صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر
المؤلف : المحبي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

شيخ بن عبد الله بن شيخ بن عبد الله بن شيخ بن عبد الله العيدروس اليمني الأستاذ الكبير المحدث الصوفي الفقيه ولد بمدينة تريم وحفظ القرآن وغيره واشتغل على والده أخذ عنه علوما كثيرة ولبس منه الخرقة وتفقه بالفقيه فضل بن عبد الرحمن بافضل والشيخ زين باحسين بافضل وأخذ عن القاضي عبد الرحمن بن شهاب الدين وغيرهم ورحل إلى الشحر واليمن والحرمين في سنة ست عشرة بعد الألف وأخذ عن الشيخ محمد الطيار وله معه مناظرات ومفاكهات وأخذ عن الشيخ العراقي صاحب أكمة سعيف وهي قرية قريب الجندر وحج في هذه السنة وأخذ بالحرمين عن جماعة وأخذ في رجوعه من الحجاز عن السيد العارف بالله عبد الله ابن علي صاحب الوهط والسيد الإمام أحمد بن عمر العيدروس بعدن والشيخ عبد المانع وألبسه خرقة التصوف أكثر مشايخه وأخذ باليمن عن كثيرين منهم الشيخ أحمد الحشيبري والسيد جعفر بن رفيع الدين والشيخ موسى بن جعفر الكشميري والسيد على الاهدل وسمع خلقا كثيرا ولازم الاشتغال والتقوى ثم رحل إلى الهند فدخلها في سنة خمس وعشرين وألف وأخذ عن عمه الشيخ عبد القادر بن شيخ وكان يحبه ويثني عليه وبشره ببشارات وألبسه الخرقة وحكمه وكتب له إجازة مطلقة في أحكام التحكيم ثم قصد اقليم الدكن واجتمع بالوزير الأعظم عنبر وبسلطانه برهان نطام شاه وحصل له عندهما جاه عظيم وأخذ عنه جماعة ثم سعى بعض المردة بالنميمة فأفسدوا أمر تلك الدائرة ففارقهم صاحب الترجمة وقصد السلطان إبراهيم عادل شاه فأجله وعظمه وتبجح السلطان بمجيئه إليه وعظم أمره في بلاده وكان لا يصدر إلا عن رأيه وسبب إقباله الزائد عليه أنه وقع له حال اجتماعه به كرامة وهي أن السلطان كانت إصابته في مقعدته جراحة منعته الراحة والجلوس وعجزت عن علاجه حذاق الأطباء وكان سببها أن السيد الجليل علي بن علوي دعا عليه بجرح لا يبرأ فلما أقبل صاحب الترجمة ورآه على حالته أمره أن يجلس مستويا فجلس من حينئذ وبرأ منها وكان السلطان إبراهيم رافضيا فلم يزل به حتى أدخله في عداد أهل السنة فلما رأى أهل تلك المملكة انقياد السلطان إليه أقبلوا عليه وهابوه وحصل كتبا نفيسة واجتمع له من الأموال ما لا يحصى كثرة وكان عزم أن يعمر في حضرموت عمارة عالية ويغرس حدائق وعين عدة أوقاف تصرف على الأشراف فلم يمكنه الزمان وغرق جميع ما أرسله من الدراهم في البحر وله مصنفات عديدة منها كتاب في الخرقة الشريفة سماه السلسلة وهو غريب الأسلوب ولم يزل مقيما عند السلطان إبراهيم عادل شاه حتى مات السلطان فرحل صاحب الترجمة إلى دولت آباد وكان بها الوزير الأعظم فتح خان ابن الملك عنبر فقربه وأدناه وأقام عنده في أخصب عيش وأرغده إلى أن مات في سنة إحدى وأربعين وألف ودفن بالروضة المعروفة بقرب دولت آباد وقبره ظاهر يزار وكانت ولادته في سنة ثلاث وتسعين وتسعمائة رحمه الله تعالى شيخ بن علي بن محمد بن عبد الله بن علوي بن أبي بكر بن جعفر بن محمد بن علي بن محمد ابن أحمد بن الأستاذ الأعظم الفقيه المقدم عرف كسلفه بالجفرى بضم الجيم وسكون الفاء ثم بعدها راء المفضال الكامل الماجد القاضي الأجل المحترم كان من رؤساء العلم جليل المقدار ذائع الذكر مقبول السمعة وافر الحرمة ولد بقرية تريس بالسين المهملة وحفظ القرآن وأخذ عن جماعة من العارفين ثم دخل بلاد الهند والسواحل وأخذ عن أجلاء لقيهم من العلماء الأعلام وضبط وقيد ورحل إلى الحرمين وفاق في العلوم النقلية والعقلية ثم تجير بندر الشحر فاشتهر بها وعلا صيته وأقبل عليه أهلها وعظموه وأجلوه وولى بها مشيخة التدريس بالمدرسة السلطانية فدرس في العلوم الشرعية وأفادوا انتفع به خلق كثير وولى خطابة الجامع ثم ولى القضاء وجمع بين أطراف الرياسة والمراتب وبالجملة فقد كان من صدور العلماء الأعلام وكانت وفاته ببندر الشحر في صفر سنة ثلاث وستين وألف
حرف الصاد المهملة

(1/467)


السيد صادق بن بن أحمد بن محمد مير باد شاه الحنفي مفتي مكة العالم العلامة كان من أجلاء فضلاء الدهر ذا فنون كثيرة أخذ بمكة عن علماء عصره وله إجازة من الإمام محمد بن عبد القادر النحويري الحنفي المصري وولى إفتاء الحنفية بمكة وذاع فضله وسما قدره وجده ميرباد شاه المذكور صاحب الحاشية على البيضاوي من كبار أهل التحقيق وكانت وفاة السيد صادق يوم الأحد سابع عشر شعبان سنة تسع وسبعين وألف وتوفى ذلك اليوم معه من الأعيان الشيخ المجذوب علان بن أحمد بن إبراهيم بن علا الصديقي الشافعي والسيد محمد بن هاشم بن علوي المهدلي صالح بن أحمد الشيخ الإمام المعروف بالبلقيني المصري شيخ المحيا بالقاهرة وابن شيخه الشهاب العارف بالله تعالى علامة المحققين كان من كبار العلماء والزهاد وله القدم الراسخة في التصوف وفقه الشافعي والمعقولات بأسرها أخذ عن أبيه وغيره وشاع أمره وقصده الناس للتلقي عنه وكان يقرئ شرح القطب وحواشيه من المنطق وهو في شكل عريان الرأس في غالب الأوقات ولم يزل في إفادة واجتهاد بالعبادة إلى أن توفى وكانت وفاته بمصر في إحدى الجماديين سنة خمس عشرة بعد الألف عن نحو ثمانين سنة والبلقيني بضم أوله نسبة لبلقينة من غربية مصر صالح بن إسحاق الشرواني الأصل القسطنطيني المعروف ظهورى وإسحاق زاده قاضي قضاة مصر واحد فضلاء العصر الذي اتفقت على فضله كلمة الكلمة وكانت من حسنات الروم وأدبائها لم يخرج منها في عصرنا هذا ما يعادله في الفضل ورقة الطبع وحلاوة المنطق ونزاهة النفس إلا القليل وكان من شفوف طبعه مغرما بمنادمة الأصحاب ومذاكرة الأدب ومناقلة الأخبار وكان عالما بأيام الناس والأنساب والتواريخ وكان يحفظ من الشعر والأخبار شيئا كثيرا وله مصنفات حسنة الأسلوب تدل على زيادة تبحره منها بعض تعليقات على تفسير البيضاوي وله رسائل كثيرة لم يبيض منها شيئا من سواد مسوداته وأشعار بالتركية ومنشآته سائرة مرغوبة وكان مغرما بالكيميا وعملها وله مهارة كلية في تحقيق علمها وألف فيها مؤلفات وأتلف عليها مالا كثيرا وكان أكثر اشتغاله في العلوم على المولى محمد الكردي الشهير بمنلا لبى قاضي القضاة بالشام الآتي ذكره إن شاء الله تعالى ولازم من المولى عبد الله بن عمر معلم السلطان عثمان أبوه الآتي ذكره أيضا وحج في صحبة والده لما ولى قضاء مكة في سنة خمسين وألف ثم عاد إلى الروم ودرس بمدارس قسطنطينية إلى أن ولى المولى شيخ الإسلام يحيى بن عمر المنقاري الفتيا وراجت في زمنه بضاعة الأفاضل وصدر منه الامتحان للمدرسين فكان صاحب الترجمة ممن ظهرت فضيلته وبانت مزيته وشهد له الفضل فصيره مجرسا بمدرسة أياصوفية ثم ولاه المدرسة السليمانية وأعطى رتبة دار الحديث ومنها صار قاضيا بينكى شهر برتبة قضاء الشام ثم ولى قضاء بروسه ثم مصر وبها توفى وهو قاض وكانت وفاته في سنة ثلاث وثمانين وألف عن اثنتين وخمسين سنة رحمه الله تعالى صالح بن عبد القادر الخلوتي الكبيني الدمشقي الشافعي ثم الحنفي كان فاضلا صالحا أخذ طريق الخلوتية عن الشيخ أحمد بن علي بن سالم المقدم ذكره ولزم العبادة والأوراد وحصل في التصوف معرفة ونظم الشعر لكن لم أقف من نظمه على شيء حتى أثبته له وكانت ولادته في أواخر ذي الحجة سنة سبع وأربعين وألف وتوفى يوم الجمعة ختام شهر رمضان سنة ثلاث وتسعين وألف ودفن بمقبرة الفراديس صالح بن علي الصفدي الحنفي مفتي الحنفية بصفد كان فقيها فاضلا حسن التحرير رحل في مبدأ أمره إلى القدس وأخذ بها عن الشيخ العارف بالله تعالى محمد العلمي ثم رحل إلى القاهرة تفقه بها على الحسن الشرنبلالي والشهاب الشوبري المقدم ذكرهما وأخذ الحديث وغيره عن الشيخ سلطان والشمس البابلي وغيرهما ورجع إلى وطنه فدرس وأفاد وألف وله من التآليف الشهيرة كتابه بغية المبتدى في اختصار متن الكنز ثم سكن عكة وكان يفتي بها إلى أن مات ابن عمه أبو الهدى في سنة خمس وخمسين وألف وكان مفتي الحنفية بصفد فوجهت الفتوى بها إليه وانتقل إليها وسكنها ولم يزل مفتيا بها إلى أن مات في سنة ثمان وسبعين وألف رحمه الله تعالى

(1/468)


القاضي صالح بن عمر بن القاضي سعد الدين بن العلم أخو الشيخ محمد العلمي الصوفي المشهور الآتي ذكره كان قدم إلى دمشق وولى بها نيابة قضاء المالكية بمحكمة الميدان حين كان عمه القاضي فخر الدين عثمان بدمشق متخليا عن نيابة الحكم بمحكمة الباب وشرع في طريق الزعماء فسعى لابن أخيه المذكور في نيابة المالكية بمحكمة السويقة المذكورة وكان لهم تعلقات بالقدس فلم يقدر على الإقامة بدمشق فكان يتوطن بالقدس وكان يتردد إلى الشام لزيارة أخيه الشيخ محمد وخاله العلامة محمد بن علي مدرس الشبلية الآتي ذكرهما وكان بينه وبين الشيخ علي بن محمد القلعي القدسي نزاع بسب وقف سيدي أحمد الثوري فاتفق إن مات ذاك في شعبان غريبا في قرية من قرى سيدي علي بن عليل ومات هذا في رابع عشر شهر رمضان سنة اثنتين بعد الألف غريبا في الرملة صالح بن محمد بن عبد الله بن أحمد الخطيب ابن محمد الخطيب ابن محمد الخطيب ابن إبراهيم الخطيب التمرتاشي الغزي الحنفي ابن الإمام الكبير صاحب التنوير في الفقه الآتي ذكره الإمام ابن الإمام كان فاضلا متبحرا بحاثا وله إحاطة بفروع المذهب أخذ عن والده ورحل إلى مصر وأخذ عن علمائها وتصدر في ذلك القطر بعد وفاة أبيه ونفع الناس في الفتاوى وألف التآليف النافعة في الفقه وغيره منها حاشية على الأشباه والنظائر التي سماها زواهر الجواهر وله منظومة في الفقه وشرح تحفة الملوك وشرح ألفية ولده محمد الآتي ذكره في النحو التي أولها
قال محمد هو ابن صالح ... أحمد ربي الله خير فاتح
وله شرح النقايه سماه العنايه وشرح تاريخ شيخ الإسلام سعدى المحشى وله رسائل كثيرة منها رسالة في سيدنا محمد وأخيه هارون عليهما السلام ورسالة في علم الوضع وترسلاته وأشعاره وافرة مطبوعة وقفت له على هذه الأبيات كتب بها إلى الخير الرملي في صدر رسالة وقد استحسنتها فأثبتها له نهي قوله
إن جزت عن رملة لي ثم إنسان ... حبر همام له علم وإحسان
في العلم نعمانه في الجود حاتمه ... وماله فيهما ضد وأقران
والخير أوله والخير شيمته ... والدين قيد له في العلم إمكان
قالوا هو البحر قلت البحر ذو غرق ... قالوا هو البدر لا يعروه نقصان
قالوا هو الليث قلت ذو حمق ... قالوا هو الشمس قلت الشمس ميزان
قالوا هو السيف قلت السيف ذو كلل ... وريما جاء منه صاح عدوان
قالوا فما هو قل لي قلت قد جمعت ... فيه الخصال وزادت فيه عرفان
أخوه شمس به ضاءت منازله ... وصدره بعلوم الله ريان
ليثان حبران في آجام معرفة ... يروى بانداهما للعلم ظمآن
قد جاء للرملة البيضا وقد درست ... فيها العلوم وفيها لاح طغيان
فجدد العلم فيها واستنار به ... عرش العلوم وفيها زاد إيمان
وبالجملة فقد كان من أجلاء العلماء وكانت ولادته في سنة ثمانين وتسعمائة وتوفى في سنة خمس وخمسين بعد الألف صالح بن محمد بن صالح بن محمد بن أحمد بن علي بن يس الدجاني المقدسي كان من أهل الفضل والأدب وبيتهم بالقدس بيت علم وتصوف خرج منهم ناس كثير من المشاهير وجدهم أحمد بن علي أحد أصحاب سيدي علي بن ميمون وصاحب سيدي محمد بن عراق وكان من كبار الصوفية في زمنه وله ترجمة واسعة في الكواكب السائرة للنجم الغزى ذكر فيها أشياء من مناقبه وأحواله وصالح هذا ولد بالقدس ونشأ بها وقرأ على أبيه محمد الآتي ذكره في أنواع العلوم ونظم ونثر وكان مقبول الشيمة لطيف الطبع حسن العشرة خلوقا متوددا وكانت وفاته في سنة خمس وخمسين وألف

(1/469)


صالح بن نصر الله ويعرف بابن سلوم بفتح السين المهملة وتشديد اللام الحلبي رئيس أطباء الدولة العثمانية ونديم السلطان محمد بن إبراهيم سيد الأطباء والحكماء وواحد الظرفاء والندماء أظهر في فنون الطب كل معنى غريب وركبها بمقدمات حسه كل تركيب عجيب فأنتج استخراج الأمراض من أوكارها وكان كل طبيب يعجز عن إظهارها كان للطفه إذا جس نبضا يعطيه روح الأرواح و يفعل لرقته في النفوس ما لا تفعله الراح وهذا التعريف لغيري احتجته ففي محله أدرجته ولد بحلب ونشأ بها وأخذ عن أكابر شيوخها واشتغل بالعلوم العقلية وجد في تحصيلها حتى برع وغلب عليه علم الطب وكان حسن الصوت عارفا بالموسيقى صارفا أوقاته في الملاذ ومسالمة أبناء الوقت ثم تولى مشيخة الأطباء بحلب ولم يزل على تلك الحالة حتى رحل إلى الروم واختلط بكبرائها واشتهر أمره بينهم ونما حظه حتى وصل خبره إلى السلطان فاستدعاه وأعجبه لطف طبعه فصيره رئيس الأطباء وأعطاه رتبة قضاء قسطنطينية وقربه وأدناه وبلغ من الإقبال ونفوذ الكلمة مبلغا رفيعا وكان في حد ذاته أعجب مت رؤى وسمع في لطف البداهة والنكتة والنادرة وله رواية في الشعر والأخبار واسعة وكان ينظم الشعر ولم أر له إلا هذا المقطوع وقد جاء فيه بمضمون لطيف وهو
سقاني من أهوى كلون خدوده ... مداما يرى سر القلوب مذاعا
ومذ شبب الإبريق في كأس حاننا ... أقمت دراويش الحباب سماعا
وألف في الطب تأليفا لطيفا سماه برء ساعه وسمت همته في اقتناص شوارد المكرمات حتى نفع بجاهه كثيرا من أهل دائرته ومدحه شعراء العصر وأحسن ما رأيت من مدائحه قصيدة مدحه بها صاحبنا المرحوم عبد الباقي بن أحمد السليمان الدمشقي
بذكرك بعد الله يستفتح الذكر ... فما لسواك الآن نهي ولا أمر
وباسمك يسترقى السقيم فيشتفى ... به ويسح الغيث أو يبطل السحر
ولو لقن الشيخ المريد حروفه ... تجلت له الأنوار وانكشف الستر
ولو رقموا في راية الجيش رسمه ... لجاء على آثارها الفتح والنصر
وما المجد إلا صورة أنت روحها ... كما أنت معنى لفظه الكون والدهر
وما الخير إلا منك أو فيك أو لدى ... جنابك أو من شئت واليمن واليسر
جنابك مسعود وبابك كعبة ... تطوف بها الآمال تسبيحها الشكر
تكاد ترى خلق الفعال حقيقة ... إذا عدت ذا سقم فعاد له العمر
إذا جدت بالدنيا جميعا لآمل ... تقول له عد ثانيا ولك العذر
إذا ما تلا أوصافك الغر مادح ... يقال أفيمن همه الحمد والأجر
وقد حزت مجدا يحسر الطرف دونه ... وتعنو له الأفلاك أو تسجد الزهر
وسعدا مكينا لو حوى البدر بعضه ... تنزه عن نقص ولم يكسف البدر
وأوتيت ما لم يؤت لقمان بعضه ... فأنت بجمع الفضل بين الورى وتر
وجودا يكاد البحر يشبه فيضه ... وهيهات أن يحكى مواهبك البحر
منها
أمولاي إقبالا لعبد توجهت ... إليك به الآمال وصلته الشكر
إذا ما جرى ذكراك في مجلس غدا ... يميل كما النشوان مالت به الخمر
ويبخل بالتصريح باسمك غيرة ... وحبا وإجلالا وإن علم الأمر
وهل تختفي الشمس المنيرة في الضحى ... ويكتم نور البدر أو يستر الفجر
وكانت وفاته بينكى شهر وهو في خدمة السلطان في سنة إحدى وثمانين وألف

(1/470)


