صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي
المؤلف : العصامي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وقال عباس بن مرداس: من الطويل:
تَقَطعَ بَاقِي وَصلِ أُم مُؤَملٍ ... بِعَاقِبَةٍ وَاستَبدَلَت نِيةً خُلْفَا
وَقَد حَلَفَت بِالله لا تَقطَعُ الْقُوَى ... فَمَا صَدَقَتْ فِيهِ ولا بَرَتِ الْحَلْفَا
خُفَافِيةْ بَطنُ الْعَقِيقِ مَصِيفُهَا ... وَتَحْتَل في الْبَادِينَ وَجْرَةَ فَالْعُرْفَا
فإِن تَتْبَعِ الْكُفارَ أمُ مُؤَملٍ ... فَقَدْ زَوَدَتْ قَلْبِي عَلَى نَأيِهَا شَغْفَا
وَسَوْفَ يُنَبيهَا الخَبِيرُ بأننَا ... أبَينَا وَلَم نَطْلُبْ سِوَى رَبنَا حِلْفَا
وَأنا مَعَ الْهَادِي النبِي مُحَمدٍ ... وَفَينَا وَلَمْ يَسْتَوْفِهَا مَعْشَر ألْفَا
بِفِتيَانِ صِدقٍ من سُلَيمٍ أعِزةٍ ... أطَاعوا فمَا يَعصُونَ مِنْ أمرِهِ حَرفَا
خُفَاف وَذَكْوَانٌ وَعَوْفْ تَخَالُفهم ... مَصَاعِبَ زَافَت في طَرُوقَتِهَا كُلفَا
كَأن النسِيجَ الشهْب وَالبِيضَ مُلْبَسٌ ... أُسُوداً تلاقَتْ في مَرَاصِدِهَا غُضْفَا
بِنَا عَزَّ دِينُ الله غَيرَ تَنَحُلٍ ... وَزِدْنَا عَلَى الْحَيِّ الَذي مَعَهُ ضِعْفَا
بِمَكةَ إِذ جِئنَا كَأن لِوَاءَنَا ... عُقَاب أرَادَت بَعدَ تَحلِيقِهَا خَطْفَا
عَلَى شُخصِ الأبصَارِ تَحسِبُ بَينَهَا ... إِذَا هي جَالَت في مَرَاوِدِهَا عَزْفَا
غَدَاةَ وَطِئنَا الْمُشرِكِينَ وَلَم نَجِد ... لأمْرِ رَسولِ اللِه عَدلاً ولا صِرْفَا
بِمُعْتَرَكٍ لا يَسْمَعُ الْقومُ وَسطَهُ ... لَنَا زحمَةً إلا التذَامُرَ والنقْفَا
بِبِيضِ نُطِيرُ الهَامَ عَن مُسْتَقَرهَا ... وَنَقْطِفُ أعْنَاقَ الْكُمَاةِ بِهَا قَطْفَا
وَكَائِنْ تَرَكنَا من قَتِيلٍ ملحبٍ ... وَأرْمَلَةٍ تَدْعُو عَلَى بَعلِهَا: لَهْفَا
رِضَا الله نَنْوي لا رِضَا الناسِ نَبْتَغِي ... وَللِّه مَا يَبدُو جَمِيعاً وَمَا يَخْفَى
وقال مالك بن عوف يعتذر من فراره يومئذ: من الكامل:
مَنَعَ الرقَادَ فَمَا أُغَمِّضُ سَاعَةً ... نَعَم بِأجْزَاعِ الطَرِيقِ مُخَضْرَمُ
سَائِل هَوَازِنَ هَل أضُزَ عَدُوَهَا ... وَأُعِينُ غَارِمَهَا إذَا ما يَغْرَمُ؟
وَكَتِيبَةٍ لَبسْتُهَا بِكَتِيبَةٍ ... فِئَتَيْنِ مِنْهَا حَاسِر وَمُلأمُّ
وَمُقَدمٍ تَعْيَا النفُوسُ لِضِيقِهِ ... قَدمْتُهُ وَشُهُودُ قَوْمِي أعْلَمُ
فَوَرَدتُه وَتَرَكتُ إِخوَاناً لَهُ ... يَرِدُونَ غَمْرَتَهُ وغَمْرَتُهُ الدَمُ
فَإِذَا انجَلَتْ غَمَرَاتُهُ أورَثنَنِي ... مَجدَ الْحَيَاةِ وَمَجْدَ غُنْمٍ يُقْسَمُ
كَلفتُمُونِي ذَنْبَ آلِ مُحَمًدٍ ... والله أعلَمُ مَنْ أعَق وَأظْلَمُ
وَخَذَلْتُمُونِي إِذْ أُقَاتِلُ وَاحِداً ... وَخَذَلْتُمُونِي إِذْ تُقَاتِلُ خَثْعَمُ
وَإِذَا بَنَيتُ المَجْدَ يَهدِمُ بَعْضُكُم ... لا يَسْتَوِي بَانِ وَآخَرُ يَهْدِمُ
وَأقَب مِخْمَاصِ الشتَاءِ مُسَارع ... في الْمَجْدِ يُنمَي لِلْعُلا مُتَكَرم
أكرَهتُ فِيهِ ألَّةً يَزَنِية ... سَحمَاءَ يَقدُمُهَا سِنَان سَلْجَمُ
وَتَرَكْتُ حَنتَهُ تَرُدُ وَليهُ ... وَتَقُولُ: لَيْسَ عَلَى فُلآنَهَ مُقْدَمُ
وَنَصَبْتُ نَفسِي لِلرمَاح مُدَججاً ... مِثْلَ الدريئَةِ تُسْتَحَل وَتُشْرَمُ
وفيها: غزوة الطائف، خرج صلى الله عليه وسلم في شوال فحاصرهم ثمانية عشر يوماً أو ثلاثين، بل في مسلم عن أنس: حاصرهم أربعين ليلة، ونصب عليهم المنجنيق، واستشهد من المسلمين اثنا عشر، وقاتل بنفسه، ولم يؤذن له في فتحه، فرجع إلى المدينة بعد غيبة شهرين وستة عشر يوماً، فقدم عليه بَعْدُ وفْدُهُمْ، فأسلموا.

(1/352)


ولما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم السير إلى الطائف حين فرغ من حنين، قال كعب بن مالك: من الوافر:
قَضَينَا من تِهَامَةَ كُل رَيبٍ ... وَخَيْبَرَ ثُم أجْمَمْنَا السيُوفَا
نخَبًرُهَا وَلَو نَطَقَت لَقَالَتْ ... قَوَاطِعُهُن دَوساً أوْ ثَقِيفَا
فَلَستُ لِحَاضِنٍ إن لَم تَرَوْهَا ... بِسَاحَةِ دارِكُمْ مِنا أُلوفا
وَنَتتَزعُ الْعُرُوشَ بِبَطْنِ وَج ... وَتُصبِحُ دُورُكُم مِنْكُمْ خُلُوفَا
وَيَأتيكُم لَنَا سَزعَانُ خَيل ... يُغَادِرُ خَلفَهُ جَمْعاً كَثِيفَا
إِذَا نَزَلوا بسَاحَتِكُم سَمِعتُم ... لَهَا مِما أناخَ بهَا رَجيفَا
بِأيْدِيهِمْ قَوَاضِبُ مُرْهَفَات ... يُزِرْنَ الْمُسْطَلِينَ بِهَا الْحُتُوفَا
كَأمْثَالِ العقَائِقِ أخْلَصَتْهَا ... قُيُونُ الْهِنْدِ لَمْ تُضْرَبْ كَتِيفَا
تَخَالُ جَدِيةَ الأبطَالِ فِيهَا ... غَدَاةَ الزحْفِ جَادِيَّاً مَدُوفَا
أجَدهُم ألَيْسَ لهُمْ نَصِيح ... مِنَ الأقْوَامِ كَانَ بِنَا عَرِيفَا
يُخَبرُهُمْ بِأنا قَدْ جَمَعْنَا ... عِتَاقَ الْخَيْلِ وَالنجُبَ الطُرُوفَا
وأنا قَدْ آتَيْنَاهُمْ بِزَحْفٍ ... يُحِيطُ بِسُورِ حِصْنِهِمُ صُفُوفَا
رئيسُهُمُ النَبِيُّ وَكَانَ صُلْباً ... نَقِيَّ الْقَلْبِ مُصطَبِراً عَزُوفَا
رَشيدَ الأمرِ ذَا حُكْم وَعِلْمٍ ... وَحِلْمٍ لَمْ يَكُنْ نَزِقاً خَفِيفَا
نُطيعُ نَبِينَا وَنُطِيًعُ رَباً ... هُوَ الرَحْمنُ كَانَ بِنَا رَءُوفَا
فإِنْ تُلْقُوا إِلَيْنَا السلْمَ نَقْبَلْ ... وَنَجْعَلْكُمْ لَنَا عَضُداً وَرِيفَا
وإنْ تَابَوا نُجَاهدْكُمْ وَنَصْبِرْ ... ولا يَكُ أمْرُنَا رَعِشاً ضَعِيفَا
نُجَالِدُ مَا بَقِينَا أوْ تُنِيبُوا ... إلَى الإسْلامِ إذعَاناً مُضِيفَا
نُجَاهِدُ ما نُبَالِي مَنْ لَقِينَا ... أأهلَكْنَا التلادَ أمِ الطَّرِيفَا
وَكَم مِنْ مَعشَرِ ألَبُوا عَلَينَا ... صَمِيمَ الجِذمِ منهم وَالْحلِيفَا
أتَونَا لا يَرَوْنَ لَهُمْ كِفَاءً ... فَجَدَعْنَا الْمَسَامِعَ وَالأنوفَا
بكُل مُهَندٍ لَين صَقِيلٍ ... نَسُوقُهُمُ بِهَا سَوْقاً عَنِيفَا
لأمْر اللٌه وَالإسْلامِ حَتَى ... يَقُومَ الدينُ مُعْتَدِلاً حَنِيفَا
وتنسى اللاتُ وَالعُزى وَوَد ... وَنَسْلُبهَا الْقَلائد وَالشُّنُوفَا
فَأمْسَوْا قَدْ أقرُوا وَاطْمَأنوا ... وَمَنْ لا يَمْتَنِعْ يَقْبَلْ خُسُوفَا
قال في المواهب بعد ذكر أن الطائف على ثلاث مراحل أو اثنتين من مكة من جهة المشرق كثير الأعناب والفواكه، قيل: إن أصلها أن جبريل اقتلع الجنة التي كانت لأصحاب الصريم، فسار بها إلى مكة، فطاف بها حول البيت، ثم أنزلها هناك فسمى الموضع بها، وكانت أولاً بنواحي صنعاء. واسم الأرض وج بتشديد الجيم.
وسار إليها النبي صلى الله عليه وسلم في شوال سنة ثمان، حين خرج من حنين، وحبس الغنائم بالجعرانة، وقدَم خالد بن الوليد على مقدمته، وكانت ثقيف لما انهزموا من أوطاس؛ دخلوا حصنهم بالطائف، وأغلقوه عليهم؛ بعد أن أدخلوا فيه ما يصلحهم لسنة وتهيئوا للقتال.
ولما سار صلى الله عليه وسلم مرَ في طريقه بقبر أبي رغال، وهو أبو ثقيف فيما يقال، فاستخرج منه غصناً من ذهب، ونزل قريباً من الحصن وعسْكَرَ هناك، فرموا المسلمين بالنبل رمياً شديداً كأنه رَجل جراد؛ حتى أصيب ناس من المسلمين بجراحة، وقتل منهم اثنا عشر رجلاً، فيهم عبد الله بن أبي أمية، ورمى عبد الله بن أبي بكر الصديق يومئذ بجرح، فاندمل، ثم نقض عليه بعد ذلك؛ فمات منه في خلافة أبيه.

(1/353)


وارتفع صلى الله عليه وسلم إلى موضع مسجد الطائف اليوم، وكان معه من نسائه أم سلمة، وزينب، فضرب لهما قبتين، وكان يصلي بين القبتين حصار الطائف كله، فحاصرهم ثمانية عشر يوماً، ويقال خمسة عشر يوماً، ونصب عليهم المنجنيق، وهو أول منجنيق رمي به في الإسلام، وكان قدم به الطفيل الدوسي معه لما رجع من سرية ذي الكفين، ووضع المسلمون الرايات بأصل الحصن، فأرسلت عليهم ثقيف سكك الحديد المحماة وهي أخشاب متسعة الأجواف، تدفع في جدار الحصون، فيدخلها الرجال؛ لنقب جدارها - فرمتهم ثقيف بالنبل؛ فقتل منهم رجال، فأمر صلى الله عليه وسلم بقطع أعناقهم وتحريقها، فقطعها المسلمون قطعاً ذريعاً، ثم سألوه أن يدعها لله وللرحم، فقال - عليه الصلاة والسلام - : إني أدعها؛ لله وللرحم، ثم نادى مناديه - عليه الصلاة والسلام - : أيما عبد نزل من الحصن، وخرج إلينا، فهو حر، قال الدمياطي: فخرج منهم بضعة عشر رجلاً، منهم أبو بكرة، وعند مغلطاي: ثلاثة وعشرون عبداً.
وفي البخاري عن عثمان النهدي قال: سمعت سعداً، وأبا بكرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال عاصم: " لقد شهد عندي رجلان: أما أحدهما: فأول من رمى بسهم في سبيل الله، وأما الآخر: فنزل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثالث ثلاثة وعشرين من الطائف... " الحديث.
وأعتق صلى الله عليه وسلم من نزل منهم، ودفع كل رجل منهم إلى رجل من المسلمين يمونه؛ فشق ذلك على أهل الطائف مشقة شديدة ولم يؤذن له صلى الله عليه وسلم في فتح الطائف، وأمر عمر بن الخطاب؛ فأذن في الناس بالرحيل؛ فضج الناس من ذلك وقالوا: نرحل ولم تفتح علينا الطائف؟! فقال صلى الله عليه وسلم: فاغدوا على القتال؛ فغدوا فأصاب المسلمين جراحات، فقال صلى الله عليه وسلم: إنا قافلون غداً - إن شاء الله - فسروا بذلك، وأذعنوا، وجعلوا يرحلون، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك.
قال النووي؛ قصد صلى الله عليه وسلم الشفقة عليهم، والرفق بالرحيل عن الطائف؛ لصعوبة أمره، وشدة الكفار الذين فيه، وتقويهم بحصنهم، مع أنه صلى الله عليه وسلم علم أو رجا أنه سيفتحه بعد هذا بلا مشقة، فلما حرص الصحابة على المقام، والجهاد أقام وجدّ في القتال، فلما أصابتهم الجراح رجع إلى ما كان قصده أولاً من الرفق، وفرحوا بذلك لما رأوا من المشقة الظاهرة، ووافقوا على الرحيل، فضحك صلى الله عليه وسلم؛ تعجباً من تغير رأيهم، وفقئت عين أبي سفيان صخر بن حرب يومئذ، فذكر ابن سعد: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له - وهي في يده - : أيهما أحب إليك: عين في الجنة، أو أدعو الله أن يردها عليك. فقال: بل عين في الجنة، فرمى بها، وشهد اليرموك فقاتل، وفقئت عينه الأخرى يومئذ. ذكره الحافظ زين الدين العراقي في شرح التقريب.
وقال صلى الله عليه وسلم للصحابة: قولوا لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، فلما ارتحلوا قال: قولوا آيبون، تائبون، عابدون، لربنا حامدون، صدق الله وعده ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده.
فانظر كيف كان صلى الله عليه وسلم إذا خرج للجهاد يعتد لذلك بجمع الصحابة، واتخاذ الخيل، والسلاح، وما يحتاج إليه من آلات الجهاد، والسفر، ثم إذا رجع - عليه الصلاة والسلام - يتعرى من ذلك، ويرد الأمر كله لمولاه - عز وجل - لا لغيره؛ لقوله: آيبون، تائبون، عابدون، لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده.

(1/354)


وانظر إلى قوله - عليه الصلاة والسلام - : " وهزم الأحزاب وحده " فنفى صلى الله عليه وسلم ما تقدم ذكره، وهذا هو معنى الحقيقة؛ لأن الإنسان وفعله خلق لربه - عز وجل - فهو لله - سبحانه وتعالى - الذي خلق، ودبر، وأعان، وأجرى الأمور على يد من شاء، ومن اختار من خلقه، فكل منه وإليه، ولو شاء الله أن يبيد أهل الكفر من غير قتال - لفعل، قال تعالى: " ذَلِك وَلَو يشاءُ اللهُ لانتصَرَ مِنهُم وَلَكِن ليبلُوَا بَعضَكم بِبَعض " محمد: 4، ليثبت الصابرين ويجزي الثواب للشاكرين، قال تعالى: " وَلَنَبلُوَنكُم حَتى نَعلَمَ المجاَهِدِينَ مِنكم وَالصابرِينَ وَنَبلُوا أخباركم " محمد: 31، فعلى المكلف الامتثال في الحالتين، أي امتثال تعاطى الأسباب؛ تأدباً مع الربوبية، كما فعل ذلك صلى الله عليه وسلم أولاً؛ تأدباً مع الربوبية، وتشريعاً لأمته، ثم يظهر الله ما يشاء من قدرته الغامضة التي ادخرها له - عليه الصلاة والسلام - قاله ابن الحاج في المدخل. ولما قيل له: يا رسول الله، ادع على ثقيف، قال: " اللهم اهد ثقيفاً وائت بهم " .
وكان - عليه الصلاة والسلام - قد أمر أن يجمع السبي، والغنائم مما أفاء الله على رسوله يوم حنين، فجمع ذلك كله إلى الجعرَانة، فكان بها إلى أن انصرف - عليه الصلاة والسلام - من الطائف، وكان السبي ستة آلاف رأس، والإبل أربعة وعشرين ألف بعير، والغنم أكثر من أربعين ألف شاة، وأربعة آلاف أوقية فضة، واستأنى صلى الله عليه وسلم ب " هوازن " أي انتظر - وتربص أن يقدموا عليه مسلمين بضع عشرة، ثم بدأ يقسم الأموال.
وفي البخاري: وطفق صلى الله عليه وسلم يعطي رجالاً المائة من الإبل، منهم: أبو سفيان، وعيينة بن حصن الفزاري، والأقرع بن حابي التميمي، وأعطى العباس بن مرداس السلمي ستين، فسخطها، ثم أتى إليه - عليه الصلاة والسلام - فأنشد: من المتقارب:
أتجْعَلُ نَهْبِى ونَهبَ العَبِي ... دِ بين عُيَيْنَةَ والأقْرعَ
فَمَا كَانَ حِصْنْ ولا حَابس ... يَفُوقَانِ مِرْدَاسَ في مَجْمَع
ومَا كُنْتُ دُون امرِئٍ مِنهُمَا ... ومَن تَضَعِ اليَومَ لا يُرْفَعِ
فقال - عليه الصلاة والسلام - : لعلي " اقطع لسانه عني " ؛ فأكمل له مائة؛ فقال ناس من الأنصار: يغفر الله لرسول الله، يعطى قريشاً، ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم، قال أنس: فحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقالتهم، فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة من أدم، ثم قال لهم: أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال، والشاء، والبعير، وتذهبون بالنبي إلى رحالكم؟ فوالله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به، قالوا: يا رسول الله قد رضينا.
وعن جبير بن مطعم قال: بينما أنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ومعه الناس مقفلون من حنين، علقت برسول الله صلى الله عليه وسلم الأعراب حتى اضطرته إلى سمرة، فخطفت رداءه، فوقف صلى الله عليه وسلم فقال: أعطوني ردائي، فلو كان لي عدد العضاه نعماً لقسمته بينكم، ثم لا تجدوني: بخيلاً، ولا كذوباً، ولا جباناً. رواه ابن جرير في تهذيبه.
وذكر محمد بن سعد - كاتب الواقدي - عن ابن عباس أنه لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطائف نزل الجعرانة، فقسم الغنائم، ثم اعتمر منها وذلك لليلتين بقيتا من شوال، قال ابن سيد الناس: وهذا ضعيف.
والمعروف عند أهل السير أن النبي صلى الله عليه وسلم انتهى إلى الجعرانة ليلة الخميس لخمس ليال خلون من ذي القعدة، فأقام بها ثلاث عشرة ليلة، فلما أراد الانصراف إلى المدينة خرج ليلة الأربعاء، لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة ليلاً، فأحرم بعمرة، ودخل مكة وفي تاريخ الأزرقي عن مجاهد أنه - عليه الصلاة والسلام - أحرم من وراء الوادي حيث الحجارة المنصوبة. وعند الواقدي من المسجد الأقصى، الذي تحت الوادي بالعدوة القصوى من الجعرانة، فكانت صلاته - عليه الصلاة والسلام - إذا كان بالجعرانة به، والجعرَانة موضعَ بينه وبين مكة بريد - يعني اثني عشر ميلاً - كما قاله الفاكهي، وقال الباجي: ثمانية عشر ميلاً، وسمي بامرأة تلقب بالجعرانة، كما ذكره السهيلي، أخذها السيل، فوصل بها إلى هذا المحل، فوجدت ثمة، فسمى المحل بها.
قالوا: وقدم صلى الله عليه وسلم المدينة، وقد غاب عنها شهرين وستة عشر يوماً.

