَكُ الغِنى ... وَتَارِكُ شَكلٍ لاَ يُوَافِقُهُ شَكْلِي
وَشَكلِيَ شَكل لا يَقُومُ لِمِثلِهِ ... مِنَ الناسِ إِلا كُل ذي ثِقَةٍ مثلِي
ولي نيقةْ في المَجد ِوالبَذلِ لم يَكُن ... تَأَنقَهَا فيما مَضَى أَحَد قَبْلِي
وأجعلُ مالي دُونَ عِرضِيَ جُنة ... لِنَفسِي واستغنى بِمَا كَانَ مِنْ فَضْلِ
وأنشدني عبد اللّه المأمون: من الكامل:
بَكَرَت تلومُكَ مَطلَعَ الفَجْر ... ولقَد تلومُ بَغْير ما تَدْري
ما إن مَلَكت مُصِيبَة نَزَلَت ... إذ لا تحكمُ طائعَاً أمْرِي
مَلِكُ المُلوكِ عَلَى مقتَدر ... يُغطي إذا ما شاء مِنْ يُسْرِ
فَلَرُب مغتبطِ تمد له ... ومفَجعِ بنوائِبِ الدهرِ
ومكاشِح لي قد مَدَدت له ... نَحراً بلا ضرْعٍ ولا غمْرِ
حتى يَقُولَ لنَفسِهِ لَهَفٌ ... في أَي مذهَب غايةٍ أَجْرِي
ويَرَى قَنَاتِي حِينَ يغمِزُهَا ... غَمزَ الثقَافِ بطيئَةَ الكَسْرِ
فقال الرشيد: يا علي، كيف تراهما؟ فقلت: من الطويل:
أَرَى قَمَرَي أُفقٍ وَفَرْعَى بشامَةٍ ... يَزِينُهُما عِرق كريمٌ ومَحْتِدُ
يَسُدانِ آفاقَ السماءِ بشيمةٍ ... يؤيدُهَا حَزم وعَضْبٌ مُهْندُ
سليلَى أمِيرِ المؤمنينَ وَحَائِزَي ... موارِيثِ ما أبْقَى النبِيُ محمَدُ
ثم قلت: يا أمير المؤمنين، فرع زكا أصله، وطاب مغرسه، وتمكَنت عروقه، وعذبت مشاربه. غذاهما ملك أغر، نافذ الأمر، واسع العلم، عظيم الحلم. فأسأل اللّه أن يزيد بهما الإسلام تأييدَاً وعزاً، ويمتع أمير المؤمنين بهما ويمتعهما بدوام سلطانه وقدرته، ما دجا ليل وأضاء نهار. ثم انقضى المجلس وخرجت جذلا مسروراً.
وفي كتاب الأذكياء: ذكر أبو جعفر أحمد بن جعفر البلخي؛ أن الرشيد جمع بين الكسائي وأبي محمد اليزيدي، يتناظران في مجلسه، فسألهما الكرماني عن قول الشاعر: من مجزوء الرمل:
ما رأينا خَرِباً يَن ... قر عنه البَيضَ صَقْرُ
لاَ يَكُونُ العَيرُ مُهراً ... لا يكون؛ المُهْر مُهرُ
فقال الكسائي: يجب أن يكون المهر منصوباً على أنه خبر كان، ففي البيت على هذا إقواء. فقال اليزيدي: الشعر صواب؛ لأن الكلام قد تم عند قوله: لا يكون الثانية، ثم استأنف، فقال: المهر مهر، ثم ضرب بقلنسوته على الأرض، وقال: أنا أبو محمد. فقال له يحيى: أتكتني بحضرة أمير المؤمنين؟ فقال الرشيد: واللّه، إن خَطَأَ الكسائي مع حسن أدبه لأحب إلي من صوابك مع سوء أدبك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إن حلاوة الظفر أذهبت عني التحفظ فأمر بإخراجه.

(2/200)