صالح الرومي المعروف بدرس عام القسطنطيني المحقق الشهير أحد من أدركته فرأيت الفضل مشتملا به وهو أحد نوادر الدهر في الفضل والإتقان وتحقيق العلوم ولفضلاء الروم تهافت بالغ على الوصول إليه والاقتباس مما لديه وهو في نفس الأمر عجيب الصنعة في تقريره وتفهيمه جار على طريقة محقق العجم والأكراد في مراعاة آداب البحث وكانت له في العلوم العقلية مهارة كلية بحيث لا يشق فيها غباره وقد ولد بقسطنطينية وبلغني أنه كان في ابتداء أمره مزينا ثم حبب إليه الطلب فجد واجتهد وصرف شطرا عظيما من عمره في الاشتغال حتى بهر ومهر وجلس مجلس التدريس فأكبت عليه الطلبة وما برحوا في زيادة واعتناء به ثم سلك طريق الموالي فدرس بعدة مدارس ولما قدمت قسطنطينية من أدرنة في سنة سبع وثمانين صادفته مدرسا بإحدى مدرستي زكريا برتبة موصلة الصحف وكان إذ ذاك يقرى كتاب مغنى اللبيب لابن هشام فيحضره جمع كثير من الأفاضل ثم انتقل إلى إحدى المدارس الثمان فدرس فيها شرح المواقف على مقتضى شرط واقفها وكان له في بيته دروس خاصة وتوفى وهو مدرس إحدى الثمان وكانت وفاته يوم الأربعاء رابع عشر رجب سنة اثنتين وتسعين وألف صالح باشا الموستاري نائب الشام كان في الأصل من خدمة الوزير مصطفى باشا المعروف بالفراري ورد في خدمته إلى دمشق وهو متوجه إلى مصر حاكما بها ثم بعد إن عزل مخدومه عن مصر صحبه إلى الروم وصار ضابط الجند الشامي وورد إلى دمشق في سنة تسع وستين وألف ولم يحصل له حظ تام لوجود صولة الجند في ذلك الوقت ثم بعد زوال بعضهم نفذت كلمته ولما ولى الوزير أحمد باشا الفاضل نيابة الشام جعله قائما مقامه إلى أن قدم إليها فصيره كتخداه ولما ولى الوزارة العظمى جعله أميراخور السلطان ثم جعله ضابط الجند بقسطنطينية وسافر في خدمة الوزير إلى سفر إيران فاتفق أنه استشهد نائب الشام الوزير مصطفى باشا القيللي فوجه إلي مكانه وأرسل متسلما من قبله وأقام هو في السفر السلطاني وأمر بعمارة خان حسية ووكل في العمارة والصرف جماعة من أهل دمشق فعمروه ووسعوه ثم أمر بعمارة خان السبك فعمروه عمارة لطيفة وقلدوا في بنيانه بنيان عمارة القطيفة من السوق والجامع والحمام والعمارة ووقع هذا الخان في موقعه واتفق له تواريخ عديدة بالعربية والتركية وأجودها التاريخ الذي صنعه الأمير المنجكي رحمه الله تعالى وذلك قوله
صالح للخير لما أن بنى ... مخلصا خانا بفعل متقن
وهو والي الشام من أضحى له ... حسن ذكر في جميع الألسن
قال داعي البر بشرى أرخوا ... في سبيل الله خان قد بنى
وكان ذلك في سنة خمس وسبعين وألف ثم عمروا له بأمره الحمام خارج باب الجابية بمحلة القماحين ورتب عشرة أجزاء بالجامع الأموي تجاه روضة سيدنا يحيى عليه السلام وشرط نظارة وقفه لمفتي دمشق وكان يحب العلماء ويجالس الصلحاء وكانت وفاته بمدينة صوفية في سنة ست وسبعين وألف والموستاري بضم الميم وسكون الواو والسين المهملة وبعدها تاء مثناة من فوق وألف وراء نسبة إلى بلدة مشهورة في دائرة بوسنة

(1/471)


السيد صبغة الله بن روح الله بن جمال الله البروجي الشريف الحسيني النقشبندي نزيل المدينة المنورة الأستاذ الكبير العارف بالله تعالى كان أحد أفراد الزمان في المعارف الإلهية وله اليد الطولى في أنواع الفنون وله الحاشية المشهورة على تفسير البيضاوي وهي مشهورة في بلاد الروم وله مصنفات غيرها منها كتاب باب الوحدة ورسالة إراءة الدقائق في شرح مرآة الحقائق ورسالتان في الصنعة الجابرية ورسالة في الجفر وما لا يسع المريد تركه كل يوم من سنن القوم وتعريب جواهر الغوث ولد بمدينة بروج بفتح الباء الموحدة وسكون الراء وفتح الواو ثم جيم مدينة بالهند وأصله من أصفهان انتقل جده منها إلى الهند وسكن بالمدينة المذكورة وأخذ في الهند عن العارف بالله تعالى وجيه الدين العلوي الهندي تلميذ الشيخ محمد الغوث البسطامي وتأدب به وأكمل عنده الطريق وأجازه للإرشاد فأقبل عليه الناس وبعد صيته وعظم أمره عند ملوك الهند إلى الغاية لما شاهدوه من غزير علمه وزهده وورعه مع عدم تردده إلى أحد من أعيانها وعدم قبوله العطاء من السلطان وغيره إلا نادرا ثم رحل إلى الحجاز وحج في سنة خمس بعد الألف وأقام بالمدينة يدرس للطلبة ويربي المريدين وانتفع به الجم الغفير أجلهم السيد الأمجد ميرزا توفى بالمدينة في سنة سبع وثلاثين وألف ودفن بالبقيع والسيد أسعد البلخي والشيخ أحمد الشناوي المقدم ذكرهما والشيخ إبراهيم الهندي توفى بالهند والشيخ محيي الدين المصري والملا شيخ بن إلياس الكردي نزيل المدينة والملا نظام الدين السندي نزيل دمشق وجماعة لا يمكن ضبطهم وكان مشتغلا بالتدريس والتحرير ويلازم الصلوات الخمس بالجماعة في المسجد النبوي عند الشباك الشرقي من الحجرة النبوية وكان له شهامة وسخاء مفرط فربما أرسل إليه من أقاصي البلاد وأدانيها في دور السنة مقدار مائة ألف قرش فلا يبقى منها شيئا ويصرفها على الفقراء وكان له أحوال وخوراق في باب الولاية العجيبة جدا حكى عنه تلميذه الملا نظام الدين المذكور قال لما كنت في خدمته تذكرت ليلة وطنى وأهلي فغلبني البكاء والنحيب ففطن بي الأستاذ فقال لي ما يبكيك فقلت قد طالت شقة النوى وزاد بي الشوق إلى الوطن والأهل وكان ذلك بعد صلاة العشاء بهنيئة فقال لي ادن مني قد نوت من السجادة التي يجلس عليها فرفعها فتراءت لي بلدتي وسكني ثم لم أشعر إلا وأناثمة والناس قد خرجوا من صلاة العشاء فسلمت ودخلت إلى داري واجتمعت بأهلي تلك الليلة وأقمت عندهم إلى أن صليت معهم الصبح ثم وجدت نفسي بين يدي الأستاذ انتهى ويروى عنه أحوال غير هذه وبالجملة فهو كبير الشان سامي القدر مشهور بالولاية وكانت وفاته في سادس عشرى جمادى الأولى سنة خمس عشرة بعد الألف ودفن ببقيع الغرقد وقبره ظاهر يزار ويتبرك به رحمه الله تعالى

(1/472)


الملا صفي الدين بن محمد الكيلاني نزيل مكة المشرفة الشافعي الأديب الطبيب فريد عصره كان أعجوبة في الذكاء والفهم اشتغل بالطلب حتى أتقن العلوم العربية والمنطق ثم تعانى الطب حتى رأس فيه وأخذ بمكة عن عبد الرؤف المكي عدة علوم وروى عنه كثيرا وله مؤلفات عديدة في الطب وغيره وشرح القصيدة الخمرية لابن الفارض شرحا حسنا وجعله باسم الشريف حسن بن أبي نمى وأجازه عليه إجازة عظيمة وكان يحسن إليه وانتفع به جماعة في الطب وغيره ويحكى عنه في الطب غرائب منها أنه مر عليه بجنازة بعض الطرحاء الفقراء فدعابه وأخذ من دكان بعض العطارين شيئا نفخه في أنف الطريح فجلس وعاش مدة فتعجب الناس من ذلك وسأله بعض أصحابه عن ذلك فقال رأيت أقدامه واقفة فعملت أنه حي ومنها أن بعض التجار كان يطعن فيه ويتكلم عليه فلما بلغه أرسل بعض الفقراء بغصن من نبات له رائحة طيبة فلما شمه التاجر انتفخ بطنه وعجز الأطباء الموجودون عن علاجه فاضطر إلى صاحب الترجمة فأرسل إليه واستعطفه فأعطاه سفوفا من ذلك النبات فعوفي مما به ونظير ذلك ما وقع لابن البيطار المشهور أن بعض معاصريه امتحنه عند السلطان فجاء للسلطان بنيات وقال إذا طلع إليك ابن البيطار مره أن يشم من هذا المحل يتبين لك معرفته وجهله فلما طلع إليه أمره أن يشمه من امحل المعين فشمه منه فرعف لوقته رعافا شديدا فقلبه وشمه من الجانب الآخر فسكن رعافه لوقته ثم قال للسلطان مر الذي جاء به أن يشمه من الموضع الأول فإن عرف أن فيه الفائدة الأخرى فهو طبيب وإلا فهو متشيع بما لم يعط فلما طلع أمره بشمه من الموضع فرعف رعافا شديدا فقال له اقطعه فعجز وحار في أمره وكاد أن يهلك فأمره أن يقلبه ويشمه ففعل فانقطع رعافه فمن يومئذ زادت مكانة ابن البيطار عند السلطان ومنها أن بعض أولاد الشريف حسن أصابته علة فأمر صفي الدين أن يعمل له كوفية من العنبر ففعل له فزالت العلة وأصابت تلك العلة بعض الرعية ففعل له كوفية من ضفع البقر فعوفي فقيل له أليس على لرجلين واحدة فقال نعم ولكن ولد الشريف نشأ على الرائحة الطيبة فلو عملت له من الضفع لزادت علته والآخر بعكسه فداوينا كلا بما يناسبه وكان يأمر من مرض أن يخرج من مكة ولوالى المنحنى لأن هواء مكة في غاية الاعتدال لكن رائحة البالوعات تفسده ولهذا بنى بيتا بالمحصب يسكنه من به مرض وبالجملة فقد كان من أعاجيب الدنيا وكانت وفاته في سنة عشر بعد الألف السيد صلاح بن أحمد بن عز الدين بن الحسين بن عز الدين بن الإمام الحسن ابن الإمام عز الدين بن الحسن بن علي بن المؤيد بن جبريل بن المؤيد بن أحمد بن يحيى ابن أحمد بن يحيى بن يحيى بن الناصر بن الحسن بن عبد الله بن محمد بن القاسم بن الناصر بن أحمد بن الهادي يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم بن إسمعيل بن إبراهيم بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب قال ابن أبي الرجال نشأ هذا السيد على الأدب والبلاغة وكان صدرا في مجالس الكبراء مقدما حسن التعبير مولده في خامس شهر ربيع الأول سنة خمس عشرة وألف بدار الإمام شرف الدين بصنعاء اليمن المسمى بدار العلف عند مسجد محمود لأنه قد كام ملكه السادة من أخواله الأمراء آل المؤيد وله من الأشعار في كل معنى منها قوله يمدح السيد محمد بن الحسن بن الإمام القاسم
بنفسي ومالي خير ملك من الورى ... وأقومهم بالحق في كل موقف
رأى حزن يعقوب يساور مهجتي ... فأعطى له من حسنه حسن يوسف
فإن منحته شكر داود همتي ... فما منحت من واجب فعل منصف
فمن حلم إبراهيم حلم محمد ... ومن طبع إسمعيل علم أن يفي
صبور كأيوب خطيب كأنه ... شعيب أخو القول البهي المفوف
كريم كيحيى لم يهم تربية ... طبيب كعيسى كم به مدنف شفي
كادر بس صديق عزيز كصالح ... برهط كرام دافعي كل مسرف
فيا رب ذي الخلق العظيم محمد ... به وبهم نج المليك وشرف
وزد في بقاه عمر نوح وأوله ... كملك سليمان الجان ومعتفي
وصل على من قد ذكرناه إنهم ... هم خير هاد في البرايا ومقتفي

(1/473)


ورأيت في بعض أخبار علماء اليمن أن لصاحب الترجمة مؤلفات مفيدة وأجوبة شهيرة منها شرح الفصول في علم الأصول للسيد العلامة صارم الدين إبراهيم بن الوزير وهو من أقاربه يعني أن صاحب الترجمة من أقاربه قال القاضي الحسين المهلا في وصفه أنه من أصدقاء والدي وأهل مودته وأرسل وهو بجبل رازح من أعمال صعدة كتابا إلى صاحب له بأبي عريش يسمى بصديق ابن محمد وافتتحه بقول أبي محمد بن سارة
يا من تعرض دونه شحط النوى ... فاستشرفت لحديثه أسماعي
لم تطوك الأيام عني إنما ... نقلتك من عيني إلى أضلاعي
فأجابه والدي الناصر نيابة عن صديق بقوله
وافى المشرف رائق الابداع ... من سيد ندب كريم مساعي
أضحى لأشتات الفضائل جامعا ... حتى اجتمعن لديه بالجماع
يجرى بميدان الطروس أعنة ال ... أقلام بالتكميل للإبداع
أيلم بي سقم الفراق وكتبه ... فيها نسيم البرء للأوجاع
وصديقه صديق ابن محمد ... يكبو إذا ما هم بالاسراع
ما ابن اللبون يصول صولة بازل ... فيه قصور عن طويل الباع
فانعم ودم متمكنا متملكا ... لشوارد الأشعار والأسجاع
من ذاك للود القديم وحفظه ... كصلاح الشهم الجليل يراعى
لا زلت في غرف العلى متبوئا ... منها على أماكن وبقاع
تهدى إلى الأبصار أزهر خطكم ... وجواهر الألفاظ للأسماع
فأجابه صاحب الترجمة بقوله
أسرعت في نيل الصواب ولم تزل ... مذ لاح شخصك فيه ذا إسراع
وسبقت أهل الشعر لما قمت في ... خصل السباق به طويل الباع
وبهرت أرباب القريض فصار كال ... تمتام من في النطق كالقعقاع
وكشفت من سر البلاغة أوجها ... كانت قبيل لقاك خلف قناع
وأجبت شعرا قلته متمثلا ... بجوابك الشافي لا الاقناعي
أودعته نكت البديع فحارت ال ... أفكار في الإبداع والإيداع
صدقت أرباب البلاغة إذ أتت ... وحفظت إذ نسيت وكنت الواعي
وجمعت يا صديق كل لطيفة ... حتى لطفت وفزت بالإجماع
ونزلت من أهل الفضائل كلهم ... بمنازل الأبصار والأسماع
هذا لديك الناصر الأواه وال ... هادي بن عثمان أبو الأسجاع
قد أرصدا من سحر شعرهما لمن ... يهواك كل براعة ويراع
فإذا حباك الدر بالوزن امرؤ ... كالوا له عن درهم بالصاع
وإذا دنا شبرا إليك مواصل ... منحوه من لقياك ألف ذراع
فضلا حباك به الإله ونعمة ... والله يحبو من يشا ويراعى
وإليكها عمن يوزع قلبه البر ... حا فخذوا سمع عن الأوزاعي
قد كنت عقت الشعر ثم أتيته ... وأجبته إذ كنت أنت الداعي
ليلوح عندك صدق قولي إنما ... نقلتك من عيني إلى أضلاعي
فأجابه الناصر المذكور عنها بقوله
انطق فعندك للقريض دواعي ... قد جاء من شعر الهمام دواعي
وسعى صلاح في صلاح قريحتي ... وجزى بعشر الصاع ألف صواع
قد كان بي ألم لنصف أسمى فمذ ... وافى أتى بالضد من أوجاعي
أعنى الكتاب مطرزا بجواهر ... يقضى على الأيام بالأقلاع
لا فض فو رجل جليل قالها ... لفتى قليل بضاعة ومتاع
ما كان من ثدي الفصاحة راضعا ... لكن تعاطاها بغير رضاع
فلذا يرى وقت السباق مقصرا ... فاعذر فتى فيها قصير الباع
قد شاع سابغ نعمة الله التي ... أسدى لكم في الآل والأشياع
ونظمت يا بحر العلوم فرائدا ... نظمت لكم سحبان في الاتباع
واستعبد الملك ابن حجر شعركم ... لو عاش لم يقدر على مصراع

(1/474)


واقر كتاب الأنام بأنهم ... رق لرق رائق الأسجاع
من آل أحمد لم يزل يوليهم الخ ... يرات في جبل سما وبقاع
فلذاك عز الدين وانتشر الهدى ... إذ كان عز الدين أكرم ساعي
أبدى صلاحا لاح من أثوابه ... نور بدا في عارض هماع
أحيا به الأرباء والأدبا معا ... من كل دان أوب بعيد بقاع
لا سيما الهادي الأجل ومن له ... ود أكيد والمحب الداعي
فأبو عريش فاق بلدان الورى ... إذ صرت راقما اسمه برقاعي
شرفتموه إذ مدحتم أهله ... بمدائح عن خاطر مطواع
ونعتم صديقه بصديقكم ... عطفا وتأكيدا بغير نزاع
من لم يكن عن ودكم بدل له ... فلرفعه قد صار بالإجماع
يكفيه فخرا ما جرى من مدح من ... فاق الورى لطفا وحسن طباع
لا من إن أحببت آل محمد ... فهم الأمان لنا من الإفزاع
ومما قاله صاحب الترجمة يخاطب القاضي العلامة مطهر بن علي الضمدي وقد طلب عارية كتاب إيثار الحق على الخلق
آثرونا يا صاح بالإيثار ... كي يكون البلوغ للأوطار
عجلوا عجلوا جزيتم بخير ... فلهذا الكتاب طال انتظاري
وهي من أبيات وأجاب القاضي عنها بأبيات رائفة مطلعها
قسما بالعقول والأنظار ... وبما ضمنت من الأسرار
وله غير ذلك وكانت وفاته في أواخر سنة سبعين وألف القاضي صلاح الدين بن زيد العابدين القاضي الصالح الباعوني كان من الفضلاء المعروفين والكملاء الموصوفين وكان صاحب أخلاق حسنة وشمائل رائقة وكان مقيما بصالحية دمشق وولى نيابتها مدة مستطيلة وكان والده زين العابدين المذكور ترجمانا في المحكمة عنده وكان له حديقة بالصالحية يقيم فيها ويجتمع عنده شعراء ذلك العصر ويتذاكرون الأدب منهم إبراهيم بن محمد الأكرمي المقدم ذكره فإنه كان لا ينفك عنه وله فيه مدائح منها قوله وقد نظم هذه الأبيات في حديقته المذكورة وهي قوله
لم أنس مجمع إنسنا ... في روضة القاضي الصلاح
رب العوارف واللط ... ائف والمكارم والسماح
مولى طليق الوجه عند الع ... المين سموح راح
لله حسن مقامنا ... إذ نحن في البسط السراح
نتفاوض السحر الحلا ... ل ونعتفى جد المزاح
ونفوسنا سكرى التنع ... م والسرور بغير راح
في ظل روض عمه ... نفح الأزاهر والأقاح
حيث النسيم الرطب قد ... أرسى على الماء الفراح
والطير تشدو في الغصو ... ن بطيب ألحان صحاح
وفواكه الأغصان تنثر ... فيه من كل النواحي
حييت يا يوم الجنين ... ة كل غادية وراح
من يوم إنس لم يكد ... ر صفوه واش ولا حي
ما أنسى لا أنسى اجتماع ... ي فيك بالغر الصباح
تغدو علينا الطيبات م ... ن الغد وإلى الرواح
لا زال صاحبنا الصلا ... ح يؤم في حال الصلاح
وبقى مدى الأيام في ... حرز السلامة والنجاح
ما غردت ورق الحمائم ... في المساء وفي الصباح
وكانت وفاة القاضي صلاح الدين في ثالث عشر محرم سنة ست وثلاثين وألف ودفن بسفح قاسيون السيد صلاح الدين بن عبد الخالق بن يحيى بن المهدى بن إبراهيم ابن المهدى الحجاف القاسمي الحسني الحبوري الإمام العلامة الجليل الشان كان مفننا في علوم كثيرة وله تآليف مشهورة منها شرح تكملة الأحكام في علم الطريقة وأجوبة مسائل مشهورة ونظمه أسير من مثل في بلاد اليمن وله ديوان شعر مدون تلقيت خبره من مجموع الأخ الفاضل مصطفى بن فتح الله سلمه الله تعالى وأنشد له من شعره قوله يمدح الإمام المؤيد بالله محمد بن أمير المؤمنين المنصور بالله القاسم ابن محمد بن علي

(1/475)