(1/355)


قال ابن هشام: ولما أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطى في قريش، وقبائل العرب، ولم يعط الأنصار شيئاً، قال حسان بن ثابت، يعاتبه في ذلك: من البسيط:
زار الهُمُوم فماءُ العَين مُنحَدرُ ... سَحا إنا حَفلَتهُ عَبْرةْ دررُ
وجداً بِشَيماءَ إذْ شَيماءُ بَهكَنَة ... هَيفَاءُ لا دَنَسٌ فِيهَا ولا خَوَرُ
دَع عَنكَ شيماء إِذ كَانَت مَوَدتُهَا ... نَزراً وَشَرُ وِصَالِ الوَاصِلِ النزرُ
وائتِ الرسُولَ فَقَل يَا خَيرَ مؤْتَمن ... للمُؤمنينَ إِذَا مَا عُدِّدَ البَشَرُ
عَلامَ تُدعَى سُلَيم وفي نَازِحَة ... قُدامَ قَومِ هَمُ آووا وَهُم نَصَرُوا؟!
سماهُمُ الله أنصَاراً بِنَصرِهِمُ ... ديِنَ الهُدَى وعَوَانُ الحَربِ تَستَعِرُ
وسَارَعُوا في سَبيلِ الله واغتَرفُوا ... للنائباتِ ومَا خَامُوا ومَا ضَجرُوا
والناسُ إلب علينَا فيكَ لَيسَ لَنَا ... إلا السيوف وأطرَافُ القَنَا وزرُ
نجالد الناسَ لا نُبقِي عَلَئ أحَدِ ... ولا نُضَيعُ مَا توحِي بِهِ السوَرُ
وَلاً تهرُ جُنَاةُ الحربِ نادينَا ... ونحنُ حينَ تلظى نَارُهَا سعر
كَمَا رَدَدنَا ببدرِ دَونَ مَا طَلَبُوا ... أهلَ النفَاقِ وَفينَا يَنزِلُ الظفَرُ
ونَحنُ جُندُكَ يوم النعفِ من أُحُدٍ ... إِذ حَزبَت بَطَراً أحزَابَهَا مُضَرُ
فَمَا وَنَينَا ومَا خمنَا وما خبرُوا ... منا عثَارا وكل الناسِ قَد عَثَرُوا
حوادث السنة التاسعة
فيها غزوة تبوك - وهي العسرة والفاضحة - في رجب، لما بلغه أن الروم تجمعت في الشام مع هرقل، وقد اشتملت على أمور للمنافقين فضحوا بها؛ وفيها تاب الله على الثلاثة الذين خُلفوا: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، وأقام صلى الله عليه وسلم بضع عشرة ليلة وانصرف ولم يلق كيداً.
قال في المواهب: وكانت يوم الخميس، في رجب، سنة تسع من الهجرة بلا خلاف، وذكرُ البخاري لها بعد حجة الوداع لعله خطأ من النساخ. وكان يومئذ حر شديد وجدب؛ فلذلك لم يُوَر عنها كعادته في سائر الغزوات. وفي تفسير عبد الرزاق عن معمر قال: خرجوا في قلة من الظهر، وفي حر شديد حتى كانوا ينحرون البعير، فيشربون ما في كرشه من الماء، فكان ذلك عسرة في الماء، وفي الظهر، والنفقة فسميت غزوة العسرة.
وسببها أنه بلغه صلى الله عليه وسلم من الأنباط الذين يقدمون بالزيت من الشام إلى المدينة - أن الروم تجمعت بالشام مع هرقل، فندب صلى الله عليه وسلم الناس إلى الخروج، وأعلمهم بالمكان الذي يريد ليتأهبوا لذلك، وروى الطبراني من حديث عمران بن الحصين قال: كانت نصارى العرب كتبت إلى هرقل: إن هذا الرجل الذي خرج يدعي النبوة قد أصابتهم سنون، فهلكت أموالهم فبعث رجلاً من عظمائهم، وجهز معه أربعين ألفاً، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن للناس قوة، وكان عثمان قد عير إلى الشام فقال: يا رسول الله، هذه مائتا بعير بأقتابها، وأحلاسها، ومائتا أوقية، قال فسمعته يقول: لا يضر عثمان ما عمل بعدها. وروى عن قتادة أنه قال: حمل عثمان في جيش العسرة على ألف بعير، وسبعين فرساً. وعن عبد الرحمن بن سمرة قال: جاء عثمان بن عفان بألف دينار في كمه حين جهز جيش العسرة فنثرها في حجره صلى الله عليه وسلم، فرأيته صلى الله عليه وسلم يقبلها فى حجره، ويقول: ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم. أخرجه الترمذي وقال: حسن غريب. وعند الفضائلي، والملا في سيرته كما ذكره الطبري في الرياض النضرة من حديث حذيفة: بعث عثمان - يعنى في جيش العسرة - بعشرة آلاف دينار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان صلى الله عليه وسلم، يقول بيده ويقلبها ظهراً ببطن ويقول: " غفر الله لك يا عثمان، ما أسررت، وما أعلنت، وما هو كائن إلى يوم القيامة، ما يبالي ما عمل بعدها " .

(1/356)


ولما تأهب صلى الله عليه وسلم للخروج، قال قوم من المنافقين؛ لا تنفروا في الحر، فنزل قوله - تعالى - " لا تنَفِرُوا في الحر قُل نَارُ جَهم أشَدُّ حَراً لَو كانوُا يَفقَهُونَ " التوبة: 81 وأرسل - عليه الصلاة والسلام - إلى مكة، وقبائل العرب، يستنفرهم، وجاء البكاءون يستحملونه، فقال - عليه الصلاة والسلام - : لا أجد ما أحملكم عليه، وهم: سالم بن عمير، وعلبة بن زيد، وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب المازني، والعرباض بن سارية، وهرم بن عبد الله، وعمرو بن عتمة، وعبد الله ابن مغفل، وعبد الله ابن عمرو المزني، وعمرو بن الحمام، ومغفل المزني، وحضرمي بن مازن، والنعمان، وسويد، ومعقل وعقيل، وسنان، وعبد الرحمن، وهند، بنو مقرن، وهم الذين قال الله تعالى فيهم: " تَوَلوَا وأعيُنُهُم تَفِيضُ مِنَ آلدَّمعِ حَزَناً ألا يجدو مَا ينُفِقُونَ " التوبة: 92، قاله مغلطاي.
وفي البخاري عن أبي موسى قال: " أرسلني أصحابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله الحملان لهم، فقلت: يا نبي الله إن أصحابي أرسلوني إليك؛ لتحملهم، فقال: والله لا أحملكم على شيء، فرجعت حزيناً من منع النبي صلى الله عليه وسلم ومن مخافة أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم وجد في نفسه علي، فرجعت إلى أصحابي فأخبرتهم الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم، فلم ألبث إلا سويعة إذ سمعت بلالاً ينادي: أين عبد الله بن قيس؟ فأجبته، فقال: أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوك، فلما أتيته قال: خذ هاتين القرينتين، وهاتين القرينتين - لستة أبعرة ابتاعها حيتئذ من سعد - فانطلق بهما إلى أصحابك، فقل: إن الله وإن رسول الله يحملكم على هؤلاء فاركبوهن... " الحديث. وقام علبة بن زيد، فصلى من الليل، وبكى وقال: اللهم إنك أمرت بالجهاد، ورغبتَ فيه، ثم لم تجعل عندي ما أتقوى به مع رسولك، ولم تجعل في يد رسولك صلى الله عليه وسلم ما يحملني عليه، وإني أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني في مال أو جسد أو عرض، ثم أصبح مع الناس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أين المتصدق فليقم، فأقوم إليه فأخبره، فقال صلى الله عليه وسلم: " أبشر، فوالذي نفس محمد بيده لقد كتبت في الزكاة المتقبلة " . رواه يونس كما ذكره السهيلي في الروض والبيهقي في الدلائل.
وجاء المعذرون من الأعراب، ليؤذن لهم في التخلف، فأذن لهم، وهم اثنان وثمانون رجلاً، وقعد الذين كذبوا الله ورسوله، واستخلف على المدينة محمد بن مسلمة. قال الدمياطي: وهو عندنا أثبت ممن قال غيره انتهى.
وقال الحافظ زين الدين العراقي - في ترجمة علي بن أبي طالب من شرح التقريب - : لم يتخلف عن المشاهد إلا في تبوك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم خلفه على المدينة، وعلى عياله، وقال له يومئذ: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، وهو في الصحيحين من حديث سعد بن أبي وقاص، ورجحه ابن عبد البر، وقيل: استخلف سباع بن عرفطة.
وتخلف نفر من المسلمين من غير شك ولا ارتياب، منهم كعب بن مالك، ومرارة ابن الربيع، وهلال بن أمية، وفيهم نزل " وَعلى الثلاثةِ الذين خلفُوا " التوبة: 118، وأبو ذر، وأبو خيثمة، ثم لحقاه بعد ذلك، ولما رأى - عليه الصلاة والسلام - أبا ذر الغفاري وكان - عليه الصلاة والسلام - نزل في بعض الطريق، قال: " يمشي وحده، ويعيش وحده، ويموت وحده " ، فكان كذلك، وأمر صلى الله عليه وسلم لكل بطن من الأنصار والقبائل من العرب أن يتخذوا لواء وراية، وكان معه - عليه الصلاة والسلام - ثلاثون ألفاً، وعند أبي زرعة سبعون ألفاً، وفي رواية عنه - أيضاً - أربعون ألفاً، وكانت الخيل عشرة آلاف فرس.
ولما مر - عليه الصلاة والسلام - بالحجر - بكسر الحاء وسكون الجيم - بديار ثمود قال: لا تشربوا من مائها شيئاً، ولا يخرجن أحد منكم إلا ومعه صاحب له، ففعل الناس، إلا أن رجلين من بني ساعدة خرج أحدهما لحاجة، وخرج الآخر لطلب بعيره، فأما الذي خرج لحاجته، فخنق على مذهبه، وأما الذي خرج لطلب بعيره، فاحتملته الريح حتى طرحته بجبل طيئ، فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ألم أنهكم؟! ثم دعا للذي خنق على مذهبه، فشفي، وأما الآخر فأهدته طيىء لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة.

(1/357)


وفي صحيح مسلم من حديث أبي حميد: انطلقت حتى قدمنا تبوك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تهب الليلة عليكم ريح شديدة، فلا يقم أحد منكم، فمن كان له بعير فليشد رحله، فهبت ريح شديدة، فقام رجل، فحملته الريح حتى ألقته بجبل طيىء. وروى الزهري: لما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر سَجى ثوبه على وجهه، واستحث راحلته، ثم قال: " لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا أنفسهم إلا وأنتم باكون، خوفاً أن يصيبكم ما أصابهم " . رواه الشيخان.
ولما كان صلى الله عليه وسلم ببعض الطريق ضلت ناقته، فقال زيد بن لصيب، وكان منافقاً: أليس محمد يزعم أنه نبي، ويخبركم عن خبر السماء، وهو لا يدري أين ناقته؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن رجلاً يقول مقالة، وإني والله لا أعلم إلا ما علمني الله، وقد دلني الله عليها وهي في هذا الوادي في شعب كذا وكذا، وقد حبستها شجرة بزمامها، فانطلقوا حتى تأتوني بها، فانطلقوا فجاءوا بها. رواه البيهقي وأبو نعيم.
وفي صحيح مسلم من حديث معاذ بن جبل " أنهم وردوا عين تبوك، وهي تبض بشيء من ماء، وأنهم غرفوا منها قليلاً قليلاً حتى اجتمع في شيء، ثم غسل صلى الله عليه وسلم وجهه، ويديه، ثم أعاده فيها، فجرت بماء كثير فاستقى الناس... " الحديث.
ولما انتهى صلى الله عليه وسلم إلى تبوك أتاه صاحب أيلة، فصالحه، وأعطاه الجزية، وأتاه أهل جربا بالجيم وأذرح بالذال المعجمة، والراء والحاء المهملة - بلدين بالشام بينهما ثلاثة أيام - فأعطوه الجزية وكتب لهم صلى الله عليه وسلم كتاباً، ووجد هرقل بحمص فأرسل خالد بن الوليد إلى أكيدر بن عبد الملك النصراني وكان ملكاً عظيماً ب " دومة الجندل " في أربعمائة وعشرين فارساً في رجب سرية، وقال له - عليه الصلاة والسلام - : إنك ستجده ليلاً يصيد البقر، فانتهى إليه خالد، وقد خرج من حصنه في ليلة مقمرة إلى بقر يطاردها هو وأخوه حسان، فشدت عليه خيل خالد فاستأسر أكيدر، وقتل أخوه حسان، وهرب من كان معهما فدخل الحصن، ثم أجار خالد أكيدر من القتل؛ حتى يأتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يفتح له دومة الجندل، ففعل، وصالحه على ألفي بعير، وثمانمائة فرس، وأربعمائة درع، وأربعمائة رمح.
وفي هذه كتب صلى الله عليه وسلم كتاباً في تبوك إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام، فقارب الإجابة ولم يجب، رواه ابن حبان في صحيحه من حديث أنس. وفي مسند أحمد: أن هرقل كتب من تبوك إلى النبي صلى الله عليه وسلم إني مسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كذب، هو على نصرانيته. وفي كتاب الأموال لأبي عبيدة بسند صحيح من مرسل بكر بن عبد الله نحوه ولفظه: فقال كذب عدو الله، ليس بمسلم.
ثم انصرف صلى الله عليه وسلم من تبوك بعد أن أقام بضع عشرة ليلة، وقال الدمياطي - ومن قبله ابن سعد - عشرين ليلة، يصلي بها ركعتين، ولم يلق بها كيداً، وبنى في طريقه مساجد. وأقبل - عليه الصلاة والسلام - حتى إذا نزل ب " ذى أوان " بفتح الهمزة بلفظ الأوان للحين، وبينها وبين المدينة ساعة جاءه خبر مسجد الضرار من السماء، فدعا مالك بن الدخشم، ومعن بن عدي العجلاني، فقال: انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله، فاهدماه، وحرقاه، فخرجا فحرقاه وهدماه، وذلك بعد أن أنزل الله فيه " وَالذينَ اتخذوا مَسجداً ضِرَاراً وَكُفراً " التوبة: 107، الآية.
قال الواحدي قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وعامة أهل التفسير: إن الذين اتخذوا مسجد الضرار قالوا: نقيل فيه فلا نحضر خلف محمد، قال المفسرون: ولما بنوا ذلك؛ لأغراضهم الفاسدة عند ذهاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك: قالوا: يا رسول الله بنينا مسجداً، لذي العلة، والليلة المطيرة، ونحن نحب أن تصلي فيه، وتدعو لنا بالبركة فقال - عليه الصلاة والسلام - إني على جناح سفر، وإذا قدمنا إن شاء الله تعالى صلينا فيه - فلما قفل من غزوة تبوك، سألوه إتيان المسجد فنزلت هذه الآية.
ولما دنا صلى الله عليه وسلم خرج الناس لتلقيه، وخرج النساء، والصبيان، والولائد يقلن: من مجزوء الرمل:
طَلَعَ البَدرُ علينَا ... منْ ثَنِياتِ الوَدَاع
وَجَبَ الشكرُ عَلَينَا ... مَا دَعَا للهِ دَاع

(1/358)


وقد وهم بعض الرواة - كما قدمته - إذ قال: إنما كان هذا عند مقدمه المدينة، وهو وهم ظاهر؛ لأن ثنيات الوداع إنما هي من ناحية الشام، لا يراها القادم من مكة إلى المدينة ولا يراها إلا إذا توجه إلى الشام.
وفي البخاري لما رجع صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك، فدنا من المدينهَ قال: إن بالمدينة أقواماً ما سرتم مسيراً، ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم، حبسهم العذر، وهو يؤيد معنى ما روى " نية المرء خير من عمله " فإن نية هؤلاء أبلغ من عملهم، فإنها بلغت بهم مبلغ أولئك العاملين بأبدانهم، وهم على فرشهم في بيوتهم، والمسابقة إلى الله - تعالى - إلى الدرجات العلا بالنيات، والهمم، لا بمجرد الأعمال.
ولما أشرف صلى الله عليه وسلم على المدينة، قال: هذه طابة، وهذا أحد، جبل يحبنا، ونحبه. ولما دخل قال العباس: يا رسول الله، ائذن لي أمتدحك، قال: " قل لا يفضض الله فاك " . وقد تقدم ذكرها، وتبيين غريب ألفاظها، ومعانيها.
وجاءه صلى الله عليه وسلم من كان تخلف عنه، فعذرهم، واستغفر لهم، وأرجأ أمر كعب، وصاحبيه حتى نزلت توبتهم في قوله تعالى: " لَقَد ئاب اللهُ عَلىَ النبيِ والمهاجرينَ وَالأنصارِ " إلى " إنَ اللهَ هُو التوَاب الرَحَيم " التوبة: 117، 118، والثلاثة هم: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن ربيعة.
وعند البيهقي في الدلائل من مرسل سعيد بن المسيب، " أن أبا لبابة لما أشار لبني قريظة بيده إلى حلقه، أنه الذبح فأخبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال له صلى الله عليه وسلم: أحسبت أن الله غفل عن يدك حيث تشير إليهم بها إلى حلقك. فلبث حيناً، ورسول الله عاتب عليه، ثم غزا تبوكاً، فتخلف عنه أبو لبابة فيمن تخلف، فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم منها جاء أبو لبابة يسلم عليه، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففزع أبو لبابة فارتبط بسارية التوبة سبعاً، وقال: لا يزال هذا مكاني حتى أفارق الدنيا، أو يتوب الله علي... " الحديث. وعنده - أيضاً - من حديث ابن عباس من قوله تعالى: " وآخَرُونَ اعتَرَفوُا بِذُنوبِهِم خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَآخَرَ سيئاً " التوبة: 102، قال: " كانوا عشرة تخلفوا عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فلما رجع صلى الله عليه وسلم، أوثق سبعة منهم أنفسهم بسواري المسجد، وكان ممر النبي صلى الله عليه وسلم إذا رجع في المسجد عليهم، فقال: من هؤلاء؟ قالوا أبو لبابة، وأصحاب له تخلفوا عنك يا رسول الله حتى تطلقهم، وتعذرهم، قال: أقسم بالله لا أطلقهم، ولا أعذرهم حتى يكون الله الذي يطلقهم، رغبوا عني، وتخلفوا عن الغزو، فأنزل الله تعالى: " وَآخَرون اعتَرَفوُاْ بِذُنوُبِهِم " التوبة: 102، فلما نزلت أرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم فأطلقوا، وعذروا... " الحديث.
قالوا: ولما قدم عليه الصلاة والسلام من تبوك وجد عويمر العجلاني امرأته حبلى؛ فلاعن عليه الصلاة والسلام بينهما.
وكانت تبوك آخر غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال حسان بن ثابت، يعدد أيام الأنصار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويذكر مواطنهم معه في أيام غزوه: من البسيط:
ألسْتَ خَيرَ مَعَدٍ كلهَا نفراً ... ومَعشَراً إن هُم عُمُّوا وإنْ حُصِلُوا
قَومَ هُمُ شَهِدُوا بَدراً بأجمَعِهِمْ ... مَعَ الرَسُولِ فَمَا ألَوْأ وَمَا خَذَلُوا
وَبَايَعُوهُ فَلَمْ يَنْكُث بِهِ أحَدْ ... منهُمْ وَلَمْ يَكُ في إِيمَانِهِمْ دَخَلُ
ويومَ صَبحَهُم في الشعبِ مِنْ أُحُدٍ ... ضرب رَصِينٌ كَحَر النارِ مُشْتَعِلُ
ويوم ذي قَرَدٍ يومَ استثَارَ بهم ... عَلَى الجِيادِ فَمَا خَامُوا وما نَكَلُوا
وذَا العُشَيرةِ جاسُوها بخَيلِهمُ ... مَعَ الرسولِ عليهَا البيضُ والأسَلَ
ويومَ ودانَ أجْلَوا أهلَهُ رَقَصاً ... بالخَيل حتى نَهَانا الحزنُ والجبلُ
وليلَةَ طلَبُوا فيها عدُوهُمُ ... لله واللهُ يجزِيهمْ بِمَا عَمِلُوا
وغزوةَ يَومَ نَجْدٍ ثم كانَ لَهُم ... مَعَ الرسول بهَا الأسْلابُ والنفلُ

(1/359)


وليلةً بحنينٍ جَالدُوا معهُ ... فيها يعلهم بالحْربِ إذْ نهَلُوا
وغَزوةَ القَاعِ فرقنَا العدو بهِ ... كَمَا تَفرَق دون المشربِ الرَسَلُ
ويومَ بُويعَ كانُوا أهلَ بيعَتِهِ ... عَلى الجِلادِ فآسَوهُ ومَا عَدَلُوا
وَغزوةَ الفتحِ كانُوا في سريتِهِ ... مُرَابطِينَ فَمَا طاشُوا ومَا عَجِلُوا
ويومَ خَيبرَ كانُوا في كَتيبَتِهِ ... يَمشُونَ كلُهُمُ مسْتبسِل بَطَلُ
بالبيضِ تُرعَشُ في الأيمَانِ عَارِيةً ... تعوجُ في الضَربِ أحياناً وتعتَدلُ
ويومَ سارَ رَسول الله محتَسِباً ... إلى تبوكَ وهمْ راياتُهُ الأولُ
وسَاسَةُ الحربِ إن حربٌ بدَت لهمُ ... حتَى بَدَا لهُمُ الإقْبَالُ والقَفَلُ
أولئكَ القومُ أنصَارُ النبي وهم ... قَومِي آصِيرُ إليهم حينَ أتصِلُ
ماتُوا كِراماً ولم تُنكَث عهُودُهمُ ... وقَتلُهم في سبيل الله إِذْ قتلُوا
وقال حسان بن ثابت أيضاً: من الطويل:
وكنا ملوكَ الناسِ قبلَ محمدٍ ... فلفا أتى الإسَلامُ كانَ لنَا الفضْلُ
وأكرمنَا الله الذي ليسَ غيرُه ... إله بأيامٍ مَضَتْ مَا لها شَكلُ
بنصرِ الإلَهِ والرسولِ ودينِهِ ... وألبسنَاهُ اسماً مَضَى مَا له مثلُ
أولئك قومِي خيرُ قَومٍ بأسرِهم ... فَمَا عُدَ من خَيرٍ فقومِي لهُ أهلُ
يَرُبونَ بالمعروفِ معروفَ من مَضَى ... وليسَ عليهم دُونَ معروفِهم قفلُ
إِذا اختُبطُوا لم يفحِشُوا في نديهم ... وليسَ عَلَى سُؤالهم عِندهم بخلُ
وإن حَارَبُوا أو سَالموا لَم يشبهُوا ... فحربُهُمُ حتف وسَلمُهُمُ سَهلُ
وَجَارهُمُ موفِ بعليَاء بَيتُهُ ... لَهُ ما ثوى فينَا الكَرامةُ والبَذْلُ
وحامِلُهم موفٍ بكل حَمَالةٍ ... تحمل لا غرمٌ عليه ولا خَذلُ
وقائلُهم بالحق إن قَال قَائِل ... وحِلمُهُمُ عَود وحكمُهُمُ عَدلُ
ومنا أمينُ المسلِمينَ حياتَهُ ... وَمن غسلتهُ من جَنَابَتِهِ الرّسلُ
وقال أيضاً: من المتقارب:
قَومي أولئِكَ إِن تَسألِي ... كرام إذا الضيفُ يوماً ألَم
عِظَامُ القُدُورِ لأيسَارِهم ... يكبونَ فيها السمينَ السَّنِمْ
يُواسُونَ جَارهُمُ في الغِنَى ... ويَحمُونَ مَولاهُمُ إن ظُلِم
فكَانُوا مُلُوكاً بَأرضيهِمُ ... ينادونَ غُضباً بِأمر غشم
مُلوكاً عَلَى الناسِ لَم يُملَكُوا ... مِنَ الدهرِ يَوماً كحِل القَسَم
فَأنبَوا بِعَادِ وأشيَاعها ... ثَمُود وبعض بَقَايَا إرَم
بيثربَ قَدْ شيدُوا في النخِيل ... حُصوناً ودُجنَ فيها النعَم
نَواضِحَ قَذ علَّمَتهَا اليهو ... دُ عل إليكَ وَقَوْلاً هَلم
وفيها اشتَهوا من عصِير القِطَافِ ... وعيش رخى عَلَى غيرِهم
فَسِرنَا إِليهِم بأثقَالِنَا ... عَلَى كلِّ فَحلٍ هِجَانٍ قِطم
جَنَبنَا بهن جِيَادَ الخيو ... لِ والزحفُ من خَلفِهم قَد دهَم
فَطَارُوا سَراعاً وقَد أُفزِعُوا ... وجئنَا إليهِم كَأُسدِ الأجَم
عَلَى كُل سَلْهَبَةِ في الصِّيَا ... ن لا تستَكينَ لطُولِ السأمْ
وكل كميت مُطَارِ الفُؤَاد ... أمينِ الفُصوصِ كمِثل الزُّلم
عَلَيهَا فوارسُ قَد عودُوا ... قِرَاعَ الكمَاةِ وضربَ البُهَم
ملوك إِذَا غَشَمُوا في البِلا ... دِ لا يَنكلُونَ ولكِنْ قُدُم

(1/360)


فأُبنَا بِسَادَاتهم والنسَاء ... وَأولادهُم فيهمُ تقتَسمْ
ورِثنا مسَاكنهُم بعدَهُم ... وكنا ملوكاً بِهَا لم نرِم
فلما أتانَا الرسول الرشي ... دُ بالحق والنورِ بعْدَ الظلَمْ
فَقُلنَا صَدَقتَ رَسُولَ المليكِ ... هلُم إلينا وفينَا أقِم
فَنَشْهَدُ أنكَ عبدُ الإِل ... ه أرسِلتَ نوراً بدِينِ قيمْ
فَإِنا وَأْولادنَا جُنةٌ ... نَقِيكَ وفي مَالِنَا فاحْتَكِمْ
فَنَحنُ ولاتكَ إِنْ كذبُوك ... فناد نِدَاء ولا تَحتشِم
ونادِ بمَا كنتَ أخفَيْتَهُ ... نداءً جهاراً ولا تَكتتِمْ
فَسَار الغواةُ بأسيَافِهم ... إليه يظنُّونَ أن يخْتَرمْ
فقمْنَا إليهم بأسيَافِنَا ... نجالدُ عنه بُغَاةَ الأممْ
بكل صقيلٍ لهُ مَيْعَةٌ ... رقيق الذُّبابِ عَضُوضٍ خَذِمْ
إذا مَا يصادفُ صم العظَا ... مِ لَمْ ينبُ عَنْهَا ولم ينثَلِم
فَذلك مَا ورثَتنَا القرو ... مُ مَجْدَاً تليدَاً وعزُّا أشم
إذا مرَ نَسْل كَفَى نسلَهُ ... وغَادَرَ نَسْلاً إذا مَا انفصمْ
فَمَا إِن من الناسِ إلا لَنَا ... عليه وإنْ خَاسَ فضل النعَمْ
وفيها بنى صلى الله عليه وسلم في طريقه مساجد حين رجع من تبوك، وقدم في رمضان وأمر بمسجد الضرار أن يحرق، واشترى صلى الله عليه وسلم جمل جابر مرجعه، فلما قدموا إلى المدينة أعطاه الجمل والثمن، كما تقدم ذكر ذلك.
وفيها بعث المصدقين لأخذ الصدقات: عيينة بن حصن إلى بني تميم كغيرهم، والوليد بن عقبة إلى بني المصطلق؛ ليأخذ الصدقة، فخرجوا بالسلاح، فرحاً به، فولى راجعاً، وأخبر بمنعهم فهم صلى الله عليه وسلم أن يبعث لهم جيشاً، فنزل " إِن جَاءَكمُ فَاسِق بِنَبَأ فَتَبَينوا " الحجرات: 6.
وفيها سرية عبد الله بن عوسجة إلى بني حارثة، مستهل صفر يدعوهم إلى الإسلام فرقعوا بالصحيفة أسفل دلوهم، وأبوا الإجابة، فدعا صلى الله عليه وسلم عليهم بذهاب عقلهم فهم إلى اليوم في رعدة، وعجلة، واختلاط كلام.
وقطبة بن عامر إلى خثعم بناحية بيشة من مخاليف مكة في صفر في عشرين رجلاً، فقتلوا منهم، وغنموا.
وعلقمة بن محرز المدلجي إلى الحبشة في ثلاثمائة، لما تراءى أهل جدة ناساً من الحبشة، فخاض إليهم فهربوا، فلما رجعوا، وكان أمره على من تعجل في الرجوع ومعه عبد الله بن حذافة السهمي، أو هو الأمير كما في بعض الروايات، فأجج ناراً وأرادهم على الوثوب، ثم كف عن ذلك، فبلغه صلى الله عليه وسلم ذلك فقال: " من أمركم بمعصية فلا تطيعوه " .
وعلياً إلى القلس صنم لطيئ في مائة وخمسين، أو مائتين، فهدمه، وغنم غنائم من آل حاتم، ثم لما ظفروا بهدمه هرب عدي بن حاتم إلى الشام، وكلم النبي صلى الله عليه وسلم أخت عدي سفانة بنت حاتم أن يمن عليه فمن عليه، ثم قدم وأسلم.
وعكاشة بن محصن إلى الحباب أرض عذرة، وبلي، وغطفان، أو فزارهَ، وكلب، ولعذرة فيها شركة.
وأبا سفيان، والمغيرة؛ لهدم الطاغية، وغيرها، فهدماها وأخذا مالها.
وفيها قدم وفد بني أسد فقالوا: جئنا قبل أن ترسل إلينا فنزل " يمُنُّونَ عَليك أن أسلمُوا " الحجرات: 17، لآية. وتتابعت الوفود: تميم، وعبس، وفزارة، وغيرهم مما لا ينحصر.
وفيها حج أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - بالناس في ثلاثمائة رجل، ومعه عشرون بدنة. وبعث علياً خلفه بسورة براءة، لينبذ إلى كل ذي عهد عهده، وألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، فأدركه علي بالعرج مبلغاً لا أميراً، وكان حجهم في ذلك العام في ذي القعدة.

(1/361)


وفيها مات النجاشي، فخرج صلى الله عليه وسلم إلى المصلى، والناس معه، فصلوا عليه، ومات عبد الله بن أبي، المنافق، فصلى عليه فنزل " ولا تُصَلِّ على أحَدٍ منهُم مَاتَ أبداً " التوبة: 84، وآلى من نسائه شهراً. ولاعن بين عويمر العجلاني، أو هلال ابن أمية، وامرأته خولة بنت عاصم، أو بنت قيس، أو غير ذلك - على الاختلاف - لما رماها بشريك بن السحماء في شعبان عند قدومه من تبوك فوجدها حبلى ونزلت حينئذ آية اللعان.
قال في المواهب: حجة أبي بكر الصديق سنة تسع في ذي القعدة، كما ذكره ابن سعد، وغيره بسند صحيح عن مجاهد، ووافقه عكرمة بن خالد فيما أخرجه الحاكم في الإكليل، وقال قوم: في ذي الحجة، وبه قال الداودي والثعلبي والماوردي؛ ويؤيده أن ابن إسحاق صرح بأن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بعدما رجع من تبوك رمضان، وشوالاً، وذا القعدة، ثم بعث أبا بكر أميراً على الحج، فهو ظاهر في أن بعث أبي بكر كان بعد انسلاخ ذي القعدة، فيكون حجه في ذي الحجة على هذا، والله أعلم. وكان مع أبي بكر ثلاثمائة رجل من المدينة، وعشرون بدنة.
وفي البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن أبا بكر بعث في الحجة التي أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل حجة الوداع في رهط يؤذن في الناس يوم النحر إلا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ثم أردف النبي صلى الله عليه وسلم بعلي بن أبي طالب وأمره أن يؤذن ببراءة، فأذن معلناً في أهل منى ببراءة، وألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، قال فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام، فلم يحج في العام القابل الذي حج فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع - مشرك، فأنزل الله تعالى في العام الذي نبذ فيه أبو بكر إلى المشركين " يا أيُهَا الذَينَ آمَنوُا إِنَمَا المُشركوُن نَجَسٌ فَلا يَقرَبُوا المَسجدَ الحَرَامَ بَعدَ عَامِهِم هَذا " التوبة: 28 الآية. وقد دلت هذه الآية الكريمة على نجاسة المشرك يعنى نجاسة اعتقاده، وأما نجاسة بدنه: فالجمهور على أنه ليس بنجس البدن، والذات، وذهب بعض الظاهرية إلى نجاسة أبدانهم، وهذا ضعيف؛ لأن أعيانهم لو كانت نجسة كالكلب والخنزير لما طهرهم الإسلام، ولاستوى في النهي عن دخول المشركين المسجدُ الحرام، وغيره من المساجد، فالمراد نجاسة الخبث لما فيهم من خبث الظاهر بالكفر، وخبث الباطن بالعداوة، قاله مقاتل.
وروى النسائي عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رجع من عمرة الجعرانة بعث أبا بكر على الحج، فأقبلنا معه حتى إذا كنا بالعرج، ثوَّب بالصبح، فلما استوى للتكبير، سمع الرغوة وراء ظهره، فوقف عن التكبير فقال؛ هذه رغوة ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم الجدعاء، لقد بدا لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الحج، فلعله أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم فنصلي معه، فإذا علي عليها، فقال له أبو بكر: أمير أم رسول؟ قال: رسول، أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم ببراءة، أقرأها على الناس في مواقف الحج. فقدمنا مكة، فلما كان قبل التروية بيوم، قام أبو بكر، فخطب الناس، فحدثهم عن مناسكهم حتى إذا فرغ، قام علي، فقرأ على الناس براءة حتى ختمها. ثم إذا كان يوم النحر، فأفضنا، قام أبو بكر، فخطب الناس، فحدثهم عن إفاضتهم، وعن نحرهم، وعن مناسكهم، فلما فرغ قام علي، فقرأ على الناس براءة حتى ختمها. فلما كان يوم النفر، فأفضنا، قام أبو بكر، فخطب الناس، فحدثهم كيف ينفرون، وكيف يرمون، ويعلمهم مناسكهم، فلما فرغ قام علي، فقرأ على الناس براءة حتى ختمها. وهذا السياق فيه غرابة من جهة أن أمير الحج سنة الجعرانة إنما هو عتاب بن أسيد، فأما أبو بكر - رضي الله عنه - فإنما كان سنة تسع، واستدل بهذه القصة على أن فرض الحج كان قبل حجة الوداع، والأحاديث في ذلك شهيرة كثيرة. وذهب جماعة إلى أن حج أبي بكر هذا لم يسقط عنه الفرض، بل كان تطوعاً قبل فرض الحج، ولا يخفي ضعفه.

(1/362)


وفي هذه السنة مات عبد الله بن أبي ابن سلول، فجاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله !صلى الله عليه وسلم فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام عمر - رضي الله عنه - فأخذ بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، تصلي عليه، وقد نهاك ربك أن تصلي عليه؟! فقال صلى الله عليه وسلم إنما خيرني الله عز وجل قال: " أستَغفِر لَهُم أو لا تستَغْفِر لهُم إن تَستَغفِر لَهُم سَبعِينَ مرة " التوبة: 80، وسأزيد على السبعين، قال: إنه منافق، فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى " وَلا تُصلِّي عَلى أحَدٍ مِّنْهُم ماتَ أبداً ولا تَقُم عَلىَ قَبرهِ إنَّهُم كفروا باللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتوُا وَهُم فاسِقُون " التوبة: 84 رواه الشيخان.
وفيها آلى من نسائه صلى الله عليه وسلم شهراً.
وجحش شقه أي خدش، وجلس في مشربة له لها درج من جذوع، فأتاه أصحابه؛ يعودونه، فصلى بهم جالساً وهم قيام، فلما سلم قال: " إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا صلى قائماً؛ فصلوا قياماً، وإن صلى قاعداً؛ فصلوا قعوداً، ولا تركعوا حتى يركع، ولا ترفعوا حتى يرفع " .
ونزل لتسع وعشرين، فقالوا: يا رسول الله إنك آليت شهراً فقال: " إن الشهر يكون تسعاً وعشرين " .
حوادث السنة العاشرة
فيها سرية خالد في ربيع الأول إلى بني عبد المدان بنجران، فأسلموا، وجرير ابن عبد الله البجلي في رمضان في مائة وخمسين إلى ذي الخلصة - بيت أصنام لدوس، وخثعم، وبجيلة، ومن ببلادهم - وحديثه في البخاري، قالى جرير: فكسرناه، وقتلنا من وجدناه عنده، فدعا صلى الله عليه وسلم لنا، ولأحمس.
وفيها حجة الوداع، وتسمى: حجة البلاغ، وحجة الإسلام، خرج يوم الخميس لست بقين - أو يوم الجمعة، أو يوم السبت لخمس بقين - من ذي القعدة، ومعه صلى الله عليه وسلم تسعون ألفاً أو مائة وأربعة عشر ألفاً، ووقف فيها يوم الجمعة، ونزل " اليومَ أكمَلتُ لَكم دِينكَم " المائدة: 3، الآية.
ورجع من حجة الوداع لثلاث بقين من ذي الحجة، وفيها نزل " تاأيُّهَا الذَيَن آمنوا لِيسَتئذنكم الذينَ مَلَكَت أيماَنكُم " النور: 58 الآية، وكانوا لا يفعلونه قبل ذلك.
وقدم وفد نجران في اثني عشر راكباً، أميرهم العاقب عبد المسيح، والسيد إمامهم، واسمه الأيهم، وأبو حارثة أسقفهم، صالحوه عن أهل نجران.
قال في المواهب: وكره ابن عباس أن يقال: حجة الوداع.
وكان صلى الله عليه وسلم قد أقام بالمدينة يضحي كل عام، ويغزو المغازي، فلما كان في ذي القعدة سنة عشر من الهجرة - أجمع الخروج إلى الحج. قال ابن سعد: ولم يحج غيرها منذ تنبأ إلى أن توفاه الله تعالى.
وفي البخاري عن زيد بن أرقم أن النبي صلى الله عليه وسلم حج بعد ما هاجر حجة واحدة لم يحج بعدها، وهي حجة الوداع. قال ابن إسحاق: وبمكة أخرى، قيل: حج بمكة حجتين، هذا بعد النبوة، وقبلها لا يعلمه إلا الله. فخرج صلى الله عليه وسلم من المدينة يوم السبت لخمس ليال بقين من ذي القعدة، وجزم ابن حزم بأن خروجه كان يوم الخميس، وفيه نظر؛ لأن أول في الحجة كان يوم الخميس قطعاً، لما ثبت، وتواتر أن وقوفه بعرفة كان يوم الجمعة. لكن ثبت في الصحيحين عن أنس: صلينا مع النبي صلى الله عليه وسلم الظهر بالمدينة أربعاً، والعصر بذي الحليفة ركعتين، فدل على أن خروجهم لم يكن يوم الجمعة. ويحمل قول من قال لخمس بقين، أي: إن كان الشهر ثلاثين، فاتفق أن جاء تسعاً وعشرين، فيكون يوم الخميس أول ذي الحجة بعد مضي أربع ليال، لا خمس، وبها الأخبار.
هكذا جمع الحافظ عماد الدين بن كثير الروايات، وقوى هذا الجمع بقول جابر: إنه خرج لخمس بقين من ذي القعدة، أو أربع، وصرح به الواقدي: بأن خروجه - عليه الصلاة والسلام - كان يوم السبت لخمس بقين من ذي القعدة، وكان خروجه من المدينة بين الظهر، والعصر، وكان دخوله مكة صبح رابعه، كما ثبت في حديث عائشة، وذلك يوم الأحد، وهذا يؤيد أن خروجه من المدينة كان يوم السبت، كما تقدم، فيكون مكث في الطريق ثمان ليال، وهي المسافة الوسطى، وخرج معه - عليه الصلاة والسلام - تسعون ألفاً، ويقال: مائة ألف وأربعة عشر ألفاً، ويقال: أكثر من ذلك، كما حكاه البيهقي، ورجع - عليه الصلاة والسلام - من حجة الوداع لثلاث بقين من ذي الحجة.