بأفعاله يسمو الكريم ويشرف ... ويذكر ما بين الأنام ويعرف
وقد يسعد الله امرأ مع هذه ... بأسلاف صدق بالمكارم توصف
فيجتمع المجد التليد وطارف ... فلا الأصل مذموم ولا الفرع معرف
ألم تر أن القاسم بن محمد ... بني شرفا يحظى بنيه ويزلف
فلم يكتف المولى المؤيد بالذي بنى بل بنى مجدا يزيد ويضعف
أليس له أيام والده من المواق ... ف ما لم يحكها قط موقف
بهن استفاد الدين رونق وجهه ... وكان تبدى وجهه وهو أكلف
عشية جل الخطب والأرض أظلمت ... وأضحت قلوب الناس وهي ترجف
وخان الرجال الصادقين ثيابهم ... وقل امرؤ من وصمة الذل يأنف
وأرعشت الأيدي فلم يغن صارم ... ولم ينك قط السمهري المثقف
وقد شمل الناس البلاء فلاحق ... بأرض ومستدن لما يتخوف
ومدت إلى الله الأكف عواتق ... لطمن خدودا والمدامع ذرف
هناك رد الله في الدين روحه ... به وتلافاه وقد كاد يتلف
وأرسى به الدنيا وما فوق ظهرها ... وكانت بمن فيها تميد وترجف
إلى غير هذا من مواقفه التي ... بها الدين أضحى شمله يتألف
وقام بأمر المسلمين فأحسن الخلا ... فة إذ لا مثله قط يخلف
فبايعه مما يشار إليهم ... بحار إذا استنزفتها ليس تنزف
نحارير لو شاؤا وقد شاء بعضهم ... لقد ألفوا في كل فن وصنفوا
فما فاتنا من قاسم غير وجهه ... ولما يفتنا نائل وتعطف
ورفق وبر وانطلاق ورحمة ... وبشر وتقريب لنا وتلطف
وعلم وإنصاف وحلم على أذى ... ممض يخلى عنده الحلم أحنف
ثمال اليتامى والمساكين لم يزل ... أبا لهم يحنو عليهم ويرأف
لهم قطرت غلظ له من صنيعه ... إليهم وشعر في الرؤس مسرهف
مجالسه عاف يفاد وعالم ... يفيد وسيف في القراب ومصحف
ونهمته استنباط حكم دليله ... قضية عقل أو قياس مؤلف
أو السمع لا التقليد إذ ذاك منهو ... وكان بنيق بين قطريه نفنف
وما زال للعافي غياثا وملجأ ... ومنتجعا يؤوى إليه ويؤلف
أمولاي يا من وصفه فات قدرتي ... وقصر عنه ذا النظام المفوف
أهنيك بالعبد الأغر الذي له ... خصائص لا تحصى بها أنت أعرف
وفيت بما وفى الخليل بها لمن ... براك فأنت المخبت المتحنف
وأحييت معلومات شهرك بالذي ... يسن ومعدوداته لا تكلف
وصليت قربت النسائك خالصا ... لمولاك لا تزهى ولا تتغطرف
فشاركت إذ وفيت للمعيد حقه ... رجالا أهلوا محرمين وعرفوا
يباهى بهم رب السماء جماعة الملائ ... ك بعد العصر ساعة وقفوا
لهم دعوات لا ترد ورنة ... مذكرة بالنحل حين يرفرف
سألت العظيم الايد والملك الذي ... له قطعوا عرض الفلاة وأوجفوا
بمن فيهم من صالح وبما دعوا ... وما مسحوا الأركان تلك وطوفوا
يهنيك ما أولاك تنفك سالما ... إليك خطوب الدهر لا تتطرف
ويحيمك ما هب النسيم وغردت ... أصيلا حمامات على الأيك هتف
وإني وأصحابي معا بعد هذه ... سيجمعنا ذاك الجناب المشرف
نوافي إليه بعد لأي كأننا ... رذا يا عقيب الواردات تخلف
وننشدك البيتين لا ناظرين في ... عوامل علم النحو كيف تصرف

(1/476)


ولكن لما قد جاء إخوة يوسف ... إليه فأنت اليوم لا شك يوسف
إليك أمير المؤمنين رمت بنا ... خطوب المنى والهرجل المتعسف
ومض زمان يا ابن مروان لم يدع ... من المال إلا مسحة أو مخلف
وهاك نظاما زانه وصفك الذي ... يكرم شعرا حازه ويشرف
يميزه الذوق السليم وحسنه ... يدق على فهم الغبي ويلطف
فكم ناقد للشعر مبلغ علمه ... هو الوزن واللفظ الكثير المرصف
ولم يدر ما المعنى البليغ لجهله ... ولا المقصد الغث الركيك المزيف
وما السر إلا في معان مصونة ... عليهن ستر لم يزحزحه مغدف
ومثل أمير المؤمنين مميز ... مطل على تلك المقاصد مشرف
فيعرف للعلق النفيس فضيلة ... بها يزدرى القول اللطيف الملفلف
فدونك يا مولاي ما هو خالد ... وما دونه فإن من المال متلف
يسير مسير البدر والبدر قاصر ... وينقله بحر ورعن وصفصف
ويسطر بالأقلام في كل دفتر ... به يتحف السمار ليلا ويطرف
مقال امرئ ما قال في غير قاسم ... ونجليه مدحا والأمور تكشف
وما قلت في سلطان جور قصيدة ... أبى الله ينهاني التقى والتعفف
وقد صان وجهي الله عن قصد غيرهم ... إذا سأل السؤال يوما فألحفوا
وهذا آخرها وكانت وفاة السيد صاحب الترجمة في سنة سبع وأربعين وألف بحبور من أرض اليمن رحمه الله تعالى القاضي صلاح الدين المعروف بالكوراني الحلبي مولدا وتربة شيخ الأدب ومركز دائرته بقطر الشهباء وكان رئيس الكتاب بمحكمة قاضي قضاتها وله أخ اسمه تاج الدين كان يتولى النيابة بها والقاضي صلاح الدين هذا من مشاهير الأدباء له شعر مطبوع ونظم مصنوع مع مشاركة في فنون عديدة وخبرة بمفاهيم عجيبة وهو من المكثرين في الشعر فليس لأحد من أبناء عصره عشر ما له من الشعر وناهيك بمن لم يخل بياض يوم ولا سواد ليلة من تبييض وتسويد ولم يبق أحد يتوسم فيه النجابة إلا مدحه أو راسله أو طارحه إلى أن صعد درج الثمانين ورقى التسعين وذكره البديعي فقال في وصفه شاعر إن ذكر المجيدون فهو الواحد الكامل ونائران وصف المنتمون إلى الآداب فهو القاضي الفاضل ومن محاسن إنشائه ما كتبه إلى السيد أحمد بن النقيب الحلبي المقدم ذكره ملغزا في اسم عندليب وهو أيها الشريف الفاضل واللطيف الكامل قد تمسكت الأحباء بأرج أعتابك وتمسك الأباء بأهداب آدابك وخلصت المشكلات بالتلخيص ولخصت المعضلات بالتخليص وملكت الاستعارات فأعرت ما ملكت وسبكت الكنايات فأنكيت بما سبكت وانعقدت على عفتك الخناصر وقيل للخائن إلى الخناصر وكيف تنصرف عن سلامة الطبع والصفة وفيك اجتمع الوزن والمعرفة وقد ارتاح الصلاح إلى خفض الجناح لديك وعول عليك وطلب أن يعذر ويقال فيما أطال وقال ما اسم بالظرف موصوف على أنه بعض ا لأحيان مظروف وإن قلت ظرف مكان فهو في حيز الإمكان ويضاف إليه ظرف الزمان على أنه من وصف الآرام اللاتي هم المرام أو على أنه أنالك كما لي أن أعرف كمالك وتصحيف شطره الأول والثاني جيد لا غيد وإن قلت أسد فهو للإيضاح ليث أسد وإن شئت قلت موضع لبث القلائد من الصدور أو ما استرق من رمل الصخور وإن أردت المجاز فالخمر من صروفه وإن أردت الحقيقة فظرفه من مظروفه وكيف يخفى وأوله اسم سنام الانعام وثانيه حيوان في البحر العام وثالثه اسم امرأة ذات سمن ورابعه شجر ذو فنن وخامسه اسم ناحية من نواحي البقاع وسادسة اسم رجل كثير الوقاع على أن أوله والثالث والرابع ينبى عن قلب سقط الزند الواقع والثاني والثالث عن أطيب العرف نافت وهو نديم الملوك في القصور وخديم ربات الشنوف في الخدور حقير المقدار جليل الاعتبار وأقواله مؤثرة في مثل قلب عنتر مع أنه صغير ضعيف الجثمانية مفتر فهل يخفى بعد شرح هذه الأمور ولكن الخفاء في شدة الظهور فجد مجيبا مجيدا لا برحت مفيدا سعيدا فأجابه ملغزا له في بازى بقوله

(1/477)


راسلتني لا برح عندليب الفصاحة صادحا على رياض مراسلتك وقمر البراعة لائحا من أفق أفلاك عبارتك وحمى الفضل محميا بسمهرى أقلامك وجيد الأدب محلى بدرر عقود نظامك وإن لي قريحة قريحة بصروف حوادث الزمن وفكرة جريحة من معاناة خطوب هذه المحن وأدرت على سمعي من سلاف ألفاظك ما هو عندي أرق من نسيم الصبا وأهديت إلى فكرتي من نفائس صنائعك ما ذكرتني به زمان اللهو والصبا وأتحفتني ببدائع ما احمر الورد إلا خجلا من بهجتها ولا اصفرت الصهباء إلا حسدا لما شاهدته من استيلائها على العقل وسطوتها لاغرو أنها صدرت من قس الفصاحة وقاضيها الفاضل وأتت من رئيس هذه الصناعة وإمامها المشار إليه بالأنامل فادخرتها تحفة للوارد والصادر ورقمتها بقلم الفكر على لوحة الخاطر فأماطت النقاب وأزالت الحجاب عن اسم مطرب ما زال يغرد في الرياض بين الأفنان ويحرك بصوته الشجي ما سكن في خاطر الولهان ويتعشق الورود لشبهها بخدود الملاح ويراقبها مراقبة المهجور في الاغتباق والاصطباح طالما جنى عليه لسانه فحبسوه وضيقوا عليه ومن عجب أمره أنه لم يحبس إلا لزيادة حبه وشدة الميل إليه صحف النصف الأول منه تجده عبدا عن الخدمة لا يحول وإذا شئت قلت عيد بالمسرة والهناء موصول وربما أظهر لك غيداء ممنعة الحجاب وأبدى لك بقلب بعضه عذب الرضاب واحذف ثلثا منه نجده عندي موجودا كما أن ذلك الثلث المحذوف ما زال مني في هوى الحسان مفقودا وإن صحفت ثلثه وقلبته قلب كل لأرتك لديعا بعقرب السالف أو قلبتها قلب بعض أبدت لك اسم شاعر من شعراء الزمن السالف وإن صحفت نصفه الأخير قلت ليته من هذا التصحيف خالص فإنه يظهر لك ليثا ترتعد منه الفرائص وربما ظهر لك بأوله ورابعه وخامسه أنه على المقام وبثانيه وثالثه وخامسه ندى عرف يحسن منه الختام فأجبر جابر هذه كسر هذا الجواب وألق عليه من اكسير قبولك ما يرفع به بنى الآداب ولقد عن لي أن أعول على جنابك وأسأل من شريف أعتابك عن اسم يعرف بالشجاعة تقر له أبناء جنسه بالطاعه تخدمه الملوك والأعيان وتتبعه في المهامه الفرسان موضوع وهو محمول وعزيز مع أنه مقيد مغلول طالما سطا على عدوه فأورده الحمام ونال من إراقة دمه المرام ومع ذلك فهو يؤثر بما لديه وهو جائع ويفعل ولا يقول وهذا من أشرف الطبائع رباعى مع أنه نصفه حرف من حروف الهجاء وإن صحف كان حرفا يستعمل عند الطلب والرجاء وإن حذفت أخيره وصحفت الباقي ظهر لك أنه أحد العناصر وبتصحيف آخر من غير حذف يبدو لك أحد أسماء القادر القاهر مظلوم مع أنه إن لوحظ نصفه الأخير كان في زي ظالم وربما اشعر بتصحيفه وحذف ثانيه أنه برئ من جميع المظالم فبالذي شيد بك دعائم الأدب والكمال وجلى بفكرك غيهب كل إشكال إلا ما أوضحت مشكله وبينت خفيه ومقفله لا برحت بنو الآداب ترد حياض آدابك الدافقه ويجنون من أزاهر رياض فضائلك الفائقه ما ترنم عندليب على فنن وحرك بشجوه من كل مغرم ما سكن انتهى قال السيد أحمد بن النقيب المذكور في ترجمة صاحب الترجمة وكان بالقرب من ضريح المرحوم يعني والده السيد محمد عدة أشجار من العناب فشاهدت يوما أغصانها المخضرة تزهو بثمارها المحمرة فأتبعت الحسرة بالحسره ولم أملك سوابق العبره وجادت الطبيعة بأبيات على البديهة وهي
وقائلة والدمع في صحن خدها ... يفيض كهطال من السحب قد همى
أرى شجر العناب في البقعة التي ... بها جدث ضم الشريف المعظما
له خضرة المرتاح حتى كأنه ... على فقده ما إن أحس تألما
وأغصانه فيها ثمار كأنها ... بحمرتها تبدى السرور تلوما
ولو أنصف كانت لعظم مصابه ... ذوت واكفهرت حيرة وتندما
فقلت لها ما كان ذاك تهاونا ... بما نالنا من رزئه وتهضما
ولكنها لما وضعنا بأصله ... غدير بأنواع الفضائل مفعما
بدت خضرة منه تروق وحزنه ... كمين فلا تستفظعيه توهما
وما احمرت الأثمار إلا لأننا ... سقيناه دمعا كان أكثره دما
فوقف الكوراني على ذلك فقال أبياتا منها
فيا شجر العناب مالك مثمر ... سرورا ولم تجزع على سيد الحمى

(1/478)


على رمسه أورقت تهتز فرحة ... وتدلى إليه كل غصن تنمنما
أهذي أمارات المسرة قد بدت ... أم الحزن قد أبكاك من دونه دما
ومنها على لسان العناب
نعم فرحتي أني مجاور سيد ... نما حسبا في عصره وتكرما
وحضرته روض من الجنة التي ... زهت بضجيع كان بالعلم مغرما
أتعجب بي إذ كنت في جنب روضة ... وحقي فيها أن أقيم وألزما
كعادة أشجار الرياض فإنها ... تمكن فيها الأصل والفرع قد نما
وقد قيل في الأسماع إن كنت سامعا ... خذ الجار قبل الدار إذ كنت مسلما
أملسار من دار الفناء إلى البقا ... وأبقى ثناء بالجميل معظما
ومن كان بعد الموت يذكر بالعلى ... فبالذكر يحيا ثانيا حيث يمما
فقلت له يهنيك طيب جواره ... وحياك وسمى الغمام إذا همى
لتسقط أثمارا على جنب قبره ... ليلقطها من زاره وترحما
فواعجبا حتى النبات زها به ... فحق لنا عن فضله أن نترجما
فلا زالت الأنواء مغدقة على ... ثرى قبره ما ناح طير وزمزما
ومما اشتهر له قوله في دخان التبغ
لقد عنفونا بالدخان وشربه ... فقلت دعوا التعنيف فالأمر أحوجا
ألا إن صل الغم في غار صدرنا ... عصانا فدخنا عليه ليخرجا
الصل الحية السوداء ومن شأنها أنها إذا عصيت في وكرها دخن عليها التخرج وللصلاح أيضا فيه وهو معنى حسن
لو لم تكن أيدي الأكارم لجة ... ما كان في أطرافها الغليون
والغليون أطلق على سفينة معهودة بين العوام وعلى آلة يوضع فيها ورق التبغ ويشرب وكلاهما غير لغوي وهو في اللغة اسم للقدر وفيه يقول عبد البر الفيومي صاحب المنتزه مع احتمال الغليون للمعنى اللغوي
غليوننا لقد غلا ... ما فيه والماء يفور
في مهجتي ومقلتي ... دخانه أضحى يدور
وللصلاح معمى باسم أحمد وهو قوله
فؤادي محا عن لوح خاطره الهوى ... فأثبته صدغ له قد تسلسلا
وله باسم عمر
تساقط در من سحاب مسيره ... إلى تاج روض قل وما كان منقطع
وله باسم يوسف
إذا صح تقبيل على خال خده ... أحاول شيئا منه في داخل الشفه
ومن غرامياته قوله
أين فصل الربيع أين الشباب ... يئست من رجوعه الأحباب
غادرته مواقع أعدمته ... فشراب الربيع رغما سراب
خرس العندليب فيه وأضحى ... صاحب النطق في رباه الغراب
لو علمنا أن الزمان خؤون ... فيه تنأى عن اللقا الأصحاب
لشفينا من اللقاء قلوبا ... لم يرعها من الزمان انقلاب
لكن المرء لا يزال غفولا ... بين هذا وبين ذاك حجاب
وله غير ذلك وكانت وفاته بحلب في سنة تسع وأربعين وألف

(1/479)


صنع الله بن جعفر شيخ الإسلام ومفتي التخت العثماني في عهد السلطان محمد وولده السلطان أحمد الإمام الكبير الفقيه الحجة الخير كان في وقته إليه النهاية في الفقه والإطلاع على مسائله وأصوله وفتاواه مدونه شهيرة خصوصا في بلاد الروم يعتمدون عليها ويراجعون مسائلها في الوقائع وكلهم متفقون على ديانته وتوثيقه واحترامه وقد درس بالمدارس العلية حتى انتهى أمره إلى أن صار قاضي قسطنطينية في رجب سنة ألف ونقل بعد أيام قليلة في الشهر المذكور إلى قضاء العكسر باناطولى وبقي فيه إلى شوال سنة إحدى وألف فنقل إلى قضاء روم ايلي في أثناء جلوس السلطان محمد تقاعد بوظيفته أمثاله وذلك في جمادى الأولى سنة ثلاث بعد الألف ثم ولى الإفتاء بعد وفاة المولى سعد الدين بن حسن جان في ربيع الأول سنة ثمان وألف وعزل في صفر سنة عشر وألف ثم أعيد ثانيا في ثاني عشرى رجب سنة إحدى عشرة وعزل بعد إحدى وثلاثين يوما ثم أعيد ثالثا في عاشر المحرم سنة ثلاث عشرة وعزل في ربيع الآخر سنة خمس عشرة ثم أعيد رابعا في رجب من هذه السنة وعزل في صفر سنة سبع عشرة واتفق له في إحدى هاتين الأخيرتين أن والدة السلطان كانت رجت من ابنها توجيه الفتيا للمولى محمد بن سعد الدين فأخذ القلم وكتب التوجيه ودفعه إليها فرأته كتب مكان الاسم صنع الله فراجعته ثلاث مرات وفي الجميع يجري القلم بصنع الله وهو يعتذر عن ذلك بأنه عن غير قصد ففي الثالثة قالت له اعتمد على ما كتبت وليكن الموجه إليه صنع الله فأرسل الخط الشريف إلى صاحب الترجمة وصيره مفتيا وهذه الاتفاقية غريبة جدا وحكى أنه مرة وجهت الفتوى إلى رجل أباه القوم فأشاروا إلى صاحب الترجمة بأن يطلبها لنفسه فقال كيف يكون ذلك فقالوا تبعث إلى السلطان تطلب منه ذلك فقال لا حاجة بنا إلى أن نرسل أحدا ونطلب ذلك بالواسطة ونطلب ونحن مستقرون في مكاننا فلم تمض هنيئة إلا وسلحدار السلطان جاءه بالتقليد ولما عزل في المرة الأخيرة أراد الحج فورد الشام يوم الأربعاء مستهل شهر رمضان سنة تسع عشرة وكان منزويا قل أن يجتمع بأحد وكان إمام المقصورة الشافعي يصلي العشاء في أول الوقت ويصلي بعده الإمام الحنفي فقال يصلي الحنفي أولا لأنه على مذهب السلطان وروجع في ذلك فلم يفعل فصلى إمام الحنفية أولا ثم إمام الشافعية في ليلة الجمعة ليلة عيد الفطر وكان قدم معه صهره زوج ابنته قاضي القضاة بالشام نوح بن أحمد الأنصاري فأبرم ذلك وبقي الأمر على ذلك مدة ثم بطل الشافعي المرتب من صلاة العشاء وبقي الحنفي وحده وأهل جيلنا لم يدركوا إلا الحنفي وحده وكان أحمد بن شاهين مدح صاحب الترجمة بقصيدة تقدم طرف من خبرها في ترجمة البوريني وذكرنا مطلعها وهو
حي المنازل بالنقا فزرود ... فالرقمتين فعهدنا المعهود
فعن لي أن أثبت منها هنا بعض أبياتها لحسنها وبعد المطلع
وانزل فإن ثرى معافرة الهوى ... ليجل عن وطء المهارى القود
واحبس مطيك دون منعرج اللوى ... سطرا صحيفته بياض البيد
وأفض فديتك في الحديث كأنه ... نظم العقود فأنت جيد عقيد
واستفت غادية الصبا هل صافحت ... حوذان أفنية المهاة الرود
وتحرشت بالأقحوان ينوب عن ... برد بفيها كالمحباب برود
وتلطفت حتى انبرت بخبائها ... وهنا تسر لبانة المعمود
وسرت بليل بين أتراب لها ... كالعين من سرب الظباء الغيد
فتناوشت طرزا وبثت عنبرا ... وتلاعبت بذوائب وقدود
من كل ساحرة العيون لحاظها ... يسبين كل متيم مجهود
أسفرت بين ذوائب أسبلنها ... كالزهر تشرق في الليالي السود
لم أنسها من بينهن وقد أتت ... سدراء في حلى لها وبرود
تختال من شرخ الشيبة والصبا ... زهوا كخود البانة الاملود
ونضت كما شاءت وشاء لي الهوى ... عن روضة من نرجس وورود
فنهضت مسلوب الحشاشة مقسما ... إلا وطئت محاجري وخدودي
بتنا وأثلثنا العفاف وبيننا ... عتب كمبسمها ونظم عقودي