(1/363)


حوادث السنة الحادية عشرة من الهجرة
فيها سرية أسامة بن زيد إلى أهل أُبنى بالسراة ناحية البلقاء، يوم الاثنين لأربع ليال بقين من صفرة لغزو الروم، مكان قتل أبيه زيد، ومعه أبو بكر، وعمر، وغيرهما. فمرض صلى الله عليه وسلم، فعوقهم ذلك، وثقل صلى الله عليه وسلم، فجعل يقول: أنفذوا بعث أسامة، ودخل عليه أسامة يوم الاثنين، وقد أصبح مفيقاً، فقال له: اغد على بركة الله، فودعه، وخرج، ثم تأخر حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج حتى وصل إلى أهل أبنى في عشرين ليلة، فشن عليهم الغارة، وكان شعارهم: يا منصور أمت. فقتل، و حرق، و غنم.
وقبل وفاته - عليه الصلاة والسلام - بسبع ليال، أو ثلاث ليال، أو ثلاث ساعات، أو بأحد وثمانين يوماً، أو عشرين، أو غير ذلك على الخلاف - نزل قوله تعالى: " وَاتقُوا يوماً ترُجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله " البقرة: 281، فهي آخر آية نزلت.
وفي البخاري عن ابن عباس: إن آية الربا آخر آية نزلت. والجمع ممكن، وفي آخر ما نزل أقوال غير ذلك. وأما أول ما نزل " اقرَأ بِاسمِ رَبك الذي خَلَقَ " العلق: ا، الآيات الخمس. قال القشيري: ثم نون والقلم، ثم المزمل، ثم المدثر، ثم تبت، ثم كذا إلى آخر ما ذكر من الترتيب، ولبسط ذلك، وتمييز المدني من المكي تأليف مخصوصة لسنا بصددها.
فصل في صفاته الحسية صلى الله عليه وسلم:
كان ربعة، بعيد ما بين المنكبين، أبيض اللون، مشرباً بحمرة، رجل الشعر أسوده، يبلغ شحمة أذنيه إذا طال، ونصف ذلك إذا قصر، لم يبلغ الشيب في رأسه، ولحيته عشرين شعرة، واسع الجبين، أزج الحواجب، في غير قرن، أدعج العينين، أقنى العرنين، سهل الخدين، ضليع الفم، أشنب، مفلج الأسنان، حلو المنطق، يتلألأ وجهه كالقمر ليلة البدر، حسن الخلق معتدله، عريض الصدر، موصول ما بين لبته وسرته بشعر يجري كالخط، أشعر الذراعين، والمنكبين، وأعالي الصدر، عالي اليدين، والبطن فيما سوى ذلك، أجل الناس، وأبهاه من بعيد، وأحسنه، وأحلاه من قريب، إن صمت فعليه الوقار، وإن تكلم سما، وعلاه البهاء، بين كتفيه خاتم النبوة مثل بيضة الحمامة، لونه لون جسده عليه خيلان، روى أنه مكتوب في باطنه: الله وحده لا شريك له، وفي ظاهره: توجه حيث شئت، فإنك منصور. ويروى - أيضاً - أن المكتوب فيه: محمد رسول الله، وقيل: غير ذلك. يقول واصفه صلى الله عليه وسلم: لم أر قبله مثله، ولا بعده مثله.
فصل في صفاته المعنوية وأخلاقه صلى الله عليه وسلم:
قالت عائشة: كان خلقه القرآن؛ يغضب لغضبه، ويرضى لرضاه.
وكان أحلم الناس، قيل له: ألا تدعو على المشركين؟ قال: إنما بعثت رحمة، ولم أبعث عذاباً.
وكان أشجع الناس، قال علي: كنا إذا حمي البأس، والتقى القوم - اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأعدل الناس، القريب والبعيد، والقوي والضعيف عنده سواء.
وأعف الناس، وأسخاهم، لا يسأل شيئاً إلا أعطاه، لا يبيت عنده دينار، ولا درهم، فإن فضل، ولم يجد من يعطيه، وفجأه الليل لم يأو إلى منزله حتى يبرأ منه إلى من يحتاج إليه، لا يأخذ مما أعطاه الله إلا قوت عامه فقط من أيسر ما يجد، ويضع سائر ذلك في سبيل الله، ثم يعود على قوت عامه، فيؤثر منه.
وكان أشد حياء من العذراء في خدرها، لا يثبت نظره في وجه أحد، غاض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جل نظره الملاحظ، وأكثر تواضعاً: يخصف النعل، ويرقع الثوب، ويفليه - قلت: معنى يفليه ليس من القمل كما هو المتبادر؛ لأن القمل لا يلحق جسمه الشريف، وإنما المراد بالتفلية: التنقية من نحو قشة، أو غبار، وما أشبهها - ويخيطه، ويخدم في مهنة أهله، ويقطع اللحم معهن، ويجيب دعوة الحر، والعبد، ويقبل الهدية وإن قلت، ويكافىء عليها، ويأكلها، ولا يأكل الصدقة.
تستتبعه الأمة والمسكين فيتبعهما حيث دعواه، ويجيب الفقراء، والمساكين، ويجالسهم، ويواكلهم، وأصدق الناس لهجة، وأوفاهم ذمة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة، وأرحمهم، يصغي الإناء للهرة فما يرفعه حتى تروى؛ رحمة لها. وأشدهم إكراماً لأصحابه، لا يمد رجله بينهم، ويوسع عليهم إذا ضاق المجلس، ويتفقدهم ويسأل عنهم: من مرض عاده، ومن غاب دعا له، ومن مات استرجع، وأتبع ذلك بالدعاء له، ومن تخوف أنه وجد في نفسه انطلق حتى يأتيه في منزله.

(1/364)


ويقبل معذرة المعتذر، ويخرج إلى بساتين أصحابه، ويأكل من ضيافتهم، ولا يطوي بشره عن أحد، ولا يدع أحداً يمشي خلفه، ويقول: " خلوا ظهري للملائكة " ، ولا يدع أحد يمشي معه، وهو راكب حتى يحمله، فإن أبى قال: " تقدمني، إلى المكان الذي تريد " .
وأمر في سفره باصلاح شاة فقال رجل: علي ذبحها، وآخر عليَّ سلخها، وآخر عليَّ طبخها، فقال صلى الله عليه وسلم: " وعليَّ جمع الحطب " ، فقالوا: نحن نكفيك، قال: " قد علمت، ولكن اكره أن أتميز عليكم، فإن الله يكره من عبد أن يراه متميزاً بين أصحابه " ، وقام بجمع الحطب.
يخدم من خدمه، ما ضرب قط خادمه، ولا امرأة، ولا شيئاً إلا في جهاد، ولا يترفع على عبيده وإمائه في مأكل، ولا ملبس. قال أنس: خدمته عشر سنين، فما قال لي قط أف، ولا لِمَ فعلت، ولا ألا فعلت.
أكثر الناس تبسماً، وأحسنهم بشراً، لا يهوله شيء من أمور الدنيا، لا يحقر فقيراً لفقره، ولا يهاب ملكاً لملكه، يلبس ما وجد من مباح، ويركب ما تيسر من فرس، أو بعير، أو بغلة، أو حمار، ويردف خلفه عبده، أو غيره، وقد روى فيمن أردفه أكثر من ثلاثين، يمسح وجه فرسه بطرف كمه أو طرف ردائه، يحب الفأل، ويكره الطيرة. إن جاء ما يحب قال: " الحمد لله رب العالمين " ، أو ما يكره قال: " الحمد لله على كل حال " . يحب الطيب، ويكره الرِيح الرديئة، يمزح، ولا يِقول إلا حقاً، يبدأ من لقيه بالسلام، لا يجلس، ولا يقوَم إلا على ذكر، يجلس حيث انتهى به المجلس، ويأمر بذلك، ولا يقوم عمن يجالسه حتى يقوم إلا أن يتعجله، أو يستأذنه. ولا يقابل أحداً بما يكره، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح. لا يذم شيئاً قط، وما عاب طعاماً قط، إن اشتهاه أكله، وإلا تركه، يحفظ جاره، ويكرم ضيفه، وما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً أو قطيعة رحم؛ فيكون أبعد الناس منه.
أكثر جلوسه للقبلة، آتاه الله مفاتيح خزائن الأرض فلم يقبل، واختار الآخرة.
يعصب الحجر على بطنه من الجوع، يبيت هو وأهله الليالي طاوين، ولم يشبع من خبز بر ثلاثاً تباعاً، ولا من خبز الشعير حتى لقي الله - عز وجل - إيثاراً على نفسه لا فقراً، ولا بخلاً. يأتي على أهله الشهر والشهران لا يوقد في بيت من بيوته نار، ولا يأكل متكئاً، ولا على خوان. فراشه من أدم حشوه ليف. يلبس الصوف، وينتعل المخصوف. أحب اللباس إليه الحبرة من برود اليمن فيها حمرة وبياض، يلبس الإزار الواحد ليس عليه غيره، يعقد طرفيه بين كتفيه، ويلبس يوم الجمعة برده الأحمر، ويعتم، وكان يلبس خاتماً فضة، نقش فصه " محمد رسول الله " في خنصره الأيمن، وربما لبسه في الأيسر، ويكثر دهن رأسه، ولحيته، ويتبخر بالعود، والكافور، ويكتحل بالإثمد، ويتطيب بالغالية، والمسك أو بالمسك وحده.
فصل في خصائصه صلى الله عليه وسلم:
فمن الواجبات: المشاورة في الأمور، وتخيير نسائه بين أن يبقين في عصمته أو لا، ومصابرة العدو الكثير، وتغيير المنكر من غير قيد عدم الخوف، وقضاء دين الميت المعسر المسلم، وليس منها وجوب الضحى، ولا الأضحى، ولا الوتر، ولا السواك، ولا التهجد، ونحو ذلك خلافاً لمن زعمه.
ومن المحرمات: أخذ الصدقة واجبة كانت أو تطوعاً، والشعر، والخط والأكل متكئاً، وأكل كل ذي ريح كريه في رأي قوي، ونزع لأمته إذا لبسها حتى يلقى العدو، ومدّ عينيه لما متع به الناس، وخائنة الأعين؛ بأن يومئ إلى مباح على خلاف ما يظهر، والمن ليستكثر، وإمساك من كرهت نكاحه.
ومن المباحات: مواصلة الصوم، واصطفاء ما يختار من الغنيمة كأخذه صفية، وسيفه ذا الفقار، وكان له خمس الخمس من الفيء، والغنيمة، وأربعة أخماس من الفيء، ودخول مكة بلا إحرام، وإن اختلف في غيره، وأبيح له القتال بها ساعة يوم الفتح، وكانت من ضحوة إلى بعد العصر، ويقضي بعلمه قطعاً، ولنفسه ولو كره، ويشهد أيضاً لنفسه وولده، ويقبل من يشهد لهما، ويحيى الموات لنفسه، ويأخذ الطعام، والشراب من المالك المحتاج لهما، ويمكث بالمسجد جنباً، ومن يختاره معه في ذلك كما أشركه معه في ذلك، ولا ينتقض وضوؤه بنومه: من البسيط:
......... ... فالعين نائمة والقلب يقظان

(1/365)


وله أن يزوج من نفسه، وممن شاء بلا إذن، ويتولى الطرفين، ويزيد على أربع زوجات، بل وعلى تسع اللاتي اتفق اجتماعهن وهو العدد الذي مات عنه - أيضاً - وينكح بلا ولي، ولا شهود، وفي حالة إحرامه، وبلفظ الهبة من المرأة، وبلا مهر لا حالاً ولا مآلاً. وأكثر المباح له لم يقع منه صلى الله عليه وسلم.
ومن الفضائل والكرامات: تحريم أزواجه اللاتي دخل بهن، وفارقهن بموت، أو غيره على من سواه، وإنما هن أمهات المؤمنين في ذلك، وفي احترامهن لا في نحو نظر وخلوة، وتحريم بناتهن، وأخواتهن، وكذا من لم يدخل بهن على ما نص عليه الشافعي؛ لظاهر القرآن. ونساؤه أفضل النساء، وأفضلهن خديجة وعائشة.
وأمته خير الأمم، ولا تجتمع على ضلالة، وصفوفهم كصفوف الملائكة.
وأصحابه خير القرون، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم.
وشرعه مؤبد ناسخ لما خالفه من الشرائع، وكتابه معجز يحفظ من التحريف والتبديل، مستمر بعد نبوته، ومعجزات غيره من الأنبياء انقرضت، ونصر بالرعب مسيرة شهر، وجعلت له الأرض مسجداً وطهوراً، وأحلت له الغنائم وأعطي الشفاعة، والمقام المحمود، وله خمس شفاعات، وأكثر منها: فله الشفاعة العظمى في فصل الموقف، وهي الأولى، فيفزع الكل إليه بعد دلالة الرسل عليه، ولو بتوسط الدلالة على من دل عليه إظهاراً لعلو مقامه، وانفراده بتمامه؛ والشفاعة في قوم يدخلون النار؛ فلا يدخلونها، وهي الثالثة؛ وفي ناس دخلوها، فيخرجون منها، وهي الرابعة، وفي رفع الدرجات في لجنة وهي الخامسة.
وله غيرهن شفاعته لمن مات بالمدينة، وفي جمع من صلحاء المؤمنين أن يتجاوز عنهم ما لعلهم قصروا فيه، وفي تخفيف العذاب عن بعض أهل النار كما في عمه أبي طالب، وفي تخفيف عذاب القبر كما في حديث غرز الجريدتين في القبرين؛ وفي فتح باب الجنة والجواز على الصراط وغير ذلك.
وأرسل إلى الناس كافة، وهو سيد ولد آدم، وأول من تنشق عنه الأرض، وأول شافع، وأول مشفع، وأول من يقرع باب الجنة، وأكثر الناس تبعاً، وأعطي جوامع الكلم. وكان لا ينام قلبه، ويرى من وراء ظهره كما يرى من قدامه، وتطوعه بالصلاة قاعداً كتطوعه قائماً وإن لم يكن له عذر. ولا يحل لأحد رفع صوته فوق صوته، ولا نداؤه من وراء الحجرة، ولا باسمه، بل يا نبي الله، يا رسول الله، ونحو ذلك، ومخاطبة المصلي بالسلام عليك أيها النبي، ولو خاطب غيره، بطلت، ويجب على المصلي إجابته إذا دعاه، ولا تبطل صلاته، وتحل له الهدية دون غيره من الحكام، ولا يجوز عليه، ولا على غيره من الأنبياء جنون، ولا احتلام. ومن استهان بأحد منهم كفر.
ولا يورث أحد منهم، بل ماله صلى الله عليه وسلم صدقة على المسلمين، وأولاد بناته ينسبون إليه، ويجب بذل المهج لسلامة مهجته، فالنبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ومن رغب فيها وهي مزوجة، وجب على زوجها طلاقها.
وفاتته ركعتان بعد الظهر فقضاهما بعد العصر ثم واظب عليهما، وقال: تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي، فقال الشافعي: ليس لأحد أن يكنى بأبي القاسم، وحمل نصه على حال حياته صلى الله عليه وسلم. ومن رآه في المنام فقد رآه حقاً؛ فإن الشيطان لا يتمثل في صورته، والأرض لا تأكل لحمه، ولا لحم أحد من الأنبياء. وكل نسب وسبب وصهر منقطع يوم القيامة إلا نسبه، وسببه، وصهره، وله غير ذلك مما لا ينحصر.
فصل في معجزاته صلى الله عليه وسلم:
منها - وهو أعظمها - القرآن العظيم، الذي عجز الجن والإنس أن يأتوا بمثله، بل بعشر سور منه، بل بسورة، بل بحديث مثله، وانشقاق القمر، ونبع الماء من بين أصابعه؛ فشرب منه أهل العسكر، وتوضئوا، كل ذلك من قدح، ولا ماء فيه؛ فجاش بالماء حتى شرب الجيش، ورووا وهم ألوف وفاضت إلى اليوم، وبالحديبية مرة بالبئر فأروتهم، وهم ألف وأربعمائة أو أكثر، وأطعم جيش الخندق، وهم ثلاثة آلاف من تمرٍ أتت به ابنة بشير بن سعد إلى أبيها وخالها لم يملأ كفيه، فأكلوا منه حتى شبعوا، وفضلت فضلة.