(1/480)


سامرتها والليل شاب عذاره ... كبياض خط شيب بالتسويد
تشكو صبابتها وأشكو صبوتي ... شكوى العميد من الهوى لعميد
حتى بدا فلق الصباح كأنه ... من وجه صنع الله بحر الجود
مفتي الأنام وسيد العلماء من ... ألقت إليه أزمة التقليد
المفرد العلم الذي أوصافه ... جلت عن التعريف والتحديد
باهت دمشق الروم منذ تشرفت ... بورود هذا الطالع المسعود
كل الموالي دعوة من خادم ... داع لعز علاك بالتخليد
أجريت في مسراك بحرا زاخرا ... غصت بفائضه عراص البيد
وحملت نوحا في سفينة شرعه ... حتى استوت بدمشق فوق الجودي
فجلا ظلام الظلم عنها واكتست ... أنوار صبح العدل والتوحيد
من جملتها
ماذا أقول وأنت صنع الله من ... قد خص في الآراء بالتسديد
إن الذي يرجو لفضلك غاية ... ليروم شيئا ليس بالموجود
ولئن مدحتك بالذي هو ممكن ... من طاقة المخلوق يا ذا الجود
فلقد رسفت بفكرة قدا وشكت ... تثنى عليك لشاعر معدود
واليكها عذراء ملء يد المنى ... تصف البراعة وهي بكر قصيد
منها
في كل بيت من بديع بيانها ... غرر لديك على الحسود شهود
إن يصدح البازي علة عذباتها ... فخرا فبي لا عن أبي وجدودي
هي جنة المأوى بمدحك سيدي ... تزدان لا بشقائق وورود
لا زلت قطب مدار أفلاك العلى ... في أنعم ومسرة وسعود
ما حبرت وشيا يراعة بارع ... وجنى ثمار المدح فكر مجيد
ثم حج ورجع من طريق الشام أيضا إلى الروم وأقام بها ولم يل منصبا إلى أن مات وكانت وفاته في حدود سنة إحدى وعشرين وألف بعلة البرسام رحمه الله تعالى

(1/481)


صنع الله بن محب الله بن محمد محب الدين بن أبي بكر تقي الدين بن داود بن عبد الرحمن بن عبد الخالق بن عبد الرحمن المحيي الدمشقي الحنفي عمي شقيق والدي وكان لي مكان والدي فإن أبي سافر إلى بلاد الروم وعمري إحدى عشرة سنة فتقيد بي ورباني وأقدمني على الطلب وجعل أهم أمره أمري وكان جزاه الله تعالى عني خيرا برا بي شفوقا علي مريدا لي كل خير عاجل وآجل وما عاهدت منه لحظة ما إساءة أو مقتا بل كان رحمه الله تعالى يألم لما آلم منه وينشرح لما أنشرح له بل يغضب لغضبي ويرضى لرضائي وعلى كثير من مناهجه في التودد نهجت وعلى آدابه وحسن طويته درجت وكان بل الله ثراه بوابل الغفران لطيف الطبع حمولا فاضلا كاملا طارحا للتكلف حسن العشرة متوددا وكان أبوه في حياته يحبه كثيرا فربى عزيزا مكرما ولما مات أبوه كان عمره عشر سنين فرباه أبي وتقيد به وكان له إليه محبة لم أرها من أحد ولم أسمع بمثلها وكان هو كذلك وكثيرا ما كنت أسمعه يقول أرجو الله تعالى أن لا يريني يوم موت أخي وأكون أنا السابق عليه بالموت حتى قدر الله أنه ما رأى يوم موته لكن لا موته قبله بل لأنه كان مسافرا في بلاد الروم وقد اشتغل بالعلم كثيرا في مباديه فقرأ على الشيخ أحمد القلعي وعلى شيخنا النجم الفرضي وعلى غيرهما وناب في القضاء بمحاكم دمشق كالكبرى والقسمة والميدان والعونية وصار نائبا بالقدس في سنة اثنتين وسبعين وألف ثم إنه سافر إلى الروم وصار قاضيا بحمص ورجع إلى الشام وكان بالشام إذ ذاك شيخ الإسلام محمد بن عبد الحليم البروسوي وقد رجع من الحج فجاء قضاء القدس فتوجه معه وخدمه في نيابة غزة ثم قدم في خدمته إلى الشام بعد أن عزل وكان أمر بالتوجه إلى وطنه بروسه فصحبه إلى الروم وسافرت أنا معهم ودخلنا بروسه في خدمة المولى المذكور ثم فارقناه وتوجهنا بحرا إلى ناحية أدرنه والدولة إذ ذاك بها فوصلناها وأقمنا مدة ثم لما توجه السلطان محمد إلى قسطنطينية جئت أنا وإياه إليها فولى بها قضاء معرة المصريين وتوجه إليها وضبطها ورجع إلى الروم وأنا مقيم بها ثم أعطى قضاء معرة المصريين ثانيا وسافر إليها فصحبته في الطريق إلى أن وصلنا إلى أنطاكيه ثم افترقنا ولم يقدر الله تعالى بعد ذلك اجتماعا فإني قدمت إلى دمشق وألقيت بها عصا الترحال ووصل هو إلى قضائه وضبط المنصب وعزل عنه ثم سافر إلى الروم وولى قضاء سرمين ووصل إليها فتوفى بها وهو قاض وكانت وفاته في ثامن شهر رمضان سنة شبع وتسعين وألف عن ستين سنة رحمه الله
حرف الضاد المعجمة
حرف الطاء المهملة
المشالة طعيمة الصعيدي المصري الصوفي الكبير كان مؤدب الأطفال باشمون الصعيد نظر في العلوم وتكلم في الكلام واشتغل بمذهب الشافعي على جهابذة العلماء وطاف البلاد وغلب عليه الحال وعكف عن التصوف ولقى من القوم رجالا وأقبلت عليه الأعيان ونوه بذكره بعض علماء وقته وصار كالشيخ محمد بن الترجمان الآتي ذكره في طائفة من معتقديه ومتبعيه ومن كراماته ما ذكره بعضهم أنه كان يتهجد بالقرآن ويمكث الليالي والأيام يأكل ويشرب ولا يحتاج للتوجه للبراز ولم يزل على هذا الحال إلى أن توجه لزيارة القدس فقتله بعض أرباب الحال وكانت وفاته في سنة خمس بعد الألف قلت كثيرا ما يذكر المؤرخون أن فلانا قتل بالحال وشبهه وفيه سؤال مشهور في كتب الشافعية أنه هل يجوز القتل بالحال وهل فيه قصاص أم لا في التحفة لابن حجر تفصيله وأما علماؤنا الحنفية فلم أر لهم فيه شيئا والله أعلم

(1/482)


طه بن صالح بن يحيى بن قاضي القضاة وشيخ الإسلام نجم الدين أبي البركات محمد المسكنى بأبي الرضا الديري المقدشي الحنفي أخذ العلم عن مشايخ عدة أجلهم الشيخ رضي الادين اللطفي مفسر القرآن وكان معيدا لدرسه التفسير بالباب القبلي في الصخرة وكانت له اليد الطولى في علم الأصول والنحو والتفسير وولى نيابة الحكم وكتابة الصكوك بالقدس من سنة اثنتين وعشرين وألف إلى سنة اثنتين وأربعين وحج وولى نيابة الحكم بمكة سنة أربع وأربعين وأخذ الحديث بمكة عن محمد بن علان البكري الصديقي الشافعي وكتب له إجازة مؤرخة بأواخر شهر رمضان سنة أربع وأربعين ثم عاد إلى القدس وانعكف بمحل سكنه المدرسة الفارسية بطرف المسجد الأقصى من الجهة الشمالية يفيد السائلين ويقرأ الدروس بالمدرسة الفارسية كالهداية وغيرها من كتب الفقه وأقرأ آخر أمره البخاري في كل يوم بالصخرة الشريفة بعد صلاة العصر نحوا من سبع سنين وكانت وفاته ليلة الأربعاء بعد صلاة العشاء حادي عشر شهر رمضان سنة إحدى وسبعين وألف ودفن بتربة مأمن الله مقابلا لقبر الإمام الكمال بن أبي شريف وكان له مشهد حافل رحمه الله تعالى
حرف الظاء المعجمة
ظاهر الشافعي مفتي عانة والخرث من أرض العراق كانت فقيها مشاركا في عدة فنون ورد دمشق وحج منها ثم رجع إلى بلاده فتوفى بها وكانت وفاته في بضع عشرة بعد الألف ظهير الدين الحلبي القاضي الأديب الشاعر الفائق قال البديعي في وصفه أديب فضله ظهير وفاضل مورد أدبه نمير تردد مرارا إلى الروم ونثل كنائن المنثور والمنظوم واجتمع به الشهاب الخفاجي وهو بالروم وذكر أنه أنشده قوله من قصيدة نبوية
نسيم الصبا من لعلع ونواحيه ... سرت فأزالت صبرنا عن صياصيه
ومن بارق شام المتيم بارقا ... بدا فتداعى شوقه من أقاصيه
ومن ذكر أيام العذيب تكدرت ... مشارب صب قل عنه مناجيه
إذا قفل الحجاج زاد ولوعه ... وأرسل دمعا قانيا من مآقيه
وبي من غدا يحتال فيها بعجبه ... وطلعته سكران من خمرة التيه
وفي القرب أخشاه وفي البعد قاتلي ... فوا حربا من بعده وتدانيه
يفوق من جفنيه للحرب أسهما ... بأوهنها يرمى الكمى فيصميه
بذلت له روحي فأعرض معجبا ... وقال أملكى عاد ملكك تهديه
وبالشعب من وادي النقا خير جيرة ... غدت بغيتي والله من غير تمويه
إذا ذكروا يرتاح قلبي كأنما ... أتت نحوه تنقاد قسرا أمانيه
وأنشد له التقي الفارسكوري في كتابه المدائح قصيدة مدح بها شيخ الإسلام يحيى ابن زكريا ومطلعها
أيا عالما فضله كامل ... وإحسانه للورى شامل
ومن هو للعلم في ذروة ... يقصر عن نيلها الفاضل
أعيذك من أن يرى فاضل ... بدولتكم ذكره خامل
وكان قاضيا القصبات ببلاد اناطولى وولى مناصب عديدة ونسبته ومولده ووفاته لم أطلع عليها مع السؤال إلا أن هذه القصيدة الأخيرة تدل على أنه كان موجودا في سنة ثلاث عشرة بعد الألف فإنه ترجى فيها منصبا من ممدوحه المذكور وهو قاضي اناطولى في التاريخ المذكور
حرف العين المهملة

(1/483)


عامر بن شرف الدين المعروف بالشبراوي الشافعي المصري الإمام الهمام العالم الكبير الرحلة كان في عصره من المشار إليهم بالفضل التام وله بين علماء الأزهر الموقع العظيم لا يزال محترما موقرا جليل الشأن وهو من جهة والده عريق في الفضل ومن جهة والدته أصيل في الولاية فإن والدته فاطمة بنت خديجة بنت الشيخ القطب محمد الشناوي أتت به وهو صغير إلى الأستاذ الكبير عبد الوهاب الشعراني وقالت له ادع له فدعا له وغسل له يديه بنفسه نفع الله تعالى به روى الفقه عن الشمس الرملي والنور الزيادي وسالم الشبشيري وأخذ الحديث عن أبي النجا سالم السنهوري وسمع عليه الكتب الستة كملا وكان يفتخر بذلك على أقرانه من مشايخ مصر ولازم في علوم العربية أبا بكر الشنواني نحو عشرين سنة وهو من أجل تلامذته وأجازه شيوخه وبرع في كثير من العلوم وصار أوحد وقته في الفتيا والمرجع في القضايا المشكلة وكان مشهور بالصلاح واستجابة الدعاء وكان كثير العبادة ملازما للسيرة النبوية مواظبا على الدروس والإفتاء وكان غاية في الحفظ والاستحضار والإتقان وروى عنه أنه قال احفظ أربعة عشر ألفية في فنون العلوم وكف بصره آخر عمره واستمر على بث العلم ونشره واجتمع به والدي في رحلته إلى مصر وترجمه بالشيخ الكامل والعالم الفاضل حائز العلوم والعرفان وفائز بالقدح المعلى من التحقيق والإتقان علم العلم والهدى ومنارة الفضل والتقى بيده عنان الفواضل فيمنح بها كل محتاج ومالك أزمة الفضائل فينشرها على كل لائذ وراج زبدة العلماء الراسخين الأخيار وعمدة الجهابذة المتورعين الأبرار وكانت وفاته في سنة إحدى وستين وألف ودفن بتربة المجاورين هكذا رأيته بخط بعض الأفاضل ثم رأيت بخط صاحبنا الفاضل إبراهيم الجينيني أن وفاته كانت في غرة المحرم سنة اثنتين وستين ثم تحرر عندي من تاريخ الشلى ووفيات الأخ الفاضل مصطفى بن فتح الله أنه توفى في يوم الجمعة ثاني المحرم سنة اثنتين وستين فاعتمدت عليه لكون من تحرر عنهما أمس الناس بأحوال وفيات علماء مصر والله أعلم

(1/484)


عامر بن علي بن محمد بن علي بن الرشيد بن أحمد بن الأمير الحسين بن الأمير علي بن يحيى العالم البر بن محمد العالم التقي بن يوسف الأشل بن الداعي الإمام يوسف الأكبر ابن الإمام المنصور يحيى بن الإمام الناصر أحمد وبقية النسب مذكورة في ترجمة الإمام إسمعيل المتوكل صاحب اليمن ذكره القاضي أحمد بن صالح بن أبي الرجال في تاريخه مطلع البدور ومجمع البحور فقال السيد الشهيد العالم الفريد الأمير الكبير كان فاضلا رئيسا سريا عالي الهمة عارفا نهض مع ابن أخيه الإمام القاسم بن محمد فنازل الملوك وطارح الكبار وفل الشوكة وعلا صيته وكانت له مشاهد عظيمة مع الأمراء أهل كوكبان وجنود الاروام وأفضى أمره إلى السعادة على نهج سلفه الكرام غير أنه زاد بالمثلة فإنه سلخ جلده وذر عليه الملح ولم يزل كل يوم يؤخذ منه شيء حتى انتهى وقبره بخمر وكان ما وصفناه من المثلة بحمومة من أعمال خمر ويقال إن رأسه بصنعاء وقد بنى عليه ولده عبد الله قبة وله ترجمة وضعها شيخنا العلامة أحمد بن سعد الدين وترجمه بعض أحفاده فذكر شيئا من جميل حاله وقال مولده سنة خمس وستين وتسعمائة ونشأ على السيادة والطهارة وطلب العلم وقرأ على القاضي العلامة عبد الرحمن بمحرفة هكذا قال عبد الرحمن ولم يكن مر بمسمعي فهذه فائدة أخرى وقرأ كتب النحو والأدب والكشاف على السيد الفاضل عثمان بن علي بن الإمام شرف الدين بشبام قبل دعوة الإمام القاسم وسكن بأهله هنالك يطلب العلم ولما دعا الإمام ببلاد قاره كتب إليه فوصل إلى شوذة شظب وتوجه بجنود فافتح من بلاد الأمراء آل شمس الدين كثيرا وكانوا أعضاد الوزير الحسن والكتخدا سنان فما زال كذلك من سنة ست وألف إلى سنة ثمان وألف ثم عاب فيه جماعة من أهل قاعة وكان قد تزوج امرأة هناك وتفرق عنه أصحابه ولم يبق إلا هو وقصده جماعة من الأتراك فأحاطوا به ثم أسروه وأدخلوا شبام فطافوا به في كوكبان وشبام وأمير كوكبان يومئذ علي بن شمس الدين ثم إن عليا بن شمس الدين أرسل به مع جماعة من الترك إلى حمومة من بني صويم إلى الكتخدا سنان فأمر أن يمثل به فسلخ جلده قال الإمام القاسم وصبر فلم يسمع له أنين ولا شكوى إلا قراءة قل هو الله أحد وكان سلخ جلده يوم الأحد الخامس عشر من رجب سنة ثمان بعد الألف ثم إن سنان ملأ جلده تبنا وأرسل به على جمل إلى صنعاء إلى الوزير حسن فشهر جلده على الدهابر على ميمنة باب اليمن مما يلي الشرق وسائر جده دفن بحمومة ثم نقل إلى خمر بأمر الإمام القاسم وقبره مشهور مزور له التعظيمات والنذور ثم احتال بعض الناس في الجلد فأسقطه إلى تحت الداير ودفنه على خفية وعليه ضريح وقبة على يسار الخارج من باب اليمن وقد ترجم له الإمام القاسم ترجمة بخطه في نسخة البحر التي للإمام وترجم له السيد العلامة صدر العلماء أحمد بن محمد الشرفي والقاضي العلامة أحمد بن سعد الدين ورثاه بقصيدة منها
أزائر هذا القبر حييت زائرا ... ونلت به سهما من الأجر قامرا
وأديت حق المصطفى ووصيه ... فهنيت لما زرت في الله عامرا
سليل الكرام الشم من آل أحمد ... ومن كان للدين الحنيفي عامرا
وعم الإمام القاسم بن محمد ... إمام الهدى من قام لله ناصرا
ومن شد أزرا منه حين دعا إلى ... رضى ربه أكرم بذلك آزرا
فقلده المنصور سيفا مهندا ... وكان له في وجه أعداه شاهرا
وكان له من موقف شهدت له ... أعاديه أن فاق الأوائل آخرا

(1/485)


عامر بن محمد الصباحي نسبة إلى بيضا صباح قرية مشهورة في مشارف اليمن تقرب من قرن المنسوب إليها أو بس القرني على نحو مرحلتين ذكر ابن أبي الرجال أيضا في تاريخه المذكور فقال القاضي العلامة المذاكر شيخ الأئمة ولسان الفقه وإنسان عينه كان وحيد وقته فريد عصره إليه النهاية في تحقيق الفروغ ينقل عنه الناس ويقررون عنه قواعد المذهب رحل في مبادى أمره إلى ذمار ولقى شيوخها المحققين وحصل على قشف في العيش وشدة في الأمر يروى عنه أنه كان لا يملك غير فرو من جلود الضأن وكان إذا احتلم غسله للتطهير ثم يلبسه أخضر لأنه لا يجد غيره وكان مواظبا على العلم أشد المواظبة أيام هذه الشدة المذكورة وكان أبوه من أهل الثروة والمال لكنه حبس وأوذي في الله تعالى من قبل الأتراك لموالاته أهل البيت ثم رحل القاضي إلى صنعاء وأقام بها ودرس ورحل إلى شيخ الزيدية أما الفروع والأصول إبراهيم بن مسعود الحميري إلى الظهرين وكان إذ ذاك بقية العلماء وله بالتذكرة خصوصا فرط الفة فطلب القاضي عامر أن يقرئه فيها فأجابه ولم يستعد لتدريسه لظنه أنه من عامة الطلبة فلما اجتمعا للقراءة رأى في القاضي عامر حضارة وحافظية ومعرفة كاملة فقال له يا ولدي لست بصاحبك اليوم فاترك القراءة فتركها ثم استعد لها فاستخرج ببحثه من جواهر علم القاضي نفائس وذخائر وعلق به ثم إنه عاوده بالرحلة إليه للزيارة فأكرمه الفقيه صارم الدين وأمر الناس بإكرامه ورحل إليه من صنعاء لمسئلة واحدة أشكلت عليه غابت عني مع معرفتي لها لولا طول العهد روى أنها أشكلت عليه فلم يبت إلا في الطريق قاصدا إلى حجه ورحل القاضي إلى صعدة فقرأ الحديث على شيخه الوجيه عبد العزيز البصري المعروف ببهران ولقي الإمام الحسن وصحبه وما زال حلفا للصالحات مواظبا على الخيرات ولما دعا الإمام القاسم المنصور بالله وهو يومئذ بصنعاء فخرج إليه وصحبه وقرأ عليه الإمام كتاب الشفاء ثم ولى القضاء بولاية يعز نظيرها فإنه كان من الحلم والأناة والوفاء بمحل لا يلحق وكان وحيدا في العلم وصادقا في كل عزيمة قولية أو فعلية فزاده الله تعالى الجلالة والمهابة في المصدور إذا برز في الجامع خضع الناس شاخصين إليه مع كمال صورته وطول قامته وكان لذلك الجلال الرحماني لا يحتاج للأعوان بل يبرز للقضاء وإذا أراد حبس أحد من أجلاء الرجال وأعيان الدولة التفت إلى أقرب الناس إليه كائنا من كان فأمره بالمسير به إلى الحبس فلا يستطيع أحد الامتناع عن أمره وهو الذي قوى أعضاد الدولة المؤيدية وكان الصدر يومئذ غير مدافع واستقر بحضرة الإمام المؤيد بالله مدة ثم نهض إلى جهة خولان العالية فاستوطن وادي عاشر وابتنى بها دارا عظيمة من أحسن المنازل تولى بناءها ولده العلامة الأمير شرف الدين الحسن بن أمير المؤمنين أحمد بن عامر فهيأها للضيوف على قدر همته وكان مضيافا كريما ولما استقر القاضي بعاشر انتفع به العامة والخاصة ورحل إليه الفضلاء للقراءة كالقاضي المحقق محمد بن ناصر بن دعيش وكان أحد رواة أخباره قال وكان لا يترك الأشراف على التذكرة في الفقه كل يوم يطالع فيها ومن رواة أخباره تلميذه أمير المؤمنين المتوكل على الله إسمعيل بن الإمام المنصور بالله القاسم بن محمد فإنه الذي تولى تهذيبه وكان مولعا به ويخصصه بمزايا حتى انه كان لا يقبل في مجلس القراءة أمورا يعتادها الطلبة إلا من الإمام فكان يقبلها منه لكثرة محبته إليه وتنويره وكان يتولى عظائم الأمور ورحل إلى صنعاء لعقد عقد بين الاروام والإمام واستنهض الإمام لحرب الاروام ولما كثرت كتب خولان العالية والحد أو من قابلهم من قبائل الزيدية إلى القاضي عامر يستنهضونه لاستنهاض الإمام للخروج على الترك وكان الإمام قد فعل لكنه احتاج إلى الكتم حتى من القاضي على جلالته فدخل يوما إليه وعنف الإمام فأخبره بأن إخوته قد خرجوا منهم من جاء من المغرب وهو الحسين ومنهم من جاء من المشرق وهو الحسن ومنهم المتوسط بينهما وهو أحمد قام القاضي على وقاره وكبر سنه فخجل كما فعل جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وهو أحد السنن المأثورة ولم يكن بين وفاته وبين وفاة ولده أحمد إلا أيام قليلة ومما ينبغي أن ينقل وإن كان بترجمة ولده أحمد أليق لكنه اقتضى الحال كتابته هنا وهو أن أحمد بن عامر لما تم له الحضور مع أبناء الإمام في

(1/486)


حروب زبيد استأذن الحسن بن القاسم في زيارة والده فقال له ابن الإمام قد عزمنا على الطلوع جميعا فتأخر له يويمات فرأى القاضي أحمد في المنام رجلين يقول أحدهما للآخر اقبض روحه فيقول الآخر لا أقبض روحه فإن له أبا شيخا كبيرا قد سأل الله تعالى أن يريه إياه فلا أقبض روحه حتى يصل إليه فلما استقر هذا في ذهنه دخل إلى الحسن وألح عليه في الفسخ ولعله أسره بذلك فأذن له فطلع حتى وصل إلى ذمار وكان هنالك صفي الدين أحمد ابن الإمام فأكرمه وعظمه وعول عليه في الإقامة عنده أياما ليتصحح ويزول عنه وعثاء السفر وكثر عليه في ذلك فرأى القاضي الرجلين الأولين يقول أحدهما لصاحبه اقبض روحه فإنه أبطأ وتراخى ولم يبق له في الأجل سعة فأجابه الآخر بما أجابه له أولا فتيقظ القاضي لنفسه وعزم على المبادرة فلما وصل إلى هجرة شوكان وهي بالقرب من وادي عاشر مسكن والده فوصل إليه القبائل والشيوخ فإنه كان صدرا من الصدور فصدوه عن زيارة والده فرأى الرجلين فقال أحدهما ما قال أولا وذكر أن القاضي تراخى فأجابه الآخر بما أجاب ثم قال يكون له مهلة حتى يزور والده ويبقى خمسة أيام ثم نقبض روحه فتوجه القاضي مبادرا إلى حضرة والده فتلقاه وحصل به الأنس ثم أوصى وصية عظيمة وهو كامل الحواس ولما كان اليوم الخامس أشعر والده وودعه ثم قبض الله تعالى روحه فتولى والده أعماله ودفنه بقبة هناك وقام كالخطيب في الناس ووعظهم وذكرهم حتى بكى الحاضرون وكان القاضي عامر لا يترك كل يوم وليلة ثلاثة أجزاء من القرآن على الاستمرار ويدعو بدعاء الصحيفة ويقول أنا أستحي من الدعاء به لما فيه من التذلل وذكر البكاء والنحول ولسنا كذلك بتصاغر كما جرت عادة الفضلاء وروى عنه أنه كان له راتب لاسم من أسماء الله تعالى الحسنى فحضر عنده خادم الاسم فقال ما تريد مني فقال ما أريد منك شيئا فقال هذا العدد الذي صرت ترتبه من هذا الاسم يستدعي حضوري فإن كنت لا تريد إلا الذكر فزد على هذا العدد أو انقص وكانت وفاته في حادي عشر شهر رمضان سنة سبع وأربعين وألف وقبر في القبة التي قبر فيها عبد القادر التهامي وقبر فيها ولده أحمد بن عامر من أعمال عاشر من جهة خولان العالية زبيد استأذن الحسن بن القاسم في زيارة والده فقال له ابن الإمام قد عزمنا على الطلوع جميعا فتأخر له يويمات فرأى القاضي أحمد في المنام رجلين يقول أحدهما للآخر اقبض روحه فيقول الآخر لا أقبض روحه فإن له أبا شيخا كبيرا قد سأل الله تعالى أن يريه إياه فلا أقبض روحه حتى يصل إليه فلما استقر هذا في ذهنه دخل إلى الحسن وألح عليه في الفسخ ولعله أسره بذلك فأذن له فطلع حتى وصل إلى ذمار وكان هنالك صفي الدين أحمد ابن الإمام فأكرمه وعظمه وعول عليه في الإقامة عنده أياما ليتصحح ويزول عنه وعثاء السفر وكثر عليه في ذلك فرأى القاضي الرجلين الأولين يقول أحدهما لصاحبه اقبض روحه فإنه أبطأ وتراخى ولم يبق له في الأجل سعة فأجابه الآخر بما أجابه له أولا فتيقظ القاضي لنفسه وعزم على المبادرة فلما وصل إلى هجرة شوكان وهي بالقرب من وادي عاشر مسكن والده فوصل إليه القبائل والشيوخ فإنه كان صدرا من الصدور فصدوه عن زيارة والده فرأى الرجلين فقال أحدهما ما قال أولا وذكر أن القاضي تراخى فأجابه الآخر بما أجاب ثم قال يكون له مهلة حتى يزور والده ويبقى خمسة أيام ثم نقبض روحه فتوجه القاضي مبادرا إلى حضرة والده فتلقاه وحصل به الأنس ثم أوصى وصية عظيمة وهو كامل الحواس ولما كان اليوم الخامس أشعر والده وودعه ثم قبض الله تعالى روحه فتولى والده أعماله ودفنه بقبة هناك وقام كالخطيب في الناس ووعظهم وذكرهم حتى بكى الحاضرون وكان القاضي عامر لا يترك كل يوم وليلة ثلاثة أجزاء من القرآن على الاستمرار ويدعو بدعاء الصحيفة ويقول أنا أستحي من الدعاء به لما فيه من التذلل وذكر البكاء والنحول ولسنا كذلك بتصاغر كما جرت عادة الفضلاء وروى عنه أنه كان له راتب لاسم من أسماء الله تعالى الحسنى فحضر عنده خادم الاسم فقال ما تريد مني فقال ما أريد منك شيئا فقال هذا العدد الذي صرت ترتبه من هذا الاسم يستدعي حضوري فإن كنت لا تريد إلا الذكر فزد على هذا العدد أو انقص وكانت وفاته في حادي عشر شهر رمضان سنة سبع وأربعين وألف وقبر في القبة التي قبر فيها عبد القادر التهامي وقبر فيها ولده أحمد بن عامر من أعمال عاشر من جهة خولان العالية

(1/487)


الشاه عباس بن سلطان محمد خدابنده ابن طهماسب بن شاه إسمعيل بن سلطان حيدر بن سلطان حيدر بن سلطان شيخ جنيد بن سلطان شيخ صدر الدين إبراهيم بن سلطان خواجه علي بن شيخ صدر الدين موسى بن سلطان شيخ صفي الدين أبو إسحق بن شيخ أمين الدين جبريل بن السيد صالح بن السيد قطب الدين أحمد بن السيد صلاح الدين رشيد بن السيد محمد الحافظ كلام الله بن السيد عوض الخواص بن السيد فيروز شاه درين كلاه بن محمد شرف شاه بن محمد بن أبي حسن بن محمد بن إبراهيم بن جعفر ابن محمد بن إسمعيل بن محمد بن أحمد العراقي بن محمد قاسم بن أبي القسم حمزة بن الإمام موسى الكاظم بن الإمام جعفر الصادق بن الإمام محمد الباقر بن الإمام علي زيد العابدين بن الإمام الحسين ابن الإمام علي بن أبي طالب رضوان الله تعالى عليهم هذا نسب سلاطين العجم الذين منهم صاحب الترجمة وأول من بالغ في التشيع وأظهره سلطان حيدر وكان ذلك في سنة ست وتسعمائة وقيل في تاريخه مذهبنا حق ويروى أن بعض أهل السنة سمع هذا التاريخ فقال مذهبنا حق على النفي فإننا في الفارسي أداة نفي ومن ذلك العهد هاجر كثير من أهل السنة الذين في بلادهم إلى كثير من البلاد وتغلبت سلاطين بلادنا العثامنة على ملوكهم من عهد السلطان سليم الأول فإنه ركب على شاه إسمعيل وأخذ منه بلادا وقهره وكذلك فعل السلطان سليم الثاني فإنه جهز عليهم جيشا فأخذوا منهم تبريز وشروان وكيلان وروان وكثيرا من القصبات والولايات واستمروا مغلوبين إلى أن ظهر شاه عباس صاحب الترجمة فولى السلطنة بخراسان في سنة خمس وتسعين وتسعمائة مكان والده في حياته وكان جلوسه بقزوين لكون والده كان أعمى وقد استولت في أيامه أمراء قزلباش على الدولة واتخذوها حصصا فسفك فيهم واستقل بالأمر وكان في ابتداء أمره يداري طرف آل عثمان ويرسل ابن أخيه حيدرا بالهدايا والتحف إلى أن مات ملك الاوزبك خان وولده عبد المؤمن في سنة عشر بعد الألف وكان ملوك الأوزبك أخذوا من خراسان بلادا فاستخلصها واحدة بعد واحدة ثم قصد جدال عثمان لما كان وقع من الاختلال بسبب الجلالية الذين ظهروا في زمن السلطان أحمد ونقض العهد الذي بينه وبينهم وحاصر مملكة تبريز وروان واستولى عليهما ثم أخذ قندهار من بلاد الهند واستولى على خوارزم وكيلان وسجستان ثلاثة وأربعين سنة وكان سلطانا صاحب جاش وقوة مكر غدارا محتالا فاسترد بعض البلاد وتقوى في العسكر والعدة فأخذ بغداد من يد آل عثمان وقد قدمنا سبب أخذه لها وأنه كان الفاعل لذلك بكر كبير عسكرها وأن الشاه دخلها بمخامرة منه ومن ابنه محمد وفعل ما فعل فيها وفي أهلها وكان أخذه لها في ثالث شهر ربيع الثاني سنة اثنتين وثلاثين وألف واستمرت في يده إلى سنة ثمان وأربعين فأخذها من يده السلطان مراد وسنذكر خبر أخذها إن شاء الله تعالى في ترجمة السلطان مراد المذكور ومن ذلك العهد لزم شاه عباس حدهم الأصلي الذي كان في زمن الشاه إسمعيل ولم يتجاوزه لا هو ولا أبناؤه إلى يومنا هذا وطال عمره في السلطنة وبلغ من العزة والحرمة نهاية أمانيه وخدمه أجلاء العلماء في مناصبه منهم الشيخ الأستاذ محمد بهاء الدين بن حسين الحارثي الهمذاني الشامي فإنه كان مفتيه ومشيد أركان دولته وباسمه ألف كثيرا من كتبه ورسائله ونوه به وقد رأيت في بعض كتبه غريبة حكاها في سياق ذكره قال إن سلطان زماننا خلد الله ملكه وأجرى في بحار التأبيد فلكه عرض له يوما في مصيده خنزير عظيم الجثة طويل السن الخارج فضربه بالسيف ضربة نصفه بها نصفين ثم أمر بقلع سنه والإتيان بها إليه فوجد مكتوبا عليها لفظ الجلالة بخط بين مثبت ناتئ منها فحصل له ولنا ولمن حضر المصيدة من العسكر المنصور نهابة العجب فإن ذلك من أغرب الغرائب ولما أرانيها أدام الله نصره وتأييده قال لي كيف يجتمع هذا مع نجاسة الخنزير فقلت له إن السيد المرتضى قائل بطهارة ما لا تحله الحياة من نجس العين ووجود هذا الخط على هذا السن ربما يؤيد كلامه طاب ثراه فإن السن مما لا تحله الحياة انتهى ومن المقربين إليه من الحذاق الحكيم شفائي وكان حكيمه وطبيبه ونديمه الخاص وكان شاعرا مطبوعا مليح التخيل وكان عند الشاه في المكانة المكينة ثم غضب عليه فحمى ميلا حديدا وكحله به فأعماه وأبعده عن مجلسه وأحواله وأموره غريبة جدا ومما يحكى عنه في باب اللطائف

(1/488)


والنكات مما يستظرف وأبدعها ما كان يقع له مع الرسول المرسل إليه من طرف سلطاننا السلطان مراد المسمى بانجيلى جاويش وكان طلق اللسان حاضر الجواب نهاية في اللطائف والأعاجيب وكان الشاه يبتدره بمخترع من الفعل أو القول ويقصد بذلك الازراء بجانب سلطاننا فيجيبه عنه بأحسن جواب يدفع به ذلك الازراء وربما قلب عيانه فازرى بطرف الشاه وكان الشاه يعجب من تيقظه وينتقل معه انتقالات عجيبة خارجة عن هذا الازراء ومن جملتها أنه جلس الشاه يوما على حرف جبل في الصحراء والجاويش المذكور عنده فقال له الشاه أتحبني فقال له نعم فقال إن كنت تبني فارم بنفسك من هذا الجبل إلى تحت فقام ومشى مسافة بعيدة إلى ظهر الجبل ثم رجع وهو يركض حد الركض حتى انتهى إلى طرف الجبل ثم وقف فقال له الشاه مالك فقال محبتي له انتهت إلى هذا المحل وأراها لا تجاوزه وله من هذا القبيل أشياء أخر وللشاه عباس في سياسة الرعية والرعاية لجانبهم والذب عنهم وإكرام التجار الواردين إلى بلاده من أهل السنة أحوال مستفيضة شائعة وبالجملة فلم يجئ من سلسلتهم مثله وكانت وفاته في جمادى الأولى سنة ثمان وثلاثين وألف بدار ملكه مدينة أصفهان ودفن بأردبيل في تربة الشيخ صفي الدين وكان عمره ينيف عن السبعينات مما يستظرف وأبدعها ما كان يقع له مع الرسول المرسل إليه من طرف سلطاننا السلطان مراد المسمى بانجيلى جاويش وكان طلق اللسان حاضر الجواب نهاية في اللطائف والأعاجيب وكان الشاه يبتدره بمخترع من الفعل أو القول ويقصد بذلك الازراء بجانب سلطاننا فيجيبه عنه بأحسن جواب يدفع به ذلك الازراء وربما قلب عيانه فازرى بطرف الشاه وكان الشاه يعجب من تيقظه وينتقل معه انتقالات عجيبة خارجة عن هذا الازراء ومن جملتها أنه جلس الشاه يوما على حرف جبل في الصحراء والجاويش المذكور عنده فقال له الشاه أتحبني فقال له نعم فقال إن كنت تبني فارم بنفسك من هذا الجبل إلى تحت فقام ومشى مسافة بعيدة إلى ظهر الجبل ثم رجع وهو يركض حد الركض حتى انتهى إلى طرف الجبل ثم وقف فقال له الشاه مالك فقال محبتي له انتهت إلى هذا المحل وأراها لا تجاوزه وله من هذا القبيل أشياء أخر وللشاه عباس في سياسة الرعية والرعاية لجانبهم والذب عنهم وإكرام التجار الواردين إلى بلاده من أهل السنة أحوال مستفيضة شائعة وبالجملة فلم يجئ من سلسلتهم مثله وكانت وفاته في جمادى الأولى سنة ثمان وثلاثين وألف بدار ملكه مدينة أصفهان ودفن بأردبيل في تربة الشيخ صفي الدين وكان عمره ينيف عن السبعين عبد الأحد الشيخ البركة نزيل قسطنطينية هو رومي الأصل ولا أدري نسبته إلى أي بلدة وكان خلوتي الطريقة وهو والشيخ عبد المجيد السيواسي رفيقا عنان في الصلاح والزهد والمعرفة والإتقان وكان عبد الأحد من أفراد العباد معتقدا معظما مبجلا وكان له مريدون وأذكار ووعظ ونصيحة وبالجملة فهو من خيار الخيار وكانت وفاته في سنة إحدى وستين وألف بمدينة قسطنطينية عبد الباري بن محمد بن عمر بن عبد القادر بن أحمد بن حسن بن عمر محمد بن أحمد بن عمر بن أحمد بن عمر بن الشيخ علي الأهدل اليمني السيد الجليل الولي كان من الكملاء المشهورين جوادا مبذول النعمة وافر السخاء وله فضائل عديدة وأفعال حميدة وصيته ببلاد اليمن شائع ذائع بالفضل والكرم وكانت وفاته في حادي عشرى ذي الحجة سنة اثنتين وسبعين وألف بقرية المراوعة ودفن بها عند أجداده بني الأهدل وحصل عليه الأسف العظيم رحمه الله تعالى

(1/489)