(1/366)


ورمى يوم حنين جيش الكفار بقبضة من تراب فعميت عيونهم، وحن إليه الجذع الذي كان يخطب إليه حين عمل له المنبر، وكلمه الذراع المسموم بالشاة، كما سبق، وكان يخبر بالغيوب كقوله: " إن عمارا تقتله الفئة الباغية؛ وإن عثمان تصيبه بلوى تكون بعدها الجنة؛ وإن الحسن بن علي سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين " ، فكان كذلك؛ وكان إخباره بقتل الأسود العنسي الكذاب، وهو بصنعاء وبمن قتله؛ وبموت النجاشي بالحبشة؛ وبترتيب المقتولين في غزوة مؤتة كما مضى؛ وإخباره بقتل ابن خلف، ومصارع صناديد قريش، فكان كما قال.
وخرج وعلى بابه قوم ينتظرونه؛ ليؤذوه، فوضع التراب على رؤوسهم، فلم يروه، ودعا شجرتين فأتتاه، فاجتمعتا، ثم أمرهما؛ فافترقتا، وزويت له الأرض فرأى مشارقها ومغاربها، وأخبر ببلوغ ملك أمته ما زوى له منها، فكان كذلك، فبلغ ملكهم من أول المشرق إلى آخر المغرب، ولم يتسعوا في الجنوب، والشمال كما أخبر سواء بسواء، ومسح ضرع شاة لم ينز عليها الفحل؛ فدرت، وندرت عين قتادة فسقطت، فردها بيده الكريمة؛ فكانت أصح عينيه، وأحسنهما، وأحدهما، وكانوا يسمعون تسبيح الطعام بين يديه، والحصى بيديه، وسلم عليه الحجر والشجر ليالي بعث وغيرهما.
وكلمته الحيوانات: البعير، وغيره في حاجاتها. ومنها إنبات النخلة في سنام البعير، وإدراك ثمرها في الحال، ففرقه على الحاضرين، فمن علم الله أن سيؤمن - كانت التمرة في فمه تمرة كما هي؛ ومن علم عدم إيمانه - عادت التمرة في فيه حجراً، ذكر ذلك البيهقي، وغيره من أئمة الحديث، وغير ذلك مما لا يحصى. وقد بلغ بمعجزاته - عليه الصلاة والسلام - بعض الأئمة ثلاثة آلاف وزيادة، غير القرآن العظيم؛ إذ كل حرف منه معجز، فمعجزاته ! لا يدرك حصرها.
قال ابن إسحاق: فلما بويع أبو بكر أقبل الناس على جهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الثلاثاء، فحدثني عبد الله بن أبي بكر، وحسين بن عبد الله، وغيرهما من أصحابنا أن علي بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب، والفضل بن العباس، وقثم بن العباس، وأسامة بن زيد وشقران، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم هم الذين تولوا غسله؛ وأن أوس بن خولى أحد بني عوف بن الخزرج قال لعلي بن أبي طالب: أنشدك الله يا علي، وحظنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أوس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بدر، قال: ادخل، فدخل وجلس، وحضر غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسنده علي بن أبي طالب إلى صدره، وكان العباس، والفضل، وقثم يقلبونه معه، وكان أسامة بن زيد، وشقران مولياه اللذان يصبان الماء عليه، وعلي يغسله قد أسنده إلى صدره، وعليه قميص يدلكه به من ورائه، ولا يفضي بيده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي يقول: بأبي أنت وأمي ما أطيبك حياً وميتاً. ولم يُر من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء مما يرى من الميت.
قال ابن إسحاق: وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عباد، عن عائشة قالت: لما أرادوا غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا فيه فقالوا: والله ما ندري أنجرد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ثيابه كما نجرد موتانا، أو نغسله وعليه ثيابه. قالت: فلما اختلفوا؛ ألقى الله عليهم النوم حتى ما منهم من رجل إلا ذقنه في صدره، ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت لا يدرون من هو: أن غسلوا النبي صلى الله عليه وسلم وعليه ثيابه. قالت: فقاموا إلى رسول الله فغسلوه وعليه قميصه، يصبون الماء فوق القميص، ويدلكونه، والقميص دون أيديهم.
قال: فلما فرغ من غسل رسول الله كفن في ثلاثة أثواب: ثوبين صحاريين، وبردة حبرة أدرج فيه إدراجاً كما حدثني جعفر بن محمد بن علي بن حسين، وحدثني حسين بن عبد الله، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما أرادوا أن يحفروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم - وكان أبو عبيدة بن الجراح يضرح كحفر أهل مكة، وكان أبو طلحة زيد بن سهل هو الذي كان يحفر لأهل المدينة، وكان يلحد - فدعا العباس رجلين، فقال لأحدهما: اذهب إلى أبي عبيدة بن الجراح، وقال للآخر اذهب إلى أبي طلحة، اللهم خره لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

(1/367)


فلما فرغ من جهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الثلاثاء، وضع على سريره في بيته، وقد كان المسلمون اختلفوا في دفنه، فقال قائل: ندفنه - في مسجده، وقال قائل: بل ندفنه مع أصحابه، فقال أبو بكر: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما قبض نبي إلا دفن حيث قبض، فرفع فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي توفي عليه، فحفر له تحته، ثم دخل الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلون عليه أرسالاً: فدخل الرجال حتى إذا فرغوا، دخل النساء، حتى إذا فرغن، دخل الصبيان، ولم يؤم الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد؛ ثم دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم من وسط الليل ليلة الأربعاء.
قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي بكر، عن امرأته فاطمة بنت عمارة، عن عمرة بنت عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة، عن عائشة قالت: ما علمنا بدفن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سمعنا صوت المساحي من جوف الليل ليلة الأربعاء.
قال محمد بن إسحاق: وكان الذين نزلوا في قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم - علي بن أبي طالب، والفضل بن عباس، وقثم بن عباس، وشقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قال أوس بن خولى لعلي بن أبي طالب: أنشدك بالله، وحظنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: انزل، فنزل مع القوم. وقد كان شقران حين وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرته، وبنى عليه قد أخذ قطيفة قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبسها، ويفترشها، فدفنها في القبر، وقال: والله لا يلبسها أحد بعدك أبداً. فدفنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وسيأتى ذكر بدء مرضه - عليه الصلاة والسلام - في أول خلافة الصديق - رضي الله تعالى عنه - .
ومما قيل من الرثاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قول أبي بكر رضي الله تعالى عنه: من الوافر:
أجدكَ ما لعينِكَ لا تنامُ ... كأن جفونَهَا فيها كلامُ
بوقعِ مصيبةِ عظُمَت وجلت ... فدمعُ العينِ أهونُهُ انسجامُ
فُجعنا بالنبي وكان فينا ... مقدمنا وسيدنا الإمامُ
وكان قوامنا والرأس فينا ... فنحنُ اليومَ ليس لنا قوامُ
ننوحُ ونشتكِى ما قد لَقِينا ... ويشكُو فقدَهُ البلدُ الحرامُ
كأن أنوفنا لاقينَ جدعاً ... لفقدِ محمدٍ فيها اصطلامُ
لفقدِ أغر أبيض هاشمي ... إمام نبوَّةٍ وبه الختامُ
أمين مصطفًى للخيرِ يدعو ... كضوءِ البدرِ زايله الظلامُ
سأتبعُ هديهُ ما دمتُ حياً ... طوالَ الدهرِ ما سجع الحمامُ
كأن الأرضَ بعدك طارَ فيها ... فَأشعَلَهَا لساكنها ضرامُ
وفقد الوَحى إذ وليت عنا ... وودعنا مِنَ الله الكلامُ
سوَى أن قد تَرَكت لنا سراجاً ... تواريه القراطيسُ الكرامُ
لقد ورثتنا مِرآة صدقٍ ... عليكَ به التحيةُ والسلامُ
من الرحمنِ في أعلَى جنانٍ ... من الفردوسِ طابَ بها المقامُ
رفيق أبيكَ إبراهيمَ فيه ... وما في مِثل صحبتِهِ ندامُ
وإسحاق وإسماعيل فيه ... بما صَلوْا لربهمُ وصاموا
وقال عمر بن الخطاب - رضي الله - يرثي رسول الله صلى الله عليه وسلم:من الكامل:
ما زلتُ مذ وضع الفِرَاشَ لجنبه ... وَثوَى مريضاً خائفاً أتوقعُ
شفقاً عليه أن يزولَ مكانه ... عنا فنبقَى بعْدَهُ نتوجعُ
وإذا تحدثنا الحوادثُ منْ لَنَا ... بالوحيِ من رب رحيمِ يسمعُ
ليتَ السماءَ تفطَرَت أكنافُهَا ... وتناثَرَت فيها النجومُ الطلعُ
لما رأيتُ الناسَ هد جمعيهم ... صوت ينادي بالنعِي فيسمعُ
وسمعتُ صوتَا قبلَ ذلك هدني ... عباس ينعاه بصوتٍ يقطع
فليبكِهِ أهلُ المدائنِ كلّها ... والمسلمونَ بكُل أرضٍ تجدعُ
وقال علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - : من الطويل:
ألا طرق الناعِي بلَيل فراعَنِي ... وأرقني لما استقل منادياً

(1/368)


فقلتُ له لما رأيتُ الذي أتى ... أغَيرَ رسولِ اللهِ إنْ كنتَ نَاعِيا
فحقفت ما أشفقتُ منهُ ولم ينل ... وكان خليلي عدَةً وجماليَا
فواللهِ ما أنساكَ أحمَدُ ما مَشَت ... بِىَ العيسُ في أرضٍ وجاوزْتَ واديَا
وكنتُ متى أهبطْ من الأرضِ بقعة ... أرَى أثراً منه جديداً وعافيَا
مِنَ الأسدِ قد أخفى العرين مخافةً ... تهادي سباعُ الطيرِ مِنْهُ تَعَاديا
شديد حوى الصدرِ مِنهُمْ مشددٌ ... هو المَوْتُ معدياً عليه وَعَادِيا
وقال حسان بن ثابت - رضي الله عنه - : من الطويل:
بِطَيْبَةَ رَسم لِلرَسُولِ وَمَعْهَدُ ... منِير وَقَدْ تَعْفُو الرُسُومُ وَتَهْمُدُ
ولا تَنْمَحي الآيَاتُ مِنْ دَارِ حرمَةٍ ... بِهَا مِنبَرُ الْهَادِي الذِي كَانَ يَصْعَد
وَوَاضِحُ آثَار وَبَاقِي مَعَالِم ... وَرَبعٌ لَهُ فِيهِ مُصَلى وَمَسْجِدُ
بِهَا حُجُرَاتٌ كَانَ يَنْزِلُ وَسْطَها ... مِنَ الله نُور يُسْتَضَاءُ وُيوقَدُ
مَشَاهِدُ لَمْ تُطْمَسْ عَلَى الْعَهْدِ آيهَاأتَاهَا الْبِلَى فَالآىُ مْنهَا تَجَدَدُ
عَرَفْتُ بِهَا رَسْمَ الرَسُولِ وَعَهْدَهُوَقَبْراً بِهَا وَارَاهُ في التُرْبِ مُلْحِدُ
ظَلِلتُ بِهَا أبْكِي الرَسُولَ فَأسْعَدَت ... عُيُون وَمِثْلاهَا مِنَ الْجَفْن تُسْعِدُ
يُذَكرْنَ آلاءَ الرسُولِ وَمَا أرَى ... لَهَا مُحْصِيا نَفْسِي فَنَفْسِي تَبَلَدُ
مُفَجعَة قَدْ شَفهَا فَقْدُ أحمَدٍ ... فَظَلتْ لآلاءِ الرسُولِ تُعددُ
وَمَا بَلَغَت مِنْ كُل أمْرٍ عشيرهُ ... وَلكِنْ لِنَفسِي بَعْدُ مَا قَدْ تَوَجدُ
أطَالَتْ وُقُوفاً تَذْرِفُ الْعَيْن جَهْدَهَاعَلَى طَلَلِ الْقَبرِ الَذِي فِيهِ أحْمَدُ
فَبُورِكتَ يَا قَبْرَ الرَّسُولِ وَبُورِكَت ... بِلاد ثَوَى فِيهَا الرَشِيدُ المُسَدَدُ
وَبُورِكَ لحد مِنْكَ ضُمنَ طَيبا ... عَلَيهِ بِنَاء من صَفِيحٍ مُنَضَدُ
تَهِيلُ عَلَيهِ التُرْبَ أيْدٍ وَأعين ... عَلَيهِ وَقَد غَارَتْ بِذَلِكَ أسْعُدُ
لَقَدْ غَيبوا حِلماً وَعِلْماً وَحكْمَةً ... عَشِيةَ عَلوْهُ الثرَى لا يُوَسَدُ
وَرَاحُوا بِحُزنٍ لَيْسَ فِيهِمْ نَبِيهُم ... وَقَد وَهَنَت منهم ظُهُور وَأعضُدُ
يُبَكونَ مَنْ تَبكِي السمواتُ يَومَهُ ... وَمَن قَد بَكَتهُ الأزضُ فَالناسُ أكمَدُ
وَهَلْ عَدَلَتْ يَوماً رَزِيةُ هَالِكٍ ... رَزِيةَ يَومٍ مَاتَ فِيهِ مُحَمدُ
تَقَطعَ فِيهِ منزل الوَحيِ عَنهُمُ ... وَقَد كَانَ ذَا نُورٍ يَغُورُ وَيُنجِدُ
يَدُل عَلَى الرحمنِ من يَقتَدِي بِهِ ... وَيُنقِذ من هَولِ الخَزَايَا وَيُرْشِد
إمَام لَهُم يَهدِيهِمُ الحَق جَاهِداً ... مُعَلمُ صِدقِ إِن يُطِيعُوهُ يَسْعَدُوا
عَفُوٌّ عنِ الزلاتِ يَقبَلُ عُذرَهُم ... وَإن يُحسِنوا فَالله بِالخَيرِ أجوَدُ
وَإنْ نَابَ أمر لَم يَقُومُوا بِحَملِهِ ... فَمِن عِندِهِ تَيسِيرُ مَا يَتَشَدَدُ
فَبَنينَا هُمُ في نِعمَةِ الله بَينَهُم ... دَلِيل بِهِ نَهجُ الطرِيقَةِ يُقصَدُ
عَزِيزٌ عَلَيهِ أن يَزيغُوا عَنِ الهُدَى ... حَرِيص عَلَى أن يَستَقِيمُوا ويَهتَدوا
عَطُوفٌ عَلَيْهِم لا يُثَنِّي جَنَاحَهُ ... إِلَى كَنَفٍ يَحنُو عَلَيهِمْ وَيَمهَدُ
فَبَينَا هُمُ في ذلِكَ النورِ إِذ غَدَا ... إلَى نُورِهِم سَهمً من المَوتِ مُقصِدُ
فَأصبَحَ مَحْمُوداً إِلَى الله رَاجِعا ... يُبَكيهِ جَفنُ المُرسَلاتِ وَيَحمَدُ

(1/369)


وَأمسَت بِلادُ الحُرمِ وَحشاً بِقَاعُهَا ... لِغَيْبَةِ مَا كَانَتْ مِنَ الوَحي تعْهَدُ
قِفَارا سِوَى مَعمُورَةِ اللحْدِ ضَافَهَا ... فَقِيد يبَكيهِ بَلاط وَغَرقَدُ
وَمسجِدُهُ فَالمُوحِشَاتُ لِفَقده ... خَلاءٌ لَهُ فِيهِ مَقَام وَمَقعَدُ
وَبِالجَمرَةِ الكُبرَى لَهُ ثَم أوحَشَت ... دِيَار وَعَرصَاتْ وَرَبْعٌ وَمَولِد
فَبَكى رَسُولَ الله يَا عَين عَبرَةً ... ولا أعرِفَتكِ الدهرَ دمعُكِ يَجمُدُ
وَمَالَكِ لا تَبكِينَ ذَا النعمَةِ التِي ... عَلَى الناسِ مِنهَا سَابغ يَتَغَمَدُ
فَجودِي عَلَيهِ بِالدُّمُوعِ وَأعوِلِي ... لِفَقدِ الذِي لا مِثلُهُ الدهرَ يُوجَد
وَمَا فَقَدَ المَاضُونَ مِثْلَ مُحَمدِ ... ولا مِثلُهُ حَتى القِيامَة يُفقَدُ
أعَف وَأوفَى ذِمَّة بَغد ذِمة ... وَأقرَبَ مِنهُ نَائِلاً لا يُنَكَدُ
وَأبذَلَ مِنهُ للطرِيفِ وَتَالِدِ ... إذَا ضَن مِعطَاءٌ بِمَا كَانَ يُتلِدُ
وَأكرَمَ صِيتاً في البيوتِ إِذَا انتَمَى ... وَأكرَمَ جَداً أبطَحِياً يُسَودُ
وَأمنَعَ ذروَاتٍ وَأثبتَ في العُلا ... دَعَائمَ عِز شَامِخَاتٍ تُشَيدُ
وَأثبَتَ فَرعاً في الفُرُوعِ وَمَنبِتاً ... وَعُودَاً غَذاهُ المزنُ فَالعُودُ أغيَدَ
رَبَاهُ وَليداً فَاستَتَم تَمَامُهُ ... عَلَى أكرَمِ الخَيرَاتِ رَب مُمَجدُ
تَنَاهَت وَصَاةُ المُسْلِمِينَ بِكَفًهِ ... فَلا العِلم مَحبُوس ولا الرَأي يُفنَدُ
أقُولُ ولا يلفَي لِقَولِيَ عَائِب ... مِنَ الناسِ إلا عَازِبُ الْعَقلِ مُبعَدُ
وَلَيسَ هَوَاي نَازِعاً عَن ثَنَائِهِ ... لَعَلي بِهِ في جَنةِ الخلدِ أخلدُ
مَعَ الْمُصطَفَى أرجُو بِذَاكَ جِوَارَهُ ... وفي نَيل ذَاكَ اليَومِ أسعَى وأجهَدُ
وقالت السيدة فاطمة - رضي الله عنها - : من الكامل:
ماذا علَى من شم تُربَةَ أحمَدٍ ... ألا يشَم من الزمَانِ غَوَالِيَا
صُبت على مَصَائب لو أنهَا ... صُبت عَلَى الأيامِ عُدنَ ليالِيَا
وقالت عاتكة بنت عبد المطلب - رضي الله عنها - : من البسيط:
عينيَّ جُودَا طوالَ الدهرِ وانهَمِرَا ... سَكباً وسَحا بدمعٍ غيرِ تَقديرِ
يا عينُ واستَحسِرِي بالدمعِ واحتَفِلِي ... حتَى الممَاتِ بسَجْلٍ غيرِ مَنْزورِ
يا عين وانهملِي بالدمعِ واجتهِدِي ... للمصطفَى دونَ خَلقِ الله بِالنورِ
بمستهل من الشؤبُوب ذي سبَلٍ ... فقد رُزِئت نبي العدلِ والخيرِ
وكنت من حَذَرٍ للمَوتِ مشفقةَ ... وللذي خُطَ مِن تلكَ المقاديرِ
من فَقدِ أزهَرَ ذي خلقٍ وذي فخر ... صافٍ من العَيبِ والعاهاتِ والزورِ
فاذهَب حَمِيدَا جزَاكَ الله مَغفرةً ... يومَ القيامةِ عِندَ النفخِ في الصورِ
وقالت أروى - أختها - بنت عبد المطلب - رضي الله عنها - : من الوافر:
ألا يَا عينُ ويحَكِ أسعِدِينِي ... بدمعٍ ما بقيتُ وطَاوِعِينِي
ألا يا عَين ويحكِ واستَهِلي ... على غيثِ البلادِ وأسعِدِينِي
فَإن عَذَلَتكِ عَاذِلةٌ فقولِي ... عَلامَ وفيمَ ويحَكِ تعذليني
عَلى نُور البِلادَ معاً جميعاً ... رَسُولِ الله أحمَد فاتْرُكِينِي
وإنْ لا تَقصرِي بالعَدلْ عني ... فَلُومي ما بَدَا لَكِ أو دَعِينِي
لأمرٍ هَدنِي وأدَك رُكْنِي ... وشَيّبَ بَعْدَ جِدَّتها قُرُوني
وقالت صفية بنت عبد المطلب - رضي الله عنها: من الخفيف:
لهفَ قَلْبِي وبتُ كالمسلوبِ ... أرق اللَيلُ مقلَةَ المحرُوب

(1/370)


من هموِم وحَسْرةٍ وَقَذَتْنِي ... ليتَ أني سبقْتُهَا لِشَعُوبَ
حينَ قالوا إن الرسولَ قد أمْسَى ... وافَقَتهُ مَنِيةُ المكتوبِ
إذْ رأينا أن النبيَّ صَرِيعْ ... فأشَابَ القَذَالَ أي مَشِيبِ
إذ رأينا بيوتَهُ مُوحِشَاتٍ ... ليس فيهنَّ بعد عَيْش حبيبِ
أورَثَ القلبَ ذاكَ حزناً طويلاً ... خالَطَ القلبَ فَهْوَ كالمرعُوبِ
ليتَ شِعرِي وكْيفَ أُمسي صحيحَاً ... بعد أنْ بِينَ بالرسُولِ القريبِ
أعظم الناسِ في البريةِ حَقاً ... سيدُ الناسِ حبه في القُلُوب
فَإلى الله ذاك أشكُو وحَسبيّ ال ... لهُ مولى وحَوْبتِي ونَحِيبِي
وقالت - أيضاً - : من المتقارب:
أفاطمُ فابْكِي ولا تَسْأمِي ... بصَحبِكِ ما طَلَعَ الكوكَبُ
هو المرءُ يبكي بحق البكا ... هو الماجِد السيّدُ الطيبُ
فأوحشَتِ الأرضُ من فقْده ... وإن البريةَ لا تنكبُ
فَمَا ليَ بَعْدَك حتى المما ... ت إلا الجَوَى الدَاخِل المُنْصِبُ
فَبَكى الرسولَ وحقَّتْ له ... شُهُودُ المدينةِ والغُيَّبُ
لِتَبْكِكَ شَمطاءُ مَضْرورةٌ ... إذا حُجِبَ الناسُ لا تحجَبُ
ليبكِكَ شيخ أبو ولدة ... يطوفُ بعقوتِهِ أشْهَبُ
ويبكك رَكب إذا أرمَلُوا ... فلم يكْفِ ما طلبِ المطلبُ
وتبكي الأباطحُ مِنْ فقده ... وتبكيه مَكةُ والأخْشَبُ
وتبكي وُعَيْرَةُ مِنْ فَقْدهِ ... بُحزْن ويُسْعِدُهَا المِثيبُ
أعْيَنيّ ما لَكِ لا تَدْمَعِين ... وحق لدمْعِكِ ما يَسْكُبُ
صلى الله عليه، وعلى آله، وصحبه إلى يوم الدين، وسلم.
وقال أبو الفتح: فيا له - في مثل ذلك - خطب جل عن الخطوب؛ ومصاب عَلم دمع العين كيف يصوب؛ ورزء غربت له النيرات، ولا تعلل بشروقها بعد الغروب.
وجاءت هجمة الموت؛ فلا نجاء منه لهارب، ولا فرار منه لمطلوب، ولا صباح له؛ فيجلو غياهبه الملمة ودياجيه المدلهمة، ولكل ليل إذا دجى صباح يئوب، ومن سر أهل الأرض، ثم بكى، سأبكي بعيون سرها، وقلوب.
فإنا لله، وإنا إليه راجعون من نار طويت عليها الأضالع، لا تخبو ولا تخمد، ومصيبة تستك منها المسامع، فلا يبلى على مر الجديدين حزنها المجدد.
المقصد الثالث:
في ذكر الخلفاء الأربعة
وذكر خلافة الحسن بن علي رضي الله عنهم أجمعين:
خلافة أبي بكر الصديق
رضي الله تعالى عنه:
قال ابن إسحاق: ابتدئ رسول الله صلى الله عليه وسلم بشكواه التي قبضه الله تعالى فيها إلى ما أراد به من كرامته ورحمته، في ليال بقين من صفر، أو في أول شهر ربيع الأول، فكان أول ما ابتدأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك - فيما ذكر لي - : أنه خرج إلى بقيع الغرقد من جوف الليل، فاستغفر لهم، ثم رجع إلى أهله، فلما أصبح - ابتدئ بوجعه من يومه ذلك.
قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن عمر، عن عبيد الله بن جبير مولى الحكم، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن أبي مويهبة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بعث إليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم من جوف الليل، فقال: يا أبا مويهبة، إني قد أمرت أن أستغفر لأهل البقيع، فانطلق معي؛ فانطلقت معه، فلما وقف بين أظهرهم، قال: " السلام عليكم يا أهل المقابر، ليهن لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه؛ أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، تتبع أخراها أولاها، الآخرة شر من الأولى " ؛ ثم أقبل علي فقال: " يا أبا مويهة، إني قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا، والخلد فيها ثم الجنة، فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة " . قال أبو مويهة: فقلت بأبي أنت وأمي، فخذ مفاتيح خزائن الدنيا، والخلد فيها، ثم الجنة - قال: " لا والله يا أبا مويهبة، لقد اخترت لقاء ربي، والجنة " ؛ ثم استغفر لأهل البقيع، وانصرف، فبدأ به في صبيحة ذلك اليوم وجعه الذي قبضه الله فيه.

(1/371)


وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: لما رجع - عليه الصلاة والسلام - من البقيع وجدني وأنا أجد صداعَاً في رأسي، وأنا أقول: وارأساه. فقال: " بل أنا والله وارأساه يا عائشة " ، ثم قال لي: " وما ضرك لو مت قبلي، فقمت عليك، وكفنتك، وصليت عليك، ودفنتك " . قالت: فقلت: والله لكأني بك لو قد فعلتَ ذلك لقد رجعتَ إلى بيتي فأعرست فيه ببعض نسائك. قالت: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وتتام به وجعه وهو يدور على نسائه حتى استعزَّ به مرضه - يعني اشتد - وهو في بيت ميمونة؛ فدعا نساءه فاستأذنهن في أن يمرض في بيتي، فأذن له، فخرج - عليه الصلاة والسلام - بين رجلين من أهله، أحدهما: الفضل بن العباس، ورجل آخر هو علي بن أبي طالب عاصباً رأسه، تخط قدماه حتى دخل بيتي.
ولما غمره الوجع قال: " أريقوا عليّ من سبع قرب من آبار شتى، حتى أخرج إلى الناس فأعهد إليهم " . قالت: فأقعدناه في مخضب لحفصة بنت عمر، فصببنا عليه الماء حتى طفق يقول " حسبكم، حسبكم " .
وقال الزهري: حدثني أيوب بن بشر: أنه - عليه الصلاة والسلام - خرج عاصباً رأسه حتى جلس على المنبر، ثم كان أول ما تكلم به: أن صلى على أصحاب أحد، واستغفر لهم، وأكثر الصلاة عليهم، وقال: " إن عبداً خيره الله بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عند الله " . قال: ففهمها أبو بكر - رضي الله عنه - وعرف أنه يريد نفسه؛ فبكى، وقال: بل نحن نفديك بأنفسنا، وأبنائنا. فقال: " على رسلك يا أبا بكر " ، ثم قال: " انظروا هذه الأبواب اللافظة في المسجد فسدوها إلا باب أبي بكر " . ثم استبطأ الناس في بعث أسامة، فقال: أيها الناس، أنفذوا بعث أسامة بن زيد، فلعمري، إن قلتم في إمارته، لقد قلتم في إمارة أبيه من قبله - وكان قد سمع قول الناس في إمارة أسامة: أمَّر غلاماً حدثاً على جلة المهاجرين، والأنصار - وإنه لخليق بالإمارة، وإن كان أبوه لخليقاً بها. ثم نزل عن المنبر، وانكمش الناس في جهازهم، واستُعزَّ - أي اشتد - برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه، فخرج، أسامة، وخرج جيشه معه حتى نزلوا الجرف من المدينة على فرسخ، فضرب به عسكره، وتتام الناس، وثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فأقام أسامة والناس ينتظرون ما الله قاض في رسوله.
ثم اجتمع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نسائه أم سلمة، وميمونة، ونساء من نساء المسلمين، منهن: أسماء بنت عميس، وعنده العباس عمه، فأجمعوا أن يلدُّوه - واللد: رفع اللسان، وإدخال المسعط في الحلق من وسط الفم، فإن كان من أحد الشقين فهو الإيجار، وأما اللدود، فهو الدواء نفسه - فلما أفاق - عليه الصلاة والسلام - قال: من وضع هذا بي. قالوا: يا رسول الله، عمك. قال: هذا دواء أتى به نساء جئن من نحو هذه الأرض، وأشار نحو أرض الحبشة. قال: ولم فعلتم ذلك. قال عمه: خشينا يا رسول الله، أن يكون بك داء الجنب. فقال: - عليه الصلاة والسلام - : إن ذلك لداء ما كان الله ليقذفني به، أو ليعذبني، وفي رواية إنها لم تسلط علي، لا يبقى أحد في البيت إلا لد، إلا عَمي. فلقد لدت ميمونة، وإنها لصائمة، لقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم عقوبة لهم بما صنعوا.
ولما كان يوم الاثنين، الذي قبض فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، خرج عاصباً رأسه إلى الصبح، وأبو بكر يصلي بالناس، فلما خرج تفرج الناس، فعرف أبو بكر أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنكص عن مصلاه، فدفع - عليه الصلاة والسلام - في ظهر أبي بكر، وقال: صل بالناس، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنبه، فصلى قاعداً عن يمين أبي بكر.
فلما فرغ من الصلاة أقبل على الناس، فكلمهم رافعاً صوته حتى خرج صوته من باب المسجد، يقول: أيها الناس، سعرت النار، وأقبلت الفتن كالليل المظلم، إني والله ما تمسكون علي بشيء، وإني لم أحل إلا ما أحل القرآن، ولم أحرم إلا ما حرم القرآن. فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من كلامه، قال له أبو بكر: يا رسول الله، إني أراك قد أصبحت بنعمة من الله، وفضل كما تحب، واليوم يوم بنت خارجة - يعني زوجته - أفآتيها؟ قال: نعم. ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرج أبو بكر إلى أهله بالسنح - بالسين المهملة المضمومة، والحاء المهملة آخر الحروف - : اسم مكان بالعالية.

(1/372)


قال: وخرج علي بن أبي طالب يومئذ على الناس من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له الناس: يا أبا الحسن كيف رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: أصبح بحمد الله بارئاً. قال فأخذ العباس بيد علي ثم قال له: أنت والله عبد العصا بعد ثلاث، أحلف بالله، لقد رأيت الموت في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كنت أعرفه في وجوه بني عبد المطلب، فانطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن كان هذا الأمر فينا عرفناه، وإن كان في غيرنا أمرناه، فأوصى بنا الناس. فقال له علي: إني والله لا أفعل ذلك، والله لئن منعناها لا يؤتيناها، أحد بعده.
فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اشتد الضحى من ذلك اليوم.
وروى الزهري، عن عروة، قال: قالت عائشة لما رجع - عليه الصلاة والسلام - ذلك اليوم من المسجد - : دخل إليَّ، فاضطجع في حجري، فدخل علي رجل من آل أبي بكر وفي يده سواك أخضر، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه نظراً عرفت أنه يريده، فقلت: أتحب أن أعطيك هذا السواك؟ قال: نعم. قالت: فأخذته، فمضغته حتى لينته، ثم أعطيته إياه، فاستن كأشد ما رأيته استن بسواك قط، ثم وضعه. ووجدته - عليه الصلاة والسلام - يثقل في حجري فذهبت أنظر في وجهه، فإذا بصره قد شخص، وهو يقول: " بل الرفيق الأعلى من الجنة " .
قال ابن إسحاق: وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه قال: سمعت عائشة - رضي الله عنها - تقول: مات رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سحري ونحري، وفي دولتي لم أظلم فيه أحدَاً، فمن سفهي وحداثة سني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض وهو في حجري، ثم وضعت رأسه على وسادة، ثم قمت مع النساء: ألتدم، وأضرب وجهي.
وعن سالم بن عبيد الأشجعي قال: لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم صار عثمان يضرب على وجهه كالنساء، وأقعد علي - رضي الله عنهما - ، وأخذ عمر - رضي الله عنه - بقائم سيفه وقال: لا أسمع أحداً يقول: مات رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ضربت عنقه بسيفي، ويقول: إنما أرسل إليه كما أرسل إلى موسى - عليه الصلاة والسلام - فلبث عن قومه أربعين ليلة، والله، إني لأرجو أن يقطع أيدي رجال، وأرجلهم. فقال الناس: يا سالم، اطلب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فخرجت من المسجد فإذا بأبي بكر، فلما رأيته أجهشت بالبكاء - فقال: مالك يا سالم، أمات رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! فقلت: إن هذا عمر بن الخطاب يقول: لا أسمع أحداً يقول: مات رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ضربت عنقه بسيفي هذا، فأقبل أبو بكر حتى دخل، فلما رآه الناس سمعوا إليه، فدخل على النبي صلى الله عليه وسلم، وهو مسجى ببردة، فرفع البردة عن وجهه، ووضع فاه على فيه فقبله، فاستنشأ الريح، ثم سجاه. ثم صعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، وقال: إن كان محمد إلهكم الذي تعبدونه، فإن إلهكم قد مات، وإن كان إلهكم الذي في السماء، فإن إلهكم حي لا يموت. ثم تلا " وَمَا مُحَمَّدٌ إلا رَسُول قَد خلت مِن قَبْلِهِ الرسُل " إلى " الشَاكرِينَ " آل عمران: 144.
قال الزهري: فأخبرني سعيد بن المسيب: أن عمر بن الخطاب قال: والله ما هو إلا أن تلاها أبو بكر حتى عقرت، وأنا قائم، وخررت إلى الأرض، وأثبت حينئذ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات. قال: فوالله لكأن الناس لم يعلموا أن هذه الآية نزلت حتى تلاها أبو بكر - رضي الله عنه - يومئذ، فأخذها الناس عن أبي بكر، فإنما هي في أفواههم.
وعن جعفر بن محمد عن أبيه أن عمر حدثه قال: أقبل أبو بكر من السنح منزله بالعالية - حين بلغه الخبر إلى بيت عائشة - رضي الله عنها - فأذنت له، فدخل، فكشف عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل يقبله، ويبكي، ويقول: توفي والذى نفسي بيده، صلوات الله عليك يا رسول الله، ما أطيبك حياً وميتاً.

(1/373)


وفي رواية عن عائشة فوضع فاه بين عينيه، ووضع يديه على صدغيه، وقال: وانبياه، واخليلاه، واصفياه. أخرجه ابن عرفة العبدي. ثم خرج إلى المسجد فوجد عمر يكلم الناس، ويقول - وهو شاهر سيفه - : من قال: " إن محمداً قد مات... " إلى آخره، فقال له: على رسلك يا عمر، أنصت، فأبى عمر إلا أن يتكلم، فلما رآه أبو بكر لا ينصت، جاء إلى المنبر، فقام عليه، ونادى: أيها الناس اجلسوا وأنصتوا، فجلسوا، وأنصتوا فتشهد شهادة الحق، ثم قال: إن الله تعالى نعى إليكم نبيكم، وهو حي بين أظهركم، ونعى لكم أنفسكم، وهو الموت حتى لا يبقي أحداً. إلا إن الله تعالى يقول: " وَمَا مُحَمَّذ إلا رَسُول قَد خلت مِن قبلِهِ الرسُل " إلى قوله " الشاكرِين " آل عمران - 144، وقال: " إِنك مَيتُ وَإِنَّهُم ميتُونَ " الزمر: 30 وقال: " كل نَفسٍ ذائقَةُ الموت " آل عمران - 185، وقال: " ولا تَدعُ مع الله إِلهاً آخَرَ لا إلَهَ إلا هُو كل شَيءٍ هَالِك إلا وَجهَهُ " القصص: 88، وقال: " كُلُ مَنْ عليها فَانِ وَيبقى وَجهُ رَبِك ذوُ الجَلاَلِ وَالإكرامِ " الرحمن: 26، 27؛ ثم قال: إن الله - عز وجل عمّر محمداً، وأبقاه حتى أقام دين الله، وأظهر أمر الله، وبلغ رسالة الله، وجاهد أعداء الله حتى توفاه الله على ذلك، وترككم على الطريقة، فلا يهلك هالك إلا بعد التنبه، والشفاء، والنور، فمن كان الله ربه، فإن الله حي لا يموت؛ فليعبده، ومن كان يعبد محمداً، أو يراه إلهَاً، فقد هلك إلهه. فأقبلوا أيها الناس، واعتصموا بدينكم، وتوكلوا على ربكم،؛ فإن دين الله قائم، وكلمته باقية، وإن الله ناصر دينه، ومعز أهله، وإن كتاب الله بين أظهركم، وهو النور والشفاء، وبه هدى الله محمداً صلى الله عليه وسلم، وفيه حلال الله وحرامه، ولا والله ما نبالي من أجلب علينا من خلق الله، إن سيوفنا مسلولة ما وضعناها بعد، ونجاهد من خالفنا كما جاهدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يبقين أحد إلا على نفسه.
قال ابن إسحاق: لما قبض - عليه الصلاة والسلام - انحاز هذا الحي من الأنصار بأجمعهم إلى سقيفة بني ساعدة منزل سعد بن عبادة، واعتزل علي بن أبي طالب، وبنو هاشم، والزبير، وطلحة بن عبيد الله وخالد بن سعيد بن العاص، وعمار بن ياسر، والمقداد بن عمرو البهراني، وأبو سعيد الخدري، وجماعة آخرون في بيت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانحاز المهاجرون ما عدا أولئك إلى أبي بكر الصديق، وانحاز معهم أسيد بن حضير في بني عبد الأشهل من الأنصار فانحازت إلى أبي بكر وعمر، فقال: إن هذا الحي من الأنصار مع سعد بن عبادة قد انحازوا إليه، فإن كان لكم بأمر الناس حاجة، فأدركوا الناس قبل أن يتفاقم الأمر، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته لم يفرغ عن أمره، وقد أغلق دونه الباب أهله. قال عمر: فقلت لأبي بكر: انطلق بنا إلى إخواننا حتى ننظر ما هم عليه، فانطلقنا نؤمهم حتى لقيَنا رجلان صالحان، فذكرا لنا الذي صنع القوم، وقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ فقلت: نريد إخواننا من الأنصار، فقالا: لا عليكم أن تقربوهم، واقضوا أمركم يا معشر المهاجرين، فقلت: والله لنأتينهم.
فانطلقنا حتى جئناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا هم مجتمعون، وإذا بين ظهرانيهم رجل مزمل، فقلت: ما هذا؟! قالوا سعد بن عبادة، فقلت ما له؟! قالوا وجع. فلما جلسنا قام خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله، وقال: أما بعد فنحن أنصار الله، وكتيبة الإسلام. وأنتم يا معشر المهاجرين رهط منا، وقد دفت دافة منكم - أي دبّ قوم منكم بالاستعلاء، والترفع - علينا تريدون أن تختزلونا من أصلنا، وتحضنونا من الأمر - أي تنحونا عنه - وتستبدوا به دوننا.
فلما سكت أردت أن أتكلم، وقد كنت زوّرت مقالة أعجبتني، أردت أن أقولها بين يدي أبي بكر، فقال لي أبو بكر: على رسلك، فكرهت أن أعصيه، وكان أعلم مني، ثم تكلم، فوالله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قالها في بديهته، وأفضل.