عبد الباقي بن أحمد بن محمد المعروف بابن السمان الدمشقي نزيل قسطنطينة صاحبنا الفاضل الأديب الألمعي البارع كان مفرط الذكاء قوي الحافظة وله الإطلاع التام على أشعار العرب الخلص وأيامهم وأمثالهم وكان يحفظ منها شيئا كثيرا وقد عاينته مرات وهو يسرد من أشعارهم ألف بيت أو أكثر من غير أن يزيغ عن نهجه أو يشرق بريقه وكانت فكرته جيدة في النقد والغوص على المعاني وحسن التأديب وله تصانيف كثيرة لم يكمل منها إلا شرح الأسماء الحسنى وشرح شواهد الجامي ومختصر التهذيب في المنطق وكان شرع في كتاب سماه سرقات الشعراء كتب منه حصة يسيرة ولو تم لجاء كتابا عجيبا وجمع سبعة مجاميع بخطه تحتوي على كل تحقيق وأدب وشرع قريب موته في الجمع بين الصحيحين البخاري ومسلم ومات ولم يكمله وبالجملة فقد كان في التآليف واقفا تحت قول المتنبي
وليس بأول ذي همة ... دعته لما ليس بالنائل
وكان في أول أمره قرأ النحو والفقه بدمشق على الفقيه المشهور أحمد القلعي ثم فارق دمشق وهو غض الحداثة مقتبل الشبيبة ودخل القاهرة في حدود سنة إحدى وسبعين وألف واشتغل بها على الشيخ عبد الباقي بن غانم المقدسي الآتي ذكره وعلى السيد أحمد بن محمد الحموي المصري وعليه تخرج في الأدب وبرع ثم خرج منها إلى الروم وتصرفت به أحوال كثيرة وأسفار عديدة ولم يبق بلدة من أمهات بلاد الروم حتى دخلها ووصل إلى جزيرة كريد والوزير الفاضل منازلها فمدحه بقصيدة ومطلعها
أخف النوى ما سهلته الرسائل ... وأحلى الهوى ما كررته العواذل
يقول فيها
يعيرني قوم بقومي ومحتدى ... كما عيب بالعضب الصقيل الحمائل
أجل حسدوني حيث فضلت دونهم ... وكم حسدت في الناس قبلي الأفاضل
وما الفخر بالأجسام والمال والعلى ... ولكن بأنواع الكمال النفاضل
ومن يك أعمى القلب يلزم بقوله ... كما يحذر الأعمى العصا إذ يقاتل
وما يصنع الإنسان يوما بنوره ... إذا عادلت فيه النجوم الجنادل
وفيم نضيع العمر من غير طائل ... إذا ما استوى في الناس قس وباقل
وأصعب ما حاولت تثقيف أعوج ... وأثقل شيء جاهل متعاقل
إذا جاء نقاد الرجال من الوغى ... تميز عن أهل الكمال الأراذل
عنيت الوزير بن الوزير الذي به ... تذل وتعنو للشعوب القبائل
ومدح أخاه الفاضل مصطفى بقصيدة أخرى مطلعها
بالنفس يسمح من أراد نفيسا ... والحب أول ما يكون رسيسا
وكلا القصيدتين قد ذكرتهما في ترجمته في كتابي النفحة فلا نطيل هنا الكلام بهما فإنا نذكر له غيرهما وكل جديد له لذة وأجيز على هاتين جائزة سنية ووصل من الجزيرة المذكورة إلا سلانيك ويكى شهر والسلطان محمد ثمة فكان خاتمة مطافه أن بلغ خبره السلطان فاتخذه نديما وفاز مدة بعطاياه الطائلة ولم يطل أمره في المنادمة فأعطى مدرسة بقسطنطينية وأبعد عن الدولة إليها فألقى رحله بها واتخذها دار قراره ومجمع أسبابه وأحبه كبراؤها ومالوا إليه خصوصا المرحوم الأستاذ عزتى قاضي العسكر فإنه أقبل عليه بكليته وكان يمده بعطايا وافرة ولما دخلت قسطنطينية في سنة سبع وثمانين وألف رأيته وهو مدرس الفتحية برتبة موصلة الصحن فاتحدت معه اتحادا لم يتفق لي مع أحد غيره لما كنت أشاهد منه من المحبة الصدق الذي لا مزيد عليه وأنا منذ توفى إلى الآن أذكر صنائعه من المعروف معي فلا أعرف نهايتها وأقصر عن أداء حقها بيد أني أرجو الله أن يجزيه عن حسن محبته لي أحسن جزاء وأعظمه واتفق لي معه محاورات ومخاطبات كثيرة فمن ذلك أني أنشدته يوما قولي
ومقر طق ترف الأديم تخاله ... كالغصن قد لعب النسيم بقده
ويكاد إن شرب المدامة أن يرى ... ما مر منها تحت أحمر خده
فأنشدني مرتجلا قوله
ومهفهف لولا جفون عيونه ... خلنا دم الوجنات من ألحاظه
وتكاد تقرأ من صفاء خدوده ... ما مر خلف الخد من ألفاظه
وسألته عن نكتة تخصيص المؤمن في قوله عليه السلام اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله فأجاب مرتجلا

(1/490)


الجسم بيت وقنديل الفؤاد به ... والقبة الرأس فيها المقلة الجام
فإن غدا فيه نور الحق متقدا ... أضاء أركانه والجام نمام
فالعارفون بنور الله إذ نظروا ... صحت فراستهم والناس أقسام
وركبت معه البحر يوما في زورق وتوجهنا إلى المكان المعروف ببشكطاش فأنشدته بالمناسبة قول ابن ملطيه
وزورق أبصرته عائما ... وقد تمطى ظهر دأماء
كأنه في شكله طائر ... مد جناحيه على الماء
ثم انجرت المصاحبة إلى تعداد أنواع السفن وأسمائها حتى ذكر الغراب وهو المركب الطويل الذي يسير بالمجاذيف فأنشد فيه قول ابن الساعاتي
ولقد ركبت البحر وهو كحلبة ... والموت تحسبه جيادا تركض
كم من غراب للقطيعة أسود ... فيه يطير به جناح أبيض
ثم ذكر لي أن بعض الناس توهم أن تسمية هذا النوع من السفن بالغراب مترجم عن اسمه بالتركية لأن اسمها عندهم تادرغة فظنها قارغة وهو بالتركية الغراب قال وأقام المتوهم النكير على المترجم من كونه وهم لتقارب الألفاظ اتفاقا ولم يدر أن ما قاله هو الوهم بل وجه المناسبة في التسمية أنها شبهت بالغراب لسوادها وشبه المجاذيف بالأجنحة وهو حسن ثم رأيت هذا الكلام للشهاب الخفاجي في كتابه طراز المجالس فراجعه إن شئت وكتب إلي هذه الأبيات مداعبا في أيام برد العجوز
بغض بكر وبشرب العجوز ... يدفع بعض الناس برد العجوز
ونحن قوم ما لنا ثروة ... ولا نرى في الشرع ما لا يجوز
قهوتنا قهوة بن زكت ... تعيد أيام الصبا للعجوز
وعندنا كانون جمر لقد ... أعاد في كانون قيظا تموز
وصحبة طوع يد اللهو لا ... تفرقهم إن خلطوا بالعنوز
فانهض إلينا نغتنم صحبة ... فالزمن الجاني سريع النشوز
وأعرف الناس به عاقل ... بلذة قبل التقضى يفوز
لا يرتضي العاقل عن فرصة ... من فرص الدهر بملء الكنوز
لو لم يجن الدهر ما علقت ... عليه رأس الهلال الحزور
من غير مأمور ودم سالما ... لدفع خطب ولحل الرموز
فحضرت إليه وكان بمجلسه أحد أبناء الروم ممن يدعي الأدب فأخذ في بحث أيام العجوز ولم سميت بهذا الاسم حتى تحرر لنا وجه التسمية من كتاب لابن قاضي شهبة سماه تطريف المجالس بذكر الفوائد والنفائس وملخص ما قال فيه أنهم زعموا أن عجوزا دهرية كاهنة من العرب كانت تخبر قومها ببرد يقع في آخر الشتاء يسوء أثره على المواشي فلم يكترثوا بقولها وجزوا أغنامهم واثقين بإقبال الربيع فإذا هم ببرد شديد أهلك الزرع والضرع فقيل أيام العجوز وبرد العجوز وقيل هي عجوز كان لها سبع بنين وسألتهم أن يزوجوها وألحث فقالوا ابرزي للهواء سبع ليال حتى نزوجك ففعلت والزمان شتاء فماتت في السابعة فنسبت إليها الأيام وقيل هي الأيام السبعة التي أهلكت فيها عاد ولكن تلك ثمانية بنص الكتاب وقيل أيام العجز وهي آخر الشتاء والله أعلم وكتبت إليه بعد أيام أدعوه إلى منتزه في يوم النوروز وأشير إلى مضمون أبياته
أنقذتنا مواسم النوروز ... من عذاب الشتا وبرد العجوز
ألبس الأرض من غلائله ال ... خضر فجرت ذيولها في الخزوز
وإذا أشرقت ذكاء حسنا الأ ... رض أبدت ما تحتها من كنوز
فاتركاني من ضرب زيد لعمرو ... وبيان المقصور والمهموز
وقفا بي على الرياض قليلا ... لنرى قدرة الحكيم العزيز
فكأن الحباب والماء فيها ... فضة تحت لؤلؤ مغروز
أيها الفاضل الذي يفصل ال ... بحث ولو طال بالكلام الوجيز
لو جهلناه ما علمنا يقينا ... محكمات التحريم والتجويز
أو رآه الزهري وابن معين ... أسند العلم عنه كالمستجيز
جد بإنجاز ما وعدت فليس ال ... مطل عند الكرام كالتنجيز
فلدينا من يسحر اللب والع ... قل إذا ما شدا من النيريز

(1/491)


فاتر الطرف لو رأته زليخا ... نسيت ذكر يوسف والعزيز
حسدت منزلي عليه بقاع الأ ... رض من جلق إلى تبريز
لا تكلف فكري بيانا فلا ... يمكن وصف الجمال بالارجوز
فتعجل فالوقت كالسيف والع ... اقل يدري ما تحت ذيل الرموز
ولما كنت بأدرنه ورد منه كتاب لبعض أخدانه وأمره بتبليغ السلام إلي باللسان واعتذر عن عدم إرسال كتاب مستقل إلي فكتبت إليه قصيدة طويلة منها
بنفسي من خدره المغرب ... هلال عن القلب لا يغرب
ومن أنا في حبه ثابت ... تباخل بالكتب أو يكتب
ومن لو وزنت بغشافه ... رجحتهم والهوى متعب
وقيدني الجود في وده ... فمالي عن حبه مذهب
أرجى لقاه رجاء الحيا ... ة والنجم من قربه أقرب
ويا من تعجب من رقتي ... حياة قتيل النوى أعجب
لقد ودعوني فسار السرور ... وما لذلي بعدهم مشرب
ولم أر من بعد أنوارهم ... نهارا ولو أقلع الغيهب
وما كنت أحسب صبري يخو ... ن ويخدعني برقه الخلب
ولو كنت أملك قلبي صنعت ... كما صنعوا والهوى أغلب
وأنشدني يوما قصيدة غزلية نظمها لم يعلق منها في خاطري إلا بيت المطلع وهو هذا
غصن رنحه سكر الدلال ... ينثنى ريان من ماء الجمال
واقترح علي أن أنظم على وزنها ورويها قصيدة فنظمت هذه القصيدة وعرضتها عليه وهي قولي
شاقني غصن نقا تحت هلال ... ينثنى نشوان من خمر الدلال
كل لحظ منه نهاب النهى ... يسحر الألباب بالسحر الحلال
ترتع الأحداق من طلعته ... في رياض بين حسن وجمال
خده كالورد غشاه الحيا ... عرقا كالدريزري بالغوالي
من عذيري من خليل غادر الج ... سم من سلوته رق الخلال
يعد الوصل ويقضيني الجفا ... ويمنيني ويرضى بالمحال
حمل القلب من الأعباء ما ... لو أقلت صدعت صم الجبال
يا بقومي قامة منه ويا ... خجلة الأغصان منها والعوالي
ومحيا يفتك النساك حس ... نا ويسنعبد ربات الحجال
ولحاظ دونها فتك الظبا ... تنهب الأعمار من غير قتال
وقسى تصدع اللب إذا ... فوقت انفذ من زرق النصال
ولمى يفتر عنه مبسم ... من عقيق فوق در كاللآلي
ترف الجسم يكاد القد ينق ... د أن رنحه سكر الدلال
وشجاني صادح في فنن ... كلما أشكو له الشوق شكا لي
يا لك الله كلانا واحد ... يشتكي بعد حبيب وطلال
كلنا يبكي على غصن له ... نازح الأحباب مثبت الحبال
يا خليلي وسلطان الهوى ... يقتضى حكم الموالي في الموالي
لا تلوماني على جهد البلا ... فالهوى ضرب من الداء العضال
يبعث العاقل للحسين القضا ... ويغص المرء بالماء الزلال
أي خلي القلب عني إنني ... لست بالمختار في هذا النكال
لو لم يكن في الحب رأى لم تجد ... أسد الغابة في أسر الغزال
خل ارشادي وذق طعم الهوى ... إنني قد بعث رشدي بالضلال
لا تلم من ذل في نيل المنى ... إن عز الحب في ذل السؤال
كم أداري مهجة ذابت أسى ... بين إطماع وعد ومطال
تلفت روحي وما من عجب ... تلف الأرواح من دون الوصال
ما الذي ضر جميل الوجه لو ... كان أفديه جميلا في الفعال
آثر الجور على العدل ولم ... يدر أن الجور من شر الخصال

(1/492)


يا أحباي وفي آثاركم ... فرج القلب وحل من عقال
عللوا روحي بأرواح الصبا ... وابعثوا أخباركم لي في الشمال
واسعفوا المضنى بتنجيز المنى ... أن تنجيز المنى خير النوال
وإذا لم تنعموا لي باللقا ... فاحسنوا لي إذ أذنتم بالخيال
ليت شعري والهوى كم فيه من ... عجب والصب مغرى بالجدال
أقصير الليل يدري حالتي ... في ليالي هجره السود الطوال
يشتكى من قصر الليل إذا ... ما اشتكى الخالون من طول الليال
وأهدى إلي مرة شاشا فكتبت إليه
روحي فداء لاغر سما ... بسودد كالشامخ الراسي
ذو خلق يحكى شذا روضة ... قد أحدقت بالورد والآسي
فما الربيع الطلق وشى الربى ... بردا ما السلسل في الكماس
ألطف من نسمة أخلاقه ... عرفتها من طيب أنفاس
نزلت في دوحته معدما ... فلم يدع برئي وإيناسي
يا سيدا أنطقني فضله ... بشكره من بعد إخراسي
أراك رأس الناس لا مرية ... لذاك تهدى حلة الراس
وجمعني وإياه مجلس لأحد الكبار فلعب بالشطرنج وكان إذا لعب ظهر منه بعض الطيش والدعوى وكان بالمجلس بعض العلماء فأبدى التعجب من أطواره فأنشد بديها
لئن أمسيت أدنى القوم سنا ... فعد فضائلي لا يستطاع
كشطرنج ترى الألباب فيه ... حيارى وهو رقعته ذراع
قلت وكان مفردا في لعب الشطرنج وله فيه محنة زائدة وتفرغ أياما لحساب حبة القمح التي اقترحها واضع الشطرنج وهو صصه بن داهر الهندي على الملك الذي وضعه باسمه وهو شهرام وأراد أن يستخرج العدد وصنع جدولا عظيما وأظنه استخرجه وأنا قد رأيت بعض الحساب اعتنى بذلك وضبطه ضبطا قويا وجعله في مصراع من بيت وهو قوله
إن رمت تضعيف شطرنج فجملته ... ها واهه طعجزمدز ودوحا
وجملة ذلك ثمانية عشر ألف ألف ألف ألف ألف ألف ست مرات وأربعمائة وستة وأربعون ألف ألف ألف ألف ألف خمس مرات وسبعمائة وأربعون ألف ألف ألف ألف أربع مرات وثلاثة وسبعون ألف ألف ألف ثلاث مرات وسبعمائة وتسعة آلاف ألف ألف مرتين وخمسمائة واحد وخمسون ألف وستمائة وخمسة عشر وأقلع آخرا عن صبوته فترك محض أشعاره في الغزل وقص قوادمها وخوافيها بأشعار في الزهد والحكم وأبلغ ما أنشدني في ذلك المعرض هذه القصيدة الغراء عارض بها معلقة امرئ القيس وقصيدته تليق أن تعلق تميمة في جيد الزمان لما اشتملت عليه من الأمثال والحكم والسلاسة وقد أوردتها برمتها حرصا على كثرة فائدتها وتعرضت لبعض إيضاحاتها وهي
توكل على الرحمن حق التوكل ... فليس لما في علمه من مبدل
لعمرك ما يدري المنجم ما غدا ... يكون وعلم الحال عند المحول
وأنا فلا تعجب لفي غفلة بما ... يراد بنا في عاجل أو مؤجل
نسير ولا ندري كركب سفينة ... وعمر الفتى كالفئ جم التنقل
ويرشقنا قوس الخطوب بأسهم ... على أسهم كالطل يتبعه الولى
ونحن نبات والزمان حصادنا ... أليس بوافي كل شهر بمنجل
تشبيه الهلال بالمنجل مستعمل في أشعار العرب كثيرا ومن أحسن ما مر لي فيه قول الشهاب
رأيت هلال الشهر منجل حاصد ... لأعمارنا وهي الهشيم المحطم
وما سلخت تلك الشهور وإنما ... دياجي الأماني الجلد والشفق الدم
وآمالنا تزداد في كل ساعة ... ومن أضيع الأشياء عمر المؤمل
إلى الله نشكو ما بنا من جهالة ... ومن تتعبده المطامع يجهل
ومن لم يكن في أمره ذا بصيرة ... يكن هدفا للنائبات ويقتل
وهم الورى كل على قدر عقله ... وما فاز باللذات غير المغفل
ولا عجب إن فاوت الحظ بيننا ... فمن رامح نجم السماء وأعزل

(1/493)


ألم تر أن الطير يرتع شرها ... ويحبس في أقفاصه كل بلبل
وإني من القوم الكرام أولى الوفا ... إذا بخلت مزن السما لم تبخل
وإن ندع عند الجدب نسمح بجهدنا ... وإن ندع يوم البأس لم نتعلل
ونرحل بعد الناس من كل منزل ... ونصدر قبل الناس من كل منهل
ويمنعنا فرط الحياء عن الخنا ... وإن كان فينا رقة المتغزل
ووهابة الأحزان نهابة النهى ... منعمة الأطراف عذب المقبل
رقيقة خصر لا ترق لمغرم ... قسية قلب لا تلين لمبتلى
يرى وجهه في وجهها من يضمها ... كمرآة هندي براحة صيقل
تخادع أرباب النهى عن عقولهم ... وتسحر لب الناسك المتبتل
إذا التفتت نحو الخلي بطرفها ... سرى حبها كالخمر في كل مفصل
تحوم رماح الخط حول خبائها ... كما حاطت الأهداب مقلة أكحل
فكم في حماها من سليم مسهد ... وحول خباها من صريع مجندل
صرفت الهوى عنهن لا خشية الردى ... وذو الرأي مهما يأمر القلب يفعل
ورع وقفت العيس فيه فلم أجد ... بأرجائه غير الغراب المكبل
عهدت به البيض الدمى فوجد به ... من الأهل كالجيد الأغر المعطل
وبات سميري فيه ضار غضنفر ... له منظر وعر وناي كمعول
وعينان كلما ويتين توقدا ... ظلاما فلم نحتج إلى ضوء مشعل
مساق شديد البطش عبل مفتل ... كحبل الجواري المنشآت المجدل
كأن عظام الوحش حول عرينه ... بقايا بناء ألقيت خول هيكل
أتاني فلم يبصر فؤادا مروعا ... فقام مقام السائل المتطفل
فقلت له عذرا أسامة إنني ... أرى جمل زادي قادحا في التوكل
أقم فلعل الله يرزقنا معا ... فإن لنا رزقا على المتوكل
فعن له سرب كأن نعاجه ... غوان تهادى في الحلى حول جدول
فثار فلما أبصرته تلاحقت ... كما انسل در من نظام مفصل
فناديته صبرا وللضيف حرمة ... فلا تتكلف هم قوت ومأكل
وقمت إليها طالبا فوق ضامر ... كما انقض صقر أجدل فوق أجدل
وفوقت سهما مصميا نحو بعضها ... ومن وعد الضيف القرى فليعجل
وقاسمته زادي وبات مقابلي ... كما قابل المقرور نارا ليصطلى
وأوسعني شكرا وما كان ناطقا ... ولكن لسان الحال أصدق مقول
وسرت وسر الصبح في خاطر الدجى ... ونجم السما يرنو بمقلة أحول
وإني مقيم للصديق على الوفا ... سريع إذا ساء الجوار ترحلي
وليس ارتحالي عن ملال وإنما ... رأيت مكان الذل أسوأ منزل
ومن كان ذا صبر على الجور والجفا ... فإني مجد في خلاف السمندل
ألا في سبيل الله ود صرفته ... لمن خان ميثاقي وأشمت عذلي
جزاء سنمار جزاني على الهوى ... وكان يمنيني وفاء السموأل
سنمار رجل رومي بنى الخورنق الذي بظهر الكوفة للنعمان بن امرئ القيس فلما فرغ منه ألقاه من أعلاه فخر ميتا وإنما فعل ذلك لئلا يبنى مثله لغيره فضربت العرب به المثل لمن يجزى بالإحسان الإساءة قال الشاعر
جزتنا بنو سعد بحسن فعالنا ... جزاء سنمار وما كان ذا ذنب