(1/374)


قال: أما بعد فما ذكرتم من خير فإنكم أهله، ولم تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسباً وداراً، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين، أيهما شئتم - وأخذ بيدي، ويد أبي عبيدة - فلم أكره مما قال غيرها، وكان والله أن أقدَّم فتضرب عنقي - لا يقربني ذلك من إثم - أحبَّ إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر.
فقال الحباب بن المنذر - من الأنصار - : أنا جُذيلها المحكَك، وعُذَيقها المرجب، وقام يحجل بهذه الكلمة: منا أمير، ومنكم أمير يا معشر قريش، وقام رجل آخر منهم، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استعمل الرجل منكم يقرن معه رجلاً منا، فنرى أن يلي هذا الأمر رجلان: منكم، ومنا. وتتابعت خطباؤهم على ذلك، وكثر اللغط، وارتفعت الأصوات حتى خشيت الاختلاف.
فقام زيد بن ثابت، فقال: يا معشر الأنصار، تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من المهاجرين، وخليفته من المهاجرين، ونحن كنا أنصار الله فنكون أنصار خليفته، ثم أخذ بيد أبي بكر، فقال: هذا صاحبكم، فبايعه عمر، ثم بايعه المهاجرون، والأنصار، فقال قائل: قتلتم سعداً. فقال عمر: قتل الله سعداً.
قال عطاء بن السائب: لما استخلف أبو بكر أصبح وعلى رقبته أثواب يتجر فيها، فلقيه عمر، وأبو عبيدة، فكلماه، فقال: من أين أطعم عيالي؟! قالا: انطلق حتى نفرض لك، قال ففرضوا له كل يوم شطر شاة، وما كسوه في الرأس، والبطن. قال في الرياض: قال ابن قتيبة: بويع أبو بكر الصديق بالخلافة يوم قبض عليه الصلاة والسلام في سقيفة بني ساعدة، وبويع بيعة العامة على المنبر في الغد، يوم الثلاثاء.
قال أبو عمر: وتخلف عن بيعته: سعد بن عبادة، وطائفة من قومه الخزرج، وطائفة من قريش، ثم بايعوه بعد، غير سعد بن عبادة فإنه لم يبايعه، ولم يبايع بعده عمر إلى أن مات بحوران في خلافة عمر، رضي الله عنهما.
قال ابن شهاب - وهو الزهري - : وغضب رجال من المهاجرين في بيعة أبي بكر، منهم: علي، والزبير، فدخلا في بيت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعهما السلاح، فجاء عمر بن الخطاب في عصابة من المسلمين، منهم: أسيد بن حضير، وسلمة بن وقش، وثابت بن قيس بن شماس الخزرجي، ومحمد بن مَسْلمة - ويقال كان فيهم عبد الرحمن بن عوف - فكلموهما، فأخذ أحدهم سيف الزبير، فضرب به الحجر حتى كسره، والضارب بسيف الزبير هو: محمد بن مسلمة، أخرجه موسى بن عقبة.
قال في الرياض: وهو محمول - على تقدير صحته - على تسكين نار الفتنة، وإغماد سيفها لا على قصد إهانة الزبير. قلت: بل التحريك في هذا التسكين.
تخلف عن بيعة أبي بكر يومئذ - سعد بن عبادة، وطائفة من الخزرج، وعلى بن أبي طالب، وابناه، والزبير، والعباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبنوه من بني هاشم، وطلحة، وسلمان، وعمار، وأبو ذر، والمقداد، وغيرهم، وخالد بن سعيد بن العاص، ثم إنهم بايعوا كلهم، فمنهم من أسرع ببيعته، ومنهم من تأخر حيناً، إلا ما روى عن سعد بن عبادة فإنه لم يبايع أبا بكر ولا عمر إلى أن مات كما تقدم آنفاً. وقال ابن سعد: أنبأنا محمد بن عمر: حدثني محمد بن صالح، عن الزبير بن المنفر بن أبي أسيد الساعدي: أن أبا بكر بعث إلى سعد بن عبادة أن أقبل، فبايع، فقد بايع الناس، فقال: لا، والله لا أبايع حتى أراميكم بما في كنانتي، وأقاتلكم بمن معي.
قال، فقال بشير بن سعد: يا خليفة رسول الله إنه أبي ولجّ، وليس بمبايعكم، أو يقتل، ولن يقتل حتى يقتل معه ولده وعشيرته، ولن يقتلوا حتى تقتل الخزرج؛ فلا تحركوه، فقد استقام لكم الأمر، وليس بضاركم، وإنما هو رجل واحد ما تُرك. فقبل أبو بكر نصيحة بشير.
قال: فلما ولي عمر لقيه ذات يوم فقال: إيه يا سعد، فقال: إيه يا عمر، فقال عمر: أنت صاحب ما أنت صاحبه؟ قال: نعم، وقد أفضي إليك هذا الأمر، وقد كان والله صاحبك أحب إلينا منك، وقد والله أصبحت كارهاً لجوارك، فقال عمر: إنه من كره جوار جاره تحوّل عنه، قال أما إني غير مستسر بذلك، وأنا متحول إلى جوار من هو خير منك. فلم يلبث أن خرج مهاجراً إلى الشام، فمات بحوران لسنتين ونصف من خلافة عمر، سنة خمس عشرة من الهجرة.

(1/375)


وقال محمد بن عمر: حدثنا يحيى بن عبد العزيز بن سعد بن عبادة عن أبيه قال: ما علم بموت سعد حتى سمع بالمدينة غلمان في بئر ممية أو بئر سكنهم، يقتحمون نصف النهار قائلاً من البئر: من الهزج:
قَتَلنَا سَيدَ الخَزرَ ... جِ سَعدَ بنَ عُبَادَه
رَمَينَاهُ بِسَهمَينِ ... فَلَم نُخطِئ فُؤَادَهْ
فذعر الغلمان، فحفظ ذلك اليوم، فوجدوه اليوم الذي مات فيه. وإنما جلس يبول في ثقب فقتل ساعته، ووجدوه قد اخضر جلده - رضي الله عنه - قال: وكان سعد لا يصلي بصلاتهم، ولا يصوم بصومهم، وإذا حج لم يفض بإفاضتهم.
عن محمد بن سيرين،: لما بويع أبو بكر، وتخلف علي - كرم الله وجهه - عن مبايعته، وجلس في بيته بعث إليه أبو بكر: ما أبطأ بك عني؟! أكرهت إمارتي؟! قال علي: ما كرهت إمارتك، ولكنى آليت ألا أرتدي بردائي إلى الصلاة حتى أجمع القرآن. قال ابن سيرين: فبلغني أنه كتبه علي على تنزيله، ولو أصيب ذلك الكتاب لوجد فيه علم كثير.
وعن عائشة - رضي الله عنها - أن علياً مكث ستة أشهر حتى توفيت فاطمة - رضي الله تعالى عنها - ، ثم بايع أبا بكر، ولم يبايع أحد من بني هاشم حتى بايع علي، رضي الله عنه وكرم وجهه.
وفي البخاري من حديث عائشة أن فاطمة أرسلت إلى أبي بكر؛ تسأله ميراثها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الذهبي: قال الزهري، عن عروة، عن عائشة: إن فاطمة سألت أبا بكر بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن يقسم لها ميراثها مما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم مما أفاء الله عليه من المدينة، وفَدك، وسهمه من خيبر، فقال لها: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا نورث ما تركناه صدقة " فغضبت، وهجرت أبا بكر فلم تكلمه حتى توفيت، ودفنها علي ليلاً ولم يؤْذِن بها أبا بكر، وأرسل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر، يسألنه ميراثهن مما أفاء الله على رسوله حتى كنت أنا رددتهن، فقلت لهن؛ ألا تتقين الله، ألم تسمعن من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " لا نورث، ما تركناه صدقة " وإنما يأكل آل محمد في هذا المال كفافاً.
وقال أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة يرفعه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا يقتسم ورثتي ديناراً، ولا درهماً، ما تركت بعد نفقة نسائي، ومؤنة عيالي فهو صدقة " .
وعن أبي صالح مولى أم هانئ: أن فاطمة دخلت على أبي بكر فقالت: يا أبا بكر أرأيت لو مت اليوم، من كان يرثك. قال: أهلي، وولدي، فقالت: مالك ترث رسول الله صلى الله عليه وسلم دون أهله، وولده. قال: ما فعلت، يا بنة رسول الله، قالت: بلى، قد عمدت إلى فدك، وقد كانت صافية لرسول الله، فأخذت، وعمدت إلى ما أنزل الله من السماء، فرفعته منا! فقال: لم أفعل، حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن الله يطعم النبي الطعمة ما كان حياً، فإذا قبض رفعها. قالت أنت ورسول الله أعلم، ما أنا بسائلتك بعد مجلسي هذا.
وعن أبي الطفيل: لما قبض النبي صلى الله عليه وسلم أرسلت فاطمة إلى أبي بكر: أنت ورثتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، أم أهله؟! قال: لا، بل أهله! قالت: فأين سهمه؟ قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: " إن الله إذا أطعم نبياً طعمة، ثم قبضه جعلها للذي يقوم من بعده " ، فرأيت أن أرده على المسلمين. قالت: أنت، وما سمعت من رسول الله - أعلم - رواه أحمد في مسنده.

(1/376)


وعن أنس - رضي الله عنه - أن فاطمة أتت أبا بكر، فقالت: قد علمنا الذي خلفنا عنه من الصدقات أهل البيت، ثم قرأت عليه: " وَاعلَمُوا أنْما غَنِمتُم مِّن شَيء فَإنَ لِلهِ خُمسَهُ وَللرسُولِ " الانفال: 41، إلى آخر الآية، فقال لها بأبي، وأمي أنت، ووالدك، وعلى السمع، والبصر كتاب الله وحق رسول الله، وحق قرابته، أنا أقرأ من كتاب الله مثل الذي تقرئين، ولا يبلغ علمي فيه أن لذي قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا السهم كله من الخمس يجري بجملته عليهم قالت؛ أفلك هو، ولقرابتك؟! قال: لا، وأنت عندي أمينة مصدقة، فإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إليك في ذلك عهداً، أو وعدك موعداً أوجبه لكم حقاً صدقتك، وسلمته إليك. قالت: لا، إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل عليه ذلك، قال: أبشروا آل محمد؛ فقد جاءكم الغنى - قال أبو بكر: صدقت فلك الغنى، ولم يبلغ علمي فيه، ولا لهذه الآية سهم أن يسلم هذا السهم كله كاملاً، ولكن لكم الغنى الذي يغنيكم، ويفضل عنكم، فانظري هل يوافقك على ذلك أحد منهم؟ فانصرفت إلى عمر، فذكرت له كما ذكرت لأبي بكر، فقال لها مثل الذي راجعها به أبو بكر؛ فعجبت، فظنت أنهما قد تذاكرا ذلك، واجتمعا عليه.
قال أبو حمزة العسكري، عن ابن أبي خالد، عن الشعبي قال: لما مرضت فاطمة - رضي الله عنها - أتاها أبو بكر، فاستأذن، فقال علي: يا فاطمة هذا أبو بكر يستأذن عليك، فقالت: أتحب! أن آذن له؟ قال: نعم، فأذنت له، فدخل عليها يترضاها، فقال: والله ما تركتُ الدار، والمال، والأهل، والعشيرة إلا ابتغاء مرضاة الله، ورسوله، ومرضاتكم أهل البيت. ثم ترضاها حتى رضيت، رضي الله تعالى عنها.
وعن الزهري قال: حدثني من سمع من ابن عباس يقول: كان عمر عرض علينا أن يعطينا من الفيء ما يرى أنه لنا من الحق، فرغبنا عن ذلك وقلنا له: ما سمى الله من حق ذي القربى، وهو خمس الخمس، فقال عمر: ليس لكم ما تدعون لكم حق، إنما جعل الله الخمس لأصناف سماهم، أسعدهم فيه حظاً أشدهم فاقة، وأكثرهم عيالاً. قال: فكان عمر يعطي من قبل منا من الخمس والفيء ما يرى أنه لنا، فأخذ منا ناس، وترك ناس.

(1/377)


وذكر أن مالك بن أوس بن الحدثان النضري، قال: كنت عند عمر - رضي الله عنه - فأتاه حاجبه يرفأ، فقال: هل لك في: عثمان، والزبير، وعبد الرحمن، وسعد يستأذنون. قال: نعم، فدخلوا، وسلموا، وجلسوا، ثم لبث يرفأ قليلاً، ثم قال لعمر: هل لك في علي، والعباس. قال: نعم، فلما دخلاً سلما، فجلسا - فقال العباس: يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا الظالم الفاجر الغادر الخائن - قلت: العلم أمانة، ولولا أن هذه الألفاظ مذكورة في فتح الباري وغيره لما ذكرتها، رضي الله تعالى عنهما وأرضاهما - فاستبّا، فقال عثمان، وغيره: يا أمير المؤمنين، اقض بينهما، وأرح أحدهما من الآخر، فقال؛ أنشدكما بالله، هل تعلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا نورث ما تركناه صدقة؟ " قالا: قد قال ذلك. قال فإني أحدثكم عن هذا الأمر، إن الله كان قد خص رسوله في هذا الفيء بشيء لم يعطه غيره، فقال - تعالى: " وَما أفاء اللهُ عَلى رَسُولِه مِنهم فَمَا أوجَفتُم عَلَيهَ مِن خَيلِ وَلا رِكابٍ وَلَكنَّ الله يَسُلطُ رُسُلَه عَلىَ مَن يَشَاء وَأللهُ عَلى كل شَيء قَدِير " الحشر: 16 فكانت هذه خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وايمُ الله ما اختارها دونكم، ولا استأثر بها عليكم، لقد أعطاكموها، وبثها فيكم حتى بقي منها هذا المال، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال، ثم يجعل ما بقى مجعل مال الله، أنشدكما بالله، هل تعلمان ذلك. قالا: نعم. قال: ثم توفى الله نبيه، فقال أبو بكر: أنا ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخليفته، فقبضها، وعمل فيها بما عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنتما تزعمان أن أبا بكر فيها كاذب، فاجر، غادر، والله يعلم إنه فيها لصادق، بار، راشد، ثم توفاه الله، فقلت: أنا ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وولي أبي بكر، فقبضتها سنتين من إمارتي، أعمل فيها بعمله، وأنتما حينئذ - وأقبل على علي والعباس - تزعمان إني فيها كاذب، فاجر، غادر، والله يعلم إني فيها لصادق، بار، راشد تابع للحق، ثم جئتماني وكلمتكما واحدة، وأمركما جميع، فجئتني تسألني عن نصيبك يا عباس، من ابن أخيك، وجاءني هذا - يشير إلى علي - يسألنى عن نصيب امرأته من أبيها، فقلت لكما: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لا نورث، ما تركناه صدقة " فلما بدا لي أن أدفعها إليكما قلت: إذا شئت دفعتها إليكما على أن عليكما عهد الله وميثاقه لتعملان فيها بما عمل فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبما عمل فيها أبو بكر، وإلا فلا تكلماني، فقلتما: ادفعها إلينا بذلك؛ فدفعتها إليكما. أنشدكما بالله، هل دفعتها إليكما بذلك؟ قالا: نعم. قال: أفتلتمسان منى قضاء غير ذلك؟! فوالذي بإذنه تقوم السماء والأرض، لا أقضي فيها غير ذلك حتى تقوم الساعة، فإن عجزتما عنها؛ فادفعاها إلي أكفيكماها. فانصرفا. فكانت هذه الصدقة بيد علي، غلب عليها العباس، ثم كانت بيد الحسين، ثم بيد علي بن الحسين، والحسن المثني ابن الحسن السبط، يتداولانها، ثم بيد زيد، وهي صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم حقاً.
قال العلامة السيوطي - رحمه الله تعالى - لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم اشرأب النفاق، وارتدت العرب، وانحازت الأنصار، واختلفوا أين يدفن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما وجد عند أحد من ذلك علم، فقال أبو بكر - رضي الله عنه - : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ما من نبي يقبض إلا دفن تحت مضجعه الذي مات فيه " ، واختلفوا في ميراثه، فما وجدوا عند أحد علماً من ذلك، فقال أبو بكر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة " .
قال بعض العلماء: هذا أول اختلاف وقع بين الصحابة.

(1/378)


ولما اشتهرت وفاته - عليه الصلاة والسلام - بالنواحي وارتدت طوائف من العرب، ومنعوا الزكاة؛ نهض أبو بكر الصديق إلى قتالهم، فقال عمر: فتر عن قتالهم، فقال أبو بكر: والله لو منعوني عقالاً - أو عناقاً - كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها، فقال عمر: كيف نقاتلهم، وقد قال - عليه الصلاة والسلام - : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، فمن قالها عصم مني ماله ودمه إلا بحقها، وحسابه على الله؟! " فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، وقد قال: " إلا بحقها " ، قال عمر: فوالله ما هو، إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر - رضي الله عنه - للقتال؛ فعرفت أنه الحق.
وذكر جماعة من المؤرخين، وغيرهم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان وجه أسامة بن زيد - رضي الله عنهما - في سبعمائة رجل إلى الشام، فلما نزل بذي خُشب قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، وارتدت العرب، فاجتمعت الصحابة - رضي الله عنهم - وقالوا للصديق: ردّ هؤلاء - يعنى أسامة وأصحابه - فقال: والله الذي لا إله إلا هو، لو جرت الكلاب بأرجل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ما رددت جيشاً جهزه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا حللت لواء عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمر أسامة أن يمضي لوجهه، وقال أبو بكر: أرأيت أن تأذن لعمر - رضي الله عنه - بالمقام عندي، أستأنس به، وأستعين برأيه؟ فقال أسامة - رضي الله عنه - قد فعلت.
وسار أسامة، فجعل لا يمر بقبيلة تريد الارتداد إلا قالوا: لولا أن لهؤلاء قوة ما خرج مثل هذا الجيش من عندهم، فلقوا الروم، فقاتلوهم، وهزموهم، ورجعوا سالمين.
وكان لعلي من الناس وجه حياة فاطمة، فلما توفيت استنكر علي وجوه الناس، فالتمس مصالحة أبي بكر، ولم يكن بايع تلك الأشهر، فأرسل ابنه الحسن إلى أبي بكر: أن ائتنا، ولا يأتنا أحد معك، وكره أن يأتيه عمر لما علم من شدته، فقال عمر: والله لا تدخل عليهم وحدك. فقال أبو بكر: والله لآتينهم وحدي، وما عسى أن يصنعوا بى؟! فانطلق أبو بكر حتى دخل على علي وقد جمع بني هاشم عنده، فقام علي، فحمد الله، وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد فإنه لم يمنعنا أن نبايعك إنكار لفضيلتك، ولا نفاسة عليك بخير ساقه الله إليك، ولكنا كنا نرى أن لنا في هذا الأمر حقاً، فاستبديتم به علينا، ثم ذكر قرابته منه - عليه الصلاة والسلام - وحقه، فلم يزل علي يذكر ذلك حتى بكى أبو بكر.
فلما صمت على - رضي الله عنه - تشهد أبو بكر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فوالله، لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي أن أصلهم من قرابتى، والله ما آلوكم في هذه الأحوال التي كانت بيني وبينكم من الخير، ولكني سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا نورث، ما تركناه صدقة، وإنما يأكل آل محمد من هذا المال... " إلى آخر ما تقدم.
وفي رواية: " أما بعد فوالله ما فعلت ذلك إلا أني خشيت الفتنة... " إلى آخر ما تقدم من قوله لفاطمة في السابق - " وإني والله لا أذكر صنيعه فيه إلا صنعته " ، إن شاء الله تعالى.
ثم قال علي: موعدك العشية للبيعة. فلما صلى أبو بكر الظهر أقبل على الناس، ثم عذر علياً ببعض ما اعتذر به له، ثم قام علي، فعظم من حق أبي بكر، فذكر فضيلته وسابقته، ثم مضى إلى أبي بكر، فبايعه، وأقبل الناس على علي، فقالوا: أصبت، وأحسنت. هذا حديث صحيح، متفق عليه.

(1/379)


قال في الرياض: قوله: " استبديتم " أو " استبددتم " أي انفردتم به دوننا. وقوله: " كنا نرى أن لنا في هذا الأمر حقاً " المراد بالأمر: الخلافة، ويؤيده: أن علياً بعث إلى أبي بكرة ليبايعه، فقدم العذر في تخلفه أولاً، فقال: لم نمتنع نفاسة عليك، ولا كذا، ولا كذا ولكنا كنا نرى أن لنا في هذا الأمر حقاً، فعلم بالضرورة أن الأمر المشار إليه بلام العهد هو: ما تضمنه الكلام الأول، فالمراد به حق في الخلافة إما بمعنى الأحقية أي: كنا نظن أنا أحق منكم بهذا الأمر بقرابتنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم مضافاً إلى ما اجتمع فينا من أهلية الإمامة مما ساوينا فيه غيرنا، وإما بمعنى إني أستحق استحقاقاً مساوياً لاستحقاقكم على تقدير انضمام القرابة إليه إذ القرابة معنى تحصل به الراجحية وإنه ليس بأحق، ولا يلزم من تخلفه تلك المدة عدم صحة خلافة أبي بكر، ولا من سكوته عن الإنكار الإقرار على الباطل؛ لأنا نقول: إن تخلفه لرؤيته الأحقية له كان أول وهلة، وغاب عنه إذ ذاك ما كان يعلمه من حق أبي بكر، وفيه من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم مما سيذكر في فضائله من الأربعة عشر الحديث الدالة على خلافته ظاهراً، بل وصريحاً إن صحت زيادة قوله في الحديث: " وهو الخليفة من بعدى " ، فلما اجتمع الجم الغفير على ولاية أبي بكر - اتهم نظره في حق نفسه، ثم إنه لم ير المبادرة إلى إظهاره والمطالبة بمقتضاه حتى بذل جهده في التنقير والنظر وإمحاص الفكر، فإن ذلك من الوقائع العظيمة في الدين، وفيه تفريق كلمة من أجمع من المسلمين، فلم يقنع فيه بتبادر النظر، خشية استمالة الهوى الجبلي، وحب الرياسة الطبيعي، ولا رأى الموافقة لما استقر في ذهنه من رؤية أحقيته فيما يستحق به الإمامة، وتعين وجوب القيام بالأمر عليه لكونه أحق، وكان ذلك في بادي النظر قبل الإمعان فيه، فتخلف عن الأمرين؛ سالكاً في ذلك الطريق الورع والاحتياط فيما عنده، باذلاً جهده في الاجتهاد والنظر تلك المدة مجتهداً، فلما تبين له أحقية أبي بكر وفضيلته، بتذكر مقتضيات الأفضلية، ووافق ذلك موت فاطمة - رضي الله عنها - أرسل إلى أبي بكر، واعتذر إليه؛ بأنه استبان أحقيته، وسياق هذا اللفظ مشعر: بأن تلك الرؤية قد زالت، ولم يكن ذكره القرابة إقامة للحجة على أبي بكر، فإنه يعتذر، ولا تليق المحاجة بالمعتذر، وإنما كان إظهاراً لمستند تخلفه، وبياناً لمعتمد تمسكه، لكيلاً يظن فيه أن تخلفه كان لهوى متبع بغير هدى من الله تعالى لا عن اجتهاد ونظر، وإن لم يكن صحيحاً، إذ المجتهد معذور، وإن أخطأ، ولذلك كان له أجر.
وهذا التأويل مما يجب اعتقاده، وينبغي المصير إليه.
وما قاله بعضهم من أنه - رضي الله عنه - إما أن يعتقد صحة خلافة أبي بكر مع أحقيته فيكون تخلفه عن البيعة، ومفارقة الجماعة، ونزع ربقة الطاعة - عدولاً عن الحق وماذا بعد الحق إلا الضلال، وهو مبرأ عن ذلك، ومنزه عنه، أو لا يعتقد صحتها؛ فيكون قد أقر على الباطل؛ لأنه - رضي الله عنه - قد أقر الطير على مكانها، ولم يظهر منه نكير على فعلهم لا بقول ولا بفعل مع قوة إيمانه، وشدة بأسه، وكثر ناصره، وكفى بفاطمة، والعباس عمه، وبنى هاشم بأجمعهم ومن معه من الصحابة ظهيراً ونصيراً مع ما أسس له - عليه الصلاة والسلام - من القواعد في العقائد، وأن موالاته ومحبته، من محبته والدعاء لمن والاه وعلى من عاداه، ومع ذلك كله لم يظهر منه ما يقتضيه حال مثله من إنكار الباطل بحسب طاقته، فلو كان باطلاً لزم تقريره الباطل، واللازم باطل كذلك، فالملزوم كذلك، فقد تقدم الجواب عنه آنفاً. والقول الذي تدعيه الروافض ومن نحا نحوهم؛ أن سكوته كان تقية، باطل غريق في البطلان، فإن مقتضى ذلك: إما ضعف في الدين، أو في الحال.
فالأول: باطل إجماعاً، والثاني - أيضاً - : باطل لما قررنا آنفاً، ويؤيده قوله - عليه الصلاة والسلام - في الحديث الذي رواه الحسن البصري المتضمن نفي العهد إليه بالخلافة وفيه: " لو كان عندي عهد من النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك ما تركت أخا بني، تيم بن مرة، وعمر بن الخطاب، يقومان على منبره، ولقاتلتهما بيدي، ولو لم أجد إلا بردتي هذه " الحديث.

(1/380)


وهذا أدل دليل على أنه لم يسكت تقية، إذ لو علم بطلان ذلك وأنه المتصف بها دونه لتعين عليه القيام، وكان كالعهد إليه. وقد أخبر - رضي الله عنه - أنه لو تعين عليه بالعهد إليه لقاتل، ولقد أحسن الحسن بن الحسن بن علي - رضي الله تعالى عنهم - حيث قال لبعض الروافض: " لو كان الأمر كما تقولون: أن النبي صلى الله عليه وسلم اختار علياً لهذا الأمر والقيام على الناس بعده - كان علي أعظم الناس جرماً وخطيئة إذ ترك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقوم به، ويُعذر إلى الناس " . فقال له الروافض: ألم يقل - عليه الصلاة والسلام - : " من كنت مولاه، فعلي مولاه " فقال الحسن: أما والله لو يعني بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، الأمر والسلطان لأفصح به كما أفصح بالصلاة، والزكاة، والحج، والصيام، ولقال: أيها الناس إنه الولي بعدي فاسمعوا له وأطيعوا. أخرجه ابن السمان في الموافقة.
فإن قيل: ألا يجوز أن يكون المراد بالأمر في قول علي الميراث، وبالحق حق الميراث، فيكون تقدير الكلام: كنا نظن أن لنا قسماً خلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم حقاً، وأنك منعتنا إياه، وأصررت على المنع؛ فلم تصح لذلك خلافتك؛ فلذلك تخلفنا عن البيعة، ويدل على هذا جواب أبي بكر بنفي الميراث على الرواية الأولى، وإلا لما كان جواباً، فوجب المصير إلى هذا المعنى صوناً لكلام هذا الفصيح عن الزلل، وهو من أفصح العرب وأعرفهم بما يقول؟ قلنا: صورة الحال وسياق المقال يشهدان بمخلافه، ويتبرآن منه. فإن اعتذار علي - رضي الله عنه - إنما كان عن تخلفه - عن البيعة، فقال: " لم يمنعنا أن نبايعك يا أبا بكر إنكار لفضيلتك، ولا نفاسة لخير ساقه الله إليك... " إلى آخره، ولم يجر في حديثه ذكر الميراث، والمبادر منه إلى الفهم عند سماع هذا اللفظ ليس إلا الخلافة.
وجواب أبي بكر - رضي الله عنه - محمول على تقدم كلام آخر تركه الراوي ويكون لما فرغ علي - رضي الله عنه - من قوله: كنا نظن أن لنا في هذا الأمر حقاً تعرض لذكر الميراث، ثم اعتذر عن المبايعة فأغنى أبا بكر عن الجواب عن قوله: كنا نرى، إذ يقتضي أن تكون تلك الرؤية سابقة، ثم انقطعت، وأن رؤيته الآن غير تلك. هذا هو المفهوم من سياق لفظه - كرم الله وجهه - فما عسى أن يقول له أبو بكر وقد دل كلامه على تغير نظره، والإجابة على مبايعته ورؤية الحق في ذلك، فاستغنى أبو بكر عن جواب فصل البيعة، وعدل إلى جواب فصل الميراث.
أو نقول: لم يجر للميراث في هذا المجلس ذكر إلا أنه كان قد ذكر قبل ذلك، وجرى في حديث فاطمة - رضي الله تعالى عنها - حين جاءت إلى أبي بكر، فطلبت الميراث، فلما كان ذلك المجلس المعقود لإزالة صورة الوحشة الظاهرة، والدخول فيما دخلت فيه الجماعة، واعتذر علي بما اعتذر به، وقبل أبو بكر عذره، ثم أنشأ أبو بكر ذكر الميراث معتذراً مما توهم فيه أولاً نافياً له حالفاً على الاتصاف بخلافه، محتجاً بالحديث الذي ذكره، وقصد بذلك إزالة بقايا الوحشة إن كانت حتى لا يبقى لها أثر.
وأما منع أبي بكر فاطمة عن الإرث، فادعت الرافضة أن في ذلك منه احتجاجاً بخبر الواحد مع معارضته لآية المواريث التي استدلت بها فاطمة - رضي الله عنها - وليس ادعاؤهم صحيحاً، إذ هو - رضي الله تعالى عنه - لم يحكم بخبر الواحد الذي هو محل الخلاف، وإنما حكم بما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو عنده قطعي، فيساوي آية المواريث في قطعية المتن.
وأما حمله على ما فهم منه فلانتفاء الاحتمالات التي يمكن تطرقها إليه بقرينة الحال، فصار عنده دليلاً قطعياً مخصصاً لعموم تلك الآيات، مع أن أبا بكر - رضي الله تعالى عنه - لم ينفرد برواية هذا الحديث، فقد رواه: أمهات المؤمنين، وعلي نفسه، والعباس، وعثمان، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير، وسعد، كلهم كانوا يعلمون ذلك، وإنما انفرد أبو بكر - رضي الله تعالى عنه - باستحضاره أولاً ثم استحضره الباقون، وعلموا أنهم سمعوه منه صلى الله عليه وسلم.
فالصحابة في موافقتهم أبا بكر على حكمه لم يعملوا برواية أبي بكر وحدها، وإن كانت كافية أي كافية في ذلك، وإنما عملوا بها وبما انضم إليها من علم أفاضلهم الذين ذكرناهم.

(1/381)


وأما عذر فاطمة - رضي الله عنها - في طلبها مع روايته لها الحديث، فيحتمل أنه لكونها رأت أن خبر الواحد لا يخصص القرآن كما قيل به فاتضح عذره في المنع وعذرها في الطلب، فلا يشكل عليك ذلك. قاله العلامة ابن حجر. قلت: قد تقدم فيما نقله الذهبي، عن الزهري برواية صالح مولى أم هانئ أن فاطمة قالت لأبي بكر بعد روايته الحديث لها: أنت ورسول الله أعلم، ما أنا بسائلتك بعد مجلسي هذا، فهجرته فلم تكلمه حتى ماتت، صريح كما ترى في أنها لم تسأله بعد روايته الحديث، فلا حاجة إلى الاعتذار عنه بما ذكره. والله أعلم.
فعلم بما ذكرناه إجماع الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم أجمعين - على حقيقة خلافة الصديق، وأنه أهل لها، وذلك كاف، ولم يرد نص عليها بل الإجماع أقوى من النصوص التي لم تتواتر؛ لأن مفاده قطعي، ومفادها ظني.
وحكى النووي بأسانيد صحيحة عن سفيان الثوري: من قال: إن علياً كان أحق بالولاية من أبي بكر، فقد خطأ أبا بكر، وعمر، والمهاجرين، والأنصار، وما أراه يرتفع له مع هذا عمل إلى السماء.
وأخرج الدارقطني عن عمار بن ياسر نحوه.
فإن قيل: الحديث الأول: يدل على أن سبب التخلف الألية على أنه لا يرتدى رداءه إلا إلى الصلاة حتى يجمع القران، وحديث الحسن في دعائه أبا بكر يدل على أن التخلف كان لما رآه من أن له حقاً، فكيف يجمع بينهما؟ أم كيف تكون الألية - يعنى القسم - عذراً في التخلف عن الأمر الواجب المتعين، والحنث لأجله واجب كنظيره في التخلف عن الصلاة الواجبة، قلنا: الجمع يمكن بأن يكون سبب الامتناع عن البيعة وتخلفه أولاً: ما ذكره من قوله كنا نظن، ثم خطر له - كرم الله وجهه - جمع القران، وهو في مهلة النظر المتقدم ذكره فآلى تلك الألية، ثم أرسل إلى أبي بكر، ثم لقيه عمر، فقال له: تخلفت عن بيعة أبي بكر، فقال: إني آليت... إلى آخره، ووافى ذلك ظهور أحقية أبي بكر عنده، فأرسل إليه معتذرَاً في التخلف، واقتضى نظره له إذ ذاك أن هذا القدر كاف في الطواعية، والانقياد، والدخول فيما دخل فيه الجماعة، فلم ير الحنث مع البيعة؛ خشية أن ينقل عنه وينقسم نظره عند ملابسة الناس ومخالطتهم، فأقام إظهار عذره مقام حضوره إلا أنه رأى اليمين عذراً؛ ولا أنه بقي على ما كان عليه من رؤية أحقيته. كذا في الرياض.
رسالة أبي بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه - ، واتباع سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - إلى سيدنا علي - كرم الله وجهه - مع سيدنا أبي عبيدة عامر بن الجراح - رضي الله تعالى عنه - ، وجواب سيدنا علي - كرم الله وجهه - عن ذلك، ومبايعته لأبي بكر - رضي الله تعالى عنهم أجمعين - عن أبي حيان علي بن محمد التوحيدي البغدادي قال: سمرنا ليلة عند القاضي أبي حامد أحمد بن بشر المروروزي العامري في دار أبي حبشان في شارع المازبان، فتصرف إلى الحديث كل متصرف، وكان أبو حامد - والله مفنَاً، مِخْلطاً، مزيلاً، معنياً، غزير الرواية، لطيف الدراية، له في كل جو متنفس، ومن كل نار مقتبس، فجرى حديث السقيفة وشأن الخلافة، فركب كل منا متناً، وقال قولاً، وعرض بشيء، ونزع إلى فن، فقال: هل فيكم من يحفظ رسالة سيدنا أبي بكر الصديق إلى سيدنا علي، رضي الله تعالى عنهما، وجواب علي له ومبايعته إياه عقب تلك المناظرة؟

(1/382)


فقالت الجماعة التي بين يديه: لا والله. قال: هي من بنات الحقاق ومخبآت الصناديق في الخزائن، ومذ حفظتها ما رويتها إلا للمهلبي أبي محمد في وزارته، وكتبها عني بعده في خلوة، وقال: لا أعرف على وجه الأرض رسالة أعقل منها ولا أبين، وإنها لتدل على حكم: وعلم، وفصاحة، وفقاهة، ودهاء، ودين، وبعد غور، وشدة غوص. فقال له أبو بكر العباداني: أيها القاضي، لو أتممت المنة بروايتها سمعناها، ونحن أوعى لها عنك من المهلبى، وأوجب ذماماً عليك، فاندفع فقال: حدثنا الخزاعى بمكة: حدثنا ابن أبي ميسرة قال: حدثنا محمد بن فليح، أنبأنا عيسى بن دأب، أنبأنا صالح بن كيسان، ويزيد بن رومان - وكان معلم عبد الملك بن مروان - قال: أنبأنا هشام بن عروة قال: أنبأنى أبو النفاخ مولى أبي عبيدة ابن الجراح، وروى هذا الحديث، وكان له عليه جراءة ظاهرة وكان من محفوظاته القديمة، فلما كان بعد ذلك بدهر - ذاكرنا بأحرف من هذه الرسالة ابن هارون، وكان نسيج وحمه: حفظاً، وبياناً، واتباعاً، فعرفناه اْن الحديث عندنا من جهة أبي حامد، فزعم أن أستاذه ابن شجرة أحمد بن كامل القاضى سرده ولم يكن فيه صالح بن كيسان، وذكر مولى أبي عبيدة أبا النفاخ بالنون والفاء وخالف في أحرف، وأنا أكرر عليه الرسالة والحديث بعد ذكرهما، وأسمى حرفا حرفاً مما وقع فيه الخلاف على جهة التصحيف، أو على جهة التحريف. على أننى ما سمعت بحديث في طوله وغرابته بأحسن سلامة منه؛ وإنما ذلك لأنه صار إلينا من رواية هذين الشيخين العلامتين، وكان سماعنا من أبي حامد سنة ستين، ومن أبي منصور سنة خمس وسبعين.

(1/383)


قال أبو حامد: قال أبو النفاخ سمعت أبا عبيدة بن الجراح يقول: لما استقرت الخلافة لأبى بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه - بين المهاجرين والأنصار، ولحظ بعين الهيبة والوقار، وإن كان لم يزل كذلك بعد هنية كاد الشيطان بها، فدفع الله شرها، ورحض عرها، ويسر خيرها، وأزاح ضيرها، ورد كيدها، وقصم ظهر النفاق والفسوق من أهلها بلغ سيدنا أبا بكر الصديق عن سيدنا علي بن أبي طالب تلكؤ وشماس، وتهمهم ونفاس، وكره اْن يتمادى الحال، وتبدو العداوة، وتنفرج ذات البين ويصير ذلك دريئة لجاهل مغرور أو، عاقل ذي وهن، أو صاحب سلامة ضعيف القلب خوار العنان، دعانى، فحضرته وعنده سيدنا عمر بن الخطاب وحده، وكان يُدمن أرضه بالسرجين، وكان عمر قباله ظهيرَا معه يقتبس برأيه ويستملي على لسانه، فقال لي أبو بكر الصديق: يا أبا عبيدة ما أيمن ناصيتك، وأبين الخير بين عينيك وعارضيك، ولقد كنت ! من رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمكان المحوط والمحل المغبوط، ولقد قال فيك في يوم مشهود! أبو عبيدة أمين هذه الأمة ا، وطال ما أعز الله بك الإسلام، وأصلح فساده على يديك، ولم تزل: للدين ملجأ، وللمؤمنين دوحاً، ولأهلك ركنا، ولاخوانك ردءاً قد أردتك لأمر له ما بعده، خطره مخوف، وصلاحه معروف؛ وإن لم يندمل جرحه بمسبرك، ولم تستجب حيته لرقيتك - فقد وقع اليأس، وأعضل البأس، واحتيج بعد ذلك إلى ما هو أمر من ذلك وأعلق، وأعسر منه وأغلق؛ والله أسأل تمامه بك، ونظامه على يديك؟ فتأت له يا أبا عبيدة، وتلطف فيه، وانصح للّه تعالى ولرسوله ! ولهذه العصابة غير آل جهدا، ولا قال جدا، والله كالئك وناصرك، وهاديك ومبصرك، وبه الحول والتوفيق امض إلى علي، واخفض جناحك له، واغضض من صوتك عنده، واعلم أنه سلالة أبي طالب ومكانه ممن فقدناه بالأمس صلى الله عليه وسلم مكانه، وقل له: البحر مغرقه، والبر مفرقه، والجو أكلف، والليل أغلف، والسماء جلواء، والأرض صلعاء، والصعود متعذر، والهبوط متعسر، والحق رؤف عطوف، والباطل شنوف عنوف، والضغن رائد البوار، والتعريض شجار الفتنة، القعة ثقوب العداوة، وهذا الشيطان متكىء على شماله، متحبل بيمينه، نافج حضنيه لأهله ينتظر بهم الشتات والفرقة، ويدب بين الأمة بالشحناء والعداوة، عنادَا للّه - عز وجل - ولرسوله صلى الله عليه وسلم ولدينه، ناكباً يوسوس بالفجور، ويُدلى بالغرور، ويمنى أهل الشرور، ويزجى إلى أوليائه بالباطل، دأباً له مذ كان على عهد أبينا آدم عليه الصلاة والسلام، وعاده؛ منه منذ أهانه الله - عز وجل - في سالف الدهر، لا ينجى منه إلا عض الناجذين على الحق، وغض الطرف عن الباطل والعاجل ووطء هامة عدوّ الله وعدؤ الدين بالأشد فالأشد والأحد فالأحد، ! واسلام النفس لله - عز وجل - فيما حاز رضاه وجنب سخطه، ولابد الآن من قول ينفع إذا ضر السكوت وخيف غبه، ولقد أرشدك من أفاد ضالتك، وصادقك من أحيا مودته لك بعتابك، وأراد الخير بك من آثر البقاء معك، ما هذا الذي تسول لك نفسك، ويدوى به قلبك، ويلتوى به عليك رأيك، ويتخاوص دونه طرفك، ويسرى فيه ظعنك، ويتراد معه نفسك، وتكثر معه صعداؤك، ولا يفيض بة لسانك، أعجمة بعد إفصاح، أم تلبيس بعد أيضاًح.! أدين غير دين الله - عز وجهه - أخُلق غير خُلق القران؟! أهدى غير هدى النبي صلى الله عليه وسلم أمثلى يمشى إليه الضراء، أو تدب إليه الخمراء أم مثلك ينقبض عليه الفضاء

(1/384)