(1/494)


ويقال هو الذي بنى أطما لأحيحة بن الجلاح فلما فرغ منه قال له أحيحة لقد أحكمته فقال إني لأعرف فيه حجرا لو نزع لتقوض من آخره فسأله عن الحجر فأراه موضعه فدفعه أحيحة من الأطم فخر ميتا والسموأل بفتح السين والميم وسكون الواو وبعدها همزة ثم لام ابن حيان بن عاديا اليهودي كان من وفائه أن امرأ القيس لما أراد الخروج إلى قيصر استودع السموأل دروعا وأحيحة بن الجلاح أيضا دروعا فلما مات امرؤ القيس غزاه ملك من ملوك الشام فتحرز منه السموأل فأخذ الملك ابنا له وكان خارجا من الحصن فصاح الملك بالسموأل فأشرف فقال هذا ابنك في يدي وقد علمت أن امرأ القيس ابن عمي ومن عشيرتي وأنا أحق بميراثه فإن دفعت إلي الدروع وإلا ذبحت ابنك فقال أجلني فأجله فجمع أهل بيته نساءه فشاورهم فكل أشار عليه أن يدفع الدروع ويستنقذ ابنه فلما أصبح أشرف عليه فقال ليس إلى دفع الدروع سبيل فاصنع ما أنت صانع فذبح الملك ابنه وهو مشرف ينظر إليه ثم انصرف الملك بالخيبة رجع
فمن مبلغ الإخوان عني رسالة ... علي يدير القول من خير مرسل
مقالة من يجزى على الفعل مثله ... ولا يظلم المجزى حبة خردل
مقالة من تخشى بوادره ومن ... تساوى لديه طعم شهد وحنظل
مقالة من لا يختشى ذم جارح ... ولا يرتجى في النصح حمد المعول
دعوا البغي إن البغي يصرع أهله ... ويوقع في داء من الخطب معضل
ولا تجحدوا حق المحق فإنه ... سيبدو ظهور النار من فوق يذبل
ولا تظهروا شيئا وفي النفس غيره ... بوجه ضحوك فوق قلب كمرجل
وهل يختفى عن حافظين وشاهد ... رقيب عليكم بالقلوب موكل
ومن كان ذا رأي سديد وفطنة ... رأى ما نأى عنه بأدنى تأمل
أسرة وجه المرء عند كلامه ... تفصل من أسراره كل مجمل
وأسرع شيء يضمحل وجوده ... تصنع كذاب وصولة مبطل
ولا تنقضوا الميثاق فالله سائل ... عن العهد في يوم الجزاء المؤجل
ولا تحقروا كيد الضعيف فربما ... يساعده الدهر الكثير التحول
وكم خادم أضحى لمولاه سيدا ... وأسدى إليه منة المتفضل
أحبتنا رفقا علينا ورقة ... فزينة لب المرء حسن الترسل
تحملت منكم ما يذوب به الصفا ... وقد يهلك الإنسان فرط النحمل
أفي كل يوم اختشى سبق جاهل ... كجلمود صخر حطه السيل من عل
إذا قدموهم ثم أقبلت أخروا ... ويبطل نهر الله جدول معقل
نهر معقل بالبصرة وهو معقل بن يسار المزني الصحابي وينسب إليه التمر المعقلي وفي المثل إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل والمراد بنهر الله ما يقع عند المد فإنه يطم على الأنهار كلها
ومن قاسني بالحاسدين فضيلة ... كمن قاس في السبق المجلى بفسكل
الفسكل هو من خيل السباق العشرة وهو الذي في آخر الحلبة آخر الخيل ويقال له القاسور والسكيت أيضا هذا ما عليه الجوهري قال ابن الحنبلي في تاريخه بعد كلام ذكره ولم أجد للقاسور ذكرا فيما أنشده الصفدي في تاريخه لابن مالك النحوي جامعا لأسماء خيل السباق العشرة في قوله
خيل السباق مجل يقتفيه مص ... ل والمسلى وتال قبل مرتاح
وعاطف وخطى والمؤمل واللط ... يم والفسكل السكيت يا صاح
وكأنه تركه لأنه والفسكل والسكيت واحد كما عليه الجوهري
سأرتكب الخطب العظيم مخاطرا ... وأخلع عن عطفي برد التجمل
وأبذلها إما على النفس أولها ... ومن يطلب الغايات للنفس يبذل
فإن عشت أدركت الأماني وإن أمت ... فتلك سبيل لست فيها بأول
وأنبئت أن ابن اللئيمة سبني ... وليس على عهد الدمى من معول
وقال لمن أحواله وهو صادق ... ألسنا صدور الناس في كل محفل
ورثت العلى عن كابر بعد كابر ... وسودت بالمجد الرفيع المؤثل

(1/495)


نعم ما بنوا من مجدهم قد هدمته ... وأصبحت فيهم واو عمرو المذيل
لئن نلت ما أملته من حكومة ... لتنتشر فيها شرع حاكم جبل
جبل بفتح الجيم وضم الباء المشددة بلد بشاطئ دجلة وقاضي جبل يضرب به المثل في الجهل فيقال أجهل من قاضي جبل يقال إنه قضى لخصم جاءه وحده ثم نقض حكمه لما جاء الخصم الآخر وفيه يقول محمد بن عبد الملك الزيات
قضى لمخاصم يوما فلما ... أتاه خصمه نقض القضاء
دنا منك العدو وغبت عنه ... فقال بحكمه ما كان شاء
ومن ظريف ما يحكى عنه أن المأمون لما خرج إلى الصلح للابتناء ببوران إذا جماعة على الشط وفيهم رجل ينادي بأعلى صوته يا أمير المؤمنين نعم القاضي قاضي جبل جزاه الله عنا أفضل ما جزى به أحدا من القضاة فهو العفيف النظيف الناصح الحبيب المأمون العيب وكان القاضي يحيى بن أكثم يعرف قاضي جبل وهو الذي ولاه وأشار به فقال يا أمير المؤمنين إن هذا الذي ينادي ويثنى على القاضي هو القاضي نفسه فاستضحك المأمون واستظرفه وأقره على القضاء وقد كان أهل جبل وقعوا عليه وذكروا أنه سفيه حديد يعض رؤس الخصوم
سيندم قوم حاربوني وإنهم ... ستطرقهم من جانبي أم قسطل
أم قسطل الداهية
وإن لساني مبضع أي مبضع ... وفي كل عضو منهم عرق أكحل
وأقسم لولا خشية الله والحيا ... نسخت به ذكرى جرير وجرول
بأسهم لفظ كالصواعق أرسلت ... وأنصل معنى كالقضاء المنزل
وقافية تزداد حسنا وجدة ... وتبقى الوحى في صم جندل
قلائد ما مرت بفكر مرقش ... ولا خطرت يوما ببال المهلهل
فكن حذرا فالحزم ينفع أهله ... وإن كنت ممن يجهل الأمر فاسأل
وقد أطلنا ترجمته حسبما اقتضاه الجال وحاصله أنه كان فريد زمانه ووحيد أوانه وما أدري بأي عبارة أصف محاسنة وأذكر صنائعه وكان قبل موته بأيام نهض حظه نهضة عجيبة وذلك لإقبال الوزير الأعظم مصطفى باشا المقتول عليه وأدر عليه إدرارات كثيرة وشفع له عند المفتي فولاه إحدى المدارس الثمان ثم بعد أشهر ولاه مدرسة زال باشا التي بأيوب وفرح فرحا شديدا واتفق أني كنت عنده فجاءه للتهنئة المولى رفقي المدرس بمدرسة إبراهيم باشا بمدينة الغلطة فهناه ثم ذكر له أن هذه المدرسة مشهورة باليمن ومن جملة يمنها أنه لم يقع لأحد من مدرسيها أنه مات وهي عليه فعجبت من هذا ووقع في وهمي أنه يكون مبدأ لموت بعض مدرسيها وانفصل المجلس ثم في ثاني يوم رأيت قرطاسا في وسط دواته فتأملت فيها فرأيته قد شرع في عمل قصيدة وكتب قوافيها ولم يكتب منها إلا المطلع وهو هذا
ألم تر أن الهم قد زال بزالا ... وأحسن آمالالنا ومآلا
فاستحكمت الطيرة في وهمى من لفظة زال وفارقته عشية النهار وهو في لب الصحة ففي الصباح جاءني خادم له يدعوني إليه وذكر لي الخادم بأنه طعن بالليل فأسرعت إليه فلما دخلت عليه رأيته قد انعقد لسانه وأشرف على الموت وبقي إلى الليلة القابلة فقضى نحبه وكانت وفاته ليلة الأربعاء لليلتين بقيتا من شوال سنة ثمان وثمانين وألف وكان عمره أربعا وثلاثين سنة فإن مولده على ما أخبرني به في سنة خمس وخمسين وألف ودفن خارج باب أدرنه على يمنة الطريق الآخذ إلى مدينة أيوب وقلت أرثيه بهذه الأبيات
كل حي على البسيطة فاني ... غير وجه المهيمن الرحمن
وشراب المنون في الناس يسري ... سريان الأرواح في الأبدان
عم حكم الفناء في الخلق حتى ... سوف يرقى الردى إلى كيوان
وفناء الأقران شاهد عدل ... ودليل على فنا الأقران
لو نجا من يد الردى ذو فخار ... خلد العدل صاحب الإيوان
إن في الموت عبرة للبي ... ب لم تعقه علائق الجثمان
والسفيه السفيه من صرف العم ... ر بشرب الطلا وقرب الغواني
والذي يشترى جهنم باللذ ... ات أولى التجار بالخسران
فاغتنم فرصة الحياة فما الت ... سويف إلا مطية الحرمان

(1/496)


كل نفس تجزى بما قدمته ... وجزاء الإحسان بالإحسان
كيف نرجو من الزمان بقاء ... والمنايا تحول دون الأماني
والورى والثرى حباب وماء ... ينطفى واحد ويطفو الثاني
أين روح الزمان من كنت في ح ... ين وإياه كحلتي حلوان
كان فينا كالورد في وجنات الغي ... د والسحر في عيون الحسان
عاجل الدهر نير الفضل بالكس ... ف وبدر الكمال بالنقصان
رجع الجوهر النفيس إلى الأص ... ل وأضحى مقره في الجنان
ليث شعري وليس يجدى أمن عم ... د رمته الخطوب أم نسيان
كيف دكيت أيها الحتف رضوى ... ونقلت الهضاب من ثهلان
جادت السحب قبره من فقيه ... كان في الفقه وارث النعمان
وحكيم يكاد ينطق عن ... وحي نبي أو عن نبأ لقمان
وأدبب يغار من نثره الد ... ر ومن نظمه عقود الجمان
وجواد كأن في كفه عين ... ي محب أو ملتقى عمان
كان نفعا ولم يزل وأحق النا ... س بالحمد دائم الإحسان
هون الدهر بعده كل خطب ... فترانا من حربه في أمان
يا صديقي تركتني لخطوب ... ينقضى قبلها زمان الزمان
لست أرضى عليك حكم لبيد ... مذهبي في الوفاء حكم ابن هانى
عيل صبري وإنما تأسى ... بعموم المصاب في الأعيان
أسعد الصاحبين من مات قب ... ل وأبقى الصديق للأحزان
إنما هذه مراحل تطوى ... والبرايا تساق كالركبان
كنت أخشى الورى لربك خوفا ... ولمن خاف ربه جنتان
ولك السبق في جميع المعالي ... فتمتع بالروح والريحان
عبد الباقي بن الشيخ الولي الزين المزجاجي التحيتي بالتصغير نسبة إلى التحتية خارج زبيد الزبيدي الشيخ القطب الفرد الجامع الغوث الإلهي الصوفي العارف بالله والدال عليه الإمام المجمع على تحققه بالحقائق الغيبية ولد بالتحتية وبها نشأ وأخذ عن شيوخ كثيرين باليمن وأخذ طريق النقشبندية عن العارف بالله تعالى تاج الدين الهندي وبه تخرج وصار خليفته من بعده في طريق النقشبندية وأخذ عنه خلق لا يحصون منهم الشيخ أحمد البنا الدمياطي رحل إليه ولازمه مدة مديدة وبه تخرج ولم يزل ينفع الناس حتى نقله الله تعالى إلى دار كرامته وكانت وفاته في شهر ربيع الآخر سنة أربع وسبعين وألف ببلده التحتية وبها دفن وآل المزجاجي قوم صالحون لهم شهرة وسيادة باليمن والمزجاجي بكسر ثم معجمات نسبة إلى المزجاجية موضع يصنع فيه المزجاج بالقرب من زبيد عبد الباقي بن عبد الباقي بن عبد القادر بن عبد الباقي بن إبراهيم بن عمر بن محمد الحنبلي البعلي الأزهري الدمشقي المحدث المقرى الأثرى الشهير بابن البدر ثم بابن فقيه فصه وهي بفاء

(1/497)


مكسورة ومهملة قرية ببعلبك من جهة دمشق نحو فرسخ وكان أحد أجداده يتوجه ويخطب فيها فلذلك اشتهر بها وأجداده كلهم حنابلة وقد ولد هو ببعلبك وقرأ أولا على والده القرآن العظيم ثم ارتحل إلى دمشق وأخذ بها الفقه عن القاضي محمود بن عبد الحميد الحنبلي خليفة الحكم العزيز بدمشق حفيد الشيخ موسى الحجاوي صاحب الاقناع وعن الشيخ العالم المحدث أحمد بن أبي الوفا المفلحي المقدم ذكره وأخذ طريق الصوفية عن ابن عمه الشيخ نور الدين البعلي خليفة الشيخ محمد العلمي القدسي ولقنه الذكر وأجازه الشيخ العلمي المذكور في القدس بالبداءة في الأوراد والأذكار والمحيا ورحل إلى مصر في سنة تسع وعشرين وألف وأخذ الفقه عن الشيخ منصور والشيخ مرعى البهوتيين والشيخ عبد القادر الدنوشري والشيخ يوسف الفتوحي سبط ابن النجار وأخذ القراآت عن الشيخ عبد الرحمن اليمني والحديث عن البرهان اللقاني وأبي العباس المقرى والفرائض عن الشيخ محمد الشمريسى والشيخ زين العابدين أبي درى المالكي والشيخ عبد الجواد الجنبلاطي والعروض عن الشيخ محمد الحموي وحصة من المنطق والعربية عن الشيخ محمد البابلي وحضر دروسه ثم عاد إلى دمشق وقرأ على العلامة عمر القارئ في النحو والمعاني والحديث والأصول وحج في سنة ست وثلاثين وألف وأجازه علماء مكة كالشيخ محمد علي بن علان الديقي والشيخ عبد الرحمن المرشدي الحنفي مفتي مكة وأخذ عن أهل المدينة كالشيخ عبد الرحمن الخياري وكذلك عن علماء بيت المقدس وأعلى سند له في الحديث مرويات الحافظ ابن حجر العسقلاني في جميع كتب الحديث عن الشيخ حجازي الواعظ عن ابن أركماس من أهل غيط العدة بمصر عن الحافظ ابن حجر وحضر دروس الحديث بالجامع الأموي عند الشمس الميداني والنجم الغزي ودروس التفسير عند العمادي المفتي وتصدر للإقراء بالجامع المذكور في سنة إحدى وأربعين وألف بكرة النهار وبين العشاءين فقرأ الجامع الصغير في الحديث مرتين وتفسير الجلالين مرتين وقرأ صحيح البخاري بتمامه ومسلم والشفا والمواهب والترغيب والترهيب والتذكرة للقرطبي وشرح البرءة والمنفرجة والشمايل والاحياء جميع ذلك نظر فيه ولازم ذلك ملازمة كلية بمحراب الحنابلة أولا ثم بمحراب الشافعية ولم ينفصل عن ذلك شتاء ولا صيفا ولا ليلة عيد حتى أنه لما زوج ولديه حضر تلك الليلة وكان فيه نفع عظيم وأخذ عنه خلق كثير أجلهم الأستاذ الكبير واحد الدنيا في المعارف إبراهيم الكوراني نزيل المدينة والسيد العالم محمد بن عبد الرسول البرزنجي ومنهم ولده العالم العلم الدين الخير أبو المواهب مفتي الحنابلة الآن أبقى الله وجوده ونفع به وشيخنا المرحوم عبد الحي العكري الآتي ذكره وغيرهم وله مؤلفات منها شرح على البخاري لم يكمله ودرس بالمدرسة العادلية الصغرى وصار خطيبا بجامع منجك الذي يعرف بمسجد الأقصاب خارج دمشق وكان شيخ القراء بدمشق ونظم الشعر إلا أن شعره شعر العلماء ولقد رأيت من شعره الكثير فلم أر فيه ما يصلح للإيراد وبالجملة ففي ذكر ما اشتمل عليه من العلوم والأوصاف الفائقة ما يغنى عن الشعر وأشباهه وكانت ولادته ليلة السبت ثامن شهر ربيع الثاني سنة خمس بعد الألف وتوفى ليلة الثلاثا سابع عشرى ذي الحجة سنة إحدى وسبعين وألف ودفن بتربة الغربا من مقبرة الفراديس رحمه الله تعالى

(1/498)


عبد الباقي بن عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي بن خليل بن محمد بن محمد بن إبراهيم بن موسى بن غانم بن علي بن حسن بن إبراهيم بن عبد العزيز بن سعيد بن سعد ابن عبادة سيد الخزرج المقدسي الأصل المصري إمام الأشرفية بمصر هكذا رأيت نسب جده إمام المحققين الآتي ذكره وفي غالب اليقين أن فيه نقصا كان صاحب هذه الترجمة من مشاهير الأفاضل له انهماك على تحصيل العلوم وتقييد الفوائد الغريبة وكان يحفظ منها كثيرا وحصل بخطه كتبا كثيرة جدا في فنون وكان ملازما للعبادة والاستفادة مترفعا عن الدنيا وأهلها لا يتردد إلى أحد إلا في خير وكان نير الوجه جماليا سمح النفس حسن الصفات شريف الطباع مشهورا بقيام الليل وإحياء الليالي الفاضلة قرأ في الفقه على الشمس محمد المحبي ومحمد الشلبي والشهاب أحمد الشوبري وحسن الشرنبلالي الحنفيين وغيرهم وأخذ بقية العلوم عن كثيرين منهم الشمس الشوبري ويس الحمصي والنور الشبراملسى وسلطان المزاحي ومحمد البابلي وعبد الجواد الخوانكي وسرى الدين الدروري وأخذ عنه جماعة كثيرون منهم صاحبنا المرحوم عبد الباقي بن أحمد السمان وصاحبنا الفاضل مصطفى بن فتح الله وكان صاحبنا الأول يثني عليه ثناء بليغا ويفضله على جميع من عاصره من علماء الحنفية وحكى لي أنه كان مع ما اجتمع فيه من المهابة شديد البسط كثير الدعابة والغزل وطرح التسمت مليح الحديث لا يمل وإن طال وله تآليف كثيرة من أجلها شرحه على الكنز في الفقه سماه الرمز والسيوف الصقال في رقبة من ينكر كرامات الأولياء بعد الانتقال وله تذكرة في أربع مجلدات جمع فيها فأوعى وقفت عليها شكر الله سعيه وفد سماها روضة الآداب وفيها يقول ابن السمان المذكور مادحا لها ولمؤلفها
ما عروس بدت بغير حجاب ... وكؤوس جلت صدا الألباب
ورحيق مزاجه سلسبيل ... روقته السقاة في الأكواب
وربيب إذا رأت وجهه الش ... مس توارت من وقتها بالحجاب
ذو لحاظ ترمي سهام المنيا ... ت بها من كنائن الأهداب
تحت فرع كأنه ظلمة البعد ... وفرق كالوصل والاقتراب
فإذا ما شدا بصوت رخيم ... ذكر الناسكين عهد التصابي
كثمار من الفوائد في أغص ... ان علم بروضة الآداب
أبدعنها أيدي إمام الهدى والعص ... ر بحر الندا مبين الصعاب
عالم الوقت منبع الشرع والد ... ين يفضل النهى وفصل الخطاب
من بألفاظه لقد شرف المن ... بر وازداد رونق المحراب
هو كالبحر كل صاد تروى ... من نداه وغيره كالسراب
دام فردا في الفضل جامع علم ... ما صبا مغرم لعهد الشباب
وأخبرني أنه كان أنه كان هو وإياه في مجلس حافل فدخل عليهم رجل وأنشد قصيدة في مديح المقدسي منحطة الرتبة واعتذر فيها عن قصوره قال فأنشدت بديها هذه الأبيات في الوزن والقافية
قصرت في مدح الإمام المقدسي ... وحوادث الأيام عذر المفلس
علامة الأعلام والغصن الذي ... بالفضل يعرف فيه طيب المغرس
يعد الكمال وسيد العلماء من ... بوجوده نعفو عن الزمن المسى
حبر إذا اجتمع الصدور بمجلس ... يوم التفاخر فهو صدر المجلس
شدت بأوتاد النجوم خيامه ... مضروبة فوق الأثير الأطلس
أفكاره تجلو الخطوب عن الورى ... وضياؤه يجلو ظلام الحندس
قد مثل الله العلوم له كما ... لنبيه تمثيل بيت المقدس
فإذا مدحت أولى الفضائل والنهى ... فالبس عن الآداب أفخر ملبس
فالمدح بالشعر الضعيف لمثله ... كالهجو تكرهه كرام الأنفس

(1/499)


وحكى لي الأخ الشيخ مصطفى أنه حضر دروسه في الجامع الصغير للسيوطي بالأشرفية قال واتفق أني دخلت عليه يوم عيد في بيته أعيده وأعوده وهو مريض مرض الموت وكان له ولد صغير فلما خرجت من عنده أعطيته شيئا من الدراهم فرجع إلي والده فأخبره فناداني وقال لي في الجنة باب يدخل منه مفرحو الأطفال أرجو الله تعالى أن تكون منهم قال ورأيت بخطه من شعره قوله
صادني خشف ربيب ... فاتن بالحسن يسمو
ظن عذالي سلوى ... إن بعض الظن إثم
وكانت وفاته بمصر في جمادى الآخرة سنة ثمان وسبعين وألف رحمه الله تعالى عبد الباقي بن يوسف بن أحمد شهاب الدين بن محمد بن علوان الزرقاني المالكي العلامة الإمام الحجة شرف العلماء ومرجع المالكية وكان عالما نبيلا فقيها متبحرا لطيف العبارة ولد بمصر في سنة عشرين وألف وبها نشأ ولزم النور الاجهوري سنين عديدة وشهد له بالفضل وأخذ علوم العربية عن العلامة يس الحمصي والنور الشبراملسى وحضر الشمس البابلي في دروسه الحديث وأجازه جل شيوخه وتصدر للإقراء بجامع الأزهر وألف مؤلفات كثيرة منها شرح على مختصر خليل تشد إليه الرحال وشرح على العزية وغير ذلك وكان رقيق الطبع حسن الخلق جميل المحاورة لطيف التأدية للكلام وكانت وفاته ضحى يوم الخميس رابع عشرى شهر رمضان سنة تسع وتسعين وألف بمصر ودفن بتربة المجاورين عبد الباقي شاعر الروم وحسانها الأديب الشاعر الفائق الشهير بباقي كان أوحد أهل عصره في الفضل والأدب وله الشهرة الطنانة في الشعر البليغ وأهل الروم يطلقون عليه سلطان الشعراء فيما بينهم وذكر مبدأه أنه كان يتعانى حرفة السروج ثم تركها وتشبث بأذيال العلوم واشتغل على كثير من علماء وقته ووصل آخرا إلى شيخ الإسلام أبي السعود العمادي فواظب على درسه وفاز منه بالملازمة العرفية وما زال صيته يسمو بحسن الشعر حتى وصل إلى مسامع السلطان سليمان فالتفت إليه وصيره مدرسا ولم يزل يترقى في المدارس إلى أن وصل إلى إحدى المدارس السليمانية ثم عزل عنها بلا موجب وأدركته حرفة الأدب ثم بعد مدة ولى المدرسة السليمية بدار السلطنة وولى منها قضاء مكة المشرفة ثم نقل إلى قضاء المدينة المنورة وعزل عنها فأقام معزولا عدة سنين ثم استقضى بدار السلطنة ونال بعد ذلك قضاء العسكرين مرة بعد مرة وقد ذكره المولى عبد الكريم بن سنان في تراجمه فقال في وصفه كان ذا بيان عذب ولسان عضب حل عقد الفصاحة بما قيده وبيض وجه البلاغة بما سوده نفث في عقود العقول بسحره وطار إلى الأقطار هزار شعره له منظوم أرق من الدمع ومنثور يقتطف ببنان السمع
بكل لفظ كأنه نفس ... غير ممل لطول ترديد
حلى جيد الزمان بفرائد قلائده وما الدهر إلا من رواة قصائده سارت بأشعاره الصبا والقبول وصادفت من الناس مواقع القبول كأنها نفس الريحان وأزهاره تمزجه صبا الأصائل من أنفاس نواره فكأن مداد دواته من غاليه إذ أصبحت أسعار أشعاره غاليه ألفاظ كما نورت الأشجار ومعان كما تنفست الأسحار إذا ألبس قلمه ثوب المداد عرى من الفصاحة قس إياد ولو جاراه الكميت في حلبة البلاغة لكان قصاراه التقصير ولو ناظره ابن برد لقيل له هل يستوي الأعمى والبصير فيا له من شعر سار مسير الأمثال وبلغ ما بلغ الصبا والشمال يكاد يخرج من حد الشعر إلى حد السحر شفت ظروف حروف مبانيه فنمت على سلافة لطافة معانيه كما نم الزجاج على الرحيق والنسيم على شذا الروض الأنيق وكان ذا نفس أبيه وهمة وحميه يجاهر في سب أعيان زمانه من أضرابه وأقرانه بل كان لا يسلم من عضب لسانه أحد ولا يدرك له غاية ولا حد فربما أصبح كذلك وهو بإحرام الحرمان مشتمل أشبعتهم سبا وفازوا بالإبل وكانت صحبته أحلى من قبلة الحبيب وغفلة الرقيب انتهى قلت وبالجملة فهو نادرة الزمان وواحد الروم في الشعر ومع كثرة شعره بالتركية والفارسية لم أظفر له من شعره العربي إلا بهذين البيتين التوأمين وهما قوله
لم يبق منا غير آثارنا ... وتنمحي من بعد أخلاق
وكلنا مرجعنا للفنا ... وإنما الله هو الباقي
ثم وقفت له على هذا البيت الفذ قاله في هجاء ابن بستان الرومي وهو قوله
وإذا أشرت إلى كذوب مفتر ... فالى ابن بستان بكذاب أشر

(1/500)


وكان يجرى له مع أدباء عصره مطارحات ومنادمات يتداولها إلى الآن أدباء الروم في مجالسهم ويحدثون عنه بنكبات كانت تصدر عنه من ألطف ما يكون ومن أحسنها موقعا ما اشتهر عنه أنه كان نظم قطعة من الشعر في غلام مشهور بالجمال فلما سمع الغلام القطعة أعجبه ما فيها من التخيل وأقسم أنه يقبل رجله إذا رآه فاتفق أنه صادفه في بعض أسواق قسطنطينية وباقي راكب وجماعته في خدمته فدخل الغلام وأراد يقبل رجله فمنعه من ذلك وقال ما حملك على هذا ألك حاجة فقال لا وأخبره باليمين الذي حلفه فقال له أنا نظمت الشعر بفمي ولم أنظمه برجلي فخجل الغلام وتنصرف ووجدت في ديوان أبي بكر العمري ذكر هذه الواقعة وقد نظمها في أبيات ثلاثة وهي
قال لما وصفته ببديع الحس ... ن ظبي يجل عن وصف مثلي
مكن العبد أن يقبل رجلا ... لك كيما يجيز فضلا بفضل
قلت أنصف فدتك روحي فإني ... بفمي قد نظمته لا برجلي
وقريب من هذا قول الصاحب ابن عباد
وشادن جماله ... تقصر عنه صفتي
أهوى لتقبيل يدي ... فقلت لا بل شفتي
ولصاحب الترجمة من هذا النوع لطائف كثيرة والعنوان يدل على ما في الصحيفة وكانت وفاته نهار الجمعة الثالث والعشرين من شهر رمضان سنة ثمان بعد الألف عبد الباقي المعروف بالإسحاقي المنوفي الأديب الشاعر الفائق كان قاضيا فاضلا عالما مؤرخا كثير النظم للشعر صحيح الفكرة وله تاريخ لطيف ورسائل كثيرة قرأ ببلده على شيوخ كثيرين وكان يتردد إلى مصر وأخذ بها عن أكابر علمائها ومن شعره الغض البهي قوله
تمشت لنا تخجل الكوكبا ... فناديتها مرحبا مرحبا
غزالة أنس لها طلعة ... إذا خالها الصب حقا صبا
أدارت بحضرتنا قهوة ... وطافت بكاس الطلا مذهبا
رنت ورمتني بألحاظها ... وقد أذكرتني عهد الصبا
فلو أن نظرتها كالظبا ... لهان ولكن كحد الظبا
وغنت لنا فطر بنا لها ... فيا حسن ذاك الذي أطربا
غزالية آنست صبها ... وأنست محبتها زينبا
فهمنا فهمنا غراما بها ... وعن حالتي حبها أعربا
وصبرت قلبا غدا هائما ... وقد كاد في الحب أن يذهبا
ففيها مديحي عذب يرى ... وفي غيرها المدح لن يعذبا
سأجعل في وصفها نبذة ... وأركب في حبها أشهبا
مدحت فقصر قلبي المديح ... وكان مرادي أستوعبا
وإني في وصلها سيدي ... ترانى بين الورى أشعبا
فبالله يا نسمة البان إن ... حففت على حي ذاك الربا
وجزت رياضا بها غادتي ... فهات لنا عن حلاها نبا
أيا عاذلي في هواها اتئد ... حديثك عندي مثل الهبا
سقى الله روضا به سادتي ... من الوبل غيثا به صيبا
لأني باق على عهدهم ... أرى حبهم مذهبا مذهبا
ومن مطرباته هذه الخمرية وهي قوله
أمل لي كاسا تماما ... واسقني جاما فجاما
واجعل الدرة كاسا ... وخذ النبر مداما
تمم الكاس فإن الكا ... س ما كان تماما
واتخذها سلما لله ... و يسمو أن يساما
وتوهم أنها الح ... ل وإن كانت حراما
ثم أزهى موضع في الر ... وض فاختره مقاما
وإذا ما شئت أن تسك ... ر فاستدع النداما
وليكن خمرك عاديا ... وساقيك علاما
يملأ الكاسات والا ... لحان برأ وسقاما
يملأ القلب سرورا ... وانبساطا وغراما
عابثا بالغصن أعطا ... فا وبالزهر ابتساما
ومحلى بالطلا جيد ... ا وبالعارض لاما
وترى منه القوام الغ ... صن والغصن القواما
وترى الأغصان إج ... لالا له هيبا قياما
وترى الشمس وبد ... ر التم نارا ثم راما

(2/1)


فهو المطلوب للمجل ... س رأسا واماما
اسقني بالكوب وال ... كاس فرادى وتؤاما
ثم بالطاس إلى أن ... تتراآى الهام هاما
ثم بالجرة فالج ... رة حتى أترامي
اسقني حينئذ بال ... زق حتى لا كلاما
ثم بالدن فتلك الغ ... اية القصوى تماما
ثم خذ عني ما شئ ... ت ولا تخش أثاما
والتقط مني الجمان الفرد نثرا ونظاما
وإذا لم يكن الطاف ... ح بالكاس هماما
فاغدوا عذر وإذا ر ... ام خطابا قل سلاما
ويستحسن منه قوله
أذكرت أيتها الحمامة غيدا ... ومعاهدا سلفت لنا وعهودا
وصدحت فوق أراكة فتصدعت ... قلبا وحين صعدت ذا الا ملودا
أذكرت أشجانا لنا ومعاهدا ... وصفا تقضى طارفا وتليدا
هذا على أن الغرام إذا زكى ... ظل الشجي يتوقع التغريدا
لله أيام نعمت بها وقد ... عقد الغمام على الغصون نهودا
حيث الشجي طورا يخمس كاعبا ... ومن الجوى طورا يجمش رودا
حيث الشمال يحرك العذبات إذ ... يخطو ويخطر والرياض وبيدا
حيث المثاني والمثالث هذه ... ترنو وذي بشجي تحرك عودا
هذا ومع أنا ولو طفحت كؤو ... س الراح واشتعل المدام وقودا
ما حركت منا المدام سوى الر ... ؤس كذا الشمال تحرك إلا ملودا
أتؤوب هاتيك اللويلات التي ... فيها نظمت نظمت لآلئا وعقودا
ولرب خل حاز أنواع الذكا ... ولذا غدا في المكرمات فريدا
سامرته وجنوت من ألفاظه ... ما يخجل الصهباء والعنقودا
وجلا علي عرائسا من فكره ... حسنت طلا ومعاطفا وقدودا
وأفادني وأفدته والخل يحم ... د أن يفاد معانيا ويفيدا
فالعقل نام والعفاف بحاله ... ومجيد فكرتنا استمر مجيدا
يا عبد فابق على اصطباحك واغتبا ... قك واصحبن العهد والمعهودا
وقد ذكرته في كتابي النفحة وذكرت له من غزلياته قدرا زائدا على هذا والحق أن شعره ما عليه غبار وكانت وفاته في نيف وستين وألف بلدة منوف

(2/2)


عبد البر بن عبد القادر بن محمد بن أحمد بن زين الفيومي العوفي الحنفي أحد أدباء الزمان المتفوقين وفضلائه البارعين كان كثير الفضل جم الفائدة شاعرا مطبوعا مقتدرا على الشعر قريب المأخذ سهل اللفظ حسن الإبداع للمعاني مخالطا لكبار العلماء والأدباء معدودا من جملتهم أخذ العلم بمصر عن الشيخ أحمد الوارثي الصديقي والأدب عن الشيخ محمد الحموي والقراآت عن الشيخ عبد الرحمن اليمني وفارق موطنه فحج أولا وأخذ بمكة عن ابن علان الصديقي وكتب له إجازة مؤرخة بأواخر ذي الحجة سنة اثنتين وأربعين وألف ثم دخل دمشق وحلب في سنة ثمان وأربعين وأخذ بحلب عن النجم الحلفاوي الأنصاري ولزمه للقراءة عليه في شرح الدرر في الفقه مع حاشية الوافي وشرح ابن ملك على المنار مع حواشيه الثلاث عزمي زاده وقرا كمال والرضى بن الحنبلي الحلبي وشرح الجامي مع حاشيته لعبد الغفور ومختصر المعاني مع حاشيته للخطائي ثم خرج إلى الروم فورد مورد العلامة أبي السعود الشعراني وقرأ عنده جامع الأصول للربيع اليمني وهو في تحرير الأحاديث وشرح الهمزية لابن حجر بتمامه ونصف سيرة الخميس أو قريبا منه وجانبا من فتاوى قاضي خان وبعض فرائض السراجية وكثيرا من مباحث التفسير وأجازه ولزم الشهاب الخفاجي فقرأ عليه بعض شرح المفتاح للتفتازاني وبعض شرح نفسه على الشفا وكتب له خطه على هامش الكتابين ولما ولى قضاء مصر استصحبه معه إلى صلة رحمه واستنابه بين بابي الفتح والنصر وصيره معيدا لدروسه في حاشيته على تفسير البيضاوي وفي شرح صحيح مسلم للنووي وأخذ بالروم عن المولى يوسف بن أبي الفتح الدمشقي إمام السلطان وولى من المناصب إفتاء الشافعية بالقدس مع المدرسة الصالحية ودخل دمشق وأقام بها في حجرة بجامع المرادية نحو سنتين ولم يقدر على الدخول إلى القدس خوفا من الشيخ عمر بن أبي اللطف مفتي الشافعية قبله ثم لما مات الشيخ عمر ترحل إليها ومكث بها أياما ولما لم ينل حظه من أهلها ترك الفتوى والتدريس ورأى المصلحة في الرجوع إلى الروم فانتقل إليها وأقام بها مدة ثم انتظم في سلك الموالي فولى بعض مناصب ومات وهو معزول عن ساقز وله تآليف كثيرة حسنة الوضع أشهرها كتابه منتزه العيون والألباب في بعض المتأخرين من أهل الآداب جعله على طريقة الريحانة إلا أنه رتبه على حروف المعجم وجمع فيه بين شعراء الريحانة وشعراء المدائح الذي ألفه التقي الفارسكوري وزاد من عنده بعض متقدمين وبعض عصريين وهو مجموع لطيف وفيه يقول الأديب يوسف البديعي
كتاب ذي الفضل عبد البر منتزه ال ... عيون أحسن تأليف ومنتخب
حوى محاسن أقوام كلامهم ... في النظم والنثر يلفى زبدة الأدب
رأى البديعي ما فيه فحقق أن ... ما مثل رونقه في سائر الكتب
وله حاشية على شرح الهمزية لابن حجر صغيرة الحجم وكتاب بلوغ الأرب والسول بالتشرف بذكر نسب الرسول وكتاب اللطائف المنيفة في فضل الحرمين وما حولهما من الأماكن الشريفة وكتاب حسن الصنيع في علم البديع وله بديعية على حرف النون وشرحها ومطلعها
لما تذكرت سفح الخيف والبان ... أهل دمعي وروى روضة البان
وقد عارض فيه بديعية شيخه الحموي ومطلع قصيدته
هجري على ولي وصل بأحياني ... أماتني الهجر جاء الوصل أحياني
وله رسالة في التوشيع سماها إرشاد المطيع ورسالة سماها مشكاة الاستنارة في معنى حديث الاستخاره ورسالة في القلم وأخرى في السيف وبله شعر كثير غالبه مسبوك في قالب الإجادة وعليه رونق الانسجام والبلاغة فمن ذلك قوله
تبدى مليك الحسن في مجلس البسط ... بقد كغصن البان أو ألف الخط
وأبدى على شرط المحبة حجة ... مسلمة أحكامها قط ما تخطى
ومن شرطه في الخد قبلة عاشق ... فكان مداد الحسن في ذلك الشرط
اختلسه من قول ابن حجة في قصيدته التي قالها في مدح حماه
وقد جاء شرط البين أني أغيب عن ... حماها لقد أدمى فؤادي بالشرط
ومن تشبيهاته
رأيت يوما عجبا ... فيا له من عجب
النور مبيضا على ... حمر لون القضب
كخيمة من فضة ... على عمود ذهب
ومن ذلك قوله

(2/3)